تحميل رواية «البريئة الجزء الثاني» PDF
بقلم Lehcen Tetouani
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كنت في السادسة عشر من عمري عندما تزوجت حامد ابن صديق والدي. كان حامد حاد الطباع لا يبتسم إلا قليلاً. عشت معه سنة ونصف السنة لم أسمع منه كلمة حب. كانت حياتنا رتيبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لكني وجدت عزائي في والدته التي أغدقت علي من الحنان ما جعلني أصبر على قساوة ابنها. أخبرني حامد منذ الشهر الأول من زواجنا بأنه يريد أن يصبح أباً ويفضل أن يكون ولداً لا بنتاً. أخذنا بكل الأسباب لكننا لم نتوفق. كل الأطباء الذين عرضني عليهم قالوا لا يوجد عيب واضح عندي ونصحوه بالخضوع لبعض الفحوصات، لكنه كان يرفض و...
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل الأول 1 - بقلم Lehcen Tetouani
كنت في السادسة عشر من عمري عندما تزوجت حامد ابن صديق والدي. كان حامد حاد الطباع لا يبتسم إلا قليلاً. عشت معه سنة ونصف السنة لم أسمع منه كلمة حب. كانت حياتنا رتيبة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لكني وجدت عزائي في والدته التي أغدقت علي من الحنان ما جعلني أصبر على قساوة ابنها.
أخبرني حامد منذ الشهر الأول من زواجنا بأنه يريد أن يصبح أباً ويفضل أن يكون ولداً لا بنتاً. أخذنا بكل الأسباب لكننا لم نتوفق. كل الأطباء الذين عرضني عليهم قالوا لا يوجد عيب واضح عندي ونصحوه بالخضوع لبعض الفحوصات، لكنه كان يرفض ويعتبر ذلك إهانة لرجولته. وأدفع أنا فاتورة ذاك الغضب وأسمع منه من الشتائم ما لا تطيقه نفس.
تزوج حامد من أخرى وتركني مع والدته التي أقسمت أن تترك البيت إذا طلقني. أصبح يتفقدنا من حين لآخر، مرة برفقة زوجته ومرة بمفرده دون أن يعيرني أي اهتمام. أحسست بالإهانة من تصرفاته فقررت أن أعامله بالمثل، فأصبحت أتجاهله تماماً كما كنت أضع غطاء الرأس في وجوده، مما أثار غضبه بشكل لم يتوفق في إخفائه.
كعادتي استيقظت فجر يوم من أيام الربيع للصلاة وإعداد القهوة لخالتي التي تحب أن تشربها في هذا الوقت المبكر. كنت في المطبخ حين دخل حامد فجأة وألقى السلام، مما جعلني أقف متسمرة في مكاني، فأنا لم أكن أعرف أنه نام عندنا الليل.
كان ينظر إلي وكأنه يراني للمرة الأولى وبدأ يقترب شيئاً فشيئاً حتى كاد يلتصق بي، مما جعلني أرجع بعض الخطوات إلى الوراء حتى كدت اصطدم بالطاولة. استمر في الاقتراب ونظراته تلتهم وجهي وجسدي لدرجة شعرت معها بالتوتر. حاصرني في ركن يصعب فيه الإفلات. ثم همس في أذني: اشتقت إليك. أول مرة أسمع همس حامد الدافئ بدل الصراخ الذي كان يدخلني في حالة الرعب. يتصبب مني عرق كشلال.
قلت بصوت مخنوق: ستبرد قهوة خالتي، دعني أذهب أرجوك.
في لمح البصر عاد العبوس إلى وجه حامد المألوف. نعم هذا هو وجهه الحقيقي الذي أعرفه. عض على شفته السفلى وضرب الحائط بقبضة يده بينما هو يقول لي: فلتذهب أنت والقهوة إلى الجحيم يا مدام، أنا زوجك ولي عليك حقوق وطاعة الزوج واجبة يا مدام.
قلت في نفسي: عن أي حقوق يتحدث هذا الأحمق؟ أبعد ثمانية أشهر من زواجه وهجره لي تذكر أنه زوجي؟ أين أنا من هذا الزواج حين كان يدخل هذا البيت ويده في يد عروسه غير آبه بمشاعري؟ يقبل يدها أمام عيني ويداعبها وكأنني كرسي لا إحساس لديه. ألست من قال عنها ذات مساء حين طلبت منه خالتي أن يعدل بيننا: لا حاجة لي بها لولاك لما كانت هنا أصلاً. واليوم أنا زوجته بل لعبته التي تركها على الرف وحين ضاعت منه لعبة تذكرها في لحظة اشتعلت فيها فتيل رغبته من هجر زوجته له. نعم أنا عجلة الاحتياط التي يمكنه استعمالها مؤقتاً حين لا يجد عنها بديلاً.
قطع حواري مع نفسي صوت خالتي التي دخلت علينا تسأل عن مصير قهوتها، فما إن رأته حتى رمقته بنظرة عتاب جعلته يخفض رأسه ويخرج.
لاحظت خالتي ارتباكي فضمتني إليها وقالت: لا تخافي يا صغيرتي، إني معك. وكأنها مسحت كل الخوف بداخلي بكلماتها العذبة النابعة من أعماقها. إنها أمي الثانية وليست أم رجل من المفترض أنه زوجي وقد أحببتها كما تحب الفتاة أمها.
في المساء تسلل حامد إلى غرفتي عندما كنت مشغولة بنشر الغسيل. وما إن دخلت الغرفة حتى أمسك بي كما يمسك الوحش بفريسته. أغلق الباب بسرعة ولم يترك لي مجالا للهرب منه. كان مضطرباً ويتصرف بحماقة أثارت تقززي. قاومته بكل ما أملك من قوة، الشيء الذي أثار غضبه فانهال عليا بالضرب والركل. حاولت في البداية أن أصرخ لكن صوتي لم يخرج من حنجرتي كحمامة مذبوحة تحاول أن تطلب النجدة.
استمر في ضربي وأنا صامتة. لم أقو على فعل شيء. فجأة شعرت بقوة في نفسي تدفعني للتحدي. لم أعد أميز موضع الألم في جسدي. رأيت الدم ينفجر من فمي وأنفي. استجمعت شجاعتي ودفعت برأسي أكثر نحوه وقلت له: اضرب كما تشاء، هذا جسدي الضعيف أمام قبضتك لكنك لن تنال منه ما يطفئ عطش رغبتك حتى لو قتلتني.
