تحميل رواية «الوشم السائر» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت داخل شقتي أعطي مجموعة من الطلبة درسًا. لما سمعت صراخ جاري أحمد المرتفع جدًا، كان يسب ويلعن. عندما فتحت باب شقتي، رأيته يدفع زوجته نيرة على السلم بعنف وهو يصرخ: "خائنة، عاهرة، أنتِ طالق، طالق وبالثلاثة". يومضت نيرة على السلم دون أن تفتح فمها، وتلقت الضربات والصفعات بصمت. جارتي نيرة امرأة شابة، هادئة جداً ومؤدبة، ونادر أن تخرج من شقتها. لم أر منها إلا كل خير، وكنت أقابلها أحيانًا على السلم، أرمي السلام فترد التحية بصوت خافت يكاد لا يُسمع. تجمع الناس وأحضروا تاكسي لنيرة، أخذها ورحل. سرت همسات أ...
رواية الوشم السائر الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
خفضت شروق صوتها.
هذا الشخص كانت لي علاقة به قبل زواجي، ولا أعرف كيف توصل لعنواني.
كان يهددني ببعض الأمور التي يمسكها علي.
كنت خائفة على سمعتي وعلى خراب بيتي، رضخت لابتزازه أكثر من مرة.
عندما رأيتني في المنتزه، كنت أقدم له فلوس عشان يقفل بقه.
ليه محاولتيش تبلغي البوليس؟
أفضح نفسي يا عوني؟
أنا ست متزوجة وأي شوشرة هتؤثر علي.
لكن بعد موت جوزي، خلاص مبقاش فيه حاجة مهمة غير إني أوصل للي قتله.
تأملت ملامح شروق، كانت عيونها لا تكذب.
أسامة جوزك عرف حاجة؟
يعني تعتقدي ممكن يكون عرف حاجة قبل يوم قتله؟
معرفش يا عوني.
أسامة إنسان هادي وصعب تلاحظي أي تغيير عليه.
لكن آه، أعتقد ممكن يكون عرف وحاول يحل المشكلة بطريقته.
يعني انتي شاكة إن ممكن الشاب ده يكون قتل أسامة جوزك لما وصل له أو ضغط عليه أو هدده؟
معرفش يا أستاذ عوني، معرفش.
إلى مجنني موت أحمد قبل أسامة وطريقة القتل الواحدة.
طيب حتى لو كان هو، هيقتل أحمد ليه؟
أحمد بعيد عن القصة.
أنا حاسة إن فيه حاجة غامضة في الموضوع.
خلينا دلوقتي نمشي خطوة بخطوة، اختك نيرة بريئة، أنا اتأكدت من كده.
هي مسألة وقت، الشرطة والتحقيق هيثبت إن طريقة الموت واحدة.
يعني نيرة مش القاتلة.
تبادلت مع شروق أرقام التليفونات واتفقنا نتبادل المعلومات.
ومر أربع أيام من غير أخبار جديدة.
الفار لعب في عبّي، كلمت شروق وطلبت أقابلها.
شرحتلها كل حاجة وكنت عايز أعرف ليه الشرطة تأخرت في الربط بين القضيتين.
أخذت شروق وطلعنا على المشرحة.
ولأنها زوجة القتيل، كان سهل نشوف الجثة اللي كانت محفوظة في المشرحة.
قلت لشروق وأنا بفتح صندوق التلاجة: "دا الدليل اللي بقولك عليه، الوشم على جسم جوزك نفس الوشم على جثة أحمد".
طلعنا جثة أسامة، وغصب عني أطلقت تنهيدة.
مكنش فيه وشم ولا أي حاجة، كل حاجة اتمسحت.
مش بس كده، كمان كان فيه جروح جديدة في جسم أسامة.
شكيت إنها من التشريح، لكن الطبيب الشرعي قال إن لسه مشرحش الجثة ولا عمل فيها حاجة.
يعني الدليل اختفى، طيب مين دخل المشرحة؟
وإزاي قدر يمسح الوشم ويعمل الجروح في الجثة؟
قعدت على حيلي من الصدمة.
دلوقتي عرفت ليه الشرطة تأخرت في إعلان النتائج.
وليه نيرة لسه محبوسة في السجن ومخرجتش منه.
قلت لشروق: "على فكرة أنا كمان لقيت نفس الوشم مرسوم في شقتي ورا الكنبة".
وسبته هناك زي ما هو.
وحصل اللي كنت متوقعه، لما رجعنا شقتي أنا وشروق، كان الوشم اختفى تماماً والحيطة بتلمع كأنه أخدت وش معجون جديد.
وافق فتحي بيه يقابلني بعد ما شروق ترجمته يسمعني.
وهناك حكيت كل حاجة بالتفصيل.
ومن حسن حظنا إن الشرطة بتحتفظ بصور لجثة القتيل في دفاترها وفي محضر التحقيق.
فتحي بيه مكنش مصدقني، لكن لما شاف الوشم في الصور.
ولما رحنا المشرحة ولقى الجثة مفيهاش وشم.
صدقني وأمر بعمل تحقيق داخلي ومراجعة الكاميرات.
وإنهم لازم يكتشفوا مين اللي عبث بالأدلة.
وكانت كاميرات المشرحة شغالة من حسن حظنا.
لكن للأسف الشخص اللي عمل كده كان ملثم تماماً، وشه مظهرش في الكاميرات.
وكمان جسمه كان مختلف عن الشاب عشيق شروق.
وجد فتحي بيه نفسه عاجز عن المساعدة.
عرف إن نيرة بريئة، لكن مش هيقدر يثبت حاجة ولا حتى يوقف حكم الإعدام اللي منتظرها.
كل اللي قدر يعمله إنه قال: "هوفرلكم الوقت، هطلب من القاضي بصورة ودية يأجل القضية".
رواية الوشم السائر الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
قلت لفتحي بيه: "هو العبث بأدلة القضية مش ممكن يؤدي لبطلانها؟"
بصلي معاون المباحث بطريقة توحي إنني غبي واستحق العقاب.
"يا عوني، إحنا لا عندنا متهم، ولا حتى أدلة. إيه فايدة العبث في نظر القاضي؟ الكلام ده بيحصل لما يكون فيه مجرم، لكن إحنا لسه منعرفش حاجة."
إلى أن كانت شروق تنتظر مني أكثر مما فعلت، ربما كانت تعتقدني شخص عبقري ولم تدرِ أنني مجرد شخص يعاني.
يعاني من كل شيء، حتى نفسه.
ودعت شروق خارج القسم، أن ما أفكر به ضد القانون ومن الممكن أن يدخلني السجن.
هاتفت أحد أصدقائي، وأحد الأشخاص الذين لا أتحدث معهم إلا عندما أنوي القيام بمصيبة.
قابلته على المقهى ووضحت له ما يجب عليه فعله بالضبط.
قلت له: "لا تكن غبي وتفسد كل شيء."
رمقني باندهاش وهمس: "ومتى كانت آخر مرة خيبت ظنك؟"
قلت: "أبداً."
ثم تركته يصارع شكوكه.
إذا كان القاتل أفسد قضيته، سأفسد قضية نيرة ولنرى خطوته القادمة.
كان لدي شك أن عشيق شروق قتل زوجها، وكان علي في هذه الحالة أن لا أسمح له أن يسبقني بخطوة.
راقبت شقته، كان شاب هادئ ولا أعرف كيف اختارته شروق عشيقاً له.
لكني أفشل كل مرة في فهم عقلية المرأة، كانت شروق عكسه، جامحة ومتهورة، وفي عيونها نظرات تفضح همجيتها القلبية.
ظللت جالس على المقهى أراقب من بعيد حتى رأيته.
يبيع طعامه من الشارع ويصعد شقته، مجرد شاب عادي ليس فيه ما يلفت النظر.
"كله تمام يا عوني؟"
من المرات النادرة أن أسمع شيء مفرح، تركت الهاتف على أذني وسألته: "حد خد باله؟"
"اطمن يا عوني، كل حاجة تمت زي ما طلبت، بس الموضوع مكلف جدا."
قلت: "متقلقش، نيرة هتدفع، تبخر انت بقا."
قبل أن أرحل، لفت انتباهي امرأة منقبة تصعد البناية.
لست شديد الملاحظة، لكن مشيتها كانت غريبة ولا تناسب عمرها أو جسدها.
استدارت مرة واحدة للخلف وصعدت درجات السلم.
وبعد ربع ساعة رأيتها ترحل.
وهمس شيء داخلي: "راقب تلك الفتاة، ستدلك على القاتل."
وبعد ربع ساعة من السير خلفها توقفت.
لم تعجبني مشيتها.
ومر أسبوع طويل وثقيل، بين مهاتفات شروق التي لا تنتهي.
وتهربي من لقائها.
ثم حدث ما خططت له، المحامي الذي ترافع عن نيرة نجح في إبطال أدلة القضية.
ووجد القاضي نفسه مضطر لإخلاء سبيلها وتأجيل القضية لموعد آخر.
كنت داخل شقتي عندما سمعت الخبر، وأنا أنظر من الشرفة رأيت تلك المرأة نفسها تنظر نحو شقتي.
ارتعش جسدي، بحثت عن أي شيء أدافع به عن نفسي.
وعندما عدت للشرفة كانت رحلت.
انتظرتها تصعد السلم لكنه لم يحدث.
وعندما هدأت واطمأن قلبي تمكنت من النوم.
في صباح اليوم التالي، هاتفتني شروق بنبرة اتهامية وأخبرتني أن عشيقها قُتل داخل شقته ليلة أمس.
