تحميل رواية «عطر سارة» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _ أرجع لورا يا أبيه.. _ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا.. الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _ مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ و...
رواية عطر سارة الفصل الأول 1 - بقلم شيماء سعيد
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة.
أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج.
كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق.
نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد.
سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها.
أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب.
رفضت بحركة تمرد مردفة:
_ أرجع لورا يا أبيه..
_ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا..
الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة:
_ مش جاية تعالى أنت لو عايز..
أومأ وهو يرفع حاجبه لها ساخراً وبدأ برفع كمه إلى ساعيه مقترباً من محل وقوفها قائلاً:
_ وهو أنا عندي كام سارة، خليكي مكانك وهاجي لك بنفسي.
صرخت بفزع على وقوعها أسيرة بين يديه القوية.
رمشت بعينيها عدة مرات بمحاولة يائسة منها على استعطافه هامسة:
_ هو أنا عملت إيه بس طارق ده زي أخويا بالظبط وكنا بنضحك مع بعض عادي..
ضغط على خصرها بغل وهو يتذكر طلب شقيقه بالزواج منها قائلاً من بين أسنانه:
_ آهو طارق اللي زي أخوكي ده طالبك للجواز، اعمل فيكي إيه بقى..
_ تقوله دي مراتي، شوف سهلة إزاي..
ماذا تقولي يا صغيرة؟
تطلب منه المستحيل وهي تعمل هذا جيداً.
رجل متزوج ولديه فتى على مشارف المراهقة وهي فتاة في أوائل العشرينات.
كيف يواجه العائلة بزواجه العرفي منها؟
ضرب الحائط خلفه بقوة مع شعوره بالعجز.
حبه لها لعنة أصابته.
مع وقوع عينيه عليها أصبح مريضاً يرفض العلاج.
نظر داخل عينيها مردفاً:
_ سارة أنتِ عارفة كويس إنه ماينفعش أقول إنك مراتي وخصوصاً دلوقتي..
ردت إليه النظرة بأخرى بها الكثير من العناد والتحدي:
_ ده أكتر وقت لازم الكل يعرف فيه إني مراتك..
سألها بشك:
_ ليه ؟!..
_ لأني حامل..
أمام بوابة قصر علام العريق وقفت سيارة الأجرة خاصتها.
تلك هي المرة الأولى التي ترى بها ثراء عائلتها الكريمة.
منذ وفاة والديها بحادث تعيش مع شقيقتها الكبرى مريم وزوجها علاء.
مثلها مثل أي غريب تتابع أخبارهم عبر منصات التواصل الاجتماعي وتنبهر بهم فقط لا غير.
تعيش بمنزل ثلاث غرف كضيفة عند زوج شقيقتها حتى تتزوج وهم يعيشون بهذا النعيم.
اللعنة عليهم جميعاً…
دق هاتفها ورأت اسم مريم عليه.
فأخذت نفساً عميقاً قبل أن تضمه إلى أذنها مردفة بهدوء:
_ أنا وصلت خلاص يا مريم..
أبعدت الهاتف عنها قليلاً مع وصول صرخات الأخرى عليها، قبل أن تقول كلمة إضافية صرخت مريم:
_ أنتِ مجنونة رايحة عندهم تعملي إيه؟
كام مرة أقولك أنتِ مالكيش حق هناك.
بابا أخد ورثه منهم بعد موت أبوه وسافر الفيوم عشان يتجوز ماما.
الخير ده كله بتاعهم هما بس وكتر ألف خيره محمود ابن عمك بيبعت مصاريف لينا كل شهر عايزة إيه تاني.
_ عايزة أعيش مش أكتر يا مريم، كفاية عليكي أنتِ وجوزك لحد كدة.
أنا ليا أهل هما أولى بيا..
عضت مريم على شفتيها بغيظ وهي تلعن زوجها.
قالها أمس لسارة صريحة يريد أن يزوجها حتى يسقط حملها من فوق رأسه ويهتم بأبنائه فقط.
مسحت على وجهها مردفة بنبرة حنونة:
_ سارة يا حبيبتي إنت عارفة علاء عبيط ومش بيفهم في الكلام.
ارجعي ومحدش هيقدر يفرض عليكي حاجة أنتِ مش عايزاها..
أجابتها سارة بعدما أعطت للسائق أجرته وقالت بنبرة رقيقة:
_ ممكن تنزل ليا الشنط من العربية يا عمو عشان مش هقدر أشيل..
أومأ إليها قائلاً بابتسامة معجبة بجمالها:
_ أنتِ تؤمري يا ست البنات..
_ شنط إيه أنتِ مش ناوية تسمعي كلامي وترجعي؟!..
_ لأ يا مريم مش راجعة ولو على المصروف اللي أبيه محمود كان بيديه لجوزك كل أول شهر هبعته لك أنا الضعف سلام..
أغلقت الهاتف وأنهت تلك المهزلة من حياتها إلى الأبد.
هذا القصر ستصبح هي سيدته خلال أيام قليلة وهذا وعدها لنفسها مهما كلفها الأمر.
بخطوات واثقة اقتربت من الحارس مردفة:
_ لو سمحت أنا سارة علام ممكن أقابل تيتة ألفت وأبيه محمود..
تاه الحارس بهذا الجمال.
من يراها يذهب منه عقله بنفس الثانية.
كتلة من الجمال تسر من ينظر إليها.
ابتسمت من نظراته التي أعطت إليها شعور بالانتصار وحركت كفها أمام وجهه مردفة بنبرة ناعمة:
_ ها إنت معايا؟!..
اتسعت ابتسامته البلهاء مرحبا متمنياً أن يتحدث معها الباقي من عمره.
أومأ إليها وعيونه تتطاير منها قلوب حمراء مردفاً:
_ طبعاً معاكي، ده كفاية عليا أصلاً البصة الحلوة دي…
_ طيب دخلني بقى..
هنا عاد إلى عقله هذه أصغر حفيدة بعائلة علام، ماذا تفعل يا أحمق لو وقعت عين محمود علام عليك ستكون نهايتك.
ابتلع ريقه بخوف وأفسح لها الطريق.
دلفت وتركته يأتي خلفها بالحقائب.
ما هذا الجمال جنة الله على الأرض.
مع كل خطوة تخطوها للداخل تزيد دقات قلبها.
ها هي قريبة جداً من حلمها.
كيف كانت تعيش السنوات الماضية وهذا النعيم لغيرها لا تعلم ولكنها أتت اليوم حتى تبدأ حياتها تبدأ عمرها الحقيقي بين جدران قصر علام..
فتحت الخادمة الباب ليحدث لها مثلما حدث للحارس.
هذه الفتاة خلقت بسحر غريب وجمال أغرب.
وضعت الخادمة كفها على ذراع الآخر مردفة بتعجب:
_ بسم الله الرحمن الرحيم إيه دي يا واد يا شوقي؟!…
أين شوقي فهو الآخر تائه بالملكوت يتأمل إبداع الخالق في جمال خلقه.
أجابت هي ببراءة وهي تعلم تأثيرها على الجميع فما يحدث الآن يحدث كل يوم مع أي شخص يراها حتى لو رآها قبلها مائة مرة:
_ أنا سارة علام بنت أحمد علام الله يرحمه..
دقيقتين وكانت بين أحضان امرأة عجوز.
تضغط على جسدها الناعم بين ذراعيها وتبكي.
أخيراً تضم حفيدتها ابنة ولدها الذي فارق الحياة في سن صغير بعدما تخلى عنهم سنوات.
أغلقت سارة عينيها بارتياح شديد هذا هو الأمان الذي تبحث عنه وها هي تتذوقه لأول مرة..
سالت الدموع من عيني ألفت قائلة:
_ أخيراً يا بنت الغالي ياما طلبت من أختك تجيبك أشوفك بس كانت بتقول إنك مش عايزة حد مننا..
ابتعدت عنها سارة قليلاً وقالت بنبرة مختنقة من شعورها القوي بالبكاء:
_ أنا جاية النهاردة عشان أعيش معاك، ليا مكان بنكم والا ماليش يا تيتة؟!..
لمعة عين المرأة أعطت لها واجب مرضى يثبت أن لها مكان ومكان لم يصل إليه أحد قبلها ولن يصل إليه أحد بعدها.
أومأت إليها ألفت بلهفة وسعادة:
_ بقى ده كلام ده بيتك يا بنتي وليكي فيه زي ما الكل له فيه..
تعالي في حضني شوية كمان عايزة أشبع منك..
بكل صدر رحب ألقت بنفسها داخل أحضان الأخرى من جديد فهي ترغب بهذا الشعور اللذيذ المطعم بالمحبة أكثر من ألفت.
رفعت عينيها للحائط لترى صورة رجل ولكن ليس مجرد رجل.
لو للفخامة عنوان سيكون هو..
من أول عينيه السوداء سواد الليل بليلة غاب بها القمر والنجوم، حتى وصلت لذقنه المتوسطة بلونها الأسود المميز مع أكثر من شعرة بيضاء هنا وهناك.
شفتيه غليظة تعطي إليه رونقاً خاصاً يكتم أنفاس من حوله.
وجدت نفسها بلحظة هائمة وسألت نفسها سؤالاً واحداً هل هذا الرجل هو من أتت من أجله هنا؟!..
همست ألفت بترقب ومازالت عينيها متعلقة به:
_ مين ده يا تيتة اللي صورته على الحيطة..
أجابتها ألفت بابتسامة محبة لصاحب الصورة:
_ ده محمود ابن عمك وكبيرنا كلنا بعد موت جدك..
اللعنة هذا هو محمود؟!..
يبدو أن لعبتها من البداية بدأت تخرج عن السيطرة.
ابتسمت بخفة ونطقت اسمه بتقطع متلذذة بكل حرف:
_ م ح م و د ” محمود علام”..
بعد ساعة..
بالطابق الأخير بقصر علام كان يقف هو أسفل الدش يأخذ حمامه الصباحي.
أغلق الماء وبخطوات ثقيلة وضع جسده بحوض الاستحمام المزين بالورود البيضاء ورائحة الياسمين المنعشة.
زفر بضيق وهو يشعر بالصداع مسيطراً على رأسه.
سحب سيجارة من علبته الفاخرة ثم أخذ منها نفساً عميقاً وأخرجه بتمهل..
بعد عشر دقائق كان انتهى من ارتداء بدلته السوداء مع رشقة من عطره المميز.
أتى صوتها الناعس من خلفه ليلف بجسده إليها مردفاً بقلق:
_ كملي نومك يا عايدة لسة بدري..
نفت بحركة سريعة من رأسها مشيرة إليه بالاقتراب منها.
نفذ أمرها على الفور جالساً أمامها على الفراش مردفاً:
_ إنتِ تعبانة أطلب لك الدكتور؟!..
بكف مرتجف أزالت جهاز النفس مع على وجهها ثم قالت له بابتسامة مشرقة رغم ملامحها الشاحبة:
_ جبت لك عروسة حلوة أوي يا محمود عبير كانت معايا في الكلية فاكرها..
ظل صامتاً دقيقة كاملة وهي تنظر إليه بترقب.
يحاول بقدر المستطاع التحلي بالهدوء وعدم الخروج عن السيطرة.
عايدة حالتها الصحية تسوء يوماً بعد يوم ولهذا يجب عليه الصبر.
رفع كفها ووضع عليه قبلة ناعمة ثم قال:
_ مش فاكر حد غيرك ولا عايز حد غيرك ممكن تركزي شوية في صحتك وطلعي الجنان ده من دماغك يا عايدة ..
سقطت دموعها وقالت بتعب:
_ بس ده مش جنان إنت بقى لك أربع سنين عايش معايا كأني أختك، مفيش علاج نافع معايا أنا بموت وإنت مصمم تضيع عمرك، لازم تجيب أخ لمعتز يبقى سند له..
ماذا يقول لها وهي ابنة عمه التي تربت على يده منذ نعومة أظافرها من صغرها تعاني من القلب وزاد الأمر سوء بعد إنجاب معتز ومنذ أربع سنوات داهمها المرض اللعين ليكمل عليها وتستأصل رحمها.
اقترب منها مقبلاً رأسها مردفاً:
_ ورايا شغل مهم ولازم أمشي حالا لما أرجع هبقي أشوف حل في جنانك ده ممكن..
ابتسمت وهي تشعر بحبه لها وتأثيره عليها.
تلعب تلك اللعبة دائماً حتى تتأكد من تمسكه بها وبعدها تعود للنوم بارتياح.
محمود ملكية خاصة بها ولن تسمح لأي امرأة النظر إليه حتى لو كانت قليل من العظام..
تنهد بضيق مغلقاً باب الغرفة خلفه.
وقبل أن يخطو بطريقه للسلم وجد باب غرفة الجيم الخاصة به شبه مفتوحة.
عقد حاجبه بتعجب من تجرأ وفتحها والأكثر من صعد للدور الخاص به وبزوجته من حال الأصل؟!..
اقترب من الباب ووضع كفه حتى يفتحه أكثر وهنا كانت الصدمة الكبرى.
جنية بيضاء بجسد منحوت، مظبوط الأماكن التي تحتاج الوزن مثالية جداً وباقي جسدها ملفوف مثل قطعة الشوكولاتة.
قصيرة القامة إلى حد ما بخصلات بنية فاتحة تصل إلى ما بعد خصرها.
خصلات ناعمة مثل نعومة ملامح صاحبتها.
كل ما يظهر منها مميز شفتيها بمفردها تحتاج لألف كتاب حتى يقدر على وصفها..
ساقته ساقه وهو يتأمل بها بدون أن يشعر حتى وصل إليها.
اللعنة ما هذا حتى شهقتها ناعمة.
معالم الفزع كانت واضحة عليها وهنا سأل نفسه سؤالاً واحداً فقط، هل تلك اللوحة الفنية إنسية أم جنية كما توقع؟!..
قررت يده التمرد عليه وقطع الشك باليقين ومرت بخفة على ملامحها..
حقيقية!!!
بالفعل هي حقيقة ملموسة بين يديه.
سألها بنبرة خشنة:
_ أنتِ حقيقة؟!..
محمود علام أمامك يا سارة ويبدو أنه مثله مثل الباقي مبهور وجداً.
فكرة إعجاب رجل مثله بها جعلتها تنتعش.
لم تستفيد بحياتها إلا بجمالها والآن فقط قررت استخدامه حتى تعيش ما فقدته بسنوات الحرمان الطويلة..
ابتسمت اليه ابتسامة تعلم قوتها جيدا همست برقة جعلته يرغب بالقرب أكثر:
_ إنت عايزني أبقى حقيقة والا خيال؟!..هل هناك فرق؟!..
لا والله لا يفرق معه إذا كانت حقيقة أو حتى خيال كل ما يريده الآن فقط القرب.
حرك رأسه بنفي هامسا:
_ مش فارق أنتِ مين..
أقتربت منه خطوة واحدة ورفعت نفسها قليلاً بمحاولة بائسة منها للوصول إليه.
ابتسم بخفة ووضع يده حول خصرها ليرفعها إليه.
ردت إليه الابتسامة بأخرى أكثر حلاوة ثم همست:
_ أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود..
قالتها بلذة أطاحت به ما هذا الحلم اللذيذ الذي يعيش بداخله.
لو انحنى قليلاً وأخذ قبلة هل سيحدث شيء؟!.
لا والله مادام مجرد حلم لابد أن يستمتع به.
وهو غارق ببحر أفكاره ابتعدت عنه وخرجت من الغرفة وكأنها لم تكن موجودة.
فاق على حاله من فقدانه شعور الدفء الذي تلذذ به للحظات.
فتح عينيه بصدمة.
بالفعل ما عاشه مجرد خيال.
مسح على خصلاته مردفاً بذهول:
_ يا نهار مش فايت إيه اللي حصل ده يا محمود، من قلة النسوان في حياتك بقى عندك تهيؤات؟!..
بعد خمس دقائق قدر على استجماع نفسه وبخطوات واثقة دلف لغرفة السفرة ليجد أفراد العائلة بانتظاره.
ألقى نظرة عابرة على الجميع ليتأكد من حضور الكل ومثل العادة أول مقعد وقعت عينيه عليه مقعد شقيقه الأصغر طارق وجده يبتسم إليه ابتسامة بلهاء فعلم أنه وبكل أسف فعل كارثة.
اقترب من جدته وقبل رأسها وفعل بالمثل مع والدته السيدة حنان مردفاً:
_ صباح الخير يا جدتي صباح الخير يا ماما..
ألفت: _ صباح كل حاجة حلوة يا قلب جدتك..
حنان: _ تسلم من كل شر يا حبيبي..
نقل بصره على مقعد والده الفارغ مردفاً بجدية:
_ بابا هيكون هنا كمان شهر بالظبط يا ماما أنا كلمته امبارح وقال المشروع ماشي تمام بس محتاج شوية وقت كمان مش أكتر..
حركت حنان رأسها بسخرية مردفة:
_ مش فارق يا حبيبي يشوف هو نفسه في إيه ويعمله، إنت وأخوك عندي بالدنيا وما فيها..
صمت محمود وهو يعلم معنى حديث والدته جيدا أما طارق غمز إليها بوقاحة قائلاً:
_ بالنهار أنا وأخويا وبالليل أخبط على باب الجناح محدش يرد..
ضرب محمود على الطاولة فابتلع طارق باقي جملته وعاد للنظر لطبقه مرة أخرى لعن نفسه وهو يسمع أوامر الآخر التي تعطي له إشارة واضحة ” يومك مش فايت النهاردة” :
_ خلص فطارك وتعالى ورايا على المكتب..
ثواني وانقلب كل شيء رأساً على عقب.
وقعت الشوكة من يده وهو يراها تخطو لداخل غرفة السفرة بخطوات رشيقة وابتسامة رقيقة.
ألقت عليه غمزة شقية وقالت:
_ ازيك يا أبيه أنا سارة..
رواية عطر سارة الفصل الثاني 2 - بقلم شيماء سعيد
مر على وجودها بهذا المكان شبه المجهور خمسة أشهر.
لم يزورها طوال تلك المدة إلا مرة واحدة شهرياً.
وضعت يدها على بطنها المنتفخة ببكاء شديد، انتهت قدرتها على تحمل هذا الألم.
حاولت التحرك حتى لو حركة خفيفة، حتى تصل لهاتفها الموضوع على الطاولة المجاورة للفراش.
خرجت منها تنهيدة تكتم بها صرختها المتألمة.
سحبت الهاتف سريعاً وقامت بالاتصال عليه ثلاث مرات، ففتح أخيراً الهاتف مردفاً بغضب:
_ في إيه طالما مش برد أبقى قاعد مع العيلة بترني ليه؟
_ مهو أنا كمان من العيلة دي وبنت عمك يا أبية، وإلا نسيت؟
تنفس محمود بغضب قبل أن يمسح على خصلاته مردفاً:
_ أكيد مش رانة عشان الكلام الفاضي ده، اخلصي.
ارتفعت شهقاتها وهي تلعن نفسها على زواجها منه.
ما هذا الحب الأعمى الذي جعل منها أداة للتسلية مع رجل متزوج ولديه فتى أصغر منها بعدة سنوات.
لم تتحمل أكثر وهي ترى مائها يتساقط من بين ساقيها مردفة:
_ الحقني أرجوك أنا بولد.
_ إيه؟
قالها بخوف شديد عليها، فأكملت هي حديثها:
_ أنا خايفة وأنا لوحدي يا محمود، أرجوك تعالى قبل ما ابني يحصل له حاجة.
توقف به الزمن لعدة لحظات، وهو ينظر لزوجته التي تستعد لدخول غرفة العمليات، وبين حبيبته التي تبكي له برجاء حتى لا يتركها بمفردها، وبين هذه وتلك هو يقف عاجزاً.
وصلت إليه صرخة سارة القوية أسقطت قلبه أرضاً، فقال بلهفة:
_ سارة إنتِ قوية وأنا جانبك، أتحملي نص ساعة وهتصرف.
ارتفعت شهقاتها أكثر وعضت على أسنانها من الوجع.
قدرتها على التحمل انتهت، فأغلقت عينيها باستسلام كبير هامسة بنبرة بدأت تختفي شيئاً فشيئاً:
_ لو موتت هيبقى ذنبي في رقبتك، ولو قومت منها حسابنا مع بعض هيبقى طويل يا أبيه.
تود أن يتحدث، أن يقول أي كلمة تبرر موقفه.
أتى صوت والده الغاضب:
_ سيب الموبايل ده وشوف مراتك عايزة تكلمك قبل ما تدخل العمليات.
أغلق الهاتف معها ورأسه تكاد تنفجر.
نظر إلى والده مردفاً:
_ بابا اتصل بالمستشفى بتاعتنا في اسكندرية وخليهم يروحوا الشاليه اللي هناك فوراً مع دكتورة نسا وتوليد.
رفع والده حاجبه بتعجب مردفاً:
_ مين اللي في الشاليه يا محمود؟
_ محمووود.
صرخة قوية من عايدة جعلته يفقد المتبقي من أعصابه.
سارة الآن وحيدة وقلبه معها، لو حدث لها شيء.
لا لا يستحيل أن يحدث.
قال لوالده بنبرة حادة قبل أن يدلف للأخرى:
_ سارة اللي موجودة في الشاليه واللي جوا بطنها ابني.
عند سارة اسودت الدنيا بداخل عينيها.
رأت لعبتها منذ البداية تسير أمامها.
هي من بدأت وتخيلت الحياة الوردية، وهي من قررت ربطه بطفل حتى تضمن وجوده معها إلى الأبد.
سار عقلها للبداية وكأنها تحدث أمام عينيها الآن.
فلاش باااااااك.
_ ازاي حضرتك يا أبيه؟ أنا سارة.
ذهول.
عدم استيعاب.
رغبة قوية طلبت منه القيام من فوق مقعده والتقرب منها.
يرغب بلمسها، يود التأكد من ما يراه.
هل تلك الفتاة حقيقية أم جنية رائعة الجمال؟
أشارت إليها ألفت بسعادة قائلة:
_ تعالي يا قلب تيتة أعرفك على مرات عمك وأولاد عمك.
أومأت إليها بابتسامة أكثر من رائعة.
براءة ملامحها بمفردها قادرة على وقع أكبر شنب أمامها يعترف بالحب.
اقتربت من حنان وانحنت باحترام مقبلة يديها، لتقول الأخرى بمحبة لتلك الصغيرة:
_ تسلم تربيتك يا حبيبتي.
_ شكراً يا طنط.
صفير عالٍ صدر من الأحمق الجالس بالمقعد المقابل لها.
ألقى عليها نظرة وقحة ومد يده مردفاً:
_ طارق ابن عمك حالياً وجوزك لاحقاً، مهو البنت أولى بيها ابن عمها، وإلا أنتِ رأيك إيه يا تيتة؟
_ رأيي إنك تخرس.
كان هذا صوت محمود الحاسم بعدما تمالك حاله.
ابتلع طارق ريقه بتوتر ثم أومأ إليه عدة مرات قائلاً:
_ أمرك يا كبير، إنت تؤمر.
حسناً، طارق أيضاً شاب مميز ومن عائلة علام العريقة، وبزواجها منه ستكون إحدى سيدات قصر علام.
بدلال فطري ضحكت ويا ليتها لم تفعل.
شعر محمود بحرارة غريبة عجيبة جعلته ينتفض من فوق المقعد مردفاً:
_ ورايا على المكتب يا طارق.
ذهب، أو ليكن صادقاً، فهو فر من تأثير وجودها العجيب الغريب عليه.
أما طارق غمز إليها مردفاً بمرح:
_ يسلم لي أبو ضحكة جنان، هآخد علقتي من الكبير وراجع نتعرف على بعض أكثر.
خرج ليكسو الضيق معالم وجهها.
حتى لم يرحب بها أو يرد على حديثها معه.
سلاحها الأقوى جمالها، وستكون كارثة إذا لم يتأثر به.
نظرت لجدتها مردفة:
_ هو أبيه محمود متضايق من وجودي والا ايه يا تيتا؟
_ لأ طبعاً يا حبيبتي، بس هو طبعه ناشف شوية وتعب عايدة مراته مخليه مش طايق نفسه، ادعي لها بالشفا يا سارة.
فضولية منذ نعومة أظافرها، ومع كل يوم لها بالحياة يزيد فضولها.
بللت طرف شفتيها مردفة:
_ هي عندها إيه؟
ظهرت معالم الحسرة على وجه ألفت، فعايدة كانت وردة تلك العائلة وحفيدتها المدللة.
تحدثت حنان هي الأخرى بحزن:
_ الأول كان عندها القلب، ومن أربع سنين جه لها المرض الوحش، بقت زي الميتة يا حبيبتي بعد ما كانت روح البيت.