توقف وكأنه استعاد وعيه فجأة. نظر إلي بعيون أقسم أني رأيت فيها الجبن والخوف لاول مرة. كانت عيوني ما تزال تحدق فيه بكل جرأة وقوة وكأنني من أوسعته ضرباً وليس هو، وكأنني أنا الوحش الذي افترس الأرنب الضعيف بلا رحمة ولا شفقة. حاولت أن أقف على قدماي لكنهما لم يكونا في قوة نظراتي، فبقيت مرمية على الأرض كقشة بالية.
خلف الباب كانت خالتي تصرخ وتطلب منه الخروج. لم يرد عليها مما زاد قلقها وغضبها. قالت: أقسم بالله إن لم تفتح الباب أكن غاضبة عليك إلى يوم الدين. ما إن أكملت جملتها حتى ركض وفتح لها. ركضت بدورها إلي وهي تضرب على وجهها وتصيح: لا حول ولا قوة إلا بالله، قتلتها يا مجرم، قتلتها.
كان آخر ما سمعته قبل أن أغيب عن الوعي.
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل الثاني 2 - بقلم Lehcen Tetouani
فتحت عيني ونظرت حولي أتفحص مكان وجودي. اختفى المرج والورود والطفلة ذات الفستان بلون الزهور، وحل محلهم ضوء مصباح خفيف. سرير لشخصين بغطاء أبيض، تمدد عليه كجثة تنتظر دفنها. خزانة من الخشب في الزاوية. نافذة صغيرة حجبت عن العالم الخارجي.
كل القهر الذي عانيته في هذا السجن الانفرادي تسلل إلى مسمعي صوت امرأة ينتحب. أعرف هذا الصوت، إنها خالتي. أدرت رأسي نحوها وحاولت أن أبتسم، لكني شعرت بالألم في وجهي.
في الصباح، قررت أن أكسر حاجز الصمت الذي لزمته منذ دخلت ما يطلق عليه بيت الزوجية. لم أشكو مرة لأهلي ما أعانيه من هذا الزوج الأناني، حتى عندما تزوج وهجرني، لم أخبرهم إلا برغبته في الولد.
اتصلت بأبي وقلت له: "ارجوك تعال خذني". كانت الجملة الوحيدة التي نطقتها قبل أن أجهش بالبكاء، مما أصاب والدي بالذعر. وما هي إلا ساعة واحدة حتى طرق الباب بصحبة أمي التي ركضت إلى غرفتي. وما إن رأتني حتى تسمرت في مكانها من هول ما رأت.
كانت الكدمات قد غيرت ملامح وجهي. دخل والدي بدوره، فاتسعت عيناه من الدهشة. حول نظره إلى خالتي وقال: "ما هذا يا أم حامد؟ ماذا فعلت ابنتي لتعاقب بهذا الضرب المبرح؟ أخبريني ماذا فعلت يا أم حامد، وأقسم أن أزيد فوق ضربها هذا ما يشفي غليلكم. فقط أخبريني".
سكتت خالتي لحظة، ثم قالت والدموع تتساقط على خدها كغيث يثوق لعناق أرض يفتقدها: "منذ دخلت ابنتك هذا البيت، لم نر منها إلا ما يثلج القلب ويسر الخاطر. كانت لابني الزوجة المطيعة الوفية، لكنه لم يقدر هذه النعمة. أشهد الله أنها أصيلة وخلوقة، والعيب ليس فيها، وإنما في ابني". قالتها وانتحبت، فأحسست بقلبي ينفطر عليها.
واصلت كلامها وهي تمسك بصدرها وكأنها تخاف أن يسقط قلبها: "خذ ابنتك، فنحن لا نستحقها ولا نستحق نسبكم. تستطيع أن تبلغ الشرطة بأمر هذا الاعتداء".
عم الصمت لحظات قبل أن ينطق أبي قائلاً: "لا يا أم حامد، لن نقحم الشرطة في علاقتنا. ونحن الذين نعتبر الأهل قبل حتى هذه المصاهرة. كان أبو حامد رحمه الله أخا وليس فقط صديقا. بعد إذنك، أبلغي حامد أني أنتظر ورقة طلاقها بالمعروف ودون أية بلبلة".
أومأت خالتي بالموافقة، ونظرت إلي نظرة أم تودع ابنتها. كان الوداع حارقاً لقلبي وقلبها. كانت وستبقى أمي التي لم تلدني، ولن أنساها أبداً.
غادرت بيت حامد وانتابني شعور غريب ما بين الحزن والفرح. حزن لفراق حماتي، وفرح بالتحرر من قيود زواج لم أحمل منه ذكرى جميلة.
بعد عدة جلسات بالمحكمة وفشل محاولة الصلح، حكم القاضي بالطلاق. ورقة جعلت مني جارية، وأخرى وضعتني، لحسن التطواني، في خانة المغضوب عليهن في مجتمعنا الذي يعتبر طلاق المرأة وصمة عار على جبينها. فما بالكم إذا كانت المطلقة عقيم؟
عانيت الكثير من ثرثرة النساء وفضول الجيران، وكأنني المرأة الوحيدة التي لم تلد في هذا العالم. وأكثر ما أحزنني هو نظرة الخوف من الحسد في عيون الحوامل من صديقاتي وحتى قريباتي.
اعتزلت ذلك العالم المنافق الذي لا يرحم، وبدأت في اقتناء الكتب التي وجدت فيها المؤنس والصديق. قرأت في الأدب والفلسفة، الشريعة والتاريخ، حتى عن العقم. قرأت. لم يبخل يوماً علي أبي بثمن الكتب، بل كان يختار لي البعض منها بنفسه. لازمه الشعور بالذنب والشفقة اتجاهي. كيف لا، وهو من أرغمني على الزواج من ابن صديقه بحجة أنه أعطى وعداً لن يرجع فيه. أما أنا، فكنت أرى أن ما حدث قضاء وقدر لا يرده حزن ولا ندم.
أمي المسكينة لم تتقبل لحظة أن يشار إلي كعقيم. كانت تصرخ في وجه من يحدثها بهذا الشأن وتقول: "ابنتي ليست عقيم. الأطباء قالوا لا يوجد لديها عيب واضح، وهناك فرق بين عقم وتأخر الحمل. ممكن يكون السبب نفسي، وربما من حامد، لما لا؟".
مضت ثلاث سنوات على طلاقي. تغيرت أشياء كثيرة في حياتي، والجميل أن الناس انشغلت عني بقصص أخرى، وتركتني وشأني أعيش في سلام داخلي وخارجي.
أكثر الأوقات سعادة بالنسبة لي، تلك التي أقضيها في المكتبة، حيث الهدوء والقصص المتنوعة المثيرة على الرفوف. كنت أشعر أنها تلوح لي وتقول: "أنا هنا، تعالي". مجنونة أنا أصبحت هكذا، أقول مع نفسي وأضحك أحيانا.
