تحميل رواية «الجدران الناطقة» PDF
بقلم مريم عثمان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في هذا العالم الذي نعيشه كثيرًا ما نجد أشخاصًا غريبي الأطوار، شخصيات مبهمة، وحقائق مدفونة في الظلال، ولكن الجميع يتفق على أن تصرفات المرء تكشف حقيقته، غير أنني أختلف، فالحقيقة أحيانًا تختبئ خلف الأبواب، تهرب من الواقع، أو تتشظى إلى نصفين واقع مرئي وواقع خفي يبتلع السرائر. طفولتي لم تُسرق في زحام الطرقات، بل تلاشت وسط دهاليز الحقيقة، اختفت كما يختفي السراب في وهج الشمس خلف أسوار ذلك المنزل العتيق، الذي يشبه قصرًا أثريًا، كانت الطفولة تُذبح بصمت، لم يكن منزلًا بل كان سجناً، وسكانه سجانين يحيكون ال...
رواية الجدران الناطقة الفصل الأول 1 - بقلم مريم عثمان
في هذا العالم الذي نعيشه كثيرًا ما نجد أشخاصًا غريبي الأطوار، شخصيات مبهمة، وحقائق مدفونة في الظلال، ولكن الجميع يتفق على أن تصرفات المرء تكشف حقيقته، غير أنني أختلف، فالحقيقة أحيانًا تختبئ خلف الأبواب، تهرب من الواقع، أو تتشظى إلى نصفين واقع مرئي وواقع خفي يبتلع السرائر.
طفولتي لم تُسرق في زحام الطرقات، بل تلاشت وسط دهاليز الحقيقة، اختفت كما يختفي السراب في وهج الشمس خلف أسوار ذلك المنزل العتيق، الذي يشبه قصرًا أثريًا، كانت الطفولة تُذبح بصمت، لم يكن منزلًا بل كان سجناً، وسكانه سجانين يحيكون العذاب بخيوط الزمن.
الصمت فيه مرعب، والجدران تتنفس أسرارًا دفينة، أما ذلك الباب العتيق ذو اللونين الأحمر والأصفر، فهو أعتى من سجن أبدي، تزينه ظلال سحيقة من الألم، تبتلع كل أمل بالخلاص.
عندما يحل المساء، تُستقبل الطفولة في المنازل بالدفء، أما طفلتنا ذات الستة أعوام، فقد استقبلتها سياط حديدية وكفوف قاسية كالصخور.
كان جرمها فادحًا، لقد قطعت زهرة من فازة الكونتيسة المبجلة، صاحبة القصر الإسطوري.
في هذا المكان، الغضب يثور لأتفه الأسباب، والمعاناة تُغزل من صغائر الأمور.
لم تهرب الفتاة، لكن طفولتها فرت بلا عودة، وتوارى ضوؤها خلف ذلك الباب المشؤوم.
لا تثقوا بجمال الأبواب، فقد تخفي خلفها أفظع الكوابيس.
هل يمكننا كسر حاجز الخوف ورؤية ما يختبئ وراءها؟ هل طفلتنا لا تزال هناك، أم تلاشت للأبد؟
في حيّ شعبي بمدينة صغيرة، تلوح لنا تلك البوابة مرة أخرى، يرافقها صراخ مفزع فتاة تهرع خارج المنزل، يطاردها رجل يحمل سكينًا حادًا، يصرخ بجنون يهتف: "سأقطع يدك حتى لا تسرقي مجددًا!"
أي جرم ارتكبته؟ ما الذي يمكن أن يكون قد سرقته لتُواجه بهذا الرعب؟ هل نحن في زمن آخر؟ هل ما زلنا نعيش في هذا العصر؟
فجأة، الصورة تتغير.
ها نحن في مدرسة ابتدائية.
الطفلة بين زميلاتها، لكنها غريبة وسطهم.
لا تشتري الحلوى، لكنها تتشارك بقايا ما يمنحها لها الآخرون.
إلى أين تذهب الآن؟ لماذا تبدو كمن يهرب حتى بين الممرات؟
كل شيء ينقلب في لحظة.
آنا، الشابة الجامعية، تستيقظ على كابوس.
لا ليس مجرد كابوس، بل ذكرى تحاول التملص من عقلها.
تنهض مترنحة، تحاول اللحاق بمحاضراتها، لكن ذهنها مثقل.
والدتها قلقة، ترى ابنتها تنهار شيئًا فشيئًا، لكن آنا تكتفي بجملة باهتة: "لا تقلقي يا أمي، سأكون بخير."
لكنها ليست كذلك.
وفي مكان آخر.
تلك الطفلة ذاتها، في مدرسة أخرى، تقدم برنامج الصباح أمام زملائها بثقة، كأنها لم تُكسر يومًا.
لكنها بعد لحظات تتجه لمكتب المدرسة، لماذا؟
في محاضرتها، صرخت آنا فجأة، بلا مقدمات: "لماذا أيتها الحقيرة؟"
صمت مطبق، أنظار الجميع تتجه نحوها.
الدكتور يصرخ: "هل تتحدثين معي؟ اخرجي فورًا، وانتظريني في مكتب العميد."
آنا بعيونها الشاردة تتمتم بأسف: "لم أقصد، لم أكن معكم أصلًا."
خرجت تسحب خيبتها معها، تقودها قدماها إلى المكان الذي تهرب إليه دائمًا.
إلى منزل الطفلة التائهة.
هناك، رأتها تجلس أمام الباب المهترئ، تحمل قطعة خبز يابسة، تحاول إخفاءها.
حين اقترب الرجل المخيف منها: "هل رأيتِ وشاحي؟" سألها بصوت كالجحيم.
"لا، لم أره"، تمتمت الفتاة بخوف، لكن يدها الصغيرة قبضت على الخبز بقوة.
الرجل ضيق عينيه، شعر أن هناك شيئًا تخفيه.
مد يده بقسوة، سحب الخبز من يدها، فبدت الحقيقة أمامه كجريمة عظمى.
"أيتها الخبيثة سرقتِ الخبز؟ تعالي هنا لن أرحمك هذه المرة."
حمل فأسًا ضخمة، واندفع نحوها ليقطع يده.
ركضت الطفلة هاربة، وآنا من خلفها، تريد إنقاذها.
لكن أين ذهبت؟ كيف اختفت بهذه السرعة؟
ما قصة هذه الطفلة؟ ومن يكون هذا الرجل؟ وما علاقتها بآنا؟ هل هي مجرد ذكرى أم حقيقة تعود للانتقام؟
الظلام بات يلتهم كل زاوية، وأصوات غامضة تتردد بين الجدران، كأنها همسات آتية من العدم.
في الأرجاء، تتحرك ظلال غامضة بلا مصدر واضح، وتتصاعد أنفاس مرتجفة في الهواء البارد.
صوت خطوات ثقيلة، متقطعة، يقترب ببطء، وكأنه شيء ما يزحف من قاع العدم.
انعكاسات مشوهة تظهر على زجاج النوافذ، وجوه خفية تنظر بعيون خاوية، قبل أن تختفي كما لو لم تكن موجودة.
الرياح تعصف بالأبواب، لكن لا أحد بالخارج، فقط العدم يحدق من الفراغ.
وما إن تحاول آنا التقاط أنفاسها، حتى تشعر بأنفاس ساخنة تلامس رقبتها، لكنها عندما تستدير… لا شيء.
فقط الظلام يحدق بها، يبتلعها أكثر في دوامة من الرعب واللا معقول.
رواية الجدران الناطقة الفصل الثاني 2 - بقلم مريم عثمان
في ظلام دامس، خانق كالكابوس، لا يمكن رؤية شيء حتى لو رفعت يدك أمام عينيك.
ظنت آنا لوهلة أنها مغمضة العينين، لكنها سرعان ما أدركت أن عينيها مفتوحتان على اتساعهما. إذن، ما هذا الظلام الحالك؟ وأين هي؟
تسارعت أنفاسها، وأخذت تدور حول نفسها محاولة أن تجد مخرجًا، لكن الصوت الذي ملأ الأرجاء شلّ حركتها تمامًا.
"هاعهاعهااااع!" صوت ضحكة مفزعة، لا تشبه ضحكات البشر، تتردد أصداؤها من كل اتجاه. تبعتها أصوات صراخ متألم، ليست مجرد صرخات، بل أنين معذبين يُنتزع الألم من أحبالهم الصوتية انتزاعًا، وكأنها في دوامة جحيمية لا مخرج منها.
بدأ جسدها ينتفض، شعرت ببرودة غريبة تزحف تحت جلدها.
ثم ظهر من العدم. لم يكن كائنًا بشريًا، ولا حتى وحشًا مألوفًا. كان شيئًا، كيانًا غريبًا، بملامح مشوهة لا يمكن وصفها، كأن وجهه قد صيغ من الظلام ذاته، يتلوى، يتمدد، يتقلص. بلا أعين، بأذن واحدة ضخمة تملأ نصف رأسه، وبأنفين كالمناجل تمتد منهما فتحات سوداء كالعتمة التي تغرق المكان. أما فمه فلم يكن له.
تشنجت أطراف آنا عندما اندفع الكائن نحوها. جسده المخيف كان يقترب ويتراجع بسرعة خاطفة، وكأنه يسخر منها، يختبر مدى صمودها. ثم بدأ يدور حولها، ضحكاته تتعالى، صاخبة، هستيرية، تحاول تمزيق ثباتها.
كانت تريد أن تصرخ، لكن شيئًا أثقل صدرها، كأن يدًا خفية تعتصر رئتيها، تغرس مخالبها في لحمها، تخنقها بلا رحمة.
بدأت تتراجع، قدماها تتحركان فوق شيء لزج. أصوات كائنات تزحف تحتها، ملمسها أشبه بالأفاعي لكن أكثر لزوجة وأكثر قرفًا. التصقت تلك الكائنات بساقيها، تحركت فوق بطنها، أشواكها الدقيقة تغرس نفسها في جسدها. حاولت إزاحتها، لكنها لم تستطع، كأنها أصبحت جزءًا منها، كأنها تتماهى مع جسدها.
ارتعدت، اهتزت، شعرت بشيء ينهمر من فمها. لم يكن سوى دمها. كانت تنزف بغزارة، عيناها تشوشتا، وتحولت نظرتها إلى لون قرمزي حاد أشبه بعيون القطط في الظلام.
ثم سطع ضوء نقطة من الأمل وسط العتمة. ضوء يشق الأفق من خلف ذلك الكيان المرعب، فتوسعت عينا آنا فرحًا. أخيرًا النجاة؟
لكن لا، لم يكن ضوء الخلاص. بل كان سيفًا. سيفًا متوهجًا من حمم متقدة، اندفع نحوها كنيزك ساقط، يستهدفها مباشرة.
صرخت، وضمت يديها إلى عنقها كأنها تحاول حمايته من الموت القادم. لكن قبل أن تصلها الضربة، أحست بشيء يشد يدها بقوة.
طفلة. تلك الطفلة ذات العيون الذئبية التي رأتها سابقًا.
بثبات غريب لا يناسب عمرها، قالت بصوت صارم: "إنها معي."
كان صوتها حازمًا، مرعبًا أكثر مما يجب. كانت تنظر نحو السيف بشراسة لا تصدق، وكأنها تستطيع التحكم به بإرادتها.
"قلت إنها معي."
في لحظة توقف السيف، وكأنه تجمد في الهواء.