نظرت سارة لطبقها بشرود مردفة:
_ ربنا يشفيها.
بمنزل علاء.
دلف بيته بعد يوم عمل أكثر من مرهق، ليجد زوجته المصون تجلس أمام باب المنزل بانتظاره.
زفر بضجر من ملامح وجهها التي لا تبشر بالخير.
لا يعلم ماذا فعل بحياته حتى يتزوج تلك.
حك رأسه مردفاً:
_ خير قالبة وشك كدة ليه؟ ده بدل ما تقولي لجوزك اللي طالع عينه طول النهار حمد لله على السلامة.
قامت من مكانها بنظرات ساخرة.
وقفت أمامه ويداها حول خصرها مردفة:
_ شغل إيه ده يا عنيا، ده أنت عايش من فلوس محمود بيه، وحتى الشغل بتشتغل حتة واحد بيقدم قهوة شاي في الشركة عنده.
جذبها من ذراعها بغضب صارخاً:
_ مالك يا بت؟ هي هبت منك على آخر النهار والا ايه؟ غوري حضري الغدا وقولي للمحروسة أختك إن العريس جاي بالليل خلينا نخلص من قرفها بقى.
جذبت ذراعها منه بقوة ثم ضربته على صدره مردفة:
_ أختي هجت راحت عند أهل أبوها، يعني العز اللي كنا عايشين فيه على حسها راح يا غبي، واحتمال يوم والا التاني محمود بيه يقولك مع السلامة، وكل ده ليه عشان مشيت من دماغك وعايز تجوزها لصبي رقاصة.
صدم من حديث زوجته، ما هذه الكارثة التي حلت فوق رأسه.
دجاجته التي كانت تبيض له بيضا ذهب فرت من العش؟
حرك رأسه برفض صارخاً:
_ إزاي يا غبية تسبيها تمشي؟ كنت هجوزها من غير ما حد منهم يعرف ويفضل مرتبها شغال، ده غير الواد سيد ده أنا واخد منه 50 ألف جنيه مهر وشرطت عليه بعد الجواز لينا 2000 جنية كل شهر.
أطلقت ضحكة ساخرة وقالت:
_ مش بقولك إنك حمار، هي هربت يا عنيا من ورايا، لو كانت قدامي كنت هعمل المستحيل عشان تفضل، إن شاء الله أخلص عليها، بقى هي تعيش مع أهل ابوها في العز ده كله وأفضل أنا باقي عمري في فقر وهم.
جذب علاء خصلاته بغل مردفاً:
_ مش وقت نواح يا بقرة، لازم نروح نجيبها من بيت علام والليلة.
عودة لقصر علام بغرفة محمود وعايدة.
دلف إليها خادمتها المطيعة وتحمل صينية بها وجبة الإفطار.
حاولت الجلوس إلا أنها لم تستطع.
اقتربت منها سنية سريعاً وساعدتها على الاعتدال مردفة:
_ بلاش تتعبي نفسك يا ست هانم، قوليلي عايزة ايه وأنا تحت أمرك.
أومأت عايدة رأسها بتعب ثم قالت:
_ في صوت تحت غريب عن القصر، دي خدامة جديدة.
بعفوية ضربت سنية على صدرها مردفة:
_ خدامة إيه بس يا ست هانم، دي القمر نزل ما السما وقعد في بيتنا.
تعجبت من هذا الوصف وبدأ القلق يدلف لقلبها إلى حد كبير.
قدمت سنية لها الشوكة، رفضتها بحركة سريعة وقالت:
_ مش عايزة أكل دلوقتي، قوليلي مين البنت اللي بتتكلمي عنها دي؟
ابتلعت الأخرى ريقها بتوتر من نظرات سيدتها النارية.
لعنت لسانها، فهي تعلم طبعها جيداً وتعلم غيرتها العمياء على محمود.
انتفضت بفزع على صرخة عايدة المنفعلة:
_ ما تنطقي، هو أنتِ خرسة؟
أومأت سريعاً مرددة:
_ اهدي بس يا ست الناس عشان صحتك، إنت تعبانة، وبعدين دي الست سارة بنت أحمد بيه الله يرحمه، جات عشان هتعيش هنا.
ماذا؟
هي رأت تلك الفتاة من قبل عندما كانت بالعاشرة من عمرها وتعلم جمالها جيداً.
يستحيل أن تتركها مع زوجها تحت سقف واحد.
حركت رأسها برفض هامسة:
_ يعني إيه الكلام الفارغ ده، مين قبل إنها تقعد هنا؟ هو محمود عرف؟
_ أيوة شافها الصبح بس مقالش أي كلام، حتى لما سلمت عليه مردش عليها، شكله مش عايزها هنا.
حتى لما الأستاذ طارق قالها أنا أولى بيكي محمود بيه اتعصب وأخده المكتب.
لا تعلم هل عليها الارتياح بعد هذا الحديث أم يزيد قلقها سوء.
كل ما ترغب به الآن رحيل سارة مهما كانت درجة حب محمود لها، فهو رجل وليس أي رجل، ومع ذلك يعيش بلا نساء من أجله.
أغلقت عينيها بتعب مردفة:
_ خدي الأكل واطلعي برة، عايزة أرتاح.
_ مينفعش لازم تأكلي عشان العلاج يا ست هانم.
_ قولتلك غوري من وشي مش عايزة حاجة، غوري.
بالأسفل.
دلف سارة المطبخ بخطوات رشيقة.
بنعومة ألقت التحية على الخادمات، وبابتسامة بلهاء استقبلن تحيتها.
جلست على مقعد الطاولة ومدت كفها لتأخذ خيارة مردفة:
_ معرفتش آكل على السفرة، ممكن تحضروا ليا الفطار؟
أومأت إليها كبيرة الخدم وأشارت للبقية مردفة بهدوء:
_ اطلعوا نضفوا الأوضة وأنا هحضر الفطار للهانم.
مرت خمس دقائق وهي تتابع ما تفعله تلك السيدة التي يبدو عليها الرقي والوقار.
أخذت قطعة من الجبن وتذوقتها بتلذذ ثم سألتها بفضول:
_ هي مرات أبيه محمود فين؟
وضعت باقي الطعام على الطاولة وأجابتها بهدوء:
_ فوق وممنوع أي حد يطلع إلا سنية ومحمود بيه، الله يخفف عنها بقى صحتها كل يوم بتنزل أكتر عن اللي قبله.
_ أمممم، طيب هو طارق مش بينزل الشغل مع أبيه محمود ليه؟
جلست المرأة على المقعد المقابل لسارة ثم قالت:
_ مهو مش شركته، محمود بيه هو صاحب كل ده حتى البيت، أما طارق بيه أخد ورثه وفتح بيه مصنع لنفسه وخسر فيه.
ماذا؟
صاحب المال هو محمود!!
ابتلعت طعامها وسألتها بترقب:
_ وعمو كمان ملوش فلوس؟
_ لأ وزع فلوسه على أولاده وكتب لكل واحد حقه وسابهم يكبروا شغلهم بنفسهم، محمود بيه زود الفلوس أضعاف وطارق بيه كله راح منه على الأرض بيقولوا زي عمه أحمد.
هاااا يقطعني يا بنتي مخدتش بالي.
رغم تألمها الحقيقي من الجملة إلا أنها وبكل أسف الحقيقة المرة.
حركت رأسها مردفة:
_ مفيش حاجة يا دادة عادي، دي الحقيقة، بابا كان شخص مش بيفرق معاه الفلوس وبسبب حبه الشديد لماما خسر كل حاجة، المهم دلوقتي عمو مسافر ليه لما هو مش بيشتغل؟
تحدثت المرأة بصوت منخفض:
_ أصله متجوز على الست حنان في السر بس البيت كله عارف حتى هي، بيعمل نفسه مسافر شغل ومحمود بيه بيغطي عليه ويقعد في البيت التاني.
أمممم المال هو مال محمود وباقي أفراد العائلة مجرد ضيوف تحت سطوته.
يبدو أن القدر مصمم على وضعه بطريقها وهي أكثر من مرحبة.
بعد منتصف الليل عاد محمود من عشاء العمل، مرهق لأقصى درجة، كل ما يريده الآن أن يرى الفراش ويلقي بجسده عليه.
وضع ساقه ليخطو أول خطوة للدرج وعقله شارد "بسارة".
لما هي جميلة هكذا ولما هو يفكر بها لتلك الدرجة؟
نفض تلك الأفكار من رأسه مردفاً:
_ طالما نفسك رايحة على الحريم كده يبقى شكلك محتاج تعط لك يومين.
انتبه للضوء الخارج من غرفة مكتبه.
للحظة شعر ببوادر الحذر وأخرج سلاحه وبدأ يتقدم بخطوات مدروسة.
فتح باب المكتب بطريقة هجومية وقبل أن تخرج الطلقة من محلها رآها.
نعم.
نعم.
تلك هي الحقيقة.
تنام على الأريكة الموضوعة بأحد أركان الغرفة.
تضع ساقا على الأخرى ليظهر ساقها الأبيض اللامع.
أبتلع لعابه بصعوبة من إثارة المظهر إليه.
تمسك بين كفيها كتاب ويبدو عليها الاندماج الواضح لدرجة عدم شعورها بدخوله.
عفواً يا كبير عائلة علام، فهي مهتمة بكل ما يدور حولها إلا الكتاب.
حركت ساقها بدلال وأخرجت من بين شفتيها تنهيدة عميقة تدل على متعتها بهذا الكتاب الأكثر من مميز.
لا هذا كثير كثير جداً عليه.
خرج صوته أخيراً ويا ليته لم يخرج.
وصلت إليه بحته التي تدل على نجاح أول خطواتها بالاقتراب منه:
_ سارة بتعملي إيه هنا في وقت زي ده؟
انتفض جسدها بخفة.
أعتدلت بجلستها ووضعت طرف فستانها على ساقها المكشوف مردفة بالقليل من التوتر:
_ أبيه هو حضرتك هنا من أمتى وبتعمل إيه؟
أين هذا الأبيه الذي تتحدث معه؟
أغلق عينيه لعدة لحظات تمالك بهم أعصابه ثم قال بهدوء:
_ أنا اللي مفروض أسألك السؤال ده، ده مكتبي عادي أبقى موجود فيه في أي وقت، أنتِ بقى بتعملي إيه هنا؟
قامت من مكانها لتقف أمامه ثم نظرت للأرض بحزن قائلة:
_ كنت مستنية حضرتك لما تيجي، حابة أتكلم معاك شوية لو في عندك وقت لو مش حابب خلاص همشي.
رق قلبه لها فقال بنبرة حنونة:
_ سامعك يا بسبوسة قولي عايزة إيه؟
_ هو حضرتك مش حابب وجودي هنا يا أبيه؟
حدق بها وسألها بتعجب:
_ مين قالك الكلام الفارغ ده؟
_ محدش قالي بس أنا عرفت من الخدم بالصدفة إن حضرتك بتيجي على الغدا والنهارده مجتش، ده غير لما سلمت عليك الصبح رفضت ترد عليا، قعدت أفكر مع نفسي شوية وعرفت إن حضرتك مش حابب وجودي معاكم.
هنا تذكر ما حدث صباحاً بغرفة الرياضة.
سألها بتردد:
_ سارة كنتي في أوضة الچيم الصبح.
أومأت إليه بكل براءة فأكمل هو:
_ قولتي إيه وقتها؟
وضعت كفها على طرف بذلته ثم همست بنبرة ناعمة:
_ أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود.
رواية عطر سارة الفصل الثالث 3 - بقلم شيماء سعيد
أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود.
أخذ عقله يردد تلك الكلمة كثيراً، قالت وفرت من أمامه للمرة الثانية، مر أسبوع ومازال كلما رآها تذكرها.
مرر يده على عنقه بتعب من كثر العمل والتفكير، هذه الفتاة نوع من الاثنين يا إما طائشة ولا تعلم ما تقوله، أو لعوبة.
رسمت على ملامح وجهه ابتسامة ماكرة، تلك الصغيرة ربما لا تعرف مع من تلعب.
دق باب المكتب فإذن للسكرتيرة بالدخول، أقتربت منه وقالت بهدوء:
_ سيد عايز يقابل حضرتك.
_ خليه يدخل وأمنعي أي حد من الدخول.
نفذت ما أمرها به رب عملها، وأراح هو ظهره على المقعد. سيد رجل المهام الصعبة، يبدو أنه وصل لكل ما يريد الوصول إليه.
دلف الآخر مبتسمًا ابتسامة واسعة مزينة بلمعة الانتصار قائلاً:
_ أخبارك يا باشا؟!
أشار إليه محمود بالجلوس مردفًا:
_ اقعد يا سيد وأدخل في الموضوع على طول، إحنا مش جايين نتعرف على بعض دلوقتي.
أومأ برأسه سريعًا ثم قال:
_ جوز أختها بيأخذ الفلوس اللي جنابك بتبعتها لنفسه وعايز يجوزها لواد صبي رقاصة، فهي هربت وجات عندكم.
_ اممم وبعدين كمل.
_ أختها بشهادة أهل المكان شريكة جوزها في كل حاجة والست هانم الصغيرة غلبانة معاهم، حتى المشروع بتاعها اتسرق.
رفع حاجبه بتعجب قائلاً:
_ مشروع إيه ده؟
أجابه الآخر بحماس غريب:
_ عطور يا باشا، محل عطور اسمه عطر سارة.
عطر سارة… رائحتها لا تحتاج لمحل عطور، فهي بفطرتها صاحبة رائحة فواحة لذيذة تجعله يرغب يضمها إليه لعله يقدر على أخذ أكبر مخزون منها.
تنحنح مع نداء سيد عليه ثم قال:
_ طيب خلاص يا سيد، روح عدي على الحسابات هتديك فلوسك.
أومأ سيد بسعادة وخرج. أما كبير عائلة علام، ظل كما هو يفكر ويفكر فقط.
للحظة سأل نفسه سؤال عجيب: "ماذا تريد منها يا محمود؟"
همس بذهول من حاله:
_ إيه اللي بيحصل ده؟ هو أنا عايز منها إيه فعلاً؟
أنت عايزها والا إيه يا محمود؟ ده يبقى جنون.
معه حق، هذا بالفعل جنون. والأكثر من ذلك هي.
فتحت باب مكتبه ودلفت خلفها السكرتيرة بخطوات غاضبة قائلة:
_ أنتِ رايحة فين يا آنسة؟ قلتلك مفيش معاد.
إنتبه إليها، لجمالها الخاطف للقلوب والعقول، ابتسامتها الساحرة التي تعطيها الي بصدر رحب، وفوق هذا وذلك فستانها الوردي الذي يصل إلى بعد ركبتها بقليل.
نظرت إليه ببراءة قائلة:
_ هو أنا محتاجة آخد ميعاد عشان أقابل حضرتك يا أبيه؟
لا يا صغيرة، أنتِ قادرة على دخول أي محل بلا سابق إذن.
قالت السكرتيرة بقلق:
_ أنا آسفة يا مستر محمود بس هي دخلت غصب عني، مع إنّي قلت لها أكتر من مرة إنها لازم تاخد معاد.
هو ليس معك على الإطلاق، لا يرى غيرها.
أستغلت سحرها الواضح عليه وأقتربت منه بخطوات رشيقة لتجلس على المكتب أمامه مردفة:
_ مش أنا أقدر أجاي في أي وقت يا أبيه صح؟
مثل المسحور أجابها:
_ صح.
_ وأقدر أدخل هنا من غير إذن أي حد صح؟!
_ أممم صح.
حركت كتفها بدلال وألقت نظرة سريعة على السكرتيرة مردفة:
_ سمعتي بنفسك، روحي بقى أعمليلي واحد نسكافيه.
نظرت الأخرى لرب عملها منتظرة منه أي رد فعل تدل على وجوده معهم بأرض الواقع، إلا أنها لم تجد. حركت رأسها بذهول وقالت قبل أن تخرج من المكتب:
_ هو شرب إيه بالظبط؟ الراجل كان زي الفل من شوية، بس البنت مزة بصراحة وتستحق حالة السكر اللي هو فيها دي.
أصبحت معه بمفردها فقالت بعتاب:
_ زعلانة منك بجد، أخص عليك يا أبيه.
عاد أخيراً محمود علام، ابتسم إليها ابتسامة رجولية بها معنى واضح جعلها هي الأخرى تبتسم ثم سألها:
_ مش حاسة إنك مهتمة بيا زيادة عن اللزوم؟
أومأت إليه ببساطة قائلة:
_ ده حقيقي فعلاً. الغريب بقى إنك عامل مش واخد بالك… قولي بقى بتهرب من وجودك معايا في مكان ليه؟!
أعتدل بجلسته قائلاً بقوة:
_ مين اللي قالك كدة؟!
لعبت ساقيها بالهواء ثم ألقت عليه غمزة شقية:
_ محدش قال، أنا شوفت بعيني. كبير العيلة اللي مش بيفوت جالسة عائلة ولا أي واجبة، بقيت كل الواجبات هنا في الشركة. أكيد ومن غير لحظة تفكير تبقى بتهرب مني ومش عايز تشوفني.
بحركة جريئة قرب مقعده منها ثم رفع كف يده ليلمس خصلاتها الناعمة بين يديه. ما هذا؟ حتى شعرها ذات رائحة مميزة.
أخذ نفس عميق وقال بنبرة صوت باردة:
_ لو افترضاً إن ده صح، يهمك في إيه يا صغنونة؟
حركت رأسها برفض قائلة:
_ بلاش صغنونة دي، خليها بسبوسة، بتطلع منك أحلى كتير.
_ وماله، عايزة إيه يا ست بسبوسة؟
قامت من مكانها ودارت حول نفسها عدة مرات بخفة قبل أن تعود إليه بابتسامة واسعة مردفة:
_ أنت عارف أنا عايزة إيه، بس عايز تعمل نفسك مش عارف.
جذبها لتجلس فوق ساقه. الأمر وصل بينهما سريعاً إلى درجة لا رجوع. نظر داخل عينيها ليري إصرارها العجيب عليه، فقال ببعض السخرية:
_ عيلة صغيرة وحلوة عايزة إيه من راجل متجوز وأكبر منها.
تحولت نظراتها لأخرى حزينة. سأله رغم بساطة إجابته إلا أنها تشعر بالتخبط. ربما مرارة أيامها جعلتها تفعل أشياء بعيدة عنها كل البعد. دائمًا ما تضعها الحياة بمواقف أكبر منها وتجعلها تذهب بقدميها إلى حافة الهوية.
أخذت نفس عميق وقالت إليه بكل صراحة:
_ فلوس. عايزة حياة أحس بيها بالأمان وإني قادرة أقف قصاد الكل. مش عايزة أبقى زي أبويا، عايزة مصلحتي وكل ده معاك أنت. أنت محتاج ست وأنا مش أي ست، وأنا محتاجة حياة ومش أي حياة.
صدم بالفعل، لم يتوقع إن تكون بهذا التفكير أو بتلك الصراحة. ما هذا يا فتاة، ما هذا؟
أبتلع ريقه لتقوم من على ساقه ببعض التوتر. جلس على المقعد المقابل للمكتب منتظرة أي رد فعل منه. عضت على لسانها بغيظ من حالها، يبدو أنها صدمته بها، ولكن ملت من لعبة الدلال تلك.
دقيقة كاملة مرت وهو ينظر إليها بلا حرف واحد، شارد بها وعقله متوقف عن العمل. تبدو أن الملامح البريئة بمفردها غير كافية على فهم الشخص.
حمحت قائلة:
_ أنت كويس يا أبيه؟
ضحك ضحكة خرجت من أعماق قلبه.
حمقاء يا صغيرة، ألقت بنفسها داخل الجحيم دون أن تدري. ربما أخطأت بالعنوان، وربما لا تجمع المعلومات الكافية حتى تعلم أمام من ألقت نفسها.
قام من فوق المقعد وبخطوات ثابتة وصل إليها. جذبها لتقف أمامه ثم سألها بنبرة مريبة:
_ فاهمة معنى كلامك إيه؟
أومأت إليه بترقب ليكمل حديثه:
_ عارفة أنتِ في نظري إيه دلوقتي يا بسبوسة.
فعلت حركتها الشهيرة بتحريك كتفها بلا مبالاة مردفًا:
_ عارفة ومش فارق معايا.
_ عادي بالنسبة لك إني أشوفك رخيصة زي أي *****؟!
كانت قاسية الجملة، ولكن حياتها الماضية أقسى بكثير. رسمت على ملامحها الجميلة ابتسامة باردة ثم قالت:
_ شكلك فهمتني غلط، أنا مش هعمل حاجة حرام، كله بالحلال يا أبيه.
ضحك من جديد ثم قرص أنفها مردفًا:
_ وأنا مش ناوي على الحلال يا قلب أبيه، هتعملي إيه بقى؟
مجنونة، لابد أن يعلم هذا جيدًا حتى يستطيع التعامل معها بالمستقبل. جذبته من مقدمة قميصه الفاخر مردفة ببساطة:
_ هعمل كتير مثلاً. يعني مثلاً، أستناك لما تيجي زي أي فيلم أبيض وأسود وأقطع هدومي وأصوت، البيت يتلم وأقول بكل براءة: "أبيه حاول يتهجم عليا عشان غلبانة في بيته". ولأنك راجل محروم من الستات الكل هيصدق، وعشان نلم الفضيحة نتجوز يا ابن عمي. رأي إيه في الخطة دي.
عض على شفتيه بهدوء وفكر لمدة قصيرة قبل أن يقول:
_ هي حلوة، بس مفيش حد من أهلي هيصدق القصة دي. محمود علام أكبر من كده بكتير يا بسبوسة، بس عندي خطة حلوة هنفذها قدامك دلوقتي حالا.
_ وهي إيه بقى؟
_ أنا مش بتاع كلام، هتشوفي وتحسي بكل حاجة دلوقتي يا بسبوسة، بس عايزك تصدي معايا للآخر.
نظرت إليه بتعجب وقبل أن تفهم ما حدث كان يضم شفتيها بين شفتيه بداخل قبلة، أو ليكون صادقًا، هذه كارثة. ناعمة، طرية، بمذاق رائع. لو أبتلعها الآن سيكون معه كل الحق.
ضربته على صدره بمقاومة ورفض شديد ليقيد يديها ويكمل عمله متلذذًا.
ثانية والثانية، فُتح باب المكتب ودلف معه علاء زوج شقيقتها بالنسكافيه التي طلبته من السكرتيرة مردفًا بذهول:
_ يا نهاركم اللي مش فايت، إيه اللي بيحصل قدام عيني ده؟
أستغفروا الله لعلها تكون ساعة استجابة.
رغم التفاعل اللي مش لطيف الرواية بتنزل، بس ده مش هيستمر كتير.
بكرا بإذن الله هكون موجودة في معرض الكتاب جناح دار الراوي صالة ٢ جناح c24.
اللي ناوي يشتري ولو مش ناوي، حابه أشوف الكل. دمتم بخير وعافية.
اقتباس لذيذ من يمين طلاق.
أخذت وسادة وغطاء خفيف وألقت بهما على الأرض مشيرة إليه قائلة بنبرة ساخرة:
_ تقدر تعتبر ده السرير بتاعك طول فترة وجودي هنا.
ربما هي حمقاء، أو أخذت أي حبة تعطي لها القليل من الشجاعة. خلع عنه الجلباب ثم أرسله على وجهها بكل قوته قبل أن يرد عليها بقوة:
_ لبس العزا ده مكنتش ناوي أحاسبك عليه، بس شكلك بتحبي العنف.
شهقت بعصبية وقامت من مكانها لتقف أمامه صارخة:
_ أنت فاكر نفسك مين فوق؟ أنا هند الراوي.
_ طظ.
أتسعت عينيها وفتحت فمها إلا أنها وبكل أسف لم تجد كلمة مناسبة تسبه بها، ليبتسم عليها ساخرًا قبل أن يجذبها لتكون تحت حصار ذراعيه:
_ عايزك تفوقي وتتلمي من غير ما أضطر أستخدم أيدي في التعامل معاكي.
وضعت كفها على صدره مردفة بنفس السخرية:
_ ولا تقدر، زي ما أنت بتعرف تستخدم أيدك أنا كمان بعرف أستخدمها ورجلي كمان لو اضطريت لده.
ربما لم يصل إليه حديثها من الأساس، كان كل تركيزه على ملامحها الرقيقة رغم شراستها. يعشق الشعر الأسود الثقيل وتلك العيون الغزلان الغاضبة، وفوق كل هذا وذاك شفاه صاحبة جمال رباني تأخذ حجم مميز.
