تحميل رواية «الجدران الناطقة» PDF
بقلم مريم عثمان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في هذا العالم الذي نعيشه كثيرًا ما نجد أشخاصًا غريبي الأطوار، شخصيات مبهمة، وحقائق مدفونة في الظلال، ولكن الجميع يتفق على أن تصرفات المرء تكشف حقيقته، غير أنني أختلف، فالحقيقة أحيانًا تختبئ خلف الأبواب، تهرب من الواقع، أو تتشظى إلى نصفين واقع مرئي وواقع خفي يبتلع السرائر. طفولتي لم تُسرق في زحام الطرقات، بل تلاشت وسط دهاليز الحقيقة، اختفت كما يختفي السراب في وهج الشمس خلف أسوار ذلك المنزل العتيق، الذي يشبه قصرًا أثريًا، كانت الطفولة تُذبح بصمت، لم يكن منزلًا بل كان سجناً، وسكانه سجانين يحيكون ال...
رواية الجدران الناطقة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم عثمان
في صباح جديد، كانت آنا تبحث بجنون عن الحقيقة التي شعرت بها في الليلة الماضية. شيء ما كان مختبئًا خلف ذلك الحائط في آخر الممر، لكنها لم تكن متأكدة مما رأته.
"أنا واثقة، لقد كان هنا، رأيت بابًا، لا يمكن أن أكون قد تخيلت ذلك." تمتمت آنا وهي تمرر أصابعها المرتجفة على الجدار.
من خلفها، جاء صوت والدتها ماريانا، ممزوجًا بالتعب والضيق:
"هل بدأتِ تتحدثين مع نفسك الآن؟ كفي عن هذه التفاهات وتعالي لمساعدتي."
آنا زفرت بضيق، ثم صرخت:
"حاضر، أمي، قادمة."
في المطبخ، كانت ماريانا منهمكة في تحضير الطعام، تقطع الخضار بضجر، وعقلها مثقل بقلقها تجاه تصرفات آنا الغريبة.
"هذه الفتاة ستفقدني صوابي ذات يوم." تمتمت لنفسها وهي تهز رأسها بيأس.
أما آنا، فلم تستطع تجاهل إحساسها بأن هناك سرًا خلف ذلك الجدار. بدأت تطرق عليه بأناملها برفق، ثم فجأة، ضغطت على نقطة ما دون قصد، لتدور الألواح الخشبية فجأة، ويُسحب جسدها إلى الداخل، لتجد نفسها وسط غرفة مظلمة مهجورة، يملؤها الغبار، وأطياف العناكب تنسج خيوطها في كل زاوية.
"يا إلهي، كنتُ على حق." همست وهي تسعل بقوة، تحاول دفع الغبار عن وجهها.
أخرجت هاتفها بسرعة، وأضاءت الفلاش، تتفحص المكان بعناية. الأوراق الممزقة متناثرة، أدراج مكسورة، ورائحة رطوبة كريهة تملأ المكان.
لكن قبل أن تخطو خطوة أخرى، دوى صراخٌ حاد في أرجاء المنزل، كان صراخ والدتها.
"آناااااااا!"
تجمد الدم في عروقها، سقط الهاتف من يدها، واندفعت بجنون نحو الحائط، تحاول فتحه مرة أخرى، لكن الباب السري لم يستجب.
"لا افتح، افتح أيها اللعين!" صرخت وهي تضرب الجدار بقوة، لكن لا جدوى.
وفجأة، سمعت صوت والدتها يصرخ بكلمات غامضة، صوتها مختنق، ممزوج بالهلع:
"الندّاهة... الندّاهة..."
ثم، ومن العدم، انفجرت ألسنة اللهب في المطبخ، خرجت النيران بجنون، كأنها يدٌ شيطانية امتدت من الجحيم، تضرب كل شيء في طريقه.
"لاااااااااا!"
الزلازل ضربت الأرض، الأواني تناثرت، الجدران بدأت تتشقق، والدخان الأسود الكثيف تزاحم، يلتف حول المطبخ كسحابة جهنمية.
في الداخل، كانت ماريانا تحترق. جسدها التوى، لهيب أزرق غريب التصق بملابسها، صرخاتها كانت تزلزل المنزل، لكنها لم تكن مجرد صرخات ألم. كان هناك شيء آخر، شيء مخيف، كأنها كانت ترى شيئًا خلف النيران.
أما آنا، فقد كانت عالقة خلف الجدار السري، تحاول أن تفعل أي شيء، أي شيء لتنقذ والدتها.
لكن فجأة، انفتح الباب، دفعت نفسها خارجه بقوة، لتجد المنزل يعج برجال الإطفاء. النيران كانت في كل مكان، وصوت فرقعة الأخشاب المحترقة يطغى على كل شيء.
"أمي، أمي!" صرخت آنا وهي تحاول الركض نحو المطبخ، لكن أحد رجال الإطفاء أمسك بها بقوة.
"لا يمكنك الدخول، النيران تحيط بكل شيء!" صرخ الرجل.
لكن آنا لم تكن ترى شيئًا سوى صورة والدتها، تحترق وهي تصرخ باسمها.
"أرجوك، أمي في الداخل، أمي!" كانت تتوسل، تتخبط، تبكي بحرقة، لكن لا أحد يستطيع مساعدتها.
وبعد دقائق ثقيلة كالجحيم، هدأت النيران أخيرًا، لكن الثمن كان فادحًا.
من باب المطبخ، خرج المسعفون وهم يحملون كيسًا أسود. توقفت أنفاس آنا، ساقاها لم تعودا تحملانها. نظرت إلى الحامل، إلى ذلك الجسد المتفحم، ملامحه لم تعد واضحة لكنه كان بلا شك.
"أمـــــي!" صرخت بكل ما أوتيت من روح، سقطت على ركبتيها، صوتها تمزق من شدة الألم، لكنها لم تكن قادرة على الحراك.
وقبل أن يغشى عليها من شدة الصدمة، رأت شيئًا جعل الدماء تتجمد في عروقها.