رن الهاتف. سارعت إلى غسل يدي لأرد، لكن أمي سبقتني. "أهلاً أم نزار، كيف حالك؟". ثم تحول صوت أمي إلى وشوشة غير مسموعة. كل ما سمعته هو كلمة "لكن..."، "اها..."، "لا أدري..."، "خير إن شاء الله". ثم انتهت المكالمة. عادت أمي إلى المطبخ وقد بدا القلق واضحاً عليها.
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل الثالث 3 - بقلم Lehcen Tetouani
"لأول مرة، حقيقة كاملة."
"ماذا تقصد؟"
"الكلاب اللي كنا بنشوفها، دي مش كلاب."
"إيه؟"
"دي وحوش."
"وحوش؟ مستحيل."
"والله يا هند. وحوش."
"طيب، وإيه اللي خلاهم يقولوا كده؟"
"قالوا إنهم شافوهم بياكلوا حيوانات، وبيشربوا دم."
"ده كلام مخيف."
"مش بس كده. قالوا إنهم بيقدروا يتحولوا لبشر."
"إيه؟ ده جنان."
"ماعرفش. بس ده اللي سمعته."
"طيب، وإيه اللي حصل معاهم بعد كده؟"
"قالوا إنهم حاولوا يهربوا، بس الوحوش لحقتهم."
"يا ساتر."
"واللي حصل بعد كده، محدش عارف."
"يعني ماتوا؟"
"ممكن. أو ممكن يكونوا اتحولوا هما كمان لوحوش."
"يا رب سترك."
"بس فيه حاجة غريبة."
"إيه هي؟"
"قالوا إنهم لقوا عند الوحوش دي، لبس شبه لبسهم."
"يعني إيه؟"
"يعني ممكن يكونوا بشر قبل كده، واتحولوا."
"ده مخيف جداً."
"أنا خايف يا هند."
"أنا كمان."
"نعمل إيه؟"
"مش عارفة."
"يمكن لازم نهرب؟"
"نهرب فين؟"
"أي مكان بعيد عن هنا."
"بس هنروح فين؟"
"مش عارفة. بس لازم نعمل حاجة."
"طيب، خلينا نفكر. لازم نلاقي حل."
"أي حل."
"يمكن نلاقي حد يساعدنا؟"
"مين؟"
"مش عارفة. بس لازم نحاول."
"طيب، خلينا نبدأ بالبحث عن أي معلومة."
"حاضر."
"وخلينا نكون حذرين جداً."
"طبعاً."
"أي حاجة غريبة تحصل، بلغيني فوراً."
"حاضر."
"وياريت ما نقلقش بعض زيادة."
"حاضر."
"هنلاقي حل."
"يارب."
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل الرابع 4 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد أقل من أسبوع تم عقد القران ووجدت نفسي أنتقل إلى بيت سمير. ما أجمل الحياة حين تمسح السعادة كل آثار الجروح القديمة.
كان سمير كريماً معي بنبل أخلاقه وعاطفته الصادقة التي جعلتني أهيم به حباً، تعجز كل الكلمات عن وصفه.
كان يكدر قليلاً صفو سعادتي نفور الأولاد مني، لكني تحملت واجتهدت لأتقرب منهما. شيئاً فشيئاً زالت الحواجز بيننا، أصبحت صفاء تشاركني بعض أسرارها الصغيرة ولا تمانع في الخروج معي للتسوق.
أما أحمد فقد تعلق بي لدرجة لم أتوقعها، لا ينام إلا وأنا بجانبه أقرأ له قصة من قصص الأطفال، وفي الصباح يركض إلى غرفتي فيتسلل إلى الفراش بيني وبين والده ويتظاهر بأنه نائم.
هي العائلة التي تمنيتها دائماً، كم كنت سأخسر هذه اللحظات لو رفضت الزواج من سمير.
في إحدى الأمسيات بينما كنا نجلس كالعادة نتابع برنامجنا المفضل "من سيربح المليون" أخبرني أنه أخذ لي موعداً بإحدى عيادات الأمراض النسائية.
صعقت من سماع هذا الخبر، بدأت دقات قلبي تتسارع. التفت إليه وقلت له بعصبية:
لا أريد أن أذهب إلى أي مكان يا سمير، أنت تعرف وضعي وقبلتني كما أنا، فلماذا تريد أن تفتح باباً أقفلته من سنين؟
ضمني إلى صدره وقال لي:
حبيبتي اهدئي أرجوك، كل ما في الأمر أني أريد أن نعرف ما هي الموانع.
قاطعته:
الموانع أني عقيم يا سمير.
ضربت بيدي على بطني بقوة وأنا أقول:
لا أستطيع أن أحمل لك ولداً هنا، لماذا تريد أن تعذبني، حرام عليك.
دخلت في نوبة بكاء لساعة من الزمن، عجز فيها عن إخراجي منها، فبقي متسمراً في مكانه.
في الصباح خرج إلى عمله دون أن أشعر به. فتحت عيني وتحسست بيدي مكانه فلم أجده. المرة الأولى التي يغادر فيها البيت دون أن يتناول الفطور معي ويقبل جبيني. شعرت بالندم والخجل مما فعلته الليلة الماضية.
حاولت الاتصال به لكن هاتفه كان مقفلاً.
انتظرت عودته بفارغ الصبر، وما أن أقبل حتى ارتميت في حضنه كطفلة تهرب من العقاب بالتودد.
قبل جبيني وابتسم لي ابتسامته البريئة وقال:
لم أعرف أنك عصبية.
خفضت رأسي خجلاً وقلت:
آسفة حبيبي، متى الموعد؟
بعجالة أخذت حماماً ساخناً وشربت القهوة، بينما أنا ألبس ملابسي سمير يستعجلني ويقول:
الساعة الآن الثامنة والنصف، لم يبق لنا إلا نصف ساعة على الموعد، وأنت تعرفين حركة المرور صباحاً.
خرجنا بسرعة في اتجاه العيادة. بعد وابل من الأسئلة التي طرحتها علي الطبيبة، أخضعتني للفحص بالسونار، جهاز لم يسبق لي أن جربته من قبل.
طلبت مني إجراء بعض التحاليل والعودة إليها بعد أسبوع.
عندما عدنا المرة الثانية أخبرتني بوجود انسداد بقناة فالوب اليسرى وهذا ما منع الحمل كل هذه السنين، الحالة تتطلب عملية جراحية ليست صعبة ولا مكلفة.