وضع أحد أصابعه على خصلاتها مردفًا:
_ حضري الحمام عايز أطلع فايق لك، دي الليلة فرحك يا عروسة.
بكل قوتها عضت أصبعه ثم أردفت بغيظ بعدما رأت أنه لم يتأثر:
_ شكلك نسيت مهمتك يا عمدة، أنت مجرد محلل عشان أرجع لجوزي.
لما هذا الشعور؟ لما قدرت على إشعال النيران بداخله بكلمات ربما كان يتقبلها قبل أن يسحره عطرها؟
تحلى بالبرود مبتعدًا عنها:
_ حرام.
رفعت حاجبها مجيبة:
_ نعم؟
_ المحلل حرام يا مدام هند، عشان ترجعي لجوزك لازم جوازي بيكي يكمل بشكل طبيعي، بعدها بقى أقرر عايز أكمل أو لأ، وبصراحة أنا ماليش مزاج لكده.
_ يا نهاركم اللي مش فايت، إيه اللي بيحصل قدام عيني ده؟
أنتفض جسدها بين يديه ليضغط على خصرها مقربها منه أكثر ويكمل قبلته وكأنه بمفرده معها. مرت ثواني وهي تقاوم ليقرر تحرير شفتيها من بين أسنانه ويده مازالت تقيد حركتها. أغلقت عينيها غير قادرة على النظر لزوج شقيقتها، ربما تكون جريئة جدًا ولكن هذا الموقف بمثابة عار لها.
نظر لعلاء بكبرياء مردفًا:
_ خير يا علاء، في حاجة؟
أبتلع الآخر لعابه بذهول من الموقف. ما هذا بالفعل، ما هذا؟
توتر من نظرات سيده القوية لكنه قال:
_ إيه اللي بيحصل ده يا باشا؟ بقى هي دي الأمانة؟
عاد ليجلس على مقعده خلف المكتب مشيرًا له بوضع النسكافيه. وجدها مازالت تقف محلها مغلقة العينين فضحك بخفة مردفًا:
_ فضلت سنين أديك فلوس عشان تهتم بتربيتها، شكلك صرفتها على نفسك ونسيت تربيها. حط النسكافيه وغور من وشي.
فتحت عينيها بذهول من حديثه. شعرت بالقليل من الندم، ليتها ظلت تلعب معه لعبة الدلال بدل من صراحتها تلك. صدمتها الأكبر برد زوج شقيقتها الذي وضع المشروب على الطاولة وخرج مثلما أمره الآخر.
أشار إليها بالجلوس قائلاً:
_ اقعدي.
جلست ليعطي لها النسكافيه مردفًا:
_ اشربي يمكن أعصابك تهدى، مع إني شايف إنك محتاجة لمون بعد الموقف ده.
صغيرة، ضعيفة، بلا سند، هذه هي سارة. جميلة لدرجة من يراها يتخيل أنها دمية.
حركت رأسها بحزن على حالها وقالت لنفسها جملتها الشهيرة: "من الواضح أن الجمال ميسواش حاجة في سوق الحظ".
أخذت بعدها نفسًا عميقًا وعدة رشفات من الكوب تستعيد به قوتها ثم قالت:
_ عملت كل ده عشان تثبت إني ماليش ضهر مش كده؟
طفلة، طفلة صغيرة بملامح امرأة جذابة. أخذ نفسًا عميقًا ثم نظر إلى ساعته يده ثم إليها قائلاً بهدوء:
_ لأ، عملت كده عشان أتأكد إن العيب مش فيكي، العيب في البيئة اللي طلعتي منها. أنتِ بنت عمي ومن النهاردة أنا ضهرك. حاليًا عندي اجتماع مهم ولازم أحضره، لما أروح هيبقى لينا كلام تاني سوا وكلام مهم.
_ بس.
رفع حاجبه بنظرة محذرة قبل أن يقوم من مقعده مقتربًا منها حتى يوصلها لباب المكتب:
_ اششش، مش عايز أسمع كلمة زيادة تهز صورتك في عيني. لما أرجع هسمعك وهقولك كل اللي المفروض يتقال، يلا يا بسبوسة على البيت.
أومأت إليه بمشاعر تدلف لقلبها لأول مرة منذ وفاة والدها. حنون جدًا، جعلها تطمئن بأن القادم سيكون تعويض لكل ما مرت به بالسنوات الماضية.
بخطوات سريعة خرجت من مكتبه لتجد علاء بانتظارها على الباب. آخر شخص تريد رؤيته هو ذلك الحقير. عضت على شفتيها مردفة:
_ خير، مش اللي مشغلك خدام قالك ارجع شغلك، واقف تعمل إيه هنا يا جوز أختي؟
نظر إليها بنظرات تعلمها جيدًا منذ زواجه من مريم ثم ألقى عليها غمزة سريعة مردفًا:
_ ما أنتِ حلوة أهو، ليكي في الشمال، أمال عاملة عليا شريفة ليه يا بت أنتِ!!
مستفز، وهي لا تكره بحياتها رجل مثله. ردت عليه بوقاحة كالمعتاد منها:
_ لأنك مش قد المقام، معفن يعني، وأنا ماشية بمبدأ الغالي للغالي يا معفن.
أشتعلت عيناه بنيران الغضب، جذبها من ذراعها وضغط عليه بكل قوته مردفًا:
_ هتغوري معايا على البيت وهناك هعرفك مين المعفن اللي لمك من الشارع.
حركت شفتيها بسخرية وبكل ما أتتها من قوة ضربته تحت الحزام ليبتعد عنها بألم. أزالت أثر يده من على ذراعها بطرف إصبعها مردفة ببرود:
_ الشارع ده أهلي اللي لموك منه لما أبيه محمود أداك البيت تعيش فيه. كفاية كذب يا علاء، لأني كشفت كل الورق، وأوعدك قريب قوي هرميك إنت ومراتك في الشارع.
أنهت حديثها وخرجت من المكان توعد نفسها وعدًا واحدًا فقط أنها من الآن وصاعدًا ستكون "سارة هانم". يا الله كم هو جميل اللقب ويليق عليها جدًا جدًا.
عودة لغرفة مكتب محمود، أغلق شاشة العرض بعدما رأى وسمع كل ما حدث بغرفة سكرتيرته التي كانت تحضر للاجتماع. مرر أصابعه على ذقنه هامسًا:
_ طيب، وفيها إيه يا ابن علام؟ بنت جميلة وصغيرة بتقولك عايزك، حتى لو مصلحة، إنت الكسبان.
بالمساء. عاد للمنزل وأول شيء فعله دلف لغرفة نومه. وجد عايدة تتابع أحد البرامج على الهاتف. أغلق الباب خلفه واقترب منها ليجدها ترفض النظر إليه. رفع حاجبه بتعجب مردفًا:
_ إيه ده؟ مش تقوليلي حمدلله على السلامة يا حبيبي زي كل يوم.
نفت بحركة سريعة من رأسها ثم قالت:
_ جبت لك عروسة حلوة أوي، إيه رأيك تشوفها.
جز على أسنانه بغضب. مل من تلك اللعبة التي ترسمها عليه دائمًا. قام من جوارها وأزال جاكيت البذلة عنه ملقيًا إياه على أحد المقاعد قبل أن يقول:
_ عايدة، أنا مش عيل صغير. لما أحس إنك مش كفاية في حياتي ومحتاج أتجوز هختار العروسة بنفسي. سيبك من دور الخطبة ده واهتمي بصحتك.
خرج بخطوات غاضبة وتركها تعيد حديثه برأسها. ارتجف جسدها وشعرت ببرودة الجو من حولها. تقول هذا دائمًا حتى تسمع جملة واحدة: "لا أريد غيرك". لما اليوم غير إجابته؟
حاولت أخذ أنفاسها إلا أنها لم تستطع فوضعت جهاز التنفس على أنفها قائلة لنفسها:
_ كنت عارفة إن وجود البنت دي خطر. يا رب لو هيبقى لغيري خدني قبلها.
بغرفة أخرى، دق على الباب عدة مرات حتى أذنت له بالدخول. أغلق الباب خلفه واقترب من مكتبها الصغير. كم تبدو جميلة وهي تقرأ أحد الكتب. أبتلع ريقه مع تدقيقه بملامحها. هل كانت تحتاج لتلك الحمرة حتى تقتله قتلاً؟ لا والله، شفتيها بمفردها كانت كارثة.
رفعت رأسها إليه بابتسامة لذيذة ثم قالت:
_ نورت الأوضة يا أبيه، اتفضل.
جلس بطاعة عمياء، جعلتها تبتسم أكثر. تعلم جيدًا أنها مسيطرة عليه وهذا يشعرها بالأمان. أعتذرت إليه ببراءة:
_ أنا آسفة يا أبيه.
تفاجأ من هذا الاعتذار فرفع حاجبه بتعجب مردفًا:
_ آسفة على إيه يا بسبوسة؟
قامت من مكانها ووقفت أمامه مثل الطالب الذي ينتظر العقاب من معلمه. رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تهمس:
_ قلت كلام مش كويس الصبح حسسك إني بنت مش كويسة، بس أنا عملت كده عشان خايفة في يوم تزهقوا مني وأنا معنديش مكان تاني أروحه.
أومأ إليها قائلاً بهدوء:
_ فطبعًا قولتي كده، عشان لو بقيتي مراتي البيت ده هيبقى بيتك وهتفضلي موجودة على طول صح؟
أومأت إليه عدة مرات ليكمل ببساطة:
_ بصراحة عندك حق.
أتسعت عيناها بذهول. جملة واحدة ولكن معناها لا يبشر بالخير على الإطلاق. سألته بترقب:
_ يعني إيه؟
قام فجأة، لتعود للخلف جذبها سريعا قبل أن تتحرك خطوة واحدة إضافية. تأمل جمالها الذي يجبره على فعل ما لم يفكر بفعله من قبل ثم همس بنبرة دافئة:
_ يعني أنا راجل مراتي تعبانة ومحتاج ست، وأنتِ بنت زي القمر ومحتاجة أمان. كل واحد يأخد اللي عايزه من التاني وبكده هنبقى خالصين.
فهمت، أتى إليها بنفسه وعرض عليها الزواج. يبدو أن خطتها تسير بالاتجاه الصحيح وهذا رائع. رسمت عدم الفهم على معالم وجهها ثم قالت:
_ يعني إيه برضو؟
_ تؤ تؤ، دور الغبية مش لايق عليكي خالص يا بسبوسة، أنتِ فاهمة وأنا فاهم، يبقى إيه؟
_ إيه؟
مرر يده على خصلاتها الناعمة. حلاوة رهيبة، يود تذوقها بأي شكل من الأشكال. نزل لمستوى طولها ووضع قبلة صغيرة على أنفها الحمراء مردفًا:
_ معاكي عشر دقايق هنروح لأقرب مأذون، هكتب عليكي حالا.
بعد ساعة كاملة كانت بحالة من الذهول. تجلس على أحد المقاعد بمكتب المأذون الشرعي وبالمقابل إليها طاولة كبيرة يجلس عليها محمود بجوار المأذون وبجوارهما رجل غريب يبدو أنه صديق محمود يحل محل وكيلها. أتى إليها محمود وهو يحمل الأوراق مردفًا:
_ امضي.
ها هي على أبواب جنتها التي وصلت إليها ببساطة لم تتوقعها. تخيلت أن يأخذ الأمر منها أشهر حتى تستطع الإيقاع به ولكنها بعد عدة أيام نجحت بأخذ لقب "زوجة محمود علام".
انتهت من التوقيع لتسمع المأذون يقول بابتسامة:
_ مبروك يا محمود بيه، مبروك يا هانم.
"هانم" تلك الكلمة بحثت عنها كثيرًا والآن تسمعها. كم هي كلمة جميلة، وقورة، منعشة، تليق عليها وكأنها خلقت من أجل "سارة هانم". ابتسمت وهي تسمع الجملة الأكثر شهرة بتلك المواقف:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، زواج مبارك إن شاء الله.
رواية عطر سارة الفصل الرابع 4 - بقلم شيماء سعيد
أخيراً تم إغلاق باب غرفة واحدة عليهما. أغلقه بالمفتاح عدة مرات ثم ألقى بالمفتاح من يده على الأرضية. اللعبة تحولت أمام عينيها إلى حقيقة، ومطلوب منها تقبل ما يحدث بصدر رحب.
ابتلعت ريقها برعب حقيقي. معالم وجهه غريبة عجيبة. الوقار سقط أرضاً، الاحترام استأذن من تلك الجلسة، هيبة محمود علام ذهبت بمهب الرياح. نظر إليها بنظرة بها الكثير والكثير من الاحتياج. امرأة جميلة بين يدي رجل أعزب من أعوام، ماذا ستكون نهايتها؟
أشارت إليه بتوتر تمنعه من الاقتراب منها مردفة:
"إحنا هنا فين وبنعمل إيه؟"
"شقتك يا عروسة، عش الزوجية. بنعمل إيه بقي دي لازم تتشاف. الكلام مش معبر."
نفت بحركة سريعة من رأسها قائلة:
"أنا فاهمة. إنت عايز حاجات عيب صح؟"
أومأ إليها بكل صراحة. لحظة واحدة وانفجرت ببحر من البكاء. صدم منها كيف تحولت، فكانت منذ ساعات تحاول إغواءه، والآن خائفة؟
جذبها بقوة لتسقط على صدره مردفاً:
"بتعيطي ليه يا بسبوسة؟ إذا كان أنتِ بنفسك طلبتيني للجواز، دلوقتي هنعمل عيال صغيرة ونرجع في كلامنا؟"
همست ببراءة زادت من حرارته المشتعلة:
"أنا فعلاً عيلة صغيرة. وحضرتك أكيد راجل محترم ووقور مش هتعمل حاجة غصب عني وهتسيبني أمشي. وأنا أوعدك بإذن الله أول ما أكبر وأكون مستعدة هاجي لك لحد عندك."
ضحك بخفة ثم همس إليها بتصميم خبيث:
"هو أنا راجل محترم ووقور ومش هعمل حاجة غصب عنك، بس كان على عيني يا بسبوسة أسيبك تمشي. هعمل كل حاجة وبمزاجك يا روحي."
صرخت برعب وذهول مع شق فستانها نصفين. ما هذا؟ بالفعل ما هذا؟ ربما يكون الفأر وقع بالمصيدة. حركت رأسها عدة مرات بنفي، ترفض هذا الشعور، ترفض تلك الطريقة. قاومته بقوة، تعجبت إليه، رفع حاجبه وكأنه يسألها لما كل هذا؟
دفع جسدها الناعم على الفراش وسقط بجسده فوقها، يحاصرها بتصميم رهيب على قربها. همس إليها بحنان قائلاً:
"خايفة؟"
أومأت إليه بأمل كبير لعله يعطف عليها ويتركها بحالها. ابتسم ومسح بيده على وجهها المتعرق ثم قال بنبرة دافئة:
"متخافيش، أنا جنبك من النهاردة. مش عايزك تخافي."
تعالت دقات قلبها مع شعورها بقبلته الناعمة على خدها المتوهج. أغلقت عينيها عدة لحظات بقلب ذائب من حنانه عليها. لأول مرة تشعر بحنان أحد عليها، لأول مرة يدلف إلى صدرها هذا الكم من الدفء والأمان.
أستسلمت ورفعت الراية. ستتركه يقترب حتى تنعم بحلاوة هذا القرب. ضم شفتيها مستمتعاً بها لأبعد الحدود. فتاة صغيرة جميلة مثل قطعة البسكوت، يحركها بين يديه كما يشاء. ماذا يريد أكثر؟ هذه هي حياته القادمة وهو أكثر من مرحب بها.
همس إليها بنبرة متحشرجة:
"افتحي عينك. مش عايزك تغمضي الليلة دي أبداً."
ابتسم بنشوة وهو يرى عينيها البنية تنظر إليه بخجل. ابتلعت لعابها وهي تبحث عن كلمة واحدة مناسبة لما يحدث ولسانها عجز عن الحديث. مرر أحد أصابعه على شفتيها مردفاً:
"أسبوع واحد خليتي كل حتة في جسمي عايزاكي يا بنت علام."
"صغيرة ولكنها ذكية إلى أبعد الحدود. رسالته وصلت إليها."
ليخرج صوتها ببحة مميزة أثر ما تمر به من مشاعر:
"جسمك بس اللي عايزني؟"
بكل صراحة أومأ إليها بتأكيد على سؤالها ثم همس بنبرة لعوبة:
"لحد دلوقتي هو بس اللي عايزك. وخدي بالك ده أهم من قلبي بكتير. خليه بقى يفضل عايزك على طول."
ماذا كانت تنتظر؟ إن يحبها؟ الجميع يرغب بها مثلما يرغب هو. أعتادت على هذا وربما أصبح لديها الكثير من النضج حتى تعلم من أين تستطيع السيطرة على رجل. لفت يديها حول عنقه تقربه منها أكثر ثم قالت بدلال أنهى الباقي من صبره:
"عارفة. خليه بقى ينفذ اللي نفسه فيه."
***
بقصر لا يقل فخامة عن قصر علام، وهو خاص بعلي الحسيني، صديق محمود. جلس بغرفة مكتبه وأغلق عينيه مع شعور بصداع رأسه يزيد. لا يصدق إلى الآن أن كل تفكيره بزوجة أحد المهندسين بالشركة. رسمت على شفتيه ابتسامة تلقائية مع تذكره لأول مرة رآها بها بداخل شركته.
فلاش بااااااك…
ضرب على طاولة الاجتماعات بغضب أعمى. أكثر ما يكرهه بحياته هو الخطأ، وهذا ليس أي خطأ. سأل المهندس سيد بنبرة صوت قاتلة:
"يعني إيه تصميم المشروع نسيته في البيت يا باشمهندس؟ الوفد الكوري هيبقى هنا خلال ساعة، إنت فاهم أنت بتقول إيه يا بني آدم؟"
أنتفض جسد سيد برعب. كارثة هو الآن بداخل كارثة ولا يعلم كيف يمكنه الخروج منها. أشار لعلي بيده مردفاً بدفاع:
"عشر دقايق والمدام بتاعتي هتيجي بالتصميم يا باشا وهنلحق نراجع قبل ما الوفد يوصل."
أطلق علي ضحكة ساخرة ثم قال:
"المدام معاها التصميم؟ لأ بجد أنا كده اطمنت. من امتى في تصاميم بتبقى في البيت وفوق كده تبقى في إيد حد غيرك؟ حد غيرك شاف التصميم يا حيوان."
صرخ بآخر كلمة وهو يقوم من محله ليهجم على الآخر. ثم قطع هذا فتح باب المكتب ودخول فتاة بطول مناسب وبشرة بيضاء. وجه مستدير، عيون واسعة سوداء. خصلاتها، ما هذا؟ لماذا تخفي خصلاتها عليه بحجابها الأسود؟
عاد خطوة للخلف مبتعداً عن سيد وعيناه تمر على جسدها المرسوم باحترافية تحت عباءة سوداء ضيقة من أماكن مهلكة. ظهرت معالم الإعجاب على وجهه الوقح. علي الحسيني، الأعزب الوسيم صاحب الاثنين والأربعين عاماً، عض على شفتيه بخبث ثم نظر إلى سيد مردفاً:
"دي المدام؟"
أومأ إليه الآخر بتوتر قائلاً:
"أيوه يا باشا، المدام."
مرر عينه عليها من جديد ثم قال بضحكة أرعبت قلبها:
"لأ، حلوة المدام."
اتسعت عيناها من تلك الوقاحة ونظرت إلى زوجها منتظرة ردة فعله لتكون صدمتها الأكبر مع ضحكة زوجها وحديثه:
"هي فعلاً حلوة يا باشا وحلوة أوي كمان. تعالي يا أروى وهاتي التصميم، خلي الباشا يتفرج."
كان لحديثه معنى آخر فهمه الباشا على الفور وفهمته هي أيضاً. اقتربت بخطوات ثقيلة ونظرات رغم قوتها إلا أنها مقهورة. ثم قدمت التصميم إلى علي مردفة:
"التصميم يا فندم، عن إذنكم همشي أنا."
تجمدت على أثر جذبه ليدها المقدمة إليه حتى تبقى بين يديه مردفاً:
"تمشي تروحي فين؟ مش لما نشوف التصميم يبقى ناقص حاجة كده والا كده."
تحدث سيد:
"لأ يا باشا اطمن، أنا كل حاجة تحت إيدي بتبقى كاملة. معنديش حاجة ناقصة."
حدق به مردفاً بسخرية:
"كفاية إنت ناقص. هتبقى إنت واللي في إيدك كمان. هتحملك أنا على إيه وقتها."
استغلت حديثه مع سيد وفرت بخفة خارج غرفة المكتب لتنتهي لحظة مميزة جداً بالنسبة إليه.
انتهى الفلاش بااااااك.
فاق على صوت باب غرفة مكتبه ليأمر الخادمة بالدخول. دلفت وقالت بهدوء:
"الباشمهندس سيد وصل يا باشا."
"خليه يدخل."
دلف سيد بعد عدة لحظات بخطوات متوترة قائلاً:
"أنا عملت حاجة غلط يا باشا عشان تطلبني؟"
لعب علي بالقلم الموضوع بين يديه قائلاً:
"هو يوم ما تعمل مصيبة هطلب أقابلك في بيتي؟ تفتكر إنك بالأهمية دي عندي؟"
ابتلع الآخر تلك الإهانة بصمت ليمد علي يده إليه بشيك. جذبه سيد بتعجب مردفاً:
"ده إيه ده يا باشا؟"
"شيك على بياض، اكتب فيه المبلغ اللي يعجبك وأنا همضي."
"مقابل إيه يا باشا؟"
"شهر مع مدام أروى. مش اسمها أروى برضه؟"
***
عودة لشقة محمود وسارة. أخيراً تركها. رغم أنه كان مرغماً على الخروج من جنتها إلا أنه فعلها. دلف إلى المرحاض كي تأخذ مساحتها بالغرفة. ظلت تحدق بباب المرحاض وبعدها بكت. لا تعلم لما بكت، هل من قوة هذا الرجل وسيطرته عليها أم خائفة؟
جذبت شرشف الفراش ووضعته على جسدها بالكامل حتى وجهها أخفته. شعور غريب يتغلغل بداخلها. لطالما رسمت لنفسها قصة حب تليق بجمالها لتكون صادقة. هي فازت بزواجها من محمود علام ومع ذلك مقهورة. ما حدث منذ قليل فوق قدرتها على التحمل.
خرجت منها شهقة حاولت كثيراً كتمانها. أغلقت عينيها بقوة تجبر نفسها على الصمود حتى تصل إلى ما تريده. خرج من المرحاض ليلقي نظرة سريعة عليها. حرك رأسه بابتسامة ساخرة مع اختفائها تحت الغطاء.
أقترب منها ثم أزاحه عن وجهها مردفاً:
"في حاجة بتوجعك للعياط ده؟"
أومأت إليه ببراءة ملامحها ثم قالت بغضب:
"في قطر عدى عليا خلى كل حتة فيا في حتة لوحدها."
ضحك من أعماق قلبه ثم غمز إليها مردفاً:
"كل حتة لوحدها بس سلميه شهرين بالكتير وكل حتة هتتجمع مع أختها وترجعي زي الأول."
جزت على أسنانها بغيظ من استفزازه وقبل أن تنطق بكلمة واحدة اقترب من أحد الأدراج وأخرج منه علبة حبوب وقدمها إليها مردفاً:
"عايزة منه والا لأ؟"
حدقت به عدة لحظات بحزن. تعلم ما هذا، فكانت وهي صغيرة تأتي به لمريم "شريط مانع للحمل". رفعت بصرها لمحمود مردفة:
"وده سؤال والا أنا مجبرة أنفذ؟"
حرك كتفه بهدوء وأجابها:
"مش مجبرة لو مش عايزة هتصرف أنا بأي طريقة تانية. وقبل ما تقولي أي كلام أحنا متجوزين في السر للدلع، مش هينفع يكون بنا أولاد. أنا عندي ولد ومش عايز غيره وأنتِ..."
منعته من إكمال حديثه وأخذت الحبة ووراها كوب من الماء دفعة واحدة ثم قالت ببعض التعب:
"ساعدني أستحمى وأغير هدومي، حاسة إني تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية."
"يكفي لهنا محمود، يكفي على الصغيرة هذا الكم اليوم."
حملها بين يديه بخفة ثم دلف بها للمرحاض. ابتسمت بسخرية وهي ترى المرحاض مجهز لاستقبالها. شهقت بخفة بعدما وضعها في حوض الاستحمام قائلة:
"أهي دي من مميزات الجواز براجل خبرة."
