تحميل رواية «المتناقض» PDF
بقلم حازم الباشا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعتبر هذه الروايه امتداد وتكلمه لرواية "ضد الزمن " تدور احداث هذا الجزء ... حول جراح المخ والاعصاب الفذ &; دكتور "امجد عبدالمنعم" فذلك الجراح الذي لم يكن قد تخطى عامه الرابع والثلاثون بعد &; قد قام بالعديد من العمليات الجراحيه المستحيله فجعله الله سببا في انقاذ العديد من الارواح &; وعلاج الكثير من حالات الشلل &; بنسبه نجاح اسطوريه وبجانب تلك البراعه الفائقه &; فقد كان امجد شديد الوسامه &; بالاضافه الى انه بكل بساطه ... يحمل احد اذكى العقول البشريه على الارض !!! وقد ساهم ذلك الذكاء الخارق &; في م...
رواية المتناقض الفصل الأول 1 - بقلم حازم الباشا
تعتبر هذه الروايه امتداد وتكلمه لرواية "ضد الزمن "
تدور احداث هذا الجزء ... حول جراح المخ والاعصاب الفذ &; دكتور "امجد عبدالمنعم"
فذلك الجراح الذي لم يكن قد تخطى عامه الرابع والثلاثون بعد &; قد قام بالعديد من العمليات الجراحيه المستحيله
فجعله الله سببا في انقاذ العديد من الارواح &; وعلاج الكثير من حالات الشلل &; بنسبه نجاح اسطوريه
وبجانب تلك البراعه الفائقه &; فقد كان امجد شديد الوسامه &; بالاضافه الى انه بكل بساطه ... يحمل احد اذكى العقول البشريه على الارض !!!
وقد ساهم ذلك الذكاء الخارق &; في منحه الكثير من الثراء والشهره والنفوذ &; الا انه بنفس الوقت جعل منه شخصا مغرورا ومتغطرسا الى ابعد حد !!!
ولن اطيل على حضراتكم في رسم ملامح شخصية امجد المعقده &; ودعونا نذهب سويا لاكتشاف خبايا ذلك الشخص الغامض
--------------------------ء
حيث تبدا احداث قصتنا من داخل فيلا دكتور/ امجد بقلب احد الضواحي الاكثر ثراء بالقاهره ...
حيث استيقظ امجد من نومه منفزعا &; على صوت تهشم عنيف يأتي من المطبخ &; فهب من سريره وهو عاري تماما الا من سروال تحتي يستر عورته
وتوجه الى المطبخ وهو يستشيط غضبا &; ليجد " زيتا " &; تلك الفتاه الافريقيه الجميله &; التي تعمل لديه كخادمه مقيمه &; وهي ترتعد من الخوف &; جراء تهشم مجموعه من الاكواب الزجاجيه &; كانت قد انزلقت من بين يديها دون قصد
صرخ امجد فيها بكل غضب : عملتي ايه يا حيوانه !!
هو انا كام مره لازم اقول لك مش عاوز اي ازعاج طول ما انا نايم
ردت " زيتا " بصوت مرتعد وبلكنه عربيه ركيكه : انا اسف مستر امجد &; كوبايات وقع مني &; وانا اعمل عصير اورانج بتاعك
وكانت زيتا قد استغرقت قرابه الساعه في تحضير ذلك الدورق من العصير &; وقد تخدرت اصابعها جراء عصر ثمرات البرتقال
حيث لم يكن بمقدورها استخدام الخلاط الكهربي &; مخافة ازعاج امجد اثناء نومه
التقط امجد دورق العصير بعصبيه &; وقام بقذفه في وجه زيتا &; وهو يصيح : ادي ام العصير بتاعك &; اشربيه انتي بقا
ثم اندفع الى الحمام ليأخذ دوشا باردا &; تاركا الفتاه المسكينه تقف حافيه القدمين &; محاصره بين شظايا الزجاج المنثور على الارض &; وقد اختلطت دموعها بقطرات العصير الذي اغرق وجهها وملابسها !!!
مرت بضع دقائق ... حتى خرج امجد من الحمام بعد ان توضأ &; وهم بصلاه الظهر في خشوع تام
ثم ارتدى احدى بذاته الانيقه &; التي قد تم تصميمها في احد بيوت الازياء الايطاليه العريقه &; لتتناسب مع قوامه الرياضي فارع الطول &; وقد بدى فيها &; وكأنه احد نجوم هوليود المرشحين لاداء دور شخصيه (جيمس بوند) الشهيره
وقبل ان يخرج من غرفته &; ذهب ليلقي نظهرة الوداع على زجاجه الويسكي المعتقه &; التي كان يدخرها للعطله الاسبوعيه &; فقد اعتاد امجد على عدم معاقره الخمر في ايام العمل
واخيرا خرج من غرفته ... تفوح منه رائحه ذلك العطر الفرنسي الفاخر &; وقد اشارت ساعته الروليكس الثمينه الى الثانيه ظهرا
وما ان فتح باب غرفته &; حتى انصدم من مشهد تلك الدماء التي لطخت الارضيه &; فصاح بفزع : ايه ده !!! انتي فين يا زفته &;&;&;
ردت زيتا وقد اعتادت على ان يناديها امجد بلقب (زفته) بدلا من (زيتا) : حاضر مستر &; ثانيه واحد بليييييز
تتبع امجد مصدر صوت زيتا &; فوجدها جالسه تبكي في غرفتها &; والدماء تسيل بغزاره من اقدامها &; بعد ان اضطرت للمشي حافيه فوق الشظايا الزجاجيه لتخرج من المطبخ
هرول امجد اليها &; وحملها الى غرفته &; ووضعها برفق فوق فراشه
ثم احضر بعض المستلزمات الطبيه &; وبدأ في انتزاع الشظايا العالقه في اقدامها &; وهو يقول بصوت حنون : سوري يا زفتة &; انا اسف بجد &; مكنتش فاهم انك هتمشي فوق الازاز يا حماره
رمقته زيتا بنظره حانيه وقالت : موش مشكله كبير مستر &; شكرا على هذا اهتمام
ضمد امجد جرح زيتا مستخدما مهارته الفائقه &; ثم حملها مجددا الي حمامه الخاص &; واجلسها على حافة المغطس
حيث عاونها في خلع ملابسها الملطخه بالعصير &; وهو يقول : استحمي والبسي البشكير بتاعي &; وما تتحركيش لحد ما اجيلك ... فاهمه يا زفتة الطين &;!&;!&;
اومأت زيتا برأسها وقالت : حاضر مستر
اوصد امجد باب الحمام &; ثم ذهب لغرفته واستبدل ملابسه التي تطلخت بالعصير &; وعاد فحمل زيتا ووضعها في فراشه &; امرها ان تستريح طول اليوم حتى عودته بالمساء
ثم خرج مسرعا ليقفز في سيارته الفيراري حمراء اللون &; التي لم يكن لها سوى بضع نظائر في ارجاء العالم كله !!!
واتجه الى مستشفاه الاستثماري الذي كان يحمل اسمه (مركز الدكتور/ امجد عبدالمنعم لجراحات المخ والاعصاب)
والذي تم انشاءه منذ خمسه اعوام &; على غرار احدث المراكز الطبيه الاوروبيه والامريكيه
---------------------ء
وفي الطريق للمستشفى &; فتح امجد هاتفه &; الذي اعتاد تركه في الوضع الصامت اثناء نومه &; فوجد اكثر من ٢٠ اتصال من مديره مكتبه "إنجي" [ الفتاه التي في منتصف الغلاف ]
فبادر بالاتصال بإنجي &; وما ان انفتح الاتصال حتى صاحت انجي : انت فين يا دكتور !!!
في حاله VIP مستنيه حضرتك بقالها اكتر من ساعه ... سمو الامير/ خالد الي كلمت حضرتك عليه من فتره
رد امجد : وايه اللي جابه من غير معاد !!!
هي الناس دي فاكره نفسها ايه بالظبط !!!
انا اصلا مش طايق اشوف وشه
إنجي : يا دكتور الراجل خلاص اخد جزاءه &; والمرض هده &; ولو شفته دلوقتي هيصعب عليك
-----------------------ء
(( كانت انجي تلمح الى واقعه تتعلق بذلك الامير العربي &; حيث قام طاقم الحراسه الخاصه به &; بالاعتداء بالضرب على احد العمال المصريين المغتربين في بلاده &; ثم قاموا بتصويره معلقا من قدميه - في فيديو اشعل منصات التواصل منذ بضعه اشهر ))
-----------------------ء
وكالمعتاد &; اغلق امجد الهاتف في وجه إنجي بكل فظاظه
وكان قد وصل الى فناء المستشفى &; ليجد مشهدا معتادا &; حيث تقف سياره فاخره تحمل ارقاما دبلوماسيه في واجهه المستشفى
رمق امجد السياره وقد احاط بها ثلاثه من الرجال مفتولي العضلات يرتدون الزي الوطني لاحدى البلدان العربيه الشقيقه !!!
زفر امجد باستياء &; وتوجه الى المظله المخصصه لسيارته واطفىء محركاتها
ثم اغمض عينيه للحظات بسيطه &; بينما اشعل ذلك الجزء الشيطاني من عقله &; وهو يجلس في حالة استرخاء تام لبضع لحظات
وكانت تلك هي طريقة امجد عندما يخطط للاقدام على احدى افكاره الجنونيه &; حيث يرسم سيناريو كامل التفاصيل لما سيفعله في قادم اللحظات !!!
استنشق امجد جرعه كبيره من الهواء &; وزفرها ببطء &; ثم عاد واشعل محرك سيارته &; والتف بها لتقف في مواجهة سياره الامير
ثم قام بصدم سياره الامير وازاحتها من مكانها ببطء شديد &; لتتهشم مقدمه سياره الامير &; وسط زهول الحراس &; الذي تحول في لحظات الي غضب عارم
فهجم احدهم على امجد وانتزعه من مقعده داخل السياره &; والتف الحارسان الاخران في محاوله للفتك به
بينما اكتفى امجد بابتسامه باهته وهو رافعا يديه للاعلى &; في مبادره واضحه للاستسلام وهو يقول : لو انتو رجاله بجد حاولوا تضربوني
كان كلام امجد متناقضا بشكل كبير مع حركات جسده &; مما اربك طاقم الحراسه &; الا ان ذلك لم يمنعهم من الانقضاض عليه
لم يستمر ذلك المشهد سوى خمس ثوان فقط !!!
بعدها كان جيشا من امن المستشفى وموظفيه قد اجهزوا على المعتدين وطرحوهم ارضا &; وسط تنبيه من امجد بان يقيدوهم ويسلموهم الي صديقه (سعيد بيه) فور وصوله
تبارت الممرضات في نفض الغبار عن بدله امجد &; وتعديل هندامه
بينما قام هو بالاتصال بصديقه المقرب "سعيد" وقال : الو يا "ديدا" &; عاوزك تجيلي المستشفى حالا &; هتلاقي ٣ بغال مستنينك
هتاخدهم عندك وتعمل معاهم الواجب &; عاوزين نصور الجزء التاني من الفيديو اللي بعتهولك دلوقتي
رد سعيد بصوت اجش &; وهو يشاهد مقطع الفيديو الخاص بذلك العامل المسكين : اوامرك يا كبير &; اعتبره حصل &; وهنركب التريند على اليوتيوب الليله
واغلق الخط وسط ضحكه مدويه من الطرفان
---------------------ء
شاهدت إنجي مشهد الاعتداء على امجد من مكتبها بالطابق الثالث &; ونزلت مسرعه لتجده محاطا بالممرضات &; فقالت بفزع &; وهي تربت على كتفه : انت كويس يا دكتور &; هو ايه اللي حصل لكل ده &; وليه عملت .....
قاطعها امجد بفظاظته المعتاده : هو انتي هاتحققي معايا ولا ايه !!! اتفضلي على مكتبك
لملمت انجي ما تبقى من كرامتها &; وانصرفت وسط نظرات الشماته من الممرضات
التي لم يقطعها سوا صيحه امجد : خلاص يا جماعه فقره الحاوي خلصت &; كل واحد يروح يشوف شغله
-------------------------ء
لم تكن شماتة الممرضات في انجي نابعه من اي عداوه بينهم &; ولكنها كانت بسبب حسدهم العميق لها !!!
فلقد كانت انجي ذات السبع والعشرين ربيعا &; نوذجا مثاليا ليس فقط كمديره مكتب &; ولكن كأنثى يحلم بها اي رجل في العالم !!!
فهي فتاه بارعه الجمال &; عريقة النسب &; عذبه اللسان &; واسعه العلم &; تتقن خمس لغات &; باختصار كانت ايقونه حيه للجمال والذكاء
-------------------------ء
دخل امجد مكتبه لتستقبله إنجي بوجه عابث &; وتناوله ملف يحوي صور اشعه تخص حاله الامير &; وهي تقول : ده ملف الحاله بتاع الامير &; والراجل بقاله اكتر من ساعه ونص منتظر حضرتك في المكتب &; وطبعا ما يعرفش اي حاجه عن اللي جرى تحت للحرس بتوعه
رد امجد بابتسامه واسعه وهو يلقى نظره خاطفه على الاشعه من دون حتى ان ينظر لوجه انجي العابث : انا هاتصرف &; بس عاوزك تنزلي دلوقتي لمكتب الامن وتجيبي لي تفريغ كاميرات المراقبه اللي صورت واقعه الاعتداء وتبعتيها لي على موبايلي
قال ذلك وهو يفتح باب مكتبه &; ويستقبل الامير بحفاوه حيث دار بينهما الحوار التالي ...
امجد : اهلا وسهلا &; نورت مصر
رد الامير : منوره باهلها &; وخصوصا بك انت يا فخر الطب والاطباء
امجد : اسف اني اتاخرت عليك &; ومش هطول عليك &; انا راجعت الاشعه بتاعت حضرتك &; وللاسف الورم اللي عندك ده في مكان حساس جدا في المخ &; ولازم عمليه في اسرع وقت &; والعمليه دي صعبه ومكلفه جدا
رد الامير : انا عارف خطورة حالتي يا دكتور &; لكن ما تشغل بالك بأي تكاليف &; انا ارسلت الاشعه لاكبر المستشفيات بالعالم &; والكل اجمع انك افضل طبيب يجري هذي الجراحه
امجد : طيب توكلنا على الله &; حضرتك هتحط لي في حسابي تلاته مليون دولار دلوقتي &; وتلاته بعد نجاح العمليه بإذن الله &; ولي طلب صغير عند حضرتك &; وعارف انك مش هتكسفني
الامير : ما تحمل اي هم &; التحويل بيكون بحسابك اليوم &; لكن ايش هو طلبك يا دكتور &;&;
امجد بنبره حاسمه : حضرتك اكيد فاكر موضوع العامل المصري بتاع الفيديو &; ياريت يخرج من السجن &; ويبات في حضن اهله الليله ... الليله يا طويل العمر مش بكره !!!
كتم الامير غيظه من لهجة امجد الآمره وقال : تكرم عينك يا غالي &; ما يصير خاطرك الا طيب
ابتسم امجد بعد ان رن هاتفه معلنا عن وصول مقطع الفيديو الصامت &; الذي يصور اعتداء الحراس عليه &; وقد كان الفيديو يظهر ان الحراس هم من بادر بالهجوم على امجد &; الذي بدى مسالما تماما !!!
وقام بمناوله هاتفه ليشاهده الامير &; ثم قال : يرضيك ان الدكتور بتاعك يتعمل فيه كده &;&;&;
اندهش الامير من تصرف حراسه الغير منطقي مع امجد &; ثم بادر قائلا : والله ما تشيل اي هم &; بس نرجع بلدنا &; وانا راح اخد لك حقك منهم
رد امجد بابتسامه ساخره : مفيش داعي تتعب نفسك يا طويل العمر &; المصريين جدعان اوي &; وبيعرفوا يجيبوا حقهم كويس اوي &; ما تشلش انت هم &; البوليس خلاص خدهم وهيتصرف معاهم
رد الامير بلهجه ساخره : يا دكتور الشرطه تبعكم مالها اي سلطه على حرسي الشخصي
باغته امجد بضحكه عاليه وهو يقول : واضح ان حضرتك ما تعرفش ان معايا الجنسيه الامريكيه &; وانت عارف اكتر مني معنى الاعتداء على مواطن امريكي &; سواء في بلدي هنا او حتى في قلب بلدكم !!!
استسلم الامير &; وترك حراسه يواجهوا مصيرهم المظلم &; فقد ايقن ان رد اعتبار ذلك العامل المصري اصبح جزء من اتفاقه مع دكتور امجد
وانتهى الحوار ثم غادر الامير منكسرا
تاركا امجد &; وقد لمعت عيناه &; بعد ان تحقق ذلك السيناريو الذي كان قد خطط له
------------------------ء
مضت بضع دقائق ...
قبل ان تدق انجي باب مكتب امجد مجددا &; وهي تحمل ملف طبي لحاله تحمل توصيه من دكتور / مصطفى توفيق &; ذلك الطبيب الشهير الذي كان في يوما ما ... استاذا لأمجد في كلية الطب &; وهو اول من تنبأ له بهذا المستقبل الواعد
وكانت تلك الحاله هي الراقصه الشهيره " سحر وجدي " &; التي تعرضت لحادث سير مروع &; افقدها القدره على المشي
وقد قام الدكتور / مصطفى باجراء جراحه لها &; ولكنها فشلت &; ولا تزال سحر تتحرك مستخدمه كرسي متحرك !!!
دخلت سحر الى مكتب امجد على كرسي &; تدفعه فتاه محجبه ترتدي ثياب قديمه &; وحذاء رياضي متهالك
فقام امجد من مكتبه &; واستقبلها بترحاب شديد &; وهو يقول : اهلا بفنانتنا الكبيره
ثم صافحها بحراره &; متجاهلا بكل وقاحه تلك الفتاه المحجبه التي كانت قد مدت يدها لتصافحه
وبدا امجد يفحص الاشعه الخاصه بسحر &; ويقارن ما بين حالتها قبل العمليه التي اجراها دكتور مصطفى وبعدها
وعلامات الاندهاش تتكاثف على وجهه &; مما اثار الريبه في قلب الفتاه المحجبه &; فقالت بصوت قلق : هو في ايه يا دكتور &;&;&; حضرتك بقالك ربع ساعه بتبص على الاشعه ... من فضلك قول اي حاجه وطمنا !!!
