تحميل رواية «عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث "» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ضائع بيني وبين نفسي. جزء مني يريد شيئًا والآخر يحاربه. جزء يقترب وجزء يشد الرحال. جزء يلبي وجزء ينسحب. جزء يرى طوق النجاة والآخر يقول: لا تتوهم. كيف أنجو من حرب طرفاها أنا؟ ولا أدري ما السبب. لكنني أدركت أنني كنت أصب عطفي وحبي في قلوب مثقوبة. *** في إحدى المناطق السكنية الراقية. كانت تغفو على الأريكة، تذهب في سبات عميق. دلف للداخل يحمل بعض الأكياس البلاستيكية. وضعها بهدوء عندما وجدها تغفو بتلك المنامة الوردية وخصلاتها المنسدلة على الوسادة. تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه. لقد اشت...
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الأول 1 - بقلم سيلا وليد
ضائع بيني وبين نفسي.
جزء مني يريد شيئًا والآخر يحاربه.
جزء يقترب وجزء يشد الرحال.
جزء يلبي وجزء ينسحب.
جزء يرى طوق النجاة والآخر يقول: لا تتوهم.
كيف أنجو من حرب طرفاها أنا؟
ولا أدري ما السبب.
لكنني أدركت أنني كنت أصب عطفي وحبي في قلوب مثقوبة.
***
في إحدى المناطق السكنية الراقية.
كانت تغفو على الأريكة، تذهب في سبات عميق.
دلف للداخل يحمل بعض الأكياس البلاستيكية.
وضعها بهدوء عندما وجدها تغفو بتلك المنامة الوردية وخصلاتها المنسدلة على الوسادة.
تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه.
لقد اشتاق إليها كثيرًا بعد شهر ولم يراها به.
اتجه بكفيه المرتعش يلامس خصلاتها هامسًا باسمها.
"جنى."
فتحت جفونها بتثاقل وكأنه يروادها بأحلامها.
ولكن هبت فزعة عندما لامس كفيه وجنتيها وابتسامة على وجهه.
ابتلعت ريقها بصعوبة تحاوط جسدها بذراعيها.
"جاسر!! إيه اللي جابك هنا؟"
تستغرق لحظات يطالعها فقط.
فحمحم ناهضًا ينظر لتلك الأكياس.
"جبتلك حاجات، عرفت إنك مخرجتيش بقالك فترة فقولت أكيد تلاجتك فاضية."
جذبت مأزرها تضعه على جسدها وتلملم خصلاتها بعدما ولاها بظهره.
فتحدثت: "لأ عمو جواد كان هنا وجابلي حاجات."
استدار إليها جاحظًا عيناه متسائلاً: "بابا!! هو عرف مكانك؟"
جلست تنظر للأسفل وأومأت برأسها إيجابًا والدموع تغيم بمقلتيها.
رفع ذقنها بأنامله يتنهد بحرقة قائلاً بنشيج مرير: "شكل بابا وجع معاكي، ده لو عرف."
نظرت إليه وتكونت الدموع بعيناها.
"تفتكر واحد زي عمو جواد مش هيعرف اللي حصل؟"
قَبضَته وانفاسه تحرقه من يقترب منه.
"يبقى عمره ما هيسامحني."
اقتربت منه واحتضنت كفيه لأول مرة منذ فترة طويلة.
وتعلقت عيناها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت جدران قلبها.
فتحدثت بتقطع: "قولتلك بلاش تعمل كدا بس انت اللي أصريت يا جاسر وشوف النتيجة. عمو جواد زعلان جدًا، لو شوفت حالته إزاي بعد ما جه صعب عليا جدًا، مش مصدق إنك تعمل كدا فيه وصدمته الأكبر في بابا."
بتَر كلماتها مقترنًا بابتسامة على شفتيه وهو يحتوي كتفها بين ذراعيه.
"مش مهم، متخافيش بابا هيتفهم الموضوع، ومتنسيش إنك عند جواد إيه يا جنجون."
انسدلت عبراتها تحرق وجنتيها وأجابته: "كان يا جاسر، كان وقت ما كنا عيلة، مش دلوقتي. شوف العيلة بقت إزاي، معدش فيها إلا ذكريات."
احتضن وجهها طابعًا قبلة عميقة على جبهتها يحدق بها برماديته قائلاً: "مفيش حاجة ضاعت، بكرة لما نرجع حي الألفي، كل حاجة هتتنسي."
أنزلت ذراعيها وتراجعت للخلف تجلس على الأريكة.
"مستحيل أرجع تاني هناك، مستحيل يا جاسر. انت ارجع لبيتك ومراتك ومالكش دعوة بيا، وخليك قد كلمتك اللي اتفقت مع بابا عليها."
أحس بقبضة قوية تعتصر صدره.
فاقترب منها يجلس أمامها على عقبيه.
"وأنا مش فاكر اتفقت مع باباكي على إيه، دنا"
يهمس بجوار أذانها: "لو فاكرة يابنت عمي فكريني."
ارتعش جسدها من أنفاسه التي لافحت عنقها.
فتراجعت للخلف تحتضن نفسها وتهرب من نظراته التي تخترقها.
ارتبكت متمتمة: "أنا هقوم أجهز الغدا، تاكل قبل ما تمشي."
قالتها ونهضت متجهة للمطبخ سريعًا.
تحرك خلفها بالشنط البلاستيكية ووضعها على الرخامة.
وتحرك يقف خلفها يحاوطها بذراعيه.
"أنا مش همشي، أنا هبات هنا الليلة."
سقط الذي بيديه حتى أصدر صوتًا.
فارتبكت تجمع الزجاج.
نزل يجمع الزجاج، مبتعدًا بها عن المكان، يحتضن كفها الذي نُزف.
"ينفع كدا مش تاخدي بالك، مفكرة نفسك طفلة."
رَانَ صمتٌ هادئٌ عليهما وهو يقوم بتنظيف جرحها.
لم يخل من النظرات وحبس الأنفاس والتفكير يأبى طي الكتمان.
فإما البوح والاستكانة، أو الصمت والعذاب الأبدي.
"بتعمل كدا ليه يابن عمي، ياترى تكفير ذنب عن اللي حصلي، ولا..."
رفع إبهامه يضعه على شفتيها ودنى ورماديته تحاور بنياتها.
"إياكِ تغلطي، عشان وقت العقاب هيكون شديد أوي يابنت عمي."
رجفة بسائر جسدها وهي تعانق عيناه.
فارتجفت شفتيها وهمست: "ابعد عني عشان متتأذيش يا جاسر، أنا ميرضنيش الأذى والوجع."
جذبها لأحضانه يعتصرها بقوة هامسا لها: "وجاسر يستاهل العذاب يا جنى، لا يتعذب ويكفر عن ذنوبه."
ارتفعت شهقاتها وهي تحاوط خصره.
"أنا مؤذية للكل، أذيت الكل، فرقت الكل، ليه بيحصل معايا كدا، هو أنا وحشة لدرجة الكل بقى يكرهني كدا."
أخرجها من أحضانه يحتضن وجهها وتكورت عبراته يرسم وجهها الجميل.
"إنتِ أجمل بنت في الدنيا دي كلها، إنت البلسم والدوا يا جنى، أوعي حبيبي تقولي كدا."
بكت بنشيج وارتجفت شفتيها تهز رأسها رافضة حديثه.
"وبدليل أنا هنا، مهاجرة بعيد عن حضن أمي وأبوي، وأخويا اللي حياته اتدمرت بسببي."
بتَر حديثها يبتلع كلماتها بجوفه.
لأول مرة يتذوق تلك الشفاه التي أرهقت منامه حتى لم يشعر بهدوء روحه العاصية.
لحظات وهو يحتضن شفتيها.
ربما هدوء لملمة نفسه، أو هروبًا من القادم.
كل ما يجب فعله وما يشعر به هو تذوقها فقط.
قبلة.
***
قبل سنة.
بفيلا صهيب الألفي.
تجلس تلك الجميلة بتصميم ذاك المشروع.
دلف إليها أخيها الأكبر بعد السماح له.
"مساء الجمال على حبيبة أخوها."
نهضت تقابله بإبتسامة بشاشة.
"مساء الورد حبيبي. عامل إيه؟"
جذب المقعد وجلس عليه ينظر لتلك الأوراق.
"الجميل بيعمل إيه؟"
جلست بمقابلته وأشارت للرسومات.
"ده مشروع تبع مسابقة في إحدى الشركات، لقيت إعلان بالصدفة وقولت أدخل أجرب حظي."
مط شفتيه للأمام ينظر لتلك الأوراق مرة وإليها أخرى متسائلاً: "عايزة تشتغلي؟"
تراجعت للمقعد ترفرف بأهدابها تبتعد بانظارها عنه.
فتحدثت بصوت خافت: "عايزة أشتغل يا عز مش حابة قعدتي دي، وانت عارف بحب مجال عملي أوي."
أومأ برأسه متفهمًا.
"جنى لو عايزة تشتغلي عشان انتِ حابة الشغل معنديش مشكلة، أما إذا..."
توقفت باترة حديثه بقلب يأن وجعًا.
"ممكن يا عز تنسى أي حاجة ودلوقتي بجد أنا حابة أشتغل وأعمل كيان لجنى الألفي."
نصب عوده واتجه يضمها من أكتافها.
"أنا معاكي في أي قرار بدل ما يسعدك، المهم ميكونش هروب يا حبيبتي."
فاهمة.
وضعت رأسها بأحضان.
"انت أحسن أخ في الدنيا كلها."
أخرجها يطبع قبلة مطولة على جبينها قائلاً: "هسيبك تخلصي شغلك."
قالها وخرج وتبدلت ملامح وجهه للحزن على أخته.
تمنى لو يزيل آلامها.
قابلته والدته.
"حبيبي انت كنت فين."
أجابه ومازال وجهه متألمًا: "كنت بشوف جنى وطالع جناحي عايزة حاجة حبيبتي."
ربتت على كتفه وسألته: "متخليش علاقة جنى بجاسر تتأثر بمراتك يا عز عشان متخسرش حبيبي، وخليكي فاكر إن جاسر مظلوم، أنا شايفة علاقتك بيه بقت عدوانية، هو ملوش ذنب ولا يعرف."
صعد عز بعدما أومأ لوالدته متجهاً لشقته بالأعلى.
***
بفيلا جواد الألفي.
استيقظ جواد على صوت منبه.
قام بإغلاقه ثم اتجه للتي تغفو تتوسد ذراعيه.
دنى يطبع قبلة بجانب شفتيها.
فتحت رماديتها وأردفت بصوت مبحوح من النوم: "صباح الخير حبيبي."
داعب أنفه بوجهها مردفًا: "صباح الحب على حبيبة جود."
ابتسمت واعتدلت تضع رأسها على صدره.
"هدا إيه الروقان الحلو ده يا حضرة الظابط."
قهقه عليها وهو يعتدل.
"رجعنا لحضرة الظابط يا تيتة غزل."
اعتدلت تعقد ذراعيها بعدما جمعت خصلاتها.
"وجينا للأسئلة حضرة الظابط اللي كلها شَك."
نزل من فوق مخدعه.
"طلبات أوامر يا غزالتي، قولي عايزة إيه."
"جود حبيبي رمضان بعد يومين ماتيجي ننزل الفيوم، نقضي الشهر ده كله هناك."
صمت هنيهة يتذكر تلك الأيام.
ثم جلس بجوارها يحتضن وجهها.
"إن شاء الله حبيبتي، هشوف الموضوع ده مع صهيب، متنسيش المشروع الوزاري الجديد اللي الولاد داخلين عليه."
رفعت يديها تحاوط جسده.
"أنا عايزة نقضي حياة هادية شوية، ونلم العيلة كلها وشهر رمضان مفيش أجمل منه."
طبع قبلة مطولة على جبينها.
"أنا أكتر منك يا زوزو، عايز أجمع الولاد، وخصوصًا ولاد حازم، جواد بقى يهرب من اجتماعات العيلة، وده مزعل باباه بس مش قادر أتكلم، وكمان جاسر مش عاجبني الأيام دي، مصدقت يسيب شقته ويرجع تاني هنا."
استندت بظهرها على مخدعها ثم طالعته وتسائلت: "انت مش شايف رجوع جاسر هنا هيكون مش صح."
اعتدل نازلاً متجهاً لمرحاضه ولكنه توقف وأجابها: "مش هنفضل نهرب يا غزل، لازم الموضوع يكون عادي، عارف الغلط عندنا من الأول، بس جنى أكتر واحدة غلطت فلازم تتحمل غلطها."
نهضت تقف بمحاذته وأجابته بإذعان: "بلاش إنت اللي تقول كدا يا جواد، البنت صغيرة ومكنتش تعرف شعورها إيه، يمكن واخدة جيناتك يا حبيبي."
زفر بغضب من أسلوبها.
فمهما مرت السنين تظل الطفلة.
ولكن تسمر بوقوفه عندما تسائلت غزل: "وكمان أنا عندي إحساس إن جاسر يكن مشاعر لجنى وهو مش عارف يترجمها، ممكن يا جواد يكون جاسر بيحب جنى وهو مش عارف، وحبه لفيروز يكون حب انبهار بجمالها وشخصيتها."
استدار ينظر إليها وكأن سؤالها خرج بقلبه المتألم الذي يحاول أن يصل لذاك السؤال الذي يشغله كثيرًا.
حاول السيطرة والتفكير بهدوء فتحدث: "إياكِ تتكلمي في الموضوع ده حتى مع نفسك يا غزل، سيبي ابنك بلاش تشتتي حياته، ده مجرد وهم."
قالها وتحرك سريعًا للمرحاض.
***
بالإسكندرية.
وصل ريان بمرافقة نغم إلى فيلا بيجاد الذي هبط إلى الأسفل لمقابلة والده ووالدته وهو يحمل ابنه سفيان.
وصل لريان الذي التقطت يديه حفيده.
"مساء الورد يا جدو عامل إيه حبيبي."
احتضنته نغم.
"عامل إيه يا حبيبي وغنى عاملة إيه."
جلس بجوار والدته وهو يبتسم.
"أحسن يانغوم، معلش هنتعبك معانا الليلة."
تلقفت سفيان من ريان وهي تقبله.
"حبيب ناناَ وحشتني قوي."
رفعت بصرها لبيجاد وهو تمسد على خصلاته.
"لأ يا حبيبي مفيش تعب ولا حاجة، بالعكس من وقت ما بابا سابلكوا الشغل واحنا بنفرح قوي لما تجيبوا الولاد."
استمعت لهمهمة سفيان.
"ببب بابا."
قبلته على خديه بقوة.
"الولا ده هيطلع شقي قوي يابيجاد."
ضحك بيجاد على شقاوة ابنه عندما جذب حجاب نغم وبدأ يلاغيها بصوته الطفولي.
قاطعهم وصول غنى، التي هبطت بفستانها الأنيق، وطلتها الجذابة مما جعل بيجاد يحتضنها بنظراته حتى وصل إليها يضمها من خصرها.
تورّدت وجنتيها عندما رأت ريان ونغم شعرت بالخجل من وقاحة زوجها وهو يضمها ثم طبع قبلة على وجنتيها.
"طيب أعمل إيه في الجمال ده غير إني أخطفها."
نصب ريان عوده متجهاً للأعلى وهو ينظر لأبنه بسخرية.
"منحرف يابيجو طول عمرك، طب أعمل حساب لأبوك يابغلة."
قهقه بيجاد على والده فتحدث متهكمًا: "بلاش إنت ياريو، ده إنت ريحتك سابقة ياحبيبي."
صعد ريان الدرج وهو يقهقه على ابنه ثم توقف بالمنتصف.
"نغم نومي الولد وتعالي عايزك."
رفع بيجاد حاجبه بسخرية.
"بقيت جد ياحج، ارحم نفسك شوية وراعي إنك مش في بيتك."
لكزته غنى وهي تفرك بكفيها تنظر لنغم بخجل من بجاحة زوجها.
"بيجاد إنت مش خارج ولا إيه؟!" قالتها نغم.
احتضن كف زوجته وتحرك وهو يرمق والده.
"خلي بالك من حفيدك ياريو، عشان أحبك."
إغتاظ ريان من وقاحته فتحرك صاعداً دون حديث آخر.
توقفت غنى أمام نغم تمسد على خصلات ابنها.
"انطي نغم لو تعبك خلي المربية تهتم بيه، هو واخد عليها والصراحة هي كويسة وبتعرف تتعامل."
ربتت نغم على كتفها بمحبة.
"حبيبتي روحي انبسطي ومتخافيش عليه، بالعكس أنا فرحانة بيه قوي."
قبلته ثم تحركت للخارج حيث ينتظرها بيجاد.
وصل بعد قليل لليخت دلفا إليه، كان مجهزًا احتفالًا خاصًا بهما.
سحب كفيها وصعد لسطح اليخت الذي ينير بأضواء الشموع الخافتة والموسيقى الهادئة.
توقفت أمامه تطالعه.
"إيه ده، قولت هنتعشى، أنما ده احتفال."
حاوط خصرها يطالع رماديتها.
"مين قالك عشا، أنا قولت كدا، أنا قولت هنسهر مع بعض."
قام بفك حجابها بهدوء واضعًا كفيه بين خصلاتها الحريري.
"وحشتيني قوي يا غنايا، من وقت سفيان جه ومخرجناش مع بعض أبدًا، ولا قعدنا لوحدنا، دايمًا سفيان بينا، عايز غنى بتاعت زمان اللي جننت بيجاد ووقعته على جدور رقبته."
رفعت نفسها تحاوط عنقه وهمست له: "وغنى بتعشق بيجادها، ومش شايفة غيره."
طبعت قبلة بجانب شفتيه.
"آسفة عارفة إني قصرت معاك الفترة اللي فاتت، بس ده ميمنعش إن غنى بتعشق بيجاد."
أنزل برأسه في خصلاتها يستنشقها كالمدمن وهو يتحدث: "مش عارف أوصلك اشتياقي إزاي."
رفع رأسه وتقابلت نظراتهما بعشقهما فهمس لها: "وصلتيني لمرحلة مش عارف أعبر عن اشتياقي."
احتضنت بين راحتيها.
"آسفة حبيبي."
رفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته فتحدث وهو يدور بها: "أسفك غير مقبول يا غنايا، ولازم تعوضيني عن الأيام اللي فاتت."
وضعت جبينها فوق خاصته.
"متبقاش بكاش يابيجو، ده أسبوع ياحبيبي متحسسنيش إنهم شهور."
أنزلها ومازال محاوط جسدها قائلًا: "اغلطي كمان حبيبي، الليل طويل للعقاب."
انتفض جسدها وإزداد احمرار وجنتيها وهو يطالعها بخبث، ويضغط على خصرها.
"بيقولوا النهاردة عيد الحب إيه رأيك في الكلام ده."
فاض الحب بعينيها حتى ارتسمت على ملامحها.
تحتضن وجهه مقتربة منه هامسة: "بيجاد وغنى مالهمش عيد حب لأن أيامهم كلها حب."
قهقه بصوته الرجولي وهو يدور بها، ثم بدأ يتمايل على ألحان الموسيقى.
"غنايا بتعرف تهرب من عقاب جوزها."
داعب وجهها.
"الحب هو إنتِ حبيب قلبي."
رفعت رأسها وهي تحاوط عنقه.
"أجمل هدية في الحياة إنت وسفيان."
رفع حاجبه بسخرية.
"نعم ياختي، هتجمعيني مع ابنك الشبر ونص."
أطلقت ضحكة خافتة من شفتيها وتحدثت بشقاوة: "ده حبيبي على فكرة."
ابتلع كلماتها بجوفه حتى سلب أنفاسها.
قبل قبلته عندما شعر بإختناقها، دفعته وصدرها يعلو ويهبط.
"ابعد يامجنوون خنقتني."
داعب أنامله خصلاتها متأسفًا، ثم ضمها بقوة لأحضانها.
"عشان تغلطي تاني ياقلبي، بيجاد ميتحطش في خانة حبيب غيره ودلوقتي جه وقت العقاب."
قالها وهو يحملها متجهًا للداخل.
***
عند فيروز وجاسر.
دلف لغرفته وجدها تجلس بالشرفة وهي تحتسي مشروبها المفضل.
وصل مقبلاً رأسها، ثم خطف كوبها.
"ينفع تشربي من غيري."
ارتشف البعض من قهوتها، ثم أوقفها لتجلس على ساقيه.
مد كفيها يزيح خصلاتها على جانب كتفها يمسدها بهدوء.
"عملتي إيه النهاردة، خرجتي من الأوضة ولا لسه؟"
رفعت بصرها إليه.
"جاسر هنفضل هنا لحد إمتى، إنت قولت هنرجع شقتنا، وعدى أسبوعين كاملين أنا اتخنقت الصراحة هنا."
رفع ذقنها ناظرًا لفيروزتها.
"فيروز إحنا هنفضل هنا مينفعش نرجع تاني الشقة، خلينا هنا لو سمحتِ، أنا هنا مرتاح أكتر."
هبت فزعة من على ساقيه.
"قصدك إيه؟ هنفضل هنا في الجو ده، إنت مش شايف والدك بيعمل إيه."
بدأت تعد على أصابعها.
"النوم بميعاد والأكل بميعاد، الخروج بميعاد، غير طبعًا الدوشة اللي كل أسبوع لازم نفطر ونتغدى ونتعشى مع بعض."
زفر بغضب ثم توقف محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يغضب عليها.
سحب نفسًا ثم طرده.
"فيروز ممكن تهدي وخلينا نتكلم بالعقل، أولًا بابا عمره ما تدخل في اللي قولته، من إمتى بيعمل اللي بتقوليه ده."
"فوقي يافيروز وحافظي على حياتنا، إنت كدا بتضيعينا."
***
بعد عدة شهور.
جلس الجميع بحديقة منزل جواد فاليوم هو التجمع العائلي.
كان عز يجلس يحاوطها بذراعيه وينظر لجواد.
"إحنا هنسافر فرنسا ياعمو، أنا بخبرك بس مش باخد رأيك على فكرة."
قهقه بيجاد عليه ونظر غامزًا بجانب عينيه.
"وأنا هسافر أنا وغنى لندن، عندي اجتماع هناك ومش هننزل إلا بعد خمسين سنة."
اتجه جواد لأوس وجاسر.
"وإنتوا كمان مش عايزين تسافروا؟"
ابتسم جاسر بسخرية وهو ينظر لهاتفه.
"ياريت ينفع ياحج نعمل إيه في الوظيفة اللي مانعاك من السفر كأنك مجرم."
أما أوس فنظر لبطن زوجته المنتفخ.
"لأ ياحج أنا أهم حاجة عندي مراتي تقوم بالسلامة."
جز جواد على أسنانه من برودهم فنصب عوده وتوقف يوزع نظراته بينهم جميعًا.
"بص يلاَ إنت وهو سفر مفيش سفر، وده آخر كلام."
اتجه بنظره لصهيب الصامت وأشار بيديه.
"إنت شايف المستفز عايز يعمل إيه يهاجر ياصهيب."
زفر صهيب بحزن ورفع نظره إليه.
"هو مصمم يا جواد."
وصل لبيجاد بخطوة وسحبه من تلابيبه.
"بص يلا أنا بصبر نفسي عليك بالعافية، عايز تسافر سافر في داهية تاخدك إنما بنتي تسافر معاك ده لما تشوف حلمة ودنك، ودلوقتي ابعد عنها ياحمار."
جذب غنى التي تنظر لبيجاد وهي مبتسمة.
"أنا قولتلك هتقوم الدنيا حريقة اشرب بقى."
احتضن جواد وجهها.
"عايزة تسيبي بابي يا غنى عشان الجحش ده."
جلس بيجاد وهو يضع ساقًا فوق الأخرى وهو يطلق صفيرًا كأنه يخرج وحش جواد فتحدث ليكمل عليه: "مش هتقدر تمنعني، دي مراتي وأنا حر."
قهقه الجميع عليه، اتجه جواد لغزل التي تضحك ثم رمقه بنظرة نارية.
"فرحانة أوي وانتِ عارفة الحلوف ده هيسافر ببنتك."
توقف بيجاد ووقف بمحاذته وهو يربت على ثياب جواد.
"شوف ياحمايا العزيز، أنا كمان بحاول أتحملك، آه حياة النعمة، فبلاش تخرج وحش بيجاد اللي جوايا."
دفعه جواد بقوة حتى هوى ساقطًا على المقعد وتحدث بغضب.
"أنا مش بهزر يابيجاد، غنى مش هتخرج من مصر حتى لو هطلقها منك."
نهضت غزل وسحبت كفيه.
"تعالى يا جواد بيجاد بيغيظك مش أكتر أنا سمعته بيتفق مع عز عشان يعاندوك مش أكتر."
وصلت جنى ونهى إليهم ملقية تحية الصباح.
"صباح الخير."
نهض عز سريعا متجها إليها.
"صباح الورد ياحبيبتي، عاملة إيه دلوقتي."
هزت رأسها وأجابته: "كويسة ياحبيبي، مالها."
هذا ما تسائل به جاسر عندما رفع بصره إليها.
لم يراها منذ أكثر من شهر بعدما كان لا يفرقهما سوى النوم.
نظرت إليه وإلى فيروز التي تجلس بجواره متشابكين الأيدي.
جلست بجوار والدها الذي قبل جبينها.
أما جواد حازم الذي دقق النظر إليها لقد قل وزنها كثيرًا وضاعت ضحكة عينيها.
هل هو السبب للوصول حالتها تلك.
وضعت رأسها على كتف عز وأردفت: "شوية برد مش مستاهلة."
اتجهت غزل تمسد على وجهها.
"حبيبتي عملتي التحاليل اللي قولتلك عليها."
هزت رأسها نافية وترقرق الدمع بعينيها.
"مفيش حاجة يا طنط غزل، قولتلك شوية برد."
نهض حازم يجلس أمامها ممسكًا كفيها الباردة.
"مالك حبيبتي إيه اللي عمل فيكي كدا."
سحب جواد بيجاد وهو يهمس له: "تعالى عايزك."
تحركا للداخل، جلس جواد وتحدث موجها كلامه إليه: "عايز منك خدمة ومفيش حد هيعملها غيرك ياحلوف، ابتسم وجلس بمقابلته ورفع حاجبه. "يعني عايز خدمة وبتشتم كمان."
استند جواد بذراعيه على المكتب واردف بهدوء رغم شعوره بالحزن على جنى فتحدث: "اسمعني يابيجاد وافهم كلامي كويس جدًا، الموضوع ده بقى بالنسبالي حياة أو موت، ياأما بعد كدا مش هتشوف اللمة الحلوة اللي برة دي، وأنا واثق في ذكائك وعارف هتنفذ اللي هقوله."
"ماهو مفيش غيرك إنت وعز اللي أقدر أمنلهم على كدا، وطبعًا ماينفعش أطلب من عز الموضوع ده."
استمع بيجاد إليه بتركيز.
أما بالخارج توقف جاسر تاركًا يد زوجته وجلس بجوار حازم.
"هو فيه حاجة مخبيينها عليا ولا إيه."
"وانت مين عشان نخبي عليك لا أخوها ولا جوزها."
قالها عز بغضب عندما وجد اقتراب جاسر من أخته.
كأنه لم يستمع لحديث عز، فبسط يديه يرفع وجه جنى بأنامله ناظرًا لمقلتيها.
"أنا معرفش إيه اللي حصل خلاكي تبعدي عني كدا يا جنى، وبقيت أشوفك زي الغريب، بس أنا جنبك حبيبتي وقت ما تحتاجييني هتلاقيني."
دفعه عز بغضب عندما فاض صبره وصاح بصوت مرتفع لغزل: "خليه يقوم من قدامي."
وصلت أصواتهم لجواد بالداخل.
نهض صهيب ينظر لابنه الذي فقد سيطرته على بكاء أخته.
"امشي من قدامي ياعز سمعتني، امشي."
أما جواد حازم الذي تحرك مغادرًا عندما انسدلت دموعه ظنًا أنه السبب فيما توصلت إليه جنى.
ضمت نهى ابنتها وحاولت تهدئتها عندما اشتعل الصدام بين عز وج وجاسر.
فرق حازم وصهيب بينهما.
"إيه قلة تربيتكم دي، وصلت بيكم تعملوا كدا واحنا قاعدين."
وصل جواد وبيجاد إليهم.
"إيه اللي بيحصل هنا؟!" قالها جواد بغضب.
جلست غزل تضع رأسها بين راحتيها.
جمع جاسر أشيائه ناظرًا لزوجته.
"يلا هنمشي."
"جاسر!" صاح بها جواد.
"هتروح فين مفيش مشي من البيت تاني."
توسعت نظرات فيروز وهي تهز رأسها رافضة حديث جواد واردفت: "معلش ياعمو خلينا على راحتنا."
توقف جواد وابتلع غصة مردفًا: "جاسر مينفعش يبعد عن أهله يافيروز، وده آخر كلام، ولو خرج من البيت ده يبقى ينسى إن له أب."
شهقت غزل تضع كفيها على فمها فاتجهت له.
"جواد إيه اللي بتقوله ده."
أشار بسبابته: "مش عايز أسمع نفس."
رفع نظره له.
"لو الحمل خرج من القطيع الديابة تاكله، مش كدا ولا إيه ياحضرة الضابط."
"وبما إن أوس هيسافر فرنسا، وياسين في شغله مبيجيش إلا في السنة مرة، يبقى مفيش غيرك هتكون كبير العيلة بعدي، فلو مسمعتش كلامي هتكون دست على أبوك يا جاسر."
أطبق صهيب على جفنيه يقاوم الصدام الذي أحدثه جواد بينه وبين ابنه، فاتجه يجذب جواد.
"جواد ممكن تهدى."
استدار إلى صهيب يطالعه بصدمة كادت تفقد صبره قائلاً: "عجبك تفكك العيلة، سيف عايز يسافر تاني، وحازم قرر إنه يرجع تركيا، مين لسه موجود ياصهيب، شوية عيال مش عارفين نربيهم."
اتجهت فيروز تقف أمامه.
"أنا عارفة حضرتك عايز تلم شمل العيلة، بس ده ممكن يكون يوم في الأسبوع مش مضطرين نعيش مع بعض."
رمقه بنظرات جحيمية واتجه متسائلاً: "أنا بكلم ابني، متدخليش بينا."
نصب جاسر عوده متحركًا إلى والده.
"ال حضرتك شايفه يابابا هعمله، ميرضنيش إنك تزعل أبدًا."
قالها وهو يرفع كفيه يقبلهما.
"آسف مكنتش أعرف الموضوع ده هيأثر فيك، خصوصًا إنك اللي قولت إننا نعيش لوحدنا، صدقيني كنت تعبان من الموضوع ده."
حاوط وجهه يبتسم له.
"إنت ابني الكبير ياحمار ومستحيل اخليك تبعد عني، أنا عملت كدا لما شوفت مراتك مش هتقدر تتأقلم معانا، بس دلوقتي بقالكم سنة واتعايشتوا معانا يبقى ليه تبعد عن حضن أبوك."
أومأ متفهمًا يطالع زوجته التي ظهر على وجهها الحزن.
رمقها بهدوء واتجه يوزع نظراته بين الجميع.
"بما إننا هنرجع تاني لحي الألفي، ففيه خبر حلو لازم الكل يعرفه."
استدار لوالده وسحب نفسًا يطرده بهدوء قائلاً: "مبروك يا جدو هيجيلك حفيد تالت قريباً."
اتجه عز بنظراته سريعًا لأخته التي شهقت بخفوت وكأن كلماته خناجر مسمومة.
وللحظة أحست بالأرض تميد بها وشعورها بضعف الدنيا يحتل كيانها فانبثقت عبرة من جفنيها المحترق وهي تطالعه.
تقابلت نظراتهما لثوانٍ، هو بإبتسامة، وهي بألم يغزو جسدها بالكامل فسقطت كوريقة خريف هشة، تلقاها عز بساعديه وهو يصرخ بأسمها.
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثاني 2 - بقلم سيلا وليد
كنت أعلم أنه ليس لي
لكني أحببته
كنت أعلم أنه بعيد
لكني أحببته
كنت أعلم المسافات والظروف
لكني أحببته
كنت أعلم أنني سأعتاد عليه
وسيجرى حبه في شراييني
وسأحبه حد الجنون
أعشق أيامي وأكره نومي
كنت أعلم أنني أجرم بحق نفسي
وأنني أسّن السكين لأجرح قلبك
كنت أعلم وأعلم بحقائق موجعة
وواقع سيحدث لا محالة
لكنني كنت أتقن خداع نفسي
كنت أكذب الكذبة وأصدقها
لن يذهب
وسيبقى لي ملكي وحدي
كل يوم يمر وهو إلى جانبي يزداد قلقي
يتوتر قلبي أكثر
كنت أعلم أنه كلما زادت أيامي معه زادت الآلام القادمة أكثر
كنت أعلم لكن ما من قلب وروح يفهم
كنت مجنون به
عشقته حد الجنون
أحببت كلامه حتى صراخه
هل أقسم بالله لكم لكي تصدقوا أنني أحببته بكل صدق
أو ألتزم صمتي وأجعل تلك النار تحرق ما خلف أضلاعي
أتريدون النهاية حقاً
أحببته
وأوجعني قلبي حتى تمنيت الموت لا محالة
***
بما أن الجميع موجود
فمبروك يا حضرة اللوا
هتكون جد للمرة التانية
ألقى جملته التي جعلت البعض سعيداً
والبعض الآخر قلبه يتمزق
انسابت عبراتها رغماً عنها
وشعرت بسحابة سوداء تداهمها
وما كان عليها إلا أن ترحب بها
استدار عز لأخته
وجدها شاحبة كشحوب الموتى
هرول اتجاهها وتلقفها بين ذراعيه
عندما هوت ساقطة
تتمنى أن لا تصحو أبداً
نظر الجميع إلى صوت عز وهو يصرخ باسمها
"جنى!!"
بينما صهيب الذي شعر بأن روحه ستفارقه
من حالة ابنته التي تدهورت
اتجه بخطوات ضعيفة
حملها عز سريعاً متجهاً إلى منزلهم
جلس جواد واضعاً رأسه بين راحتيه
مطبق الجفنين
بعد تحرك الجميع خلف جنى
جلس بيجاد بجواره
"عمو جواد إيه اللي مخبيه علينا
ومش عايز عمو صهيب يعرفه؟"
رفع رأسه وطالعه بصمت
لعدة لحظات
"فيه مشاكل في العيلة يا بيجاد
ولا زم اتصرف قبل المشكلة ما تكبر وتأذي الكل"
"المشكلة دي جاسر وجنى مش كده؟"
تساءل بها بيجاد
نظر حوله فوجد ابنه يقف بجوار أوس يتحدث إليه
"إيه اللي خلاك تقول كده؟"
نصب عوده يضع يديه بجيب سرواله
وهو ينظر للبعيد
"يبقى حقيقي
أنا حسيت الموضوع مش طبيعي برضه
غير كلام غنى اللي مش مفهوم"
توقف جواد وسحب بيجاد من أكتافه
"تعالى نتمشى شوية ونتكلم"
عند جاسر وأوس
"إيه السر اللي بيحاولوا يخبوه يا أوس
وإيه تعب بنت عمك كل شوية ده
وجواد له علاقة بكده ولا إيه؟"
رفع أوس كتفه بعدم معرفة
ثم اتجه بنظره إلى ياسمينا
التي تتحرك متجهة إليهما مع فيروز
"مفيش حاجة
قلة غذا
طنط غزل كشفت عليها
ضغطها ضعيف ونبضات القلب مش مضبوطة"
اتجه إلى منزل صهيب قائلاً
"هروح أطمن عليها"
توقفت فيروز
"جاسر إحنا لازم نتكلم"
تلاحقت أنفاسه بغضب
عندما علم بما ستقوله
"بنت عمي تعبانة
مش محتاج سفاهة يا فيروز"
تحركت متجهة تقف أمامه
"هي راحتي بقت سفاهة دلوقتي يا أستاذ جاسر
أنا مش هقعد هنا"
تحرك من أمامها
عندما ارتفعت وتيرة غضبه
مما شعر أنه سيفعل شيئاً سيندم عليه
وصل إلى منزل صهيب
قابلته غزل وغنى على باب المنزل
"رايح فين يا حبيبي؟"
تحرك خطوة من أمامهم
"عايز أطمن على جنى يا ماما"
أمسكت غنى كفيه
"بقولك إيه يا جسورة
عايز تهرب مني عشان الهدية
تعالى يا حبيبي عشان هديتي"
قطب جبينه متسائلاً
"هدية إيه؟!"
"غنى أنا مش في حالة تسمح للهزار"
طوقت ذراعه وتحركت تغمز لوالدتها
"هو الأبوة ببلاش
مش لازم يا حبيبي تهادي عمة الولد بخاتم سوليتير"
توقف مذهولاً من حديثها
"أكيد بتهزري
وسعي يا غنى عايز أشوف جنى"
قالها وتحرك سريعاً
"بلاش يا جاسر"
توقف فجأة ثم استدار منتظراً حديثها
فركت كفيها ببعضهما تهرب بنظراتها بكل اتجاه سوى عيناه
"أنا حاسس الموضوع وراه حاجة كبيرة
من وقت مارجعت من شهر العسل
وجنى بعدت عني لدرجة مبتردش على تليفوناتي
جواد وهروبه دايماً من التجمع العائلي
عز كمان بقى مش متحمل مني كلمة
وكل شوية بيحسسني أنا السبب في حالتها"
انعقد لسان غنى أكثر
وتاهت الكلمات عن تعبيرها بما ستقوله
أمسكت كفيه
تسحب نفساً تفكر الخروج من تلك المعضلة
"جاسر حبيبي انت مكبر الموضوع ليه؟
أنا قصدي إنها تعبانة دلوقتي وعمو صهيب مضايق بسببها
وعز مش واخد موقف ولا حاجة
هو مضايق بسبب موضوع ربي ومشكلة حملها
فممكن يكون اتكلم بطريقة مش كويسة معاك من أعصابه التعبانة مش أكتر"
مسح على وجهه وهو يهز رأسه قائلاً
"هعمل نفسي مصدقك يا غنى
بس لازم أطمن عليها"
قالها وتحرك متجهاً إلى منزل عمه
دلف للداخل قابله عز
توقف أمامه يطالعه لبعض اللحظات
"جنى عاملة إيه يا عز؟"
أطبق على جفنيه ثم زفر بهدوء
"كويسة يا جاسر
قلة أكل
عندي اجتماع مهم بعد إذنك"
عقد حاجبيه وتحدث متهكماً
"بعد إذنك؟!"
"هو فيه بالظبط يا عز؟"
توقف عز مولياً ظهره
محاولاً السيطرة على أعصابه
ابتلع ريقه واستدار إليه مبتسماً
"إيه يا بني
مش عاجبك أدبي ولا إيه؟"
تحرك جاسر وتوقف أمامه يدقق النظر بعينيه
"عز أنت متغير ليه؟
هو أنا عملت حاجة مزعلاك مني؟
ممكن أكون عملت حاجة ومقصدتش
انت عارف الفترة اللي فاتت كنت بعيد عن حي الألفي
ومقابلتنا كانت قليلة
انت زعلان مني عشان كده؟"
سقطت كلمات جاسر على رأس عز كسقوط نيزك
وشعر بغصة تخنقه
فرفع نظره إليه
"ليه بتقول كده يا جاسر؟!"