رد عليها بوقاحة:
"هي دي بس المميزات ما..."
وضعت يدها على شفتيه وقالت:
"ممكن أطلب منك طلب صغير خالص؟"
أومأ إليها لتكمل حديثها:
"عايزة مهري، مش أنا برضو عروسة والمفروض يبقى ليا مهر؟"
أزاح كفها من على شفتيه وأجابها وهي يضع بعض الشامبو على خاصتها وبدأ بغسل شعرها:
"طبعاً عروسة وأحلى عروسة كمان. عايزة مهرك كام بقى؟"
"البيت ده عايزاه يبقى باسمي."
أكمل ما يفعله بهدوء رغم بوادر النيران التي بدأت بالاشتعال بداخله وسألها:
"اشمعنى البيت؟"
ماذا تقول؟ أنها ترغب بوضع قدميها على أرض ثابتة؟ أنها تريد الشعور بالأمان مع وجود منزل باسمها؟ صمتت ولا تعلم بماذا تجيب ليقول هو بدلاً عنها:
"عايزة بيت باسمك عشان تبقى ضامنة إنه بتاعك دايماً ومش من حق حد يخرجك منه مهما حصل، مش كده؟"
ظلت صامتة، ففتح الماء الدافئ لتسقط على جسدها قائلاً:
"ماشي يا سارة، البيت من النهاردة هيبقى باسمك."
بعد دقائق وضعها على الفراش ثم وضع الغطاء عليها مقبلاً رأسها بحنان جعلها تقول:
"هو أنت حنين كده بجد والا أنا بتخيل؟"
ضمها لصدره وأغلق عينيها بيده ثم أغلق عينيه هو الآخر مردفاً:
"مش حنان قد ما هو اتفاق خد وهات. أنا أخدت حاجة حلوة أوي والبيت قليل قوي على اللي أخدته يا سارة."
ابتسمت ولفت ذراعها حول خصره لتنعم بنوم هادئ بوجوده. أما هو كانت ابتسامته غامضة. محمود علام شخصية من الصعب فهمها أو أخذ أي شيء منها. لماذا تنازل لها بتلك البساطة؟ لا أحد يعلم. أخذ نفساً عميقاً من رائحة عطرها المميزة ونام هو الآخر.
***
بعد يومين بمنزل سيد. وقفت أمام زوجها بذهول. أعادت حديثه برأسها عدة مرات لعلها تفهم ما قاله أو على الأقل تتأكد من أنها مستيقظة. حركت رأسها مردفة:
"إنت بتقول إيه يا سيد؟"
نظر إليها بغضب ثم عاد ما قاله بنبرة لا تقبل النقاش:
"الباشا عايزك شهر مقابل 5 مليون جنيه، بعدها هنبقى ملوك يا بت يا أروى وهنفتح الشركة اللي طول عمرنا بنحلم بيها. هتبقى مهندسة معايا مش بتشتغلي مكاني في السر. كفاية فقر بقى."
لحظة واحدة من الصمت وبعدها ارتفع رنين صفعتها على وجهه. هل هذا من ضحت بكل عائلتها من أجله؟ هل هذا من فرت من قصر عائلة علام لتبقى زوجته؟ صدمتها به جعل شعور الاشمئزاز يسيطر على تعبيرات وجهها. صرخت بقوة وهو يلف يده حول عنقها مردفاً:
"بقى بتمدي إيدك عليا يا بت الكلب؟ عارفة لولا إن الباشا عايزك سليمة كنت اديتك بدل القلم ده مية. فوقي معايا وركزي. ربنا أمر بطاعة الزوج وأنا بقولك نامي معاه يبقى تنفذي من ساكت."
صرخت بغضب:
"ربنا!! هو اللي زيك يعرف ربنا؟ طاعة إيه يا ديوث يا زبالة؟ بقى عايز مراتك مع راجل تاني بالفلوس وتقولي طاعة؟ شكلك نسيت إني أروى علام؟ كان فين عقلي وأنا بقف قدام أخويا عشان أتجوزك؟"
أطلق من بين شفتيه ضحكة ساخرة ولأول مرة يظهر لها وجهه الحقيقي قائلاً:
"أخوكي مين؟ محمود باشا علام؟ عمره ما اعتبرك أخته. كنتي بالنسباله بنت واحدة أبوه غلط معاها وحطك في شقة بعيد عن الكل عشان محدش يعلم بيكي. كان بيستعر منك ومحدش غيره يعرف عنك حاجة. حتى لما هربتي مكلفش نفسه ودور عليكي. كنت فاكر لما أتجوز بنت علام هعيش في نعيم بس مخدتش من وراكي حاجة. دلوقتي بقي بقولك أهو الباشا قدامه ساعة ويوصل يتبسط بمزاجك أو غصب عنك بدل ما أطلع روحك في إيدي."
عادت للخلف عدة مرات وهي تحرك رأسها برفض. يستحيل أن يكون هذا حبيبها، يستحيل أن تكون تلك نهايتها. حدقت به بكره يظهر إليه للمرة الأولى مردفة:
"بكرهك يا زبالة، بكرهك وبقولك أهو على جثتي لو حد قرب مني هيبقى بموتي أو بموتك."
أومأ إليها بنظرات أرعبت قلبها ثم رفع كمه إلى ساعديه مردفاً بقوة:
"يبقى هينبسط بس غصب عنك يا حلوة."
مرت عليها الساعة مثل الجحيم وهي مقيدة على فراشها. سمعت صوت الباب ومن بعده صوت خشن يقول:
"عايزك تخفي من المنطقة كلها الشهر ده مش البيت بس."
"أمرك يا باشا بس بالراحة وعلى الهادي. دي برضو عندي في الحتة الشمال."
نظر إليه باحتقار قائلاً:
"هي فين؟"
"في أوضة النوم يا باشا."
"طيب، يلا غور."
رواية عطر سارة الفصل الخامس 5 - بقلم شيماء سعيد
part55 من ضوه عيونك بديت اعشگ شمعتك انه ما أعرف الفرح الابضحكتك .
طالب كاعد كبال الغرفة البيها جوري ،العناية المركزة ومايسمحون لاحد يدخل يمها حسيته مويوم سنة ،وصيت امير يرجع سارة للبيت
ويرجع يرتاح ماقبل يروح من يمي بس جبرته يروح ،وحسين كاعد يمي وايده على راسه ،شوية ودخل محمد يركض وصل يمي والقلق
والتعب مبين على وجهة ،كال ها يابة امي شلونها حرت شنو اكلة دخلت بغيبوية وحالتها موزينة لو شنو ؟حسين كام وكلة تعال راح
وياه ووكفو يسولفون على جهة واني الكلمة بالكوة تطلع مني ،اللهفة انطفت والحيل انهد ،عود اني ملتحق ومتلهف ارجع للبيت بس
علمود اشوفها واحضنها وتزيل كل التعب ،الحمدالله والشكر على كل حال الي كاتبه الله يصير ،طلعت محفظتي من جيبي وابتسمت
بقهر واني اباوع لصورتها وهمست موتعوفيني جوري ،اني حالي يبجي من دونج بيمن التهي بوية واني سولتي عيونج ؟ تلمست
صورتها بهدوء وتنهدت وهمست وصوتي يرجف موتعوفيني ضميت محفظتي وكمت تمشين للخدج وكفت اباوع من الزجاج الي
يفصل بيني وبين الخدج اباوع لغلا ،نايمة بهدوء والممرضة تفحص بيها من طلعت سالتها على حالتها كالت شوية تعبانة لين انولدت
بشهر الثامن وراحت ،تمشيت ورجعت لمكاني كعدت وحسين ومحمد كاعدين باوعت عليهم وكلت بهدوء واحد منكم يرجع
للبيت ،يم سارة وعلي لاتعوفوهم بحدهم ،اباوع اثنينهم مايقبلون يرحون بوية شلون راح يخلوني امدهم هنا بنص المستشفى ،حسين
كال يابة انتوا ارجعوا للبيت ارتاحوا جنتوا بالدوام واني ابقى هنا ،كتلة لا اني ماارجع باقي هنا ،حسين تنهد وكال كوم محمد
ارجع ارتاح وتعال باجر الصبح ،ومحمد مامقتنع وبالكوة راح ،واجة حسين كعد يمي .
ريحانةفزيت على صوت مبايلي يدك ،استغربت منو داك علية بنص الليل ،باسل جان محاوطني وخرت نفسي على كيف وكمت للمبايل
مخليته على الشحن اباوع ،سارة تدك بساع فتحت خط كتلها باستغراب الو ها سارة ؟واجاني صوتها تبجي يمة كتلها بخوف
سارة شكو شصاير بيكم شي احجي وياج جاوبيني ،كالت ببجي ريحانة ماما موزينة جابت والمستشفى ويكولون دخلت غيبوية
وبجت هية كالت هيج ،واني سكتت ماعرفت شنو احجي بس دموعي ضلت تنزل عشرة عشرة الخط انسد واني ماسيطرت على
روحي كعدت بزواية الغرفة ومنتجية على الحايط ودموعي تنزل اريد اتحرك بعد مااكدر وجسمي يرجف بقوة شوية وشهكت بصوت
عالي وايدي على عيوني وبجيت حييل ،وفز باسل واني مستمرة ابجي رفع راسه شافني بساع شمر اللحاف وكام ،اجاني كومني
ولازم اديه وكال بقلق شبيج تبجين ؟اني مااسيطر اوكف شمرت روحي بحضنه وانهديت بالبجي وهوة مستغرب مايعرف شبية مسد
على راسي وكال باباتي شصاير شبيج احجي لاتخوفيني عليج ،شهكت وكتلة باسل امي دخلت غيبوبة امي وضليت ابجي
واردد وديني الها وديني الله عليك اريدها اريد اشوفها واحجي وكل جسمي يرجف ،همس بهدوء هاهية اسكتي لاتبجين راح اخذج ،وين
المبايل سحب مبايله من الميز ومدري عليمن دك وكال الو ها عمي شصاير خير ان شاء الله ؟ ورجع كال الحمدالله على كل حال ،مابيها
غير العافية ان شاء الله بيا مسشتفى كلي خلي اجيك ؟لا ميصير والله كلي تمام جاي ،سد الخط وبساع لبس تركسوده واني لبست عبايتي
ومدري شلون لفيت الشال ،اخذ السويج ونزل كدامي وكفت يم الرج وكتلة بتعب باسل عفية تعال مااكدر انزل وشهكت هوة صعد بساع
سندني ونزلنا ويمشي بية على كيف ،صعدني بالصدر وهوة صعد بدا يسوق وكال راح اوصلج لبيتكم عمي كال وديها يم سارة محد
يمها هزيت راسي واني امسح ،وصلنا للبيت نزل فتح باب السيارة ونزلني على كيف وصدفة محمد هستوة اجة للبيت سلم عليه باسل
وراح للمستشفى واني دخلت اني ومحمد وشابكته وابجي وهوة مقهور سودة علية ويحاول ميبين الي ويسكت بية ويكلي مابيها شي
دخلنا لكيت مريم جاية هم وكاعدات بالاستقبال وشابكة سارة تسكت بيها وعلاوي نايم ميدري ،اني بس شفت البنات هيج كبل بجيت
وركضت يمهم ومريم شبكتنا اثنينا ومحمد ماتحمل عافنا وطلع ،مريم كالت وهية تمسح بدموعها مايصير هيج ترة كافي بجي
كافي ماما ان شاء الله مابيها شي وترجع النا ،ميصير نبجي موزين ،وابتسمت بقهر وكالت هية كالتلي مااعوفكم مرة ثانية
وعدتني شبيكم ،هزيت راسي وكتلها واني امسح بدموعي ماتعوفنا هية كالت وسارة ساكتة متحجي اي شي بس دموعها تنزل ،مسحت
دموعها وكلت بهدوء هاهية سارة اسكتي ماما مبيها شي وراح ترجع النا زينة وهية بس صافنة وهمست بهدوء البارحة كدام عيني
ماتت من الوجع ،واركض بيها منا ومنا ،لو ادري من نروح للمستشفى تدخل غيبوبة جان شبكتها قبل لاتدخل ،وبجت حيل
وايدها على عيونها وجسمها كلها يهتز واني كالت هيج ورجعت ابجي وياهة .
في اليوم التالي طالب للصبح عيني ماغمضت ولا اجاني النوم ،فزيت على صوت باسل وهوة ينطيني كلاص الجاي اخذته من ايده وشربت بس علمود
اصحح وتروح الدوخة ، دكيت على محمد اطمن على البنات وكتلة ديربالك عليهم ،ولاتخليهم يبجن ،ماكو شي ان شاء الله
وطمنهم ،وسديت الخط هههه اطمن بيهم وكلبي محترك ، ابداً ماابين الهم التعب الجاي احس بيه ،اني سندهم بالاوقات الصعبة
وهمة سندي وتعبهم من تعبي ،رغم كلشي ابقة صامد لين املي بالله سبحانه وتعالى كبير واعرف مايخيب ضني ،اجة حسين يمشي من
بعيد جايب من خارج المستشفى الدوة الي طلبه لدكتور لغلا ،كمت علمود اشوفها واطمن عليها ،شايفها من بعيد مامتقرب منها حتى
ماشلتها بايدي ،طلبت من الممرضة اشوفها ،وجابتلي ياها شلتها بهدوء وايدي رجفت وابتسمت بقهر وهية تبجي بشرتها ناعمة حييل
وبيضة ماخذة بياض جوري وشعرها اسود وعيونها مبينات عسلي فاتح حييل ياروح ابوج عيونج على عيوني ؟تشبهيني انتِ ؟سكتت
وصافنة بوجهي همست بهدوء تردين تشوفين ماما انتِ وهية ساكتة ورغم اجت بالثامن بس وزنها زين الحمدالله وملامحها بالكوة
تنشاف من ورة خدودها ،قبل لا ترجعها الممرضة اخذت الها صورة ورجعتها الممرضة واني روحي صارت بيها ،ضليت واكف
اباوع عليها من بعيد وهية تتحرك لحد مارجعت كعدت بمكاني والدكاترة طابين طالعين للغرفة ،وبس اريد واحد يطمني عليها
ماكو ،شوية واجة احمد سلم علية ووكف يم الولد ولازم جنطة بيده تقرب وكال ها عمي مريم دزيت بيدي هاي الملابس الك لين باقي
بملابس هزيت راسي واخذتهم منة ورحت بدلت ورجعت لكيتها صايرة هوسة نص الاقارب جايين واني منا شلون عندي خلك .
حسين رحت للصيدلية حتى اجيب وصفة الدوة مال غلا ،اخذت الدوة ودخلت للمستشفى وتلاكيت وية فدك استغفرالله ياربي مشيت سويت
روحي مااهتميت الها مالي خلكها بس هية وين عيونها شكبرهم وتردوها ماتشوفني صاحت حسين هاي انتَ ،مااهتميت
مشيت ،رحت انطيت الدوة للدكتور وهية تمشي وراي خرب يومج شني من كرامة شايلة ،وكفت ودرت عليها هية وكفت وكالت حسين !شبيك متوكف فحطت واني اركض وراك ،كتلها شتردينً؟
كالت امك هنا بالمستشفى مو شفت ابوك متوقعتك موجود،كتلها وهسة شرايدة فضيني ؟ كالت حسين اسمعني ولاتروح اني احبك
ابتسمت وحكيت لحيتي وكتلها شايفة بطل المغذي الي هناك ؟كالت اوو شدخله المغذي اي شايفته ،خزرتها وكلت اذا ماوخرتي من يمي
اطكج بيه على راسج بلكت عقلج الفالت يرجع بمكانه وعفتها ومشيت اني حال الضيم حالي وكلبي محترك على امي وهية تكلي
احبك من حبتج حية ام راسين ان شاء الله من هذا راسج المدعبل ،رجعت يم ابوي خوالي واكفين يسولفون وياه مسوين
المستشفى كهوة مولاعبالك مكان خاص للمرضى استغفرالله هستوهم راحوا وابوي رجع كعد وباسل واحمد كاعدين يمه ،شافني
ابوي كال ها جبت الدوة كتلة اي جبته ووديته للدكتور ،طلعت مبايلي شفت نازك مراسلتني ومتحمدة لامي بالسلامة وتدعيلها
ابتسمت وكلت بكلبي اي يابة هنا الادب والاخلاق موهناك نوب فوكاها دكتورة امدة السواج دكتورة المريض ماتركضين عليه مثل ماتركضين وراي .
ريحانة سويت الغدة بس محد اله نفس ياكل ،محمد طمنا على ماما وحذرنا من البجي لين كال بابا كلش متعصب من سمع بينا فسكتنا والبجي
لايقدم ولا يأخر ،صبيت اكل لعلاوي وبعدين دخل سبح طلعت اله ملابس وبدل ومشطت اله ورشيتله عطر كال بضوجة ريحانة لعد
وين ماما اشتاقيت الها ،بلعت ريكي وكتلة حبيبي ماما شوية مريضة واخذناها للمستشفى حتى تتحسن حالتها وجابت بنوتة حلوة صار
عدنا اخت جديدة ابتسم وكال الله وشسمها ابتسمت وكتلة اسمها غلا ،كال اممم غلا طالب حلوو شوكت تجي اريد اشوفها كتلة بعد
موهسة وهية هم تريد تشوفك كال خوش لعد راح اشتري الها لعابة واضمها من تجي انطيها الها ضحكت وكتلة تمام ،وراح يلعب بالبلي
واني دخلت لغرفة ماما نشد بالكاروك اني ومريم وسارة كاعد تصلي ،كملنا الكاروك ورتبنا واملنا بالله كبير ماما ترجع للبيت
ومكانها ميضل خالي ،بدلنا نزلة الجرباية وخلينا نزلة جديدة والبردات هم رتبناهم ،ومسحنا الغرفة وعطرناها صارت كلش حلوة
اساسا هية الغرفة حلوة ،ورتبت ملابس غلا بالكنتور ماما مجهزة الها كلشي تكومين بالسلامة يابعد روحي انتِ ،البيت خالي بدونها .
بعد مرور ايام طالب كاعد كبال الغرفة وبالكوة مفتح عيوني التعب سيطر علية ،بس مااروح للبيت ولا اريد ارتاح خاف تكعد وتريدني وتلكاني بعيد
عنها ،تبهذلت بهاي الايام لاشغل ولا اي شي تارك كلشي ومكابل الغرفة وكاعد وناس تروح وتجي مامهتم ،كلبي نار عليها ،الضغط
موتني بس عادي بقت عليه ،غلا تحسنت صحتها للاحسن وتعلقت بيها وكالساع اروح اشوفها ومرة ابتسمت الي بوية سحنت روحي
سحن بوقتها ضليت ساعة كاملة مكابل الخدج ،صحيت من صفنتي على صوت حسين يحجي مدري وية منو رفعت راسي شفته يحجي
وية دكتورة بس منو هاي اعرفها موغريبة علية ،اي تذكرت هاي فدك ،رفعت حاجبي باستغراب شعدها تحجي وية حسين ،كمت
بهدوء سمعته يكلها بابا انتِ ماتفهمين اكلج ولي مني شنو عندج خفر بالمستشفى تكليلي تعال اكعد يمي ؟خليت ايدي على كتف حسين
وكلت العفوا شصاير ؟رايدة شي ؟بلعت ريكها وكالت اهلا عمي كتلها عندج اي معلومات عن صحة المريضة وجاي تخبرينا بيها ؟
كالت ها لا كتلها لعد شكو ؟سكتت كتلها بهدوء بابا عيب هاي التصرفات متليق بدكتورة امشي كملي شغلج وعوفي الولد
بحالة،ومااعتقد اذا والدج سمع بهذا الكلام راح يعجبه الرضع فانتبهي لنفسج وشوفي حياتج امشي حسين ،ورجعت كعدت وحسين
كعد يمي وهية راحت ،كتلة بعصبية شكو داك سوالف وياها شنو نسيت الصار ؟كال يابة ياداك سوالف،والله ماطايقها بس هية طفلة
وتبقى طفلة وسكت ،استغفرت الله وكتلة مترجع للبيت ترتاح ؟كال والله هذا الكلام موجه الك انتَ ماترجع ترتاح لو تعرف بس تدز بينة
نرتاح كتلة واني انتجي على الكرسي مابية شي اني ماتعبان روح انتَ ارتاح ،كال دشوف نفسك يابوية عيونك محورة حتى وجهك
ذبلان روح ارتاح كتلة مابية شي كتلك تقرب وهمس شبيك روح ارتاح ترا الدكتور مايبوس امي وهية نايمة وعلي شحده هوة كال
هيج وكام من يمي بساع كتلة بعصبية واني احجي بهمس نعلعلا ابوك حسين تعال اكعد يمي وشوف شسوي بيك ياادبسز اذا ماامدك
هنا بنص المستشفى ،حرك كلبي الادبسز وواكف يضحك ويغمزلي واني اتحلف اله واشر اله بمعنى اصبرلي بسيطة ،تقرب وكال
طالب وخررر ،وتذكرتها من تكلي طالب وخر وكلبي دك حيل عليها والغصة اكلتني اكل ،كلبي طك عليها ربي صبرني وحسين
سكت من شافني سكتت ،باوعت للغرفة وهمست ربي اختبارك صعب هالمرة ،اني قابل اختبرني برزقي وبصحتي بس
موبيها ،موبنقطة ضعفي ،محتاجها حيل اريد اشكيلها فراكها بهل ايام شسوة بية وشلون اكلني اكل ،شلون كلبي يبجي عليها شلون
عيوني تعبن بدون شوفتها ،كل شبر بية ينادي باسمها ،راح حسين للكافتيريا ،ودخل الدكتور وطلع كمت وكتلة دكتور اكدر اشوفها بس
خمس دقايق ؟سكت وكال تمام بس خمس دقايق اني موزين عليها هزيت راسي ،ووكف الدكتور فتح الباب واني دخلت وسد الباب
شفتها من بعيد مددة والاجهزة محاوطتها ووجها مبين عليه التعب انتجيت على الحايط ماكدرت اكمل مشي ،سندت روحي ومشيت
على كيف وتلمست ايدها وقشعر جسمي ،ياريتني ميت وماشايفج بهذا المنضر ،همست بحـزن وصوتي بالكوة يطـلع من حنجرتي
كـليبي طـولت النومة ...اكعديلي شوفيني موزين بدونج بوية حال الضيم حالي ،هاهية كومي بعد ماازعلج ولا ابجـيج واعوف الدوام
واكابلج ومااخطي خطوة وحدة يلا اكعدي ...مسحت دمعتي الطاحت علئ خدها وهمست اكعدي انة ميت بدون اكعدي بوية اني مثل
الشمعة بغـيابج شوية شوية جاي اطفئ اصحيي لاتعوفيني ...بستها براسها وكعت دموعي علئ كصتها وهمست وصوتي يرجف
اكعـدي وافتحي عيـونج مشتاك لعيونج الحلوات ،صار 7 ايام النوم مامر علئ عيوني انهد حـيلي بنـيتي محتـاج حضـنج هـاي الدنـيا
قاسـية وصعبة مابيها حنـية بدونج اكعديلي ...صار 7 ايام و8 ساعات و35 دقيقة ماسامع صـوتج وهذا اقسئ شي وكلبي مايكدر
يتحمله ،صوتي رجف وضغطت على ايدها وكلت موتعوفيني جوري ،٦سنين اني يوم يوم انتضر انجمع بيج وماخاب املي ابداً
وكلت لابد ويرجع يوم ننجمع بيه ،وانجمعنا وحسيت الدنيا ضحكتلي مرة ثانية ،هالمرة بعد مااكدر الخطوة بدون صعبة علية احبج بنيتي
وبستها براسها وجاي اطلع وكلبي ماينطيني كالساع اريد افتح الباب وارجع اصفن عليها اخر شي طلعت بساع والدكتور سد الباب واني
رحت كعدت منضرها زاد حالتي سوء اكثر ،مااكدر اشوفها بهذا المنضر ،رجعت اسبح بالسبحة ،وعيني على الغرفة .