سراب الفتاة الصغيرة.
كانت تقف هناك، عند باب المنزل، تراقبها بعينين خاليتين من الحياة، ثم استدارت، واختفت في الظلام.
كانت ليلة مظلمة، ثقيلة كالكابوس، وعقل آنا عالق بين الصدمة والجنون. منزلها أصبح كومة من الرماد، والدتها لم تعد سوى جثة متفحمة، وأطياف الرعب تتلاعب بعقلها المنهار.
في المشرحة، حيث يرقد جسد والدتها، وقفت آنا ترتجف، ترفض تصديق ما تراه عيناه.
"لا، ليست أمي، هذا ليس حقيقي."
مدّت يدها المرتعشة، كشفت الغطاء عن الجثة المتفحمة، وما رأته جعل معدتها تنقلب، عيناها اتسعتا برعب مطلق.
وجه والدتها لم يكن كما هو، كان مشوهًا، ممسوخًا، ملامحها تحولت إلى كيان غريب، عيناها جاحظتان، فمها مفتوح كأنها ماتت وهي تصرخ من شيء رأته قبل أن تلتهمها النيران.
وفجأة، تحرك الفم.
"آآآآآآآآنااااا!"
تجمدت أطرافها، جسدها تصلب، ولم تستطع حتى الصراخ، فقط تراجعت إلى الخلف بعينين جاحظتين، تراقب الجثة وهي تنتفض للحظة، قبل أن تهدأ مجددًا.
"لقد تخيلت. نعم، هذا مجرد وهم." تمتمت وهي تحاول التقاط أنفاسها، لكنها شعرت أن هناك من يراقبها. التفتت سريعًا، وجدت الطبيب الشرعي يحدق بها بعيون غريبة، كأنها لم تكن بشرية، كأنها مليئة بشيء أشد سوادًا من الموت نفسه.
"أمك لم تحترق بسبب النار فقط." قال بصوت بارد، مخيف.
حدقت به آنا، نبضها يتسارع، وكأن روحها على وشك مغادرة جسدها.
"م-ماذا؟"
اقترب الطبيب منها، همس في أذنها بشيء جعل دمها يتجمد في عروقها:
"لقد أخذتها الندّاهة."
شهقت آنا، وتراجعت إلى الخلف، لكن قبل أن تنطق بكلمة، انطفأت الأضواء فجأة، والمشرحة غرقت في ظلام دامس. لم يكن هناك سوى صوت واحد.
"آآآآآآنااااا"
لكن هذه المرة، الصوت لم يكن قادمًا من الطبيب، بل من الجثة.
والجثة كانت تتحرك. ارتفع جسد والدتها ببطء، كأن شيئًا غير مرئي يجرها من الأعماق، رأسها مائل إلى الجانب، عظامها تصدر أصوات طقطقة مخيفة، ثم فجأة، فتحت عينيها المحروقتين ونظرت إليها مباشرة.
"أنقذيني، آنااااااااا!"
انهارت آنا على الأرض، جسدها أصيب بالشلل، ولم تستطع حتى الصراخ.
ثم، في لحظة خاطفة، انقضت الجثة عليها.
"لِمَ لَمْ تُنقِذينييييييييي؟"
كانت أظافرها المتفحمة تغرز في رقبة آنا، وألم مميت اجتاح جسدها، شعرت وكأن أنفاسها تُسحب، كأن شيئًا يسلب روحها بالقوة.
لكن فجأة، تلاشى كل شيء.
استفاقت آنا وهي تصرخ، لتجد نفسها على سريرها، غارقة في العرق، قلبها يكاد يقفز من صدرها.
"حلم. كان مجرد حلم." تمتمت وهي تلهث، تحاول التقاط أنفاسها.
لكن ما لم تنتبه إليه، هو أن يديها كانت مليئة بخدوش عميقة.
وخارج نافذتها، كان هناك ظل طويل يراقبها بصمت، ينتظر.
رواية الجدران الناطقة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم عثمان
واصلت الأيام في الانسياق بوتيرة بطيئة ثقيلة، وكأن الزمن قد توقف في هذه الزمان المظلم. لم يكن هناك ضوء يبدد الظلام الذي غمر حياتي، فكلما نظرت إلى جدران المنزل، كان قلبي يزداد ثقلاً، وكأنها أصبحت شاهدًا صامتًا على وحدتي وآلامي. كما لو أن والدتي كانت هي آخر ما يربطني بالعالم، وكلما غادرت، تجسدت فكرة النهاية بشكل أكثر قسوة.
وفي تلك الأيام، أصبح الليل هو الوقت الذي لا أهرب منه، بل الذي يسحبني إليه بكل قوة. كان الظلام يعم المكان، وعيناي تنتقلان بين أركان المنزل كما لو أنني أبحث عن شيء مفقود. لم أكن أستطيع النوم؛ كانت الكوابيس تلاحقني بشكل لا يُحتمل. كنت أستيقظ في منتصف الليل، أشعر بشيء غريب في الغرفة. لا شيء يمكن أن يفسر شعوري هذا، لكنني كنت أسمع همسات ضعيفة تأتي من الزوايا المظلمة. شيء كان يراقبني. كنت أغلق عينيّ وأحاول إقناع نفسي أن الأمر ليس سوى خيال، لكن عندما أفتحها، أجد الظلال تقترب أكثر فأكثر، وكأنها تتسلل إليّ في كل زاوية.
في إحدى الليالي، وبينما كنت جالسة على الأريكة، سمعت ضجة غريبة قادمة من المطبخ. ارتجف جسدي، لكنني كنت مصممة على مواجهة هذا الشعور الغريب. تقدمت بحذر، وإذا بي أرى شيئًا غريبًا على الطاولة. كان هناك ورقة قديمة، مكتوبة بخط غير مألوف، يغطّيها غبار الزمن. اقتربت منها، وقلبي يكاد يقفز من مكانه. قرأت الكلمات التي كانت تحمل تهديدًا غامضًا: "إنه ليس النهاية بعد، بل البداية". كانت الكلمات كالصاعقة، وكأنها تُنبئ بشيء أكبر من الحريق نفسه، وكأن والدتي لم تكن مجرد ضحية، بل كانت جزءًا من لعبة أكبر.
