تحميل رواية «المتناقض» PDF
بقلم حازم الباشا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تعتبر هذه الروايه امتداد وتكلمه لرواية "ضد الزمن " تدور احداث هذا الجزء ... حول جراح المخ والاعصاب الفذ &; دكتور "امجد عبدالمنعم" فذلك الجراح الذي لم يكن قد تخطى عامه الرابع والثلاثون بعد &; قد قام بالعديد من العمليات الجراحيه المستحيله فجعله الله سببا في انقاذ العديد من الارواح &; وعلاج الكثير من حالات الشلل &; بنسبه نجاح اسطوريه وبجانب تلك البراعه الفائقه &; فقد كان امجد شديد الوسامه &; بالاضافه الى انه بكل بساطه ... يحمل احد اذكى العقول البشريه على الارض !!! وقد ساهم ذلك الذكاء الخارق &; في م...
رواية المتناقض الفصل الحادي عشر 11 - بقلم حازم الباشا
كنا قد تركنا أدهم وريم في غرفة الرعاية المركزة. وقد أغلق أمجد عليهما الباب من الخارج ثم رحل ليبحث عن زيتا.
تشابكت أيديهما ونهضا سوياً ببطء. ولم يستطع أدهم أن يقاوم رغبته المحمومة في ضم ريم إلى صدره.
كانت تردد اسمه مرات ومرات.
وكأنه نوع من التسبيح، فقد ارتقى عشق أدهم في قلبها لدرجة تفوق ما يعرفه البشر.
أما أدهم، فقد كانت كل ذرة من جسده تصرخ شوقاً لريم.
وكأن خلايا جسده قد تمردت على طاعته واندفعت لتحتضن ريم بكل رقة وبكل قوة في آن واحد.
مرت لحظات.
كانت أصابع أدهم تطوف فوق ملامح ريم، وكأنها عابد ناسك قد اهتدى إلى كعبته بعد طول عناء.
بينما اقتربت ريم لتغمر رئتيها بعطر أنفاس أدهم ورائحة جسده.
تلك الرائحة الزكية التي كانت قد تلاشت من ذلك القميص الذي كان جليسها وأنيسها طوال تلك السنوات الثلاث العجاف.
فمنذ رحيل أدهم عنها، وهي لا تعرف النوم إلا بعد أن ترتدي قميصه.
استمر احتضان جسد أدهم لقلب ريم.
واحتضان قلب ريم لجسد أدهم.
ومر الكثير من الوقت في أنحاء العالم.
إلا أنه تجمد في تلك الغرفة.
فأدهم، قد تلاشى كل شيء من حوله، فلم يبق إلا كيان ريم.
فالزمان هو ريم.
والمكان هو ريم.
والدنيا كلها هي ريم.
أما ريم، فكادت تجزم أن رحلتها على الأرض قد انتهت، وأنها أخيراً قد دخلت الجنة.
فجنة ريم لم تكن تتعلق بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولكن جنتها الحقيقية تتلخص ببساطة في:
عين تكحلت برؤية أدهم.
وأذن قد طربت بسماع أنفاسه.
هكذا كان المشهد، وكلاهما صامت، يسترق السمع والإحساس بضربات قلب الآخر، وكأنهما قد تبادلا قلبيهما معاً.
فضربات قلب أدهم كانت تدوي عالية داخل صدر ريم، لتعلو فوق أنين ضربات قلبها.
ودفء قلب ريم قد أشعل نيران الشوق والحنين في جوف أدهم، الذي كان يعاني من سقيع دائم، حتى وإن ابتلع كل براكين الأرض.
وظلت تلك الحالة المنفردة من العشق، إلى أن قطعها صوت ريم الرقيق وهي تقول وقد اختلطت حروفها ببكائها:
أنا أكيد بحلم.
مش ممكن تكون في حضني بجد يا أدهم.
رد علي وقولي إنّي مش بحلم.
رد أدهم وهو يغالب دموعه، وقد بذل أقصى جهده ليظهر متماسكاً:
لا يا ريم.
ده مش حلم.
وسامحيني يا حبيبتي.
أقسم بالله فراقك ده ما كان بإيدي.
ومش ممكن تتخيلي فراقك ده.
عمل فيا إيه.
ردت ريم بكل أسى، وقد أجهشت في نوبة بكاء حار:
انت بتتكلم عن اللي عمله فيك الفراق!
يا أخي حرام عليك.
ده أنا كنت بموت كل يوم ألف مرة بسببك.
أنا كرهت الدنيا والعيشة وكرهت نفسي.
لولا إنّي متمسكة بأمل رجوعك.
كان زماني اتجننت ولا انتحرت.
ثم أمسكت يد أدهم ووضعتها على قلبها، وهي تقول:
يا أدهم أنا مش بس حبيتك.
أنا عشقتك بجنون.
عشق خلاني أتحمل وجع.
لا انت ولا عشر رجالة زيك يقدروا يتحملوا وجعه.
رد أدهم وقد انفلتت دموعه من مقلتيه:
وأنا بتنفسك يا ريم.
انت بالنسبالي مش مجرد بنت حبيتها.
انتي الدنيا كلها.
انتي الجنة اللي عشت محروم منها.
شعرت ريم بدموع أدهم، وهي تتساقط فوق خديها، فانتزعت رأسها من بين ضلوعه، وانتفضت تقبل رأسه وجبهته وهي تقول: طب أبوس إيدك ما تعيطش.
أنا مقدرش أستحمل أشوفك بتعيط.
انت حبيبي وحياتي وعمري كله يا أدهم.
حاولت ريم تهدئ أدهم، فقالت وهي تبتسم برغم دموعها التي لا تتوقف:
انت عارف إنّي بنام كل ليلة.
وأنا لابسة القميص بتاعك.
فاكر!
القميص اللي ادتهولي البسه.
وقت ما كان عندي كورونا!
لدرجة إنّي مبقتش أقدر أنام.
إلا وأنا لابساه.
وحاسة إن جزء منك لسه معايا.
ومحاوطني.
ابتسم أدهم، وقد بدأت دموعه تنحسر، ثم أخرج كيساً صغيراً من جيبه، وناوله لريم قائلاً:
عارفة الكيس ده فيه إيه؟
تناولت ريم الكيس من يد أدهم وتفحصته بدقة، ثم قالت باندهاش:
ده كيس فيه شوية رمل!
رد أدهم وهو يداعب خصلات شعر ريم الذهبية:
لا يا قلبي.
ده مش مجرد رمل عادي.
ده رمل أنا أخذته من مكان علامات رجليكي جوا الحفرة.
الحفرة اللي حطيتك فيها.
في أول يوم اتقابلنا فيه.
ثم استطرد:
أنا كنت بروح المكان ده كتير.
كنت بقعد هناك بالساعات.
وأفضل افتكر أول لحظة حسيت فيها إنّي بحبك.
لدرجة إنّي جبت كيس.
ومليته بالرمل اللي كانت بصمة رجليكي معلمة فوقيه.
ومن وقتها.
وأنا محتفظ بيه.
وبنام وأنا ماسكه وببوسه وبحضنه.
لمجرد إنه شايل لمسة رجليلي عليه!
وما أن سمعت ريم ذلك، حتى دفنت رأسها مجدداً بين ضلوع أدهم، وقالت بكل استعطاف:
أنا بحبك.
بعشقك.
بموت فيك يا أدهم.
رد أدهم بكل حنان:
وأنا بعيش فيكي يا ريم.
وعايش على أمل إن ربنا يأذن لي أقرب منك تاني.
وواثق جداً من رحمة ربنا بينا.
انتفض جسد ريم بقوة، وصرخت بلوعة شديدة:
أوعى تقول إنك هتبعد عني تاني.
والله العظيم أنا خلاص.
مش هقدر أتحمل أكتر من كده.
سنين وأنا بتعذب في غيابك عني.
بالله عليك ما تسبني تاني.
كفاية وجع بقى.
أنا قلبي مش مستحمل.
ولو خايف عليا.
فارجوك ما تخافش.
مفيش أي حاجة ممكن تحصلي أكبر من فراقك.
خلينا نتجوز دلوقتي حالا.
وأعيش ليلة واحدة معاك.
وإن شاء الله بعدها أموت.
رد أدهم محاولاً تهدئة ريم:
حتى لو كان التمن.
إن أنا اللي أموت يا ريم!
هنا صرخت ريم بكل فزع:
لا أوعى تقول كده.
أنا أموت ألف مرة.
ولا يجرالك أنت أي حاجة وحشة.
بعد الشر عليك يا قلب ريم.
هنا انتزعها أدهم بقوة، وضمها إلى صدره وهو يقول بكل حنان: أنا كلي كده.
فدا خصلة واحدة من شعرك يا ريم.
اصبري.
وثقي في ربنا ثم فيا.
وصدقيني يا مولاتي.
ربنا رحمته أوسع مما تتخيلي.
يا حب عمري.
يا عشقي الأبدي.
يا توأم روحي.
يا أم نور!
وما أن سمعت ريم الكلمة الأخيرة، حتى لمعت عيناها، وهدأت جوارحها، فقد فهمت رسالة أدهم.
وتذكرت ذلك الحلم الجميل.
عندما كان أدهم يسألها في الحلم: إذا ما كانت تحبه أكثر، أم تحب طفلهما، نور.
استشعر أدهم أن ريم قد تفهمت الوضع، وأراد أن يمنحها مزيداً من الارتياح فقال مداعباً:
أنا بفكر أغير اسم ابننا.
وأسميه أمجد.
ردت ريم وأصابعها تداعب ذقن أدهم:
يا عم انت اتجوزني بس.
وأنا أجيبلك نور وأمجد.
وكل اللي نفسك فيه.
وأخيراً ارتسمت الابتسامة على وجهيهما، وكلامها على يقين، بأن الله عالم بما في قلبيهما، وهو أرحم الراحمين.
وانتهى ذلك المشهد من تلك القصة الأسطورية، بأن ضم أدهم رأس ريم إلى صدره، وناما لأول ليلة، وقد علما بأن حبهما لم ولن تشهد مثله الأرض يوماً.
فمشاعرهما أسطورية، وعشقهما ضد الكسر.
وعلى صعيد آخر كان أمجد قد قضى ليلته بائساً مكتئباً.
فهو لأول مرة يختبر الشعور بالاحتياج والحنين إلى شخص، فما فعلته زيتا به، كان أشبه بإعادة إحياء المشاعر في قلب فارغ أصم.
فمنذ نعومة أظافره، وهو يخشى الاقتراب من البشر.
فتلك القدرة الخارقة على قراءة أفكار من حوله، قد مكنته من رؤية ما يخفيه الناس بداخل نفوسهم من غل وحقد وشر.
فقد عاش يتعذب برؤية مدى بشاعة الناس، وقد انكشف أمامه ذلك القناع المزيف الذي اعتاد الجميع وضعه.
ليظهروا في حلة مصطنعة من الطيبة والشهامة المزيفة.
واستمرت حالة نفور أمجد من الناس، وبالأخص من الفتيات اللاتي كن يحاولن التودد إليه، فبرغم علمه بمشاعرهن الجميلة تجاهه.
إلا أنه في نفس الوقت كان يرى في أعماقهن ذلك النفور والاشمئزاز من ماضيه.
والذي لم يكن لأمجد أدنى ذنب فيه، فهو ابن المجرم القاتل، الذي قتل زوجته، قتل أم أمجد.
فذلك الجزء المظلم، كان قاسماً مشتركاً بين كل النساء من حوله، وعلى رأسهن إنجي، التي تهيم به عشقاً.
كانت كل النساء كذلك، باستثناء تلك الفتاة الرقيقة العذبة، زيتا، التي كانت تحمل الخير والحب للجميع، وكانت ترى في ماضيه سبباً مضافاً يدفعها إلى مزيد من العشق والاحترام تجاهه.
وقد احتل حب أمجد أعظم مساحة من قلبها النقي البريء، فهو في عينيها بطل، استطاع أن يقهر ظروفه ويهزم ماضيه.
ظل أمجد يفكر في زيتا، حتى خارت قواه، وداعبه النعاس.
فارتمى على فراشه، وقد عزم على أن يسخر كل جهده لإيجاد فتاته الضائعة، أو بلفظ أدق.
وفي منتصف الليل ...
هب أدهم من نومه مفزوعا
فلقد رأى حلما مستقبليا مخيفا ...
يتعلق بفتاة تم اختطافها وقتلها
وما أثار دهشة أدهم ...
هو أن تلك الفتاة كانت تتكلم بلغة غير مفهومة لم يستطع أدهم أن يميز أي شيء فيها سوى .... اسم أمجد
فقد رددته أكثر من مرة ... قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة !!!