انفرجت أسارير وجه سمير وقال لها:
هل يمكنها أن تحمل بعد العملية؟
قالت:
بإذن الله نعم.
رد:
يعني زوجتي ليست عقيم.
قالت:
عقيم من قال بأنها عقيم أصلاً؟
نظرت إلي وقالت:
يا مدام لستِ عقيماً، إنما هو مشكل بسيط تعاني منه الكثير من النساء ويحل عادة بالجراحة.
كنت في حالة ذهول، لم أقو على الرد. شعرت برعشة في جسدي وأنا أردد في داخلي: لست عقيماً. وددت لو أصرخ بأعلى صوتي فيسمعني هذا العالم الذي ظلمني.
أريد أن أطرق أبواب الجيران وأضع عيني في عيونهم وأقول: أنا لست عقيماً.
لم أعد أسمع حوار سمير مع الطبيبة. غرقت في بحر التخيلات، رأيتني أدخل بيت حامد، أركله كما ركلني، أضرب وجهه حتى ينزف وأنا أقول له: لست عقيماً.
أحسست بيد تمسكني، نظرت حولي وجدت سمير يقول لي:
مبارك يا عمري، مبارك.
خرجنا من العيادة وأنا ما زلت في حالة ذهول. تذكرت أمي وإيمانها القوي بأنني لست عقيماً، آمنت ببراءتي وكفرت أنا بها. ياه كم هي عظيمة الأم.
قلت لسمير:
خذني إلى أمي أرجوك.
فعلاً ذهبنا، عانقتها وبكيت فبكت وبكى أبي وسمير.
أجريت عملية قناة فالوب وكللت والحمد لله بالنجاح. كانت سعادة سمير أكبر من سعادتي.
مر الشهر الأول، الثاني، والثالث دون حدوث أي حمل، لكن الأمل كان رفيقنا. في الشهر التاسع بدأ القلق يتسرب إلى قلوبنا.
عدنا من جديد إلى الطبيبة، استغربت، فحصتني بالسونار، الأمور جيدة والفالوب نظيف!!!!
نظرت إلى سمير وترددت قبل أن تطلب منه الخضوع لبعض التحاليل.
نظر إليها مستغرباً وقال:
أنا أب لبنت وولد.
قالت:
أتفهم، لكن من باب قطع الشك فقط.
هز رأسه موافقاً.
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل الخامس 5 - بقلم Lehcen Tetouani
بعد خروجنا من المختبر، توجهنا إلى الطبيبة. قرأت النتيجة وسكتت دقيقة، قبل أن ترفع رأسها وتنظر إلى سمير. سألته إن كان يعاني من مشاكل في الكلى أو الكبد، فأجابها بالنفي مرة أخرى.
سألته: "هل سبق لك أن تعرضت لكسر في أعلى الفخذ أو الحوض؟"
سكت برهة قبل أن يقول لها: "كسر في الحوض إثر حادث سير قديم."
قالت: "هل أجريت عملية جراحية؟"
رد هو: "لا، فقط طلب مني علاجا بالأدوية وعدم بذل أي مجهود والراحة لما يقارب من ستة أشهر."
نظرت إليه بدهشة دون أن أعلق. "أمعقول نفس الحادث الذي ماتت إثره أم أحمد زوجته؟" سؤال طرحته على نفسي.
تنهدت الطبيبة وقالت: "للأسف، لديك خلل في عنق المثانة، أو ما يسمى بالقذف العكسي. في هذه الحالة، يتدفق المني إلى المثانة بدل خروجه، وغالبا بسبب ذلك الكسر."
نزلت كلمات الطبيبة كالصاعقة علي وعلى زوجي، الذي تغيرت ملامحه وارتعشت يده التي كان يضعها على المكتب. حاول أن يخفي عني صدمته، فقال بلطف: "ارجوك حبيبتي، أريد أن أتحدث مع الطبيبة على انفراد."
ابتلعت ريقي بصعوبة ونهضت من مكاني متوجهة نحو الباب. قفلته واتكأت عليه، مقاومة وقوعي على الأرض بسبب الدوخة التي شعرت بها.
سمعت بدون قصد صوت سمير وهو يترجى الطبيبة أن تدله على حل لهذه المصيبة. قال لها: "أتوسل إليك، ليس من أجلي ولكن من أجل تلك المسكينة التي ظلمت كثيرا بسبب وهم العقم الذي لزمها لسنين طويلة."
قالت الطبيبة: "يؤسفني أستاذ سمير أن أقول لك وبصراحة، لا يوجد حل. وددت فعلا لو استطيع أن أفعل شيئا لأجلكما."
"يا الله يا سمير!" قلتها بصوت جعل كل من في القاعة ينظر إلي. كان وقع كلماته أشد من كل معاناتي.
خرج من عندها والدموع تتراقص في عيونه العسلية التي عشقت لمعانها. الألم يعتصرني، لا أطيق أن أراه هكذا حزينًا. نسيت مصيبتي وغرقت في حزني لرؤيته يتألم من أجلي.
بدأ الهدوء يعود إليه بعد أسبوع من زيارتنا الأخيرة للطبيبة. جلس على حافة السرير ونظر إلي نظرة طويلة وأنا ممدة، قبل أن يقول لي: "أنا آسف لأني خذلتك." حاولت أن أتكلم، لكنه أشار إلي بأن أدعه يكمل حديثه. وقال: "الحمد لله، ليس لديك أي مشكل في الإنجاب." سكت برهة ثم أردف قائلا بصوت مخنوق: "لك حرية الاختيار يا بنت الحلال، وسأكون سعيدا لسعادتكم."
نهضت من مكاني بسرعة وعانقته بشدة، وقلت له: "تريد أن تتركني يا سمي؟ لا تفعل، أرجوك، لا حياة لي بدونك."
قال لي: "افهميني، فأنا لن أقبل أن أكون أنانيا."
قلت له: "ستكون كذلك إن تخليت عني. أنا أحبك ولا أريد من هذه الدنيا إلا أن أكون معك. أنت زوجي وابني وكل شيء."
دموعي تتساقط كزخات المطر، وقلبي أشعر كأنه سيخترق صدري ويخرج من شدة الخوف. نعم، الخوف من فقد سمير. ماذا سيحدث إذا لم أنجب؟ لا شيء، فأنا عشت كل هذه السنين بلا أبناء.
أمسكت بيده، قبلتها وأشرت إليه بأن يتبعني. فتحت باب غرفة أحمد، كان نائما ووجهه يشع براءة. نظرت إلى سمير وقلت له: "هذا ابني." أغلقت الباب برفق عليه.