لكن من تكون هذه الطفلة؟ ولماذا أنقذتها؟ أم أن إنقاذها مجرد وهم آخر في هذا الجحيم؟
في اللحظة التي توقف فيها السيف أمام عيني آنا، شعرت بأنفاسها تُسحب قسرًا، وكأن الهواء نفسه تخلّى عنها. الطفلة الهاربة كانت لا تزال تمسك بيدها، لكن قبضتها الصغيرة لم تكن بريئة… كانت باردة، قاسية، أشبه بمخالب خفيّة تُحيط بمعصمها.
رفعت آنا رأسها ببطء، محاولة استيعاب ما يحدث، لكن الصدمة كانت أكبر من أن يتحملها عقلها المنهك.
الطفلة الهاربة: "قلت لك… إنها معي."
صوتها لم يكن مجرد كلمات، بل كان كأنها تتحدث عبر صدى عتيق، صوتٌ ينتمي لعالمٍ آخر، يتردد في الأفق كصوت الرياح الهامسة بين أطلال مدينة مهجورة.
نظرت آنا إلى عينيها، فوجدتهما تتوهّجان ببريق فضيّ غريب، لم يكن يشبه عيون البشر، بل كان كأنهما نافذتان إلى شيء أعمق… أظلم.
فجأة، بدأ المكان يهتزّ، الأرض تتصدّع تحت قدميها، وصرخات الألم عادت تتردد في الأرجاء، لكنها هذه المرة لم تكن مجرد صرخات… كانت أصوات نداءات، وكأن الأرواح المعلقة في هذا الفراغ الموحش تستغيث، تتوسّل، تحاول التحرر من شيء أفظع من الموت ذاته.
آنا (بهمس مرتجف): "ماذا… ماذا يحدث؟"
لكن الطفلة لم تُجب. فقط رفعت يدها للأعلى، وشيء ما بدأ يظهر خلفها… بوابة من العدم، سوداء كالفجوة، تدور حولها دوامة من الرماد واللهب الأزرق. لم يكن مجرد مخرج… بل كان بابًا يؤدي إلى شيءٍ لم يسبق أن لمسته البشرية.
أرادت آنا أن تسأل، أن ترفض، أن تهرب، لكن جسدها لم يطاوعها. الطفلة كانت لا تزال تمسك بها، سحبَتها بقوة نحو البوابة… وعندما عبرتا العتمة، شعرت وكأن الزمن نفسه قد تمزّق من حولها.
الضوء الوحيد الذي رأته كان من انعكاس عيونٍ كثيرة… آلاف العيون تحدّق فيها من الظلام، تنتظر… تترقّب… تبتسم بوجوه لا ملامح لها.
ثم… همسٌ، أقرب إلى نبوءة: "مرحبًا بعودتك… كنا ننتظرك منذ زمن طويل."
ترى… أين وصلت آنا؟ وما الذي ينتظرها خلف هذه البوابة؟ وهل الطفلة الهاربة حقًا تريد إنقاذها… أم أنها كانت فقط تقودها إلى مصير أكثر ظلمة؟
إذ لم يكن هناك مجال للهرب، ولا حتى للنجاة. عندما تخطّت آنا عتبة البوابة، شعرت وكأن الزمن تمزّق حولها، وكأنها تُسحب إلى بعدٍ آخر، بعدٌ لا يخضع لقوانين الحياة أو الموت.
الهواء كان ثقيلاً، سامًّا، وكأنها تتنفس رماد الجثث المحترقة. كانت العتمة من حولها نابضة… حيّة… لم تكن مجرد ظلام، بل كيانٌ يُراقب، يبتلع كل شيء في طريقه.
فجأة، دوت ضحكة شيطانية، قادمة من أعماق الفراغ. لم تكن مجرد صوت… بل كانت صدى متكررًا لآلاف الكائنات التي لم ترى النور قط.
آنا (بصوت مرتجف): "أين أنا؟ ماذا يحدث؟"
لكنها لم تتلقَّ جوابًا، بل أحاطت بها أيدٍ سوداء، خرجت من العدم، أصابع طويلة، عظمية، لكنها لم تكن بشرية… كانت تتحرك وكأنها تمتلك وعيًا خاصًا بها.
بدأت تلك الأيادي تتلمّس جسدها، تتسلل إلى عنقها، تتشبث بثيابها، تخترق جلدها. شعرت بوخزات كالإبر الحادة تزرع شيئًا داخلها، شيئًا يتحرك… يكبر… ينبض داخلها.
الطفلة الهاربة كانت تراقب بصمت، عيناها تلمعان ببريق بارد… مخيف.
ثم، ولأول مرة، تحدثت مجددًا: "لقد تأخرتِ كثيرًا… كان يجب أن تأتي منذ زمن…"
لم تفهم آنا شيئًا، لكن الألم في صدرها كان يزداد، وكأن شيئًا ما ينمو داخلها، يتمدد، يلتهمها من الداخل.
ثم… حدث ما لم يكن في الحسبان.
بدأ جلدها يتشقق… لم تكن جروحًا عادية، بل كانت خطوط سوداء تشق طريقها من الداخل، كأن هناك كيانًا آخر يحاول أن يخرج منها. كانت تشعر به يتحرك تحت جلدها، يضغط على ضلوعها، يحاول تمزيقها من الداخل.
وفجأة… همسٌ بارد يتردد في عقلها… "كنا بأنتظارك."
ثم دوّى صرخة شيطانية، وارتجفت الأرض، وبدأت الجدران العدمية تتكسر، كأن شيئًا أفظع من كل ما رأته حتى الآن على وشك أن يظهر… شيء لا يمكن حتى للكوابيس أن تصفه.
ترى… هل ستكون آنا قادرة على النجاة؟ أم أنها أصبحت الآن جزءًا من هذا المنزل الملعون؟
رواية الجدران الناطقة الفصل الثالث 3 - بقلم مريم عثمان
واصلت آنا طريقها إلى الداخل، لكنها لم تستطع منع نفسها من الشعور بعدم الارتياح. كان قلبها ينبض بسرعة، وأفكارها تتصارع في رأسها. تلك الطفلة… كانت هناك، كانت تراها. لم تكن مجرد أوهام… أليس كذلك؟
لكنها حاولت إقناع نفسها أن كل شيء مجرد كابوس، مجرد بقايا رعب من عقلها المرهق.
روز: يلا يا ست آنا، انسي الرعب اللي في دماغك وتعالي نذاكر… مع إنك شكلِك مش في مود المذاكرة أصلاً.
آنا (بابتسامة باهتة): هاه؟ لا لا، أنا معاكِ، يلا نبدأ.
جلست الفتاتان، وأخذتا تراجعان دروسهما، لكن عقل آنا ظل شارداً، حتى رنَّ هاتف روز فجأة. جعل آنا تنتفض في مكانها.
روز (ضاحكة): يا بنتي مالك؟ مرعوبة كده ليه؟ ده مجرد تليفون.
لكن آنا لم تضحك… كان هناك شيء يُشعرها بالخوف… شيء جعل الجو حولها ثقيلاً.
وفجأة… انطفأت الأنوار.
روز: إيه ده؟ الكهربا قُطعت؟
لكن قبل أن تتمكن آنا من الرد، دوَّى صوت طرقات قوية على الباب.
نظرت الفتاتان إلى بعضهما البعض، عيون روز اتسعت بدهشة، بينما كانت آنا تحاول التنفس بصعوبة.
آنا (بهمس مرتجف): مستحيل… الباب مقفول، مش ممكن يكون في حد واقف بره.
الطرقات استمرت… أقوى… وأقوى… حتى تحولت إلى ضربات وحشية، وكأن شيئًا ما يحاول تحطيم الباب.
نهضت روز، لكن آنا أمسكت يدها بسرعة.
آنا (بصوت مهتز): لااا… لا تفتحي الباب.
لكن روز لم تكن تؤمن بالخرافات. تقدمت ببطء، يدها امتدت نحو المقبض، ثم استدارت بضحكة.
روز: آنا، بلاش دراما، أكيد حد بيهرج…
فتحت الباب.
كان الشارع مظلمًا… فارغًا تمامًا.
لكن… لا، ليس فارغًا.
هناك… على عتبة الباب، وقفت الطفلة.
لكنها لم تكن مجرد طفلة هذه المرة.
كانت عيناها متوهجتين بوميض جهنمي، والظل حولها كان يتحرك… كأنه على قيد الحياة.
ثم، بابتسامة بطيئة، انفتحت شفتاها، ليظهر شيء جعل قلب آنا يسقط في قدميها…
أنياب… طويلة… حادة… ليست أنياب بشرية.
الطفلة (بصوت هامس، لكنه مرعب): ألم أخبركِ أنني سأعود، آنا؟
ثم، انطفأت الأنوار تمامًا.
وصدى الضحكة المخيفة ملأ المكان.
في اللحظة التي أظلم فيها كل شيء، شعرت آنا ببرودة غريبة تلف جسدها، وكأن روحها تُسحب ببطء من داخلها. لم تستطع الصراخ… لم تستطع حتى التحرك. كان الهواء نفسه ثقيلاً، وكأن شيئًا غير مرئي يضغط عليه.
روز (بهمس مرتجف): آنا… الباب… اقفليه.
لكن آنا لم تستطع… لم تستطع حتى أن تمد يدها إليه. كانت نظراتها مثبتة على الطفلة التي ما زالت واقفة هناك، بلا حركة، بلا رمشة واحدة. لكن عينيها… عينيها كانتا تتسعان… تتمددان… حتى امتلأ بهما وجهها بالكام.
وفجأة… ابتسمت الطفلة.
ثم… بدأ جسدها ينكمش… ينكمش… حتى تحوَّل إلى ظل زاحف، ينساب ببطء داخل المنزل.
روز (تصرخ وهي تجر آنا للداخل): اقفلي الباب يا مجنونة.
لكن الأوان قد فات.
كانت الطفلة قد دخلت.
في اللحظة التالية، انغلق الباب من تلقاء نفسه بقوة مزلزلة. ارتجت الجدران، وسقطت بعض الكتب عن الرفوف، بينما تجمدت الفتاتان في مكانهما.
روز (بصوت مختنق): إيه اللي بيحصل…؟
لكن آنا لم ترد… كانت تسمع شيئًا آخر.
صوت خطوات… خطوات طفولية… لكنها ثقيلة… قادمة من الظلام.
ثم… صوت آخر.
آناااااا… أنا هنااااا.
لم يكن صوت طفلة… لم يكن بشريًا أصلاً. كان صوتًا عميقًا، متشققًا، وكأنه صادر من حنجرة محترقة.
روز أمسكت بيد آنا بقوة، لكن يدها كانت باردة، متجمدة، كأنها فقدت كل قطرة دم فيها.
ثم… بدأ شيء يتحرك في الظلام.
ظلال تتراقص، تتكاثف، تلتف حول الجدران مثل كائنات حية، تزحف، تتمدد، وتقترب…
ثم… ظهر وجهه.
ليس وجه الطفلة… بل شيء آخر.
وجه متآكل… متعفن… عيون سوداء كحفرة لا قاع لها… وأنفاس كريهة تفوح منها رائحة موت قديم.
وفي لحظة، انطلقت يد سوداء مشوهة من الظلام… وأمسكت بمعصم آنا.
أنـــاااااااااااا… وقتك قد حان.
ثم… انطفأ كل شيء.
وبدا وكأن صوت من العدم يروي قصة، ولكن لا وجود لاحد، فقط الصوت يتحرك في جميع الأرجاء.