رواية الوشم السائر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
رواية الوشم السائر الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
هجوم شروق الغير مبرر، نبرتها الاتهاميه
خلتني لا اراديا احاول اربط بين اوصاف المرأه المنقبه وبينها
ربما كانت المرأه أكثر طولا لكن النظر يخدع
شروق المستفيد الوحيد من قتل عشيقها وجوزها
وربما احمد جوز اختها، وانا بدى الدرس للطلبه دماغى شردت لبعيد جدا
احمد اكتشف خيانة شروق لجوزها اسامه، فشروق قتلته
او خلت عشيقها يقتل جوز نيره
لكن اسامه بالصدفه اكتشف الخيانه وكان لازم تتخلص منه
ربما قامت بقتله او خلت عشيقها يقتله
وبعد كده علشان تموت القضيه قتلت عشيقها، بقتله لن يكون هناك اى دليل
كان ناقص حاجه واحده، عشيقها يموت بنفس الطريقه
سكين فى القلب ووشم على الصدر والرقبه
الوشم؟
مشيت الطلبه من الشقه وطلعت الوشم من ورا الكنبه الوشم إلى احتفظت بيه ومرضتش امسحه
ورده غير مكتمله مع رأس ثعبان
الوشم دا ممكن يرمز لأيه؟
وشم زهرة غير مكتملة برأس ثعبان على جثة قتيل قد يحمل أبعادًا نفسية عميقة ويعكس رموزًا مركبة من الموت، الحياة، والصراع الداخلي
الزهرة غير المكتملة قد ترمز إلى حياة لم تصل إلى ذروتها أو طموح لم يتحقق. الثعبان، كرمز مزدوج للحياة والموت، يمكن أن يشير إلى صراع داخلي بين الرغبة في التجدد والخوف من الفناء.
الثعبان غالبًا ما يرمز إلى الخطيئة أو الخيانة في الثقافة الشعبية والأساطير، ما قد يعكس علاقة معقدة عاشها القتيل، ربما تميزت بالغدر أو الإغراء القاتل.
الجمع بين الزهرة والثعبان قد يعكس ازدواجية نفسية؛ الزهرة تمثل الرقة والضعف، بينما الثعبان يرمز إلى القوة والسيطرة، مما يشير إلى اضطراب عميق بين هويتين متضادتين.
قد يكون الوشم رمزًا لشخصية القتيل أو ارتباطه بجماعة أو ماضٍ معين،في هذا السياق، يمكن أن يكون الوشم رسالة رمزية موجهة لمن يعرف تفسيره.
اشعلت سيجاره ورقدت على الأريكه
شروق، شروق؟ ما قصتك؟
ثعبان وورده؟ هل تزوجت شروق جوزها غصب؟ ايعنى الوشم انها ترسل رساله انها امرأه قويه وحره، من الممكن أن تكون ورده رقيقه او ثعبان يلدغ وقاتل؟
مسكت تليفونى بشرود وكلمت نيره
اهلا عونى، اخيرا فكرت تتصل بيا؟
يا اخى دا مكنش عيش وملح، انا افتكرتك هتكون اول واحد يكلمنى بعد خروجى من السجن؟
وتسألت انت ايضا خرجت من السجن ولم تفكرى الاتصال بى او حتى شكرى؟ اكنت بالنسبه لك اداه تم استخدامها ثم القائها فى الزباله؟
قلت معلهش الدنيا والظروف مش بتسيب حد
ممكن اقابلك يا نيره؟
ليه يا عونى؟ همست نيرة بنبره مايعه
اكونش وحشتك؟
بصقت على الأرض وانا اتنهد، عايز الحقيقه يا نيره؟
اها يا عونى وشعرت انها تغنى اسمى
قلت انا على لحم بطنى من امبارح ومحتاج حد يعزمني على مطعم ومش لاقى حد قدامى غيرك
ثم ابتسمت ها قلتى ايه؟
همست نيره ولو انى عارفه انه مش كده، بس انا عايزه اخرج واشم الهوا
من ساعة مخرجت من السجن وانا محبوسه جوه الشقه
بعد ساعه كنت قاعد مع نيره فى المطعم وفاجأتنى نيره بطله مذهلة، ذكرتنى بليلى كاردش فى ليلة سقوط غرناطه
وانا باكل سألت نيره هى شروق دراستها كانت ايه؟
صمتت نيره مده كافيه لالتهام ساندوتش شاورما بعدها قالت
فنون جميلة
رفعت رأسى بغباء وانا افعل ذلك دائما، فنون جميله؟
ايوه يا عونى ومدت لى نيره ساندوتش بانيه ولاحظت انها تعاملنى كأنى زوجها
اردفت، وانا كمان فنون جميله جامعة عين شمس
وقفت اللقمه فى بلعومى وكدت افطس، هل من الممكن أن أكون جالس مع قاتله على نفس الطاوله؟
ثم أطلقت ضحكه كئيبه هزليه، امر مذهل فليس كل يوم يجلس الانسان مع فتاه قاتله، جميله ورقيقه
احب ذلك الصنف المتوتر المختل نفسيآ
مالك يا عونى؟
قلت مفيش حاجه اصلى جعان جدا
همست نيره جعان لايه بالضبط!؟ الاكل ولا حاجه تانيه
رواية الوشم السائر الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
جعان لحاجات كتير يا نيرة، لكن ولا حاجة فيهم من اللي في دماغك.
أنا دماغي وحشة أوي يا نيرة، أوسخ مما تتخيلي.
وكل حاجة عندي لازم تتم زي ما أنا عايز، وإلا ميبقاش ليها لازمة.
تقدري تقولي مزاجي بيحكمني، واللي تحكمه مزاجيته للأسف متقدريش تتوقعي أفعاله.
ولا تعرفي تفرقي بين الحاجات اللي ممكن ترضيه واللي ممكن مترضيهوش.
وسألت نيرة بنبرة مستفزة:
يعني أنا مش عاجباك يا عوني؟
وأدركت إن الحوار بطريقة ما حاد عن مساره.
وربما ذلك ما كان جزء مني يربو إليه، جزء لا يمكنني السيطرة عليه.
وعندما ينطلق يصل إلى مراده.
إن ما نرغب فيه تحديداً إما جاء بعد فوات الأوان، أو يكون الوقوع فيه محفوف بالخطر.
وكلاهما بالنسبة لي مجرد لعبة متعددة الاحتمالات.
شبكت يدي أمامي على الطاولة وهمست:
تعجبيني، لكن بطريقتي.
وطريقتي... ممم مختلفة، وربما صعبة.
وأنا في الوقت الحالي غير مستعد لتضييع وقتي على تجربة فاشلة.
ابتسمت نيرة:
ولو كنت قلت حاجة غير كده، كنت هقولك إنت كذاب.
أنا شايفة نظراتك لي يا عوني، وأي ست بتفهم نظرات الراجل لما يكون عايزها.
قالت:
آها، يعني هتكون نظراته إيه مثلاً؟ مريبة؟ غامضة؟ شهوانية؟
صمتت نيرة مدة طويلة، ذهاء دقيقة، وعلى وجهها ابتسامة استطلاعية.
أنت نظراتك مختلفة يا عوني، إنت نظراتك قاتلة، نظرات إجرامية، نظرات انتقامية مذلة.
ودا النوع اللي أنا بعشقه يا عوني.
همست:
علشان كده قتلت جوزك؟ لأنه مكنش من النوع اللي بيعجبك؟
تركت الكلمة تلف وتدور دون أن أبدي ردة فعل معينة.
إذا دخلت وكر الدبابير من العار أن تخشى لسعته.
ثم أردفت بابتسامة:
مزاحي تقيل صح؟
صمتت نيرة هي الأخرى وعينيها تخترق وجهي دون أن ترمش.
وتمكنت للحظة أن أرى قسوة قلبها في ملامحها.
ثم همست بنبرة غامضة:
يا راجل! دا أنا افتكرتك بتتكلم جد؟
وظلت الابتسامة مرسومة على وجهها، ثم انقلب وجهها للوضع الضاحك الدفين.
وأردفت بصوت خافت وبنبرة حزينة:
قلت أخيراً لقيت راجل بيفهم.
وكان على الصمت أن يحول بيننا للحظات، قبل أن ترتعش شفاهنا بابتسامة وليدة.
ثم أطلقنا ضحكة جنونية في وقت واحد، جعلت القطط المتشردة أسفل الطاولة تجفل وترتعب.
امرأة مثل نيرة من الممكن أن تقتلك دون أن يرمش لها جفن.
ومن الممكن أن تمنحك متعة مؤقتة لم تروى في القصص ولم تكتب في الروايات.
نفي النفي إثبات، لكن نيرة لم تنفِ أي شيء.
كأنها تقول: ليس لدي ما أخجل منه.
إذا كنت قبطان حاذق، ابحر بين ضفتي وأتحدّاك أن تعود إلى البر.
ولا يمكنني أن أنكر بأي شكل من الأشكال أن تلك الحوارات تستهويني.
فأنا أكره الغباء المتزن في حوارات المقاهي.
إن ما مررت به خلال مشوار حياتي يدفعني بصورة مؤكدة للترحيب بأي حوار هزلي يستفز مخيلتي ويصيبني بالفضول المؤذي.
إذا كنت نيرة نجحت في إثارة فضولي، فأعتقد أنني أيضاً أتربع في وسط عقلها.
عقلها الهادئ والعاصف، الطيب والقاسي، عقلها المجنون.
تشربي شاي؟
إيه الطريقة البلدي دي يا عوني؟
إنت قاعد مع امرأة فائقة الجمال وأنيقة، يا أخي اختار ألفاظك إذا كنت ترغب في إثارة فضولي.
ابتسمت:
كنت أعرف أن ألحق معها في تلك الملاحظة.
ناديت النادلة:
اتنين شاي خفيف سكر زيادة لو سمحت.
وتركت عيوني تعبث بملامح وجه نيرة أكثر من عشرة مرات حتى احمر وجهها من لهفتها.
إيه رأيك أعزمك على واحد شاي في شقتي يا عوني؟
قلت:
ملوش لزوم يا نيرة.
همست:
يعني هي جات على الشاي يا عوني؟
قلت:
مش هتعرفي تعملي شاي.
قالت:
أعتقد إني أعرف شايك يا عوني أكتر من النادل نفسه.
دفعت الحساب للنادل متضمن شيك الشاي، ثم نهضت ووضعت يدي في جيب بنطالي.
إن فكرة التراجع في آخر لحظة ليست من شيمي.
رواية الوشم السائر الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
كانت سيارة كيا بيضاء تقف خارج المطعم، والمفاتيح المعقودة في رأس دمية دب قطبي تتراقص بين يدي نيرة.