كانت اللحظة تعبيرًا عن شيء بدأ يخرج من الظلال ويأخذ شكلًا أكثر وحشية. لم أكن في أمان، ولا حتى داخل جدران هذا المنزل. شعرت بشيء يكسرني داخلي، وكأن الحياة نفسها أصبحت عبئًا لا أستطيع تحمله. أغلقت الورقة وعدت إلى الغرفة، غير قادرة على تحديد ما إذا كان عقلي قد أضرب عن الواقع أم أن هناك قوة خارقة تحاول فرض سيطرتها علي.
ومع كل ليلة كانت تزداد حدة الصراع الداخلي، كانت الكوابيس أكثر وحشية، والظلال أكثر وضوحًا. في كل لحظة كان يزداد شعوري بالعجز والضياع. كان هناك شيء قادم، لا أستطيع التهرب منه. كلما زادت ملاحقتي للمجهول، كلما تذكرني الماضي، وما تسببت فيه تلك الحادثة الغامضة من دمار، وكأنها لم تترك لي مكانًا للشفاء.
وفي اليوم الذي تلاه، وبينما كنت أتمشى في المنزل باحثة عن شيء يملأ الفراغ، وقع نظري على صورة قديمة لوالدتي. كانت تبتسم في وجه الكاميرا بحب، ولكن عينيها كانتا تحملان شيئًا غريبًا، شيئًا كنت قد غفلته من قبل. كان هناك في عيونها ظل غامض، كأنها كانت تعرف أن هذا اليوم سيأتي. شعرت بأنني على وشك الانهيار، وكأن جسدي لن يتحمل هذه الآلام أكثر من ذلك.
في الأيام التي تلت ذلك اليوم المظلم، كنت أعيش في حالة من الانهيار العميق. شعرت كأنني فقدت كل شيء، كأن الحياة قد سلبت مني كل فرصة للراحة أو الشفاء. لم أعد أعرف كيف أواجه هذا العالم الذي أصبح كابوسًا لا ينتهي. كل زاوية في المنزل تذكرني بوالدتي، وكل شيء حولي يبدو فارغًا من أي معنى.
وفي تلك اللحظات، حين كنت أغرق في أعماق اليأس، ظهرت روز أمامي مجددًا. كانت خطواتها ثابتة، وعينيها مليئة بالحزن، لكنها كانت تحمل في عيونها شيئًا لم أستطع تحديده في البداية. اقتربت مني بحذر، وجلست إلى جانبي بهدوء، متجنبة أن تقول أي كلمة قد تثير المزيد من الألم في قلبي. كانت تعرف تمامًا ما أشعر به، لأنها كانت تعرف أن الألم الذي أحمله أكبر من أن يختصره أي كلام.
لم أتمكن من إخفاء دموعي، كانت تنساب بلا توقف، وكأنني لا أستطيع أن أوقفها. بكيت بحرقة، حتى كدت أشعر أنني سأغرق في هذا البحر من الحزن. روز لم تحاول أن توقفني، بل جلست بجانبي، ووضعت يدها على كتفي برقة. كان ذلك فقط، لا كلمات، لكن حضورها كان هو كل ما كنت أحتاجه في تلك اللحظة.
ثم، وبعد لحظة صمت طويلة، قالت بصوت منخفض، لكن مليء بالقوة: "آنا، أنا عارفة إنك متحسّة إن الحياة خدعتك، وإنك مش قادرة تكملي. بس حبيبة قلبي، في اللحظات دي بس، لما تحسّي إن الدنيا كلها ضديكي، ده وقتك تقدري تكتشفي قوتك الحقيقية. مش لأنك متحطمة، بس لأنك لسه عايشة، ولأن في حاجة جواكي بتقول إنك هتنهضي من تاني. الموت مش النهاية ولا حتى الألم ده هو النهاية."
نظرت إليها، ولم أستطع الرد، لكن حديثها كان يتسرب إلى أعماق روحي، وكأن كل كلمة كانت تلامس جزءًا مهدمًا في داخلي. لم أكن أستطيع أن أراها فقط، بل كنت أراها وكأنها تمثل الأمل، حتى وإن كنت قد فقدت القدرة على تصديقه.
قالت روز بحنان: "الناس في حياتنا يرحلون، بس هيبقى فينا أثرهم. ما تنسيش إنك كنتِ حاجة مهمة في حياتها، وإنه مهما كان شعورك دلوقتي، ما فيش حاجة هتقدر تمحي ذكرياتك مع والدتك. ولا الهزيمة هتكون النهاية ليكي. لو فكرتي في الحزن كأنك بتغسليه عن قلبك، هتلاقي إنك حتى لو انهرتِ، هتنهضي من جديد. بس علشان تنهضي، لازم تعرفي إنك أقوى من ده كله."
كانت كلماتها تدور حولي مثل عاصفة هادئة، تلامس كل جرح في قلبي، وتُعِيد ترتيب الأفكار المبعثرة في عقلي. لم أكن أستطيع أن أقول لها إنني شعرت أنني بلا قوة، أو أنني على حافة السقوط، لأن حديثها كان يزرع في داخلي شعورًا جديدًا، شعورًا بالكفاح الذي كنت أعتقد أنني قد فقدته.
بينما كنت في حالة من الانكسار التام، جلست على الأرض في غرفة والدتي، أضغط يدي على رأسي وأحاول أن أقاوم الدموع التي كانت تتساقط بغزارة. شعرت بكل جزء في جسدي ينفصل عن الآخر، كأنني كنت أعيش في حالة من الهلوسة. كانت تلك اللحظة هي أقرب ما شعرت فيه بأنني لن أتمكن من العودة إلى نفسي أبدًا.