في زمن بعيد، كان هناك بيت قديم يقبع في طرف المدينة، منعزلًا في زاوية مظلمة، تحيط به الأشجار الكثيفة كأنها تحاول إخفاءه عن العالم. في وضح النهار، بدا البيت شاحبًا، كأن الحياة هجرته منذ زمن، لكنه لم يكن ميتًا تمامًا، بل كان يترقب شيئًا… يترقب حلول الظلام.
رواية الجدران الناطقة الفصل الرابع 4 - بقلم مريم عثمان
عند الغروب في المنزل المجاور، كان كل شيء يتغير.
الجدران التي بدت باهتة خلال النهار تتحول إلى لون أشبه بالدم المتجمد، وكأنها تتنفس، تتقلص وتتمدد تحت جنح الليل.
النوافذ العتيقة، رغم أنها محطمة في أغلبها، كانت تعكس صورًا لا تنتمي لهذا العالم.
وداخلها، كانت الكلمات تظهر… رسائل مبهمة، منحوتة في الظلام، كأنها تستجدي أحدًا لقراءتها، لتحذيره… أو ربما لجذبه نحو المصير ذاته الذي ابتلع كل من سبقنا.
آنا، كاتبة صحفية، أعيش مع والدتي ماريانا منذ أن فقدنا والدي في حادث سير مروع قبل ثلاثة أشهر.
انتقلنا إلى هذه المدينة بعد أن أُجبرنا على إخلاء منزلنا السابق، وانتقلتُ للعمل في فرع الصحيفة الجديد.
لكن منذ لحظة وصولنا، بدأت أمور غريبة تحدث معي، أشياء لا تفسير لها، أصوات تأتي من العدم، ظلال تتحرك في أطراف عيني، ولم أجد من يصدقني.
لكنني أعرف… أعرف أن هناك من يحاول التواصل معي.
كل شيء بدأ في الليلة الأولى عندما رأيت الطيف لأول مرة.
كانت فتاة… أو هكذا بدت.
جسدها ضبابي، ملامحها غير ثابتة، لكنها كانت تنظر إليّ مباشرة، نظراتها باردة، ثاقبة، كأنها تعرفني… كأنها كانت تنتظرني.
لم أكن أعرف لماذا اختارتني أنا، لماذا لا يراها أحد سواي، لكنني شعرت بأنها كانت تستنجد بي.
منذ تلك اللحظة، بدأ فضولي يقودني نحو اللغز.
ذلك البيت… ومنزلنا… هناك رابط بينهما، شيء خفي، مظلم، لا يريد أن يُكشف.
بدأت بالبحث عن تاريخ المنزل، عن سكانه السابقين، وعلمت أن العائلة التي عاشت فيه اختفت ذات ليلة دون أي أثر.
لا جثث، لا دلائل، فقط اختفاء كأنهم لم يكونوا موجودين أبدًا.
أما منزلنا، فقد كان يومًا ما جزءًا من نفس الأرض، قطعة منه تم اقتطاعها وبُنيت عليها بيوت جديدة، لكن الظلام الذي كان هناك لم يختفِ… بل ظل ينتظر.
كنت أراقب البيت من نافذتي كل ليلة، أرى ما يشبه الأطفال يلعبون هناك، حركاتهم بطيئة، غريبة، كأنهم مجرد ظلال تحاول تقليد البشر.
لم تكن ألعابهم طبيعية، لم تكن حتى ألعابًا، بل أدوات ذات شكل مخيف، مسننة، كأنها صُنعت للقتل، وليس للتسلية.
لكن الأمور لم تتوقف عند المشاهدة.
في إحدى الليالي، بينما كنت داخل منزلنا، سمعت صوت ضحكة…
ضحكة طفولية، لكنها لم تكن بشرية، كانت خافتة، مشوهة، وكأنها صادرة من حنجرة ممزقة.
ثم، دون سابق إنذار، تحطمت النوافذ جميعها دفعة واحدة.
الزجاج تناثر في كل مكان، الهواء امتلأ بغبار غريب كأنه رماد محترق.
ورأيت شيئًا… رأيت يدًا صغيرة سوداء تمتد من الظلام، تبحث عني.
تجمدت مكاني، شعرت بأنفاس ثقيلة خلفي، كان هناك شيء يقف قريبًا جدًا مني، شعرت بأطرافه تزحف على جلدي دون أن أراه… ثم…
"آناااااا… اقترب الوقت"
كان الصوت يهمس مباشرة في أذني، صوت جاف، ميت، بلا حياة…
ثم سقط كل شيء في الظلام.
رواية الجدران الناطقة الفصل الخامس 5 - بقلم مريم عثمان
استيقظتُ على شهقة حادة، قلبي ينبض بجنون. شعور غريب يسري في جسدي كأنني كنتُ عالقة بين عالمين، أحدهما ملموس والآخر غارق في الظلام.
نظرت حولي، كنت في غرفتي، فراشي مرتب كما تركته. لكن شيئًا ما لم يكن صحيحًا. الهواء كان ثقيلاً، محمّلًا برائحة غريبة، مزيج بين عطر قديم ورطوبة عفنة، وكأن الغرفة تنتمي لزمن آخر.
شعرتُ بوخز بارد في رقبتي، تحسستها، وجدتُ هناك شيئًا… علامة.
ركضتُ إلى المرآة، أزحتُ شعري بسرعة، وعندما نظرت… كانت هناك بصمة داكنة. أصابع صغيرة محفورة على جلدي كأن أحدًا أمسك بي بقوة. ارتجفتُ. هذه لم تكن بصمتي، لم تكن بصمة إنسان طبيعي. كانت… لبقايا شيء لا يجب أن يكون هنا.
أخذتُ نفسًا عميقًا، لكن صوتًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
"أنتِ رأيتِنا… والآن، لن تخرجي من هذه القصة."
كانت الهمسة تخرج من كل اتجاه، من الجدران، من الأرض، من الظلام المتسلل عبر النوافذ، وكأن البيت بأكمله قد تحول إلى كائن حي يراقبني… يتغذى على خوفي.
ركضتُ إلى غرفة والدتي، كنت بحاجة لأن أراها، لأتأكد أنني لم أُحبس في كابوس آخر. طرقت الباب بعنف، لكن لم يكن هناك رد. فتحت الباب بحذر، والغرفة كانت… فارغة.
السرير لم يكن يبدو كما تركته، بل بدا وكأنه لم يُستخدم منذ أيام. الغبار يغطي أطرافه، والهواء بارد بشكل غير طبيعي. هرعتُ نحو الخزانة، فتحتُها، لم أجد أيًّا من ملابسها، فقط… فستان أسود قديم، معلق في المنتصف، يبدو كأنه يعود إلى زمن بعيد، تتساقط منه خيوط ممزقة، وتحته… حذاء طفولي صغير، مغطى بقطرات حمراء جافة.
شعرتُ بالدوار، أمسكتُ برأسي، محاولًة استيعاب ما يحدث. لكن شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقي.
المرآة أمامي… لم أكن وحدي فيها.
خلفي… كانت تقف تلك الطفلة.
لكنها لم تكن كما رأيتها سابقًا. لا ملامح بريئة، لا جسد شفاف. هذه المرة، كانت واقفة هناك… كاملة. عيناها كانتا سوداوين بالكامل، خالية من البياض، تلمعان كما لو كانتا مرآتين تعكسان شيئًا لا يجب أن أراه. ابتسامتها… لم تكن بشرية، كانت طويلة بشكل غير طبيعي، تمتد حتى حدود وجنتيها، وكأنها قد خيطت بخيط أسود سميك، وبين شفتيها… أنصال حادة، كأن أسنانها تحولت إلى شفرات.
حاولتُ الصراخ، لكن صوتي لم يخرج. رأيتها تحرك رأسها ببطء، تميل نحو كتفي وكأنها تهمس لي بشيء، لكن قبل أن يصل صوتها…
أُغلقت الأضواء.
وأدركتُ حينها… أنني لستُ في منزلي، وأصبحت في كابوس ولعبة غريبة لن استطع الفرار منها الآن.
ها هي آنا، جالسة في غرفتها، شاردة الذهن، تائهة بين أفكارها التي تحاصرها كالأشباح. كانت الأسئلة تتناوب في عقلها كعاصفة لا تهدأ: من تكون تلك الطفلة؟ لماذا لم تخبر الرجل عنها؟ ومن يكون هذا الرجل القاسي؟ لماذا تعاملها بهذه الوحشية؟ ولماذا لا تظهر إلا لها وحدها؟ كان عليها اكتشاف السر، كان عليها أن تعرف الحقيقة، مهما كان الثمن…
بينما كانت غارقة في بحر هواجسها، فُتح باب الغرفة فجأة، ودخلت والدتها، ماريانا، وعلامات القلق مرتسمة على وجهها.
ماريانا (بغضب مكبوت): آنا لماذا لم تخبريني أنك قد طُردتِ من الجامعة؟ لقد كنتِ تكذبين عليّ طوال هذا الوقت وتدّعين أنها إجازة منتصف العام، بينما الحقيقة أنك مفصولة منذ أسبوع. هل بلغ بكِ الإهمال إلى هذه الدرجة؟ أين كنتِ كل هذا الوقت؟
رفعت ماريانا هاتفها ولوّحت به أمام وجه آنا، مضيفة بنبرة متهدجة:
لقد اتصل بي الأستاذ ندين وأخبرني بما حدث. حاولتُ التوسط لحل المشكلة، لكنه طلب منكِ الحضور إلى مكتبه غدًا لتقديم اعتذار رسمي للدكتور. عليكِ أن تكوني أكثر حذرًا، آنا، فأنتِ لم تعودي طفلة.
حدّقت آنا في وجه والدتها، مشاعر مختلطة تتراقص في قلبها، لكنها أخفت كل شيء خلف قناع اللامبالاة.
آنا (ببرود مصطنع): لم يكن الأمر بذلك السوء، يا أمي… لقد سرحتُ قليلًا أثناء المحاضرة، فطردني الدكتور. لا تقلقي، أنا بخير، فقط مرهقة قليلًا، سأنام لبعض الوقت.
لم تقتنع ماريانا، لكنها آثرت الصمت وخرجت، تاركة ابنتها وحدها… لكن آنا لم تنم.
في تلك الليلة، وبينما كانت مستلقية على سريرها، شقّ الظلام الساكن صوتُ صراخٍ مخيف قادم من المنزل المجاور. انتفضت آنا جالسةً، ثم ركضت إلى النافذة لتستطلع الأمر من خلال ستائر الليل الكثيفة. رأت رجلاً قصير القامة، وجهه مشوّه بندبة عميقة على جانب ذقنه، ممسكًا بحزام جلدي أسود غليظ، ينهال به ضربًا على جسد طفل صغير. كانت الضربات وحشية، جسد الصبي كان متورمًا، الدماء تنزف منه بغزارة، لكن صوته بدأ يخفت… وكأنه يذوي.
لم تتمالك آنا نفسها، هرعت خارج غرفتها واندفعت نحو المنزل المجاور لإنقاذ الصبي. لكنها عندما وصلت… لم يكن هناك أحد.
كان المكان خاليًا تمامًا، كما لو أن المشهد كله كان مجرد وهم أو شبح من الماضي. ولكن… كانت هناك الفتاة الصغيرة نفسها.
كانت تقف هناك، تبكي بحرقة، عيناها المغرورقتان بالدموع تعكسان شعورًا غريبًا… مزيج من الرعب واليأس.