رمق امجد الفتاه بنظره ناريه &; ثم قال بصوت حاد : ممكن يا شاطره تطلعي بره لحد ما اخلص كشف
تدخلت سحر بسرعه مخاطبه امجد : بعد اذنك يا دكتور خليها معايا &; "هبه" بتدرس طب [ الفتاه التي تحتل الجهه اليمنى من الغلاف ]
ثم استطردت سحر بصوت خجول : واكيد هي هتفهم كلامك احسن مني &; اصل انا فهمي على ادي &; وما كملتش تعليمي
زفر امجد وقال : زي ما تحبي يا فنانه &; بس يؤسفني اقولك ان العمليه اللي عملها لك دكتور مصطفى دي كانت غلط من اساسها &; وحالتك بقت اصعب من الاول بكتير !!!
انهارت سحر ببكاء حار &; وقالت بصوت مختنق : يعني ايه يا دكتور &; انا هاعيش مكسحه كده لحد ما اموت !!!
رد امجد : لا طبعا &; احنا ممكن نعمل عمليه جديده &; وترجعي تمشي &; بس عمليه كبيره زي دي &; هتكلفك في حدود ٢٠ مليون جنيه
انهارت سحر بالبكاء &; فبرغم شهرتها كراقصه &; لم تكن تمتلك حتى ربع ذلك المبلغ الضخم
تدخلت هبه مره اخرى في الحوار وقالت : ممكن حضرتك تشرح لي يعني ايه العمليه كانت غلط !!!
رد امجد : بإختصار الدكتور مصطفى حاول يقلد الاسلوب بتاعي في النوعيه دي من العمليات
لكنه عمل ده بطريقه في منتهى الغباء &; ولما فشلت العمليه &; بعتلي الحاله عشان اصلح العك اللي هو عمله
ردت هبه بصوت منفعل : دكتور مصطفى ده واحد من اشطر وانبل الدكاتره عندنا في الكليه &; ومستحيل يعمل حاجه زي كده
رد امجد بصوت ساخر : قبل ما تهللي اوي كده يا شاطره &; ياريت تعرفي الاول الدكتور مصطفى الشطور النبيل &; خد كام في العمليه دي من مدام سحر
ردت هبه بنفس النبره الساخره : طب خلي واحد تاني غير حضرتك يقول الكلام ده &; ده احنا دافعين عشر تلاف جنيه عشان كشف ربع ساعه !!! &; وكمان جايين بواسطه !!!
تجاهلها امجد &; وكأنها مجرد ذبابه تطن في الغرفه
حيث اغمض عينه واسترخى بطريقته المعتاده &; تمهيدا لاطلاق فكره شيطانيه جديده !!!
وفي غضون لحظات فتح امجد عينيه &; وقال لسحر التي كانت لا تزال تنتحب : اهدي يا ست الكل &; انا هارجعك ترقصي تاني &; واحسن من الاول كمان
ومن غير ما تدفعي ولا جنيه &; بس تسمعي كل اللي هاقولك عليه وتنفذيه بالحرف الواحد !!!
تهللت اسارير سحر وقالت بصوت متلهف : انا هاعيش خدامه تحت رجليك بس رجعني امشي ارقص تاني
ضحك امجد وقال : حاشا لله &; انا مش قصدي كده خالص
انا عاوزك تطلعي من هنا &; وتروحي على المحامي بتاعك &; وتخليه يعمل محضر في القسم &; ويرفع قضيه ضرر على دكتور/مصطفى
وبعدها يطلع على نقابه الاطباء &; ويقدم فيه شكوى مرفق فيها صوره من الاشعه والتقارير دي كلها
تدخلت هبه في الحوار وقالت بحنق واضح : انت ايه اللي بتطلبه ده يا دكتور &;&;&;
انت ليه عاوز تدمر الراجل اللي علمك &; وخلاك توصل للمكانه اللي انت فيها دي !!!
تدخلت سحر بصوت عصبي : اخرسي يا هبه &; ولا كلمه زياده
سكتت هبه &; بينما قامت سحر بتلطيف الجواء &; وقالت وهي تودع امجد : انا هاعمل كل اللي امرت بيه &; وبرضوا هافضل خدامه تحت رجليك لاخر عمري &; لو تحب طبعا
صافحها امجد &; واوصلها حتى باب مكتبه &; بينما تناول رزمه من المال &; ووضعها في حقيبه يد هبه &; قائلا بمنتهى الغطرسه : اشتري لنفسك كام فستان تروحي بيهم الجامعه
ثم وجه كلامه لسحر قائلا : ما يصحش الخدامه بتاعت سحر هانم تلبس هدوم مقطعه بالشكل ده
خرجت هبه &; وهي تدفع كرسي سحر بعصبيه &; فقد كان كل همها ان تخرج متماسكه &; والا تنهمر دموعها امام ذلك الكائن البغيض
ثم توقفت فجأه &; استجمعت شجاعتها &; وتركت سحر واندفعت عائده لتقتحم مكتب امجد
حيث القت رزمه النقود على مكتبه &; وقالت بصوت مختنق بالدموع : على فكره انا مش خدامه &; انا فاضلي كام سنه وابقى دكتوره زيي زيك
وسحر دي تبقى اختي !!!! &; وانا كنت مقاطعها &; هي وفلوسها الحرام
واللي رجعني ليها &; انها في محنه &; والكل اتخلى عنها
وحاجه اخيره ... عاوزه اقولها لك ... انت بجد مش ممكن تكون بني ادم ... انت شيطان
وقبل ان يرد امجد &; كانت هبه قد خرجت من المكتب &; تاركه امجد غارقا في بحر عميق من الذهول !!!
( انتهت الحلقه الاولى )
اتمنى ان اعرف رأيكم في هذه الحلقه
حازم الباشا
&;
رواية المتناقض الفصل الثاني 2 - بقلم حازم الباشا
خرجت هبه من مكتب دكتور أمجد وهي تشعر بأنها قد ثأرت لكبريائها الذي حاول ذلك المتغطرس أن يهدره.
وكان كل ما يشغل بالها هو أن تحبط خطته الحقيرة في تدمير دكتور مصطفى توفيق، الذي لم يكن فقط أستاذها في كلية الطب، بل كان أيضًا مثلها الأعلى.
في تلك اللحظة، لم تكن هبه تعلم أن خطة أمجد لم تكن تتعلق فقط بالدكتور مصطفى، بل كانت تشملها هي في المقام الأول!
ونعود الآن حيث تركنا أمجد في مكتبه، غارقًا في ذهوله عقب تلك المواجهة الصدامية مع هبه.
ولم يكن ذهول أمجد نابعًا مما قالته هبه، إنما من شجاعة تلك الفتاة المسكينة في مواجهته، وهي تعلم تمامًا مدى قدرته على سحقها كذبابة تحت حذائه جراء إهانتها له!
فقد كان أمجد على دراية بأن شقيقه سحر هي إحدى طالبات دكتور مصطفى.
فلقد إذاع الأخير ذلك الخبر في مختلف الأوساط الطبية، لتبرير اهتمامه بتلك الحالة، مخافة أن يتم اتهامه بأي علاقة منحرفة تجمعه بتلك الراقصة الشهيرة، سحر!
ولم يكن صعبًا على شخص حاد الذكاء مثل أمجد أن يستنتج أن هبه هي شقيقة سحر التي تدرس الطب، فالشبه بينهما واضح جدًا.
كما أن ثياب هبه القديمة قد أوحت لأمجد بأن علاقتها بأختها شبه منعدمة، وأن هبه تعيش حياة بائسة لا تعتمد فيها على أموال سحر الملوثة!
لذلك، فقد وضع أمجد خطته المحكمة، التي كانت ظاهريًا تستهدف تدمير أستاذه السابق، إلا أنها في باطن الأمر تستهدف إبعاد هبه عن أختها المنحرفة، وكذلك حمايتها من ذلك الملاك المزيف الذي يدعى دكتور مصطفى توفيق!
إلا أن شجاعة هبه في مواجهته جعلته يطور من خطته، بما سيقلب حياة هبه رأسًا على عقب!
قطعت إنجي حبل أفكار أمجد وهي تقتحم مكتبه قائلة: "أنا جهزت لحضرتك المبلغ بتاع كل أسبوع، ٧٥٣٠ جنيه! وحطيته في ظرف وقفلته، وهاموت وأعرف اشمعنا الرقم ده بالتحديد!"
رد أمجد ببرود: "بلاش تتدخلي في حاجات ما تخصكيش يا إنجي، دي فلوسي وأنا حر فيها."
ردت إنجي باتقطاب: "أنا آسفة يا دكتور، حضرتك عاوز مني أي حاجة تانية؟"
رمقها أمجد بنظرة ساخرة: "امشي يا كئيبة، وريحني من صداعك ده، والغي أي مواعيد، أنا تعبان وعاوز أروح."
قالها وهو يلتقط وردة حمراء من إناء للزهور بجوار مكتبه، ويضعها في يد إنجي، قبل أن يغادر مكتبه.
تاركًا إنجي في حيرة عارمة ما بين رغبتها في تمزيق تلك الوردة أو احتضانها وتقبيلها!
وفي المساء...
وأثناء عودة أمجد إلى المنزل، كان المطر قد بدأ ينهمر بغزارة، فأنعطف بسيارته صوب أحد الأحياء الشعبية العريقة.
وترك سيارته في أحد الجراجات داخل قبو بناية قديمة، حيث أمر الفتى المسؤول عن الجراج بغسل السيارة جيدًا.
ثم خرج ليمارس هوايته المفضلة...
وهي السير تحت المطر!
فلقد كانت تلك المتعة هي أحد الأشياء القليلة التي لم يكن أمجد باستطاعته أن يحققها بماله أو نفوذه أو حتى ذكائه الخارق!
فتلك النعمة من الله هي التي تذكره دومًا بمدى عجزه وضآلته، وتجعله ينتبه لسعة عظمة الله ورحمته.
ظل أمجد يسير تحت المطر، وما زال يدور في عقله ما فعلته تلك الحمقاء، هبه.
مما دفعه لأن يتذكر ما فعله به دكتور مصطفى توفيق في الماضي!
عندما حرم أمجد من درجة الامتياز في مادته، والتي كان يستحقها عن جدارة.
وتلاعب بدرجاته ظلمًا وزورًا، وقد فعل ذلك مجاملة لطالب آخر من أبناء أعضاء هيئة التدريس بالجامعة!
وقد أدى ذلك التصرف الدنيء إلى حرمان أمجد من تحقيق حلمه بأن يكون معيدًا بالكلية.
كما حرم من أن يستكمل دراسته العليا للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه على نفقة الجامعة.
ففي نظر أمجد، لم يكن دكتور مصطفى سوى إنسان بلا ضمير، لا يستحق أن يمارس مهنة الطب!
وفي أثناء سير أمجد، تعالت أصوات الأذان لصلاة العشاء، فعرج إلى أحد المساجد الكبيرة، حيث وجد سيدة تجلس على بوابة المسجد حاملة رضيعها المسكين، وقد أغرقهما ذلك المطر الكثيف.
وكانت السيدة تستجدي الوافدين للمسجد، طامعة بأن تجد بينهم من يحنو قلبه على صغيرها الذي مزق صراخه الأجواء من شدة الجوع والبرد!
اقترب أمجد من السيدة وناولها ذلك الظرف المنتفخ بالنقود، وطلب منها أن تنتظره لبضع دقائق حتى تنتهي الصلاة.
وقد طلب منها أن يوصلها إلى منزلها بسيارته، وقاية لها ولابنها من ذلك المطر.
انهمرت دموع السيدة المسكينة، وظلت تدعو لأمجد، وقد همت بتقبيل يده، إلا أنه نهرها بحزم، وصافحها بحرارة، ثم أمسك يد الطفل وقبلها قبلة حانية، وانصرف لأداء الصلاة.
وبعد انقضاء الصلاة...
انزوى أمجد إلى أحد أطراف المسجد، وقام بالاتصال بأحد معارفه من كبار المسؤولين في جهاز الشرطة، وأخبره بأنه قد تعرض للسرقة.
ثم ذكر له مواصفات تلك السيدة المتسولة، والمبلغ المالي الذي سرقته وهو ٧٥٣٠ جنيه!
وعلى الفور قام ذلك المسؤول بإرسال إحدى دوريات الشرطة القريبة من موقع أمجد، حيث وصلت إلى المسجد في غضون دقائق معدودة!
وتم إلقاء القبض على السيدة المسكينة، وبحوزتها المبلغ المالي الذي ذكره أمجد.
وسط دهشة عارمة من السيدة التي أخرستها الصدمة!
بينما استرد أمجد أمواله، وقام بشكر أفراد الدورية وانصرف منتشيًا، وقد لمعت عيناه معلنة عن نجاح إحدى خططه الجهنمية!
وفي أثناء سير أمجد، تعالت أصوات الأذان لصلاة العشاء، فعرج إلى أحد المساجد الكبيرة، حيث وجد سيدة تجلس على بوابه المسجد حامله رضيعها المسكين، وقد اغرقهما ذلك المطر الكثيف.
وكانت السيده تستجدي الوافدين للمسجد، طامعه بأن تجد بينهم من يحنو قلبه على صغيرها الذي مزق صراخه الاجواء من شدة الجوع والبرد!
اقترب امجد من السيده وناولها ذلك الظرف المنتفخ بالنقود، وطلب منها ان تنتظره لبضع دقائق حتى تنتهي الصلاه.
وقد طلب منها ان يوصلها الى منزلها بسيارته، وقاية لها ولإبنها من ذلك المطر.
انهمرت دموع السيده المسكينه، وظلت تدعو لامجد، وقد همت بتقبيل يده، الا انه نهرها بحزم، وصافحها بحراره، ثم امسك يد الطفل، وقبلها قبله حانيه، وانصرف لاداء الصلاه.
وبعد انقضاء الصلاه...
انزوى امجد الى احد اطراف المسجد، وقام بالاتصال باحد معارفه من كبار المسؤولين في جهاز الشرطه، واخبره بأنه قد تعرض للسرقه.
ثم ذكر له مواصفات تلك السيده المتسوله، والمبلغ المالي الذي سرقته وهو ٧٥٣٠ جنيه!
وعلى الفور قام ذلك المسؤول بارسال احدى دوريات الشرطه القريبه من موقع امجد، حيث وصلت الى المسجد في غضون دقائق معدوده!
وتم القاء القبض على السيده المسكينه، وبحوزتها الملبغ المالي الذي ذكره امجد.
وسط دهشه عارمه من السيده التي اخرستها الصدمه!
بينما استرد امجد امواله، وقام بشكر افراد الدوريه وانصرف منتشيا، وقد لمعت عيناه معلنه عن نجاح احدى خططه الجهنميه!
عاد أمجد ليستقل سيارته بعد أن توقف المطر، ليجد أن ذلك الفتى قد قام بغسيل سيارته، لتستعيد بريقها من جديد.
فقام أمجد بشكره، ثم ناوله ذلك المظروف المالي، الذي يحمل تلك الـ ٧٥٣٠ جنيه اللعينة!
وقبل أن يصدر ذلك الشاب أي رد فعل، كانت السيارة الفيراري الصاروخية قد اختفت من الجراج، بل ومن ذلك الحي الشعبي بأكمله!
وأخيرًا عاد أمجد إلى منزله بعد ذلك اليوم الحافل.
ليجد زيتا مازالت نائمة على سريره!
وقد انكشف بشكير أمجد ليظهر كل مفاتن جسدها.
فما كان من أمجد إلا أن أزاح جسدها برفق، واستلقى إلى جوارها، وغط في نوم عميق.
استيقظ أمجد ليجد نفسه عارياً!
وانتبه لأن زيتا تتحرش به!
فهب معتدلاً وصفعها بكل قوة على وجهها، وهو يقول بصوت ناري ارتجت له الغرفة: "إيه القرف اللي انتي بتعمليه ده يا جذمة يا بنت الجذمة! انتي نسيتي نفسك يا بت! انتي حتة خدامة معفنة!"
انخرطت زيتا في نوبة بكاء محمومة وهي تردد بشكل هستيري: "آسف سيدي أمجد، آسف مستر أمجد."
انتزعها أمجد من شعرها وألقى بها خارج الغرفة وهو يقول بنفس الصوت الناري: "قومي تلمي هدومك حالاً، وما أشوفش وشك في الفيلا هنا تاني."
زاد بكاء ونحيب زيتا وهي تردد: "سامحني مستر، آخر مرة مستر."
رد أمجد بصوت حاسم: "أنا هديكي ١٠ دقايق... ولو ما كنتيش بره الفيلا، هاتصل بالبوليس واخليهم يرحلوكي على بلدكم النهارده."
قفز الرعب في قلب الفتاة، فصمتت وهي تجر أقدامها وتلملم أغراضها.
وفي غضون دقائق كانت قد خرجت من بوابة الفيلا، تاركة أمجد في غرفته مندهشاً... ثائراً... ومستثارا!
مر وقت طويل، حتى أنهى أمجد طقوسه اليومية المعتادة ليبدأ يوم عمل جديد.
إلا أنه استغرق وقتًا طويلاً أثناء استحمامه، فقد كان بحاجة لاستعادة اتزانه العقلي، وتهدئة جسده الملتهب.
ثم نزل ليستقل سيارته كالمعتاد، حيث كانت زيتا لا تزال واقفة خارج أسوار الفيلا، حاملة حقيبتها وهي تبكي.
فرمقها أمجد بنظرة كلها استحقار، وقذف لها رزمة كبيرة من المال، وانطلق كالبرق بسيارته.
وكالمعتاد فتح أمجد هاتفه، ليجد أن مواقع التواصل الاجتماعي قد اشتعلت بفيديو ضرب وتعليق حرس الأمير.
وأخبار عن وصول العامل المصري المسكين إلى أرض الوطن!
وكان السؤال الأكثر إلحاحًا على كل المواقع... يدور حول هوية من يقف وراء تلك الحركة البطولية؟
شعر أمجد بمتعة لا مثيل لها بعد أن استطاع تنفيذ ما قد خطط له كالمعتاد.
فلم يكن أمجد يؤمن بالحظ أو بالظروف، فهو دائمًا ما يستخدم عقله الفذ في إدارة الكون كله حسب ما يريد.
إلا أن أمجد لم يكن يعلم أنه على موعد هذا المساء مع القدر.
