تحميل رواية «عطر سارة» PDF
بقلم شيماء سعيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عادت للخلف برعب من هيئته المخيفة. أغلق باب الغرفة عليهما غير عابئ بصريخ باقي العائلة بالخارج. كل ما يجول بعقله الآن تلك الضحكة الرنانة التي خرجت منها مع أخيه الأحمق. نيران قلبه زادت اشتعال وهو يتذكر هذا المشهد. سارة تلعب معه وهو يفهم ذلك جيداً، ولكنها تلعب بالطريقة الأكثر خطورة عليها. أبتلع ريقه وهو يشير إليها بالاقتراب. رفضت بحركة تمرد مردفة: _ أرجع لورا يا أبيه.. _ تعالي هنا بنفسك بدل ما أجيب أنا.. الحمقاء نست عقابها ووضعت كفيها حول خصرها مردفة بنفس الغيرة: _ مش جاية تعالى أنت لو عايز.. أومأ و...
رواية عطر سارة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شيماء سعيد
دلفت معه لغرفة النوم وهي شاردة. لم يخرج منها حرف واحد بعد ما قال لها: "اثبتي إن أنا مطلقك". كانت جملة كارثية وضعتها أمام حقيقة حاسمة، أكدت لها بكلمات بسيطة بأنها ما زالت تحت سيطرته. سمعت صوت خطواته تقترب منها بعدما أغلق باب الجناح فقالت:
_ تعرف إني بسببك كرهت نفسي.
أهتز من قوة كلماتها. شعر وكأنها أتت بسكينة باردة وادخلتها محل قلبه ببطء شديد. نظراته كانت تعبر عن قهر رجل يرفض الخضوع. سألها ببطء:
_ كرهتي نفسك بسببي؟
أومأت إليه أكثر من مرة وقالت بغضب:
_ هي دي الحقيقة إني كرهت نفسي بسببك وكرهت كل خطوة بتقربها مني. كرهتك أنت شخصياً عشان كل ما بشوفك بحس بعجزي وقله حيلتي. أنت عايز توصل معايا لايه بالظبط؟ بتسلي نفسك بيا وكل ما تزهق ترجع اللعبه تاني. ما هو أنت مش خسران أي حاجة أهو بتفرفش نفسك بعيد عن المصايب بتاعتك شوية. صدقني لو شوفت نفسك في عيني عامل إزاي مش هتقف قدامي تاني.
ماذا تقول وكيف لا ترى ضعفه أمامها؟ لماذا لم يصل إليها شعوره بالاشتياق وعجزه عن البعد؟
حرك رأسه بقوة ينفي ما قالته قائلاً:
_ تبقى ما بتشوفيش يا سارة لو شايفك كل اللي أنا بحاول أعمله ده تسليه. عايزة تسمعي إيه أو تفهمي إيه. عايزه تعرفي انا عايز منك ايه؟ عايزك كلك على بعضك عايزك تحبيني وتبقي معايا لأنك عايزه تبقي معايا. بتقولي لو شوفت نفسي في عينك مش هقدر أقف قدامك لكن انا بقول لك لو شوفتي نفسك في عيني هتتمني تعيشي العمر كله في حضني.
هل يحاول الكذب عليها أم على نفسه؟
أشارت إليه للغرفة حولها وقالت بقهر:
_ أنت كذاب يا محمود بس السؤال هنا بقى بتحاول تكذب على مين بالظبط؟ عليا ولا على نفسك؟ عايزني أحبك إزاي قولي على حاجة واحده عملتها تخليني أحبك. أنت طول الوقت بتحاول تحسسني اني قليلة واني من غيرك ما اقدرش أعيش. بتعاملني زي العصفوره اللي حابسها في قفص من دهب وبتطلب منها تكون فرحانة ومبسوطة لأنها بس معاك. طلقتني بدل مره إتنين عشانك مش عشاني. المرة الأولى عشان المدام ما تزعلش ومشاعرها ما تتجرحش والمرة التانية عشان معتز مش هيقدر يشوفني مرات أبوه. انا فين من كل ده حتى وأنت بتقرب دلوقتي بتقرب لأنك مش قادر تبعد مش عشان أنا عايزة أقرب. أنت فكرت في كل اللي حواليك وفكرت في نفسك ونسيت اني موجودة في الدنيا نسيت إني بني ادمة وعندي مشاعر ومن حقي أختار. خد بالك يا محمود انا لو جات ليا قرصة واحدة للاختيار مش هختارك أنت.
رجل مثل محمود علام وحديث مثل هذا أمر به إهانة لرجولته وكبريائه. كان يسمعها وعقله يردد جملة واحدة: "هذه الفتاة عقابك على الأرض يا إبن علام". برودة غريبة رغم ارتفاع حرارة الجو سارت بأنحاء جسده. رفض قلبه تلك الكلمات، رفض تلك المشاعر. أقترب منها وقال بغضب:
_ عشان كده مش هديكي فرصه الإختيار يا سارة. تعرفي لو كنت حسيت أنك بتحبيني كنت بعت الدنيا كلها واشتريتك. لكن أنا من يوم ما عرفتك عايش في خوف. محمود علام اللي ما كانش بيخاف من حاجة الا ربنا بقى بيخاف كل ما تخرجي بره البيت او كل ما تتكلمي مع حد. بخاف يبقى معاكي أي سلاح تقدر تبعدي بيه عني. لو أنا حبسك في قفص زي ما بتقولي فأنا حبسك لأني مش ضامن لو فتحت لك الباب ممكن تعملي ايه.
حركت رأسها بمعني لا فائدة. مهما قالت ومهما فعلت سيظل كما هو حتى لو ألقت نفسها من شرفة الغرفة أمامه. رسمت على وجهها ابتسامة باهتة تحمل الكثير من السخرية وقالت:
_ طبعا دلوقتي هترجعني في السر وتاخدني تفسحني في شرم مع كام كلمه حلوة وأغنية لذيذة وأدوب انا في الغرام والرومانسيه. عيله هبله بقى تقول إيه. يقوم الباشا مستغل الموقف وشايلني اوبح ويطلع على الجناح يعيش ليله بالف ليله وليله والليله تمر وراها ليله وهو دايب في العسل. بعدين يبص في ساعته يلاقي ان عنده إجتماع مهم فنبقى لأزم نرجع وهناك بقى استخبى في اوضتي ولما يبقى يجي نص الليل يعدي عليا اصله بيرتاح معايا مش دي الحقيقة؟ بس يا ترى لو معتز ومدام عايدة عرفوا وطلقتني عشانهم للمره التالتة هتعمل ايه هتجوزني لواحد صاحبك عشان تعرف ترجع الجاريه ليك تاني ووو؟
ويكفي لهنا يا سارة. وصل محمود علام على يدك إلي حافة الهاوية. لو روحه بها لن يجعلها تقلل منه. آخر جملها قالتها قتلت بها آخر جزء به القليل من الرحمة والصبر بداخله. رغم ألمه وضع قلبه تحت قدمه وتحلى بالقوة مردفاً:
_ لأ مش هرجعك مش أنا اللي أعيش مع واحدة غصب عنها لو روحي فيها. هنرجع القاهره بكره الصبح ارتاحي الجناح بتاعك.
خرج من الجناح بخطوات ثقيلة رغم سرعته بالسير. ألقت بجسدها على الفراش مردفة:
_ وهو أنا من أمتي عرفت أرتاح؟
بصباح اليوم التالي. دلفت أروي جناح علي لتجده نائم بعمق شديد. فتحت الستار وأدخلت نور الشمس للغرفة ثم أقتربت منه. معالم الإرهاق الظاهرة على وجهه جعلتها تشعر بالقليل من الحزن عليه. ولتكون صادقة مع حالها لم تقصد ما فعلته به وللأسف هذا ما حدث. أخذت نفس عميق قبل أن تقول:
_ علي اصحى يلا وكفايه نوم لحد كده.
ات صوتها إليه من بعيد ليفتح عينيه ببعض التعب. رآها بوجهها الجميل وبشرتها الصافية أمامه. يا الله ما هذا؟ نظرة واحدة منها وإليها قادرة على سرق أنفاسه منه. رأى على شفتيها أجمل ابتسامة مع أكثر ألوان الحمرة إثارة إليه وهو اللون الأحمر الفاتح. همس بنبره دافئة:
_ معقولة اكون موتت ودخلت الجنه وشوفت نعيمها بعيني؟
عادت للخلف ونفت بحركة ساخرة من رأسها قبل أن تقول:
_ أكيد لأ طبعاً وأنت اللي زيك هيدخل الجنه ازاي؟ يلا فوق كده واسترجل خلينا نمشي من هنا.
هنا فقط تأكد إنه مستيقظ وإنها حقيقة أمامه فاعتدل بجلسته مردفاً بغيظ:
_ لو بقى عندي نص بجاحتك يا شيخه هعيش ملك. ليكي عين تيجي لحد هنا تاني بعد اللي عملتيه فيا؟
رفعت حاجبها بطريقة مستفزة قبل أن تقول:
_ هو إيه اللي حصل لك؟ انا كده هبدأ اشك فيك وافكر في موضوع الجواز ده. هو انا ايه يا اخويا هبله عشان اوقع نفسي واقعه زي دي.
عادت إليه كامل صحته وعادت معها كامل وقحته بلحظة غدر سحبها من خصرها لتنام بجواره على الفراش واعتدل ليصبح فوقها وبينهم مسافة قليلة ثم غمز إليها مردفاً:
_ والله الموضوع ده متوقف على التجربه. نجرب وبعد كده نشوف هنتجوز ولا بلاش نفرهد بعض على الفاضي.
وضعت كفها على صدره لتبعده عنها أكثر ثم نظرت إليه بتحذير واضح قائلة:
_ أبعد عني وإياك تفكر تقرب مني بالطريقه دي تاني لأن آخر مرة ما حدش ندم الا انت.
نفى بحركة من شفتيه وقال:
_ وقتها خدتيني غدر لكن انا دلوقتي عينيا مفتحه لك واي حركه مش هتعجبني هتشوفي مني حركات مش هتعجبك فنتلم ونتعامل بأدب اتفقنا يا شاطره.
دفعته بكل قوتها ليسقط على الطرف الآخر من الفراش ثم أخذت نفسها براحة شديدة وقامت من مكانها مردفة بقوة:
_ وأنت بتسمي إللي عملته من شويه ده أدب؟ علي لآخر مرة هقول لك انا ما بحبش الطريقه دي في التعامل وحتى لو كنا هنتجوز فلازم تعرف ان انا في عدتي ومش حلال ليك لحد ما اتكتب على اسمك.
توقعت وقاحة المعتادة والقليل من سخريته ولكنها تفاجأت به ينظر إليها نظرة فخر، نظرة بها الكثير والكثير من الاحترام ثم أومأ إليها وقال بجدية:
_ إيه رأيك نبدأ مع بعض صفحه جديده؟
تعجبت من طلبه وقالت:
_ يعني إيه؟
_ يعني ننسى كل اللي فات ننسى تعرفنا على بعض إزاي أو بدأنا من أي حته. نبدا كل حاجه من اول وجديد. اشوفك بصورتك الحقيقيه وتشوفيني بصورتي الحقيقية. تعرفي يا أروى إيه هي أمنيه حياتي من أول لحظه دخلتي عليا المكتب فيها؟
سألته بحركة بسيطة من رأسها:
_ إيه؟
أبتسم إليها ابتسامة رجولية سحرت قلبها جعلتها تشعر بأشياء كانت ترفض الشعور بها. اهتز بداخلها جزء حاولت كثيراً الحفاظ عليه، فاكمل عليها بنبرته الحنونة:
_ أنك تكوني ام ولادي. شوفت فيكي الست اللي انا عايزها من غير ما أدور عليها. حسيت انك جيتي لي برجليكي لحد عندي عشان تبقي بتاعتي وحقي من الدنيا. أقول لك على حاجه يا اروى انا راجل الناس ساعات بتخاف تتنفس قدامه خليتك تعملي كل اللي نفسك فيه عشان بس احسسك بقوتك وانك مش ضعيفه لوحدك. فرحان بيك يا اروى فرحان انك قادره تعيشي في وسط زحمه الدنيا دي وانتِ زي ايه. انتِ تقبلي تكوني ام اولادي يا أروي؟
قال لها ما تتمناه أي أنثى مهما كانت وقتها سماعه. جعلها تعيش لحظة حلوة وحلوة جداً، تشعر برجفة لذيذة بها الكثير من التشويش. قلبها يود خوض التجربة وعقلها يحذرها من مرارة الفشل. تنهدت تنهيدة طويلة وقالت:
_ خلينا نبدأ كل حاجه من الأول زي ما قولت يا علي. يمكن وقتها أقدر أجاوبك على السؤال ده وأنا عارفه ان الاجابه هتريحني لكن دلوقتي مهما قولت مش هرتاح.
بحنان قال:
_ دي لوحدها إجابة كفاية عليا وراضي بيها جدا.
ابتسمت وبنفس اللحظة دق باب غرفة علي ومع الدقة صوت محمود القائل:
_ علي.
حدقت به برعب وضربت على صدرها مردفة:
_ يا لهوي محمود على الباب. أنت عارف لو دخل وشافني معاك في الاوضه اللي ممكن يحصل؟
_ علي أنت كويس أنا هفتح الباب.
كان علي عاجز ينظر لها وللباب بعجز. يعيش بتلك اللحظة أقسى مشاعر مرت عليه بحياته. يفضل أن يموت قبل أن يخسر محمود. طال الصمت وعيناه متعلقة بباب الغرفة. رأى تحرك يد الباب فأغلق عينيه مستسلم لبشاعة ما سيحدث الآن. فتح محمود الباب ورفع حاجبه بتعجب وهو يرى علي يقف مغلق العينين. أقترب منه بقلق مردفاً:
_ مالك يا ابني واقف عامل كده ليه؟ أنت حاسس بحاجه؟ أطلب لك الدكتور تاني؟
ماذا هل يسأل عليه؟ فتح عين والاخرى ظلت مغلقة. وجدت نفسه يقف مع محمود بمفرده بالغرفة. فتح عينه الأخرى وهو مذهول. أين ذهبت وكيف اختفت؟ هل كان يتخيلها؟ فاق على نبرة محمود الحادة:
_ ما تفوق ياض وتقولي مالك في ايه؟
هنا فاق. وضع يده على رأسه وقال:
_ ما فيش حاجه أنا كويس يمكن بس لما قومت عشان افتح لك الباب دوخت شوية.
أخذه من يده وجعله يجلس على الفراش مردفاً:
_ طيب تعالي ارتاح شويه.
ضرب علي بنظره على باب المرحاض ليجده مغلق وأسفله ظل خفيف. أخذ نفسه بغضب من حاله وصمت. موقفه الآن يشعره بالحقارة مع صديق عمره. نظر لمحمود وقال:
_ شكلك مش مظبوط. هو في حاجه مزعلاك مالك يا محمود؟
_ ومن غيرها ممكن يقدر يزعلني؟ سارة تعرفي يا علي انها وجعي الوحيد.
_ محمود الطريقة اللي أنت تتعامل بيها دي غلط واخد كل حاجه عافيه ولوي دراع. أنت صورتك في عينيها بايظه وبدل ما تصلحها كل شويه بتبوظها بزيادة. طلاقك منها كان اكبر غلط. كان المفروض تتمسك بيها أكتر من كده وتثبت لها ان مهما مين عرف هتفضل تحبها وهتفضل متمسك بيها. لكن انت عملت ايه؟ طلقتها قدام الكل ورجع تجري وراها تاني في الضلمة. مستني منها تتعامل معاك ازاي او تحبك حتى ازاي؟
هو مكتفي بما سمعه منها ولا يريد المزيد. قام من مكانه بغضب ثم سحب خصلاته بكل قوته ليخفف من ألم رأسه وقال:
_ سيبك مني ومن الكلام ده كله. انا هرجع القاهره وخليت السكرتيره بتاعتي تحجز لك امتى وساره والسكرتيره بتاعتك على طياره بالليل توصلها بنفسك لحد الفيلا بتاعتها يا علي مفهوم.
حرك علي رأسه بقلة حيلة وقال:
_ ماشي.
خرج محمود من الغرفة وبنفس اللحظة خرجت أروي. كانت لأول مرة بحياتها تشعر بالخجل. فقال لها علي:
_ ارفعي رأسك أنتِ مش عاملة حاجه تنزلي راسك عليها. اول ما نرجع القاهره هعرف محمود أنك السكرتيره بتاعتي وهصلح العلاقه بينكم واطلبك منه.
اقتربت من الفراش وجلست عليه بجسد فاقد السيطرة على التحكم بنفسه وقالت بخوف وهي تحاول ان تستمد قوتها منه:
_ تفتكر محمود هيتقبلني في حياته تاني بسهولة؟
طبطب على كفها وقال:
_ محمود مفيش أطيب منه وحتى لو حصل العكس. انا مش محتاج حد يتقبلك في حياته. انا عايزك في حياتي انا بس. ولو هقوله فانا هقوله عشان تبقي مراتي قدام عين الكل واقولهم. هو فهمتي؟
_ امممم فهمت.
استيقظت سارة على صوت هاتفها بشعور كبير مخلوط بين ألمها النفسي وألمها الجسدي. مرت أصابعها بين خصلاتها وشعورها بالاختناق يزيد. دق هاتفها من جديد حدقت للشاشة ورسم على وجهها تلقائياً ابتسامة ساخرة مغلفة بالمرار. هل تذكرتها مريم الآن؟ فتحت الخط وقبل أن تنطق بحرف صرخت بها مريم بحقد:
_ هو أنتِ إيه عشان ربنا خلاص اداكي قرشين هتدوسي بيهم على الخلق وتنسي نفسك؟ انا وجوزي ياما عملنا لك يا ساره وفتحنا لك بيتنا سنين.
قطعتها سارة بتعب:
_ مريم أنا والله العظيم ما ناقصه اسمع كلمه زيادة. قولي اللي انتِ عايزة تقوليه من غير مقدمات بدل ما امسح بيكي الارض واعرفك مين اللي كان عايش في خير مين.
_ ماشي خلي البيه اللي انتِ بتتحمي فيه يرجع ليا جوزي يا سارة. أنا مليش في الدنيا دي كلها غير علاء ومش مستعدة أخسره عشان واحده قليله الاصل زيك نسيت كل اللي ليها وجريت ورا الفلوس.
زفرت سارة بضيق وقالت:
_ تقصدي مين محمود؟
_ ايوه اعملي فيها هبله امال اقصد مين يا اختي غيره.
_ وهو محمود هيعوز ايه من جوزك عشان ياخده ولا جوزك عمل له ايه؟ ما هو أكيد مش هياخدوا زي ما انت بتقولي عشان لقاه على سجاده الصلاه.
توترت مريم بوضوح وهذا ما وصل للاخرى لتحرك رأسها بتعب وقلة حيلة قبل ان تقول:
_ اقفلي يا مريم وروحي طلعي جوزك بعيد عني. انا مليش كلمة على محمود ولو كنت أقدر أعمل حاجة كنت عملت لنفسي.
بعد مرور أسبوع آخر. بمكتب محمود. أخذ يتابع أحد أهم المشاريع لشركته مع سيدة الأعمال الصغيرة سمية عمران. سند بظهره على المقعد وقال بإبتسامة:
_ ما شاء الله خالد بيه عرف يربي. بجد مبسوط جدا بالشغل معاكي يا انسه سميه ومبسوط أكتر ان بنت صغيرة في سنك فاهمه في شغلنا وعارفه تتعامل بالاحتراف ده.
سمية عمران الابنة الوحيدة لرجل الأعمال خالد عمران بأول عام بعقدها الثالث، فتاة تتميز بالجمال الهادي والملامح الشرقية المميزة، متوسطة الطول وخصلات شعر سمراء مموجة، رغم بساطة الملامح إلا إنها بالفعل جميلة وجدا. وضعت ساق على الأخرى وقالت بثقة:
_ انا عرفت من الناس قريبين مني إن حضرتك كنت رافض تقابلني عشان عندي 20 سنه وبعد وفاه بابا مش هقدر اعمل اي حاجه لوحدي. اتمنى انك تكون غيرت الفكرة دي وان المشروع نستلمه احنا الاتنين مع بعض وأوعدك انه هيبقى شغل كويس جدا ويرضي حضرتك.
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ بصي يا آنسه سمية حكايتنا شبه بعض شويه. أنا بدأت في سنك واصغر منك كمان بس طبيعه شغلي والمكانة اللي وصلت لها خلتني أفكر 1000 مره قبل ما اخطي أي خطوه. ان شاء الله المشروع ده هيبقى بتاعنا احنا الاتنين وأنا متاكد أنك هتعملي شغل حلو جدا.
بلحظة واحدة انقلبت الأحوال وتحولت الغرفة الهادئة لساحة معركة كبيرة. ضربت سارة الباب بقوة ودلفت خلفها السكرتيرة التي قالت بحدة:
_ يا فندم ما ينفعش كده، قولت لك عنده مجتماع شغل مهم ولما يخلص كنت هدخلك، انا اسفه يا محمود بيه والله.
قام محمود من محله بقلق ولهفة ظهرت على معالم وجهه. أقترب منها ووضع وجهها بين يديه مردفاً:
_ في إيه؟ أنتِ كويسة؟
_ هبقى كويسه إزاي وأنت عامل زي اللعنه في حياتي بتبوظ كل حاجة. تقدر تقولي أنت بتنام على المخدة إزاي ولا أصلا بيجي لك نوم إزاي وأنت مدمر حياه كل اللي حواليك.
نظر للسكرتيرة ولسمية ثم عاد بنظره إليها مردفاً بتحذير:
_ أقعدي لحد ما اخلص الاجتماع ونبقى نتكلم.
حركت رأسها بنفي والقت نظرة سريعة على سمية. لا تعلم لما زاد غضبها مع رؤيتها لسمية وجمال سمية. صرخت:
_ أنا مش هقعد ولا هسكت بعد كده سامع؟ مش هسكت. ولا أنت هتقدر تسيطر عليا تاني وتجبرني على السكوت.
الأمر أصبح صعب فقامت سمية من مكانها مردفة بهدوء:
_ هبقى احدد ميعاد تاني مع السكرتيره وقابل حضرتك يا محمود بيه.
أومأ إليها وظل صامت حتى تأكد من خروجها وهي والسكرتيرة من الغرفة. نظر لسارة بعتاب وقال:
_ عملت إيه مضايقك أوي كده لدرجه انك تيجي تعملي فضيحة في الشركه. متهيا لي ان من يوم كلامنا في شرم انا ما شفتكيش.
عضت على شفتيها بعدم تصديق لكم البراءة التي يتحدث بها ثم اطلقت لضحكاتها العنان. ظلت تضحك وتضحك حتى توقفت فجأة وقالت:
_ وتسمي بايه اللي حصل للمذيع أحمد رسلان؟ الراجل بقى له اكتر من 10 سنين في قناة بيجيب لها اعلى اعلانات وبرنامجه الوطن العربي كله بيتفرج عليه. فجاه البرنامج يقف وهو يتحول للتحقيق لموضوع مش مفهوم كل ده حصل صدفة؟ بلاش دي تقدر تقولي علاء جوز أختي فين لحد دلوقتي؟ أنت ليه مصمم تقفل الدايره عليا ليه مصمم تفضل في حياتي بالاجبار؟ افهمك ازاي إني مش عايزاك.
لديها تصميم كبير على إهانته مصممة على ضربة بكل قوتها. أشار لنفسه مردفاً بذهول:
_ إنتِ واقفة قدامي بعد اسبوع غياب تتكلمي عن أحمد رسلان وعلاء جوز اختك؟ هو ده اللي جابك هنا؟ تصدقي أنا طلعت حمار والله العظيم حمار. أول ما شوفتك داخله عليا قولت هتقولي وحشتني ازاي قدرت تبعد عني أسبوع. عقلي رسم احلام وصدقتها بس إنتِ كتر خيرك عرفتي ازاي تخلي الأحلام دي كوابيس.
هي بالفعل اشتاقت وربما يكون هذا سبب وجودها الحقيقي ولكن كيف تقولها أو حتى تعترف لنفسها بها؟ أبتلعت ريقها قائلة:
_ اللي بيني وبينك خلص من يوم ما رميت عليا أول يمين طلاق. أنا واقفه قدامك دلوقتي لاني متاكده انك السبب في اللي حصل لاحمد.
ضرب صدرها بقوة لتعود عدة خطوات للخلف حتى التصق ظهرها بالحائط. أقترب منها وصرخ:
_ وده يفرق معاكي في ايه؟ وعرفتي اساسا المعلومات دي منين؟ لسه بتقابليه انطقي؟
_ يعني أنت عايز تفهمني ان الرجاله بتاعتك اللي انت مشيهم ورايا في كل حته يعدوا عليا عدد انفاسي ما يعرفوش ان انا ما شفتوش غير اليوم اللي انت اخدتني فيه من المكان. عملت معاه كده ليه؟ عشان قعد معايا خمس دقايق وهو ما يعرفش انا مين ولا يعرف ان في اي حاجه بينا. تفتكر هو هيستحق كده؟ انت ما فيش في قلبك ذره رحمه لاي بني ادم.
نفي بحركة سريعة من رأسه وقال بجبروت:
_ لأ ما فيش. وأي حد هيفكر ياذيكي مش هيبقى في قلبي له ذره رحمه. حطي الكلام ده في دماغ كويس.
صرخت بذهول:
_ هصدقك واقول ان علاء جوز أختي اذاني؟ هو طول عمره بياذيني عادي مش دي المشكله. لكن البني ادم اللي قعدت معاه خمس دقايق ده ممكن يكون اذاني في ايه؟ انت ضيعت مستقبله وحياته ولا مش واخد بالك.
أبتعد عنها وألقي بجسده على أقرب مقعد. بدأ يرتفع ضغطه هو يشعر بذلك. وضع يده على رأسه وضغط عليها بقوة:
_ أمشي دلوقتي يا سارة.
رأت بعينيه تعب، عتاب والكثير من الحب. يا الله من حب تراه وعن الجد لا تجد منه شئ. أغلقت عينيها ثواني ثم فتحتها وقالت برجاء:
_ محمود أنا من ساعة ما شوفت خبر وقف البرنامج إمبارح وأنا مش عارفه انام ارجوك صلح اللي انت عملته ده ضميري مش.
شهقت برعب أبتلعت به باقي حديثها. قام من فوق المقعد وضربه بكل قوته ليسقط على الأرض بكل مكان قطعة. وضعت كفها على وجهها متخيلة أي شئ منه بتلك اللحظة فعينيه الحمراء تثبت ما يخيفها. صرخ:
_ هو انتِ ايه؟ ما فيش عندك دم خالص؟ طيب ماشي يا ساره اللي انا عملته ده كان قرصة دون بس اوعدك ان البرنامج ده مش هيرجع يشتغل تاني عشان تفضل تتعذبي. انا من هنا ورايح هعيش بس عشان اعذبك واحرق قلبك زي ما انتِ حارقه قلبي.
نظرت إليه نظرة كره واضحة وقالت:
_ مهما عملت ومهما حاولت تعمل هفضل اكرهك. انا بكرهك يا محمود وانت بني ادم ما ينفعش تتحب لأزم تفضل عايش طول عمرك مكروه لانك اناني.
صمتت فجأة وهي تراه يسقط على أرضية المكتب أمام عينيها مستسلم استسلام تام للظلام من حوله. سقط جسدها معه وضعت كفها اسفل رأسه صارخة بخوف:
_ محموووود.
رواية عطر سارة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شيماء سعيد
بغرفة الكشف..
ظلت يدها تضم يده والطبيب يقوم بالكشف عليه. عينيها تراقب ما يحدث بمشاعر بدأت تفهمها، عضت على شفتيها المرتجفة وهي تبكي، خائفة من فقدانه. رأته يقع أمامها ويقع معه جبروته وصورته القاسية المرسومة بداخلها. وجدت نفسها تنزل إلى كفه تضع عليه عدة قبلات.
عاد إليها مشاعر اليتم، للحظة ضمته لصدرها وتخيلت حياتها بدونه لتري ضياع، خوف، وجع، فقدان للأمان. ما هذه المشاعر وكيف تعيشها مع محمود؟
انتهى الطبيب ليفتح الباب لعلي المنتظر بالخارج وقال بهدوء:
_ اللي بيحصل ده غلط يا علي بيه، أنا حذرت حضرتك المرة اللي فاتت وقولت لك إن أي ضغط هيدخلنا في مشاكل إحنا مش عايزين نوصل لها. محمود بيه بالشكل ده بينتحر.
قالت بنبرة خائفة:
_ هو كويس مش كده؟
نفى الطبيب وقال:
_ لأ مش كويس يا فندم، الضغط بيترفع بشكل فظيع وده ممكن يسبب في أي وقت لا قدر الله جلطة دماغية. أنا قولت الكلام ده لعلي بيه المرة اللي فاتت وطلعنا علاج الضغط وقولنا هنمشي عليه، لكن بالشكل اللي بيحصل ده مش هنعرف كل مرة نسيطر على الموقف، خصوصًا إن ما بين المرتين أيام.
أرتجف جسدها وحركت رأسها برفض لتلك الفكرة. نظرت لعلي برجاء وقالت:
_ ضغط وهو عنده الضغط، قولي أي حاجة الله يخليك.
أغمض علي عينيه لعدة لحظات ثم قال بتعب:
_ هي دي الحقيقة يا مدام سارة. محمود اغمى عليه يوم ما طلقتك ولما جبته هنا اكتشفنا إن عنده الضغط. أنا ما أعرفش إيه اللي وصله للحالة دي تاني، لكن اللي متأكد منه إن أنتِ السبب. من البداية كنت واقف في صفك لأني متأكد إنك مظلومة، لكن لو صاحبي هيفضل بالشكل ده يبقى أحسن لك تختفي من حياته طالما وجودك بيوجعه.
بخطوات سريعة عادت لتجلس على أرضية الغرفة بجواره تأخذ يده على صدرها. أرتفعت شهقاتها بخوف وهمست إليه:
_ محمود فتح عينك، أنا خايفة.
تحدث الطبيب بجدية:
_ هو حاليًا هيفضل نايم لحد الصبح وده أحسن له. أتمنى اللي حصل ده ما يتكررش تاني. هخرج دلوقتي وكل ساعة هرجع أشوفه.
خرج فنظر إليها علي وشعر بالشفقة عليها. فتاة صغيرة وحيدة متعلقة بيد طوق نجاها الوحيد. مسح على خصلاته بقلة حيلة من تلك العلاقة السامة للطرفين. أقترب منها لتضع رأسها على كف محمود كأنها تحتمي به. فأخذ نفس عميق ثم أخرجه مردفاً:
_ ما تخافيش، أنتِ أمانة محمود يعني لو روحك قصاد روحي هختارك عشان لما يرجع يلاقيكي. اللي بيحصل ده غلط يا سارة، أنا عارف إنك صغيرة وشوفتي في الدنيا حاجات وحشة كتير مخلياكي مشوشة ومش عارفة أنتِ عايزة إيه بالظبط. ناس كتير في حياتك كانوا قريبين منك غدروا بيكي عشان كده إنتِ مستنية الغدر من أي حد ومش قادرة تحسي بالأمان.
صمت لثواني ليري تأثير حديثه عليها. وجدها تحدق به بضياع تنتظر منه أي كلمة يصف بها ما هي عليه. فأكمل بقوة:
_ كل ده أنا ممكن أتقبله، بس ده ما يمنعش إنك ذكية وواعية. كنتي عارفة بتعملي إيه كويس لما قربتي من محمود. قربتي من راجل متجوز وقبلتي تتجوزيه في السر رغم وجود مراته وابنه وشكله الاجتماعي قدام الناس. محمود لو كان أعلن جوازه منك قدام الناس في سنك ده تبقى فضيحة. كنتي هتسمعي كل نفسك فيه من السوشيال ميديا. طلقك عشان ترتاحي وتحسي إنك حرة وتقدري تختاري صح. دلوقتي هو نايم لا حول له ولا قوة والقرار في إيدك إنتِ. يا يصحى من النوم يلاقيكي قدامه يا تمشي قبل ما يصحى. حالة محمود مش ناقصة أي كلمة زيادة منك.
أنهى حديثه وتركها معه بمفردها. تركها تنظر إليه بضياع، تتمنى لو تقدر على أخذ أي قرار يريح قلبها. نعم هو محق، هي من دلفت بقدميها للنار وبكل صراحة تعترف أنها من اختارتها واقتربت منها. الآن فقط تشعر بعدم قدرتها على الخروج من بين أسوار قلب محمود علام.
أبتلعت ريقها ورفعت وجهها تتأمل ملامحه الشاحبة ويسير أمام عينيها شريط يذكرها بكل لحظة مرة بينهما لتقول بتعب:
_ طيب أعمل إيه دلوقتي؟ ما أنت اللي طلقتني تاني؟ أرجع لك تاني في السر وأحس قد إيه في كل لحظة بتمر بينا إني رخيصة ولا أبعد عنك؟ بس أنا مش قادرة أبعد عنك، لما وقعت في إيدي حسيت إني يتيمة يا محمود. فتح عينك وقرر وأنا هقبل بأي حاجة أنت تختارها. أنت مش هتظلمني صح؟ هتختار لي الصح؟ قول صح، مش أنت بتحبني يا محمود واللي بيحب حد مش بياذيه. خلاص أنا مش هعمل حاجة من هنا ورايح وهعمل كل اللي انت تقول عليه.