آنا (متلهفة): لماذا تبكين يا صغيرتي؟ ماذا يحدث هنا؟
رفعت الطفلة وجهها، وصوتها المرتجف بالكاد يُسمع:
أمي… لقد فقدت وعيها… أظن أنها ستموت… ولا أحد يريد مساعدتنا.
آنا (بفزع): ماذا؟ أين والدكِ؟ أين إخوتكِ؟
ازدادت شهقات الطفلة، ثم همست بصوت مخنوق:
أبي يقول: دَعُوها تموت… هذا جزاء من يتدخل فيما لا يعنيه.
ارتجفت آنا، شعرت بجسدها يقشعر بالكامل. نظرت إلى الطفلة بدهشة، متسائلة بصوت متحشرج:
لا أفهم… ماذا فعلت والدتكِ؟ وأين ذلك الصبي الذي كان يصرخ؟
مسحت الطفلة دموعها بظهر يدها المرتجفة، وقالت:
إنه أخي… لقد رفض إحضار ما عبّر عنه والدي، فحبسه في تلك الغرفة ليعاقبه… وأمي حاولت إنقاذه، لكنهم منعوها. حبسوه هناك أيضًا، وأبي يقول إن الأطفال يجب أن يتربوا بالقوة، حتى لو كان الثمن حياتهم.
كانت كلمات الطفلة أشبه بشفرات تمزق قلب آنا، لم تستطع تحمّل المزيد.
ولكن فجأة… ومن دون سابق إنذار…
صرخة مروعة.
التفتت الطفلة بسرعة وركضت باتجاه مصدر الصوت داخل المنزل. تبعتها آنا راكضة خلفها، لكن… ما إن تخطت الباب حتى اختفت الطفلة.
وقفت آنا وسط المكان المهجور، جسدها يرتجف، عيناها تتلفتان في كل الاتجاهات.
أيتها الصغيرة أين أنتِ؟ هل من أحد هنا؟
لم يكن هناك سوى الصمت… صمت ثقيل كالموت، لا يقطعه سوى دقات قلبها المتسارعة.
خرجت مسرعة من المنزل، تتنفس بصعوبة، وفجأة رأت امرأتين تقفان بعيدًا، تحدقان بها بذهول وخوف.
المرأة الأولى (بصوت مرتعش): يا إلهي… إنها ابنة ماريانا. ما الذي تفعلينه هنا، يا فتاة؟
آنا (لاهثة): كنت أبحث عن الطفلة الصغيرة. لقد كانت هنا… ألم تريها تخرج أمامكما؟
نظرت المرأتان إلى بعضهما البعض، ثم قالت الثانية، بصوت خافت، وكأنها تخشى أن تسمعها الأرواح:
بسم الله… ماذا تهذين؟ هذا المنزل مهجور منذ سنوات. لم يتجرأ أحد على الاقتراب منه حتى… كيف سمحت لكِ والدتكِ بالدخول إلى هنا؟
ازدادت ضربات قلب آنا، حاولت أن تفهم، لكن الكلمات لم تسعفها.
المرأة الأولى (بصوت متهدج): استمعي إليّ جيدًا، يا فتاة… إيّاكِ والاقتراب من هذا المكان مرة أخرى. هذا المنزل مسكون… ومنذ الحادثة المشؤومة، حلّت عليه لعنة لم تُرفع. لا أحد يجرؤ حتى على المرور من أمامه، لقد حذرتك.
انسحبت آنا من المكان ببطء، وقفت في منتصف الطريق، نظرت إلى المنزل مرة أخرى…
وهناك، عند الشرفة العلوية…
رأت خيال شخص يقف بصمت، يحدّق بها…
ثم… اختفى.
شعرت آنا بدوار، وضعت يدها على صدرها، وكأنها تحاول أن تُمسك بأنفاسها الهاربة.
يا إلهي… سأفقد صوابي. ما قصة هذا المنزل؟ وما قصة تلك الطفلة؟ من تكون؟ وماذا تريد مني؟
لكن الأهم من كل ذلك… هل ما تعيشه الآن واقع؟ أم أنها مجرد ضحية لكابوس لا ينتهي؟
رواية الجدران الناطقة الفصل السادس 6 - بقلم مريم عثمان
لم تستطع آنا النوم طوال الليل. ظلت تتقلب في فراشها حتى أشرقت الشمس معلنةً بداية يوم جديد. لكن عقلها ظل عالقًا في ذكريات ذلك اليوم المشؤوم.
كانت تقود سيارة والدتها متجهة إلى المكتبة القومية، ظنًا منها أنها ستجد إجابة لأسئلتها هناك. علَّ ما يحدث معها ليس مجرد أحلام أو تهيؤات من صنع عقلها الباطن.
ولكن فجأة، ظهرت شاحنة ضخمة من العدم، لتخترق طريقها. ولم تشعر إلا والعالم من حولها يتلاشى. الطريق الذي كانت تسير عليه اختفى، والمباني التي تحيط بها تبخرت، وحل محلها صحراء قاحلة تمتد إلى ما لا نهاية، تملؤها أعشاب جافة متناثرة.
شعرت آنا بدوار شديد، وباتت الرؤية أمامها مشوشة. ثم خيم الظلام على عينيها وسقطت مغشيًا عليها.
"آنسة آنسة، هيا استيقظي."
جاءها صوت رجل غريب يهزها برفق.
"جرب أن ترش عليها بعض الماء، ربما تفيق." قال صوت آخر.
"هل تظن ذلك؟ أعطني إذن."
لم يكن هناك وقت للنقاش الطويل، فقد كان أحد الرجلين متوترًا بشكل واضح، بينما الآخر بدت على ملامحه علامات القلق والتردد.
"لماذا لا تفيق؟ ما هذه الكارثة التي حلت بنا؟ قلت لك إنه لا يجب الدخول من تلك البوابة." صاح الأول غاضبًا.
"اصمت ستسمعنا، لقد بدأت تستيقظ." همس الآخر محاولًا تهدئته.
شعرت آنا بألم شديد في رأسها وهي تفتح عينيها ببطء، لتجد وجهين يحدقان بها.
"آه رأسي. ما الذي حدث؟ أين أنا؟ ماذا؟"
"هذا ما ينبغي علينا سؤالك إياه. ماذا تفعل فتاة في عمرك وحدها في مكان كهذا؟" قال أحد الرجلين بحدة.
ارتبكت آنا وهي تتلفت حولها في ذهول.
"أين أنا؟ لا أعلم ما الذي جاء بي إلى هنا. كنت متجهة إلى المكتبة القومية وفجأة ظهرت أمامي شاحنة، حاولت تفاديها، وبعدها بعدها وجدت نفسي هنا. أين سيارتي؟"
نظر الرجلان إلى بعضهما بتوجس، وكأنهما يعلمان أكثر مما يريدان أن يظهراه.
"أما هذه الورطة التي أوقعنا أنفسنا فيها؟" تمتم الأول بصوت خافت.
"سيقضي علينا إلا إذا..."
"قال الآخر وهو يحدق بها نظرة غامضة."
آنا شعرت بالريبة، وقلبها أخذ ينبض بجنون.
"بماذا تتهامسان؟ أين سيارتي؟ وأين أنا؟"
"لا تقلقي، آنسة، كل شيء سيكون على ما يرام. أنظري هناك، هذه سيارتك. لكنها لم تعد صالحة للاستخدام." أشار أحد الرجلين إلى سيارة محطمة على بعد أمتار قليلة.
"يا إلهي. ستقتلني أمي. ماذا سأفعل الآن؟" شهقت بفزع.
قهقه الرجل الأول بسخرية.
"البشر وغباؤهم. تخافين على السيارة ولا تأبهين لما أنتِ فيه؟" ثم أضاف بتهكم.
"أنتِ في وسط صحراء قاحلة، لا يوجد حولكِ سوى الرمال وأشواك الحنظل ونحن الثلاثة. إن تركناكِ هنا، ليس لديكِ خيار سوى الموت عطشًا أو انتظار حلول الظلام ومواجهة الوحوش المفترسة أو ربما الموت بطريقة أخرى أكثر إيلامًا."
"كف عن إخافتها، أيها الأحمق." قاطعه الآخر بصرامة، ثم التفت إلى آنا وقال بلطف مصطنع.
"نحن ذاهبون إلى المدينة، بإمكاننا أن نوصلكِ إلى هناك، وبعدها يمكنكِ تدبر أمركِ بنفسكِ."
"لكن ماذا عن سيارتي؟ لا يمكنني تركها، أمي لن تسامحني إن عدت من دونها."
"إن أردتِ، يمكننا الاتصال بشركائنا ليأتوا ويأخذوها إلى ورشتنا. نحن نعمل في مجال السيارات، يمكننا إصلاحها رغم أنني أشك في ذلك، فقد أصبحت مجرد كومة خردة." قالها الأول وهو يضحك ضحكة خبيثة.
"لكن يجب أن أصلحها بأي ثمن." تمتمت آنا بيأس.
"لا تقلقي، سنهتم بالأمر. لكن علينا الرحيل الآن. هيا، اصعدي إلى الشاحنة." قال الآخر، مشيرًا إلى شاحنة سوداء متوقفة على مقربة منهم.
شعرت آنا بتوجس غريب وهي تنظر إلى الشاحنة، ثم اتسعت عيناها في رعب.
"أليست هذه الشاحنة التي صدمتني؟"
تبادل الرجلان نظرات سريعة، ثم قال أحدهما ببرود.
"لا، ليست هي."
كانت هناك نبرة كاذبة واضحة في صوته. نظرت إليهما آنا بتوتر، لكن لم يكن أمامها خيار سوى الركوب معهم.
تحركت الشاحنة عبر الطريق الرملي، وأخذت آنا تتفحص الرجلين بحذر. أحدهما كان يقود بهدوء، بينما الآخر كان ينظر إليها بين الحين والآخر بجمود مريب.
"من أنتما؟ وأين نحن؟" سألت بصوت مرتجف.
"لسنا من هنا. أما عن مكاننا فلن يفيدكِ معرفته." قال السائق بلهجة مبهمة.
وفجأة، سمعت آنا صوت صراخ خافت، كأنه بكاء طفلة.
"هناك أحد يصرخ." قالت بقلق وهي تلتفت نحو الجزء الخلفي من الشاحنة.
ارتبك الرجلان، وبادر أحدهما بالرد بعصبية.
"لا، لا يوجد أحد. أنتِ تتخيلين."
"لكنني سمعت صوت طفلة تصرخ. أقسم لكم بذلك." قالت بإصرار.
انفجر أحد الرجلين غضبًا، وصرخ فيها.
"قلت لكِ لا يوجد أحد. إن فتحتِ فمكِ مجددًا سأقتلكِ."
ارتعدت آنا خوفًا، لكنها لم تستطع منع نفسها من ملاحظة شيء آخر. الرجل الذي كان يجلس بجانبها التفت إليها، وعيناه بدتا وكأنهما تتوهجان بلون أحمر قانٍ، وكأن الدم يقطر منهما.
"أريد أن أنزل. أنزلوني فورًا." صاحت بذعر.
لكن قبل أن تستطيع فعل شيء، التصق وجه شاحب ودامٍ بزجاج النافذة المجاورة لها. كانت فتاة مشوهة، بشعر متشابك، وجسد مغطى بالجروح النازفة، تحدق بها بعينين واسعتين مليئتين بالغضب.
صرخت آنا بأعلى صوتها، ثم فجأة استيقظت لتجد نفسها في غرفتها، والمنبه يرن معلنًا الساعة السابعة صباحًا.