فقد شاءت الأقدار أن تضعه في مواجهة حاسمة مع شخص فريد من نوعه، لا مثيل له على سطح الأرض!
شخص يتمتع بقدرات تفوق كل ما يملكه أمجد من...
ذكاء خارق.
وثراء فاحش.
ونفوذ لا محدود!
رواية المتناقض الفصل الثالث 3 - بقلم حازم الباشا
انطلق أمجد بسيارته ليبدأ يومًا جديدًا، وقد غمرته فرحةٌ عامرة بعد النجاح الساحق لخططه الجهنمية أمس.
ولم يتبقَّ له سوى أن يجني ثمار خطته الكبرى مع هبة والدكتور مصطفى، والتي كان يعلم أنها قد تحتاج إلى مزيد من الوقت ومزيد من التخطيط، إلا أن النتائج في النهاية سوف تصب في صالحه لا محالة.
وقبل أن يذهب للمستشفى، كان عليه أن يقوم بتلك الزيارة السنوية المعتادة لمدرسته السابقة.
تلك المدرسة التي قضى فيها سنوات طفولته وصباه، وقد كانت تلك السنوات هي أحلك وأصعب سنوات حياته.
فما مر به أمجد من اضطهاد وقسوة وعنف، كان كفيلاً لأن يصنع من ذلك الطفل مجرماً أو سفاحاً، إلا أن الذكاء الخارق الذي قد منحه الله له، قد حال دون ذلك.
***
وسوف نأخذك عزيزي القارئ في رحلة عبر الماضي، لنكتشف سوياً ذلك الجزء المظلم من حياة أمجد.
وُلد أمجد في إحدى القرى المعدمة بالريف، لأبوين فقيرين كانا يعملان في مجال الفلاحة.
وكانت فرحة تلك الأسرة بمولودهما الأول عارمة، خصوصاً مع ظهور علامات النبوغ الواضحة عليه منذ نعومة أظافره.
فمعدل ذكاء أمجد وهو في سن الخامسة، كان يتفوق على ذكاء شاب متفوق في العشرين من عمره.
فقد حفظ القرآن الكريم كاملاً، وبدأ في التبحر في شتى مجالات العلم المختلفة، وسط حالة من التكتم الشديد من أبويه، اللذان كانا يخشَيان عليه من الحسد.
وعاش أمجد سنواته الأولى في حالة من العزلة، ليس بسبب خوف أبويه فقط، ولكن لأنه كان دائم الخوف من الناس.
ويرجع ذلك الخوف إلى إحساس أمجد بأنه مختلف عن باقي أقرانه، ليس بسبب ذكائه الفذ.
ولكن بسبب "صفة خارقة" كان يتمتع بها، جعلته ينفر من كل الناس.
وظل أمجد متكتماً على تلك "القدرة الخاصة" التي يتمتع بها، فظلت سراً دفيناً بداخله، حتى بلغ التاسعة من عمره.
***
وفي يوم من الأيام...
قرر أمجد أن يصارح والدته بسر تلك القدرة الخارقة التي يتمتع بها.
فأصابها ذعر شديد، وطلبت منه ألا يخبر أي مخلوق على الأرض عن امتلاكه لتلك القدرة الخارقة.
فلو علم الناس بتلك القدرات التي يتمتع بها، فسوف تتحول حياته إلى جحيم لا ينتهي.
وفي مساء نفس اليوم...
بينما كان أمجد يجلس وحيداً في الحقل المجاور لمنزله، إذا به يجد فتى أنيق، يكبره بحوالي عامين، يقترب منه وهو يقول بنبرة ودودة: "أزيك يا أمجد؟"
رد أمجد بارتباك: "انت مين؟ وعرفت اسمي ازاي؟"
رد الفتى وهو يلتقط ورقة من جيبه ويناولها لأمجد: "ما تشغلش بالك بيا. الورقة اللي معاك دي فيها فزورة صعبة. لو عرفت تحلها، هاديلك العجلة بتاعتي. إيه رأيك؟"
كان ذلك العرض مغرياً لدرجة أنست أمجد استفساراته حول الفتى، وجعلته يصب كل تركيزه لحل تلك الفزورة المعقدة.
ومضت قرابة الساعة، حتى تمكن أمجد من حل ذلك اللغز الرياضي المعقد.
فما كان من الفتى إلا أن أثنى على أمجد، وأعطاه دراجته وصافحه ثم رحل، تاركاً أمجد وقد غمرته فرحة عارمة.
مضت ساعة أخرى وأمجد يجوب أرجاء القرية بدراجته الجديدة، حتى استبد به التعب وقرر أن يعود للمنزل.
لم يكن أمجد يعلم، بأن تلك الليلة هي آخر ليالي الفرح في طفولته، وأن الأقدار تخبئ له من الأهوال ما لا طاقة لأي طفل طبيعي على تحمله.
عاد أمجد إلى منزله، ليجده مقلوباً رأساً على عقب، ويجد أمه ملقاة على الأرض، غارقة في دمائها، تلفظ أنفاسها الأخيرة، أثر طعنة نافذة في صدرها.
فوثب أمجد محاولاً إسعافها وإيقاف نزيف الدماء بيديه، وظل يصيح: "سامحيني يا أمي أنا السبب... أنا السبب."
ردت أمه بصوت واهن: "عاهدني يا أمجد أن سرك ده مفيش مخلوق يعرفه، وأنك عمرك ما هتقطع الوصل اللي بينك وبين ربنا."
أنهت أم أمجد عبارتها، ثم فاضت روحها إلى بارئها، وهي بين أحضان أمجد، الذي ظل يردد والدموع تنهمر من عينيه كالسيل العرم: "ما تسيبينيش يا أمي. أنا ماليش غيرك. ما تسيبينيش يا أعز من روحي!"
مضت الدقائق بطيئة وموحشة، وقد استنتج أمجد كل ما حدث.
فبسبب بوح أمجد بسره لأمه، نشب خلاف حاد بينها وبين أبيه، أسفر عن قيام الأخير بطعنها، ثم لاذ بالفرار.
وقد صدق استنتاج أمجد، حيث ألقت الشرطة القبض على أبيه، الذي خر معترفاً بجريمته.
***
ومضت الأيام سريعاً.
وانتقل أمجد ليعيش بصحبة جدته من أمه، والتي دفعها المرض اللعين إلى ترك القرية والعيش بجوار معهد الأورام بالقاهرة.
وكان أمجد مجبراً على ترك القرية، وذلك بعد أن تم الحكم على والده بالسجن خمسة وعشرين عاماً.
لتبدأ رحلته مع العذاب، حيث كان مطالباً بخدمة جدته المريضة، والعمل لتوفير لقمة العيش، والدراسة بتلك المدرسة اللعينة حيث كان منبوذاً من الجميع.
فأقرانه ما انفكوا عن معايرته بأبيه المجرم... قاتل زوجته!
وقد استفزهم انعزال أمجد عنهم، والذي فسروه، بأنه نوع من التكبر بسبب نبوغه الحاد، على الرغم من كل محاولات أمجد لإخفاء ذكائه الفذ، بل والتظاهر بالغباء في العديد من المناسبات.
حتى أنهم قد اعتادوا على ضربه وتعليقه من قدميه على أسوار المدرسة بعد انقضاء اليوم الدراسي، أمام أعين ومسامع المدرسين، الذين لم يحرك أحداً منهم ساكناً لنجدة ذلك الفتى المسكين.
***
ونعود بك عزيزي القارئ إلى وقتنا الحالي.
حيث وصلت سيارة أمجد لنفس تلك الأسوار العتيقة، ليلقي عليها نظرة ساخرة وهو يدخل من أبواب المدرسة، وسط استقبال حافل من مدير المدرسة ومساعديه، وقد دار بينهم الحوار التالي.
مدير المدرسة وهو يهرول في سعادة كبيرة مخاطباً أمجد: "أهلاً وسهلاً دكتور أمجد. واللهي النهاردة يوم تاريخي بسبب تشريفك لينا بالزيارة الكريمة دي."
أمجد بامتعاض: "حضرت لي الكشف اللي طلبته منك؟"
المدير بحماس: "الكشف جاهز يا أفندم. فيه أسماء 265 طالب بين ابتدائي وإعدادي وثانوي، كلهم ما دفعوش المصاريف."
التقط أمجد الكشف من يد المدير وقال بلهجة آمرة: "عارف يا عبدالمعطي لو لقيت اسم واحد فيهم لحد من قرايبك أو معارفك أنا هاعمل فيك إيه؟.... أنا هقعدك في بيتكم! فاهم؟"
رد المدير بارتباك: "أقسم بالله يا أمجد بيه كلهم عيال غلابة وأهاليهم مش لاقية تاكل."
أمجد: "كام المبلغ المطلوب؟"
المدير: "109632 جنيه... يعني تقريباً مية وعشرة ألف جنيه."
أمجد وهو يخرج دفتر الشيكات من جيبه: "ده شيك بمية وعشرين ألف جنيه. بكرة ألاقي إيصالات سداد المصاريف دي على مكتبي في المستشفى. وخلي الباقي علشانك."
هلل المدير وهو يشكر أمجد: "ربنا يخليك لينا يا دكتور. أنا عاوز..."
قاطعه أمجد بمنتهى الغطرسة: "خلاص يا عبد المعطي. مش عاوز صداع. يلا خد العصابة بتاعتك دي وانفضلوا امشوا. أنا عاوز أتمشى لوحدي في الحوش."
انطلق المدير وأعوانه في لمح البصر، تاركين أمجد يستعيد ذكرياته مع ذلك الفناء الرملي الواسع.
***
حيث انفجرت إحدى ذكرياته العميقة.
فعندما كان أمجد بالصف الثاني الإعدادي، وأثناء استعداده لتلقي التكريم لحصوله على المركز الأول في اختبارات الترم.
فإذا بناظر المدرسة يقتحم الفصل، وينادي على أمجد قائلاً: "يا ترى جبت المصاريف المتأخرة؟ ولا هتطلع لي بحجة جديدة زي كل مرة؟"
رد أمجد بارتباك: "بإذن الله هاجيبهم لحضرتك أول الشهر. حضرتك عارف إني بشتغل بس ستي عيانة أوي والدوا بتاعها غالي."
الناظر بتذمر: "أنا ماليش دعوة. دي فلوس الحكومة ولازم تدفعهم. ومن النهارده ما تدخلش الفصل لحد ما تدفع المصاريف. وهتنزل تلم الزبالة من حوش المدرسة. مع كل العيال الزبالة اللي زيك...!"
رد أمجد بنبرة متحدية: "ما تقلش عليا زبالة. أنا الأول على المدرسة دي كلها. ومش هانزل من الفصل!"
اشتعل الناظر جنوناً وهو يقول: "انت بتتحداني يا مجرم يا ابن المجرم!"
ثم انهمر بعصاه المصنوعة من عود الخيزران المرن فوق ظهر وأكتاف أمجد المسكين.
وكان صوت اختراق تلك العصا للهواء، كفيلاً لخلع قلب كل التلاميذ.
وانخرط ذلك الناظر المتوحش بضرباته المتتالية على كل جزء من جسد أمجد، الذي ظل واقفاً متحدياً يغالب دموعه التي تحجرت في عينيه حتى احمر وجهه وسقط مغشياً عليه.
مرت دقائق.
واستفاق أمجد ليجد نفسه بصحبة أحد الطلاب ضخام القامة، وقد حمله لغرفة الرعاية الصحية بالمدرسة.
ففحصته الممرضة وقدمت له الإسعافات الأولية وهي تبكي، وتهمهم بعبارات السب لناظر المدرسة، التي لولا خوفها من بطشه، لكانت أبلغت السلطات عنه.
واستحلفت ذلك الطالب الضخم أن يصطحبه حتى منزله، فأمجد لم تكن قدماه قادرة على حمله.
وبالفعل قام الفتى الضخم بحمل أمجد حتى منزله، وفي أثناء الطريق، كانا قد تعارفا، وبدأت بينهما صداقة متينة.
ليصبح ذلك الفتى فيما بعد...
هو أقرب شخص لقلب أمجد على ظهر الأرض... ذلك الفتى المدعو... سعيد!
أو كما يُلقب في أوساط عالم الإجرام... "ديدا".
رواية المتناقض الفصل الرابع 4 - بقلم حازم الباشا
غادر امجد مدرسته القديمه التي ايقظت بداخله العديد من الذكريات المؤلمه، الا ان حاله من الزهو قد غلفت ذلك الحزن، فقد تمكن اخيرا من الوفاء بقسمه القديم.
فقد اقسم في صباه انه لن يسمح لاي شخص حقير بإذلال اي طفل لمجرد انه فقير يعجز عن سداد مصروفات دراسته.
وفي طريقه للمستشفى، كانت وسائل التواصل الاجتماعي قد بدأت تزف خبر عودة الطفله المخطوفه (نانسي) الى اسرتها.
***
وذكرت تفاصيل الخبر ان قوات الشرطه قد القت القبض مساء امس على سيده متسوله، بعد إبلاغ احد المواطنين عن قيامها بسرقته امام احد المساجد.
الا ان العنايه الالهيه قد تدخلت.
وتبين ان ذلك الطفل الذي بصحبتها هو في حقيقه الامر الطفله المخطوفه ( نانسي).
حيث قامت الخاطفه بحلق شعر رأس الطفله كنوع من التمويه.
ولم يكن من السهل على اي احد اكتشاف ذلك التضليل الذي قامت به الخاطفه، فالأمر يحتاج الى طبيب متمرس بستطيع التمييز تشريحيا بين وجه طفل ذكر ووجه طفله انثى.
***
وصل امجد الى المستشفى ودخل مكتبه ليجد انجي (الفتاه التي في منتصف الغلاف) في استقباله بابتسامه عذبه، وقد ارتدت فستانا ازرقا انيقا، فبدت فيه كأحدى ملكات جمال العالم.
تجاوزها امجد وكأنها مجرد قطعه اثاث تافهه تزين مكتبه، وقال بكل غطرسه: "هاتيلي ملف اول حاله النهارده."
احمر وجه انجي غيظا، وقالت بصوت مختنق وهي تناول امجد ملفا ضخما: "ده ملف الطفل 'هيثم' ابن الملياردير 'عصام الراوي' بتاع مصانع الحديد."
رد امجد باندهاش: "وايه اللي جايبه دلوقتي؟ انا اديته معاد بعد شهر تقريبا."
انجي: "لا يا دكتور مش هو اللي جاي، دي مدام 'شروق' مراته، هي اللي اتصلت وطلبت بتقابلك النهارده ضروري."
***
وقبل ان يرد امجد...
كانت احدى الممرضات قد اقتحمت مكتب امجد، وهي متلفحه بوشاح لتستر جسدها، وقد تمزقت ثيابها في مشهد واضح يدل على انها قد تعرضت لاعتداء وحشي.
اقتربت الممرضه من امجد وانجي، وهي تصرخ وتبكي بحرقه: "الحقني يا دكتور امجد، 'مستر عماد' بتاع جناح ١٢ اتهجم عليا وانا برتب اوضته وكان عاوز يغتصبني."
قاطعها امجد بصوت هاديء: "طيب اهدي الاول وفهميني ايه اللي حصل بالظبط."
ثم قال مخاطبا انجي: "اتصلي بالأمن واعرفيلي ايه اللي حصل بالظبط."
هدأت الممرضه قليلا ثم قصت على امجد ما حدث.
حيث دخلت كالمعتاد لترتيب غرفه ذلك الكهل المدعو عماد شوكت، والذي اشتهر بأنه زير نساء.
فعرض عليها بعض النقود في مقابل ان تنزع ثيابها، ولما رفضت انقض عليها ومزق ثيابها، ولكنها نجحت في الافلات من قبضته.
الا ان ذلك الحقير هددها بأنه سوف يتهمها بسرقه ساعته الثمينه اذا حاولت ان تفضح فعلته الدنيئه.
كان امجد يستمع الى الممرضه بانصات شديد، حتى وصل الامن الى مكتبه واكدوا روايه الممرضه، حيث انكر عماد انه تهجم على الممرضه، بل واتهمها بسرقه ساعته.
قام امجد من مكتبه وتقدم ببطء من الممرضه وصفعها صفعه قويه على وجهها!
وسط ذهول حاد من انجي وافراد الامن.
ازداد نحيب الممرضه وصراخها وهي تقول: "حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ظالم يا مفتري."
قاطعها امجد بصوت صارم مخاطبا انجي: "الكلبه دي تصفيلها حسابها وما اشوفش وشها هنا تاني."
لم تصدق انجي ما سمعت وما رأت، فبرغم اعتيادها على تصرفات امجد المجنونه، الا انها لاول مره تشعر بالاشمئزاز منه.
انتهى المشهد بأن رضخ الجميع لاوامر امجد، فقادوا الممرضه الى خارج مكتبه، ثم قذفوا بها خارج المستشفى بأكملها، والمسكينه لا تزال تبكي وتهمهم بعبارات السخط على امجد.
***
مضت بضع دقائق.
حتى وصلت مدام "شروق" الى مكتب امجد، وادخلتها إنجي، حيث استقبلها الاخير بحفاوته المعتاده.
فبرغم ان شروق قد تجاوزت الاربعين بقليل، الا انها تتمتع بأنوثه طاغيه، ساهم في اظهارها ذلك الفستان الضيق المثير.
خرجت إنجي من مكتب امجد ومازالت تشعر بالسخط والاشمئزاز من تصرفه مع الممرضه، وتركه مع تلك الفاتنه شروق، حيث دار بينهما الحوار التالي.
شروق: "انا عارفه ان وقت حضرتك ضيق، عشان كده هادخل في الموضوع على طول."
ثم التقطت شيكا من حقيبتها وناولته لأمجد وهي تقول: "ده شيك بتلت اضعاف مبلغ العمليه اللي حضرتك طلبته من عصام جوزي."
رد امجد وهو يتصنع عدم الفهم: "والمبلغ ده كله مقابل ايه؟"
شروق: "مقابل انك تقنع عصام بتأجيل العمليه دي سنه ولا اتنين، انت ما تعرفش انا وعصام اتعذبنا اد ايه لحد ما ربنا كرمنا ب 'هيثم'، وانا خايفه عليه اوي، الولد لسه ما كملش خمس سنين ومش حمل عمليه كبيره زي دي في المخ."
امجد باندهاش: "انا عارف كويس انكم عملتوا اكتر من سبع عمليات حقن مجهري وتلقيح صناعي عشان عصام بيه كان نفسه في طفل يشيل اسمه ويورث الامبراطوريه بتاعته بعد عمر طويل."