أومأت لنفسها بتلك الكلمات ثم رفعت جسدها لتضع رأسها على صدره وتهرب معه بالنوم مثلما هو قرر الهروب ستفعل مثله، لعلها ترتاح.
بصباح يوم جديد.
_ إيه الجنان اللي بيحصل ده يا سارة؟ من إمتى واحدة بتبات مع طليقها؟
قالتها ألفت بغضب عبر الهاتف. فنظرت سارة لمحمود النائم وخرجت من الغرفة حتى لا تزعجه ثم قالت:
_ ممكن تهدي شوية يا تيتا، محمود كان تعبان وأنا بنت عمه معقولة هسيبه بالشكل ده وأمشي؟ دي حتى مش أصول.
_ وهو من الأصول إنك تباتي بره بيتك حتى من غير ما تستأذني؟ وبعدين لما هو تعبان ما جبتيهوش هنا ليه؟ ما هو حفيدي وأنا أولى بيه.
عضت على شفتيها بخجل وقالت:
_ حضرتك فاهمة غلط يا تيتا، إحنا في المستشفى مش في البيت.
انتفضت ألفت من محلها برعب على حفيدها الغالي وقالت:
_ مستشفى؟ مستشفى إيه؟ اديني العنوان بسرعة.
أعطتها العنوان واغلقت الهاتف. دلفت للغرفة وقالت بغيظ:
_ ما تصحى بقى أنت كمان، وإلا لازم توجع قلبي وأنت صاحي وأنت نايم.
_ محدش في الدنيا دي كلها قدر يوجع قلبي غيرك.
قالها بنبرة ثقيلة وهو ما زال يغلق عينه. اقتربت منه بلهفة وجلست على الفراش أمامه مردفة:
_ محمود فتح عينك وريح قلبي بقى.
نفذ طلبها بصدر رحب وفتح عينيه. ما هذا الجمال يا الله؟ تشعر وكأنها ملكت العالم مع رؤيتها لضوء عينيه الرجولية. لذة غريبة دلفت لقلبه وهو يرى لهفتها عليه. متعة ما بعدها متعة وهي تضم يده بين يديها بكامل إرادتها. همس بتعب:
_ بتعملي إيه هنا؟
_ والمفروض أكون فين؟
تنهد بتعب وقال:
_ تبقي مكان ما انتِ عايزة بعيد عني، بعيد عن الشرير اللي بتكرهيه وبسببه بقيتي بتكرهي نفسك.
خرجت من بين شفتيها شهقة باكية ورفضت بحركة سريعة من رأسها مردفة:
_ لأ يا محمود، أنا كدابة.
رفع حاجبه بسخرية وقال:
_ والله.
أومات عدة مرات ببراءة طفلة صغيرة وقالت:
_ امممم، كدابة وقليلة الذوق ومش بفهم ومعنديش عقل.
بذهول سألها:
_ كل ده؟
_ مين عاقلة يحبها واحدة زيك وتقوله بكرهك؟ يا أما عبيطة أو مش وش نعمة. تفتكر أنا مين فيهم يا حودة؟
إين حودة؟ فقط يحدق بها وكأنها حلم بعيد المنال. شعر للحظة أنه ما زال نائم وما يسمعه عبارة عن حلم جميل يهرب به من واقعه معها.
ضحك بسخرية وقال:
_ الاتنين يا سارة؟ لما شوفتيني واقع في الأرض حسيتي بالشفقة عليا فقولتي تعملي الفيلم الهندي الجديد ده.
نفت بحركة سريعة وقالت:
_ تؤ، الموضوع بالنسبة ليا مش شفقة. لو جيت للحقيقة المفروض كنت أشمت فيك بعد كل اللي حصل بينا، بس حصل العكس. حسيت إني يتيمة يا محمود، وأنا بكره الإحساس ده أوي.
دائماً كانت تسأله سؤال واضح وصريح، ماذا يريد منها؟ ورغم بساطة السؤال إلا أنه كان عاجز عن الإجابة. وها هو يسألها نفس السؤال ويتمنى سماع إجابة تريحه:
_ انتِ عايزة مني إيه بالظبط يا سارة؟
_ عايزة أحبك يا محمود. تعرف تخليني أحبك وأحس إن بكرة كله بتاعنا من غير ما أخاف؟ حسسني إني مهمة عندك واني مش على الهامش. خليني واثقة في نفسي وواثقة إن لو جه يوم واتحطيت في اختيار هكون أول اختياراتك مش بره حياتك. عايزة أحبك وبس.
هو الآخر يريد هذا الحب، يريد تلك الحياة الناعمة بين يديها. أعتدل بجلسته وقام بجذبها ليبقي بينه وبينها أنفاسهم فقط. أغلقت عينيها تستمتع برائحته، تستمتع بقربه ودفيء أنفاسه. دقيقة كاملة مرت به وهو يشعر بالنعيم وبعدها قال بقوة:
_ مش هردك ليا تاني يا سارة.
صدمت من رده عليها وأبتعدت عنه قائلة بحزن:
_ يعني إيه؟ يعني كده خلاص؟
قربها منه من جديد ومرر ظهر أصابعه على بشرتها الناعمة هامساً بنبرة خشنة:
_ لأ مش خلاص. أنتِ عايزة تحبيني؟ يبقي لازم أخليكي تحبيني قبل ما أرجعك. دي فرصتنا الأخيرة.
ابتسمت إليه بنعومة وقالت:
_ امممم، ويا ترى بقى محمود باشا علام هيعمل إيه عشان أحبه؟
أخذ خصلة من شعرها وقربها من أنفه ثم سحب نفس عميق منها وقال:
_ كل اللي بعمله مش بيعجب سارة هانم. ممكن مثلاً تتعطفي عليا وتقوليلي إيه اللي بيعجبك وأنا أعمله لك.
حدقت به بذهول. هل بالفعل يسألها؟ جزت على أسنانها بغيظ ثم سحبت خصلتها من بين أصابعه مردفة بغضب:
_ أنت بتهزر يا محمود؟ عايزني أقول لك تعمل إيه عشان تخليني أحبك؟ لا والله، أمال محمود باشا راح محمود باشا جه وعامل فيها الواد اللي ما فيش منه اتنين، وفي الآخر ما عندكش بـ 2 جنيه رومانسية.
ضحك من أعماقه قلبه. طوال حياته يعلم أن الله يخلق أشخاص ليكونوا مصدر للجراح وأشخاص أخرى عليهم الدواء، ولكنه لاول مرة يرى شخصية واحدة قادرة على فعل الأثنين. نسي ما عاشه معها أمس، أو ليكون صادق قرر النسيان والاستمتاع بحلاوة قربها. حرك عينيه بالمكان مفكراً ثم قال بجدية:
_ والله أنا عندي أفكار كتير جداً رومانسية بالنسبة ليا، لكن ما أعرفش بالنسبة لك هتبقى عاملة إزاي. تسيبيني أتصرف بدماغي ولا عندك حاجة معينة في دماغك؟
أومات إليه بحماس شديد قائلة:
_ اتصرف بدماغك وأنا عليا أتفرج وبس.
أومأ إليها ثم قام من فوق الفراش ودار حول الفراش حتى وصل محل جلوسها وجذبها لتقف أمامه مردفاً:
_ عايز أخطفك، ينفع؟
نفت بحركة من رأسها وقالت بقوة:
_ لأ، عمرك شفت حد بيخطف بنت عمه؟ ماينفعش طبعاً.
_ ينفع بس أنتِ اللي وش فقر يا بت، وافقي ومش هتندمي.
حركت كتفها بدلال أذاب قلبه. أذاب قلبه. همست بنعومة:
_ اتجوزي الأول وأنا هبقى من إيدك دي لإيدك دي، لكن من غير جواز مستحيل. بنات الناس مش لعبة يا باشا.
غمز إليها بوقاحة وبلحظة جنونية كان سيأخذ منها قبلة حتى لو رغماً عنها. كفى عليه هذا القدر من العذاب من حقه قبلة صغيرة تصبره على ما مضى وعلى ما هو آت. سقطت أحلام أرضاً مع دخول ألفت.
أتت إليه تسابق الرياح، محمود حفيدها الأول. منذ أول لحظة له بالدنيا كان مصدر سعادتها ومع كل يوم يكبر به كان أمانها، ظهرها الذي لم ينحني أبداً. رأته أمامها يقف مبتسم لتقدر على التنفس أخيراً. سقطت دموعها والقت بنفسها داخل أحضانه مردفة:
_ بتعمل إيه هنا يا محمود؟ المكان ده مش ليك يا سندي، بتوجع قلبي عليك ليه وأنت عارف إني ماليش غيرك؟
أغلق ذراعيه حولها لتزيد من ضمه وبكائها فوضع عدة قبلات معتذرة على رأسها مردفاً بحنان:
_ اهدي يا ست الكل واعرفي إن ما فيش حاجة في الدنيا دي كلها تستحق دموعك.
_ أنت تستحقها يا محمود وتستحق كل حاجة حلوة في الدنيا. أنا كنت قاسية عليك الأيام اللي فاتت، حقك عليا بس ده من زعلي منك وخوفي على سارة. كنت شايفاك دايماً ما بتغلطش، فلما غلطت غلطت غلطة كبيرة أوي، بس خلاص كل حاجة تتصلح وأنا مسامحاك.
مرر يده على ظهرها بحنان وقال:
_ أنا مش زعلان منك يا تيتا، بالعكس فرحت إنك وقفتي جنب سارة. هي ما لهاش حد إلا إحنا وخصوصًا أنتِ. وبعدين أنا زي الفل، مش عايزك تقلقي.
ابتعدت عنه قليلاً وقالت بحزن:
_ ولما انت زي الفل بتعمل إيه هنا؟
هنا انتبهت لما رأته بأول دخولها الغرفة. تقريباً كانت سارة بين أحضان. لفت وجهها سريعاً وقالت بغضب لسارة:
_ هي العيانين اللي من دول بيقعدوا يفعصوا في بعض يا بنت؟
حركت سارة رأسها بخوف مردفة:
_ لأ والله يا تيتا مش أنا ده هو، حضرتك عارفاني مش بقدر أقوله لأ، دايماً بيفرض سيطرته عليا وبيعمل كل حاجة عايزها غصب عني.
اتسعت عينه بذهول وقال:
_ أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ لسه فيكي حيل تكذبي؟
أبتلعت ريقها بتوتر من نظراته ثم قالت برجاء واضح بنبرة صوتها:
_ يا أخي حرام عليك وكفاية ظلم فيا بقى، لحد إمتى تعمل العملة وتقول إن أنا اللي غرغرت بيك؟ خد بالك إحنا في أيام مفترجة وأنا ممكن أدعي عليك عادي.
بسخرية قال:
_ هيحصل فيا إيه أكتر من اللي بيحصل ليا بسببك. بس أقول لك على حاجة، أنا مستعد أصلح غلطتي.
نظرت إليه ألفت وقالت بغيظ:
_ كفاية هزار أنت وهي لحد كده. إحنا ما كنا قفلنا الموضوع ده يا محمود؟ بتقرب منها تاني ليه؟ سارة صغيرة ومش عارفة مشاعرها واللي انت بتعمله ده بيضغط عليها.
بدأ يفقد أعصابه وقال بغضب:
_ هو إيه؟ كل ما أكلم بني آدم يقولي سارة صغيرة. حد قال لكم إن هي بترضع؟ دي عدت سن الرشد يعني عارفة هي بتعمل إيه كويس. ده أنا اللي مش فاهم حاجة جنبها، دي حرباية.
شهقت بقوة، لا فائدة بالفعل، لا فائدة بمحمود علام. صرخت به بغضب:
_ بتقول إيه؟ أنت بتقول إيه؟
_ أقول اللي أقوله بقى. أنا جبت آخري. بقول لك إيه يا بنت؟ أنتِ اللي هيفكر يقرب منك ولا هياخدك مني هطلع بروحه مين ما كان هو مين. أظن الكلام وصل لك يا ألفت.
أشارت ألفت لنفسها بذهول مردفة:
_ أنت بتهددني يا محمود؟
_ آه وبهدد أي بني آدم يفكر يعدي من جنبها. هو إيه؟ كلكم باصين ليا فيها ليه؟
بالمساء بفيلا سارة.
جلست بجوار جدتها قائلة ببراءة:
_ ما خلاص بقى يا تيتا، أنا مش بحبك تكوني زعلانة مني، وحضرتك شوفتي بنفسك قد إيه هو كان تعبان.
نظرت إليها ألفت بغضب ثم قالت بسخرية:
_ لأ يا شيخة، بيتحرش بيكي وتقوليلي كان تعبان؟ أمال وهو بصحته بيعمل إيه وأنا مش موجودة؟
_ مش بيعمل حاجة صدقيني يا تيتا، بس بقى يعني أنتِ هتزعلي مني والدنيا كلها تزعل مني، هو ما فيش حد بيحبني خالص.
تنهدت ألفت بتعب ثم جذبت كف سارة وقالت بخوف:
_ أنا فاهمة كويس اللي بيحصل يا سارة وعارفة إنك عايزة ترجعي لمحمود، بس ده أنا مش هسمح إن هو يحصل. لا أنتِ ولا محمود تنفعوا تعيشوا مع بعض. يا بنتي فرق السن بينكم كبير، ده غير معتز شايفك بطريقة مش صح. لو فضلتِ موجودة مع محمود علاقته بمعتز هتدمر وأنتِ كمان مع الوقت هتبقي مش مبسوطة وعايزة حد من سنك. الأحسن لك تبعدي من دلوقتي بدل ما محمود يتعلق بيكي أكتر من كده ويتعب. أنتِ هتقدري تبدأي من جديد لكن هو مش هيقدر.
محقة ألفت بحديثها. بينها وبين محمود ألف سور واليوم لم تفعل حساب لهم. كل ما كان يهمها قربه دون التفكير في العواقب. تنهدت بضيق وقالت:
_ كل الحاجات دي مع الوقت ممكن تتحل. معتز هيعرف إن هو مش بيحبني ولا حاجة وأنا هفضل عايشة بعيد عنه. صدقيني اللي حسيته النهارده وهو تعبان أكد لي إني مستحيل أبقى عايزة أبعد عنه في يوم. أنا مش صغيرة يا تيتا لدرجة إني ما بقاش عارفة مشاعري.
صمتت ألفت ودق باب المنزل، فقامت سارة لفتح الباب. اتسعت عينيها وهي تراه يقف أمامها بكامل وسامته ومعه باقة من الورود الحمراء. لفت وجهها لتجد ألفت تحدق بها، فنظرت إليه مردفة بخوف:
_ محمود، أنت إيه اللي جابك هنا وأنت لسه تعبان؟
_ جاي أطلب إيدك.
_ هااا.
_ ها إيه يا حياتي؟ بقولك جاي أطلب إيدك. وسعي يلا عشان أدخل.
سعيدة، لا تنكر وهذا ظاهر على معالم وجهها بوضوح، ولكنها خائفة وهذا أيضاً ظاهر على وجهها. عضت على شفتيها بتوتر وقالت:
_ تيتا قالت لك في المستشفى تبعد عني وكمان دلوقتي قالت لي كده. امشي دلوقتي أحسن ما يحصل مشاكل وأنت تعبان.
كل ما قالته لا يهمه بشيء. قلبه وعقله لم يصل إليهما إلا جملة واحدة "أنت تعبان". تقلق عليه؟ آه والله تقلق عليه. رسمت على شفتيه ابتسامة واسعة وقال:
_ خايفة عليا أتعب؟
نظرت للأرض بخجل فرفع وجهها بوضع أحد أصابعه على ذقنها وقال:
_ خايفة عليا يا سارة؟
_ هتصدقني لو قولتلك ماليش في الدنيا غيرك أخاف عليه؟
نعم، سيصدقها بكل صدر رحب. أومأ إليها وقال:
_ هصدقك.
ابتسمت بدلال وقالت:
_ يبقي بلاش توجع قلبي عليك تاني.
_ سلامة قلبك يا روح قلبي.
انتفض جسدها على صوت ألفت:
_ مين اللي على الباب يا سارة؟
أبتلعت ريقها بتوتر فالقي لها قبلة بالهواء وقال:
_ اطلعي البسي فستان يليق بمناسبة زي دي وتعالي.
_ بس تيتا.
_ ما تخافيش أنا موجود.
شعرت بالأمان وذهبت فدلف خلفها وقال بهدوء:
_ هو إيه اللي مين على الباب يا ألفت؟ حد يعرف مكانكم ولا هيعبركم غيري؟
_ وأنت بقي جاي تعمل إيه؟ لحقنا نوحشك في الكام ساعة دول.
نفي بحركة سريعة من رأسه وقال بكل احترام وهو يجلس على أحد المقاعد ووضع باقة الورد على الطاولة أمامه:
_ جاي أطلب حفيدة حضرتك مدام سارة، وإلا أقولك خليها آنسة. إلا موضوع مدام ده بيزعلها وأنا ما يهونش عليا زعلها.
دلف معتز لغرفة والدته قائلاً بحزن:
_ لسه برضه حزينة يا ماما؟ صدقيني هو ما يستحقش الحزن ده. لو كان بيحبك ما كانش ضحى بيكي بالسهولة دي عشان حتة عيلة صغيرة. ده حتى ما طلعش بيحب ابنه وفضلها علينا كلنا.
ابتسمت عايدة بسعادة وقالت:
_ ما تقولش كده على بابا يا معتز. محمود البنت دي كانت مسيطرة عليه، مظلوم يا حبيبي سنين بعيد عن الستات وبنت حلوة لحمها رخيص عرضت نفسها عليه ففرح له يومين، لكن دلوقتي طلقها ورجع لمراته وقريب قوي هيرجع البيت. بس أنا عايزك تفضل زعلان منه يا معتز عشان يعمل حساب لزعلك بعد كده ويعرف من اللي عمله حاجة كبيرة مش قليلة يتسامح عليها، فاهم يا حبيبي.
جلس معتز بجوارها وقال بلهفة:
_ هو بابا رجعك يا ماما؟
أومات إليه بإبتسامة سعيدة وقالت:
_ اتصل بيا من شوية وقالي إنه رجعني وكان غلطان لما طلقني، بس مش هيقدر يرجع البيت اليومين دول، مش قادر يبص في وشك يا معتز.
نظر معتز أمامه بحزن شديد وقال:
_ أنا بحبه أوي يا ماما، كان طول عمره بالنسبة ليا كل حاجة، بس كسرني. حسسني إني ولا حاجة بالنسبة له. مشكلتي الأكبر إن جوايا مشاعر ليها مش فاهمها. عايز أدمر حياتها زي ما هي دمرت حياتي وأخدت أبويا وقلبي مني.
حركت كفها على ظهره وهي تعلم ما يشعر به. كلما تحدث معها يحرقها ضميرها، لكنها لا تفعل شيء من أجلها فقط، وهو الآخر سيربح. قالت بقوة:
_ أكتر حاجة هدمرها إن محمود يرميها بره حياته. كلبة بتدور على الفلوس ولما الفلوس تروح منها هتموت مقهورة زي ما قهرتني وقهرتك ولعبت بيك.
والدته محقة، هي تستحق كل شيء بشع بالحياة. كيف كان يراها بريئة؟ لا يعلم، ربما كانت مرايا الحب عمياء مثلما يقول الجميع. تنهد بتعب وقال:
_ بابا وحشني.
_ أوعى تروح له يا معتز. لو صالحك هيرجع لها ووقتها والله هموت فيها.
_ خلاص يا ماما مش رايح. أهدي.
بفيلا سارة.
نزلت تركض على الدرج وهي تسمع ارتفاع صوته وصوت ألفت. أقتربت لتقف بالمنتصف مردفة بخوف:
_ هو في إيه بس يا جماعة؟ اهدوا مش كده؟
جذبها لتقف خلفه وقال ألفت بعينين يتطاير منهما الغضب:
_ الحاجة بتقول معندهاش بنات للجواز، فاكرة إني جايه آخد رأيها؟ أنا اللي جاي هنا بس عشان أفرحك وأعيشك حلاوة البدايات، غير كده ما حدش له حاجة عندي.
ردت عليه ألفت بنفس الغضب:
_ وأنا هرجع تاني وأقول لك يا محمود، ما عنديش بنات للجواز. بنت ابني مش لعبة عشان تلعب بيها كل شوية. روح شوف لك واحدة من سنك تنفعك.
رفع حاجبه بسخرية وسحب سارة ليضعها تحت ذراعه وقال بجبروت:
_ بنت ابنك مفيش راجل قرب ولا هيقرب منها غيري. بتاعتي، مكتوب على كل حتة فيها محمود علام. فأهدي على نفسك كده وعدي يومك يا ألفت، وخليني أفرح كلنا مع بعض بدل ما آخدها وأفرح لوحدي.
جذبت سارة منه بقوة وقالت بنفس الجبروت:
_ الكلام ده تهدد بيه الهبلة اللي واقفة جنبي دي، لكن أنا ألفت علام يا محمود، ولا عشرة زيك يقدروا يعملوا حاجة غصب عني.
جن جنونه وبلحظة كان يخطفها من بين يد جدته ويحملها على ظهره قائلاً بوقاحة قبل أن يغادر بها من المكان:
_ ماشي، يبقى أنتِ اللي اخترتي. واعملي حسابك مش هنرجع غير وهي في بطنها عيل يقولي يابا الحاج.
رواية عطر سارة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شيماء سعيد
فتح محمود باب شقة راقية وأخيراً قرر إنزال سارة من فوق كتفه.
حركت ظهرها وعنقها بتعب ودارت عينيها بالمكان.
شقة واسعة بأثاث عصري عكس القصر وأثاثه الكلاسيكي.
عادت لتنظر لمحمود وقالت بشكل:
_ الشقة دي كان استخدامها إيه ؟!..
للحظة لم يفهمها قبل أن ينفجر بالضحك مردفاً:
_ ماليش في الحرام يا سارة، عمري ما لمست في حياتي غير اتنين ستات والاتنين بالحلال.. هل غارت عليه الآن ؟!.
نعم وبكل أسف غارت وبشدة مع تخيل عقلها الأحمق لامرأة أخرى بين يديه.
هربت بعينيها منه وذهبت لتكمل رحلتها بالتعرف على الشقة.
شعر بها فسحبها من خصرها لتصبح بين يديه ثم قال بحنان وهو يرفع وجهها بأحد أصابعه:
_ العيون الحلوة دي مليانة دموع ليه ؟!..
طفلة صغيرة بريئة رغم كل مصائبها.
نظرت إليه بقهر وقالت:
_ جوايا إحساس وحش أوي يا محمود احساس مخليني عايزة أولع الدنيا كلها بس مش قادرة أعمل حاجة غير إني أعيط..
مسح على بشرتها ثم وضع قبلتين على كل عين قبلة قائلاً:
_ قولي الإحساس وأنا أشيله عندك..
بأنفاس متقطعة أشارت لقلبها بعجز وقالت:
_ اتوجعت لما اتخيلت إنك كنت مع غيري زي ما بتبقى معايا، الخيال لوحده بيوجع مع إني متأكدة إن الحقيقة أبشع بكتير، عارفة إني ما ليش حق أزعل أنا أساساً دخلت حياتكم غصب عنكم وخدت حتة فيها ما كانتش من حقي بس مقهورة والله العظيم، أنت كنت بتحبها يا محمود لمستها بحب مش شهوة زيي..
انفجرت باكية وكأنها الآن فقط علمت بزواجه من عايدة.
جذبها لصدره وهو مصدوم فقط مصدوم.
أخيراً رأى نظرة الغيرة بعينيها عليه، رأى نيران قلبها المشتعلة من أجله.
وضع على خصلاتها بحر من القبلات وذراعيه تضغط على جسدها الناعم يشبع روحه من متعة تلك اللحظة.
ارتفعت شهقاتها أكثر ليقول:
_ أهدى يا مجنونة دموعك أغلى عندي من روحي..
مرت دقيقة ورآها الأخرى حتى قدرت على السيطرة على دموعها.
أبعدها عنه قليلاً وضم وجهها بين كفيه مردفاً:
_ سبتك تخرجي كل اللي في قلبك وخلصت أرتاحتي لو سمعتك بتقولي الجنان ده تاني هزعل منك يا سارة، حطي في دماغك حاجة مهمة إنك حتة مني بنتي الصغيرة ولعبتي الناعمة اللي مهووس بيها، وبعدين إزاي تشوفيني وحش أوي كده زعلت منك بجد..
ببراءة رمشت بعينيها عدة مرات ثم رفعت يديها لتزيل باقي دموعها المتعلقة على وجهها وقالت بحزن:
_ زعلان مني ليه؟!..
_ لما أبقى راجل لفت عليا كل أنواع الستات وفضلت أرفض 15 سنة لحد ما جات جنية صغنونة قربت مني بكل شقاوة وفتحت ليا باب أشوف بيه حلاوة الدنيا، لقيت نفسي زي العيل الصغير بعمل أي حاجة وكل حاجة عشان لعبتي الحلوة تبقى في حضني تفتكري بقى يا ست هانم ده ممكن يبقى شهوة..
مثل المغيبة حركت رأسها بنفي ليبتسم إليها مردفاً:
_ أمال يبقى إيه يا بسبوسة..؟..
للمرة الثانية تحرك رأسها بقلة حيلة لا تعلم إجابة.
لا تعلم الإجابة ولكنها تريد أن تسمعها بنبرته الرجولية وهو كان أكثر من مرحب عندما قال:
_ يبقى عشق وهوس يا بسبوسة..
ابتسمت إليه برضا تام على حديث الذي أعطى إليها شعور رائع بالكمال.
قربت وجهها بدعوة صريحة منها حتى يقترب وابن علام كان على أحر من الجمر حتى يلبي تلك الدعوة المحببة لقلبه.
مال عليها وجسده متحمس جداً لهذا القرب..
لحظة، لحظة إنها طليقته.
أبتعدت عنه بغضب صارخة:
_ أياك تقرب يا قليل الأدب يا سافل..
أتسعت عينيه بصدمة وأشار على نفسه قائلاً:
_ أنا قليل الأدب وسافل؟!.. ما تلمي نفسك يا بت ولا هي الحالة حضرت ولا إيه؟!.
_ حالة إيه ما تلم نفسك أنت هو أنا مجنونة...
مسح على خصلاته بعصبية قبل أن يقول:
_ أنتِ مش كنتي دايبة فيا من دقيقتين فجأة بقيتي قليل الأدب وسافل، عايزة مني إيه يا سارة عايزاني أمشي في الشارع مجنون بسببك عشان ترتاحي؟!.
حركت رأسها ببراءة ونظرت للأرض بحزن قائلة:
_ مهو أنا مش مراتك عشان تبوسني يا أبيه عيب..
هنا عاد لأرض الواقع بجملة بسيطة "أنا مش مراتك".
عض على شفتيه من الغيظ بحياته لم يكن أحمق ومتسرع إلا معها.
فرصتهما الأخيرة معاً متعلقة بين شفتيه ومع ذلك قال:
_ عايزاني أرجعك يا سارة؟!..
بكل جبروت قالت:
_ لأ..
_ نعم ؟!..
_ هو إيه اللي نعم بقولك لأ، مش البية كل ما الدنيا تضيق بيه يقولي أنتِ طالق يا سارة، مش هرجع بقى إلا بمزاجي تصبح على خير يا أبيه هدخل أنام..
تركته ودلفت لأكبر غرفة بداخل الشقة ثم أغلقت عليها الباب بالمفتاح.
فاق وذهب خلفها بلهفة طفل صغير ثم دق يده على الباب بضياع مردفاً:
_ أفتحي الباب يا سارة عيب كده..
لم يجد منها رد ليقول بحنق:
_ منك لله يا شيحة روحي ربنا يعمل فيكي اللي بتعمليه فيا...
خلف باب الغرفة كانت تقف الجميلة وهي تكتم ضحكتها السعيدة.
ثواني وقالت ببعض الحدة:
_ روح نام بدل ما أدعي عليك ربنا يعمل فيك أنت كل اللي عملته فيا ووقتها هتمشي في الشارع عبيط...
أبتعد عن باب الغرفة وقال بتعجب وبراءة جديدة عليه:
_ أمشي في الشارع عبيط ليه هو أنا كنت عملت فيها إيه الظالمة دي؟!..
بصباح اليوم التالي..
فتح محمود عينيه بكسل على رنين هاتفه المزعج.
فرك عينه بظهر يده وألقى نظرة سعيدة على سارة النائمة على الفراش المقابل للأريكة النائم عليها.
زفر بضيق مع رؤيته لرقم الفت على الشاشة.
أخذ الهاتف وقام بفتح الخط مردفاً:
_ هو في إيه نازلة زن زن مش عارف أنام..
_ البنت فين يا محمود هاتي تعالي بدل ما أرفع عليك قضية خطف..
رفع حاجبه بسخرية وقال:
_ خطف مرة واحدة وده إزاي؟!.. دي مراتي يا ألفت اصحي من النوم كده وركزي معايا..
جزت على أسنانها من شدة الغضب وقالت:
_ طليقتك مش مراتك شكل أنت اللي محتاج تفوق..
مسح على خصلاته بكسل وقال وهو يقوم من فوق الأريكة متجه للفراش النائم عليه جميلته:
_ أثبتي..
_ أنت بتقول إيه يا إبن طاهر؟!..
_ بقولك أثبتي إني مطلقها لو معاكي قسيمة قدميها للبوليس في قضية الخطف..
_ أنت بتلعب بالبنت يا محمود عشان مالهاش ضهر ولا حد يقف قدامك؟!..
وضع قبلة حنونة على خصلاتها المهلكة لقلبه.
ابتسم على رمشة عينيها حبيبته مستيقظة فيكفي على الفت إلى هنا.
قال بقوة:
_ أنا ضهرها وأبوها وأمها كمان لو حبت أطلعي منها أنتِ وكفاية عليكي كده بقى عشان طبق البسبوسة بتاعي فتح عينه..
أغلق الهاتف بوجه جدته بوقاحة جديدة عليه.
يبدو أنه عاد معها لسن المراهقة الذي لم يعش به.
فتحت عينيها سريعاً على أثر لمسة أصابعه على طول ذراعها الأبيض الظاهر أمامه بوضوح رفع حرارته للمليون.
اعتدلت على الفراش بسرعة ثم قالت بحدة:
_ أنت دخلت هنا إزاي أنا مش قافلة الباب بالمفتاح؟!..
_ مهو ده مفتاح أوضة نومي أكيد معايا نسخة تانية، بصي يا قلبي لما تحبي تقفلي الباب بالمفتاح وتضمني إني مدخلش خلي المفتاح في الباب زي ما هو..
حركت رأسها بضجر وقالت:
_ اللي أنت بتعمله ده غلط خد بالك وحرام وهيخليني أزعل منك يا محمود أنت ترضى أزعلك منك؟!..
قالتها بدلال شديد جعله مثل المغيب.
نفى بحركة سريعة من رأسه وقال:
_ أنا معملتش حاجة فتحت الباب ونمت على الكنبة بكل أدب..
رفعت حاجبها بسخرية من برائته الكارثة التي يحاول رسمها من أمس وقالت:
_ يا سلام والشقة دي كلها مفيش فيها أوضة تنام فيها إلا دي..
_ لأ طبعاً يا حياتي فيها كتير بس أقولك على سر محدش يعرفه غيرك..
قادها الفضول فأومأت إليه فقال:
_ أحلفي الأول السر يفضل بينا..
_ والله هيفضل بينا قول بقى يا محمود..
_ من وأنا صغير بخاف أنام لوحدي..
أتسعت عينيها بذهول.
هل محمود علام الذي يخشى منه الجميع يخاف النوم بمفرده؟!..
شعرت بالشفقة الشديدة عليه وكانت على وشك البكاء ولكن، لحظة واحدة كيف ذلك وهو نام بمفرده مئات المرات؟!..
رفعت وجهها إليه تدقق بتعبيرات وجهه لتجده يتقن الكذب فقالت بشكل:
_ محمود أنت كداب صح؟!..
_ طبعاً صح يا عبيطة اتنيلي قومي عايزين نبدأ اليوم من أوله..
_ ليه هنعمل إيه؟!..
قرص أنفها بحنان وقال:
_ سيبي نفسك ليا وهتعيشي في الجنة..
ذهب من أمامها فأبتلعت ريقها بتوتر مردفة:
_ هو أنا روحت في داهية إلا لما سبت نفسي ليك، ربنا يستر..
_ سامعك يا حرباية أخلصي ألبسي من الكيس اللي جانب السرير...
دلف للشركة والحماس ظاهر على معالم وجهه وحركته السريعة.
يود لو يطير حتى يصل إليها سريعاً.
أخيراً رآها تجلس على مكتبها وأمامها بعض الملفات تضع كل تركيزها عليهم فاقترب منها وسحبها لداخل مكتبه مغلقاً الباب عليهما بالمفتاح هامساً بشوق:
_ وحشتني في الكام ساعة اللي بعدتي عني عنهم دولي أنا كمان وحشتك صح؟!..
دفعته بقوة ليعود للخلف ورفعت أصبعها بتحذير قائلة:
_ علشان نبقى حلوين مع بعض من هنا لحد ما نتجوز ممنوع اللمس وممنوع الكلام الخارج اتفقنا يا علي بيه؟!..