لكن هل كان مجرد كابوس؟ أم أن شيئًا ما من ذلك العالم لا يزال يطاردها؟
آنا لم تستطع استيعاب ما حدث، قلبها ينبض بجنون وهي تحدق في الضابط وكلماته تتردد في رأسها كصدى كابوسي لا ينتهي. كيف لسيارتها أن تظهر في تلك الصحراء؟ كيف توقّع على شيء لم تفعله؟ ولكن الأسوأ لم يكن هنا… الأسوأ كان يكمن فيما لم يقله الضابط.
عادت إلى المنزل مع والدتها، لكنها لم تستطع النوم. تلك الفتاة ذات الوجه النازف، العيون الحمراء المشتعلة بالغضب، الأصوات المكتومة التي سمعتها في الشاحنة… كانت كلها حقيقة ليست مجرد كوابيس ليست تهيؤات.
في منتصف الليل، ارتفع صدى صوت أنين خافت في الغرفة، كأن هناك من يلفظ أنفاسه الأخيرة عند قدم سريرها. جسدها تجمد في مكانه، لم تستطع حتى التنفس، وحدها عيناها تحركتا ببطء نحو مصدر الصوت… وهناك، في زاوية الغرفة، رأت شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها.
جسد الفتاة النازفة، كان يقف هناك، نصفه غارق في الظلام، نصفه الآخر مكشوف تحت ضوء القمر المتسلل عبر النافذة. تلك العيون… لم تكن بشرية، كانت سوداء كحفرة لا قرار لها، والدم يقطر من فمها المفتوح في شبه ابتسامة مريعة.
آنا لم تصرخ، كان الخوف قد سلب منها حتى القدرة على الصراخ، لكن جسدها تحرك لا إراديًا إلى الوراء، اصطدمت رأسها بلوح السرير الخشبي فأصدرت صوتًا عالياً.
وفي تلك اللحظة… قفز الكيان عليها.
صرخة مرعبة هزّت المكان، لكن الغريب أن لا أحد سمعها، لا والدتها، لا أحد… كأن العالم تجمد في تلك اللحظة، كأن الغرفة نفسها أصبحت سجنًا مغلقًا لا صوت فيه.
شعرت بأظافر حادة تمزق جلدها، أنفاس حارة كريهة تقترب من وجهها، وصوت هامس يزحف إلى أذنيها كدودة سامّة:
"أنتِ السبب… أنتِ فتحت البوابة… وأنتِ ستدفعين الثمن…"
وفجأة، اختفى كل شيء.
استيقظت آنا على سريرها، قلبها يكاد ينفجر، جسدها يرتجف بجنون، لكن هذه المرة لم يكن الأمر مجرد حلم. هناك علامات واضحة على ذراعيها… آثار أظافر محفورة في جلدها، تنزف ببطء.
"اللعنة… هذا ليس حلمًا."
ارتجفت يداها وهي تلمس الجروح، شعرت برائحة الدم تملأ أنفها، وعندما نزلت من السرير… لاحظت شيئًا جعل جسدها كله ينهار رعبًا.
هناك آثار أقدام دامية… تبدأ من زاوية الغرفة، حيث كان يقف ذلك الكيان… وتمتد حتى باب غرفتها.
لكن الأفظع كان شيئًا آخر…
آثار الأقدام… لم تكن تخرج من الغرفة بل كانت تدخل إليها.
رواية الجدران الناطقة الفصل السابع 7 - بقلم مريم عثمان
رواية الجدران الناطقة الفصل السابع 7 - بقلم مريم عثمان
الفصل السابع:
خرجت آنا ووالدتها من مركز الشرطة، خطواتهما متثاقلة، والليل يبتلع الشوارع بصمت مريب كانت ماريانا تنظر للأفق بعينين شاردتين، تلتقط أنفاسها بصعوبة، وكأنها على حافة الانهيار
ماريانا (بصوت مضطرب): ماذا سنفعل؟ هذه كارثة كارثة حلّت علينا دون سابق إنذار لا بد أن نجد حلًا، وإلا سنضيع
آنا (ببرود غير مبالٍ): أمي، هل يمكنني الذهاب؟
توقفت ماريانا فجأة، حدّقت في ابنتها بصدمة، وكأنها لم تسمع جيدًا
ماريانا (بغضب مكبوت): أحقًا تسألين؟ نحن في مصيبة، وأنت تريدين الذهاب؟ إلى أين يا آنا؟ إلى أين؟ ستفقدينني عقلي بتصرفاتك
آنا (بهدوء مريب): سأذهب إلى روز، لن أتأخر
ماريانا (بتنهيدة يائسة): وهل هذا وقت روز؟ كل ما يهمك هو صديقتك؟ ماذا ستفعلين عندها؟
آنا: سأستعير منها كشكول المحاضرات، فقط، وسأعود بسرعة
تأملتها ماريانا للحظات، ثم أشاحت بوجهها بملامح مستسلمة
ماريانا: افعلي ما تشائين، لكن لا تتأخري سأسبقك إلى المنزل
آنا: لن أتأخر، لا تقلقي باااااي ماما
ماريانا أغمضت عينيها وهمست برجاء مكبوت: يا الله، اهْدِها، أحفظها من شر نفسها
تسللت آنا إلى القصر المهجور بخطى حذرة، تتلفت حولها بارتباك، كأن العتمة نفسها تراقبها كان المكان يلفه السكون، لكن الهواء كان ثقيلًا، مشبعًا بشيء غير مرئي، شيء مخيف
آنا (بهمس مرتجف): أيتها الصغيرة أين أنت؟
فجأة، صوت خافت خلفها، ناعم كهمس الريح، لكنه جمد الدم في عروقها:
الفتاة الصغيرة: ماذا تريدين، آنا؟
شهقت آنا، استدارت بسرعة، كان وجه الفتاة الصغيرة يطل من الظلام، بشرتها شاحبة، وعيناها تتوهجان بلون غريب
آنا (لاهثة): آه لقد أفزعتني
الفتاة الصغيرة (بهدوء مقلق): مالذي جاء بك في هذا الوقت؟
آنا: أريد إجابات
الفتاة الصغيرة: عن ماذا؟
آنا (مترددة): عن الحلم لا، ليس حلمًا ما حدث لم يكن مجرد كابوس، كان حقيقة كنت هناك، رأيتك
الفتاة الصغيرة: أعلم
آنا (متفاجئة): إذًا أنتِ من تسبب بكل هذا؟ إذًا ما رأيته كان حقيقيًا؟
الفتاة الصغيرة (بارتباك مزيف): أنا؟ لا دخل لي، أنتِ من فعلت كل شيء بنفسك
آنا (بصوت مرتجف): كيف؟ لا أذكر شيئًا كل ما أعرفه هو الحادث الشاحنة الرجلان هل لك صلة بهما؟
الفتاة الصغيرة (بعينين تومضان بغضب): لا علاقة لي بهما
آنا: لكنكِ كنت هناك
الفتاة الصغيرة: لا ما أدراكِ أنها أنا؟
آنا (بإصرار): أريد أن أعرف الحقيقة أريد أن أعيد كل شيء لما كان عليه
ضحكت الفتاة الصغيرة، لكن ضحكتها لم تكن بشرية كانت أشبه بصدى بعيد، وكأنها تصدر من أعماق الفراغ
الفتاة الصغيرة: وهل تظنين أن الوقت لعبة يمكن إعادتها؟ لا أحد يستطيع تغيير الماضي، لا أحد يمكنه رؤية المستقبل هذه قوانين لا تكسر
آنا: أمي في ورطة، إنها تنهار بسببي أرجوكِ، ساعديني
الفتاة الصغيرة (بلامبالاة مرعبة): ما حدث قد حدث، والعقد صحيح
آنا (بذهول): أي عقد؟ نحن لم نوقع شيئًا، لم نر هذه الشركة من قبل كيف وصلت السيارة إلى منزلنا؟ أمي لا تعرف شيئًا
الفتاة الصغيرة: لا دخل لأمكِ أنتِ من وقع، أنتِ من طلب، أنتِ من ورط نفسه معهم
آنا (بصوت متحشرج): لكن متى؟ لماذا؟ لماذا قد أفعل ذلك؟
الفتاة الصغيرة (بهدوء زاحف): السؤال الحقيقي هو لماذا ذهبتِ إلى هناك رغم تحذيري؟ ألم أقل لكِ ألا تعبثي بأشياء ليست لكِ؟
آنا (بصراخ): أنتِ لم تخبريني بأي شيء كنت أريد أن أفهم عن المنزل عنكِ عن كل تلك الظواهر الغريبة
الفتاة الصغيرة (بابتسامة مخيفة): ظننتِ أنكِ ستكشفين سرًا قديمًا؟ ظننتِ أن مجرد فضولكِ سيجعلكِ تفهمين ما عجزت عنه قوانين البشر؟ يا لكِ من حمقاء
آنا (بتوسل): أرجوكِ، هناك طريقة بالتأكيد هناك طريقة لإصلاح كل شيء المخطوطات الغرفة السرية في القبو لا بد أن لها تفسيرًا
فجأة، ارتعد جسد الفتاة الصغيرة، وعيناها اتسعتا بجنون، جسدها ارتعش وكأن شيئًا استحوذ عليها
الفتاة الصغيرة (بصراخ مزلزل): آآآآآآآآآآناااااااااااااااااا
ارتجفت آنا، تراجعت خطوة للوراء، قلبها يدق كطبول الحرب، نظرت إلى الفتاة الصغيرة بعينين مذعورتين
آنا (بهمس مرتجف): حسنًا، حسنًا، سأصمت
ساد صمت ثقيل، كانت أنفاس آنا متقطعة، بينما الفتاة الصغيرة كانت تحدق بها بعينين خاويتين، وكأنها لم تكن هناك أبدًا
خرجت آنا ووالدتها من مركز الشرطة، خطواتهما متثاقلة تحت وطأة الكارثة التي وقعت عليهما كالصاعقة الظلام بدأ يزحف في السماء، والشارع بدا أكثر وحشة مما ينبغي كانت ماريانا تلهث من الغضب، يديها ترتجفان وهي تحاول أن تستوعب ما يحدث
ماريانا (بانفعال مكتوم): ماذا سنفعل يا آنا؟ كيف سنخرج من هذه المصيبة؟ لا وقت لدينا للتفكير، يجب أن نجد حلًا قبل أن ينهار كل شيء
آنا (ببرود غريب): أمي، هل يمكنني الذهاب؟
ماريانا (تتوقف فجأة وتنظر إليها بحدة): ماذا؟ نحن في كارثة حقيقية، وأنتِ تفكرين في الذهاب؟ إلى أين يا آنا؟ ستفقدينني عقلي بتصرفاتك هذه
آنا (بهدوء يثير الريبة): سأذهب إلى روز، فقط لأخذ كشكول المحاضرات وأعود بسرعة
ماريانا (بغضب يفيض من عينيها): هل هذا وقت روز؟ نحن نغرق، وأنتِ تريدين الذهاب لروز؟ وماذا ستفعلين هناك؟
آنا (بابتسامة باردة تخفي شيئًا أعمق): لن أتأخر، لا تقلقي
ماريانا حدقت بها، نظرات ابنتها كانت فارغة، وكأن روحها ليست هنا أخيرًا، زفرت بضيق وقالت:
ماريانا: حسنًا، لكن عودي بسرعة، سأسبقك إلى المنزل
آنا (بصوت هامس غريب): لا تقلقي لن أتأخر
لكنها لم تذهب إلى روز
الطريق إلى اللعنة
تسللت آنا في الظلام، خطواتها صامتة على الإسفلت الرطب القصر المهجور كان يلوح أمامها كشبح، نوافذه المتصدعة تشبه أعينًا فارغة تحدق بها، وأبوابه كأفواه وحوش جائعة تنتظر التهامها شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، لكن قدميها لم تتوقفا
آنا (بهمس مرتعش): أيتها الصغيرة أيتها الصغيرة، أين أنتِ؟
صوت خطوات خفيفة خلفها تجمد الدم في عروقها
الفتاة الصغيرة (من خلفها، بصوت مخيف وهمس بارد): ماذا تريدين يا آنا؟