ثم استطرد وهو يرمق شروق بنظره ثاقيه متفحصه: "لكن ابن حضرتك بيتعذب، والورم اللي عنده ده سبب له شلل كامل في كل الاطراف."
شروق بنبره مستعطفه رقيقه: "ارجوك يا دكتور امجد، انت عارف ان عصام داخل على سبعين سنه، ولو هيثم (بعد الشر)جراله حاجه في العمليه ابوه مش هيستحمل الصدمه وممكن يروح فيها."
استرخى امجد وقد اغمض عينيه واسترخى قليلا، ايذانا بأنه على وشك ان يطلق احدى خططه الجهنميه.
ثم فتح عينيه وقال بصوت حاد: "انا عمري ما شفت بني ادمه بالحقاره دي! انتي ازاي مستحمله نفسك!"
تسمرت شروق في مكانها وقد الجمتها الصدمه.
بينما استطرد امجد وهو يمزق الشيك ويقذفه في وجه شروق قائلا: "انا عارف ان هيثم مش ابن عصام بيه! وانك عاوزه تأجلي العمليه لحد ما الراجل يموت وتبلعي ثروته كلها لانك الوصيه على ابنه الوحيد اللي هو في الحقيقه.... ابن اخوه!"
وقف امجد وامسك بشعر شروق وجذبه بقوه ثم استطرد بصوت حاد: "بس انا ممكن ابوظ لك كل خططك، وانتي فاهمه كويس عصام بيه ممكن يعمل فيكي ايه لما يعرف بعلاقتك القذره مع اخوه!"
تمالكت شروق اعصابها وهي تحاول تخليص خصلات شعرها من بين اصابع ادهم، وردت بنبره متحديه: "اعلى ما في خيلك اركبه، انت مش هتعرف تعمل اي حاجه، حتى لو عملت تحليل اثبات وراثه DNA برضوا مش هتقدر تثبت حاجه لان عصام واخوه ال DNA بتاعهم واحد."
رد امجد بنبره ساخره: "واضح ان غباءك ده مالوش حل، ما سألتيش نفسك انا عرفت ازاي انه مش ابن عصام بيه؟"
هنا تجمدت شروق للحظه، وقد انتابها فزع عارم وقالت بارتباك: "انت ازاي عرفت الموضوع ده! وعاوز كام وتسكت؟"
اغفل امجد الاجابه عن الشق الاول من سوال شروق، وقال بلهجته الآمره المعتاده: "وفري فلوسك يا حيوانه، انتي من اللحظه دي هتسمعي كل اللي هاطلبه منك وهتنفذيه بالحرف الواحد، مفهوم!"
نظرت شروق الى امجد بطريقه تعبر عن استسلام واضح، وقد افلت امجد يده من شعرها، فاندفعت هي تمسك يده بقوه وتقبلها بخضوع تام قائله: "حاضر يا دكتور انا تحت امرك وهاعمل كل اللي تأمرني بيه، بس ارجوك ما تهدش كل اللي عشت حياتي كلها وانا ببنيه، انت ما تعرفش عصام ده عمل فيا ايه!"
رد امجد بنفس اللهجه الآمره، وقد سحب يده باشمئزاز ومسح موضع شفاه شروق من عليها بمنديل ورقي، ثم القاه في وجه شروق: "معاكي اسبوع من دلوقتي تكوني جايه وفي ايدك ورقة طلاقك من عصام بيه."
ردت شروق باندهاش: "اشمعنا يعني! هو انت عاوز تتجوزني؟"
نظر اليها امجد باحتقار ولم يرد عليها، وانطلق مغادرا مكتبه.
ثم غلق الباب بعنف، وقال مخاطبا انجي: "الزباله اللي في مكتبي دي ما تجيش تاني الا وورقه طلاقها في ايدها، مفهوم!"
اندهشت انجي من هذا الطلب العجيب، وحاولت ان تستفهم من امجد عن ما يحدث، الا انه كان قد غادر مسرعا ليقفز في سيارته مغادرا، فقد اكتفى من احداث ذلك اليوم السخيف.
***
ظلت شروق تفكر في ما طلبه امجد، وقد اوحى لها عقلها الملوث.
بأن امجد شأنه كشأن معظم الرجال، الذين يلهثون من اجل علاقه معها، الا انه يريد ان تكون تلك العلاقه في اطار شرعي.
فاستغلت فرصه خروجه وقامت بنزع ملابسها، ثم جلست عاريه في وضع مثير، منتظره عوده امجد، وانهاء الامر دون اللجوء للطلاق الذي سوف يكلفها الكثير من العناء.
الى جانب فقدها لحصتها من الميراث بعد موت زوجها الحالي، ذلك الكهل الاحمق المدعو.
عصام بيه.
إلا أنها فوجئت بدخول إنجي عليها، وقد كانت لحظة صاعقة لكلتيهما.
فشروق كانت تتمنى لو أن الأرض انشقت إلى نصفين وابتلعتها قبل أن تضع نفسها في ذلك الوضع المخجل المهين.
أما إنجي، فقد رسم عقلها سيناريو ساذج بأن تلك العاهرة شروق قد جمعتها منذ لحظات علاقة آثمة مع ذلك السافل الحيوان المدعو... أمجد!
تجمدت إنجي للحظات قبل أن تستجمع ما تبقى من أعصابها وقالت بصوت باكي: عشيقك بلغني أقول لك.
ما تجيش هنا تاني يا زبالة.
إلا لما يبقى معاكي ورقة طلاقك.
ثم استطردت بأسى واضح: والصراحة إن انتوا الاتنين أزبل من بعض.
وانتهى المشهد بأن ارتدت شروق ملابسها في أقل من دقيقة، ثم انطلقت مغادرة مكتب أمجد في صمت مطبق.
بينما قامت شروق بجمع كل متعلقاتها الشخصية من مكتبها، وقامت بإرسال رسالة على هاتف أمجد كتبت فيها:
"إنت إنسان قذر، وأنا ما يشرفنيش اشتغل في مكان مشبوه زي ده، واعتبر إن الرسالة دي هي استقالتي."
عاد أمجد إلى منزله محملاً بهم كبير بعد أن قرأ رسالة إنجي الصادمة.
وزاد من همه أن تذكر ما فعله مع تلك الخادمة المسكينة زيتا، والتي كان وجودها مؤنسًا له في وحدته.
وها هو قد فقد زيتا...
وفقد إنجي...
وفقد احترام كل العاملين بالمستشفى من جراء موقفه الحقير مع الممرضة.
شعر أمجد بغضب شديد، فلو لا تلك "القدرة الخارقة" التي منحها الله له، لكانت حياته سهلة مثل سائر البشر.
إلا أنه مطالب بكتمان سر تلك القدرة، وتحمل نظرة الكراهية والاشمئزاز من كل المحيطين به، نتيجة لتصرفاته التي يراها الجميع... تصرفات حمقاء ظالمة!
ومضى الوقت بطيئًا مملاً.
وقد كان أمجد قد أخذ حمامًا باردًا وهدأت أعصابه قليلاً.
ثم قام فجمع كل ما فاته من صلوات.
ثم ذهب ليعانق دواءه السحري الوحيد... زجاجة الويسكي الفاخرة!
احتسى أمجد الكثير من الخمر حتى سقط على فراشه وغط في نوم عميق.
وفي وسط الظلام الحالك، وبينما كان أمجد مستغرقًا في نوم عميق.
استشعر جسمًا معدنيًا باردًا يلكزه في جبهته!
اجتهد أمجد ليفتح عينيه بصعوبة، إلا أنه انتفض فجأة وقد استيقظت كل حواسه دفعة واحدة.
فقد كان هناك رجل يقف على أعتاب سريره، قد صوب فوهة سلاحه الناري إلى جبهة أمجد!
صرخ أمجد في ذعر: "إنت مين!؟"
"ودخلت هنا إزاي!؟"
"وعاوز مني إيه!؟"
أجابه الرجل بصوت هادئ وهو يشعل إنارة الغرفة: "أنا الراجل اللي عارف عنك كل شيء."
"حتى سرك اللي محدش يعرفه."
بدأ عقل أمجد يعمل بسرعة صاروخية، فقال وقد استعاد الكثير من هدوئه: "الصوت ده..."
"والشكل ده مش غريب عليا."
"أتصور إننا معرفة قديمة... صح؟"
قاطعه الرجل بصوته الهادئ: "أرجوك يا دكتور أمجد، ما تحاولش تستخدم قدرتك الخارقة على قراءة الأفكار دلوقتي."
"تقريبًا انت ناسي إن الخمرة هي الشيء الوحيد اللي بيفقدك القدرة دي!"
هنا تسمر أمجد في ذهول وقال باندهاش: "انت إزاي عرفت إني بقدر أقرأ أفكار الناس!؟"
"وإزاي عرفت إن الخمرة بتلغي القدرة دي جوه عقلي!؟"
"وعاوز مني إيه يا..."
ثم هدأ للحظة واستطرد قائلاً: "إنت اسمك إيه؟"
رد الرجل بكل هدوء: "أنا الشخص اللي في إيده إنه يغير حياتك كلها."
"بس إنت لازم تسمع كلامي وتنفذه بالحرف الواحد."
"مفهوم!؟"
كانت تلك العبارة... هي نفس جملة أمجد الشهيرة، التي طالما استخدمها لإخضاع كل من حوله.
فضحك أمجد وقال بسخرية: "ما عاش ولا كان اللي أمجد عبد المنعم يخضع له!!"
ثم كرر سؤاله: "هو إنت مكسوف تقولي اسمك؟"
رد الرجل بنفس الهدوء: "للأسف المرة دي هتخضع يا دكتور أمجد."
"وإلا فـ أنا هاكون مضطر أدمر لك كل حياتك."
ثم استطرد قائلاً: "وبالمناسبة أنا اسمي أدهم!!! دكتور أدهم!!!"
بادله أمجد بنفس الهدوء، وقد هب واقفاً في مواجهة أدهم: "أيووووه افتكرت."
"إنت أدهم اللي بيسموك المستبصر!!!"
"الراجل النصاب اللي مفهم الناس إنه بيشوف المستقبل!!!"
تجمد المشهد وكلامه يتبادل الآخر نظرة كلها تحدي، لتعلن تلك اللحظة الفارقة عن أولى جولات الصراع بين أقوى رجلين على وجه الأرض.
فأحدهما قارئ للأفكار... بينما الآخر قارئ للمستقبل.
رواية المتناقض الفصل الخامس 5 - بقلم حازم الباشا
تجمد المشهد الصدامي بين أقوى رجلين على سطح هذا الكوكب للحظات، وكلاهما يتفحص الآخر بنظرة عميقة كلها تحدٍ.
فأمجد ما زال عقله مخدراً بفعل الخمر، مما أفقده قدرته الخارقة على الولوج إلى عقل أدهم ومعرفة ما يدور بداخله.
بينما أدهم كان مستعداً لتلك المواجهة، وقد رتب لها منذ عدة شهور سابقة.
فقدرته على قراءة المستقبل جعلت تلك المواجهة تبدو وكأنها مجرد فيلم يعاد عرضه أمام عينيه للمرة الثانية.
إلا أن ذكاء أمجد الأسطوري جعله يدرك أن قدوم أدهم إليه بهذا الشكل لا يعني إلا شيئاً واحداً.
وهو أن حياته مهمة جداً لأدهم، وأن سلاح أدهم المصوب إليه ليس له أي قيمة.
فلو رغب أدهم في إنهاء حياته، لكان من السهل عليه فعل ذلك أثناء نومه، دون أن يكلف نفسه عناء تلك المواجهة.
وكان أمجد محقاً في تفكيره.
فبعد لحظات، أمسك أمجد فوهة مسدس أدهم ووجهها إلى جبهته، مخاطباً أدهم بنبرة ساخرة: "يلا يا بطل وريني شجاعتك بقا ودوس على الزناد، وإلا أنت جايب السلاح ده عشان تتمنظر بيه؟"
رد أدهم بكل ثقة: "ما تستعجلش على رزقك يا دكتور أمجد، خليني الأول أعرفك المطلوب منك وأوفر عليك التفكير ده كله."
رد أمجد بسخرية: "هو أنت فعلاً مصدق إني ممكن أسمع كلامك وأنَفذه؟"
أومأ أدهم برأسه بكل ثقة وقال: "لما تأثير الخمرة يروح من عقلك، هتعرف تفكر بشكل مثالي، وهتكتشف إنه مستحيل بكل ذكائك وقدراتك الخاصة تهزم شخص بيقدر يعرف كل خطواتك قبل ما تعملها."
رد أمجد بنبرة تحدٍ واضح: "الكلام ده منطقي جداً لحد ما أفوق من تأثير الخمرة، بس لما أفوق هاشوف اللي جوا عقلك كله، بما في ذلك المستقبل اللي أنت بتشوفه، أنا كمان هاشوفه جوا دماغك وهاقدر أغيره!"
قاطعه أدهم بحزم: "بلاش تخلي غرورك ده يقضي عليك، واسمع الكلمتين اللي أنا جاي أقولهم لك بكل ود. شوف يا دكتور أمجد، أنا هاديلك مهلة شهر واحد بس عشان تعمل فيها عمليات الجراحة اللي أنت ملتزم بيها، ما عدا عملية الأمير خالد اللي مفروض تعملها بعد يومين، دي العملية الوحيدة اللي مش هاسمح لك تعملها."
رد أمجد باندهاش: "اشمعنا يعني العملية دي اللي مش هاقدر أعملها؟ وشهر إيه المهلة ده اللي بتتكلم عنها؟ أنت فاكر نفسك مين؟ أنت أكيد بتهزي!"
تجاهل أدهم أسئلة أمجد، واستطرد قائلاً: "بعد الشهر ما يخلص، لازم تختفي تماماً، وإلا فأنا هاكون مجبر غصب عني إني أقتلك!"
وبمجرد أن أنهى أدهم عبارته، سحب سلاحه من وجه أمجد، وبحركة مباغتة أطلق النار على ساق أمجد.
سقط أمجد على الأرض وهو يصرخ: "أنت أكيد مجنون، وأنا هادفعك عمرك كله تمن اللي أنت عملته ده!"
ألقى أدهم سلاحه على الأرض، وقام بحمل أمجد ووضعه على سريره برفق، وقال بلهجة حازمة: "مش وقت خناق دلوقتي، قولي فين مكان شنطة الإسعافات الأولية."
كان أمجد ينزف ويتألم بشدة، فأشار لأدهم عن مكان شنطة الإسعافات.
وبسرعة شديدة، قام أدهم بعمل كافة الإسعافات الطبية له، فقد كانت طلقة أدهم مصوبة بعناية فائقة، بحيث تحدث جرحاً طفيفاً في عضلة الفخذ، دون أن تسبب أي ضرر عميق لأمجد.
وقبل أن ينتهي أدهم من إسعاف أمجد، كان الأخير على وشك أن يفقد وعيه، حيث قال أدهم: "أرجوك سامحني يا دكتور أمجد، بكرة هتعرف إني أنقذت حياتك للمرة التانية."
ثم استطرد وهو يناول أمجد هاتفه: "ياريت تتصل بأي حد ينقلك على المستشفى."
بالفعل اتصل أمجد بإنجي عدة مرات، إلا أنها لم ترد، فقال بلهجة مستعطفة: "يا ريت تتم جميلك وتتصل من تليفونك بالدكتورة إنجي، لأنها متخانقة معايا ومش هترد عليا، وهي دي الشخص الوحيد اللي أثق إنه هيعرف يتصرف."
نظر إليه أدهم وهو يبتسم ابتسامة ساخرة: "كل اللفة الطويلة دي عشان توصل لرقمي! عموماً أنا هاتصرف ما تقلقش، وهاخليها تجيلك فوراً."
ثم وضع هاتف أمجد في جيبه وودعه ببرود قاتل وهو يقول: "الف سلامة عليك يا بطل، ما تقلقش... كلها أربع أيام بالكتير وهترجع تقف تاني على رجليك."
قال أدهم عبارته، وهو ينصرف بهدوء من منزل أمجد، تاركاً أمجد يتألم بشدة، ليس فقط بسبب جرح تلك الرصاصة في فخذه، ولكن لجرح أعمق تركه أدهم في كبريائه، فقد انتهت الجولة الأولى بهزيمة ساحقة لأمجد.
مرت قرابة الساعة حتى وصلت إنجي وبصحبتها سيارة إسعاف إلى منزل أمجد.
وتم نقله إلى مستشفاه الخاص، حيث تلقى كل الإسعافات اللازمة، وقد باتت إنجي بصحبته حتى استفاق في الصباح، حيث دار بينهما هذا الحوار.
إنجي مهللة: "حمد الله على سلامتك يا دكتور."
أمجد وهو يحاول النهوض: "الله يسلمك، وشكراً على تعبك معايا يا إنجي، إنتي عرفتي إزاي إني اتصبت؟"
ردت إنجي: "اللي سرق تليفونك بعتلي رسالة إنه ضربك بالنار في البيت، فجريت جبت الإسعاف ونقلتك هنا، والحمد لله طلعت إصابة سطحية، وكلها أربع أيام وهترجع تمشي تاني وتمارس شغلك زي الأول."
قاطعها أمجد: "هاتي اللاب بتاعك حالا واعملي بحث على موقع تليفوني، أنا لازم أجيب الحيوان ده من قفاه!"
وبالفعل نفذت إنجي المطلوب، وعثرت على موقع الهاتف، وقد كان الموقع يشير إلى أحد البيوت القديمة في حي السيدة زينب.
وما إن أخبرت أمجد بموقع هاتفه، حتى أصابته حالة من الاندهاش الشديد.
فقد كان ذلك الموقع يشير إلى نفس المنزل الذي كان يعيش فيه أمجد مع جدته، بعد وفاة أمه.
كان أمجد قد استعاد كامل صفاء ذهنه، فطلب من إنجي أن تتصل بسعيد صديقه، وتطلب منه أن يذهب لمنزله القديم، وأن يبحث عن هاتفه تحت نفس البلاطة التي كان أمجد قد عثر فيها على ظرف النقود.
وبالفعل قامت إنجي بتنفيذ طلب أمجد، واتصلت بسعيد، الذي اشتعل غضباً بعد ما علم بما جرى لصديق عمره، وتوعد بقطع رقبة ذلك اللص جزاءً لما فعل.