ريحانة خلصت هل ايام اروح وارجع لاهلي ،مانكدر نعوف سارة ببحدها بس تبجي حتى وداد اجت يمها ونازك اجت هم ،وبعده املنا بالله
سبحانه وتعالى كبير اهم واحلى شي بابا علمنا ياه الامل بالله سبحانه وتعالى ممكن يخيب ضنا بكلشي الا برب العالمين ،ايمنا واملنا كبير
ويزيد مينقص ،ونحمد الله ونشكره على كل حال ،فزيت من صفنتي على صوت صياح سارة سديت المي بساع ودخلت
ركض ،للاستقبال شفت مريم لازمة سارة وتحجي وية مرة عمي ابو مصطفى ،وتكلها باعي لا تشوفون بابا موبالبيت وتجون تذبون
سمكم علينا وترحون ترا والله اخابرة ويجي مايخلي بيكم عظم صاحي خزرتها وكلت سارررة صاحت ريحانة على اساس جاية
تواسينا ومادري شنو وتكلي حتى لو ماتت امكم انتم شنو شفتوا منها ؟وطالب نزوجه قابل باقي عليها ياعيني شلون تحجي هيج
وشلون تجرأ رجاءاً تفضلي برا احنا هيج شكولات منلفي ببيتنا ،كالت مرة عمي وهية تطكطك بعلجها شلون تربية بنات
جوري بعد شترجى منجن كتلها واني رافعة حاجبي اوي عيني لهل درجة مضغوطين من عدنا يموي افدي امي كلها مضغوطة منها لين
خوشش ام ولسانها عسل وتعرف تربي ومدارية بابا شلون المي حقج والله مقهورة منها ،كالت بعصبية خلي اروح احسلي شلون
يستقبلن الخطار طلعت ودردم وسارة تصيح وراها احنااا منسوييي سحورة محبة مثل بعض الناس عينيي احنا من الله محبوبين
ضحكت على حجايتها ودخلنا جوة دهر فرهن حتى هنا يذبن سمهن وبهيج اوقات صعبة امدة هيج مرة عم حية ،دخلنا كعدنا وسارة بقت
تحجي عليها ودردم يبوووو بعد شيخلصنا ،ومريم كالت ديربالكم احد يجيب سيرتها يم بابا خطية هوة نفسيته تعبانة منا مونوب
يروح يتعارك ويتعب بالزايد كتلها اي اكيد منحجي خوش سويرة كالت اي اي خوش مااحجي .
حسين ورة تقريباً ٦ ساعات ،الساعة ٩ ونص مساءاً ،كاعد على الكرسي بعيد عن ابوي بس اكعد يمة يكتلني وحق محمد شورطني وتشاقيت وياه يسبح بالسبحة ويباوعلي بتك عين واني ابتسم اله وهوة
ويخزرني وياشرلي بالسبحة بمعنى الة اكتلك بيها ،انفتح باب الغرفة رفعت واسي بساع طلع الدكتور من الغرفة مبتسم وكال يابة اليكعد من الغيبوبة يكعد مستغرب وغالباً اكو بيهم يعانون من فقدان ذاكرة
مؤقت اشو احنا مريضتنا صحت تبجي تريد طالب يابة وين طالب صيحولنا ياه .....
رواية عطر سارة الفصل السادس 6 - بقلم شيماء سعيد
دلف محمود ليجد علي يجلس بغرفة الضابط صامت والدماء منتشرة بالمكان.
اقترب من صديقه بلهفة قائلاً:
_ إيه اللي حصل والدم ده بتاع مين؟ إنت كويس؟
أومأ إليه علي ثم قال بشرود:
_ ده دم الظابط. البنت عملت فيه كدة.
_ بنت مين؟
_ أروى.
جذب محمود خصلاته بغيظ مردفاً:
_ ما تقول القصة كلها، هتفضل تنقط كدة كتير.
ماذا يقول وهو إلى الآن لم يستوعب ما فعلته تلك المجنونة. زفر بضيق وقص كل شيء حتى وصلوا للقسم.
فقال محمود بغضب:
_ إنت سامع نفسك بتقول إيه؟ عايز ست متجوزة ودفعت لجوزها؟ مستوعب الوساخة اللي طلعت من بوقك والا دي تهيؤات؟
رد الآخر بهدوء:
_ لما تشوفها هتعرف إني عندي حق. وبعدين جوزها راضي وكنت فاكر إنها كمان راضية بس بتتقل. المصيبة مش هنا، إنت متعرفش هي عملت إيه لما جينا هنا.
سأله محمود ساخراً:
_ هو في أسوأ من كلامك ده؟ قولي خليني أفكر إزاي أعيد تربيتك إنت كمان.
فلاش باااك.
وقفت بحالة من الذهول. تحولت من صاحبة حق لأخرى يجب عليها الاعتذار من علي الحسيني.
جلس بالمقعد المقابل للضابط وظلت هي واقفة أمامهم.
ألقى عليها نظرة غاضبة قبل أن يقول:
_ جوزها على وصول وهيقول حصل إيه بنفسه.
أومأ إليه الضابط بابتسامة واسعة مردفاً:
_ من غير ما حد ييجي يا باشا، أنا عارف إنك مستحيل تكذب. أتفضل، إنت وهي هتمشي لما ييجي حد يستلمها.
ما هذا بحق الجحيم؟ ما هذا؟
دلف إلى قلبها شعور باليتم قهرها. لم تجد بحياتها شخص واحد بداخله ولو قليل من الضمير. نظرت لضحكته المنتصرة ولم تتحمل أكثر. بكل الأحوال هي الخاسرة، فتأخذ حقها أولاً.
تحدثت بقوة:
_ هو إيه أصله ده؟ بتكذبوا الكذبة وتصدقوها انتوا الاتنين. الراجل ده أتهجم عليا في بيتي وحاول يعتدي عليا. ده غير جاري الغلبان اللي مرمي في المستشفى بعد ما استقوى عليه و ضربه. يبقى يمشي إزاي يا باشا؟
ضرب الضابط على سطح مكتبه بقوة قائلاً بغضب:
_ هما مين دول اللي كدابين يا بت؟ ما تفوقي. بقى عايزة تقولي إن علي باشا الحسيني عايز يقرب منك أنتِ؟
_ دي الحقيقة، هكذب ليه؟
أجابها بسخرية:
_ يمكن عايزة قرشين؟ ما أمثالك رخيصة.
تحولت معالم وجه علي مع سماع حديث الضابط لها. حدق به بغضب لا يعلم لما شعر به. وقبل أن يفتح فمه بحرف كانت أتت هي بحقها.
أخذت طفاية السجاير من فوق الطاولة المقابلة لعلي وبكل قوتها ضربت الضابط بها بمنتصف رأسه.
رفعت رأسها بكبرياء قائلة وهي ترى الدماء تسيل منه:
_ كدة بقى أنا أخدت حقي. ولما تحبسني هيبقى على حاجة أنا عملتها يا باشا.
انتهي الفلاش باااك.
_ الظابط راح المستشفى وهي دخلت الحجز.
أتسعت عينا محمود من كم المصائب التي فعلها صديقه. حرك رأسه مردفاً:
_ البنت دي بنت راجل وطلعت أرجل منك ومن الظابط ومن الكلب اللي هي متجوزاه. خليك جنبها هنا يا علي ووصي الكل عليها لحد ما أروح المستشفى أشوف الظابط وأوصل لفين. مش هسيبها تبات هنا، كفاية عليها اللي شافته النهاردة وحقيقة جوزها.
خرج من غرفة المكتب وترك علي بمحله. يسأل نفسه سؤال واحد: يتركها وشأنها أم يقترب أكثر؟ خصوصاً بعد شجاعتها تلك. وبعد تفكير عميق قال:
_ بصراحة أنا عيل زبالة وهستغل الموقف لصالحي. مش هسيبها، هي خلاص بقت بتاعتي. هتخرجي من هنا على قصر الحسيني يا أروى.
بمنزل علام.
بداخل مرحاض غرفة سارة. أغلقت الماء ورفعت وجهها للمرآة. حدقت بانعكاس صورتها بإرهاق جسدي ونفسي. بدأت عينيها تسير على ملامحها الجميلة بحسرة.
رأت بحياتها الكثير والكثير وإلى الآن تدفع ثمن زواج أبيها من والدتها.
عادت ذكريات ليلتها مع محمود تطاردها. ليتها أغلقت عينيها ورفضت أمره برؤية كل ما حدث.
طبول تضرب رأسها بقوة. صرخات كثيرة تسمعها بقوة تذكرها بكل لحظة مرت عليها بحياتها.
سقطت دموعها ومازالت تحدق بنفسها قائلة:
_ يا خسارتك يا سارة حلوة. حلوة أوي بس الدنيا أخدت منك كل حاجة وسابتلك شوية الحلاوة بس. الله يرحمك يا ماما كنتي دايما تقوليلي بلاش تفرحي بشكلك كدة، الجمال ميسواش حاجة في سوق الحظ.
أبعدت وجهها عن المرآة. يكفي ما وصل إليها من مشاعر مؤلمة إلى الآن. فتحت الماء ووضعت رأسها تحتها لعلها تغسل روحها المتألمة من الأوجاع.
أخرجها رنين هاتفها من حالتها لتخرج من المرحاض والماء تتساقط على وجهها. رفعت الهاتف لتجد اسم مريم. ابتسمت بسخرية وردت عليها:
_ خير. لسة فاكرة إن ليكي حد تتصلي بيه.
وصل إليها صريخ الأخرى الحاد لتجلس على فراشها وتأخذ تنهيدة عميقة ثم قالت:
_ اتكلمي بصوت واطي عشان أفهم أنتِ عايزة تقولي إيه يا مريم أو أقفلي لأني مش ناقصة صداع.
_ أختك اللي ربتك وفتحت بيتها ليكي بقت صداع دلوقتي يا ست سارة. عاملة نفسك هانم وخللتي البيه يطرد علاء من الشغل، وكل ده ليه؟ عشان شافك وهو بيبوس فيكي. صحيح رخيصة.
أتت لها بوقتها الصحيح. كانت تنتظر أحد يفتحها حتى تنفجر بوجهه.
_ لو كنت رخيصة كنت خليت الكلب بتاعك يقرب مني. الرخيصة فعلاً اللي تعرف إن جوزها بيقرب من أختها وتكذب أختها وتصدق جوزها. فاكرة لما ترني تقولي الكلمتين دول هعيط وأقولك حقك عليا كتر خيرك؟ لا يا حلوة، أنا كبرت وفهمت الليلة ماشية إزاي. سنين وأنا بصرف عليكي أنتِ وجوزك، مستحملة أعيش في بيت أقل من أوضة الكلاب في قصر أهلي عشان بس أفضل جنب أختي حبيبتي، أصلي لو روحت لأهلي الخير اللي بييجي لأختي الغلبانة هيروح. العبيطة بتاعت زمان ماتت، خدي جوزك وارجعي البلد خليه ينزل الغيط بدل ما هو عاطل كدة. والأحسن تبعدوا عني لأني من هنا ورايح لا عندي حاجة أخاف عليها ولا حاجة أخسرها وهاخد حقي من الكل.
أغلقت الهاتف بلا كلمة إضافية. لن تعود لبرائتها القديمة. وحتى لو تمنت فالأمر خرج من بين يديها وانتهى. لو لديها حق ببطن الحوت ستأخذه، فهي الآن معها "محمود علام".
زفرت بضيق عندما دق باب الغرفة ثم قالت:
_ أدخل.
دلتفت الخادمة الخاصة بعايدة قائلة:
_ مدام عايدة طلبت تشوفك.
عايدة!!! تريد رؤيتها؟ لماذا؟
طلب منها عقلها رفض تلك المقابلة. لن تستطيع تحمل ضغط فوق ضغطها. حركت رأسها بقلة حيلة ثم أشارت للخادمة قائلة:
_ طيب عشر دقايق هسرح شعري وأروح لها.
بعد ربع ساعة.
خطت بساقيها أول خطوة لغرفة محمود مع عايدة. صدمت من المنظر أمامها. امرأة يبدو أنها كانت جميلة لكن كان للمرض رأي آخر فأخذ منها ما أخذ. جهاز أكسجين معلق بجوارها وبجوارها محلول يصل إلى كفها. الغرفة كانت عبارة عن مشفى صغيرة.
ابتلعت ريقها ببعض التوتر قائلة:
_ أنا سارة.
كانت الأخرى مغلقة العينين تائهة بدنيا غير الدنيا. مع صوت سارة الناعم فتحت عينيها. رأتها ويا ليتها لم ترها. جميلة جداً وجذابة جداً جداً. فتاة خلقت بقدر عالي من الفتنة.
أخذت نفسها بتعب ثم قالت:
_ طلعتي حلوة أوي يا سارة.
ابتسمت إليها مردفة:
_ شكراً كلك ذوق. حبيت كتير أشوفك بس قالوا إنك بتحبي تبقي بعيد عن الكل. رأيك إيه ننزل نقعد تحت سوا.
رفضت عايدة بحركة سريعة من رأسها مردفة:
_ بحب أفضل في أوضة نومي مع محمود عشان لما أموت أموت فيها، وآخر حاجة أشوفه هو والأوضة اللي عشت معاه فيها، وفيها كل ذكرياتي.
أشفقت سارة على حالها، فجلست على الفراش بجوارها ووضعت قبلة حنونة على رأس عايدة قائلة:
_ متقوليش كدة، ربنا يشفيكي وتفضلي مع جوزك وابنك.
ابتسمت إليها عايدة بتعب ثم قالت:
_ مهو بقى جوزك أنتِ كمان.
صدمتها الجملة. انتفض جسدها على إثرها. نظرت لعايدة لتراها تبتسم كما هي. حاولت الحديث والإنكار لتكمل عايدة حديثها بهدوء:
_ شميت ريحة حريمي على بدلة جوزي أكتر من مرة. عشان كدة طلبت أشوفك. ريحتك نفس الريحة اللي على الهدوم. محمود مش بيعمل حاجة حرام.
قامت من مكانها يجب عليها الفرار الآن. لا لا. قولي أي شيء يثبت عكس حديثها قبل الفرار. ضحكت ضحكة متوترة وقالت بنبرة حاولت أن تبقى قوية:
_ أبيه محمود ده أخويا الكبير. مفيش أي حاجة من الكلام ده. لو حاسة إن وجودي هنا هيشكك في جوزك أنا همشي.
_ يا ريت مشيك من هنا هيحل المشكلة. انزلي أنا محتاجة أرتاح شوية.
بعد ساعة.
عاد محمود ودلف للمكتب الموجود به علي. وجده نائماً على الأريكة بكل هدوء. جز محمود على أسنانه بغيظ من الآخر. اقترب منه وضرب على ساقه بقدمه قائلاً:
_ اصحى يا بغل بدل ما أطلع بروحك في إيدي.
فتح علي عينيه بضجر وبعض الألم من شدة الضربة. نظر لمحمود بطرف عينه ثم مرر يديه على عينيه ليفيق مردفاً:
_ في إيه؟ هو في حد يصحي حد كدة يا جدع إنت.
أزاحه ليجلس بجواره مردفاً:
_ في دي عندك حق. اللي زيك لازم يصحى بالجزمة.
_ تشكر يا ابن الأصول. قولي عملت إيه؟
سند ظهره على المقعد ليأخذ بعض الراحة ثم قال:
_ اتنازل عن المحضر بعد ما أخد 100 ألف جنيه. البنت الغلبانة هتطلع دلوقتي هاخدها لحد بيتها يا علي وإياك تقرب منها.
قطع حديثه نغمة هاتفه، فتح الخط سريعاً مع رؤيته لاسمها مزين للشاشة مصاحب بأحد صورها. قبل أن ينطق بحرف سمع صوتها المرتجف:
_ محمود تعالى في الشقة بتاعتنا دلوقتي حالا.
أغلق الخط وقام سريعاً فسأله علي بقلق:
_ إيه اللي غيرك كدة؟ في إيه؟
_ مفيش حاجة بس أنا لازم أمشي دلوقتي. علي خلي البنت تروح بيتها وخليك بعيد عنها.
ذهب بخطوات سريعة فتح باب المكتب ورحل. بنفس اللحظة رأت أروى طيفه أمامها. توقفت محلها قائلة بخوف:
_ محمود؟ وهو ده محمود بجد والا أنا بتخيل؟
_ يلا يا بت امشي خلي أم اليوم ده يخلص بقى.
فاقت على صوت العسكري لتمشي معه بصمت للمكتب. أول شيء وقعت عيناها عليه ابتسامة الآخر السعيدة. اقتربت منه بقوة وحاولت رفع يدها عليه قائلة:
_ مشفتش في حياتي واحد واطي زيك.
وضع ساقاً على الأخرى ثم أشار إليها بهدوء مردفاً:
_ تعالي ارتاحي، أكيد اتعلم عليكي جوا أصلي بصراحة كنت موصي عليكي جامد.
كتمت غيظها من نبرته المستفزة ثم جلست على المقعد المقابل إليه واضعة ساقاً على الأخرى بنفس طريقته. قبل أن تأخذ راحتها بإسناد ظهرها قائلة ببرود:
_ آه تقصد جوز البقر اللي حاولوا يمدوا إيدهم عليا جوا؟ عموما هما دلوقتي في الأوضة اللي جنب الظابط لو حابب تلقي نظرة عليهم.
أتسعت عيناه بعدم تصديق مردفاً:
_ إنتِ ضربتي دول إزاي؟
_ زي الناس ما أنا ست قادرة ومفترية وأيدي ولساني أطول من بعض. حاول تقرب مني وإنت جرب.
ضحك ضحكة مستمتعة بالحديث معها رغم كل ما قالته. حك ذقنه وعينيه تتجول على جسدها أسفل العباية مردفاً:
_ تستحقي أخوض عشانك التجربة. هديكي فوق اللي أخده جوزك ونتفاهم بالود.
رأت بعينه الإصرار عليها. زوجها اللعين أدخلها بمعركة كبيرة تركها تواجه بمفردها. يبدو أن الفرار الآن أصبح مستحيلاً ولابد من الدخول بالمعركة وتقبل الفوز والخسارة.
تحركت بالمقعد لتقترب منه وجذبته من مقدمة ملابسه لينزل لمستوى طولها هامسة:
_ عايزني جامد إنت يا باشا مش كدة؟
أومأ إليها مثل المسحور من تأثير قربه منها لتكمل هي بعدها عادت إلى محلها بعيداً عنه:
_ يبقى تنفذ شروطي وتأخدني بالرضا.
شروط!!
من تلك التي تجرأت ووضعت شروط لعلي الحسيني؟
فاق من حلاوة اللحظة وعاد إلى جبروته مردفاً:
_ لسة متخلقش اللي يحط ليا شروط. فوقي بدل ما أرجعك التخشيبة تاني.
أطلقت ضحكة رنانة قبل أن تقول:
_ لأ اتخلق وقاعد قدامك كمان. تحب تسمع والا نمشيها بالبقاء للأقوى؟
_ رغم إني الأقوى بس هسمعك.
_ سيد تاخد منه الفلوس اللي دفعتها وتطرده من الشركة وتخلي أي شركة تانية ترفض تشغله. عايزة صاحب الشقة اللي كنت ساكنة معاه فيها يطرده. من الآخر ينام في الشارع ويأكل اللقمة من الزبالة.
_ اممم وبعدين؟
_ خلينا ماشيين خطوة خطوة. نفذ ده الأول وبعدين نشوف بعدين.
بمنزل محمود وسارة.
دلف لغرفة نومه صافعاً الباب خلفه بقلق. رآها تجلس بالشرفة المطلة على الحديقة الصغيرة. مظهرها بمفرده لا يبشر بالخير. جسدها يرتجف. تفرك كفيها ببعض بقوة غريبة.
اقترب منها بلهفة قائلاً:
_ سارة في إيه ومالك مش على بعضك ليه؟
رفعت رأسها إليه ثم قالت بنبرة صوت متوترة مصحوبة بالكثير والكثير من الندم:
_ مراتك عرفت إننا متجوزين.
جملة صغيرة هزت كيانه. يستحيل أن يستوعب عقله تلك الحقيقة. عايدة كيف علمت بزواجه من سارة وكيف هي حالتها الآن؟
تغيرت معالم وجهه لتفوح منه النيران ثم سألها بنبرة صوت مريبة:
_ مين اللي عرفها إننا متجوزين؟
أنكمشت حول نفسها بخوف. شعرت ببوادر الخطر تدلف إلى أعماقها ليرتجف قلبها رعباً ولا تعلم لما. همست بتقطع تتمنى أن يأخذها بين أحضانه الآن ويجعلها تشعر ولو بقليل من الأمان:
_ الصبح كنت قاعدة في أوضتي والخادمة بتاعتها جات وطلبت مني أروح لها. روحت لها واتكلمت معاها عادي فقالت فجأة إني مراتك. قولتلها إيه الكلام ده؟ قالتلي إنها شمت على هدومك ريحة معينة وطلبت تشوفني عشان تتأكد وتأكدت فعلاً لما شمت ريحتي. طردتني برة الأوضة بتاعتها قبل ما أقول أي حاجة.
تركها تتحدث مثلما تريد. أومأ إليها وعلى تعبيرات وجهه غضب أعمى. جذبها من فوق المقعد لتقف أمامه. نظر إليها نظرة كانت كفيلة تجعلها تفقد الوعي ثم قال من بين أسنانه:
_ اممم، بقى هي دي لعبتك. تعرفي عايدة وتحطيني قدام الأمر الواقع. طيب كنتي استني شوية على الأقل أتعلق بيكي وأبقى باقي عليكي. كنتي اعملي حاجة واحدة تخليني أقف قصاد مراتي عشانك.
حركت رأسها بنفي وقالت:
_ إنت بتقول إيه؟ أنا مستحيل أعمل حاجة زي دي. هقول لست مريضة جوزك اتجوز عليكي؟ أنا مش زبالة للدرجة دي.
عض على شفتيه وأخرج هاتفه مردفاً وهو يقوم بالاتصال على الخادمة:
_ هنشوف دلوقتي البنت طلبت إنك تروحي لعايدة والا لا، لأني قولتلها ممنوع دخولك لعايدة حتى لو عايدة طلبت ده.
فتحت الخادمة الخط وقالت ببكاء:
_ عايدة هانم تعبانة جداً يا محمود بيه. آنسة سارة دخلت لها غصب عني وقالت لها إن حضرتك متجوزها عليها.
كانت بحالة من الذهول وهي تسمع تلك الكلمات. للمرة المليون تتعرض للظلم. حركت رأسها عدة مرات برفض قائلة:
_ والله العظيم ده كذب صدقني أنا.
قطع حديثه قائلاً بنبرة محتقرة:
_ إنتِ طالق.
رواية عطر سارة الفصل السابع 7 - بقلم شيماء سعيد
جملة مكونة من كلمتين قدرت على تحطيم كبريائها. قالها بكل بساطة وبلا لحظة تفكير واحدة. يبدو أن محمود علام كان ينتظر تلك اللحظة حتى يتخلص منها. صدمتها كانت كبيرة. شعرت بشيء يسقط من صدرها. تعلم ما هو قلبها سقط مع كبريائها.
حدقت به لتجده ينظر بعيداً. وضعت كفها فوق كفه مردفة بنبرة تائهة:
"إزاي كده؟ معقولة صدقت إني أقول لست مريضة خبر زي ده وأنا عارفة صحتها مش هتتحمل. إزاي بالبساطة دي رميت عليا اليمين؟ هو للدرجة دي أنا رخيصة عندك؟"
حديثها غير مرتب بالمرة. لا تشعر بما تقوله ولا حتى كيف تقوله. كل ما كانت تشعر به فقط تخلي الجميع عنها. فكرة أنها دائماً، أنها لو وضعت باختيار مع أي شخص يستحيل تكون الفائزة. صدمت أكثر من إجابته الهادئة وكأن الأمر لا يستحق منه حتى القليل من الحزن:
"عارف إنك مقولتيش بس عايدة عرفت ودي حاجة مكنتش في اتفاقنا. عرفت منين أو إزاي مش مهم، لكن المهم مشاعرها هي."
مشاعرها هي؟ أعادها عقلها مئة مرة وكأنه يزيد من جلدها. تركت يده وأبتعدت عنه خطوة للخلف ثم أشارت على نفسها مردفة:
"ومشاعري أنا بالنسبة لك إيه؟"
نظر إليها بتعجب مردفاً:
"مشاعر إيه اللي بينا يا سارة؟ أنا بالنسبة لك بنك فلوس تطمني لما يدفع أكتر. وأنتِ عارفة أنتِ إيه بالنسبة ليا كويس. بلاش ندخل المشاعر بينا لأنها مالهاش مكان. أنا مراتي عندي أهم من لعب العيال ده. وأنتِ معاكي البيت وهحط مبلغ كويس باسمك في البنك اصرفي براحتك. أظن دول كتير أوي على الكام يوم اللي كنا فيهم سوا."
لم تسمع منه أكثر. يكفي ما سمعته إلى الآن. اعتادت على الإهانة ولكن تلك المرة كانت قاسية قاسية جداً وفوق قدرة قلبها الصغير على التحمل. حملت حقيبتها ورحلت بخطوات مهزومة تجر خلفها خيبة أملها للمرة المليون.