وتوجهت إلى غرفة صفاء، كانت تقرأ كتابا. نظرت إلينا وابتسمت، فابتسمت وقلت لها: "أردنا أن نتفقدك فقط." هزت رأسها وابتسمت من جديد. أغلقت الباب وابتعدت عن غرفتها قليلا، ثم وقفت وعانقت سمير وقلت له: "وهذه ابنتي أيضا. لا أريد من هذه الدنيا غيركم، فلا تحرمني منك ومن أولادي."
سقطت دمعته على رأسي. نظرت إليه ومددت يدي أمسح دموعه. قال لي: "كم أنا محظوظ بك."
قلت: "أنا المحظوظة لأني قابلتك. أنت حبي الأول والأخير، أولادك أولادي، أنت لي وأنا لك وحدك."
كانت صفاء تقف خلفي وقد سمعت ما دار بيننا. مدت يدها حتى لمست ذراعي. التفت إليها، ارتمت في حضني. ضمّنا سمير إليه وقبلنا بحرارة كعائد من رحلة طويلة. أظن أنه الشوق.
"ويجعل من يشاء عقيم."
"نلتقي على خير."
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل السادس 6 - بقلم Lehcen Tetouani
استيقظت على صوت صراخ صاخب وذهبت لأرى مصدر الصوت.
وجدت عمي وزوجته يتشاجران بسببي.
بعدما وجدتهما يتخانقان بسبي، كنت أود أن أعرف المشكل.
سمعته يقول: "ستتزوج هذا الرجل ولن أتراجع في كلامي."
قالت زوجة عمي: "لكنها لا تزال طفلة وتود أن تحقق أحلامها وتكمل دراستها، لما العجلة؟"
أجابها: "أريد أن أضمن لها حياتها، فأنا لن أدوم وهذا الرجل سيكون مسؤولاً وسيعوضها عن كل شيء."
فتناقشت معهما ووافقت مباشرة بعدما فكرت في الهرب، لكن ليس لي مأوى.
أنا اسمي ندى، عمري 18 سنة.
توفي والداي في حادث وتكفل بي عمي وزوجته وأنا ممتنة لهما.
مرت الأيام واليوم يوم زفافي.
أنا خائفة جداً، مرتبكة لدرجة كبيرة.
تجهزت، لبست فستاناً أحمر قصير من الأمام وطويل من الخلف.
كان شعري أسود، وضعت عليه بروش ذهبي مع مكياج خفيف، لا أحب المكياج كثيراً.
تعجب الجميع من بساطتي، لكن أنا أحب هكذا.
انتهت حفلة الزفاف.
دخل رجل طويل أسمر له لحية خفيفة، يرتدي طقم عريس جميل.
بنسبة متوسطة، عمره تقريباً سبع وعشرين سنة.
تفاجأت، هل هذا زوجي؟
مسك بيدي فخرجنا سوياً.
كنت خائفة جداً، متوترة جداً، وقلبي ينبض بسرعة فائقة.
توقفت السيارة ودخلنا إلى منزل جميل.
فخاطبني قائلاً: "أنا طبعي عصبي وقاسي أحياناً وحنون في نفس الوقت وعنيف أحياناً قليلة. أشعر أنك ستعاني معي قليلاً."
بلعت ريقي ونظرت إليه نظرة خوف وقلت في نفسي.
مرت الليلة الأولى بسلام.
بدى لي حنون جداً، حيث أنه هو من أطعمني وتكلمنا قليلاً عن أنفسنا.
قد حل اليوم الثاني من زواجنا.
قمت باكراً، أعددت الفطور ووضعته فوق الطاولة.
فذهبت لأوقظه من نومه العميق.
نهض من فراشه قائلاً لي: "صباح الخير، كيف حالك؟ كيف نمتي؟"
فأجبته: "بخير الحمد لله."
فنظر إلي نظرة صاعقة كأنه سيفعل لي شيئاً.
فبدأ يقترب مني وقال لي: "لماذا لم توقظيني لصلاة الفجر؟"
فشرودت في الأرض.
فصرخ صرخة هزت الأرض.
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل السابع 7 - بقلم Lehcen Tetouani
فصرخ صرخة هزت الأرض.
وبدأ قلبي يتراقص من الخوف.
فقلت له: "أأأأنا لا أعلم."
بدأ يقترب مني.
"كيف لا تعلمين وقد أوصيتك بهذا؟"
إقترب مني كثيراً.
أغمضت عيني، كنت أنتظر كفاً يسقط على وجهي.
إلا أنه همس في أذني: "آخر مرة مفهوم."
فأجابته: "ننننعم مفهوم."
صراحة أنا لم أكن أعطي صلاة الفجر أهمية، حيث أنني كنت أصليها عند الشروق.
لكن تغيرت عاداتي بعدما توسعت في ديني.
نزلنا لنتناول الفطور.
كانت الطاولة شهية جداً.
أنا ماهرة في الطبخ رغم صغر سني.
جلسنا، ومد يده للأكل.
فوضعت له الشاي.
فقال لي: "شايك لذيذ، شكراً جزيلاً على الفطور، كان رائعاً."
وقال لي: "جهزي نفسك لنذهب."
فقلت: "إلى أين؟"
فقال لي: "قلت لك جهزي نفسك فقط، لا أريد أخرى."
ذهبت وجهزت نفسي.
وقلت: "أنا جاهزة حبيبي، هيا نذهب."
قال: "ههه حبيبي، الحمد لله سمعت كلمة رومانسية منك."
قال رامز: "ما هذا اللباس؟ كيف ستخرجين معي هكذا؟ اذهبي وغيري ملابسك ثم عودي لنذهب. ارتدي شيئاً واسعاً أكثر."
قلت: "لكنني قبل الزواج كنت ألبس هكذا."
فأجابني رامز بعصبية: "مثلما قلت قبل الزواج، والآن نحن بعد الزواج. اذهبي وغيري ملابسك، وإلا سأظهر الوجه الثاني ولن يعجبك أبداً."
فقلت له: "حاضر سأغيرهم."
وضع يديه الاثنتان على وجهي.
وقال: "شطورة."
خرجنا من المنزل، وجهزت نفسي وركبنا السيارة وذهبنا.
وصلنا إلى مكان جميل هادئ.
نزلنا من السيارة وكان في انتظارنا صديقه وزوجته.
مد صديقه يده، فصافحته وسلمت عليه وعلى زوجته.
فأخذني زوجي في جنب قائلاً: "حسابك عسير معي على المصافحة والتسليم."
فعدنا إلى الجماعة.
أمضينا وقتنا، تسلينا كثيراً، أكلنا، لعبنا، مرحنا.
بعد مرور أسبوع، عدنا إلى المنزل.