خائف منها؟!.. نعم خائف فهي يدها تسبق عقلها بكل شيء.
جز على أسنانه من الغيظ وقال:
_ بقى بذمتك مش عيب لما يبقى واحد في طولي وعضلاتي واقف قدامك خايف؟!..
حركت كتفها وقالت بابتسامة جميلة على شفتيها:
_ هو عيب بس الخوف حلو بيخلي الواحد يفكر قبل ما يغلط ألف مرة، ها أقولك جدولك النهاردة إيه؟!..
ظالمة تلك الفتاة ظالمة وهو قلبه العاشق يرفض رد الظلم بالظلم.
زفر بضيق وقال:
_ طيب مفيش أي حاجة حلوة تحت الحساب لحد ما نتجوز أنا مش هقدر أتحمل الشهور دي كلها صدقيني..
أخذت نفس عميق قبل أن تجلس على أحد المقاعد مردفة بهدوء:
_ أنا عارفة كويس أوي إنك مش هتقدر تعيش من غير ست خصوصاً إنك كنت على طول كده بس ده حرام يا علي، الدنيا دي قصيرة ومتعتها مهما طالت هتخلص يبقى الأحسن لينا نفكر في الحياة اللي دايماً لينا بخيرها أو شرها..
طفل صغير يتعلم أول قواعد حياته ودينه على يد والدته.
جلس على المقعد المقابل لها وقال باهتمام:
_ وإيه هي الحياة الدايماً لينا؟!..
ابتسمت وشعرت بالراحة يبدو أن علي بداخله جزء صغير من النور ستذهب خلفه حتى تصل به لبر الأمان.
أكملت حديثها ببساطة:
_ الآخرة يا علي مهما هربنا في الدنيا هنموت وهنقف قدام ربنا، كل حاجة بتعملها في السر عشان شكلك الاجتماعي قدام الناس قدام عينه، يعني خايف من كلام الناس ومن شكلك قدامهم ومش خايف من رب الناس؟!..
أجابها بنبرة منفعلة:
_ لأ طبعاً..
_ يبقى المفروض تعمل كل حاجة كويسة قدامه يا علي عشان ربنا الأهم مش احنا..
محقة، كل ما يفعله في الخفاء يراه الله.
محمود قاله له هذا أكثر من مرة ولكن هذه مرته الأولى التي يشعر بما فعله طوال حياته.
حدق بها بعجز مردفاً:
_ بس أنا مش بقدر أبعد عن الستات يا أروى وكمان مش بقدر أقعد مع ست كتير بزهق بسرعة وبحس بالملل، خدي بالك أنا بتجوز إنتِ الوحيدة اللي حتى مبادئي البسيطة عشان أوصل لها رميتها في الأرض كان كل تفكير إزاي بس أقرب منك سامحيني يا أروى..
_ مهو اللي أنت بتقوله ده مصيبة..
_ ليه بس؟!..
مسحت على وجهها بعصبية وقامت من فوق المقعد مردفة:
_ يا علي أنا ست مطلقة وما ليش حد في الدنيا غير أخويا اللي مش عارفة أصالحه إزاي، أنت بالنسبة ليا هتبقى زي طوق النجاة اللي همسك فيه عشان أطلع لبر الأمان، تقوم تقولي بزهق بسرعة معنى كده يا إما هتطلقني يا إما هتخوني وفي الحالتين أنا مش هقبل أكمل، يبقى الأحسن لنا من دلوقتي إن احنا نبعد عن بعض...
قام هو الآخر وضم كفها إليه بلهفة مردفاً:
_ لأ يا أروى مش هيحصل مش هزهق منك ولا هفكر أبعد عنك، أنا بحكي لك عن حياتي القديمة عشان تساعديني مش عشان تبعدي عني.
أخذت يدها من بين يديه وقالت:
_ صوم يا علي..
_ نعم ؟!..
_ نعم الله عليك يا أخويا، حالتك دي مش هينفع معاها إلا الصيام صوم وقرب من ربنا يا علي وهو هيديك كل حاجة أنت عايزها، أنا محتاجة في الفترة دي أحس بالأمان وأنا جنبك عشان أنت الخطوة الوحيدة اللي مش عايزة أندم عليها اتفقنا..
أومأ إليها بحماس مردفاً:
_ اتفقنا وأوعدك إنك مش هتندمي أبداً..
فتحت أحد الأوراق من جوارها وقالت:
_ طيب يلا يا شاطر اقعد بقى عشان أقول لك جدولك إيه النهاردة ونشوف شغلنا..
هو اللي أنا شايفاه ده بجد أنت جايبني الملاهي؟!..
سعادتها عنده بالدنيا وما فيها.
يشعر بالفخر كونها سعيدة مبتسمة بين أحضانه.
نظرة الإنبهار بعينيها جعلته يعلم كم هي صغيرة وبريئة.
أومأ إليها بابتسامة حنونة وقال: "طلبات حبيبتي كلها أوامر، شوفي نفسك تعملي إيه النهاردة وأنا تحت أمرك.."
ألقت نظرة سريعة على المكان حولها ثم قالت بغضب: "هو أنت ليه مصمم تخليني أزعل في كل لحظة بينا؟ ليه مصمم تثبت لي في كل لحظة بتمر إني لازم أفضل في السر مهما كانت درجة حبك لي؟!.."
تعجب من غضبها وقال: "في إيه بس؟ ما إنتِ كنتِ مبسوطة، إيه اللي حصل لك فجأة؟!.."
اختنقت الدموع بعينيها وقالت: "الملاهي اللي الناس مش بتعرف تمشي فيها من الزحمة فاضية!! وده طبعاً عشان حضرتك ما حدش يشوفك معايا وووو.."
وضع يده على كفها يمنعها من الحديث وقال بغضب: "إيه الجنان اللي إنتِ بتقوليه ده؟!.. اسكتي يا سارة، تعرفي تسكتي؟ شايفاني مركب قرنين عشان أجيب مراتي تتنطط وتتمرجح قدام اللي يسوى هو اللي ما يسواش؟!.."
كان الشك واضح بعينيها مثل الشمس عندما قالت: "أنت بتتكلم بجد ولا بتضحك عليّ؟!.."
زفر بضيق، يبدو أن الطريق بينه وبين سارة ما زال طويلاً، ثقتها به صفر وربما لا تشعر بالأمان بجواره.
جذبها ورفع هاتفه ليأخذ لهما صورة مميزة ثم نشرها في نفس اللحظة على صفحته الخاصة بالإنستغرام كاتباً أسفلها "نصفي الآخر والأجمل على الإطلاق".
ابتعد عنها مردفاً: "ممكن بقى نتنيل نستمتع باليوم ولا لسه حضرتك شايفة إني عايز أخبيكي وإنك عار عليّ لازم أهرب منه؟!.."
بدلال تمارسه عليه عندما لا تجد لنفسها مفر آخر ضمت كفها بين يده وقالت بحماس: "عايزة أركب كل المراجيح دي وتصورني فيديوهات وأنا بتمرجح، عايزة نعمل ذكريات حلوة أوي مع بعض يا محمود."
"وماله يا باشا، نعمل كل اللي نفسك فيه.."
بدأت أجمل لحظات حياتها معه، عادت طفلة صغيرة في السابعة من عمرها تركض هنا وهناك وهو يصورها مثلما طلبت، ساعة جرت الأخرى حتى قال بهدوء: "كده ستوب، وقت اللعب خلص، نتغدى ونرتاح وترجعي تعملي اللي إنتِ عايزاه.."
رمشت بعينيها عدة مرات لعلها تسيطر عليه وقالت: "لأ، الله يبارك لك، أنا مش جعانة، سيبني العب شوية كمان..."
سحبها من خلف رأسها وقال بلهجة لا تقبل النقاش: "سارة، الكلام اللي بقوله يتنفذ عشان أبقى أجيبك بعد كده، يلا قدامي.."
زمت شفتيها بضيق وسارت معه رغماً عنها، وصل بها لطاولة عليها ما لذ وطاب ثم سحب لها مقعدها وقال: "اتفضلي يا بسبوسة.."
ظلت حزينة كما هي، فقرص مقدمة أنفها وقال بحنان: "لأ، إلا التكشيرة دي، إنتِ عارفة إني ضعيف قدامها، كلي وكملي لعب، غير كده مش هرجع في كلامي يا سارة، اتفقنا..."
مطت شفتيها بحزن مردفة: "يا محمود، حرام عليك، من وأنا صغيرة نفسي أروح الملاهي، بعدين أنا أكلت في حياتي كتير قبل كده، في إيه يعني لو لعبت يوم واحد، ولما نروح نبقى ناكل براحتنا..."
أمامه الآن طفلة صغيرة لا تتعدى الخمس سنوات، لم يتوقع أن يراها بهذا الشكل أبداً، طفلة يتيمة بدل من أن يعوض حرمانها استغلها هو الآخر.
حرك رأسه بتعب مردفاً: "دي مش آخر مرة نيجي فيها هنا يا سارة، منين ما تحبي تيجي قوليلي وأنا هجيب، ممكن بقى حبيبتي الحلوة تفتح بقها عشان أكلها بنفسي..."
أقتنعت بحديثه وفتحت فمها بسعادة تستقبل دلاله لها بكل صدر رحب، لقمة وراء الأخرى حتى مسحت على شفتيها مردفة: "الحمد لله شبعت، يلا بقى نكمل لعب.."
أخذها من كفها وعاد بها مكان اللعب ليجد بيت الرعب أمامه فقال بخبث: "إيه رأيك ندخل بيت الرعب مع بعض.."
"لأ، أنا أخاف.."
"أخص عليكي يا سارة تخافي وإنتِ معايا.."
نفت بحركة بطيئة من رأسها فقال: "طيب يلا.."
دلفت وهي تقدم ساق وتأخر الأخرى، لحظات وبدأت صراخاتها ترن بالمكان، هذا ما كان يريده فتح ذراعيه لتلقي بنفسها داخل أحضانه بكامل رغبتها.
أغلق ذراعيه عليها وقال: "أهدي يا حياتي، أنا معاكي.."
ما هذه الروعة، ما هذا العناق الأكثر من رائع، نسيت كل ما يحدث حولها وتذكره هو فقط.
رفعت عينيها عليه مردفة: "هو أنا قولتلك أنك حلو قبل كده يا محمود؟!.."
نفى بحركة من رأسه وهمس: "تؤ.."
"أنت حلو أوي يا محمود، أحلى راجل في الدنيا.."
تعالت أنفاسه الساخنة فقال: "سارة أنا عايز أردك.."
"ردني.."
"وعدت نفسي ما أعملهاش إلا وأنا واثق من حبك لي.."
برجاء شديد قالت: "عمرك ما هتعمل حاجة توجعني تاني؟!.."
"مستحيل.."
"بحبك يا محمود.."
قالتها، هل بالفعل قالتها بعد كل تلك المعاناة؟!.. نعم سمعها وخرجت من بين شفتيها الناعمة، اليوم يوم مولده من هنا إلى مماته سيكون هذا يوم ميلاده.
رفع وجهها إليه وقال وهو ينظر داخل عينيها: "رديتك لعصمتي يا سارة.."
بعد منتصف الليل انتهت رحلتها الممتعة بالملاهي، دلفت معه لغرفة النوم ليغلق الباب بساقه.
حدقت به بتعجب وقبل أن تفهم ما حدث آت إليها بالمفاجأة الكبرى، اتسعت عينيها بذهول وهو يخلع ملابسه قطعة وراء الأخرى فقالت: "هو في إيه مالك؟!.."
"خلاص وقت الدلع خلص، أنا جبت أخرى من العلاقة المتقطعة دي، عايز أخلف بنت منك يا سارة.."
حالته كانت صعبة فأبتلعت ريقها وأشارت إليه بالهدوء قائلة: "طيب أهدى يا حبيبي، مفيش حاجة تستحق تفرهد فيها صحتك.."
"إنتِ تستحقي يا بسبوسة، أفرهد كل صحتي عليكي.."
ما هذا؟!.. ما هذا فعلاً؟!.. محمود بدأ يخرج عن السيطرة بشكل مرعب فقالت: "إيه رأيك نتعشى سوا الأول يا حبيبي.."
حبيبي، يا الله على حلاوة تلك الكلمة وتأثيرها عليه، متعة ما بعد متعة سارت بجميع أنحاء جسده مع سماعها منها ويعيدها برأسه.
خلع بنطلونه وقال: "بعد الكلمة دي مش هينفع نتعشى، تعالي يا حياتي وبعدين هأكلك بأيدي زي الغدا.."
لا والله لن تأتي وهو هكذا أبداً، شهقت وظهرها يلتصق بالحائط فجذبها لتبقى بين أحضانه همساً بعتاب: "في حد يهرب من حبيبه كده برضو؟!.."
بللت شفتيها بطرف لسانها من شدة توترها فأكمل عليها مردفاً: "بسبوسة بتعرفي ترقصي يا حياتي؟!.."
"هااا.."
"هااا إيه بس، مش أنا الصبح بقيت طفل معاكي في الملاهي؟!.."
أومأت إليه ببراءة وقالت: "أيوة.."
"خلاص يبقى اتفقنا.."
"اتفقنا على إيه؟!.."
"أعمل معاكي عيل بالنهار وتعملي معايا ****** بالليل.."
شهقت بذهول من واقع الكلمة عليها وقالت: "اه يا قليل الأدب يا سافل، أنت إزاي نتكلم معايا كده أو تقول لي كلمة زي دي؟!.."
رفع حاجبه بضيق ثم قال: "في إيه، هو أنا بكلم واحد من الشارع؟ إنتِ مراتي يا بت، يلا روحي البسي عدة الشغل.."
لا، يبدو أنه غير طبيعي، ارتفعت دقات قلبها بتوتر وقالت: "محمود، هو أنت أكلت أو شربت أي حاجة غير الآيس كريم اللي أكلنا منها سوا؟!.."
"لأ، أنا النهاردة دماغي عليّ كده لوحدي، يلا يا حبيبة قلب محمود فرحي قلبي.."
أخرجت آخر سلاح لها بتلك المعركة وقالت: "بس أنا مش بعرف أرقص.."
"مش مشكلة، أي حاجة منك حلوة.."
مهي يطلبه الآن أمر واقع يجب عليها تنفيذه، بعد دقائق كانت تقف أمامه بعباءة رقص من اللون الأسود بكم من الشيفون مفتوحة من أول الساق إلى أعلى الركبة بقليل.
أشار إليها بحماس: "يلا متخافيش يا بسبوسة، هشجعك.."
يقول أشياء عجيبة ولكنها لتكون صريحة سعيدة جداً بما تعيشه معه، اتسعت عينيها وهي ترى محمود علام يحمل طبلة ويدق عليها بكل مهارة.
بالفعل شجعها وبدأت تتمايل مع طبلته، الصغيرة المحترمة رقصت وهو لا يعلم، الآن اكتشف معها النعيم الحقيقي..
يكفي لهنا يا محمود، قدرتك على التحمل انتهت، ألقى بالطبلة أرضاً وجذبها هي مردفاً: "منحرفة بس محتاجة اللي يوجهك.."
"وجهني يا باشا.."
حملها بصدر رحب وعاش معها لحظات مميزة غاص كل منهما بنعيم الآخر، مر عليهما الوقت ولم يشعر أحداً منهما.
شقشقت طيور الصباح مع رنين هاتف محمود، أخذها بين أحضانه مردفاً بحنق: "نسيت أقفل الزفت ده.."
"يا أخي الله يسترك رد.."
قالتها فضحك ضحكة اختفت مع رؤيته لرقم معتز، أخذ نفساً عميقاً وفتح الخط قائلاً: "خير.."
"ماما في المستشفى يا بابا ونفسها تشوفك، ممكن تيجي تشوفها ولا حضرتك مش فاضي لحد فينا؟!.."
رواية عطر سارة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شيماء سعيد
والدتك فين يا معتز؟
قالها محمود بعد وصوله أمام غرفة عايدة بالمستشفى. وجد ولده يجلس على الأرضية يضم ساقيه لصدره ويبكي بخوف. نزل محمود لمستواه وقال بقلق:
معتز رد عليا يا حبيبي.
رد ويا ليته لم يفعل. بصوت مقهور قال:
هي ليه عاشت عمرها كله تحبك أنت بس؟ ليه عمرها ما شافت حد غيرك رغم إن الكل كان بيحبها؟
عقد محمود حاجبه بتعجب وقال:
هي مين دي؟
بكى معتز مثل الطفل الصغير وصوت بكائه بدأ يعلو ويعلو. لم يقدر محمود الصمود أكثر وجذبه لصدره مردفاً:
اهدي يا قلب أبوك. قولي فيك إيه يا معتز؟
ماما بتحبك أنت بس ومش شايفة في الدنيا كلها غيرك. طول الفترة اللي فاتت بحاول أقرب منها عشان أحس بحنانها، لكن مش بحس غير بحب ليك. فرحت قوي لما أنت رجعتها أكتر ما فرحت بوجودي جنبها. وامبارح لما نزلت صورتك مع الهانم التانية، متحملتش. وقعت قدام عيني وما قدرتش أعمل لها حاجة. كنت بتفرج عليها وأنا عاجز. هي ليه بتحبك أوي كده؟ وليه حضرتك مش شايف غير عيلة الصغيرة دي؟
معتز بحالة نفسية تحت الصفر. مع رحلة بحثه عن الحب خسر صغيره وأصابه بعقدة نفسية سيكون من الصعب التغلب عليها. لحظة، هل قالت عايدة إنه ردها؟ مازالت مصممة على التخطيط والكذب. ماذا سيقول لمعتز الآن وكيف سينفي عودته إليها؟
جذب معتز ليقف وقال بقوة:
اقف على رجلك وإياك توطي رأسك. أنا مخلف راجل. أمك هتخف وتقوم وبتحبك يا عبيط. حبها ليك مش زي حبها ليا يا معتز. خليك عارف كويس أوي إن مهما حصل بيني وبين عايدة، أنت فوق كل ده.
نفي معتز بتعب وقال:
بلاش تكذب عليا يا بابا. هي بتحبك ومش شايفة غيرك وانت بتحب سارة ومش شايف غيرها. وأنا لا موجود في حياتك ولا في حياتها. يمكن كنت موجود في حياة حضرتك قبل ما سارة تيجي، لكن دلوقتي أنا فين؟ تقدر تقولي، لما ضربتني بالقلم عشان خاطرها، طيبت خاطري ولا لأ؟ جيت تعرف إيه اللي حصل بعد ما عرفت الحقيقة؟ حضرتك رديتها زي ما رديت ماما، مش كده؟
لأول مرة يرى نفسه بالفعل صغير أمام أحد. لأول مرة لا يعلم ماذا يفعل أو يقول. لأول مرة يتمنى الفرار من المواجهة، وخصوصاً لو أمام معتز. هو محق. ماذا فعل من أجله؟ حتى لم يطمئن عليه بعد ما حدث. هنيئاً لك يا محمود، حصلت على إتخاذ لقب أب فاشل عن جدارة.
ضم وجه معتز بين يديه وقال:
أنا آسف.
بماذا يفيد هذا الاعتذار؟
حرك معتز رأسه بتعب وقال برجاء:
لو فعلاً أنا فارق معاك، بلاش ترد سارة. أو على الأقل بلاش أعرف. إحنا وماما، كذب علينا المرة دي كمان. وأنا هكون راضي بالكذب، بس بلاش تقول حاجة توجعنا.
أنقذه خروج الطبيب من غرفة الكشف. أقترب منه مردفاً بهدوء:
خير يا دكتور.
بملامح كلها أسف قال الطبيب:
للأسف يا محمود بيه. الأحوال اللي قدامي مش خير خالص. مدام عايدة القلب عندها بقى شبه متدمر، ده غير طبعاً الكيماوي اللي أثر على كل أجهزتها. كل المطلوب منكم إنكم تدعوا لها. لأن اللي بإيدينا فضلنا نعمله سنين وما جابش أي نتيجة. دلوقتي بين إيدين ربنا.
بين أيادي الله. يبدو أن تلك المرة عايدة تنتهي بالفعل. أخذ نفس عميق وقال:
هبعت أجيب لها كل الدكاترة بتاعتها من ألمانيا وأمريكا. ولو المستشفى هنا مش هتقدر تقدم لها حاجة، نسفرها هناك.
حضرتك عارف كويس قوي إن دي أكبر مستشفى في مصر كلها. واللي بيقدمه بره مش أكتر من اللي إحنا بنقدمه هنا. صدقني يا فندم، مدام عايدة مش محتاجة غير الدعاء.
يكفي لهنا انتهت قدرة معتز على التحمل. وسقط بين يدي والده فاقد الوعي. ليقول محمود برعب:
معتز إبني...
ما يحدث معه الآن أقسى ما يمكن أن يعيشه إنسان. سقوط معتز أسقط روحه معه. ضمه إليه بخوف. فقال الطبيب:
أهدي يا باشا. ده من ضغط الموقف عليه.
افتح عينك يا معتز وأنا هرمي نفسي في النار عشانك.
بمصنع سارة. كانت تدور حول نفسها مثل المجنونة. إتصال مجهول جعله يتحول 180 درجة. أوصلها على باب المصنع وذهب دون كلمة. هذا كثير. للمرة المئة تتصل به والنتيجة واحدة. تنتهي المكالمة بلا رد.
دلفت لها ضحى بإبتسامة بسيطة وقالت:
في ملف لازم يتراجع وناخد توقيع حضرتك عليه.
نظرت إليها سارة بضياع وقالت:
بس أنا ما أعرفش أي حاجة في الشغل هنا.
ما تقلقيش يا فندم. من وقت افتتاح المصنع ومحمود بيه متابع كل حاجة. وأنا هكون مع حضرتك خطوة بخطوة.
محمود بيه. أين محمود بيه؟ زفرت بضيق وجلست مع ضحى تفهم منها المطلب. جسدها بمكان وعقلها مع زوجها. فقالت ضحى بقلق:
حضرتك في حاجة تعباكي؟ أنا حاسة إنك مش مركزة معايا خالص.
شكلك تعرفي محمود من زمان يا ضحى، مش كده؟
أومات إليها ضحى وقالت بخجل:
من زمان أوي بجد يا مدام سارة. حضرتك معاكي أحسن راجل في الدنيا. لولا إنه واقف جنبي ما كنتش هعرف هعمل إيه ولا هوصل لإيه.
غارت وبشدة. وهذا كان واضح بملامح وجهها دون أي كلمة. فقالت ضحى سريعاً:
بلاش البصة دي. الموضوع ما يستاهلش كده. أنا قصتي وحشة قوي وأخاف أقولها أنزل من نظر حضرتك.
قامت سارة من مكانها وقالت بتعب:
أكيد هسمعها يا ضحى. وقت ما تحبي تتكلمي أنا موجودة. بس الله يبارك لك. أنا مش فاهمة أي حاجة في الشغل ده دلوقتي. لما محمود يجي هبقى اتصرف.
تفهمت الأخرى موقفها وأخذت الأوراق وخرجت من المكتب. رفعت هاتفها وقامت بالاتصال به من جديد. فتح تلك المرة فقالت بلهفة:
إيه اللي حصل يا محمود خلاك تمشي بالشكل ده؟ وأنت فين دلوقتي؟ مش بترد عليا ليه؟ أنا هموت من قلقي عليك.
هل هو غاضب أم مرهق؟ نبرة صوته كانت غريبة عليها وحديثه كان أغرب:
ركزي في شغلك يا سارة. ما ترنيش عليا تاني. لما أروح بالليل هحكي لك كل حاجة.
يعني إيه؟ لما تروح بالليل هتحكي لي كل حاجة؟ هفضل قاعدة على نار كده لحد ما تروح؟ محمود أنا خايفة عليك. المفروض تطمني مش تزود قلقي.
ماذا يقول لها وماذا تطلب منه؟ تريد أن يريح قلبها وهو بقلب نيران مشتعلة. لا يعلم كيف يقلل من التهامها إليه. ألقى نظرة على معتز النائم بدنياً أخرى وقال بغضب:
هو في إيه؟ هو أنا مطلوب مني أقول لجنابك كل خطوة بعملها؟ قلت لك مش فاضي.
هذا هو محمود علام الحقيقي. أما الآخر لا يظهر إلا وقت حاجته إليها. أبتلعت غصتها بوجع:
لأ. مش تحقيق ولا حاجة. أنا آسفة.
زفر بضيق من نفسه. ما ذنبها ليخرج خوفه بها؟ مسح على خصلاته بتعب وقال:
لأ يا حبيبتي. ما تعتذريش. أنا اللي المفروض أعتذر. حقك عليا. سارة أنا دلوقتي تعبان أوي. استحمليني معلش. وأنا أوعدك هقول لك كل حاجة لما أروح.
بصوت مختنق وصل إليه وجعله يسب حاله قالت:
حصل خير. وتاني مرة أنا آسفة. فضلت أرن كتير. وأنت لو كنت محتاجني أو حتى عايز ترد عليا، كنت رديت من أول مرة. هقفل دلوقتي وروح شوف إيه المهم عندك.
صوتها يقول إنها على وشك البكاء. رائع. فهو دائما قادر على إحزان أقرب الناس إليه. خرج من الغرفة الموضوع بها معتز وقال بحنان:
لو على مين مهم عندي، يبقى هسيب الدنيا كلها وهاجي آخدك في حضني.
يا سلام.
طبعاً مش عايز يكون عندك شك 1% إنك مش أغلى الناس عندي. يلا قوليلي بحبك يا محمود عشان أقدر ألم المصايب اللي ورايا دي وأنا مطمن إنك جنبي يا سارة.
حركت كتفها بدلال. وكأنه يراها. والغريب إن دلالها وصل إليه وجعله يتنهد بتعب. لتزيد عليه مردفة:
تؤ. مخاصماك وهفضل مخاصماك لحد ما ترجع وتحكيلي اللي عندك بالتفصيل. ووقتها أحدد إذا كان يستحق أصالحك ولا لأ.
ماشي يا بسبوسة. أقسي عليا براحتك.
كانت ستغلق الخط ويا ليتها فعلت. إلا أن من سوء حظها دلفت ضحى وقالت بهدوء:
مدام سارة. المذيع أحمد رسلان طالب يقابل حضرتك.
من؟ هذا ما كان ينقصه. صرخ بغضب أرعبها:
إياكي تقفلي الخط. افتحي الإسبيكر وخليه يدخل.
نفذت أوامره بصمت. سيطر عليها شعور قوي بالخوف من ما هو قادم. جلست على مكتبها ووضعت الهاتف فوقه. فدلف أحمد وعلى وجهه ابتسامة راقية. ثم مد يده إليها مردفاً:
من يوم المطعم وأنتِ ما سألتش. قولت أسأل أنا.
مدت يدها إليه وقالت بتوتر:
ما حصلتش مناسبة. اتفضل. تحب تشرب إيه.
قهوة مظبوط. قوليلي بقى. إحنا مش كان في بينا اتفاق على شغل؟ اختفيتي فجأة ليه؟
يا الله. ما هذا الرعب الذي تعيش بداخله؟ مسحت حبات العرق من على جبينها وقالت:
المصنع لسه مفتوح جديد وأنا تحت التدريب. الموضوع طبعاً صعب عليا و...
قطع حديثها بابتسامة هادئة وقال:
سارة. أنتِ بتحاولي تلفي وتدوري وتهربي من وجود محمود علامي يوم المطعم وإنه قال إنك مراته. أنا جاي هنا عشان أسمعك وأفهم الحكاية بالظبط من غير ما أحكم عليكي بأي كلام يبوظ صورتك في عيني.
اتسعت عينيها وقالت بذهول:
وايه اللي هيشوه صورتي أو يخليني مكسوفة من حاجة زي دي؟ هو أنا أول واحدة تتجوز؟
مش أول واحدة تتجوزي. بس كلنا عارفين إن محمود علام رجل أعمال كبير. ومتجوز بقى له أكتر من 18 سنة وعنده شاب في سن المراهقة. لما بنت صغيرة زيك تبقى مراته من غير ما حد يعرف، يبقى ملهاش غير معنى واحد بس يا سارة. وأنا مش عايز أقوله.
وصل إليها أنفاس محمود المرتفعة عبر الهاتف. شعرت بطعنة قوية دلفت إلى أعماقها بعدما فهمت حديث أحمد جيداً. أغلقت الهاتف بوجه محمود بأصابع مرتعشة. ثم نظرت لأحمد قائلة:
ولو اللي حضرتك بتقوله حقيقي، يفرق معاك في إيه؟
المفروض إن إحنا كنا أصحاب. حتى لو لدقائق. وكان في بينا اتفاقات على شغل. رسمت لك صورة حلوة في عيني. وجيت النهاردة عشان أفهم الحقيقة.
قامت من مكانها وقالت بغضب:
اللي بيني وبين حضرتك كانت مجرد معرفة سطحية. ودي حياتي الشخصية ومش من حق حد يتكلم فيها. عموماً. أيوه محمود جوزي. ومش في السر زي ما بتحاول تلمح. كل عيلتنا عارفة. بس هرجع وأقول لحضرتك إن دي حياتنا الشخصية. وإحنا مش حابين نصدرها للإعلام.
قام أحمد من مكانه وقال بهدوء:
طيب. طالما دي حياتكم الشخصية. كان الأولى إن جوزك يقعدك في البيت ويمنعك من الشغل معايا. بدل ما يوقف البرنامج بتاعي شهرين. سارة. أنا حاسة إن في حاجة غلط في العلاقة دي وعايز أساعدك.
صممت. فأخذ نفس عميق ثم أخرج كارته الخاص وقدمه لها مردفاً:
ماشي. على راحتك. طالما مش حابة تتكلمي. بس ده الرقم بتاعي. وقت ما تحسي إنك محتاجاني رني عليا وهكون جنبك. ومبروك المصنع الجديد.
أغلق باب المكتب خلفه. فألقت بجسدها على المقعد بوجع. مهما حاولت الفرار ستصل لنفس النقطة. "إنها مجرد زوجة سرية لمحمود علام". مسحت على وجهها وقالت بغضب:
إياكي تعيطي. سامعة؟ مش هتقضي باقي عمرك كله نواح. فوقي لنفسك بقى واعرفي أنتِ عايزة إيه بالظبط. محمود بيحبك. وأنتِ بتحبيه. وكل العيلة بقت عارفة. فاضل بس باقي الناس تعرف. وهو هيعمل كده قريب. حتى إمبارح نزل صورنا مع بعض. يعني محمود ما عندوش مشكلة إن الناس كلها تعرف بجوازنا. فياريت بقى تبطلي تضغطي على نفسك وتوجعي نفسك على الفاضي.
حاولت بتلك الكلمات السيطرة على أعصابها. فدق الباب. دلف محمد السائق بنفس اللحظة. سمعت رنين هاتفها. ارتفعت دقات قلبها مع اسم محمود المزيف للشاشة. ومع ذلك فتحت مردفة بنبرة متوترة:
الو.
لمي حاجتك وانزلي مع محمد 10 دقايق وتكوني في البيت يا سارة.
بلعت ريقها برعب قائلة:
ليه؟ أنا لسه ورايا شغل كتير. وأنت كمان شكلك مشغول النهارده و...
عشر دقايق. فات منهم دقيقة. وده مش في صالحك يا سارة.
أغلق الخط بوجهها. لتنظر للهاتف مردفة:
يا لهوي يا لهوي. ده قالي يا سارة مش بسبوسة. كدة تبقي مصيبة رسمي.
قال محمد بهدوء:
يلا يا بنتي نمشي. محمود باشا متعصب. والأحسن ننفذ اللي هو عايزه بدل ما يقلب علينا.
يلا يا عم محمد. أنت راجل غلبان. حرام أكون سبب في فرمك تحت إيده. كفاية أنا...
بمنزل محمود. دلفت سارة وهي تقدم ساق وتؤخر الأخرى. تتمنى لو تلك الرائحة التي تغرق المكان تكون مجرد وهم منها. للأسف. ليس كل ما يتمناه المرء يحدث. وجدته يجلس على أحد المقاعد بالصالة. يضع ساق على الآخر. وجاكيت بدلته ملقى على الأرض. وبين أصابعه سيجار يخرج بها نيرانه.
أبتلعت ريقها ثم أقتربت منه مردفة بتوتر:
حبيبي. إيه اللي معرفك كده؟ مش كنت مشغول النهارده؟
أنتفضت وعادت للخلف خطوتين على أثر صوته الحاد:
وأنا عارف ألف ضهري للهانم وهي حياتها كلها معجبين.
ممكن كده شوية يا محمود وبلاش تقول كلام يزعلنا إحنا الاتنين.
من أين يأتي إليه الهدوء وهي أغلقت الهاتف بوجهه حتى لا يسمع باقي حديثها مع الأحمق؟ قام من مكانه وألقى بالسيجار على الأرض بإهمال مردفاً:
قفّلتي السكة ليه وإنتِ بتكلمي مع الحيوان ده؟ قال لك إيه وقولتي له إيه؟ ما كنتيش عايزاني أسمعه يا سارة.
اتسعت عينيها بغضب من معنى حديثه مردفة:
هو أنت مستوعب أنت بتقول إيه بالظبط ولا معنى كلامك مش واصل لك؟
أنتِ اللي مستوعبة إزاي قفلتي السكة في وش جوزك وإنتِ بتتكلمي مع راجل غريب؟
لابد من أن تتحلى بالهدوء حتى لا يزيد الأمر سوء. تنهدت بتعب ثم قالت:
كل اللي حصل إن سمعت منه كلام يوجعني. عشان كده قفلت السكة.