عندما خاطبتني:
"هتسوق يا عونى ولا اسوق انا؟"
"مش بتسوق غير لما تكون العربيه بتاعتى يا نيرة!"
"وهي العربية مش بتاعتك يا عونى!؟"
منحتها نظرة هادئة. فأنا يقللني الشك قبل أي مبادرة بعدما تلقيت صفعات الخذلان.
"ليه مش متأكد يا عونى؟ انت مش بتعرف تسوق؟"
همست وابتسامة باردة مثل الثلج تتراقص فوق شفتي الخمريتين المعقودتين مثل سنارة صيد نمرة خمسة فرنسي تستخدم في صيد شاموش بحيرة ناصر.
"ممكن سواقتي متعجبهاش يا نيرة."
"وهي يعني العربية هتعترض يا عونى؟"
"إذا لم تعترض السيارة، إذا لم يكن لها موقف فأنا غير مهتم بسواقتها."
وتراقصت على وجه نيرة نظرة حائرة تقييمية عابثة.
وهمست بتفكير:
"إذا كانت معترضة ليه هتسوقها أصلاً؟"
"قلت لك لأن لدي مزاجيتي المتفردة والتي قد تبدو مجنونة، لكن لا متعة إطلاقاً إذا لم تمرر دوافعك ورغباتك بالضربة القاضية، أحياناً يا نيرة."
"خلاص هسوق أنا طالما دي رغبتك، أنا قلت بس أشوفك الأول."
جلست نيرة خلف عجلة القيادة وانطلقت بالسيارة. ولاحظت أنها تقود ببطء، عكس أختها شروق التي تنطلق بسرعة. وبين هذا وذاك ارتبك عقلي.
ذلك الاختلاف يرهقني جداً ولا يسمح لي بوضع افتراضية للعمل بمنطق ثابت.
"مش المفروض تكوني مع شروق أختك دلوقتي يا نيرة؟"
"ليه يا عونى؟"
"يعني جوزها مات وأكيد هي حزينة ومتوترة ومحتاجة حد جنبها."
"أنا علاقتي مع شروق مش أحسن حاجة يا عونى، وبعد كل اللي بيحصلنا ده أنا مش عدت فاهمة حاجة."
"لكنها أختك يا نيرة وجوزها مات."
"أنا كمان جوزي مات، اتقتل في شقتنا واتهمت بقتله، شايف العبثية وصلت لحد فين يا عونى؟"
وكان هناك أطفال يلعبون في الشارع تحت بناية نيرة الجديدة. رفعوا رؤوسهم عندما مرت. وطالتني بعض النظرات المتطفلة، ليس بسبب طلتي البهية بالطبع، بل لأنني رفقة نيرة الجميلة.
صعدنا درج السلم. حيث قادتني نيرة لشقتها الجديدة التي استأجرتها بعد خروجها من السجن.
كانت الشقة فاخرة ولم تشعرني بالراحة. فأنا لا أحب الأناقة الزائدة وشعرت أن ترفضني.
قعدت على الأريكة وألقت نيرة حقيبتها بلا عناية على الكرسي. مما أشعرني بالراحة.
"سأخرج من هنا حي."
"شايك ايه يا عونى؟"
"خفيف سكر زيادة."
"ياه انت لسه مغيرتش رأيك؟"
"تعرف يا عونى واحد مثلك يليق به أن يشرب قهوة ولا شيء آخر."
"وأنا لن أشرب القهوة ولا الشاي بالقرنفل ولا هوت تشيكلوت ولا آيس تي ولا أي شيء قد يعجب الآخرين وغير مهتم أنا أعجبهم، أنا الذي يركض الآخرون نحوه ولست الشخص الذي يلهث خلف أشياء لا تخصه، ولن أفتح يدي عبثاً لكل من يطلبني."
"لا أحب القهوة يا مدام نيرة، جربتها مرة ووجدتها مرة وليس لها مفعول السحر. ويمكنني ببساطة أن أكره العالم الذي يحبه غيري."
"مثير للاهتمام أنت يا عونى وهذا ما يمنحك فرصة."
"كم ملعقة سكر؟"
"أربعة لو صغيرة."
تركت نيرة الماء يغلي في الإبريق ودخلت غرفتها وعادت بعد دقائق مرتدية ملابس المنزل.
تموت المرأة، يموت جسدها وروحها وتبقى عينيها متقدة لا تفقد بريقه.
لم أخشى في حياتي سوى المرأة التي تهرب الحياة من عينيها.
وضعت نيرة كوب الشاي أمامي بطريقة رسمية.
"تفضل يا عونى."
شكرتها وأشعلت لفافة تبغ.
"من الحماقة أن تركض من مصيرك الذي ينتظرك فأنت واقع على كل حال."
"برأيك يا عونى من قتل أسامة زوج شروق؟"
"أعتقد شروق أو عشيقها."
"هي شروق ليها عشيق يا عونى؟"
"آه ليها عشيق."
"وإنتي كمان."
رفعت نيرة حاجب محدد رفيع ومرسوم بعناية فائقة.
"بطل هزار يا عونى."
أطلقت دفعة من الدخان الأزرق وتنهدت بضيق.
"أكره من يستغيني وأكره أكثر من يتمثل الغباء عندما يتحدث معي."
"والأكثر كرهاً بالنسبة لي الذين يدعون الذكاء في حديثهم معي."
"شروق قتلت عشيقها يا نيرة، لقوه ميت صباح اليوم في شقته، شاب مسالم يعيش بلا هدف ويركض خلف الحب ككلب يستحق هذا المصير البائس."
"أنا معرفش أن شروق ليها عشيق يا عونى، قلت لك علاقتنا مش أحسن حاجة ومعتقدش إن شروق ممكن تقتل أي حد."
"شروق طيبة ورقيقة جداً، أنا مش بقول كده لأنها أختي لكن لأني أعرفها كويس."
"وإنتي طيبة يا نيرة؟"
"ده سؤال ولا مدح يا عونى؟"
"امرأة قوية مثلك لا يمكن أن تكون ضحية في قصة أحدهم."
وثبت عيني على وجه نيرة الصافي أحفر فيه بكل قوتي.
"أنت الشريرة."
"عونى كلامك يخوف."
رواية الوشم السائر الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
ما هو مش معقول اكون أنا اللي قتلت أحمد وأسامة والشاب الآخر،
لأن ماليش مصلحة.
وطبعًا انتي كنتي محبوسة لحظة قتل أسامة،
يعني مش فاضل غير شروق.
شروق اللي كانت حرة في أوقات كل جرائم القتل اللي حصلت.
لكن انتي بتقولي شروق طيبة ومتقدرش تقتل.
ولو كان كلامك حقيقي يا نيرة أؤكدلك إن كلنا في خطر.
أنا وانتي وشروق.
وإن القاتل في اللحظة دي بيراقبنا من الشارع.
واحتمال يكون فيه صورة امرأة منقبة تقف على الجهة الأخرى من الطريق.
ساد سكون حذر لم يُسمع فيه غير أنفاس نيرة التي همست:
"عونى انت بتتكلم بجد؟"
"أيوه بتكلم بجد."
تحركت نيرة نحو الشرفة.
واجهدت نفسي لمراقبتها وهي تسير بخوف وحذر.
اختفت إلى جانب النافذة وأحنت عنقها بنظرة قصيرة.
ثم شهقت وركضت نحوي وهوبا حصل اللي حصل.
"ده حقيقي يا عوني، فيه واحدة منقبة واقفة قدام العمارة."
همست.
"اهدّي يا نيرة واقعدي مكانك."
"اقعدي بقا أنا مش ناقص برجلة."
تحركت نيرة ببطء وجلست لكن بالقرب مني.
"أكره أفلام الأبيض والأسود لأنها بتعيد إلى في ذاكرتي مواقف مملة رتيبة تكررت ألف مرة."
"كان من المفترض أن تركض نيرة نحو غرفة نومها وتسحب المسدس من درج مكتبها ثم تخرج هائجة نحو الصالة."
"إن ما يحدث لنا نابع من ضعف الثقافة التي تحفز الابتكار."
"لو قرأت نيرة ذهب مع الريح لمارغريت ميتشل لكانت سكارليت أوها، وكنت لها ريت بتلر، ولقضينا على المجرمين."
"لكنها مثيرة للشقة حتى لو كانت قاتلة."
"انت عرفت إزاي يا عوني إن فيه واحدة ست بتراقبنا؟"
همست نيرة بنبرة ضعيفة.
"مجرد إحساس يا نيرة، الست دي كانت بتراقبني أنا كمان."
"ودلوقتي لو بصيتي مرة تانية هتلاقيها مشيت."
"والست دي ممكن تقتلني يا عوني؟"
همست نيرة وهي في طريقها نحو النافذة.
"معرفش الصراحة، اسألي نفسك ليه أحمد وأسامة ماتوا."
"لو كان ليكي علاقة بموتهم يبقى لازم تكوني حذرة."
"بالنسبة لي معنديش أي حاجة تخوفني إلا لو كان القتل من أجل المتعة."
"فأنا طول عمري لم ألفت نظر أي شخص ولا أعتقد إن أي شخص هيكون مهتم بقتلي."
أخرجت نيرة هاتفها واتصلت بشروق بسرعة وخوف.
ولم ترتاح إلا بعد ما سمعت صوت شروق.
"إلى كانت صوتها كأنها بتلهث."
"الحمد لله إنك كويسة أنا قلت أطمن عليكي."
"فيه إيه يا نيرة؟ أنا كده قلقت."
"فيه واحدة كانت بتراقب الشقة وأنا خايفة جدا."
"أغير هدومي وأجيلك حالا متخفيش."
"ملوش لازمة أنا مش لوحدي هنا، خلي بالك انتي من نفسك."
"مين معاكي؟"
سألت شروق بفضول.
"عوني معايا يا شروق أنا كنت عازماه على كوباية شاي."
"الحمد لله إنه هنا أنا كده حاسة بالأمان."
"عوني؟"
"وعوني بيعمل إيه عندك في الشقة يا نيرة؟"
"قلتلك بيشرب شاي."
سمعت ضحكة مائعة.
"بيشرب شاي برضه؟ طيب افتحي الاسبيكر أسلم عليها."