كلما تذكرت الحريق، وكلما تذكرت كيف اختفت والدتي في غمضة عين، كلما ازداد الألم في قلبي. كانت لحظة انهيار بكل معنى الكلمة. كانت أحشائي تتقلص، وكأنني أغرق في بحر من الحزن واليأس. بدا لي أن الحياة قد خذلتني، وأنني أصبحت مجرد ظلٍ من الماضي.
كان البيت هادئًا بشكل غير طبيعي، وكأن الكون كله قد قرر أن يشارك في حزني. جلست وحدي في تلك الغرفة، غير قادرة على الوقوف أو التفكير، وكأن كل قوة في داخلي قد سحبتها تلك المأساة. فكرت في أنه ربما كان من الأفضل لو كنت أنا من ماتت في الحريق، بدلًا من والدتي التي كانت تعتبر كل شيء بالنسبة لي.
في تلك اللحظة، شعرت بجسدي يهتز من الداخل، وعينيّ تغلقان رغماً عني. شعرت بالاختناق، كما لو أن العالم بأسره كان يضغط على صدري. كنت أريد الهروب، ولكنني لم أكن أجد مخرجًا من هذا الكابوس الذي أعيشه.
في تلك اللحظات المظلمة، شعرت بشيء غريب يدخل إلى الغرفة. كانت صديقتي روز قد جاءت، دخلت دون أن تنطق بكلمة واحدة. كانت عيونها تحمل الحزن، ولكنها كانت مشبعة بالأمل الذي كنت قد فقدته. اقتربت مني، وجلست بجانبي بهدوء. كانت تعرف أنني في أسوأ حالاتي، لكنها كانت تتجنب أن تقول شيئًا لتخفيف الألم، فكانت موجودة فقط.
مرت لحظات طويلة ونحن صامتتان، لكنني شعرت بدفء حضورها. ثم، أخيرًا، نظرت إليّ وابتسمت ابتسامة حانية، وقالت بصوت خافت: "آنا، أعلم أنك تشعرين الآن بأن كل شيء قد انتهى، لكن صدقيني، هذا ليس كل شيء. لا تظني أن الظلام سيستمر إلى الأبد. الحياة تحتاج منك بعض الصبر، وأنت أقوى مما تظنين. لن تتركي هذه الآلام تسيطر عليك."
لم أكن أستطيع أن أجيب، لأن الكلمات كانت بعيدة عني، لكن تلك الكلمات أضاءت شيئًا في داخلي. كانت كلماتها كأنها شعاع ضوء يلامس الظلام الذي كنت أغرق فيه. لم يكن لدي القدرة على الرد، لكنني كنت بحاجة إلى هذا الدعم، إلى تلك اليد التي تمد إليّ في وقت الضياع.
احتضنتني روز بكل قوتها، وكأنها كانت هي التي تحارب الظلال التي كانت تلتهمني. تلك اللحظة كانت لحظة انهيار حقيقي، لكنها كانت أيضًا لحظة تجدد الأمل. كنت بحاجة إليها في هذا الوقت، وقد كانت هناك لتشع لي طريقًا ضيئلاً، في عالمٍ مظلم.
رواية الجدران الناطقة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم عثمان
كانت يدي ترتجف بشدة بينما كنت أرفع الصورة التي سقطت على الأرض.
تمالكت نفسي بصعوبة، لكن عندما نظرت إليها، شعرت بدماء جسدي تتجمد.
كانت إيمان، الفتاة التي التقيت بها في الحي عندما أخدها ذلك الرجل إلى منزله.
كيف يمكن أن تكون صورتها هنا؟ في هذا المكان المظلم، الذي كان يختبئ فيه أكثر من مجرد أسرار.
هل كانت هذه صدفة؟ لم أكن أستطيع الهروب من الشعور بأنني كنت أعيش في كابوس لم أعد أستطيع الهروب منه.
أخذت أبحث بشكل هستيري بين الأوراق المبعثرة على الطاولة، يدي تتحرك بسرعة غير طبيعية، كأنني كنت أسابق الزمن أو ربما الهلاك نفسه.
فجأة، اصطدمت عيناي بقسيمة زواج ممزقة، باسم سامح الشريف، مع اسم زوجته إيمان أحمد الأمين.
كانت هي نفس الفتاة. فهل كانت متزوجة من الرجل الذي قتل الطفلة؟ وما العلاقة بينهما؟
كل سؤال كان ينهش عقلي، ولم أكن أستطيع التوقف.
كانت الأجواء في هذا المكان غير طبيعية، وكان المكتب يبدو كالمقبرة المطمورة تحت الأرض.
كل زاوية، كل ركن، كان يحمل رائحة العفن والغموض.
كانت أصوات الهسيس تتسرب من الجدران، تتنقل من مكان لآخر، وكأنها همسات من الظلام ذاته، تحاول إغوائي لكشف الأسرار التي كانت مدفونة هنا منذ زمن.
في تلك اللحظة، بدأت أفقد قدرتي على التمييز بين الواقع والخيال.
كان جزء من روحي يحترق ببطء في هذا البيت اللعين، كان المكان يستهلكني أكثر فأكثر.
وفي تلك الليالي العاصفة، حيث كانت الرياح تعصف بالأشجار بعنف، كنت أسمع الأنين القادم من الطابق السفلي.
كان الصوت متقطعًا، كأنما كان يأتي من الجدران نفسها، لكنّه كان يزداد قوة، وكأن هناك روحًا قديمة، مليئة بالحقد والكراهية، تحيا في هذا المكان.
شعرت بشيء ثقيل يضغط على صدري، وكأنني أسير في كابوس لن ينتهي.
لكنني لم أستطع الصمود أكثر.
دفعت الباب وركضت إلى الأسفل، حيث كانت الأجواء تقول لي أنني كنت على حافة المجهول.