انزوى أدهم في أحد أركان الغرفة واتصل بأمجد وطلب منه أن يأمر أحد موظفيه بفتح الباب قبل أن تستيقظ ريم
وبالفعل سارع أمجد بتنفيذ طلب أدهم وتم فتح الباب معلنا عن نهاية تلك اللحظات التي عاشها أدهم في نعيم القرب من ريم
اقترب أدهم ببطء ليطالع وجه ريم التي بدت كطفلة نائمة وقد سالت قطرة من لعابها على خدها
فمد أدهم أصابعه ومسح القطرة برفق ووضعها في فمه فرحيق لعاب ريم بالنسبة له يعادل أنهارا من اللبن والخمر والعسل
ثم خلع سترته ووضعها برفق على صدر ريم وطبع قبلة حارة على جبهتها
ثم انطلق مسرعا خارج الغرفة قبل أن تهزمه دموعه
فهو لا يعلم كم من الشهور أو الأعوام سوف تنقضي حتى يرى ريم مجددا
انطلق أدهم صوب منزل أمجد
وقد بدأ يتذكر تفاصيل وجه زيتا وأدرك أنها هي نفس الفتاة التي كان يشاهدها في منزل أمجد
بينما كان يراقب منزله قبل أول لقاء جمع بينهما
وقد كان أدهم يظن بأن أمجد لن يكترث كثيرا عندما يخبره بأن حياة زيتا في خطر وأنها سوف تودع عالمنا قريبا
لم يكن يعلم بأن ما قد يفعله أمجد لإنقاذ زيتا قد يتخطى ما يمكن أن يفعله هو نفسه لإنقاذ ريم !!!
ولم يكن كلاهما على علم بأنقاذ زيتا يحتاج إلى معجزة
وأن تلك المعجزة تستلزم أن يتكاتف بطلي القصة فاتحادهما معا ... قد يصنع ما يمكن أن نسميه فعلا ... بالمعجزات
رواية المتناقض الفصل الثاني عشر 12 - بقلم حازم الباشا
انطلق أدهم صوب منزل الدكتور أمجد.
بدأ أدهم يتذكر بعض تفاصيل ذلك الحلم المزعج. تعرف على وجه زيتا، وأدرك أنها هي نفس الفتاة التي تعمل كخادمة في منزل أمجد. فقد اعتاد أدهم أن يراها بينما كان يراقب منزل الدكتور أمجد ليضع خطته تمهيداً لأول لقاء بينهما.
كان أدهم يظن بأن أمجد لن يكترث كثيراً عندما يخبره بأن حياة زيتا في خطر، وأنها للأسف، سوف تودع عالمنا قريباً. ولم يكن يعلم بأن ما قد يفعله أمجد لإنقاذ زيتا قد يتخطى ما يمكن أن يفعله هو شخصياً لإنقاذ ريم. ولم يكن كلاهما على علم بأن إنقاذ حياة زيتا يحتاج إلى معجزة. وأن تلك المعجزة تستلزم أن يتكاتف بطلي القصة، فاتحادهما معاً قد يصنع ما يمكن أن نسميه فعلاً بالمعجزات.
وصل أدهم إلى فيلا الدكتور أمجد، واستقبله الأخير بحفاوة بالغة. وتعانقا لأول مرة كصديقين حميمين، حيث دار بينهما الحوار التالي.
ربت أدهم على كتف أمجد بكل امتنان وقال:
بجد يا أدهم، أنا مش عارف أقولك إيه ولا أشكرك إزاي. اللي عملته معايا امبارح ده جميل هعيش عمري كله مديون لك بيه.
رد أمجد وهو يبسم ابتسامة باهتة، يصارع بها حزنه وقلقه على زيتا:
ما تقولش كده يا أدهم، ده أقل شيء أقدر أرد بيه على كل اللي أنت عملته معايا. وما تقولش أي حاجة، أنا قرأت كل اللي أنت عاوز تقوله، وإحنا خلاص بقينا...
وفجأة انخرس صوت أمجد، وشحب وجهه بشكل مفاجئ.
فهتف أدهم بقلق واضح:
فيه إيه يا أمجد؟ سكت كده ليه؟ إيه اللي حصل؟
رد أمجد وقد لمعت عيناه بالدموع:
زيتا ماتت! زيتا اتقتلت يا أدهم!
قد كان أمجد في تلك اللحظة قد توغل داخل عقل أدهم، وشاهد نفس الحلم المزعج الذي رآه أدهم.
جلس أدهم يواسي صديقه ويقول:
اهدأ يا أمجد، الحلم ده معناه إن زيتا لسه عايشة، وإن ربنا عاوزني أتدخل عشان أنقذها. أرجوك ثق فيا.
هنا فقط، هدأ أمجد. فبرغم ثقة أمجد في نفسه وفي قدراته الهائلة، إلا أنه قد بدأ يستوعب أن أدهم يفوقه قدرة ومناعة، ليس لصفاته أو ذكاءه، ولكن لأنه مؤيد من الله. ومن في معية الله لا يمكن لأي مخلوق على الأرض أن يقهره، مهما كان يمتلك من المزايا أو القدرات.
وبلهفة شديدة قال أمجد:
والعمل يا أدهم! هاننقذها إزاي؟ لو زيتا جرالها حاجة، أنا هاموت. أنا ما أقدرش أعيش من غيرها.
اندهش أدهم من تلك المشاعر الجياشة التي لم يكن يتوقع أن يراها تخرج من شخص مثل أمجد.
وقال بارتباك:
للأسف يا أمجد، أنا مش قادر أفتكر تفاصيل الحلم كلها. وجود ريم معايا وجنبي وأنا نايم خلى عقلي مش صافي وشتت تركيزي. بس أكيد هنلاقي حل بإذن الله.
رد أمجد بنبرة كلها استعطاف:
ساعدني يا أدهم، وأنا هادخل جوه عقلك وأشوف التفاصيل اللي أنت مش قادر تفتكرها.
أجابه أدهم بحماس:
شوف أنت عاوزني أعمل إيه، وأنا تحت أمرك.
رد أمجد وهو يحضر حقنة أخذها من حقيبة معداته الطبية:
أنا هديك دلوقتي حقنة منومة، ما تقلقش منها. كل اللي هتعمله الحقنة إنها هتنيمك لمدة ساعة، وهتخليني أقدر أدخل جوه عقلك بدون أي مقاومة منك. وثق فيا يا أدهم، أنا مش هدخل لأي ذكريات أو أحلام تخصك. أنا كل اللي عاوزه هو الحلم بتاع زيتا.
رد أدهم بنبرته الهادئة المعتادة:
حاضر يا أمجد، وأنا كمان هاعمل حاجة هتساعدك أكتر. لما أنام، خليك ماسك إيدي وأنت بتقرا أفكاري.
وفي غضون لحظات، كان أدهم يغط في نوم عميق بعد أن سرى مفعول المخدر في دمائه. فأمسك أمجد يده.
لتبدأ تجربة فريدة من نوعها، حيث انصهر عقل أدهم داخل عقل أمجد. وكأنهما جسدان يحملان عقلاً واحداً، جباراً.
في تلك الأثناء، دخل مستشفى الدكتور أمجد عبدالمنعم.
كانت ريم قد استيقظت، لتجد أن أدهم قد اختفى مجدداً. رحل أدهم تاركاً لها سترته، وقد بدا لها الأمر وكأنه أعاده لنفس السيناريو المؤلم الذي فتك بقلبها من شدة الاشتياق وقسوة البعاد.
لكنها كانت على يقين من أن رحمة الله واسعة، وأن صبرها على ابتلاء الفراق هو الوسيلة الوحيدة لتنال رضى الله وتحصل على مرادها بأن تعيش مع أدهم تحت سقف واحد لتكون له حبيبة وزوجة وأم.
فلملمت أغراضها بأسى شديد، وقد عزمت على شراء تلك الغرفة من المستشفى. فكتبت شيكاً يحمل رقماً خرافياً، وتركته لأمجد مع رسالة شكر مع إحدى الموظفات في ردهة الاستقبال. وقد أبلغتها بأن تمنع أي شخص من دخول تلك الغرفة حتى وصول الدكتور أمجد.
استجابت الموظفة لطلب ريم، فالجميع يعلم تماماً من هي ريم هانم الحديدي.
وعادت ريم إلى منزلها وهي ترتدي سترة أدهم. ثم اتصلت بالحاج صبحي، وهو ذلك الصائغ الخاص بعائلة ناصر الحديدي.
ودار بينهما هذا الحوار.
الحاج صبحي:
صباح الأنوار ريم هانم، إيه المفاجأة الحلوة دي على الصبح؟ حمدلله على سلامتك. أنا أول ما شفت الفيديو...
قاطعته ريم بأسلوب رقيق:
صباح النور يا حاج صبحي، الحمد لله أنا بخير. وعاوزة أطلب منك طلب، عاوزاك تعملي دبلتين. واحدة دهب مقاسي منقوش عليها من بره كلمة (أدهم)، والتانية فضة أكبر من مقاسي بـ ٤ نمر ومكتوب عليها اسمي.
رد الحاج صبحي مهللاً:
ألف ألف مبروك يا ريم هانم، شكلنا هنفرح بحضرتك قريب.
جاوبت ريم بابتسامة واسعة:
دعواتك معانا يا حاج صبحي. في انتظار الدبل دول يكونوا عندي الليلة.
ثم أنهت الاتصال، وصعدت سريعاً إلى غرفتها لتفترس سترة أدهم تقبيلاً واحتضاناً.
نعود الآن حيث تركنا كلاً من أمجد وأدهم، يخوضا تجربة لم تحدث من قبل لأي منهما.
فقد أمسك أمجد بيد أدهم الذي كان مستغرقاً في نوم عميق. وبدأ يركز كل خلايا عقله لاختراق ذلك الحلم داخل عقل أدهم. إلا أن أمراً غريباً قد حدث.
فقد بدأ أمجد يشعر بنعاس مفاجئ. وبأن قبضه أدهم على يده قد ازدادت قوتها. وشيئاً فشيئاً، سقط أمجد هو الآخر في نوم عميق.
ودخل كلاهما في حلم عميق مشترك.
فقدرات عقل أمجد الخارقة قد مكنته من دخول عالم فريد من نوعه، عالم لا يحمل مفاتيحه سوى أدهم.
وبداخل هذا العالم التقى البطلان ودار بينهما هذا الحوار العقلي.
كان أدهم وبجواره أمجد يقفان في حديقة مترامية الأطراف، وهما بكامل أناقتهما. حيث بادر أدهم قائلاً:
أهلاً يا أمجد، إحنا دلوقتي في نقطة جوه المستقبل الافتراضي. أنا واثق إنك هنا مش هتقدر تقرا أفكاري، فخليني أشرح لك الموضوع.
رد أمجد وهو مرتبك جداً:
أنا مستوعب إني جوه عقلك دلوقتي، بس مش فاهم إزاي ده حصل.
رد أدهم بهدوء:
القدرات اللي ربنا إدهالك، والقدرة اللي ربنا أنعم عليا بيها، هي اللي خلتنا نوصل للعالم ده. ده عالم ربنا حجبه عن كل البشر. وأكيد لازم نشكر ربنا على إنه اختارنا إحنا، وأدانا من فضله النعمة دي عشان نكون أداة لخدمة الناس. فهمت يا أمجد؟
رد أمجد بخشوع:
ونعم بالله. ألف حمد وشكر ليك يا رب. أنا كنت فعلاً غبي وناكر لنعمة ربنا عليا، سامحني يا رب.
قاطعه أدهم:
إحنا لازم نروح دلوقتي لزيتا، ونحاول نعرف هي فين ومين اللي خاطفها.
وفجأة تبدل مشهد الحديقة داخل الحلم، وتحول إلى مكان مظلم كئيب. عبارة عن مخزن قديم داخل الصحراء، يتجمع فيه العديد من الرجال يحملون بنادق آلية، بينما تجلس زيتا مقيدة بالأحبال في أحد الأركان.
همس أمجد بصوت خافت:
أنا مش قادر أعرف إحنا فين بالظبط.
رد أدهم بصوت عالي وهو ينظر إلى ساعته:
ارفع صوتك يا أمجد، محدش هنا يقدر يشوفنا أو يسمعنا. ببساطة إحنا مش موجودين في اللحظة دي، ولا المكان ده في المستقبل. إحنا دلوقتي على بعد ٢٤ ساعة بالظبط من الوقت اللي نمنا فيه في أوضتك.