"من إمتى وأنا بزعل منك
إحنا طول عمرنا إخوات يا حمار
وعمري ما أزعل منك"
"جنى"
قالها جاسر بتقطع
تقابلت نظراتهما معا
فدنا منه يحاوطه
بنظرات تقيمية
"إيه اللي مخبيه عني يا عز يخص جنى
وليه مش متحمل أقرب منها
وهل علاقة تعبها بجواد؟"
بتر حديثهم وصول صهيب متسائلاً
"واقفين كده ليه؟"
استدار جاسر إلى عمه
"مفيش يا عمو
كنت بسأل عز عن جنى"
ربت صهيب على كتفه قائلاً
"جنى كويسة حبيبي هي نامت دلوقتي"
"عمو عايز أشوفها"
تحرك عز حتى لا يفعل ما لا يحمده الآخرون
"اطلع مرات عمك فوق عندها"
قالها صهيب عندما وجد نظراته المتلهفة عليها
صعد سريعاً للأعلى
دلف بعد السماح له
دخل برأسه بمزاح قائلاً
"اللي مكشوف يتغطى"
"ضحكت نهى وأشارت بكفيها
"تعالى يا أهبل
انت غريب"
غمز بعينيه وهو ينظر إلى جنى
"ما غريب إلا الشيطان يا طنط نهنهيو
بقولك بنتك جابت لي عقدة نفسية
يعني أحسن يوم تخضني عليها كده"
كانت نظراتها عليه
هناك شعور قاس يفترس قلبها دون رحمة
للحد الذي جعل دمعة غادرة تنبثق من طرف عينيها
ورغم أنها أزالتها سريعاً
إلا أنه لمحها وهو يتحدث مع والدتها
شعر بقبضة تعتصر فؤاده
اتجه إليها بعدما تحدثت نهى
"هعملك عصير حبيبتي"
رفرفت أهدابها وأومأت برأسها
عندما فقدت الحديث
جذب مقعد وجلس بمقابلتها
كان يطالعها بإشتياق
فمنذ زواجه وعلاقتهما تدهورت
"وحشتيني"
أردف بها بهدوء
ورغم أنه أخرجها ببطء
إلا أنها نزلت كنيران تحترق كلا منهما
ابتسمت مع تلألؤ عيناها بالعبرات
وهمست بتقطع
"إنت كمان وحشتني أوي يا ابن عمي"
مازال يطالعها كأنه يرسمها برماديته
فأردف متسائلاً
"وياترى اللي بيوحش حد بيتعب كده"
رغم أنه أخرجها على مزاح
إلا أنها هزت رأسها مع تساقط عبراتها
التي انزلقت رغماً عنها
"جدا يا جاسر"
لم يستطع التحكم بنفسه
فهب من مكانه
وجلس على طرف فراشها يمسد على حجابها
"انتِ كمان فارقة معايا أوي يا جنى
معرفش إيه اللي حصل خلاكي تبعدي عني كده"
ابتعدت قليلاً
عندما استنشقت رائحته
التي جعلتها تريد أن تلقي نفسها بأحضان
فاقت من شرودها عندما احتضن وجهها يزيل عبراتها بإبهامه
"جاسر بتعمل إيه
انت اتجننت
ناسي إنك متجوز دلوقتي
غير كمان مينفعش القرب ده
خلاص كبرنا يا ابن عمي وحدودنا كبرت"
رفعت نظرها وحدقت برماديته قائلة
"الحدود كبرت أوي أوي يا ابن عمي"
تراجع إلى مقعده يرمقها بهدوء
"مش موافقك يا جنى طبعاً
إيه اللي بتقوليه ده"
رسمت ابتسامة على وجهها
"لا يا حضرة الظابط
مش بكيفك
وامشي من هنا
عشان مراتك لو جت وشافتنا كده هتولع فيا"
جذب كفيها يطالعها بغضب مصطنع
"مين يا بت اللي يقدر يبعدك عني"
كانت لمسته لكفيها كصاعقة برق أصابتها
فتصلب جسدها وحبست أنفاسها بصدرها
وتلألأت عبراتها
"جاسر سيب إيدي لو سمحت"
قالتها بتقطع
بدخول فيروز التي كانت تقف منذ فترة على باب الغرفة
"حمد الله على السلامة يا جنى"
قالتها وهي تطالعها بغموض
ابتسمت جنى بهدوء
رغم ارتجافة جسدها
"أهلاً فيروز ادخلي واقفة ليه"
قالتها بتقطع
دلف فيروز
تنظر لجاسر الصامت
ثم رفعت نظرها لغرفة جنى
"حلوة الأوضة أوي يا حبيبي
فعلاً ذوق جنى حلو زي ما قولتلي"
عقدت جنى حاجبيها مندهشة
"مش فاهمة"
نهض جاسر
"حمد الله على السلامة
ويلا فوقي بسرعة عشان نرجع نضايق بعض زي الأول"
انحنى بجسده يغمز لها
"رجعت تاني هنا يا جنجون
والمستخبي هيبان
وكل واحد هياخد حقه"
رفعت نظرها إلى فيروز التي تراقبهم بصمت
فاهتزت عيناها من نظرات فيروز الأختراقية
"حمد الله على السلامة
ما كان من الأول يا بني
إيه اللي خلاك أصلاً تبعد عن حي الألفي؟"
"كل واحد حر في حياته يا جنى
والمفروض كل واحد يختار الحياة اللي تريحه"
رفعت كفيها على خصلات جاسر تمسدها
"مش كده يا حبيبي"
اعتدل جاسر بوقفته
"فين جواد مش باين ليه؟"
تسائل بها جاسر متجاهلاً حديث زوجته
"معرفش يا جاسر ومش عايزة أعرف"
أومأ برأسه
"بيننا كلام يا جنى
لازم نخلصه"
أمسكته فيروز من كتفه
"جاسر إحنا اتفقنا هنقعد في شقتنا"
"أنا بريحك بس يا فيروز
بس هنقعد هنا خلاص
ده آخر كلام"
"فيه مشكلة ولا إيه يا جاسر؟"
رفعت نفسها تطبع قبلة على وجنتيه تنظر لعيناه
"ممكن نتكلم بعدين
مينفعش قدام الغرب"
ثم اتجهت إلى جنى
"مفيش مشكلة
حاجات خاصة بينا
ولو على كلام جاسر إنه راجع هنا
فهو بيقول كده عشان عمو جواد مش يزعل
بس أكيد إحنا هنرسم حياتنا"
انزل كفيها وتحرك للخارج
ثم توقف لدى الباب
"أنتِ يا بت عايز أشوفك الصبح في التجمع العائلي
الرقدة دي مش لجنى الألفي
متخلينيش أطلع أجيبك من شعرك الحلو ده"
تناست وجود فيروز فغمزت بعينيها
"تصدق يا جاسورة وحشني خناقتنا مع بعض
وحركاتك البيئة"
ربعت فيروز ذراعيها أمام صدرها
"حركات بيئة يا جاسورة"
ابتسم لفيروز يشير على جنى
"دي هبلة مش تصدقيها"
ثم تحرك يجذب كف فيروز
"تعالي حبيبتي عايزك في موضوع"
تنهدت بحزن بعد خروجهم
أطبقت على جفنيها ثم هبطت من فوق مخدعها بهدوء
واتجهت إلى الحي القيوم
"اللهم أنزع حبه من قلبي"
ظلت ترددها بسجودها مع عبراتها
التي أصبحت كزخات المطر
جلست وامسكت مصحفها
تحتضنه وكأنها تستمد منه القوة
"يارب بحق قرائنك
فأنت الحق وقولك الحق
أن تريني بمستقبلي ما يسر قلبي قبل عيني"
رفعت كفيها تضرعاً للحي القيوم
"يارب جملني بقلب عطوف رحيم
اللهم اجعلني عطف وليس قسوة
يارب عبدك الضعيف يحتاجك
فأخرجه من ظلمات قلبه لنور إيمانه
اللهم جملني بقلب جميل عطوف
وابعد عني القلب القاسي المؤذي
اللهم قلبي في عنايتك فاحفظه ونقيه
ولا تجعل به حقداً ولا نفوراً"
***
اهتز جسدها من شهقاتها
عند دعائها
"اللهم أنزعه من حياتي"
صمتت للحظات
تمنع شهقاتها
"اللهم أخرجني من ضعفي إلى قوتك"
قالتها بشهقة خافتة
فوضعت كفيها على فمها
أطبقت على جفنيها قائلة
"لا إله إلا الله الحليم الكريم
لا إله إلا الله العلي العظيم
لا إله إلا الله رب السماوات السبع و رب العرش العظيم
ربّ إني أسألك أن تريح قلبي وفكري
وأن تصرف عنّي شتات العقل والتفكير
ربّ إن في قلبي أموراً لا يعرفها سواك فحققها لي يا رحيم
ربّ كن معي في أصعب الظروف وأرني عجائب قدرتك في أصعب الأيام"
شعرت بأحدهما خلفها
جلس وسحبها لأحضانه
يحاوطها بذراعه
"عاملة إيه دلوقتي يا حبيبة أخوكي"
وضعت رأسها بأحضانه
"الحمد لله
كويسة يا حبيبي"
"رجعت بسرعة يعني"
امسك كفيها وتوقف متجها لمخدعها
"تعالي عايز آخدك في حضني زي زمان"
انسابت عبراتها
فدنت منه تحاوط خصره
"انت أحسن أخ في الدنيا يا عز
أنا بحبك أوي"
طبع قبلة على جبينها وحاوطها بذراعه
"وأنتِ جنتي الصغيرة اللي بحب أجيلها وقت ضعفي يا جنجون"
دلف ربى تضع كفيها بخصرها
"لا والله
بقينا نيجي من برة على الست جنى
وربي حبيبة القلب وحشة"
مسحت جنى دموعها وابتسمت من بينهما
"لا طبعاً
هو يقدر ينسى روح القلب"
كانت نظراته على أخته التي ذبلت وأصبحت كالزهرة التي تركها صاحبها دون رعاية
أما ربى التي توزع نظراتها عليهما
"لا أنا زعلانة ومقموصة
وهخاصمكم انتوا الاتنين"
قهقهت جنى وتناست ما كان يبكيها
تضرب كفيها وتدفع عز
"روح يابني
ده حتى مراتك عينها في حضنك
يالهوي يا عيني عليكي يا جنى يا بريئة يا وحيدة"
دفعت ربى عز الصامت بعيداً عنها
"تعالي يا كلب البحر يا شحاتة
ده إحنا ننفع نلف بيكي السيدة والحسين"
جلس عز على فراش أخته بصمت يطالعهما
احتضنت ربى جنى
"مين اللي وحيدة يا كلبتي الصغيرة
ده انتي فطوطة العيلة كلها
فاكرة مصايبنا يا بت واحنا صغيرين"
"لا القعدة دي ناقصة حضرة الظابط
ونرجع الذي مضى"
كأن حديث ربى أوقعها مرة أخرى
فرسمت ابتسامة عندما وجدت نظرات عز مصوبة عليها
فأردفت
"أيوة فاكرة ياختي مصايبك إنتِ وعز
جاسر كان بيتعاقب مكانكم"
قهقهت ربى تنظر إلى عز
"عزو حبيبي طول عمره ذكي
وبيِعرف يتصرف
أما جسور طيب وكان دايماً يوقع في إيد بابا"
قهقهت الفتاتان حتى عز تذكر تلك الأيام
رفع ذراعيه إليهما
يضمهما قائلاً
"تعرفوا إنتوا أغلى حاجة عندي
مستعد أضحي بحياتي كلها ولا أشوف دمعة من قمرات جميلات الألفي"
دفعت ربى جنى بهدوء قائلة
"اتجننت يازيزو
عايز تساويني بكلب البحر دي
لا طبعاً لازم غلاوتي تكون أعلى
يعني تحبني أكتر
وتخاف عليا أكتر
وانت يا جنجون
روحي شوفي صاحبك المدافع خليه ياختي يدافع بحياته عشانك"
هنا فقد عز سيطرته فتحدث سريعاً
"غلطانة يا بنت عمي جنجنون أحميها بحياتي قبل ما أحميكي"
دفعته ربى بغضب مصطنع
وتحركت للخارج
"أنا مخصماك وخلي جنجون تنفعك يا حبيبي"
غرفة مكتب جواد
جلس جواد بجوار صهيب
يراجعوا بعض المشاريع
"حلو يعقوب المنسي يا صهيب
خلي عز يتعامل معاه
أنا أسمع عنه كويس
ولسه راجع من أمريكا قريب"
دلف حازم
"جنى عاملة إيه يا صهيب"
"الحمد لله يا حازم"
نقر جواد بقلمه على مكتبه
"صهيب خلي جنى تنزل الشغل
هتقابل ناس
وتغير جو"
جلس حازم موافقاً جواد برأيه
"أنا عايزك تتأكد جواد ملوش علاقة
جنى اللي رافضة الموضوع خالص"
"لما هي رافضة ليه وافقت من الأول يا عمو؟
أكيد جواد عمل حاجة وصلها لكده"
هذا ما قاله جاسر عند دلوفه لمكتب والده
تراجع جواد بجسده على مقعده
"انت إزاي تدخل كده بينا بالكلام
هو عشان اتجوزت وخرجت من حي الألفي نسيت الأدب والاحترام يا ابن جواد"
شعر بغصة بحلقه من حديث والده عندما فهم مغزى حديثه
هز رأسه بالنفي
"أبداً يا بابا
حضرتك وأعمامي فوق راسي
بس اللي بيحصل ده مش طبيعي
عايز أعرف إيه اللي حصل مش أكتر"
"مش شغلك يا جاسر
أبوها عايش وأخوها
وأنا يلا
انت آخر واحد له الحق يدخل بين ولاد عمك"
اقترب من مكتب والده وانحنى بجسده ينظر لمقلتيه
"غلطان يا حضرة اللوا
ولو كنت ناسي أفكرك"
أشار إلى الأريكة وتحدث
"بص للكنبة دي وافتكر لما قعدتني أنا وعز وقولتنا انتوا كبار العيلة دي
والمسؤولية عليكم انتوا
لازم تعرفوا كل حاجة
توقفوا دايماً مع بعض
اللي يتعب التاني يشيله
وال يضعف التاني يقويه
وأي مشكلة في العيلة انتوا اللي تحلوها"
اعتدل ناصباً عوده ووزع نظره بين حازم وصهيب وأردف
"وقبل دا كله جنى عندي غير أي حد
جواد صاحبي قبل ما يكون ابن عمتي
وعز توأم روحي قبل ما يكون ابن عمي
لكن جنى الاتنين يا بابا
وزيها زي غنى وربي
ومستحيل اسكت لما أعرف إيه اللي وصلها لدا كله"
اتجه لحازم وتوقف مستنداً على الجدار ثم أردف
"حضرتك بتقول جواد ملوش علاقة
طب أقنعني يا عمو إزاي وهي يوم فرحي كانت بتعيط في حضني وبتقولي بحبه أوي
يبقى أكيد ابنك عمل حاجة كبيرة كسرها بالطريقة دي"
"جاسر"
صرخ بها جواد
"إيه قلة الأدب دي
إزاي تكلم عمك كده
أتأسف منه
ومتنساش نفسك يلا
أوعى تفكر تاني مرة توقف قدام عمامك وتتكلم بقلة ذوق كده"
ذهل جاسر من رد فعل والده العنيف
ولا يختلف الأمر عند كلاً من صهيب وحازم
قطع النظرات صهيب
"اهدى يا جواد
مالك عارف جاسر وحمية الشباب وهو خايف على أخته
مش أنت خايف على أختك يا حبيبي؟"
"وجواد أخوه يا صهيب
زيه زي جنى مفيش فرق"
نهض جواد فلقد خرج السهم من القوس
لوي فمه
"مش يمكن لما تعرف مين السبب تكره نفسك"
توقف صهيب سريعاً يرمق جواد بتحذير
"جواد اتجننت إيه اللي بتقوله ده"
"اسكت يا صهيب
خليني أرد على حضرة الظابط اللي نسي الأصول من شهرين
أومال لو قعد سنتين هيعمل إيه"
"بابا إيه اللي بتقوله ده!!"
"بقول تطلع لمراتك يا حضرة الظابط
وتقنعها وتفهمها اللي قولته دلوقتي
جاي تعمل علينا جيمس بوند
وانت مش عارف تحكم عليها"
"جواد"
صرخ به صهيب يدفعه بقوة عندما فلتت زمام الأمور بينهما
"جذب صهيب من ذراعيه بهدوء"
"صهيب إيه مش تقول لحضرة الظابط مراته جت وقفت قدام أبوه وقالت له إيه"
هز حازم رأسه جاهلاً بما يصير فتحدث
"جواد مهما حصل مينفعش تقول له كده قدامنا"
دفع جواد المقعد بغضب وثارت جيوش غضبه
"أيوة ده اللي أقنعتوني بيه عشان أوافق على جوازه
إيه يا حازم هفضل أداري لحد إمتى
النهاردة دخل وفرد دراعه على أبوه وأعمامه
طيب مش يحكم على مراته
يجي يحكم على عيلة الألفي"
دفعه بصدره
"مراتك جاية توقف قدام أبوك وبتقوله
متخنقش ابنك بتحكماتك
شوية شوية وهتقولي ملكش دعوة بجوزي اللي هو ابنك"
أشار بسبابته وتحدث
"مراتك تقعد هنا حسب قوانين جواد الألفي
يا إما كده يا تاخدها وتمشي من هنا فوراً"
تحرك متحاملاً على نفسه
كالمتخبط نحو زوجته
لا يعلم ماذا حدث له
هل والده على صواب
هل هو أخطأ عندما ترك حضن والده الذي اعتبرته زوجته ما هو سوى ضعف
صعد إلى غرفته وجدها تستمع إلى الموسيقى وهي تجلس بالشرفة مغمضة العينين
دفع الباب بقوة ودخل يطالعها بغضب
"أنا مش قولتلك حياتنا هتبقى هنا
وانسي أسيب بيت أبويا"
ربعت ذراعيها على صدرها وتحدثت وهي تهز ساقيها
"لا مقولتش
قولتلي بحبك وأعيشك في الجنة
بس كله كان أوهام"
"اتجننتي إيه اللي بتقوليه ده"
"انتِ مجنونة"
لكمته بصدره بقوة
"اتجوزتني ليه يا جاسر
ليه عيشتني ساعة في الجنة وسنة في النار
ليه
ليه؟"
شعر وكأن الأرض تُسحب من تحت قدميه
هز رأسه وخرج سريعاً عندما فقد السيطرة على نفسه
هرول متجهاً إلى سيارته
قابله عز
ولكنه تحرك متجاهلاً له
"جاسر"
قالها عز عندما وجده يتحرك سريعاً كأنه يهرب من مطاردة
استقل سيارته
اتجه عز سريعاً إليه عندما وجده بتلك الحالة
فتح باب سيارته
"جاسر انزل
رايح فين؟"
"عز..عايز أكون لوحدي لو سمحت"
استند عز متكئاً على باب السيارة يهز رأسه
"بتحلم يا ابن عمي
انزل واحكيلي إيه اللي حصل"
"اقفل الباب يا عز لو سمحت"
حرك شفتيه
"انسى يا جاسورة
انزل هنتكلم
ولا أقولك
تعالى نروح لبيجاد نعانده شوية
من وقت ما جه من إسكندرية وهو نايم
تعالى ننزل نعاند عمو جواد شوية"
قام بتشغيل محرك السيارة
"هروح لعمو باسم شوية وراجع
وعد هرجع بدري ونسهر كمان"
استقل السيارة بجواره
"يبقى أنا كمان عمو باسم الفرفوش وحشني"
ابتسم جاسر على حركات عز
فتجلجل من السيارة وهو يضحك بصوت مرتفع
كأنه ليس ذاك الذي يخرج نيران من جسده
تسطح على العشب وهما يتمازحان
استمعت ربى وغنى لضحكاتهما
فخرجتا متجهين إليهما
صرخت ربى وهي تقفز حتى سقطت بينهما
"خيانة يا وحشين"
ربعت غنى ذراعها ووقفت تنظر إليهما
"جذب عز ربى يحاوطها
شيل إيدك يا بغل دي مراتي"
اعتدل يشير إلى غنى
"تعالي يا غنون
إحنا مالناش غير بعض"
جلست بجواره
اعتدلوا وهم مازالت ضحكاتهم بالأرتفاع
صاحت ربى باسم جنى
"يا جنىىىىىىى تعالي شوفي الخيانة"
نظرت من نافذة وجدتهما يمزحون ويجذبون ربى بضحكاتهما
كانت تطالعهم بٱبتسامتها الجميلة
ورغم ابتسامتها إلا أنها شعرت بالحزن عندما تذكرت أنها فقدت تلك السعادة لسبعة عشر عاماً
وصل بيجاد إليهم
جلس بجوار زوجته
"صوتكم عالي ليه يا ولد"
رفع عز حاجبه
"اهو جه بدل ماكنا رايحين"
تجمع الشباب جميعاً حولهم وبدأوا يتمازحون
نهضت البنات يجلسون بمكان بعيدا بعض الشئ
كانت تقف في الشرفة تطالعهم بغضب
فلقد تركها حزينة
وذهب يتمازح مع أخواته
وجدت جنى تستند على تقى وتتحرك متجهتان إليهم وهما يبتسمان
تحركت متجهة للداخل
وقامت بتبديل ثيابها
ووضعت لمسات تجميلية
توقفت تنظر إلى نفسها
"هشوف أنا ولا إنتِ يا ست جنى
لا وعاملة بريئة
متعرفش النظرات الخبيثة دي أنا حفظاها كويس"
هبطت إلى الأسفل سريعا
قابلها جواد صاعداً إلى جناحه
توقفت أمامه
"أنا آسفة لحضرتك
عشان اتكلمت معاك بصوت عالي"
توقف يطالعها بصمت
ثم تنهد وأمسك كفيها
"تعالي يا فيروز عايز أتكلم معاكي شوية"
جلس وأجلسها بجوارها
"عارف حياتك مختلفة عن حياتنا
بس نصيحة من أب يا ابنتي
بلاش تعاندي جوزك
وأتأقلمي على حياته
مش هو اللي يتأقلم على حياتك"
سحب نفسا ثم زفره وتحدث بهدوء
"النهاردة لأول مرة أحسس ابني بعجزه
مكنش قصدي أوقعكم في بعض
قد ما كان قصدي إنه يفكر قبل ما يتخذ قرار يندم عليه طول عمره"
أشارت على نفسها
"قصدك إن قرار جوازنا كان غلط يا عمو"
"مش ده قصدي يا ابنتي
قصدي إن جاسر أحيانا بيتخذ قرارات متهورة من غير تفكير"
نظر للبعيد وتحدث بشرود
"وممكن قرار متهور يضيع حياته كلها"
استدار إليها وتحدث
"عايزك تكوني قوته
مش ضعفه
ولما يكون في نقاش حاد بينكم التزمي الصمت
عشان مهما كان هو اللي راجل"
قالها ثم نهض ولكنه توقف
"لو هتخرجي برة بالطريقة دي هتزعلي جوزك منك"
قالها وتحرك
مطت شفتيها ووضعت وشاحها على أكتافها وخرجت
كان الجميع ملتفون يستمعون إلى مغامرات بيجاد الجوية
وصلت تقى وجنى
توقفت ربى تساعدها على الجلوس بجوارها
"عاملة إيه دلوقتي حبيبتي"
أومأت مبتسمة
"الحمد لله
بكرة أعمل التحاليل اللي طنط غزل طلبتهالي"
"ماما طلبت منك تحاليل"
قاطعتها غنى للأطمئنان
"عادي يا ابنتي
بقالها فترة بتخس
ماما عايزة تطمن"
وضعت رأسها على كتف ربى
"عملت دايت فترة
فدا اللي تعبني ووصلني للمرحلة دي"
ربتت غنى على ظهرها
"حبيبتي ليه الدايت
ما جسمك حلو"
رفعت ربى كفيها بسخرية
"مش عارفة
يمكن عايزة تشتغل عارضة أزياء"
على بعد بعض الأمتار
يجلس الشباب وأصوات ضحكاتهم ومزاحهم مرتفعة
استدارت غنى تطالع زوجها الذي يتصارع مع عز
"بيجاد المكان اللي بيدخله بينسي أهله الحزن"
ابتسمت جنى وهي تطالعه
"فعلاً
كان واحنا صغيرين عامل كبير علينا
واليوم اللي كان بيجيه هنا بيكون أحلى يوم"
وصلت ياسمين بجوار أوس
"يااااه والله زمان يا آل الألفي
من زمان ماتجمعتوش كده"
سحب كف ياسمين متجهاً لأخواته
"برنسيس ياسمينا هنا
بت ياربي خدي بالك منها"
رفعت ربى حاجبها ساخرة
"وادي العاقل اللي بقول هيحميني لما عز يضربني"
ناغشتها جنى قائلة
"والله بخاف على زيزو منك"
تحرك أوس بعدما جلست ياسمينا بجوار غنى
"إيه يا ياسو شكلك هتولدي قريب"
بدأت في الخامس
"هزت رأسها وأجابتها
"بقالي أسبوع
ومش مرتاحة"
نهضت جنى خلف سفيان الذي يتعلم المشي وهو يصفق بيديه
"غنى هلعب مع سيفو متخافيش عليه"
أومأت برأسها وهي تراقبها
أمسكت كفيه وبدأت تتحرك مع خطواته وضحكاته بالأرتفاع
وصلت إليها فيروز
"جنى ماشاء الله بقيتي كويسة
حمد الله على سلامتك"
ابتسمت لها ببراءة
"ميرسي يا فيروز"
اتجهت خلف سفيان الذي بدأ يتجه نحو حمام السباحة
فأوقفتها قائلة
"أو يمكن صحتك جت على وجودنا معاكم هنا"
ذهبت بنظرها إلى جاسر سريعا
وهو يتحدث مع بيجاد وعز
كانت فيروز تراقب نظراتها فاقتربت تهمس لها
"قالي إنك مرتبطة بيه أوي
آه ماهو لازم تتأثري
مش أخوكي طبعاً"
أومأت برأسها
"جاسر جميل أوي يا فيروز
وبتمنالكم السعادة دايماً
وزي ما قالك أنا أخته
زيه زي ربى وغنى
ياريت متضايقش من علاقتنا"
***
ربتت فيروز على كتفها وتحدثت
"وايه اللي يضايقني حبيبتي
أضايق لو هو مبيحبنيش وكمان حامل في ابنه
أنا مش مضايقة ولا حاجة"
قالتها وتحركت بعدما ألقت ما شطر قلبها لنصفين
كانت غنى تراقب وجه جنى من حديث فيروز
الذي لم تستمع إليه بسبب بعد المسافة
ولكن فجأة نظرت تبحث عن ابنها فصاحت
"جنى فين سفيان"
فاقت جنى من حزنها تنظر اتجاه المسبح
وجدت سفيان متجها إليه ومايفصله سوى خطوة واحدة
أسرعت إليه بخطواتها الهشة بسبب مرضها وهي تشير بيديها عليه
لم يكن واضحاً لأحد سوى لأوس
الذي يجلس باتجاه المسبح
صرخت جنى ببكاء عندما سقط سفيان بالمسبح
هب أوس يصرخ باسمها عندما قفزت خلفه دون تفكير
هرول إليهما والجميع لا يعلم ما سبب صراخ أوس باسم جنى
قبل لحظات جلست فيروز بجوار جاسر
تحتضن كفيه
"روحي اقعدي هناك عند البنات"
وضعت رأسها على كتفه
"مفيش حد غريب
إيه مش كلكم إخوات"
رفعت نظرها لبيجاد الذي لم يعجبه تصرفها وتحدثت
"أستاذ بيجاد مش غريب"
قطع حديثهما عندما صرخ أوس ناهضاً باسم جنى
هب الجميع فزعا عندما استمعوا لصرخاتها اتجاه المسبح
زفرت فيروز قائلة
"تلاقوها اغمى عليها
معرفش كل تجمع لازم جنى يغمى عليه"
لم يعقب بيجاد الذي مازال جالساً على حديثها
واتجه بنظره يبحث عن زوجته وابنه
قفز أوس بالمسبح بعدما وجدها تحمل سفيان
ولكن قدرتها تلاشت وشعرت بالدوران
وصل إليها
يصرخ بعز الذي وصل بعده مباشرة
حاوطها أوس قائلاً
"جنى خليكي معايا حبيبتي"
حاولت السيطرة على نفسها فهمست له
"خد سفيان يا أوس
الولد هيبرد"
قفز عز بالمياه سريعاً متجهاً لأخته
ضمها يومأ برأسه لأوس
"خلاص سيبها أنا هطلعها
خد الولد"
وقفت بجسد مرتعش تنظر إلى ابنها الذي كانت ستفقده
تناولت الولد بيد مرتعشة
"ضمته وجلست تبكي
حبيبي"
رفعت نظرها إلى أوس
"هو كويس يا أوس"
ربت على كتفها وساعدها بالنهوض
"كويس حبيبتي اهو قدامك
احمدي ربنا
لولا جنى كان ابنك غرق"
رفعت نظرها إلى جنى التي يساعدها عز على الخروج
وصل جاسر بجوار جواد الذي وصل للتو
"إيه اللي حصل"
رفع عز نظره لأوس
"ساعد بنت عمك على الخروج"
جحظت أعين جاسر من وجودها بالمسبح
واحتضان غنى لأبنها
"إيه اللي حصل؟"
نهضت غنى تحتضن ابنها
"قولتي هتاخدي بالك منه يا جنى
كان ممكن الولد يموت لولا ستر ربنا"
اتجهت بنظرها إلى فيروز التي وصلت تنظر إليهم متسائلة
"إيه ده جنى مش مغمي عليها
طب ليه اللمة دي"
تحركت جنى بهدوء دون حديث
بعدما رمقت جاسر بنظرة حزينة
تحركت غنى تحتضن ابنها تنادي على بيجاد
"تعالى شوف الولد وقع في حمام السباحة"
هب فزعا من مكانه
"ماله وازاي وصل هناك"
أزالت دموعها وتحدثت من بين عبراتها
"كان مع جنى
معرفش إنها هتسيبه وتمشي لهناك"
"غلطانة يا غنى
فيه حد يسيب طفل في السن ده مع واحدة مريضة"
قالتها فيروز
"جاسر"
صرخ به عز
"مراتك مالهاش دعوة بأختي
ده أول وآخر تحذير"
ثم رمقها بغضب
"المريض اللي بيرمي كلام ومايعرفش أثره على اللي قدامه"
قالها وانسحب من المكان
تحرك الجميع ولم يتبقى بالمكان سوى فيروز وجاسر
اتجه للمكان الذي كان يضج بضحكاتهم منذ دقائق
والآن أصبح بارداً كبرود الموتى
جلس على الأريكة
جلست بجواره
"جاسر ..أنا آسفة"
تراجع بجسده مطبق الجفنين
"إحنا بقالنا قد إيه متجوزين يا فيروز"
فركت كفيها وأردفت
"سبع شهور"
فتح عينيه واتجه بنظراته
"سبع شهور مش سبع سنين
أنا حسيت إنهم سبع سنين يا فيروز
ليه كده
فين البنت اللي حبيتها"
حاوطت خصره وبكت
"انت السبب
قولتلك مش عايزة أقعد هنا
حاسة إني مخنوقة
مش مرتاحة"
خرجت من أحضانه ونظرت لعيناه
"جاسر لو بتحبني خلينا نرجع شقتنا
صدقني هكون مرتاحة هناك"
انزل كفيها ونهض
"وأنا لو مشيت من هنا مش هبقى عايش يا فيروز
هكون ميت"
قالها وتحرك بعض الخطوات
أوقفته بسؤالها
"ده عشان جنى يا جاسر"
كور قبضته واستدار إليها حتى وصل إليها
"جنى زيها زي ربى وغنى
ياريت تتقبلي الفكرة دي
معرفش بقى مالك
وإيه موضوع جنى اللي جننك ده"
"أنت كذاب يا جاسر
أنت اتجوزتني عشان تنسى جنى مش عشان حبيتها"
تسارعت انفاسه
فأمسكها من ذراعها ضاغطاً عليها بقوة
"انتِ عايزة إيه
قولي عايزة إيه
فيه واحد ست تلعب على راجل ورغم كده ويرجع يتجوزها إلا إذا كان بيحبها"
"انت لسه فاكر يا جاسر"
صرخ بها يدفعها بقوة
"فيروز..ابعدي عني دلوقتي"
"مين البنت اللي حبيتها وهي كانت بتحب واحد تاني يا جاسر"
"جنى"
قالها جواد الذي استمع إليهما صدفة
بعد أسبوع
اتجه الجميع إلى منزل جواد فاليوم التجمع العائلي
جلس الجميع ينتظرون إنهاء غزل من تحضير طاولة الطعام
الشباب يتجمعون بالحديقة يلعبون كرة السلة
والبنات يجتمعون في المطبخ يساعدون غزل
سوى جنى التي نزلت عملها منذ يومين
دلف سيارة جيب حديثة من البوابة الرئيسية
رفع الشباب أنظارهم اتجاه السيارة
اتجه عز إلى السيارة بعد معرفته بهوية صاحبها
"أهلا يا بشمهندس"
ابتسم يعقوب يشير إلى جنى
"أعرف أنني أخطأت في الوصول إلى هنا دون ميعاد
ولكنني أعتذر بشدة"
صافحه بيجاد الذي وصل هو الآخر
"مستر يعقوب مدير جنى في الشغل يا جاسر"
"جاسر ابن عم جنى وعز"
صافحه يعقوب مرحبا به
"مرحباً بك"
أومأ جاسر برأسه
يبحث عن جواد
"جواد قال هيعدي يجيبك من الشغل
مكنش له لازمة نتعب الغرب"
حمحم بيجاد ثم ابتسم إلى يعقوب
"الباشمهندس كلم والدك وعرف أن جنى هتيجي معاه"
"كنت قريباً من تلك المنطقة
أرجو ألا أكون أزعجتكم"
قالها وهو يرمق جاسر
ابتسم له عز بود
"أبداً
وأتمنى تتفضل نشرب قهوة ونتعرف على باقي عائلة الألفي"
"كنت أتمنى يا باشمهندس
ولكن عندي ميتينج مهم
عذراً
سنلتقي فيما بعد"
غادر الجميع بعد مغادرة سيارة يعقوب
سوى عز وجاسر وجنى
رمق عز أخته غاضباً
"إزاي ركبتي مع واحد غريب
اتجننتي
نظرت لجاسر لينقذها بعدما وجدت نظرات عز النارية وصوته الغاضب
ربعت ذراعيه قائلاً
"بتبصي ليه
ردي على أخوكي
ليه ركبتي العربية مع واحد غريب
منعرفهوش
واحد لسه بقالك كام يوم شغالة عنده"
"أنا اللي طلبت منه"
قالها صهيب بصوت مرتفع
تحرك إلى أن توصل إليهما
وحاوط أكتاف جنى
"أنا اللي طلبت منه يوصلها
بعد ما جواد اتصل وقالي جالي شغل مهم
وطبعاً يعقوب عايش جنبنا بمسافة بسيطة
فقولتله يجبها
ومن بكرة تعلم اختك السواقة عشان تروح بعربيتها"
قالها وهو يسحب كفيها متحركاً إلى منزل جواد
بعد قليل
على مائدة الطعام كان الجميع يتناولون طعامهم بمحبة وألفة
مع مزحات بيجاد وعز
مع العائلة
هناك بأحد جوانب المائدة
تتحدث مع ربى وضحكاتها تنير وجهها وتلمع عيناها بالسعادة
لقد تغيرت كثيراً عن منذ أيام
ابتسم داخلياً فاليوم أخيراً ظهرت السعادة على وجهها
ظل يراقبها من فترة لأخرى
قاطعته فيروز
"اللي يشوفها مايقولش هي السبب في طفشان جواد من البيت"
دنا يهمس لها
"بلاش تزعليني منك فيروزتي الحلوة
جنى زيها زي ربى
يارب تقنعي نفسك بكده"
ابتسمت بسخرية
"مش باين يا حبيبي من وقت ماقعدنا وعينك منزلتش من عليها"
ابتسم ورفع خصلة متشردة خلف أذنها ودنى يهمس بجوار أذنها
"لأنك هبلة يا حبي
وبتخليني أفكر في حاجات تانية"
لكزته بجنبه
"احترم نفسك يا جاسر
انت عارف أنا تعبانة من الحمل
وماليش خلق ولا مزاج"
ابتسم متهكماً ثم أشار لخصلاتها
"أيوة واخد بالي يا قلبي
ودا اللي خلاكي تخلعي حجابك وسهراتك اللي مبتخلصش
أنا دلوقتي عرفت ليه خرجنا من البيت ده"
استمعوا إلى ضحكات جنى مع عز حينما أردف
"طب والله يا جنى لأسميها جنى
مش كده يا روبي"
أمسكت روبي كفيه وغمزت له
"كده يا قلب روبي"
قهقه عز وهو يجذبها لأحضانه
"أحبه أنا يا ناس"
"اخرص ياحمار إحنا مش قاعدين"
غمز عز وهو يضم ربى بذراع وجنى بالأخر
"طب ماتقولي يا أبو الجود"
"بين معايا قمرات العيلة واسكت يا حج ده عيب"
قاطعته جنى وهي تضحك
"خلاص بقى يا عز ماتعزلش عمور"
رمقته بمقت ثم أردفت
"مبركتيش يعني يا جنى لحملي"
ذهل جواد من حديثها
بينما هي بترت ضحكاتها
وطالعتها بعينين مترقرقة لم تستطع كبحها
أتى عز للرد
قاطعه بيجاد عندما أردف
"سوري فيروز
جنى ممكن ماخدتش عليكي
لكن هي باركت لجاسر مش كده يا جاسر"
مسح جاسر على وجهه بعنف ورمق جنى بنظرة سريعة ثم تحدث
"معرفش إيه المشكلة يا فيروز
يعني"
تنهد وطالع جنى قائلاً
"جنى باركت لي ياستي
إيه المشكلة
إنها نسيت تبارك لكم"
مطت شفتيها ترمقها بهدوء ثم تحدثت
"أنا بسأل عادي يا جماعة
أصل الكل بارك لي انما هي لا"
أكملت حديثها وهي تنظر لجاسر بابتسامة
"مكنتش أعرف إنكم هتزعلوا كده"
قاطعهم وقوف صهيب قائلاً
"تسلم إيدك يا غزل الأكل كان حلو
إن شاء الله المرة الجاية عندنا بعد مانرجع من السفر"
ثم أشار بكفيه لأبنته
"لو خلصتي أكل يا بابا يلا"
نهضت وهي لم تشعر بما حولها
ولكن أوقفها جواد
"جنى هتعمل فنجان قهوة لعمها يا صهيب"
تحركت غزل إلى صهيب
"جواد هروح أشرب القهوة مع صهيب ونهى"
أومأ برأسه دون حديث
توقف بيجاد وبسط كفيه إلى غنى
"يالا حبيبي نطلع نرتاح
هلكان وعايز أنام"
رفع بصره إلى جواد
"حضرة اللوا هيسهر مع سفيان
هو جد ببلاش"
تهكم جواد وهو يضم الولد لأحضانه
"روح يلا من وشي مش ناقصاك"
ثم رفع نظره لجنى التي توقفت تطالع عز بحزن
ابتسم بمحبة لها واردف
"اعملي لعمو فنجان قهوة يا جنجونة وتعالي عند حمام السباحة"
أومأت برأسها دون حديث
تحركت عدة خطوات إلا أن أوقفها جاسر
"اعملي لي مع بابا يا جنجونة"
نهضت فيروز سريعاً
"ليه جنى تعملك يا جاسر
ما مراتك موجودة"
اتجهت جنى للمطبخ بعدما تحركت فيروز إليه
"هعملك قهوتك حبيبي
وياريت بدل أنا موجودة ماتطلبهاش من حد"
وصلت إلى المطبخ وجدت جنى تتحدث مع العاملة
"دادة لو فيه لبن ممكن تعملي Mix juice"
أشارت العاملة لعيناها
"من عنيا يا حبيبة قلبي"
ربتت على كتف العاملة
"تسلميلي يا دادة"
اتجهت لموقد الغاز
وجدت فيروز تعد القهوة
طالعتها بهدوء
"فيروز أنتِ بتشربي قهوة"
صمتت للحظات
ثم توجهت إليها قائلة
"بعمل لجوزي
إيه عندك مانع"
ابتسمت جنى بوجع ثم أردفت
"بس جاسر مش بيحب القهوة سكر زيادة
بيحبها على الريحة أو مظبوطة"
ألقت ما بيديها ودنت منها تصيح غاضبة
"هتكوني عارفة جوزي بيحب إيه أكتر مني
دنت إلى أن لم يفصل بينهما شيئاً وهمست إليها
"جنى ابعدي عن جاسر
أوعي تفكريني هبلة زي الكل
فاهمة نظراتك كويس
مترسميش حرمانك بجواد بجاسر
شوفي لك حد تاني ارمي نفسك عليه
مش مشكلتي إنك سبتي جواد
جاسر حبني أنا واتجوزني أنا"
ثم وضعت كفيها على بطنها ونظرت متهكمة
"حتى ابنه هنا
فبلاش شغل السهلوكة واللزقان فيه
متنسيش هو مش أخوكي"
هنا شعرت بدوران الأرض تحت أقدامها
ولم تسيطر على عبراتها التي أغرقت وجنتيها
نعم لقد خانتها دموعها كما خانها قلبها
حتى شعرت بإنسحاب الأكسجين من حولها
نظرات ضائعة تنظر بها إلى فيروز بعينيها التي أصبحت كالشلال
فهمست
"أنا بعامل جاسر زي عز"
تراجعت للخلف وهي تهز رأسها
"بس بدل دا مضايقك مش هقرب منه"
استدارت متحركة سريعا للخارج
إلا أنها اصطدمت به
وكادت أن تسقط لولا ذراعيه التي حاوطتها بإمتلاك
نظر إليها بذهول
رفع أنامله يمسح دموعها وشعر بغصة تخنقه
عندما تراجعت متأسفة
تطالعه بألم يمزق قلبها
تحركت خطوة إلا أنه أوقفها
"جنى إيه اللي حصل"
قالها وهو يرمق فيروز التي وقفت مرتبكة تفرك كفيها
تحركت جنى ولم تعره اهتمام وكأنها لم تستمع إليه
"جنى"
صاح بها بغضب
إلى أن توقفت مولية ظهرها
"نعم"
قالتها بصوت مكتوماً بالبكاء
اقترب منها إلى أن توقف أمامها
"بتعيطي ليه يا حبيبتي كده"
استمع إلى تهشيم شيئاً بالأرض
ثم اتجهت إليه سريعا
"هي مين دي اللي حبيبتك يا حضرة الظابط"
"صوتك..بتعلي صوتك ليه كده"
نظرت إليه بصدمة وصاحت بغضب
"لا دا أعلي صوتي وأصرخ كمان
لما ألاقي واحدة بتلف حوالين جوزي
وعايزة تخطفه
وعاملة فيها بريئة"
"اخرصي"
صاح بها غاضباً
حتى رفع كفيه وكاد أن يسقطه على وجنتيها لولا دخول جواد وبيجاد على أصواتهم المرتفعة
"جاسر!!"
"اتجننت هتضرب مراتك قدامنا"
كور قبضته بعنف
ثم اتجه للتي بكت بإنها
رفع جواد ذراعيه إليها يضمها لأحضانه
ثم تحدث مردفاً
***
"أنا معرفش إيه اللي حصل
لكن دموع جنى عندي غالية يا فيروز
وحطي تحت جنى مليون خط
دي زيها زي ربى وغنى
مفيش اختلاف"
قالها بمغذى
ثم استدار وهو يضم جنى بأحضانه قائلاً
"اعملي قهوة يا ستي
وليموناد لجنى"
اتجه جاسر إلى فيروز
"ليه كده
ليه بتعملي كده"
اقتربت غنى منها تطالعها للحظات ثم أردفت
"أنا عارفة إنك غيرانة
بس ميديكييش الحق إنك تقوليلها كلام قاسي كده"
اتجهت إلى جاسر قائلة
"أنا سمعت كلام مراتك لبنت عمك يا حضرة الضابط
وكنت هوقفها عند حدها بس سفيان عيط
واضطريت أروح له
قولها مالهاش دعوة بجنى
كلنا عارفين جنى رقيقة قد إيه وبتتأثر بأي كلمة"
عقدت فيروز ذراعها ترمق غنى بإستخفاف قائلة
"على أساس بقالك سنين عايشة معاهم"
بترت حديثها عندما صاح ذاك كالثور الهائج متجها إليها
"اللي ميقعدش محترم في البيت ده يطلع برة"
استدار إلى جاسر يرمقه غاضباً
"مراتك تقعد بأدبها يا إما هوقفها عند حدها"
قالها ثم سحب غنى التي نزلت عبراتها تغرق وجنتيها
بعد أسبوعين
ترجلت من سيارة يعقوب
"شكراً مستر يعقوب"
"جنى"
استدارت مبتسمة
"أشكرك كثيراً على كل شيء"
أومأت برأسها
"مفيش شكر بينا
أنا عملت شغلي مش أكتر"
"سأنتظر الصورة التي وعدتيني بها"
ابتسمت له
"أكيد"
تحرك يعقوب بسيارته وهي مازالت متوقفة أمام البوابة الرئيسية
"طب كنتي خليكي معاه
بدل صعبان عليكي أنه مشي كده"
استدارت للذي يقف يستند على سيارته ويدخن سيجاره
تحركت مذهولة
"بتشرب سجاير يا جاسر"
"أنتِ واحدة كدابة ومخادعة يا بنت عمي
ياترى ورا البراءة دي إيه تاني"
توسع بؤبؤ عيناها تناظره بذهول
"الكلام ده ليا يا جاسر"
ألقى سيجاره ودعس عليها بغضب
ممسكاً ذراعها بغضب
"ليه ضحكتي عليا يا كذابة"
"حتة عيلة تمثل عليا البراءة والظلم
طول السنين دي كلها اتصدم فيكي"
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثالث 3 - بقلم سيلا وليد
عاد من عمله، كان والده جالسًا بالحديقة مع والدته.
"مساء الخير ياحضرة اللوا."
ابتسم والده. "مساء الفل ياحبيبي، متأخر ليه كدا."
جلس بمقابلته واردف. "مفيش راكان كان عندي وقعدنا شوية ومحستش بالوقت."