كنت على وشك الانهيار عندما سمعت صوت والدة سامح تصرخ من الطابق السفلي:
"ما الذي فعلته؟ هل هذا آخر ما توصلت إليه؟ ستدمر سمعتنا. هل تدرك ماذا يعني أن يخرج أمر كهذا إلى الصحافة؟ سننتهي جميعًا. ستسببين في دمار العائلة بأثرها."
ثم جاء صوت سامح ببرود قاتل، يجيب بلا أي خوف:
"لا يهمني. سأحلها. والدتها لن تفتح فمها. سأعطيها بعض النقود وستصمت. إن فتحت فمها، سأقتلها مثلما فعلت بابنتها. هل تسمعين؟ سأقتلها."
والدة سامح لم تستطع تحمل هذه الكلمات، بدأت تصرخ بجنون، فزعًا:
"هل تظن أن الأمر سينتهي هكذا؟ وتلك الجثة؟"
لكن سامح، بغضبٍ شديد، رد:
"قلت لكِ، سأتولي الأمر بنفسي."
وما هي إلا لحظات حتى انهارت والدة سامح بالبكاء على ما يبدو، بينما كان هو يصعد إلى الأعلى، ثم يعود وهو يحمل جثة الطفلة الصغيرة.
والدة سامح، بصوت مرعوب، سألته:
"إلى أين تأخذها؟"
أجاب سامح دون أن يهتز له جفن:
"سأدفنها في الحديقة ولن يعلم أحد عنها شيئًا."
كانت كلماتها تخرج بصعوبة من فمها:
"ماذا؟ هل تريد دفنها هنا في منزلي؟"
أجاب، متحاملًا على صوته:
"هل تريدين أن انتظر والدتها لتأتي بالشرطة إلى منزلي؟"
كان قلبها يكاد يقفز من صدرها، لكن خوفها أكبر من أن ينطق بكلمات أخرى، فهزت رأسها بلا حول ولا قوة.
ثم ترك سامح والدته تصرخ وتنازع نفسها بينما أخذ جثة الطفلة وخرج بها إلى الحديقة الخلفية.
ذهب سامح إلى جانب المزرعة، حفر الأرض بيديه، وألقى بالجثة هناك.
ثم أشعل النار في جسدها حتى تفحمت، ليتمكن من دفنها في قبر ضيق بيديه، دون أن يترك أي أثر لما فعله.
لكن ما إن انتهى، حتى شعرت بشيء يثير الرعب في صدري.
كانت الطفلة الصغيرة قد ظهرت خلفي، ولكن لم تكن كما كانت من قبل.
كان وجهها مشوهًا، كأنما تعرضت لحرق رهيب.
عيونها كانت مليئة بالحزن، ولكن في نظرتها كان هناك شيء آخر، شيء لا يمكن تحمله.
كان حزنها يتحول إلى غضب، وكأنها كانت تبحث عن شيء مفقود، شيء أخطر.
كانت تبحث عن حقها المفقود، الذي لن يسمح لها أحد بالتحقق منه.
كانت يدي ترتجف، وعقلي يكاد ينفجر من التوتر والضغط النفسي.
ما كنت أراه لم يكن مجرد خيال، كان كابوسًا حيًّا كان يتجسد أمامي.
لما كانت الطفلة تقف خلفي، لم يكن الأمر مجرد رؤية شبحية.
كانت هناك قوة في عينيها المليئة بالدموع، لكن هذا الحزن قد تحول الآن إلى رغبة لا تُحتمل في الانتقام.
شعرت بشيء ثقيل يضغط على صدري، وكأنني كنت أستعد للاقتراب من الهاوية.
صمت المكان، ولكن كان الصوت الوحيد الذي أسمعه هو صوت دقات قلبي المتسارعة.
كان كل شيء من حولي يتلاشى في عتمة غريبة، وكأن المكان نفسه أصبح جزءًا من هذا الكابوس المتواصل.
كنت أرى الطفلة الآن عن كثب، ووجهها المحترق يُظهر لي ألمًا يفوق ما يمكن أن يتخيله عقل بشري.
لم تكن تلك الطفلة البريئة التي عرفتها، بل كانت تجسدًا حقيقيًا للغضب، للظلم الذي لحق بها، وللروح التي لا يمكن أن تظل هادئة بعد أن تعرضت لهذا الرعب.
كان جسدها النحيل يتناثر في الهواء بشكل غريب، وكأنها كانت تطفو فوق الأرض، تختفي وتظهر في نفس اللحظة.
في تلك اللحظات، شعرت بالهواء يصبح أكثر كثافة، ثقيلًا كما لو أن العالم من حولي كان يوشك على الانهيار.
فجأة، دوى صوت حاد من وراء أذني، صوت يشبه الهمسات، ولكنه كان أقوى بكثير.
كانت تلك همسات الأموات، أولئك الذين عاشوا في هذا المكان، أموات لا يزالون يحكمون قبضتهم على كل شيء هنا.
بدأت الأرض تحت قدمي ترتجف، والمكان بدأ يشع بحرارة غير طبيعية، وكأن هذه الجدران كانت تستعد لابتلاعنا جميعًا.
صرختُ بأعلى صوتي، لكن صوتي بدا وكأنه يُبتلع في الزمان والمكان.
لم يكن لي وجود هنا سوى كظل عابر في هذا الكابوس اللامتناهي.
فجأة، انبعث صوت من بعيد، صوت سامح، وهو يقترب بخطواته الثقيلة.
كان يسير وكأن شيئًا لا يوقفه، وكان صوته يعبق بالقسوة.
ثم، وكأن كل شيء قد انتهى في تلك اللحظة، غمر المكان صمت مرعب.
كان الهواء مليئًا بالروح الحانقة، والظلام يبتلع كل شيء.
وكان كل شيء على وشك الانهيار.
رواية الجدران الناطقة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم عثمان
فجأة، دوى انفجار مروع، كان أشبه بانفجار جهنمي دمر جزءًا كبيرًا من البيت.
لكن ما كان أكثر رعبًا وغرابة هو أن الحطام لم يسقط على الأرض، بل بدا وكأن قوة خارقة تحرك الأشياء من مكانها.