اقترب أمجد من زيتا وقال:
سامحيني يا روح قلبي، أنا السبب في كل اللي بيجرالك ده.
وفجأة، بدت زيتا وكأنها تسمعه، فانفجرت ببكاء حاد وظلت تهمهم بلهجتها الأفريقية. لم يفهمها أدهم، إلا أن عقل أمجد قد استنتج بعض كلمات زيتا.
لمعت عينا أمجد، فقد استنتج ما تعنيه زيتا، وعرف ما يتوجب عليه فعله.
فاستدار مخاطباً أدهم:
أنا خلاص فهمت كل حاجة.
خرجني من الحلم ده بسرعة.
أرجوك يا أدهم.
مفيش وقت.
***
وبالفعل استجاب أدهم، ليستيقظ البطلان وهما في حالة إعياء شديد، وقد تصبب العرق منهما بغزارة.
وتحامل أمجد على نفسه لينهض وهو يخاطب أدهم:
شكراً بجد يا أدهم.
أنا مش عارف من غيرك كنت هاعمل إيه.
انت أنقذت حياتي كالعادة.
رد أدهم:
هنعمل إيه دلوقتي؟
فهمني انت عرفت إيه؟
وهتعمل إيه؟
رد أمجد، وقد لمعت عيناه بنفس تلك اللمعة المعتادة:
انت خلاص عملت كل اللي عليك.
سيب الباقي عليا.
أنا خلاص عرفت مين خطف زيتا.
وعرفت أنا هأنقذها إزاي.
من الكلاب اللي خطفوها.
رد أدهم بنبرة قاطعة:
أنا رجلي على رجلك.
لو عرفت هي فين.
يبقى هنروح نجيبها سوا.
بس الأول إحنا أكيد محتاجين سلاح.
مش هنخش على المجرمين دول بإيدينا فاضية كده.
ابتسم أمجد ابتسامة ماكرة وقال:
حاضر يا قائد.
هنروح سوا.
هاجيبلك السلاح اللي انت عاوزه.
هاجيب لك سعيد.
اندهش أدهم وقال:
هو سعيد يعرف يجيب لنا سلاح؟
رد أمجد، وقد زاد اتساع ابتسامته:
لأ يا دكتور أدهم.
سعيد مش هايجيب لنا سلاح.
سعيد... هو السلاح نفسه!
لم يكن أمجد يعلم بأن سعيد يمتلك من المهارات القتالية ما يجعل أن مجرد ذكر اسمه كفيلاً بقذف الرعب في قلوب أعتى المجرمين.
رواية المتناقض الفصل الثالث عشر 13 - بقلم حازم الباشا
استيقظ كلا من ادهم وامجد من حلمهما المستقبلي.
وقد استنتج امجد بأن من دبر عملية اختطاف زيتا هو "سعد الرواي" شقيق الملياردير المعروف "عصام الراوي" والذي لقبته زيتا في ذلك الحلم بـ "عشيق الخائنه".
كان عقل امجد يتمتع بقدرة هائلة على تحليل أي موقف وربط الأحداث بعضها البعض.
وقد اهتدى بعقله أن خطف زيتا وقتلها كان مجرد رسالة تحذير من "سعد الراوي".
فمن المؤكد أن عشيقته الخائنه مدام "شروق" قد أخبرته بأن امجد على علم بعلاقتهما الاثمة والتي أثمرت عن طفلهما المريض "هيثم".
كما أخبرته بأن امجد قد هددها بفضح أمرهما أمام زوجها الملياردير "عصام الراوي" والذي هو بنفس الوقت أخو "سعد" الأكبر.
وهنا وضع امجد خطته لإنقاذ محبوبته زيتا.
فكل ما يحتاجه هو أن يلتقي بذلك المجرم سعد الراوي ليغوص في عقله ويعرف مكان ذلك الوكر الذي تتواجد فيه زيتا.
ثم يأتي الجزء الأصعب وهو مهاجمة ذلك الوكر وتحرير زيتا من قبضة مختطفيها.
لم يكن ادهم لديه نفس قدرات امجد في قراءة الأفكار، لذا فقد اندهش كثيراً عندما أخبره امجد بأن صديقه سعيد الملقب بـ "ديدا" سوف يتكفل بالأمر.
مما دفع ادهم لأن يصيح مستنكراً:
"هو انت عايز سعيد صاحبك ييجي معانا؟
انت مش خايف عليه من المجرمين دول؟"
رد امجد بابتسامة ساخرة:
"لو عايز الحق يا ادهم،
أنا خايف على المجرمين دول من سعيد!"
زاد اندهاش ادهم وهو يقول:
"انت عايز تقنعني أن بني آدم واحد
هيقدر يتعامل لوحده مع 10 مجرمين
معاهم مسدسات وبنادق آلي
على أساس أنه سوبر مان يعني!"
امجد بصوت هادئ:
"بص يا ادهم،
لو فعلاً في حد يستحق لقب سوبر مان
فهو سعيد 'ديدا'."
وبدأ امجد يشرح لأدهم من هو سعيد ديدا.
فبرغم من ضخامة سعيد الجسمانية، إلا أنه يتمتع برشاقة وسرعة فائقتين.
بالإضافة إلى مهاراته الفائقة في استخدام جميع أنواع الأسلحة، وإجادته معظم الرياضات القتالية، وقيادته لكافة أنواع المركبات، بداية من الدراجة البخارية وحتى أكبر الشاحنات.
وقد كان سعيد هو الملاك الحارس لأمجد منذ صباهما وحتى هذه اللحظة.
فلا يخفى على أحد أن امجد خلال رحلة صعوده للقمه قد اكتسب العديد والعديد من الخصوم والأعداء.
وكان من الضروري أن يحظى بحماية وحراسة مشددة، لذلك فقد استغل امجد مهارات سعيد.
بل وقام بتوجيهه ودعمه مالياً ليتحول في النهاية إلى سلاح بشري فائق الخطورة.
إلا أن سعيد لم يكتفِ بذلك، وأنشأ لنفسه عصابة إجرامية مختارة بدقة شديدة.
كان سعيد يحمل بداخله قلباً نقياً برغم أن مظهره وتصرفاته لا توحي بذلك.
فقد كان مغرماً بشخصية (روبن هوود) الشهيرة، الذي كان يلقب بـ "لص الفقراء".
لذا فقد سار سعيد على نهج (روبن هوود)، يسرق من الأغنياء الفاسدين ليطعم الفقراء والمحتاجين.
وقد اكتسحت شعبيته منطقة السيدة زينب، والتي كانت قلعته الحصينة ومهد طفولته هو امجد.
فكما يعتبر سعيد هو درع حماية امجد، فقد كان حي السيدة زينب العريق هو درع وحصن سعيد.
فرجال واطفال وحتى نساء السيدة زينب كانوا جميعاً على استعداد للتضحية بحياتهم فداء لسعيد ديدا.
فما من بيت بداخل ذلك الحي إلا وكان سعيد يكفل يتيماً أو أرملاً أو شيخاً فيه.
كان هو القانون العادل الرادع الذي يحكم المنطقة ويوفر لها الأمان.
لدرجة أن قوات الشرطة تتفادى التصادم معه.
الكل يهاب سعيد، وبنفس الوقت يحبه ويحترمه.
تلك باختصار هي قصة سعيد ديدا، التي قصها على مسامع ادهم.
فما كان من ادهم إلا أن قال:
"أنا فعلاً حسيت باللي انت بتقوله ده
لما رحت له عشان يساعدني
في أنه يقنعك تحط ايدك في ايدي ونتعاون."
رد امجد:
"أقولك على مفاجأة؟
سعيد هو اللي كان سايق عربية ريم
في اليوم بتاع الحادثة.
كل اللي طلبه من ريم أنها تستخبى على شط النيل
وتبل هدومها.
بس طبعاً أنا فهمت ريم أن ده واحد معرفة
شغلته تنفيذ معارك في الأفلام."
تغير وجه ادهم بمجرد ذكر اسم ريم، وقال بنبرة حزينة:
"انت دماغك دي عبقرية.
وبجد يا امجد اللي عملته امبارح ده
رد فيا الروح."
اقترب امجد من ادهم، وربت على كتفه وقال:
"أنا أكتر واحد حاسس باللي جواك.
ما تنساش أني بقرا أفكارك.
بس عايز أقولك على حاجة:
أنا موجوع أكتر منك بكتير.
كأن ربنا عاقبني على اللي عملته معاك.
زيتا لو جرالها حاجة،
أنا هاموت يا ادهم."
التف ادهم وربت على كتف امجد وقال بصوته الهادئ المعتاد:
"انت محتاج تقرب من ربنا يا امجد.
القرب من ربنا
هيخليك طول الوقت واثق من رحمته
أكتر من ثقتك في نفسك
أو في أي مخلوق على الأرض.
يلا نقوم نصلي."
وبالفعل قام البطلان لأداء صلاة الظهر. وما إن انتهيا من الصلاة، حتى وجدا أمامهما ظلاً عملاقاً يقف أمامهما، ظل جسد ضخم، يحمل اسم سعيد ديدا.
في نفس تلك الأثناء.
كانت ريم قد استلمت الدبلتين من أحد موظفي الحاج صبحي، وشكرته كثيراً على سرعة الاستجابة لطلبها.
فارتدت الدبلة التي تحمل اسم ادهم.
وصعدت إلى غرفتها لتكتب خطاباً لأدهم، قالت فيه:
"حبيبي وقلبي ونور عيوني ادهم.
بكتب لك الجواب ده وأنا لابسة دبله مكتوب عليها اسمك.
لأني خلاص مش شايفة أي راجل في الدنيا غيرك.
ولا حتى شايفة الدنيا دي كلها من غيرك.
انت من النهارده حبيبي وابني وأخويا وجوزي.
أنا زوجتك نفسي.
حتى لو انت مش عايز ده
أو مش موافق عليه.
وبقولها لك من كل قلبي وعقلي وروحي.
أنا متحرمة على كل رجال العالم.
وعارفة إني هاكون ليك
وها تكون ليا
بإذن الله.
وهاصبر وأنا واثقة من رحمة ربنا بينا.
بس ارجوك البس الدبلة اللي موجودة مع الجواب ده.
أوعى تكسر قلبي وترميها.
بحبك وبعشقك.
ريم ادهم... حبيبتك ومراتك غصب عنك!"
أنهت ريم الخطاب وقد بللت دموعها أطرافه.
ثم وضعته مع الدبلة الفضية داخل مظروف مغلق.
وكتبت عليه من الخارج (خاص بدكتور / ادهم).
ثم اتصلت بأحد معارفها وطلبت منه أن يحمل ذلك المظروف المغلق إلى فيلا دكتور / امجد عبدالمنعم.
نعود الآن حيث تركنا امجد وادهم يتطلعان إلى سعيد، الذي بادر بالحديث بصوته الجاف:
"صباح الفل.
ده الحبايب كلها متجمعين.
ازيك يا دكتور ادهم؟
منور البيت واللهي."
رد ادهم بترحاب:
"ده نورك يا سعيد.
ومتشكر أوي على اللي عملته مع ريم.
انت مش عارف أنا..."
قاطعهم امجد مبتسما:
ممكن نأجل قصة الحب دي لبعدين يا جماعة.
زيتا هتروح مني.
وانتوا على قلبكم مراوح.
راعوا ظروفي يا جماعة.
رد سعيد بخشونته المعتادة:
ايه يا عم الحاج.
ما تبلع ريقك كده وتفهمني.
جايبني على ملا وشي كده ليه عالصبح.
رد امجد بحزم:
زيتا اتخطفت يا سعيد.
رد سعيد بانفعال:
زيتا مين!
انت قصدك زفت!
امجد بصرامة:
اخر مرة اسمعك تقول كلمة زفت دي.
زيتا دي هتبقى مراتي يا سعيد.
مرات اخوك يا بغل!
اندهش ادهم من تلك الطريقة التي يتخاطب بها صديقاه.
وقال مقاطعاً كلاهما:
يا رجالة الوقت بيسرقنا.
انت يا سعيد مفروض تجهز عشان انا وانت وامجد هنقتحم المكان اللي زيتا محبوسة فيه.
والمكان ده لسه ما نعرفوش هو فين.
بس اللي عارفينه انه مليان مجرمين.
ومعاهم سلاح.
رد سعيد بنبرة منضبطة:
أوامرك يا دكتور.
هاروح افطر واجهز.
ومستني تليفون منكم.
رد ادهم باندهاش واضح:
تفطر!
هو ده مفهومك عن كلمة "تجهز" يا سعيد!
بقولك رجالة مسلحين.
وبني آدمة مخطوفة.
واقتحام وضرب نار.