"زيك يا عوني، عامل إيه؟"
"قلت الحمد لله بخير."
"لسه زعلان مني يا عوني؟"
"مش زعلان، أنا خايف منك مش أكتر."
"خايف مني أنا؟ ليه يا عوني؟"
"خايف تكوني حطيتيني في دماغك يا شروق وأنا لسه قدامي أحلام كتير نفسي أحققها."
"بدرت ضحكة صاخبة من شروق."
"هو انت فاكرني إيه يا عوني؟"
"فاكرك إنسانة يا شروق."
صمتت شروق وتغيرت نبرة صوتها ثم تنهدت بتوتر.
"ماشي يا عوني ماشي، على العموم خد راحتك."
"عايزة حاجة يا نيرة؟"
انتهت المكالمة وشعرت برغبة ملحة للرحيل.
شيء ما بداخلي كان يهمس: اهرب يا عوني، ارجع لشقتك واغلق عليك بابك.
وشيء آخر كان ينظر إلى وجه نيرة ويقول: ابقى.
"ابقى يا وغد انت ميت على كل حال، إذا لم يكن على يد مجرم خطير فأن الحياة تقتلك كل يوم، والناس تقتلك، والعالم يقتلك والعبثية تقتلك."
"إن حياتك برمتها قصة قتل ضخمة لكن تلك الأوقات، اللحظات اللي توشك أن تهرب منك لن تتكرر مرة أخرى حتى في قصص محمد صادق."
"قلت أنا راحل يا نيرة!؟"
"فأنا في الغالب أقول عكس ما أفعله."
همست نيرة:
"ابقى معي، أنا خائفة."
"ولم تكن نبرتها طائعة لكنت فتحت باب الشقة وركضت إلى أبعد حد حتى تتقطع أنفاسي وأتدحرج على الأرض مثل قرد مكاك يؤدي رقصته الأخيرة."
"قالت ابقى."
"وأنا سأبقى."
"وبقيت."
"لأنني وددت أن أبقى وعندما أود البقاء سأبقى حتى لو كان مصيري الموت."
"فلا شيء قادر على تغيير انطباعاتي سوى النفور، تلك الرائحة القذرة التي تخبرك أنك غير مرحب بك."
"وضعت قدمي على الطاولة واتكأت على المقعد."
"أغمضت عيني وابتسمت وأنا أهمس!!"
"وأنا أتهمك بعدم القيام بواجبك كإنسان."
"باسم هذا الميت أتهمك بأنك تركت الحب يموت، بتجاهلك لواجبك أن تكون سعيد."
"أتهمك بالعيش على الأعذار."
"بالتحايل والاستسلام، يجب أن يحكم عليك بالموت وسيحكم عليك بالوحدة."
"مالك يا عوني فيه إيه؟"
اقتربت مني نيرة مثل الثعبان الذي يلقي نظراته الأخيرة على وليمة.
"تعبان يا نيرة."
"تعبان من كل حاجة حتى من نفسي، ممكن كوباية ميه؟"
"حاضر."
"لماذا لا أحاول الهرب؟"
"سؤال يؤرقني مع كل جريمة أرتكبها، لطالما كان لدي الاختيار قبل السقوط في المصيدة التي أفرد شباكها بنفسي."
رواية الوشم السائر الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
وأنا أسند قدمي على الطاولة سألت نيرة:
"عندك سلاح؟"
"سلاح؟ سلاح ليه يا عوني؟"
"هسمت بلا مبالاة: يعني الأمور متتسلّمش وفيه ناس بتموت كل يوم."
وكانت الساعة لم تتعد الثامنة مساءً بعد عندما وردني اتصال كنت أنتظره، نتيجة تشريح الشاب الذي قُتل في شقته. وكان قد طُعن هو أيضاً في قلبه ورُسم الوشم على صدره. وردة ورأس ثعبان مجنح.
أنهيت الاتصال وأنا أحدق في نيرة بشرود.
"ثعبان مجنح بنسبة ٨٥٪ يعني إن القاتل توقف عن القتل عند هذا الحد. لقد نال ما يريده وها هو يحلق حر طليق مرة أخرى."
وكانت الشرطة كالعادة فشلت في العثور على القاتل. لا بصمات، لا كاميرات مراقبة، ولا إنسان رأى أي شيء.
"فيه إيه يا عوني؟ خير؟ مالك؟"
أشعلت لفافة تبغ.
"حمدي مات بنفس الطريقة التي اتقتل بها جوزك وجوز اختك. طعنة دقيقة في القلب ووشم على الصدر."
"تقصد حمدي إياه؟ الواد اللي كان مصاحب شروق؟"
"وانتي مصدقة إن شروق كان ليها عشيق يا نيرة؟"
"معرفش يا عوني، أنت قلت كده وأنا بصدقك."
"بتصدقيني أكتر من اختك؟"
ضحكت رغم عني.
"إنتي يدوبك تعرفيني من شهرين يا نيرة؟"
"مش بطول المدة يا عوني، أنا مشفتش منك غير كل خير. أنت خرجتني من السجن."
"همست: ودي ممكن تكون أكبر غلطة في حياة إنسان إنه يساعد إنسان تاني. فنحن لا نتلقى الصفعات إلا من الذين يدينون لنا بالمعروف."
"تتعشى يا عوني؟"
"إحنا لسه كنا في المطعم يا نيرة!"
"عادي، الليل طويل وأنا مش هسيبك تمشي غير لما أطمن إن المجرمة دي بعيدة عني."
ثم تحركت نيرة نحوي.
"عوني، متسيبنيش لوحدي."
"من فضلك."
"مش هسيبك يا نيرة. عندما أقوم بحماقة، أنهيها على أحسن وجه."
وضعت نيرة يدها على قدمي الممدتين على الطاولة. يد ناعمة زحفت ببطء ثم تراجعت. شعرت باسترخاء عندما وصلت يدها ركبتي.
"انت جسمك متخشب كده ليه يا عوني؟"
"أدلك لك كتفك؟"
أغمضت عيني.
"يكون القاتل في أشد حالاته ضعف ولطف قبل ارتكاب جريمته."
"تعالى."
وصلت نيرة خلفي وكان ظهري تجاهها وراحت تدلك كتفي ورقبتي.
"أطلقت آنه كنت قد عاينت الصالة ولم يوجد بها أي سلاح."
أغمضت عيني وتركتها تداعب كتفي.
"أنا ممكن أعملك مساج كامل على فكرة، أنا شفت فيديوهات كتير عن المساج في اليوتيوب."
كانت يدها تتحرك باحترافية مفرطة. وعندما لمست شعر صدري توترت.
"شروق هتيجي إمتى؟"
أوقفت نيرة يدها فوق صدري.
"شروق؟ مقلتش إنها جايه الشقة عندي."
"بجد؟ أصلي حسيت إني سمعتها بتقول هتيجي."
"توترت نيرة أكتر، مخدتش بالي يا عوني. وبعدين مش مهم، إحنا مش بنعمل حاجة غلط."
ثم همست بخجل:
"عوني، ممكن أبوس رجلك؟"
"انهضت نصف جسدي العلوي. الأفكار السيكوباتية تقتلني."
"اعملي اللي انتي عايزاه يا نيرة، اعتبريها فرصة أخيرة."
"كلامك غريب أوي يا عوني، إيه فرصة أخيرة دي؟"
تركت نيرة تحت قدمي وفتحت التلفاز وروحت أقلب في القنوات. ولاحظت أنها مستمتعة بما تفعله.
ثم انفتح باب الشقة ودخلت منه شروق.
"زي ما أنتو! والله ما فيه حد فيكم واقف."
"وانتي؟ إنتي؟ جبتي مفتاح شقتي من فين يا شروق؟"
"مش معايا مفتاح يا نيرة، يدوبك ضغطت على الباب انفتح."
"وكنت أنا من ترك باب الشقة مفتوح."
راحت نيرة تنهض بعد أن تركت قدمي. لمن شروق أطلقت ابتسامة.
"أنا هعمل فنجان قهوة، خليكي براحتك."
عاينت شروق بنطال جينز أزرق ضيق جداً وبدي أبيض يعلوه قميص مفتوح الأزرار وحذاء بوت بياقة عنق طويلة.
"تشربي حاجة يا عوني ولا مش فاضي؟"
"كيف لا يكون الإنسان مش فاضي في لحظاته الأخيرة؟"
"أشرب شاي."
"شاي خفيف سكر زيادة، ولو كان مش مضبوط هعاقبك."
ضحكت شروق.
"انت شارب حاجة يا عوني ولا إيه؟"
"سألتها: ليه؟"
"لأنك بتتأمر كأنك تملكني. هو أنا جاريتك يا أخي؟ وبعدين قاعد كده ولا على بالك كأنك في شقة أبوك؟"
كانت شروق تتمتع ببرودة دم محببة. امرأة فقدت زوجها وقُتل عشيقها منذ يومين وتمارس حياتها بطريقة طبيعية. شخص جدير بالاحترام.
كانت نيرة نزعت حذائي وجوربي. ألقيت نظرة على شروق. وكان لها جسد يشبه إيما واتسون وإيما ستون في كيان واحد.
"غريبة هذه الحياة. بعيد عن الواقع لأنه مقرف، فإن الخيال قادر على خلق حالات مستفزة وغير قابلة للتصديق، لكنها محببة وتأخذنا إلى بحور من العتمة اللزجة التي تحفز نوابض من الفضول الدموي على خد ملاك."
رواية الوشم السائر الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
صمتُ قليلًا وأنا أراقب المشهد؛ نيرة منشغلة بما تفعله، وشروق تقلب بين القنوات بلا اكتراث، وكل شيء يبدو طبيعيًا بشكل مرعب.
الجو المشحون في الغرفة كان ينبض تحت السطح، كتيار كهربائي ينتظر شرارة ليشتعل.
احب تلك الاجواء التى تسبق العاصفة عندما تكون كل الاحتمالات صفريه.
كنت أضع قدميّ على الطاولة وأراقب نيرة بعين نصف مغلقة. شعرت أن شيئًا ليس على ما يرام، لكني لم أستطع تحديده، كأن هناك قطعة ناقصة في هذا اللغز، وبدا أن نيرة مستمتعه بما تفعله. وأنا أيضًا.