آنا (تنتفض وتضع يدها على صدرها): آه لقد أخفتِني
الفتاة الصغيرة وقفت في الظل، عيناها مظلمتان كليل بلا نجوم كانت تبتسم، لكن تلك الابتسامة لم تكن بشرية
الفتاة الصغيرة: ما الذي جاء بكِ في هذا الوقت؟
آنا: أريد إجابة أريد أن أعرف الحقيقة ما حدث ليس مجرد حلم، صحيح؟ أنتِ تعرفين
الفتاة الصغيرة (بصوت بارد): نعم أعلم
آنا (تبتلع ريقها): إذاً أنتِ السبب؟ كل ما حدث كان بسببكِ؟
الفتاة الصغيرة تقدمت خطوة إلى الأمام، والضوء الباهت ألقى بظلال شيطانية على وجهها
الفتاة الصغيرة (بصوت هامس مخيف): لا، يا آنا أنتِ من فعل كل هذا
آنا (بهمس مذعور): لا لا أذكر أني فعلت شيئًا كهذا كل ما أتذكره هو الحادث والشاحنة الرجلين هل لكِ علاقة بهما؟
الفتاة الصغيرة تغير تعبيرها فجأة، عيناها اشتعلتا بالغضب
الفتاة الصغيرة: لا شأن لي بهما
آنا: لكنكِ كنتِ هناك رأيتكِ
الفتاة الصغيرة: أنتِ ترين ما لا يفترض بكِ رؤيته، تسمعين ما لا يفترض أن تسمعيه، تعبثين بما ليس لكِ به علم
آنا شعرت بجسدها يتجمد، وكأن البرد تسلل تحت جلدها
آنا: أريد أن أعيد كل شيء كما كان أمي في مشكلة كبيرة، وأنا السبب أرجوكِ، ساعديني
الفتاة الصغيرة (بضحكة مرعبة): أنتِ وقّعتِ العقد، يا آنا كل شيء سار كما ينبغي
آنا (بصوت متحشرج): عقد؟ أي عقد؟ لم أوقع شيئًا نحن لا نعرف حتى موقع تلك الشركة
الفتاة الصغيرة (بهدوء يثير الرعب): بل تعرفين بل فعلتِ
آنا (بذعر): متى؟ ولماذا أمي تدفع الثمن؟
الفتاة الصغيرة ضحكت مجددًا، لكن صوتها كان مشوهًا، وكأن عدة أصوات تخرج من فمها في آنٍ واحد
الفتاة الصغيرة: السؤال ليس لماذا، بل كيف؟ كيف أوصلتكِ قدماكِ إلى هناك؟ من الذي دفعكِ للعبث بالمجهول؟
آنا: كنت أريد أن أعرف أكثر عن المنزل عنكِ عن الشركة التي ليست موجودة، لكني وجدت نفسي متورطة مع شركة أخرى
الفتاة الصغيرة (بابتسامة مشؤومة): وهل ظننتِ أن الحقيقة تُمنح بسهولة؟ هل كنتِ تعتقدين أنكِ قادرة على حل لغز فشل القانون في كشفه؟
آنا شعرت بأن الغرفة تدور من حولها
آنا: هناك شيء خاطئ المخطوطات الغرفة المخفية في القبو الجدران الملطخة بلون الدم
فجأة، تغير وجه الفتاة الصغيرة بالكامل عيناها اتسعتا بطريقة غير طبيعية، فمها انفصل عن وجهها وكأن جسدها يتشقق
الفتاة الصغيرة (بصرخة شيطانية مزلزلة): آآآآآآآآآنااااااااااااا
الصوت لم يكن بشريًا، بل كان خليطًا من عويل الريح وصراخ الألم الأرض تحت آنا بدأت تهتز، كأن القصر يستيقظ من سباته الطويل
آنا (تتراجع للخلف بفزع): ماذا ماذا يحدث؟
الفتاة الصغيرة تحولت أمامها، جسدها بدأ يذوب، يتحول إلى كيان أسود كالدخان، عينان مشتعلة بلون الدم تحدقان بها
آنا (بصوت يختنق بالرعب): لا لا تقتربي
لكن الكيان اقترب، مد يده العظمية نحوها، وهمس بصوت بارد وصلب:
لقد بدأ كل شيء، ولا يمكنكِ التراجع ستدفعين الثمن، أنتِ وأمكِ، حتى آخر قطرة دم
آنا شعرت بالظلام يبتلعها، صرخت، لكن الصوت لم يخرج
ثم اختفى كل شيء
ماذا لو أن كل شيء بدأ من هنا؟
ماذا لو أن الفضول لم يكن إلا فخًا؟
ماذا لو أن ما رأته آنا لم يكن حتى الجزء الأسوأ من الحقيقة؟ عرض أقل
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية الجدران الناطقة الفصل الثامن 8 - بقلم مريم عثمان
عشت مظلوماً بين الضباع
لم يكن لي ذنب سوى أنني رغبت في العيش قدر المستطاع
تطعموا وتطاولوا على حياتي حين علموا أن كنوزي مدفونة بين بحر وزيتونة وهواء
سلبوا حريتي، زجوا بي في زنزانة من ضياع
كتموا أنفاسي، أقتلوا براءتي وسحري
خنقوا نوريا
اغتصبوا براءتي، أحرقوا نسيمات الربيع
وغطوني بوشاح من الدماء والقهر
وتلونت بوشاح الاستبداد البغيض
وحين سألت نفسي من الذي خان؟
من الذي غدر؟
كان الجواب موجعاً
إخوتي، قبلتي، من ظننتهم أحبتي
باعوني باسم لا أفهمه، باسم غريب
والغريب سندت بكف مد لي يدًا من حديد
شعرت بحرارتها، بصلابتها، ربّت على قلبي النازف
لكنها لم تكن يد القريب
آهٍ من الخذلان حين يكون ممن ظننتهم حصني وأماني
باعني القريب ومن كنت أظنه أمان لي من غدر الغريب
كانت آنا تسير بخطوات متوجسة، الظلام يطوقها، والهدوء الخانق يجعل كل صوت أشبه بصراخ الأشباح
فجأة، اخترقت غيمة العدم، فوجدت نفسها أمام حي شعبي كئيب، رائحته رطوبة خانقة، جدرانه تتداعى من ثقل القهر، والأزقة تضج بصراخ كأنها جحيم يستقبل الواصلين
همت بالاستدارة، لكن الطريق خلفها اختفى
الباب الذي عبرت منه لم يعد موجودًا
عيناها تتسعان برعب، قلبها ينبض بعنف، شعرت أن هذا المكان يبتلعها ببطء
تحركت قدماها وكأنهما تسيران وحدهما، وجدت نفسها أمام منزل يكاد يسقط فوق رأسها من تهالكه
كان مألوفًا بشكل مرعب
أين رأيته من قبل؟
نعم رأيته في أحد كوابيسها
وفجأة، انفتح الباب بعنف، خرجت منه امرأة هزيلة، أشبه بشبح يترنح في عالم لم يعد يريده
كانت تبدو في التسعين من عمرها، رغم أنها لم تتجاوز الثلاثين
عينان زائغتان، جسد فقد لونه، مجرد هيكل آدمي يمشي
وقبل أن تسقط أرضًا، هرعت آنا للإمساك بها
لكن في اللحظة نفسها ارتطمت حقيبة ثقيلة برأسها، أسقطتها أرضًا بعنف
آنا: تبًا لك أيها الوغد
الرجل، بوجه أشبه بالموت: هل تجرئين على مخاطبتي، أيتها الحمقاء؟
آنا، وهي تمسح الدم عن جبينها: هل تظن نفسك رجلًا بهذه الأفعال؟
عينا الرجل احمرتا بالغضب، كوحش تهيأ للانقضاض
انطلق نحوها، لكن المرأة الهزيلة صرخت بصوت مزق صمت المكان: دعها
حديثك معيلكن الوحش لا يسمع
انقض عليها مجددًا، أخذ يركلها، يسدد لها الضربات بقوة وحقد، كأنه يصب سمه في عظامها
صرخت، لكنها لم تحاول حماية نفسها، فقط انكمشت تحت قدميه، كأنها ألفت العذاب، كأنها لم تعد تشعر بشيء
تقدمت آنا، دفعت الرجل، لكنها شعرت وكأنها تدفع جبلًا من الكراهية
لم يتوقف إلا حين اجتمع أهل الحي، انتزعوه عنها بالقوة
آنا، وهي تلهث: قفي على مهلك
المرأة، بصوت متهالك: شكرًا شكرًا لكِ
آنا، بحدة: من هذا الوحش؟
المرأة: زوجي
آنا، بدهشة مشوبة باشمئزاز: زوجك؟ ويعاملك بهذه الطريقة؟ لماذا لا تتركينه؟
المرأة: إنه ابن خالتي وأهلي يعيدونني إليه كل مرة أهرب
آنا: أهناك أهل يفعلون ذلك؟ أهناك بشر يرمون ابنتهم إلى الجحيم بأيديهم؟
المرأة: هكذا تجري العادات عندنا
آنا: وإلى أين تذهبين الآن؟
المرأة، بابتسامة حزينة: إلى منزل أهلي كالمعتاد
سيتركوني يومين، ثم يعيدونني إليه مجددًا
آنا، بحدة متزايدة: وهل ترضين بذلك؟
المرأة، بانكسار: ليس بيدي شيء
آنا: كنت سأطلب منك أن تأتي معي، لكن حتى أنا لا أعلم أين أذهب
سأوصلك لمنزل أهلك، لا يمكنك السير وحدك
عند وصولهما، لم يستقبلها أهلها بالعناق، بل باللوم
أمها، ببرود قاتل: تشاجرتِ معه مجددًا؟ ألم تكتفي من جلب العار لنا؟
آنا، بغضب متفجر: ما هذا؟ هل هذه أم أم جلادة؟ كيف تلومينها وهي المظلومة؟
الأم، وهي تنظر إليها بكره: ومن أنتِ؟
المرأة: إنها صديقتي
الأم، بحدة: إذن أنت من تحرضها
آنا: بل أنقذتها من بين يدي وحش كاد أن يقتلها
المرأة: أمي، أريد أن أرتاح
الأم: أخبريني، ماذا فعلتِ هذه المرة حتى يضربك؟
المرأة، بحزن: لم أفعل شيئًا
كان غاضبًا فصب غضبه علي
الأم، بازدراء: لأنك حمقاء لا تعرفين كيف ترضينه
آنا، بانفجار غاضب: أهذه أم أم شيطانة؟ كيف تلومينها بدلًا من أن تحميها؟
الأم، بجمود: هو زوجها، لا أحد يتدخل بينهما
آنا بسخرية مرة: لكنكم تتدخلون لإعادتها إليه؟ هذه ليست عادات، هذه جريمة
لعنكم الله
سأذهب قبل أن أفقد عقلي
خرجت آنا وهي تشعر بغليان في دمها، تصرخ في داخلها: أي عالم هذا؟ ما هذا الظلم؟ أين أنا بحق الجحيم؟
لكنها لم تبتعد كثيرًا
بعد ساعات، رأت حشدًا أمام منزل إيمان
تقدمت بخطوات مرتعشة: ما الذي يحدث؟
إحدى النساء، ببرود مميت: صديقتك انتحرت
آنا، بتشنج: كاذبة
تركتها قبل قليل كانت بخير
دعيني أمر إليها
إحدى النساء 2: شنقت نفسها، يبدو أن والدتها أجبرتها على العودة
آنا، بخوف يجمد الدم في عروقها: ماذا؟
امرأة أخرى: وكانت حاملًا
انهارت آنا على ركبتيها، شهقت شهقة خرقت صدرها، وكأنما تسحب روحها
ماتت شنقت نفسها
كانت خائفة من العودة إلى الجحيم
أحد النسوه: أجل لقد شنقت نفسها
يبدو أنها تشاجرت مع زوجها مجددًا ورفضت العوده ولكن والدتها أجبرتها مجددًا
أحدي النسوه 2: سمعت أنها طلبت الطلاق ولكن أهلها رفضو ذلك
أحد النسوه: لقد سمعت أنها كانت حامل أيضًا
أحدي النسوه 2: يبدو أنها خافت أن يتسبب الحمل في إعادتها لذلك المريض
أحد النسوه: لو كانت ابنتي لقتلته بيدي ولن أسمح له بمس شعره منها