فاق من شروده باللحظات الماضية. مر على هذا اللقاء يومين. يومين وهو مازال يجلس ببيته معها داخل غرفة النوم. قامت عايدة بالاتصال عليه أكثر من مرة وهو لا يرد. ربما يرفض الحديث معها وربما لا يجد ما يقوله.
دق هاتفه فزفز بضجر ورفعه أمام عينيه ليري من المتصل. وجدها والدته. حرك رأسه مردفاً:
"إزاي نسيت أطمنها عليا؟"
فتح الخط ليسمع صوتها الذي يدل عن مدى قلقها:
"أنت فين بقى لك يومين يا محمود؟ قلقتني عليك يا حبيبي."
أخذ نفس عميق ثم قال بتعب:
"معلش يا أمي اضطريت أسافر في شغل مهم. هرجع النهاردة بإذن الله."
"ماشي يا حبيبي بس تعالي بسرعة يا محمود سارة عايزة تمشي من هنا. جدتك صحتها مش هتتحمل كدة. أنت عارف إنها اتعلقت بيها جدا الفترة اللي فاتت دي."
لماذا انتفض قلبه هكذا مع خبر رحيلها؟
لماذا شعر بانسحاب جزء من أعماق قلبه لا يعلم ما هو؟
هب من فوق الفراش مردفاً بهمجية:
"إيه العبط ده؟ يعني إيه تمشي؟ هي كانت وكالة من غير بواب. أهدي يا أمي وطمنيني جدتي. ساعتين وهكون عندكم والأمن مش هيخرجها من الباب."
نظرت حنان لسارة التي كانت تحمل حقيبتها فأقتربت منها مردفة بعتاب:
"كده برضو يا سارة؟ عايزة تسيبي البيت بعد ما اتعودنا عليكي. أنتِ مش عارفة مكانتك في قلبي وقلب تيتا دلوقتي."
أجابتها بتعب ظاهر على صوتها:
"معلش يا طنط. كده أفضل. أنا مش عارفة أتأقلم هنا. هرجع بيتي أحسن."
قبل أن تتحدث حنان اتي إليها صوت محمود الغاضب عبر الهاتف:
"أديها الموبايل يا أمي."
وضعت حنان الهاتف على أذنها مردفة:
"خدي كلمي محمود يمكن تغيري رأيك."
حركت رأسها برفض وقبل أن تلقي الهاتف بعيداً عنها صرخ بها مردفاً:
"إياكي ترمي الموبايل من إيدك. زي الشاطرة كدة تاخدي شنطتك وترجعي أوضتك لحد ما أجيلك. وخدي بالك مفيش حد من الأمن هيخرجك."
"أنا…"
"قولت ولا كلمة على أوضتك لحد ما أرجع. يلاااااا."
عضت على شفتيها بقهر من سيطرته عليها. سقطت دمعة حزينة من عينيها ثم أعطت الهاتف لحنان وذهبت لغرفتها كما أمرها. حدقت حنان في أثرها بتعجب ونظرت للهاتف وجدت محمود أغلق الخط فقالت:
"هو في إيه بالظبط؟"
_____
بعد مرور ساعتين وعدة دقائق فتح محمود باب قصر علام. وجد جدته تجلس على مقعدها وبجوارها والدته تحاول التخفيف عنها. زفر بضيق قبل أن يمسح على خصلاته مقترباً منهما مردفاً بنبرة حنونة:
"ألفت هانم بتعيط ليه؟ إزاي تنزل دمعة من عينك وأنا عايش يا جدتي."
نظرت إليه بعتاب لم يفهمه ثم قالت:
"سارة عايزة تمشي يا محمود. دي الحاجة الوحيدة اللي بشم فيها ريحة أحمد ابني. مش هقدر أسيبها تمشي بعد ما اتعودت على وجودها معايا في نفس المكان. قولها أي حاجة تخليها تقعد. إن حاسة إنك قريب منها وهي بتسمع كلامك."
أومأ إليها بشرود. يبدو أن الجميع يلاحظ قربه منها إلا هو. وضع قبلة حانية على جبين ألفت مردفاً بابتسامة:
"ماشي يا ستي اطمني. هي مش هتمشي. المهم دلوقتي تأكلي وتأخدي علاجك ده لو مش عايزة نزعل من بعض."
حركت رأسها عدة مرات بقبول أي شيء طالما ستظل سارة معها. أشار إلى والدته لتذهب خلفه بعيداً عن ألفت قليلاً فقالت بقلق:
"عايز تقول إيه بعيد عن جدتك."
رفع عينيه حتى يرى باب غرفتها المغلق ثم قال:
"خدي جدتي واطلعي الجنينة يا أمي. لو انقلب الدنيا جوا مش عايزها تحس بحاجة."
"يعني إيه الكلام ده يا محمود."
قرص وجهها مردفاً بابتسامة:
"نفذي اللي بقولك عليه يا حنان وبعدين هنقعد سوا وأقولك كل حاجة."
فتحت فمها بتعجب لكنه سبقها وذهب بخطوات سريعة. وقف على باب غرفتها ولأول مرة يشعر بتوتر. لا يعلم كيف سيقف أمامها أو ماذا سيقول. تعجب من حاله منذ متى وهو يفكر هكذا؟ منذ متى وهو يشعر بسيطرة أحد عليه؟
وضع يده على مقبض الباب ليسمع صوت خادمة زوجته تقول:
"محمود بيه."
"خير؟"
"مدام عايدة عرفت إن حضرتك موجود وطلبت تشوفك."
تنهد بضيق. عايدة ستنهار بين يديه الآن. هذا ما كان ينقصه. تحرك بخطوات ثابتة حتى وصل لجناحه. فتح الباب ليراها تجلس جلستها العادية. ابتسمت إليه بإشتياق مردفة:
"هونت عليك يعدي يومين كاملين من غير ما أشوفك يا محمود."
جلس أمامها على الفراش ورفع كفه ليمسح به على خصلاتها مردفاً:
"حقك عليا بس كنت مشغول جامد اليومين دول. قوليلي بقى عيونك الحلوين دول لونهم أحمر ليه؟"
أبتلعت ريقها بتوتر. يود فتح الموضوع معها وهي يستحيل أن تسمح بذلك. رسمت على معالم وجهها الحزن مردفة:
"مفيش يا حبيبي. أنت عارف إن من أول ما تعبت وأنا بعيدة عن الكل ورافضة أي حد يدخل يشوفني غيرك. لما بعدت عني اليومين دول حسيت إني ماليش حد وزعلت على نفسي أوي. طول الوقت كنت بقولك أتجوز وعيش حياتك. مش هتفضل الباقي من عمرك من غير ست. بس لما بعدت عني أكتشفت إني مقدرش أعيش من غيرك. أنا أيامي في الدنيا مش كتير. زي ما استنيت 15 سنة اللي فاتوا استنى شوية كمان ولما أموت أعمل اللي أنت عايزه."
حديثها مبطن. جذبها ليضمها إليه. قدرت بكلمات بسيطة بث الذنب بداخلة. أغلقت يديها حول ظهره بقوة رغم تعبها مردفة:
"طول عمري أنانية في حبك ودلوقتي بقولك إني وصلت لمرحلة التملك. خليك جانبي على طول. أنا أستحق إن تعيش على ذكرى السنتين اللي كنت فيهم مرات الباقي من عمرك صح؟"
"صح."
"أنا جعانة أوي يا محمود."
"حالا هيكون عندك الأكل وهأكلك بإيدي كمان. وهو أنا عندي كام عايدة."
_____
بقصر علي الحسيني.
أمر الخادمة بطلبها ونصف ساعة من الانتظار أتت سيدة الحسن والجمال. دلفت إليه بطلة تخطف الأنفاس. يبدو أنها جميلة جداً وبأي شيء. حبست أنفاسه بعبائتها السمراء وها هي الآن تعيدها للمرة الثانية بفستان چينز خامق بحجاب أبيض أعطى لوجهها جاذبية أذبته. سحر بعقله يتخيلها بأوضاع يتمنى أن يراها بها ويعيشها معها. ضربت على المكتب بقوة مردفة من بين أسنانها:
"بيقولوا إن حضرتك عايزني. ناوي بقى تحلى عني وتخليني أروح والا هنفضل نفرهد في بعض كتير؟"
أجابها بإبتسامة واسعة زادت من جرعة الاستفزاز بداخلها:
"وده كلام؟ هنفرهد بعض طبعاً وأنا أموت في الفرهدة."
ألقت عليه نظرة لو كانت تقتل لكان انتهى بنفس اللحظة. وتحركت من مكانها توقفت بضيق مع وضع يده على الباب يمنعها تخطو خطوة إضافية. شعرت بأنفاسه على رقبتها لتبتعد سريعاً حتى التصق جسدها بالباب. همس بنبرة رجولية دافئة:
"يومين معايا تحت سقف واحد ومش عارف أشوف عيونك الحلوين. بذمتك كده ينفع؟"
دارت بوجهها إليه ودفعت بقوة ليبتعد عنها. تصنع الألم مردفا:
"يا بت خفي إيدك شوية. أنا مش قدك. أنتِ شكل صحتك جامدة."
بسخرية قالت:
"شكلك بتحب قلة القيمة. وبصراحة أنا من ساعة ما شوفتك وليا مزاج أقل منك."
تحولت نظراته بلحظة. للأمانة دلف القليل من الخوف بداخلها تحول برعب مع جذبه إليها من فكها. نظرت عينه كانت ملتهبة جعلتها تغلق عينيها هروباً منها فقال:
"عجبتني في الأول لكن شوفت في عينك نظرة وقت ما سيد قدمك ليا بتقول إن شرسة. وعجبتني أكتر ما لفتي من إيدي وكمان حطيتي شروطك. لكن تفكري تطلعي ضوافرك أقطع لك أيدك مش بس أقص ضوافرك. فاهمة."
كلمته الأخيرة كانت بنبرة حادة جعلتها تخضع إليه مع شعورها بأنها ليس بمركز قوة. أومات له عدة مرات ومازالت تغلق عينيها ليقول بأمر:
"أفتحي عينك وردي عليا وأنتِ باصة جوا عيني."
نفذت أمره ونظرت داخل عينه. نظرة جامدة منها قابلتها هي بأخرى بها بريق من التحدي حتى لو قل من رجفتها بين يديه ثم قالت:
"مفهوم. ممكن أخرج بقي؟ مش معقول تكون منادي عليا عشان تسمعني الكلمتين دول."
عاد ليجلس على مقعده ثم أشار إليها بالجلوس. بداخلها جزء كبير يطلب منها ضربه بالمقعد الذي أشار إليها بالجلوس عليه أو على الأقل صفعه عدة صفعات لعلها ترتاح ولو لقليل. ضرب على المكتب مردفاً:
"مش قولت أقعدي؟ تبقى تترزعي."
"الله ما طولك يا روح." همست بتلك الجملة من بين أسنانها قبل أن تجلس مثلما قال مرغمة. رسمت على وجهها ابتسامة باردة مردفة:
"خير حضرتك عايز إيه يا علي بيه؟"
أخرج ثلاث ورقات من درج مكتبه واعطاها إليها بقوة قائلا:
"خدي دي قسيمة طلاقك. والتانية جواب رفده من الشغل. أما التالتة بقى عدة الشقة اللي كنتوا عايشين فيها بالايجار هي حالياً باسمك وهو انطرد منها من بالليل. لسة عندك طلبات؟"
أخذت منه الأوراق وحدقت بهم بنظرة نصر. رغم كل ما فعلته حتى تبقى مع سيد إلا إنها الآن يتغلغل بداخلها مشاعر عودة الحق. قدرت أخيراً على أخذ جزء ولو بسيط من حقها عنده. توقفت عينيها أمام قسيمة الطلاق وتذكرت جملة محمود الأخيرة قبل أن تترك منزله وتذهب مع الآخر:
"الواد ده بيضحك عليكي عايز فلوسك مش أكتر يا غبية. لو يلزمك تنسي خالص إن بنت علام."
سقطت دموعها وارتفعت شهقاتها وهي تتذكر ردها عليه:
"وأنا من أمتي كنت بنت علام؟ بالعكس أنا طول عمري منبوذة. أبويا رافض يشوفني وأنت يا دوب بتيجي هنا كل شهر ترمي ليا قرشين كأني شحاتة مش أختك. سيد بس اللي حبني وحسسني إني بني آدمة."
آه والف آه حتى سيد كان مجرد خدعة كبيرة أسقطت نفسها بداخلها لتشعر ولو بقليل من الحب. انتفض جسدها على أثر صوت علي الغاضب:
"أنتِ بتعيطي على إيه؟ أنتِ لسة عايزة كلب زي ده باعك بالرخيص."
رفعت عينيها الغارقة بالدموع وقالت:
"بعيط على نفسي. وبعدين إيه الفرق بينك وبينه؟ واحد باع مراته وانت يا دوب اشتريت. حطيت عينك على حاجة أنت عارف كويس إنها مش بتاعتك. يمكن هو اتربي في بيئة خلته يجري ورا الفلوس. ساعات الفقر بيعمل أسوأ من كده. لكن أنت يا باشا عزرك إيه؟ معاك كل حاجة تقدر تقولي بصيت على الحاجة الوحيدة اللي معاه ليه."
قامت من محلها بجسد يعلن بكل صراحة إنه فقد قدرته على التحكم وسيسقط بين لحظة والثانية. تحملت على نفسها مقررة الفرار تركته يصارع أفكاره وذهبت هي لسجنها لتصرخ بداخله دون أن يسمعها أحد.
أغلقت باب الغرفة عليها وألقت بجسدها على الأرض صارخة:
"يا رب أرحمني يا رب مش قادرة أكمل والله العظيم ما أنا قادرة أكمل. حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا سيد. ربنا يكسر قلبك زي ما كسرت كل حاجة فيا."
_____
أطمئن أنها نامت بعمق وراحة فأخذ نفس عميق وخرج من الغرفة. فتح باب الغرفة سارة بلهفة لا يعلم لما ولكنه يود رؤيتها. وها هو يقف أمام فراشها. تابعها بصمت وهي تحدق بهاتفها بتركيز شديد. مرت دقيقة كاملة عليه وهو فقط يتأملها. صغيرة نعم خبيثة ولكنها صغيرة. تحدث بهدوء:
"مش ناوية ترفعي عينك وتبصي لي؟"
ظلت على وضعها اجابته بهدوء:
"مش عايزة أشوف في عينك حضرتك شايفني ازاي يا أبية."
أقتربت منها بخطوة سريعة وجذب الهاتف من بين يديها ثم ألقى به على الفراش وجعلها تقف أمامه. مردفاً بجدية:
"ارفعي عينك يا سارة."
حركت رأسها برفض شديد ليرفع وجهها إليه بأحد أصابعه قائلا:
"لو بتعرفي تقري العيون كويس بصي لي وقوليلي شايفك ازاي."
تائهة. هي بالفعل تائهة وهو بارع ذو خبرة عالية تجعلته يقدر على اللعبة بها جيداً. تنهدت بتعب ثم قالت:
"مش هيفرق في حاجة يا أبية. كتر خيرك. أنت ادتني قمتي كويس. يا ريت بس تكمل جميلك معايا وتشوف ليا شغل في أي مكان. بس مش عند حضرتك."
يبدو أن الصغيرة تريد التحرر والهروب بشكل كامل. مسح على وجهها بثبات حاول الحفاظ عليه ثم قال بنبرة لا تقبل النقاش:
"مفيش كلام من ده. أنتِ هتفضلي هنا في البيت ده مع جدتك تكملي دراستك وكل طلباتك عندي."
رفعت رأسها بكبرياء مكسور تجبر عينيها على الصمود لعل دموعها تظل مكانها لو سقطت أمامه ستنتهي. كتمت أنفاسها عدة لحظات ثم قالت:
"أنت اتجوزتني عشان حاجة في دماغك وأخدها. وأنا اتجوزتك عشان حاجة في دماغي وأخدها. وجودي هنا مالوش لازمة."
أستفزته لأقصى درجة فقال بغضب:
"وأنتِ بتسمي اليوم اللي أتجوزتك فيهم دول يعوضوا راجل محروم 15 سنة؟"
"وأنا مالي؟ أنا رضيت وعشت. أنت اللي طلقتني. كفاية قلة قيمة بقى."
صمت الأثنين بذهول مع هذا الصوت الذي تحدث بصدمة:
"جواز إيه وطلاق إيه؟ أنت أتجوزت سارة بجد؟"
يتبع…
رواية عطر سارة الفصل الثامن 8 - بقلم شيماء سعيد
مر شهر..
تركت به سارة قصر علام وذهبت للعيش بمنزلها.
عادت بعد يوم شاق من المكتبة التي أصبحت تعمل بها.
أغلقت الباب عليها بالمفتاح أكثر من مره ثم أزالت حبات العرق من فوق جبينها والقت بجسدها على اقرب مقعد مردفه بانهاك:
_ آه ياني كل حته في جسمي بتوجعني.
طلع أكل العيش مر فعلا وانا مش واخده بالي.
بس أنتِ قويه يا سرسوره وهتقدري تكملي.
كفايه اللي وصلتي له لحد هنا..
انتفضت بالقليل من الخوف على رنين جرس المنزل.
نظرت للساعه وجدتها العاشره مساء.
فوضعت كفها محل قلبها المرتفع دقاته هامسة:
_ إيه ده معقوله يكون حرامي؟
بس الحرامي هيخبط ليه؟
مهو كمان محدش يعرف مكاني عشان يجي يزورني..
قامت بخطوات مرتجفه حتى وصلت للباب.
وضعت عينيها امام العدسه لتجده معتز.
رفعت حاجبها بتعجب، من أين علم في عنوانها وماذا اتى به لهنا؟
أخذت نفس عميق بعدما شعرت بالامان وفتحت اليه.
ليبتسم اليها ابتسامه واسعه مردفا بنبره مشتاقة:
_ بقى كده يا ساره أفضل شهر كامل أدور عليكي.
إزاي تعملي فيا حاجه زي دي وتسيبي البيت وتمشي.
على الاقل كنتي قولي مكانك عشان ابقى اطمن عليكي..
ابتسمت بسعادة وهي تري أمامها الشخص الوحيد الذي سأل عليها بعد جدتها منذ رحيلها من قصر علام.
أفسحت إليه المجال ثم اشارت لغرفه الصالون مردفة:
_ تعالى يا معتز ادخل.
انا بجد مبسوطه انك سألت عليا بس انت عرفت مكاني منين؟
دلف للداخل ثم قال بحماس:
_ من تيتا.
ها بقي قوليلي مشيتي ليه.
إحنا كلنا بنحبك مين زعلك؟
حركت رأسها بهدوء قائلة:
_ ما حدش زعلني يا معتز بس كده هيبقى احسن كتير.
انا معرفتش اتاقلم مع الاجواء هناك..
وضع يده على كفها مردفا بابتسامة حنونة:
_ انا عارف ان بابا صعب وبيتحكم في النفس اللي احنا بنتنفسه.
بس هو بيعمل كده عشان خايف علينا.
وأنتِ خلاص بقيتي واحده مننا فلو عمل كده معاكي يبقى خايف عليكي.
لمي هدومك ويلا نمشي يا ساره.
انا مش مطمن عليكي وانتِ قاعده لوحدك هنا.
وبعدين كمان تيته صحتها بقت في النازل من يوم ما مشيتي.
يرضيكي يعني اللي بيحصل ده..
لم تقدر على التحمل أكثر، سقطت دموعها من بين عينيها.
بكت مع شعورها بأنها كانت تحتاج فقط أخ تحتمي به.
ربما هي من بدأت اللعبة ولكن لم تتخيل أن تكون النهايه بهذا الشكل المؤلم القاسي.
شهر كامل ولم يكلف نفسه عناء السؤال عليها، يبدو أنها كانت ولا شيء تحت سيطرة محمود علام.
بين وجعها وبكائها لم تشعر بمعتز الذي قام من محله وجذب جسدها بين أحضانه هامسا:
_ بس كفايه دموع.
أنتِ دموعك غاليه لو تقوليلي بس في ايه يمكن اقدر اساعدك؟
_ وجنابك بقى هتساعدها إزاي وأنت هربان من مدرستك..
انتفضت من محلها برعب على صوته الذي كان مثل الرعد.
أبتعد عنها معتز ونظر لوالده بتوتر مردفا:
_ انا ما كنتش هربان ولا حاجه يا بابا.
اخدت اليوم اجازه عشان اطمن على ساره.
هي مش من العيله برضو والمفروض نعرف هي عايشه ازاي..
نظر للصغيره وهو يقرأ ما بعينيه منذ اتى معتز على الدنيا ومحمود يعلمه من نظره عين.
لذلك ضرب الفازة المجاوره اليه بقوه ثم اشار له بامر قائلا:
_ امشي من هنا دلوقتي وليا انا وانت قاعده طويله عشان لو اللي شايفه في عينك ده حقيقي مش هيبقى خير..
والاخر أيضاً يفهم أبيه لذلك انسحب من المكان دون ان يضيف كلمه أخرى.
أغلق محمود الباب خلفه بقوه اهتزت على آثارها هي بخوف.
ورفعت قدميها لتضم جسدها على المقعد الصغير لعلها تشعر ببعض الحمايه ثم قالت بتقطع:
_ انت ايه اللي جابك هنا، وبعدين مالك بتبص لي كده ليه كاني عامله جريمه لو سمحت..
في إيه أنت بتقرب كدة لية ؟
بداخله نيران مشتعله لو اطلقها عليها لخرجت روحها بنفس اللحظه.
مشاعر ولده واضحه وهذا ما يزيد الامر جنونا بداخله.
ربما تكون مراهقه ومع الوقت ستنتهي ولكن ليست مع سارة.
سحبها من كفها لتقف امامه وبيده الاخرى ضم ذقنها اليه مرضفا بنبره ناريه:
_ أنتِ عايزة توصلي لايه بالظبط.
ليه مصممه تطلعي اسوء ما فيا وانا مش عايز اعمل كده.
مش عايز اؤذيكي ولا اوجعك..
رسمت بتلقائيه ابتسامه ساخره على ملامح وجهها المختنق وقالت من بين شفتيها المرتجفه:
_ كل ده ومش عايز تاذيني امال انت كنت بتعمل ايه طول الفتره اللي فاتت.
ما انت اذيتني والموضوع خلاص خلاص..
حدق بها بتعجب مشيراً على صدره ثم سألها:
_ انا باذيكي؟
عملت لك ايه انتِ اللي من اول ما دخلتي حياتي وقلبتيها كانت لعبتك من البدايه انك تخربي بيتي.
انا كل اللي عملته اني ما سمحتلكيش تعملي كده..
صرخت بوجع فقلبها لم يعد يتحمل كم هذا الضغط العائشة بداخله:
_ ما كنتش عايزه اخرب بيتك.
انا عرفت من الكل ان مراتك تعبانه وانها مش… مش بتديك حقوقك.
حسيت للحظه ان انا ممكن اكمل اللي ناقص عندها واعيش وسطيكم وانا حاسه بالامان.
مش باخد حسنه منك كل اول شهر لجوز اختي اللي بيسرقها مني.
انا عشت سنين طول عمري بسمعها صريحه إني عايشه عندهم ضيفه تقيله ولولا فلوسك كانوا رموني بره.
لما جيت عندكم البيت سألت نفسي أمتا هيزهقوا هما كمان ويبقوا عايزين يرموني بره.
ما كانش قدامي حلول غير اني اخد حته صغيره من راجل كل حاجه بالنسبه له مراته.
كانت الحته الصغيره دي هتكفيني كنت موافقه اعيش على الهامش مقابل عيشتي معاكم في أمان، اضمن ان يكون عندي بيت وحياه ما احسش للحظه إن ممكن اترمي في الشارع لما اللي قدامي ما يبقاش حبيب وجودي…
وانت بصراحه كتر خيرك عملت كده بسرعه قوي يومين بس وزهقت.
ولو ما كنتش كتبت لي الشقه دي بطلب مني يوم الصباحيه كان حالي دلوقتي في الشارع.
انا مش وحشه انتوا اللي كلكم وحشين وانت كمان انسان وحش واستغلتني لمصلحتك وخد بالك انت ما خسرتش حاجه انا بس اللي طلعت خسرانه..
صدم من كم القهر الظاهر على ملامحها، تألم من وجعها الواضح بعينيها الباكيه وجسدها المرتجف.
لا يعلم لما بداخله رغبه شديده بضمها إليه.
هو ليس سيء لتلك الدرجة، شديد يعلم وقاسي ببعض الاحيان ولكنه لم يكون ظالم بحياته ابدا.