فليس كل يوم يجد الإنسان امرأه تلائم رغباته الاعقلانية. ورغبت في سماع بشيء يشعل حماستى. إن ما ينقصني الآن صوت الموسيقى قبل أن أنطلق.
فجأة، ارتفعت نظراتي والتقت بعيني شروق التي كانت تحدق بي بصمت وتحدى. تلك النظرة لم تكن بريئة على الإطلاق. كانت مليئة بشيء لا أستطيع وصفه... شيء يشبه التحدي، أو ربما الانتقام، أو شيء آخر شعرت به أنا وحدي. رغبه ملحه في الاحتضان المؤذى، العصر المؤلم، امساك حبة كاكا وعصرها على الطاوله حتى آخر قطرة.
"بتفكر في إيه يا عوني؟" سألت شروق وهي تبتسم ابتسامة زائفة.
"بفكر إني عشت حياتي كلها أدور على الحقيقة، لكن الحقيقة دايمًا بتستخبى في أوسخ الأماكن."
ابتسمت نيرة وهي تنظر نحوي، وقالت: "إيه التشاؤم ده يا عوني؟ دايما شايف الدنيا سودا؟"
قلت وأنا ابتسم: "عندك موسيقى في تليفونك يا شروق؟"
"موسيقى؟ آه عندي، بتدور على حاجه محدده؟"
"جيوسيب تارتينى."
ابتسمت شروق ابتسامه ساحره: "انت تعجب يا عونى، لكن خطير."
ثم سمحت للموسيقى أن تنطلق.
فجأه نظرت نيرة إليّ بنظرة قلق، ثم قالت: "انت شاكك في مين يا عوني؟"
"شاكك في الكل، حتى في نفسي."
نهضت شروق من مكانها واتجهت نحو المطبخ، صوت خطواتها كان هادئًا، لكنه بدا على الأرضية كأنه يحفر في رأسي.
"عايز أطلب منك طلب يا عوني،" قالت نيرة وهي تقترب مني مرة أخرى، "مهما حصل، متسبنيش لوحدي."
نظرت إليها، عينها كانت مليئة بالخوف، لكن خوفها كان يبدو غير طبيعي، كأنها تخشى شيئًا لا أستطيع رؤيته.
"لو عندك سر، الأفضل إنك تقولي دلوقتى يا نيرة."
ترددت نيرة قليلًا، ثم قالت بصوت خافت: "في حاجات عن شروق إنت ما تعرفهاش."
"زي إيه؟" سألت وأنا أشعل لفافة تبغ أخرى.
"زي إنها مش بريئة زي ما بتظهر."
صوت غليان الماء في المطبخ كان يطغى على الصمت المتوتر في الغرفة، لكن كلمات نيرة اخترقت أذني كأنها رصاصة صامتة.
أشعلت سيجارتي وأخذت نفسًا عميقًا، ثم نظرت إليها بحدة.
"ودفعت قدمى فى حضنها. 'مش بريئة؟ وضحي يا نيرة، ما عنديش وقت للغموض.'"
ترددت للحظة وهي تعبث بأطراف قميصها، حيث تقبع حبة الكرز، ثم قالت بصوت خافت: "هي كانت تعرف حمدي أكتر من اللي بتقول... وأنا شفتها مرة بتتكلم مع واحد غريب في الشارع قبل ما جوزها يتقتل."
حاولت أن أحلل كلامها، لكن عقلها المضطرب زاد الطين بلة.
"وإيه اللي خلاكي ما تحكيش ده قبل كده؟"
"خفت يا عوني! شروق مش سهلة، وعلاقتها بكل اللي حصل... أنا متأكدة إنها مش صدفة."
قبل أن أرد، عادت شروق من المطبخ وهي تحمل صينية عليها كوب شاي وفنجان قهوة، ابتسامتها الهادئة كانت تبدو طبيعية، لكنها كانت تخفي شيئًا مظلمًا خلفها.
وضعت الشاى بطريقه محببه أمامي وجلست على الأريكة المقابلة، تطوي ساقيها بطريقة مريحة وكأنها في عرض مسرحي.
"إيه يا جماعة؟ صوتكم واطي ليه؟ كأنكم بتحكوا سر؟" قالت شروق وهي ترتشف قهوتها.
"انتو مخبين حاجه عنى؟"
"إحنا كنا بنتكلم عن اللي حصل لحمدي." تعمدت أن أراقب رد فعلها.
شروق رفعت حاجبها وكأنها تفكر في إجابة، ثم قالت: "الله يرحمه... بس أنا مليش دعوة بيه، ده كان مجرد حد عابر في حياتي، شخص التقيته صدفه وربما اعجبنى شيء فيه."
"عابر؟" قلت وأنا أضع كوب الشاي على الطاولة ببطء. "عابر لدرجة إنه مات بنفس طريقة جوزك وجوز أختك؟"
تجمدت شروق للحظة، لكن سرعان ما استعادت رباطة جأشها. "ما عرفش يا عوني، يمكن يكون قاتل مجنون بيتسلى بينا، يمكن الدور عليك او على، او عليها." وأشارت إلى نيرة. "أنا مالي؟"
صمتت الغرفة مرة أخرى، لكن التوتر كان يزداد كثافة كأنه يمكن قطعه بسكين، نيرة نظرت نحوي بخوف واضح، بينما شروق استمرت في شرب قهوتها وكأن الأمر لا يعنيها.
ثم نهضت فجأه.
"كم قطعة سكر يا عونى؟"
"اربعه من فضلك يا شروق."
وضعت شروق قطع السكر داخل الكوب وقلبته ببطيء حذر.
"على فكرة يا شروق، الباب كان مفتوح لما دخلتي." قلت وأنا أحاول استدراجها.
"مفتوح؟" ردت ببراءة مصطنعة. "يمكن انتي يا نيرة اللي نسيتي تقفليه."
"أنا؟ مستحيل!" قالت نيرة بسرعة، ثم نظرت نحوي وكأنها تبحث عن دعم.
"شروق، أنتي اللي قتلتِ حمدي؟" سألتها بصراحة فجائية.
ضحكت بصوت عالٍ. "إيه ده؟ بجد؟ إنت بتتهمني؟"
"انت دايما بتبهرنى يا عونى." وهزت رأسها مع الموسيقى.
"أنا ما باتهمش... أنا بسأل."
شروق وضعت فنجان القهوة على الطاولة، ثم انحنت للأمام لتحدق في وجهي مباشرة.
ومعا انحنائها بأن شيء محبب لى، شيء ارادتني ان أراه.
ثم همست: "ولو أنا قتلته فعلاً، هتعمل إيه؟"
سكتُ للحظة، أراقب التحدي في عينيها، ثم قلت بهدوء: "هتصرف."
أطلقت شروق ضحكه ضخمه، لكنها كانت ضحكة قصيرة، أشبه بالهمس. "حلو... أنا بحب الرجال اللي يعرفوا يتصرفوا."
"وأنا بعرف اتصرف مدام شروق وجدا."
وقفت شروق فجأة، تمسح يديها ببعضهما وكأنها تخلصت من قلق لم يعد يهمها. "أنا هروح أنام، لو محتاج حاجة، خلي نيرة تساعدك. أنا متأكده ان نيره هتعرف تساعدك اووى. باي باي، عوني."
راقبتها وهي تختفي داخل الغرفة، ثم التفت إلى نيرة التي كانت على وشك الانهيار.
"انتِ قلتي إنها مش بريئة، بس ما كملتيش."
نيرة ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت: "شروق مش بس تعرف حمدي... هي كمان..." توقفت فجأة، كأن الكلمات علقت في حلقها.
"هي كمان إيه، يا نيرة؟"
"هي كمان عندها نفس الوشم...الورده و الثعبان المجنح."
رواية الوشم السائر الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
وقفت شروق في منتصف الغرفة، نظرتها كانت مزيجًا بين التراخي والاستفزاز. الوشم الذي لمحت جزءًا منه كان كافيًا ليشعل كل إنذارات الخطر في رأسي، لكنني تظاهرت بالهدوء.
"شروق، الوشم اللي عندك… شكله حلو،" قلت بنبرة عابرة وأنا أنفث دخان سيجارتي. "ممكن أشوفه؟"
أطلقت شروق ابتسامة عريضة، واللمعت عينيها ببريق من الجمال الآخاذ.
"بتزعم إنك عايز تشوف الوشم ولا حاجة تانية؟"
ثم رفعت شروق حاجبها بدهشة مصطنعة.
"الوشم؟ ده قديم جدًا، من أيام الجامعة. مجرد ذكرى غبية."
ابتسمت بخفة.
"غريب إنه يكون نفس الوشم اللي بنلاقيه على جسم المقتولين؟"
شروق تجمدت لجزء من الثانية، أطلقت نظرة خاطفة نحو نيرة، ثم ضحكت.
"بجد؟ طيب ده معناه إن اللي بيقتلهم عنده ذوق فني زيي."
"أو يمكن أكتر من مجرد ذوق؟" قلت وأنا أحدق في عينيها المتحديتين، عينيها التي أرغب في التهامها مثل سمك البربون المقرمش.
شروق اقتربت وجلست على طرف الطاولة أمامي، متكئة بيدها على الطاولة، مانحة إياي إطلالة فاخرة على مؤخرتها، تنظر إلي كأنها تتحداني.
"إنت بتحاول تقول إيه يا عوني؟" همست.
"أنا مش بحاول أقول… أنا بحاول أفهم."
"تفهم إيه؟"
"كل اللي حوالينك بيموتوا بنفس الطريقة، زوجك، عشيقك، وعندك نفس الوشم. المصادفة دي غريبة جدًا، مش كده؟"
شروق لم تفقد هدوءها، بل انحنت للأمام قليلاً وقالت بصوت ناعم لكنه مفعم بالتحدي:
"إنت شاكك فيا، يا عوني؟"
"ثم مدحت مش عشِيقي ده كان مجرد تجربة اعترضت طريقي."
"لكن إنتي قولتي إنه عشيقك يا شروق."