صمت للحظات وتساءل. "ليه عايز تعمل شراكة مع يعقوب المنسي يابابا، احنا مش محتاجين."
تراجع جواد بجسده متكئًا على المقعد، ثم أجاب. "عجبتني فكرة المدارس دي، الصراحة عز اقنعني جدا بيها، غير إنه هيكون خاص بـ عز وأوس، لو عايز تدخل معاهم."
قاطع حديث والده. "لا .. مش عايز، أنا عرفت بالصدفة من راكان، فاستغربت."
لحظات من الصمت المقتول بينهم، بتر هذا الصمت جاسر.
"بابا ممكن أتكلم معاك بصراحة.."
وصلت غزل بقهوة جواد.
"جاسر!! إيه الـ أخرك كدا حبيبي، أنا فكرتك فوق عشان مراتك منزلتش للعشا."
"لسة واصل ياماما، تلاقيها نايمة."
"غزل خليهم يجهزوا عشا لجاسر وفيروز."
طالعته غزل متسائلة. "طيب لما يطلع وياخد شاور."
"لا روحي خليهم يجهزوا الأكل، عايز جاسر شوية."
أومأت متفهمة، فتحركت للداخل دون حديث.
ابتلع ريقه بصعوبة من نظرات والده.
"من إمتى واحنا مابنتكلمش غير بالصراحة ياجاسر."
انحنى مستندًا على الطاولة.
"حضرتك مخبي عليا إيه يابابا، حاسس إنك بعيد عني اوي، ومتقولش مفيش."
أشار على قلبه وتحدث بصوت مكتومٍ وكأن هناك ما يعيق تنفسه.
"دا يابابا مش مرتاح، حاسس بينا سد، ومش من النهاردة من زمان اوي."
سحب جواد نفسًا وزفره بهدوء حتى يعرف بماذا سيجيب. ثم رفع نظره وتحدث.
"هتزعل مني ياجاسر، وأنا يعز عليا زعلك ياحبيبي."
نهض من مكانه واتجه يجلس بجوار والده، وأمسك كفيه يقبلهما.
"بالعكس يابابا، هتريحني، أحسن ما أشوف نظراتك الغامضة دي، بابا أنا تعبان، حاسس إني مش عايش، ودا عشان حاسس إن حضرتك زعلان مني وأنا مش عارف سبب زعلك."
جذبه جواد لأحضانه يربت على ظهره.
"أنا مش زعلان منك ياأهبل، أنا زعلان عليك."
خرج من أحضان والده قاطبًا جبينه.
"مش فاهم حضرتك."
دقق جواد النظر بعينيه لعدة لحظات.
"أهو دا الـ مزعلني منك يا حضرة الضابط، إنك بتحاول تستغبي أبوك."
ضيق عينيه متسائلاً.
"مش فاهم قصد حضرتك يابابا."
أصدر جواد إيماءة خافتة.
"هعمل مصدقك يا ابن جواد. انت قولت نتكلم بصراحة."
بتر حديثهم رنين هاتف جواد. رفع نظره إلى ابنه، وبعد أن قرر أن ينهي الاتصال إلا أنه أجاب ونظراته على ابنه.
"حبيبة عمو.. إيه قولتي هروح أعمل كنافة لعمو ومرجعتيش، فشلتي ولا إيه."
ضحكت جنى بنعومة وأجابته.
"لا ياحبيبي، دا بابا بيقول لحضرتك تعالى عندنا وناكل كلنا عمايل جنى."
ابتسم جواد وهو يستمع لحديث صهيب.
"تعالى هنا ياجواد عشان لو تعبت بعد حلويات جنى نعرف نسيطر على الوضع."
قهقه جواد بصوت مرتفع قائلاً.
"لا متخافش جنى شاطرة والكنافة بالمانجو بتاعتها لذيذة، ابعت بس ومتتلأمش ياصهيب."
قهقه صهيب مردفًا.
"وأنا قادر عليها ياخويا، دا بتقولي عمو جواد يدوق الأول وبعد كدا الكل، شوفت البت باعت أبوها عشان عمها."
"أنا مش عمها ياصهيب أنا أبوها، ولا إنت عندك شك في كدا."
"طبعًا أبوها ياحبيبي.. هبعتلك زهرة بالكنافة، ولا أجبهالك ونكلها مع بعض."
"عمو حبيبي حضرتك تطلب وجنجون تنفذ من غير نقاش، دا انت الغالي ياعموشاكسها صهيب."
"دا لجواد ياجنى، وبابا برة المنافسة."
طبعت قبلة على وجنتيه.
"لا ياحبيبي انت العشق كله."
قهقه جواد قائلاً.
"صهيب الغيور."
لمعت عيونه على حديثها، ونظر للبعيد، وجد جواد حازم دالفا من البوابة الرئيسية.
نهض متجها إليه.
"أخيرًا اتقابلنا."
صفع باب سيارته بقوة وأشار بسباباته.
"جاسر، ابعد أنا مش طايقك قدامي."
جذبه جاسر من تلابيبه.
"تعالى يلا، لازم نتحاسب، من زمان وأنا بضغط على نفسي، بس خلاص جبت أخرك معايا."
دفعه جواد بغضب.
"زعلان عشان قولت لمراتك، إنك بتحب جنى، ماكلنا عارفين حبكم لبعض، وبعدين ما أنا فهمتها."
تذكر تلك الليلة.
*فلاش*
"أنا عارفة ياجاسر انت مش عايز تمشي من هنا ليه، عشان جنى."
مسح على وجهه بغضب، ثم اقترب يمسكها من رسغها بعنف.
"لاحظي إنك مراتي ياهانم، ومش بس كدا، لا بتتهمي جوزك بالخيانة، وكمان دي بنت عمي الـ كل شوية أقول منها."
"فيروز جنى وجاسر بيحبوا بعض، قالها جواد المتكئ على سيارتها."
استدار جاسر ينظر إليه بذهول.
"انت بتقول إيه ياحمار."
اقترب جواد منهما ونظر إلى فيروز.
"هقولك على حاجة. من 15 سنة كان فيه أربعة في البيت دا محدش يعرف يفرق بينهم، ولو واحد منهم عمل حاجة غلط وخالو يسأل مين الـ عمل كدا، الأربعة يردوا في نفس الوقت أنا."
ابتسم على ذكريات طفولتهم. جلس أمامهما وأشار إلى جاسر.
"كنت بغير منكم ونفسي أكون معاكم."
ثم استدار إلى فيروز.
"وسنهم مش واحد، بس لما تقعدي مع حد فيهم تحسي إنهم سن واحد."
قطبت مابين حاجبيها متسائلة.
"مش فاهمة."
أشار على جاسر موضحًا.
"عز أكبرهم 28 سنة وجاسر 26 وربى 20 أما جنى 22."
لمعت عيونه بدموع الحزن وأكمل.
"ودول فضلوا مع بعض لحد ما أنا بكلمك مع اختلاف بسيط. عز حب ربى واتجوزها."
اتجه لجاسر وأكمل حديثه.
"بس مش معنى كدا إن جاسر بيحب جنى الحب الـ في بالك ، دول صعب تفهمي الكيميا الـ بينهم، بدليل جاسر ساعدني في موضوعنا، وكمان هو حكى لجنى عنك، فحبهم أخوي، متخليش شيطانك يلعب بيك."
"تصبحوا على خير." قالها جواد وتحرك.
أسرع جاسر خلفه.
"استنى يلا، انت مفكر نفسك لما تقول الكلمتين دول مش هحاسبك."
أشار على فيروز التي جلست تنظر بشرود. ثم ربت على كتفه.
"جاسر، روح شوف مراتك، ومتنساش إنها حامل، نتكلم بعدين."
خرج من شروده على حديث جواد.
"لو هتسأل عن موضوع جنى، مفيش حاجة بينا غير القرابة دلوقتي، جنى زيها زي تقى، ويا ريت مانتكلمش تاني في الموضوع دا."
تحرك مغادرًا متجهًا إلى جواد.
"مساء الخير ياخال."
رفع جواد وجهه من على هاتفه.
"جواد!! أخيرًا شوفتك يابني."
جلس جواد بمقابلته.
"كان عندي شغل كتير الأيام اللي فاتت.. المهم كنت طالب من حضرتك طلب أتمنى توافق عليه."
وصل جاسر إليهم وجلس بجواره منتظر حديثه.
"عايز أنقل من القاهرة، ومحدش هيساعدني غيرك."
"مستحيل ومتحاولش تقنع خالك بحاجة، مستحيل أوافق على كدا، ولو فتحت الموضوع تاني هنزعل من بعض."
أتى ليُتحدث، قاطعهم وصول صهيب ونهى وجنى.
"دا الشباب هنا كمان." قالها صهيب بمرح.
نظرت نهى حولهم.
"غزل فين."
أشار جاسر برأسه على المنزل.
"فوق .. زمانها جاية."
تحركت نهى للداخل وهي تحمل بيديها صحنًا من الحلويات.
أشار إلى جنى بالجلوس. اتجهت بنظرها إلى جواد.
"جواد ممكن نتكلم شوية مع بعض، بعد إذن بابا وعمو جواد طبعًا."
رفع رأسه إليها، دقق النظر بها فهو لم يرها منذ فترة.
"روح شوف بنت خالك عايزة إيه وبعدين نكمل كلامنا."
نظرت إلى صهيب الذي هز رأسه. تحركت أمامه متجهة إلى المسبح بمقابلتهم.
جلس وأشارت له بالجلوس.
جلس بجوارها على الأريكة على بعد مسافة.
ابتسمت له وتحدثت.
"على قد ما عانيت منك بس بحترمك جدًا ياجواد."
استدار بجسده إليها.
"عارف إني ظلمتك معايا، وبتمنى متزعليش مني."
مازالت الابتسامة على وجهها.
"أنا سامحتك من وقتها."
اقتربت منه برأسها ونظرت لمقلتيه قائلة.
"عارف ليه يابن عمتي."
انسابت دمعة من جفنه رغما عنه، وأومأ برأسه.
"عشان محبتنيش ياجنى مش كدا." قالها وهو يزفر الهواء المكتوم بصدره على دفع.
وعيناه تتجول المكان حتى لا ينهار أمامها.
أطبقت على جفنيها وذهبت بنظرها للجالس الذي يحاوطهما بنظراته.
"دا نصيب ياجواد، حاولت وأنا حاولت وفي الآخر لقينا نفسنا بنلعب على بعض، أنا سامحتك، وانت كمان سامحني، وابدأ حياتك مع واحدة تقدرك."
صمت مقتول تبعه تنهيدات متحسرة منهما فأكملت.
"بلاش هروبك من التجمع العائلي بسببي لو سمحت، جواد أنا بحبك وبحترمك كأخ، زيك زي عز."
نهض يشعر بلهيبًا يشعل بصدره.
"بتمنالك السعادة يا بنت خالي، بس عايز أكدلك حاجة مهمة. أنا حبيتك بجد ياجنى، يمكن أكتر من حب أي حد تاني."
قالها وتحرك سريعًا متجهًا لمنزله.
ظلت نظراتها على ذهابه، إلى أن شعرت بأحدهم يجلس بجوارها وعلامات الاستفهام على وجهه إلى أن تحدث.
"كنتي عايزاه ليه؟"
استدارت بنظرها إليه.
"هو أنا وحشة ياجاسر."
صدمته بسؤالها الذي اخترق روحه، وتهيج قلبه من حزنها البادي في سؤالها، فشعر بانسحاب الأكسجين من رئتيه وهمس بتقطع.
"أنتِ أجمل بنت شفتها عنيا."
تبسمت تهز رأسها رافضة حديثه.
"وأجمل بنت دي وجعت قلب مالوش ذنب غير أنه حبني وبس، حاولت والله ياجاسر ومقدرتش، عارفة إنه ندم، وعارفة كمان مشاعره حقيقية، بس مش عايزة أوجع قلبه أكتر من كدا. لما سألتك أنا وحشة، كان قصدي أنا مؤذية بقيت أذي اللي جنبي من غير ما أحس."
"طيب مش هتقولي ليه قولتيلي يوم الفرح إنك بتحبيه، مع إنك لسة قايلة حاولت."
نهضت بعدما أيقنت أنها وقعت في أسئلته المأساوية لكل منهما.
"اقعدي ياجنى متهربيش زي كل مرة، من حقي أعرف إيه حكايتك."
تراجعت خطوة للخلف.
"لازم أمشي، عندي شغل الصبح."
جذبها من كفيها، شعرت برجفة من ملامسته، رغم أنها لم تعد المرة الأولى، إلا أنها اليوم غير كل مرة.
نهض واقترب منها، زاغت نظراتها مع رجفة جسدها ومازال كفيه يحتضن كفيها.
سكون مشحون بمشاعر مختلطة بدقات قلوبهما، ارتفعت وتيرة أنفاسها حتى كرهت نفسها من ضعفها البائن بحضرته، فهمست وهي تسحب كفيها.
"مفيش حاجة، أنا كنت مخنوقة شوية ومش عارفة بقول إيه."
حانت منها نظرة لعينيه التي تخترقها بصمت.
"فيه مؤشرات بتوصلني بتوجع قلبي يابنت عمي، ويا رب المؤشرات دي تكون وهم."
بهتت ملامح وجهها بالكامل، حتى شعرت بانسحاب روحها، فحركت شفتيها المرتجفتين بضعف.
"متخليش دماغك تلعب بيك ياحضرة الضابط، إحنا كبرنا، ووقت مااحتاجك أكيد هقولك."
استدارت للتحرك. جذبه بقوة حتى اصطدمت بصدره، رفعت نظرها إليه بذهول.
"جاسر انت اتجننت، الـ يشوفنا يقول إيه، بص كدا وشوف عمو نظراته علينا."
"مين الـ قصديه يوم فرحي ياجنى." هز رأسه منتظرًا حديثها ودقات قلبه صاخبة، تمنى أن تطمئن روحه، حينها فقط سيهدأ من وخزه الذي بدأ ينغص حياته.
رفعت نظرها وتقابلت نظراتهما. صمت مؤلم عندما تعجز الألسنة عن الوصف الذي تشعر به القلوب. ترقرق الدمع بعينيها.
"بتوجعني ياجاسر، سيب إيدي، ومتنساش إنك دلوقتي ابن عمي وبس، حتى كلمة أخويا دي معدتش تنفع بينا."
ضغط على رسغها بعنف، يزمجر بغضب.
"مش هسيبك إلا لما تجاوبي."
حاولت التملص من كفيه.
"جاسر متتجننش، مراتك لو جت هتسمعني كلام يوجع، يرضيك كدا."
تراجع يمسح على وجهه بغضب، ثم اتجه إلى شقته دون حديث آخر.
جلست بمكانه بعد ذهابه تتنهد بحزن.
"لسة جاي تسأل ياجاسر، وياترى نظراتك دي وراها إيه، بتمنى مايكونش الـ حسيته يابن عمي."
شعرت بأحدهم خلفها. جلس بجوارها دون حديث.
"وبعدين، هتستني لحد ما يقولك يا خطافة الرجالة، زي ما زفتة فيروز بتلقح عليكي بالكلام."
طالعته بنظرات مؤلمة تخرج من بين ثنايا روحها ثم أردفت.
"أنا موافقة أعمل جنى جديدة يا عز، ووعد هتلاقي جنى غير الـ ربتها وعرفتني."
مرت الأيام سريعًا وتغير الكثير في حي الألفي، ربى التي أوشكت انتهاء عامها الجامعي السادس، وجنى التي تميزت بذكائها بمجال عملها بشركة هندسية بمجال عملها.
وهدأت فيروز بعض الشيء، ورغم هدوئها إلى أن توطدت علاقتها بوالدتها مرة أخرى بعد ابتعاد حياة عنها.
بأحد الأيام دلفت إلى رئيس عملها.
"مستر يعقوب، دا الفايل الـ حضرتك طلبته."
طالعة لبعض الدقائق.
"إنه مذهل حقًا، سوف نحدد اجتماعًا قريبًا، ولكن لم أعتقد أنه سيكون بالقاهرة، سنجلس سويًا فيما بعد ونرى ماذا سنقرر."
دلف عز بابتسامته.
"ممكن آخد أختي يا حضرة المدير."
ضحك يعقوب بصوته الرجولي وأشار عليها.
"أنا أتنبأ لها بمستقبل مبهر حقًا."
حاوط عز أكتافها ثم طالعها بنظراته.
"هو إحنا أي حد برضو، دي بنت الألفي ياسيد يعقوب."
نهض يعقوب وهو يشير بيديه.
"حقا لقد أعجبتني كثيرًا بتلك الفترة القليلة."
"شكرًا لحضرتك مستر يعقوب. بعد إذنك لازم نمشي."
أومأ برأسه، تحرك عز مردفًا.
"هنستناك النهاردة على العشا، ومفيش أعذار، دا أمر من حضرة اللوا ذات نفسه."
"سأحضر بالموعد لا تقلق."
بمنزل سحر والدة فيروز.
"وبعدين إيه الـ حصل."
هزت أكتافها للأعلى.
"ولا حاجة، دلوقتي مفيش غير إنه لو طلع من حي الألفي مش هيكون عايش."
مسحت على خصلاتها ونظرت لعيناها.
"خليكي وراه، وأوعي يتحكم فيكي، زي ما فهمتك، وبلاش كل شوية يقعد جواد الألفي يحسسك بنت مجرمين."
انعقد لسانها وتاهت بحديث والدتها فأردفت.
"بس كل لما أعمل حاجة من الـ بتقوليها ياماما جاسر يبعد عني أكتر، مشيت وراكي ومخلتوش يقرب مني، غير عدم اهتمامي بيه وكأنه مش موجود، خايفة أخسره بجد."
أشعلت والدتها سيجارا وتعمقت بنظراتها.
"لسة بتدويشه بالبت بنت عمه دي."
زفرت وهزت رأسها.
"لا.. ماهو ياماما، معدش بيقعد معايا زي الأول، أنا حاسة إني اتسرعت لما سمعت كلامك."
نفثت دخان سيجارها مستنكرة حديثها.
"كنتي مستنية إيه لحد ما يدخل بيها عليكي ويقول مراتى."
نهضت تفرك كفيها ثم تحدثت بتيه قائلة.
"ماما خلينا نكون صريحة مع بعض، انتي دخلتي عيلة الألفي عشان تنتقمي لأبوكي وعمك، سيبك من شغل الحب دا، لازم تجمدي، وتضغطي عليه، تقولي جنى تقولي عز المهم تعملي مصيبة العيلة دي، أنا مش هرتاح غير لما آخد حق أبوكي وعمك وأخوكي.. إيه نسيتيهم."
انسابت عبراتها تهز رأسها رافضة حديثها.
"ماما أنا بحب جاسر بجد، معرفش ليه سمعت كلامك، أنا عايزة أعيش مع جوزي وأربي ابني، أنا اتجوزت جاسر عشان بحبه مش عشان انتقام."
رفعت حاجبها ساخرة.
"عشان كدا عايزاه يسيب بيت أبوه يا عينيا. اسمعيني ودا آخر كلام عندي، وبكرة يرموكي زي الكلبة وياخدوا ابنك.. لازم يكون عندك بيت لوحدك، متخليش حد يقعد يذل فيكي ويقول بنت مجرم، أبوكي مات شريف."
جمعت أشيائها وحملت حقيبتها وتحركت بخطوات متعثرة لا تعلم ماذا عليها فعله، هي تحبه، ولكن حديث والدتها شتت أفكارها.
وصلت بعد قليل إلى منزلها، قابلها جواد.
"فيروز مالك حبيبتي وشك أصفر ليه، تعبانة، تحبي تروحي للدكتور."
نظرت إليه بتوهان وهزت رأسها بالنفي.
"أنا كويسة بعد إذنك."
تحركت خطوتين ولكن توقفت عندما استمعت إليه.
"فيه ضيف جاي على العشا، عرفي جوزك، ويا ريت تنزلوا، مش كل ليلة هتتعشوا فوق لوحدكم."
استدارت إليه وحديث والدتها بذهنها.
"وأنا وقت مايجيني نفس أنزل هنزل، غير كدا محدش يأمرني، أنا هنا ليا رأي مابمشيش على كيف حد."
قالتها وصعدت سريعًا إلى غرفتها.
صفعت الباب خلفها بقوة، انتفض بنومه، مسح وجهه يفتح عيناه من أثر النوم، ثم نهض.
"فيروز مالك حبيبتي، تعبانة."
صاحت غاضبة.
"عرف حضرة اللوا إحنا هنا مش لأوامره، يجيب ضيوف يمشي ضيوف ماليش فيه."
"فيروز صوتك، اهدي، صوتك عالي ليه."
دفعته بغضب صارخة.
"أيوة أنا متربتش، أصل أبويا مجرم مش دا الـ عايز تقوله."
جحظت عيناه من حديثها.
"فيروز إيه الـ حصل معاكي، اتجننتي."
استدارت وبدأت تحطم كل ما يقابلها.
"لما شايفني بنت مجرمين اتجوزتني ليه، متجوزتهاش هي ليه."
أمسكها بغضب محاولا السيطرة على نفسه حتى لا يصفعها، هزها بعنف.
"شكلك اتجننتي ومش عارفة بتقولي إيه، بس انتي كدا جبتي أخرك معايا. أي غلط في حق حد من أهلي مش هسكتلك."
دفعته بغضب وصرخت كالمجنونة.
"قول إنك خايف عليها، ماهي كانت قدامك ليه متجوزتهاش، متجوزني عشان تنتقم مني مش كدا."
"طب اسمع بقى ياحضرة الضابط أنا مبحبكش، أيوة مثلت عليك الحب زي ما انت عارف، أنا بكرهك عارف ليه عشان انتو السبب في موت بابا وحبس عمي."
كور قبضته، حتى لا يفعل ما يندم عليه، اتجه إلى مرحاضه وهي تصرخ خلفه.
"إيه هربان مش دي الحقيقة."
دلف إلى مرحاضه، دلف تحت المياه عندما شعر بنيران تسري بأوردته، تذكر عندما عادوا من شهر العسل، وبدأت والدتها تقترب منها.
"انتِ بنتي الوحيدة عايزة تحرميني منك."
اتجهت بنظرها إلى جاسر.
"ماتقولها يابني، قولها ماينفعش تقاطعي والدتك."
هز أكتافه وتحدث.
"مقدرش أدخل بينكم هي بنتك وحضرتك أمها، وأنا معها في أي قرار."
عادت الأيام بينهما جميلة وخالية من أي مشاكل، حتى بدأت والدتها تقترب، وتغيرت بعده.
دلف ذات يوم.
"جاسر .. أنا مش هرجع حي الألفي تاني."
وقف مذهولًا فأردف.
"إحنا مش اتفقنا حبيبتي ليه غيرتي كلامك."
جلست وهي تزفر بغضب.
"مش حابة الزحمة مش هتأقلم هناك."
جلس أمامها واحتوى كفيها يقبلها.
"فيروز حبيبتي إحنا اتفقنا حتى نقعد هناك أسبوع وهنا أسبوع، لا إنت تزعلي ولا أنا أزعل، أنا مش عارف أبعد عن هناك، عشان خاطري حبيبتي بلاش تكسري خاطري."
احتضنت وجهه.
"عندي اقتراح إيه رأيك كل شهر نروح يوم الخميس والجمعة كدا هكون مرتاحة أكتر عشان خاطري حبيبي."
اعتدل ناهضًا، يهز رأسه.
"حاضر يا فيروز، بس اعرفي أنا مش هكون مرتاح."
مرت شهور على هذا الحال إلى أن ذهب بزيارة والده، قابله عز وجنى على باب منزلهم.
"جنجون وحشتيني يابت، من يوم الفرح ماشوفتكيش."
ابتسمت إليه، ثم نظرت إلى عز الذي يحاوط كتفها.
"وانت كمان يا حضرة الضابط، إيه يابني، سمعت إنك هترجع، ومرة تانية غيرت رأيك."
سحبت فيروز ذراعه قائلة.
"حاجة تخصنا إحنا، بلاش تدخلي بينا، خليكي في مشاكلك، ومع دكتورك، إنما سمعت إنك بتروحي لدكتور نفسي، ليه عقلك مش موجود."
"آخرصي يابت." صاح بها عز.
"لم مراتك يابن جواد الألفي وعرفها قيمتها، قولها دي بنت الألفي ليس عليها غبار، تروح تشوف عقلها الأول."
سحب عز جنى وخرج غاضبًا وكأنه يريد احتراق من يقف أمامه.
"فيه إيه ياجاسر، ابن عمك بيزعق ليه؟"
"هو فيه إيه دا كله عشان بقوله أختك راحت لدكتور نفسي، عقلها."
لم يجعلها تكمل حديثها وأشار بسباباته محذرًا إياها.
"هتتمادي مش هرحمك، بقولك قدام جوزك، هتقعدي بأدبك هشيلك فوق راسي، بناتي فوقي أنا شخصيًا."
جذب جاسر بصدره.
"وأخوات ابني الكبير الـ أخته اتشتمت من مراته وواقف معرفش أرد عليكي." قالها جواد غاضبًا وتحرك من أمامه.
بعد قليل دلف إلى والده.
"بابا أنا آسف لو سمحت متزعلش."
نهض جواد.
"كان نفسي أتأسفلك، بس للأسف ياجاسر مراتك غلطت والغلط الأكبر إنك ماوقفتهاش عند حدها."
تحرك يضع كفيه ببنطاله إلى نظر من النافذة.
"ارجع بيت أبوك ياحضرة الضابط. كام شهر ونسيت قيمك وأخلاقك، ياترى بعد كام سنة هلاقيك مين."
خرج من شروده على حديث والدته مع فيروز بالخارج، ارتدى ثيابه وتحرك سريعًا للخارج.
"مالك يابنتي، سامعة صوتك من تحت."
جلست والتزمت الصمت دون حديث.
خرج جاسر ورسم ابتسامة.
"فيه حاجة ياماما."
نظرت لفيروز التي تجاهلتها فتحدثت.
"حبيبي اجهز انت ومراتك، شريك عز وأوس جاي النهاردة على العشا، وكمان عمك صهيب وولاده موجودين."
"مينفعش تكون كبيرنا ومش موجود."
نهضت غاضبة متجهة للمرحاض، دلفت المرحاض وأغلقت الباب بعنف.
أطبق على جفنيه متنهدًا بحزن، جلست والدته بجواره.
"متزعلش، دي هرمونات الحمل ياحبيبي، تلاقي الحمل ضاغط عليها، ولسة ياما تشوف."
"وياترى ياطنط غزل قصدك إيه."
نهضت غزل متجهة إليها.
"حبيبتي لو تعبانة قولي."
اتجهت لغرفة ملابسها.
"أنا كويسة، بس بلاش تضغطوا عليا بأوامركم، أنا مش عايزة أعيش هنا، وابن حضرتك عجبه العيشة هنا، ودا مكنش اتفاقنا من الأول."
"ماما حبيبتي انزلي وأنا هجهز وأنزل وراكي."
ربتت على كتفه، وتحركت بقلب مفطور على ابنها.
وصلت للأسفل وجلست بشرود، أتت نهى.
"غزل فين جواد وصهيب."
كانت شاردة بحياة ابنها التي انقلبت فجأة ولا تعلم لماذا.
هزتها نهى بخفة.
"غزل روحتي فين، بكلمك من فترة."
نظرت إليها بشرود تهز رأسها.
"معلش يانهى، شردت شوية، كنتي بتقولي حاجة."
طالعتها نهى بتدقيق.
"وشك ماله مخطوف إيه ياحبيبتي كدا."
هزت رأسها.
"ضغط مش أكتر حبيبتي."
استمعت إلى صوت الخادمة.
"الضيوف وصلوا يادكتور."
نهضت نهى بجوار غزل التي تتحرك بجوارها، وصورة ابنها الحزين لا تبتعد عن ذهنها.
استمعت إلى صوته، الذي يشعرها بالأمان.
"دكتورة غزل، مراتي. ودي الباشمهندسة نهى والدة عز ونهى."
"لقد زادني شرفًا سيدتي."
أومأت له غزل، ورسمت ابتسامة تطالع جواد المبتسم بضياع.
جذبها جواد، شعر بصقيع بكفيها.
اتجه بنظره إلى نهى، هزت كتفها بعدم معرفة.
حمحم جواد هامسًا لها.
"مالك يازوزو."
رفعت نظرها.
"هه."
ضيق عينيه ورسمها بعينيه.
"حبيبتي مال وشك شاحب كدا، انت تعبانة."
هزت رأسها بالنفي.
"أنا كويسة، شوف ضيفوك حبيبي وأنا هروح أشوف السفرة."
نهض جواد.
"صهيب عرف باقي العيلة للباشمهندس دقايق وراجع."
تحرك سريعًا خلف زوجته، وجدها تجلس بغرفة مكتبه وتبكي بصمت، شعر بسقوط قلبه بين قدميه.
أسرع يجثو أمامها.
"غزل فيه إيه مالك."
شهقت عندما وجدته وألقت نفسها بأحضانه.
"جواد ضمني أوي، حاسة إني تعبانة أوي."
صمت لثواني يقاوم ألم قلبه وشعر بوخزات بصدره، ثم قال بصوت مختنق.
"إيه الـ حصل حبيبتي."
ابتلعت ريقها بصعوبة ثم أردفت.
"تعبانة بس حبيبي مش أكتر."
احتضن وجهها غارزًا نظراته برماديتها.
"مخبية عني إيه يازوزو."
نهضت تفرك كفيها، وهزت رأسها.
"مفيش، حسيت إني مخنوقة شوية، ياله اطلع للضيوف، وأنا هغسل وشي وأجي، مينفعش أول مرة الراجل يجي ونقابله كدا."
طبع قبلة على جبينها ثم ابتسم.
"خديني على قد عقلي."
أخرج زفرة حارة وتحدث.
"تمام همشي، عندي خبر مينفعش هيفرحك ولا يزعلك، أنا شخصيًا زعلان، ومش معنى زعلي إن مش عايزها تفرح، بس الـ شايفه الأيام الجاية هتكون مش حلوة، عشان كدا قررت قرار واتمنى ألاقيكي زي كل مرة جنبي."
نظرت منتظرة حديثه.
"يعقوب طلب إيد جنى من صهيب، وصهيب لسة قايل لي من شوية."
هبت واقفة.
"وطبعًا صهيب موافق، يعقوب شخص كويس ومفيش حد يرفضه، وشايفة تأقلمه مع جنى بسرعة، بس طبعًا جاسر مش هيسكت."
خرج جواد وهو يتحدث.
"ولا يقدر يتكلم، خليه بس يفتح بوقه، وأنا أربيه."
بعد قليل على طاولة الطعام، وصلت جنى بجوار ربى.
بوصول جاسر.
"مساء الخير."
أشار عز إلى جاسر.
"دا جاسر، اتقابلتوا قبل كدا بس متعرفوش على بعض."
"أهلًا." قالها جاسر الذي جلس بجوار عز.
"مرحبًا بك." أشار على أوس.
"أوس قص الكثير لي عنك."
ضيق عينيه ينظر لأوس.
"قايلي إيه يلا، ومين دا." قالها هامسًا.
حمحم أوس مردفًا.
"كل خير يا شقيق، وفيه خبر تاني هتسمعه بعد قليل."
انتهوا من طعامهم بعد فترة، واتجهوا لتناول القهوة.
جلست غزل بجوار نهى.
"يعني هو اتكلم من فترة."
فركت نهى كفيها.
"معرفش والله ياغزل، لسة صهيب عرفني النهاردة."
أومأت غزل بهدوء ونظراتها على جاسر الذي يحاول الابتسام أمام الجميع.
نهضت من مكانها.
"حبيبي تعالى عايزك."
قطب مابين حاجبه متسائلاً.
"فيه حاجة ياماما."
أومأت برأسها، نهض معتذرًا من الجميع.
كانت نظرات جواد عليهما.
دلف لداخل مكتب والده.
"ماما لو موضوع فيروز مضايقك أنا هتكلم معاها."
جذبت كفيه وأجلسته بجوارها.
"لا مش موضوع فيروز، اقعد واسمعني كويس. بابا كان عايز يتكلم معاك من كام يوم، بس جواد جه وعمك صهيب ومعرفش يتكلم معاك."
جلس بهدوء، ولا يعرف لماذا شعر بغصة تمنع تنفسه فأشار برأسه.
"عارف الـ برة دا جاي ليه؟!"
ظل صامتًا منتظرًا تكملة حديثها.
فركت كفيها احتضن كفيها ونظر إليها.
"ماما اتكلمي، بلاش توتريني، مش دا شريك أوس."
"وجاي يخطب جنى." قالتها سريعًا منتظرة ردة فعله.
ورغم أنها كلمة بسيطة ولكن نزلت فوق قلبه كضربة خنجر قاتلة فتت قلبه.
أربت على كف والدته، وأشار إليها.
"ممكن تسبيني لوحدي."
اقتربت وانسابت عبراتها رغما عنها لما لا وهو فلذة كبدها.
"عارفة الموضوع مش هيكون سهل، بس متنساش إنك دلوقتي متجوز ومراتك حامل ياحبيبي."
رفع نظره كالتائه لوالدته.
"مش فاهم معنى كلامك ياماما."
رسمت ابتسامة مرتعشة.
"جاسر أنا مامتك، أفهمك من نظرة عينك، وعارفة ومتأكدة مشاعرك اتجاه جنى، بس الـ مقدرتش اعرفه، ليه يابني تتجوز واحدة وتحب واحدة تانية."
هب من مكانه واتجه للخارج سريعًا دون حديث.
رآه عز يخرج مهرولًا للخارج كالمطارد.
أتى ليلحقه.
أشار إليه جواد بعينيه.
"عز استنى عايزك في موضوع."
بعد قليل فتح يعقوب حديثه.
"أتيت اليوم وطلبت السماح من حضرة اللواء ميعادًا، ليزيدني شرفًا أن أتجـرأ وأتقدم لأبنة حضرتك. سيد صهيب، وأنا أحاول أن أتأقلم على اللهجة المصرية."
ابتسم صهيب ثم رفع نظره إلى جنى التي شحبت ملامحها، تنظر في الوجوه حولها، حيث أن الجميع ينتظر حديثها، قاطع حرب النظرات وصول فيروز.
"مساء الخير."
اتجه الجميع بنظراته إليها، توقفت جنى وأردفت سريعًا.
"أنا موافقة." قالتها وتحركت سريعًا متجهة إلى منزلها.
عند جاسر، قاد سيارته بسرعة جنونية وهو يضرب على المقود بعنف حتى كاد أن يكسر معصمه، توقف فجأة بالسيارة حتى أحدثت السيارة صوت بإطارها.
ظل جالسًا بالسيارة لفترة. لا يعلم كيف سيتخلص من هذا الوخز الذي يمنع تنفسه ويشق صدره متألمًا، فتح زر قميصه عندما شعر باختناقه، وكأن لم يعد هواء حوله.
عند جنى، دلفت غرفتها، هوت ساقطة خلف الباب تضع كفيها على فمها تمنع شهقاتها.
ولم تشعر بنفسها سوى بهمسها باسمه، انسابت عبراتها، ظلت لفترة ثم نهضت متجهة تنظر إلى نفسها بالمرآة.
"جنى فوقي، وشوفي حياتك، هتفضلي لحد إمتى ضعيفة، وقلبك يتحكم فيكي، هو عايش حياته، دوسي على قلبك، يعقوب كويس ابني حياة جديدة."
اتجهت إلى مرسمها ودلفت إليه تجهز ألوانها، وفتحت موسيقى هادئة وبدأت برسمتها الجديدة.
دلف والدها.
"جنى."
استدارت مبتسمة.
"نعم يابابا."
جلس بجوارها يمسد على خصلاتها.
"حبيبتي، ليه اتسرعتي بردك على يعقوب."
استدارت برأسها وأردفت بهدوء.
"ليه حضرتك شايف فيه عيوب."
هز رأسه رافضًا.
"بس لازم تفكري كويس."
"بابا عنده حق ياجنى، ردك بالسرعة دي قلقني." قالها عز.
ابتسمت لهم وتحدثت بهدوء.
"هو كويس جدًا يابابا، وشايفة هكون مرتاحة معاه، وبعدين هنعمل خطوبة وبعد كدا نقرر إذا ارتحنا هنكمل وإذا لأ ننفصل عادي."
"هو كلمك ياجنى." تساءل بها عز.
هزت رأسها بالنفي.
"أبدًا والله، بس هو من كام يوم سألني فيه حد في حياتي قولت لا."
أمسكت كف والدها.
"متزعلش مني حبيبي عارفة رديت من غير ما أرجعلك، بس كان لازم أفهم الكل إني مش مضغوطة من حد."
أومأ صهيب متفهمًا.
"هروح أشوف عمك جواد ماله هو غزل مش عاجبني."
"وانا هشوف ربى حبيبتي عندها امتحان ومحتاسة فيه."
أومأت برأسها، وبدأت برسمتها بيعقوب.
باليوم التالي ترجلت من سيارته.
وتوقفت تنظر لذهابه.
"ماكونتي تخليكي بدل مضايقة كدا."
استدارت تنظر إليه بذهول عندما وجدته ينفث تبغه.
"جاسر اتجننت بتشرب سجائر."
تحرك إليها بخطى سلحفية، ونظراته تحاوطها ورغم هدوء تحركه إلى أن داخله يحترق كمرجل جف ماؤه من كثرة الغليان، أمال بجسده يجذبها من أكتافها.
"عرفت إنك وافقتي على العريس."
حاولت التملص من قبضته.
"جاسر وسع كدا اتجننت."
حاوط خصرها وأنفاسه تضرب وجهها.
"لسة الجنان جاي يا أختي الحلوة. طلعت أكبر مغفل، انتي واحدة مخادعة وكذابة ياجنى، راسمة براءة على وشك وأنتِ من جوة."
اندفعته قبل إكمال حديثه.
"الزم حدودك معايا، وبعد كدا إياك تقرب مني، ومتنساش أنا دلوقتي مخطوبة، وهلبس الدبلة بكرة، غير مراتك الـ شيفاني رخيصة برمي نفسي عليك."
اقتربت تمسك تلابيبه وتعمقت برماديته قائلة.
"الهبلة متعرفش إن جاسر أخو جنى، وجنى أخت لجاسر، فهمها كدا، بدل مش لاقية حاجة تشغلها."
قالتها وتحركت سريعًا من أمامه.
باليوم التالي وهو اليوم المقرر لحفل الخطوبة.
بمرسمها توقفت بجواره، تشير إلى لوحاتها.
وبدأت تعرفه على كل واحدة، وصل إلى لوحته.
"حقا إنها مذهلة."
ابتسمت بحبور قائلة.
"عجبتك."
أومأ بتأكيد.
"لقد افتتنت بها."
وصلت غنى إليها.
"مبروك ياجنجون كدا مش تعزميني."
أشارت جنى إلى غنى.
"غنى توأم جاسر."
أومأ برأسه.
"أهلًا سيدتي."
ابتسمت قائلة.
"قلة مصريين يامجنونة."
خرج يعقوب عندما وجد الجميع بالخارج.
"مبروك ياجنى فرحتلك حبيبتي."
صمتت لثواني تقاوم غلالة دموع وخزت جفنيها ثم قالت بصوت مختنق.
"بحاول أرسم حياة جديدة وأبعد عن أخوكي."
احتضنت وجهها.
"لازم تكوني قوية، ودوسي على الكل، حتى أخويا نفسه عشان قلبك ميوجعكيش حبيبتي، بس في نفس الوقت لازم تفكري وماتتسرعيش."
نظرت إلى فستانها.
"طالعة كتير حلوة حبيبتي ربنا يسعدك، والصراحة عريسك قمرين."
قبلت وجنتيها.
"شكرًا ياغنون."
اتجهت بنظرها للخارج وجدت فيروز تقف بجوار ربى وتتحدث.
"هروح أسلم على فيروز خانو لتقول عاملين حزب عليها."
خرجت متجهة للجميع قاطع طريقها جاسر.
"مبروك كسرتي كلمتي وعملتي الـ في دماغك."
تحركت مستديرة ولم تعره اهتمامًا، اصطدمت بزوجته فتوقفت أمامها مبتسمة.
"مسمعتش مبروك، إيه خسارة في جنجون، دا حتى جوزك عاملي أبو زيد الهلالي، بدل ما تيجي وتوقفي قدامي وتجرحي شوفي إيه الـ مجنن جوزك ياست الحامل من جوزها حبيبها."
قالتها وهي توزع النظرات بينهما ثم خرجت حتى تستطيع التنفس.
"برافو جنجون أهو كدا أحبك يابت، مش كل شوية تعيطي ياخايبة."
توقفت أمامها.
"ليه خلتيني أعمل كدا، أول مرة أجرح جاسر بالطريقة دي، أول مرة أشوف دموع في عيونه."
ربتت على كتفها.
"كدا أحسن للكل حبيبتي بكرة مع الأيام هتنسوا، وتتصالحوا، وبعدين دا جسورة برضو، وأنتِ جنجونة العيلة، بس لو جبتي سيرتي هموتك."
قالتها وتحركت سريعًا من أمامها.
جذبها وحاوط خصرها.
"مراتي عروسة البحر شكلها بتعمل خطط من ورايا."
حاوطت عنقه تهمس أمام شفتيها.
"تدفع كام وأقولك مراتك بتفكر في إيه."
دنى حتى داعب ثغرها بخاصته، ولكن تراجعت فزعة عندما صاح جواد.
"الناس حواليكم خلوا عندكم شوية دم، الـ يشوفكم يقول عرسان في شهر العسل."
اتجه بنظره إلى ابنته غاضبًا.
"شوفي ابنك والدتك تعبانة، مش حمل الولد يتعبها."
اقترب بيجاد يتابعه بهدوء.
"مالك ياحضرة اللوا، مش على بعضك ليه."
تجول بنظره يبحث عن جاسر.
"فين جاسر مش باين ليه."
أشار له على مكانه.
"معرفش كان هنا واقف مع جنى."
تحرك يبحث عنه، قابله راكان بجوار ليلى، فتراجع معه.
"أهلًا ياراكان."
ابتسم له.
"أهلًا يا حضرة اللوا."
بحث عن جاسر متسائلاً.
"فين جاسر، أوعى تقولي في الشغل."
أشار إلى عز.
"شوف لي جاسر فين، وجنى مش باينة."
تحرك عز سريعًا يبحث عنه.
توقف بنظر بذهول.
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الرابع 4 - بقلم سيلا وليد
كان يعلم أن حزني عميق، ومع ذلك أحزنني.
كنت أنتظر لو عاد معتذراً.
لأخبرته بكل لحظة مرت ولم يكن بها.
لأغسل قلبه بدموعي.
لأجعله يدرك خطأ ما فعله بي.
ثم ألملم أشتاتي من بين ذراعيه.
وأرحل بعيداً عنه.
من قال أني قبلت اعتذاره؟
يطلب مني أصف حالتي وأنا التي لم أعرف كيف أصف مكان وجعي.
كيف لا يشعر به؟
إنه وجع الروح وأنا لا أعرف أصفه.