لا أزال أحس نفسي غريبة في هذا المنزل.
صعدت إلى غرفتي وكان رامز خلفي.
وفجأة عند وصولنا الغرفة، ناداني بصوت مرعب لا يبشر بالخير.
اقترب مني، إذا بكف قوي ينزل على وجهي، فسقطت أرضاً.
ونظرت إليه بخوف كبير.
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل الثامن 8 - بقلم Lehcen Tetouani
دخل رامز إلى البيت. نادى بصوت مرتفع قائلاً: "ندى".
خفت كثيراً. قلت في نفسي: "ياربي احمني يا رب، صوته لا يبشر خير".
فخرجت عنده وقلت له: "نعم، ماذا تريد؟"
قال: "جهزي لي حماماً، دقيقة واحدة في يدك".
فقلت له: "حححاضر". وقلبي يتراقص من الخوف.
قلت في نفسي: "كيف يحضر الحمام؟ أمر تافه، يدخل ويأخذ معه ملابسه ويستحم مثل باقي الناس، أو يريدني أن أحضر له رغوة يتسلى بها مثل الأطفال، تافه".
قال رامز: "هل قلتي شيئاً؟"
فأجبته: "لا".
أخذ حمامه. حاولت أن أُفاتحه في الموضوع. وقلت في نفسي: "يا ربي يسرها لي".
جلست بجانبه وبدأت أشبك أصابعي وأحركها باستمرار. واضح علي التوتر والخوف.
بعدما جمعت قوتي، قلت: "أريد استئناف دراستي والالتحاق بمقاعد كلية الطب".
نظر في عيني وبدأ يضحك باستهزاء: "ماذا تريدين؟ الدراسة سيكون في أحلامك يا غبية، وكلية الطب أيضاً، والله أنتِ مضحكة، انسَي هذا الكلام".
لم أجد ما أفعله سوى الجلوس في الزاوية والبكاء. كم اشتقت لك يا أبي. عندما كنت بجانبك كنت أميرة، كل ما أطلب تلبي لي رغباتي. كنت تقول لي دائماً: "عليك الاجتهاد والدراسة، فسلاحك دراستك".
ذهبت بعيداً وتركتني. كنت تداعب شعري وتقول: "سأبني لابنتي عيادة وسيكون اسمك مكتوباً بحروف من ذهب، لأنك ولدت للمعجزات".
وكنت أقول لك: "وستكون أنت المدير، لأنني لا أسوي شيئاً دونك يا أبي، ستكون درعي الواقي دائماً يا أبي".
كنت تعدني بالبقاء، لكن الوعود بجانب القضاء والقدر لا تساوي شيئاً. كم أتمنى أن تعود لثانية وأقبلك في جبينك. كم أتمنى أن أسمع كلمة "يا ابنتي كوني لبؤة لا تُهزم، فخلفك أسد شرس". كم اشتقت لك يا سندي ويا ملكي ويا قرة عيني.
ماذا سأفعل الآن؟ هل سأبقى عبيدة لهذا الإنسان الذي لا يوجد في قلبه ذرة من الرحمة؟ وما سبب هذه القساوة؟
وفي اليوم الموالي، بعد ذهابه إلى عمله، كنت أبحث في أغراضه حتى وجدت صورة له مع امرأة تبدو كأنها أمه، ومعهم طفلة صغيرة لطيفة جداً. من تكون يا ترى؟ إذا كلمته عن الصورة لن يتركني من يديه إلا جثة هامدة.
في المساء، رجع رامز، يبدو كأنه ثمل. رائحته كريهة.
"يا الله، هل يشرب الكحول؟"
كان يردد وهو يقول: "أنقذي أمي، انقذيها، أرجوك انقذيها، ستموت".
اقترب مني، مسكني، وضع يده على رقبتي وخنقني وهو يردد: "ستدفعين الثمن".
كدت أموت من قوة يديه. حتى أبعدته عني بقوة وهربت مسرعة نحو الحمام وأغلقت على نفسي.
حل الصباح. استيقظ في الصباح وقال لي: "ما بها رقبتك؟ لم ألمسك البارح أبداً، والأثر يبدو حديث".
قلت بصوت منخفض: "هل هو غبي أم يستغبي؟"
لم أجد ماذا أفعل. فقمت بخنق نفسي، تافه.
قال رامز: "هل قلتي شيئاً؟"
فقلت له: "لا أبداً، فقط قلت أنك أنت من فعل هذا بي ليلة أمس، كنت في حالة يرثى لها".
فانخطف لون وجهه وقال: "هل فعلت شيئاً أو قلت شيئاً؟"
فأجبته: "نعم، فعلت".
فقال رامز: "ماذا فعلت؟"
فقلت: "رسمت على رقبتي خريطة من قوة يديك، خنقتني كأنني لص أو قاتل".
انغم عيناه بالدموع وخرج من الغرفة مسرعاً.
وقلت في نفسي: "يا ربي، هل يمكن أن يكون مجنوناً أو مختل عقلياً؟"
حاولت التوصل إلى أي شيء يخص ماضيه. لم أجد شيئاً سوى تلك الصورة. تساؤلات كثيرة تدور في ذهني.
اليوم يوم الجمعة. مثل بعدما ذهب إلى المسجد، دق باب المنزل.
شخص غريب. سارعت في تغطية رأسي وفتحت الباب. فقال لي: "هل السيد رامز هنا؟"
فأجبته: "لا، لقد ذهب، لكن هل أستطيع أن أعرف من أنت؟"
فقال: "ألم يحدثك رامز عني؟ فأنا صديقه المقرب، يعني يظننا الناس إخوة".
آه، فرحت كثيراً، فهذا سيقودني للحقيقة. فطلبت منه رقمه. أعطاني إياه. قلت: "سأتصل بك قريباً، لكن سيبقى سراً بيننا، ممكن؟"
فأجابني: "أكيد طبعاً ممكن".
فانصرف مباشرة. وأخيراً سأتوصل إلى الحقيقة.
أردت أن أتكلم مع رامز بخصوص الدراسة مرة أخرى، ربما سيقبل هذه المرة، لا أدري. دخل رامز، كان يبدو مزعوجاً.
كل يوم مزعوج أو قلق أو حزين، لا يكون في حالة جيدة أبداً. فسألته: "ما بك؟"
فأجاب رامز: "لا شيء".
لم أتكلم عن موضوع الدراسة، لأنه حتماً سوف يرفض.
أردت أن أقنعه بشكل ما، لكن يجب أن أعرف ما سر هذه القساوة والكلمات التي كان يقولها عندما كان ثمل.