وانت تقولي هاروح افطر!
تبادل سعيد وامجد نظرات ماكرة، فكلاهما يعلم أن ذلك الاقتحام بالنسبة لسعيد ليس إلا نزهة في حديقة.
وقبل أن يخرج سعيد مغادراً، اقترب من ادهم ودس له مظروفاً في جيبه وهو يقول:
الجواب ده بعتاهولك ست البنات.
استاذة ريم.
وفكها بقا يا نجم النجوم.
احنا طالعين نتفسح يا راجل.
ملأت قهقه سعيد أرجاء الغرفة، ثم غادر تاركاً ادهم يتفحص المظروف.
وقد تركه امجد ينعم بتلك اللحظة الرومانسية وقال:
انا هاروح مشوار كده.
وحاول تجهز يا ادهم.
واستنى مني تليفون.
انفرد ادهم بالخطاب وأعاد قراءته أكثر من عشر مرات.
وقد اغرورقت عيناه بالدموع، فالتقط الدبلة ووضعها في إصبعه وقال بصوت هامس وكأنه يخاطب ريم:
أنا كمان متحرم عليا أي ست غيرك يا ريم.
وكل أملي إنك تكوني مراتي وأم أولادي في الدنيا.
ولو ربنا مش رايد.
فأنا هاطلب إنك تكوني زوجتي في الجنة.
بإذن الله.
قال ذلك ثم ارتمى على فراشه وذهب في نوم عميق.
أما امجد.
فقد ذهب لمقر شركة الراوي للحديد وطلب مقابلة نائب رئيس مجلس الإدارة.
ذلك الوغد المدعو سعيد الراوي.
وبالفعل استقبله سعد الراوي بابتسامة شامته وقال:
أهلاً أهلاً بالدكتور امجد.
ايه الزيارة الكريمة دي يا راجل.
مش كنت تقول.
عشان نفرش لك الأرض ورد.
رد امجد، وقد كان يتوغل داخل عقل سعد، حيث عرف المكان الذي احتجز فيه زيتا:
أنا جاي أقولك كلمة واحدة بس.
أنا هاخليك عبرة.
لأي حد يتصور.
إنه ممكن يلوي دراع امجد عبد المنعم.
قال ذلك وانصرف تاركاً سعد في ذهول شديد.
وفي غضون دقائق، كان امجد قد اتصل بكلا من سعيد وادهم، واتفقا على اللقاء في إحدى المناطق الصناعية في أطراف القاهرة.
فقد كان أمامهم مواجهة حاسمة، قد لا يخرج الجميع منها بسلام.
رواية المتناقض الفصل الرابع عشر 14 - بقلم حازم الباشا
انطلق أمجد نحو نقطة التجمع التي تم الاتفاق عليها في قلب إحدى المناطق الصناعية المهجورة بأطراف القاهرة.
والتي تقع على بعد أمتار قليلة من مكان احتجاز زيتا.
ووصل أمجد قبل الموعد المحدد بدقائق، وقد كانت المنطقة خاوية تماماً.
حيث عم ظلام دامس وسكون لا يقطعه إلا نباح بعض الكلاب الضالة.
وبعد دقائق...
وصل أدهم وقد بدا عليه بعض التوتر، فحاول أمجد أن يخترق عقله بحثاً عن تفسير لما يقلقه، لكنه فشل!
فاضطر أمجد لسؤاله بشكل مباشر:
في إيه يا أدهم؟
مالك متوتر كدا ليه؟
أنا حاولت أدخل دماغك
عشان أعرف فيك إيه
بس كالعادة
ما وصلتش لأي حاجة
وده معناه
إنك شفت حاجة تخصني أنا!
رد أدهم بهدوء، محاولاً إخفاء توتره:
يا ابني إحنا داخلين مواجهة مسلحة
عادي إني أتوتر.
التقط أمجد فكرة كان قد استخرجها من عقل أدهم، فصاح مهللاً وهو يتطلع للدبلة التي تلمع في أصابع صديقه:
ألف ألف مبروك يا دكتور
ربنا يتمم لكم على كل خير
ريـم دي بنت حلال
وبتحبك أوي.
رد أدهم بابتسامة واسعة:
عقبالك يا أمجد
أنت وزيتا
بس نخرج على خير الليلة
وأنا هاعمل لكم
أحلى فرح في العالم.
وقبل أن يرد أمجد على أدهم...
كانت سيارة سعيد ديدا، تلك الجيب العملاقة، قد وصلت في مشهد مهيب!
فوقف كلا من أمجد وأدهم يطالعان للسيارة بانبهار شديد.
وقد بدت سيارة سعيد وكأنها قطعة حربيه عملاقة، وقد كساها ذلك اللون الأخضر المموه.
الذي يطابق ألوان زي جنود فرق الصاعقة المصرية!
لكن سرعان ما انطفأت تلك الهيبة!
وزال ذلك الانبهار!
وذلك بمجرد أن فتح سعيد باب سيارته ووطأت قدماه الأرض!
فقد كان سعيد يرتدي فانلة قطنية واسعة وشورت رياضي أبيض، أقرب ما يكون للكلسون الصعيدي التقليدي.
وقد انتعل في قدميه شبشباً!
ومما زاد من فكاهة المشهد!
أن سعيد كان يحمل بيده كيساً بلاستيكياً شفافاً، تظهر بداخله زجاجة زيت طعام وسكيناً صغيراً!
اقترب سعيد من صديقيه بخطوات يملأها زهو غير مبرر، وناول كل منهما سلاحاً نارياً صغيراً.
ثم قال وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة:
مساء الفل يا رجاله
جاهزين للطلعة؟
لم يتمالك أدهم غيظه، فصاح بإنفعال:
إيه اللي انت لابسه ده يا سعيد؟
إحنا داخلين على اقتحام
مش رايحين القناطر الخيرية!
ثم التفت مخاطباً أمجد:
هو انت طلبت من سعيد
يتنكر في لبس شحات!
رد سعيد على سخرية أدهم، وهو ما يزال محتفظاً بابتسامته الباردة:
ده على أساس إنك لابس واقي رصاص
ولافح على كتفك مدفع!
سكت سعيد للحظات، ليمنح أمجد فرصة لإنهاء تلك الضحكة العالية التي انفجرت منه.
ثم استطرد سعيد، وهو ما يزال محتفظاً بنفس الابتسامة العريضة:
يا عم أدهم
انت ببدلتك دي
ناقصك حزمة ورد
وعلبة شوكولاتة
وندخل نقرا فاتحة
ونلبس دبل.
لم يعقب أدهم على ما قاله سعيد، بل مد يده والتقط ذلك الكيس البلاستيكي من يد سعيد، وقال بتهكم:
وايه ده اللي انت ماسكه في إيدك!
زيت وسكينة مطبخ!
انت داخل تطبخ يا سعيد!
انت عاوز تجيبلي جلطة!
رد سعيد بنفس النبرة التهكمية:
بعد الشر عليك يا دكتور
بس حاسب يا نجم
أنا في الطبيخ ما أقولكش
حاجة فوق النمرة واحد
تخلص بس الطلعة دي
وهادوقك يا دكتور صينية مسقعة
هتحلف بشرفها طول عمرك.
وقبل أن يرد أدهم، تدخل أمجد ليقطع ذلك الحوار الساخر بصوت منفعل:
ينفع نأجل الوصلة الكوميدية دي
لحد ما نطلع زيتا من هنا!
هنا سكت الجميع للحظة...
فأستطرد أمجد:
أنا هاخش أتعامل مع الحارس
اللي على البوابة
وانتوا تدخلوا ورايا
مجرد ما أديكوا الإشارة
إن البوابة تمام.
قال ذلك، وقد هم بالاقتراب من بوابة ذلك المخزن.
إلا أن أدهم أوقفه، ثم نظر إلى ساعته، وقال:
لحظة يا أمجد
استنى لما العربية اللي واقفة هناك دي تتحرك.
وبالفعل في غضون لحظات قليلة...
كان مجموعة من أفراد العصابة قد استقلوا تلك السيارة، وانطلقوا مبتعدين عن الموقع!
بعدها صاح أدهم:
اتحرك دلوقتي يا أمجد.
تقدم أمجد بهدوء من الرجل الواقف على البوابة، وها أن لمحه الرجل، حتى رفع سلاحه وصاح بصوت غليظ:
اقف مكانك!
انت مين؟
وعاوز إيه؟
تقدم أمجد ببطء شديد، ثم رد أمجد بهدوء:
أنا جاي أبلغك
إن اللي انت خايف منه
للأسف حصل!
رد الرجل وقد ارتسمت على وجهه ملامح الذعر:
انت تقصد إيه؟
اتكلم يا بني آدم.
رد أمجد وهو يتصنع الانفعال:
شد حيلك
البقاء لله
الحاج توفى
أشرف أخوك لسه مكلمني حالا
لأن تليفونك مقفول.
ألقى الرجل سلاحه، وخر على الأرض باكياً.
فسارعه أمجد بلكمة قوية على مؤخرة رأسه، فغاب عن الوعي.
كان كل ذلك مجرد خدعة من أمجد.
حيث باغت أمجد ذلك الرجل بتلك الجملة التي أيقظت أكبر مخاوفه.
فاستطاع أمجد أن يتوغل داخل عقله، وعرف أنه قد ترك والده على فراش الموت، ومن ثم استطاع أن يتعامل معه كما رأينا الآن.
سارع أمجد بالتلويح لصديقيه، فقد تم تأمين دخولهما إلى المخزن.
وبذلك ينتهي دور أمجد الرئيسي، ويبدأ دور سعيد ديدا!
تقدم سعيد من البوابة، يتبعه صديقاه وكل منهما حاملاً سلاحه.
وكان سعيد قد نزع فانلته، وسكب على جسده زجاجة الزيت، التي جعلت جسده لزجاً، لدرجة تجعل من الصعب الإمساك به!
وما إن دخل سعيد إلى المخزن، حتى صاح بصوت جهور:
سلاموووو عليكووووو
إحنا جايين ناخد البت اللي انتوا خطفتوها
ونتوكل على الله
ووعد مني يا رجالة
مش هأذي أي حد فيكم.
كان الموقف بعيداً عن أي منطق، فثلاثة رجال يقفون في مواجهة تسعة مجرمين مدججين بالسلاح.
قد كانت تلك المعركة محسومة من قبل أن تبدأ!
إلا أن شيئاً عجيباً، وغير متوقعاً قد حدث!
فلقد اندفع رجلان من العصابة باتجاه سعيد، وهما يهللان بفرحة عارمة:
سعيد ديدا!
انت فين يا راجل!
نورت المخزن يا زعيم!
احتضن سعيد الرجلين، بينما وقف باقي أفراد العصابة وهم في حالة ذهول، وقد بدأ بعضهم يهمس بصوت منخفض:
هو ده فعلاً سعيد ديدا!
وبينما كان سعيد يصافح الرجلين، استل أحد أفراد العصابة سلاحه وصوبه باتجاه رأس سعيد.
لمح أمجد ذلك القناص، فصاح بصوت عالٍ:
خد بالك يا سعيد!
وفي لمح البصر...
كان سعيد قد تحرك من مكانه، وأشهر سلاحه، وأطلق النار مستهدفاً ساق الرجل، الذي انكب على الأرض قبل أن يضغط زناد سلاحه.
كانت تلك الحركة البهلوانية، وذلك التصويب بالغ الدقة كافيين، لأن يتأكد الجميع، أن من يقف أمامهم هو بالفعل... سعيد ديدا!
فالقى الجميع أسلحتهم، ورفعوا أيديهم للأعلى، معلنين عن استسلامهم.
فلم يكن هناك أي أحد يجرؤ على مواجهة سعيد ديدا وهو حاملاً سلاحه.
فهو الأسرع والأدق تصويباً، والأكثر جراءة من بين كل المجرمين!
انتهت تلك المواجهة سريعاً، فصاح أمجد:
فين زيتا؟
مخبينها فين؟
تدخل أدهم قائلاً:
أنا عارف هي فين.
وعلى الفور تحرك أدهم يتبعه أمجد، وصعدا إلى إحدى الغرف في أعلى سطح المخزن.
حيث كانت زيتا مكممة الفم، ومقيدة على أحد الكراسي.
فأسرع الاثنان بفك وثاقها، وكمامة فمها، وهي تبكي وتهمهم بلغة غير مفهومة.
وما إن تحررت زيتا، حتى ألقت بنفسها في حضن (أدهم)!!!!!!!
ثم قالت بصوت باكي:
شكراً أدهم
أنا كنت واثقة
إنك تيجي تنقذني.