كيف وهو لا يشعر بأن روحي روحه؟
ليت أحدًا يخبره.
أنا التي توجعت حتى فاض الألم أوجعني.
أنا التي اخترق قلبي بالحزن، ولم يشعر به أحد.
حتى هو.
كان لي القاضي والجلاد.
***
قبل حفل الخطوبة بيوم.
استيقظ على رنين هاتفها.
"فيروز شوفي مين بيتصل."
"أيوة ياماما."
قالتها بصوت متحشرج من النوم.
"لا ياحبيبتي النهاردة عندنا خطوبة بكرة هتيجي."
تأفف قائلاً:
"ممكن تسبيني أنام.
اطلعي كلميها برة، أنا لسة راجع من الشغل."
"والله لو مش عاجبك ممكن تروح تنام في أي مكان ياحضرة الظابط."
نهض دون حديث، واتجه إلى الغرفة الثانية.
ألقى نفسه على الفراش محاولاً السيطرة على غضبه.
ظل يتقلب فترة، إلا أن ذهب بسبات عميق من شدة إرهاقه.
بعد فترة دلفت إليه.
"جاسر، قوم الساعة تمانية وأنت لسة مجهزتش."
فتح عينيه بإرهاق ينظر لساعته ثم أردف:
"انزلي أنتِ.
أنا تعبان وعايز أنام."
جلست على الفراش وصاحت غاضبة:
"مينفعش طبعاً.
إزاي أحضر الحفلة من غيرك، يلا قوم.
وبعدين الست غنى تحت وأنا بضايق من جوزها قليل الأدب."
اعتدل ثم ألقى غطاءه.
رفع عينيه التي يغشاها النوم قائلاً:
"غنى اللي بتتكلمي عنها دي، لو بابا سمع كلامك ده صدقيني هيرميكي برة البيت ده.
يعني من الآخر كده.
الزمي حدك.
تاني حاجة ياست فيروز.
إخواتي مش هسمح بالغلط معاهم.
جنى وقولت من حقك بتغيري منها.
إنما إخواتي مالك ومالهم."
نهضت تطالعه بغضب:
"ده بدل ما تخاف على مراتك وشكلها قدام الناس.
آه من حقي أغير من جنى.
مالك بتقولها بتريقة كده."
زفر بغضب.
فهب من مكانه يمسكها بعنف:
"عارفة لو مش حامل كنت عملت فيكي إيه.
أشار إلى باب الغرفة وصاح بغضب:
"كنت رميتك برة.
أنا معرفش أنتِ مين.
أنا اتجوزت واحدة تانية، غير اللي قدامي."
قالها وهو يدفعها بعيداً عنه.
أشارت إلى نفسها بحزن وانسابت دموعها:
"الكلام ده ليا ياجاسر؟
عايز ترميني برة البيت؟
أومال فين وعدك ليا؟"
توقف يكور قبضته ثم استدار.
"أنا لحد دلوقتي باقي على حياتنا اللي أنتِ بتحاولي تضيعيها يا فيروز."
اتجهت إليه وألقت نفسها بأحضان.
"أنا بحبك ياجاسر وبعمل كده من غيرتي عليك.
كل ما افتكر حبك لجنى بتجنن."
لف ذراعيه وحاوط خصرها.
"فيروز جنى اتخطبت.
وأنا متجوز وأنتي حامل.
يعني من الآخر حافظي على حياتنا.
لو سمحتي حافظي عليها.
وطلعي جنى من دماغك."
"وأنت هتطلعها من قلبك يا جاسر؟"
أطلق تنهيدة مرتعشة من عمق ألمه يهز رأسه غاضباً من حديثها.
"كلامك ده بيخليني أفكر فيها.
لو سمحتي بلاش تضغطي عليا بأسلوبك ده.
فكري إزاي تحافظي على حياتنا."
"بتضحكي عليا يا جاسر مش كده؟
عارفة إنك كذاب وبتضحك عليا."
استدار مشيراً إليها بسباباته:
"اسمعيني وده آخر كلام بينا عشان كده انتي بتضيقيني.
جنى لحد دلوقتي أختي.
متخلينيش أعمل حاجة تندمي عليها."
قالها ودلف إلى مرحاضه.
***
بعد عدة ساعات.
ولج راكان وهو يحاوط ليلى.
دنت منه متسائلة:
"حبيبي الحفلة شكلها حلو.
مش عايزة نمشي بدري من فضلك."
قوس فمه بسخرية:
"على حسب المزاج يالولة."
هزت رأسها مبتسمة.
"مفيش فايدة فيك حبيبي."
بتر حديثهم وصولهم إلى جواد.
"أهلاً حضرة اللواء.
مبروك."
ابتسم جواد.
"إزيك ياراكان.
نورت وشكراً لقبول الدعوة."
ثم اتجه بنظره إلى ليلى.
"نورتينا يا مدام ليلى."
هزت رأسها بابتسامة.
"ميرسي."
أشار بيديه على إحدى الطاولات.
حاوط راكان المكان بأنظاره متسائلاً:
"جاسر مش موجود ولا إيه؟"
قطب جبينه وأكمل:
"أوعى تقولي إنه في الشغل."
بحث جواد بعينيه ثم أشار إلى عز عندما وجد اختفاءه مع جنى.
"أهلاً يا حضرة المستشار نورتنا."
أومأ راكان برأسه.
"نورك يا باشمهندس."
همس جواد إلى عز.
"شوف لي جاسر فين مش باين."
اتجه عز سريعاً يبحث عنه.
***
عند جنى وجاسر.
قبل قليل.
تحركت جنى برفقة تقى ورُبى إلى داخل الحفلة.
ولكنه توقف أمامهم.
"روبي عايز أتكلم مع جنى."
واقدملها هديتها.
صفقت تقى.
"أووه حضرة الظابط الهمام جايب هدية لجنجون، ومش عايز حد يشوفها."
أمسكت ذراعه.
"والنبي يا جاسر أشوف الهدية."
كانت نظراته عليها وحدها.
طلتها بذلك الفستان جعلتها كأميرة أساطير.
تحدث ونظراته عليها.
"مينفعش ياتقى.
أصلها باسمها هي بس."
اخفضت نظرها للأسفل من نظراته التي جعلت قلبها كآلة موسيقية.
"حبيبي أنت كويس؟"
تسائلت بها ربى عندما وجدت تجهم ملامحه ونظرة الحزن بعينيه.
سحب كفيها وأجاب أخته:
"لأ.
مش كويس."
قالها وتحرك بها إلى أحد الأماكن الهادئة.
توقفت جنى بضعف من سيطرته الكاملة عليها، حتى شعرت بأنها ستبكي لضمه فقط.
"جاسر فيه إيه، وإيه الهدية اللي صعب إنك تدهالي قدام أخواتي."
دفعها بقوة على الحائط، يجز على أسنانه وتحدث مزمجراً:
"عارفة لو كنتي صريحة معايا من الأول ماكناش وصلنا لكده."
خانته ساقيها ورغماً عنها بدأ جسدها يرتعش تحت يديه، حاولت التنفس وسحب بعض الهواء، ولكن كأن الهواء سحب بالمكان ولم يوجد سوى رائحة عطره.
ارتفع تنفسها وحاولت الحديث.
"جاسر سيب إيدي، أنا مش فاهمة كلامك، معرفش أنت بقيت عدواني ليه كده."
"كذاب."
مقلتين متقدين كجمرتين من قعر جهنم وبعصبية مفرطة صاح غاضباً، يضغط على رسغها.
"ليه غبية ومش فاهمة معنى كلامي؟
مش جواد اللي كنتي هتموتي عليه، وبحبه أوي وعايزاك تساعدني عشان بابا يوافق، وهو الحيوان اللي رسم الدور عليا ويقولي ساعدني ياجاسر واقنع خالد."
دفعها بقوة تارك يديها.
"كنتوا بتلعبوا عليا."
انحنى ينظر لمقلتيه بنيران الغيرة يريد أن يصفعها بقوة.
"عملتلكم إيه انتو الاتنين، عشان تلعبوا بيا، ده أنتِ كنتي روحي، مكنش ينفع يوم يعدي عليا من غير ما أعرف تاريخ يومك بالكامل.
ليه تعملي فيا كده؟"
ارتعشت ملامحها واحست بدموع غادرة تتجمع تحت أهدابها الطويلة.
رفعت نظرها إليه.
"على الرغم مش فاهمة كلامك، بس عايزة أكدلك حاجة مهمة يابن عمي، أنت مش بس روحي، أنت حياتي كلها، وعمري ما فكرت أضحك عليك، بالعكس."
سحبت نفسا واحتضنت كفيه بين راحتيها.
"لو طلبت روحي مش هتأخر، ومقدرش على زعلك أبداً.
رغم كسرى ليك، بس مقدرش أزعل منك مهما تعمل."
تصنم جسده من حديثها ولم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها.
جذبها بعنف لأحضانه، بكت بشهقات بأحضانه، وانسابت دموعه رغماً عنها.
"آسف ياجنى، آسف سامحيني، بس قلبي وجعني ومش متقبل بعدك عني."
حاوطت خصره وبكت بشهقات.
"ولا أنا ياجاسر، بس دي سنة الحياة، وأنت بنيت حياة حلوة.
ساعدني أبعد عن جواد وابني حياتي، أنا مكسورة ياجاسر، مش عايزة أقع أكتر من كده."
أخرجها من أحضانه واحتضن وجهها.
"ولا عاش اللي يكسرك يا جنجون.
أنا هفضل في ضهرك بس عندي طلب."
رفرفت بأهدابها المبتلة متسائلة:
"طلب؟!"
أومأ برأسه، يزيل عبراتها بإبهامه بهدوء قائلاً.
"بلاش يعقوب ده، مش لايق عليكي، ليه مستعجلة؟
آدي قلبك وقت عشان تنسي جواد صح."
أنزلت كفيه وهزت رأسها رافضة، ورسمت ابتسامة على وجهها.
"جاسر.
يعقوب شخص جميل ومتفاهم جداً، وإحنا قعدنا مع بعض، وكل واحد منا قال للثاني هو عايز إيه."
حاول السيطرة على أعصابه، فتحدث بهدوء.
"مش شايفة فرق السن ياجنى؟
ده شكله كبير غير أنا محبتوش."
خرجت ضحكة رقيقة من بين شفتيها.
"إيه يا جسورة، اللي يسمعك يقول غيران منه."
"آه غيران.
مش من حقي؟"
ابتلعت غصة وخزت جوفها بأشواك حادة ثم نظرت لرماديته.
"ده عز معملش اللي عملته.
ده إيه الأخوية المجنونة دي."
دنى منها بخطوات متمهلة، وكأنه يخطو فوق النار يحمل غصته داخل روحه.
"بس دي مش غيرة أخوية."
أحست بقبضة تعتصر قلبها فابتلعت ريقها الجاف بصعوبة تحاول استنتاج أفعاله الأخيرة معها فتحدثت بنبرة مهزوزة.
"اومال غيرة إيه، يا جسورة؟
إيه نسيت إنك وعز إخواتي؟
ورغم ارتعاش قلبها وتمنيها رفضه كلماتها، إلا أنه أومأ برأسه وتحدث.
"أيوة صح.
شكلي نسيت يا جنجون.
أنا عندك زي عز، وجيتي واعترفتي لي بحبك لجواد."
حاولت تغيير الحديث، فنظراته لها اليوم تحكي الكثير والكثير.
"قولت جايب هدية، إيه رجعت في كلامك؟
ياله هات الهدية، اتأخرت مينفعش كده.
يقولوا العروسة هربت."
***
زفرة محملة بلوعة عشقه لها ممزوجة بحزن قلبه تحررت من بين أنفاسه، وهو يطالعها بصمت.
ثم نطق بما شطر قلبها عندما أردف.
"قلبي."
قالها ونظراته تغرز ببنيتها يستشف منها أي شيء.
اهتزت نظراتها وارتعشت شفتيها، من كلمته التي خرجت مطعونة لقلبها برمح مشتعل.
"قلبك؟
بتقولي هديتي قلبك يا جاسر؟"
تحركت خطوة.
تنظر لرماديته التي تكونت بها دموعه.
"ليه مُصر توجعني يابن عمي؟
إيه ال بتقوله ده؟"
أصيب بشلل كامل وارتجف قلبه من كلماتها التي مزقت نياط قلبه، يعض أنامله ندماً.
حاول السيطرة سريعاً على مشاعره فابتسم وهو يضع كفيه بجيب بنطاله.
"إيه يا جنجنون، قلبي ماينفعش هدية يابت.
حافظي عليه وخليكي دايماً فاكرة وقت ما تحتاجيه هتلاقيه."
أحست بوجع يغزو أضلاعها وكأن أحدهم ضرب قلبها بخنجر عندما استمعت لكلماته المهتزة فأردفت.
"هتفضل طول عمرك جنبي يا جاسر، وأول واحد بعد بابا وعز هلجأله.
خليك واثق إن مكانتك مستحيل حد يقرب منها."
"حتى يعقوب يا جنى؟"
أردف بها ومازال يحاوطها بنظراته.
ابتسمت على غيرته المجنونة، واقتربت تعانق ذراعيه.
"ولا ميت يعقوب يا جاسورة، صدقني مفيش حد يقرب من مكانتك عندي متخافش."
نظر لذراعها المتشابك بذراعه واحتضنه قائلاً.
"طب لو قولتلك عشان خاطري، بلاش توافقي على الجوازة دي، هو مينفعكيش."
"أنت مستكتر عليا السعادة يا جاسر؟
ليه مش عايزني أبني حياة جديدة؟
مش إحنا اتفقنا؟"
وصل عز إليهما، توقف جاحظاً عيناه وهو يرى أخته بأحضان جاسر كعاشقان.
اهتز داخله واسرع إليهما، ثم صاح غاضباً.
"ممكن أعرف بتعملوا إيه هنا؟"
استدارت جنى مبتسمة.
"عز.. عارفة اتأخرت، آسفة حبيبي، كنت بقول حاجة لجاسر."
جذبها عز من رسغها وهو يطالع جاسر بصمت ثم تحرك بعض الخطوات، ولكنه توقف عندما استمع لحديث جاسر.
"إزاي جالك قلب تخليها ترتبط بواحد زي يعقوب ده، منعرفش عنه حاجة."
استدار عز إليه واردف بهدوء رغم نيران قلبه المتقدة تجاه جاسر قائلاً.
"جاسر لو عايزنا نفضل إخوات ابعد عن حياة جنى، وبدل أنا وبابا موجودين أنت مالكش حكم عليها.
صمت للحظات ثم أكمل.
"حتى لو مش موجودين أنت آخر واحد تتكلم في الموضوع ده."
وضع كفيه بجيب بنطاله واقترب منه، وتعلقت نظراتهما ببعض.
"ليه ياصاحبي، شايفني مش كويس، ومستاهل أقول رأيي؟"
جذبها متحركاً وهو يتحدث.
"بالظبط كده، يابن عمي، مستاهلش تقول رأيك."
"يااااه، ده أنت شايل وشايل أوي يا عز."
تحرك عز دون حديث.
فبعد إهانة فيروز لأخته، وصمت جاسر وهو تلاشى وجوده.
توقف عز أمام جنى.
"كنتي بتعملي إيه مع جاسر دلوقتي يا جنى؟
يعني خطيبك بره وجاية توقفي مع جاسر، دي جنى اللي بستنى قوتها."
رفعت نظرها إلى أخيها.
"عشان ده جاسر يا عز، وياريت تحافظ على إهانتك له، هو مالوش ذنب عشان تعاقبه بطريقتك دي، أنا حاسة إنه مهموم وموجوع، رغم زعلي منه بس مقدرتش أشوف وجعه."
تحرك جاسر بجوارهم دون حديث.
"جاسر.."
قالتها جنى بابتسامة.
"إيه هتمشي أومال مين هيدخل بيا للناس، وبقالك ساعتين تقولي شعر في الأخوة."
اتجه بنظره لعز وأردف.
"بس إنتِ مش أختي."
قالها وتحرك.
ارتجف جسدها ونظرت لأخيها بعتاب، ثم أسرعت خلفه.
"استنى يلا."
توقف مستديراً، ينظر إليها بذهول.
"يلا.. اتجننتي يابت، بتقولي يلا."
اتجهت لأخيها.
"ياله بقى متبقوش غلسين، انتو الاتنين هتدخلوا بيا."
وزعت نظراتها بينهما.
"مفيش أغلى منكم، والولد فارس البارد كمان له نصيب."
كان يطالعها بنظراته المتألمة، ود لو يختطفها من الجميع، ولكن ماذا عليه أن يفعل، لقد زهقت روحه وقضي الأمر.
تحرك عز وجذب كفيها يرمق جاسر الذي نظراته عليها وحدها.
"معقول جاسر يكون بيحبها؟"
هز رأسه رافضاً الفكرة.
"لأ هو بيحب مراته."
حمحم متحدثاً.
"جاسر اطلع بجنى أنت وأنا هعمل تليفون."
قالها بمغزى حتى يشعر بالارتياح.
بسط كفيه واحتضن كفيها الذي شعر ببرودته، فابتسم ساخراً.
"اللي يشوفك كده يقول البنت داخلة على إعدام."
قالها وهو يجذبها ويتحرك دون الالتفات إلى عز.
وصل أمام جواد وصهيب الذين صدموا من دخوله بها.
"العروسة يا جماعة بعد إذنك طبعاً يا عمي."
ثم اتجه لوالده.
"ماهي أختي برضه مش كده يا حضرة اللواء."
كان جواد يطالع ابنه بصمت، يشعر بنيران قلبه، فاقترب بعد ما وجده مازال يحتضن كفيها وكأنه عريسها، في حين توقف بيجاد يهمس لغنى.
"أخوكي واقع وحياة حماة."
طالعت جاسر بحزن واجابته.
"كنت شاكة للأسف."
ضيق عيناه مستغرباً حديثها.
"ليه يا غنى؟
ما تكلمتيش قبل جوازه من فيروز؟
أنا البنت دي عمري ما ارتحتلها أبداً، وأنا متأكد إنها مش هتسكت على جاسر."
تحركت غنى لا إرادياً متجهة إلى أخيها، توقفت بجواره، وأحاطت خصره.
"حبيبي الحنين."
ترك كف جنى، وحاوط خصرها.
"غنون قلبي."
جذبته بعدما وجدت نظرات جواد المتألمة عليه.
"تعالى معايا، عشان ناوية أرقص معاك الليلة."
وصلت فيروز ونيران الغيرة تأكل أحشائها.
"كنت فين؟
دورت عليك."
ابتسم بحزن وهو يطالعها.
"كنت مع جنى، إيه فيه حاجة؟"
جذبت كفيه وتحركت من أمام غنى التي وقفت بجمود لا تعلم ما عليها فعله.
أخيها يعشق ابنة عمه التي تعشقه هي الأخرى، ولكن للقدر رأي آخر.
***
بدأ حفل الخطوبة بالموسيقى الهادئة وجلوس العروسين.
أخرج يعقوب خاتم الخطوبة ليرتديه لجنى.
كان الجميع يقف بمجاورتهم.
سوى جاسر الذي ابتعد عن المكان، صاعداً لأعلى منزله، كأنه يريد الاختلاء ومعاقبة نفسه آلاف المرات على ما فعله به.
بالأسفل بحث باسم عنه.
"فين ابنك يا جواد؟"
أجابه جواد دون أن ينظر إليه.
"معرفش.
مش أنت أبوه شوفه وديته فين يا صاحبي."
اتجه بنظره إليه.
"ليه.. ليه تقرر حاجة بعيد عني؟
دي الأمانة اللي قولتلك تحافظ عليها."
جز باسم على أسنانه يوزع نظراته على الجميع.
"عشان ده أسلم حل يا ابن الألفي، كان لازم أعمل كده."
ضغط جواد على ذراعه.
"ده ابني يا باسم، عارف يعني إيه، يعني روحي اللي ممكن أهد الكون عشانه."
"إنت اتصرفت من غير ما ترجع لي، بس ملحوقة، وحياة صحبتنا لأندمك على قراراتك الغلط دي."
ثم رفع نظره إلى فيروز وابتسم بسخرية.
"شوف اختياراتك يا سيادة العقيد، وأنا بأكدلك دي هتكون نهايتنا كلنا."
تحرك متجهاً إلى راكان الذي يقف بجوار عز وصهيب.
رفع هاتفه وتحدث.
"دقيقة والاقيك قدامي هنا، وإياك تتأخر."
قالها ثم أغلق الهاتف متجهاً إلى راكان وصهيب.
وصل بعد قليل.
"راكان باشا منورنا، يا مرحبا."
قالها جاسر بهدوء.
لم يعلق راكان سوى بابتسامة.
"ده نورك يا حضرة الظابط، كويس إنك أخيراً شرفت ونولت شرف وجودك قدامي."
تهكم جاسر وهو يطالعه بصمت.
"أيوة أعرف إنك غالي عشان اتكرمت وخليتك تشوفني."
أطلق صهيب ضحكة.
"إيه يلا مالك.. ده حتى راكان من أول ما جه مابطلش سؤال عنك."
رفع حاجبه ساخراً.
"عارف، وعشان كده جيتله اهو."
دنى يهمس له.
"هتلعب عليا هلعب عليك ياحضرة المستشار، خلي بالك من كلامك."
رفع جانب وجهه بشبه ابتسامة فأردف.
"صعبت عليا، فجيت أشوف صاحب السعادة هيعمل إيه."
ضغط على الكوب الذي بيديه حتى كاد أن يهشم، فأردف.
"أصلك معشتش الوجع والألم اللي أنا حاسس بيه دلوقتي."
ضحكة خرجت من راكان فأردف متهكماً.
"مش بقول غبي ياحضرة الضابط... بص حواليك كده، وشوف الصمت على وشوش الجميع، رغم إنه فرح.
ياريت تفكر كويس."
اتجه إلى جواد الذي وصل إليهم هو وصهيب.
"جاسر أنا بقولك قدام حضرة اللواء، الطريق اللي ماشي فيه هيخسر."
اتجه جواد إليه بتركيز.
"إيه اللي حصل؟"
أشار راكان عليه.
"حضرة الظابط مدخل نفسه مع ناس تقيلة هو مش قدها وممكن يؤذوه."
ضيق جواد عينيه متسائلاً.
"قصدك مين؟"
ابتلع جاسر ريقه.
"راكان مزود الموضوع، مفيش دي قضية عادية واتحكم فيها."
"يعني إيه، وإزاي أنا معنديش علم بيها؟
في إيه؟"
على الرغم من نظرات جاسر إلى راكان ولكن راكان نظر إلى جواد.
"فيه ولد عاكس أخت صاحبه، وطبعاً البنت عملت قضية تحرش.
أخوها ضابط زي جاسر وضمنت القضية، بس الولد باباه واصل ووقف كل حاجة.
وطبعاً ابن حضرتك عامل فيها حامي الحمى."
تحرك جواد بعدما وجد أحد أصدقائه متجهين إلى صهيب.
"كان لازم حضرتك تتكلم يعني."
أومأ راكان رأسه.
"اللي عملته في الآخر مش هيسكتوا عليه، إنك تحبس الولد وتعمل قضية لخطيبته."
انتزع سيجاره من كفيه وبدأ يدخنه.
"مالكش دعوة، خليك في مصايبك."
ثم اتجه بنظره إلى ليلى التي تقف بجوار غنى ورُبى.
"حلوة مراتك خلي بالك منها."
قالها متحركاً للبعيد.
"ماشي يابن الألفي."
قالها وهو يخرج دخان تبغه بغضب.
***
عند جنى ويعقوب.
بعدما ألبسها خاتم الخطبة، رفع كفيها وطبع قبلة عليه.
صفق الجميع، في حين تورّدت وجنتيها، تسحب كفيها.
"يعقوب إيه اللي بتعمله ده، عيب، إحنا مش كتب كتابنا."
قهقه عليها ثم جذبها لأحضان أمام الجميع.
"لا.. صغيرتي، تبدين طفلة جميلة بكلماتك هذه.. فمهلاً على قلبي المستوطن بين أضلعي، فأنتِ تملكتيه بعفويتك وجمال عيونك وبرائتك."
كانت تنظر إليه مشدوهة من كلماته.
"يعقوب مينفعش."
قالتها وهي توزع نظراتها بين الجميع خجلاً.
"حاوط أكتافها ينظر إلى صهيب.
"عذراً سيد صهيب، فأميرتك أذهبت عقلي، وأنا أؤكد لك أن هذه الأميرة منذ الآن أصبحت ملكي ولا أحد عليه الاقتراب."
كان يقف بعيد بجوار زوجته يضع كفيه بجيب بنطاله، يضغط على كفيه فهو الآن أصبح كالمارد الذي يريد إشعال الكون بأكمله.
تنهد بوجع وتراجع بجسده يستند على الجدار.
توقف عز بجواره.
"آسف.. عارف إنك زعلان مني، بس غصب عني."
استمعت فيروز إليه باهتمام ثم تسائلت.
"إيه اللي حصل؟"
"محصلش حاجة، روحي بارك لجنى، أنا عندي مشوار."
قالها وتحرك سريعاً دون أن ينظر لعز.
كانت نظرات جواد عليه.
أطبق على جفنيه، عندما استقل سيارته وتحرك للخارج.
بعد انتهاء حفل الخطوبة، رجع إلى منزله، اتجه للمسبح وجلس يتمدد على الشازلونج.
أطبق الجفنين، شعر بأحدهم يجلس بجواره.
اعتدل.
"عمو صهيب أنت لسة صاحي، الساعة تلاتة."
جلس بجواره يربت على كتفه.
"مالك ياحبيبي، حاسك مهموم، من الصبح وأنت بتبعد عن الكل، حتى حفلة أختك مش حضرتها."
"بس جنى مش أختي ياعمو."
أردف بها سريعاً دون أن يتحكم بمشاعره.
أومأ صهيب برأسه.
"عارف إنها مش أختك، زي ما أنا عارف، لا أنت جواد ولا هي غزل يا حضرة الظابط."
اتجه بنظراته لعمه، والحزن حفر ثقوبا داخل قلبه يتسرب الألم كما تتسرب الموسيقى من قصب الناي.
"ياريتك ضربتني وفوقتني."
احتضن صهيب وجهه.
"مالك يلا، اوعى يكون اللي فهمته صح."
حس بألم العالم كله يتجمع بقلبه فانبثقت دمعة رغماً عنه بجانب جفنيه.
"تعبان أوي ياعمو، نفسي أرتاح، بتمنى اللي عايشه يكون كابوس وأفوق منه."
رفع ذقنه ونظر لعينيه بحزن يفتت القلب.
"ليه ياحبيبي، هو أنت مش سعيد مع مراتك؟"
تراجع يستند بظهره على الأريكة.
"أنا مش عايش أصلاً ياعمو، أنا عايش كذبة وصدقتها، طلعنا كلنا بنضحك على بعض."
توسع بؤبؤ صهيب مشدوهاً من حديثه.
"إيه اللي حصل ياجاسر، وليه الوجع والحزن ده كله؟"
"إنت بتقول إيه يابني."
ابتعد بنظاره بعيداً عنه، وآهة عالية خرجت من جوف حسرته وجملة تعبر عن حالته الموجعة.
"عارف إنك مصدوم، بس دي الحقيقة للأسف، ومش قادر أنكرها أكتر من كده."
استدار بنظره إليه وأشار على قلبه.
"هنا نار بتكويني، ألم صعب وصفه، مهما أوصف لك شعوري مش هيوصله."
أووه.
أخرجها كالغارقا يبحث عن نجاتها.
استمر في إخراج ما في جوفه من عصارة الألم.
"هي ضحكت عليا، وأنا ضحكت عليها، ودخلنا في مرحلة كلنا بنضحك على بعض."
صمت لبرهة والحسرة والخذلان فوق ملامحه.
"محدش كان صادق مننا، لحد قبل فرحي بيوم وأنا بقنع نفسي إن اللي بعمله صح، لحد ما هي جت وقالت لي بحبه أوي."
رفع نظره إلى عمه.
"من هنا قولت لازم أعيش وأبني لنفسي حياة عشان أقدر أعيش."
"بس طلعت أكبر غبي ومغفل ياعمو، لا قدرت أعيش ولا أبني حتى سور مش حياة."
"بتتكلم عن جنى مش كده؟"
صمت صمتاً مريباً مشحوناً بأنفاسهم المستعرة، قاطعه صهيب.
"حاولت أفهمك إنكم مش إخوات، بس أنت قلت إيه."
نهض صهيب يربت على كتفه، ولا يشعر بعبرته التي انسابت على خديه مما استمع إليه.
وقف يبكي بقلب مفطور ملئ بالثقوب عليه، ثم جذبه لأحضانه.
"مش بإيدي حاجة أعملها، مع أني كنت بتمنى ده من زمان."
"وأنت عارف صح ولا إيه."
أومأ متفهماً وأخرج زفرة حارة.
"ربنا يسعدها يا عمو، في الأول والآخر أتمنالها السعادة، سواء معايا أو مع غيري."
"للأسف ياجاسر، معدش فيه سعادة معاك، وأمنية من عمك ياحبيبي ابعد عن جنى عشان تقدر تعيش.
متنساش إنك متجوز ومراتك حامل، غير بنتي بريئة مرضالهاش بكسر قلبها.
يعقوب شخص كويس."
بتر حديثهم وصول جواد.
"كنت فين؟"
نهض وأجابه.
"كان عندي مشوار، ورجعت من شوية.
فدردشت مع عمو شوية."
"ينفع تسيب ضيوفك وتمشي؟
مش عايز تكبر وتعقل، مفكر نفسك لسة عيل طايش."
"بابا لو سمحت."
"اسكت يا جاسر، أغلاطك بتكتر، وأنا خلاص تعبت من أسلوبك ده."
تذكر شيئاً فأردف.
"فيه بيت جنبنا هنا، اشتريته، من بكرة انقل عليه، ماهو مش مستعد أخسر والدتك."
"اهدأ يا جواد فيه إيه لكل ده."
"اهدأ، عايزني أهدأ إزاي يا صهيب وهو ناوي يموت والدته، مراته بتقول هيرجعوا شقتهم بكرة، وإحنا فين من حياته، أنا حذرته مليون مرة من الجوازة دي وهو وقف قدامي وقالي هتجوزها."
كان ينظر بأسى للأسفل.
"ده أحسن حل يا بابا، مش هتحمل حد يزعل مني، فيروز مش مرتاحة وأنا عايز أريح الكل، هنرجع بيتنا وأنا دايماً هكون عندكم."
"بيتك، وده إيه، ده أسوأ اللي كنت خايف منه معملش اللي أنت عملته.
مراته رغم إنها متربية بعيد عننا بس بحسها بنتنا وليها كل الاحترام من إخواتك وعمرها ما وقفت بجاحة في حد، رغم إنها حياتها كلها بره، إنما الأميرة فيروز معرفش بينها وبينا إيه."
"خلاص يا جواد لو سمحت مش شايف حالته، مراته بس مش متعودة على الزحمة وحياتنا."
"اسكت يا صهيب."
"وياسمينا كان عمرها دخلت مطبخ ولا وقفت فيه، ده كان بيروح لها الأكل لحد السرير، أبوها كان معيشها ملكة."
اقترب من جاسر ودنى ينظر لعينيه.
"بس متربية على الأصول، عارفة الكبير له احترامه، عارفة يعني إيه الصح من الغلط."
"المطلوب مني إيه يا ترى عشان حضرتك تبقى مرتاح."
سحب نفسا وزفره ثم تحدث.
"أنا شايف إنك مش سعيد معاها رغم إنك بتحاول تدوس علينا عشانها، بس لحد كده وكفاية، البنت دي مش من توبنا."
وضع صهيب رأسه بين راحتيه عندما شك بأخيه وها هو يلقي قنبلته.
"طلقها بعد ما تولد، البنت دي أنا مش هتحملها أكتر من كده."
صدمة نزلت فوق رأسه حتى شعر بالدوران فهمس.
"حضرتك عايزني أطلق مراتي."
امسكه من ذراعه بعنف.
"أنا بصلح وضع ياحضرة الظابط، وقبل ده كله لازم تبعد عن قضية ابن المغربي، مش ناقص أخسر حد فيكم، دول عندهم الدم زي المية.
سمعتني ياحضرة الظابط."
أشار بسباباته وزمجر غاضباً فكلما يتذكر دموعه يكتوي قلبه عليه فأردف.
"بكرة تنقل البيت اللي جنبنا عشان تبقى قريب من مامتك، ارحم أمك ياحضرة الظابط."
استدار متحركاً.
"حاضر ياحضرة اللواء هنفذ أوامر معاليك."
هوى جواد على المقعد بجوار صهيب.
"ليه كده يا جواد.. ليه تكسره بالطريقة دي."
مسح على وجهه بعنف.
"صهيب أنا مش عايز أسمع حاجة."
ضرب على صدره.
"هنا نار."
له لو طلعت هتولع فيه.
هرب على ساقيه.
"اهدأ بس عشان ضغطك."
ظل يخرج أنفاسه بهدوء عندما شعر بغصة تمنع تنفسه.
"أنت عارف الولد اللي بيتحداه ده، أبوه واصل ومش بيرحم حد، والقانون معدش بينصف حد."
ذهل صهيب من حديثه.
"إيه اللي بتقوله ده يا جواد، أومال لو مش راجل قانونه."
هز رأسه وغضبه ووجعه من ابنه فاق الحد.
"راكان البنداري ذات نفسه قالي أبعده عنه، تخيل لما واحد زي راكان يقول كده يبقى اعرف إن الموضوع خطير.
أنا من وقت ماخرجت من الشرطة معرفش إيه اللي بيحصل يا صهيب، جاسر طايش، لازم يخاف على اللي حواليه، لازم أشده عشان يجمد ويعمل حساب لخطواته.
حاولت مليون مرة أقوله بلاش فيروز بس شوف آخرة جوازه إيه.
أنا حاسس ابني ضايع ومش مرتاح."
ربت صهيب على كتفه.
"بالعكس يا جواد، جاسر راجل وراجل أوي كمان، بس هو نصيبه اللي معانده."
"خايف عليه يا صهيب، أكتر واحد قلبي وجعني عليه، تعرف ممكن يضحي بنفسه عشان غيره، خايف من تهوره."
تذكر صهيب حديثه منذ دقائق، فاومأ له.
"عشان كده بقولك راجل أوي ومتنساش يا جواد، جاسر واخد طباعك كله."
تراجع يطبق على جفنيه، فكلما يتذكر حديثه عن جنى قلبه يأن وجعاً.
"ابني بيضيع بسبب تفكيره الغلط، لو مدافعش عن نفسه هيضيع يا صهيب."
"كنت تعرف بحب جاسر لجنى يا جواد؟"
هزة عنيفة أصابت جسد جواد فنظر إليه مذهولاً.
"إيه اللي بتقوله ده، حب جاسر لجنى؟
هو قالك إيه؟"
آهة طويلة كانت أبلغ رداً على حديث جواد، الذي نظر للأسفل بأسى فتحدث.
"كنت شاكك مش متأكد، بس النهاردة اتأكدت، معرفش ليه عمل في نفسه كده، بس اللي شاكك فيه ده تخطيط من باسم، عايز يوصل لإيه معرفش، وابني الغبي مشي وراه."
هز صهيب رأسه وتحدث.
"ابنك قالي إنه بيحبها، وقال كلام كتير ال فهمته منه إنه مش سعيد في حياته، بس اعذرني يا جواد."
"أنا بنتي أغلى من روحي، ومش هخبي عليك وأقولك إنها وافقت على يعقوب من غير ضغط، لا أنا ضغطت عليها عشان لازم تنسى جاسر، أنت عارف إنها بتحبه إزاي، والنهاردة للأسف عرفنا حبه وسمعته كمان، فلازم أدور على سعادتها بعيد، عارف إنك هتزعل، بس أنا من قبل جوازه رحت وسألته قالي كلكم عايزين تقنعوني إن جنى غزل وأنا جواد، بس دي مش الحقيقة."
حاول تهدئة أخيه فأردف.
"ممكن عشان جواد بعد، ومحاولش يدخل بينهم، معرفش، بس هو دلوقتي اتجوز وأسس حياته، وأنا مستحيل أخلي بنتي زوجة تانية حتى لو هتفضل من غير جواز، حتى لو جاسر طلق مراته، جنى مستحيل أخليها مراته، وده بقوله عشان تقنع بيه جاسر."
نهض متوقفاً ومازالت نظراته على جواد الصامت فأكمل.
"جاسر بيحب جنى وبيحبها أوي يا جواد، وأنا بنتي للأسف بتحبه، تخيل لو الاتنين فضلوا جنب بعض هيعملوا إيه، كان الأول مشاعرهم باينة أخوية، بس بعد جوازه وبعد خطوبتها، اشتعلت نيران غيرة الحب، وممكن تعمل حاجات مش نقدر نواجهها عشان كده بقولك أنا هبعد جنى وهخليها تسافر مع عز في شركة يعقوب اللي في أمريكا اللي قال عليها، لحد ما يتجوزوا."
تنهيدة طويلة خرجت منه فأردف.
"سامحني، ده أحسن حل بعد كلام جاسر النهاردة."
قالها وتحرك متجهاً لمنزله.
ظل جواد جالساً بمكانه وكان هموم العالم أجمع سقطت فوق رأسه.
***
مرت ساعات الليل على البعض متألمة مليئة بالوجع.
كانت تتقلب على فراشها كلما تذكرت نظراته، وحديثه تشعر بقلبها يعتصر ألماً.
هل هو يحبها، أم كلماته ما هي سوى أخوية؟
تذكرت كلمته بل هديته، وضعت كفيها على نبضها.
"قلبك محفوظ يا جاسر عندي للأسف مش هقدر أبعده عني."
استمعت إلى رنين هاتفها.
"أهلاً يعقوب، لسة صاحي."
ابتسم قائلاً:
"أهلاً جميلتي، ممكن أسأل جميلتي لماذا مستيقظة إلى الآن، هل هذا سهر الحب؟"
ابتسمت بمحبة.
"هل على العاشق حرج أيها العاشق الجميل؟"
قهقه بمرح عليها ثم أردف قائلاً:
"ليس على العاشق حرج، ولكن على المؤلم حرج عزيزتي."
صمت قليلاً ثم أردف.
"هل تحدثتوا ثانية، أم لا يوجد وقتاً للحديث؟"
تراجعت بجسدها لظهر فراشها.
"نعم تحدثنا قبل الخطوبة، ولكني أشعر بألم فتاك بقلبي."
ارتشف قهوته وهز رأسه.
"هل يمكنني أتساءل فيما تحدثتوا؟"
"فيما بعد سأتحدث معك، ولكن علي إخبارك بما هو أهم."
"بحثت عن اسم ابنة عمك وعلمت من مصادري الخاصة أنها تعمل بملجأ خاص بالقوات المسلحة."
هب فزعاً من مكانه.
"من أين علمتي؟
هل جواد الألفي من قال لك ذلك؟"
"نعم عزيزي، فأنا تحدثت مع عمي دون دخول في تفاصيل، أنا كنت أسمع عنها قديماً، واليوم أخبرني أنه تبناها بعد وفاة عمك والآن تعمل بنفس المكان الذي كان به والدها."
"شكراً عزيزتي، إنني أحبك صدقاً جنتي."
صمتت للحظات وهمست.
"شكراً لك يعقوب على وقوفك بجانبي، حقاً نعم الصديق المحب."
"غداً سنلتقي."
قالتها وأغلقت الهاتف متجهة إلى خلودها للنوم بعيداً عن معذب قلبها.
بعد يومين من حفل الخطوبة.
تجلس مع ياسمينا التي تجمع أشياءها.
"هتوحشيني ياياسو، أولدي بسرعة وتعالي."
ابتسمت ياسمينا إليها.
"حبيبتي يا جنجون إن شاء الله."
نهضت متجهة إلى الأسفل.
"هشوف ربى قبل ما يعقوب يوصل، معرفش بقالها كام يوم زعلانة ليه."
قالتها بعدما وضعت أشياء البيبي بحقيبة ياسمينا.
طبعت ياسمينا قبلة على وجنتيها.
"أحلى جنجون والله وشكراً يا حبي على مساعدتك ليا."
ابتسمت بمحبة، تربط على كتفها ثم خرجت متجهة إلى ربى التي تجلس تأكل حلوياتها بصمت.
"ربى..."
صرخت بها جنى.
"هبت فزعة وقامت تسبها."
"يخربيتك وداني."
جلست بجوارها تجذب صحن حلوياتها.
"إيه يابت الجشع ده عايزة تاكلي دا كله لوحدك."
مسحت فمها بعنف.
"أخوكي البارد مضيقني، وأنا لما بضايق بأكل كتير."
ضحكت جنى بصخب تغمز بعينيها.
"ليه عشان هنسافر، ياعبيطة فيه حد يكره يعيش في أمريكا."
انسابت عبراتها.
"أنا.. أيوة أنا مش عايزة أسيب أهلي، عندي العيلة دي أحسن من أي مكان في العالم."
أطلقت تنهيدة وهتفت بحزن.
"صدقيني ياربى وأنا كمان، مش عايزة أسافر، بس لازم من التغيير."
أومأت ربى لها مبتسمة.
"أنما خارجة فين يا جوجو مع يعقوبك، وإيه يابت كل شوية سفريات من مكان لمكان، أومال لما تكتبوا الكتاب هتعملوا إيه."
"هيبوسها."
أردفت بها فيروز التي تخرج من المطبخ تحمل عصيرها.
طالعتها جنى بهدوء.
"مش لازم الكلام ده يافيروز، حتى لو هيحصل، مينفعش نتكلم كده."
رفعت حاجبها بسخرية.
"ده أنا قلت هيبوسك، مقلتش حاجة تانية، وبعدين الصراحة الراجل جنتل أوي يا جنى أنتِ تطولي."
زفرت جنى ونهضت.
"ربى أنا همشي لازم أجهز قبل مايجي."
قالتها وخرجت متجاهلة نظرات فيروز.
توقفت ربى ونظرت إليها بغضب.
"بصي يافيروز أنا بحاول أتحمل اليوم اللي بتجيه هنا عشان ماما بس تتجاوزي حدودك مش هسكت لك."
قطبت جبينها ثم تحدثت متهكمة.
"ليه ياربى.. ده أنا مرات أخوكي، وبعدين أنا شايفة ده بيت جوزي، إنما أنتِ بيت جوزك هناك عند جنجون بتاعتكم."
قالتها وتحركت وكأنها لم تفعل شيئاً.
ذهلت ربى من حديثها، فضربت قدمها بالأرض تسبها.
"الحقيرة بتقول إيه، معرفش جاسر جابها منين المصيبة دي، لا ودخلت علينا بالسلوكية."
قاطعتها غزل.
"ربى بتكلمي نفسك حبيبتي، مالك."
تحركت من أمامها متجهة للمطبخ.
"مفيش ياماما.. عايزة أعمل قهوة أعملك معايا."