أنهت إنجي المكالمة، ثم بادرت بسؤال أمجد عن سر ذلك المظروف.
وكعادته دائماً، رد أمجد بكل وقاحة: "وإنتي مالك يا حشرية، كام مرة أقولك ما تسأليش عن أي حاجة ما تخصكيش؟"
وبالرغم من اعتياد إنجي على وقاحة أمجد، إلا أنها اندهشت بشدة، وقد لمع في عقلها سؤال واحد، كيف لهذا المخلوق أن يكون بتلك القسوة والوقاحة، ولم تمر بضع ساعات على إنقاذها لحياته.
فردت بكل غضب وهي تكتم دموعها: "هو أنت إيه يا بني آدم، معندكش ذرة إحساس؟ بقا بعد كل اللي عملته عشانك، لسه فيك كل العنطزة والغرور والقسوة دي؟ أنا أصلاً مش طايقة أبص في وشك، واتحرق بقا لوحدك."
ولأول مرة يشعر أمجد بمدى حقارة تصرفاته مع إنجي، فاعتدل رغم الألم وأمسك يدها، ثم قبلها قبلة حانية، وهو يقول: "أنا آسف، حقك عليا يا إنجي، إنتي معاكي حق، أنا فعلاً معنديش إحساس، بس أنا مش إنسان قذر زيك ما كتبتي لي في رسالتك!"
كانت قبلة أمجد كافية لتعديل مزاج إنجي، وقد تمنت أن تعقبها العديد من القبلات، إلا أن ذلك لم يحدث.
فقالت بصوت ناعم: "أنا شكلي بحلم! صح؟"
رد أمجد بسخافته المعتادة: "اعتبريه حلم وانسيه، دي بوسة براضيكي بيها مش أكتر، وبلاش خيالك الواسع يوهمك بحاجة أكبر من كده."
ظهر الإحباط واضحاً على ملامح إنجي، إلا أن أمجد انتشلها من ذلك الإحباط قائلاً: "أنا هاحكيلك قصة ظرف الفلوس ده اللي كان جواه (٧٥٣٠ جنيه) بالظبط! بس قبل ما أحكيلك الموضوع ده، عاوزك تنزلي جناح 'مستر عماد' بنفسك، وتدخلي الحمام بتاع الجناح، هتلاقي ساعته ملفوفة بكيس بلاستك تحت الحوض، طلعيها، ورجعيها للراجل اللي انتوا ظلمتوه ده، وبعدها اطلعي مكتبي هتلاقي شيك متقطع، حاولي تجمعيه، وتعالي بعد كده أفهمك كل حاجة."
اندهشت إنجي من طلبات أمجد، لكن فضولها القاتل دفعها لأن تنفذ كل ما طلبه منها.
وبالفعل وجدت إنجي ساعة "مستر عماد" التي كان أمجد قد عرف أن الممرضة المحتالة أخفتها قبل أن تفتعل قصة التحرش، وذلك عندما قرأ أفكارها وهي بمكتبه.
والتي كانت تلك الممرضة تنوي أن تأخذها بعد أن تهدأ الأوضاع، وتوهم الجميع بأنها كانت ضحية لذلك الذئب المتحرش، وأنه اختلق قصة سرقة ساعته للتمويه على فعلته الحقيرة.
مرت الدقائق سريعة، حتى عادت إنجي بعد أن وجدت ساعة "مستر عماد" وأعادتها إليه.
وكان معها بقايا ذلك الشيك ذو المبلغ الضخم وهو يحمل توقيع مدام شروق.
وما إن دخلت إنجي على أمجد حتى قامت برد القبلة إلى يد أمجد وقالت بصوت حنون: "أنا شكلي ظلمتك يا أمجد."
فبادرها أمجد بصوت صارم: "اسمي دكتور أمجد! وآخر مرة أسمعك بتقولي أمجد حاف كده."
لم تكتراث إنجي بسخافات أمجد المعتادة، وقاطعته بصوت حنون: "حااااضر يا دكتور. ممكن تفهمني بقا عرفت إزاي إن الممرضة بتكدب، وإيه قصة الزفتة اللي اسمها شروق دي، وليه أقلعت هدومها في مكتبك؟"
اضطر أمجد لاختلاق كذبة تبرر معرفته بأفكار الممرضة. فاخبر إنجي أنه وضع كاميرات مراقبة خفية في جناح مستر عماد تحسباً لسمعته السيئة في التعامل مع السيدات.
واختلق كذبة أخرى لتبرير علمه بعلاقة شروق الآثمة مع أخو زوجها عن طريق قراءة أفكارها.
وأوهمها بأن تحاليل الـ DNA أثبتت أن هيثم ليس ابناً شرعياً لزوجها عصام بيه، دون أن يخبرها بماهية الأب الحقيقي.
فإنجي طبيبة متميزة، وتعلم تماماً أن تحاليل النسب لن تثبت عدم البنوة إذا ما كان الشك بين الأخوة، أيّاً منهما كان الأب الحقيقي.
وعلل الشيك ومن بعده تعري شروق في مكتبه، كنوع من الرشوة مقابل كتمانه لسرها، وأنه رفض تلك الرشوة بدليل أنه خرج من مكتبه وتركها عارية.
وقد مكن ذكاء أمجد الحاد من إقناع إنجي ببراءة موقفه، ونجح في كسب ولاءها له مرة أخرى.
فقد كان يعلم تماماً أنه بحاجة لحشد كل معاونيه وأولهم إنجي، إذا ما أراد أن يسحق ذلك المستبصر، المدعو أدهم.
وكان قد بدأ في رسم خطة جهنمية للقضاء على أدهم، وقد علم أهم نقاط ضعف أدهم.
فقد علم أمجد، أن نقطة ضعف أدهم الوحيدة تتلخص في ثلاثة أحرف فقط: "ريم".
أو كما كان يعرفها الجميع، بابنته ناصر الحديدي.
الفتاة التي على الجزء الأيسر من الغلاف.
رواية المتناقض الفصل السادس 6 - بقلم حازم الباشا
شعر أمجد بسعادة ونشوة كبيرة بعد أن وضعت إنجي قبلة حانية في كفه. وقرأ في عقلها تلك الرغبة المحمومة في احتضانه، وشعر بأن كل ذرة في عقلها تتمنى أن تقول له: أحبك بجنون.
وبرغم ميله الشديد لها، إلا أنه التزم بخطته المعتادة في التعامل معها بفظاظة وجفاء. فقد كان يسعى لإخماد تلك المشاعر التي لم يكن لها أي أمل في أن تتحول يوماً ما إلى قصة زواج سعيد.
فبرغم ثراء أمجد الفاحش ونجاحه المهني منقطع النظير، إلا أنه يعلم تماماً بأن عائلة إنجي المرموقة لن تسمح بوجود ذلك الصعلوك في وسطهم، الذي يحمل عار أبيه الذي قتل زوجته... أم أمجد!!!
وكالعادة، انتشل أمجد إنجي من حالة الهيام والعشق، وباغتها بإحدى سخافاته، قائلاً: "أنا دلوقتي شرحت لك مبرراتي في موضوع الممرضة الحرامية. وموضوع الواطية اللي اسمها شروق. وأكيد عرفتي دلوقتي إنك كنتي ظلماني."
سكت برهة وبدأت نبرة صوته تزداد حدة، وقال: "ودي آخر مرة هابرر لك أي تصرف بعمله يا إنجي. ولو حصل وطولتي لسانك تاني عليا. فاعرفي وقتها إني هأمسح بكرامتك أرضية المستشفى كلها. فاهمة ولا لأ؟"
تغاضت إنجي عن ذلك التهديد، وقالت بابتسامة صفراء: "حاضر يا دكتور. بس أنت أصلاً لسه ما حكتليش الموضوع الأساسي بتاع الظرف اللي فيه (7530 جنيه)."
***
أغلق أمجد عينيه وهو يستعيد ذكريات تلك الليلة الفارقة في حياته. والتي يرجع تاريخها إلى أكثر من خمسة عشر عاماً.
حيث كان أمجد قد أنهى دراسته الثانوية بمجموع أسطوري، مكنه من دخول كلية الطب بجامعة القاهرة.
إلا أنه في ذلك الوقت كان معدماً، ولم يكن يمتلك المال اللازم لسداد مصروفات الكلية، أو شراء المراجع والمعدات الطبية التي تعتبر مكوناً أساسياً للدراسة في تلك الكلية العريقة.
وقد فشل هو وسعيد صديقه في اقتراض ذلك المبلغ أو تدبيره بأي شكل. ففي ذلك الوقت لم يكن سعيد قد دخل إلى عالم الإجرام بعد.
ومن شدة يأسه وإحساسه بالعجز، فقد قرر أمجد أن يحول ملفه الدراسي إلى إحدى الكليات النظرية التي لا تحتاج الدراسة فيها لتلك المصروفات الباهظة!!!
وفي مساء تلك الليلة، وبينما هو جالس مع سعيد على المقهى، أقبل عليه أحد الصبية، وناوله ورقة ثم لاذ بالفرار.
فتح أمجد الورقة وقرأ ما فيها...
"أخي أمجد.
أرجوك لا تحزن...
قد تكون البدايات متعثرة...
لكنها بإذن الله...
سوف تؤدي إلى نهايات سعيدة.
وقد اختار الله أن نشترك في نفس البداية.
فأقبل مني هدية بسيطة.
تركتها لك تحت تلك البلاطة التي تتعثر بها دائماً.
لتتذكر دوماً أن سبب تعثرك...
يمكن أن يصبح يوماً ما...
سبباً في نجاحك."
وما إن قرأ الرسالة حتى نهض الصديقان، وذهبا لتلك البلاطة المكسورة في مدخل منزل أمجد، والتي كان كثيراً ما يتعثر فيها. وقاما بخلعها ليكتشفا وجود ذلك المظروف الذي يحتوي (7530 جنيه).
وقد كان ذلك المبلغ هو كل ما احتاجه أمجد خلال دراسته بكلية الطب!!!
ولم يكن أي عقل بشري، حتى عقل أمجد الفولاذي، يستطيع حساب مصروفات كل سنوات دراسته بتلك الدقة!!!
لذا فقد اهتدى عقل أمجد أن تلك الهدية الغالية لم يقدمها له بشر، وإنما هي منحة من رب العالمين. وقد عزم على أن يشكر الله على عطائه، فعاهد نفسه عهداً ملزماً!!!
بأن يجتهد ليصبح من الثراء بدرجة تسمح له بأن يتصدق بنفس هذا المبلغ كل أسبوع، حتى آخر يوم من عمره!!!
***
قص أمجد كل القصة على مسامع إنجي، فقفزت من مكانها وقالت باندهاش: "وإزاي الحرامي عرف موضوع البلاطة دي؟"
رد أمجد بهدوء: "السيدة زينب بالكامل عارفة قصة البلاطة دي. والبركة في سعيد، اللي ما سابش بني آدم في المنطقة إلا وحكى له حكاية البلاطة دي."
قطع حوارهما رنين هاتف إنجي بمكالمة من سعيد، معلناً عن عثوره على هاتف أمجد!!!
وفجأة دق باب غرفة أمجد، ففتحت إنجي وكانت المفاجأة... هبة، أخت الراقصة سحر على الباب!!!
بدت علامات السعادة على وجه أمجد، وهو يطلب من إنجي أن تدخل الضيفة، وتتركهما وحدهما.
بل إنه، وبشكل لا شعوري، دفع جسد إنجي بيده، وكأنها كيس مهملات يود التخلص منه!!!
فخرجت إنجي بكل غيظ، وهي تتمنى لو أنها أغلقت الباب على عنق هبة لتفصله عن جسدها!!!
تقدمت هبة ببطء، ووضعت وردة كانت تحملها على طرف سرير أمجد، ثم قالت بصوت خجول: "ألف سلامة عليك يا دكتور أمجد. أرجوك اقبل اعتذاري. أنا عارفة إني كنت في قمة السخافة وقلة الذوق مع حضرتك."
قاطعها أمجد وقد علت ملامحه ابتسامة ساخرة: "قصدك... قلة الأدب!!!"
كان رد أمجد مستفزاً لهبة، مما دفعها لترد بصيغة أكثر استفزازاً وقالت: "أرجوك سامحني. أنا عارفة إني زودتها ومسحت بكرامتك الأرض. بس أنا طمعانة في كرم أخلاقك."
قرأ أمجد ما يدور بعقل الفتاة الجميلة، فقد كان عقلها يكيل الشتائم لأمجد، إنها تتمنى أن تقول له: "احترم نفسك واتكلم عدل يا جذمة انت، بدل ما أبهذلك تاني."
فضحك أمجد ضحكة عالية، لم تستطع هبة تفسيرها، وقال بصوت حنون: "واضح إنك لسه شايلة مني."
ردت هبة بتوتر: "سامحني حضرتك في اللي هأقوله. أنا فعلاً كنت جاية أعتذر لك وأطيب خاطرك. بس أسلوب حضرتك المستفز بيجبرني أرد عليك بكلام دبش. وصدقني أنا لساني أطول من لسان حضرتك ألف مرة!!!"
انبهر أمجد من جراءة هبة، فهي الشخص الوحيد الذي كان كلامه مطابقاً لما بداخله عقله!!!
ولم يكن أمجد قد قابل أي شخص خلال حياته يتمتع بذلك القدر من الوضوح والشفافية.
فرد عليها وهو ينظر لها بإعجاب واضح: "طيب يا هبة. خلينا ننسى اللي فات ونفتح صفحة جديدة. واحكي لي بقى إيه اللي غير موقفك مني فجأة كده؟"
ردت هبة: "أنا كنت فاهمة إن حضرتك عارف إن جيت ليه وهتوفر عليا الإحراج."
قاطعها أمجد بسرعة شديدة، بعد أن قرأ ما يتردد داخل عقلها: "يعني دكتور شاطر وزي القمر، بس الحلو ما يكملش، طلعت حمار وغبي."
فقال بصوت مفعم بالثقة: "طيب يا ستي. أنا هأوفر عليكي الإحراج. انتي عرفتي إن دكتور مصطفى ده حيوان. فبرغم إنك حاولت تحذريه مني، وإن مالكيش أي ذنب في القضية اللي سحر اختك رفعتها عليه. إلا إنه خدك بذنبها وحرمك من الامتحانات ومن دخول الكلية."
اندهشت هبة من معرفة أمجد بكل تلك التفاصيل، وقالت بصوت يملأه الخجل: "هو حضرتك عرفت إزاي كل ده!!!"
رد أمجد بغروره المعتاد: "أنا كنت متوقع ده. وكنت متأكد إن ضميرك هيوجعك بسبب الكلام اللي قلتيهولي."
هبة بنفس نبرة الخجل: "أنا كمان عرفت إنه حرم حضرتك من حقك في إنك تبقى معيد في الكلية. وبجد أنا آسفة إني ظلمتك."
رد أمجد بصوت تغمره نفس الثقة ويكسوه نفس الغرور: "ولا يهمك اللي فات مات. وهتدخلي الكلية وتكملي غصب عنه. ومن النهارده انتي هتتعيني عندي في المستشفى بمرتب 20 ألف جنيه!!!"
سعقت هبة من كلام أمجد وقالت بصوت مبتهج: "ده كتير عليا أوي يا دكتور. ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش أبداً منك. بس أنا هأشتغل إيه؟ ده أنا لسه فاضلي سنتين على التخرج."
رد أمجد: "انتي هتبقي دراعي اليمين... وكلها كام سنة وهأخليكي أكبر جراحة مخ وأعصاب في مصر!!!"
وقبل أن تعبر هبة عن امتنانها، كانت إحدى الممرضات قد اندفعت إلى الغرفة، معلنة عن تدهور حالة الأمير خالد!!!
ساد المستشفى حالة عارمة من الارتباك، وانصرفت هبة تاركة أمجد في حيرة من أمره.
فإما أن يتنازل عن العملية وينصاع مرغماً لأوامر أدهم.
أو يطلب تأجيلها ويجازف بحياة الأمير!!!
قرر أن يعتذر بسبب إصابته.
وغادر الأمير المستشفى بطائرته الخاصة، نقلته إلى إحدى المستشفيات الكبرى في ألمانيا.
وخلال ساعات، تم إجراء العملية له، ولكنها فشلت، ومات الأمير!
ولم يكن أمجد يعلم بأن أدهم أنقذه من بطش عائلة الأمير، فقد كان موت الأمير أمرًا حتميًا، حتى لو كان أمجد هو من قام بتلك الجراحة له!
غير أن أسرة ذلك الأمير لم تكن لتصدق أن الدكتور أمجد، الذي لم يفشل في أي جراحة من قبل، قد فشل مصادفة في إنقاذ أبيهم!
خصوصًا وأن الكل يعلم بما فعله أمجد مع ذلك الأمير، وكيف أنه أجبره على إطلاق سراح العامل المصري!
فرصاصة أدهم كانت مبررًا كافيًا لأسرة الأمير لعدم قدرة أمجد على إجراء الجراحة!
***
كانت كل الشواهد تؤكد تفوق أدهم على أمجد.
فكل ما طلبه وخطط له أدهم قد تم رغماً عن أنف أمجد!
فكان لابد من أن يغير أمجد قواعد هذا الصراع، ولابد أن يستغل قدرته على قراءة عقل أدهم حتى يتمكن من النيل منه.
وقد حدث ذلك بالفعل، ولكن للحظة عابرة، عندما أطلق أدهم الرصاص على ساق أمجد.
فتسبب الألم الحاد في إلغاء تأثير الخمر على عقل أمجد، واستعاد للحظات قدرته على الدخول إلى عقل أدهم.
وكانت تلك اللحظات المحدودة كفيلة بأن يخترق أمجد عقل أدهم ويعلم أن نقطة ضعفه هي حب حياته، ريم الحديدي!
ففي تلك اللحظة، بينما كان أدهم يصوب فوهة مسدسه باتجاه ساق أمجد، كان عقل أدهم يستعيد ذكريات لحظة مشابهة، عندما حاول قتل ريم!
وهنا قرر أمجد أن يستغل نقطة ضعف أدهم، ويضع خطة من خططه الشيطانية.
وكانت خطته تتلخص في التالي: أن يجبر أدهم على مواجهته وهو بكامل قدراته الذهنية، حيث يغوص داخل عقله، ويتمكن من هزيمته وكسر شوكة ذلك المستبصر اللعين.