كانت الأثاث تتحرك في الهواء وكأنها دمى، والنوافذ تتكسر بشكل متسارع كأنها تفتح وتغلق من تلقاء نفسها.
كان الزلزال في هذا المكان ليس مجرد اهتزازات أرضية، بل كان يخرج أشياء مظلمة وقاتمة من أعماق الأرض، كائنات لا يمكن تصنيفها، لا يمكن حتى تصورها.
كانت هذه القوة شيء بعيد عن الخيال، شيء لا يمكن فهمه.
البيت كله بدأ يتحرك بشكل غريب، كأن الجدران كانت تتنفس، تئن تحت وطأة شيء لا يمكن أن يراه الإنسان.
الظلال على الجدران كانت تزداد وضوحًا، وكأنها تحاول أن تشير إلى مكان ما داخل البيت، مكان لم تكتشفه آنا من قبل، مكان مليء بالغموض والظلام.
وعندما حاولت آنا الهروب، اكتشفت أن الأبواب كانت مغلقة، مغلقة بإحكام كما لو كانت جزءًا من اللغز الذي لا يمكن حلّه إلا إذا اكتشفت الحقيقة وراء كل هذا الخراب.
كانت الأبواب لا تفتح إلا إذا رأيت ما كانت تحاول إخفاءه.
حاولت آنا أن تستجمع شجاعتها، وبخطوات مترددة، بدأت تتبع النور الذي كان يلمع في الظلام.
كان النور هو دليلها الوحيد في هذا الليل الحالك، قادها إلى القبو، لكن الباب كان مغلقًا.
وعندما اقتربت، كان القفل يذوب أمام عينيها وكأن شيئًا خارقًا قد أحدث ذلك.
فتح الباب بصوت عميق ورهيب، وكأن كل شيء في هذا البيت كان يحاول إخفاء الحقيقة عنها.
مع كل خطوة كانت تأخذها للأمام، كانت تسمع صوتًا جمد الدم في عروقها.
صوت كان يخرج من أعماقها، وكان الصوت نفسه يزداد قربًا، حتى تساءلت: هل ما تسمعه صحيح؟
كان الصوت يبدو وكأنه يجيب على أسئلتها الداخلية.
آنا (بلهجة مرعوبة): باباه!
لكنها لم تكن تستطيع التحرك، كانت قد تجمدت في مكانها، وكأن جسدها قد أصبح جزءًا من هذا الظلام الكثيف.
تقدمت خطوة أخرى إلى الأمام، اختبأت وراء الجدار كما لو كانت تخشى ما قد تراه.
وفي لحظة، اكتشفت ما كان يحدث.
كانت ترى والدها، ملامحه واضحة تمامًا، ممسكًا بوالدة الفتاة التي قتلتها، وكان يحاول أن يقيدها.
كانت المرأة تقاوم، تحاول الهروب، تصرخ من الألم والخوف، لكن دون جدوى.
كان والد آنا لا يظهر عليه أي تردد، كان يضربها على رأسها بضربة قاتلة، حتى سقطت على الأرض غارقة في بحر من الدماء.
كان الشخص الآخر الذي ظهر في الشاحنة هو نفسه الذي كان يحاول ربط المرأة، وكان يبدو مذعورًا للغاية.
الشخص (بزعر): لقد قتلتها!
والد آنا، ويداه ترتجفان من الرعب، ردد: ألم يكن هذا هو المطلوب؟ علينا أن نبتعد عن هنا بسرعة.
هيا، احملها!
كانت الكلمات تخرج بصوت متوتر، كان يبدو عليه الارتباك والخوف من أن يُكتشف أمره.
الشخص: إذا اكتشف الأمر، سنموت جميعًا.
والد آنا: لا يهمني ما يحدث. يجب أن أحصل على المال. يجب أن أنقذ زوجتي. إذا علم السيد بما فعلناه هنا، لن يسامحنا، ولن يعطينا المال.
كان صوته يملؤه العنف والقلق في آن واحد.
الشخص: حسنًا، ضعها في هذا السجاد. لا يمكننا الخروج بها هكذا.
آنا كانت تقف في مكانها، مصدومة، لا تصدق ما تراه أمامها.
كانت اليد التي تحمل الموت قد تسببت في قتل امرأة بريئة لتسوية صفقة بشعة.
كان عقل آنا يكاد ينفجر، ويغلي من مشاعر الحزن والغضب.
دها كان قاتلًا، نعم هذا ما أراد البيت أن يخبرها به.
قتل والدها امرأةً بريئة لإنقاذ والدتها، ولكن من كان ينتظر؟ أين كانت والدتها الآن؟
كانت قد ماتت في نفس هذا البيت، وقد تم إخفاء جثتها بشكل مرعب.
فجأة، تغير الحال، ووجدت آنا نفسها في نفس الصحراء التي كانت قد رآتها في المرة السابقة، لكن هذه المرة كانت قد بدأت ترى الصورة بوضوح.
كان الرجل الذي يقود الشاحنة هو والدها، وتعرفت عليه جيدًا الآن.
الشخص: يكفي، وصلنا. هذا هو المكان.
والد آنا: حسنًا، ساعدني في إنزالها.
أنزل والد آنا والجثة مع الشخص الذي كان معه، وابتعدوا عن الطريق المظلم، إلى مكان مهجور.
كانوا يقفون بجانب قبر محفور.
بدأوا بوضع الجثة في القبر، ومن ثم بدأوا في دفنها بحذر شديد.
كان هذا هو نهاية القصة، نهاية فتاة برئية، وانتهت برحلة إلى الجحيم.
بعد مدة من الزمن، تعثرت الكلمات في فم الشخص، الذي قال: آه، لقد تعبت.
والد آنا: لن يعطينا المال إلا إذا انتهينا. هذا هو الأهم.
في تلك اللحظة، ظهر الرجل المدعو سامح من بين الظلال، وهو يحمل حقيبة ثقيلة.