سألها بنبره تائهه:
_ أنتِ شايفه ان انا استغليتك؟
اطلقت ضحكه مذهوله ودموعها تمطر على وجهها ثم ضربته بصدره عده مرات صارخه بغل:
_ ايوه استغلتني.
انا جيت لحد عندك وقولت لك ان كل اللي يهمني الفلوس.
لو كنت راجل كويس وبتحب مراتك زي ما بتقول كنت هتامن مستقبل بنت عمك وتحسسها بالامان من غير ما تاخد منها حاجة.
لكن انت اللعبه عجبتك واستغليت ده كاني واحده من الشارع وانا كنت راضيه عشان بس اعيش.
لكن حتى العيشه استخسرتها فيا، أنت مش ملاك ولا انا ملاك بس ارجوك ارحمني واطلع بره حياتي بقى.
انا سبت لكم البيت وسبت لكم كل حاجه ومشيت ارحمني مش طالبة أكتر من كدة..
هل هو مثلما وصفته ام انها ترى الموضوع فقط من وجهه نظرها؟
لاول مره بحياته يقف امام أحد ولا يستطيع الدفاع عن نفسه.
ربما لانها وضعته امام الحقيقه او لأن ما بداخله يصعب عليها فهمه.
ظل صامت لعده لحظات ينظر لها فقط يرى انهيارها ولا يعلم ما بيده.
جذبها من جديد وأغلق ذراعيه حولها لتزيد في البكاء مردفة:
_ أبعد عني أنا مش عايزاك تقرب مني.
كفاية بجد مش قادرة أتحمل وجع وقهر وقلة قيمة لحد كدة.
أنت مش أول واحد توجعني بس أنت الوحيد فيهم إللي قدرت تكسرني وتطلعني خسرانة.
أنا بكرهك يا محمود بكرهك..
حرك رأسه برفض لتلك الكلمة، لن يتقبل منها الكره.
كل ما يريده منها تعويض عن كل ما ضحي به بسنوات عمره الماضية.
رفع كفه ليضعها على رأسها بصدره أكثر لو بيده لجعلها بين عظمه وجلده.
قرب شفتيه من أذنها هامسا بتملك واضح:
_ ماينفعش أنتِ بذات مش هقبل منك الكلمة دي.
لو كنتي مظلومة في سنينك إللي فاتت فأنا كمان كنت ميت.
بعد ما لقيتك رجعت فيا روحي وشبابي.
مش مسموح لك بعد كل ده تهربي لأني مش هقبل.
مفيش بأيدك حاجة غير أنك تعوضيني فاهمة تعوضيني وبس..
ابتعدت عنه وعينيها متعلقة بعينيه، وجدت بهما اصرار غريب على ما قاله.
أبتلعت لعوبها بخوف هامسة:
_ يعني إيه ؟
_ يعني أنا رديتك لعصمتي يا سارة..
بعد ساعة عاد محمود للبيت، وقف أمام غرفه والدته لعده ثواني قبل ان يأخذ نفس عميق ويفتح بابها دون إذن.
نظرت اليه حنان التي كانت تقرأ بكتاب الله صدقت واغلقته ووضعت فوقه قبله ثم وضعته بجانبه على الفراش مردفه بضيق:
_ أنت إزاي تدخل من غير ما تخبط نسيت كمان الاحترام؟
تنهد بضيق قائلا:
_ ماما بلاش طريقه الكلام دي انا ما عملتش حاجه غلط..
زادت نظراتها حده وقالت:
_ بذمتك أنت مصدق نفسك العيله الصغيره دي يا محمود البنت اليتيمه اللي كانت بتتحمى فينا من الدنيا؟
ما أنا ياما قولت لك اتجوز وكنت بتقولي لأ.
انا ما اقدرش اكسر قلب عايده ولا اجيب عليها ضره تاخد منها حته من جوزها حتى لو كانت عيانة.
اشمعنا دلوقتي لغيت كل مبادئك ويوم ما تعمل كده تعملها مع مين؟
مع واحده ما لهاش ضهر ولا سند غيرنا هتقولي ايه يبرر لي مصيبه زي دي.
أنت خيبت املي فيك انا طول عمري شايفاك الكبير اللي ما بتغلطش سندي في الدنيا انت طلعت شبه طاهر..
انا عملت كل حاجه في الدنيا عشان ما تطلعش زيه وبرضو طلعت زيه..
أغلى ما لديه هي والدته، لم يتحمل خيبه الأمل الظاهره بعينيها وجلس امام قدميها على ارضيه الغرفه قائلا:
_ لأ يا ماما انا مش شبه بابا.
وطول السنين اللي فاتت دي متحمل اني أعيش من غير ست عشان ما اشوفش في عين عايده الوجع اللي بشوفه في عينك كل ما تبصي لبابا.
بس انا بني ادم ومن حقي أعيش عمري بيخلص مش من حقي افرح فيه يومين..
بكل أسف ومثل عادتها معه يحن قلبها اليه من كلمه واحده من نظره تشعر بداخلها بقلة حيلته.
جذبته ليجلس بجوارها على الفراش وقالت ببكاء:
_ لأ من حقك يا محمود.
وانا ياما قولت لك ان علاقتك بعايده مش زي علاقتي بابوك وأنه كان بيعمل كده بمزاجه رغم ان عمري ما نقصته حاجة.
الحكايه مش شبه بعضها يا ابني بس كنت بترفض وبتصمم على رأيك تقدر تقولي بقى اشمعنى العيله الصغيره دي اللي تعمل فيها كده؟
انا لو بعاتبك فانا بعاتبك على ساره مش على جوازك اللي كلنا اتحايلنا عليك فيه بدل المره ألف..
ماذا يقول وهو لا يعلم الإجابة؟
كيف يوصف ما يشعر به وهو عاجز، تائه، فقط يريد البقاء يريد ان يضمن وجودها بين يديه.
ربما يكون أناني ولكنه موافق على أنانيته معها ولن يتنازل عنها.
أخذ نفس عميق وكتمه لعده ثواني ثم اخرجه على تمهل ووضع راسه على فخذ والدته قائلا:
_ أهو السؤال ده بالذات انا مش عارف له إجابة.
مش عارف اشمعنى هي..
يمكن لأنها صغيره ويمكن عشان حلوه ويمكن عشان لما بشوفها بحس انها ما لهاش غيري.
مش عارف يا أمي وما تقوليليش سيبها، لأني مش هسيبها هي اتولدت عشاني ربنا خلقها تعوضني وانا كمان هعوضها.
هي بتدور على امان وانا هديه لها.
يمكن تشوفيني ظالم وحتى لو كنت ظالم زي ما أنتوا كلكم شايفيني موافق ابقى معاها ظالم وأناني ومش بفكر غير في نفسي وبس.
أنا ما اذيتهاش أنا اتجوزتها على سنه الله ورسوله.
يمكن حرمتها من الفستان الأبيض والناس كلها تبقى عارفه لكن مش كل حاجة الإنسان بيحلم بيها بياخدها، بتبقى حاجه قصاد حاجه وهي كانت راضيه يبقى خلاص تفضل راضية..
صمتت حنان وهو الآخر صمت، ما قاله كان كافي لوصف حالته، ولدها العاقل وصل إلي مشارف الجنون وحديثها سيزيد الأمر سوء.
تنهدت بتعب وهمست بعدما شعرت بانتظام أنفاسه:
_ ربنا يريحك قلبك يا إبني ويجعلك ليها زوج صالح ويجعلها ليك زوجة صالحة..
بصباح يوم جديد..
فتحت سارة عينيها بتعب، عضت على شفتيها لتقلل من حدة ألم رأسها.
رده إليه وتركها وذهب وكأن رأيها لا يعني له شئ، مستمر بفرض سيطرته عليها وهذا ما يجعلها تشعر بالكراهية تجاهه.
تجمدت محلها وهي تراه يدخل عليها مرتدي منامة نومه ويحمل صنية الافطار.
انتفضت من فوق الفراش مردفة بغضب:
_ أنت بتعمل ايه هنا وايه اللي انت لابسه ده لا تكون فاكره بيتك..
رفع حاجبه إليها متعجباً وألقى عليها قبله سريعه ثم وضع الطعام على الفراش وبدأ يأكل ببساطة مردفا:
_ ما هو فعلا بيتي وبيت مراتي.
يلا يا روحي قومي اغسلي وشك وسنانك زي الشاطره كده وتعالي عشان نفطر..
نزلت من فوق الفراش صارخة:
_ مرات مين؟
لأ ثواني كده عشان انت فاكرني كيوت.
انا ما لقيتش حد يربيني وعيت على الدنيا كانوا ابويا وامي مع السلامه واللي مربيني ازبل اتنين ممكن تشوفهم في حياتك.
يعني انا مش مولوده في كومباوند يا ابن الباشوات خد نفسك كده وريني عرض قفاك واياك تفكر تدخل بيتي تاني هبلغ عنك..
ألقي عليها قطعة من الخيار وقال ببرود:
_ ولا أنا كمان متربي فلمي نفسك واخلي العيشه تبقى بالرضا عشان لو ما كانتش كده هتبقى بالغصب، هتشوفي مني وش وحش مش عايز اوريه لك..
_ براحتك أنا ما بقاش عندي حاجه اخسرها شوف اخرك فين واعمله، خد بالك خمس دقايق بالضبط لو ما غيرتش البيجامه دي وطلعت من هنا باحترامك هخليك تطلع بالبوليس، شوف شكلك هيبقى عامل ازاي قدام عيلتك يا محمود بيه واللي قدام المدام، ممكن لا سمح الله مشاعرها تتجرح وقتها مش هنعرف نلم مشاعرها المتبعتره وانا عارفه انت قد ايه بتحبها وبتخاف عليها فخاف على صحتها وامشي من هنا احسن لك..
يبدو أن الصغيره غير تلك الصورة التي رسمتها بخياله.
تركت ما بيده وقام من محله بتمهل.
ظلت عيناه مثبتة عليها يقول إليها الكثير ويتمني أن تفهم ما يرسله لها.
تجاهلت أقترابه منها قررت التحلي بقوة وبداخلها تطمن قلبها بهذا البيت والمكتبة التي تعمل بها.
جذبها من خصرها مغلقا يده حوله ثم رفع يده الأخري ومررها على بشرتها الناعمة هامسا بنبرة خشنة:
_ اممم ده وش جديد بقى ما كنتش اعرفه ليكي.
طلع عندك ضوافر وبتخربش حمستني ليكي زيادة يا سارة اكتر ما انا متحمس.
كل يوم بيمر بينا بحس ان اللي جاي معاكي هيبقى حاجه مختلفه وممتعة..
أسلوبه مستفز لابعد درجة، يضمها اليه بتملك وكأنه يقولها صريحة ” أنتِ ملكي وليس من حقك الإعتراض” وهذا ما زاد الأمر جنوناً.
إبتعدت عنه ووضعت كفها على صدره لتبعده عنها، تحكم بها أكثر ونزل بأصابعه على شفتيها يمنعها من الحديث مكملاً:
_ بقى يا بسبوسه بتهدديني انك تبلغي عني البوليس؟
ويا ترى بقى لما البوليس يجي عشان يقبض عليا هتقولي له ايه، جوزي وبطرده بره بيته مش لطيفه في حقك.
وقتها ممكن مثلا تهب في دماغي واعمل حركه قليلة الأصل واستخدم نفوذي وابيتك ليله ليلتين في الحجز تشوفي الأجواء هناك عامله ازاي..
للمرة المليون يظهر عجزها ويفتخر بسيطرته عليها، ترقرقت الدموع بعينيها هامسة:
_ بجد حرام اللي أنت بتعمله ده هو أنت عايز مني ايه تاني؟
تنهدت وأجابها هو الآخر بنفس شعور العجز:
_ عايزك عرفت اني مش هقدر اعيش من غيرك محتاجك في حياتي زي ما كنا متفقين الأول..
أبتلعت تلك الغصة المرة بحلقها الجاف مردفة:
_ وأنا ما بقتش عايزه، مش عايزة اكمل معاك أنت راجل بتحب مراتك وما فيش في قلبك مكان لغيرها.
أنا مش الست اللي ابقى على الهامش استحق نهايه احسن من كده بكتير.
اللي زي ربنا خلقها عشان تحب وتتحب تخلف.
كنت غبيه لما فكرت ان الفلوس هي اللي هتحميني أو حتى هتحسسني بالأمان.
أنا أماني الحقيقي مع راجل بيحبني وأنت مش الراجل ده..
صرخت بألم عندما ضغط على شفتيها بقوه وعيناه يتطاير منها نيران الغضب دفعها لتسقط على الفراش صارخا بجبروت:
_ إياكي تفكري تجيبي سيره راجل تاني أو تتخيلي نفسك مع غيري، لأن وقتها مش هتردد لحظه واحده فاني أخد روحك من بين ضلوعك..
أغلقت عينيها بخوف ليذهب هو إلي الخزانة ليأخذ بذلته البنيه وبدلها أمامها ثم ألقي عليها نظرة أخيرة قبل أن يأخذ هاتفه والمفاتيح ويترك لها المنزل قائلاً:
_ البيت ده مش هيفضل يحميكي كتير يا سارة..
بنفس اليوم مساءاً..
كان يقف بسيارته على بعد مسافة صغيرة من منزلها.
فتح زجاج السيارة وتحدث مع أحد رجاله بنبرة جامدة:
_ دقايق والبيت ده يبقي كوم تراب بس أياك تطلع منه فيها خدش واحد ساعتها هدخلك جواه تنتهوا سوا..
أومأ الرجل إليه برعب ووضع يده على عنقه قائلاً:
_ على رقبتي يا باشا الهانم هتطلع صاخ سليم، ما أنت عارفني شغلي مافيش منه..
أغلق الآخر زجاج السيارة قائلا بسخرية:
_ وريني شغلك..
بغرفتها خرجت من المرحاض وهي ترتدي روب الإستحمام وبيدها منشفة تجفف بها خصلاتها.
وقفت أمام المرايا وعينيها تمر على أقل تفصيلة بها بحسرة.
جمال كانت تري حقد وحسد الجميع من حولها بسببه ولم تأخذ منه إلا غيرة الفتيات وطمع الرجال.
أبتعدت عن المرايا بضيق قائلة:
_ الاحسن لسة جاي يا سارة الدنيا هتضحك لك قريب أوي، بقي عندك بيت وشغل وووو يا لهوي….
صرخت بكل قوتها تشم رائحة النيران بكل مكان حولها.
ركضت لتفتح باب الغرفة وهنا تجمدت ساقيها البيت يحترق باقي بينها وبين الموت خطوة واحدة..
مرت عليها لحظات من الرعب أغلقت باب الغرفة عليها بخوف كأنها تحتمي بها من مصير محتوم.
لحظات أخري وجدت حالها ترفع هاتفها وتطلب رقمه تعلم رغم كل شيء بينهما أنه الوحيد الذي يهمه حياتها.
أجابها بهدوء:
_ خير..
_ الحقني يا محمود البيت بيولع أرجوك تعالي خرجني من هنا بدأت اتخنقت..
_ هكون عندك حالا متخافيش طول ما أنا جانبك..
زاد شعورها بالاختناق فقالت:
_ بموت..
يتبع…..
رواية عطر سارة الفصل التاسع 9 - بقلم شيماء سعيد
دلف للمنزل وقلبه يخفق بخوف. آخر ما وصل إليه وما استقر عقله على تكراره: "بموت". يعلم أنها ستخرج بخير، ولكن نبرتها الضعيفة المتهدجة.
بخطوات سريعة دلف الغرفة ليجدها على الأرض فاقدة للوعي. حملها وضمها لصدره بحماية، يؤكد لنفسه وجودها بين يديه. أخذ نفسًا عميقًا وهو يتأمل ملامح وجهها المرتعبة. قرب وجهه منها ووضعه على وجهها ليزيل حبات العرق من عليها، هامسًا:
"أنتِ في أمان معايا."
بعد نصف ساعة، دلف بها لقصر علام. قابلته حنان وهو يصعد بها الدرج. فاقتربت منهما بقلق قائلة:
"أنت شايلها وشكلها متبهدل كده ليه؟ عملت فيها إيه يا محمود؟!"
نظر إليها بطرف عينيه قائلاً بتعجب:
"إيه يا أمي؟ هو أنتِ بتكلمي وحش؟ هعمل فيها إيه يعني؟ هي بس تعبانة شوية ومحتاجة ترتاح شوية وهتيجي دكتورة، أبقي دخليها."
أكمل طريقه إلى غرفة نومها. أما حنان، فظلت بمكانها وبداخلها شعور بأن ولدها السبب الرئيسي فيما حدث لتلك الصغيرة. حركت رأسها بتنهيدة قائلة:
"ربنا يهديك يا محمود."
وضعها بحذر على الفراش، ثم جذب الغطاء ليدثر بها جسدها المرهق. جلس بجوارها ورفع يده ليضع خصلاتها بجانبها على الوسادة. تأملها بدقة: جميلة، هادئة، جذابة. بها أشياء كثيرة تجذبه إليها. تحكم به قلبه وأعطى له أمرًا حاسمًا، وهو لباه بكل ترحاب. نزل لمستواها وضم شفتيها بقبلة ناعمة مشتاقة، زادت من حرارة جسده. ليقوده الأمر للجنون. وضع يده أسفل عنقها متحكمًا بها أكثر وغاص بنعيمها. أغلق عينيه وتمتع بجنته.
دق الباب، فابتعد عنها بضيق وقال بنبرة متحشرجة رغم محاولته بإخراجها طبيعية:
"مين؟"
أتت إليه صوت الخادمة المتوتر:
"مدام عايدة منهارة وعايزة تشوف حضرتك."
"اديها المهدئ وخليها تنام. أنا مش فاضي دلوقتي."
عاد للصغيرة ليدق الباب من جديد، فصرخ بغضب:
"ده أنا هطلع..."
فتح على وضع استعداد. أخذ روح من يقف أمامه. كتم غضبه مع رؤيته لحنان ومعها الطبيبة، فقال:
"أتفضلوا."
***
بغرفة عايدة، صرخت بجنون بعد حديث الخادمة وقالت:
"يعني إيه الكلام الفارغ اللي أنتِ بتقوليه ده؟ محمود مستحيل يكون قال حاجة زي دي؟"
ابتلعت الأخرى ريقها بخوف من حالة سيدتها، وقالت بدفاع عن نفسها:
"والله العظيم ما بكذب يا مدام عايدة. أنا روحت لحد أوضة نومها وخبطت عليه وقولت له إن حضرتك منهارة، قالي: اديها المهدئ وخليها تنام، أنا مش فاضي دلوقتي. أنا طول عمري خدامتك وتحت رجليكي، إيه بس اللي هيخليني دلوقتي أكذب عليكي؟"
لم تسمع عايدة باقي حديثها، فقط عقلها يردد ما قاله محمود. هل مل؟ هل تخلى عنها؟ أم تلك الفتاة الجميلة أخذت عقله وجعلته يسير خلفها مسلوب الإرادة؟ منذ متى ويوجد امرأة تقدر على أخذ مكانتها بقلب محمود؟
انهارت بالبكاء انهيارًا حقيقيًا. أزالت جهاز التنفس عن وجهها وبدأت تصرخ بكل قوتها. لتقترب منها الخادمة مردفة بخوف:
"أهدي يا ست هانم. اللي أنتِ بتعمليه ده غلط على صحتك، مش حتة عيلة زي دي اللي هتعمل فيكي كده. محمود بيحبك، بس هي بصراحة حالتها وحشة وما كانش ينفع يسيبها."
صرخت بها:
"اخرسي! مش عايزة أسمع لك صوت. اخرسي خالص. عايزكِ تقفي على باب أوضتها زي الضِل. تسمعي دبة النملة اللي بيقولوها، أنتِ فاهمة ولا لأ؟ إياكي ترجعي هنا طول ما محمود معاها في مكان واحد. غوري من وشي."
أومأت إليها سريعاً وقالت:
"أمرك يا هانم، أمرك."
خرجت لتنظر عايدة للفراغ أمامها مردفة بتعب:
"لو باقي في عمري يوم واحد، هتفضل فيه جوزي لوحدي حتى لو أخدت روحها. الدنيا خدت مني كل حاجة ومش هسمح لها تاخدك مني يا محمود. كفاية عليها صحتي اللي راحت، لكن أنت لأ."
***
بصباح يوم جديد. فتحت عينيها بثقل. عضت على شفتيها لتخفيف من ألم رأسها، ثم رفعت يدها لتضغط على خصلاتها بتعب. دارت عينيها بالمكان حولها بتشويش، رؤيتها ضعيفة وذاكرتها شبه معدومة. وصلت بحدقتها لمحمود النائم على المقعد المقابل لها. هنا فقط بدأت تتذكر ما حدث الليلة الماضية.
أرتجف جسدها بالكثير والكثير من الخوف. كان بينها وبين الموت خطوة واحدة، ولولا وجوده لكانت رمادًا. خرجت منها شهقة قوية وبكت من أعماق قلبها.
أستيقظ محمود على صوت شهاقاتها، فاقترب إليها بلهفة مردفًا:
"مالك؟ فيكي إيه؟ أطلب لك دكتور؟ في حاجة وجعاكي؟"
حركت رأسها برفض وزاد بكائها. فاقترب منها أكثر. اتسعت عينيه بذهول بعدما ألقت بنفسها بين أحضانه. تعلقت بعنقه مثل الطفلة الصغيرة التي وجدت أخيرًا والدها وحصلت على أمانها بعد معاناة. أغلق ذراعيه حول ظهرها بقوة وإثبات قوي لقلبه بوجودها حتى يطمئن. تألم من أجلها وكثيرًا، ولكن هذا لا يمنعه من شعوره بمتعة الانتصار.
ها هي الآن بين يديه وبكامل إرادتها. دفن وجهها بعنقه ووضع أنفه بين خصلاتها ليستمتع برائحة عطرها المهلكة لرجولته. همست بأنفاس ساخنة:
"أول مرة أحس بالأمان لما اتصل بحد ويلحقني، وأول مرة أشوف في عين حد الخوف عليا، خوف بجد مش مجرد كلام. أنا كنت مرعوبة بس أنت جيت..."
قطع حديثها بابتعاده عنها. نظر إليها ليجدها تحدق به بامتنان. أزال دموعها بأحد أصابعه وابتع
د عنها قليلاً قائلاً بهدوء:
"قولتها لك قبل كده وهقولها لك كتير يا سارة. طول ما أنتِ جنبي وبين إيدي، هتبقي في أمان. أنا أي حد يخصني وتحت حمايتي، ما ينفعش يخاف. اللي بيبعد عني بس هو اللي لازم يخاف."
لم تفهم حديثه، أو ربما أقنعت نفسها بعدم فهمه. تنهدت بتعب ثم أراحت جسدها على الفراش. وأمام عينيها كل ما حدث ليلة أمس وكأنه يحدث الآن. ابتلعت ريقها الجاف بخوف ورفعت وجهها إليه قائلة:
"أنا ما بعدتش عنك، أنت اللي بعدتني عنك."
قام من مكانه وقال قبل أن يدلف للمرحاض:
"من النهارده، لا هبعدك عني ولا هسمح لك تبعدي عني."
وضعت رأسها على الوسادة وضمت الوسادة الأخرى لصدرها. ستعطي لنفسها بعض الأمان حتى يعود ويجلس بجانبها من جديد. ابتسمت وقالت:
"رغم كل حاجة، جه عشاني. يا بخت مراتك بيك، ويا ريتني أقدر آخد حتة صغيرة ليا. حتة أحسن فيها بشوية حب ودفا عيلة."
خرج من المرحاض ببنطلون رياضي وصدر عارٍ وخلف عنقه منشفة صغيرة يسقط عليها ماء شعره. سمعها تقول بشكر:
"شكراً إنك جيت وأنقذتني. أنا كان بيني وبين الموت خطوة واحدة بس."
جلس على المقعد المقابل للفراش النائمة عليه، وبدأ يجفف خصلاته المبتلة بالمنشفة. ثم رفع عينيه إليها قائلاً ببساطة:
"اللي حصل ده قرصة ودن صغيرة وما كانش مقصود منها موتك."
صدمت من بساطة حديثه وصدمتها الأكبر كانت بالمعنى المبطن من بين كلماته. حاولت الاعتدال بالفراش إلا أنها لم تقدر، فابتلعت ريقها الجاف مردفة بتردد:
"أنا مش فاهمة معنى كلامك. أنا اتصلت بيك وأنت جيت أنقذتني من البيت وهو بيولع، لكن معنى كلامك إنك..."