***
مرت أربعة أيام.
واستعاد أمجد كامل لياقته، وقام بفتح هاتفه والاتصال بسعيد، ثم طلب منه خطف ريم الحديدي!
واتفق الاثنان على اللقاء في المساء بمنزل أمجد للترتيب لعملية الخطف، حيث كانت لدى أمجد خطة محكمة لتنفيذ هذه العملية الخطيرة!
***
أنهى أمجد يومه بالمستشفى، وعاد مبكرًا للمنزل في انتظار وصول صديقه سعيد.
إلا أن مفاجأة كبرى كانت في انتظاره، فقد دخل منزله الفارغ بعد رحيل زيتا ليجد أدهم جالسًا في غرفة نومه وعلى كرسيه المفضل!
وفي رد فعل لم يتوقعه أدهم، انفجر أمجد في نوبة ضحك عالية وهو يقول: "أهلاً يا أدهم باشا. طبعًا المكالمة اللي جابتك جري."
استغرق أدهم لحظات حتى يكتشف الفخ الذي نصبه له أمجد، ثم قال: "واضح إنك كنت عارف إني حطيت برنامج تجسس على تليفونك، وعشان كده اتصلت بصاحبك، وقلتله يخطف ريم، وأنت عارف إني هاسمع المكالمة دي!"
رد أمجد وهو ينظر في عيني أدهم بعمق، وقد بدت عليه حيرة واضحة: "ما شاء الله عليك، ما أنت طلعت نبيه أهو."
رد أدهم بنبرة واضح فيها الاستسلام: "أنا النهارده جايلك عشان تقرا أفكاري وتفهم كل شيء."
ازداد ارتباك أمجد، فبرغم قدرته على الدخول إلى عقل أدهم، إلا أنه وجد حاجزًا منيعًا داخل عقل أدهم يحجب أي شيء يخصه هو شخصيًا.
وكأن قوة ما قد حجبت أي تفاصيل تتعلق بأمجد من داخل عقل أدهم، أو بمعنى أدق أن أمجد يستطيع الولوج إلى كل ذكريات وأفكار أدهم، ما عدا كل ذكريات وأفكار أدهم التي تتعلق بأمجد نفسه!
استمر الاثنان يحدقان بأحدهما الآخر، حتى استسلم أمجد وقال بارتباك: "أنا جبت حياتك كلها من أولها لآخرها، وما قدرتش أوصل لأي شيء يخصني!"
اندهش أدهم، فهو لم يكن يعلم بعدم قدرة أمجد على اختراق عقله!
فرد على أمجد بصوت هادئ وقال: "طيب، اقعد وأنا هافهمك كل شيء."
كان ارتباك أمجد حادًا، فصاح بانفعال: "أنا لا عاوز أفهم من أي حاجة، ولا عاوز آخد أوامر من حد. أنت ضربتني بالرصاص، وجه الوقت اللي تدفع فيه تمن عملتك السودا دي."
في تلك اللحظة، ظهر سعيد الذي كان يختبئ بالمنزل، وذلك بناءً على مكالمة أجراها معه أمجد من هاتف المستشفى، وأخبره بأن يحضر مبكرًا لمنزله، وذلك للإيقاع باللص الذي أطلق النار عليه.
وانقض أمجد على أدهم وهو يصيح: "يلا يا سعيد امسكه واربط الحيوان ده لحد ما أتصل بالبوليس وييجي ياخده من هنا."
مرت ثوانٍ وسعيد ما زال واقفًا في مكانه، حيث قال بصوت أجش: "يا أمجد لو سمحت، سيب الدكتور أدهم!"
رمقه أمجد بنظرة حادة واستمر يصيح: "أنت جرالك إيه يا سعيد! أنت هتفضل واقف مكانك كده لحد ما الحيوان ده يهرب مننا!"
لم يبدِ أدهم أي مقاومة، بل ظل يشاهد محاولة أمجد الساذجة للإمساك به.
حتى خارت قوى أمجد، فأفلت أدهم نفسه من قبضة أمجد بسهولة وقال بصوت هادئ مخاطبًا سعيد: "معلش يا سعيد، لازم نربط أمجد لحد ما يهدى."
كانت صدمة أمجد رهيبة، عندما استدار ليقرأ عقل سعيد، ويكتشف أنه قد التقى بأدهم صباح نفس اليوم، وقد اتفقا على أن يتعاونا ضده!
مرت لحظات، كان سعيد وأدهم قد أجهزوا على أمجد وقيدوه بإحكام.
وقد استعلى أمجد غضبًا، وكأن بركانًا بداخله يوشك أن ينفجر من عينيه.
فقد استشاط من عبارات أدهم المستهزئة به وهو يقول: "للمرة التانية يا دكتور أمجد، بطلب منك بكل أدب، ما تحاولش تستخدم ذكائك ضدي، لأنك هتفشل. وحتى قدرتك على قراءة الأفكار، برضوا فشلت ضدي!"
استجمع أمجد هدوءه ليمنع أدهم من الإحساس بلذة الانتصار عليه، ثم قال بصوت ساخر: "ما تفرحش بنفسك أوي كده، أنا هاوريك ذكائي ده هيعمل فيك إيه!"
كان أدهم قد أخطأ عندما استهان بذكاء أمجد، ولم يضع في حساباته أن أمجد يعلم تمامًا أنه لو وضع خطة واحدة للنيل من أدهم، فسوف يحبطها أدهم بسهولة.
لذلك فقد اهتدى عقل أمجد لأن يضع خطة مركبة!
وهنا كانت المفاجأة الكبرى التي لم يتوقعها أدهم!
فبينما أدهم يحتفل بانتصاره الثاني على أمجد، سمع صوت وقع أقدام تأتي من بوابة الفيلا.
أعقبها صوت أنثى تنادي: "السلام عليكم... دكتور أمجد... حضرتك هنا؟"
انخلع قلب أدهم من مكانه، فقد كان يعرف هذا الصوت جيدًا، فهو صوت معشوقة قلبه، ريم الحديدي!
رد أمجد وقد علت ملامحه ابتسامة شامتة، بينما كان أدهم يفك وثاقه بأيدٍ مرتجفة: "أهلاً ريم هانم، ثواني وطالع لحضرتك."
رواية المتناقض الفصل السابع 7 - بقلم حازم الباشا
كانت تلك اللحظة هي نقطة تحول في كل شيء.
ففيها استطاع أمجد أن يخترق عقل أدهم بمنتهى السهولة، وكأن أدهم أراد له ذلك.
في لمح البصر كان أمجد قد غاص إلى أعمق نقطة داخل عقل أدهم ليرى فيها حب أسطوري يحمله قلب ذلك الفتى المسكين لمعشوقته، ريم الحديدي.
وقد غلف ذلك الحب ألم وحسرة الفراق القهري، لأن الله لم يأذن له أن يراها بعد أن اكتشفت سر قدرته على تبصر أحداث المستقبل.
كانت نظرات أدهم تحمل كل معاني الاستسلام والقبول لما يريده أمجد، شريطة ألا يخبر ريم بتواجده بالمنزل.
ظل الصمت للحظات أثناء ما كان أدهم يفك وثاق أمجد.
قبل أن يهمس أمجد في أذنه:
- ما تخافش يا أدهم.
- أنا مش هأقول لريم هانم إنك موجود في البيت هنا.
- بس مجرد ما تمشي ريم، عاوزك تخرج من هنا ومش عاوز أشوف وشك تاني أبداً.
- مفهوم؟
رد أدهم بتلعثم:
- حاضر يا دكتور أمجد.
- أنا هاختفي من حياتك للأبد.
- بس صدقني، ده شيء مش في مصلحة أي حد.
خرج أمجد منتشياً وسار بخطوات سريعة إلى بهو الفيلا ليستقبل ريم قائلاً:
- أهلاً وسهلاً يا ريم هانم.
- نورتي فيلتي المتواضعة.
ردت ريم:
- أهلاً بيك.
- أنا جيت زي ما حضرتك طلبت مني في المكالمة عشان تقولي فين أدهم؟
صمت أمجد للحظة وهو يغوص داخل عقل ريم، وقد صدمه أنه اكتشف أن حب ريم لأدهم لا يمكن وصفه، فهو لم يرَ أبداً أنثى تحمل كل هذا الحب في قلبها.
استجمع أمجد اتزانه وقال:
- لا يا ريم هانم، أنا معرفش أدهم فين دلوقتي.
- أنا بس بنقلك رسالة منه.
ردت ريم بلهفة:
- رسالة إيه؟؟؟
أمجد:
- هو بيقولك إنه لا عمره حب ولا هيحب غيرك.
- وأنه كان يتمنى يقولك كده من أول لحظة اتقابلتوا فيها.
انهمرت دموع ريم وهي تقول:
- وأنا عاوزاك تبلغه إني....
ثم سكتت قليلاً وقد تحول صوتها الحزين إلى نبرة متشككة:
- هو أنا إيه يضمن لي إن حضرتك فعلاً تعرف أدهم وإنه فعلاً قالك الرسالة دي؟
رد أمجد بكل هدوء:
- أنا وأدهم معرفة قديمة، وهو حكالي على كل اللي حصل بينكم.
- بأمارة الحفرة اللي في طريق مصر السويس، اللي كان مفروض... يقتلك فيها.
ردت ريم وقد هدأ توترها بعض الشيء:
- بس الموضوع ده مصر كلها عارفاه.
أمجد بثقة:
- ويا ترى مصر كلها عارفة إنكم انتوا الاتنين عيطوا وانتوا ماسكين إيدين بعض جوه الحفرة؟
هنا هدأت ريم تماماً، فلم يكن هناك أي مخلوق على وجه الأرض يعلم بتفاصيل تلك اللحظة.
فاقتربت من أمجد وقالت بصوت متضرع:
- معاك حق يا دكتور، طمنت قلبي.
- أرجوك بلغ أدهم إني بعشقه وهأفضل أستناه يرجع لي لآخر لحظة في عمري.
شعر أمجد بقمة الحسد تجاه أدهم، وتمنى لو أنه يجد أنثى تعشقه مثل هذا العشق، حتى وإن كلفه ذلك كل ما يملك.
انتهى اللقاء، وودع أمجد ريم حتى سيارتها، وقد وعدها أن يظل مرسالاً للحب بينها وبين أدهم إلى أن يجمع الله بينهما من جديد.
---
كان أدهم يسترق السمع وقد اعتصره الشوق لريم، وما إن خرجت من الفيلا حتى ركض ليجلس مكانها ويستنشق من بقايا أنفاسها التي عطرت الغرفة.
إلى أن دخل أمجد وهو يقول بصوت هادر مخاطباً أدهم:
- انت مجنون يا ابني؟
- حد يسيب واحدة بتحبه كل الحب ده؟
- بجد أنت عيل غبي جدا.
رمقه أدهم بنظرة نارية وهو يقول:
- أنت مش فاهم أي حاجة ومش ممكن تفهم.
- بس وربي وما أعبد، لو حصل وحاولت تأذي ريم، فانا هاقتلك... فاهم!
- وما تزعلش نفسك أوي، أنا مش هأعترض طريق حياتك تاني.
- أنا حاولت أعمل منك بني آدم، بس أنت مفيش فايدة فيك.
- هتفضل كده... إنسان مغرور وتافه.
قال أدهم تلك الكلمات ثم انطلق كالسهم مغادراً، وقد ترك أمجد وسعيد وقد غمرتهم حالة من الصمت التام.
وقد حضّر سعيد لتلقي سخط أمجد على ما بدر منه.
وبالفعل استدار أمجد وهو يرمق سعيد بنظرة نارية، بينما كان يتسلل إلى عقله ليعرف السر وراء انقلاب صديق عمره عليه.
وقد تمكن من استرجاع كل الحوار الذي دار بين أدهم وسعيد، إلا أن ذلك الحوار كان يحمل له مفاجأة من العيار الثقيل.
فلقد قص أدهم على سعيد ومضة لما سيحدث بالمستقبل القريب جدا.
وأخبره بأن دكتور/ أمجد سيجري جراحة ناجحة لأحد حكام العرب وينقذ حياته.
وفي أثناء تلك العملية الجراحية، سوف يموت أحد الضباط المصريين الأكفاء نتيجة لجراحة فاشلة يجريها له جراح آخر أقل كفاءة من أمجد.
وأن أدهم كان ينوي تغيير ذلك الواقع، بحيث يقوم أمجد بإجراء العملية الجراحية للضابط المصري، بينما يقوم الجراح الآخر بالعملية الجراحية لذلك الحاكم العربي.
وكان تنفيذ ما يسعى إليه أدهم يعد ضرباً من المستحيل، فالسلطات المصرية لن تسمح لأمجد بترك عملية ذلك الحاكم للاهتمام بإجراء عملية لذلك الضابط.
لذلك فقد أدرك أدهم أنه لن يستطيع إنجاح مخططه إلا بمساعدة أمجد، خصوصاً وأنه يتمتع بأذكى عقل بشري على وجه الأرض.
أصاب أمجد الكثير والكثير من الارتباك والحيرة بعد أن عرف ما يسعى إليه أدهم.
ولم يكن أمجد بحاجة لمعرفة دوافع أدهم وراء ذلك المخطط، فهو يعلم تماماً بأن ذلك الحاكم هو طاغية مستبد أذل شعبه الذي يعيش الآن أسوأ عصوره وقد استشرى فيه الفقر والذل والظلم.
---
انتهت تلك الليلة المليئة بالأحداث، وبات أمجد يفكر في طريقة ينفذ بها مخطط أدهم، ولكن من دون أن يكون مجبراً على التعامل مع أدهم.
فقد اعتاد أمجد أن يدير كل شيء بدون مساعدة من أحد، وهو قادر على إنجاح أي خطته بمفرده، دون أي مساعدة من أحد، حتى ولو كانت تلك المساعدة سوف تأتي من مستبصر للمستقبل.
وظل أمجد يفكر بكل هدوء في خطة من خططه الشيطانية حتى انهارت قواه وغلبته النعاس.
---
واثناء نوم أمجد رأى حلماً غريباً مزدوجاً.
فقد رأى أمه تحتضنه بكل حب، وقد بدا عليها السرور والفرح، وأخبرته بأن أدهم هو ذلك الصبي الذي أعطاه دراجته في ليلة وفاتها.
وأنه لو لم يفعل ذلك، لكن أمجد قد عاد إلى المنزل مبكراً كعادته، حيث يشاهد شجارها مع والده، ولكانت تلك الطعنة القاتلة ستكون من نصيبه هو.
وأخبرته بأن أدهم هو من ترك له ذلك المظروف المالي.
هنا شهق أمجد وقد تذكر تلك الجملة التي كتبها له أدهم: (قد اختار الله أن نشترك في نفس البداية) وقد فهم معناها أخيراً.
فلم يكن أدهم يشير في خطابه إلى أنهم عاشوا نفس البداية المتعثرة في حياتهما، بل كان يشير إلى أن اسميهما يحملا نفس البداية، حرف (أ).
وفجأة استيقظ أمجد ليجد نفسه محاطاً بالعديد من الضباط، وقد قال كبيرهم:
- إحنا آسفين يا دكتور أمجد على اقتحام بيتك بالشكل ده، بس الموضوع خطير ولازم تيجي معانا حالا.
رد أمجد:
- أنا مش هاتحرك من مكاني إلا لما أفهم انتوا عاوزين مني إيه.
رد كبير الضباط مخاطباً طاقم الحرس بصوت حاد:
- انتوا واقفين تتفرجوا عليا؟ هاتوه بالقوة وحطوه في العربية.
فما كان من أمجد إلا أن وثب من فراشه والتهم ملابسه سريعاً، ثم قفز في إحدى تلك السيارات الجيب ذات الستائر السوداء، التي مضت تنهب الأرض في طريقها إلى أحد المستشفيات الرئاسية رفيعة المستوى.
وفي الطريق للمستشفى...
علم أمجد أن أحد الحكام العرب قد تعرض لمحاولة اغتيال أثناء زيارته لمصر، مما أسفر عن إصابته بطلق ناري في رأسه.
وقد استقر رأي الحكومة المصرية على حتمية أن يقوم دكتور أمجد بعمل جراحة عاجلة له.
وفي لمح البصر، كان أمجد يعبر رواق تلك المستشفى العسكري متجهاً إلى غرفة العمليات.
إلا أن حدثاً جللاً قد أثار ذعره.
فقد كانت جثة أدهم تستقر في أحد الغرف المجاورة، وقد كانت الدماء تسيل منها كنهر متدفق.
صرخ أمجد بصوت مدوي:
- مين المجرم اللي عمل كده!
فرد عليه أحد أفراد الأمن:
- دي جثة الإرهابي اللي حاول يقتل الحاكم العربي.
لم تستطع قدما أمجد أن تحملاه، فخر على ركبتيه ودموعه تسابق دماء أدهم في سريانها.
وببطء احتضن أدهم وهو يردد:
- سامحني يا أدهم... أنا السبب... أنا السبب.
كان وجه أدهم ناضراً ومبتسماً، وكأنه يقول: لا تحزن يا صديقي، فأنا الآن في مكان أفضل.
وفجأة هب أمجد واقفاً، وقال لكل المحيطين به:
- أنا مش هأعمل العملية دي، ولو عملتها، فانا قسماً بالله هاقتلكم الراجل ده.
رد كبير الضباط بنبرة حازمة:
- حياتك يا دكتور، قصاد حياة الراجل ده.
رواية المتناقض الفصل الثامن 8 - بقلم حازم الباشا
سنعود بك عزيزي القارئ ساعات قليلة إلى الوراء...
حين استلقى أمجد في فراشه وظل يفكر بكل هدوء في خطة من خططه الشيطانية حتى انهارت قواه وغلبه النعاس.
***
وأثناء نوم أمجد رأى حلمًا غريبًا مزدوجًا.
فقد رأى أمه في الحلم وأخبرته بأن أدهم هو ذلك الصبي الذي أعطاه دراجته في ليلة وفاتها.
وأنه لو لم يفعل ذلك، لكان أمجد قد عاد إلى المنزل مبكرًا كعادته، ولكانت تلك الطعنة القاتلة ستكون من نصيبه هو!
وأخبرته بأن أدهم هو من ترك له ذلك المظروف المالي.
وفجأة استيقظ أمجد ليجد نفسه محاطًا بالعديد من الضباط، وقد قال كبيرهم:
"إحنا آسفين يا دكتور أمجد
على اقتحام بيتك بالشكل ده
بس الموضوع خطير
ولازم تيجي معانا حالا!"