ذهب غضبه مع رؤيته لضعفها. جذبها لتبقى بين أحضانه ثم قال بحنان:
أنتِ أغلى وأجمل ست أنا شفتها في الدنيا. سارة. النهاردة شفت يوم بشع. حسيت فين روحي بتطلع مني. كل اللي مطلوب منك شوية صبر. وأنا أوعدك إنك مش هتندمي على صبرك ده.
لمست وجعه. وهذا جعلها تهدأ من غضبها. وضعت رأسها على صدره. سمعت دقات قلبه وشعرت بحرق روحه. مرت كفها على صدره وهمست:
قول إيه اللي وجع أوي كده؟ يمكن أقدر أساعدك؟
ماذا يقول؟ سارة صغيرة ويصعب عليها فهمه. صمت بتعب شديد. معتز قطعة من روحه سقط أمام عينيه. ورغم قوته وماله لم يقدر على فعل شيء له. أخرج تنهيدة طويلة أخرج بها وجعه ثم قال بهدوء:
هقول لك على كل حاجة. بس انتِ تقوليلي الأول الحيوان ده كان عايز منك إيه بالظبط.
إبتعدت عنه وقالت برجاء:
محمود. الراجل ده ما فيش بيني وبينه أي حاجة تخليك تعمل معاه كده. اللي أنت وقفته ده مصدر رزقه. هو ما كانش يعرف إني مراتك. كل اللي عمله إنه حاول يساعدني. وشايفني موهوبة. يبقى ليه يبقى جزاته كده.
رفع حاجبه بسخرية وقال:
شايفك موهوبة إزاي؟ لا مؤاخذة. ده حتى ما خدتش من وقته تلات دقايق عشان يعرف إنتِ عندك موهبة ولا لأ. شافك مزة حلوة مش أكتر. احمدي ربنا إني ما خلعتلوش عينه الاتنين اللي بص لك بيهم. واكتفيت بقرصة ودن دي. وده عشان ما كانش يعرف إنك مراتي. لكن النهاردة بقى كان عارف إنك مراتي وتجرأ وجالك تاني.
رأى بها امرأة جميلة لأ أكثر؟ أصابتها تلك الكلمة بمقتل. لماذا دائماً يكون جمالها مصدر أذى إليها؟ بللت شفتيها وقالت بحزن:
محمود. هو أنا ما فيا أي حاجة مميزة غير إني ست حلوة؟
مسح على خصلاتها وقال بحنان:
إنتِ كلك مميزات يا حياتي. بس رجالة كده. أول حاجة بيشوفوها في الست شكلها. بعد كده بقى بنشوف باقي المميزات. دلوقتي هتدخلي تنامي لحد ما أشوف يومي هيخلص على إيه. وأرجع لك.
أومات إليه بهدوء وذهبت معه لغرفة النوم. ساعدها بتبديل ملابسها. ثم نام بجوارها على الفراش مردفاً:
نامي.
وأنت؟
هفضل جانبك لحد ما تنامي. وبعدين همشي.
عاد للمستشفى. وحمد ربه أن معتز ما زال تحت تأثير المهدئ. اقترب من غرفة عايدة. وظل متردد لعدة ثواني قبل أن يمد يده ويفتح الباب الفاصل بينهما. دلف بخطوات هادئة ليجدها تجلس على الفراش بتعب. اقترب منها وقال:
حمد الله على سلامتك يا عايدة.
نزلت إليه بضعف وقالت:
وهي سلامتي تفرق معاك في إيه؟ زمانك دلوقتي بتقول بركة يا جامع. ارتحت منها.
بلاش الكلام ده. ما بقاش بيأكل معايا. طول عمرك فارقة معايا. وإنتِ عارفة ده كويس يا عايدة. لكن اللي إحنا وصلنا له ده كان بسببك أنتِ. طول عمري بديكي من غير ما تطلبي. كان المفروض اليوم اللي أطلب فيه حاجة واحدة تفرحني، تبقي واقفة في ضهري. مش تبقي عدوة ليا. جاية دلوقتي تقولي لمعتز إني رديتك. بتلعبي على إيه وعايزة توصلي لإيه؟ ما تعبتيش؟ مش خايفة من ربنا وإنتِ بتعملي كل ده؟ وبينك وبين الموت خطوة واحدة.
حاولت أخذ أنفاسها بصعوبة. أصبح بينهما وبين الموت أقل من خطوة. حاولت مد يدها لتلمس يده. إلا أنه عاد خطوة للخلف. فقالت:
ياه. للدرجة دي لمستي بقت بالنسبة لك مؤذية؟ أيوه يا محمود. أنا قولت لمعتز إنك رديتني. روح قوله إن كذابة. وإنك ما عملتش كده. ورحت رديت البنت التانية. قوله إن كل تفكيرك كان في نفسك بس. وفي مراهقتك المتأخرة. ونسيت إنك راجل. مراتك تعبانة وابنك شاب محتاجك تبقى جنبه. روح قوله أبوك القدوة ما ينفعش حتى يبقى قدوة لنفسه.
بلحظة نسي إنها على فراش الموت. غضب منها تعدت كل الحدود. امرأة بشعة. ضاع عمره معها. كيف كان أحمق لتلك الدرجة؟ لا يعلم. ضغط على عنقها بقوة وقال:
مشكلتك إنك شفتي مني الحلو بس. وعمرك ما شفتي الوحش. من النهاردة مش هتشوفي غيره يا عايدة. لحد ما تدخلي قبرك. مش هتشوفي مني غير كل حاجة وحشة. تعرفي قد إيه أنا كنت بعد عنك شخصيتي الزبالة. لحد آخر لحظة بينا. كنت عامل حساب إنك بنت عمي اللي ربيتها على إيدي. وأم ابني. لكن إنتِ ما تستاهليش كل ده. عايزة تبقي قدام معتز مراتي؟ وماله. خليكي قدامه كده. لكن أنا طلقتك يا عايدة. وعلى إيد مأذون. طلاق بلا رجعة. ولو انطبقت السما على الأرض. مش هتبقي مراتي تاني. أنا دلوقتي متجوز ست واحدة بس. ومش هتشيل اسمي غيرها لحد ما أموت.
أختنقت. وعاد هو أخيراً لوعيه. أبتعد عنها سريعاً مستغفراً ربه. فوضعت كفها على عنقها مردفة:
أنا عايدة يا محمود. أنا حب عمري.
أنتِ غلطة عمري.
خرج وتركها. بكت وهي ترى نهايتها معه. نظر لباب الغرفة المغلق أمامه بحسرة على نفسه. ثم ذهب لغرفة معتز. وجده نائم. فجلس بجواره. وسمع همسه تحت تأثير نومه:
بابا بيكرهني. بابا أخد مني كل حاجة. في الأول أخد حب أمي. ما كانتش شايفة غيره. وأخد البنت الوحيدة اللي قلبي دق لها. حتى هو ما حبنيش. بابا بيكرهني.
هل يراه هكذا؟ هل هو بنظر ولده مثلما يقول بنومه؟ اقترب من وجهه وطبع قبلة. حانة معها دمعة رجل مقهور. وقال:
بكرهك إيه يا عبيط؟ ده أنا ما حبيتش في الدنيا دي كلها قدك. سامحيني يا معتز. مكنتش الأب إللي بتحلم بيه.
بالمساء. استيقظت سارة بكسل. ثم مسحت على عينيها لتزيل أثر النوم عنها. قامت بخطوات بطيئة ودلفت للمرحاض. غسلت وجهها وسحبت منشفة تجفف بها بشرتها. لمحت بعينيها شيئاً خاصاً بالنساء. وهنا اتسعت عينيها بذهول. منذ عودتها الأولى لمحمود. ولم تأتي إليها عادتها الشهرية. تذكرت اختبار الحمل فقالت بتوتر:
أكيد مفيش حمل. ما أنا عملته قبل كده وما طلعش حاجة.
ثلاث أشهر غياب. وتقول لا يوجد حمل؟ إذن ماذا يوجد؟ أخذت نفسها بتوتر وخرجت من المرحاض. أفضل حل قطع الشك. رفعت هاتفها وبحثت عن أقرب صيدلية بالمكان. وبعدما قامت بالاتصال عليها وطلبت الاختبار.
بعد مرور ربع ساعة كانت تحدق به بدقات قلب متسارعة. خطين من اللون الأحمر. هي الآن تحمل بداخلها طفل من محمود. سقطت دموعها وقالت:
حامل. معقولة أكون فعلاً حامل؟
لحظات ممتعة كانت أكثر من مميزة. من قال فاقد الشيء لا يعطيه؟ فهي عاشت بلا حنان أم. حتى والدتها على قيد الحياة. والآن تضع يدها على بطنها مردفة بسعادة:
أوعدك إني هكون أحسن أم في الدنيا. عشان خاطرك يا حبيبي.
اهتز هاتفها برقم ألفت. ففتحت الخط وقالت بسعادة:
تيتا. أنا حامل يا تيتا. هبقى ماما حلوة أوي صح؟
حامل من محمود؟ إزاي تعملي في نفسك كده؟ دي مصيبة.
مصيبة ليه؟
يمكن لأنه رد عايدة. ومعاها في المستشفى من الصبح. أو يمكن عشان جنابك لسة مراته في السر لحد دلوقتي.
رواية عطر سارة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شيماء سعيد
خرج معتز من غرفة والدته والدموع في عينيه، كان محمود ينتظره بالخارج. أقترب معتز منه بخطوات مهزوزة وقال:
_ مش عايزة تشوف غيرك يا بابا. ادخل لها.
وضع يده على رأس معتز وقال بقوة:
_ عايزك تبطل عياط وتبقي راجل. أنت مش عيل صغير عشان تعيط.
حدق به معتز بضياع وقال:
_ مش عايزاها تموت دلوقتي. نفسي أشبع منها شوية.
_ عايدة هتبقي كويسة وهتشبع منها. هسفرها برة لو هنا مش نافع. هعمل أي حاجة عشانك يا معتز بس خليك كويس، خليك واقف قدام عيني.
أومأ إليه معتز وجلس على أقرب مقعد مردفاً:
_ أرجوك يا بابا خليك جانبها الأيام دي. أمي قالتلي أنك مش بتحبها زي الأول وهي نفسها تموت في حضنك. أرجوك.
دلف إليها وجدها تنظر للباب منتظرة قدومه. وقف أمامها وقال:
_ عايزة توصلي لايه بالظبط يا عايدة؟
عضت على شفتيها بتعب وقالت:
_ عايزاك أنت. لو هموت عايزة أموت في حضنك. عارفة إني عملت حاجة وحشة في سارة وأنت بتحبها بس ده حقي يا محمود. أنت جوزي وهي أخدتك مني. صح كنت عايش معايا زي الأخوات بس كنت راضي. اشمعنا لها جات نسيت عايدة وحبك ليها. قولي يا محمود مش فاكر أي حاجة حلوة كانت بنا في يوم تشفع ليا؟
تنهد بتعب وقال:
_ في ألف حاجة تشفع لك يا عايدة. كل حاجة حصلت منك مع سارة كنت مسامحك فيها وبقول من حقها غيرانة. إلا حاجتين. لعبك في دماغك معتز لدرجة أنك خلتيه يبص لمرات أبوه. واتفاقك مع جوز أختها. طلعتي برة حدود غيرة الستات يا عايدة وهان عليكي إبنك وشرف جوزك. وقفتي معاكي دلوقتي عشان الذكريات إللي بتقولي عليها وعشان أنتِ أم معتز.
حركت رأسها تقبل أخيرا للنهاية مردفة:
_ ماشي وأنا راضية بالحتة الصغيرة إللي عطفت عليا وخلتها عشاني في قلبك. بس وحياة سارة عندك يا محمود عايزة أموت جوا حضنك.
_ ماذا تقولي يا عايدة؟
حديثها الضعيف جعله يعود بذكرياته لطفلة صغيرة تبكي فوق أحد أشجار الحديقة فسألها بلهفة:
_ بتعيطي ليه يا عايدة مالك؟
_ طلعت أجيب تفاحة ومش عارفه أنزل يا محمود.
حملها ووضعها على ساقه بحنان وقال:
_ بس خلاص أقعدي هنا لحد ما أجيب لك التفاحة.
عاد لها بعد لحظات ومعه أكثر من تفاحة قامت من مكانها بحماس مردفة:
_ أنت بطلي يا محمود.
أقترب منها ثم قبل رأسها بحنان مردفاً:
_ سارة مخدتش مكانك يا عايدة. يا ريتك كنتي فهمتي ده من الأول. مكانك في قلبي طول عمره ليكي ولحد ما أموت هيفضل ليكي.
قال هذا لعله يخفف من شعوره بالذنب ولكن وبكل أسف القدر دائما يقف بينه وبين سارة. فهي أتت حتي تتأكد من حديث جدتها وجدت معتز بطريقها فقالت بتوتر:
_ محمود فين؟
حدق بها بغضب شديد ثم قال بصوت منخفض حتي لا يصل لغرفة والدته:
_ أنتِ إيه إللي جابك هنا؟ مش كفاية إللي حصل لها بسببك. قولتي تيجي تشمتي فيها. أحب أقولك إن جوزها معاها جوا وابنها قدامك أهو. أنتِ مالكيش مكان وسطنا بعد ما أبويا أخد غرضه منك زيك زي أي***** وطلقك.
حركت رأسها برفض لما قاله ثم أقتربت من باب الغرفة قائلة:
_ إحتراما مني لابوك مش هرد عليك. وسع من قدامي.
ألقي نظرة سريعة على والده ووالدته من النافذة الزجاجية وقال ببرود:
_ أهو قدامك شوفي بعينك بدل ما تقطعي عليه اللحظة.
انتبهت لما أشار رأته وهو ينحني يقبل رأس عايدة. رأت عالمها بالكامل يسقط أمام عينيها. فتحت باب الغرفة بكف مرتجف وسمعت ما قاله. علمت مكانتها عنده هي مثلما قال ولده "عاهرة". لم تقدر على الوقوف أكثر وفرت من أمام أعين معتز الشامتة.
نزلت لتجد السائق بانتظارها يقول:
_ مالك يا سارة يا بنتي بتعيطي ليه؟
حركت رأسها بنفي وذهبت بعيداً عنه. ركض خلفها بقلق وقال:
_ أنتِ رايحة فين؟ اركبي يا بنتي روحي بيتك ارتاحي.
حدقت به بنظرات طفلة صغيرة ضائعة وقالت:
_ أنا ماليش بيت ولا ليا حد.
_ لأ ليكي ألفت هانم ومحمود بيه ووو.
تركته وركضت بكل قوتها تحاول الهروب والابتعاد لأكثر مكان ممكن. لم يقدر العجوز على الركض خلفها أكثر فرفع هاتفه وقام بالاتصال على محمود.
بغرفة عايدة قالت بسعادة:
_ بجد يا محمود لسة بتحبني؟
_ طبعاً يا عايدة. أنتِ بنتي الكبيرة وبنت عمي وأم إبني. بيني وبينك سنين مكانك مش زي مكان سارة زي ما عقلك قالك. سارة مخدتش مكانك. هي بنت لنفسها بيت جوايا وعاشت فيه لوحدها بعيد عن الكل ووو.
قطعه رنين الهاتف مع رؤيته لرقم محمد. دلف القلق بقلبه. أبتعد عنها وفتح الخط مردفاً:
_ في إيه يا محمد؟ سارة كويس؟
_ مدام طلبت أوصلها مستشفي تزور فيها حد. وبعد أقل من خمس دقايق نزلت منهارة ورفضت تركب العريبة وأخدت نفسها وطلعت تجري. حاولت أجري وراها بس صحتي مكملتش.
_ مستشفي؟ تزور أحد؟
تعالت دقات قلبه بخوف وقال:
_ إيه إسم المستشفى يا محمد؟
_ مستشفي****.
بفيلا سارة. دلف محمود بخطوات مرعبة وكانت ألفت تجلس على أحد المقاعد بالصالة منتظرة قدومه. أقترب منها وقال بغضب:
_ سارة فين؟
_ عندك اخدتها من هنا بنفسك؟ ما هذا الجنون؟
بدأت أعصابه تخرج عن السيطرة خصوصاً عندما ذهب لشقته ولم يجدها. قال:
_ ألفت أنا على أخري مش وقت انك تلعبي باعصابي. ناديها لي من فوق.
قامت وقفت أمامه وقالت بقلق:
_ أنت بتقول إيه؟ بقولك عندك.
هذا مستحيل هي تضحك عليه. تركها وصعد إلى الأعلى بحث عنها بكل مكان حتي أسفل الفراش وبداخل الخزانة. وقف بمنتصف الفيلا بضياع يبدو إنها بالفعل غير موجودة. إذن أين هي؟
اه وألف اه منكِ يا سارة. أقتربت من ألفت وقالت برعب:
_ البنت فين يا محمود؟ أخدتها عملت بيها ايه بالظبط؟
أنفجر محمود بغضب:
_ هكون عملت فيها ايه يعني؟ وبعدين مالك بتقويها عليا وواقفه قصادي دلوقتي؟ ما هي بقي لها اكتر من 20 سنه بنت ابنك وما فكرتيش تشوفيها ولا تدوري عليها. كانت عايشه مع جوز اختها واختها مش لاقيه تاكل وانا اللي كنت بصرف وما فكرتيش تطلعي جنيه من جيبك وتقولي لبنت ابني دلوقتي واقفه قدامي تقوليلي عملت فيها ايه.
صدمها بحقيقة قاسية. بالفعل هو محق. كانت أين هي طوال السنوات الماضية من عمر حفيدتها؟ سقطت دموعها وقالت:
_ كنت بعيدة لأنها بنت الست إللي أخدت إبني مني. بس كنت مطمنة عليها طول ما هي تحت عينيك.
_ ودلوقتي واقفة قدامي ليه؟
قالها بنفاذ صبر. كلا من حوله يقوده للجنون. فقالت ألفت:
_ لأنها طلبت مساعدتي. طلبت اني اقف جنبها لانك رخصتها ولسة بترخص فيها. رجعت لمراتك وقاعد معها في المستشفى وهي الله اعلم بتعمل فيها ايه واذا كنت رديتها ولا لا. انا مش هسيبها لعبه في ايدك يا محمود.
أقترب من عايدة بخوف مردفاً:
_ أنتِ قولتي لسارة الكلام ده؟ قولتي لها ان انا رديت عايدة؟ انتِ اللي اديتي ليها عنوان المستشفى مش كده؟
_ ايوه. لان هي هبله وعبيطه. لما بتضحك عليها بتصدقك. كان لأزم تشوف الحقيقه بعنيها وتعرف انت بتعمل ايه كويس اوي وتفوق بقى من الغيبوبه دي بدل ما عمرها يتسرق.
لم يتحمل أكثر ضرب المقاعد المقابل إليه ورائه الطاولة، الفازة، الأريكة، جعل المكان عبارة عن رماد أشياء. ثم نظر لالفت مردفاً بحسرة:
_ لحد من يومين إتنين كنت فاكر ان كل اللي بتعمليه ده تعمليه عشان تحس ان حد في ضهرها. قولت يا واد معلش استحمل خليها تستقوى بجدتك. بس لحد هنا خلاص. من النهارده انا هعتبرك عدو ليا ودي حاجه كبيره قوي يا جدتي. خليكي عارفه كويس اوي ان لو جرى لها حاجه هيبقى ذنبها في رقبتك أنتِ وحقها هاخده منك قبل أي حد.
بالحديقة. وضع أمامها كوب من عصير الليمون وقال بهدوء:
_ من وقت ما اتصلتي بيا وجيت اخدتك وانتِ ساكته حتى ما قلتيش حصل لك ايه. لو مش حابه تتكلمي مش هضغط عليكي اكتر بس انا قلقان عليكي.
كانت شاردة تحدق بالفراغ أمامها بصمت. عندما قررت ترك عالم محمود وجدت نفسها بلا مأوى. ابتسمت على حالها بسخرية ثم قالت:
_ انا حابه اشكرك لانك سبت كل اللي وراك وجيت عشاني. لو ما كنتش جيت انا كنت هنام في الشارع.
اتسعت عينيه بذهول وقال:
_ تنامي في الشارع؟ بنت عيلة علام تنام في الشارع؟ إيه حكايتك بالظبط يا ساره؟ حاسس ان وراكي قصة طويلة.
إبنة عائلة علام مع وقف التنفيذ. أزالت بقايا دموعها وقالت بسخرية:
_ انا بنت عيله علام من بعيد لبعيد. وعشان افضل بنتهم يبقى لازم احط حاجه مقابل حاجة. هو انا ينفع ابات هنا لحد الصبح؟
تعجب من طلبها وزاد فضوله حول ما يحدث معها. تنحنح بهدوء حتى لا يضغط عليها اكثر ثم قال:
_ طبعاً اعتبري البيت بيتك. أدخلي ارتاحي وأنا هخرج.
رفعت عينيها إليه بتردد وقالت:
_ هو مفيش في البيت ده غيرك؟
فهمها فابتسم إليها بجدية وقال:
_ في الحقيقه أنا فعلا عايش في البيت دلوقتي بس ما تخافيش. أنا راجل وافهم في الاصول كويس وعمري عيني ما تتحط على حرمه غيري. إنتِ هتنامي هنا وأنا هروح في أي فندق.
أومأت إليه بخجل وذهبت خلفه حتي وصل بها أمام غرفة نوم وقال:
_ يلا ادخلي ارتاحي. ووقت ما تحبي تتكلمي هسمعك.
قبل أن يخطو خطوة واحدة قالت بضياع:
_ هي العيون ممكن تكذب؟
توقف مكانه وظل صامت لعدة لحظات قبل أن يقول:
_ كلنا بنكذب يا سارة في تصرفاتنا وفي كلامنا واوقات كتير بنكذب في مشاعرنا. بس كل الكذب ده بيبقى باللسان. العين ما تعرفش تكذب بتفضح صاحبها عشان كده دايما اللي بيكذب بيهرب بعيونه.
كيف كان قادر على الكذب بعينه؟ هل قرأتها خطأ؟ بحثها عن الحب والأمان جعلها تري الحب بأعين رجل يرأها "مزاج" فقط بالنسبة له؟ بخطوات ثقيلة دلفت لغرفة النوم وأغلقت الباب عليها المفتاح. سقطت دمعة ساخنة من عينيها عندما تذكرت حديثه "مهو ده مفتاح أوضة نومي أكيد معايا نسخة تانية. بصي يا قلبي لما تحبي تقفلي الباب بالمفتاح وتضمني اني مدخلش خلي المفتاح في الباب زي ما هو". نفذت ما قاله وتركت المفتاح بالباب. جلست على الفراش وزفت عينيها الدموع مرددة:
_ لية كدة لية الكذب؟ يا ريتني ما حبيتك.
عادت للحظة طلاقه لها تذكرت حديثه الشهير:
_ عارفة يا سارة المشكلة الحقيقية في كل اللي بيحصل ده إيه؟
_ إيه؟
_ اني حبيتك. يمكن لو كنتي فضلتي بالنسبة ليا جواز متعة كنا ارتحنا إحنا الاتنين.
حركت رأسها بذهول هل كان هذا الكم من المشاعر كذب؟ وضعت كفها على بطنها وهمست بتعب:
_ كان نفسي فيك أوي بس مش هينفع تعيش.
أخرجت هاتفها من الحقيبة وقررت فتحه. رأت فوق الألف إتصال منه ومن جدتها. حدقت بالهاتف لثواني قبل أن تضغط على زر الإتصال بعد أقل من ثانية آت إليها صوت الغاضب:
_ انتِ فين بالظبط يا سارة؟
أبتلعت غصتها بحلقها وقالت:
_ وأنا افرق معاك في ايه؟ ما اللي فارقين معاك موجودين جنبك ومكانهم وما فيش حد في الدنيا يقدر يقرب منه.
لو كان جبل لكان سقط أرضاً. ما يحدث كثير وكثير جدا. وصل إليها صوته المرعب لتغلق عينيها ببعض الخوف:
_ مش وقت تخلف خالص. قولي أنتِ فين خليني اجي اخدك وبعدين نبقى نتحاسب على الجنان اللي انتِ معيشاني فيه من الصبح ده.
_ بطل تعلي صوتك عليا. أنا مش هسمح لك تقل مني تاني. ايه مصمم تاخدوهم بالصوت؟ روح لمراتك حبيبتك اللي كنت بتبوس فيها ومش قادر تعيش من غيرها. اللي مكانها في حياتك ما بيتغيرش مهما شوفت ستات. ولا انت لسه ما شبعتش من ******* اللي كنت كل ما يجيلك مزاج تاخد غطس معاها.
أتسعت عينيه من وقاحة لفظها. ضرب عجلة القيادة عدة مرات وقال بجنون:
_ ده أنا هطلع ميتين أهلك. أنتِ فين يا بت؟
صوته كان كافي حتي ترتعب. وإلا أن صورته وهو يقبل عايدة كانت أقوي بكثير فقالت:
_ احترم نفسك ومش هقول لك انا فين. واقعد لف حوالين نفسك ومش هتعرف توصل لي. أنا اتصلت بك عشان اقول لك خبر واحد بس. لو ما طلقتنيش بالذوق هرفع عليك قضيه خلع ونخليها فضايح بقى.
لا والله القطة الصغيرة خرجت عن السيطرة. أخذ نفس عميق قبل أن يقول بجبروت:
_ خدي بالك انا لحد دلوقتي عامل حساب انك حته البسبوسه بتاعتي. غير كده كنت وريتك كل انواع الوساخه اللي ما شفتهاش في حياتك. عايزه ترفعي عليا انا قضيه خلع يا بت وماله. اعملي اللي في مزاجك. وأنا كمان هعمل إللي في مزاجي.
بكت لم تقدر على تمثيل القوة أكثر وبكت. وصل إليه شهقاتها ليرق لها قلبه مثل العاده مردفا بحنان:
_ بس يا بسبوسه. كله دموعك. قوليلي انتِ فين وانا هاجي لحد عندك نتفاهم ونتكلم. اسمعيني يمكن لما تسمعيني تعرفي ان مفيش في قلبي غيرك وان كل اللي جوه عقلك ده جنان.
أغلقت الهاتف بوجهه ليلقي بهاتفه على أرضية السيارة صارخا:
_ ماشي يا سارة هجيبك وربي ما هتنامي الليلة إلا في حضني ووقتها هعمل منك صوابع كفتة.
مرت ساعة وراء الأخري وهي تضم بطنها إليها بحنان وتبكي. أخيراً حن عليها سلطان النوم وأغلقت عينيها. نامت أقل من ثواني وشعرت بحركة ناعمة على فخذها من الاعلي. أنتفضت من محلها برعب وعقلها لم يتخيل إلا صاحب المنزل. قبل أن تصرخ وضع يده على فمها يكتم به أنفاسها ويده الأخري تخلع عنها آخر قطعة بملابسها العلوية. قاومت بكل قوتها لكنه وبكل أسف كان الاقوي بالسيطرة على جسدها. وصل إليها همسه وهو يقول:
_ إياكي يطلع صوتك. عايزك تخرسي.
رواية عطر سارة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شيماء سعيد
أغلق محمود الهاتف معها وألقى به على أرضية السيارة بغضب مردفاً:
_ أعمل فيها إيه بس يا ربي؟ أربطها في السرير عشان أضمن لما أرجع ألاقيها مكانها.
سمع رنين هاتفه، فأخذه من أسفل السيارة وفتح الخط سريعاً مع رؤيته لرقم أحد رجاله الذي يقوم بمراقبة أحمد رسلان:
_ قول اللي عندك.
_ سارة هانم يا باشا هنا عند أحمد، وهو خرج وهي لسه في الفيلا. أروح يا باشا وراه ولا أفضل واقف مستني الهانم لما تخرج؟
"اللعنة عليكِ يا سارة!" لو خرج بروحها الآن سيكون معه كل الحق. ضرب عجلة القيادة عدة مرات بقوة ثم قال:
_ خليك مكانك، وإياك عينك تغفل عنها. البنت الخدامة اللي أنت مصاحبها عند أحمد موجودة النهارده وإلا لأ؟
_ كانت موجودة يا باشا، بس خلاص يومها خلص.
"معاها بمفردها؟!" حسناً يا زوجتي العزيزة. قال:
_ اتصل بيها، هي أكيد معاها مفتاح بتدخل بيه. خليها تيجي عندك حالاً واستناني لحد ما أجيلك.
_ أمرك يا باشا.
مر الوقت عليه كالدهر. وصل أمام فيلا رسلان، وكان بانتظاره أحد رجاله والخادمة. أقترب منهما وقال:
_ معاكي مفتاح ندخل، مش كده؟
بلعت ريقها برعب قائلة:
_ مش هينفع يا باشا، دي أمانة. وأحمد بيه لو عرف باللي عملته، مش بعيد يبلغ عني. ساعتها هروح ورا الشمس.
رد بقوة:
_ اللي مع محمود علام ما تخافش. إذا كان على شغلك هنا، فهيبقى لك شغل في مكان تاني. ولو على الحبس، اطمني مش هيقرب منك. اخلصي بقى عشان أنا بتخانق بسرعة، ولو اتخانقت هحبسك في مكان ما يطلع لكش في نور تاني.
حركت رأسها بخوف وذهبت أمامه، فأشار للرجل بقوة قائلاً:
_ مش عايز مخلوق يدخل الفيلا طول ما أنا جوا، حتى لو كان أحمد رسلان نفسه. مفهوم؟
_ أمرك يا باشا.
دلف معها، فقالت بتوتر:
_ دي أوضة أحمد بيه، والوحيدة اللي في الفيلا كلها. ينفع حد ينام فيها؟
أقترب من الغرفة بقلب يغلي، وضع يده على الباب ليجده مغلقاً من الداخل، فقال:
_ في مفتاح لأوضة دي؟ ولا في أي أوضة تانية بلكوناتها بتدخل على الأوضة دي؟
_ والله يا باشا أنا ما أعرفش مكان المفاتيح، بس الأوضة اللي جنبها بالظبط، البلكونة بتاعتها مفتوحة على التانية.
أومأ إليها بهدوء وقال:
_ انزلي أنتِ، استني مع محروس. دورك خلاص انتهى.
كأنها أخذت حكم بالبراءة، فرت من أمامه بسرعة البرق. دلف أخيراً لمحل نومها، وجدها غارفة ببحر الأحلام بكل أمان. كيف لها أن تشعر بالأمان في مكان غريب عليها؟ بمنزل رجل هي على يقين من إعجابه بها؟ انقض عليها بكل ما بداخله من غضب، يريها كيف ستكون حالتها إذا قرر أحمد رسلان الإقتراب منها.
صرخ بها بعنف:
_ إياكي يطلع صوتك، عايزك تخرسي.
مع سماعها لصوته، هدأ جسدها وكفت عن المقاومة. ابتعد عنها ووضع يده على زر الضوء بالغرفة، ويا ليته لم يفعل. ارتعبت من تعبيرات وجهه الغاضبة وعينيه النارية. رفعت الغطاء على جسدها وقالت بتقطع:
_ أنت أنت..
_ إيه، القطة أكلت لسانك يا حلوة؟ سبتي بيتك وجيتي تعملي إيه هنا؟ انطقي.
كتمت شهقاتها التي تهددها بالنزول وقالت:
_ بس أنا مليش بيت، ده بيتك أنت.
طفح كيله منها. يتعامل مع طفلة صغيرة مدللة طوال الوقت، وكان متقبلاً لذلك، إلا تلك المرة. شهقت برعب، عندها جذبها من رأسها لتقف أمامه مردفاً بغضب:
_ يعني بيت جوزك... لما ست محترمة تسيب جوزها وتنام في بيت راجل غريب، تعرفي دي يبقى اسمها إيه؟
وضعت يدها فوق يده لتحاول تخفيف قبضته عليها وقالت:
_ شيل إيدك، أنت بتوجعني يا محمود.
لم يشفق عليها أو يرق قلبه لها مثل عادته. كل ما يراه أمامها زوجته بملابس نوم وغرفة نوم رجل غيره. ضغط عليها أكثر وقال:
_ بتوجعك؟ هو أنتِ لسه شفتي وجع؟ ده أنا هوريكي كل ألوانه وأشكاله. بتعملي إيه في بيت الكلب ده؟ انطقي.
سقطت دموعها برعب وقالت:
_ هكون بعمل إيه يعني؟ مليش مكان أروحه، وهو الوحيد اللي قبل يساعدني.
_ ملكيش إيه يا روح أمك؟ مكان تروحيه؟ مرات محمود علام مش لاقية مكان تروحوا؟ تسيبي بيتك ليه أصلاً؟
هنا تذكرت ما حدث. ابتعدت عنه بكل قوتها وصرخت:
_ بس أنا مليش بيت، لتاني مرة أقولك ده بيتك أنت. سبته عشان خاطر أنا مليش مكان فيه. عايدة هانم رجعت، والهبلة اللي كنت بتفرح نفسك معاها يومين شبعت منها خلاص. تفضل قاعدة في بيتك ليه؟
كانت منتظرة تسمع منه كلمة واحدة تريح قلبها، كلمة تجعلها تتأكد من ثبات مكانتها عنده. أومأ إليها بقوة وقال:
_ لما لقيتي الزبون القديم شبع، تروحي ترمي شباكك على زبون جديد.