"كان بيعشقني لكن عمره ما لمسني. يمكن أكون غلطانة، لكن الست بتحب تكون مرغوبة. ولما مش بتلاقي كده من جوزها بتحب تبحث عنه في أي حتة. عارف يا عوني،" ثم صمتت شروق، "لكن إنت مش متجوز، هتفهم إزاي؟"
"كل زي بعضه في الآخر. خدها مني حكمة يا عوني: تختلف أشكال الفاكهة وطعمها، لكن التأثير يظل واحد."
ابتسمت بتركيز.
"أنا ما بشكش… أنا بحاول أجمع الأدلة."
ضحكت شروق بصوت مرتفع، ثم قالت:
"يا سلام! ومين اللي قال إنك محقق ولا قاضي؟"
"أنا مش محقق… أنا مجرد واحد بيكره يشوف الدم حواليه."
شروق وقفت فجأة، نظرتها كانت مزيجًا بين الضيق والتهكم.
"طيب، طالما الدم بيزعجك، ليه مش تسيب القصة دي وتعيش حياتك؟"
"لأن القصة دي ما بتسيبنيش، يا شروق. والدم دايمًا ليه ثمن."
شروق تقدمت نحوي بخطوات بطيئة، حتى وقفت أمامي مباشرة، ثم انحنت قليلًا، وجهها قريب من وجهي.
"طيب اسمعني، يا عوني. فرضا مثلا لو أنا لو قتلتهم، هيكون عندك دليل؟"
نبرة صوتها جعلت شعري يقف، لكنها لم تمنعني من الرد.
"الدليل ممكن يكون موجود، وممكن يظهر في أي لحظة. القتلة دايمًا بيتركوا أثر."
ابتسمت، ابتسامة مليئة بالثقة والغموض، ثم قالت بنبرة مزاحية.
"أنا مش زي القتلة اللي تعرفهم، يا عوني. لو عايز تلعب، العب، بس خلي بالك… مش كل الألعاب ليها نهاية سعيدة."
ثم استدارت وغادرت الصالة، تاركة وراءها هدوءًا ثقيلًا كأنه ينذر بعاصفة قادمة.
نظرت إلى نيرة التي كانت قد انكمشت على نفسها في زاوية الغرفة، وجهها شاحب كأنها شاهدت شبحًا.
"شايفه؟" سألتها بهدوء.
"شايفه، يا عوني… شروق مش إنسانة عادية."
نهضت من مكاني وأطفأت السيجارة في المنفضة.
"وأنا مش ناوي أتعامل معاها كإنسانة عادية."
أدركت أن الليلة لم تعد مجرد مواجهة مع شروق، بل كانت بداية حرب… حرب لا أملك فيها رفاهية الخسارة.
الحيرة تلد الغموض، والغموض يلد أسئلة، والأسئلة تلد الشك، والشك… هو بداية السقوط في الهاوية.
كانت الغرفة تشبه فخًا شُدّت حباله للتو، الهواء كان أثقل مما ينبغي، كأن الأنفاس تتعلق به دون أن تجد طريقها للخروج. نيرة ظلت في زاويتها، وعيناها متعلقتان بي وكأنها تنتظر مني تفسيرًا لكل ما يحدث، لكنني كنت أحتاج التفسير بنفسي.
أشعلت سيجارة جديدة، ووقفت أمام النافذة المفتوحة. نظرت إلى المدينة الممتدة تحتنا، أنوارها تلمع كأنها وشم آخر، محفور على وجه الليل.
"نيرة، الوشم اللي على صدر الضحايا… شكله نفسه اللي على شروق؟ بالضبط؟"
هزّت رأسها بتردد، ثم قالت:
"مش عارفه، بس اللي شفته عندها نفس الثعبان المجنح، وأعتقد إنه بنفس التفاصيل."
"تفاصيل زي إيه؟"
"الأجنحة… طويلة ومفتوحة بالكامل، والثعبان ملفوف حول وردة وكأنه بيحميها أو… بيختنق بيها."
توقفت عن الكلام، وكأنها تخاف أن تضيف شيئًا آخر قد يثقل كاهل الغموض الذي يحيط بنا.
"غريب." قلت وأنا أنفث الدخان ببطء. "الأجنحة مفتوحة بالكامل، والثعبان بيختنق؟ شكلها مش مجرد وشم عشوائي."
"تفتكر ليه؟" سألت نيرة بصوت ضعيف.
ابتسمت، نصف ابتسامة تشبه خدعة أكثر مما تشبه راحة.
"الرموز، يا نيرة. الوشوم دي نادرًا ما تكون زينة بس. دايمًا بتخبّي حاجة."
"زي إيه؟"
"زي رسالة… أو توقيع."
نيرة تقدمت نحوي، وكأنها تخشى أن تقترب أكثر من هذه الأسرار.
"يعني شروق… ليها علاقة بكل ده؟"
"مش مجرد علاقة، يا نيرة. شروق ممكن تكون المفتاح أو الباب. السؤال هو… الباب ده بيفتح على إيه؟"
صمتت نيرة للحظات، ثم قالت:
"بس… لو كانت شروق فعلاً ورا كل حاجة، ليه هي لسه هنا؟ ليه ما هربتش؟"
"سؤال جميل." التفتُ نحوها وابتسمت بخفة.
"ليه يهرب حد لما يكون هو اللي ماسك الخيوط كلها؟ الهروب للضعفاء، لكن شروق… شروق امرأة قوية جدًا، امرأة قادرة على الفتك بأي متطفل أو وسيط. فكرت، أو أي شخص يدخل حصنها."
نيرة جلست على الأريكة، واضعة يديها على رأسها.
"عوني، الموضوع ده أكبر مننا، إحنا لازم نهرب… شروق مش بني آدم طبيعي."
ابتسمت ببرود وأنا أطفئ السيجارة.
"الهروب مش في قاموسي، يا نيرة. بعدين إنتي هتخافي من اختك؟"
رفعت عيني نحو باب الغرفة التي دخلتها شروق، خلف هذا الباب، كانت هناك أسرار تتربص، وأسئلة تحتاج إجابات. لكن السؤال الأكبر كان يضغط على عقلي بثقل.
هل شروق هي الحية؟ أم مجرد زهرة يلتف حولها الثعبان؟
الغموض لا يحتاج إلى أدلة مادية بقدر ما يحتاج إلى كلمات تنساب كالماء وتلتف حول العقل كالأفعى.
حين خرجت شروق من غرفتها، كان الجو مشحونًا، كأنها كانت تحمل معها شيئًا غير مرئي، ثقيلًا لدرجة أن الغرفة بدت وكأنها ضاقت بنا.
"سهرتك حلوة، عوني؟" قالتها وهي تسير ببطء، حافية القدمين، صوت خطواتها على الأرضية يشبه دقات قلب بالكاد يُسمع.
"يُبهرني شروق مع كل افتعالة حركية تصنعها، كان لها قدمين بالغتي الدقة مثل المعادلات الرياضية."
"الليلة طويلة، وشروقها غريب،" أجبت وأنا أتابع خطواتها بعينين يقظتين.
جلست على طرف الأريكة، تقلب كوبًا فارغًا بين يديها وكأنها تبحث فيه عن إجابة لسؤال لم يُطرح بعد.
"الطول مش في الوقت، يا عوني. الطول بيكون في اللي بنشيله جواه."
رفعت حاجبي قليلًا.
"وده تفسير من واحدة عارفة؟"
ابتسمت، ابتسامة بطيئة كأنها تتذوقها قبل أن تظهر.
"مش شرط أكون عارفة كل حاجة، بس أكيد فاهمة اللي محتاج تفهمه."
أشعلت سيجارة ببطء، محاولًا كسر هالة الثقل التي خلقتها كلماتها.
"فهمي بيبدأ لما ألاقي اللي بدور عليه."
"واللي بتدور عليه… هو إيه بالظبط؟"
نظرت إليها، عيناي تتفحصان وجهها بعناية.
"إجابات."
"إجابات؟" ضحكت، ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
"الإجابات يا عوني مالهاش قيمة من غير الأسئلة الصح."
"طيب، هسألك سؤال صح،" قلت وأنا أنفث الدخان ببطء.
"ليه كل الضحايا كان عندهم نفس الوشم؟ الثعبان المجنح؟"
لم ترد على الفور، بدت وكأنها تفكر في صياغة كلماتها بعناية، ثم قالت بهدوء:
"يمكن لأنهم كانوا جزء من نفس الحكاية."
"وحكايتك إيه فيها، شروق؟"
ابتسمت مرة أخرى، لكنها لم تكن ابتسامة مريحة.
"أنا؟ أنا مجرد شاهد. وبالمناسبة، الشاهد دايمًا بيشوف أكتر من اللي بيسأل."
"أكتر؟ زي إيه مثلًا؟"
وضعت الكوب الفارغ على الطاولة، وقربت وجهها مني قليلًا.
"زي إنك مش بتدور على وشم، ولا ضحايا، أنت بتدور على حاجة جوه نفسك، عوني. حاجة مش عارف هي إيه، بس أنا عارفة."
"طبعًا إنت عارف إن أنا بهزر معاك يا عوني، مش كده؟ أنا بس بحاول أرد على تلميحاتك."
شعرت ببرودة تسري في عروقي، لكنني لم أظهر ذلك.
"وأنا هدور لحد ما أعرف."
"هتعرف… بس مش من المكان اللي متوقعه."
قامت واقفة بخفة، ثم استدارت نحو الباب.
"الليل لسه طويل، يا عوني، وكل ما تعتقد إنك قريب، هتلاقي نفسك أعمق في المتاهة."
"وشروقها غريب، صح؟" سألتها بنبرة ساخرة.
التفتت نحوي، وعيناها تلتمعان كأنهما تحملان أضواء مدينة كاملة.
"شروقها مش غريب… شروقها دايمًا بييجي متأخر."
ثم غادرت الصالة تاركة وراءها صمتًا ثقيلًا… وكلمات عالقة في الهواء، مثل دخان سيجارة لم تُطفأ بعد.
وقبل أن تصل الباب وقفت واستدارت نحوي وكانت عينيها تبحث عن نيرة.
"هي نيرة فين؟ مش شايفاها؟"
"قلت يمكن في غرفتها."