رد أمجد:
"أنا مش هتحرك من مكاني
إلا لما أفهم إنتوا مين!
وعاوزين مني إيه؟"
رد كبير الضباط مخاطبًا طاقم الحرس بصوت حاد:
"إنتوا واقفين تتفرجوا عليا
هاتوه بالقوة
وحطوه في العربية!"
وانطلقوا جميعًا متجهين إلى أحد المستشفيات الرئاسية رفيعة المستوى.
وفي الطريق...
علم أمجد أن أحد الحكام العرب قد تعرض لمحاولة اغتيال وأصيب بطلقة في رأسه!
وفي لمح البصر...
كان أمجد يعبر رواق تلك المستشفى العسكري متجهاً إلى غرفة العمليات.
إلا أن حدثًا جللًا قد أثار ذعره!
فقد كانت جثة أدهم تستقر في إحدى الغرف المجاورة، والدماء تسيل منها كنهر متدفق!
صرخ أمجد بصوت مدوي:
"مين المجرم اللي عمل كده!"
فرد عليه أحد أفراد الأمن:
"دي جثة الإرهابي
اللي حاول يقتل الحاكم العربي."
وببطء احتضن أمجد جثمان أدهم وهو يردد:
"سامحني يا أدهم...
أنا السبب...
أنا السبب!"
وفجأة هب أمجد واقفًا وقال لكل المحيطين به:
"أنا مش هعمل العملية دي
ولو أجبرتوني أعملها غصب عني
فقسمًا بالله
هاموت لكم الراجل ده!"
رد كبير الضباط بنبرة حازمة:
"مش بمزاج يا دكتور
حياتك في كفة
وحياة الراجل ده في الكفة التانية!"
***
في تلك اللحظة...
أغمض أمجد عينيه في محاولة لتحفيز عقله الذري على أن يستعيد كفاءته.
فلقد كان هناك شيئًا غريبًا وغير منطقي يحدث!
لاحظ أمجد أنه لم يستطع قراءة أفكار كبير الضباط، وأنه اضطر إلى سؤاله عن سبب وجوده في غرفته.
كما تذكر أمجد أن ذلك الحاكم العربي لا يزال في بلده، ولم يصل للقاهرة بعد!
وأدرك أمجد... أنه ليس من المنطقي أن يعرض أدهم نفسه للقتل بتلك الطريقة الساذجة، وهو يعلم أن دوره في الحياة أكبر من مجرد الإطاحة بأحد الحكام الفاسدين!
فتح أمجد عينيه ببطء، وقد توهج عقله الخارق، الذي استنتج أنه لم يستيقظ من حلمه مع أمه... بل إنه سقط في حلم عميق مزدوج!
وبسرعة خارقة...
توصل أمجد إلى أنه بداخل ذلك الحلم لغرض ما مهم!
فلم تكن من طبيعته أن يرى مثل تلك الأحلام شديدة الواقعية!
وهنا اكتشف السر الأكبر...
اكتشف أن أدهم يستطيع قراءة المستقبل عن طريق أحلام مشابهة لهذا الحلم!
وأن أدهم بطريقة ما... قد منحه جزءًا من قدرته على قراءة المستقبل!
إلا أن السؤال الذي استحوذ على عقل أمجد هو:
"كيف كان أدهم سوف يتصرف لو أنه في مكانه الآن؟"
وبنفس السرعة الخارقة...
اهتدى أمجد أن الغرض الحقيقي من ذلك الحلم...
هو أن يعرف في أي تاريخ...
وفي أي مكان...
سيتحقق ذلك الحلم!
ويتم استهداف ذلك الحاكم!
كان كل ذلك يدور في عقل أمجد، وقد نجح في تثبيت المشهد الذي بينه وبين كبير الضباط عندما قال له:
"حياتك يا دكتور
قصاد حياة الراجل ده!"
هنا سمح عقل أمجد للحلم أن يستمر!
وكأنه يشاهد فيلمًا سينمائيًا، يستطيع إيقافه، أو تحريكه للأمام متى شاء!
***
رد أمجد (داخل الحلم):
"طيب يا حضرة الظابط أنا هاعمل العملية
بس لازم أسألك على شوية حاجات مهمة...
النهاردة كام في الشهر؟
والراجل ده اتعرض للرصاصة دي الساعة كام بالظبط؟
كان فين؟
وبيعمل إيه؟"
رد الضابط (داخل الحلم):
"أنا هجاوبك على كل الأسئلة دي
بس أرجوك أنقذ حياة الراجل ده."
وبالفعل علم أمجد كل تفاصيل ذلك الحدث، وأنه سوف يحدث في أحد الميادين الكبرى، على بعد أسبوع كامل من الآن!
وما أن استشعر أمجد بأنه قد حقق الهدف المرجو من ذلك الحلم، حتى أمر عقله أن يستفيق ويستيقظ.
وأخيرًا... استيقظ أمجد فعليًا، ليجد نفسه لا يزال في غرفته كما تركها قبل أن يسقط في ذلك الحلم العميق.
إلا أن مفاجأة كبرى أخرى كانت بأنتظاره!
***
استيقظ أمجد ليجد رأسه مدفونًا بين أضلاع "زيتا"، التي كانت تجلس على فراشه، وقد احتضنته بكل رفق، ودموعها الغزيرة تتساقط فوق شعره وهي تهمهم بلهجة أفريقية غير مفهومة!
إلا أنه استطاع أن يقرأ أفكارها وهي تقول:
"أفديك بعمري وحياتي يا حبيبي
أفديك بعمري كله...
فأنت أغلى مني ومن حياتي
سأظل أعشق التراب الذي تسير عليه بقدميك
حتى وإن كنت لا تراني
إلا مجرد خادمة أفريقية
ليس لها أي حق أن تحب وتعشق
مثل باقي الفتيات على الأرض!"
انتشل أمجد نفسه من التعمق داخل أفكار زيتا.
ولأول مرة في حياته على الإطلاق، يجد نفسه يبتسم ويلف ذراعه حول زيتا، ثم اقترب ببطء ووضع قبلة حارة على شفتيها!
***
انتهى ذلك المشهد بعلم أمجد... أن زيتا لم تغادر الفيلا.
وأنها في ذلك اليوم الذي طردها فيه أمجد، انتظرت حتى رحيله بسيارته، ثم استخدمت المفتاح الذي معها لتعيش فوق سطح الفيلا، دون أن يشعر بها أمجد.
وكانت تكتفي بأن تراه وهو نائم كل ليلة، وتقبل يديه، ثم تصعد إلى غرفة صغيرة بلا أي أثاث لتنام.
إلا أنها في الليلة السابقة...
رأت أمجد ينتفض بقوة أثناء نومه، وهو يتصبب عرقًا من كل جسده كالسيل، وقد ارتفعت حرارته، فصار مثل الجمرة المشتعلة، وظل يهذي بعبارات غير مفهومة!
فانفطر قلبها عليه، واحتضنته بكل حب، حتى هدأت ارتعاشته، وحاولت أن تو
وصلت له رسالتي.
امجد:
اطمني يا ريم هانم.
ادهم بخير ورسالتك وصلته.
وانا النهارده جاي اعرض عليكي خطة.
لو ساعدتيني في تنفيذها.
هاخليكي تشوفي ادهم من بعيد!
كان امجد يتكلم مع ريم وفي نفس الوقت يتوغل داخل عقلها. وقد علم أنها على استعداد لأن تدفع عمرها كله في مقابل أن ترى ادهم مرة أخرى، شريطة ألا يكون لهذا اللقاء أي خطورة على حياة ادهم أو حريته.
لذلك فقد سارع امجد مستطردا:
وثقي فيا يا ريم هانم.
أنا حريص على ادهم.
زي حضرتك بالظبط.
شعرت ريم بارتياح كبير وثقة عالية تجاه امجد. فقالت بدون تردد:
أنا معاك في أي حاجة.
بس أشوف ادهم.
ولو من بعيد.
ولو للحظة واحدة بس!
هنا شرح امجد خطته لريم واتفقا على تنفيذها. وقد كانت فعلاً خطة جهنمية!
خرج امجد من مكتب ريم الحديدي، متوجهاً إلى المستشفى، حتى وصل إلى مكتبه.
ولا تزال ذكرى ما حدث بينه وبين زيتا تداعب عقله.
وقد اندهش عندما قارن بين حب ريم لادهم وحب زيتا له. فلم تكن مشاعر زيتا تجاهه تقل عن مشاعر ريم تجاه ادهم.
إلا أن حب ريم لادهم قد يكون مبرراً، بفضل ما فعله ادهم معها.
بينما كان حب زيتا له، حدثاً غريباً ومربكاً. فهو لم يعامل تلك المسكينة إلا بكل جحود وعنف وقسوة.
لم يقطع حبل أفكار امجد سوى دقات كعب حذاء انجي على أرضية مكتبه الرخامية، وهي تتهادى بكل دلال ونعومة. حيث قالت وهي مبتسمة ابتسامة ساحرة:
نورت الدنيا كلها يا دكتور.
رد امجد بكل غطرسة:
أومال مين غيري اللي هينورها يعني؟
تغاضت إنجي عن وقاحة امجد المعتادة وقالت بصوت هادئ:
بس ايه اللي نزلك من البيت؟
مش مفروض كنت ترتاح النهارده؟
رد امجد بوقاحة أكبر:
وهو انت مالك انزل ولا اتنيل؟
أنا حر اعمل اللي على مزاجي.
واتفضلي اطلبيلي دكتورة/ هبه.
وسيبنا لوحدنا.
امتعضت انجي وقالت بتهكم:
هو حضرتك خلاص عملتها دكتورة؟
رد امجد بنبرة حادة:
آه عملتها دكتورة.
ولعلمك دي هتبقى النائب بتاعي.
وكلها كام شهر.
وهاخليكي تاخدي أوامرك منها.
واذا كان عاجبك يا انجي!
وبحذرك إنك تحاولي تضايقيها.
أو حتى تسخفي عليها بحرف واحد.
مفهوووم يا انجي!
كادت انجي أن تبكي، فقد كان من الواضح أن امجد يتعمد اهانتها واذلالها. وقد أصابتها دهشة عارمة.
فكيف لذلك الشخص الذي كان يقبل يدها بالأمس، أن يعاملها بكل القسوة اليوم؟
إنها أكثر شخص "متناقض" رأته في حياتها.
انسحبت انجي من المكتب وابلغت هبه بأن تصعد لمكتب دكتور/ امجد.
وفي لحظات.
كانت هبه تقف أمام امجد وهي تقول:
مساء الخير يا دكتور.
بلغوني إن حضرتك عاوزني.
رفع امجد يده في إشارة وكأنه يأمر هبه أن تستدير ليرى ظهرها، ثم قال: إيه القرف اللي انتي لبساه ده؟
امتثلت هبه لطلب امجد، بينما تمكن الأخير من قراءة كل الشتائم التي تتقاذف داخل عقلها.
فقد كانت تقول (بداخل عقلها):
هو الحيوان ده ما شافش بربع جنيه تربية ولا أدب في حياته!
تبقى مصيبة لو يكون طمعان فيا!
ونهار أبوه هيبقى أسود.
لو في دماغه إني زي سحر أختي!
أقسم بالله لافرج عليه أمه لا إله إلا الله.
ويغور المرتب والشغل كله!
استوقفها امجد بعد أن تشبع من وابل تلك الإهانات التي قذفها عقل هبه، وقال بغضب لم يستطع أن يكبح:
تنزلي حالا الحسابات.
وتبلغيهم إن أمرت لك بمكافأة ٣٠ ألف جنيه.
وتروحي تشتري لبس نضيف.
يليق بالمستشفى اللي انتي شغالة فيها.
انتي مش شغالة في مخبز عيش.
مفهوم!
تملك الاندهاش من هبه، فقالت بغضب:
هو حضرتك ازاي بتبقى طيب أوي...
وسخيف أوي كده في نفس الوقت؟
رد امجد بحنق عارم: سخيف!
وقبل أن يمطر غضبه تلك الفتاة المجنونة، كانت هبه قد تبخرت من المكتب في لمح البصر!
انتهى اليوم، وفي المساء عاد امجد إلى منزله ليجد شيئاً مبهراً في انتظاره!
شيء لم يستطع عقل امجد بكل ما يتمتع به من ذكاء وعبقرية، أن يتخيله أو يتوقع حدوثه!
شيء سوف يغير مسار حياته إلى الأبد!
رواية المتناقض الفصل التاسع 9 - بقلم حازم الباشا
انتهى اليوم.
وفي المساء عاد أمجد إلى منزله ليجد شيئًا مبهراً في انتظاره.
شيء لم يستطع عقل أمجد، بكل ما يتمتع به من ذكاء وعبقرية، أن يتخيله أو يتوقع حدوثه.
فلأول مرة في حياته الطويلة، يجد شخصًا يستطيع قراءة أفكاره هو.
وليس فقط أفكاره، بل إن ذلك الشخص قد توغل إلى ما هو أعمق من ذلك، واستطاع أن يقرأ روحه ويغوص إلى ما بداخل قلبه.
كل ذلك حدث عندما وقعت عيناه على "زيتا". التي كانت قد تزينت وتأنقت بشكل لم يراه من قبل.
فظهرت أمامه كإحدى أميرات الحبشة في القرون الوسطى،
وهي ترتدي ذلك الفستان الأحمر الأنيق، وقد أسدلت عليه خصلات شعرها الحريري الطويل لتخفي به جزءًا من رقبتها وأكتافها اللامعة،
والتي كانت تنافس في نعومتها طفلاً لم يمضِ على ولادته سوى بضع ساعات.
وما أن نظر أمجد في عينيها العسليتين الواسعتين كمحيط من العذوبة والروعة، حتى وصلته كل رسائل عقلها.
شعر أمجد أنه يقف عارياً أمام المرآة.
فقد لخصت تلك الرسائل كل ما تحمله أعماق أمجد من مشاعر وأفكار، لدرجة أنه تسمر في وقفته وانشغل بالتهام تلك الرسائل بشراهة شديدة.
وقد حملت رسائل عقل زيتا ما يلي من معاني:
"اهدأ قليلاً يا أمجد.
يا توأم روحي.
فأنا معك ولن أتركك أبداً.
حتى وإن ظللت في عينيك.
تلك الخادمة التافهة الغبية.
أنا أعلم أنك تتظاهر بالعنف والقوة طول الوقت.
لكن بداخلك تحمل الأسى والألم.
الذي لا يعلم به غيري.
كم تمنيت أن أزيل كل الألم الذي يقتلك في صمت.
حتى وإن كلفني ذلك.
أن أحمل أنا كل هذا الألم بدلاً منك.
فعذابي في تألمك لا يطاق.
كم أتوسل إليك أن تطلب مني أن أفعل أي شيء.
لوقف نزيف تعاستك.
لكن أرجوك لا تتركني أقف عاجزة.
وأنا أشاهدك تتعذب في صمت."
تنهد أمجد وكأن روحًا جديدة قد تسللت لتحتل كل المساحات الفارغة داخل جسده وعقله وقلبه.
واقترب من زيتا وكأنه يوشك على احتضانها، واستمر في قراءة ما يحمله عقلها، وكان كالتالي:
"مولاي وعشقي أمجد.
أعلم أنك سوف تصحبني الليلة للعشاء.
وقد لا تعرف كم من الليالي قضيتها.
وأنا أحلم بتلك الليلة.
حتى وإن كانت من باب العطف والشفقة.
ولقد أنفقت كل ما أملك.
لأشتري هذا الفستان.
وكل أملي ألا تشعر بالحرج وأنا بصحبتك.
أرجوك فقط لليلة واحدة.
عاملني أني أنثى.
وغداً سأعود تلك الخادمة.
التي تعتبرها أدنى منك، ومن كل البشر."
أنهى أمجد قراءة تلك الأفكار داخل عقل زيتا، وانهمر في بكاء حاد.
كان ذلك حدثًا مزلزلًا. فأخيرًا بكى أمجد!
وكأن ذلك الصمام الفولاذي الذي أوصد به منابع الدموع في مقلتيه قد انكسر.
فأمجد لم يذرف دمعة واحدة منذ ليلة رحيل أمه، وحتى يومنا هذا.
وما أن رأت زيتا دموع أمجد، حتى جرت واحتضنته بحنان، وقد فاضت دموعها لتسابق دموع أمجد.
ظل مشهد العناق الدافئ طويلًا وطويلًا، حتى سكنت أرواح الاثنين وجفت دموعهما.
وبدأ أمجد بالكلام وهو يغمر زيتا بنظرة كلها حب وحنان، قائلاً: "تتزوجيني يا زيتا؟"
تجمدت زيتا للحظة، ثم سقطت مغشيًا عليها.
التقطها أمجد قبل أن تقع على الأرض وصاح بانفعال: "الله يخرب بيتك.
وبيت سنينك السودا.
ده وقته يا زفتة!"
حملها برفق، ووضعها على فراشه، وبدأ في إفاقتها برفق، وقد بدأت تستعيد وعيها تدريجيًا، لتفتح عينيها وتشاهد أمجد يقبل يديها وهو يقول: "حمدلله على السلامة يا قلبي."
ردت زيتا باضطراب واضح: "أنت كنت تمزح معي مستر أمجد؟ صح؟"
ابتسم أمجد وقال: "لا يا زيتا مش بمزح. أنا بحبك وعاوز أتزوجك بجد."
ترقرق عيون زيتا بالدموع وهي تقول بلغتها العربية الضعيفة:
"لا مستر أمجد.
أنت مش ينفع جواز مع واحدة خدامة.
إذا أنت حابب علاقة.
فأنا أكون ملكك لآخر عمري.
بدون جواز سيدي.
وأحلف لك مش راجل تاني يلمسني غيرك... حتى أموت."
رد أمجد بكل هدوء: "لاخر مرة هقولك أنا فعلاً بحبك.
وعاوز أتزوجك.
وعاوزك تكوني أم أولادي."
استشعرت زيتا صدق كلمات أمجد فقالت وهي تبكي: "موافقة سيدي أمجد... موافقة سيدي."
قطب أمجد حاجبيه وهو يداعب خدود زيتا وقال: "في بنت تنادي حبيبها وجوزها... سيدي!"