اندهش الاثنان من ردة فعل زيتا الغريبة!
خصوصاً أنها لم تلتقِ أبداً بأدهم!
إلا أن صدمة أمجد كانت أقوى، فقد اختلطت دهشته مع إحساس عميق بالغيرة!
لدرجة أن إحساسه بالغيرة، قد أشعل رأسه، مما أفقده القدرة على التوغل داخل رأس أدهم، أو حتى رأس زيتا!
أما أدهم، فقد رفع يديه عالياً، وكأنه يقول لأمجد... ((أنا بريء، وماليش دعوة بالهبل اللي بتعمله حبيبتك)).
تجمد المشهد للحظات...
كتم امجد غيظه وخرج من الغرفة، تاركاً ادهم يحاول ازاحة زيتا بلطف من بين ذراعيه.
ثم أعطاها منديلاً وهو يحاورها بلطف:
"انتِ ليه عملتي كده يا زيتا؟
امجد أكيد اتضايق من تصرفك ده."
ردت زيتا بصوت مختنق:
"أنا مش طلبت منه ييجي ينقذني.
خلاص، أنا مش عاوزة أشوف راجل ده.
ومش عاوزة أعرفه تاني.
أنا اليوم راجعة بلدي!"
في تلك الأثناء...
كان امجد قد نزل إلى ساحة المخزن.
ليجد أن معركة بالأيدي قد أوشكت على الانتهاء بين سعيد وأفراد العصابة.
حيث كان معظمهم قد افترش الأرض وهم في حالة إعياء شديد من جراء لكمات سعيد القوية.
فسارع امجد لنجدة صديقه، وقد استل سلاحه وأطلق منه عياراً في الهواء.
فما كان من الرجلين المتبقيين إلا أن لاذا بالفرار.
اقترب امجد من سعيد وقال بازعاج واضح:
"ايه اللي حصل يا سعيد؟
احنا سيبناك مع الاتنين صحابك.
وباقي العيال رموا سلاحهم.
والموضوع كان خلاص خلص!
هببت ايه يا أذكى أخواتك؟
بعد ما طلعنا نجيب زيتا؟"
رد سعيد بصوت عليه الإعياء:
"أبدا يا كبير.
كان لازم أعلم على العيال دي.
عشان الكل يعرف مين هو سعيد ديدا.
فلميت السلاح كله ورميته.
ورجعت لهم تاني.
وقلت لهم اللي أمه جابت راجل ييجي يوريني نفسه."
قاطعه امجد:
"فالح قوي.
مكنش له لازمة تعمل فيها 'فان دام'.
أهم شلفطوا لك وشك."
كان وجه سعيد منتفخاً من الضربات التي تلقاها، وقد شج رأسه وسال منها الدماء.
في تلك اللحظة...
كان ادهم قد نزل وبصحبته زيتا، ثم انطلق جميعهم إلى المستشفى لعمل ما يلزم من إسعافات لـ "الفالح" سعيد ديدا.
إلا أن زيتا قد رفضت أن تركب بصحبة امجد، واستقلت سيارة ادهم.
وصل الجميع إلى المستشفى التي كانت شبه خاوية من الأطباء.
وصعدوا إلى غرفة استقبال الطوارئ.
حيث قام امجد باستدعاء "هبه" لتقوم بعمل الإسعافات اللازمة لـ "سعيد".
وفي تلك الأثناء...
حاول ادهم تلطيف الأجواء بين امجد وزيتا.
فطلب من امجد أن يفحص زيتا ويتأكد من أنها بخير.
إلا أن الأخير رفض وقال بصوت عالٍ:
"افحصها انت يا ادهم.
دي واحدة مهندسهاش دم.
أنا كنت بخاطر بحياتي عشانها.
وهي كل اللي في دماغها إنها تغيظني بيك.
بجد دي ما شافتش بربع جنيه تربية."
وفي رد فعل غير متوقع...
نهضت زيتا من مكانها، وقد طفح بها الكيل من إهانات امجد.
ووقفت في مواجهة امجد، وكل علامات الغضب تقفز من وجهها، ثم صاحت بصوت عالٍ:
"أنا متربية أحسن منك مستر امجد.
من اليوم مفيش 'زفتة'.
مفيش خدامة.
أنا بس أطمن على مستر سعيد وأشكره.
بعدها أرجع بلدي."
انصدم امجد من رد فعل زيتا وصاح فيها:
"انتي أكيد اتجننتي.
اتلمي يا زفتة، بدل ما أمسكك أكسر عضمك دلوقتي."
في تلك اللحظة...
كان رد فعل زيتا فعلاً غير متوقع بالمرة.
فقد انفجرت بالبكاء، وقامت بصفع امجد صفعة قوية على وجهه.
كانت تلك الصفعة كفيلة بأن يتجمد امجد في مكانه.
وليس امجد فقط من تجمد، بل كل من كان بداخل تلك الغرفة.
لم يقطع هذه الحالة من التجمد سوى دخول هبه إلى الغرفة، وهي تقول بنبرة رقيقة:
"مساء الخير.
تحت أمرك يا دكتور امجد.
فين الحالة اللي حضرتك عايز...؟"
وفجأة انخرس صوتها.
ثم اندفعت في اتجاه سعيد، وقد تبدلت ملامحها من الابتسامة اللطيفة إلى الغضب الحاد.
حيث رمقته بنظرة احتقار واضحة، وقالت باشمئزاز:
"سعيد!!!
انت بتعمل ايه هنا يا حيوان يا زبالة؟"
رد سعيد بتلعثم:
"أنا مش سعيد.
أنا حزين.
اصبري بس أفهمك الموضوووو...!"
وقبل أن يتم سعيد عبارته، كان قد تلقى صفعة قوية على وجهه.
أعقبها وابل من الشتائم اللاذعة، كانت هبه تهمهم بها قبل أن تخرج من الغرفة، وقد انهمرت دموعها بغزارة.
ليلحق سعيد بصديقه امجد، وينضم إلى قائمة المصفوعين حديثاً.
رواية المتناقض الفصل الخامس عشر 15 - بقلم حازم الباشا
كنا قد تركنا المشهد المتجمد بعد أن تلقى سعيد صفعة قوية من هبة التي خرجت باكية من غرفة الطوارئ.
لينضم سعيد إلى صديقه أمجد في قائمة المصفوعين حديثاً.
وما إن خرجت هبة حتى تبعتها زيتا، تاركين كلاً من أمجد وسعيد وقد وضعوا أيديهم على أصداغهم غير مصدقين لما قد حدث منذ لحظات بسيطة.
بينما انتابت أدهم موجة ضحك عارمة، كان قد فشل في منع انفجارها.
إلا أن عدوى تلك الموجة قد أصابت كلاً من أمجد وسعيد.
فانفجر الجميع في حالة من الضحك الهستيري.
وانتهى المشهد بأن خرج أمجد ليلحق بزيتا، بينما اضطر أدهم إلى تضميد جراح سعيد بنفسه.
وفي أثناء ذلك، دار بينهما الحوار التالي:
أدهم:
بص يا سعيد.
القلم اللي خده أمجد كان منطقي إلى حد ما.
إنما القلم اللي لسعتهولك الاخت هبة، ده كان تصرف غريب جداً.
رد سعيد باقتضاب:
ما غريب إلا الشيطان يا دكتور.
تعمّد أدهم إغاظة سعيد، فقال وهو يتحسس موضع أصابع هبة على صدغ سعيد:
ما شاء الله، وشك نور يا سعيد.
الله أكبر.
خسارة إننا ما صورناش اللقطة دي.
فطن سعيد إلى محاولة أدهم لاستفزازه، فأبتسم ليفسد على أدهم متعته، وقال بصوت هادئ:
ضرب الحبيب زي أكل الزبيب.
وأنا بموت في الزبيب يا دكتور.
رد أدهم بابتسامة خبيثة:
أووووبا، ده الموضوع طلع كبير.
وفيه حب وغراميات.
طب ما تحكي يا عم.
والا انت بتكسف؟
رد سعيد بابتسامة أكثر سخرية:
في دي عندك حق.
أنا فعلاً شاب خجول.
بس انت خلاص ما بقتش غريب.
فأنا هاحكيلك.
بس اظبط لنا القعدة الأول.
رد أدهم باندهاش:
اظبطها إزاي يعني؟
سعيد بحماس:
اطلبلنا اتنين كيلو كباب على كفتة.
وطاجن عكاوي.
وتلات أطباق شربة كوارع.
رد أدهم:
وطبق الشوربة التالت ده لمين؟
سعيد مبتسماً:
التلات أطباق شوربة دول ليا أنا لوحدي يا دكتور.
رد أدهم بسخرية:
وبالنسبة للحلو، سعادتك تؤمر بإيه؟
سعيد وهو يفكر بعمق:
ممكن طبق بسبوسة بالقشطة.
ولا أقولك، بلاش.
عشان ما أبوظش الدايت بتاعي.
ثم تنهد بقوة وقال:
آه يا هبة.
عارف يا دكتور، أنا وهبة كنا بنحب بعض.
ومتفقين على الجواز.
ده احنا حتى كنا متفقين نجيب 6 عيال.
وأول عيل هنسميه "أوس".
رد أدهم باندهاش:
أوس!
اسم جديد وغريب.
سعيد بحماس:
جديد إيه يا دكتور.
ده اسم من أيام سيدنا النبي.
ابتسم أدهم وقال:
آآآآه، انت قصدك "أنس".
على اسم سيدنا "أنس ابن مالك".
قاطعه سعيد:
لا يا دكتور، أنا قصدي "أوس ابن الخزرج".
ده كان من الصحابة بتوع سيدنا النبي.
والنبي كان بيحبه أوي.
رد أدهم:
أنا منبهر بثقافتك الواسعة دي.
بس وعهد الله يا سعيد، لو قلت نص كلمة تاني عن الدين، هاجيب بكرة بلاستر وألفها على بوقك.
رد سعيد:
تمام أوي.
اقفل بوقي براحتك.
وابقى اخللي حد يحكيلك بقا حكايتي مع هبة.
تراجع أدهم وقال مداعباً سعيد:
يا عم أنا بهزر معاك.
ويلا بقا احكيلي القصة من أولها.
لمعت عينا سعيد وقد بدأ يستعيد ذكرى أول لقاء جمعه مع هبة، واندفع يحكي لأدهم تفاصيل ذلك المشهد.
بدأت قصة سعيد وهبة منذ أكثر من عام.
ففي إحدى الليالي.
كان سعيد يقضي سهرته في أحد الملاهي الليلية الفاخرة.
والذي بالمصادفة، كان نفس الملهى حيث ترقص "سحر"، أخت هبة الكبرى.
وفي تلك الليلة، حضرت هبة إلى الملهى لتقترض من أختها بعض النقود لشراء بعض المراجع الطبية.
وجلست على إحدى الطاولات الجانبية تنتظر انتهاء أختها من تقديم فقرتها الراقصة.
وما إن لمحها سعيد حتى صاح فيها بصوت مجلجل:
انتي يا بت، تعالي هنا.
اقتربت هبة وهي ترتعد، وقالت بصوت متحشرج:
حضرتك بتكلمني أنا؟
رد سعيد:
لا بكلم الحيطة اللي وراكي.
أيوه بكلمك انتي.
هو انتوا خلاص ما بقاش عندكوا ريحة الدم؟
مفيش نقطة خشية من ربنا.
زاد ارتباك هبة، وقالت بصوت يكاد لا يسمع من شدة خوفها:
أقسم بالله أنا ما فاهمة أي حاجة.
ولا عملت أي حاجة.
قاطعها سعيد:
إيه الفجور اللي انتوا فيه ده؟
لابسة حجاب!
ما طول عمركوا بتلبسوا ممرضة، أو ظابط، أو حتى تلميذة في المدرسة.
إنما توصل للتريقة على الدين، ده مش هاسمحه بيه أبداً.
ردت هبة ومازال الرعب يملأ قلبها:
ماله لبسي بس؟
أنا مش فاهمة.
إيه اللي مضايق حضرتك بس؟
صرخ سعيد في وجه هبة:
غوري يا بت!
اقلعي اللبس الطاهر ده.
والا ورحمة أبويا، هاقوم أفلقك نصين.
لم يكن هناك أحد يجرؤ على التدخل ومواجهة سعيد.
فكل رواد ذلك الملهى يعرفون جيداً من هو سعيد ديدا، ويعرفون ما هو قادر على فعله.
إلا أن إحدى الساقطات، والتي كانت بالمصادفة ترتدي زي ممرضة.
قد رق قلبها عندما رأت دموع هبة المتلاحقة، وقررت أن تنقذها من براثن سعيد.