أومأ إليها مكملاً الجملة بدلاً عنها:
"هو اللي في دماغك بالظبط يا سارة. أنا اللي ولعت في البيت وأنا عارف إنك جواه وجيت وطلعتك منه لأني لسه عايزك عايشة."
يستحيل أن يكون فعل ذلك، مهما كان جبروته لن يصل به لتلك الدرجة من انعدام الرحمة. حركت رأسها بنفي عدة مرات هامسة:
"مستحيل تكون عملت كده؟"
لم يكن بحياته قاسٍ على زوجته الأولى، لم يكن قاسٍ على أي شخص يحمل اسم عائلة علام، ولكنها اضطرته لهذا. قام من فوق المقعد ليعطي ظهره إليها قائلاً بقسوة:
"لأ عملت. إيه يا سارة؟ جيت لحد عندك وطلبت الرجوع، وقتها استقويتي بحتة بيت أنا اللي كتبته باسمك وقولتي إن بقى لك مكان تعيشي فيه ومش مستنية أي حاجة مني. دلوقتي البيت راح، ناوية ترجعلي ولا هتعيشي الباقي من عمرك في الشارع؟ لأن لا أختك ولا جوزها هيدخلوكي بيتهم تاني، وده بأمر مني."
ما هذا؟ ومن هذا؟ كيف أن يكون قاسٍ معدوم الرحمة لتلك الدرجة؟ ماذا فعلت به حتى يضعها تحت قدميه ويضغط عليها بكل قوته؟ تجمدت الدموع بعينيها ورفضت السقوط. لا تعلم أهي جفت دموعها أم حتى البكاء أصبح صعبًا عليها. مرت بعينيها على ملامحه تجده ثابت، جبروت. تركها ووقف أمام المرآيا يكمل تسريح شعره. بارد نعم. تولد بداخلها شعور بالغل تجاهه جعلها تقول:
"عملت كل ده ليه؟ عشان أرجع لك مذلولة؟"
قال بهدوء:
"إحنا مش أعداء يا سارة عشان خاطر أذلك. إحنا كان في بيننا اتفاق وكانت حاجة قصاد حاجة، وعلى ما أعتقد إن الاتفاق ما كانش مربوط بمدة عشان تقوليلي ما أنتِ أخدت خلاص. أنتِ لعبتي في الاتفاق وأنا من حقي آخد حاجة بتاعتي ما استفدتش لما أديتها لك."
حركت رأسها عدة مرات في ذهول تام تحاول فقط استيعاب ما يقوله ووصلت لنهاية واحدة فقالت:
"طيب أنت حرقت البيت اللي اديته لي وأخدت مني اللي أنت عايزه وأنا رجعت زي الأول، لا وكمان خسرانة. في حاجة تانية محمود بيه عايزها عشان يحس إن هو مرتاح نفسيًا؟"
أومأ إليها ثم قال بعدما ارتدى تيشيرت من اللون الأسود:
"عايزك كلك على بعضك. رديتك وحالياً أنتِ مراتي وعايشة معايا في بيتك، أي طلب تطلبيه هيبقى تحت أمرك، بس ما فيش جنيه واحد هيبقى في إيدك."
"طيب وماله؟ عايز تقصقص ريشي يعني؟ بس يا ترى بقى مدام عايدة هتقبل بكده؟ واللي هيبقى لها رأي تاني؟"
صمت وانتظرها تكمل ما تريده. فتحاملت على نفسها وقامت من فوق الفراش مقتربة منه بخطوات بطيئة حتى وصلت لتقف أمامه، ثم رفعت حاجبها بتفكير مردفة:
"تعرف إن أنا ما بقاش عندي أي حاجة أبكي عليها، ولا ليا عزيز ولا غالي. أبويا وأمي ماتوا وأختي واطية وما فيش حد في قصر علام عزيز عندي. ما أنا ما لحقتش أعرفكم عشان تبقوا غاليين على قلبي. لكن أنت بقى يا محمود بيه عندك حاجات كتير قوي غالية عليك، أولهم المدام وإبنك وشكلك الاجتماعي قدام الناس لما تتفضح والكل يعرف إنك متجوز عيلة قريبة من سن ابنك. من رأيي، اخلص مني يا بالطلاق يا بالموت، عشان أنا من هنا ورايح هبقى عملك الوحش في الدنيا."
جذبها من خصرها حتى يتمكن منها أكثر وقال:
"عايزك تسرحي معايا شوية كده وتتخيلي لما خاتم قيمته تعدي الـ 20 مليون جنيه يختفي من دولاب عايدة ويتحط جوه دولابك، هيبقى فيها كم سنة السجن دي؟ لو ما عندكيش اللي تخافي عليه، على الأقل خافي على نفسك. حرام لما بنوتة حلوة وصغيرة زيك كده تعيش باقي حياتها بين أربع حيطان وسط البلطجية والستات الشمال. أنا عن نفسي مستخسرك، بس لو أنتِ مش مستخسرة نفسك، أكيد مش هخاف عليكي أكتر منك."
من هنا فقط وبتلك اللحظة بدأت الحرب الحقيقية بين كبير عائلة علام وأصغر شخص بها.
رواية عطر سارة الفصل العاشر 10 - بقلم شيماء سعيد
بقصر علي.. قرر العودة أخيراً بعد ثلاثة أيام مقيم بشركته.
هرولت إليه الخادمة وقالت بقلق ولهفة:
_ حمد لله على السلامة يا علي بيه. تحب أحضر لحضرتك الحمام، والا تفطر الأول؟
رفض بإشارة بسيطة من رأسه، ثم ألقى بجسده على الأريكة الكبيرة الموضوع بمنتصف الصالة وقال:
_ لا ده ولا ده. مدام أروى فين؟
أجابته بالقليل من التوتر:
_ بعد ما حضرتك مشيت بيوم، على طول إختفت من القصر.
انتفض من مجلسه وقال وعيناه يتطاير منها الشرار:
_ يعني إيه إختفت؟ هي كانت كرسي والا ترابيزة؟ مين سمح لها تخرج من البيت؟
أصابها الرعب وهي لا تعلم ماذا تقول إليه. أتقول الحقيقة وأنها من ساعدتها بالفرار، أم تخترع أي قصة؟
ابتلعت ريقها وهي تراه ينظر إليها بنظرة تعلمها جيدًا، ثم أشار إليها قائلاً:
_ أروى خرجت من القصر إزاي؟ وخدي بالك أنا سألتك السؤال ده مرتين، التالتة برقبتك.
طفح الكيل وأنهار قلبها أمام جبروته. سقطت دموعها وقالت بغل:
_ أنا اللي ساعدت تمشي، وده من حقي. أنت إزاي عايزني أسيب واحدة تشاركني فيك؟
جذبها من خصلاتها بقوة ولفها حول كفه مردفاً بوقاحة:
_ جرى إيه يا بت أنتِ؟ هتصيعي عليا ولا إيه؟ اللي يسمعك يقول إنك مراتي ولا حاجة، مش حتة خدامة.
وضعت يدها على كفه لتخفف من ضغطه عليها، ونظرت داخل عينيه بضعف مردفة:
_ مش مراتك بس، كنت مراتك حتي لو يومين بس. فضلت تحت رجلك حتى بعد الطلاق من حبي فيك. أرحمني بقي. أنا مش جبل عشان كل يوم والتاني تدخل عليا بواحدة أخدمها لحد ما تزهق منها وترميها.
دفعها بقوة لتسقط أمامه على الأرض، ثم عاد خطوتين للوراء وقال ببرود ساخر:
_ أنا اللي عملته معاكي كان معروف. لما لقيتك في نص الليل في الشارع هربانة من أهلك اللي عايزين يجوزوكي راجل عنده 80 سنة، واتجوزتك أنا وقتها ووقفت قدام أهلك لحد ما بعدوا عنك وعايشتك هنا. ما ضحكتش عليكي ولا رسمت عليكي الحب. يا ضحى، اللي بيني وبينك كانت مصلحة. سترتك ولميتك واخدت اللي كنت عايزه برضاكي، ولما طلقتك سبتك تاكلي عيش. الفيلم الهندي اللي أنتِ عاملاه ده مالوش أي لازمة.
زادت دموعها، وبحركة سريعة تعلقت بساقيه وقالت برجاء:
_ طيب رجعني. رجعني وأنا والله العظيم لا هطلب منك تعلن الجواز ولا حتى تحبني.
أبتعد عنها بقوة، ثم جذبها لتقف أمامه مردفاً ببعض الحنان:
_ ضحى، إنتِ عيلة صغيرة لسه قدامك مستقبل. كملي مدرستك وعيشي حياتك وأنا هفضل في ضهرك زي أخوكي الكبير. غير كده هتشوفي مني وش وحش. أنتِ بالذات مش عايزك تشوفي. مفهوم؟
أرتجفت شفتيها بخوف وهمست بنبرة منكسرة:
_ لما أنت شايفني أختك، قربت مني ليه وعلقتني بيك ليه؟
مل بالفعل، مل من تلك الحالة التي يعيش بها معها. مسح على خصلاته بضيق، وكل ما يفكر به الآن أين ذهبت أروى وكيف يمكنه الحصول عليها. عاد بنظره لضحى وقال بهدوء:
_ عشان أنا كده. وأظن السنة اللي عشتيها معايا عرفتي فيها طبعي وطريقتي. بحب الستات وما أقدرش أعيش مع ست واحدة. فالأحسن لك تتعاملي معايا زي أخوكي بدل ما تخشي جوه نار ما حدش هيتحرق منها إلا أنتِ. عيشي يا ضحى وكملي حياتك واستغلي إنّي عايز أقف جنبك بدل ما تلاقي نفسك بين يوم وليلة في الشارع أو عند أهلك، هنا أحسن لك صح؟
أومأت إليه بضعف ليحرك يده على رأسها مردفاً:
_ تعرفي أروي فين؟
_ شكلها غلبانة وووو..
صرخ بها بجبروت:
_ ضحي!
_ في بيتها.
---
بقصر علام.. بصباح اليوم التالي.
دلف محمود لغرفة السفرة بهدوئه المعتاد. رأى الجميع على الطاولة إلا هي. أخفى ضيقه ببراعة وجلس على رأس الطاولة بعدما قبل كف جدته والدته. نظر لطارق مردفاً:
_ رجعت من السفر امتى؟
ابتلع طارق ريقه بتوتر ونظر لطبقه مردفاً:
_ جيت بالليل. ما حبيتش أقلقك. أول ما وصلت.
أومأ إليه محمود وقال بجمود:
_ ما حبيتش تقلقني، ولا ما حبيتيش تواجهني؟
_ أنا عارف أنك زعلان، بس أنا حبيت أغير جو. اتخنقت من ضغط الشغل والشركة وكل الحاجات دي.
_ وماله. طالما ارتحت يبقى أرجع شغلك. وآخر مرة أسلمك مشروع تسيبه وتلعب بديلك. المرة الجاية هرفدك يا طارق، ووقتها مش هيهمني أنت مين. اتفقنا؟
أومأ إليه بتوتر. فنظر لمعتز الصامت قائلاً:
_ تخلص فطارك وتسبقني على أوضة المكتب. مفهوم.
_ أنا أساساً شبعت وكنت حابب أتكلم مع حضرتك شوية. هستناك في المكتب.
بدأ فطاره بعدما أعطى تعليماته لشقيقه وولده. وبين الحين والآخر ينظر لباب الغرفة لعلها تأتي. كأنها شعرت به. وبعد خمس دقائق وصل إليه رنين كعب حذائها العالي ليرفع نظره للباب. وجدها تطل وهي بكامل زينتها بفستان أسود رقيق يبرز بياض بشرتها الناعمة، وترفع شعرها على شكل كعكة مميزة. رسمت على وجهها ابتسامة جميلة واقتربت من المقعد المجاور لجدتها وجلست عليه مردفة برقة:
_ صباح الخير. آسفة على التأخير، بس صحيت متأخر.
أجابها وعيناه على طبقه يقطع قطعة الجبن:
_ أنتِ مش جديدة في البيت عشان تصحي متأخر. بعد كده لو حاسة إنك هتتأخري على الفطار، ابقي استني للغدا. ما حدش بيدخل بعدي.
صوت بمفرده قادر على إزعاجها. ليزيد الأمر سوءًا بكلماته المستفزة. تركت الشوكة من يديها ورفعت وجهها إليه وقالت بقوة:
_ إحنا مش في سجن عشان نأكل ونشرب بمواعيد. ولو حضرتك شايف إني ببوظ اتيكيت العيلة الكريمة، تقدر تمشيني.
أهي بالفعل تجرأت عليه أمام الجميع؟ تحاول أن ترسل إليه تهديدًا مبطنًا وهو فهمها. ابتسم من زاوية فمه وهو يسمع جدته تقول بلهفة:
_ تمشي؟ تروحي فين يا حبيبتي؟ ده بيتك. محمود بس بيحب الانضباط. وبعدين أنا بحب أشوفك وأنا بفطر. معقولة تتأخري على جدتك وتسيبيها جعانة؟
نفت بحركة سريعة من رأسها ثم قالت بحب:
_ لأ طبعًا يا تيته، ما أقدرش.
عاد الصمت ليعم الغرفة. وبعد ثوانٍ معدودة قطعه دخول مفاجئ لعايدة على كرسي متحرك والخادمة خلفها. قام محمود من محله مقتربًا منها بقلق قائلاً:
_ إيه اللي نزلك من أوضتك؟ أنتِ تعبانة؟
حدقت به بعتاب ودارت بعينيها بالغرفة حتى وصلت لسارة التي تتابع ما يحدث بصمت وقالت:
_ طلبتك تيجي لي، قالوا لي مشغول. قولت أنزل بنفسي أشوف جوزي مشغول بإيه. رغم إنك كنت طول عمرك مشغول، بس أنا رقم واحد في حياتك. حبيت أشوف رقم واحد الجديد وأعرف هو يستحق ولا لأ.
قامت ألفت من مكانها وأقتربت منها بخطوات ثقيلة وهي تقول بلهفة:
_ يا حبيبتي يا بنتي. حرمتي الكل منك يا عايدة. ياما طلبت أشوفك وأنتِ رفضتي. وحشتني ونفسي آخدك في حضني.
تركت جدتها تضمها، وما زالت عيناها متعلقة بسارة وقالت:
_ ما كنتش حابة أشيل حد همي يا تيته، لكن خلاص من النهارده مش هحبس نفسي تاني. هبقى وسطكم.
أشار محمود للخادمة بالانصراف، وأقترب من مقعدها ليحركه حتى وصل بها لجواره. فجلس وقال بابتسامة هادئة:
_ خطوة كويسة جدًا. السفرة منورة يا عايدة. يلا يا حبيبتي ابدئي كلي.
أومات إليه وقالت لسارة:
_ عاملة إيه يا سارة؟ يا رب تكون الحياة معانا عجباكي؟
لعبت معها من قبل وصدقتها بكل سذاجة. أما تلك المرة فهي تعلم العداء بينهما بشكل جيد. رسمت على وجهها ابتسامة باردة وقالت:
_ ميرسي يا أبله عايدة على سؤالك. وما تقلقيش عليا، أنا أقدر أفوت في الحديد وأطلع سليمة. المهم حضرتك أخبارك إيه؟ من آخر مرة طلبتيني في جناحك ما شفتكيش، مع إني توقعت إننا هنبقى أصحاب وقعدتنا مع بعض هتطول. بس شكل حضرتك ما لكيش صاحب، ما بتعرفيش تكوني علاقات.
احتدمت عينا عايدة ونظرت لمحمود لتجده يتابع الحديث باهتمام وكأنه ينتظر منها إجابة مقنعة على كلمات سارة. فقالت:
_ بس أنا ما طلبتكيش يوميها يا سارة. أنتِ اللي دخلتي غصب عني وغصب عن الخدامة. قولتي وقتها كلام أنا لو ست وحشة هطلب من جوزي إنك تسيب البيت. بس أعمل إيه في طيبة قلبي، خليتني أراعي ظروفك وفرق الخبرة وأقول: معلش، عيلة صغيرة وبتلعب في حاجة مش بتاعتها، مش هعلق لها المشنقة يعني.
ضربت سارة على الطاولة بعصبية وقامت من مكانها قائلة بغضب:
_ أنتِ ست كدابة.
ساد الصمت بعدها ليلقي محمود الشوكة من يده، وقام من فوق المقعد مقتربًا من سارة جذبا إياها إليه قائلاً بهدوء:
_ حسبي على كلامك وكفاية غلط لحد كده. يلا عشان أوصلك للكلية.
أخذها وخرج من الغرفة ومن القصر بأكمله. لتقول عايدة بغضب:
_ البنت دي لو قعدت ساعة كمان في البيت ده، أنا هسيبه وأمشي.
تعجب طارق ولكنه فضل الصمت وإكمال طعامه بهدوء. أما حنان قالت قبل أن تخرج هي الأخرى:
_ سارة مش هتمشي يا عايدة، لأنها بقت حقيقة. فاهمة يعني إيه حقيقة؟ يا ريت تتقبلي ده.
نظرت لجدتها قائلة بسخرية:
_ إيه حضرتك ما عندكيش كلمة؟ عايزة تقوليها انتِ كمان.
أخذت ألفت نفس عميق وقالت بحكمة:
_ كلي يا بنتي وخليكي وسطنا ووسط ابنك. ربنا يهديكي لنفسك ولينا كلنا.
---
بالسيارة.
وضعها على المقعد رغماً عنها ثم ابتعد عنها قليلاً مردفاً بتحذير:
_ هقفل باب العربية وهلف عشان أقعد جنبك. لو فكرتي تفتحي وتجري، هزعل منك. ماشي يا بسبوسة.
أشاحت بوجهها بعيداً عنه ليرفع كفه ويقرب وجهها له مقبلاً خدها بقوة قبل أن يبتعد عنها ويغلق الباب. ذهب ليفتح بابه، جلس بجوارها. تحرك بالسيارة وتابعت هي الطريق أمامها بصمت. فقال بحنان:
_ مش غلط لما تكلمي واحدة أكبر منك بالأسلوب اللي اتكلمتي بيه جوه ده؟
_ لأ مش غلط، لأن هي فعلاً كدابة وبتحاول ترسم صورة لنفسها مش حقيقية. أقول لك على حاجة؟ أنتوا الاتنين لائقين على بعض جدًا. ما جمع إلا لما وفق.
كتم ابتسامته على شرستها وقال بجدية:
_ لتاني مرة أقول لك غلط تكلمي حد أكبر منك بالأسلوب ده. حتى لو كدابة، فانتِ ضيعتي حقك من طريقة ردك.
ماذا يريد منها هذا الرجل لا تعلم، لكنه يحاول بشتى الطرق إخراجها عن السيطرة. لفت وجهها إليه وقالت بغضب:
_ وهو فين حقي ده؟ أنت من الأول صدقتها هي ورميت عليا يمين الطلاق مع إنك عارف متأكد إنها كدابة. ولما فك غرامك، قولت أرجعها. ما هي كده كده تحت رحمتي. أنا مش مستنية حقي منك وهعرف أجيبه بإيدي منك ومنها.
أوقف السيارة على جانب الطريق بمكان خالٍ من زحام السيارات والأشخاص. أخذ نفس عميق وأخرجه بعد مدة بتعب. جذب كفها ليضمه بين يديه ونظر إليها بحنان وقال بنبرة تائهة:
_ علاقتنا دي أكبر غلطة أنا وقعت فيها في حياتي، أو عشان أكون صريح معاكي، الغلطة الوحيدة اللي غلطتها في حياتي. طول عمري كبير العيلة اللي كلامي بيمشي على الكل حتى على اللي أكبر مني في السن. ما بغلطش. أوقات كتير ببقى عايز أعمل حاجات ما بعملهاش عشان هي مش لايقة عليا. إنتِ الحاجة الوحيدة اللي كنت عارف إنها غلط ومش لايقة عليا وهتهز صورتي وتدمرني، ومع ذلك عملتها. تفتكري ليه؟
اهتزت من نبرة صوته. رفعت عينيها لتنظر إليه وجدته يتطلع إليها بضياع. بدأ بداخله مشاعر كثيرة يعجز عن تفسيرها. مرت طرف لسانها على شفتيها بشكل دائري لتقلل من توترها وحاولت أخذ كفها من بين يديه، إلا أنه تمسك بها أكثر مكملاً:
_ أنا حرقت البيت عشان ترجعي لي. هددتك بالحبس عشان أبقى الباب الوحيد اللي مفتوح لك. مستعد أعمل أي حاجة وكل حاجة تخليكي جنبي حتى لو غصب عنك. يمكن تقولي أناني، جبروت، مجنون، شوفي حابة تقولي إيه وقولي. بس ده مش هيغير حقيقة إنك بتاعتي. حقي، تعويضي عن سنين عمري اللي راحت. مش هقبل إني أضحي تاني. حاولي تتقبليني زي ما كنتي متقبلة العلاقة بينا الأول. هنعيش إحنا الاتنين مرتاحين.
صممت على جذب يدها من بين يديه. هو بالفعل أناني لا يرى سوى نفسه. نفت برأسها أكثر من مرة قبل أن تقول بغضب:
_ هو أنت عارف عملت معايا إيه ولا مش مستوعب؟ أنت طلقتني بعد يومين بس من الجواز عشان خاطر المدام، ولما حبيت ترجعني رجعتني عشان خاطر مزاجك. لما لقيت عندي شوية كرامة وبحاول ألم اللي باقي منها، فقررت تكسرني أكتر وتحرق البيت. حتى لو فكرت أرجع لأختي مش هتوافقي، لأن جنابك هتمنع عنها المعونة. ولما لقيت لسه فيا الروح، قولت تضربني الضربة اللي في مقتل وتهددني بالسجن. أنا موجودة معاك وفي بيتك غصب عني. اللي أخدته مني الأول بالرضا، مش هتاخده تاني غير بالغصب. ووقتها هتكره نفسك عشان كل ما هتبص لنفسك في المراية هتشوف مغتصب. لو أنت ترضاها على نفسك، أنا ما عنديش مشكلة.
تعجبت من ابتسامته الهادئة، وكانت صدمتها الحقيقية بجملته التي قالها وهو يلف السيارة بالطريق المعاكس:
_ هيبقى بالرضا يا سارة، وعشان أنا راجل أفعال هوريكي ده بنفسك وحالا.
بعد أقل من عشر دقائق عادت سيارته لقصر علام مرة أخرى. هبط من السيارة وفتح بابها ثم أشار إليها بالخروج. أرتجف جسدها وهي لا تعلم ما يفكر به أو ماذا سيفعل بها. ليجذبها من ذراعها يقودها للداخل قائلاً:
_ متخافيش، مش هعمل حاجة غصب عنك، وده وعد مني ليكي.
سارت معه برعب حقيقي وهي تتمنى لو تحدث معجزة حتى يبتعد. وها هي حدثت. اقترب منه معتز أمام الباب مردفاً:
_ فضلت مستني حضرتك كتير في المكتب وما جيتش.
زفر بضيق من نفسه. منذ متى وهو ينسى كلمة قالها. أومأ لمعتز مردفاً:
_ أدخل أوضة المكتب وأنا جاي وراك.
ذهب معتز وعادت هي خطوة للخلف فقال بهدوء:
_ هتاخدي نفسك زي أي ست شاطرة وتطلعي أوضتك وتستني جوزك عشر دقايق بالظبط وهكون عندك. لو حسيت واحنا مع بعض للحظة واحدة إنك فعلاً مش عايزاني، هطلقك وهديكي اللي يعيشك العمر كله مرتاح، وده وعد من محمود علام.
تركها قبل أن تنطق بحرف ودلف لغرفة المكتب، وجد معتز ينتظره. فجلس على مقعده وأشار للآخر حتى يجلس، ثم قال بجدية:
_ قول اللي كنت عايزني فيه الأول قبل ما تحاسب معاك على اللي أنا كنت عايزك فيه.
توتر معتز بشكل ملحوظ ورفع يده ليحركها على عنقه حتى يخفف من توتره. فقال محمود بقوة:
_ أنا ابني راجل ما بيخافش. قول اللي عندك يا معتز، ولآخر مرة أشوف نظرة الخوف والتوتر دي في عينك، حتى لو كانت مني أنا.
كلمات والده أعطت إليه الكثير من القوة حتى يقول ما يريده. فقال:
_ أنا عارف إني لسه صغير على طلب زي ده، ويمكن حضرتك ما تقبلش. بس أنا كل اللي بطلبه من حضرتك إنك تديني كلمة شرف. مستعد أستنى بعدها العمر كله.
_ طلبك إيه؟
_ أنا بحب سارة وعايز أتجوزها.
يتبع.