ولأول مرة زيتا تشعر أن الدنيا كلها قد تصالحت معها، فقالت بصوت باكي مرتبك: "موافقة أمجد... موافقة أمجد... موافقة يا حبيبي."
احتضنها أمجد بكل قوة، وظل يقبل يديها ورأسها.
وقد كان مجرد نطق زيتا لتلك الكلمة (أمجد حبيبي) كافيًا لأن تنفجر منها سعادة تغمر كل ذرة من جسدها.
بل تتخطى ذلك، وتكتسح كل كيان أمجد.
انتهى ذلك المشهد الحالم، وقد أدرك أمجد أن عقله الجبار قد وجد منافسًا يفوقه بأميال وأميال.
فـ(قلب) تلك الفتاة المسكينة زيتا.
استطاع أن يفعل أشياء، لم يكن باستطاعة (عقل) أمجد فعلها، رغم كل ما كان يتمتع به من قدرات خارقة.
وبعد أقل من ساعة كان أمجد قد اصطحب زيتا، ليقضي كل منهما أول موعد غرامي في حياته.
وذهبا إلى أحد المطاعم الفاخرة، المطلة على نهر النيل، وجلسا يتسامران ويتضاحكان بشكل جعل كل الحاضرين بالمطعم يحسدونهما على ذلك التناغم الساحر.
وفي أثناء العشاء.
زلزل صوت ارتطام مدوي كل أرجاء المطعم، لدرجة أجبرت كل الرواد على القفز من أماكنهم والخروج لمعرفة السبب وراء ذلك الصوت العنيف.
فقد كانت إحدى السيارات قد انحرفت عن الطريق لترتطم بالسياج المجاور للمطعم، ثم تخترقه، لتسقط في أعماق نهر النيل.
وقف أمجد وقد التصقت زيتا بذراعه وهي ترتعش، وقد تجمع العشرات ما بين واثب في النهر لمحاولة إنقاذ من بداخل تلك السيارة الغارقة، وما بين من اكتفى بتصوير الواقعة.
ومضت لحظات حتى صعد أحد الشباب مفتولي العضلات وهو يحمل فتاة بين ذراعيه، بينما يصيح: "مفيش أي دكتور هنا... الست اللي كانت جوا العربية... قاطعة النفس!"
وهنا، صاح أمجد بصوت عالٍ: "أنا دكتور... لو سمحتم الكل يوسع.
عشان أعرف أكشف على الست."
وبالفعل أفسح الجميع.
وما أن اقترب أمجد وشاهد وجه الفتاة حتى صاح: "أنا عارف البنت دي... دي ريم الحديدي!
ولازم ننقلها بسرعة للمستشفى... لأن عندها ارتجاج في المخ!"
وفي سرعة شديدة اتصل أمجد بإحدى سيارات الإسعاف الخاصة به، وأمر بنقل ريم للمستشفى.
والتي كانت بالمصادفة تبعد بضع كيلومترات قليلة عن مكان الحادث.
وفي لحظات كان أمجد قد قفز في سيارته وبصحبة زيتا متجهين إلى المستشفى.
وما أن دخلا إلى غرفة العناية المركزة، حتى أمر أمجد بمغادرة المسعفين، وأوصد الباب عليه هو وريم وزيتا.
ثم اقترب من ريم التي كانت مستلقية على الفراش الطبي، وهمس في أذنها: "ريم هانم...
فتحي عينيك...
إحنا خلاص بقينا لوحدنا."
وفجأة فتحت ريم عينيها وقالت: "أنا خايفة أوي يا أمجد من ردة فعل أدهم.
لما يعرف إني ساعدتك نعمل المسرحية دي.
عشان نخليه يظهر."
رد أمجد: "ما تخافيش يا ريم.
أول ما أدهم يظهر هأفهمه كل حاجة.
زمان الفيديو بتاع عربيتك انتشر في البلد كلها.
وأنا متوقع أن أدهم هيظهر في أي لحظة."
ريم بنبرة معاتبة: "أنت اتأخرت ليه؟
أنا والراجل منفذ المشاهد الخطرة فضلنا مستنيناك.
أكتر من ساعة."
ثم التفتت إلى زيتا وقالت: "ومين الآنسة دي؟"
رد أمجد بارتباك: "دي البنت اللي بتشتغل عندي.
ووجودها وعياطها عليكي.
لما طلعتي من المية.
خلوا المشهد يبان واقعي أوي."
ردت ريم بابتسامة حنونة مخاطبة زيتا: "ميرسي أوي على قلبك الجميل ده.
بس لو سمحتي.
ممكن تجيبي لي أي حاجة ألبسها.
بدل هدومي المبلولة دي."
ردت زيتا بصوت شاحب، وهي تقترب من ريم، وتنزع حذائها المبلل: "حاضر مس ريم."
ثم خرجت من الغرفة، ودموعها تكسو فستانها الأحمر الأنيق، قد تحولت مساحات منه إلى اللون الأسود القاتم.
وسارت بخطوات ثقيلة صوب بوابة المستشفى، وهي لا تدري إلى أين سوف تقودها ساقيها، اللتان لم تكونا قادرتين على حمل جسدها المرتعش... وقلبها المحطم.
فأدركت زيتا أنها لا تزال مجرد خادمة، استغلها سيدها لتلعب دورًا ثانويًا في مسرحية هزلية بطلتها... ريم الحديدي!
وقد كان أجرها على ذلك الدور البسيط... نفس مكسورة... وقلب محطم.
ظلت زيتا تسير في الشوارع بلا هدى.
وبداخلها سؤال واحد.
لماذا لم يصارحا أمجد من البداية بأن مشهد المطعم وما تبعه من أحداث كان مجرد خطة جهنمية من خططه المعتادة؟
فهي لم تكن لتعترض على أوامر وطلبات سيدها، ولكانت حفظت قلبها من أن يُداس تحت قدميه كما حدث الآن.
---
وعلى صعيد آخر...
ظل أمجد ينتظر عودة زيتا بلا جدوى.
فخرج من غرفة ريم وطلب من إحدى الممرضات أن تحضر بعض الملابس المناسبة لريم هانم.
وانطلق يفتش عن زيتا في أروقة المستشفى، حتى أخبره أحد أفراد الأمن بأنه رآها تخرج باكية من البوابة.
فهرع مسرعاً وقفز في سيارته استعداداً للبحث عن تلك الحمقاء.
إلا أن جسداً ضخماً تحجر أمام سيارته، مانعاً إياه من التحرك.
أشعل أمجد كشافات سيارته ليكشف عن هوية ذلك الشخص الرابض أمام سيارته، ليجد أن ذلك الشخص هو (أدهم).
فابتسم أمجد بطريقته المعتادة، وقد غمرته فرحة عارمة.
فقد نجحت خطته في جذب أدهم.
ليعلن عن بدء الجولة الثالثة من ذلك الصراع الحتمي.
رواية المتناقض الفصل العاشر 10 - بقلم حازم الباشا
ظل امجد ينتظر عودة زيتا بلا جدوى.
فخرج من غرفة ريم وطلب من إحدى الممرضات أن تحضر بعض الملابس المناسبة لـ "ريم هانم".
وانطلق يفتش عن زيتا في أروقة المستشفى، حتى أخبره أحد أفراد الأمن بأنه رآها تخرج باكية من البوابة.
فهرع مسرعًا وقفز في سيارته استعدادًا للبحث عن تلك الحمقاء.
إلا أن جسدًا ضخمًا تحجر أمام سيارته مانعًا إياه من التحرك.
أشعل امجد كشافات سيارته ليكشف عن هوية ذلك الشخص الرابض أمام سيارته، ليجد أن ذلك الشخص هو (ادهم).
فابتسم امجد بطريقته المعتادة وقد غمرته فرحة عارمة، فقد نجحت خطته في جذب ادهم.
ليعلن عن بدء الجولة الثالثة من ذلك الصراع الحتمي.
***
تجمد ذلك المشهد للحظات.
حتى قطع امجد حاجز الصمت بأن ترجل من سيارته واتجه صوب ادهم وهو يقول بصوت هادئ:
اهدأ يا ادهم.
ريم بخير.
والله العظيم بخير.
قال امجد هذه العبارة وهو يشعر بالكثير من التعاطف والشفقة على ادهم. فبرغم تماسك ادهم ظاهريًا!
إلا أن امجد كان يقرأ ما يدور في عقل ادهم ويشعر بمدى ضعفه في تلك اللحظة!
فلقد كان ادهم في أضعف حالاته، فحبه لريم وخوفه عليها، أفقده الكثير من اتزانه ورباطة جأشه المعهودة.
فهو يعشقها بجنون، لدرجة أنه يرى أن الدنيا كلها لو وزنت في كفة ووضعت إحدى خصلات شعر ريم الذهبية في الكفة المقابلة.
فسيختار خصلة شعرها ويزهد أي شيء سواها!
***
وسوف نعود بك عزيزي القارئ إلى الوراء ساعة واحدة فقط.
حين رأى ادهم مقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي نقلت خبر إصابة ريم ابنة رجل الأعمال المعروف... ناصر الحديدي!
حيث تم نقلها إلى مستشفى الدكتور امجد عبدالمنعم وهي في حالة خطيرة الآن!
انخلع قلب ادهم وقرر أن يكسر كل القواعد ويذهب للاطمئنان على معشوقته وتوأم روحه.
وهو يعلم تمامًا أن ذلك اللقاء قد يكلفه فقدان تلك الهبة التي منحها الله له وهي قراءة المستقبل!
وقد يفقد حياته... أو يؤذي معشوقته!
كان ادهم على استعداد لأن يفقد قدرته الخارقة حبًا وشوقًا لريم.
لم يكن يمنعه عن ذلك... إلا حرصه على حياة الآلاف بل والملايين من البشر.
الذي كان بإمكانه إنقاذ أرواحهم بمساعدة تلك القدرة التي اختصه الله بها.
إلا أن شيئًا ما في عقل ادهم منعه من الذهاب مباشرة للاطمئنان على ريم.
فضل انخراط دكتور امجد في أحداث تلك الحادثة قد أثار الشك في نفسه بأن امجد متورط بشكل ما في ذلك الأمر.
وحسم ادهم أمره بأن يذهب مباشرة إلى امجد، حيث توالت الأحداث.
لتصل بنا إلى حيث نطق امجد بعبارته الأخيرة وطمأن ادهم على أن ريم بخير!
***
في تلك اللحظة...
هدأ ادهم قليلاً ورد على امجد بصوت حاد:
أنا هاسألك سؤال واحد.
وخللي عندك رجولة وشجاعة.
وقولي الحقيقة...
انت اللي دبرت الحادثة دي لريم؟
رد امجد:
يا أخي اطمن.
مفيش حادثة أصلاً.
كل ده حوار مزيف.
أنا وريم عاملينه عشان تظهر!
كانت تلك هي أول مرة ينادي بها امجد غريمه التقليدي ادهم بلقب (أخي).
ولم يكن أي منهما يعلم...
بأن يومًا ما ستتحول علاقتهما المتنافرة حاليًا إلى صداقة وأخوة نادراً ما تحدث بين البشر.
ففي يوم ما... سيحاول كل منهما أن يضحي بحياته ليفدي حياة الآخر!
في تلك اللحظة خر ادهم على الأرض ساجدًا وهو يقول:
الف حمد وشكر ليك يا رب.
سامحني يا رب.
انت شاهد وعارف أد إيه بحبها يا رب.
تركه امجد يتم سجدته حتى هدأت روحه، ثم ساعده في النهوض. وظل امجد ينفض الغبار عن ملابس ادهم.
بينما ادهم يتابع تصرفات امجد في ذهول ودهشة وسؤال ما يدور في عقله:
من امتى المغرور ده بينفض هدوم حد؟
رد امجد وهو يبتسم وقد سمع ما يدور بعقل ادهم:
الله يسامحك يا ادهم.
انت واخد عني صورة زفت.
بادله ادهم نفس الابتسامة وهو يقول:
معلش يا امجد.
نسيت إنك بتقرأ أفكاري.
تصافح الاثنان بود، سارا معًا باتجاه مكتب امجد داخل المستشفى، حيث شرح امجد خطته لادهم، والتي كان غرضها أن يجد ادهم.
وقد قبلت ريم المشاركة في الخطة أملًا في أن ترى ادهم مرة أخرى، ولو بنظرة واحدة من بعيد.
هنا قاطعه ادهم بحدة:
هو انت ليه مش قادر تفهم.
إنها ما ينفعش تشوفني تاني!
رد امجد بهدوء وهو يبتسم ابتسامة ماكرة:
بلاش تستهين بعقل أخوك يا دكتور ادهم.
كلامك صح جدًا...
بس ده في حالة واحدة بس...
إنك تكون سعيت (بارادتك) عشان تشوف ريم.
ختم امجد عبارته واستدار بشكل مباغت، فاتحًا باب إحدى الغرف.
والذي لم يكن بالطبع باب مكتبه!
فلقد كان ذلك الباب... هو باب الغرفة التي تجلس بها... ريم الحديدي.
***
في تلك اللحظة....
كانت ريم ممسكة بهاتفها تطمئن أباها الذي كان مسافرًا إلى الصين في ذلك الوقت، بعد أن أصابه الذعر جراء علمه بإصابة ابنته في ذلك الحادث.
وفجأة انفتح باب غرفتها، لتجد ادهم أمامها!
وقد مر على آخر لقاء جمعهما أكثر من ثلاثة أعوام!
قضتها ريم في البحث عنه، وقد ابيضت عيناها من البكاء على فراقه، وذبل جسدها شوقًا إليه.
وقفت ريم غير مصدقة أنه أمامها، لدرجة أنها ركعت على الأرض، فقداها لم تتحملا تلك الصدمة.
فسعت إليه زحفًا، وهي تبكي بحرقة وتقول بصوت مرتعش:
ادهم... ادهم... ادهم.
أما ادهم فكان أشد تماسكًا منها، فحاول أن يقاوم رغبته الجامحة في شق صدره ووضع ريم بداخله.
وهم بالابتعاد خوفًا على معشوقته من أي ضرر يصيبها من ذلك اللقاء، فهو يعلم تمامًا بأن الله لم يأذن له بعد... بالتواصل معها.
إلا أن امجد قرأ ما يدور بعقل ادهم.
فانتهز فرصة ارتباك ادهم، وقام بدفعه بكل قوته داخل الغرفة ثم قال بصوت ساخر:
معلش يا جماعة.
انتوا الاتنين محبوسين هنا.
وهتباتوا مع بعض للصبح غصب عنكو.
أنا هاقفل الباب عليكوا من بره.
وسامحوني لأني مضطر أمشي.
أشوفكم الصبح على كل خير.
قال امجد كلماته وهو يغلق الباب عليهم بالمفتاح، وقد كان يعلم أن كلاهما يود تقبيل يديه على تلك الخدعة المحكمة.
***
تشابكت يدا ريم وادهم.
ونهضا سويًا ببطء.
ولم يستطع ادهم أن يقاوم رغبته المحمومة في ضم ريم إلى صدره.
وقد ظلت هي تردد اسمه مرات ومرات.
وكأنه نوع من التسبيح، فقد ارتقى عشق ادهم في قلبها لدرجة تفوق ما يعرفه البشر.
أما ادهم... فقد كانت كل ذرة من جسده القوي تبكي وتصرخ شوقًا لريم.
وكأن أطرافه قد أعلنت تمردها على طاعة ادهم واندفعت لتحتضن ريم بكل رقة... وبكل قوة في آن واحد!
ظلت أصابع ادهم تطوف فوق ملامح وجه ريم، وكأنها ناسك قد اهتدى أخيرًا إلى كعبته.
بينما اقتربت ريم لتملاء رئتيها من عطر أنفاس ادهم ورائحة جسده.
التي كانت قد تلاشت من ذلك القميص الذي كان أنيسها وجليسها طوال تلك السنوات العجاف.
فمنذ رحيل ادهم عنها، وهي لا تعرف النوم إلا بعد أن ترتدي قميصه.
استمر عناق ادهم لريم إلى ما يقرب من الساعة.
وكلاهما صامت، يسترق السمع لضربات قلب معشوقه، وكأنهما قد تبادلا قلبيهما معًا.
فضربات قلب ادهم قد علا صوتها بداخل صدر ريم، ليطغى على صوت ضربات قلبها.
ودفء قلب ريم قد أشعل نيران الشوق والحنين في جوف ادهم، فمحا كل السقيع والجفاف الذي أنهكه لثلاث سنوات كاملة!
***
سنترك الآن العاشقان لنسرد ما دار بينهما من حوار طويل في بداية الحلقة القادمة بإذن الله.
ونذهب مع ذلك الرائع امجد للبحث عن معشوقته الحمقاء زيتا.
***
خرج امجد من المستشفى وقلبه مبتهج منتشٍ.
وقد أفلحت خطته الماكرة في لم شمل العاشقان دون أن يعرض أياً منهما لخطر اللقاء المقصود.
وكان امجد يعلم أنه وبكل بساطة قادر على استدراج ادهم له بمجرد أن يتصل بأي رقم من هاتفه ويقول: ...
يا أدهم أنا مستعد أتعاون معاك، أرجوك لازم نتقابل.
كان ذلك سيفي بالغرض، حيث إن أمجد يعلم بأن أدهم قد وضع برنامج تجسس على هاتفه.
إلا أن أمجد كان يرى أن لقاء أدهم بريم هو أقل هدية يمكن أن يقدمها لهما، خاصة بعد أن علم أن أدهم هو من أنقذ حياته ليلة مقتل والدته.
كما علم أنه هو من وضع له ذلك المظروف المالي ليتمكن من سداد مصروفات كلية الطب.
بحث أمجد عن زيتا في كل مكان محتمل، حتى في تلك الغرفة الصغيرة التي كانت تختبئ بها في سطح منزله عندما قام بطردها.
إلا أنه لم يجدها.
وبدأ القلق يتسرب إلى قلبه، وظل يسأل نفسه:
أين ذهبت تلك الحمقاء؟
لم يكن أمجد يعلم أنه سيدفع ثمن صنيعه بأن جمع بين ريم وأدهم، قبل أن يأذن الله لأدهم بذلك.
فتحدي أمجد لأوامر الله سوف يكلفه الكثير والكثير.
فكما عاقب الله سيدنا يونس على مخالفته لأمره بأن قذفه في ظلمة بطن الحوت،
فللأسف،
سوف يواجه أمجد ظلامًا أشد من ظلام بطن ذلك الحوت.