رماها أمامهم قائلاً:
هذا هو المبلغ الذي اتفقنا عليه، ولا أريد أن أراكم مرة أخرى.
ركع الشخص في رعب، وهو يأخذ الحقيبة بكل هلع، قائلاً: شكرًا، سيدي. أعدك، أعدك.
والد آنا: لن نتورط في شيء، أليس كذلك؟ نحن قد وعدنا بذلك.
سامح، بابتسامة باردة: هل تعتقد أنني سأفضح نفسي بنفسي؟ أنتم الأغبياء.
لكنني أقسم لكم، إن علم أحد بشيء عن هذا، سأترك عقلكم ليتخيل ما يمكنني فعله بكل من له صلة بكم.
كان كل شيء يزداد ظلامًا، وكل لحظة كانت تزيد من رعب آنا، وهي تحاول أن تفهم هذه الجريمة التي لا يمكن تصورها.
استمر الظلام في غزو المكان، وكأن المكان بأسره قد اختفى تحت ستار من الرعب.
لا شيء يمكن أن يوقف هذا الوحش الخفي الذي يلتهم الحقيقة ويقود الجميع نحو مصير مظلم.
ومع مرور الوقت، بدا أن آنا قد تحولت إلى جزء من هذا الليل المتجمد.
كلما كانت تقترب من اكتشاف سر جديد، كان الظلام يعيدها إلى نقطة البداية، ليغمرها بموجة من العنف النفسي والجسدي التي لا تجد لها تفسيرًا.
كانت قد اختنقت داخل الزمان والمكان، وكأن الواقع قد تمزق أمام عينيها، ولم يعد هناك شيء يمكن أن ينقذها.
وحين تحركت بخطى مترددة إلى الخارج، وجدت نفسها في مشهد أشد قسوة من كل ما مرت به الأرض.
كانت متشققة، وكأنها تنبض بالألم، والنباتات الميتة تلوح لها وكأنها تذكرها بمصيرها الذي لا مفر منه.
فجأة، سمعت صوتًا قادمًا من العدم، كما لو كان الصوت يتسلل عبر ثنايا الزمن نفسه، صوت لا يعقل أن يكون بشريًا.
كان الصوت يحمل وقع أقدام ثقيلة في الظلام، وكان يقترب شيئًا فشيئًا.
وفي تلك اللحظة، أدركت آنا أن هذا الصوت ليس إلا تدفقًا لموجات من الشر، مثلما تكون الروح قد خرجت من الجسد فارتكبت أبشع الخطايا.
استدارت بسرعة، لتواجه ما كان يتربص بها في الظلام.
لكن ما رأته كانت صورًا مشوهة، ملامح غريبة، وجوه متقلبة، تتسارع نحوها.
كانت تلك الوجوه تعرف كيف تخترق الحواجز الزمنية وتعيش في الأبعاد المظلمة التي لا يراها البشر.
كانت أيدٍ غير مرئية تتقاطع مع بعضها، تلتف حول عنقها، تسحبها نحو الظلمات.
رواية الجدران الناطقة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم عثمان
تجمد الزمن لحظة في ذهن آنا. كل شيء كان قد بدأ ينكشف أمام عينيها. موت والدتها، قصة الفتاة الصغيرة ياسمينا، وعلاقتها المظلمة بمنزلها، والأسرار المخبأة في عمق هذا المكان. كانت أفكارها تتسابق كما لو كانت تبحث عن بعض الحقيقة التي قد تنقذها من هذا الجحيم المطبق على قلبها. لكنها كانت تائهة في دوامة من الخوف والغموض.
آنا كانت جالسة على أطراف أقدامها، تفكر في كل شيء مرّ بها حتى الآن. كل شيء أصبح واضحًا، وكلما حاولت أن تفهم ما الذي يحدث حولها، كانت الأمور تزداد تعقيدًا. كانت أفكارها تتنقل بين والدتها الميتة، الفتاة ياسمينا، وإيمان، والعلاقة التي تربطهم جميعًا. وكلما تأملت أكثر، ازداد الرعب في قلبها.
آنا: لكن ما علاقتها هي بياسمينا؟
وبينما كانت الكلمات تتردد في ذهنها، اهتزت جدران المكان بشكل مفاجئ. فزعها جعلها تقفز فجأة.
لا لا يمكن أن يكون إيمان هي الأخت الكبرى لياسمين. سامح كان يخطط لكل شيء. كان يزوج أختها ليمنعها من كشف أسراره. فكرت آنا بعنف، لكن شيئًا آخر كان يلوح في الأفق. كانت هنالك علاقة غامضة بين شركتي Q و R، وكأن السر يكمن في هذا الرابط الغامض.
لكن كلما تعمقت في التفكير، كانت الظلال حولها تتسارع أكثر. هذا المكان، هذا البيت، لم يكن مجرد مكان مهجور. كان يضم في طياته قوى شريرة قديمة، ومخلوقات مظلمة لم تكن من هذا العالم.
آنا بدأت تشعر وكأن جسدها قد تمزق، وأصبح ضبابًا يطفو في الهواء، بينما كانت روحها محاصرة بين الجدران المظلمة لهذا المكان الملعون.
وفجأة، أغمضت عينيها، وكأنها دخلت إلى بعد آخر. كانت الأصوات تتداخل مع بعضها، وصرخات قديمة تملأ الفضاء. وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب يتحرك داخل جدران هذا المكان، وكأن الكراهية والانتقام يتسربان إلى قلبها الممزق. البيت كان يملك قوة أعظم من الأرواح الضائعة، كان هناك روح شريرة قديمة تسيطر عليه، وكأنها تحتفظ بكل الأسرار المدفونة بداخله.
ثم، ظهر صوت والدها فجأة في أرجاء المنزل، يصرخ بعنف، وكأن غضبه قد أحيى الجدران نفسها.
والد آنا: أقول لك، غبنك حاول قتلي بعد أن ساعدته.
والدة سامح: لم تساعده من نفسك، لقد أخذت الثمن.