أحدي النسوه 2: كانت ونعم الفتاه ولكنها تزوجت برجل لا يستحق
أحد النسوه: حقًا كانت ملاك على هيئة بشر ورمتها والدتها في يد وحش
أحدي النسوه 2: لقد استراحت
كانت آنا تسمع كل ذلك وجسدها ينتفض من الزعر
ماتت انتحرت ماتت شنقت
آنا: ااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا كفيييييييي كفي لا أستطيع تحمل ذلك
ركضت داخل المنزل فوجدت والدته الفتاه جالسه تبكي
أمسكت بها تهزها بعنف
آنا: أنت السبب أنت من قتلها أنت المذنبة الوحيد
لما لما فرضتي فيها لماااااااا
مالذي فعلته حتى ترمي بها لذلك الوحش السفاح
أنتم جميعًا سفاحون
جميعكم قتلتموها
رميتم بها في بئر الظلام والقهر
لقد قتلتها
قلت ابنتك يديك ملطخة بدمائها
بعد معاناة استطاعوا فك المرأة من يد آنا الثائرة
خرجت آنا في زعر وهي ترتجف من الخوف والقهر والظلم الذي وقع على عاتق صديقتها الجديدة
آنا، وهي تصرخ بجنون، تهز الأم بعنف: أنتِ السبب أنتِ قاتلتها أنتِ دفعتِها إلى الموت يداكِ ملطختان بدمائها
انتزعوها من بين يديها، خرجت تركض، تجوب الشوارع، شعرها متطاير، عيناها مجوفتان، شبح هائم، جسد ميت يتنفس
تحطم شيء في داخلها لم يعد يصلحه شيء
لقد فقدت الرغبة في كل شيء
تحولت إلى جثة هامدة، ترقد في زاوية معتمة، بينما تشرق الشمس على عالم لم يعد له معنى
آنا: لقد كانت تخشى، لقد لابد، أأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأأه
انطفأت الغلادة التي بيد آنا ولكنها لم تلحظ ذلك
أصبحت تجوب الشوارع والأزقة بأعين باكيه وشعرها المبعثر وعينين منتفختين من كثرة البكاء
كان من يراها يشعر بالزعر فيبتعد بسرعة من جانبها
وهي كل ما يهمها لما لما يحصل معها ذلك
تريد الخروج من هذا الكابوس
ظلت هائمة هكذا حتى فقدت الرغبة في كل شيء
كما تتذكر صديقتها الجديدة وبرائتها وابتسامتها
وكلما تتذكر منظرها وحديث النساء عنها وتلك الكلامات التي لا تريد تصديقها تتردد في أذنها كالطنين حتى تكاد تفقدها صوابها
أصاب آنا الخزي واليأس
لقد فقدت الرغبة في الحياة وفي كل شيء
انهارت جاثية على الأرض في ركوض وهدوء مريب
ما مرت به جعلها هزيلة أشبه بالأموات
يمضي الوقت وكأنه لا يمضي
تلك الزابلة البائسة جثة هامدة بلا حراك في ركن منعزل مظلم
رغم إشراق الصباح عليه
مضت الليالي والأيام وما زالت آنا على حالها
أحيانًا يشفق عليها المارة فيضعون لها بعض الخبز وهي جاثية بمكانه بلا حراك حتى ظنها البعض أنها ميتة الفعل
وفجأة يظهر ضوء أبيض ساطع على آنا فتقبئ عينيها بيديها وكأنها خائفة منه
الصوت من الضوء: انهضي آنا هيا انهضي بسرعة
ولكنها لا تريد الحراك
الصوت من الضوء: هيا آنا أنا روانا لا يمكنني فتح البوابة لوقت طويل
هيـ
مازالت آنا بلا حراك
الصوت من الضوء: آنا لا وقت لدينا هيا تشجعي وانهضي هذا مجرد حلم
لا شيء
الصوت من الضوء: آنا ستغلق البوابة وستمكثين مكانك إلى الأبد
هيا بسرعة هيااااااااا
وفجأة تستيقظ من نومها فزعة
آنا بصريخ: هل كان هذا حلمًا؟
كل ما مررت به كل شيء أيضًا لا شيء
لااااااااااااا
تمسك برأسها بقوة
ساجن
لااااااااااااا
هذا لا يعقل
رواية الجدران الناطقة الفصل التاسع 9 - بقلم مريم عثمان
رواية الجدران الناطقة الفصل التاسع 9 - بقلم مريم عثمان
في غرفة آنا، كانت تجلس في حيرة، تتأمل في ما كشفه لها المنزل من حقائق لم يكن الأمر محض صدفة، كان المنزل يوجهها، وكأنه يريدها أن تستمر في البحث، وإلا لكان أغلق عليها أبوابه ومنعها من رؤية ما رأته ولكن لماذا ظهرت إيمان؟ ما علاقتها بهذا المنزل؟ لماذا اختارت أن تظهر لها دون غيرها؟ أسئلة لا تتوقف عن نهش عقلها المتعب
تمتمت آنا لنفسها بصوت خافت:
لا سبيل سوى العودة هناك فقط، وسط جدران هذا المنزل، سأجد الإجابة لكل هذه الألغاز
كان هناك شيء مفقود، لغز ناقص، لم تستطع بعد وضع القطعة الأخيرة في مكانها تذكرت حديثها مع تلك العجوز التي تسكن بجوار المنزل، تلك المرأة التي حذرتها من البحث، والتي ترددت في الحديث عن ماضي هذا المكان لكنها أخبرتها بشيء واحد عن الخادم المخلص للعائلة، الحارس الصامت لأسرار هذا البيت وعن الفاجعة التي حدثت ذات ليلة منذ سنوات طويلة، عندما اختفت طفلة صغيرة، ولم يُعثر لها على أثر أبدًا
بينما كانت آنا تغوص في أفكارها، تسلل إليها النعاس، وأغمضت عينيها لكن نومها لم يدم طويلًا
كان هناك أصوات
همسات غريبة، خافتة في البداية، ولكنها بدأت تتكاثر، تتداخل، تصير أكثر وضوحًا مع مرور اللحظات همهمات غير مفهومة، أقرب إلى طلاسم تتردد بين الجدران كانت تشعر بشيء يتحرك في العتمة، شيء يزحف بين الجدران، كأن البيت يبتلعها ببطء شعرت أن الغرفة تتحول إلى فم وحش هائل، يريد أن يلتهمها حية
صرخت بفزع، واندفعت خارج الغرفة راكضة
لكن الأرض من تحتها تمايلت الأثاث بدأ يتحرك من تلقاء نفسه، الجدران اهتزت كأن زلزالًا عنيفًا ضرب المنزل ظلت تصرخ، ولكن لا أحد يسمع، لا أحد يأتي لإنقاذها ووسط الفوضى
رأتهم
أشخاص غرباء، يسيرون في المنزل يضحكون، يشربون، كأنهم في حفلة مترفة كانت الأضواء الصاخبة تعكس ملامحهم المتعجرفة، رجال يرتدون أفخم البدلات، نساء في فساتين براقة، كؤوس الويسكي والنبيذ تملأ الطاولات كان المشهد عبثيًا، لا يمكن أن يكون حقيقيًا، ولكنها كانت تراه بوضوح
هل كانت ترى ذكرى من الماضي؟
بدأ الضيوف في المغادرة شيئًا فشيئًا، لكن انتباهها تعلق بشخص واحد
رجل في الأربعين من عمره، لكن ملامحه توحي بشخص أصغر بعشر سنوات وسيم بطريقة متعجرفة، عيناه حادتان كالسكاكين، نظرته مغرورة إلى حد الاستفزاز وقف هناك، يتأمل المشهد بابتسامة باردة، ثم أشار بطرف إصبعه مباشرة نحوها
آنا (بخضة): هل يشير إليّ؟
استدارت خلفها بسرعة، لترى امرأة مسنة تقف بجوار فتاة صغيرة الطفلة كانت شاحبة، صامتة، عيناها فارغتان، كأنها ليست جزءًا من هذا العالم
آنا (بدهشة): يا إلهي هل هذه هي؟ أيتها الصغيرة
لكن الطفلة لم تتحرك، لم ترد، كأنها مجرد وهم كانت المرأة العجوز تمسك يدها، ولكن فجأة، أفلتت يدها منها، وبدأت في المشي، متجهة نحو الرجل المتعجرف مرّت بجانب آنا، لكنها لم تشعر بها، وكأنها محض طيف بلا جسد
آنا تابعتهم بخطوات حذرة، حتى دخلوا إلى غرفة مكتب في نهاية الممر
كان الرجل يجلس على كرسيه الوثير، ساق فوق الأخرى، ينفث دخان سيجارته في الهواء وضع أمامه رزمة من النقود، وألقى بها على سطح المكتب بلامبالاة
الرجل (ببرود): خذي هذه النقود، واذهبي، وأحضري لي علبة سجائر واحتفظي بالباقي
المرأة (بقلق): ولكن، الوقت متأخر يا سيدي
الرجل (بعجرفة ونفاد صبر): قلت لكِ اذهبي ونفذي ما طلبت
ارتعشت المرأة، ثم التقطت المال بسرعة، واتجهت إلى الباب، لكن قبل أن تغادر
الرجل (بصوت هادئ مخيف): لحظة
التفتت المرأة بوجل، ورأت عيناه تلمعان بشرّ خفي
الرجل (بغرور): معك فتاة جميلة هل هي ابنتك؟
المرأة (بحذر): نعم إنها ابنتي
الرجل (بابتسامة خبيثة): حسنًا اذهبي وأحضري لي ما طلبتِ، وأخبري ابنتك أن تجلب لي كأسًا من الثلج إلى غرفتي
المرأة (بخوف): أنا سأحضره لك، سيدي
الرجل (بغضب مفاجئ): قلت لكِ أريد الصغيرة أن تحضره نفذي ما أقول
ارتجفت المرأة، ثم غادرت على عجل، بينما ظلت الطفلة واقفة بلا حراك
كانت آنا تراقب المشهد بعيون متسعة، ما الذي يحدث هنا؟ لماذا ترى هذه الأحداث؟
نهض الرجل من مقعده، واتجه إلى غرفته ببطء
آنا (بقلق متزايد): إلى أين يذهب؟ ماذا يحدث هنا؟
وفجأة، بدأت الفتاة الصغيرة تتحرك صعدت السلالم ببطء، تحمل بيدها كأسًا من الثلج، تمامًا كما طلب الرجل
آنا تبعتها بصمت، حتى دخلت الفتاة إلى غرفة الرجل
ثم
دقّت ساعات المنزل بعنف، كأنها أجراس جهنمية تعلن عن كارثة وشيكة
صرخات مرعبة عالية متداخلة أصوات عظام تتحطم صوت نحيب مرعب، كأن أحدهم يُذبح ببطء من الداخل
آنا تجمدت مكانها، جسدها يرتعش بالكامل
حاولت أن تحرك قدميها، لكنها شعرت كأن شيئًا غير مرئي يقيدها كان عليها أن تصل إلى تلك الغرفة
جاهدت نفسها، دفعت جسدها للأمام رغم الرعب الذي ينهشها الأصوات تزداد حدة، كأن الجدران تنزف ألما
أمسكت مقبض الباب بيديها المرتجفتين
ثم فتحته ببطء
وتجمدت مكانها من الصدمة
ما رأته داخل الغرفة كان أبشع من أي كابوس عرض أقل
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية الجدران الناطقة الفصل العاشر 10 - بقلم مريم عثمان
تقدمت آنا ببطء إلى الغرفة، عيناها متسعتان، أنفاسها متقطعة، وجسدها يتشنج تحت وطأة الرعب الذي ينهش عقلها.