فتدخلت، وهي تزيح هبة، وتخاطب سعيد بكل ميوعة:
جرا إيه يا سعيد باشا؟
مين اللي معكر مزاج البرنس بتاعنا؟
البت دي مش شغالة هنا أصلاً.
دي أخت سحر الراقصة.
شعر سعيد وكأن سطلاً من الماء المثلج قد أُلقي فوق رأسه.
فأزاح الساقطة جانباً، وقال بصوت هادئ مخاطباً هبة:
أنا آسف يا عروسة.
أنا كنت فاكرك
واحدة من البنات اللي شغالين هنا.
وكنت...
وقبل أن يتم سعيد عبارته، كانت هبة قد استدارت، واندفعت تركض حتى خرجت من الملهى.
تابعها سعيد بعينيه، وهو ينادي عليها:
انتي يا بت، ردي عليا.
يا بت، يا سخامة البرك.
وظل سعيد يصيح، وهو يسير خلف هبة، حتى خرج هو الآخر من الملهى.
وتسارعت خطواته حتى لحق بهبة وقطع عليها الطريق.
وقبل أن ينطق حرفاً، شاهد ملامحها الجميلة، وقد غمرتها دموع غزيرة، لدرجة أنها سالت على وشاحها وملابسها.
فأمسكها برفق من ذراعها وقال بكل تأثر:
ورب الكعبة أنا بقرة.
جحش.
وبغل.
سايق عليكي النبي تسامحيني.
نظرت إليه هبة بكل استياء، وقالت بصوت ممزوج بالبكاء:
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ.
ربنا ينتقم منك.
زاد إحساس سعيد بالندم، وقال متوسلاً:
أقسم بالله إنك لو ما سامحتينيش، فأنا عمري ما هاسامح نفسي.
ما تشيلينيش ذنبك بقا يا آنسة.
ردت هبة بنفس الاستياء:
هو اللي زيك بيحس أصلاً!
طب يا سيدي، أنا مش مسامحاك.
ولا عمري هاسمحك.
وربنا يأخدك انت وامثالك.
اندهش سعيد من كل هذا الكم من الغضب والألم الذي سببه لهبة.
فعبر إلى منتصف الطريق، ووقف في مواجهة السيارات القادمة، وقد كان من سوء حظه أن هذا الطريق هو طريق سريع.
صاح سعيد بصوته الجهوري:
قسماً برب العزة، أنا مش هتحرك من مكاني ده، إلا لما تسامحيني.
أو ربنا ينتقم مني عشان ترتاحي.
رمقته هبة بنظرة مستهزئة، ثم استدارت وأكملت سيرها.
وما هي إلا لحظات قليلة.
حتى دوى في المكان صوت أزيز فرامل إحدى السيارات المسرعة.
فالتفتت هبة بسرعة نحو مصدر الصوت، لتجد جسد سعيد طائراً في الفضاء، قبل أن يعود ليرتطم بعنف في الأرض، وقد سالت الدماء من كل موضع بجسده.
هرولت هبة في اتجاه سعيد وصاحت بفزع:
إيه اللي انت عملته ده!
الله يخرب بيت سنينك.
رد سعيد وهو مبتسم:
برضو بتدعي عليا، أبو أم لسانك ده يا شيخة.
قالت هبة بصوت متلهف:
انت كويس طيب!
سعيد مبتسماً:
مسمحاني الأول.
ردت هبة بصوت حنون:
مسمحاك يا زفت.
بس رد عليا، حاسس بإيه؟
رد سعيد محاولاً أن يستند على هبة لينهض:
لا يا هبة، أنا مش كويس.
أنا جعان.
جعااااان.
أسندته هبة لينهض، وقالت وهي تبتسم:
ده وقت هزار يا حلوف انت.
عشان تصدقني لما قلت لك إنك ما بتحسش.
كان المارّة قد أمسكوا بسائق الشاحنة التي دهست سعيد.
فاقترب منهم ببطء، وهو يتكئ على كتف هبه، ثم قال بصوته الجهوري مخاطباً السائق المسكين:
"انت اسمك إيه ياض؟"
رد السائق بذعر واضح وبلكنة شامية:
"أوس. اسمي أوس. والله العظيم ما شفتك. الله يخلي لك المدام. ما تتصل بالشرطة."
رد سعيد وقد تحولت ملامحه إلى قمة السعادة:
"هي لسه ما بقتش المدام، بس أنت قدّام المشيئة. وعهد الله لو تم المراد، هسمي أول عيل أجيبه منها أوس، على اسمك. وجميلك ده عمري ما هنساه لك أبداً. روح يا شيخ، ربنا يستر طريقك."
وفي لمح البصر كان السائق قد اختفى من أمام سعيد وهو يكبر ويهلل ويدعو له بالزواج السعيد من هبه.
بينما تبدل لون وجه هبه من القمحي إلى الأحمر القاني، وقد أخرسها الخجل.
فانتهز سعيد الفرصة وقال:
"ما تيجي نحتفل بالمناسبة السعيدة دي. وأعزمك على أكلة فشة وكرشة عندنا في السيدة."
ردت هبه وهي تمنع نفسها من الابتسام:
"هو ده آخرك؟ فشة وكرشة!! بس أقولك على حاجة، أنا فعلاً هاموت من الجوع."
وبالفعل، استقل الاثنان سيارة سعيد، وذهبا إلى مطعم شعبي في قلب السيدة زينب.
لتكتشف هبه ذلك الجانب المشرق من شخصية سعيد. فالكل يحبه ويحترمه، وقد عاملوها باحترام وحب لم تشهده قط في كل حياتها السابقة.
وتكتشف أيضاً أنها أول فتاة يقدمها سعيد لأهل منطقته، وقد شعرت في أعماقها أنها أيضاً ستكون الأخيرة.
رواية المتناقض الفصل السادس عشر 16 - بقلم حازم الباشا
كنا قد تركنا سعيد وهو يحكي لأدهم تفاصيل بداية معرفته مع هبه.
وقد وصلنا لذلك المشهد.
عندما كانا يحظيان بأول لقاء رومانسي شاعري في أحد المطاعم الشعبية بحي السيدة زينب.
وقد استبد بهما الجوع، فأنهمكا في افتراس أطباق "الفشة" و"الكرشة".
لدرجة أن الزيوت والشحوم قد امتدت من أطراف أصابعهما حتى وصلت إلى مرفقيهما.
وبات من الصعب، بل من المستحيل، إحصاء عدد البقع التي زينت ملابسهما.
واثناء تلك المعركة المحتدمة، بادرت هبه بالكلام وقالت:
ده الموضوع طلع بجد بقا.
انت جايبني هنا عشان تاكل.
أومأ سعيد برأسه وقال مبتسماً:
أومال انتي فاكرة إيه.
أنا ما بعرفش أرغي على معدة فاضية.
وبعدين اللي يسمعك بتقولي كده.
يقول البت ما أكلتش!
وانتي اللهم صلي على النبي.
ضاربة لوحدك تلات أطباق كرشة!
شهقت هبه وقالت باندهاش:
انت بتبصلي في اللقمة.
اللي باكلها يا سعيد!
طب يا سيدي شكراً.
مالكش فيه بقا.
آكل اللي في نفسي.
وانا هدفع تمن اللي أكلته.
انفجرت ضحكة مدوية من سعيد، وقال:
انتي عارفة اللي ما بيدفعش.
بيعملوا إيه فيه.
بيتسيخ!
ردت هبه باندهاش أكبر:
يعني إيه... بيتسيخ؟
سعيد بنفس الابتسامة:
بيتسيخ يعني.
بيحطوه على "السيخ" الحديد.
زي الشاورمة كده.
ردت هبه بدلال:
وانت هتسبني "أتسيخ" يا سعيد؟
رد سعيد بحزم:
آه.
آه يا هبه.
لو ما أكلتيش وانتي ساكتة.
هسيبهم "يسيخوكي".
قطبت هبه حاجبيها وقالت بغيظ:
أنا كان معايا حق.
لما قلتلك.
إنك ما عندكش إحساس.
كمل طفح يا سعيد.
أنا خلاص نفسي اتسدت.
الحمام فين؟
رد سعيد ساخراً:
حمام إيه يا قرنفلة!
انتي فاكرة نفسك في "بيتزا هت"!
امسحي إيديكي في هدومك.
زفرت هبه في حنق واضح، وقامت بالفعل مسح يديها في أطراف ملابسها.
بينما ظل سعيد يتطلع إليها بكل إعجاب، حتى أنهى عشاءه، ونادى على إحدى الفتيات ممن يعملون في المطعم.
فأسرعت الفتاة ومعها أبريق كبير من الماء وصابونة، وناولتها لسعيد.
وكانت الفتاة تستعد لصب الماء لسعيد حتى يغسل يديه، إلا أن هبه وقفت، وقالت مخاطبة للفتاة:
عنك انتي يا آنسة.
أنا هصب الميه لسعيد.
تهللت أسارير سعيد، وهو يرى هبه قد غارت من الفتاة، وانتابته فرحة عارمة وهو يتخيل نفسه "سي السيد" في فيلم "بين القصرين".
إلا أن تلك الفرحة لم تدم طويلاً.
فلقد تعمدت هبه أن تسكب الماء على بنطلون سعيد، ليبدو وكأنه... قد بال على نفسه.
صاح سعيد وهو يحاول تفادي المياه:
يا جذمة.
يا بنت الصندل.
إيه اللي هببتيه ده!
ردت هبه، وهي تضحك بشكل طفولي جداً:
أحسن.
تستاهل.
عشان تبقى تقولي.
امسحي إيديكي في هدومك!
كان وقع ضحكات هبه على مسامع سعيد كوقع السحر.
فقبل أن تطلق تلك الضحكة الطفولية، كان يستعد لقطع رقبتها.
أما بعدها... فهو لا يتمنى أي شيء من هذه الدنيا، سوى أن يضمها برفق إلى ضلوعه.
فما كان منه في النهاية... إلا أن أمسك يدها برفق، وانتزع الإبريق، ووقف وقد تشابكت أصابعه في أصابع هبه.
وخرجا سوياً من المطعم.
إلا أن هبه استوقفته وصاحت فجأة:
على فكرة احنا ما حاسبناش على الأكل.
سعييييد.
هو انت متعود تاكل سحت؟
فاقترب سعيد من أذنها وهمس:
المطعم ده بتاعي.
يا أم لسان.
عاوز يتحش بالمنجل.
فردت هبه بنفس الضحكة العذبة، وقالت:
هي إيه الخروجة.
اللي كلها قلة قيمة دي.
الصبر من عندك يا رررررب.
وخرجا الاثنان بالفعل من المطعم، وأمضيا بقية الليل يتجولان في شوارع حي السيدة زينب.
وقد قص كل منهما قصته للآخر، وتعاهدا على أن يلتقيا مجدداً.
وتوالت اللقاءات والحوارات، وزاد التقارب بينهما، حتى أيقن كلاهما أنه قد وجد ضالته المنشودة في الآخر.
فاتفقا على الزواج، ولكن أمراً ما حدث، وغير من مسار الأحداث.
لتنقلب قصتهما الجميلة إلى قصة حزينة مؤلمة.
وما أن وصل سعيد في سرده إلى تلك الذكرى الأليمة، حتى لمعت عيناه بالدموع.
فانتفض أدهم محاولاً إلهاؤه، وقال:
وحد الله يا سعيد.
إحنا كنا ماشيين كويس.
ليه النكد ده بس.
بسرعة شديدة استرد سعيد رباطة جأشه وقال ساخراً:
لا إله إلا الله.
في إيه يا أبو الدكاترة.
انت فاكرني بعيط على هبه.
يا عم الحاج أنا بعيط من الجووووع.
انفجر أدهم ضاحكاً، وقال:
انت مصيبة بجد يا سعيد.
وياريت تبطل تناديني دكتور أدهم.
إحنا خلاص بقينا إخوات.
من هنا ورايح اسمي ادهم.
رد سعيد ضاحكاً:
ادهم حاف كده!
رد أدهم:
لأ.
ادهم بالجبنة.
قطب سعيد حاجبيه وقال بجدية واضحة:
ياااااه على تقل دمك.
يا أبو الأدهايم.
خصيمك النبي يا شيخ.
ما تهزر تاني.
أفيهاتك كلها قديمة وواقعه.
رد أدهم بابتسامة واسعة:
ماشي يا عم سعيد.
قبوله منك.
يا خفيف الظل يا مرح.
وانتهى حوارهما الباسم بأن خرج أدهم ليحضر وليمة العشاء التي طلبها سعيد.