في الصباح الباكر، فتحت الستائر. كان الجو لطيفاً جداً، بعض السحاب المبعثر مع الشمس التي تكاد تشرق. سبحان الله.
عند ذهاب رامز إلى عمله، كان يجب أن أتصل بذلك المغرور، صديقه. حقاً يبدو مغروراً جداً.
مسكت الهاتف وكتبت رقمه. لم يجيب من أول اتصال، فحاولت مرة أخرى. الحمد لله رد. قلت: "السلام عليكم".
فأجابني: "وعليكم السلام، من؟"
فأجبته: "أنا زوجة صديقك".
فقال: "آه نعم، عرفتك، كيف حالك؟"
فأجبته: "بخير الحمد لله، أريد أن أكلمك عن موضوع ضروري وطارئ نوعاً ما".
فقال: "نعم، تفضلي".
فقلت: "هل من الممكن أن نلتقي؟"
فقال: "نعم أكيد، سأبعث لك العنوان".
فأجبته: "آه شكراً جزيلاً، لن أنسى معروفك أبداً".
جهزت نفسي وخرجت من المنزل متجهة نحو المقهى الظاهر في هذا العنوان.
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل التاسع 9 - بقلم Lehcen Tetouani
جهزت نفسي وخرجت من المنزل متجهة نحو المقهى.
عند وصولي جلست أنتظر ذلك الشاب، لا أعرف اسمه حتى وصل وجلس وتبادلنا أطراف الحديث.
حتى وصلنا إلى الموضوع الأكثر أهمية، فقلت له: "أريد أن أعرف قليلاً عن ماضي رامز ولماذا يتصرف بهذه الغرابة والقساوة أحياناً."
فأجابني تامر، هذا اسمه: "هذه قصة طويلة جداً."
فقلت له: "هل أم رامز ميتة؟"
فقال تامر: "نعم ميتة، لكنها في نظره مقتولة."
بدأت القصة قبل عشرين سنة، كان عمر رامز ثماني سنوات. كان أبوه يكرهه جداً ودائماً يقول له: "ليتك لم تكن ابني."
حيث أن رامز كان يعاني كثيراً مع أبوه وطريقة معاملة أبوه له، كما أنه لم يكن يتحمل معاملة أبيه لأمه رحمها الله.
فذات يوم اكتشفت أم رامز أن زوجها يخونها مع امرأة ثانية، وأنهما متزوجان ويعيشان معاً منذ فترة حوالي ستة أعوام.
وأنه قد أنجب منها فتاة. وبعدما اكتشفت أم رامز تلك الحقيقة، فقدت أعصابها وأصبحت شبه مجنونة.
ومعاناة رامز لم تكن سهلة أبداً، فقد كان يمثل دور الضحية، الطفل البريء المسكين.
لم يعش طفولته بين أسرة تعرف المودة والرحمة، كانت طفولته عبارة عن مأساة حقيقية.
فسألته: "لماذا عندما لا يكون في وعيه يردد هذه العبارة: انقذي أمي، انقذيها، أرجوك انقذيها، ستموت!"
فأجابني تامر: "بعدما عرف الجميع الحقيقة، توفيت الزوجة الثانية، أم هذه الفتاة الصغيرة. فقررت أم رامز الاهتمام بها، فليس لها مأوى غيرها وشفقت على حالتها."
في يوم من الأيام، اندلع حريق في المبنى ولم يكن يتواجد أحد في المنزل سوى تلك الفتاة.
وصل رامز والمكان محاصر، لا يستطيع أحد الدخول لانقاذ أمه. فتلك الفتاة هي الوحيدة القادرة، فقد كان أنبوب الماء أمامها.
إلا أنها لم تنقذها، لأنها كانت في نظرها عدوة أمها وتحمل حقداً وكراهية اتجاهها رغم صغر سنها، وأن أم رامز سبب في تعاسة والدتها.
وكان رامز يصرخ وينادي: "انقذي أمي، انقذيها!"
فماتت والدة رامز اختناقاً واحتراقاً.
لم يرد رامز أن ينسى تلك الحادثة، حيث أنه يمثل أنه قوي وصارم، لكن في الحقيقة صدقيني أنه لا يوجد أحن من قلبه.
يبدو قاسياً لأنه عاش طفولته بين الخيانة والظلم والمعاناة وكل أشكال العنف والمأساة.
يجب عليك أن تتوصلي إلى قلبه اللين بطريقتك، فهو ضائع ولا يعرف ما يفعل.
يجب عليك أن تعوضيه عن كل ما فاته في هذه الحياة الظالمة.
انغمرت عيناي بالدموع، لم أجد ما أقوله، لكن سأساعده.
اتصل بي رقم غريب، فأجبت: "ألو."
فرد: "وجدت الهاتف في جيب المصاب، هل أنت من أقاربه؟"
فقلت: "نعم، خير ما به، ماذا حدث له؟"
فأجاب: "السيد رامز تعرض لحادث مرور وتم نقله للمستشفى."
ذهبت مسرعة للمستشفى، وعندما وصلت كان صديقه تامر هناك.
فطلب منا البحث عن فئة دمي أو إيجابي (O+).
الحمد لله نفس فئة دمي. دخلت وتبرعت له، أرجو أن يعيش يا ربي.
خرج الدكتور، سألته: "كيف حال المريض، هل سيعيش؟"
فأجابني: "نعم الحمد لله، تجاوز مرحلة الخطر."
فرفعت يداي للسماء وشكرت ربي كثيراً وحمدته على رحمته في الابتلاءات. ألف حمد وشكر لك يا ربي.
فذهبت لكي أطمئن على تامر، لكن لم يستيقظ بعد.
وفي اليوم الموالي، يوم خروج رامز من المستشفى، التقينا بالممرضة التي قدمت الأوراق لأوقعها.
فقالت الممرضة: "الحمد لله على سلامتك سيد رامز، أنت تملك زوجة نادرة حقاً، فقد تبرعت لك بكثير من الدم خاصة لأن فئتك نادرة، فلولاها لأظن أنك كنت ستعيش طويلاً. حفظها الله لك."
ودمت سالماً.
فغادرت الممرضة، ونظر رامز إلي وأكمل طريقه.
فقلت بصوت منخفض: "كلمة شكراً لا يقولها، كم أنت متكبر يا تافه."
فقال: "هل قلت شيئاً؟"
فأجبته: "لا أبداً، فقط قلت لك الحمد لله على سلامتك (يا تافه)."
ركبنا السيارة وتوجهنا إلى البيت.
وعند وصولنا لم يستطع المشي حتى ساعدته ووضعت يديه على كتفي حتى وصلنا الغرفة، فاستلقى على سريره وتركته يرتاح.