اتسعت عينيها بصدمة، اهتز جسدها بالكامل على أثرها. لم تشعر بنفسها، فنيران ما قاله أقوى بكثير من قدرتها. رفعت كفها، وقبل أن يسقط على وجهه، كان تحت قبضة يده. فصرخت:
_ أنت إنسان قليل الأدب وزبالة.
_ وأنتِ إيه؟
_ أنا غبية عشان كل مرة أسلم نفسي ليك. أنت عندك حق، أنا رخيصة لأني خليت واحد زيك معدوم الرحمة يلعب بيا كل ما يحب، وأنا بكل غباء أصدقه.
بالفعل هي حمقاء. حرك رأسه بسخرية وقال:
_ من ناحية غبية، فانتِ غبية. اسمي اللي دوستي عليه برجلك وأنتِ شايلاه، هقطع لك رجلك اللي دوستي بيها عليه. قدامي.
خافت وعادت عدة خطوات للخلف. حركت رأسها برفض أكثر من مرة وقالت بجنون:
_ مستحيل أمشي معاك. أنت عايز تعمل فيا إيه تاني؟ حرام عليك.
بقهر رجل مخفي تحت جبروته قال:
_ تفتكري لما راجل يجيب مراته من سرير راجل تاني، ممكن يكون عايز يعمل فيها إيه؟ غير إنه ياخد روحها بإيده ويرميها لكلاب السكك يسدوا بيها جوعهم.
سقطت دموعها برعب. رأت بعينيه انعدام رحمة. شعرت إنه بالفعل سيفعل بها ذلك. ارتفعت شهقاتها وصرخت بكل قوتها:
_ أحمد الحقني أرجوك.
تجمد محله وهو يسمعها تطلب النجدة من رجل غيره. إلي هنا وكفى. فإذا وقف أمامها ثانية واحدة، سيأخذ روحها مثلما هددها. أقترب منها لتركض بعيداً عنه مردفة:
_ معملتش حاجة، والله العظيم حرام عليك، بقي أبعد عني أنا تعبت.
كانت خيبة الأمل واضحة على وجهه مثل الشمس. بلحظة جذبها من ساقها، وقبل أن تنطق بحرف، كان يحملها ويرجع بها مردفاً بقوة:
_ الأحسن لكِ دلوقتي تخرسي.
***
بفيلا سارة..
ألقى بها أمام جدتها لتضمها ألفت برعب. أخيراً شعرت بالأمان وهي بين أحضان ألفت. أغلقت عينيها وهمست بتعب:
_ أنا خايفة يا تيتا.
ساعدتها ألفت بالجلوس، ثم وقفت أمام محمود وقالت بقلق:
_ أنت عملت إيه في البنت؟ مخليها مرعوبة بالشكل ده؟
أشار لسارة وقال:
_ قولي لجدتك أنا جبتك منين، وبعد كده تبقي تسألي أنا عملت فيكي إيه.
صمتت ولم تجب، فصرخ بغضب:
_ ما تنطقي! ولا دلوقتي بس اتخرستي؟ أقول لك أنا يا ألفِت هانم، حفيدتك ومراتي أنا جايبها من فيلا أحمد رسلان، كانت بايته عنده.
شهقت ألفِت بقوة وقالت:
_ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ احترم نفسك. سارة مستحيل تعمل حاجة زي دي.
بصوت مختنق تحدثت سارة وقالت:
_ أنا ما عملتش حاجة يا تيتا، وأحمد اللي هو بيتكلم عنه ده ما كانش في الفيلا.
ضرب محمود أحد الأنتيكات الموضوعة أمامه على الطاولة وقال بجنون:
_ هو أنتِ مشكلتك إنه ما كانتش في الفيلا؟ لكن إنك تروحي له وتباتي عنده، ده بالنسبة لك عادي؟
رأت ألفِت ارتعاش جسدها فقالت بغضب:
_ ممكن تهدى شوية؟ البنت صغيرة، مش متحملة اللي أنت بتعمله ده. أنت خلاص بقيت مجنون.
_ آمال أنا مطلوب مني أتحمل كل حاجة ليه؟ اللي حفيدتك عملته ده مصيبة. ولو إني عارف إنها فعلاً عيلة صغيرة وهبلة، كنت دفنتها.
ارتفعت شهقاتها، فأقترب منها وجذبها لتقف أمامه مردفاً:
_ أنتِ عارفة لما صحيتي بتصرخي وفاكرة إنه بيحاول يقرب منك؟ ده نقطة في بحر اللي كان ممكن أي راجل زبالة يعمله فيكي، مادام جيتي لحد عنده وطلبتي إنك تنامي في بيته. أنا عايز أفهم عقلك ده في إيه؟ بتفكري إزاي؟ أنتِ كده على طول، ولا دلالي الزيادة فيكي هو اللي فسدك؟
عن أي دلال يتحدث؟ رفعت وجهها إليه وقالت بقهر:
_ دلال إيه اللي أنت بتتكلم عنه؟ أنت عمرك ما عملتني كويس غير لما بتبقى عايز تدلع. كفاية كذب وتمثيل بقى، ارجع لمراتك وابنك وحياتك وسيبني في حالي وارحمني.
صدمته بحديثها، صدمته من فكرتها عنه ومن تفسيرها كل ما عاشه معها وعاشته بين يديه. ابتعد عنها لتسقط على الأريكة، وهو يحدق بها بذهول عاجز عن قول أي كلمة. قالت ألفِت:
_ قولت لك من الأول إن العلاقة دي غلط، وما رضيتش تصدقني. أنت مش بتحبها وهي مش بتحبك. كل اللي جواكم مشاعر متلخبطة، هتفضلوا توجعوا بعض لحد ما واحد فيكم يروح. ابعد عنها وارجع لحياتك، ولو عايز تتجوز، اتجوز واحدة تشبهك وملكش دعوة بيها. سيبها تشوف حياتها، هي كمان حياتها. أنا مش هقف أتفرج وأنا بخسر أحفادي الاتنين.
أشار إليها محمود بقسوة وقال:
_ أنا عايزك تسكتي خالص، لأن ما فيش حد بيلعب في دماغها غيرك. رسمتي لها وهم، وهي صدقته. كل الحب اللي أنا حبيته لها ما كانش باين لا قدامك ولا قدامها. خايفة على حفيدتك أوي مني؟ اتفضلي، هي قدامك أهي، اشبعي بيها.
_ هتطلقني؟
قالتها سارة وهي تتمنى أن يتمسك بها. فقال بقوة:
_ لأ يا حلوة، مش هطلقك. أنا عايزك تطلعي الفيلم الهندي ده من دماغك. الكلمة دي مش هتسمعيها مني لحد ما تدخلي قبرك. مش أنتِ عايزة تبعدي عني؟ خليكي جنب جدتك، لكن هتفضلي شايلة اسمي لحد ما تموتي، بس على الورق يا سارة، لأن النهارده مش هعتبرك مراتي. كفاية عليكي كده.
ذهب ولم تشعر به. لم تشعر بأي شيء حولها، فقط تأكدت من أنها كانت لعبة بين يد خبيرة، حركها كما يشاء. جلست بجوارها ألفت وقالت بخوف:
_ سارة يا حبيبتي، أنتِ كويسة؟
أومأت إليها وقالت بشرود:
_ مش كويسة، بس أوعدك إني من النهاردة هبقى كويسة. ما فيش حد يستاهل إني عشانه أكون مش كويسة، وخصوصاً حفيدك. تعرفي يا تيتا، كنت بقول دايماً قد إيه محمود ده شخص وفي، قد إيه راجل ما فيش منه في الدنيا عشان يعيش مع ست 15 سنة من غير ما يبص لغيرها. كنت غبية. محمود عمل كده لأنه مش شايف غير عايدة، وهيِفضل مش شايف غيرها، حتى لو كانت شوية عضم في قفة. أنا اللي ضحكت على نفسي وهمتني بحاجات مش صح. عينه كدبت عليا وفهمتني إنه بيحبني، بس ماشي، ما حدش بيتعلم ببلاش.
طبطبت ألفت على ظهرها بحنان وقالت:
_ أنتِ غلطتي يا سارة، ما أقصدش في جوازك من محمود. أقصد لما روحتي لأحمد رسلان ونمتي جوه بيته. إزاي يا بنتي توثقي في واحد ما تعرفيهوش؟ افرضي كان وحش وفعلاً عمل فيكي حاجة وحشة من غير ما نعرف مكانك أو حتى نحاول نساعدك؟ ليه دايماً بتعرضي نفسك للخطر من غير ما تفكري؟ لما اتجوزتي محمود، قولت عشان أنا وقتها كنت بعيد عنك وما فيش حد يعرفك الصح من الغلط. دلوقتي أنا سبت الدنيا كلها وقاعدة معاكي، إزاي تعملي حاجة زي دي من غير ما تقوليلي، من غير ما تعرفي عواقبها؟
جدتها محقة. حركت رأسها وقالت بندم:
_ عندك حق يا تيتا، أنا اتصرفت بغباء ومن غير تفكير. أسفة، سامحيني.
أخذتها ألفت لتنام على صدرها وقالت بحنان:
_ نامي يا حبيبتي، أنتِ تعبانة وكل حاجة هتبقى كويسة.
***
أمام قصر علام، وقفت سيارة علي. نظر لأروي المرتعبة بجواره وزفر بضيق. رؤيته لها بهذا الضعف تشعره بالعجز. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول بهدوء:
_ تعرفي لما واحدة تبقى مرعوبة بالشكل ده وجنبها الراجل المفروض هيبقى جوزها وابو عيالها، ده معناه إيه؟
بللت شفتيها بطرف لسانها وقالت بتوتر:
_ إيه؟
_ إن هو مش راجل، وخوفها وهو قاعد جنبها معناه إنه مش هيقدر يحميها. أنتِ شايفاني مش راجل ومش هقدر أحميكي يا أروى؟
نفت بحركة سريعة من رأسها وصمتت. بداخلها الكثير، ولكنها اعتادت على التحمل بمفردها. كيف تقول له إنها ابنة غير معترف بها بتلك العائلة؟ كيف تقول أن والدها هددها بالقتل إذا اقتربت من بوابة هذا القصر العريق؟ سقطت دموعها وسمحت لنفسها بالضعف أمام مردفة:
_ المشكلة مش فيك يا علي، المشكلة فيا أنا. أنا اللي جبانة ومش هقدر أدخل قصر علام الكبير. اتحرمت عمري كله من إني حتى أعدي من جنبه. عندي أخين عايشين في العز والخير طول عمرهم، وأنا بس باخد اللي محمود يقبل يديه ليا. أنت تعرف إن محمود الوحيد اللي اعترف بيا في العيلة دي؟ هو الوحيد اللي قابلني، بس وقتها ما قدرش يعملي أي حاجة غير إنه يكملي تعليمي ويجيب ليا بيت ويديني فلوس. ما قدرش يدخلني قصر علام، لأن طاهر باشا مش معترف إني بنته. قالي لو فكرتي تعدي بس من جنب البوابة، هقتلك، هيكون آخر يوم في عمرك. ولما محمود بقى معاه كل حاجة ويقدر يدخلني القصر، بغبائي مشيت ورا واحد زي سيد وضيعت أخويا من إيدي. أنا مش هقدر أدخل هنا يا علي، صدقني مش هقدر.
طفلة صغيرة ضائعة، ذاقت كل أنواع الحرمان، تخفي نفسها تحت قناع القسوة لعلها تقدر على إخفاء ضعفها وقلة حيلتها. ابتسم إليها وقال بحنان:
_ هو الخسران اللي يبقى عنده بنت زيك ويخسرها، يبقى غبي. أروى، قولت لك تعالي نروح لمحمود، قولتي خايفة منه، ودلوقتي مش موافقة تدخلي القصر. مش هينفع تعيشي الباقي من عمرك هربانة ومخفية. صدقيني، محمود ممكن يكون قاسي من بره، لكن ما فيش في حنانه. أول ما هيشوفك، هينسى كل حاجة، حتى لو في الأول زعق شوية. هبقى جنبك يا ستي، لو رافع إيده هنضرب مكانك، مع إن إيده مرزبة. بس لازم ناخد خطوة يا أروى.
بقليل من المرح، رسم ابتسامة خفيفة على وجهها فقال:
_ أيوه كده، اضحكي، خلي الشمس تدخل. وبعدين أنا متعود عليكي مفترية، بصراحة مش قادر أعتبرك طيبة.
حدقت به بغيظ وقالت:
_ يا سلام يا سي علي، مفترية؟ على فكرة بقى، أنا عمري ما كنت مفترية، لكن أمثالك ما يستاهلوش إلا كده.
ضحك وقال:
_ عندك حق، أنا فعلاً إنسان زبالة. ولو ما كنتش اتعاملتي معايا كده، كان حالي عملت حاجات كتير جداً. هموت وأعملها، روحي منك لله يا شيخة.
_ احترم نفسك بقى، شكل العلقة اللي أكلتها في شرم ما علمتكش حاجة خالص.
لماذا تذكره بفعلتها الكارثية. عض على شفتيه ونظر إليها نظرة وقحة واضحة، ثم قال بوعد:
_ دي بالذات مش هقدر أنساها، وهعلم عليكي زي ما علمتي عليا. بس مش دلوقتي. مسيرنا يتقفل علينا باب واحد، وهيبقى البقاء للأقوى.
رفعت رأسها بكبرياء قائلة:
_ يبقى زي العادة، أنا اللي هطلع منها سليمة. خاف على نفسك بقى لتخسر شوية الفاضلين من صحتك.
رسم على وجهه ابتسامة ساخرة وقال:
_ تصدقي، دمك خفيف يا بت. اخلصي، هندخل ولا هنقابل محمود الأول؟
_ مش عارفة يا علي، تفتكر إيه الصح؟
_ نقابل محمود الأول يا أروى، هو ده الصح. لازم تتصافوا قبل ما ندخل المعركة الكبيرة مع طاهر بيه.
_ ماشي يا علي، اللي أنت شايفه صح هعمله.
***
بصباح اليوم التالي..
دَلفت ألفت لغرفة سارة لتطمئن عليها. وجدها تقف أمام المرايا تلقي على نفسها نظرة راضية بعدما تحلت بثوب سيدة الأعمال الراقية. رفعت حاجبها بتعجب مردفة:
_ سارة يا حبيبتي، إيه اللي أنتِ بتعمليه ده؟ أنتِ تعبانة ومحتاجة ترتاحي؟
ابتسمت سارة وقالت:
_ اطمني عليا يا تيتا، أنا مش تعبانة ولا حاجة. وبعدين أنتِ ناسيه، أنا عندي كلية وعندي المصنع بتاعي. ده كان حلم عمري يا تيتا، ولازم أشتغل عليه.
_ طيب ومحمود هتعملي معاه إيه؟
حركت كتفها بهدوء وقالت:
_ هعمل معاه إيه يعني؟ ولا أي حاجة. محمود جوزي وهيبقى أبو ابني، وعايدة ومعتز مراته وابنه من قبلي، فـ أنا ما عنديش مشكلة إنه ردها.
صرخت ألفت:
_ أنتِ بتقولي إيه؟ يعني إيه ما عندكيش مشكلة؟ هتقبلي على نفسك إنك تعيشي على ضرة؟ تبقي اتجننتي يا سارة، وكل ده عشان خاطر إيه؟
أخذت نفس عميق وقالت:
_ حضرتك ليه واخدة الموضوع بعصبية كده؟ عايدة مش ضرتي. محمود بقى له 15 سنة ما قربش من ست غيري، يعني وجودها في حياتنا هيبقى زي عدم وجودها بالظبط. يبقى ما فيش داعي أخرب بيتي وأعيش ابني الحياة اللي أنا عشتها عشان خاطر حاجة مش موجودة.
بها شيء غير طبيعي. هذه امرأة أخرى غير سارة. كانت أمس تموت قهراً، والآن تقف أمامها بكل بساطة متقبلة ما حدث؟ قالت ألفت بذهول:
_ أكيد في حاجة غلط. أنتِ مين لعب في دماغك كده؟ هو كلمك تاني؟ سلمت له دماغك برضه؟
أقترب منها سارة وقبلت رأسها قائلة:
_ يا تيتا يا حبيبتي، أنا مش في الحضانة عشان حد يلعب في دماغي. وعلى فكرة، حتى البنات اللي في الحضانة دلوقتي ما حدش يقدر يلعب في دماغهم. عايزاكي تطمني عليا، كل كلمة قولتها دلوقتي واعية لها كويسة أوي وفاهمها ومتقبلاها. وعلى فكرة، محمود ما كلمنيش من امبارح. بالعكس، ده أنا اللي هروح له النهارده المستشفى أعتذر له، وأعتذر لعايدة ومعتز كمان. مهما كانت دي ست، يا حرام اتاخد منها جوزها في غمضة عين، من حقها تتقهر وتعمل كل اللي عملته.
تركت جدتها بحالة ذهولها وألقت لها قبلة بالهواء، ثم ذهبت. لتقول ألفت برعب:
_ هي ناوية على إيه المجنونة دي؟
***
بالمشفى..
جلس معتز بجوار والدته على الفراش وقال بحنان وهو ينظر لوالده:
_ طبعاً عايدة هانم صحتها رجعت لها وبقت زي الفل، مدام محمود بيه قاعد معاها ليل نهار.
ابتسمت عايدة بتوتر وقالت:
_ أنا ما عنديش في الدنيا دي كلها أغلى منك أنت وبابا يا معتز، ولما محمود ردني رجعت فيا الروح تاني.
كاذبة. وهو يعمل وهي تعمل أنه يعمل، ومع ذلك يسمعها بصمت. رسم على وجهه ابتسامة ساخرة عندما قال معتز:
_ ما عنديش أغلى من محمود بيه.
_ وأنا ليا مين غيره؟
هنا لم يتحمل الصمت وقال بقوة:
_ ليكي معتز يا عايدة، سندك وضهرك، وهيبقى سندي وضهرى أنا كمان.
أومأت إليه سريعاً وقالت:
_ معتز ده حتة منك، يعني حتة من روحي.
هل لو قتلها سيحمل ذنب؟ ريما لأ، لأنها تستحق القتل عن جدارة. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يقول بهدوء:
_ روح هات لماما الفطار بتاع يا معتز، وهات لي معاك فنجان قهوة.
_ حاضر.
ظل صامتاً حتى خرج معتز من الغرفة، ثم أقترب منها بغضب شديد قائلاً:
_ إيه اللي أنتِ بتعمليه ده؟ لسه مصممة على الكذب وأنا مش قادر أتكلم عشان ما أعقدش ابني أكتر ما هو معقد. ارحمي نفسك بقى شوية واهتمي بابنك اليومين اللي فاضلين لك. الولد خلاص بقى مجنون من كتر ما هو شايف امه بتفكرش في حد غير ابوه، حتى مش قادرة تشوف ابنها.
بحزن قالت:
_ ما هو أنت اللي عودتني على كده يا محمود، ومن واحنا عيال صغيرة وأنا ما ليش غيرك. ليه دلوقتي ما بقيتش متحمل إن بقى ما ليش غيرك؟ البنت دي أخدت مكاني يا محمود، ربنا يخدها.
_ إن شاء الله أنتِ يا عايدة.
قالتها سارة بكل براءة بعدما أغلقت باب الغرفة خلفها. صوته بمفرده جعله يشعر بالاشتياق لها. دار وجهها ليرآها في كامل جمالها، فقال بذهول:
_ سارة؟
أومات إليه بدلال وقالت:
_ تؤ، بسبوسة يا روح بسبوسة.
صرخت عايدة:
_ أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ جاية تشمتي فيا يا بنت أنتِ؟
نفت بهدوء ووقفت بجوار محمود، ثم وضعت يدها حول خصره بنعومة قائلة:
_ اخص عليكي يا أبله عايدة، وأنا وحشة برضه عشان أشمت في المرض؟ لا بصراحة، أنا جاية آخد جوزي. امبارح كان ليكي والنهاردة ليا، مش ده حق ربنا برضه يا بيبي؟
بيبي؟ معقولة تكون اتجهت لشرب مخدرات؟ فما تقوله بين قوسين "دماغ متكلفة". أومأ إليها من بين أسنانه. فقالت عايدة:
_ ده اللي هو إزاي إن شاء الله؟ أنت رديت البنت دي تاني يا محمود؟
ردت بدلاً منه حتى لا تتعب فمه بالحديث وقالت ببراءة:
_ وهو يعني هيردك ومش هيردني؟ طب ده تيجي إزاي؟ ده أنا الدلع كله والحلويات كلها. تقدري تقولي عني كده، حتة البسبوسة اللي بتظبط مستوى السكر عنده.
لقد ارتفع مستوى السكر لدى عايدة بشكل مخيف، أو ربما قل الأكسجين لديها. أشارت لمحمود بتعب:
_ اطلب الدكتور بسرعة يا محمود، هموت، مش قادر آخد نفسي.
جذب سارة معه للخارج، إلا أنها قالت:
_ لأ، روح أنت. أنا ههتم بيها لحد ما ترجع بالدكتور. افرض خرجنا إحنا الاتنين، جات لها ساكتة قلبية ماتت. تموت من غير ما أشوفها بتموت حرام يا بيبي.
بالفعل بدأت عايدة تختنق بنفس لحظة دخول معتز. فنظرت إليه مردفة:
_ الحقني يا معتز، هموت.
بأسف شديد نظرت لها سارة وقالت:
_ الحقها يا معتز.
رواية عطر سارة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شيماء سعيد
دلف محمود بخطوات تدل على اقتراب كارثة. قامت ضحى من محلها وقالت بابتسامة متوترة:
_ إزاي حضرتك يا محمود بيه؟ الشركه نورت والله. ثواني هدي المدام سارة خبر.
نظر إليها نظرة حادة فقالت بخوف:
_ والله يا فندم أنا ما ليش دعوه. مدام سارة هي اللي قالتلي لما محمود بيوصل ما يدخلش غير لما أنا أؤمر بكده.
_ حقًا؟! حسناً يا صغيرة.
أشار لضحى على مقعدها وقال بقوة:
_ اقعدي على الكرسي بتاعك وما حدش يدخل علينا حتى لو كان في ضرب نار جوه. مفهوم؟
أومأت إليه وألقت بجسدها على المقعد برعب. فتح باب المكتب بقوة ثم أغلقه فابتلعت ريقها بصعوبة وهمست:
_ إيه الحظ ده يا ربي؟ بقى أنا أفلت من تحت إيد علي أجي اشتغل عند محمود. صحيح هفضل طول عمري غبية.
بالداخل.
قابلته بابتسامة هاديدة. كانت تعلم قدومه خلفها وكانت تعلم طريقة دخوله بعد حديثه مع ضحى. وضعت ساقًا على الأخرى وسندت على ظهر المقعد لتجلس براحة أكثر ثم قالت:
_ أخبار أبلة عايدة إيه يا أبيه؟ بجد قلقت عليها جدا.
أومأ إليها بهدوء ما يسبق العاصفة. ثم عاد للباب وأغلقه بالمفتاح عدة مرات ووضع المفتاح بجيب بذلته. اقترب منها بخطوات بطيئة وخلع جكيته وألقى به على أحد المقاعد بعدها رفع أكمام قميصه إلى منتصف ذراعه وقال:
_ بتلعبي مش كدة؟
ببراءة نفت بحركة بسيطة من رأسها وقالت:
_ ألعب؟ وأنا مين عشان أقدر ألعب قدامك؟ كل الموضوع إني عرفت قيمتي بالظبط وزي أي ست أصيلة رضيت بنصيبي وبحاول ألم بيتي. ما هو الخراب وحش برضو يا ابيه.
_ والله دلوقتي بقيت أبيه؟ وقدام عايدة كنت بيبي.
أومأت إليه بخجل. أخرجه عن السيطرة وأكملت عليه بحديثها الناعم:
_ طبعاً لازم تبقى قدامها بيبي. ما ينفعش أسرار خلافاتنا تخرج لحد بره. بديك برستيجك قدام الناس كده أبقى غلطت يعني؟
_ يكفي دلال.
جذبها من فوق المقعد وصرخ بغضب:
_ إيه القرف اللي انتِ عملتيه النهارده؟
تخلت هي الأخرى عن برودها وقالت بنفس غضبه:
_ قرف إيه اللي أنا عملته النهارده؟ عشان عايدة هانم زعلت؟ ما أنا من يوم ما عرفتكم زعلانة. كل الموضوع إني جيت زرتها وفهمتها إني راضية بوجودها في حياتنا. غلطت في إيه أنا بقى؟ حاولت أطمنها وأفهمها إن هي مكانتها ما حدش يقدر يقرب منها في قلبك مين ما كان. أكدت لها على كلامك مش أكتر.
هي تتحدث بموضوع وهو عينه على موضوع آخر. يرن بعقله بسؤال واحد: هل رآها أحد غيره بهذا الثوب؟ هل مرت بجمالها هذا من أمام رجل غيره؟ بل رجال رآها رجال يا ابن علام. ضرب على المكتب بقوة ليدق قلبها بخوف لم تظهره وقال:
_ عايدة مين وزفت مين ما يولع. أنتِ مش شايفة نفسك لابسة إيه؟ لفة البلد كلها بقميص نوم ليه؟ جوزك مركب قرنين؟ ده أنا لحد دلوقتي ما شفتكيش بقميص نوم.
حركت كتفها بدلال وقالت:
_ ده فستان. أنت بس اللي موضة قديمة.
رفع حاجبه بمعني حقًا ثم جذبها من مقدمة ملابسها لتبقى بين يديه وقال بغيرة قاسية:
_ أنا لحم مراتي مش رخيص. ده أنتِ شيلة اسم كبير عيلة علام. بس طالما مش بتتكسفي تمشي بنص جسمك عريان أكيد مش هتتكسفي تقفي عريانة قدام جوزك.
قبل أن تأخذ أي رد فعل أو تفهم ما ينوي عليه كان شق فستانها نصفين لتبقى أمامه بملابسها الداخلية المصبوغة باللون الأحمر.
_ ماذا فعلت يا محمود؟ قالها لنفسه وهو يلعن غضبه. هذه الفتاة تقوده للجنون. رأى بعينيها قوة غريبة قبل أن تزيل عنها باقي الفستان وتعود لتجلس محلها واضعة ساقًا على الأخرى مردفة:
_ فداك 100 فستان. المهم انت دلوقتي مرتاح وحاسس إنك أعصابك أهدى ولا محتاج أقلعني الباقي؟
حدق بها بذهول وقال:
_ أنتِ بتقولي إيه؟
_ بقول إيه بس! أنا عارفة إن حضرتك متعصب جداً وما قدرتش طبعاً تطلع عصبيتك دي على عايدة التعبانة ولا معتز العيل اللي بيرضع. فقررت تطلعه على سارة الشريرة وأنا سبتك تطلع اللي انت عايزه. تؤمرني بحاجة تانية يا سيدي؟
يبدو إنها بالفعل اتجهت لشرب المخدرات. تقوده للجنون وليكون صادقًا، وصلت به إلى حافته. اقترب من هاتف المكتب وضغط على أحد الأرقام ليأتيه صوت ضحى بتوتر:
_ والله يا مدام سارة أنا حاولت ما أدخلهوش زي ما حضرتك طلبتي بس هو اللي صمم. حقك عليا.
_ اخرسي يا ضحى. معاكي ربع ساعة وتجيبي لي فستان مقفول على مقاس سارة.
_ أمرك يا باشا. بس الله يبارك لك فيها يا باشا. الفستان الأولاني أخدته أنا من ساعة ما شوفتها بيه الصبح وعيني بتطلع قلوب.
أغلق الهاتف وهو يسمع رأي امرأة بجمالها. إذن ما رأي الرجال؟ عاد بنظره لها وجدها زادت جمالاً وفتنة فصرخ:
_ الله ياخدني يا شيخة عشان ترتاحي.
رفع حاجبها بتعجب مردفة:
_ هو انت دايماً ظالمني كده؟ لما انت تموت أنا هحرق دم مين؟ حياتي مش هتبقى مسلية خالص. ربنا يديك طول العمر يا محمود.
بتعب جلس على أقرب مقعد. خافت عليه ومع ذلك ظلت بمكانها تتابعه من بعيد. ظل على هذا الحال لعدة ثوانٍ قبل أن يسألها بتعب:
_ مش بتثقي فيا ليه يا سارة؟
أهتزت من سؤاله ومن طريقته. حركت رأسها بتعب وقالت:
_ مين قال لك كده؟ ده أنا وثقت فيك بدل المرة ألف. وكل مرة كنت بتخذلني. رديت عايدة ليه يا محمود؟ مخبي إنك رديتها ليه؟ ليه كل ما تتحط في اختيار تختار أي حد إن شاء الله البواب وأنا لأ؟
سألها برجاء:
_ لو قولت لك ما ردتهاش هتصدقيني؟
_ لو كنت قولتها قدامها كنت هصدقك. لو كنت قولتها قدام معتز كنت هصدقك. انت دايماً قدام الناس بتبقى حاجة ومعايا بتبقى حاجة تانية. بتعيشني في أحلام وبعد ثواني بالظبط بتفرج عليك من بعيد معاهم. بعرف إن عبيطة وعايشة في مجرد وهم. لو انت فعلاً ما رديتهاش قولها قدام الكل. قولهم إن أنا دلوقتي مراتك وردتها.
نظر إليها بعجز. صبرت معه كثيراً والآن من حقها البسيط معرفة الكل بزواجه منها. التوقيت يسحبه لحافة الهاوية. سألها برجاء:
_ لو قولت لك أصبري عليا شوية كمان هتثقي فيا وتصبري يا سارة؟
بحديثه الناعم دائمًا يفوز بقلبها. والآن لا يكفي لهنا خضوع. ابتسمت بسخرية قائلة:
_ وده ليه؟ لحد ما عايدة تموت؟ خايف عليها؟
_ الأعمار بأيد ربنا. عايدة مريضة بقى لها أكتر من 17 سنة ولسة عايشة. لكن معتز مراهق وحزين محتاج شوية وقت. أكسب ابني وبعدين أفهمه الصح من الغلط. عايز أصلح لعب عايدة في دماغه. ولو قولت إنك مراتي هي هتستغل ده وهخسر معتز للأبد.
ببساطة شديد جعلته يشعر بالخوف. أومات إليه وقالت:
_ خد وقتك براحتك. بس يا ريت الفترة دي تبقى بعيد عني. بلاش تحسسني إني في السر لمزاجك. خليني بنت عمك وبس لحد ما تحس إنك قادر تقول للكل إني مراتك.
ربما أرادت أن تعجزه. ربما أرادت أن يرفض طلبها ويقربها منه أكثر حتى لو رغماً عنها. أوما إليها بهدوء. فدق باب المكتب. قام بفتحه. أخذ من ضحى الملابس ثم أغلق الباب. اقترب منها ووضع الكيس أمامها مردفاً:
_ البسي هدومك بدل ما تتعبي. ولو عايزة تبعدي عني في فترة وجعي لحد ما أحل مشاكلي ماشي يا سارة. هعمل اللي يريحك.
_____ شيماء سعيد ____
بفيلا سارة.
دلفت الخادمة لغرفة ألفت وجدتها تجلس على الفراش وتقرأ بكتاب الله فقالت بهدوء:
_ مدام ألفت. مدام حنان تحت محتاجة تقابل حضرتك.
بعد دقائق كانت تقف ألفت أمام حنان. حدقت بها بصمت لتقف الأخرى أمامها بأعين غارقة بالدموع ثم قالت بقهر:
_ وحشتيني أوي يا ماما.
بقلة حيلة وحزن فتحت ألفت ذراعيها لها. حنان مهما فعلت ستظل ابنتها التي تربت على يدها. ألقت نفسها بأحضان زوجة عمها وأم زوجها وبكت حتى شعرت بالتعب من كثرة البكاء. ساعدتها ألفت بالجلوس مردفة:
_ مالك يا حنان؟ إيه اللي عامل فيكي كده؟
_ محمود سابني لوحدي وإنتِ كمان مشيتي مع سارة. والله العظيم يا ماما أنا بحبها زي بنتي وخوفت عليها من خراب بيتها.
طبطبت ألفت على ظهر حنان وقالت بهدوء:
_ مش دايماً الخراب بيبقى وحش يا حنان. يمكن لو سمعتي كلامي زمان وطلبتي الطلاق من طاهر مكنش هيبقى ده حالك. ابني لما حس إنك دايماً موجودة مهما يعمل ساق فيها. جوزك بقى له أربع شهور وأكتر صايع من ست لست وانتِ عارفة كده كويس. لو كنتي بتحبي سارة فعلاً مكنتيش تتمني ليها حياة زي دي.
حركت رأسها بنفي وقالت:
_ عشان بحبها عايزاها تفضل مع محمود. محمود مش طاهر يا ماما. لو كان زي طاهر مكنش صبر على عايدة كل السنين اللي فاتت دي.
زفرت ألفت بضيق وقالت:
_ بقى زيه يا حنان. محمود مش شايف وجع سارة. شايف وجعه هو بس. لو فضلت معاه هتعيش عمرها كله تحت رجل معتز. طاهر ابني الله يسامحه عقد محمود ومحمود مش عايز معتز يحس نفس إحساسه. وفي المقابل سارة بس اللي هتطلع خسرانة.