وما أن خرج حتى وجد مفاجأة غير متوقعة بإنتظاره.
وفي نفس تلك الأثناء.
كان أمجد قد نزل خلف زيتا، وقد لحق بها على بوابة مبنى المستشفى.
وكانت زيتا مازالت تبكي وتنتحب، فاقترب منها وهو يصيح:
زيتا.
انتي يا مجنونة استني.
أنا مش هجري وراكي.
الناس بتتفرج علينا.
يا زييييتا.
لم تلتفت زيتا له، بل أسرعت في خطواتها، مما اضطر أمجد لأن يصيح في أفراد أمن البوابة الخارجية:
اقفلوا البوابة.
ما تخلوش الآنسة دي تخرج.
وبسرعة البرق، وثب أفراد الأمن وأغلقوا البوابات، وضربوا أجهزة الإنذار.
لتجد زيتا نفسها محاصرة داخل المستشفى، وقد وصل إليها أمجد.
وبحركة سريعة، وثب في مواجهتها، واحتضنها بقوة.
بينما كانت زيتا تقاومه، وتدفعه عنها، وهي تقول بصوت باكي:
اتركني يا أمجد.
ابعد.
أنا أكرهك.
أكرهك.
أكررررر.
وقبل أن تنهي كلمتها، كان أمجد قد ألصق شفتيه لتحتضن شفتيها بكل قوة.
في مشهد استمر لبضع لحظات، كانت كافية لأن تتوقف زيتا عن البكاء، وتهدأ انتفاضة جسدها الذي أنهكه البكاء.
مسح أمجد على شعرها برقة وحنان ثم قال بصوت هامس:
أنا آسف.
وبجد أنا بحبك.
وكل أملي إنك تسامحيني.
قال أمجد ذلك، ثم التفت ليجد عشرات من أفراد الأمن قد التفوا حوله.
بينما تتدلى أعناق كل المرضى والعاملين من نوافذ المبنى، وقد جذبهم صوت أبواق الإنذار.
فابتسم أمجد وهو يمسك بيد زيتا وقال:
عاجبك الفضايح دي يا زيتا.
مصر كلها بتتفرج علينا.
وقبل أن ترد زيتا.
كان أمجد قد جلس على ركبتيه وأخرج علبة مجوهرات صغيرة من جيبه.
ثم فتحها وقدمها إلى زيتا وهو يقول:
تتجوزيني يا زيتا؟
التقطت زيتا الخاتم الماسي من داخل العلبة ووضعته في إصبعها.
ثم رفعت يديها تلوح لجمهور الحاضرين وقالت وهي تركع على ركبتيها:
موافقة حبيبي.
ده أجمل يوم في عمري.
احتضنها أمجد بقوة وكلاهما جالس على ركبتيه.
بينما تعالت التصفيقات والزغاريد من أرجاء المبنى.
وانتهى المشهد بأن اصطحب أمجد خطيبته زيتا إلى المنزل.
لم يشعر أمجد بمثل هذا القدر من الفرح في كل حياته السابقة.
فرغم كل النعم التي قد منحها الله لأمجد، إلا أنه قد اكتشف اليوم...
أن الحب هو أعظم هدية قد منحها الله له.
فقال بصوت هادئ:
ألف حمد وشكر ليك يا رب.
عهد عليا من اللحظة...
إني أتوب عن أي معصية.
وأكون من عبادك الشاكرين.
وقبل أن يدخل أمجد إلى منزله، استوقف زيتا قائلاً:
بصي يا روح قلبي.
من النهارده ولحد يوم فرحنا...
أنتي هتعيشي هنا...
في الفيلا لوحدك.
مش هاينفع أعيش معاكي...
زي زمان.
ردت زيتا بحزن واضح:
اومال انت هتعيش فين؟
رد أمجد:
هاقعد عند سعيد.
وما تقلقيش، دول كام يوم...
نرتب فيهم إجراءات الفرح.
وبعدها هنعيش سوا.
أومأت زيتا بالموافقة وجمعت لأمجد حقيبة فيها ملابسه ومتعلقاته، ثم ودعته.
وانطلق أمجد عائدًا لصديقيه سعيد وأدهم.
إلا أن أمرًا ما كان يشغل باله.
فقال في سره بغيظ واضح:
ماشي يا أدهم.
إن ما ربيتك...
ما أبقاش أنا أمجد!
رواية المتناقض الفصل السابع عشر 17 - بقلم حازم الباشا
خرج أدهم من غرفة سعيد، وعبر أروقة المستشفى، حتى وصل إلى الغرفة التي التقا بداخلها مع معشوقته الأبدية... ريم الحديدي.
ودّ أدهم لو أنه يقتحم الغرفة ليستدعي تفاصيل تلك الذكرى الجميلة، إلا أنه تراجع، تحسبًا لأن يكون بداخلها مريض، فيضع نفسه في حرج كبير.
إلا أن أقوى وأضخم مفاجأة كانت بانتظاره!
فقد سمع صوت ريم من داخل الغرفة.
حيث كانت تقرأ بعض آيات من المصحف الشريف، تحديدًا... كانت تقرأ سورة الأنبياء.
حتى وصلت إلى هذا الجزء، وقد ارتفع صوتها بشكل واضح:
«فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ»
وما أن سمعها أدهم، حتى تهللت أساريره، وخر ساجدًا وهو يبكي بحرقة ويقول:
«ألف حمد وألف شكر ليك يا رب. أخيرا استجبت لدعائي. أخيرا ريم هتبقى من أهلي. هتبقى أهلي كلهم!»
وبسرعة شديدة نهض أدهم، والتقط مقبض الباب.
إلا أنه فجأة تراجع للخلف، وكأن صاعقة قوية قد أصابته. وقد ظهر عليه توتر كبير، فقد لمعت فكرة مخيفة داخل عقله.
لم ينتشله من تفكيره، إلا صفارات الإنذار المدوية التي غمرت المبنى.
مما دفعه لترك ريم والنزول لمواجهة أمجد بما يدور في عقله.
إلا أنه تراجع مجددًا، وقرر ألا يفسد على أمجد تلك اللحظة الجميلة.
وقرر أن يؤجل تلك المواجهة، حتى عودة أمجد، وذهب لإحضار أطنان الطعام التي طلبها سعيد.
***
أنا ريم، فقد اتصلت بأمجد، واستأذنت منه أن تشتري تلك الغرفة التي جمعتها مع أدهم.
كما طلبت منه أن يجعل منها مكانًا لعلاج غير القادرين، وأن تتحمل هي كل نفقات العلاج.
فكان رد أمجد بكل تهذيب، أن الغرفة هي هدية زواجها من أدهم بإذن الله، وأنها من اليوم ملكًا لريم، تفعل بها ما تشاء.
فقررت ريم أن تذهب تقضي ليلتها بنفس السرير الذي جمعها بأدهم في الليلة الماضية.
وظلت تدعو الله أن يجمعهما معًا، وقضت ليلتها تدعو وتقرأ القرآن.
ولم تكن تعلم بأن ما يفصلها عن أدهم، هو بضعة أمتار قليلة، وقد تلاشت كل المسافات والحواجز بينهم.
بمجرد أن نطقت بهذا الجزء من الآية الشريفة.
***
أما سعيد، فقد جلس ينتظر عودة أدهم، وقد استحضر مشهد الفراق بينه وبين هبة.
ففي أحد الأيام...
كان سعيد قد اشترى سيارة أنيقة لهبة، وقرر أن يصنع لها مفاجأة.
فاستقل تلك السيارة، ثم ذهب إلى كلية الطب حيث تدرس هبة، وتسلل حتى قاعة المحاضرات، منتظرًا خروج هبة عقب انتهاء المحاضرة.
وانتهت المحاضرة، وخرج معظم الطلاب، إلا أن هبة لم تخرج.
ملّ سعيد من طول الانتظار، فتسلل بحذر من الباب الخلفي للمدرج، ولمح هبة تجلس مع إحدى زميلاتها في المقدمة.
وكعادته... حاول أن يفزعها بحضوره، مستغلًا رشاقته في الحركة، وانهماك هبة مع زميلتها في حوار صاخب.
وما أن اقترب حتى أدرك أنه هو بطل ذلك الحوار.
فآثر أن يختبئ ليسمع ما تقوله عنه هبة.
حيث دار ذلك الحوار بين هبة وزميلتها.
مروة زميلة هبة: أنا نفسي أفهم إيه اللي عاجبك في البلطجي ده يا هبة.
ردت هبة بحزن واضح: مين بس قالك إنه عاجبني. بس هعمل إيه. نصيبي كده يا مروة.
ردت مروة: ومين قالك إن ده نصيبك. لسه كام شهر وهتبقي دكتورة. وألف مين يتمناكِ.
ردت هبة بصوت كله حسرة: دكتورة بس أختها رقاصة. يعني مستحيل أي حد محترم يبصلي.
ردت مروة: والله ما عارفة أقولك إيه. انتي حرة في نفسك. أهو على الأقل غني وهيخرجك من الفقر والضنك اللي انتي عايشة فيه.
ردت هبة: وإيه فايدة الفلوس. وأنا عايشة مع واحد جاهل وبلطجي. وبتاع ستات. ووحش. و....
لم يستطع سعيد أن يستكمل هذا الحوار حتى نهايته.
فأنسحب بهدوء شديد، وهو يتمنى من أعماق قلبه لو أنه كان قد مات، قبل سماع تلك الكلمات من فم هبة.
ومضى يومان على ذلك المشهد.
كانت هبة قد اتصلت خلالهما بسعيد أكثر من مائة مرة.
وفي صباح اليوم الثالث...
استيقظت هبة واتصلت بسعيد كالعادة، وأخيرًا انفتحت المكالمة.
إلا أن سعيد لم يكن هو من رد عليها، بل كانت أختها سحر.
حيث دار بينهما ذلك الحوار.
هبة: أخيرًا رديت يا سعيد. انت فين. طمني عنك. وليه بقالك يومين قافل تليفونك.
سحر: ازيك يا هبة. أخيرًا سمعت صوتك يا بت.
انتفضت هبة من مكانها، وتفحصت هاتفها، وقد ظنت أنها قد اتصلت بأختها عن طريق الخطأ.
إلا أنها تأكدت أن الاتصال كان برقم سعيد.
فصاحت بفزع: سحر! هو أنا اتصلت بيكي انتي. تليفوني باينه بيخرف.
ردت سحر بضحكة رقيقة: لا يا روحي. تليفونك لسه بعقله. انتي متصلة بسعيد.
قاطعتها هبة بنبرة غاضبة: وانتِ إيه اللي وداكي عند سعيد! وبتردي على تليفونه ليه؟
ردت سحر بفظاظة: وانتي مال أمك أروحله ولا ما أروحلوش. هو انتي هتشاركيني؟ أنا أعمل اللي في مزاجي.
بدأت دموع هبة تنسال على وجنتيها وهي تقول: منك لله يا شيخة. حسبي الله ونعم الوكيل فيكي. حتى الحاجة الحلوة الوحيدة اللي في حياتي. عاوزة تاخديها مني. ما انتي عندك ميت ألف راجل غيره.
ردت سحر بهدوء: لمي نفسك يا بت. أنا ما روحتش لحد. سعيد هو اللي جالي البيت. وبات عندي من امبارح. ولسه متلقح نايم لحد دلوقتي. عشان كده رديت عليكي.
أغلقت هبة الخط، وأغلقت معه تلك الصفحة من حياتها.
وعلى الفور تركت ذلك المنزل، الذي كان سعيد قد استأجره لها.
وبدأت تبحث عن عمل، لتدبر لنفسها المال اللازم لتعيش منه.
فقد كان سعيد خلال فترة علاقتهما، هو من يتكفل بها.
بعد أن وعدته بأنها سوف تتبرأ من أختها، ومن مالها الحرام.
كما وعدها سعيد، بأن أي مال سوف يمنحه لها، فهو من مصدر حلال، بعيدًا عن أي مال يكون مصدره من حرام.
إلا أن كل ذلك قد أصبح مجرد ذكريات.
فمع زوال شمس ذلك اليوم، كانت قصة هبة وسعيد قد انتهت.
***
عاد أمجد حاملًا حقائبه إلى المستشفى.
ودخل على صديقيه سعيد وأدهم.
وقد كان أدهم قد عاد بشتى ألوان الطعام، الذي بدأ سعيد في افتراسه بشراهة.
ابتسم أمجد وقال بفرحة عارمة: اللي يشوفك وانت بتاكل يا سعيد. ما شاء الله. بقرة بتاكل.
رد سعيد مهللاً: لم نفسك بدل ما أقوم أفقأك نصين يا عم العريس.