وكل تفكيري فيما قاله لي صديقه المقرب تامر، كيف سأعوضه عن ما فاته، كيف سأصل لقلبه.
نادى بصوت مرتفع: "ندى."
فأصابني الهلع، فقلت: "نننعم، ماذا تريد؟"
فأجابني: "هل التقيت بصديقي وراء ظهري؟"
فقلت: "آه، أأأنا... نعم التقيت به..."
فصرخ صرخة هزت الأرض: "ندى لماذاااا!"
فقلت: "لا تصرخ، ستتأذى، لا تزال مريضاً."
قال لي: "اجلسي بجانبي، أريد أن أكلمك."
لأول مرة يتكلم بهذه اللطافة، فجلست وأنا متوترة جداً.
رواية البريئة الجزء الثاني الفصل العاشر 10 - بقلم Lehcen Tetouani
قال لي رامز اجلسي جنبي أريد أن أكلمك.
لأول مرة يتكلم بهذه اللطافة، فجلست وأنا متوترة جدا.
فقال لي: لماذا تهتمين بي لهذه الدرجة؟ لماذا تنتبهين على صحتي وتحرصين على دوام عافيتي؟ لماذا تبرعت بالدم رغم كل المعاملة التي عاملتك إياها؟ لماذا لم تأخذي بثأرك وتتركيني أموت؟ لماذا أنقذتيني مع أني ضربتك وجعلتك تتمنين الموت؟
لماذا تلتقين بصديقي مع أنك تعرفين أني إذا عرفت لن أرحمك أبدا؟ فقد نهيتك عن هذا فقط لتساعديني. لماذا لم تخبري أحد عن مشاكلك الزوجية ومعاناتك؟ ربما يساعدك. لماذا أنت طيبة لهذه الدرجة؟ لماذا؟
لم أجد ما أقوله له. بقيت أنظر في الأرض وأشبك أصابعي وسكت، وذهبت إلى غرفتي.
في صباح اليوم التالي لم أستطع الاستيقاظ من النوم، كنت أشعر نفسي متعبة. استيقظت متأخرا، كنت أشعر بالغثيان والرغبة في النوم وكثرة الأكل. هل يمكن أن يكون ما أفكر فيه؟ لطفك يا الله.
خرجت مسرعة نحو الصيدلية، اشتريت اللازم وعدت إلى البيت وقمت بإجراء اختبار الحمل والنتيجة.
عاد رامز إلى البيت، جهزت المنزل وحضرت عشاء رومانسيًا. فقلت: حان وقت الخبر.
فقال: أي خبر؟ تكلمي بسرعة.
فقلت بصراخ صاخب: أنااااااا حاااااااامل!
فرح رامز كثيرًا، لم أراه في هذه الحالة منذ أن تزوجنا. فحضنني إليه بقوة. ففكرت في نفسي: هل ممكن أن يملأ هذا المولود القادم الفراغ الكبير في حياة رامز؟ أرجو ذلك.
مرت الأيام والفصول والأشهر، حان موعد ولادتي.
آه يا رامز، لا أستطيع تحمل الألم. جاء مسرعًا، أخذني إلى المستشفى، فخرجت الطبيبة قائلة: ألف مبروك، أصبحت أبًا لطفلين. أتمنى أن تكون أبًا جيدًا.
قال رامز: الحمد لله يا ربي على نعمتك. سأسمي الابن الأول محمد والثاني عمر.
كنت أخاف من تحمل تلك المسؤولية الكبيرة، فعمرى كان لا يتجاوز تسعة عشر سنة، وهل سأكون أما جيدة؟
وصلتني بطاقة دعوة، ففتحتها.
"يا حبيبتي، يا عزيزتي، ويا أم أولادي، موعدنا على شاطئ البحر على الساعة الثامنة مساءً. زوجك الخالص، رامز."
كم كنت مبسوطة لأن كل ستائر القسوة والظلم والمعاناة زالت وذهبت أخيرًا، الحمد لله.
الساعة تشير إلى السابعة وخمسة وخمسين دقيقة. أرجو أن أكون في الموعد. وصلت، تعجبت من جمال المكان، كان مثل أماكن الأحلام والأفلام. تفاجأت من قدوم رامز، مسكني من يدي وقبلني، فقال: ندى.
آسف جدًا يا ندى، آسف على كل ما سببته لك، أنا آسف يا حبيبتي، آسف على كل مرة مددت فيها يدي وضربتك.
آسف على كل مرة سببت لك جروحًا جسدية، آسف على كل مرة سببت لك أي ألم. أرجو أن تسامحيني.
لم أكن واعيًا عما كنت أفعله، كان الحقد يعمي عيوني. آسف يا ندى، رزقني الله بطفلين قمرين مثلك تمامًا، أتمنى أن يتصفا بصفاتك الحميدة ولا يتصفا بصفاتي السيئة.
فقلت له: سامحتك على كل شيء. يجب أن نتحدا لنربي أبناءنا أحسن تربية.
وفجأة أخرج من جيبه ورقة وقال لي: افتحيها.
ففتحتها وصرخت صرخة: يا إلهي، ورقة قبول في كلية الطب. فحضنته وبدأت أبكي. فسألني: ولماذا الدموع؟
فقلت: اشتقت لأبي، كم كان سيفرح لو كان معي اليوم ويشاركني فرحة دخول كلية الطب. كم تمنيت أن تكون معي يا أبي. كم أشتاق إليكما يا أبي ويا أمي، فراقكما صعب جدًا.
كم من آلام تحملتما، كم من معاناة عانيتما في هذه الدنيا فقط لنكون سعداء وفي أحسن أحوالنا. كم اشتقت لكما، لقاءكما في الجنة يا أغلى ما في الكون.
بعد مرور سنوات قال محمد: أمي، انظري إلى عمر يستهزئ بطريقة كلامي.
قال عمر: لا أبدا، أنا لا أفعل ذلك يا أمي.
قال محمد: كم أنت تافه يا عمر.
قال عمر: نحن توأم يا غبي، إذا كنت تافه فأنت أيضًا ستكون كذلك.
كان محمد ذكيًا ويحب دراسته، لكن عمر كان يعشق المزاح واللامبالاة.
قال رامز: عمر يلفظ كلمة تافه مثلك، ههه، كم أعشقك يا زوجتي.
فقلت: وأنا أيضًا، كم أعشقك يا زوجي التافه.
ما أجمل امرأة تزوجت ورعت زوجها وأولادها.
وما أروع امرأة تزوجت وحملت شهادتها.
وما أصعب امرأة عانت وصبرت لكي تحقق حلم والديها، رحمهم الله.