فهمتها حنان وحزنت على ما وصل له ولدها. ربما لو كانت أخذت موقفًا بالماضي كانت قادرة على إنقاذ أولادها. محمود الذي يحمل الكثير وطارق التأهب ببحر اللامبالاة. ولكن سارة طوق نجاة محمود الوحيد. إذا ابتعدت تعلم أنه لم يتحمل. فقالت:
_ عندك حق. بس محمود كمان حفيدك ووجعه يهمك.
_ ده حتة مني يا حنان مش بس حفيدي. عشان كده الأحسن له يبدأ مع واحدة تانية مش واحدة ابنه كان عينه منها وهيفضل طول العمر يكرهها.
_ طيب ارجعي معايا البيت. من وقت دخول عايدة المستشفى وأنا خايفة لوحدي.
ابتسمت ألفت بحنان قائلة:
_ خليكي معايا أنا وسارة هنا. بس الأول تعالي نزور عايدة. مهما عملت هتفضل حفيدتي.
_ ماشي.
______ شيماء سعيد _______
بعد أكثر من ساعتين بشركة علي.
زفر محمود بضيق من صمت صديقه. طلب منه أن يأتي سريعًا وعندما أتى تحلى الآخر بالصمت. ضرب على كتف علي بقوة وقال بنفاذ صبر:
_ ما تنطق يا ابني في إيه؟ أنا ورايا مصايب الدنيا. هفضل قاعد كده كتير.
تنحنح علي بتوتر وقال:
_ مهو أنا ساكت عشان أنت عندك مصايب الدنيا ومش عايز أزود همك. وفي نفس الوقت الموضوع بوخ أوي ومش هقدر أسكت أكتر من كده.
حدق به محمود بقلق وقال:
_ قول فيه إيه يا علي؟ مش هيبقى أكتر من اللي أنا فيه.
أومأ إليه علي وقام من محله بخطوات مترددة. اقترب من باب غرفة الاجتماعات وفتحه ثم أشار إليها بالاقتراب. نفت بخوف فأخذ نفس عميق وجذبها إليه بصبر هامسًا:
_ أنا جنبك. متخافيش. واللي احنا بنعمله ده الصح.
تحركت معه ليأخذ من يدها حتى وصل بها أمام محمود. ظل لعدة لحظات يحدق بها بصمت يحاول استيعاب رؤية شقيقته أمامه بعد سنوات من الغياب. قام من محله بتوهان وقال وهو يمرر يده على وجهها:
_ أروى؟
قالها بحنين. قالها برجاء أن تكون بالفعل أروى. أومأت إليه بتوتر باشتقياق بخوف. فتح يديه لها بنداء يحمل الكثير من الحنين. ألقت نفسها على صدره وبكت بكل قوتها. بكت وهي أخيرًا تعيش شعور الأمان الذي افتقدته. أغلق يديه عليها وأغلق عينيه. وجودها معه الآن وشعوره بها كان شيئًا بعيدًا.
بعد فترة ابتعد عنها فقالت بقهر:
_ حقك عليا يا محمود. سيد طلع زبالة. أنت طلعت صح. مكنش عايز غير الفلوس. أنا اتكسرت بعيد عنك. بس كنت خايفة أجي أقولك اللي حصل ليا وأنت مش موجود.
ربما قسوته جعلتها تتقبل ما عاشته بعيدًا عنه. سقطت دمعة من عينيه وقال:
_ حقك عليا لو قسيت عليكي. بس والله العظيم أنا كنت خايف عليكي يا أروى. فضلت أدور عليكي لحد ما عرفت إنك اتجوزتي الكلب ده. لو كنت روحت لك وقتها كنت خرجت بروحك في إيدي.
تدخل علي بالحديث وقال بقلق على صديقه:
_ محمود بلاش انفعال. أنت ضغطك مش مظبوط.
_ علي؟
هنا فقط تذكره. ماذا تفعل شقيقته بشركة علي؟ رفع حاجبه بتعجب مردفًا:
_ أنت تعرف أروى منين؟
_ أروى تبقي السكرتيرة بتاعتي من فترة. ولما شوفت اسمها سألتها عنك قالت مجرد تشابه أسماء. بعد فترة لما عرفت إننا أصحاب قالت إنها أختك وبنكم مشكلة. فأنا طلبت منها تواجهك. الهروب مش حل. ووو.
بقوة قال محمود:
_ وإيه قوة العلاقة اللي بين سكرتيرة ومديرها عشان تحكي له مشاكل شخصية بالشكل ده؟
نظر إليها علي لعله يأخذ منها العون حتى يكمل كذبته. وبالفعل تدخلت قائلة:
_ علي طلب إيدي للجواز يا محمود. وكان لازم أقول له الحقيقة وقتها.
بعيون مثل الصقر ظل نظره على صديقه وقال:
_ الكلام ده بجد يا علي؟
_ أيوة. أروى طول فترة شغلها معايا وهي ست محترمة. مش هلاقي ست أحسن منها تشيل اسمي وتبقى أم أولادي.
نظر إليها محمود وقال:
_ فين الزفت اللي أنتِ متجوزاه؟
نظرت لعلي تلك المرة تطلب منه العون. فقال بسرعة:
_ اتطلقت منه من شهرين وشوية. قبل ما تيجي تشتغل في الشركة عندي.
يوجد بتلك الحكاية حلقة مفقودة. أوما لهما بهدوء ثم جذب أروى إليه مردفًا:
_ هاتي حاجتك ويلا بينا على بيتك تلمي هدومك وتيجي تعيشي عندي.
بلهفة تعلقت بيده مثل الطفلة الصغيرة وقالت برجاء:
_ أنت سامحتني يا محمود صح؟
_ في بيتنا نتكلم يا أروى.
_ بس أنا مينفعش أدخل قصر علام. أنت عارف بابا ووو.
صمتت بإشارة من يده وقال:
_ في بيتنا نتكلم يا أروى.
صمتت وقبل أن تخطو خطوة معه قال علي بلهفة:
_ محمود استنى. أنت موافق بجوازي منها صح؟
آه منك يا علي. لماذا سأله عن قبوله؟ فهو الآن غير قادر على المناقشة. نفي بهدوء وتحرك. فذهب علي خلفه مردفًا بذهول:
_ معنى كده إيه؟ أنت موافق يا محمود؟ قولي موافق يا علي عشان أرتاح.
_ لأ يا علي مش موافق. ولو أنت آخر راجل في الدنيا كلها مش هسلمك أختي بإيدي.
تركه بذهوله وأخذها وهي الأخرى بحالة من عدم الاستيعاب وذهب. ألقى علي بحسده على أقرب مقعد مردفًا:
_ ده رفضني!!!
_____ شيماء سعيد _____
بفيلا سارة.
عادت بعد انتهاء عملها. دلفت لغرفة المعيشة وجدت جدتها تجلس مع حنان ويبدو عليها الحزن. رفعت نظرتها إليها بقلق وقالت:
_ مالك يا تيتا؟ شكلك حزين كده ليه؟
_ عايدة تعبانة أوي يا سارة. لما روحت لقيت الدكاترة مانعين الزيارة.
لتكون صادقة ليس بداخلها ولو جزء صغير من الشفقة على عايدة. فقالت بهدوء:
_ مفيش داعي تقلقي. جوزها وابنها جنبها وهتبقى بخير.
بخجل نظرت إليها حنان قائلة:
_ مش هتسلمي عليا يا سارة؟
تحمل بداخلها القليل من الحزن منها ولكن تعلم أنها مثل أي أم لا ترى سوى ولدها. ابتسمت إليها بهدوء وقالت:
_ لأ إزاي يا طنط؟ البيت نور.
_ ينفع أقعد في بيتك يا سارة يومين؟ أصلي بصراحة بخاف أنام لوحدي.
ما هذا؟ كيف أن تكون بهذا الانكسار؟ بحنان طفلة صغيرة ضمتها سارة سريعًا مردفة بعتاب:
_ إيه اللي حضرتك بتقوليه ده؟ ده بيتك زي ما هو بيتي وأكتر كمان. إيه رأيك بقى إنك هتنامي جنبي كمان.
ضمتها حنان بمحبة. فدلت الخادمة وقالت:
_ محمود بيه بره. قالي استأذن من مدام سارة عشان يدخل.
تعجبت حنان وألفت. فأبتسمت سارة بسخرية مردفة:
_ قوليله يدخل. واعملي لي قهوة.
دلف بعد ثوانٍ ومعه أروى. صدم من وجود والدته ونظر لأروى الصامتة ثم زفر بضيق مردفًا:
_ بتعملي إيه هنا يا ماما؟
قالت ألفت:
_ هتعيش معانا هنا يا محمود.
هذا ما كان ينقصه. ألف مصيبة فوق رأسه ومطلوب منه حلهم. أشار لشقيقته ثم قال وعينيه على والدته:
_ أروى طاهر علام.
توقع صريخ والدته رفض ما قاله. إلا أنها ظلت صامتة فقالت ألفت بغضب:
_ أنت بتقول إيه بالظبط يا محمود ومين البنت دي؟
بهدوء ساعد أروى بالجلوس ثم قال:
_ الله يخليكي مش وقت صدمة. بلاش تحسسيني إن ابن ابنك طول الوقت كان قاعد على سجادة الصلاة. كلكم عارفين بيعمل إيه بالظبط. وكلامي واضح. أروى تبقي أختي ومكانها هنا في بيتي.
كانت سارة تتابع الحديث بصمت. وضعت يدها على بطنها وكأنها ترى القادم من بعيد. اقترب محمود من والدته وقال بحنان:
_ أنا متأكد إنك دلوقتي موجوعة. بس أروى ملهاش أي ذنب في اللي حصل غير إن هي كانت نتيجة غلط جوزك. وأنا مش هخليها تدفع التمن أكتر من كده.
أومات إليه حنان بتعب:
_ وأنا ما طلبتش منك تخليها تدفع التمن. ده بيتها وبيت أخوها. مش هقدر أقولها إني هبقى أمها. بس كمان مش هكون عدوتها. عن إذنكم هطلع أرتاح شوية.
خرجت من الغرفة فقالت أروى بتوتر:
_ محمود. أنا مكنتش عايزة أقلب حياتك بالشكل ده. أنا عندي بيت ممكن أرجع أعيش فيه عادي.
تنهد بتعب وقال:
_ قلت للخدامة تحضر لك أوضة. اطلعي ارتاحي يا أروى عشان لسه في بينا كلام كتير ما اتقالش.
نفذت طلبه فهي بأشد الحاجة للقليل من الراحة. فقالت ألفت:
_ إيه الحكاية يا محمود؟ البنت شكلها كبيرة وبعدين طاهر يعرف بيها ولا لا؟
انفجر محمود بغضب:
_ وهو من إمتى ابنك كان بيهتم بحد ولا فارق معاه إيه اللي بيحصل ولا إيه اللي ما بيحصلش؟ طول عمره أناني أهم حاجة عنده نفسه. أيوه عارف بيها ومن سنين ورفض حتى يكتبها باسمه. أنا كتبتها باسمه غصب عنه. لو عايزة تعاتبي حد أو تتكلمي مع حد يبقى ابنك مش أنا. لإن خلاص جبت آخري ومش قادر أتحمل أكتر من كده. انتوا فاكريني إيه؟ جبل؟ أنا بني آدم.
جذب سارة بغضب وصعد بها لغرفة نومها. أغلق الباب عليهما وقال:
_ ناويه تاخديني في حضنك وتخليني أنام ولا دي كمان ممنوع لحد ما الكل يعرف؟
لو بيدها لأخذته بأحضانها وحملت عنه وجع العالم. لكن بكل أسف هو من بنى هذا السور بينهما. حركت رأسها مردفة:
_ محمود أنت تعبان وأي كلمة أنا هقولها دلوقتي هتزود تعبك. لو محتاج ترتاح السرير أهو اتفضل نام عليه وارتاح. لكن أنا مش هكون المخدة اللي تنام عليها.
أومأ إليها بتعب ثم اقترب من خزانة الملابس وسحب منها أحد ملابسها ثم ألقى بجسده على الفراش ووضع منامتها على وجهه مردفًا:
_ اطلعي وأقفلي الباب وراكي.
خرجت من غرفتها وهي تضغط على شفتيها تحاول منع دموعها. دلفت للغرفة المجاورة ووقفت أمام المرآة ويدها تحاوط بطنها:
_ كل يوم بيعدي بيخليني أتأكد إنك ما ينفعش تيجي الدنيا. أنا وأنت مهما حاولنا هنفضل على هامش حياة محمود. وممكن في يوم من الأيام تبقى زي أخته كده مش معترف بيك أصلاً. اللي هعمله غلط والأكيد إنه حرام. بس ما فيش بإيدي حاجة تانية أقدر أعملها. أنا مش عايزة تطلع زيي. تفضل تعيش عمرك كله منبوذ. صدقني يا قلب ماما. أمك حتى مش قادرة تدافع عن نفسها. هدافع عنك أنت إزاي؟ سامحني يا حبيبي وادعي لربنا يسامحني.
رفعت هاتفها وقامت بإرسال رسالة للخادمة ثم أغلقت الهاتف وانهارت بالبكاء.
____ شيماء سعيد ______
صباح اليوم التالي.
في السادسة صباحًا.
صعدت سارة بأحد سيارات الأجرة ومعها الخادمة. حدقت بها بخوف مردفة:
_ أنتِ متأكدة إن الدكتورة دي كويسة يا حليمة؟
أومات حليمة وقالت:
_ والله الدكتورة حلوة أوي والحارة عندنا كلها بتشكر فيها. ما وافقتش تعمل العملية دي غير عشان خاطري بس. فكري تاني يا ست هانم. خطوة زي دي كبيرة ومحمود بيه.
أشارت إليها سارة بالصمت وقالت:
_ مش عايزة كلمة زيادة لحد ما نوصل.
نفذت حليمة طلبها. أما هي وضعت يدها على بطنها وبكت بهزيمة. بداخلها شعور قوي بالرفض. تتمنى لو تتركه يكبر بداخلها وتأخذه بعيدًا عن الجميع.
وقفت السيارة أمام عيادة الطبيبة فنزلت سارة بجسد مرتجف. فقالت حليمة:
_ ست سارة لو خايفة وحاسة إنك مش قادرة يلا نروح.
ضغطت سارة على كف حليمة وقالت:
_ هبقى كويسة. كده أحسن كتير.
على بعد عدة أمتار كان يقف أحد رجال محمود. تابعها وهي تصعد لهذا المبنى فأقترب من إحدى السيدات مردفًا:
_ الا قوليلي يا حاجة البيت ده بتاع مين؟
نظرت للمرأة إلى محل إشارته وقالت:
_ دي دكتورة نسا يا ابني. بس مش أي دكتورة. شغلها كله شمال. من تسقيط لعمليات تانية. كده استغفر الله العظيم.
أبتعد سريعًا وقال بالاتصال على محمود مرة والثانية والثالثة حتى وصل إليه صوت محمود النائم:
_ في إيه يا بني آدم؟ هو في حد يرن على حد الساعة 6:30 الصبح؟ عايز إيه؟
_ آسف يا باشا بس الموضوع ما ينفعش يتأجل. مدام سارة حالياً في شقة غريبة. سألت واحدة من الجيران قالتلي إن دي عيادة دكتورة نساء بتعمل عمليات مشبوهة زي الترقيع والإجهاض.
انتفض جسده من فوق الفراش وعقله يردد جملة واحدة " سارة تقطع آخر خيط بينه وبينها ". متى خرج من المنزل ومتى وصل لسيارته لا يعلم. صرخ برعب:
_ قولي العنوان بسرعة.
_ العنوان *****.
_ ادخل جوا وقف اللي بيحصل لحد ما أوصل لك.
أغلق الهاتف وقال بتوهان:
_ ليه يا سارة؟ ليه؟
بعد عشر دقائق وصل أسفل العقار. صعد وهو يأخذ أكثر من ثلاث سلالم معًا. دلف للداخل ليجدها نائمة بعدما المخدر. صرخت الخادمة برعب:
_ والله العظيم يا باشا ما حصل لها حاجة. هي بس نايمة والدكتورة ما قربتش منها ولا من ابنك.
_ ابني؟
_____ شيماء سعيد _____
رواية عطر سارة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شيماء سعيد
بالمساء بعروس البحر المتوسط..
بشالية خاص بعائلة علام..
فتحت سارة عينيها بصداع، وضعت يديها حول رأسها تحاول تذكر ما حدث معها، الخادمة، الطبيبة، جنينها.
وضعت يدها على بطنها بهلع لتسمع صوته الساخر بجوارها:
_ مات ربنا يجعلها أخر الأحزان..
انتفضت، رفضت، بكت، ندمت، مشاعر كثيرة ضربتها دفعة واحدة من مفعول جملته.
رفعت عينيها إليه لا تعلم لما أرادت سماع إن جنينها بخير رغم ما فعلته.
كان يجلس على المقعد المقابل لها واضعا ساق على الآخر ثم قال:
_ أكيد دي دموع الفرح مهو اللي كان بيربط بينك وبين محمود الوحش مات..
رأت بعينيها نظرة عتاب وكأنها ترمي عليه اللوم وهذا ما قالته بنحيب:
_ أنت السبب في موت إبني أنت السبب في كل حاجة لأنك ضعيف زي أبوك بالظبط ويمكن أبشع منه..
ماذا قالت؟!.. وكيف قدر لسانها على هدم أخر ما بينهما؟!..
حدق بها بذهول ثم أشار على صدره مردفا:
_ أنا السبب؟!.. ليه قولتلك خبي عليا حملك وروحي أمشى ورا خدامة الله أعلم معاكي والا عليكي، أنا اللي قولتك أقتلي روح مالهاش ذنب في أي حاجة غير ان واحدة غبية زيك أمها؟!..
نظرت إليه بأعين غارقة بالدموع ثم قالت:
_ كنت عايزني اسيبه يعيش مع اب رافض يقول للناس إنه متجوز أمه؟!.. كنت عايزني أجيب طفل الدنيا عشان يعيش منبوذ زي أروى أختك..
_ أخرسي يا غبية أنتِ مراتي على سنة الله ورسوله مش محتاجة اي أثبات عشان أعترف بابني، وبعدين هو أنتِ شايفني زبالة لدرجة اني معترفش بحتة مني؟!..
حركت رأسها بضياع وقالت:
_ أنت مش شايف غير معتز وعايدة عارفة كدة وبتضغط عليك بيه وأنت بتعمل أي حاجة وكل حاجة عشانه، أنا مش في حساباتك حتى لو بتحبني زي ما بتقول الحب محتاج قوة تحميه وأنت رغم كل قوتك دي ضعيف وعاجز..
قالتها للمرة الثانية وكأنها تود إثباتها عليه.
كان حقاً مذهول يراها لأول مرة ويرى نفسه بعينيها للمرة الأولى.
أومأ إليها بقوة مردفا:
_ لو كنت راجل ضعيف كان أقل رد مني على كلامك وافعالك علقة موت تقعدك في المستشفى شهرين تلاتة، بس أنا عشان راجل مش هعمل كدة، معتز ده ابني حتة مني مش جايبه من الشارع عشان تبقى مشاعره ولا حاجة بالنسبة ليا، كنت فاكرك هتقفي جانبي لحد ما نعدي الصعب سوا وتكوني واثقة في حبي، بس أنتِ اللي عيلة صغيرة معندهاش لا خبرة ولا مخ بتتصرفي بغباء ومش شايفة غير نفسك..
صرخت به مردفة:
_ أنت مستخسر فيا أشوف نفسي؟!.. ده حقي طالما على هامش حياة الكل ومحدش مهتم بيا ولا بوجعي يبقى من حقي أخاف على نفسي..
ضرب كفيه ببعض بقوة ثم أقترب منها مردفا بسخرية:
_ من حقك تخافي على نفسك برافو، وكان مين اللي هيدفع التمن إبني اللي لسة مشافش للدنيا نور.
_ تقدر تقولي مشاكلك كانت هتتحل امتي لما بطني تبقي قدامي مترين والكل يقولي منين، وطبعا البيه هيبقى خايف على مشاعر معتز الأحسن ليا اتحمل الفضيحة لوحدي لحد ما معتز أعصابه تهدي..
يكفي لهنا أي كلمة ستقال ستبني بينهما حائط جديد ربما يستحيل هدمه.
أخذ جكيت بذلته وقال:
_ ظلم بظلم أنتِ ممنوعة تخرجي من هنا لحد ما تولدي، معاكي عزيزة هتبقى تحت أمرك والحرس على الباب حدودك الشالية أي خطوة برة ممنوعة، موبايلك في ايدك اعملي بيه اللي أنتِ عايزاه بس نصيحه مني يا سارة لو سألتك جدتك او أي حد أنتِ فين فانتِ بتصيفي خلينا حلوين مع بعض للآخر واعرفي كويس ان أنتِ اللي وصلتينا هنا، لان اللي زيك لا يؤتمن يبقى حر المرة دي لحقته يا عالم المرة الجاية ممكن تعملي إيه؟!
بعد يوم طويل مرهق عاد محمود لقصر علام وهو يعلم انه خالي من أفراد العائلة.
وجد علي يجلس بانتظاره فزفر بضيق مردفا:
_ وبعدين في اليوم اللي مش عايز يخلص ده؟!
جلس على الأريكة المقابلة لمقعد علي وقال:
_ جاي ليه بالليل كدة ؟!
أجابه الآخر بغضب:
_ أنا هنا من 8:00 الصبح بس أنت اللي مكنتش موجود..
_ وسايب شغلك واللي وراك وقاعد هنا من 8:00 الصبح لوحدك تعمل ايه يا علي؟!..
_ ما تبطل برود يا جدع انت، أنت عارف انا هنا ليه يا محمود رفضت جوازي من أروي ليه ؟!.. شايفني مش قد المقام ولا ما ينفعش اناسب محمود باشا علام؟!
تنهد محمود بضيق ثم قال بقوة:
_ بلاش تخريف يا علي وبلاش كلام خلينا نخسر بعض، أنت عارف كويس قوي انا مش موافق على الجوازه ليه..
حرك رأسه بنفي وقال:
_ لأ يا محمود مش عارف أنت مش موافق ليه؟!.. انا كنت فاكر انك هتبقى مبسوط بس طلعت بالنسبه لك ولا حاجه لدرجه انك مش عايز تحط ايدك في ايدي..
نظر إليه محمود بحدة وقال:
_ هو انا مش قولت لك بلاش كلام يخلينا نخسر بعض، عايز تعرف انا مش موافق ليه؟!.. لانك بتغير الستات زي الشرابات أنت ما تقدرش تعيش مع ست أكتر من اسبوع واللي انت جاي تطلبها دي اختي اللي شافت هم الدنيا كله والمفروض اني اعوضها مش اديها لك عشان تكمل عليها، تحطها في البيت زي الاباجوره وتطلع تتصرمح أنت براحتك، علي خلي اللي بينا اقوى من النسب والحاجات اللي ممكن تخسرنا بعض...
محمود محق هو صاحب ماضي أسود يجعل الجميع يخشي خوض التجربة معه.
قام من مكانه وقال بقوة:
_ عندك حق تخاف وتشك بس انا بحبها يا محمود، أنت أكتر واحد عارف الحب بيغير البني ادم ازاي مش هسيبها وهفضل العمر كله مستنيها لو ده هيثبت لك اني بحبها، انا همشي دلوقتي لكن عايزك تفهم حاجه واحده بس ان أروى هتبقى مراتي وام ولادي حتى لو اتجوزتها واحنا عندنا 100 سنه..
ذهب علي فأخذ محمود نفسه بتعب وأخرج هاتفه وقام بالاتصال على جدته.
قبل أن ينطق بحرف وصل إليه صوتها الغاضب:
_ سارة فين يا محمود ؟!..
أجابها بقوة:
_ امتحاناتها خلصت من أسبوع فسافرت تغير جو..
_ يا سلام أنت فاكرني يا عبيطة عشان اصدق الكلام الاهبل اللي أنت بتقوله ده، عملت ايه في البنت يا محمود؟!..
حرك عنقه يميناً ويساراً بإرهاق وقال:
_ رني عليها لو قالت لك غير اللي انا قولته ابقي حاسبيني يا الفت هانم وسلام دلوقتي عشان أنا تعبان..
أغلق الهاتف بوجهها ثم قام بخطوات ثقيلة لغرفة مكتبه.
فتح اللاب توب الخاص به ليجدها عبر الكاميرات تنام على فراشها وتضم وسادتها إليها فقال بحزن:
_ حقك عليا يا حبيبتي بس أنا خايف منك ومش عارف لو اديتك ضهري في وسط الزحمه اللي انا فيها دي كلها ممكن تعملي في نفسك ايه ولا في ابني ايه.. اخلص من القرف اللي حواليا ده كله عشان اقدر يبقى كل تركيزي عليكي بس وهرجعك لحضني تاني..
حمل اللاب توب ونام على الأريكة الموضوعة بغرفه المكتب ثم وضع اللاب توب على بطنه وظل يشاهدها حتى ذهب هو الاخر بالنوم..
بعد يومين..
بلندن..
دق باب منزل طاهر كان يعلم هوية الطارق فقام بخطوات سريعة حتى وصل للباب فتحه ووجد ولده الكبير يقف أمامه بملامح يفوح منها التعب والإرهاق.
افسح له مساحة يستطيع الدخول منها، دلف محمود واغلق الباب خلفه ثم القى بجسده على اقرب مقعد فقال طاهر بقلق:
_ قولي مالك يا محمود من وقت ما اتصلت بيا عشان تعرف مكاني وانا مش مطمن، أنت فيك ايه بالظبط شكلك بيقول انك تعبان حنان حصل لها حاجه؟!..
نظر اليه محمود بسخريه ثم قال:
_ وانا وحنان نفرق معاك في ايه يا بابا؟!.. مراتك بقى لك اكتر من خمس شهور ما شفتهاش، حملك وحمل عيلتك كله حطه على دماغي، جاي دلوقتي تقولي شكلك تعبان ما انا لازم اتعب عشان انا بني ادم مش جبل..
جلس طاهر بجواره، ولأول مرة يشعر بأن محمود تعب من دور الكبير، يعلم من البداية إنه أب وزوج فاشل ولكنه أعتاد على وجود محمود محله.
أبتلع ريقه مردفاً:
_ أول مرة تشتكي من وقوفك في ضهري يا محمود، اول مره اشوف في عينك نظره عتاب او احس اني قليل قدامك..
ضغط محمود على رأسه بتعب ثم قال:
_ عشان انا مش واقف في ضهرك يا بابا انا واقف مكانك، بص مش جاي لا الومك ولا اعاتبك ولا اتكلم معاك في اي حاجة، أنت كبير كفايه انك تعرف الصح من الغلط، كل اللي بطلبه منك أنك تبقي جانبي الأيام دي محتاج لك، محتاج لحد يقف في ضهري واحس اني مش لوحدي، هترجع وتقف جنبي ولا مش هتقدر؟!....
كان سؤال مغلف برجاء كبير، شعر به طاهر ففتح ذراعيه لولده الذي كان ينتظر هذا العناق بلهفة، القى بنفسه على صدر والده وأغلق عينيه بالقليل من الراحة فقال طاهر:
_ تعالي أدخل ارتح يا محمود وبعدين ننزل مصر..
بشعور طفل صغير بالأمان أومأ إليه وسار معه للداخل مردفاً بطاعة:
_ ماشي..
بدأت تمر الأيام ومحمود يتابع سارة يوما بعد يوم عبر الكاميرات ويذهب إليها كل يومين تفتح إليه الخادمة لينام على الأريكة المقابلة لفراشها ويرحل قبل أن تستيقظ.
بمرة من المرات رآها بالكاميرة تسأل عزيزة بشك:
_ أنا عايزة أفهم حاجه ريحه البرفان اللي بصحى كل يوم الاقيه مليان الاوضه ده جاي منين بالظبط واياكي تكدبي عزيزه..
إجابتها الأخري بتوتر:
_ ريحه ايه بس يا ست هانم وانا اعرف منين؟!
._ يعني محمود مش بيجي هنا؟!..
_ وهو يعني هيلبس طاقيه الاخفاء يا ست هانم ما هو لو بيجي هتشوفيه وتسمعي صوته..
زفرت بضيق وقالت:
_ ماشي روحي اعملي ليا قهوة..
تحركت عزيزه للخارج فضربت سارة على رأسها مردفة:
_ لا بيجي لك ولا عايز يشوفك ولا بيفكر فيكي أصلا بطلي اوهام بقى وتخيلات وخلي عندك دم..
بالخارج ردت عزيزة على اتصاله بتوتر فقال:
_ ما تتكلميش عشان ما تحسش ان انا اللي بكلمك، بلاش تعملي قهوه المشروبات الوحيدة المسموح للهانم تشربها هما اللبن والعصيرات غير كده هحاسبك أنتِ مفهوم؟!..
_ أمرك يا باشا..
دقائق ودلفت لها باللبن فنظرت إليها سارة بغضب مردفة:
_ إيه ده ؟!..
بسرعة البرق قالت الأخري:
_ ده لبن يا حبيبتي مفيد ليكي وللبيبي القهوة غلط على البيبي..
_ بجد غلط ؟!..
_ أيوة طبعاً..
_ طيب خلاص هاتي اللبن..
بمساء نفس اليوم قررت تلبيت نداء قلبه وقلبها وذهب اليها وجدها تجلس بالحديقه فاقترب منها مردفا:
_ قاعدة هنا ليه الجو ساقعة في الوقت ده؟!..
لفت وجهها إليه ليعلم إنه أشتاق بجنون لرؤية عينيها، كان يبتعد عنها حتي لا يزيد الأمر سوء بينهما، حرم نفسه من جمال عينيها والآن رأي نعيمه، كانت ذابله بها الكثير من العتاب، فقال:
_ ما تبصليش كده يا سارة اللي أنا عملته ده عشان خايف عليكي ومش عارف ممكن تعملي إيه في غيابي..
_ اللي أنت عملته ده عشان خايف على نفسك مش عليا ويا ريت ما تجيش هنا تاني لأني مش طايقاك ومش عايزه اشوفك..
جذبها بغضب مردفاً:
_ أنتِ اللي مش طايقاني ومش عايزه تشوفيني؟!.. هو أنتِ مش واخدة بالك انك كنتي ناويه تموتي ابني؟!.. انا بحاول انسى المصيبه دي وبقول أنك عيلة صغيرة وخايفه ومش فاهمه لو اتعاملت معاكي على انك عاقله وكبيره كنا هننتهي يا سارة...
نظرت داخل عينيه بقوة قائلة:
_ وأنا بقولها لك اهو أنا كبيرة وفاهمه وواعية، وكنت عايزه اخلص من آخر حاجة ممكن تربطني بيك ومش عايزه أشوفك تاني خلي عندك دم بقى..
بالفعل ذهب ومن بعدها ظل يتابعها من بعيد حتى آت موعد متابعتها مع الطبيبة، ذهب إليها رآها تجلس على الأريكة ومعها كتاب تقرأه بتركيز فقال بجمود:
_ قومي البسي عشان اطمن على البيبي..
أصبحت تراه فقط مرة واحدة بالشهر حتى يطمئن معها على صغيرته، يأخذها بصمت ويعود بها بنفس الصمت..
لتمر خمسة أشهر يتابعها عبرة الكاميرات ويهتم بتفاصيلها بمساعدة الخادمة وبنفس الوقت يتابع تحضيرات عملية عايدة ....
نهاية الفلاش باك..
بغرفة سارة..
طردت عزيزة، وبعد أقل من ساعة بدأت تشعر بأشياء غريبة، ألم يأتي لعدة لحظات وبعدها يختفي، لتمر ساعة أخري وتصبح حركتها تؤلمها أكثر همست بتعب:
_ كان لازم يعني اقول لعزيزه تمشي مش قادرة أقوم من مكاني طيب أتصل على تيتا، لأ لأ مش هتقدر تعمل ليا حاجة..
حاولت التحرك حتي لو حركة خفيفة حتى تصل لهاتفها الموضوع على الطاولة المجاورة للفراش، خرجت منها تنهيدة تكتم بها صرختها المتألمة، سحبت الهاتف سريعاً وقامت بالاتصال عليه ثلاث مرات ففتح أخيراً الهاتف مردفا بغضب:
_ في إيه طالما مش برد أبقى قاعد مع العيلة بترني ليه..
_ مهو أنا كمان من العيلة دي وبنت عمك يا أبية وإلا نسيت..
تنفس محمود بغضب قبل أن يمسح على خصلاته مردفا:
_ أكيد مش رانة عشان الكلام الفاضي ده اخلصي..
أرتفعت شهقاتها وهي تلعن نفسها على زواجها منه، ما هذا الحب الأعمى الذي جعل منها أداة للتسلية مع رجل متزوج ولديه فتى أصغر منها بعدة سنوات، لم تتحمل أكثر وهي ترى مائها يتساقط من بين ساقيها مردفة:
_ الحقني أرجوك أنا بولد..
_ إيه.. قالها بخوف شديد عليها فأكملت هي حديثها::
_ أنا خايفة وأنا لوحدي يا محمود أرجوك تعالى قبل ما إبني يحصل له حاجة..
توقف به الزمن لعدة لحظات وهو ينظر لعايدة التي تستعد لدخول غرفة العمليات، وبين حبيبته التي تبكي له برجاء حتى لا يتركها بمفردها وبين هذه وتلك هو يقف عاجزا.