دخل أدهم في الحوار وقال مبتسمًا: ألف مبروك يا أمجد. ربنا يتمم لك على كل خير.
رد أمجد بكل حماس: عقبالك انت وريم. تحصلونا بسرعة.
وفجأة تمعن أمجد، داخل عقل أدهم، وغاص بعمق بداخله، ثم انفجر ضاحكًا: انت أهبل يا ابني! إيه الفكرة السودة اللي جوا دماغك دي.
فهم أدهم أن أمجد قد اخترق عقله وعرف ما يدور بداخله، فقال بصوت هادئ: واضح إن انت اللي اتعكّت على كبر. ودّيتنا كلنا في داهية. وبدأت تعك في الكلام.
ومجددًا اخترق أمجد عقل أدهم، ليكتشف أنه يلمح لوجود سعيد في الغرفة، وأن كلام أمجد سيجعل سعيد يكتشف سر أمجد، وبأنه قارئ للأفكار.
فرد أمجد مطمئنًا أدهم بصوت هامس: ما تخافش أوي كده. سعيد وهو بياكل. بيبقى مش مركز غير في الأكل.
ثم خرج الاثنان من الغرفة، ليتواجها على انفراد، تاركين سعيد ينسف ما تبقى من الطعام.
***
وجلسا في مكتب أمجد، حيث دار بينهما الحوار التالي.
أدهم بصوت مرتبك: أمجد. الموضوع ده مفيش فيه هزار. ولا ينفع تحط له خطة من خططك. جاوبني بكل صدق. انت دخلت دماغي. وعرفّت إن لو ريم قرأت الآية رقم ٨٧ من سورة الأنبياء. فده معناه إن ربنا استجاب لدعائي. وإني ينفع أتزوجها. صح؟
رد أمجد بصوت هادئ: أقسم لك بالله يا أمجد. إني عرفت ده حالا. وأنا معاك في أوضة سعيد. وكل اللي قدرت أشوفه جواك. هو خوفك من إني أكون عارف تفاصيل عن حلم أنت حلمته. له علاقة بفك عقدتك مع ريم.
رد أدهم وقد تهللت أساريره: يعني انت ما تعرفش أي حاجة عن الحلم ده؟ ولا تعرف إن ريم هنا؟
رد أمجد بابتسامة واسعة: أنا عارف إن ريم هنا طبعًا. بس عادي يعني. فاهم إنها جايه تتبارك بالأوضة اللي اتقابلتوا فيها. حاجة كده من جو التلزّيق بتاعكوا ده.
رد أدهم بسخرية: جو التلزّيق بتاعنا! طب وبالنسبة لمشهد روميو وجولييت اللي حضرتك عملته. انت والآنسة زيتا. فالفسحة اللي تحت ده تسميه إيه؟
رد أمجد بحماس: فكرتني بقا. هو انت إزاي دخلت جوا عقل زيتا؟ وليه قلتلها تضربني بالقلم؟
انفجر أدهم ضاحكًا وقال: أقسم بالله ما حصل. القلم ده تجويد من عندها. وبعدين أنا ما دخلتش دماغها. افهم الموضوع صح.
***
وبدأ أدهم يشرح لأمجد حقيقة ما حدث.
قبل بضع ساعات من عملية إنقاذ زيتا من الخطف.
وأثناء نوم أدهم في منزل أمجد، دخل في حلم مستقبلي، والتقى بزيتا فيه.
حيث كانت زيتا قد انهارت من التعب، ونامت في نفس الوقت.
فكان ذلك الحلم مشتركًا، ما بين أدهم وزيتا.
وفي ذلك الحلم، دخل أدهم إلى المستودع.
ورأى مجموعة من الخاطفين يخرجون مستقلين إحدى السيارات.
وظل يتجول داخل المستودع، حتى علم مكان زيتا.
فعرفها بنفسه وأنه صديق أمجد، وطمأنها بأنهم في طريقهم لتحريرها من أسرها.
كما أخبرها بأنها سوف تتزوج بأمجد.
ولكن كي يحدث ذلك، فيجب عليها أن تعامله ندًا بند، وتتوقف عن النظر له كسيد لها، وكخادمة له.
وانتهى الحلم.
***
وما أن شرح أدهم لصديقه حقيقة الأمر.
حتى صاح أمجد بحماس: عشان كده قلتلي استنى. لما كنت رايح أدخل المستودع. وكنت عارف مخبيين زيتا فين. وعشان كده هي خدتك بالحضن أول ما شافتِك!
وسكت أمجد لحظات، ثم قال وهو ينفجر بالضحك: وبنت الجذمة دي. فهمت الند بالند. إنها تديني بالقلم. صبرك عليا يا زيتا. أنا هانفخك.
ربّت أدهم على كتف صديقه وقال وهو يبتسم: انت بتقدر تشوف جوا عقل زيتا. بس أنا شفت اللي جوا قلبها. وبكل صدق يا أمجد. انت لو لفيت الدنيا كلها. مش هتلاقي واحدة تحبك كل الحب ده.
رد أمجد بابتسامة واسعة: ماشي يا عم الرومانسي الحالم. طب وبالنسبة للآنسة ريم. اللي قاعدة جوا دي. هتسيبها لحد ما تختم المصحف!
رد أدهم بارتباك: والله يا أمجد ما عارف أعمل إيه. بس كان نفسي أطلب إيدها في مكان شاعري كده. مش في أوضة رعاية جوا مستشفى!
رد أمجد وقد لمعت عيناه بتلك النظرة المعتادة، حين يدبر خطة من خططه.
وقال لأدهم بصوت حاسم: يبقى سيب الموضوع ده عليا أنا. وأنا هظبطك أحلى ظبطة. بس يلا نجيب البغل التالت. ونروح نبات في شقته الليلة.
وبالفعل اجتمع أبطالنا الثلاثة، وذهبوا للمبيت في منزل سعيد.
***
وبعد أيام معدودات...
كانت الليلة الأسطورية.
ليلة زفاف أمجد وزيتا.
والتي أقيمت على متن سفينة عملاقة مجهزة للاحتفالات، كانت قد حضرت خصيصًا من فرنسا بناءً على طلب دكتور/ أمجد.
وظهر العروسان وهما في قمة الروعة والتألق، يحيط بهما العديد من الشخصيات البارزة والمشاهير.
بينما انزوى أدهم في أعلى سطح السفينة، وقد رافقه سعيد حتى لا يكون وحيدًا.
فأدهم لا يزال مطلوبًا أمنيًا، ولن يجازف بالظهور علنًا أمام الجميع.
ومن بين المدعوين، كان ناصر بيه الحديدي وابنته ريم.
التي سارعت بتهنئة أمجد وزيتا.
وقد طلب أمجد منها أن تمسك بيد العروس أثناء صعودهما لتناول العشاء بمفردهما على سطح السفينة.
كما نادى أمجد على هبة، لتمسك ذيل فستان زيتا.
وهكذا نجحت خطة أمجد.
فهو وعروسه وبصحبتهم، كلا من ريم وهبة.
سوف يصعدان إلى سطح السفينة، حيث يجلس أدهم وسعيد في إحدى الزوايا من ذلك السطح.
وما أن صعد العروسان، حتى استأذنت ريم وهبة للمغادرة، تاركين المجال للعروسان لتناول عشائهم على انفراد.
إلا أن أمجد استوقفهما، وأغلق بوابة السطح بإحكام.
تبادل الفتاتان نظرات الدهشة من تصرف أمجد.
إلا أن تلك الدهشة قد تبددت بعد أن شاهدا سعيد وأدهم يتقدمان نحوهما.
وما أن لمحت ريم ظل أدهم، حتى هرولت مسرعة واحتضنته وهي تقول بكل سعادة: أنا قلبي كان حاسس إني هاشوفك يا حبيبي. وحشتني. وحشتني أوي.
ويرد أدهم بكل اشتياق: خلاص يا ريم. العقدة اتفكت. ربنا استجاب لدعواتي ليل ونهار. أخيرًا هنكون لبعض ومش هنفترق تاني أبدًا. بإذن الله.
ردت ريم وهي تبكي: أحمدك يا رب. أنا مش هاطلب منك أي حاجة تاني يارب. كفاية عليا أدهم.
رد أدهم بصوت دافئ: تتجوزيني يا ريم.
وبلهفة شديدة، ردت ريم: انت أصلًا جوزي غصب عني. كنت حبيبي وجوزي من أول يوم شفتك فيه.
تدخل أمجد قائلًا: ألف ألف مبروك يا جماعة. المأذون تحت. أبعت أطلعه.
رد الاثنان في صوت واحد: أييييووووه. هنتجوز دلوقتي.
ضحك أمجد وزيتا بصوت عالي، ثم عقب أمجد: طب نحل مشكلة البغلين اللي معانا الأول. ونجيب المأذون مرة واحدة.
انتبه أدهم وريم، لوجود سعيد وهبة.
فهرعت ريم تصافح سعيد: أهلاً أستاذ سعيد. عامل إيه.
رد سعيد: ازيك يا ريم هانم. وألف مبروك. انتي خدتي الزغلولة بتاعتنا.
لم تستوعب ريم ما يقصده سعيد، فتدخل أمجد وقال: سعيد يقصد إنك هاتتجوزي النجم اللي فينا. الزغلولة أدهم.
ردت ريم: واضح إنكم أصحاب كلكوا. وأنا ما أعرف.
ثم استطردت مخاطبة أدهم: الأستاذ سعيد هو اللي نفذ عملية حادثة العربية.
رد أدهم: عارف يا ريم. واحنا عاوزين نصالحه على هبة.
في تلك الأثناء، كانت هبة ما زالت تحاول فتح الباب لتنزل، وقد غمرتها الدموع مجددًا.
فما كان من أمجد إلا أن صاح بصوت حاد: هبة! تعالي هنا بسرعة.
فتدخل سعيد وقد كشر عن أنيابه وقال مخاطبًا أمجد: لو زعقت لها كده تاني. بشرف أبويا. لأخليك تقضي دخلتك الليلة وكبيرك تلعب طاولة مع زيتا.
تدخلت زيتا: يعني إيه نلعب طاولة!
رد أمجد وهو يضحك: قصده حاجة قليلة الأدب. ما تركزيش يا زيتا في الكلام اللي بيطلع من بوق سعيد.
كانت هبة قد اقتربت بخطوات متثاقلة وقالت: نعم يا دكتور أمجد. ومبروك يا أستاذة ريم. ويا أستاذ أدهم.
أمسك أمجد يد هبة، وقبض على كتف سعيد باليد الأخرى.
وانزوى بهما إلى أحد الأركان وقال بصوت هادئ: انتوا بتثقوا فيا ولا لأ؟
رد الاثنان في صوت واحد: طبعًا لأ.
رد أمجد: طب عظيم جدًا. أنا بحيي روح الفكاهة اللي عندكوا دي. فعلاً فولة واتقسمت نصين. اسمعوني بقا عشان اللي هاقوله ده كلام جد. أنا عملت تحرياتي واتأكدت. إنكم أغبى حمارين أنا عرفتهم في حياتي. لأنه ببساطة... هبة كانت بتكذب لما قالت كلام زي الزفت عنك لصاحبتها مروة. واتأكدت كمان إن سعيد ما راحش عند سحر ولا حتى شافها. هو بس بعت واحد من رجّالته. وهدد سحر إنها تعمل المقلب ده فيكي. وإنها لو ما نفذتش كلام سعيد. هيكسر عضمها.
قال أمجد ذلك وترك الحماران يتعاتبان، وقد دار بينهما الحوار التالي.
هبة: انت سبتني يا سعيد. عشان سمعت كلامي مع البت مروة! يا حيوان دي أكتر واحدة حسودة وحقودة في الكلية. عاوزني أقولها إيه. يا حيوان يا بغل. خليها تحسدنا.
رد سعيد ضاحكًا: لا يا بقرة. ما هو باين. رشقتنا عين أهو. جابتنا الأرض. وبقولك إيه يا بت. أنا ماليش في اللت والعجن. تتجوزيني؟
ردت هبة بابتسامة واسعة: اللهي تتوكس يا بعيد. انت لسه بتسألني! بحبك يا جذمة.
رد سعيد بابتسامته المعهودة: بحبك يا فرده الشبشب.
وأخيرًا...
عم الفرح أجواء الباخرة.
فقد صعد المأذون ليعقد قران الجميع.
وتزوج أبطالنا الثلاثة.
أمجد وزيتا.
ثم أدهم وريم.
ختامًا.
سعيد وهبة.
ثم أغلق دفتره.
مغلقًا معه أحداث الجزء الثاني من قصتنا.