والد آنا: ولكن
والدة سامح: لا تصرعني. أنت فعلت ما فعلت بكامل إرادتك. دبرتم، خططتم، ونفذتم. اذهب إلى سيدك الذي اتفقت معه.
والد آنا (بصراخ شديد): لا يريد مقابلتي.
والدة سامح (ببرود): لا أستطيع فعل شيء من أجلك.
والد آنا: سأفضح أمركم إن لم يبتعد ابنك عني، حتى وإن كلفني حياتي.
والدة سامح: اخرج من منزلي، لا أريد رؤيتك.
وفي لحظة، امتلأت الغرفة بالظلال المظلمة التي كانت تتحرك بسرعة رهيبة حول آنا. الظلال كانت تتحرك في رقصات مرعبة، تنساب عبر الجدران وتلتف حولها، وكأنها تأخذ كل ذرة من الضوء في الغرفة. كانت أصوات خطوات غريبة تقترب منها، وأدركت آنا أن هناك شيئًا أفظع مما كانت تتوقعه يلوح في الأفق.
بأقصى سرعة، نظرت آنا إلى مصدر الصوت الغريب، وعينها تتسع رعبًا، إذ كان ما رأته أفظع من كل شيء تخيلته. كان الظلام يعيد تشكيل نفسه أمام عينيها ليكشف لها شيئًا لم تكن قادرة على فهمه تمامًا: والدتها نفسها، وهي تظهر أمامها، لكن بصورة أكثر بشاعة، عيونها مفتوحة على مصراعيها، مليئة بالغضب والجنون، كما لو كانت روحًا قد انفصلت عن جسدها لتنتقم.
آنا لم تستطع الهروب. الزمن توقف حولها، والأرض تحتها اهتزت بعنف، كما لو أن كل شيء سيغرق في هاوية لا تُرى. في تلك اللحظة، كان كل شيء مظلمًا؛ الظلال تزداد، والظلام يبتلعها شيئًا فشيئًا، بينما كانت حقيقة مروعة تتكشف أمام عينيها.
تجمّدت آنا على قدميها، لم يكن بإمكانها تحريك جسدها أو الهروب. كانت الظلال تقترب أكثر، وكانت تلتهم المكان المحيط بها شيئًا فشيئًا، كما لو أن الأرض نفسها كانت تتنفس بشدة، تمتص كل الأمل، وكل ضوء موجود حولها.
والدتها، التي كانت الآن أمامها، كانت لا تشبه أي شيء آنا عرفته من قبل. كانت صورتها مشوهة، أشبه بكائن مسكون بالألم والغضب. عيون والدتها كانت مفتوحة بشكل غير طبيعي، مليئة بشحنة من الغضب المكبوت والمرير، لكن في داخل تلك العيون كان هناك شيء أكثر قتامة. كانت هذه الروح، التي انفصلت عن جسدها، تريد أن تلتهم آنا، كما لو أن كل الألم الذي عانته في حياتها قد تجسد ليصبح وحشًا يسعى للانتقام.
آنا حاولت أن تبتعد خطوة واحدة، لكن جسدها كان ثقيلًا، وكلما تحركت، كانت الظلال تلتف حولها أكثر، وكأن الجدران نفسها كانت تلتهم صوتها وحركتها.
فجأة، سمع صوتًا غريبًا، قادمًا من أعماق الظلام. كان صوت خطوات ثقيلة تقترب، حتى بدأ الهواء يضغط على صدرها، وكل شيء أصبح أكثر ضبابية.
ظهر أمامها شخص آخر، لم تستطع أن تتبين ملامحه في البداية، لكنه كان يشبه والدها. كانت تلك اليد التي كانت تحمل الجثة، هي نفس اليد التي أطبقت على رقبة والدتها في اللحظة المظلمة التي دخلت فيها آنا إلى هذا البيت الملعون. لكنه الآن كان مشوهًا، بلا ملامح واضحة، كان مجرد ظلاً مهيبًا يتحرك.
آنا، وهي تكاد تموت من الرعب، حاولت أن تتنفس، لكن هواء البيت أصبح ثقيلًا، وكأنما كان يضغط على صدرها، ويمنع عنها الأوكسجين. بدأت الأصوات تتداخل في عقلها، كما لو كانت جوقة من الأرواح تتصارع في هذا المكان المظلم، وكل روح تحاول إخراج أسرارها المخفية.
ثم سمعت صوتًا آخر، صوتًا ينطلق من داخل الجدران، كان يشبه صرخة مروعة قديمة، تُجبرها على تذكر كل شيء مضى.
صوت مألوف قادم من خلف والدتها، التي لم تكن تعرف إن كانت هي من تبعثه أو روحها، لكن كان يصرخ بقوة:
لن تهربي. لن تهربي، لأنك جزء من هذه اللعنة.
'نهت الفتاة باسمين.
في تلك اللحظة، شعرت آنا بشيء أقوى من الظلام يلتف حول قلبها، كما لو كانت روحها ستتساقط إلى الأبد في أعماق هذا المكان المظلم. لكنها، رغم كل شيء، قررت أن تتحرك، حتى لو كان كل شيء حولها يصرخ، حتى لو كانت كل روح تحاول أن تمنعها.
مع كل خطوة، كان الظلام يلاحقها، وكانت الأنفاس الحارة للأشباح التي لا تُرى تزداد. كلما حاولت أن تفتح الباب أو تخرج، كان الصوت يزداد، والأنفاس تزداد قربًا، كما لو كانت تُحيط بها من كل زاوية.
لكن، في عمق قلبها، شعرت بشيء مختلف، شيء أكثر ظلمة. كان الصوت الآتي من الجدران يتحدث إليها مباشرة، وكأنها تسمع كلمات ليست كلمات بشرية، بل كأنها أنين الأرض نفسها، وأنين الكائنات التي تحيا داخل هذه الجدران.
آنا: أنتِ لستِ بريئة، أنتِ جزء من هذه الجريمة. أنتِ جزء من الظلام الذي لا ينتهي.