وصلت إليه صرخة سارة القوية أسقطت قلبه أرضا فقال بلهفة:
_ سارة إنتِ قوية وأنا جانبك أتحملي نص ساعة وهتصرف..
ارتفعت شهقاتها أكثر وعضت على أسنانها من الوجع، قدرتها على التحمل انتهت فأغلقت عينيها باستسلام كبير هامسة بنبرة بدأت تختفي شيئا فشيئا:
_ لو موتت هيبقى ذنبي في رقبتك ولو قومت منها حسابنا مع بعض هيبقى طويل يا أبيه..
تود أن يتحدث أن يقول أي كلمة تبرر موقفه، أتى صوت والده الغاضب:
_ سيب الموبايل ده وشوف مراتك عايزة تكلمك قبل ما تدخل العمليات..
أغلق الهاتف معها ورأسه تكاد تنفجر، نظر الي والده مردفا:
_ بابا اتصل بالمستشفى بتاعتنا في اسكندرية وخليهم يروحوا الشاليه اللي هناك فورا مع دكتورة نسا وتوليد..
رفع والده حاجبه بتعجب مردفا:
_ مين اللي في الشالية يا محمود..
_ محمووود..
صرخة قوية من عايدة جعلته يفقد المتبقي من أعصابه، سارة الآن وحيدة وقلبه معها، لو حدث لها شيء.... لا لا يستحيل أن يحدث.
قال لوالده بنبرة حادة قبل أن يدلف للأخرى:
_ سارة اللي موجودة في الشاليه واللي جوا بطنها إبني..
حدق به طاهر بذهول، سارة ابنة أخيه تحمل بأحشائها طفل من ولده؟!.. كيف هذا وأين كان هو؟!..
أقترب معتز من محمود الواقف على باب الغرفة مردفا:
_ هو حضرتك هتفضل واقف كدة ماما منهارة وعايزة تشوفك..
الله يلعنها، عاد بنظره لوالده وقال بغضب:
_ أتصرف يا بابا..
أوما إليه طاهر بتوهان أما هو دلف لغرفة عايدة بمفرده.
وقف أمامها وجدها تحدق به وتبكي فقال:
_ أدخلي العمليات يا عايدة وكفاية دلع..
_ أنا خايفة يا محمود ومش برتاح الا أنت جانبي..
خائفة ومعها الجميع ما حال سارة وكيف تتحمل وجعها، يحترق العالم بما فيه ليبقى بجوارها.
خرج من الغرفة وهو يركض للخارج بكل قوته لو بيده لسبق الرياح، يسمع صراخات عايدة نداء معتز حتى رنين اسمه من والده، ترك الجميع خلفه واتجه للمطار، رفع هاتفه ليتم تحضير طائرة خاصة تذهب به لأرض الإسكندرية الآن وبعدها قام بالاتصال على أروى التي قالت بقلق:
_ هنسافر إسكندرية نعمل إيه يا محمود؟!..
_ مش وقت كلام يا أروى سارة هتروح مني..
عندك سارة..
ألمها بدأ يخف يأتي دقائق ويذهب دقائق أخرى حتى مائها تنزل على مراحل.
حاولت أخذ نفسها وشعرت بالقليل من الأمان مع عودة الخادمة.
أقتربت منها بلهفة مردفة:
_ لما حضرتك تعبانة ليه حلفتي أسيبك لوحدك محمود بيه أتصل بيا وهيقطع عيشي..
حدقت بها بضياع تتمنى لو تقدر على أغلاق عينيها ولكن كيف سيكون حال صغيرتها لو فعلت ذلك.؟
حركت شفتيها بتعب مردفة:
_ الحقيني يا عزيزة أنا تعبانة أوي..
ابتسمت إليها الأخرى مردفة:
_ ده أنتِ زي الفل والبكرية بتأخد وقت طويل أهدى وخدي نفسك طالما الوجع لسة بيروح وييجي يبقى لسة بدري ومتخافيش الإسعاف على وصول..
لم تنتهي من الجملة ووصل لهما صوت سيارة الإسعاف لحظات معدودة وكانت سارة بداخلها متجهة لمشفى علام..
وضعت بغرفة مجهزة على أعلى مستوى بجوارها عزيزة التي قالت:
_ مش قولتلك البكرية بتأخد وقت..
يا الله لا يكفي نفيه لها كعقاب أعطي لها تلك الكارثة على شكل خادمة.
أغلقت عينيها بتعب مردفة:
_ أبعدي عني يا عزيزة أنا تعبانة..
بعد مرور نصف ساعة..
دلف إليها وخلفه أروى، أهتز جسده وهو يراها ضعيفة خائفة متألمة.
رأته أمامها وبلحظة سمحت لنفسها بالبكاء، طفلة صغيرة تاهت بشوارع غريبة عنها وأخيراً رأت والدها لتشعر إنها وصلت لبر الأمان هذا كان حالها.
جلس على أرضية الغرفة بجوارها وقال بحنان:
_حبيبتى..
رفضت بحركة سريعة من رأسها، حرمها من حنانه أشهر والآن يضحك عليها، أشاحت بوجهها بعيدا عنه فأشار لأروي وعزيزة بالخروج.
بأحد أصابعه حرك وجهها إليه مردفا:
_ حقك عليا..
يا ليت العتاب والاعتذار يغير ما مرت من مشاعر.
عاد وجعها لتصرخ بقوة انتفض جسده على أثرها، فقال بهلع:
_ حاسة بأيه يا حبيبتي استنى اجيب الدكتوره ..
ضغط على زر بجوار الفراش وقام جلس بجوارها على الفراش، ضم جسدها لصدره وهو يشعر بأرتجافها بين يديه.
دلت الطبيبة ومعها ثلاثة ممرضات فبكت سارة أكثر مردفة برجاء:
_ خليها تطلع برة يا محمود دي بتوجعني أكتر..
وضع قبلة حنونة على خصلاتها المتعرقة وقال:
_ متخافيش أنا جانبك..
وجد الممرضة تقترب منها وتحاول فتح ساقيها فقال بغضب:
_ أبعدي عنها مين سمح لك تقربي منها بالشكل ده؟!..
نفذت أمره بخوف فقالت الطبيبة:
_ أهدى يا باشا ده كشف لعنق الرحم هو بيبقى صعب شوية بس لأزم..
حركت رأسها برفض ثم أغلقت يديها حول عنقه هامسة:
_ عشان خاطري بلاش أنا خايفة أنت مش عارف هما عملوا فيا إيه وأنت مش موجود..
كلمات بسيطة ذكرته إنها كانت بمفردها بأكثر أوقاتها احتياجا له.
مرر بيده على وجهها بحنان وقال:
_ المرة دي هبقي جانبك ومحدش هيقرب منك غيري..
رفع نظره لطبيبة مردفا بقوة:
_ طلعي اللي معاكي برة أنا هساعدك بدل ما أنتوا عاملين ليها رعب كدة..
_ يا باشا محدش عمل لها حاجة الكشف ده فعلا صعب ولازم حد يتحكم فيها..
بنظرة واحده من عينيه أشارت للممرضات بالخروج، فأبتعد عنها قليلا ومازالت يده تضم يدها مردفا:
_ أعملي اللي الدكتورة تقولك عليه ولو حسيتي بوجع عضي على أيدي..
مع زيادة ألم عليها قبل أن تقترب منها الطبيب أومات إليه بضعف.
أطلقت صرخة قوية مع كشف الطبيبة عليها ليقبل رأسها عدة مرات بأعتذار، بعد دقيقة من العذاب قالت الطبيبة:
_ لسة شوية كمان حاولي تقومي يا مدام تمشى شوية..
زادت دموعها وقالت:
_ مش قادرة ومش عايزة، عايزة أولد قيصري..
نظرت إليه الطبيبة ونفت الفكرة فأشار إليها بالخروج.
مسح على وجهها عدة مرات وقال:
_ تعالي اتسندي عليا نمشي سوا.
_مش قادرة هو محدش حاسس بيا ليه، وبعدين لولا إن ماليش غيرك هنا ولو مشيت هتبقى لوحدي مكنتش خليتك معايا أنا مش طايقاك..
أوما إليها بصبر ومد لها يده مردفا:
_ اعملي فيا كل اللي نفسك فيه بس دلوقتي لأزم أساعدك عشان تيجي فاطمة مش أنتِ بتحبها ونفسك تاخديها في حضنك؟!..
نعم تحبها وترغب بضمها، تنتظر رفيقة دربها على أحر من الجمر.
وضعت كفيها برجفة بين يديه فقام بمساعدة حتى وضعت ساقيها على الأرض خرجت من شفتيها اه متألمة فقال:
_ معلش أنتِ قدها يلا خطي..
ما أبشع أول خطوة بهذا الثقل المغلف بنيران من الوجع.
خطت معه أول خطوة وبكت أكثر ليمسح دموعها بقبلاته وبدأ يتحرك معها.
أرتفعت شهقاتها فقال بحنان:
_ عمرك سمعتي قرآن بصوتي؟!..
لعبة على فضولها ونجح، حركت رأسها بنفي فقال وهو يحثها على أكمال حركتها حتى خرج بها من الغرفة:
_ طيب يلا عشان تبقى أخر حاجة سمعتها حبيبة قلب أبوها في بطن مامتها صوت باباها بيقرأ قرآن..
وضعت رأسها على كتفه بتعب وأخذت نفسها بتقطع ومع تسمع آية الكرسي بصوته العذب.
" بسْم اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ "
دلف بقلبها راحة نفسية جعلتها تنسي ما يحدث بها لعدة لحظات.
همس بنبره دافئة:
_ صوتي حلو صح ؟!..
أومات إليه بتعب ثم ضغطت على يده بقوة تعجب لها، سألها بقلق:
_ في إيه ؟!.. حاسة بأيه ؟!..
سقطت دموعها بقوة وحاولت العض على شفتيها لعلها تتحمل إلا إنها شعرت برأس صغيرها تبدأ بطريقها للخارج فصرخت بفزع:
_ بولد أنا حاسة بيها بتطلع مني..
حملها بين يديه فرأته أروي وأخبرت الطبيبة.
دقائق وكانت بالداخل وهو معها يده بيدها.
نظرت إليه وقالت بأنفاس متقطعة:
_ أنا خايفة..
_ أنا جانبك...
جملة بسيطة بثت بداخلها الامان، مر الوقت عليهما بثقل شديد هي تتنفس بصعوبة وتتألم وهو يمسح على وجهها المتصبب عرقا ويدعو لها..
وأخيراً انتهت صرخاتها وات موعد بكاء " فاطمة محمود علام" لتعلن عن قدومها.
سلمتها الطبيبة له فحملها برجفة لذيذة وبكي من حلاوتها لا يصدق إنه يحمل نسخة صغيرة من سارة تحمل دمه ولقبه.
أخذتها منه الطبيبة ووضعتها على صدر والدتها لتطمئن بسماعها دقات قلبها فقالت سارة بتعب:
_ دي بنتي يا محمود ؟!..
كانت مذهولة فابتسم لها وقبل رأسها ورأس الصغيرة مردفاً:
_ بنتنا يا بسبوسة...
أعطها للطبيبة حتي تعدها للخروج وبعد ثواني كان يحملها فنظر لسارة بخوف مردفاً:
_ هي غمضت عينها ليه ؟!..
_ ما تقلقش يا محمود بيه هي بس واخده مخدر في المحلول عشان نقدر نكمل شغلنا من غير ما تحس بوجع.. خد البرنسيسة الصغيرة واتفضل أخرج..
بخطوات ثقيلة تركها بالداخل وخرج، وجد أروي تنتظره بالخارج ومعالم وجهها غير مفهومة فقال بقلق:
_ مالك يا أروي في إيه ؟!..
_ مش عارفه اقولك ايه يا محمود وبصراحه ما كنتش حابه ان انا اللي هقول لك الخبر ده وخصوصا وأنت فرحان كده ووو ..
_ اخلصي يا أروى في ايه؟!.. مش بكره في حياتي قد المقدمات ؟!..
_ عايدة تعيش أنت..
رواية عطر سارة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شيماء سعيد
مالك يا أروي في إيه؟
مش عارفه اقولك ايه يا محمود وبصراحه ما كنتش حابه ان انا اللي هقول لك الخبر ده وخصوصا وأنت فرحان كده ووو.
اخلصي يا أروي في ايه؟ مش بكره في حياتي قد المقدمات.
عايدة تعيش أنت.
ماذا؟
رحلت عايدة عن عالمه؟
أخذت معها طفولته وشبابه.
أخذت معها سنوات عمره، ذكرياته.
أقتربت منه أروي وأخذت فاطمة من بين يديه.
سمحت له بالجلوس على أقرب مقعد.
رأى منها الكثير.
قلة مكانتها بقلبه وربما يكون تمنى موتها بلحظة من اللحظات.
ما يشعر به الآن صعب.
لم يتخيل ذهابها دون وداع.
لم يتخيل ذهابها من الأساس.
ظل صامت يحدق بزاوية فارغة أمامه وعقله يعيد جملة "عايدة تعيش أنت".
يعيش هو؟
خرجت الطبيبة وخلفها فراش سارة.
فاق وذهب ليراها.
وجدها نائمة بإرهاق.
قاد فراشها بنفسه حتى وصل بها لغرفتها المخصصة.
حملها بين يديه ووضعها على الفراش الآخر مردفاً:
هي هتفضل نايمة لأمتي؟
أجابته الطبيبة بهدوء:
بالكتير ساعتين تلاتة.
نظر للطبيبة وقال بقوة:
عايزها تفضل نايمة لحد بكرا.
نعم؟
اللي سمعتيه.
صاحب المشفى وحديثه أمر فوق رأسها.
أومأت اليه بهدوء ثم خرجت من الغرفة.
دلف أروي لينظر إليها بخوف مردفاً:
فاطمة راحت فين؟
متخافش عليها دخلت شوية الحضانة ساعة أو إتنين وهتبقى معانا.
وضع قبلة حنونة فوق رأس سارة ثم قام من مكانه مردفاً:
أروي سارة مش هتفوق الا الصبح خليكي جانبها لحد ما أدفن عايدة وأرجع.
البقاء لله يا محمود.
حرك رأسه بصمت وخرج من الغرفة.
يشعر بثقل يحتل صدره.
أخذ نفسه بصعوبة ثم أخرج هاتفه وقام بالاتصال على علي الذي قال:
خير مع اني عارف إن مش بييجي من وراك خير.
خد أول طيارة رايحة إسكندرية.
لما توصل إتصل على أروي هتقولك عنوان المستشفى اللي موجودة فيها هي وسارة.
خليك جانبهم لحد ما أدفن عايدة يا علي.
لم ينتظر سماع رأيه وأغلق الخط.
بخطوات سريعة وصل للحضانة ليري ابنته من وراء الزجاج مردفاً:
شوية صغيرة وهرجع لك أنتِ وأمك يا حبيبة بابا.
مر الوقت سريعاً ليقف يراها تخرج أمامه من ثلاجة الموتى وهو مهزوز.
بلحظة واحدة تذكر يوم ولادتها، أول مرة حملها، أول مرة نطقت اسمه، أول مرة سندت على يده لتخطي خطواتها الأولى، أول كلمة أحبك، أول عناق، أول عتاب، أول غضب.
مدللة عائلة علام الآن جثة بداخل ثلاجة.
قرب يده ومررها على وجهها مردفاً بعدما سقطت من عينيه دمعة حزينة:
ليه كدة يا عايدة؟
مكنتش عايز تبقى دي النهاية.
كان نفسي تموتي في حضني زي ما وعدتك زمان.
كان نفسي يفضل بنا الحب القديم والذكريات الحلوة.
سامحيني يا عايدة لو قصرت معاكي وأنا والله العظيم مسامحك.
هفتكر الحلو بس يا أم معتز والوحش اللي حصل في الاخر هعتبر إنه وهم مني.
كنت بحبك يا عايدة أوعدك يفضل ليكي مكانة في قلبي مكانة تليق ببنت عمي وتربية أيدي وأم إبني.
ظل يتأمل ملامحها وهو غير مصدق.
هل هذا إلقاء الأخير؟
هي قصتها انتهت هنا؟
رغم كل ما فعلته كان يعطي لها بدل العذر ألف.
كان يرغب ان تعود عايدة القديمة.
كان يتمنى نهاية أجمل.
كيف مر العمر بتلك السرعة؟
كيف سيتركها بمكان بمفردها ويذهب وهو يعلم إنها تخاف الحياة بدونه.
بكى وقال:
أنا أسف يا عايدة أسف سامحيني لو كنت وجعتك بس أنا والله العظيم قفلت على نفسي سنين عشان موجعكيش.
كنت مستني وقوفك جانبي.
كنت عايز أحس إن حياتي مهمة عندك زي ما كانت حياتك مهمة عندي.
الله يسامحك يا بنت عمي ويسامحني.
بخطوات ثقيلة مترددة تركها بالداخل وخرج.
وجد الجميع بالخارج حتى جدته المنهارة على المقعد.
أقترب من ولده وفتح يديه له.
ألقى معتز جسده بداخل أحضانه وبكى.
بكى بقهر على شعور ذهب قبل أن يشعر به.
على أم رحلت قبل أن يصدق حبها إليه.
أغرقت دموعه قميص محمود ليغلق يديه حوله أكثر مردفاً:
هي في مكان أحسن.
المرض عذبها سنين ودلوقتي هي مرتاحة يا معتز.
مش أنت عايزها تبقى مرتاحة يا حبيبي.
كان نفسي تحبني.
كان نفسي أعيش في حضنها شوية كمان.
بس هي راحت من غير حتى ما تقولي بحبك من قلبها.
أبعده محمود عنه قليلا وقال بحنان:
أنت ابننا يا معتز.
حبنا ليك شعور ربنا خلقه جوانا حتى من قبل ما نشيلك بين أيدنا.
عايدة كانت تعبانة وتعبها مخليها مش عايزة تعلق حد بيها عشان محدش يتوجع لما تمشي.
لكن كانت بتحبك أكتر من نفسها صدقني يا معتز محدش بيحبك في الدنيا دي كلها قدي وقدها.
خليك جانبي يا بابا.
جذبه من جديد بين أحضانه مرددا:
أنا جانبك وهفضل جانبك لحد أخر نفس فيا.
بالمشفى.
جذب علي أروي خارج غرفة سارة فنظرت إليه بتعجب مردفة:
في إيه يا علي مالك؟
ما به؟
هل بالفعل لا تعلم ما به؟
فهو أشتاق وأحرقته نيران الإشتياق.
أشهر طويلة مرت وهو غير قادر على الحديث معها.
تركت العمل وأصبحت تعمل بمصنع سارة.
يرفض محمود رؤيته إليها أو الحديث معها.
وكل هذا وتسأل الحمقاء ما به.
جذب جسدها ووضعه أمام الحائط ثم قال:
وحشتني يا بت.
هي الأخرى لتكون صريحة أشتاقت.
ببعده عنها شعرت بفقدان روحها.
رفعت حاجبها مردفة:
بلاش تبقى استغلالي يا علي.
هو عشان خاطر محمود مش هنا هتقل أدبك؟
رد عليها بسخرية:
يا سلام دلوقتي بقي محمود كل حاجة عندك؟
تصدقي أنا إبن كلب عشان قربتك منه.
ما كنتي بتاعتي وبين ايدي فيها إيه يعني لو كنت اتجوزتك وبعدين عرفته.
ابتسمت بسعادة.
أصبح أخيراً لها أشخاص تحبها بصدق.
وفوق هذا وكذا أصبح إليها شقيق يسندها ويقف أمامها يحجب عنها عواصف الرياح.
حركت كتفها بهدوء مردفة:
مهو كله بسبب سمعتك اللي زي الزفت.
عايز محمود يأمن لك ازاي وتاريخك الأسود كله معاه؟
أقترب منها اكثر مردفا ببراءة:
ده كان زمان يا أروي ما أنتِ عارفة بعد حادثة شرم يا دوب أنفعك أنتِ وبالعافية كمان.
ضحكت من أعماق قلبها ثم قالت:
أنت كمان وحشتني بصراحة.
أتسعت عينيه بذهول من حلاوة ما سمعه.
ضم يدها إليه مردفا:
بجد يا أروي وحشتك؟
أخذت يدها منه وقالت:
أمم وحشتني ومستنية أشوفك هتعمل إيه عشان تتجوزني.
فهمها من نظرة عين.
أبتسم إليها بحنان ثم قال:
هعمل أي حاجة محمود عايزها عشان يقبل أتجوزك.
هعملك فرح العالم كله يتكلم عنه لسنين قدام.
أروي في حاجة عايز أسألك عنها بس لو مش حابة تجاوبي عادي.
توترت ولا تعلم لما الا إنها بالفعل توترت.
أومات إليه قائلة:
قول.
فضلت كام سنة متجوزة الكلب ده ليه مفيش بينكم أولاد كنتوا مأجلين والا في مشكلة؟
كان يرغب بسماع إجابة تريح قلبه.
عاش حياته وحيد ومنذ ان رأها أصبحت امنيته الوحيدة إنجاب طفلاً منها يحمل صفاتها واسمه.
تفاجأ من ردها البارد:
لو قولتك لأني مش بخلف هيبقى عندك مشكلة؟
قالتها وانتظرت رده.
حدق بها لثواني وهو مذهول ثم جذبها لصدره بقوة.
يحاول يطمن قلبها.
يحاول إثبات عشقه لها.
يحاول تخفف شعوره بالوجع بعد حديثها.
همس بحنان:
مش مشكلة يا حبيبتي انسى كل الكلام اللي أنا قولته.
ابتعدت عنه ثم قالت بهدوء:
يبقى كويس يا علي لو فعلا بتحبني أعتبر اني مش بخلف وعيش معايا على الأساس ده.
يعتبر؟
يعيش على هذا الأساس؟
هي تكذب عليه.
سألها بذهول:
يعني إيه الكلام ده أنتِ بتخلفي والا عندك مشكلة؟
مشكلتها كبيرة.
هي فقدت بحياتها مشاعر كثيرة حتى شعورها بالأمان كان صعب ولم يأتي إليها الا بعد عودتها بين يدي محمود.
أخذت نفس عميق ثم قالت بجدية:
علي أنا مش عايزة أبقى أم ولا شايفة نفسي ينفع يبقى عندي أولاد.
لو حابب تكمل معايا كدة تمام لو مش حابب مش هقدر أزعل منك لأن ده حقك.
المكان لا يسمح له بالحديث والزمان يقيده من أخذ أي ردت فعل.
أبتعد عنها قليلا ثم قال:
بعد أربعين عايدة هتقدم لك مش هقدر أعيش من غيرك أكتر من كدة.
يعني موافق؟
يعني بحبك وده أهم حاجة بالنسبة ليا دلوقتي.
ها تحبي تأكلي إيه؟
حواوشي بيقول بتاع إسكندرية حلو.
صباح اليوم التالي.
فتحت سارة عينيها بثقل.
بدأت تنظر حولها لتجد أروي تجلس على المقعد المقابل للفراش.
بحثت عنه وهي تسأل حالها أين هو؟
خرج صوتها المتعب:
بنتي.
أنتبهت إليها أروي فقالت بابتسامة سعيدة:
حمد الله على السلامة يا سارة.
فاطمة في الحضانة دقايق وتبقى في حضنك.
كحت بتعب لتحاول الاعتدال مع زيادة شعورها بالعطش.
قامت أروي بلهفة مردفة:
بلاش تتعبي نفسك قوليلي عايزة تعملي إيه وأنا أعمله لك.
عايزة أقعد مرتاحة أكتر وكمان ريقي ناشف عايزة أشرب.
ساعدتها بالجلوس ثم صبت لها كوب به القليل من العصير مردفة:
خدي أشربي ده الأول عشان المية مش مسموح بيها دلوقتي.
أخذته منها وشربته على عدة مراحل ثم نظرت للباب مردفة:
هو محمود مع فاطمة؟
ماذا تقول؟
تخشى أن تنطق بحرف تشعل به النيران بين شقيقها وزوجته.
ابتسمت إليها بتوتر وقالت:
مهو أصل يعني زمانه جاي.
زمانه جاي ليه هو راح فين؟
روحت أجيب فاطمة هانم لحضن مامتها.
جاء صوته مثل طوق النجاة.
قامت أروي من فوق المقعد مردفة بتوتر:
هروح أفطر أنا بقى سلام.
خرجت فنظرت إليه سارة بهدوء ثم مدت يديها إليه قائلة:
هات بنتي عايزة أشيلها.
ابتسم إليها بتعب ثم أعطى لها الصغيرة مردفا:
أنتِ كويسة مش كدة؟
بعينيه نظرة غريبة جعلتها تجيب عليه بهدوء:
الحمد لله.
أنت اللي شكلك مش مبسوط خير في حاجة؟
جلس على الفراش بالمقابل لها.
مد يده بحنان وقام بفتح أول زرين من منامتها لتضع يدها فوق يده بتوتر مردفة:
أنت بتعمل إيه؟
بساعدك عشان ترضعي فاطمة.
الدكتورة وهي بتديها ليا قالت خلي أمها ترضعها عشان تتعود عليها وينزل لبنها.
تركته يساعدها.
هي بالفعل لا تعلم ما عليها فعله.
كانت تتابع ما يفعله وتفعل مثله.
شعرت برجفة لذيذة مع لمس شفتين صغيرتها لها.
ابتسم بالقليل من الراحة ربما وصلت ابنته بهذا الوقت لتخفف عنه.
رفعت سارة عينيها إليه مردفة بسعادة:
دي أكلت بجد ونامت.
شبعت وحست بحضنك فنامت مرتاحة.
هاتيها هحطها على سريرها جانبك.
أعطت إليه الصغيرة فوضعها بحذر على الفراش الصغير المجاور لسارة ثم عاد لسارة مردفا بقلق:
أنتِ كويسة صح؟
كويسة.
أنت شكلك مش كويس اللي يشوفك يقول إنك مش مبسوط بالبيبي.
تنهد بتعب.
سيتحدث معها بصدق.
يكفي لهنا أسرار.
سند ظهره بتعب على ظهر الفراش ثم أخذ نفس مرهق مردفا:
عايدة ماتت إمبارح يا سارة.
أهتزت من سماع الخبر.
ربما لأنها لم تتوقعه.
رأته يتألم ولأول مرة تقرأ مشاعره بشكل صحيح بعيدا كل العبد عن غيرتها.
وجدت نفسها تضع يدها على يده مردفة:
البقاء لله.
أنت هنا بتعمل إيه لأزم تبقى في القاهرة معاها ومع معتز.
نظر إليها بمعنى حقا؟
فأومات إليه مردفة:
تعرف يا محمود لما شيلت فاطمة بين أيدي بقيت مسامحة الدنيا كلها ومش عايزة حاجة غير أنها تفضل في حضني.
وقتها فهمت حبك لمعتز وخوفك على مشاعره.
روح له يا محمود هو أولى بيك دلوقتي وأنا معايا أروي.
أصبحت أكثر نضج بعد ساعات قليلة من شعورها بالامومة.
حرك رأسه بتعب:
إمبارح الدكتورة قالت إن الأحسن ليكي بعد الإرهاق ده كله النوم.
لما نمتي أنا سفرت دفنتها وعملت لها العزا وجيب عشان أكون معاكي.
شعرت برضاء غريب لأنه يختارها للمرة الأولى.
لأول مرة يصل إليها اهتمامه بها وبوجودها معه.
فقالت:
أنا كويسة ولو ينفع ممكن أسافر معاك أبقى جنب تيتا لكن لو مش حابب مش هقولك حاجة الظروف دلوقتي مينفعش فيها أي كلام.
أه منكِ يا صغيرة.
أقترب منها ووضعت رأسه على صدرها.
الان يود ان يدعمه أحد أن يرمي ما بقلبه على أحد يفهمه ويخفف عنه.
همس إليها بتعب:
ماتت وأحنا بنا كل حاجة وحشة.
وعدتها تموت في حضني بس مقدرتش أنفذ الوعد ده.
مش قادر أستوعب أن بنت عمي اللي كنت بشيلها وبعلمها المشي دفنتها تحت التراب بأيدي يا سارة دفنتها وأنا عارف انها بتخاف تقعد في مكان أنا مش فيه.
حتى الوداع معرفتش أودعها.
عملت فيا حاجات وحشة بس.
وضعت يدها على فمه تمنعه من أكمال حديثه ثم قالت:
مينفعش تقول أي حاجة وحشة هي عملتها.
عايدة دلوقتي محتاجة مننا نفتكر لها الحلو بس.
بلاش تحمل نفسك ذنب هي ماتت لما عمرها خلص.
تعرف يا محمود والله العظيم أنا كنت راضية بوجودها وعمري ما فكرت أخليك تبعد عنها.
الله يرحمها أرتاحت من التعب ومعتز دلوقتي محتاجك جانبه.
أخذ أكبر قدر من رائحة عطرها كأنه يستمد منها القوة ثم قال:
هتبقى المرة دي جانبي ولا زي كل مرة يا سارة؟
هبقي جانبك المهم أنك تقدر وجودي جانبك.
أبتعد عنها قليلا وقال:
أنا بحبك يا سارة بس أنتِ اللي دايما بتهربي من غير حتى ما تحطي نفسك مكاني.
ابتسمت إليه مردفة:
يلا ننزل القاهرة؟
هتقدرى؟
شيلني وأنا أقدر.
بعد ساعات بقصر علام.
دلف محمود وبيده سارة أمام الجميع.
وبجواره شقيقته تحمل طفلته.
هبت ألفت من مكانها بلهفة ثم نظرت للنساء من حولها فجميع سيدات المجتمع الراقي هنا لتقديم واجب العزاء.
أقتربت ألفت من سارة مردفة بلهفة:
وحشتيني يا نور عيني.
ابتسمت إليها سارة ثم قالت:
البقاء لله يا تيتا.
ضمتها ألفت إليها وبكت.
منذ دفن عايدة وهي تشعر وكأنها دفنت ولدها الغالي من جديد.
تربت على يديها وأمس غسلتها أيضا بيدها.
مررت سارة يدها على ظهر جدتها بحنان مردفة:
خليكي قوية عشان معتز يا تيتا مهو حتة منها.
تدخل محمود بالحديث مردفا:
تيتا سارة لسة ولدة مش هينفع تفضل واقفة كدة.
أبتعدت عنها ألفت بذهول.
كيف لم تأخذ بالها من بطنها؟
سندها محمود حتى وصل بها أمام والدته وقال للجميع:
مدام سارة تبقى مراتي متجوزين من سنة وشوية.
مكنتش موجودة إمبارح لأنها كانت بتولد.
عن اذنكم لأزم تطلع ترتاح.
وبلحظة حملها بين يديه وصعد بها لغرفة نومها القديمة.
وضعها على الفراش ثم سألها:
أنتِ كويسة والا حاسة بأي تعب نطلب الدكتورة؟
أخذت ابنتها من أروي ثم قالت بهدوء:
انزل وأنا معايا أروي لو حسيت بحاجة هتصل بيك.
ظل لثواني ينظر إليها حتى أومات له برأسها فأخذ نفس عميق وخرج من الغرفة.
نزل للحديقة فوجد علي يجلس بجوار معتز.
جلس بجوارهما وقال لعلي:
عايزك تبدأ في تصريح بناء مستشفى لعلاج الأورام مجاني صدقة جارية على روح عايدة الله يرحمها.
أوما إليه علي ثم أشار له بعينه على معتز قبل أن يقوم من محله مردفا:
أعتبره حصل.
نظر لمعتز ثم قال:
حاسس بايه دلوقتي؟
هي سارة بقت مكان أمي رسمي لدرجة انها تدخل بيتها تاني يوم موتها؟
أخذ نفس عميق ووضع يده على فخذ معتز ثم قال:
البيت ده بيتي يا معتز وبيت أهلي وسارة مراتي وأم بنتي يعني من أهل البيت ده.
أنتفض معتز من محله مردفا بذهول:
أم بنتك؟
أيوة أم بنتي.
الفتره اللي فاتت مش مكنتش حابب اتكلم معاك في الموضوع ولا مع عايدة خصوصا في حالتها الصحية دي.
لكن سارة خلاص ولدت ومش بنت محمود علام اللي تفضل موجودة في الضلمة يا معتز.
أنت ترضى على أختك حاجه زي دي؟
حرك رأسه بنفي ثم قال بتعب:
لأ ما رضاش يا بابا تنور بيتها هي وأمها مطلوب مني حاجه تانية؟
مطلوب منك تحط نفسك مكاني وتحس بيا.
أنت خلاص بقيت راجل لأزم تتحمل المسؤوليه وتعرف كويس أوي الدنيا ماشية ازاي من حواليك.
مش هسيبك تدفن نفسك في الاحزان لحد ما تضيع مني.
عايزك من أول الأسبوع الجاي تكون عندي في الشركة.
حدق به معتز بتعجب:
حضرتك عارف اني لسه بدرس هعمل ايه في الشركه أيام الدراسة؟
ابتسم إليه محمود بتعب شديد ثم قال:
هتساعدني يا معتز هعلمك كل حاجه ومش هتحتاج شهادات عشان تتعلمها.
من هنا لحد ما تطلع نتيجتك وتشوف هتدخل أي كلية هتفضل جنبي وفي ضهري اتفقنا؟
ماشي يا بابا إللي تشوفه.
بالمساء.