"لا ياحبيبتي، اعملي لبابا وهاتيه على المكتب."
هزت رأسها واتجهت للداخل، كان يجلس مطبق الجفنين.
"حبيبي قاعد كده ليه، قولت هتعمل شوية شغل."
أشار إليها بالجلوس.
اتجهت إليه وجلست بجواره.
"مالك حبيبي من يوم خطوبة جنى وأنت متغير."
جذبها لأحضانه، وتنهد متألماً.
"لسة زعلانة عشان بعدت جاسر من البيت."
مسحت وجهها بصدره كقطة أليفة.
"بالعكس يا جواد، عملت الصح، أنا شايفة ابني بيدبل يوم عن يوم."
رفعت نظرها إليه.
"جاسر بيحب جنى أوي يا جواد، وقلبي وجعني عليه."
تذكر شيئاً فنهض من مكانه.
"عندي مشوار مهم حبيبي، هروحه وأرجع لك نتكلم في كل حاجة."
أمسكت كفيه متسائلة.
"رايح فين؟"
أخرج تنهيدة متألمة.
"رايح لباسم."
قالها وتحرك سريعاً.
بعد فترة رجعت تبحث عن دبلتها.
"ربى مشفتيش دبلتي، بدور عليها مش لاقياها."
أشارت ربى على المرحاض.
"شوفيها في الحمام حبيبتي كنت شيفاها هناك."
قاطع حديثهما هبوط فيروز، فاتجهت ربى إليها تسائلها.
"مشفتيش دبلة جنى يافيروز؟"
نظرت إليها متهكمة.
"إيه يا جنى ده لسة مكملتيش شهر مخطوبة، حالا الدبلة ضاعت."
صمتت تنظر إليها بغموض.
"بيقولوا كده إنك مش بتحبي خطيبك مش كده ولا إيه."
اقتربت جنى تطالعها بنظرات نارية.
"خليكي في حياتك، أحب أكره ده مالكيش فيه، أنتِ ضيفة هنا التزمي بحدودك معايا."
رفعت فيروز حاجبها بسخرية.
"هي مين دي اللي ضيفة، أنتِ ناسيه ده بيت جوزي."
عقدت جنى ذراعها أمام صدرها.
"لأ مش بيت جوزك، وعلى ما أظن بيتكم مش هنا."
قطع حديثهم دلوف جاسر.
"رفعت نظرها إليه.
"حبيبي أنت جيت."
رفعها من خصرها وابتسم عندما تعلقت بعنقه.
"لأ حبيبك لسة في المكتب مالكم في إيه."
استدارت جنى ولم تعره اهتمام موجهة حديثها إلى ربى.
"ربى لو لقيتيها عرفيني، لازم أخرج زمان يعقوب جه."
قطع حديثهما رنين هاتفها.
ابتسمت فمجرد وجوده بحياتها أنار وجهها، هذا ما شعر به جاسر.
أمسكت الهاتف.
"أيوة حبيبي.. تمام أنا خارجة."
هل شعر أحدكم بانصهار قلب المحب من الغيرة؟
استدارت إلى ربى ونظرت إليها بحزن.
"لو لقيتي الدبلة خليها معاكي."
قالتها وتحركت.
"فيه إيه؟"
تسائل بها جاسر.
"أصل يا حبيبي بنت عمك ضيعت دبلتها من أول شهر، وخايفة من خطيبها يزعل."
ترك فيروز وتحرك خلفها سريعاً.
"جنى.."
صاح بها بصوت مرتفع.
توقفت وهي تواليه ظهرها، ودقات قلبها الارتفاع كلما اقترب منها.
"بدوري على دي."
استدارت تنظر إليه بذهول.
"هي معاك؟"
"طب لما لقيتها مقولتش ليه، تتحمل حد ياخد منك حاجة."
ابتسم بوجع وأشار إليها.
"آه أنتِ أخدتي أهم حاجة للأسف."
اقتربت منه.
"هات الدبلة يا جاسر وبطل ألغازك دي."
"إيه موضوع كل شوية تخرجي مع خطيبك ده، لاحظي إنكم مش كتب كتابكم."
زفرت بغضب تنظر بساعتها.
"يادي النيلة على أسطوانتك يا جاسر، هات الدبلة لو سمحت مينفعش كده."
قوس فمه ونظر بسخرية.
"نيلة يا جنى، ده اتفاقنا."
رفعت نظرها إليه، والشمس تضرب بعينها البنية مما جعلها تغمض عينيها ابتعاد عن أشعة الشمس.
دنى ينحني برأسه وهمس.
"اسمعيني كويس عشان أنتِ جبتي آخرك معايا، يعقوب ده مش بلعة، وياريت تعتذري عن خروجك معاه، والا."
رفعت رأسها لوجهه القريبة وانفاسه التي ضربت وجهها فغاصت برمايته متسائلة.
"والإيه يابن عمي؟"
بلحظة من الذهول والهروب بما حولهم وضع جبينه فوق جبينها مغمض العينين.
"والإ هخطفك يابنت عمي وصدقيني وقتها محدش هيقدر يمنعني."
"جاسر.."
قالتها برجفة بجسدها.
"أنت مالك الأيام دي بقيت غير مفهوم."
ابتلع ريقه بصعوبة وحاول السيطرة على نفسه.
"تعبان يابنت عمي ودوايا عندك."
تقابلت عيناها بنظراته العاشقة.
"وأنت بتموتني يابن عمي، والله عمايلك دي بتموتني."
قالتها ونزعت نفسها متحركة سريعا من حضوره الذي جعل قلبها كفراشة تدغدغ مشاعرها، كل مرة تتأكد بها أنه روحها ولا حياة بدونه.
"جنى.."
أطبقت على جفنيها، ثم استدارت وهو يشير بدبلتها ثم ألقاها بحمام السباحة واستدار متحركاً للداخل.
انسابت عبراتها رغماً عنها هامسة لنفسها.
"ياترى هتفضل توجعني لحد إمتى يا جاسر؟"
***
بعد عدة أسابيع يوم ولادة ياسمينا وقبل سفر عز وج وجنى وربى إلى الولايات المتحدة بيومين.
كان يجلس بمكتبه يتابع عمله، دلف إليه باسم.
"عامل إيه، جيت أسلم عليك قبل ما أسافر بكرة."
مسح على وجهه وتوقف.
"هتتأخر هناك؟"
هز رأسه رافضاً.
"لأ شهرين تلاتة ونرجع، المهم أنت عامل إيه."
أشار على نفسه وابتسم بسخرية.
"ميت والحمد لله."
ربت باسم على كتفه.
"آسف يا جاسر، والله ما كنت أعرف إنكم بتحبوا بعض كده."
أومأ برأسه متفهماً.
"عمو باسم أنا هطلق فيروز، حياتنا بقت كارثية واتكلمت معاها واتفقنا بعد الولادة كل واحد يروح لحاله."
"حتى لو جنى اتجوزت يا جاسر؟"
قوس فمه متهكماً.
"جنى خلاص رسمت حياتها، وأنا مقدرش أقف قدام سعادتها، بس أنا مش مرتاح مع فيرو."
أومأ متفهماً ثم تحدث.
"حياة كلمتها كتير، وحاولت تعرف منها سبب تغيرها ده بس كالعادة، هي متغيرتش."
سحب نفسا واطلقه بهدوء.
"أنا اللي غلطت وأنا لازم أصلح الغلط ده."
نهض من مكانه.
"صالح أبوك أصله مضايق مني، وبيحملني المسئولية."
"إن شاء الله حبيبي المهم متتأخرش عليا."
ودعه باسم وخرج.
بينما ظل جالساً بمكانه يفكر بشرود بحياته التي دمرها بيديه، تذكر جواد ووصوله اليوم للقاهرة، فجمع أشياءه متجهاً إلى حي الألفي.
باليوم التالي.
قامت فيروز بالاتصال عليه.
"جاسر هتتأخر."
نظر للطريق أمامه وأجابها.
"مش قبل خمس ساعات.
عندي مأمورية مهمة فيه حاجة.
أنتِ كويسة والبيبي كويس؟"
زفرت بغضب واجابته.
"كويسين بس زهقت من القعدة لوحدي."
خطرت على ذهنها فكرة.
"بقولك ماتكلم جنى تيجي تقعد معايا.
بدل مافيش حد.
هي كانت مع خطيبها ولسة راجعة."
مسح على وجهه بغضب وتوقف بالسيارة.
"حاضر هكلمها لكن أتمنى متزعلهاش بكلامك زي كل مرة يافيروز، جنى لو زعلت مش هسكت لك."
تأففت فيروز وتحدثت.
"قولتل لك مش قصدي ياجاسر.
عشان محتاجها يعني كل شوية هتتشرط."
نظر من نافذة سيارته وتحدث بهدوء رغم حزنه.
"تمام."
"هكلمها."
"خلي بالك من نفسك."
أغلق معها وقام بالاتصال بجنى التي دلفت حي الألفي بعدما ودعت يعقوب.
"فيروز: خلاص ياماما مش جاية، البرنسس جنى جاية لعندي ولازم نتكلم أنا وهي على المكشوف، مش هستناها لم تختطف جوزي."
نهضت والدتها تغمز للذي يجلس أمامها.
"قولتي جنى.
أوكي يافيروز، عايزاكي تغسليها وتعرفيها مقامها، متبقيش هبلة وتخلي حتة عيلة زي دي تخطف جوزك، عرفيها حدوده."
تلاعبت بخصلاتها قائلة.
"دي عندي ياماما وحياتك لأخليها تطلع من هنا تكره الرجالة كلها مش جاسر."
بصقت والدتها شفتيها ثم أردفت.
"آهو أنتِ كده بنت سحر، وبتتعلمي بسرعة حبيبتي، ومش عايزةك تضعفي قدام حضرة الظابط يابنت ناجي.
خليه هو اللي يجري وراكي، وإياكي يافيروز ترخصي نفسك، الكل لازم يعرف نفسه، متخليهمش يبصولك على إنك أقل منهم.
ونظرة الكبرياء اللي عندهم دي ينسوها."
خطت عدة خطوات واستمعت لهاتفها.
أخرجته فنظرت لأسمه الذي يضيء بصورته على شاشة هاتفها.
سحبت نفساً ولملمت شتات نفسها ثم وضعت الهاتف لتسمع لصوته الحنون.
"عاملة إيه يا جنجون."
"كويسة.. إنت عامل إيه وفيروز عاملة إيه من يومين متقابلناش."
شعر بنيران مستعرة بداخل صدره ولا يعلم لماذا.
فأجابها.
"شغلي يا جنى هعمل إيه."
"ربنا يوفقك يا جاسر."
هذا ما قالته وهي تتحرك متجهة لمنزل حازم.
حمحم جاسر وأردف.
"كنتِ برة مع خطيبك."
توقفت تنظر حولها فقطبت مابين حاجبيها واردفت متسائلة.
"أيوة عرفت إزاي."
مسح على خصلاته يرجعها للخلف واجابها.
"مش مهم.. المهم طالب منك حاجة.
هو رجاء.
أنا قدامي خمس ساعات لحد ما أرجع وأنتِ عارفة فيروز حامل في شهورها الأولى وخايف عليها ليحصل لها حاجة ممكن تروحي تقعدي معاها لحد ما أرجع.
آسف مش قدامي غيرك بعد سفر الكل للإسكندرية وطبعاً مش كويسة أطلب من عمتو مليكة."
تذكر شيئاً ثم تحدث متسائلاً.
"وانتِ هتباتي عند عمتو مليكة؟"
هزت رأسها بالموافقة واردفت.
"أيوة مينفعش أبات لوحدي وخصوصاً بعد سفر عز وربى."
"جواد عندك؟"
تسائل بها جاسر.
"معرفش."
ثم تراجعت وتحدثت.
"أنا خارجة من حي الألفي أهو خلي مراتك تعرف البواب أنا برة."
صمتت للحظات.
"جاسر أنا رايحة لفيروز عشانك، بس لو مراتك اتكلمت أنا مش هسكت لها."
"بحبك على فكرة يا جنجون."
توقفت ودقات قلبها أصبحت كآلة موسيقية، وجسدها يرتجف، لقد اخترقت كلمته نياط قلبها فهمست.
"أنا وصلت."
أجابها على الجانب الآخر.
"وأنا أوعدك هوصل قريب."
أغمضت عينيها تحاول السيطرة على نفسها.
قاطع شرودها.
"شوفي البوابة مفتوحة ولا مقفولة."
أردفت بتقطع وهي تنظر للبوابة المفتوحة فتحدثت إليه.
"لأ البوابة مفتوحة والبواب شكله بيجيب حاجة."
"طيب روحي وأنا معاكي على التليفون."
قالها جاسر وهو مازال بالسيارة وابتسامة حالمة على وجهه، متخيل حالتها من حديثه.
وجنتيها التي تشبه حبة الفراولة.
تحركت إلى أن وصلت لباب المنزل ووجدته مفتوحاً.
ظلت تنادي على فيروز ولكنها غير موجودة.
"جاسر فيروز مش هنا."
رأت خيال لأحدهما بالخارج فتحدثت.
"استنى شايفة حد برة.. يمكن فيروز هشوفها كده."
ما إن خطت خطوة حتى استمعت لصوت أحدهما.
"البنت أهي هاتوها."
تسمرت بوقفتها عندما وجدت الكثير من الرجال الذين يظهر عليهم الإجرام.
فصرخت تحادثه.
"الحقني يا جاسر.. فيه ناس غريبة في بيتك."
هزة عنيفة شقت صدره.
فتسمر للحظات يحاول استيعاب ما قالته.
فصاح بعد برهبة.
"جنى شوفي فيروز فين وامشي من عندك بسرعة."
بكت عندما وجدت احدهما يتقدم منها.
فهرولت للأعلى وهو خلفها وهي تحادثه.
"مش هعرف أملي الجنينة."
"الحقني يا جاسر."
صاح بها بجسد مرتعش وهو يقود سيارته بسرعة جنونية.
"جنى حبيبتي اطلعي على أوضتي بسرعة واقفلي على نفسك بالمفتاح وأنا هتصرف لو معرفتش أوصلك بسرعة.
يلا حبيبي."
هوت على الدرج وهي تسرع وتبكي واحدهما خلفها يصيح بها.
"هتروحي فين ياروح أمك."
استمع جاسر لذاك الرجل وكأن احدهما وضع سيخاً حديداً بصدره تسارع بأقصى سرعته وهو يكاد يتصادم بكثير من الحوادث.
"جنى سمعاني ياقلبي، اقفلي على نفسك كويس، دقايق وهكون عندك ياقلبي."
"جاسر الحقني، دول شكلهم مجرمين."
قالتها ببكاء.
"جايلك ياقلبي متخافيش.
شوية وهتلاقيني، اتصرفي يا جنجون."
هرولت ودلفت لغرفته وأغلقت بالمفتاح عليها وجسدها يرتعش.
استمعت لصياحه.
"جنى حبيبي معايا.
أنا في الطريق.
اهدي وحاولي تتخبي كويس.. ادخلي أوضة الملابس اتصرفي."
كأنها لم تستمع له.
امسكت هاتفها بيد مرتعشة اغلقت معه متجه الاتصال بعز.
كان عز يجلس بجوار جواد وهم ينظرون لطفلة أوس ويضحكون ولكن قاطع حديثهما اتصال جنى.
"أيوة يا جنجون."
هنا هب واقفاً وكأن روحه خرجت من جسده.
طالع جواد حالته.
"في إيه ياعز."
هرول للخارج وهو يصيح حتى توقف الجميع عن الاحتفال.
"جنى ياعمو فيه حد بيجري وراها عند جاسر."
عاد بيجاد مساء من عمله.
قابله العاملة فأردف متسائلاً.
"أين المدام؟"
أشارت بيديها على غرفة المعيشة وتحدثت باللهجة الفلبينية.
"إنها تبدو مستاءة من سفيان سيدي."
توجه سريعاً إليها.
انتفض قلبه وصرخ بعيونه المذهلة وغضب عارم.
"ينفع كده.
هتفضلي كده لحد إمتى؟"
رفعت بصرها تنظر إليه بإرهاق وحاولت الحديث ولكن قواتها متلاشية.
أمال بجسده وتلقى منها طفله يضمه بحنان أبوي وقبله.
ثم صاح على مربيته.
"الولد ده لو خرج من أوضته هعاقبك إنتِ سمعتي ولا لأ."
قالها بصوتاً صاخب.
نهضت غنى تنظر إليه بذهولاً وقلباً مفطور.
"بيجاد إيه اللي بتقوله ده."
لم يعرها اهتماماً واحتدت نظراته للمربية التي تحركت بالطفل خوفاً من بطشه.
التفت إليها بحنق ينظر لحالتها التي أدمت قلبه.
ثم انحنى يحملها دون حديث.
وضعت رأسها بصدره وتعالى بكاؤها.
زفر بضيق ثم تحدث بهدوء.
"مينفعش كده يا غنى.. كده هتموتي نفسك حبيبي."
تحدثت بصوتاً متحشرج بالبكاء.
"أنا أم فاشلة.. مش عارفة أربي الولد يابيجاد."
وصل لغرفتهما ثم وضعها بحنان على الأريكة متجهاً للمرحاض.
ورجع خلال لحظات وقام بحملها.
"إنتِ أحن أم.. إن لبدنك عليك حق.
خدي شاور ونامي ووعد مني مش هفارقه ياستي.
هحروح أضرب لك ابن الكل.. باللي غلب غنى بيجاد، وبعدين الولد بيطلع ضروس ياحبي، فعادي يكون مقريف كده."
كمته بضعف بصدره وتحدثت بصوتاً مرهق.
"ماتشتمش ابني لو سمحت ولا تشتم باباه بقولك أهو."
رفع حاجبه بعدما تخلص من ملابسها كلياً ثم تحدث متهكماً.
"شوف إزاي... وأنا اللي كنت مفكر إنه ابن..."
وضعت كفيها على شفتيه.
عند جاسر وجنى.
صعد سريعاً وقلبه ينبض بعنف خوفاً عليها.
هل شعر أحدكم بنحر عنقه بخنجر بارد؟
وقف مشدوهاً ملجم اللسان.
تسمر بذهول وشعر كأنه طائر بترت أجنحته، فتسارعت نبضاته.
همس اسمها بارتعاش عندما وجد حالتها المزرية، شحب وجهه كمن سلب روحه لبارئها.
تحرك بجسد مرتجف، وروحه تأن بأننين وتر مقطوع.
هوى بجسده أمامها يهز رأسه بعنف وعيناه أصبحت كزخات المطر، يود لو يدمر الكون وما به.
جذبها يضمها بين ذراعيه، يود لو يخفيها بين ضلوعه، ضمها بقوة يسحقها.
"حبيبتي إيه اللي حصل، مين عمل فيكي كده."
ولكن لا يوجد رد، فكأنها جسد بلا روح.
أخرجها يحتضن وجهها بكفين مرتعشين ينظر إليها ملجم اللسان.
أخيراً همست باسمه.
"جاسر خبيني منهم حبيبي، خبيني."
قالتها وهوت بين ذراعيه تتمنى أن لا تفيق أبداً.
صرخ باسمها صرخة بكل ما لديه قوة، ولكن ماذا سيفيد صراخه، بعدما شعر ببرودة تجتاح جسدها.
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الخامس 5 - بقلم سيلا وليد
كنت أظن أني أتمكن من العودة إلى حياتي مرة أخرى ولكني نسيت كيفية الحياة بطريقة طبيعية دون الحزن.
وكنت أعتقد أنه يمكنني كتابة كلمات عن الفرح والسعادة ولكن عندما فعلتها أدركت أن شيئًا داخل قلبي انكسر.
بعد حفل الخطوبة بأسبوعين.
تجلس تضع ساقًا فوق الأخرى.
بقولك يا أمجد عندي واحدة قارفة بنتي، ومهددة حياتها، والصراحة عايزة فيروز تفضل في بيت الألفي.
اعتدل يستمع إليها باهتمام.
إنتِ قصدك فيروز متجوزة في بيت الألفي، ال هو جواد الألفي أبو جاسر الألفي.
نفثت تبغها، ثم رفعت حاجبها بسخرية قائلة:
إيه يا أمجد مالك متفاجئ كدا.
دنى بجسده يستند على الطاولة.
هي إزاي فيروز اتجوزت من ابن الألفي.
ارتفعت ضحكات سحر وهي تتلاعب بخصلاتها.
مش هخبي عليك، كنت رافضة الجوازة دي، بس لما قعدت مع نفسي وخططت كويس أنا وناجي، قلنالازم نضرب عصفورين بحجر واحد.
نفثت تبغها مرة أخرى وحاوطته بنظراتها قائلة:
طبعًا تعبتنا جدًا، لحد ما وصلت معاها لحل واحدة بنت حلال قالت لي عليه.
قطب جبينه متسائلاً:
مش فاهم.
ابتسمت بتهكم قائلة:
مش ضروري تفهم.
بتر حديثهم الجالس بصمت.
أنا الظابط دا مضايق منه وعايز انتقم، وبقالي فترة بجيب قراره، كنت هخطف مراته، بس عرفت أنها بنتك عشان كدا جيت لك.
التفت أمجد إليه متسائلاً:
انت قصدك على جاسر هو ال عمل قضية لخطيبتك.
جز على أسنانه ونيران شيطانية تخرج من مقلتيه قائلاً:
لازم أضربه ضربة أخليه بعد كدا يفكر مليون مرة قبل ما يعمل حاجة يضايق أسياده.
قوس أمجد فمه ناظرًا بخبث لصديقه الذي يدعى هاني المغربي.
جات لي على طبق من دهب ياهنوش، نفكر ونخطط.
هقولكم على يكسروا، بس أنا مش عايزة دم.
ابتسمت وأردفت:
بس ممكن نتمتع شوية.
قالتها بغمزة لأمجد.
ضرب أمجد كفيه ببعضهما.
حلوووو ياسحور، نتمتع منتمتعش ليه، بس يارب الحلوة تكون حلوة.
تراجعت بجسدها توزع نظراتها بينهما ثم أردفت:
بنت عمه، اسمها جنى صهيب، البنت مهندسة في شركة يعقوب المنسي، لسه مخطوبة من أسبوعين.
قطع حديثها هاني.
بتقولي مخطوبة وبنت عمه، ودي هتفيدنا بأيه، أنا عايز أخته، حد يكون قريب منه.
ضحكت ضحكة رقيقة وأجابته:
لأ دي ال هتكسره، أخته متجوزة ياغبي، وجوزها ابن عمها، أما دي بنت فاهمني يعني توجع.
حك ذقنه بتفكير، ثم تساءل:
البت حلوة.
تهكمت مردفة:
هي من جهة الحلاوة فهي حلوة، وكمان البت بريئة زي مابتقولوا كدا بيضة مقشرة، دي ال توجعهم كلهم، وفيه بنت عمته، بس البنت دي لازم أبعدها عن فيروز، شوف البنت صورتها اهي، أنا كنت هشوف حد يخلص الليلة، بس بدل عندكم طار مع الظابط يبقى خلوها بيتا.
مط هاني شفتيه وتحدث:
إيه رأيك يا أمجد نتسلى بالحلاوة دي. البنت صاروخ أرض جو الصراحة.
رفع نظره يهز رأسه غامزًا.
هو الظابط إيه حكايته معاها الأول، يعني فيه بينهم كيميا عشان نعرف نوجب صح.
نفثت سيجارها وتحدثت بغل:
الحقير طلع بيحبها، بعد ما اتجوز بنتي ال مكنش يطول ضفرها أصلًا.
لأ أهدي كدا وفهمينا الحوار كله عشان نعرف هنعمل إيه.
عند جاسر وفيروز.
توقفت خلفه وهو يرتدي ثيابه.
هتفضل مقموص كدا، معرفش اتغيرت ليه كدا ياجاسر.
استدار يرمقها بغضب.
أنا ال اتغيرت، أنتِ مش شايفة نفسك ياهانم بقيتي إزاي.
اقترب منها وأمسكها من ذراعها بقوة.
أنا معرفش أنتِ مين أصلًا، فين البنت البريئة ال اتجوزتها.
أشار عليها باحتقار.
مين دي، روحي شوفي نفسك وتعالي اتكلمي.
صمت لبرهة متذكرًا شيئًا.
اشتريتي فستان مقرف لحفل الخطوبة وحذرتك من لبسه، وبرضو نزلتي بيه، كنت مش عارف أبص في وش إخواتي وأهلي من قرفك.
نظر لمقلتيها متسائلاً:
أنا ليه معنتش بشوفك بتصلي، إيه عندك عذر.
نظر إلى بطنها وتحدث متهكمًا:
ولا يمكن الحمل كاذب.
انسابت دموعها على وجنتيها تهز رأسها رافضة حديثه.
انت بتهيني ياجاسر.
أطاح بيديه كل مايوجد أمامه وصرخ:
أهينك! أنتِ بتهيني دينك ياهانم، إزاي تبيني جسمك قدام الكل بطريقتك القذرة دي، والله اتكسفت منك، كنت خايف يقولوا عليكي رقاصة.
أنا مسمحلكش.
قالتها بغضب.
كور قبضته واستدار يكمل ارتداء ثيابه محاولًا السيطرة على نفسه حتى لا يصفعها.
احمدي ربنا إننا عند بابا، لولا كدا صدقيني مكنتش رحمتك.
قالها وتحرك للخارج.
أسرعت خلفه.
جاسر أنا بكلمك ياريت توقف وترد عليا.
تحرك ولم يعرها اهتمامًا وصل حيث الجميع.
صباح الخير.
ابتسمت غزل تربت على ظهره.
صباح النور يا حبيبي، رجعت امتى محستش بيك.
جلس ونظراته على والده الذي يقرأ الجريدة ولم يرد عليه تحية الصباح، ثم رفع نظره إلى والدته.
جيت من كام ساعة يا حبيبتي، انتي عاملة إيه، وفين الباقي.
جلست بجواره تضع له الطعام.
أوس سافر مع مراته إسكندرية بعد خطوبة جنى بيوم، وياسين في الكلية، ومفيش غيرنا أنا وبابا.
ارتشف من قهوته وتساءل:
غنى وبيجاد سافروا.
أومأت برأسها.
أيوة بيجاد قال هيجيبها آخر الأسبوع عنده سفرية، وكمان.
صمتت تنظر إلى جواد.
هتيجي تسلمي على ربي وجنى وعز قبل السفر.
ضيق عينيه متسائلاً:
سفر فيه، ليه هما رايحين فين.
ألقى جواد الجريدة.
غزل فين القهوة.
أشارت بعينيها عندما وجدت تعصبه من سؤال جاسر.
قدامك يا جواد وبعدين انت وابنك قهوة. من غير فطار.
ماما مقولتيش جنى مسافرة فين.
اقترب جواد برأسه ينظر لمقلتيه قائلاً بنبرة حادة:
أمك بتقول عز وربي وجنى، ماقلتش جنى بس ياحضرة الظابط، خلي بالك من كلامك.
نهض ثم ألقى محرمته وتحرك للخارج.
أوقفنه فيروز.
جاسر، قولت هنمشي النهاردة، إيه ناوي تقعد هنا تاني، أنا اتخنقت.
استدار إليها فهو لا يتحمل الآن أي ضغط.
مش ماشيين.
وريني آخرك.
صرخت بوجهه.
يبقى انت مجنون.
صفعة قوية على وجهها.
توقف جواد يصرخ به موبخًا إياه.
ولد اتجننت بتضرب مراتك قدامنا.
لم ينظر لوالده وأشار بسبابته محذرًا.
أنا حاولت أكون عاقل معاكي، بس انتي متستهليش، هوريكي المجنون دا هيعمل فيكي إيه.
استدار ليتحرك.
أوقفه جواد غاضبًا.
هتنقل أنت ومراتك النهاردة، وإياك أسمع صوتك، وزي ما هي قالت حياتها ولازم تبنيها ومش هتكلم على تهورك تاني ياجاسر.
وأنا فين حياتي ياحضرة اللوا، أنا فين من دا كله، ليه كل واحد بيشد فيا من ناحية، أموت عشان ترتاح.
وليس على الإنسان أن يقتل عواطفه بداخله، فهناك قدرة. لكل شخص سينفجر بها إذا زادت عن حدها.
اقترب من والده.
لو بتحبني ادعيلي أموت عشان أريحك من ابنك المتهور.
شهقت غزل تضع كفيها على فمها، وأسرعت إليه.
بعد الشر عليك ياحبيبي.
دلف صهيب بجوار عز على حديث جاسر، ينظر إليه بذهول.
مالك يابني على الصبح.
ارتدى نظارته ونظر لزوجته بقلة حيلة وأجاب عمه.
مفيش ياعمو، بعد إذنك.
تحرك للخارج، وهو لا يكاد يرى أمامه.
تحرك كالمخمور، يتخبط بسيره، بخطوات مبعثرة مثل خفقاته يشعر بأنه انسلخ عن الجميع ليحيا الألم ويشق صدره حتى يصل لقلبه ويدميه دون صوت.
صباح الخير يا جاسر، إيه معدي مش هاين عليك تصبح على عمتك.
قالتها مليكة بتصنع الحزن.
اتجه إليها انحنى يطبع قبلة على جبينها.
صباح الفل يا عمتو، آسف مشفتكيش.
ربتت على كتفه مبتسمة.
عارفة ياحبيبي، مال الجميل ماشي في وشه مش شايف حد قدامه.
رسم ابتسامة وتحدث.
لسه صاحي من النوم، وقايم معكنن والله ياعمتو، كان مالي ومال الشرطة.
ضيق عينيه متسائلاً:
جواد فين مش باين.
أخرجت زفرة محملة بالوجع ثم أجابته:
سافر العريش، فرح واحد صاحبه.
أومأ برأسه متفهماً.
قصدك هرب من الخطوبة.
ابتعدت بأنظارها بعيدًا متنهدة ثم أردفت:
يمكن يابني، احنا هنسافر تركيا آخر الأسبوع لعمك، كنت مستنية تقى تخلص الجامعة.
ربت على كتفها.
حبيبتي ياعمتو والله معرفش فيه إيه الكل بقى عايز يسافر، أنا شايف السفر ملوش داعي، زعلت من جواد لما قدم استقالته من الشرطة، أنا عارف ومتأكد أن الشرطة حياته.
ابتسمت بهدوء.
كدا أحسن ياحبيبي، وبعدين حازم الشغل كتر عليه، لازم جواد يساند باباه شوية، انت شايف سفره بين القاهرة وتركيا بقى مرهق، وخصوصًا بعد عز ماشارك يعقوب خطيب جنى.
سامعة حد بيجيب سيرتي.
استدارت لتلك الملاك المتجهة إليهم.
حبيبة عمتو النشيطة.
اقتربت تطبع قبلة على وجنتيها.
صباح الفل ياحبيبة قلبي.
رفعت نظرها لذاك الذي يطالعها بهدوء.
صباح الخير ياحضرة الظابط.
صباح النور.
قالها بهدوء.
ضيقت عينيها.
لابس نضارة ليه مش عايز حد يشوف عيونك ولا إيه.
قالتها بابتسامة.
ضمتها مليكة وهي تشير إليه.
بقول كدا برضو ياجنجون، تلاقي فيروز محرجة عليه محدش يشوف عيونه.
هزت جنى رأسها.
لأ ياعمتو، ممكن خايف يتحسد، ماهو الرمادي حلو برضو.
رفع حاجبه بسخرية.
لأ والله دا إيه الاستنتاجات الحلوة دي. اتغر أنا بقى.
استمعت إلى رنين هاتفها.
خطيبي برة يا جماعة بعد إذنكم.
تحركت متجهة للخارج.
استأذن من عمته وتحرك خلفها.
جنى.
صاح بها.
استدارت تنظر لتحركه من بعيدًا بقلب مفطور، تراه أجمل من نجوم هليود، تكورت دمعة غادرة بعينيها كلما تذكرت أن هذا الشخص ماهو سوى روحها، كيف لها أن تتعامل معه وكأنه لا يوجد. كيف ستصمد أمام نزيف قلبها المجروح.
اقترب منها.
مكملناش كلامنا امبارح عز جه ومكملناش.
ضيقت عينيها متسائلة:
كلام إيه مش فاكرة.
دنى منها يغرز رماديته ببنيتها.
ليه وافقتي على يعقوب بالسرعة دي، مع أنه مش زينا، مجرد أربع شهور خلاص يتحب.
ابتسمت بسخرية القدر قائلة:
جسورة هو انت متقلب ياحبيبي، انت من أسبوعين باركتلي.
صمتت تضيق عينيها قائلة:
لأ انت مش باركتلي صح، نسيت ياجسورة.
رمقها بغيظٍ، ثم أردف:
زي ما انتِ مش باركتلي على حمل فيروز.
ابتعدت بأنظارها تنظر إلى يعقوب الذي خرج مستندًا على سيارته بإنتظارها.
ممكن يكون نسيت، وبعدين أنا وقتها تعبت ومحستش ونسيت بعدها.
أومأ برأسه ومازالت نظراته عليها.
يارب المرة دي تكوني صادقة ياجنى، ومالاقيش بعد خطوبتك حاجة تصدمني فيكي.
دنى وانحنى ينظر لعيناها مباشرة.
بربط حاجات ببعضها بتوجع قلبي يابنت عمي.
تراجعت خطوة للخلف بعدما ضربت أنفاسه وجهها، ناهيك عن رائحته التي تخدرها فتحدثت بتقطع.
جاسر معرفش بتتكلم عن إيه، المهم عايزة أقولك حاجة مهمة.
اعتدل بوقوفه ينظر إلى يعقوب.
شوفي خطيبك وبعدين نتكلم، أصلي مش ضامن نفسي قدامه الصراحة.
سألته مقلوبة عينيها بعدم فهم.
معرفش حصلك إيه، بقيت لغز.
فتح باب سيارته وأشار عليه.
روحي ياجنى، فضلي تكة وهطلع أضربه.
ضحكت بصوت ناعم، تضع كفيها على فمها.
مجنون وحياة ربنا، مقدرش يعدي يوم غير لما أسمع أفشاتك دي. حرمتني منها يابن عمي.
أغلق باب السيارة بقوة واتجه إليها يمسكها من ذراعها بغضب.
بت متجننيش، شايفة دي أفشات، دي غيرة ياهبلة، امشي من قدامي، مش بقولك باقيلي تكة وهنفجر.
قالها وهو يرمق يعقوب الذي نظراته عليهما.
براحة ياجسورة، ممكن ضغطك يعلى حبيبي كفاية مراتك لوحدها مصيبة.
انحنى بجسده حتى أصبح بمقابل وجهها.
شامم ريحة تريقة ياجنونة.
وضعت كفيها على فمها وابتسمت.
ياريت تريقة.
ثم رفعت كفيها على قميصه كأنها تزيل أتربته.
مراتك الهبلة بتغير عليك مني، بتقولي ابعدي عن جوزي، ومتلفيش عليه.
رغم قالتها بابتسامة إلا أن دموعها تكورت بعينيها، فرفعت بصرها وتقابلت بعينيه.
ياريت تفهمها أننا إخوات، وأنا زي ربي وغنى، مكنتش عايزة أشكي لك، بس بعد خطوبتي وكلامها ليا امبارح بالليل ضيقني جدًا، أنا واحدة مخطوبة ومش عايزة كلام يسئ لسمعتي، مش كدا ولا إيه يابن عمي.
جذب رأسها وطبع قبلة على رأسها.
حقك عليا، أنا آسف، ومتضيقيش منها هي الحمل مؤثر عليها شوية، حاضر هتكلم معاها، ومتزعليش إحنا هننقل أصلًا وهنمشي.
ححظت عيناها وارتجفت شفتيها متسائلة:
هتسيبوا حي الألفي.
كانت نظراته عليها من تحت نظارته.
ما أنا عرفت إنكم مسافرين برضو، مش هتكلم في الموضوع دا دلوقتي ياجنى، انتي قولتي سبني أدور على السعادة، فأنا هسيبك يابنت عمي.
صمت للحظات ثم أكمل.
بس يارب تلاقي السعادة ياجنى، أصل في غيرك أهبل حاول وضاع، لا لقي سعادة ولا حتى سمع عنها، كله مسكنات يابنت عمي، وأنتِ عارفة المسكن بيكون مجرد مهدئ لساعات ويرجع الألم يزيد. ياله روحي لخطيبك شكله زهق وهيسيبك ويمشي، وأنا الصراحة أتمنى.
قالها وهو يغمز لها عندما فتح باب سيارته متحركًا بسرعة جنونية للخارج.
توقفت تنظر لأثره، بقلبًا مفطور، ثم اتجهت إلى يعقوب.
صباح الخير.
ابتسم بتلقائية.
هل يعقل إنكِ تتركي زوجك المستقبلي وتتحدثين مع ملهمك جميلتي.
ابتسمت إليه وتراجعت بجسدها للمقعد.
عرفت أنه هينقل النهاردة من بابا، كان لازم أتكلم معاه.
اتجهت بنظرها إليه.
جاسر كويس جدًا، كان نفسي تتعرف عليه، بس معرفش كل اجتماعاتنا هو مبيكنش موجود.
لأنه عاشق سيدتي، والعاشق مجنون بالغيرة.
ابتسمت بسخرية وأجابته:
عذرًا سيدي، أنه عاشق لزوجته وليس لي، ألم أقل لك أنه سيتركنا من أجلها.
أومأ برأسه وتحرك ثم تحدث:
لكنني مازلت غير مقتنع جميلتي، فهناك شك لدي، ألم ترينه بالأمس، فهو كالطائر الذبيح.
يعقوب اصمت فالحديث الآن لن يجدي.
إيه سوف نذهب لتلك المشفى لتقابل تلك الجميلة.
ابتسامة شقت ثغره فأومأ برأسه قائلاً:
لم أصدق جنى، حتى أراها أمامي وأتأكد من وجودها.
هي يعقوب لا تقلق، فأنا متأكدة.
نعم لم أراها منذ زمن ولكني على يقين من أنها هي.
أتذكر بحديث عمي عندما توفي والدها، كانت جميلة حقًا، جلست معنا لبعض الوقت، ولكن القانون لن يتثنى بوجودها عندنا.
أومأ متفهماً، ثم استدار.
بماذا كنتم تتحدثون.
ابتسمت عندما تذكرت حديثها، لمعت عيناها بالسعادة.
إنه مجنون صديقي.
صمتت ثم اتجهت بنظرها إليها.
إنني خائفة من ردة فعل والدي، هل تظن أنه سيحزن عندما يعلم أنني فعلت ذاك حتى أظل بجواره.
تنهد بحزن ونظر أمامه.
لا أعلم كيف يفكر عمك، ولكنني على يقين أن هناك أمر عند جاسر، ولابد أنكِ تعلميه.
وضعت رأسها على زجاج السيارة وذهبت بشرودها لذاك اليوم بعد عملها بشركة يعقوب لمدة ثلاث شهور، رجعت من عملها مرهقة، اتجهت إلى منزلها وانعمت بحمام دافئ، حتى تزيل إرهاق اليوم، دلفت ربي إليها.
إيه يابنتي مش هتنزلي النهاردة عيد ميلاد فيروز، ودا أول عيد ميلاد ليها هنا في البيت.
جذبت الغطاء وتحدثت بإرهاق.
مش قادرة راجعة مرهقة جدًا.
جذبت الغطاء.
لأ لازم تقومي، دا غنى قالت لازم تحضري مخصوص، حتى جابتلك فستان إنما إيه يابت ياجنجون، رووعة رووعة ياروحي، أنا وانتي وغنى هنلبس زي بعض، قومي متبقيش غلسة.
مسحت على وجهها.
والله ما قادرة ياروبي.
استمعت إلى صوت عز بالخارج ينادي إلى ربي.
خرجت روبي.
أنا هنا ياحبيبي.
وصل إليهما، دلف يوزع نظراته عليهما.
مالكم في إيه.
جذبته ربى تحاوط عنقه.
قول لجنى تيجي عيد ميلاد فيروز، هتبقى وحشة لو مرحتش.
صمت عز يطالع أخته بهدوء.
سبيها على راحتها ياروبي، بلاش تروح، وبعدين انت شايفة أنها تعبانة.
تركته متحركة إلى جنى.
والله ابدًا لازم تقوم، قومي يابت يلا.
صاح عز بغضب.
هو إنتِ مبتفهميش ياربى، قولتلك سببها براحتها.
تصنمت ربى بوقفتها تنظر إليه بذهول.
بتقولي أنا الكلام دا ياعز، على العموم أنا آسفة.
قالتها وتحركت.
ولكن توقفت عندما استمعت لحديث جنى.
فين الفستان يابت، بتضحكي عليا.
قالتها وهي تنظر إلى أخيها بمعاتبة.
تحركت تعانق ذراع ربى.
هتلبسيني وتمكيجيني، وتوصلني هناك، عجبك ولا لأ.
ابتسمت ربى من بين حزنها من زوجها تضمها.
ولو عايزة أشيلك كمان ياجنجون هشيلك.
قالتها وهي ترمق عز بنظرات حزينة.
كور قبضته، وأنب نفسه على ما قاله، ولكن ماذا يفعل الندم.
بعد قليل دلفت بجوار ربى وهي ترفع فستانها.
دا فيروز عاملة حفلة كبيرة، أنا مفكرة على قدنا بس.
ابتسمت بسخرية وأردفت:
لأ ياختي عاملة حفلة كبيرة، وعازمة صحابتها، معرفش عرفتهم فين، كويس أنها مش عند بابا كان زمانه ولع في البيت.
دلفوا إلى شقة جاسر، قابلتهم فيروز.
ميرسي يابنات إنكم جيتوا، الكل جوا، اتفضلوا.
تحركت جنى إليها ثم أخرجت هديتها.
كل سنة وانتي طيبة العمر كله يافيروز.
أمسكت الهدية وقامت بفتحها.
ميرسي ياجنى، بس عندي من الحاجات دي كتيرة، جاسر دايمًا يجب لي الحاجات دي.
لم تعلق على حديثها، قدمت ربى هديتها.
اتفضلي يافيروزة، يارب تعجبك مش تتريقي عليها زي بتاعة جنى.
وصل جاسر إليهما بابتسامته.
أنا بقول المكان منور ليه، اتاري روبي وجنجون هنا.
استدارت جنى.
عامل إيه يابني فينك محدش بيشوفك.
سحبها من كفيها.
مشاغل والله يابنت عمي، بس إيه الحلاوة دي، دا شكل الحفلة على شرفك.
ثم اتجه بنظره إلى ربي.
لأ قلبي كدا، قمرات الألفي.
جذب أخته لأحضانه.
إيه الجمال دا ياروبي، لأ عز إزاي خرجكم إنتوا الاتنين كدا.
أمسكته ربى من وجنتيه.
حبيبي ياجسورة، لأ ولسة غنون جاية مع بيجاد هنشوف القمر بحق وحقيقي.
حاوطها وتحرك للداخل خلف جنى التي دلفت بجوار تقى.