"هي نيرة مش عاجباك؟" ثم رفعت حاجبها بأستنكار، خالقة ابتسامة.
"أنا الشريرة في قصة أحدهم يا عوني. وأنا الوردة الذابلة التي قطعها أحدهم قبل الأوان."
ثم تراجعت خطوات وهي تمشي ببطء حتى لامست يدها خدي، لمسة باردة طاغية الأنوثة. وعندما سعلت نيرة من بعيد، رفعت شروق يدها بسرعة ودخلت غرفتها وأحكمت غلقه خلفها.
رواية الوشم السائر الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
الأشجار لا تتحدث، والقطط لا تتحدث، والفراغ لا يملك عقلاً، وطول عمري لم أسمع صوتًا للعشب.
اعتقدت ديلا أن عقلها مشوش، وأن الغيرة التي تنهش قلبها أثرت على قواها العقلية، وأنها إذا لم تحصل على فنجان قهوة ربما تفقد وعيها.
نحن لا نفهم الأشياء لأنها لا تفهمنا، ولا نعرف لغتها لأنها لا تعرف لغتنا.
تمشت ميمي على العشب، كان ذيلها منتصبًا كسهم، ثم قعدت على مؤخرتها وفتحت فمها بتثاؤب.
"فتاة غبية جدًا، عندما نخلق حلمًا علينا أن نكون قادرين على تحقيقه."
وكانت في مواجهة ديلا.
"لا تجعليني أندم أنني خضت ذلك الحديث الممل، لأنك تبدين فتاة تافهة."
فتحت ديلا فمها، لم يكن هناك أدنى شك، كان الصوت خارجًا من فم ميمي.
"أنت تتحدثين مثلنا؟" همست ديلا برعب وغباء.
"لحظة واحدة، قالت ميمي، أنا اخترت أن أتحدث معك لأنك فتاة غبية هزيلة وتافهة."
"لكن كيف أفهمك؟ أنت تقولين إنني أستطيع أن أتحدث مع القطط؟"
"احترمي نفسك، قالت ميمي، نحن مجتمع راقٍ."
"لكن كيف؟" كررتها ديلا.
"سأريح دماغك، قالت ميمي، تلك الليلة عندما كنت في القبو وانقطعت الكهرباء، حدث أمر في غاية الغرابة. كنت خائفة جدًا، عندها قفزت ومررت فوق دماغك، وكما تعلمين القطط بسبعة أرواح، واحدة من أروحي دخلت دماغك. لا أفهم لماذا حدث ذلك، لكن مؤكد من سوء حظي، فأنت غبية جدًا، غبية جدًا."
"هل تعتقدين أنني جميلة؟" سألت ميمي وهي تلعق عنقها وفمها.
"أجل، قالت ديلا، أنت قطة جميلة جدًا."
"نعم، أنا قطة جميلة ورشيقة، وأنت أيضًا من الممكن أن تكوني جميلة."
ثم نظرت تجاه ديلا.
"تحتاجين بعض التلميع ومعرفة مسبقة بالفاشينستا."
"طبعًا لا تعرفين الفاشينستا؟"
"ديلا/ معرفش."
"كان علي أن أتوقع ذلك، ما الذي ممكن أن أنتظره من فتاة قروية بليدة؟"
"لذلك لا أتمشى في شوارع القرية بمفردي."
"ميمي ستساعدك، ميمي ضليعة بالموضة، ميمي قطة جميلة."
"عليك أن تتخلي عن ملابسك تلك."
"لتحققي حلمك عليك أن تفوقي التوقعات، هل تعين ذلك؟"
"طبعًا لا تفهمين أي شيء، يجب أن أتوقع ذلك، فأنت فتاة حمقاء غبية."
"اشتري ملابس جديدة، اطلبي من آدم أن يشتري لك ملابس جديدة على الموضة، فقط قولي ذلك، لا تزيدين ولا تقللين ولا تخربي الدنيا بغبائك."
"الآن علي أن أرحل، إذا رآكِ أي شخص تتحدثين مع قطة سيعتقدون أنك مجنونة، سيلقون بالتهمة علي."
"وميمي قطة سيامية جميلة لا تحب الوقوع في المشكلات."
قفزت ميمي قفزتين وابتعدت عن ديلا ثم اختفت داخل الحقيقة.
دخلت ديلا القصر مبلمة، غير واعية بنفسها، جلست على المقعد في عالم آخر.
لمحها آدم وجعل يتحدث معها، لكنها لم ترد ولم تفتح فمها.
"حذرتني ميمي أن أفتح فمي مطلقًا، قالت إنها ستخرب الدنيا."
"ديلا مالك؟"
"ديلا فيه إيه؟"
"أنتي تعبانة؟"
"مريضة؟"
"أريد ملابس جديدة بعد إذنك سيد آدم، آه ملابس على الموضة لو أمكن، يمكنك أن تطلبها ممم من شيء اسمه أمازون، ماركة شانيل، أحذية وتنانير وبلوزات وعطور كومو شانيل."
رمق آدم ديلا بدهشة، كانت نبرتها غريبة وكأنها تتحدث بصوت شخص آخر.
"أعرف أن الأمر غريب سيد آدم، وكلي أمل أن تلبي رغبتي."
"ديلا ترغب بملابس على الموضة بعد إذنك، أعرف أنني خادمة لكنني لن أخذلك."
فتح آدم فمه.
"أعرف أن الوضع غريب، وأن ما أطلبه قد يبدو مزحة، لكن هل يمكنني أن أرى؟"
"عايزة تشوفي إيه يا ديلا؟"
"في هذا الموقع المدعو أمازون توجد صور، ديلا ترغب برؤية الصور."
أخرج آدم هاتفه وبعد دقيقة رأت ديلا ملابس نسائية غريبة عليها تراها لأول مرة.
"ممكن تختاري؟" سألها آدم.
"ديلا ترغب الاحتفاظ بالهاتف لبعض الوقت، هل هذا ممكن سيد آدم؟ أعدك أن لا أعبث به وأن لا أتلفه أو أتفقد محتوياته."
ترك آدم الهاتف، وكان في قمة الاندهاش، مش قادر يفكر ولا حتى يلاقي إجابة لكل الغرابة إلى قدامه.
"تفضلي ديلا."
احتضنت ديلا التليفون، وقفت.
"ديلا لن تتأخر، ستستغرق بعض الوقت لكنها ستعود."
"ديلا تحتاج بعض الوقت سيد آدم، هل هذا ممكن؟"
رفع آدم كتفه بقلة حيلة وصدمة.
"ممكن، تفضلي."
مشت ديلا خارج القصر، مرت على العشب واختفت بين أشجار الحديقة.
لا أحد يملك حق الجور على أحلامنا ولا حتى أن يعبث بها، إنها الأمر الوحيد الذي يتمتع بالخصوصية ولا يمكن إزعاجه.
كانت هناك حشائش وعشب تركها آدم تنمو بعشوائية، وكانت تصلها مياه خاصة صنعت ما يشبه بحيرة صغيرة جدًا، تزفزق حولها العصافير والفراشات وتغمر نفسها بالمياه خلال الأيام الحارة، وكانت هناك أريكة مختفية تحت أفرع شجرة تراها ديلا لأول مرة.
ميمي كانت جالسة هناك مستمتعة بدفيء الشمس.
"ها قد حضرت الفتاة الغبية، قالت ميمي وهي ترفع قدمها بعصبية، ماذا فعلتي؟"
"أحضرت الهاتف، قالت ديلا، على أن اختار ما يناسبني."
"حسنًا، قالت ميمي، اختاري."
"لكن أنا لا أعرف ما يناسبني، قالت ديلا بحيرة."
"ديلا محتارة يا ميمي، هذا جيد، قالت ميمي، وهذا ملائم كانت ترتديه السيدة الأنيقة التي كنت أعيش في منزلها قبل أن أرحل، وهذا أيضًا."
"أما هذا فسيبدو رائعًا عليك، عليك أن تبدي أجمل من الآنسة ماجي، أنا لا أرتاح لتلك الفتاة اللعينة، أشعر أنها لئيمة، خبيثة وقد تفعل أي شيء للوصول لهدفها."
اختارت ديلا كل الأشياء التي أعجبتها ووضعتها في سلة التسوق.
"الأمر يقع على عاتقك الآن يا فتاة، ميمي لن تظل هنا طول العمر من أجلك، الرياح تهب بعصبية وميمي سترحل لبعيد ولن تتمكني من رؤيتها مرة أخرى."
"انظري للاشجار، إنها تهتز، والسماء قاتمة، وميمي عليها أن ترحل، أوشك وقتي هنا على النفاذ."
"أحيانًا نفتقد الكلمة، نخسرها،" قالت ديلا.
"شكرًا لك."
"على الرحب والسعة، قالت ميمي، والآن ارحلي، ميمي الجميلة تريد أن تستمتع بحمام شمس."
قرأ آدم طلب المشتريات وقام بدفع كلفته من خلال الفيزا كارت، وكان حتى تلك اللحظة يراقب ديلا بعقل وجل قلق. لا يعلم ما الشيء الذي غيرها، صمتها يعذبه وجمالها يزداد تألقًا.
واظبت ديلا على تعلم اللغات بكل نشاط، اختفت روحها المرحة، ووضعت كل وقتها للدراسة. بعد أسبوع استطاع آدم أن يسمعها تنطق جملة باللغة الإنجليزية وتنطقها بطلاقة.
وكانت حريصة على أداء مهامها، بعيدًا جدًا عن اختلاق المشكلات والتعامل مع الآنسة ماجي باحترام جم، وكأن عقلها أصبح آلة كمبيوتر يسجل كل شيء يمر عليه. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى بدأت تربط الحروف ببعضها وتحفظ الكلمات.
ولم تنسَ أبدًا القراءة، في كل ليلة كانت لا تنام حتى تقرأ صفحات كثيرة من كتاب أو رواية. وكان آدم يفتقد وجودها وحركاتها، وأصبح القصر صامتًا مرة أخرى بعد أن غمرته الحياة.
في اليوم السابع عشر، استيقظت ديلا بوجه آخر، كأنها كانت في رحلة وعادت. لم تنسَ ولا شيء من الذي حفظته، لكن طبيعتها عادت كما كانت، وظهرت الفتاة المتحدية مرة أخرى.