ثم تجمدت في مكانها.
المشهد أمامها كان جحيمًا حيًّا.
الطفلة الصغيرة مرمية على الأرض، غارقة في بركة من الدماء، ملابسها ممزقة، جسدها الصغير مشوّه، ملامحها مطموسة بالرعب والألم.
لقد اغتصبها بعنف لا يمكن أن يتخيل أحد منظره.
آنا شهقت، كتمت صرختها، لكنها شعرت برغبة في التقيؤ، أرادت أن تتحرك، أن تهرب، أن تفعل أي شيء.
لكن قدميها ظلّتا مغروستين بالأرض كأنهما جزء من هذا الجحيم.
أما الرجل، فكان يتحرك ببرود، كأنه لم يرتكب أبشع جريمة يمكن لإنسان أن يقترفها.
نهض، لف منشفة حول خصره، واتجه نحو الحمام كأن شيئًا لم يكن، كأن جسد الطفلة الممزق لم يكن سوى قطعة أثاث مهملة.
ثم دوّى صوت صراخ مفزع في الممر.
"ياسمينا، أين أنتِ؟"
كانت المرأة تهرول عبر الممر، صوتها يرتجف بالقلق، دقات خطواتها تهزّ الأرض تحتها.
وحين وصلت إلى الغرفة، وقفت للحظات مذهولة أمام المشهد المريع، ثم اندفعت كالمجنونة نحو ابنتها.
ركعت، أمسكت بها، وهزتها بعنف، وكأنها تحاول إعادتها للحياة بالقوة.
"ياسمينا، ياسميناااااا، افتحي عينيكِ يا روحي."
لكن الطفلة لم تتحرك، لم تجب، لم تنطق سوى أنفاس واهنة متقطعة، ونظرة ميتة معلقة بالسقف.
بشفاه مرتجفة، همست الطفلة بصوت مخنوق، بالكاد يُسمع:
"ماما."
ثم غادرت الحياة.
انطلقت صرخة المرأة ممزقة جدران المكان، صرخة لم تكن مجرد ألم، بل كانت انتحارًا للحياة داخلها، ذبحًا للروح، وكأن الموت اقتلعها مع ابنته.
لكن القاتل لم يتحرك.
خرج من الحمام، جسده عارٍ إلا من المنشفة، مسح قطرات الماء عن شعره وهو يتثاءب بملل.
ثم ألقى نظرة على المشهد كما لو كان يراقب حشرة تُسحق تحت قدمه.
قال ببرود:
"لماذا كل هذا الصراخ؟"
"قتلتها، لقد قتلت ابنتي يا وحش، سأقتلك."
كانت المرأة تهتز بالغضب، وجهها غارق في الدموع، لكن عينيها كانتا متوهجتين بجنون الانتقام.
في لحظة يأس، استلت سكينًا من صحن الفاكهة بجانبها، وانطلقت نحوه بسرعة البرق.
لكن قبل أن تصل، كان قد أمسك بمعصمها بقوة، التوى السكين من يدها، ولفها بين ذراعيه كأنها دمية مهترئة، حتى شعرت بأن عظامها تكاد تتحطم تحت قبضته.
وضع السكين على رقبتها وهمس بغلظة:
"إن سمعت صوتك مرة أخرى، سأجعلكِ تتمنين لو متِّ بنفس الطريقة."
ارتجفت المرأة، لكن عيناها كانتا تفيض بالكراهية والقهر.
قالت بصوت مخنوق بين أنياب يأسها:
"إنها طفلة، قتلت طفلة يا ابن الشيطان."
ابتسم ببرود، وهو ينظر إلى السكين التي تقطر دمًا:
"لا تلوميني، بل لومي نفسكِ. لماذا تركتها هنا؟"
صاحت المرأة:
"كنتُ أثق بك."
قهقه ضاحكًا، رمى رأسه للخلف وقال بسخرية خبيثة:
"الثقة؟ في أي زمن تعيشين يا غبية؟ أنا لم أفعل شيئًا، أنتي من جلبتِها إليّ بيديكِ، والآن تودين الصراخ؟"
انتفضت المرأة بجنون، حاولت الفكاك من قبضته، لكنها كانت ضعيفة أمام قوته الوحشية.
قالت بصوت مختنق بالكراهية:
"سأسجنك، سآخذ روحك العفنة إلى الجحيم."
تأملها الرجل للحظة، ثم ابتسم ابتسامة أكثر حقارة، ورفع حاجبيه باستفزاز:
"أوه حسنًا، أثبتي ذلك."
ثم أطلق قنبلته القاتلة:
"هل نسيتي أن ابنتك لها أخ مدمن؟ أعني تخيّلي لو أخبرتهم أنه دخل إلى هنا وهو في حالة سُكر، فقد السيطرة، واغتصب أخته الصغيرة قبل أن يقتلها. ستكون قصة مؤثرة، أليس كذلك؟"
تجمدت المرأة في مكانها.
شهقت، ارتعش جسدها بالكامل.
ثم سقطت على الأرض منهارة.
كانت تراه ينظر إليها بشماتة، يمسك المنشفة، يجفف نفسه وكأن شيئًا لم يكن، ثم ألقى بها على الأرض واتجه نحو خزانته، يبحث عن ثياب يرتديها.
قال بنبرة مستمتعة بينما يختار قميصًا من الحرير الأسود:
"تعلمين؟ لم أجرب الصغيرات من قبل، لكن يا إلهي كانت حلوة، كالسكر تمامًا."
شهقت المرأة بصوت مخنوق، وضعت يديها على أذنيها، لا تريد سماع المزيد، لكن صوته كان يتسلل كالإبر داخل عقلها.
ثم أدار لها ظهره وقال بجفاف:
"إما أن تأخذي النقود وتصمتي، أو خذي جثة ابنتك وغربي عن وجهي. ليس لدي وقت لأضيع المزيد عليكِ."
كان هذا آخر ما قاله.
لكن في عقل المرأة، كانت صرخات ابنتها الأخيرة لا تزال تملأ المكان، وكان جحيمها قد بدأ للتو.
ركعت المرأة أمام جسد ابنتها، أناملها ترتجف وهي تلامس وجه الطفلة البارد، وكأنها تأمل أن تبعث فيها الحياة من جديد.
كانت عيناها مفتوحتين على اتساعهما، نظرة رعب عالقة في حدقتيها الزجاجيتين، فمها الصغير نصف مفتوح وكأنه كان يصرخ حتى آخر نفس.
شهقت الأم بحرقة، ضمتها إلى صدرها، وشعرت بآخر ما تبقى من روحها يُسحب معها.
خلفها، كان الوحش يقف بلا مبالاة، يزرر قميصه وكأن ما حدث مجرد أمر عادي في يومه.
التفت إليها بابتسامة كسولة وهو يشد أكمام قميصه، ثم انحنى قليلًا نحوها، وهمس بصوت مخدر بالخبث:
"هل ستأخذين المال؟ أم تفضلين أن تلحقي بها؟"
رفعت المرأة عينيها إليه ببطء، لم يكن في نظرتها سوى الفراغ.
ثم فجأة، انفجرت بصرخة مدوية وهي تنهض بجنون، قفزت عليه بأظافرها مثل وحش جريح، تنهال عليه بالضرب والعض والصراخ، كأنها لم تعد بشرية، بل كائن خرج من الجحيم ليقتص منه.
لكن هذا لم يدم طويلاً.
بضربة واحدة، لطَمها على وجهها بقوة جعلت جسدها يطير ليسقط بقوة على الطاولة الزجاجية.
تحطم الزجاج تحتها، انغرزت الشظايا في جسدها، وارتطم رأسها بحافة الطاولة، فشعرت بعالمها ينهار حولها.
زحف الدم على الأرض، امتزج بدم ابنتها، كأن القدر يسخر منها، يوحدهما حتى في الموت.
اقترب منها بخطوات هادئة، ثم انحنى، أمسك بشعرها، وجرها على الأرض كجثة هامدة.
"أيتها الحمقاء، هل اعتقدتِ أنكِ تستطيعين لمسي؟ أنتِ لا شيء، مجرد خادمة، قذرة، بائسة، تبيع نفسها مقابل المال. والآن فقدتِ حتى ذلك."
رفع رأسها بقوة، دفعها إلى الحائط، غرس أصابعه حول رقبتها وبدأ يعصرها ببطء، متلذذًا بتخبطها، بانفجار عروقها، بارتعاش جسدها.
همس في أذنها:
"أنظري إليّ، أنظري إلى قاتل ابنتكِ."
لكن المرأة لم تكن ترى شيئًا، كل شيء أصبح أسود، صوت ابنتها الأخيرة يدوي داخل رأسها بلا توقف، صرخاتها، توسلاتها، أنفاسها الأخيرة.
وفجأة، أطلقها.
سقطت على الأرض تسعل بعنف، تلهث، تلتقط الهواء وكأنها خرجت من تحت الماء بعد غرق طويل.
"لقد غيرت رأيي."
قال وهو يراقبها تتلوى تحت قدميه، ثم أدار ظهره قائلًا:
"لن أقتلكِ الآن، أريدكِ أن تعيشي بهذا الألم، أريدكِ أن تستيقظي كل يوم وأنتِ تعرفين أنكِ السبب في موتها."
ثم بصوت شيطاني، أضاف:
"أريدكِ أن تعيشي كجثة تمشي على الأرض."
انفجر بضحكة عالية، خرج من الغرفة تاركًا إياها خلفه، غارقة بين دماء ابنتها، ممزقة أكثر من جسدها الصغير الذي لم يعد سوى ذكرى شوهتها يد الشيطان.
وكان هذا مجرد بداية الجحيم.