جلس الجميع وبدأت الحفل كالمعتاد بالأغاني والمشاركات.
خرجت غنى وجنى الشرفة ينظرن لجمال النيل.
المنظر هنا حلو أوي.
وافقتها جنى الرأي.
تعرفي نفسي في بيت في غابة، يحاوطه أشجار وبعيد بشوية يكون فيه بحر.
ضيقت غنى عينيها.
غابة ياجنى، إيه يابت عيشة الحيوانات المفترسة دي.
أطلقت ضحكة ناعمة وضعت كفيها على فمها عندما ارتفعت ضحكاتها.
إيه التشبيه دا يابنتي، طب تعرفي بجد نفسي في كدا.
قاطعهم دخول فيروز.
واقفين هنا ليه، ماتدخلوا جوا.
أشارت جنى للنيل وأردفت.
المنظر هنا حلو، غير الهدوء معبر جدًا عن شخصيتي.
رفعت حاجبها بسخرية مردفة.
لأ والله، يعني إحنا مش كويسين بنحب الدوشة، وبعدين لو تعبانة مكنتيش تيجي.
قاطعهم وصول جاسر.
جنجون عصيرك ياقلبي، عارفك بتحبي الميكس، وغنونة قلبي مش ناسيك.
كانت غنى تنظر إلى فيروز بنظرات مستاءة.
ميرسي ياجاسر، أنا ماشية.
رفعت نظرها إلى فيروز.
كل سنة وانتي طيبة.
أمسكت غنى كفيها.
استني أنا كمان ماشية.
ضيق جاسر عينيه.
فيه إيه مالكم.
أتت غنى للحديث، قاطعهم صوت فيروز.
أصل جنى مش مرتاحة ياحبيبي، شايف الكل هنا ثنائي وهي لوحدها.
توسعت أعين غنى تنظر إليها بذهول.
تصدقي بالله لولا زعل أخويا مكنتش دخلت بيتك، أنا جيت عشانه مش عشانك، بجد انتي إنسانة مستفزة.
قالتها وهي تنادي على بيجاد الذي يجلس بجوار ياسين.
فيه إيه ياغنى.
أشارت بغضب.
فيه أن بنت عمك اتهانت من مراتك في بيتك ياحضرة الضابط، وعلى فكرة يامدام فيروز، هي مكنتش جاية إحنا لتحيلنا عليها، عشان منسبكيش لوحدك، بس طلعتي متستهليش.
رفع نظره على جنى التي ابتعدت بنظرها عنه، ثم تركت كف غنى.
غنى أنا ماشية بعد إذنكم.
تحركت سريعا للخارج وانسابت عبراتها على وجنتيها، وجدت المصعد مشغول اتجهت للأسفل عبر الدرج، ودموعها تفرش طريقها حتى اختفت الرؤية من أمامها.
لحظة صمت لشخص يجذبها لأحضانه.
آسف معرفش أقول ولا أعمل إيه عشان متزعليش.
رجعت للخلف وهزت رأسها.
لأ مفيش أسف، أنا ال آسفة ممكن يكون قولت حاجة تزعلها.
أزال دموعها بإبهامه.
جنى آسف، متزعليش من فيروز هرمونات الحمل، متزعليش منها حبيبتي.
ابتسمت بسخرية وهزت رأسها.
مش زعلانة يابن عمي.
أيوة عيطي يا أستاذة جنى وفهميه أني وحشة، ماهو جاسر صدرك الحنين.
جز على أسنانه وأشار إليها.
امشي من قدامي بدل ما ورقة طلاقك توصلك حالًا.
نزلت درجة تعقد ذراعها وتنظر إلى جنى.
تقدري تقولي ليه الأستاذة رفضت العريس ال كان متقدم لها من كام يوم، مع أنه كويس دا حتى ابن ظابط في الجيش، ولا إيه يا أستاذة جنى، ولا أنتِ بتحبي العرسان الكتير حواليكي.
ضغط على ذراعها بغضب.
امشي من قدامي متخلينيش أفقد أعصابي.
أزالت جنى عبراتها ورسمت ابتسامة.
مش يمكن بحب واحد ومستنية يجي يخطبني يا أستاذة فيروز مع أن ميخصكيش.
انحنت بجسدها تنظر لجاسر.
أيوة بقى هو مين دا ال بتحبيه، قولي للي بتقولي عليه أخوكي، ولا يمكن شيفاه حاجة تانية.
صفعة قوية حتى ترنح جسدها، نظرت إليه بذهول.
بتضربني عشان كاشفة الأستاذة ال عاملة بريئة.
بتر حديثهم هاتف جنى، نظرت للمتصل وكأنه طوق نجاة، ثم رفعت نظرها إلى فيروز.
مش هرد عليكي يافيروز، كفاية ال جوزك عمله، وعشان أريحك الشخص ال بقولك عليه جاي عشان يوصلني. فيه اتهامات تانية يامدام.
ثم أجابت على هاتفها.
أيوه يايعقوب اتأخرت، أنا تحت هستناك.
قالتها وهرولت للأسفل تهرب من قلبها اللعين.
بينما الآخر الذي تصنم بوقفته ينظر بذهول لتحركها وكلماتها التي أطلقتها كرمح مشتعل أصاب صدره.
اتجه ينظر لزوجته وتحدث مزمجرًا.
من اللحظة دي انسي إنك مراتي، كدا وصلنا لآخر حياتنا انت من طريق وأنا من طريق.
أشار إلى بطنها.
ودا إكرامًا لحملك مش أكتر.
قالها وتركها متجها إلى الأعلى.
عند جنى.
وصلت للأسفل وعبراتها تغرق وجنتيها.
ليه يابن عمي توجع قلبي كدا.
استقلت سيارتها وهي تهز رأسها بغضب، فكلما تذكرت حديثها ينشق صدرها وتشعر بنيران تكوي قلبها، استمعت إلى رنين هاتفها.
الو.
قالتها بصوت متحشرج بالبكاء.
باشمهندسة، كيف حالك.
توقفت بجانب الطريق.
الحمد لله. آسفة غلطت فكرتك عز ارجوك تسامحني.
لم أنزعج سيدتي.
صمت ثم تحدث.
هل تبكين.
أزالت عبراتها.
أبدًا، أنا بسوق العربية، فيه حاجة.
قالتها جنى حتى تنهي المكالمة.
كنت احتاج فايل المشروع.
قاطعته سريعا.
بكرة هيكون على مكتب حضرتك، بعد إذنك أنا سايقة ومش عارفة أتكلم مع حضرتك.
باليوم التالي.
ولجت إليه المكتب بوجه شاحب.
المشروع هنا عز راجعه وكله تمام، بس لازم حضرتك تشوفه بما إنك شريك.
هل لي الحق أسأل لماذا هذه العيون حزينة.
رسمت ابتسامة.
وهل هذا من قوانين العمل سيد يعقوب.
أطلق ضحكة مرتفعة ثم نهض من مكانه وهو يتجه إليها.
يا آلهي ماهذه الطفلة الشرسة.
ابتسمت له تهز رأسها فلقد رسم ضحكتها.
جلس بمقابلتها.
يعقوب أيوب المنسي ابلغ من العمر سبعة وثلاثون عامًا، لم يسبق لي الزواج تربيت بالولايات المتحدة، توفي والدي بعمر الشباب، امتلك إمبراطورية للمعمار في الشرق الأوسط، وحيدًا منفردًا وأبحث عن زوجة وقورة، أريد زوجة لتربية أطفالي منهج دينهم.
أغمض عين وفتح الأخرى قائلاً بمزاح.
زوجة عينيها باللون البني الذهبي، الذي يميل للون القمح، خصلاتها لا أعلم مالونها، مستديرة الوجه، مرفوعة الأنف، ثغرها كحبة كريز بلونها، ضحكتها كقطرة ندى لورقة شجر.
طولها لم تكن طويلة ولم تكن قصيرة، مرحة تحب الحياة، تعشق الرسم والتصوير.
صمت للحظة وأكمل ماجعلها مذهولة.
تعشق أحدهما ولكنه يبدو بالغباء، ترسم أحلام بسيطة على تلال من الرمال الواهية.
هل لي أكمل حديثي أم هذا يكفي.
أتتحدث عني.
وضع ساقا فوق الأخرى، وأخرج تبغه الغالي ينفثه بهدوء.
أعلم عنكِ كل شيئًا، لم أجزم معرفتي كل شيئًا، ولكن علمت ماهو أهم.
هل أخبرتك بشيء غير موجود بكِ.
أم أنكِ تهربين من الحقيقة.
سعدت بمعرفتك وعرض الزواج المغري، ولكنك أجبت على سؤالك.
إنني أبني أوهامًا شاطئية سيد يعقوب.
أتتعشقينه كثيرًا.
صمتت للحظات ثم رفعت نظرها إليه.
هل تسمح لي الخوض بحياتي الشخصية سيد يعقوب.
هز رأسه رافضًا وهو يدخن تبغه.
سيدتي لقد تفهمتي الموضوع خطأ، أنا أفهم بنظرة العيون جيدًا، فقمت بتحليل شخصيتك الجميلة.
صمت للحظات ثم تحدث بأريحية.
أحتاج ديل بيننا، أنا أبحث عن شيء فكنت أحتاج مساعدتك، هذا ماأقصده.
ضيقت عينيها متسائلة.
لم أفهم ماتعنيه.
علمت أن لي ابنة عم بالقاهرة، ولا أحد يعلم عنها شيئًا، هناك من قال الشخص الذي يعلم مكانها جواد الألفي، حاولت معه كثيرًا ولكن لم أخرج بمعلومة تصلني إليها، نحن مفترقان منذ عشرون عامًا ولا أعلم عنها شيئًا.
كيف لي مساعدتك، وكيف ستساعدني.
أحتاج معرفة مكانها، وجواد الألفي هو الشخص الوحيد الذي يعلم بمكانها.
هزت كتفها.
وهل ستظن أن عمي سيخبرني بمكانها.
أعلم أنه لن يخبركِ سوى في حالة واحدة وهي أن أكون فردًا من العائلة، لأنه خائف عليها، وهذا احترمته كثيرًا.
جلست غير مستوعبة ما يقوله.
برضو معرفتش أنا إيه دخلني في الموضوع.
نحن نعمل مع بعضنا منذ أكثر من شهرين، وأظن أن هذا وقتًا كافيًا لخطبتنا.
هبت واقفة.
أنت أكيد مجنون.
ابتسم بهدوء وهو يحاوط المكان ثم اتجه إليها ونظر إليها بعينين ثاقبة.
أظن أنكِ سترتاحين من الضغط، اليوم تحدثت مع والدك وعلمت الكثير والكثير، سوف أعمل معك ديل. ادخل عائلة الألفي لأصل لأبنة عمي في مقابل أعطيك الحرية كاملة حتى تنعمي بحبيبكِ، وقبل أي شيء أنه يحبك ويحبك كثيرًا وهذا علمته من خبرة سابقة جميلتي.
تحركت بقلب ينتفض ألمًا.
سأفكر وأرد عليك فيما بعد.
خرجت من شرودها على صوت يعقوب.
لقد وصلنا جميلتي.
استدارت إليه.
بلاش جميلتي دي، بتخليني أصدق إنك خطيبي حق وحقيقي.
قهقه بصوته الرجولي، ثم غمز بطرف عينه.
أإيغار من جميلتي.
نظرت للخارج بحزن.
معرفش ليه معلق على الموضوع أنا وافقت أساعدك بس انت بتفكر حاجات مش موجودة.
ترجل من السيارة متجها إليها.
هيا انزلي جنى، أنا لست بهذا الغباء، أننا رجال ونعلم النظرات.
توقفت أمامه.
يعقوب أنا وافقت على الخطوبة في مقابل أسافر ودا الحل الوحيد ال بابا وعمو يوافقوا. وأما موضوع جاسر دا مش بالي هو متجوز ومراته حامل، فبلاش تقنعني بغير كدا لو سمحت، هو بيحب مراته جدًا، أكيد مش هيسيب مراته الحامل ويحبني، أنا كنت قدامه.
تحرك بجوارها.
أعلم أن النساء بهم ذرة غباء أحيانًا، ولكنني لا أعلم أن الغباء عندك قنبلة.
موقوتة عزيزتي، أنا أقول لكِ حديث وأنتِ تحاولين تغيير نضجي الفكري.
فالان سأصمت وليس لإقناعك.
مرت الأيام سريعًا إلى أن أتى اليوم الذي تغيرت فيه أقدار الجميع.
بالإسكندرية كانت تجلس تضم حفيدتها.
شفتي الجمال يانهى، واخدة ميكس من ياسمينا وأوس.
ربتت نهى على كتفها.
ربنا يباركله فيها ويحفظها حبيبتي يارب.
تناولتها نهى.
هتسميها إيه يا أوس.
ابتسم إلى نهى، ثم نظر إلى زوجته وأردف.
هسميها مسك إن شاء الله، عشان تبقى حياتها زي المسك.
طبع قبلة على جبينها.
حلو الاسم ياحبيبي تتربى في كنفك وكنف أمها إن شاء الله.
وصل بيجاد يطالعها غامزًا.
معرفش البت دي طالعة وحشة لمين يا طنط غزل، مع إن ياسمينا ملكة، أنا بقول شبه أبوها.
لكمته غنى محذرة.
نعم ياحبيبي، ليه أوس وحش، دا مش موجود في عيلتك كلها.
رفع حاجبه ساخرًا.
بس ياهبلة، لوك لوك وخلاص، أنتِ شايفة البت وحشة عشان تقولي كدا ياعبيطة.
ضحك الجميع على حديثه، لكمته وتحركت.
أنا مش هكلمك يابيجاد.
قهقه وهو يجذبها لأحضانه.
طب وحياة حماي ما أقدر على زعلك ياغنايا.
أما في ذاك الركن الهادئ يجلس مالك بجوار تقى.
وبعدين أنا متفق مع بابا على آخر الأسبوع تقول لي هتسافروا أكيد بتستهبلي.
رفرفت بأهدابها.
مالك لو سمحت لازم تعذرني، بابا صمم نسافر له، وخصوصًا بعد ما جواد ساب الشرطة.
نهض مزمجرًا بغضب.
سافري، أنا أستاهل أصلًا.
قالها وتحرك للخارج.
جلس ريان بجوار جواد.
عامل إيه يا أبو نسب.
ثم اتجه بنظره لصهيب الذي يتحدث مع بيجاد وعمر ويضحكون.
ابتعد جواد بنظره بعيدًا وأردف.
الحمد لله كويسين، انت أخبارك إيه، مبروك أولادك استلموا الشغل.
تراجع بجسده.
إحنا كنا بنجيب العيال ليه يا جواد عشان الوقت دا، أنا مش هفضل أتعب لوحدي، عمر ذكي وعارف الشغل شوية، وبيجاد بيتعلم بسرعة الحمد لله.
أومأ جواد متفهمًا فأردف.
لسه عايز يعمل شركة سياحية برضو.
ارتشف ريان من قهوته ثم أردف.
عملها. بيجاد ميقدرش يبعد عن الجو كتير، لولا تعبي الأخير كان مستحيل يشتغل في الشركة.
انت إيه أخبارك، وليه جاسر مجاش هو ومراته، مكنتش قايل كلكم هتيجوا تقضوا كام يوم في الجو دا.
حمحم جواد ثم أردف.
عنده شغل، ومراته حامل وتعبانة، محبتش أرهقها في السفر، وخصوصًا جاين بالعربيات.
تذكر شيئًا فأردف.
يوسف لسه في أمريكا، عز هيسافر عمل شراكة هو وأوس مع رجل أعمال.
أشار بيديه قائلاً.
خطيب جنى، ابن العقيد أيوب المنسي. آه فاكره طبعًا، بيجاد بيشكر فيه، اعذرني معرفتش أنزل الخطوبة.
لأ ياحبيبي ولا يهمك عارف مشاغلك.
نهض وأشار له.
تعالى نقعد في التراث عند صهيب والباقي؛ فيه موضوع عايز آخد رأيك فيه.
قبل قليل في منزل جاسر.
جاسر أنا قدام البيت، بس مفيش بواب ممكن يكون راح يشتري حاجة.
طب ادخلي وأنا معاكي حبيبي.
ابتسمت على كلماته العفوية، وتوردت وجنتيها.
لو سمحت يابن عمي بلاش كلامك دا، مراتك تموتني وخطيبي يزعل.
زفر متنهدًا، ثم ابتسم عندما تخيل خجلها من حديثه.
فيروز أنا جيت.
ولكنها توقفت.
جاسر مفيش حد.
ولكنها تحدثت.
فيه حد برة هشوف.
رجع خصلاته للخلف متحدثًا.
شوفيها وأنا هقفل وأكلمك بعدين.
صمت ثم سحب نفسًا وزفره بهدوء وأردف.
جنى فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه النهاردة قبل بكرة، للأسف الموضوع اتأجل أكتر من اللازم.
قطبت مابين جبينها متسائلة.
موضوع إيه دا، على العموم متتأخرش، متنساش عندي سفر بكرة ولازم أجهز حاجتي تمام متقولش شغل ومش شغل.
لأ مش هتأخر وعد ياقلبي المرادي مش هتأخر، أنا اتأخرت كتير.
توقفت عندما وجدت الكثير من الرجال يحاوطونها.
جاسر فيه رجالة كتيرة في بيتك.
توقف فجأة بالسيارة.
رجالة إزاي!
استمع إلى صوت أحدهما.
البت أهي هاتوها.
أسرعت تصرخ.
الحقني ياجاسر.
استمع إلى أحدهما.
هتروحي فين ياروح أمك.
هنا النفس انحبس في صدره، ونبضاته تتسارع، وعضلات لسانه تعطلت وكأنه أصيب بجلطة شلت مخارج الحروف وهو يتخيل أحدهم يستولي على ملكة قلبه، لحظات كعدد من السنين مرت عليه وهو عاجز إلى أن صرخ بها.
جنى حبيبتي روحي أوضتي واقفلي على نفسك كويس.
غصة مريرة منعت تنفسه وجعلت جسده كاللهيب وهو يسرع بسيارته بسرعته الجنونية، كاد أن يفعل الكثير من الحوادث.
دلف سريعا الغرفة واغلقتها مثلما قال لها، استمعت إلى صراخه باسمها.
جنى سمعاني حبيبتي حاولي تتخبي أو دافعي عن نفسك.
تذكر شيئًا.
جنى عندك مسدس في على الكومودو افتحيه بسرعة وخليه معاكي، ياله حبيبتي.
بكت بشهقات وهي تراهم يدفعون الباب.
صاحت عليه.
جاسر أنا خايفة، تعالى انقذني لو سمحت.
صوت بكائها جعله كالمارد الذي يريد أن يشعل الكون بأكمله.
حتى انسابت عبراته رغما عنه، حاول السيطرة وهو يسرع بسرعته الجنونية.
حبيبي أنا جايلك، اسمعيني كويس، شوفي المسدس ياله، افتكري أنا دربتك عليه، فاكرة ياجنجون.
صرخت عندما اشتد دفع الباب.
أنا مش فاكرة حاجة، جاسر ألحقني.
أغلقت معه ثم اتجهت إلى أخيها.
عز ألحقني حبيبي.
هب فزعًا.
جنى انتي فين.
بكت بشهقات وتحدثت.
عند جاسر، قالي روحي شوفي فيروز، وفيه ناس طلعولي وبيجروا ورايا.
عز أنا في أوضة جاسر وهم بيكسروا الباب.
هرول للخارج فيما انتبه الجميع.
عز في إيه.
تساءل بها جواد.
هرول إلى سيارته.
جنى حد بيجري وراها عند جاسر، اتصل بالشرطة ياعمو يلحقوا اختي.
تحرك الجميع إلى سيارتهم، رفع جواد هاتفه.
جاسر انت فين.
بابا.
الحقني، فيه حد عندي في البيت وجنى هناك لوحدها، معرفش مين يابابا.
هموت لو حصلها حاجة.
طب أهدى حبيبي انت فين دلوقتي.
قدامي خمس دقايق.
توقف جواد يمسح على وجهه وكأن عقله توقف.
جاسر أهدى انت متعرفش مين وعايزين إيه الشرطة هيكونوا عندك، بلاش تتهور، احذر حبيبي وانت داخل البيت تمام ياجاسر، خد بالك من نفسك ومن بنت عمك، واحنا في الطريق.
اتجه إلى سلاحه ووقفت خلف الباب وهي تدعو الله أن ينجيها.
كُسر الباب ودلف رجل ذو بنية ضخمة يبحث عنها.
ارتجف جسدها والسلاح بيديها، رأى آثار لقدميها فاتجه إليها ثم فجأة جذبها من خصلاتها، أطلقت طلقة ولكنها لم تصبه، اخترقت الجدار.
انت بتلعبي معانا يابت.
ثم تحدث إلى أحدهما.
البنت هنا ياباشا ومعاها مسدس كمان.
قالها متهكمًا.
صعد الأخر سريعًا، وجدها تحاول الفكاك من الآخر.
سبها.
قالها عديم الأخلاق.
نظرت حولها تبحث عن السلاح الذي سقط من كفيها.
عايز إيه ياحيوان.
قالتها بجسد مرتعش.
اقترب منها وفجأة جذب حجابها وقام بشق ثيابها بلحظة وهي تحاول الفكاك من قبضة الآخر وتركل بأقدامها وتصرخ.
دفعها بقوة على الفراش يحاوطها بجسدها، يوزع نظراته على الغرفة.
الله ياولاد، دا هيكون قنبلة لحضرة الظابط، بنت عمه مع عشيقها على سريره، صور يابني.
قالها وهو يقوم بتقبيلها بعنف، وهي تدفعه، وتلكمه، حتى مزقت وجهه بأظافرها محاولة الفرار، ولكنه كان كأسد مفترس، حيوان بري لا يعرف للرحمة موضع.
بكت وبدأت تترجاه، ولكن هل لحيوان أو ذئب أن يشفع لأنثى ضعيفة ويضعف أمام دموعها.
صرخت وصرخت حتى امتلأت صرخاتها المكان وهي تحاول بكل قوتها الدفاع عن نفسها، قام بتمزيق ثيابها بالكامل، وحاول الاعتداء كحيوان بري ينهش بلحم فريسته، دفعته بقوة بمنطقته المحظورة وهي ترى أنها أوشكت على النهاية، فبكائها ورجائها لم يشفع لها.
تحركت سريعا من تحته وهي تبحث كالمجنونة عن منقذها، صاحت باسم مالك قلبها، رأت السلاح أسرعت لجلبه ولكنه كان الأسرع فركله بعيدًا عنها، وجذبها وصوت ضحكاته كصوت أصوات صاخبة يكرهها الجميع، وضعت كفيها على أذنها عندما بدأ يلقي عليها أبشع الألفاظ البذيئة.
أمسكت المصباح الكهربائي ذات الإضاءة الخافتة الذي يوضع بجوار الفراش.
دفعته برأسه.
تركها بعدما مزق ثيابها بالكامل، وظهور جسدها أمامه باستفاضة، نظر إليها بإعجاب وامتلكته الرغبة بها لا محالة.
جذبها ودفعها بقوة إلى الفراش، هنا انهارت قواها بعدما صفعها عدة صفعات على وجهها، حتى شعرت بالدوار.
وحاول الاعتداء.
إلا أن الله منصف المظلومين، وجدت نظراته إليها.
صرخة اهتز لها جدران المنزل باسم جاسر.
جاااااااسر.
وكأن الله رحيم بك أيتها الفتاة، لينقذك من الذئاب البشرية.
ترجل من سيارته سريعا وعيناه الثاقبة تدور بالمكان، هرول إلى الداخل.
استمع إلى صرخاتها باسمه، أصابه الهلع، وصعد درجات السلم سريعا حتى كاد أن يسقط على وجهه.
عدة مرات تحرك وصوتها يصم آذانه كعويل إعصار جامح تتدفق منه أمطار من نار.
صعد سريعا وقلبه ينبض بعنف خوفًا عليها.
هل شعر أحدكم بنحر عنقه بخنجر بارد.
وقف مشدوهًا ملجم اللسان.
بل تسمر بذهول وشعر كأنه طائر بترت أجنحته، فتسارعت نبضاته، همس اسمها بارتعاش عندما وجد حالتها المزرية، شحب وجهه كمن سلب روحه لبارئها.
تحرك بجسدًا مرتجفًا، وروحه تأن بأنين وتر مقطوع.
هوى بجسده أمامها يهز رأسه بعنف وعيناه أصبحت كزخات المطر، يود لو يدمر الكون وما فيه.
جذبها يضمها بين ذراعيه، يود لو يخفيها بين ضلوعه، ضمها بقوة يسحقها.
حبيبتي إيه ال حصل، مين عمل فيكي كدا.
ولكن لا يوجد رد، فكأنها جسد بلا روح.
أخرجها يحتضن وجهها بكفين مرتعشين ينظر إليها ملجم اللسان، أخيرًا همست باسمه.
جاسر خبيني منهم حبيبي، خبيني.
قالتها وهوت بين ذراعيه تتمنى أن لا تفيق أبدًا.
صرخ باسمها صرخة بكل ما لديه قوة، ولكن ماذا سيفيد صراخه، بعدما شعر ببرودة تجتاح جسدها.
لم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك فانهارت حصونه بشهقاته المرتفعة وهو يضمها إلى صدره ويصرخ بصوت تهتز له جنود السموات والأرض.
نظر إليها بدموع الحسرة، وإلى ثيابها الممزقة وجسدها الذي يوجد به آثار الاعتداء.
بكى وبكى حتى شعر بانقطاع أنفاسه، وجفاف عبراته.
حملها كأغلى شيء يمتلكه لما لا وهي نبض القلب وشريان الحياة لديه.
وضعها على فراشه بهدوء كبسكوت ناعم ملمس الشكل يخشى عليه من تكسيره.
واتجه إلى ثياب زوجته، وعبراته تغسل وجهه بنيران الذنب.
اتجه إليها سريعا بجسد مرتجف، وقلب يأن بألم العالم كله.
قام بإلباسها ثيابًا أخرى بيد مرتعشة، وضع جبينه فوق جبينها وانسابت عبراته حتى أغرقت وجهها.
وحياتك عندي يا أغلى من روحي لأجب لك حقك من كل كلب ال نهشوا في لحمك حتى لو كانت أم ابني نفسها.
جمع خصلاتها التي وجدها يكفيه ممزقة، كور قبضته يعض عليها يريد أن يحرق الكون على ما رآه من غاليته.
حملها بعدما أكمل ثيابها كاملاً يضمها لصدره كالأم التي تحمل رضيعها.
قابله أحد الضباط والشرطة التي ملأت المكان، بوصول مليكة وجواد.
ذهل جواد من حالة جاسر المزرية، وهو يحملها بأحضان.
جاسر إيه ال حصل، جنى مالها.
كذلك مليكة التي توقفت أمامه.
مالها بنت عمك ياحبيبي.
تراجع بعيدًا وهو يضمها لصدره يريد تخبأتها داخل ضلوعه.
تراجع يهز رأسه، لا يريد أحدًا أن يراها.
لو أحس أحدكم بما أصابه بتلك اللحظة التي اعترت فؤاده، لبكت السماء تألمًا على حالته.
ضمها متراجعًا لسيارته، بكت مليكة عندما وجدته بتلك الحالة تعصر عيناها ألمًا، تنظر إلى جنى التي بأحضانه ويضمها بقوة، كأنه يخبيها عن العالم.
أشارت إلى جواد.
ألحق ابن خالك ياحبيبي شكله مش حاسس بحاجة.
ماما اوعي تقولي حالة جاسر دي أن جنى حد اغتصبها.
بكت بشهقات وهي ترفع أكتافها للأعلى، ثم تحركت متجهة إلى سيارة جاسر.
استقل السيارة بالخلف ومازال يضمها لأحضانه، منتظر جواد يقوده للمشفى.
كانت نظراته عليها وحدها، ركب جواد ومليكة السيارة دون حديث، ينظرون لدموعه التي كزخات المطر.
نزل جبينه على جبينها.
افتحي عيونك حبيبي، جنى.
خرج اسمها من بين شفتيه محترقة بآهة عميقة شقت صدره.
جنىىىى.
خرجت من جوف حسرته وهو يضمها بقوة ويهز رأسه رافضًا ما يصير لها.
نظر جواد إليه من خلال المرآة وارتجف جسده فأردف.
جاسر إيه ال حصل، وإيه ال وداها عندك.
كأن لا يسمع ولا يرى، عيناه عليها فقط، يتلمس وجنتيها الشاحبة بأنامله.
همس بجوار أذنيها.
جنى حبيبة قلبي بلاش تعملي فيا كدا، هموت ياجنى، هموت، افتحي عيونك يالا.
ولكن لا أحد يستجيب.
مازال جبينه فوق جبينها وبكائه يزداد حتى فقد جواد أعصابه صارخًا به.
انت يلا اسكت، وقولي إيه ال حصل.
طبع قبلة مطولة على جبينها هامسًا.
وصلني المستشفى بسرعة يا جواد، جسمها بيبرد، بسرعة يا جواد.
أمسك كفيها يدلكه، وينفخ به.
لأ أكيد مش هتعملي فيا كدا، لأ مستحيل تموتيني كدا.
هزها بعنف عندما وجد الشحوب يسري بوجهها بالكامل.
ترجل سريعا من السيارة وولج للداخل يصرخ بالأطباء.
دكتور هنا، حبيبتي بتموت هنا.
صرخ بها حتى اجتمع المسعفين وبعض الأطباء حوله.
اتجه بها لأحدى الغرف بعدما رفض أحد حملها، وضعها على الفراش بهدوء، ينظر إلى الطبيب.
طمني عليها لو سمحت.
لو سمحت اطلع برة عشان نشوف شغلنا.
ولج جواد ومليكة، جذبه جواد للخارج، بينما ظلت مليكة بالداخل.
هوى على الأرضية الباردة وكأنه فقد روحه بالكامل، فأصبح جسدًا خاليًا من النبض.
عند فيروز قبل قليل.
خرجت من المطبخ استمعت إلى صوت هاتفها.
أيوة ياماما فيه إيه.
فيروز تعاليلي بسرعة عايزاكي دلوقتي.
ارتشفت عصيرها قائلة.
لأ ياماما لازم أستنى الست جنى، بعدين.
بترت حديثها، عندما استمعت إلى حركة بخارج المنزل، أغلقت الهاتف ووضعته على رخامة المطبخ ثم اتجهت للخارج، وجدت بعض الملثمين يهجمون على المنزل، هرولت للخارج بعدما وجدت أحدهم يشير إلى المنزل وضربه لبواب المنزل.
ظلت تسرع في الشوارع واحدًا خلفها، ولجت إلى إحدى الشوارع تمسك أحشائها عندما شعرت بألم يفتك بها.
جثت على الأرض بعدما وجدت الدماء تنسدل منها، بكت حينما اشتد الألم، فجلست على الأرضية تحتضن أحشائها، وجدتها إحدى المارة.
مالك يابنتي قاعدة كدا ليه.
أمسكت كف السيدة كالغريق الذي وجد منقذه.
أنا حامل وبنزف.
أشارت السيدة إلى سيارة أجرة واتجهت بها إلى المشفى.
وصلت إلى المشفى بوقت قياسي بسبب قربها منه.
بعد الكشف المبدئي تحدث الطبيب.
للأسف الجنين نزل، ولازم تدخل عمليات.
هذا ماأردفت بها الطبيبة.
ثم نظرت إلى السيدة وأردفت.
لازم جوزها يكون موجود.
عند جاسر وجواد.
خرج الطبيب من غرفة جنى، هب متجهًا إليه.
إيه يادكتور جنى مالها.
نظر بأسى للأسفل.
دي شبه جنائية، ومحاولة اغتصاب وحشية.
للأسف المريضة مش بتستجيب للعلاج وشاكين أنها دخلت في غيبوبة، المريضة حالتها متأذية لازم إخبار الشرطة.
هنا انهارت قواها وجثى بركبتيه، عندما شعر بشلل بكافة خلايا جسده، يود لو يصرخ ويملأ الدنيا صراخًا حتى تزهق روحه لبارئها.
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل السادس 6 - بقلم سيلا وليد
افتقدك جداً. افتقد همساتك التي كانت تشعرني بالأمان والحنان، حتى ولو لم تكن بجانبي. افتقد صوتك الذي لم ولن يغادر مسامعي. افتقد ضحكاتك وعتابك وكبريائك. افتقدك كثيراً.
لو كنت قريباً ووضعت يدك على قلبي لهدأت الحروب.
لو كنت قريباً وعانقتني لتلاشت الرغبة بالموت.
لو كنت قريباً ومسحت دمعي لأزهرت عيناي من جديد.
لكنك تقف بعيداً وأقدام المسافة ثابتة لا تتحرك، ولسان قلبي أخرسته غصته. ليس لأنك أضعتني في الزحام، وليس لأن قلبي أحرقته الشمس وهو ينتظر، بل لأنني عجزت أن أكون ظلك، عجزت أن أكون بالقرب منك. إن غيابك ينهش ما تبقى مني. أنا حقاً أفتقدك جداً وغيابك هذا يجعل ساعاتي في أشد ثقلها، وكأن حجراً ثقيلاً وضع فوق قلبي. نعم افتقدك.
***
من بين أنفاس ملتهبة وقلب محترق، جذب مقعداً وجلس بجوارها، ممسكاً كفيها يملس عليه، ونظراته تعانقها كالأم التي تعانق رضيعها.
رفع أنامله على شفتيها المجروحة، هنا شعر وكأن أحدهم اعتصر قلبه، فشعر بانسحاب أنفاسه. لأول مرة يشعر بذاك الألم الذي يفتك بأعضائه.
ظل يمسد بأنامله كأنه يزيل آثارها، دنا يضع رأسه بجوار أنفاسها ومازالت أنامله تبحر فوق وجهها.
"جنى، أول مرة أحس بالوجع دا، حاسس بحد بيدبحني بسكينة باردة، لا هو بيخلص مني ولا سايبني. طلعتي غالية أوي يابنت عمي."
انهمرت عبراته ممزوجة بنزيف روحه. حينها اشتهى الموت بكل جوارحه. بتلك اللحظة استأنف حديثه الباكي:
"القدر المرادي منصفنيش ياحبيبة عمري، ينفع كدا تعملي فيا كدا ياجنى؟ هونت عليكي. جاسر هان عليكي توجعيه كدا؟"
"ياله افتحي عيونك حبيتي وطمني قلبي."
رفع رأسه وهمس بجوار أذنها:
"لو بتحبيني فعلاً افتحي عيونك وريحي قلبي ياجنى لو سمحتي."
ظل يحادثها لبعض الوقت إلى أن دلفت الممرضة.
"كفاية حضرتك، لو سمحت لازم تخرج عشان نشوف شغلنا."
اتجه ببصره إليها متسائلاً:
"أعرف بس هي مالها، ليه مابتفوقش؟"
تابعت المحاليل التي تغرز بوريديها وقامت بمتابعة حالتها.
"هتفوق يافندم إن شاء الله، خلال كام ساعة هتلاقيها فاقت. الصدمة كانت عنيفة عشان كدا العقل رافض الواقع، بس مش معنى كدا أنها هتفضل كدا."
مازالت تفحص مؤشراتها الحيوية فاستأنفت حديثها:
"العلاج دا هيفوقها، المهم تقدر تتعايش مع الواقع بعد اللي حصلها."
قالتها الممرضة ثم اتجهت إليه:
"دلوقتي ممكن تسبها ترتاح، بلاش نزعجها لو سمحت."
أومأ برأسه، نهض ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها.
"أنا برة ياجنجون مستنيكي حبيبي."
همس بجوار أذنها:
"وعد من جاسر الألفي لأحرق قلب اللي عمل فيكي كدا، المهم ترجعيلي، وبعدها مش هتنازل عنك حتى لو غصب عنك، مستعد أحرق الكون كله، بس ترجعي وتقولي جسورة."
ناظرها للحظات... وآهة خفيضة ورغم أنه أخرجها ببطء إلا أنها أحرقت جوفه. تراجع بخطواته للوراء.
وعيناه تراقب جسدها المسجى، ثم استدار متحركاً للخارج.
بعد أكثر من ساعتين وصل جواد وعز بنفس التوقيت. ولج الاثنان سريعاً إلى المشفى.
بأنفاس متقطعة تساءل عز جواد حازم الذي يتوقف أمام إحدى الغرف وبالجانب الآخر تجلس مليكة على إحدى المقاعد.
"جواد..." قالها عز بتقطع، ونظرات ضائعة وقلب ينتفض خوفاً على أخته.
استدار جواد الذي يربع ذراعه أمام صدره ونظراته على جاسر، ولكن فاق على نداء عز. استدار بجسده.
"خالو..."
تحرك جواد بجوار عز وهو يوزع نظراته على ثلاثتهم.
"ايه اللي حصل وفين جنى؟" ثم وجه نظره لابنه الجاثي على الأرضية يضع ذقنه على ركبتيه وينظر لنقطة وهمية لا يشعر بهم.
توقفت مليكة بعدما ربتت على كتف جاسر بحنان قائلة:
"جاسر باباك جه."
ولكنه لم ينظر ولا يتحرك. ظل كما هو على نفس الحال.
حمحم جواد وعيناه تحاوط عز.
"جنى اتعرضت لهجوم واعتداء وهي دلوقتي نايمة مش حاسة بحاجة، والدكاترة بيحاولوا يفوقوها."
ارتجف جسد عز، فلقد وقع حديث جواد على قلبه كضربة خنجر قاتلة. هز رأسه كالمجنون، واستفهم باستهجان:
"ايه اللي بتقوله دا يابني، هي كانت رايحة؟"
فجأة صمت وذهب بصره لذاك الجاثي. شهق وهو ينظر لعمه بعدما وجد حالة جاسر. هنا فاق من صدمته ينظر لحالة جاسر الذي تؤكد حدسه.
شعر بنيران تحرق داخله كمرجل جف ماؤه من كثرة الغليان. تراجع للخلف وعيناه تائهة يبحث عن مكان أخته هامساً كالمعتوه:
"لا... أكيد دا كذب، لا جنى مستحيل، لا جنى..."
استدار يبحث في الغرف كالمجنون، حتى وقعت عيناه عليها بأحد الغرف.
ولج إلى الغرفة بجسد يرتجف، وعينان كزخات المطر، همس باسمها بشفتين مرتجفتين.
"جنى..." قالها بشهقة، ونظراته على جسدها الشاحب.
تحرك بخطوات هزيلة كالذي يتحرك على جمرات من النيران؛ حتى وصل إلى فراشها، ودموع عيناه تفرش طريقه.
هز رأسه وصرخة من جوف حسرته وهو يضمها إلى صدره.
"جنى..." قالها بصوت هزت له جدران المشفى.
ولج جواد خلفه.
تسمر بمكانه وهو يرى تلك التي يحتضنها أخوه. هل حقاً هذه تلك الفتاة الحيوية، ملاكهم؟ ماذا فعلت بكِ الذئاب البشرية حبيبتي لتصبحين بتلك الحالة.
خطى إلى أن وصل إلى عز الذي يضم أخته وشهقاته تنتفض لها القلوب. ربت على كتفه ودموعه انسابت على وجنتيه.
"حبيبي قوم كدا، خليني أشوفها."
أشار بكفيه على أخته.
"شوفت ياعمو، ليه يعملوا فيها كدا، هي مأذيتش حد، مين اللي ممكن يعمل فيها كدا؟"
جذب جواد عز.
"قوم ياحبيبي سيب اختك خليها ترتاح، هنعرف دلوقتي ايه اللي حصل."
"تعالى يا عز انت سامع الممرضة بتقول ايه؟" جذبه للخارج. واتجه إلى جنى يدثرها بالغطاء.
انحنى يطبع قبلة على جبينها.
"اختاروكي أنتِ لتدفعي الثمن ياحبيبتي." آهة خفيضة خرجت بنيران الذنب وهو يكور قبضته حتى نفرت عروق عنقه. فتحرك للخارج.
خرج والغضب يتعاظم بداخله، وغلا دماءه في عروقه. تحرك متألمًا وقبضة قوية تعتصر فؤاده. آه ياربي كم هو مؤلم شعور العجز والألم في آن واحد. بخطوات ضعيفة متهالكة خطى للخارج ونيران تعصف بقلبه وسائر جسده. وجد عز يقف أمام جواد.
"مين اللي عمل كدا، وانتوا كنتوا فين؟" قالها بصوت جهوري.
قاطعت مليكة حديثهم.
"حبيبي أنا كنت في البيت على أساس جنى تعدي عليا وقولت هنخرج، اتصلت وقالت عمتو هعدي على فيروز."
"الحادثة حصلت في بيت جاسر يا عز مش عندنا."
تسمر بمكانه وكأن كلمات مليكة كالسهام أصابت جسده فترنح للخلف. يستند على الجدار. نظر عز إليه متسائلاً.
***
"هو قصده ايه ياعمو؟"
تحرك جواد الذي أصيب بشلل كامل بجسده، حتى شعر بعدم مقدرته على الوقوف. اتجه إلى ابنه.
"جاسر..."
رفع بصره لوالده وارتسم الألم داخل مقلتيه، يشعر بنيران تلهب جسده بالكامل، فرفع كتفه للأعلى.
"ملحقتهاش يابابا، حاولت بس ملحقتش..." قالها وعيناه تذرف الدمع بالدمع وتسطر الحزن بملامح وجهه.
تحرك عز متجهاً إليه بجبين متغضن يكرر حديثه.
"ملحقتش مين..." صمت وهو يشير بسبابته إلى جواد مردداً.
"قصدك إن اختي فيه حد اعتدى عليها عندك في البيت، ومراتك موجودة، وبدعوة منك ياحضرة الظابط." زمجر بها بصوت جهوري، أفزع جميع من يقف بجواره.
تحركت مليكة إليه بعدما نزلت كلماته كنيزك على رؤوسهم صاحت غاضبة:
"عز ممكن تهدى احنا في مستشفى، وكفاية حالة جنى وجاسر."
"ايه اللي بتعمله؟" دفع المقعد بقدمه وبأعين زائغة غير مستوعبة ما نزل على مسامعه. يهز رأسه متجهاً يبحث عن الطبيب.
"فين الدكتور، والله ما هرحم حد." قالها وتحرك كالمجنون.
أما جواد الذي حاول إيقاف ابنه.
"قوم... قاعد كدا ليه؟"
نظرات ضائعة لوالده فكأن الأرض تبدلت غير الأرض والزمان غير الزمان، والقدر يصفعه بقوة قائلاً:
"بهدلوها يابابا."
رفع كفيه أمامه.
"بدي مقدرتش الحقها يابابا، أنا السبب، أنا اللي طلبت منها تروح هناك."
احتضن جواد وجهه ابنه، يمسح دموعه بعنف.
"قوم ومتبقاش زي البنت المجروحة، قوم واصلب نفسك ياحضرة الظابط."