دلف محمود بعد يوم طويل لغرفته مع سارة.
وجد معها ألفت وحنان التي نظرت إليه بعتاب صامت.
تنهد بضيق وقال:
في إيه؟
صرخت به ألفت بغضب:
بقى مش عارف في ايه ما انت صحيح بجح.
حبست البنت الغلبانة خمس شهور لوحدها في عز حملها وهي يا عيني مش عارفه تعمل إيه.
وجاي تقولي في ايه؟
ايه الجبروت اللي انت فيه ده.
رحمته سارة بمحنته وأغلقت على الموضوع دون عتاب فأتت الفت لتفتحه من جديد.
مسح على شعره بتعب وقال:
ما أنا كنت سايبها معاكي.
فضلتي تلعبي في دماغها لحد ما كانت هتموت روح.
كنتي عايزاني أعمل ايه وانا مقسوم نصين ما بين ابني اللي في المستشفى مع امه وبينها اللي كل ما ابعد عيني عنها خمس دقايق الاقيها بتعمل مصيبة.
جدتي أقفلي على الموضوع ده أنا وسارة بقينا كويسين مش محتاجين حد يتدخل في حياتنا.
نظرت إليها جدتها فقالت:
متخافيش عليا يا تيتا محمود علمني الدرس كويس أوي وبقيت بعرف إزاي اتعامل مع الامور لوحدي.
قالتها بنبرة هادئة جعلته يتوتر للحظة ثم أقترب منها مقبلاً رأسها بحنان مردفاً:
ربنا يباركلي فيكي يا أم فاطمة.
حركت ألفت رأسها بمعني لا فائدة وخرجت ومعها حنان.
أبتعدت سارة عن محمود مردفة:
أنت أكيد تعبان ومحتاج ترتاح ادخل خد لك شاور سريع وتعالي نام.
نفذ حديثها فهو بالفعل مرهق ولا يرغب سوا بعناق به رائحتها اللذيذة.
بعد دقائق خرج من المرحاض ليقف محدقا بها بتعجب وهي تنام وبجوارها فاطمة.
أقترب منها هامسا:
سارة حبيبتي.
امممم.
حطي فاطمة في سريرها عشان نعرف ننام براحتنا.
فتحت إليه نصف عين وقالت:
فاطمة لسه بيبي صغيرة وما تعرفش تنام بعيد عني روح نام أنت على الكنبة.
ماذا؟
كيف هذا؟
هل بعد أشهر الحرمان سينام بعيداً عنها؟
مستحيل فهو يريد القليل من الاطمئنان بين يديها.
همس برجاء:
يا حبيبتي مهو السرير بتاعها جنبنا أهو وهتبقى قريبه مننا.
زفرت بضيق ثم أشارت إليه بالصمت مردفة:
وطي صوتك البنت تصحى وبعدين ما انت بقى لك خمس شهور بتنام لوحدك روح نام على الكنبه يا محمود ولو مش حابب روح نام في اوضتك القديمة.
أعلنت عليه حرب باردة وللأسف ليس بيده إلا تقبل حربها.
نظر إليها مثل الطفل الحزين:
ده أخر كلام عندك.
أيوة هتعمل ايه بقي؟
هنام على الكنبة هعمل إيه يعني.
تصبحي على خير يا بسبوسة.
عادت لتغلق عينيها براحة مردفة:
وأنت من أهله.
بعد مرور أسبوع.
بشركة محمود.
بداخل مكتبه.
دلف إليه علي فرفع محمود رأسه إليه بضيق مردفاً:
سايب شركتك وجاي تعمل ايه هنا يا علي؟
أخرج على هاتفه وقال:
شوف المصيبة دي بنفسك.
أخذ منه الهاتف فظهر أمامه صورة تجمعه بسارة مكتوب أسفلها " سبب موت الزوجة الأولي لرجل الأعمال محمود علام".
خبر أخر بصورة لسارة بمفردها " ظهور نادر للزوجة السرية لرجل الأعمال محمود علام".
" فتاة صغيرة أخذت أحد أكبر رجل الأعمال من زوجته حتي تسببت بوفاتها ".
أنتفض محمود من فوق مقعده مردفاً بغضب:
مين إللي نزل الأخبار دي؟
لسة مش عارفين لحد دلوقتي لكن توقيت النزول ده خطر على المناقصة الجديدة يا محمود.
ألقي بالهاتف على المكتب مردفاً:
مناقصة إيه وزفت إيه يا علي.
أنت عارف سارة لو شافت خبر زي ده ممكن يحصل لها إيه؟
انا بقى لي اسبوع بتعامل معاها كأنها مديرتي في الشغل عشان اراضيها.
بخبر زي ده حياتنا كلها هتتهد.
أهدى يا محمود كل حاجه هتتحل نعرف بس مين الكلب اللي عامل كده وانا بنفسي هنزل لك تكذيب في الجرايد.
نفي محمود بحركة سريعة من رأسه وقال:
عايز مؤتمر صحفي يتحضر خلال ساعتين بالكتير.
أرجع كرامة مراتي الأول وبعد كده هحاسب الكلب اللي عملها بنفسي.
أما على باب الشركة.
دلف معتز بخطوات واثقة جعلته يشبه محمود لدرجة كبيرة.
يشعر إن المكان هذا مكانه ولابد من أن يحافظ عليه.
خلع نظارته الشمسية وحدق بفتاة ترتدي فستان من اللون الوردي عينيها على هاتفها وبيدها كوب من القهوة.
حاول الإبتعاد عن طريقها أو أعطاء أي إشارة لها لكنها كانت بالفعل سلمت عليه سلامها الأول وجعلت من بذلته فنجان قهوة.
شهقت بفزع ثم رفعت عينيها إليه بتوتر مردفة:
سوري بجد مخدش بالي.
جميلة وتستحق العفو عنها.
رفع يده إليها مردفاً:
معتز محمود علام.
إبتسمت إليه برقي ومدت يدها على الأخري قائلة:
وأنا سمية عمران.
رواية عطر سارة الفصل الثلاثون 30 - بقلم شيماء سعيد
بغرفة سارة..
كانت تحمل فاطمة بين يديها وتغني لها بصوت هامس حتى تساعدها على النوم. دلفت إليها حنان وعلى وجهها علامات التوتر. حركت رأسها بتساؤل لتقول حنان:
_ معلش يا سارة ممكن الموبايل بتاعك أعمل منه مكالمة، مش عارفة بتاعي راح فين...
أبتسمت إليها سارة ثم أشارت لها على الطاولة المجاورة لها مردفة:
_ من غير ما تطلبي يا طنط، اتفضلي هناك أهو..
_ أنتِ فتحتيه من الصبح؟!..
سؤال عجيب. ومع ذلك قالت سارة بمرح وهي تنظر لفاطمة بحسرة:
_ وهي اللي عندها بنت قمورة ونكدية زي أبوها كدة هتعرف تمسك فون برضو؟!.. أكيد لأ...
ضحكت حنان براحة ثم سحبت الهاتف وخرجت من الغرفة. أغلقت الباب خلفها ووضعت يدها على قلبها مردفة:
_ الحمد لله تمت المهمة زي ما محمود طلب بسلام..
ارتجف جسدها وهي تسمع صوته خلفها. منذ أن عاد وهي تفر هنا وهناك بعيداً عنه، وها هو الآن يقف خلفها وينطق اسمها. يا الله كم كانت تحبه وكم كانت تعشق حروف اسمها من بين شفتيه. زوجها الحبيب تحول بعد أشهر قليلة لرجل خائن. أصبح الحب رماداً ومشاعرها بلا معنى. مجرد امرأة راضية بالخيانة وتعيش على هامش حياة زوجها. امرأة معقدة بلا شخصية. عاد ندائه باسمها فأخذت نفساً عميقاً ودارت إليه مردفة:
_ خير يا طاهر؟!.
تشتت من قوتها. دائماً يذهب مهما يذهب وعندما يعود يجدها مثلما تركها. لأول مرة تفر منه، لأول مرة ترفض لقائه. سألها بتعجب:
_ مش كفاية دلع لحد كدة؟!..
دلال؟!.. هل يرى ردها البسيط على أفعاله مجرد دلال؟!. رفعت حاجبها بتعجب مردفة:
_ دلع؟!.. وأنا من امتى شوفتك عشان أدلع عليك؟ ما أنت طول عمرك من ست لست. كنت الأول بترمي حملك على عمي الله يرحمه، ولما مات شيلت محمود الليلة. بس بصراحة أنا مستغربة جدا، بقى لك أكتر من خمس شهور هنا. إيه مفيش واحدة جديدة دخلت مزاجك؟ والا العضمة كبرت؟!..
كان يقف أمامها مذهولاً وهو يراها بثوبها الجديد، فقال:
_ لما أنا طول عمري كدة زي ما بتقولي وأنتِ فضلتِ معايا سنين على الحال ده وكنتي راضية. إيه الجديد بقى اللي يخليكي كدة؟!..
_ الجديد اني قرفت. فقت من القرف اللي كنت عايشة فيه وراضية بيه. عيلة صغيرة في عمر سارة قالت لأ للظلم وأنا زي العبيطة فضلت فيه سنين لحد ما ضيعت ولادي من أيدي. محمود ضيع عمره على الفاضي والتاني طلع زيك من ست لست ومن بلد لبلد.
تغيرت حنان تغيراً مخيفاً. سأله بقلق:
_ يعني إيه الكلام ده يا حنان..
تنهدت بتعب ثم قال بهدوء:
_ احنا مش صغيرين عشان أقولك طلقني. يا طاهر أنت قدري وأنا راضية بيه، ده قدام الكل. لكن بيني وبينك أنا بنت عمك وأم أولادك وبس. غير كدة لأ. روح كمل طريقك اللي كله حرام في حرام بعيد عني.. اه نسيت أقولك البنت اللي أنت سألت تبقى مين تبقى أروى بنتك اللي رفضت تعترف بيها. كتر خيرك من كتر الستات والسنين نسيت شكلها..
ذهبت من أمامه بخطوات سريعة وهي لأول مرة تشعر بالراحة. تشعر بالفخر من حالها وهي أخيراً تمد يدها وتأخذ حقها لتبقى عزيزة النفس. رفعت هاتفها وقامت بالاتصال على محمود الذي كان ينتظر هذا الاتصال. رد عليها بلهفة:
_ ها يا ماما سارة شافت حاجة؟!..
_ لأ يا حبيبي أطمن. الآنسة فاطمة واخدة وقت مامتها كله. دخلت أخدت منها الموبايل وهو معايا أهو..
سمعته يردد براحة:
_ الحمد لله الحمد لله...
ابتسمت بحنان ثم قالت:
_ لدرجة دي بتحبها وخايفة عليها؟!..
_ أكتر من روحي. دي عوضي اللي فضلت سنين مستنية مكافأة ربنا ليا على صبري يا أمي..
_ ربنا يباركلك فيها يا حبيبي، بس اني أخد الموبايل ده مش حل. ما أكيد هرجعه تاني وهي هتشوف الأخبار لو مش النهاردة هيبقى بكرا..
أخذ نفس عميق ثم قال:
_ عارف بس وقتها هيبقى المؤتمر الصحفي عدي وحقها رجع والناس هتبقى عارفة الحقيقة. هتشوف الاخبار الوحشة ومعها الحلوة يا ست الكل..
_ فهمتك يا حبيبي، محمود أنا عملت حاجة في ساعة غضب وخايفة تزعل مني..
بقلق سألها:
_ في إيه يا ماما؟!..
_ قولت لطاهر على أروى..
تنهد بهدوء:
_ مفيش مشكلة وهو كدة كدة كان هيعرف ومش هتفرق كتير يا ماما. يلا خدي بالك من سارة وطمطم لحد ما أرجع..
_ في عنيا يا حبيبي..
بعد مرور ساعة..
كان يجلس محمود بغرفة الاجتماعات الخاصة به وأمامه عدد كبير من كاميرات التصوير. جلس بجواره معتز. فأشار محمود لمعتز بعينه حتى يبدأ الحديث. رسم معتز ابتسامة جادة على معالم وجهه وقال:
_ أهلا بيكم كلكم في شركة علام. أول حاجة أنا استأذنت من بابا أتكلم الأول لأن الموضوع ده بالنسبة ليا مهم زي ما هو مهم لبابا بالظبط. مدام سارة تبقى مرات بابا من أكتر من سنة وماما هي اللي طلبتها بنفسها وكانت الله يرحمها متقبلة ومبسوطة جداً خصوصاً إنها عارفة سارة كويس وعارفة إنها أكتر واحدة هتحافظ على بابا بعد موتها. ماما كانت تعبانة من 15 سنة وأكتر بس للأسف في الشهور الأخيرة الحالة بقت صعبة وسارة كانت طول الفترة دي جانبها لأنها مش بس مرات بابا لا هي كمان بنت عم ماما ومتربية على إيدها..
صمت بعد ما قال ما حفظه من محمود علام. أخذ محمود نفسه براحة شديدة ثم ابتسم لمعتز أمام أعين الجميع مردفاً:
_ وفقت معتز يبدأ الكلام لأني عارف إنه هيجيب حق أم أخته. اللي نزل الصبح ده كلام في عرضي وده غير مسموح بيه. أنا رجل أعمال مش ممثل ولا مغني عشان حياتي الشخصية يبقى سهل الكلام فيها بالشكل ده. سارة تبقى بنت عمي ومراتى وأم بنتي. كل واحد اتكلم في حقها حتى لو بينه وبين نفسه هيتحاسب...
كان حديثه تهديداً صريحاً وصل لكل من يسمع اللقاء عبر الشاشات. كان على وشك الانتهاء من المؤتمر إلا أن علي قرر استغلال الفرصة لصالحه وقال بابتسامة سعيدة:
_ وبالمناسبة السعيدة دي حابب أنا ومحمود نعلن عن خطوبتي من أروى طاهر علام أخت محمود الصغيرة..
كان إعلان ناري. تجمد محمود بعده لعدة لحظات قبل أن يبتسم بهدوء مردفاً:
_ شرفتونا يا شباب..
بعد نصف ساعة..
بمكتب أروى بمصنع سارة، كانت مصدومة بعد سماعها للحوار الصحفي الخاص بشقيقها والكارثة الكبرى التي فعلها علي. تعيد الفيديو مرة والثانية والعاشرة بمشاعر مختلطة. سعيدة باعترافه بها. سعيدة بكونه يريدها أمام الجميع. سقطت دمعة مرتجفة من عينيها ثم مرت أصابعها على وجهه عبر الهاتف هامسة:
_ أنت الوحيد اللي عايزني في حياتك يا علي. أنت بس اللي معترف بيا في الدنيا دي كلها..
دلف عليها بنفس اللحظات. رفعت عينيها وجدته أمامها يقف بأنفاس متقطعة وكأنه كان بداخل حرب. أزالت دمعتها سريعاً ثم قامت مكانها مقتربة منه بتعجب مردفة:
_ في إيه يا علي؟ هو أنت كنت بتجري؟!..
أغلق عليهما باب المكتب سريعاً ووقف خلفه مردفاً برعب:
_ محمود بيدور عليا..
اتسعت عينيها برعب ثم ابتعدت عنه عدة خطوات مردفة:
_ منك لله يا شيخ. ولما هو بيدور عليك جاي عندي ليه؟!.. سايب الدنيا كلها وجاي ليا أنا..
_ جاي أتحامى فيكي. مش عندك عضلات وليكي في الشغل ده؟!..
اقتربت من باب المكتب وفتحته مردفة بخوف:
_ أمشي من هنا أقبل ما محمود يعرف مكانك. أنا لسة في عز شبابي وأنت مش عارف إيد محمود تقيلة إزاي..
نسي خوفه ونسي ما أتى من أجله وتذكر فقط جملتها الأخيرة فقال بغضب:
_ وأنتِ عرفتي إن إيده تقيلة منين؟ هو مد إيده عليكي قبل كدة..
رأى بعينيها نظرة حزن لذكرى كانت بشعة. أومأت برأسها ثم قالت:
_ لما صمم على الجواز من سيد ضربني بالقلم..
معه حق لو كان بمحله لكان فصل كل جزء منها بمكان بعيداً عن الآخر. ومع ذلك صرخ بغضب:
_ مهي عملتي مش من حقه يرفع إيده عليكي. ده أنا هقطع إيده اللي اترفت عليكي دي..
_ هتقطع إيد مين يا زفت أنت؟!..
انتفض جسد أروى مع وصول صوت محمود إليها. ابتعد عن الباب برعب ووقفت بعيداً عن علي مردفة:
_ والله يا محمود هو اللي جه..
نظر إليها علي بضيق:
_ في ايه يا بت في لحظة بعتيني؟!..
دلف محمود للداخل ثم سحب أروى للخارج وأغلق الباب عليه هو علي بالمفتاح من الداخل. ابتعد علي مردفاً بحذر:
_ أنت ناوي على إيه بالظبط؟!..
_ ناوي أعلمك الأدب. بقى بتحطني قدام الأمر الواقع يا حيوان؟!..
أشار إليه علي بالقليل من الهدوء ثم قال:
_ مش بحطك قدام الأمر الواقع ولا حاجة. بس أروى هتبقى مراتي لو مش دلوقتي هيبقى بعدين. لازم الناس تعرف بوجودها يا محمود. هي هتفضل مش من العيلة الكريمة كتير؟!..
صمت محمود وقليلاً وهو يعلم أن علي معه حق. أومأ إليه وقال:
_ والناس عرفتها. أنت حشرت نفسك في جوازة منها ليه؟ علي أروى مش ليك. ريح نفسك بقى..
قالها وخرج من الغرفة وجدها تقف بالخارج ومعها ضحى. فابتسم بسخرية ثم نظر إلى صديقه بمعنى "لو علمت بقصة ضحى وما فعلته بها ستكون نهايتك". توتر علي خصوصاً عندما قالت أروى بتعجب:
_ ضحى أنت بتعملي إيه هنا؟!..
ابتسمت ضحى بهدوء مردفة:
_ أنا بشتغل هنا. وأنتِ..
جذبها محمود بين أحضانه مردفاً:
_ دي أروى أختي يا ضحى. أنتوا تعرفوا بعض منين؟!..
نظرت ضحى لعلي بذهول وهي تسأل نفسها كيف فعل بصديقه ما فعله. كيف مد يده على حرمة بيت صديقه؟!.. أشارت لاروي مردفة:
_ ده اللي هو إزاي طيب واللي حصل..
ضغط أروى على يدها تمنعها من الحديث. نظر إليها محمود بتعجب مردفاً:
_ هو إيه اللي حصل..
حركت رأسها وقالت:
_ أقصد يعني أنا وأروى أصحاب من فترة ومكنتش أعرف إنها أخت حضرتك..
كان علي يقف بعيداً بحالة من الذهول. علم الآن فقط أن عالمه سيسقط فوق رأسه بأي لحظة. ترك المكان وذهب وعقله يردد:
_ مهما حاولت تهرب يا علي هيفضل الماضي وراك..
بقصر علام أعلنت فاطمة هانم علام أخيراً وقت راحة والدتها ونامت. وضعت سارة قبلة رقيقة فوق جبينها ثم أخذت نفساً عميقاً مردفة:
_ زي أبوكي بالظبط. مزعجة ومغرورة وقمر ودمك خفيف. كله في وقت واحد. محمود علام رقم اتنين..
دلف للغرفة بنفس اللحظة وسمعها فأبتسم قائلاً:
_ وماله محمود علام بقى يا ست بسبوسة..
صوته يريح قلبها. اشتاقت لتفاصيل كثيرة بينهما وأولها حضنه المريح جداً لها. بعينيه نظرات حنين جعلتها تشعر بما يشعر به. أقترب منها مردفاً:
_ عقابي هيخلص أمتي يا بسبوسة؟ وحشتيني؟..
عقابه؟!.. نعم نعم تذكرت أفعاله. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تشير إليه الابتعاد مردفة:
_ وهو فين العقاب ده يا محمود؟!.. ما أنا عايشة معاك أهو..
عايشة معه بجسد إنسان آلي خالي من الروح. أين روحها؟ أين دلالها؟!. جذبها ليبتعد بها عن الصغيرة ثم أخذها لغرفة أخرى بداخل الجناح مردفاً:
_ عايشة ازاي؟!.. يا سارة حرام عليكي وحشتيني..
أشارت لنفسها ببعض الحزن ثم قالت بتعجب:
_ وحشتك وأنا عايشة معاك في أوضة واحدة؟ أمال الخمس شهور اللي فاتوا دول مروا عليك ازاي؟!..
اعترف مثل الطفل الصغير المنتظر كلمة سماح من والدته:
_ مهو أنا بصراحة كنت حاطط كاميرات في كل مكان في الشاليه وكنت بشوفك طول الوقت..
يا ليته صمت كان موقفه سيبقى أفضل بكثير. انتفضت بعيداً عنه بذهول. للحظة شعرت كم كانت لعبة بيده يحركها كما يشاء. كان يراها تعاني بدونه وهو يشاهد بمتعة. حاول الاقتراب منها فوضعت يدها حاجزاً بينهما مردفة:
_ خليك مكانك متقربش مني..
_ حبيبتي أنا..
انفجرت به مردفة:
_ أنا مش حبيبتك. لو كنت كدة كنت على الأقل هصعب عليك وأنا بموت لوحدي. يا سلام على جبروتك وقلبك. كنت بتتفرج عليا وشايف بعينك عايشة إزاي ومكمل في حبسي زي الكلبة عادي. أنت بشع يا محمود بشع..
حرك رأسه بنفي. كل ما قالته فوق طاقته. جذب يدها وقبلها عدة قبلات مردفاً بلهفة:
_ لأ يا قلبي لأ. كنت موجوع أكتر منك بس مكنش عندي حلول تانية..
أومأت إليه بصمت. تركته يضمها وهي تتذكر المقولة الشهيرة "العتاب من باب المحبة". عاتبته كثيراً والآن وبكل أسف انغلق أمامها باب المحبة. ابتعدت عنه وقالت:
_ مش مشكلة حصل خير. هروح أشوف فاطمة أحسن تصحى وأنا مش معاها تخاف..
هذا كثيراً عليه. هذا فوق طاقته. وضع يديه حول خصرها يمنعها من الحركة مردفاً:
_ يعني إيه الكلام ده؟ مش هتقولي حاجة تانية؟!.
نفت بحركة بسيطة من رأسها مردفة:
_ لأ معنديش كلام أقوله. عن إذنك..
_ لأ استنى في حاجة لأزم تشوفيها الأول..
قال هذا بتوتر. نظرت إليه بتعجب دون كلمة. أخرج هاتفه ثم فتح لها على تطبيق الفيسبوك ووضعه بين يديها:
_ عايزك تشوفي الاخبار دي بس من غير زعل..
رأت ما أراد أن تراه. صورها وحديث الناس عنها. بين كلمات قاسية وكلمات أخرى ترفض التدخل بحياة الناس دون معرفة الحقيقة كاملة. رأت عنوان عريضة مكتوب عليه "شابة صغيرة تسرق رجل من زوجته مستغلة جمالها من أجل المال". ابتسمت وأعطت إليه الهاتف مردفة:
_ في حاجة تانية والا أروح أشوف بنتي..
صرخ بها بغضب:
_ إيه السلبية دي؟ مالك فيكي إيه؟ مفيش رد فعل على الكلام ده..
_ تؤ مفيش. ما دي فعلاً الحقيقة يا محمود. بنت حلوة عايزة فلوس وراجل معاه فلوس عايز ست. فين المشكلة في كلامهم؟!..
اتسعت عينيه بذهول مردفاً:
_ سارة أنتِ بتقولي إيه؟!..
_ الحقيقة..
عن أي حقيقة تتحدث؟!.. كيف أصبحت بهذا الاستسلام؟!.. هل هذا صنع يده؟!.. نعم يا إبن علام هذا بالفعل صنع يدك. هذا ما كنت تريدها أن تتعلمه. سألها بذهول:
_ حقيقة إيه يا حبيبتي؟ أنتِ روحي يا سارة روحي. إزاي تقولي كدة؟!..
باستسلام شديد قالت:
_ ماشي أنا روحك.
صرخ بغضب. انتفضت على أثره:
_ في إيه؟!..
_ مفيش غير اني عايزة أعيش مع بنتي من غير عقاب يا محمود. مش عايزة أعمل حاجة تزعلك ترجعني تعاقبني تاني وأنا مش عايزة أبعد عن فاطمة..
أنهت جملتها ثم أعطت ظهرها إليه بابتسامة لذيذة وعادت للفراش بجوار ابنتها هامسة:
_ هو أنت لسة شوفت مني حاجة؟ صبرك عليا..
بعد ساعتين..
بأحد المخازن الموجود بها علاء. دلف إليه محمود وجده مثلما تركه آخر مرة ملقياً على الأرض مقيداً. أخذ نفساً عميقاً قبل أن يشير لأحد رجاله مردفاً:
_ فكوه..
نفذ أمر ليقول محمود بقوة:
_ ساعده يقوم..
ساعده ليقف أمامه فظل محمود يتابعه بصمت حتى قال علاء:
_ أرحمني يا باشا وأنا والله العظيم هسيب البلد كلها وأهج..
اقترب منه محمود بخطوات واثقة ثم وقف أمامه ووضع يده على قميصه يعدل مردفاً ببرود:
_ شطور يا علاء. أنا من زمان بقول عليك زي وعارف مصلحتك كويس. هتطلع من هنا تلم هدومك وتغور أنت ومراتك في ستين داهية. لو شوفتك بعد اللحظة دي صدفة هزعلك..
شعر علاء بعودة روحه له بعد رحلة من المعاناة. فأومأ لمحمود عدة مرات بسعادة:
_ امرك يا باشا. وبنت الكلب دي من هنا ورايح مش مراتي. أنا مش عايز أي حاجة تفكرني باللي شوفته أبداً..
ابتعد عنه محمود بلامبالاة وقال:
_ مش هتفرق. أنتوا الاتنين زبالة زي بعض ويمكن تكون أوسخ منك..
بعد نصف ساعة أخرى كان علاء يدق على باب منزله بكف مرتجفة. لحظة والثانية وكانت مريم تفتح إليه الباب. أول ما وقعت عينيها عليه ألقت بنفسها داخل أحضانه مردفة بذهول:
_ علاء حبيبي أخيراً رجعت. دورت عليك في كل حتة. حتى حوجت لنفسي لقليلة الأصل اللي اسمها سارة ورفضت تساعدني. بقت عاملة نفسها هانم الرخيصة اللي باعت نفسها بشوية فلوس..
صمتت عندما شعرت بجموده وعدم لمسه لها. عادت خطوة للخلف وحدقت به بتعجب مردفة:
_ أنت مين اللي عمل فيك كدة يا حبيبي؟!...
جذبها من خصلاتها بجبروت وألقى بها على باب المنزل مردفاً:
_ أنتِ طالق طالق طالق. ومش عايزة أشوف وشك ولا وش اختك تاني يا عيلة فقر..
تألمت من وقعها وقبل أن ترفع رأسها سمعت طلاقها. تجمد جسدها ورفعت رأسها إليه مردفة:
_ علاء أنا بحبك. قولي عايزني أعمل إيه عشان تبقى معايا وأنا هعمل..
_ عايزك تغوري من وشي..
قالها وأغلق باب المنزل بوجهها. تركها تذوق نيران الفراق للمرة الأولى. تركها تعاني بمفردها حتى يخلص نفسه ويفر عن محمود علام بعيداً..
بشركة محمود..
بمكتب سمية..
كانت تجلس وأمامها أحد الملفات الخاصة بالمشروع. وضعت القلم بين خصلاتها لتعطي لنفسها مساحة أكثر بالتفكير. شعرت للحظة بالعجز فوضعت يدها على وجهها مردفة:
_ وبعدين بقى يا سمية؟ ما تشغلي مخك شوية وكفاية غباء..
وصلت إليها ضحكة رجولية رنانة جعلتها ترفع رأسها. أحمر وجهها بخجل يدلف إليها للمرة الأولى أمام رجل. اقترب منها معتز بخطوات هادئة وقال:
_ عاملة خناقة مع الملف؟!..
حركت رأسها بالقليل من التوتر مردفة:
_ لأ. أنا بس بحب أتكلم وأنا بشتغل عشان أفضل مركزة..
ابتسم إليها ابتسامة جذابة ثم سند جسده على سطح المكتب وقام بمد يده ليزيل القلم عن خصلاتها فسقطت خصلة على وجهها مردفاً:
_ ويا ترا بقى خلصتي شغلك والا لسة؟!...
ما هذا؟!.. كيف لها أن تشعر بتلك الدقات أمام شاب تراه للمرة الأولى. ابتعدت بالمقعد للخلف قليلاً ثم قالت:
_ لسة شوية..
_ بس احنا في بريك الغدا. مينفعش تشتغلي. قومي معايا نتغدا سوا..
نفت بحركة بسيطة من رأسها مردفة:
_ لأ. اتفضل أنت يا أستاذ معتز وأنا لما أجوع هبقي أجيب أي حاجة.
وهل إبن محمود علام شاب عادي؟!.. لا والله. فهو يحمل وسامة أبيه وقوة شخصيته مع الكثير من خبث والدته وهذا أعطى إليه مزيجاً مبهر. قام من محله مردفاً:
_ مفيش عندنا الكلام ده. اتفضلي يا أستاذة قدامي ومن غير أي اعتذار عشان مش هقبل..
بعد أقل من عشر دقائق كانت تجلس على المقعد المقابل إليه بأحد المطاعم الفخمة. قدم لها المنيو مردفاً:
_ تحبي تأكلي إيه؟!..
_ أي حاجة مش مشكلة..
ابتسم إليها ثم قال بمرح:
_ في الأول البنت تبقى مكسوفة وبعد كدة تأكلي إيد الراجل عادي..
حدقت به بذهول ثم ضحكت على أثر ضحكته مردفة:
_ تعرف إن دي أول مرة أخرج فيها مع حد معرفوش..
بغمزة واثقة قال:
_ مهو أنا مش أي حد. أنا معتز علام. بس مش غريبة بنت صغيرة كدة تكون صاحبة شركة كبيرة زي شركة عمران؟!..
تنهدت بحزن وقالت:
_ دي شركة بابي الله يرحمه ومن سنين كنت شاغلة معاه من أولى ثانوي. لما اتوفى بقى لازم أشيل الشغل خصوصاً إني وحيدة..
وحيدة؟!.. هذا رائع. أخذ نفسه براحة ثم قال:
_ أنتِ عندك كام سنة؟!..
_ 20_
_ وأنا 18..
للحظة اهتزت من سماع سنه وقالت:
_ أنتِ أصغر مني..
_ مش مهم. المهم اني حطيتك في دماغي...
بعد أسبوع آخر..
بعد منتصف الليل دلف محمود للجناح ومثل العادة الأخيرة سارة تنام وبين أحضانها فاطمة أما هو يكفيه الأريكة. زفر بضيق ثم ألقى بجسده على الأريكة مردفاً بغيظ:
_ وبعدين بقى في العيشة القرف ده؟ أخطف البنت دي وأرميها على باب جامع يمكن يكون ليا مكان على السرير..
ظل عدة لحظات يفكر بالفكرة حتى قام من محله بهدوء ثم قام بحمل فاطمة من بين يدي سارة بحذر شديد وضمها إليه. بخطوات بطيئة خرج بها من الجناح ووقف أمام جناح والدته. حدق بها ثم ابتسم بحنان على حلاوة ملامحها هامساً:
_ حقك عليا يا قلب بابا. بس طول ما أنتِ في الأوضة مش هعرف أعمل حاجة. أمك بتستقوي بيكي..
دق على باب غرفة والدته وبعد عدة ثواني فتحت إليه حنان ومعالم النوم ظاهرة عليها. نظرت إليه بقلق ثم نظرت لفاطمة مردفة بلهفة:
_ مالها يا محمود؟ البنت فيها إيه؟!..
قدمها إليها على طبق من ذهب ثم قال بابتسامة:
_ حفيدتك الغالية هتنام في حضنك النهاردة وبكرا كمان لأني مش هرجع إلا بعد يومين. خدي بالك منها يا ماما ماشي؟ يلا بالاذن أنا بقى..
تركها تحمل الصغيرة وذهب لسارة بخطوات سريعة. فتح عليها الباب بهدوء وحملها بين يديه بغطاء الفراش وخرج بها من قصر علام. وضعها بالمقعد الخلفي للسيارة وهمس بتعجب:
_ مالها دي؟ كل ده وهي نايمة؟!..
مر عشر دقائق ووصل بها لفيلاتها. وضعها على الفراش ثم اقترب من باب الغرفة وأغلقه بكل ما أتت إليه من قوة. انتفضت من نومها برعب على اثر الصوت فوجدته يزيل عنه ملابسه بهمجية. اعتدلت ووقفت فوق الفراش مردفة:
_ هو في إيه بالظبط يا محمود؟!..
_ في اني خلاص جبت آخري. شغل الدلع بتوع الأسبوعين اللي فاتوا انتهوا. من دلوقتي في معاملة جديدة..
اتسعت عينيها مردفة:
_ هتعمل إيه يعني؟!..
_ هعاقبك لحد ما تتعلمي الأدب..
_ ناوي تحبسني لوحدي سنة المرة دي..
_ أنتِ اللي قولتي المدة بلسانك يا بسبوسة. بس المرة دي هنتحبس مع بعض..