أخذت ديلا حمامًا طويلًا وأعدت طعام الإفطار وجلست تنتظر آدم الذي تأخر. ثم صعدت درجات السلم وطرقت الباب.
"الفطار جاهز يا آدم بيه، ولا أنت هتفضل نايم اليوم كله؟"
سعل آدم ولم يرد. فتحت ديلا باب الغرفة ووجدت آدم راقدًا على السرير.
"آدم / أنتي بتفتحي الباب إزاي من غير استئذان؟"
"ديلا / يعني فتحت باب الحاكم بأمر الله؟ بقولك الفطار جاهز، وأنت مش بترد، المفروض أعمل إيه يعني؟"
"آدم / طيب روحي صحي الآنسة ماجي."
"ديلا / أنا بخدمك أنت، الآنسة ماجي مجرد مدرسة وأنا مش مضطرة أخدمها."
"آدم / بقولك روحي خبطي عليها."
"ديلا / لا مش هعمل كده."
"آدم / كان هيقف لكن تذكر أنه نايم بملابس داخلية، أنتي رجعتي لعنادك تاني؟ متنسيش أنك خدامة عندي؟"
"ديلا / الشغل مش عيب على فكرة، وأنا أشطر خدامة دخلت القصر، يعني لو قدمت السي في بتاعي لأي شخصية مهمة هتقبل فورًا."
"آدم / ليه معتقدة أنك خدامة شاطرة؟"
"ديلا / لأني الوحيدة اللي قدرت استحملك الشهور دي كلها، يا أخي احمد ربنا، دا أنت كنت كل شهر بتجيب خدامة جديدة، دا أنا أستحق يتعملي تمثال."
"آدم / أنتي، أنتي بتقولي إيه؟ شكلك اتجننتي؟"
"ديلا / لازم تعرف أني إنسانة لديها مشاعر وحقوق، مش معنى أن الظروف اضطرتني أشتغل عندك تبقى اشترتني، خليك منصف يا آدم واعترف بالحقيقة، غير هدومك وانزل قبل الفطار ما يبوظ، ومر على الآنسة ماجي بالمرة طالما مش هتعرف تفطر من غيرها."
"تصدق أنتم الاتنين لايقين على بعض والله."
"آدم / بعصبية، لايقين على بعض إزاي؟"
قعدت ديلا على طرف السرير.
"بص اعتبرني صديقتك لدقيقة واحدة واسمعني."
تفاجأ آدم بجلوس ديلا على طرف السرير وكتم ابتسامة.
"عايزة تقولي إيه؟"
"ديلا / سيبك من خطيبتك الفرنسية وفكر في المصرية، صدقني المصري يكسب."
"آدم / ومين المصرية دي بقا يا آنسة ديلا؟"
"ديلا / ربتت على ساق آدم وبصت في عينيه، مش هقول أنا لا سامح الله، أنا عارفة نفسي خدامة وعارفة مكانتي كويس وأحلامي أصغر من كده بكتير، إيه رأيك في الآنسة ماجي؟ البنت حلوة ورقيقة وصغيرة وتنفع معاك، عايزة أفرح بيك يا أخي."
"آدم / امشي يا بت، انجري، اطلعى بره." وزقها برجله لكن بلطف.
"ديلا / نهضت من على السرير ومشيت ناحية الباب، ابقى خبط على خطيبتك وانت نازل، أنا هستنى تحت." ورزعت الباب بقوة وهي راحلة. مكنش سهل على ديلا تقول الكلام ده، رغم كده ابتسمت على الأقل اطمنت أن الآنسة ماجي مش خيار قدام آدم وأنه مش بيفكر فيها.
وصل الأوردر، توقفت سيارة أمام باب القصر واستلمت ديلا الحموله ونقلتها كلها لغرفتها. استغرق ذلك نصف ساعة ولم يكن آدم ولا الآنسة ماجي هبطا من الطابق الأرضي.
علقت ديلا التنانير والفساتين داخل خزانة الملابس، ثم اختارت تنورة روز وقميص أبيض وحذاء أسود أرضي. أرتدت ديلا الملابس ووقفت أمام المرآة مش مصدقة نفسها، كانت جميلة جدًا وأنيقة لدرجة مرعبة. لفت طرحتها بطريقة بسيطة وعادية ورشت برفان.
نزل آدم من غرفته وكان لسه متخلصش من المرارة التي تركتها كلمات ديلا في نفسه، وكان الأكل برد ومبقاش ليه أي لازمة. حتى الآنسة ماجي أبدت امتعاضها من طعم الأكل.
صرخ آدم من على مقعده، "ديلا؟" ثم تذكر كلام ديلا عن حقوقها ومشاعرها وأنه ربما عليه أن لا يجرح مشاعرها أمام مدرستها.
فعاد ينادي مرة أخرى بصوت هادئ.
"آنسة ديلا؟ ممكن تشوفي حل للفطار ده؟"
انفتح الباب، وخطت ديلا على السجاد خارج الغرفة وفاح عطرها في الرواق.
"طبعًا ممكن سيد آدم."
آدم كان بيبص على الجريدة، رفع وجهه ورأى الجمال يسير على قدمين. انفتحت عيناه وبلع ريقه.
لقد أدرك آدم تلك اللحظة أنه وقع في شباك الغرام وكانت مشاعره طافية على وجهه كسمكة تسبح على سطح الماء. ولم تكن لديه أي رغبة في الهرب، بل السقوط لأبعد حد والاغتراف حد الشبع. ولأنها جميلة، ولأنها بدت أجمل ظل محدق بها. بينما سارت ديلا بخجل كفتاة عروس تكشف لأول مرة على زوجها، وجهها أحمر مثل الورد البلدي وفي عينيها ضياع مرتبك.
"من فضلك ديلا، رغم كل التحذيرات أنا مضطر أن أطلب منك إعداد طعام آخر!"
"ديلا/ بخجل، حاضر."
حدقت الآنسة ماجي بديلا، لا يمكن لأي شخص أن يفهم كيف تمكنت فتاة قروية أن تبدو بمثل تلك الأناقة، واختفت النظرة الدونية من عينيها للحظة، قبل أن تعود مرة أخرى.
"حتى لو تأنقت، حتى لو كساها كل حرير العالم فإنها ليست ند لي."
وكان آدم مرتاحًا لرؤية ديلا تتنقل في ملابسها الجديدة، مثل شيء فاخر تتلذذ برؤيته ولا ترغب برفع عينك عنه.
لم تكن أحلامه بعيدة ولا مستحيلة التحقق، لكنها مضت بسرعة أكبر مما توقع.
جلست ديلا على طاولة الطعام، كان آدم طلب منها ذلك. بعد أن انتهى الطعام سحب آدم ديلا من يدها.
"اسمعي ديلا، أنا قررت أعمل حاجة وكنت مستني الوقت المناسب عشان أقولك عليها."
"أنا بعت أجيب خدامة جديدة تتولى القصر، الصراحة فكرت أنك محتاجة وقت أكبر عشان تتفرغي للدراسة، أنا مبسوط جدًا بتقدمك في التعلم وأتمنى تستمر بنفس الحماس."
وكانت ديلا بتسأل نفسها، "عشان إيه كل ده؟"
"وبعد ما أتعلم إيه اللي هيحصل؟"
آدم غامض وخططه غير مفهومة. وكانت قد استبعدت من عقلها فكرة أن آدم ممكن يفكر فيها كزوجة، لكن لماذا يفعل كل ذلك؟
وراح آدم يعامل ديلا بلطف واهتمام، ويتابع دراستها بنفسه. ترك عزلته وأولى ديلا كل اهتمامه. بعد انتهاء كل درس كان يراجع معها إلى تعلمته ويصحح لها الأخطاء. وكان سعيدًا جدًا بتقدمها. وكانت ديلا استطاعت أن تبرطم باللغات الأجنبية وتعيد معرفة الأشياء، طبق، طاولة، لوحة، حلم، حلم، أمنية، أمنية.
كان صعبًا على ديلا اعتياد حياتها الجديدة، وظلت فترة تغسل الأطباق بلا وعي وتساعد في الطبخ وكوي الملابس وطيه.
لكن تدريجيًا تشربت عالمها الجديد وغرفت من القراءة ثقافة وعلم، واستطاعت أن تخلق محادثة عميقة مع آدم عن الموسيقى والفن والسياسة وأصبح لها رأي واضح.
وأحبت الاستماع للموسيقى خاصة سيمفونية بيتهوفن.
"ديلا / آدم بيه أنا عايزة أتعلم الملاكمة وأجري معاك في مضمار الركض."
"آدم / ليه يا ديلا؟"
"ديلا / بس متضحكش عليا؟"
"آدم / حاضر."
"ديلا / عايزة أعمل كل الحاجات اللي اتحرمت منها في حياتي وأعتقد أن دا الوقت المناسب."
وكانت نفسها تقول: "عايزة أعجبك". مكنتش تعرف أنها عجبت آدم من أول يوم دخلت فيه القصر وأنه بيعمل كل ده عشان يعدها، يأهلها.
"آدم / مفيش مانع، بشرط دراستك متتأثرش!"
"ديلا / كن واثق سيد آدم أن مفيش حاجة هتتأثر، ولا أنت خايف إني أتفوق عليك؟"
"آدم / غيري هدومك، حان الوقت نعرف مين القائد هنا."
كان الوقت عصرًا، السماء صافية والجو صحو. أرتدت ديلا بنطال أديداس رياضي وتيشيرت ووقفت جوار الآنسة ماجي التي حشرت أنفها في الموضوع، مرتدية بنطال ضيق ماركة أرماني وحذاء أبيض.
واكتفى آدم بشورت وتيشيرت.
"أنا هنلف المضمار عشر مرات، أي شخص مش مستعد يقدر يخرج دلوقتي، أنا مش ناقص حد يفقد وعيه وسط الجري."
نظرت الفتاتان كل واحدة منهم للأخرى بغل دفين.
"أنا مستعدة، قالت ماجي."
"ديلا / أطلق صافرتك سيد آدم."
"ياريت محدش يتذمر."