شهقة خرجت من جوف حسرته يهز رأسه بعنف وهو يرجع خصلاته المتمردة على جبينه بعنف كاد أن يقتلعها من جذورها، ويطحن ضروسه ضاغطاً عليها بقسوة كلما تذكر حالتها ثم أشار على نفسه.
"اصلب نفسي، هي فين نفسي دي، بقولك بهدلوها، جنى عاشت الألم كله بسببي."
ابتلع غصة بطعم العلقم وحاوط رأس ابنه.
"حبيبي كله قدر ومكتوب، قوم بلاش حالتك دي." وزع نظراته يبحث عن فيروز فتساءل.
"فين مراتك؟"
هز كتفه بعدم معرفة ولم يجبه. اتجه إلى مليكة.
"فين فيروز يامليكة، عملوا فيها حاجة؟"
هزت رأسها بالنفي وأجابته.
"محدش كان موجود غير جنى ياجواد."
أمسكت ذراعه وبعيون متألمة.
"يعني ايه مكنتش موجودة؟!"
اتجه لجاسر ونظر إليه بغضب.
"فين مراتك، قوم شوف مراتك فين، ليكون حصلها حاجة."
كور قبضته يجز بأسنه ندماً على ما وصل إليه من تفكير، فرفع بصره لوالده ونظرة مقتولة بخنجر الغدر.
"انت كنت صح، ياريتك موتني ولا كنت اتجوزت منها يابابا."
هزة عنيفة أصابت جواد فيما توسعت عيناه بذهول يهز رأسه رافضاً حديثه.
"انت بتقول ايه يلآ، قصدك اللي حصل لبنت عمك بسبب مراتك؟"
استمع عز لحوارهم. بدأت نبضاته الهادرة تتخبط بعنف بين ضلوعه، واتسعت حدقيتيه شاهقاً مما استمع إليه.
وصل إلى جاسر بخطوة ثم أوقفه يهزه بعنف.
"انت بتقول ايه؟"
"اختي هنا بسببك انت ومراتك."
انسابت عبرات جاسر، وشعر كأن عموده الفقري انكسر وشعر بتهاوي جسده. غامت عيناه وهو يهمس.
"آسف، أنا السبب..."
صفعة قوية، تليها صفعة على وجهه، وتجمد جسد جواد وانعقد لسانه مذهولاً، صمتاً مخنوقاً بالصدمات مما يراه من أفعال عز ولم يتوقف على ذاك ولكنه صاح بأبنه غاضباً.
"حقيييير، امشي ياحيوان." دفعه بقوة حتى كاد أن يسقط على الأرض.
توقف جواد حازم بينهم.
"عز اتلم جاسر مش حاسس بنفسه." ثم اتجه إلى جاسر.
"ايه اللي بتقوله دا ياجاسر، ممكن تسكت اعصابنا بايظة."
تراجع يستند على الجدار.
"أنا بقول الحقيقة، اللي حصل لجنى بسببي، أنا السبب فيه، أنا اللي اتصلت بيها عشان فيروز طلبت مني أنها تقعد معاها، وبعدها بدقايق حصل الهجوم وفي بيتي ومراتي مش موجودة ياجواد، تقدر تقولي تفسير غير دا؟"
ترنح جواد وهو يشعر بأن النفس انحبس بصدره ونبضاته تتسارع وشعر بتعطل أعضائه وكأنه أصيب بجلطة.
اتجه إلى جاسر بخطوات مهزوزة، ثم لكمه بصدره بترنح.
"اسكت يلا مش عايز أسمع صوتك، عشان لو مراتك ليها دخل وحياتك عندي لأدفنها بايدي حتى ابنك مش هيشفع لها." قالها مع انبثاق عبراته.
اتجه جواد حازم إلى جاسر ينظر لعمه بذهول.
"انتوا ازاي بتقولوا كدا وليه فيروز تعمل كدا في جنى، لا أكيد جاسر بيهبل من اللي شافه."
بوجه ضربه الألم وقلب ينتفض بنبضاته ويتسارع حتى شعر بتوقفه، وعيونٍ تنفجر من نيران الغضب صاح غاضباً.
"عشان بحب جنى، عشان قولت لفيروز هطلقك."
صدمة ذهول أصابت الجميع حتى جحظت أعينهم، ارتعد جسد عز وهو يهز رأسه بعنف وعيناه كنيران جحيمية.
"لا أكيد انت مجنون، أكيد الواد دا مجنون."
استدار إلى جواد الذي هوى على مقعده ووضع رأسه بين راحتيه.
"ابنك بيقول ايه، الواد دا بيقول ايه..." جذبه من ثيابه وبدأ يهزه بعنف.
"انت بتقول ايه يلا، هي مين دي اللي بتحبها؟ اختي اللي ماتت بسببك سنة كاملة." جذبه وظل يدور به.
"ماهي كانت قدامك وانت عملي عبيط، جاي بعد ما اتجوزت ومراتك بقت حامل، جاي تقولي هتتجوزها، دا أنا أدنك مكانك وميهمنيش حد." قالها ثم دفعه بقوة سقط من خلالها على الأرضية وهو لم يبد أي فعل.
أما جواد حازم الذي وقف مذهولاً وكأن على رأسه الطير، يردد حديثه.
"عشان كدا جنى رفضت حبي، يعني انت كنت بتلعب عليا ياجاسر، وهي..." صمت ينظر إلى جواد.
"ساكت ليه ياخالو ياكبير العيلة، ماترد على ابنك، قوله ايه الهبل اللي بيقوله دا."
بدأ عز كالمجنون يحطم كل ما تطاله يده.
"هموتك ياجاسر، هموتك، أقسم بالله لو اتأكدت اللي حصل لأختي دا بسببك هموتك."
"بااااس... مش عايزة أسمع ولا كلمة، فكروا في صهيب لما يوصل ويشوف بنته كدا." ثم رفعت نظرها إلى جواد الذي تغير وجهه وأصبح شاحب وأكملت.
"شوف هتقول ايه لاخوك اللي تاني مرة يتكسر ياحضرة اللوا."
هنا أغمض عيناه وانزلقت عباراته، وشعر بقبضة تعتصر فؤاده عندما تذكر صهيب.
دقائق وصل صهيب بجوار ريان. بساقين مرتعشتين وريان يحاوط أكتافه حتى لا يسقط بخطواته.
"بنتي... بنتي فين ياجواد؟"
برودة اجتاحت أوصاله وارتجفت أعصابه عندما فقد قدرة النظر إلى أخيه وهو يسمع تألمه بصوته.
استدار يبحث عن عز الذي جلس غارقا بنيران صدره محاولا السيطرة على نفسه؛ حتى لا يهجم على جاسر ويلقيه لغيبات الجب.
لاحت نظرته لجاسر الجاثي على الأرضية الباردة، انزل كف ريان واتجه إليه بخفقاته التي أشعرته بألم حاد بصدره.
"جاسر..." همس بها صهيب بتقطع.
رفع جاسر عيناه المتورمة إليه وعبراته مازالت تغسل وجنتيه.
"قاعد كدا ليه ياحبيبي وفين بنت عمك، قالولي عندك وحد حاول يموتها، أوعى تقولي عملوا حاجة لأختك ياحبيبي."
"آآآه..." صرخ بها عز عندما فقد توازنه بالكامل واتجه إليه يسحبه حتى أوقفه وظل يلكمه.
"ماترد على عمك ياحيوان ساكت ليه، قوله عملت ايه في بنته."
وصل إلى أذنه وهمس بفحيح.
"قوله عملت ايه في اختك يلا." قالها بضحكات مرتفعة من بين بكائه.
أشار عليه لوالده الذي يوزع النظرات بينهم بتيه هو لا يعلم مالذي يحدث، ولكن قلبه يؤلمه بشدة.
انزلقت عبرة من صهيب وهو يسأل بتقطع.
"بنت... كل... ما ابن عمك كدا ليه يا عز؟"
تحرك بالارتعاش، فالذي وصل إليه جعله غير متزن، شعر بإنسحاب أنفاسه ونظراته على جواد الصامت الذي يستند بظهره على الجدار مطبق الجفنين كأنه يتهرب منه.
فصل عز عن جاسر وحضنه.
"متزعلش من عز هو بس زعلان على اخته، قولي فين اختك ياحبيبي، هي كلمتنا وقالت فيه حد بيجري وراها."
دفن رأسه في حضن عمه، وبكى بصوت مرتفع، صوت اهتزت له قلوب الجالسين سوى من عز الذي يكور قبضته محاولا عدم الوصول إليه لقتله.
اتجه ريان لجواد حازم.
"البنت ماتت ياجواد ولا ايه؟"
رفع مقلتيه لريان وهز رأسه نافياً.
"جنى اتعرضت للاغتصاب ياعمو ريان."
***
هنا تلاشت قدرة صهيب وتراجع بجسده خطوة للخلف، مبتعداً عن جاسر، ودموعه افترشت وجهه، حاول الحديث ولكن كأن الحروف هربت ولم يعلم كيف يكون الكلام.
برودة اجتاحت جسده وهو يهذي بتقطع وعيناه على جواد المتصنم بجلوسه.
"اغت... ص..ا..ب.. قصد..ك بن..تي، ولا قصدك..."
هنا شعر بسحابة سوداء تحاوطه، فترنح جسده فهوى مغشياً عليه. تلاقه جاسر القريب منه بذراعيه، هب جواد فزعاً من مكانه، وكل دمعة انحدرت من أخيه كأنها نيران تكوي صدره.
صرخ عز بالمسعفين حتى توصلوا إليه، حملوه متجهين إلى غرفة للكشف عليه.
وصلت نهى وغزل وبيجاد وأوس بعد فترة، كانت الوجوه على الجميع مرسومة بالألم والحزن.
خطت نهى تبحث بعينيها على صهيب وعز، ولكنهما غير موجودين، اتجهت سريعاً بخطوات متعثرة إلى جواد ومليكة.
"فين بنتي ياجواد، بحثت بعينيها."
"عز وصهيب فين، وجواد كمان مش موجود ياغزل، فين بنتي؟"
توقفت مليكة تحتضنها.
"نهى اهدي حبيبتي، صهيب تعب شوية واخد مهدئ، وجواد وعز معاه."
حاوطتها بنظراتها منتظرة باقي حديثها.
"أيوة فين جنى؟"
تحركت غزل بعدما شعرت بالكارثة من وجوههم، وضمت نهى إليها.
"تعالي يانهى ارتاحي، وأنا هشوف ايه اللي حصل."
ابتعدت عنها صارخة.
"أهدى أنتِ مش شايفة وشوشهم، بنتي فين يامليكة وليه صهيب واخد مهدئ؟"
"ماما..." أردف بها عز.
استدارت بلهفة إليه، أسرعت بخطوات متعثرة حتى كادت أن تسقط على وجهها.
"فين اختك ياحبيبي؟" حاوطها بذراعيه وهو يرمق غزل سريعاً متجهاً إلى غرفة جنى.
اتجهت غزل إلى مليكة وجاسر.
"ايه اللي حصل البنت حصلها ايه؟" قلبها ينتفض بقوة غير مسيطرة على أعصابها مما سيقال، هي استنتجت أن هناك شيئاً سيئاً حدث.
"قصت مليكة لها ما صار، مع صرخة نهى بالداخل." هرولت للداخل بجوار مليكة.
***
عند فيروز.
"مدام سمعاني، فتحت عيناها تنظر حولها متسائلة."
"أنا فين؟"
تذكرت ما صار لها، وضعت كفيها على أحشائها.
"ابني حصله حاجة؟"
كانت الممرضة توصل إليها أكياساً من الدم.
"لو سمحتي يامدام لو سمعاني حركي إيديك."
حركت كفيها تمسح دموعها وهي تهذي.
"ابني، فين ابني؟"
"مدام عايزين جوزك ضروري، لو سمحتي لو رقم نتواصل معه."
"ليه، ابني مات؟"
"اهدي دلوقتي وقولي رقم جوزك، احنا ملقناش أي إثبات معاكي، غير الست قالت إنها لقيتك ومشيت."
همست برقم والدتها.
"دا رقم ماما، اتصلي بيها."
عند سحر ظلت تجوب المكان.
"فيروز مبتردش، دا مكنش اتفاقنا ياامجد، ليه خليت هاني يروح لوحده، وبعدين كان يقصد بايه يخلي حد يهجم عليها؟"
ارتشف أمجد من كأسه الذي حرمه الله واردف.
"بنتك عجبته ياسحورة، البت خسارة في الظابط."
ضيق عيناه متسائلاً:
"مقولتيش ياسحورة، ازاي قدرتي تقنعي فيروز بكره جاسر، مع أنها هربت من البيت عشان ابن عمها." غمز وأكمل.
"دا حتى عرفت أنه كان بيحبها، هو ايه اللي حصل خلى جاسر يكره البت؟"
جلست وجذبت منه كوبه.
"سحرتلهم..." جحظت عيناه ينظر إليها بذهول، ثم أطلق ضحكة صاخبة يهز رأسه.
"مش معقول ياسحر، ايه اللي بتقوليه."
نفثت تبغها وقوست فمها.
"كنت مستنية أشوفها زي حياة ولا إيه، فيروز دي فرخة بتبيض دهب."
صمتت تتذكر ذاك الشخص ثم رفعت نظرها.
"تعرف واحد طلبها ليلة واحدة وكان مستعد يدفع فيها 10 مليون، لولا هربت بمساعدة الست حياة."
مط شفتيه للأمام وتحدث مستهزئاً.
"اهي راحت لظابط ببلاش."
توقفت وبدأت تقهقه ثم اتجهت وجلست بجواره.
"وحياتك هو شهر واحد وقلبت عليه حياته، وخليتها زي الخاتم في أصبعي."
غمز بعينيه متسائلاً:
"ليه عملتي ايه؟"
تراجعت تضع ساق فوق أخرى وتكلمت بعنجهية.
"ماقولتلك ياأمجد سحرتلها، واحدة عرفتني على عرافة مشهورة أوي، وبصراحة انتهزتها فرصة، والسحر عمل الشغل اللي عايزاه وأكتر كمان."
قهقه أمجد وهو يهز رأسه رافضاً كلماتها.
"انتِ مصدقة كلام الهبل دا."
رفعت حاجبها ساخرة ثم مدت كفيها على ركبتيه وغمزت له.
"تحب تجرب ولا إيه ياأمجد عشان أكدلك أن الست دي عملت اللي مقدرتش عليه."
تراجع بظهره ونظراته تحاوطها، يستمع إليها باهتمام.
"يعني بنتك كرهت الظابط من السحر، طب هو ازاي صدق وهو كان بيحبها بدليل اتجوز بنت مجرم." ضحك وهو يلوح بكفيه.
"آسف ياسحور ماهي دي الحقيقة."
جزت على أسنانها.
"اتمقلط عليا ياأمجد، بس هشبع فضولك، لما رجعوا من شهر العسل البنت كانت رافضة قربي خالص، بس هددتها."
دنت تنظر بمقلتيه.
"عارف هددتها بإيه، فاكر نادر طبعاً واللي عمله فيها، ولولا العملية إياها كان زمانها بتنفذ كلامي، بس أبوها الله يسامحه فضل يقول البنت هتفضل معيوبة ومش هتتجوز وراح عملها العملية."
أومأ منتظراً باقي حديثه.
"بدأت تيجي مجبرة لحد ما السحر اللي الست عملتهولها وضربت ضربتي، شوية صور ليها وهي في أحضان دا ودا، وصور وهي بتشرب، غير كام تسجيل ملعوب فيه لظابط أنه اتجوزها انتقام، مع عمايل جواد الألفي وكل شوية ونصايحه، وأنا أزود الجرعة هنا دا مش بيحبوكي معتبرينك بنت مجرم."
نفث تبغها وأزالت رمادها بإبهامها ثم رفعت نظرها إلى أمجد مستأنفة حديثها.
"عملت حفلة هنا، واتصلت بجاسر على أساس أنه يجي ياخدها لقيها بترقص قدام حامد البنا وانت عارف حامد وبلاويه. طبعاً شخصية زي جاسر مش هيقبل على مراته اللي شافه."
قهقهت وهي تتذكر تلك الليلة.
انحنت بجسدها تنظر إلى أمجد.
"تعرف عمل ايه... ضربها وقالها هطلقك، وكان هيطلقها فعلاً بس أغمى عليها وعرف وقتها أنها حامل."
ظلت تقهقه بصوتها البغيض، ونهضت متجهة للبار، مع إني أقنعته قبلها أنها بتاخد حبوب منع الحمل، وبعتله فيديو أنها اتجوزته عشان تنتقم لعمها وابنه، وأكدتله بكلامي اللي عملته فيه قبل الجواز، وكمان سقوط الجنين اللي بسببي بعد ما أقنعتها تاخد حاجة وتنزله، وفهمته كمان أنها كانت ناوية متجبش منك عيال بس الحمل التاني جه غلطة، وفعلاً أقنعتها أنها تاخد حبوب منع الحمل، مع العلم مكنش بيعبرها ولا بيقرب منها غير لما هي تستعمل أساليبها اللي خليتها تمشي عليها بحذافيرها.
اتجهت إلى أمجد تحمل كاسان من الخمر ثم جلست وناولته أحدهما واستأنفت حديثها.
"تعرف قالي ايه لما قولتله كدا؟"
"قالي وأنا اتجوزتها تمن للورق اللي وصلنا واللي بسببه كل المجرمين اللي زي عمها وغيره في السجن، أنا هعيش مع بنتك يومين وأرميها، ماهي مكنتش تطول أصلاً تكلم واحد من عيلة الألفي، ومش أي حد دا جاسر الألفي."
قهقهت وهي تهز رأسها وتلوح بيديها.
"العبيط بنتي كانت جوا وسمعت كلامه، ولما واجهته قالها اه، أنا اتجوزتك عشان أنسى بنت عمي أما حوارات الحب دي تمثيل ويوم ما أسلم قلبي هسلمه لواحدة نضيفة."
قهقه أمجد بعد حوارها.
"يخربيتك ياسحور دا انتِ الشيطان يضربلك تعظيم سلام."
جزت على أسنانها وتحدثت غاضبة.
"كنت مستنية مني ايه والهبلة ماشية وراه، استنى لما تكون زي حياة اللي مبهدلة أبوها، كان لازم أشفي غليلي من ابن الألفي."
تحولت عيناها للهيب عندما تذكرت حديث جواد.
"ابوه قالي هنا ياأمجد وهددني قال إيه ابعدي عن حياة ابني."
أشارت على نفسها.
"عايز يبعدني أنا عن بنتي، طيب استنى بس لما تولد والله لأحصرهم على حفيدهم ومش بس كدا لأعملهم جرسة وأخليها تفضحهم، وأفضح بنت صهيب كمان اللي بتتلزق في الولد، لا والاهبل جاي بكل بساطة يقولها زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف."
ألقت الكأس حتى تهشم وصرخت.
"معروف ايه دا، عايز يطلقها ببلاش والله لأخد اللي وراه واللي قدامه بس اصبر عليا."
***
أرجعت خصلاتها بعنف وهي تشير لأمجد.
"شوف هاني وصل لفين، خليه يعرفني البنت وصلت لفين."
بتر حديثهم هاتفها.
"أيوة..." ضيقت عيناها متسائلة.
"مستشفى ايه..." طيب.
الغضب ارتسم على وجهها كاد يندلع من حدقيتها لتهتف باستنكار.
"شوفت عمايل زفت هاني، البنت في المستشفى وكمان نزلت البيبي."
في المشفى بعد وصول الجميع وحالة التوتر التي انتابتهم وخاصة بعد حديث جاسر. نهض متجهاً إلى غرفة جنى.
هب عز ناهضاً يجذبه من ثيابه.
"انت رايح فين، انت مش مرحب بيك امشي غور من هنا."
دفعه جاسر عندما فاض به، وفقد السيطرة على انفعالاته.
"امشي من قدامي عشان منخسرش بعض."
تجهمت ملامحه واتجه إليه كالبركان الثائر.
"لا يلا تعالى وريني هتعمل ايه، تخسرني، انت مفكر أنك غالي عندي، تعالى كدا."
نهض بيجاد عندما تأزم الوضع. نظر لجواد الذي لم يرف له ساكن فكأنه لم يشعر بما يحاوطه.
"توقف بيجاد بينهم."
"ممكن تهدوا، احنا في المستشفى، لاحظوا إنكم بين عيانين."
لم يصمت عز وأصابه نوبة جنونية عندما فتح جاسر باب الغرفة وولج للداخل عند جنى.
دفع بيجاد بغضب.
"الواد دا بيحرق دمي، أقسم بالله بيحرق دمي."
نهضت ربى واتجهت إليه ووجهها عبارة عن لوحة من الألم والحزن.
أمسكت كفيه.
"عز حبيبي ممكن تهدى، شكلك نسيت جنى بالنسبة لجاسر إيه."
استدار يرمقها غاضباً. ثم نفض كفيها.
"بالنسباله ايه يادكتورة قوليلي، مش دا اللي رماها وراح اتجوز، وهو عارف أنها بتحبه، مكفوش وجعها لا كانت هتغتصب في بيته، ردي عليا يادكتورة وقوليلي."
"جنى بالنسبة لجاسر إيه غير أنه بيتسلى ويقضي وقت حلو، هو خسران حاجة، بنت جميلة بريئة كل شوية تترمي في حضنه، وياترى هو..."
"اخرررص ياحيوان..." قالها جواد بعد صمت دام لساعات منذ رجوعه، نهض ووقف أمامه عندما وجد حديثه القاسي لأبنته.
امسكه من كتفه بعنف يضغط عليه وصرخ بوجهه عالياً مما جعل الدموع تتجمع بعينيه.
"نسيت نفسك يلا بتشك في اخلاق أخوك، أخسي عليك، نسيت أن دا تربية جواد الألفي."
"يالا لكزه بصدره وابتلع ريقه بصعوبة، وشعر بتثاقل بتنفسه وكأن حجرا يطبق على صدره ثم قال بوجع مرير بعدما ترقرق عيناه بالدموع."
"دا جاسر يا عز، افتكر أن جاسر هو عز وعز هو جاسر، واللي يوقف قدام التاني هفعصه بجذمتي سواء انت ولا هو، واللي متعرفوش هو وقف من كام شهر وقالي أنا عايز ارتبط بجنى..."
صفعه بخفة على وجهه.
"أنا ما وافقتش ياباشمهندس، على الرغم متأكد أن الاتنين بيحبوا بعض، بس رفضت عشان مظلمش اختك. متجيش تعمل راجل وتسيء لأخوك قدامي، وابوك عارف كل حاجة، يعني انت مالكش كلمة عندي."
دنى عز ينظر لمقلتيه وأردف.
"طيب اسمعني ياحضرة اللوا، ابنك لو آخر راجل مستحيل اخليه يقرب من اختي، ومش بس كدا، علاقتي بيه اندفنت ومبقاش يهمني، يعني من الآخر كدا ينسى حد اسمه عز الألفي، ومعنى ينسى عز ينسى جنى، خليه يروح يشوف مراته هي أولى بيه."
أشار بسبباته محذراً إياه.
"ولو انت عمي جواد فعلاً ويهمك جنى اللي بتقول عليها بنتك خليه يبعد عنها، وهاتلي حق اختي اللي ابنك أهدره."
قالها ثم دفع ربى من أمامه وتحرك متجهاً إلى والده.
وقفت ربى تنظر إلى أثره بذهول، ثم رفعت نظرها إلى أبيها.
"بابا ايه اللي حصلنا؟!"
أطبق على جفنيه يجذبها لأحضانه، ثم طبع قبلة على رأسها.
"اعذريه حبيبتي، عز مجروح ومش أي جرح، دا مطعون في أخته ياروبي، وأكيد فاهمة معنى كلامي."
أزالت عبراتها ثم رفعت نظرها إلى أبيها.
"هو جاسر بيحب جنى فعلاً ولا قال كدا إحساسه بالذنب؟"
اتجه بنظره إلى غزل المتصنمة فأشار بعينيه على ابنته.
سحبتها غزل.
"تعالي ياروبي سيبي بابا دلوقتي، بعدين نتكلم ياقلبي."
بالداخل عند جنى.
جذب المقعد وجلس بجوارها.
"حبيبتي عدى ست ساعات هتفضلي كدا، ايه جاسر مش وحشك ياجنى، انتِ وحشتيني، ووحشتيني أوي كمان."
زفرة حارة خرجت من جوفيه.
"عارف إني غلطت، بس وحياة ربنا اتنازلت عنك عشان سعادتك، فكرتك بتحبيه، شوفتي عملتي فيا ايه."
دنى يهمس لها.
"تنازلت على قلبي عشان أشوف السعادة في عيونك، أصلاً غالية عليا أوي، توهت ياجنى، توهت وقلبي تاه معايا، حاولت أنسى وأتناسى بس مقدرتش، رضيت بقدري بس قدري مرضيش بيا، عرفت مفيش سعادة وأنا بعيد عنك، عارف اتأخرت، وعارف كلهم كانوا عندهم حق."
***
احتضن كفيها وآه خفيضة خرجت من جوفه بطعم العلقم مستأنفاً حديثه.
"كنت مستعد أتنازل عن نفسي بس ما أشوفش الحزن في عيونك، عارفة لو عمو صهيب عرف وقتها أن فيه مشاعر ليكي، كان هيغصبك عارف، ولو اتغصبتي عليا كنت هموت ياجنى، كنت مستعد أفضل دافن مشاعري بس أهم حاجة عندي أشوف نظرة الحب من عينيكي، مستعد أكون أخوكي طول حياتي بس أشوفك سعيدة مع اللي قلبك اختاره."
تنهيدة عميقة بأنفاس محترقة عندما توقف عن الحديث فلم يجد من كلمات تعبر عما يجيش في صدره، اكتفى إليها بالنظرات وهو يرسمها برماديته، ثم انحنى يطبع قبلة عميقة على وجنتيها.
رمشت بأهدابها عدة مرات هامسة باسمها.
"لاحت ابتسامة شقت ثغره وهو يحادثها."
"جنى حبيبتي... سمعاني."
فتحت عيناها تنظر لوجهه القريب، صرخت مبتعدة تضم جسدها.
"ابعد عني..." صرخت بها وهي تضع كفيها على أذنيها.
"ابعد..." صرخت حتى استمع عز الذي وصل بمصاحبة صهيب.
جذبها بقوة لأحضانه.
"جنى اهدي حبيبتي."
دفعته وصرخت.
"ابعد ياحيوان..." قالتها منتفضة عندما شعرت بكفيه على جسدها.
انهمرت عبراته ممزوجة بنزيف روحه حينها اشتهى الموت بكل جوارحه وهي يرها تنفر منه، وتصرخ مبتعدة خائفة.
جذبها بعنف، يحاوطها بين ذراعيه كقلعة حامية لها يهمس بجوار أذنها في الوقت الذي دفع عز وصهيب الباب والجميع خلفهم.
"اهدي حبيبتي... أنا جاسر، اهدي انتِ هنا في أمان."
شهقت ببكاء تهذي بكلمات لم يفهمها.
طبع قبلة على خصلاتها عندما انزلق حجابها من انفاعلاتها.
"جنى انتِ في حضني محدش هيقدر يقربلك حبيبتي... اهدي."
بكت وبكت تشد من احتضانه وهي تحاوط خصره، قائلة بصوت متحشرج بالبكاء.
"خبيني ياجاسر، خبيني منهم."
مسد على خصلاتها.
"متخافيش ياقلبي، أنا هنا."
اقترب صهيب وهو يستند على عز في دخول جواد، والجميع ينظر إلى تمسكها بأحضانه وبكائها وكلماتها التي انهمرت الدموع لأجلها.
"خبيني حبيبي، عايزين يغتصبوني."
جنى همس بها صهيب. هنا صرخت وابتعدت تجذب خصلاتها تمزقها وتبكي بشهقات.
"اغتصبوني يابابا... الحيوانات نهشوا لحم بنتك."
هوى صهيب على فراشها، وجذبها لأحضانها مع ارتفاع صوت بكائه.
"محدش قرب منك ياحبيبة أبوكي."
ظلت تدفع والدها وتصرخ، ابتعدت عن الجميع تضم جسدها وهي تهز رأسها.
"مش عايزة أشوف حد، كله يبعد، عايزة ماما."
"ياماما."
قالتها ببكاء، أسرعت الطبيبة تحاول حقنها بمساعدة جاسر وعز وجواد للسيطرة عليها.
صرخت بصوت شق المكان.
"حيووووووان... حيوانات."
ظل تهذي بها حتى غفت بمكانها. حملها عز ووضعها على الفراش ثم دثرها، ذهبت عيناه لبعض الآثار التي تركها ذاك الجبناء الذين لا يعرفون قيماً ولا أخلاق. فنهض معتدلاً وعلى حين غرة صفع جاسر بقوة.
شهقة خرجت من غزل وهي تصرخ باسم ابنها. أسرع بيجاد إليهما عندما وجد ترنح جواد واستناده على ريان.
"عز ابعد كدا بدل ما أضربك على وشك أغير ملامحه." ثم استدار إلى جاسر.
"جاسر روح شوف مراتك اللي محدش عرف يوصلها، لو سمحت الوضع مش متحمل."
سحبته غزل وربى من كفيه.
"حبيبي تعالى برة، هي نامت دلوقتي، لازم نطمن على فيروز."
قطع حديثهم رنين هاتفه. خرج للخارج وأجاب.
"نعم... انت فين ياحضرة الظابط."
"مراتك مرمية في المستشفى لازم تيجي فوراً عايزينك ضروري."
"مستشفى ايه؟" تسائل بها وتحرك كالألي.
وصل بعد قليل. أسرعت إليه تصرخ فيه.
"كنت فين وبنتي بين الحياة والموت، كنت فين لما هجموا عليها وضربوها وسقطوها."
رفع نظره مذهولاً.
"حد اعتدى عليها؟" تسائل بها بعينين متسعتين.
بترت حديثهم الممرضة.
"المدام لازمها عملية حالا ولازم موافقة جوزها لو سمحتوا."
"عملية!!" قالها متعجباً.
"آسفين يافندم المدام فقدت الجنين وعندها نزيف شديد، حاولنا معاها ولكن للأسف لازم من استئصال الرحم."
صدمة عنيفة حتى شعر ببرودة تجتاح جسده، فهتف.
"استئصال رحم ليه؟!"
ربعت سحر ذراعيها.
"ليه متعرفش أن فيه ناس هجموا عليها، بنت عمك بعتتهم عشان يسقطوها."
اتجه إليها وتقدم منها وعينيه ترسل سهاماً مشتعلة ثم أشار بسبباته.
"كلمة كمان وهنسى أنك أم مراتي، اللي يعتبر كدا ملهاش حاجة عندي، كدا كل واحد منا في طريق، بس أنا هعمل بأصلي وهفضل معاها لحد ما تفوق وترجع لحالتها ودا كرم مني مش أكتر يامدام."
دنى وانحنى بجسده يرمقها بنظرات نارية.
"متفكريش التمثيلية دي خلت عليا، أكيد ترتيبكم جه عليكم بس ربنا عادل واهو الحمد لله مفيش حاجة تربطني بأقذر أيام عشتها مع بنت."
دفعها بيديه وتحرك وهو يهتف بغضب.
"وسعي كدا من قدامي وشوفي لكِ ركن استخبي فيه عشان مطلعش جنان حياتي كله عليكي يا أقذر عباد الله."
مرت عدة أيام والحال كما هو، حتى ذهب ذات يوم للمشفى عند فيروز، فمنذ عمليتها وإفاقتها لم يتقابلا. ولج إلى غرفتها وجدها تغفو، جلس بجوارها لبعض الوقت وهو يطالعها، فبعدما وجد سجلات الكاميرا، واستماع مكالمتها مع والدتها ونيران غضبه تحرقه، يود لو يزهق روحها لماذا فعلت به ذلك، ألم تكن أنثى وتشعر بكم الألم الذي تعرضت له جنى.
فاق من شروده على صوتها.
"جاسر..."
نصب عوده واتجه إليها.
"حمد الله على السلامة يافيروز، عاملة إيه."
وضعت كفيها على أحشائها وبكت.
"شوفت ابني ضاع مني ياجاسر."
نزل بجسده وحاوطها بذراعه.
"دا عقاب عشان اللي عملتيه في الأول، كان ذنبه إيه ابني الأول تنزليه، اهو التاني لحقه، كدا عدل ربنا ياحبيبتي ومش بس كدا، لسة فيه مايصدمك."
رمشت بأهدابها وهي تبكي.
"فرحان فيا وشمتان هو دا مش ابنك كمان، ليه مش زعلان، دا كله عشان يفضالك الجو مع الست جنى."
انحنى مرة أخرى وانفاسه الحارقة على وجهها كادت تحرقها.
"فيروز أنتِ طالق."
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل السابع 7 - بقلم سيلا وليد
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
أحتاج إليك كحاجة العصفور لجناح وليفه، فهلّا ضممتني.
من أين لي.. أن أعاملك كغريب بعد أن كنتَ موطني؟!
أن أمر بجوارك ولا أنتبه، بعدما كنت أستشعرُك وبيننا أميال وأميال؟!
من أين لي.. أن أنسىٰ ملامحك التي كنت أحفظها عن ظهر قلب؟!
أن لا أميّز صوتك من بين ألف صوت؟!
من أين لي.. أن تُصبح شخصًا عاديًا، ومن قبل.. كنت روحي؟!
❈-❈-❈
انحنى بجسده وعيناه تغرز بفيروزتها.
"فيروز إنتِ طالق، عارف إني اتأخرت، بس معلش ملحوقة، متعرفيش إن رب الخير لا يأتي إلا بالخير."
قالها ناصبًا عودًا معتدلًا بوقوفه، يطالع صدمتها ودموعها التي انهمرت بغزارة.
"أكيد بتهزر مش كدا، مستحيل تعمل فيا كدا، إنت بتحبني يا جاسر مش كدا؟"
اعتدلت متأوهة وتوقفت متجهة إليه.
"حبيبي أنا آسفة، متعملش فيا كدا لو سمحت."
حاوطت خصره ووضعت رأسها على صدره تبكي بشهقات.
"جاسر متعملش فيا كدا، إنت عارف بحب..."
راجع للخلف وأبعدها بهدوء.
"فيروز أنا طلقتك، مفيش حاجة هتربطنا تاني، طلع بابا عنده حق، إنتِ متنفعنيش، حياتك غير حياتي."
صرخت فيه بقهر.
"قولي بقى أخدت الأمر من سيادة اللوا، ماهو أنا بنت المجرم، اللي أبوك أقنعك بكدا، عيلتي كلها مجرمين، إنما إنتوا طاهرين مش كدا يا حضرة الظابط؟"
ظل واقفًا بجموده وكأن كلماتها كالهوا لا تعنيه، فهتف وهو يضع كفيه بجيب بنطاله.
"كل حقوقك هبعتهالك، شقة النيل هكتبها باسمك زي ما كنتي عايزة، مؤخرك هيوصلك، كل ماتحتاجيه هيكون عندك."
دفعته كالمجنون وتناسّت آلامها، تصرخ فيه.
"مستحيل، مستحيل تبعد عني يا جاسر، يا تعيش معايا يا أما مفيش حياة ليك مع غيري."
ولجت والدتها بعد صرخات ابنتها.
"مالك ياروزة؟ بتصرخي كدا ليه؟"
ثم اتجهت إلى جاسر.
"يعني بقالك أسبوع مختفي ومحاولتش تيجي تشوفها، ويوم ما تيجي تخليها تعيط."
استدار متجها إلى باب الغرفة.
"انتهينا يا فيروز، وياريت تنسي في يوم إنك قابلتي واحد اسمه جاسر."
وزع نظراته عليها وأردف متهكمًا.
"متخافيش الست ماما هتعرف تنسيكي بسرعة."
ذُهلت سحر مما استمعت إليه، فأسرعت تمسكه من ذراعه.
"يعني إيه كلامك دا؟!"
رفع نظره لكفيها على ذراعه، ثم إليها وجز على أسنانه ضاغطًا عليها.
"إيدك، متطوليش على أسيادك، مش معنى كنت جوز بنت كنت بحترمك، قرفك كله عندي."
نفض كفيها كأنها شيئًا مؤذيًا.
وأشار بسبابته إليها.
"لسة محسبتكيش على اللي عملتيه، أفوقلك بس يا مدام."
قالها وتحرك متجها للخارج.
جثّت فيروز على الأرض تصرخ باسمه.
"جااااسر متسبنيش."
اتجهت والدتها إليها.
"الواد دا عمل فيكي إيه؟ فوقي كدا واحكيلي إيه اللي حصل."
على بُعد بعض الكيلو مترات بمشفى أخرى، كانت الجميلة تغفو بالمهدئات وأصبحت كزهرة خريف تبعثرت وريقتها.
وبجانبها يجلس أبوها يحتضن كفيها ويطبع قبلة عليها.
ولجت نهى إليه.
"صهيب حبيبي قوم ارتاح، الدكتور منعك من الحركة، لازم ترتاح لو سمحت."
نظراته مصوبة على ابنته التي ذُبلت وأصبح وجهها شاحبًا.
استمع إلى همسها باسم جاسر.
نهضت تصرخ وتضع كفيها على أذنها تنادي باسم مالك قلبها.
احتضنها والدها يحاوطها كالطفل الرضيع.
"اهدي حبيبتي أنا جنبك، بابا جنبك يا جنى."
بكت بصوت تنفطر له القلوب.
"بابا احميني يابابا، احميني."
دَلفت غزل إليهما.
جلست بجوارها، تتلقاها من صهيب الذي انهارت قواه.
"جنى حبيبتي.. عاملة إيه."
تراجعت بجسدها تحتضن نفسها، توزع نظراتها عليهما، ثم وضعت رأسها على حافة الفراش وهمست بدموعها.
"قالي استني حبيبتي أنا جايلك، احمي نفسك وأنا جايلك."
"خوفت واستخبيت."
قالتها وهي تنظر لأركان الغرفة كأنها تبحث عن أحدهما.
فاستأنفت ببكاء كزخات المطر.
"هو اتأخر وهي سابتني لوحدي."
صرخت كثير كثير، بكت بشهقات وهي تنظر لوالدتها.
"دورت عليكو، محدش جه وأنقذني منهم."
نظرت لنفسها وصاحت ببكاء مرتفع.
"قطعوا هدومي، وأنا فضلت أترجاه، قالي هتمتع بيكي على سرير ابن عمك عشان أحصرك عليكي."
صرخت ودافعت عن نفسي وضربته يابابا، وناديت على جاسر كتير.
"قالي كلام وحش."
وضعت كفيها على أذنيها وصرخت باسم جاسر كأنها تتعرض مرة أخرى للاعتداء.
"جااااسر."
صرخت بها تبتعد عنهم وهي تنظر إليهم بخوف كأنها لا تعرف أحدًا منهم.
اقترب صهيب محاولًا السيطرة عليها عندما بدأت تمزق وجهها بأظافرها.
"نفسه هنا، امسحوا نفسه من على وشي."
بدأت تمزق وجهها كالمجنون.
بكت نهى بشهقات عندما وجدت حالة ابنته.
تحركت غزل سريعًا مسيطرة عليها بمساعدة صهيب وقامت بحقنها، رغم ارتجاف كفيها من حالتها التي تدهورت يومًا بعد يوم.
❈-❈-❈
ولج جواد بعدما استمع إلى صرخات جنى عندما وصل إلى غرفتها.
تحرك سريعًا عندما فشل صهيب بحملها بسبب تعبه.
حملها عنه ودثرها بالفراش وهي تهذي بكلمات لم تفهم.
رفع بصره إلى غزل.
"هي هتفضل كدا يا غزل؟ عايشة على المهدئات؟"
جلست غزل بجوار نهى التي انهارت بالبكاء.
ربتت على ظهرها وأجابت زوجها.
"للأسف يا جواد الحادثة كانت صعبة أوي عليها، ومننساش إن جنى أصلاً حساسة، وكانت بتتأثر من كل حاجة."
نظرت إلى صهيب بأعين تفيض ألمًا.
"صهيب لازم تتعرض على دكتور نفسي، مفيهاش حاجة عضوية."
أطبق على جفنيه.
ساعده جواد على الوقوف.
"صهيب قومت ليه من سريرك، تعالى معايا."
استدار بنظره إلى ابنته.
"وأسيبها لوحدها يا جواد؟ طيب لما تفوق ومش تلاقيني هتقعد تعيط وتخاف، دا أنا جنبها وصرخت."
انحنى يلمس وجنتيها التي قامت بجرحها.
"شوفت عملت في نفسها إيه."
صمت للحظات مستندًا على جواد.
"فين جاسر؟ أوعى تكون طردته زي ما سمعت يا جواد."
تحرك جواد معه للخارج متجها لغرفته.
"صهيب ارتاح، نتكلم بعدين."
أمسك كف جواد وبعيون أرهقها الحزن والألم.
"أنا عايز جاسر يا جواد، ابعتله هاته."
ساعده جواد في التسطح.
"نام دلوقتي حبيبي وبعدين نتكلم، جاسر في شغله."
وضع له ماسك التنفس عندما وجد تنفسه ضعيف، ممسدًا على خصلاته.
"ارتاح ياحبيبي حاول تتنفس كويس، سيف جاي هو وميرنا في الطريق بعد ما عرفوا اللي حصل."
رفع الماسك وأردف.
"جواد مش عايزة زحمة، مش عايز بنتي تحس باختلاف في حياتها، كل واحد يرجع يمارس حياته زي الأول والحمد لله إنها جت على قد ما."
ولجت مليكة بجوار جواد ابنها.
"عامل إيه يا صهيب؟"
هز رأسه ورسم ابتسامة.
"كويس ياحبيبتي، مكنش المفروض تسافروا النهاردة، ليه ماسفرتوش؟"
تحركت وجلست بجوار جواد أخيها تربت على كفيه.
"حبيبي نطمن عليك وعلى جنى الأول."
رفع بصره إلى جواد. احتضنها جواد من أكتافها.
"ملوكة جنى كويسة، وصهيب كويس أهو، سافري حبيبتي ومتشغليش بالك."
بانتظار نهضت غاضبة ونظرت إليهم بحزن.
"يعني بتطردوني من حياتكم يا جواد؟ يعني مش كفاية طردتوا ولادي من ارتباط بناتكم وولادكم، جاين كمان مش عايزينى أشارككم وجعكم وحزنكم؟"
ذُهل جواد من حديثها، فنهض متوقفًا بإتجاهها وسحب كفيها للخارج عندما ذهب صهيب بنومه.
"ليه يا مليكة بتقولي كدا؟ من إمتى وإحنا بنبعدك، إنتِ شايفة حالة أخوكي إزاي، مش عايزين نتعبُه."
انسابت عبراتها وتحدثت بصوت متحشرج من البكاء.
"ماهو إنت مستخسر فيا أكون جنبكم يا جواد، معتبرني غريبة، دا حتى الغرب موجودين ومتكلمتش."
قطب جبينه متسائلًا.
"غرب!! مين دول؟"
اقتربت تغرز عيناها بمقلتيه.
"ريان يا جواد، ريان اللي من يوم الحادثة وهو ملازمكم، إنما لما قولت هبعت لحازم رفضت، وكأن حازم دا مش من العيلة."
تنهيدة عميقة بأنفاس حارقة خرجت من جوفه.
"مليكة أنا مش متحمل الضغط دا كله، كفاية تعب أخوكي، ومشاكل عز وجاسر، وجنى اللي يوم عن يوم حالتها بتدهور وإنتِ جاية بتكلميني في ريان وحازم."
زفرة محملة بالوجع وأشار على صدره.
"هنا نار بتحرق أعصابي، أنا ربنا أعلم بحالتي إزاي قادر أقف على رجلي، ابني اللي من أسبوع معرفش عنه حاجة، بعد ما طردته، حتى معرفش لقي مراته ولا لأ."
وحالة عز اللي مش عارف أسيطر عليه.
أمسكها بعنف صارخًا.
"أنا ببعد عز عن جاسر يا باشمهندسة عشان ميتورهوش ويؤذوا بعض، وصل بيا الحال أفرق ولادي عن بعض."
أشار إلى غرفة صهيب واستأنف غاضبًا.
"اللي جوه دا عنده شريان اتقفل خالص ومحتاج عملية في أقرب وقت، ردي عليا وقولي أساند مين ولا مين وأنا بسند نفسي بالعافية عشان محدش ينهار، عشان منخسرش أكتر من كدا."
رجع خصلاته بغضب كاد أن يقتلعها وصاح معنفًا إياها.
"العيلة بتوقع، وإنت مش حاسة بحاجة، مشفتيش عز بيعامل روبي إزاي، مشفتيش اتهاماته لجاسر."
"اهدي يا مليكة مش وقت جواد ولا ريان ولا حتى حازم."
قالها وتحرك سريعًا.
❈-❈-❈
بعد فترة وصل جاسر متجها إلى غرفة جنى، قابلته غزل على باب الغرفة.
"حبيبي إنت فين؟ ومراتك فين؟"
كانت عيناه على غرفتها. فتحرك متجها إليها.
"هشوف جنى الأول."
أمسكت كفيه تهز رأسها رافضة.
"نهى جوه، وبلاش يا جاسر، باباك قال إيه، ممكن تبعد حبيبي لما الدنيا تهدى."
سحب والدته وأشار بسبباته.
"ماما هدخل أشوف جنى، ياريت الكل يتقبل وجودي جنبها."
وصل عز وبأعين يتطاير منها الشرار توقف أمامه يدفعه.
"الواد دا بيعمل إيه هنا؟"
أتى للكمه أمسك ذراعيه جاسر، ونظر لمقلتيه بتحدي.
"أنا عذرك بس هتسوق فيها هدوس عليك ومش هرحمك، اللي جوه دي مش اختك بس، ليا فيها أكتر منك."
ثارت جيوش غضبه، فلكمه بقوة.
"بتقول إيه يا حيوان."
شهقت غزل وهي تضع كفيها على فمها، تحاول أن تفصل بينهما ولكن كان بداخل كل واحد نيران تلتهم الآخر.
استمع إليهم ريان الذي خرج من غرفة صهيب.
زفر مختنقًا، فالوضع أصبح مؤلمًا.
"فيه إيه منك له، مفيش احترام خالص، طيب راعوا إننا في مستشفى."
اتجه بأنظاره إلى جاسر وتحدث بفظاظة.
"جاسر الحكاية مش ناقصة يابني، ووجودك دلوقتي مش مستحب، بلاش نشوف قلبة جواد عليك، فلو سمحت امشي من هنا فورًا قبل ما باباك يجي."
ثم اتجه إلى عز.
"عارف إنك مجروح على اختك، بس دا ابن عمها يعني دمها ولحمها، متنسقش ورا غضبك يابني، الغضب نار بتاكل كل اللي يقابلها، وفكر في تعب أبوك."
مسد على كتفه وأشار إلى جاسر.
"إنتوا قبل ما تكونوا ولاد عم فأنتم إخوات، بلاش شيطانكم يخسركم بعض."
"يلا يا جاسر، امشي لو سمحت."
"عمو ريان مش همشي غير لما أشوف جنى، هشوفها يعني هشوفها."
كور عز قبضته يجز أسنانه.
"الواد دا عايز أموته، شوفت يا عمو ريان بتقولي أخوك."
فتح الباب ودلف مغلقًا الباب خلفه. وكأنه لم يستمع إليهما.
أتى ليدلف خلفه أمسكه ريان.
"عز خلاص بقى سيبه يشوف بنت عمه، هو معذور إنت مش شايف حالته، مرتاح كدا وإنت شايف جاسر كدا، دا متأثر أكتر منك، اتلم كدا عشان اليوم يعدي على خير."
❈-❈-❈
بالداخل كانت نهى تمسد على خصلاتها وتقرأ قرآن بجوارها، شعرت بدلوف أحدهما رفعت عيناها.
وجدته متوقفًا على بعد خطوات.
أشارت بكفيها، تحرك بخطوات سلحفية وعيناه تغشاها الدموع تظلل غيمته وقلب متهمشًا من الحزن والوجع، ظل يخطو كطفل يتعلم المشي وهو يبحر بعيناه عليها، جلس بجوارها.
ثم دنا يطبع قبلة على جبينها، وروحه تئن كوتر مقطوع.
دقق النظر بملامحها التي بهتت بالكامل، كور قبضته وشعر بالألم ينخر عظامه نخرًا عميقًا.
آهة بألف وجع من قلب متألم.
"دي جنى."
استدار يطالعها برماديته المغشية بالدموع.
"لسة بتنام بالمهدئات."
هزت رأسها.
"لسة عايشة على المهدئات."
سكنت هنيهة وهي تطالعه بصمت ثم تساءلت.
"معرفتش حاجة على مراتك؟"
طالعها بتردد هو اتخذ قرارًا أن لا يعلم أحدًا في ذاك الوقت.
نظر للبعيد وكأن هذا الشخص تحول لشخص آخر، وأصبح زاهدًا في كل شيء.
ورغم صمته وهدوئه، إلا أن عيناه متألمة مجروحة.
اتجه بأنظاره إلى جنى.
"سقطت البيبي وطلقتها يا طنط، بس محدش يعرف."
شهقة خرجت من فمها، تهز رأسها رافضة حديثه.
"ليه يابني كدا، أنا مش مصدقة يكون ليها يد في اللي حصل لجنى متظلمهاش ياحبيبي."
انسابت دموع الضعف والألم بآن واحد ولم يستطع تمالك نفسه أكثر من ذلك فانهارت حصونه وهتف مؤكدًا.
"مش عشان كدا بس مع إني متأكد، أنا تعبان ومش مرتاح، ودلوقتي برجع الوضع لمسيره الطبيعي يا طنط."
"اتسرعت ياحبيبي كنت أدلها فرصة، مش كل اللي نظنه بيطلع صح."
اتجه يجلس بجوار جنى وحاول تغيير الحديث.
"ليه سايبة شعرها كدا، افرض الدكتور دخل، لبسيها حجابها لو سمحتي."
ابتسمت وربتت على ظهره.
"غيران عليها يا حضرة الظابط ولا إيه؟"
كانت نظراته تبحر عليها.
"إنتِ مش شايفة إنها تستاهل الغيرة."
اتجهت لأبنتها ثم تحدثت بمغذى.
"أيوه طبعًا لازم تغير هي دي مش اختك ولا إيه."
❈-❈-❈
جملتها أشعلت حقول النيران بصدره حتى احتل الغضب ملامح وجهه فهتف مزمجرًا.
"لا مش اختي، ومش عايز أسمع نغمة اختي دي تاني لو سمحتي يا طنط نهى، عشان ما أعملش جريمة، كفاية ابنك المتخلف."
لمعت عيناها مع ابتسامة زينت ثغرها. ثم تنهدت متجهة بأنظارها إليه.
"وكان ليه من الأول يا جاسر، عمك حاول يفهمك بس."
رفع كفيه.
"مع احترامي لحضرتك يا طنط ممكن منتكلمش في الموضوع دا."
هزت رأسها رافضة حديثه.
"دا أهم حاجة لازم نتكلم فيها يا جاسر، ومتنساش إن جنى مخطوبة دلوقتي."
زفرة حارة خرجت من جوفه ثم تحدث.
"كانت مخطوبة يا طنط، دلوقتي هي مش مرتبطة، وزي ما بيقولوا كدا أنا أولى من الغريب."
فرجت شفتيها مذهولة لا تصدق ما تسمعه، هدأت ثم تحدثت بهدوء.
"لا والله."
قالتها مع رسم ابتسامة، ثم استأنفت حديثها قائلة.
"يعقوب لسة معرفش اللي حصل لجنى عشان هو مش موجود في القاهرة، تفتكر لو يعرف هيسبها."
"هيسبها مش بمزاجه أصلًا."
شهقة خفيضة خرجت من فمها، تهز رأسها.
"لا دا إنت فعلاً اتجننت زي ما عز بيقول."
"طيب ليه تجيبي سيرة المتخلف دلوقتي بس؟"
"بص ياحبيبي أنا عارف إنك بتحب جنى كأخت ليك، وعمايلك وكلامك دا عشان مشيل نفسك الذنب، خليك زي ما إنت يا جاسر، أخوها الحنين بلاش تقنع نفسك بحاجة مش موجودة."
لم يجد ما يعبر به عن ما يختلج صدره، لقد تعثرت الكلمات عند شفتيه وكأنه لا يعرف التعبير عن مشاعر دفنت بداخله حتى أصبحت كتلة نارية ستنفجر.
سكت هنيهة يسحب نفسًا ثم زفره ببطء قائلاً.
"مش هكدب عليكي وأقولك إني مبحملش نفسي المسؤولية، بس قبل دا كله جنى حد مهم جدًا في حياتي، وقبل ما حضرتك تتكلمي كل اللي حصل بسبب جنى."
قطبت جبينها عابسة.
"جنى.. ليه عملت إيه؟"
ارتسم الألم داخل مقلتيه محدقًا بها وقبضة حادة تسحق قلبه عندما لاحت ذاكرته لذاك اليوم.
❈-❈-❈
فلاش
"جاسر.."
توقف مستديرًا إليه.
"عارف الوقت مش مناسب."
"بس فيه موضوع عايز أكلمك فيه، عايز آخد قرار وخايف من ردة فعل عز."
طالعه منتظر حديثه.
"أنا بحب جنى وخايف الموضوع يتفهم غلط."
قشعريرة اختلجت كيانه، وتعلقت عيناه بجواد منتظر بقية حديثه والذي أشعر آنذاك بالوجع، وكأن أحدهم صفعه بآلة حديدية حتى فقد توازنه، فاستند على سيارته، وتساءل مهزوز الجسد مندفع النبض.
"جنى بنت عمو صهيب."
قالها مبتلعًا ريقه بصعوبة.
أومأ جواد مبتسمًا.
"أيوه يابني متعرفش ولا إيه، أنا وجنى على علاقة مع بعض."
هنا شعر بغصة منعت تنفسه حتى شعر بالاختناق فقام بفتح زر قميصه.
"فكنت عايزك تكلم خالو صهيب وتفهمه."
استدار بجسد مترنح وخطوات متعثرة، يهز رأسه عندما فقد الكلام واستقل سيارته متحركًا بسرعة جنونية، ونار العشق تلتهب صدره بل أعضائه بالكامل.
توقف بالسيارة على جانب الطريق وهو يكور قبضته بعنف حتى شعر بتلك القبضة تعتصر فؤاده بالكامل.
أمسك هاتفه.
❈-❈-❈
"جنى إنتِ فين؟"
يتساءل بها والغضب المحموم يكاد يندلع من حدقته وونفور عروق رقبته.
أجابته.
"خارجة من الجامعة وعندي ميعاد مع جواد، ليه فيه حاجة؟"
باتت عيناه زائغة ونبضاته تهدر بعنف، فكور قبضته بعنف يجز عليها بأسنانه.
أخرجته من حالته عندما تساءلت.
"هتروح لغنى المستشفى؟ لو هتروح نتقابل هناك."
"إن شاء الله.. هقفل عندي شغل."
قاطعته صارخة.
"كنت عايز حاجة؟"
"لا."
قالها وتحرك بالسيارة متجها إلى المشفى.
وصل بعد قليل قابله ياسين.
"جاسر كنت فين بتصل بيك مبتردش."
"فيه حاجة ولا إيه؟"
همس له.
"البنت اللي في الشقة الدادة بتقول رافضة الأكل وبتسأل عليك."
فاق من ذكرياته على صوت نهى.
"جاسر عمك صهيب كان بيسأل عليك، يبقى عدي عليه، وبلاش تطول عند جنى عشان عز وباباك."
أومأ برأسه، نهضت متحركة للخارج.
تراجع بجسده على المقعد وهو يرسمها بعينيه.
انحنى قائلاً.
"عارفة لو حاسة برجفة قلبي اللي حاسس بيها دلوقتي كنتي قومتي وضحكتي قولتي."
"قاعد كدا ليه يا جاسورة؟ عندي وجع يكفي العالم كله يا جنى."
"ليه عملتي فينا كدا، طب بدل ماحبتيش جواد، ليه قولتي إنك بتحبيه وفجأة رجعتي في كلامك، طب لو فعلًا عشان أستقل بيك قدام الناس، دا سبب يخليكي تكرهيه."
"هتجنن يابنت عمي والأسئلة دي بتضرب عقلي، وكل ما أسألك تقولي نصيب."
انحنى مقتربًا منها أكثر.
"موضوع يعقوب بتلعبي بيه ليه جنى؟ قصدك إيه من الحركة دي، ماهو متقنعنيش إنك بتحبيه، تبقي هبلة ومتعرفيش أنا حافظك أكتر ما إنتِ حافظة نفسك."
احتضن كفيها يلثمه، ثم ربت عليه وتحدث إليها كأنها تستمع إليه.
"هروبك بخطوبة يعقوب مالهاش غير تفسير واحد يابنت عمي، ولو فعلًا الموضوع كدا، هنزعل من بعض جامد، وهعاقبك جامد أوي يا جنى، صدقيني على قد حبي ليكي على قد ما هيكون عقابي إنك بتهربي مني بخطوبتك."
تنهيدة عميقة غادرت ضلوعه حتى شعر بتكسرها فتحدث بأسى.
"هنتعاقب كتير أوي يا جنى، وشكلنا هنتعب مع بعض، بس متخافيش عقابك هيكون جوه حضني."
انحنى وهمس بجوار أذنها.
"اتأكد بس من شكوكي وصدقيني وقتها محدش هيرحمك مني، حتى قلبي دا مش هيشفعلك."
❈-❈-❈
ولج عز يدفع الباب بغضب.
"إيه القعدة عجبتك ولا إيه يا حضرة الظابط."
لم يعريه اهتمامًا وانحنى يطبع قبلة على وجنتيها أمام عز، الذي ثارت جيوش غضبه فجذبه بعنف للخارج.
"إنت عايز إيه يلا، عايز توصل لأيه."
أنزل يد عز بهدوء مستفز وهو يرمقه بتحذير فهتف بهدوء رغم حزنه منه.
"أنا لحد دلوقتي بتعامل معاك على أساس الأخوة يا عز، بلاش تخليني أفقد أعصابي عليك."
لكمه عز ب وجهه، رد عليه جاسر.
لكمته.
"مالك يا حيوان منك له، إيه شغل الأطفال بتاعكم دا، مفيش احترام خالص."
دفع جواد عز بكفه بعيدًا، ثم اتجه لابنه.
"إيه اللي جابك، أنا مقولتلكش متجيش."
نكس رأسه أسفًا وقال بألمًا يعتصر ما تبقى من روحه المعذبة.
"هفضل منفي لحد إمتى، مقدرتش أبعد أكتر من كدا يا بابا،"
رفع بصره لوالده وهتف.
"جاى أصحح أخطائي."
أشار بكفيه إلى ممر الخروج.
"امشي يا جاسر من قدامي دلوقتي، أنا لسة محسبتكش."
لكزه بصدره وأشار بسبابته.
"خليك فاكر إنك متحسبتش."
"لسة، امشي دلوقتي من قدامي مش عايز أشوف وشك."
ابتلع ريقه بصعوبة واختلج صدره بالذنب فتحدث.
"بابا أنا جاي وطالب السماح، ومستعد لأي عقاب."
شعر ببعض تأنيب الضمير بعدما لمح الألم بعين ابنه، هو يعلم أنه يضغط عليه، ولكنه اضطره لذاك عندما لم يستمع إليه منذ البداية.
رسم قناعًا باردًا على ملامحه يعكس غليانه القابع بصدره فتحدث دون نقاش.
"بعدين نتكلم اطمنت على بنت عمك خلاص امشوا."
وصلت نهى إليهم.
"جاسر عمك صهيب عايزك."
أومأ ثم نظر لوالده حتى يشفع له ولكنه استدار يواليه بظهره.
تحرك متجها إلى غرفة عمه، بينما اتجه جواد إلى عز وامسكه بعنف من ذراعه.
"من إمتى وإنت عدواني وحلوف كدا يلا، هتتلم ولا ألمك أنا."
تسارعت أنفاس عز محاولًا السيطرة على أعصابه فرفع رأسه لعمه.
"قولي حضرتك يا عمو، لو واحدة من بناتك أنا عملت فيها كدا، هيكون رد فعلك إيه."
❈-❈-❈
دفعه جواد بعيدًا عنه بحركة قاسية مليئة بالنفور، وأشار بسبباته متوعدًا.
"اغلط يا عز، اغلط كمان، جنى دلوقتي مش بنتي وإنت مش ابني."
لكزه بقوة ارتد من خلالها عز للخلف والغضب تلون بملامح جواد وامتزج بنبرة صوته الفظة.
"أنا كنت عاذرك وقولت مصدوم بس هتستهبل هخليك تكره نفسك."
انكمشت ملامح عز باعتراض تجلى في نبرته.
"دا كله عشان قولت لابنك ابعد عن اختي."
"ابن مين يلا.. هو دا مش أخوك."
حاولت غزل التدخل.
"جواد أهدى، متنساش ضغطك لو سمحت."
لم ينظر إليها ولم يهتم بحديثها، وصل إليه يمسكه من تلابيبه.
"إنت عملت أكتر من كدا يا حيوان، فمتفكرش نفسك بريء."
كانت عين جواد تلقي إليه سهامًا مشتعلة فاستأنف بقسوة.
"متعمليش ملاك، عشان مدوسش عليك."
دفعه بقوة واستدار ليتحرك.
كانت تقف والدموع تنساب على وجنتيها في اشتداد الحوار بين والدها وزوجها.
اتجت إليه بعد مغادرة والدها. توقفت أمامه.
"عز.. متزعلش من بابا وجاسر، إنت لسه مُصر إن جاسر أذى جنى."
تلاقت عيناه بعينها وتعالت أنفاسه الحارقة بنيران الغضب المنبعثة منه بعد حديث جواد.
"عشان أخوكي حقير يا دكتورة، أخوكي ساب اختي وراح اتجوز واحدة معندهاش ضمير كانت هتضيعها، إيه الغل والحقد دا كله."
مسح على وجهه بعنف ثم رفع بصره إليها وألقى عليها حديثه الذي جعل جسدها ينتفض.
"والله لأندمه وأحرق قلبكم عليه، على قد وجع وانكسار اختي لازم أكسرك يا جاسر."
قالها وتحرك مغادرًا وخطواته تأكل الأرض كالنيران التي تلتهم القمح.
❈-❈-❈
بالداخل عند صهيب.
دلف جاسر وهو منكس الرأس، وجسده يرتجف ألمًا وحزنًا على عمه.
خطى بخطى سلحفية يقدم قدمًا ويتراجع بالأخرى، وعيناه على عمه الذي رفع نظره يطالعه بصمت.
وصل إليه وظل واقفًا وكأنه صم بكم لا يعلم كيف الحديث.
لوى صهيب شفتيه ساخرًا ثم تحدث.
"دا إيه الأدب اللي نزل عليك فجأة يا ابن جواد."
رفع نظره لعمه وتعلقت عيناه المتألمة بعين صهيب المتسامحة.
"آسف."
قالها بكل ندم من قلبه، ثم انحنى بأحضانه عندما رفع صهيب ذراعيه إليه.
"تعالى يا أهبل يا ابن العبيطة."
ألقى نفسه بحضن عمه وظل يبكي بشهقات مرتفعة وهو يهمس بصوت متحشرج بالبكاء.
"مكنش قصدي نوصل لكدا، مكنتش أعرف والله يا عمو، صدقيني لو أعرف نصيبي هيكون كدا مكنتش حاولت."
احتضنه صهيب يربت على ظهره قائلًا.
"متحملش نفسك فوق طاقتها ياحبيبي.. دا كله قدر ومكتوب."
آه حارقة خرجت من جوف جاسر وهو يبكي بحرقة ونبض قلبه ينتفض بأنين.
"قولي أداوي الجرح إزاي يا عمو، والجرح عميق مالوش دوا يا عمو."
أخرجه صهيب من أحضانه محتضنًا وجهه يزيل دموعه بأنامله.
تواصل بصري بينهما مع بكاء جاسر وضعفه أمام صهيب، أطبق صهيب جفنيه بقوة يعتصره، ثم فتح عيناه قائلاً.
"جاسر.. انسى كل اللي حصل، نهى حكتلي على اللي حصل معاك، عايزك متزعلش من عز وأبوك."
أشار للمقعد بعينيه.
"اقعد عشان كلامنا هيطول."
جذب المقعد وجلس بجوار عمه.
رَان صمت بالمكان لبعض الوقت حتى قطع الصمت صهيب.
"بتحب جنى يا جاسر؟"
انحبس النفس بصدره، حتى شعر بإنسحاب الأكسجين من المكان ونبضاته تتسارع.
طال النظر لعمه بالصمت وعقله يأبى البوح بما يشعر به، وقلبه يشير بالبوح بكل ما يشعر به، فالقلب يعشق بكل جوارحه حتى أصبحت حياته مرتبطة بعشقه لها، وهذا ما علمه بعد حادثتها الذي تمنى موته حينها لا محالة.
حمحم صهيب حتى يقطع صمته ثم تساءل.
"لدرجة دي السؤال صعب يابن أخويا."
أشاح بوجهه بعيدًا عن عمه عندما انسابت دموعه فهتف بهدوء رغم نيران عشقه.
"حياتي بجنى زي القلب للجسم يا عمو، عايز تموتني أبعدها عني.. مش هقولك غير كدا."
قالها بنبرة شجية حزينة خرجت متمزقة بلهيب العشق.
تنهيدة مؤلمة أخرجها صهيب على ما وصل الحال إليه.
"اسمعني يا جاسر كويس، وافهم معنى كلامي ياحبيبي، أنا بقالي يومين بفكر لحد ما وصلت للحل اللي هقولك عليه، بس اوعدني الأول الكلام دا يفضل بينا سر، وحاجة كمان لازم تفهمها."
"وعدك هتتحاسب عليه لو منفذتوش."
أومأ برأسه منتظرًا حديثه.
سحب نفسًا ببطء عندما شعر باختناق تنفسه ثم تحدث بصوت ضعيف.
"أنا هدخل عمليات بعد يومين، ومش عارف هطلع منها ولا لأ."
"ألف سلامة عليك يا عمو، وسامحني أنا السبب في وجع قلبك."
ابتسم صهيب بخفوت واستأنف حديثه.
"سبني أكمل، عارف إنك السبب في دا كله، عشان لو سمعت كلامي من الأول مكنش وصلنا لكدا، بس برجع وأقول كله قدر ومكتوب ياحبيبي.. أنا اتكلمت مع باباك امبارح وهو رافض اللي هقولك عليه، ومسبليش خيار تاني، لازم أطمن على جنى."
لاحظ جاسر ارتجافة طفيفة بجسد عمه، فجذب كفيه يربت عليه.
"هعملك كل اللي تأمر بيه ووعد، لو عايزاني أبعد عن جنى، أوعدك مش هقرب منها، المهم متزعلش مني، ومتفكرش كلامي لعز تهديد، أنا كنت مضايق وبسكتُه وخلاص."
رفع صهيب كفيه المرتجفتين، وصفعه بخفة على وجنتيه.
"اسكت ياحمار، بطل هبل، إنت بتفكرني بأبوك زمان، اللي عايز أفهمهولك ياحبيبي متدفنش أي مشاعر جواك، سواء حب أو غضب."
صمت لأخذ أنفاسه، شعر بتقطع نفسه، فأمسك الماسك التنفسي ووضعه على وجهه لبعض الدقائق، وجاسر يتابعه بأنظاره الحزينة.
بالإسكندرية وخاصة بمنزل بيجاد وغنى.
ولج إلى منزله بعد يوم شاق من العمل.
هرولت إليه على الدرج.
"بيجاد اتأخرت ليه."
رفعها من خصرها ثم طبع قبلة على وجنتيها.
"معلش حبيبي كان عندي كام اجتماع كدا."
سحبته من كفيه بعدما نادت العاملة.
"خدي شنطة البيه دخليها أوضة المكتب، وجهزي الغدا."
"تحت أمرك يا مدام."
قالتها العاملة وغادرت.
جلس على الأريكة يتمدد بجسده يضع رأسه على ساقيها.
مسدت على خصلاته.
"قوم خد شاور عشان تتغدى، وبعد كدا ارتاح."
أغمض عيناه ثم تحدث.
"غنى اعمليلي مساج، حاسس دماغي هتتفجر."
انحنت بجسدها تطبع قبلة على خاصته ثم غمزت بعينيها.
"يعني على الحلو لما تبهدله الأيام."
اعتدل يقهقه عليه، ثم جذبها حتى جلست بأحضانه.
"لا حبيبي شمتان فيا."
رفعت حاجبها بسخرية.
"أيوه شمتانة، وفرحانة كمان."
ثم انكمشت ملامحها بألم وتبدل حالها.
"مش قولت هنسافر القاهرة النهاردة، قلبي وجعني على جاسر أوي."
حملها متجها للأعلى.
"اديني يومين بس حبيبي أخلص الاجتماعات المركونة عندي، وهننزل، أنا أقدر أرفض لغنايا طلب."
حاوطت عنقه ثم وضعت رأسها على صدره.
"بيجو حبيب قلبي بعشقه أوي أوي."
"أيوه يابنت جواد طول ما أنا بنفذ أوامرك بيجو وحبيب قلبك ووقت لما أقولك لا."
"يامفتري يامنحرف يادكتاتور."
ارتفعت ضحكاتها الناعمة وهي تهز ساقيها.
"أبدا أبدًا إنت ظالمني."
أنزلها بهدوء يغمز بعينيه.
"هشوف دلوقتي يا غنون الدكتاتوري هتعملي معاه إيه."
نظرت حولها ثم جحظت عيناها متراجعة للخلف.
"جايبني هنا ليه يابن المنشاوي."
ارتفعت صوت ضحكاته وهو يضرب كفيه بالأخرى.
"مش بقول بتقلب بسرعة."
جذبها بقوة ثم حاوطها بذراعيه.
"الست اللي بتدخل الحمام مع جوزها بتعمل إيه."
قالها غامزًا بعينيه.
رفعت ذراعها تحاوط عنقه ثم هتفت مازحة.
"بيغسلوا سيراميك الحمام ياحبيبي."
انحنى يضع رأسه بتجويفها.
"وأنا عايز أغسل السيراميك يا غنايا."
تسمرت بوقفتها محاولة الفكاك من قبضته.
"بيجاد وسع كدا."
حملها مرة أخرى وولج لداخل كابينة الحمام.
"والله مايحصل أبدًا."
عند ربي وعز.
بعد عدة ساعات ولج إلى غرفته كانت تجلس بالشرفة تنظر للخارج بشرود، ويظهر على ملامح وجهها الحزن.
شعرت بوجوده، استدارت تنظر إليه بصمت.
سحب نفسًا وزفره بهدوء ثم اتجه إليها.
"قاعدة كدا ليه."
نهضت متوقفة أمامه.
"هجهزلك الغدا."
قالتها وتحركت ولكنه عرقل مشيها بالوقوف أمامها، سحب كفيها واتجه بها إلى الفراش.
"اقعدي لازم نتكلم."
شعرت بقبضة تعتصر قلبها ولا تعلم لماذا، ناهيك عن شعورها السيئ الذي يقتنص روحها.
رفعت عيناها الرمادية التي يغطيها طبقة كرستالية من الدموع.
"لو هتقول كلام يزعلني يا عز، بلاش تتكلم لو سمحت، استنى لحد ما تهدى، بلاش تنساق ورا غضبك وبعدين نخسر حاجات منعرفش نرجعها تاني."
ابتعد ببصره عن عيناها الحزينة وهتف.
"روحي اقعدي اليومين دول عند باباك، أنا الأيام دي مجروح وممكن أجرحك معايا."
قالها ونهض متحركًا.
نظرت بذهول لظهره الذي ولاها إياه فهمست بتقطع.
"بس أنا مش عايزة أبعد عنك يا عز."
كور قبضته واستدار إليها بلهيب غضبه.
"هتقدري تقاطعي أخوكي؟ هتسمعي الكلام لو قولتلك إن أنسي إن ليكي أخ اسمه جاسر."
بعينين متسعتين هتفت بذهول.
"أكيد إنت مجنون مش كدا، إيه اللي بتقوله دا، عايز تحرمني من أخويا."
أشار عليها ساخرًا.
"شوفتي يادكتورة، اهو قولتي عليا مجنون، يا كدا يا تروحي بيت أبوكي."
قالها وتحرك مغادرًا.
هوت جالسة على الأريكة عندما شعرت بدوران الأرض تحت أقدامها، انسابت عبراتها تهمس.
"لدرجة دي يا عز.. تبعني أنا."
مرت عدة أيام.
ذات مساءٍ وصل للمشفى، صعد لغرفتها وجد يعقوب يجلس بالخارج بجوار عز.
ولج للداخل دون حديث، نهض عز خلفه، وجده يحمل جنى متحركًا بها للخارج.
"إنت بتعمل إيه يلا."
ركله بقوة حتى تراجع للخلف قائلاً.
"ابعد عني عشان مزعلكش، وهوديها لدكتور تاني."
ثم تحرك متجها بها للأسفل، قابله جواد الذي يخرج من غرفة العناية.
"واخد بنت عمك على فين."
احتضنها يوزع نظراته بينهم، ثم تحدث إلى والده بهدوء، رغم نيران قلبه.
"بابا لو سمحت خليني أمشي جنى لازم دكتور نفسي يشوفها غير دا، من فضلك متمنعنيش عشان ما أعملش حاجة تزعلكم."
صفعة قوية على وجهه، ثم تلقى جنى بين ذراعيه، هاتفا بغضب.
"وريني كدا هتعمل إيه يزعلني."
توقف متسمرًا بمكانه ينظر لوالده الذي دلف بها للغرفة، استمع إلى عز.
"احمد ربنا إن أبوك أنقذك مني."
اتجهت نهى إليه.
"جاسر امشي دلوقتي وخليك قد وعدك ياحبيبي.. ياريت تشغل دماغك شوية يا حضرة الظابط."
فتحت الجميلة عيناها تنظر حولها بذهول تكتشف أين هي، اعتدلت تنظر لثيابها التي بدلت حاولت التذكر ولكن لم تستطع كأنها أخذت حبوب فقدان الذاكرة.
استدارت تنظر لذاك الكومودو، وجدت به تلك البطاقة، وبجانبها هاتف.
فتحت البطاقة وقرأت ما بداخلها.
عشقي لكِ
يشبه الإدمان أعلم أنه مؤذي ولكن راحتي فيه.
مثل المطر يصيبني بالبرد ولكني مغرمة به.
#جنى_الألفي.
قطبت جبينها ثم اتجهت للهاتف و
جذبته ثم فتحته، لم يوجد به سوى رقم واحد.
قطبت جبينها متسائلة.
"رقم مين دا؟ وأنا فين."
المذهل أن صورتها على الهاتف.
امسكته بيد مرتعشة وهاتفت الرقم الذي يسجل.
كان هناك في تلك الغرفة يستند بساقيه الموضوعة على المقعد وهو يشاهد ذاك المكبل من ذراعيه وأقدامه ويوضع بأسفله تلك النيران التي تشتعل أسفله وهو يصرخ، ووجهه الذي تشوه بالكامل بتلك المادة الحارقة.
جلس ينفث تبغه بإستمتاع من صرخاته وهو يراقبه بصمت لبعض الوقت.
ألقى سيجاره واتجه إليه يجذبه من خصلاته بقوة قائلاً.
"لسة لسانك عايز أقطعه عشان كلماتك القذرة تحرم تطلعها على أي بنت."
قالها وهو يلكمه بقوة بوجهه حتى شعر بكسر أنفه.
استمع إلى صوت هاتفه، أخرجه ينظر لتلك الصورة التي أنارت هاتفه فهتف.
"صباح الورد."
قطبت جبينها متسائلة.
"إنت مين."
قهقه عليها واردف مازحًا.
"أنا اللي متصل ولا إنتِ، أكيد واحدة حلوة بتعاكس واحد حلو زيي."
"جاسر."
همست بها وهي تنظر حولها بذهول.
توقف وهو يستمع إلى لحن اسمه بنبرتها الشجية التي أرسلت إلى روحه ملاذًا ككأس خمر ليتخدر ويجعله بحالة سكر بعشقها فقط.
أجابها بنبرته الهادئة التي تخصها وحدها.
"عيون جاسر."
وكأنها لم تستمع إلى حديثه فتساءلت.
"أنا فين يا جاسر، وإيه المكان دا؟"
رجع خصلاته المتمردة على وجهه وآهة أبلغ من أي رد وروحه تعانق قلبه وهو يجيبها.
"إنتِ في قلبي يا جنجون، نص ساعة وأكون عندك حبيبي متخافيش، مفيش غير قلبي اللي عندك ودا عمره ما يأذيكي."
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثامن 8 - بقلم سيلا وليد
الفصل الثامن
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
أبتسمتُ بغرور، حينما سألني
ألم تعرفين ماذا فعلتِ بي؟!
منْ أنتِ، وماذا أقول عنكِ؟!
وقفت بشموخ واجابته:
إذا سألوك عني، قل لهم هي الفتاة الوحيدة التي أدمنتني وأنا كسرتها، فعدت لها راكعا مذلولا
رفعت يدي إليها
-هل تقبلين اعتذاري مهلكتي
❈-❈-❈
قبل شهرا
جلس بجوار عمه حتى انتظم تنفسه، احتضن كفيه ثم قبله
-حبيبي ياعمو آسف، والله ماكنتش أقصد أبدا
ربت صهيب على كفه
-اسمعني ياجاسر، انا كنت متأكد من حبك لجنى بس محبتش افرضها عليك يابني، وقولت خليه يعيش حياته ..ابتلع غصته عندما تذكر وجع ابنته فاسترسل
-جنى عندي أغلى من نور عيوني، مش هخبي عليك لما حسيت بعد جوازك انك بقيت تقرب منها أنا كنت بضايق وبحاول أبعدها عنك، وخاصة لما عرفت أن حياتك مع مراتك مش طبيعية
سحب نفسا وزفره بهدوء ثم استأنف
-جواد لما لعب ببنتي انا اضايقت لدرجة فضلت مقاطعه شهور، ولما طلبت منك تخطبها كنت اتمنى، بس انت وقتها عملت ايه، زعقت وثورت وقولت انا بحب واحدة وجنى اختي، برغم نظراتك ليها كانت نظرات عاشق، وحاولت اقربكم وافهمك أن دي اللي بتحبها، لكن حضرتك طلعتني غبي، والباقي انت اكيد فاكره
احتل الألم ملامح جاسر، وتكونت العبرات بجفنيها، فسحب بصره بعيدا عن عمه هامسا
-وأنا محبتش افرض نفسي عليها، محبتش اعرفك اني بحبها عشان متجبرهاش عليا..اتجه ببصره لعمه وهتف
-هي جت وقالت لي بحب جواد، كنت هترضالي اتجوز واحدة وقلبها مع واحد تاني، لا ومش أي واحد دا يعتبر اخويا
ارتسم الألم والحزن بآن واحد واستأنف
-اول حاجة كانت هتتقال من عمتي، جواد وصهيب بيموتوا ولادي، حتى بعد معرفتهم بحب جنى لجواد..شعر بقبضة تعتصر فؤاده وهو يتذكر ثم نظر لعمه
-قولي كنت اعمل ايه وانا شايفها فرحانة بحب جواد، كان لازم ابعد عشان مكسرش حد ياعمو، في الوقت دا طلعتلي فيروز، منكرش مجذبتنيش، لا بالعكس انجذبتلها جدا، لدرجة حسيت أنها دوايا اللي كنت بدور عليه
نهض واتجه إلى النافذة حتى يسحب بعض الهواء إلى رئتيه
-تعرف ياعمو اصعب احساس على الراجل ايه، لما تكون حاجة حياته كلها فيها وتكون ملك لغيره وميقدرش يمانع
استدار واتكأ بجسده على الجدار وعقد ذراعه
-فيروز قربت منها والصراحة البنت كانت جميلة وماصدقت اني أنقذها من الوحل اللي هي فيه، يعني انا كنت منقذ ليها وهي انقذتني من وجع قلبي
تحرك متجها إليه وجلس وانحنى بجسده يضع يديه على صدره
-اه دا بدأ يتأقلم على حب فيروز، انبهار ياعمو ، شوفت المسكن، اهو فيروز كانت مسكن لدرجة مكنتش بحس بالوجع، عدت شهور واتأقلمت على حياتي، ورضيت بالأمر الواقع لحد ماجه كابوس حياتي وان جنى محبتش جواد ومجرد علاقتهم كانت عابرة
لوح بكفيه وأشار على قلبه
-طب ليه، ليه تعمل كدا
أشار صهيب بعينيه
-دا تسالوهلها لما تفوق، انا مش هتكلم كتير ياجاسر، وأقول مين منكم غلطان، دلوقتي انا مش موافق لراجل غريب لبنتي بعد اللي حصلها، معرفش ممكن بعد كدا يقولها ايه، مفيش قدامي غير قرايبها، دول اللي اقدر احميها بيهم
ترقرقت عبراته وهو يبتعد بنظره عن جاسر واستأنف بقلب اب مكلوم
-يوم ماكلمتني انا قولت لأبوك مستحيل اخلي بنتي زوجة تانية، وبعد اللي حصل لجنى مش قدامي غيرك انت وأخواتك وابن حازم، ماهو ياحبيبي مهما تقسو عمركم ماهتقسو زي الغرب
اكمل متحاملا على نفسه
-ياسين اصغر من جنى ودا استبعده، أوس حبه لمراته مستحيل اوجع بنت ريان، البنت بريئة وملهاش ذنب
مفيش غيرك انت وجواد، وطبعا جواد جنى مستحيل توافق عليه، وانا مستحيل أجبرها على حياة توجعها اكتر ماهي موجوعة،
باغته بنظرة مطولة حتى انسابت عبراته واستأنف
-هتقدر تحمي بنت عمك ياحضرة الظابط وتحميها بقلبك...هتقدر توقف قدام مراتك لو جت على بنت عمك
أنهى كلماته وظلت نظراته تبحر فوقه، منتظر رده
جلس جاسر بجوار عمه وتنهيدة مرتعشة من عمق آلامه
-انا مش هتكلم عن كلام حضرتك اللي قولته دلوقتي ، لسبب واحد بس مكنتش هوافق لا جواد ولا غيره، دي حاجة الحاجة التانية اني طلقت فيروز، يعني لا فيروز ولا غيرها هتقدر توجع جنى
اومأ صهيب برأسه ثم تحدث
-مراتك مالهاش ذنب ياجاسر، اللي حصل لجنى هي مالهاش ذنب فيه ياحبيبي بلاش تاخد ذنب بسببها ..منكرش البنت اتغيرت، بس لو قعدت مع نفسك هتلاقي انت السبب، أي ست لما تحس ان جوزها بيهتم بواحدة غيرها بتتجنن، تخيل بقى حضرتك روحت قولتلها انك بتحب جنى، مستني منها ايه ياحبيبي تطبطب عليك، بلاش تظلم يابني عشان متلاقيش اللي يظلمك، مسألتش نفسك ليه البنت اتغيرت
فتح فمه للحديث، أشار له صهيب بعدم مقاطعته
-هترجع مراتك وتخيرها لو هتقبل الوضع ولا لا، وكمان جنى لما تخف هتسألها هتقبل الوضع ولا لا، وقتها هي الوحيدة اللي هتاخد قرار تكمل معاك ولا لا ياجاسر
❈-❈-❈
صمت ران بينهما لبعض الوقت قطعه صهيب
-الليلة هتجيب المأذون بس اخر الليل بعد مالكل يروح، مش عايز حد يعرف بالأتفاق اللي بينا، لحد ماجنى ترجع جنى ..وقتها الاختيار ليها ياجاسر
زفرة بهدوء من جوفه المتألم وأشار بسبباته
-هتكتب على جنى اه، بس هتفضل بنت عمك لحد ماهي اللي تختار حياتها، فهمت قصدي ياحضرة الظابط
ابتسامة شقت ثغره اخيرا، شعر حينها أنه وصل لأرض خصبة بعد سنين عجاف..كان يراقبه بأنظاره الصقرية، فقطع ابتسامته
-هو انت مبتفهمش يلا، بقولك هتفضل بنت عمك، يعني من الاخر الورقة دي منعا للحرام مش اكتر، وإياك يابن جواد تلعب بديلك
قهقه اخيرا وصوت ضحكات قلبه قبل فمه، فهز رأسه لعمه
-ماوعدكش ياصهيوبة، بس ابعد عز المتخلف عني
ربت على كتفه وتنهد بهدوء
-اعذره ياحبيبي، جنى بنته قبل ماتكون اخته، المهم سيبك من عز وروح راضي مراتك الظلم وحش يابني
ابتسم بتهكم واجابه:
-وحياتك ياعمو انت مخدوع فيها، اصلك متعرفش اللي اعرفه
تنهيدة عميقة أخرجها صهيب فأجابه
-البنت مظلومة ياجاسر، بلاش تشيل ذنبها، قرب منها واعرف ايه اللي غيرها، انت قلبك عميك عنها عشان مرتبط بغيرها، شايفها شيطان علشان مبتحبهاش
انحنى جاسر ينظر لمقلية عمه واردف:
-عايز توصل لأيه ياصهيب، هات من الاخر، مبحبش اللعب، فيروز مرحلة وانتهت، ومستحيل ارجعها تاني، انا ممكن اساعدها تبعد عن الوحل اللي حضرتك بتقوله بس بعيد عني، تراجع بجسده ومازال هناك حرب النظرات فاستأنف
-عارف أنها مظلومة في بعض الحاجات، بس دي اهانت اخواتي قدامي ورغم عملتلها حساب الا أنها اتماديت واتكلمت مع بابا بأسلوب مش كويس، تقدر تقولي دا ليه، رغم كلهم كانوا بيعاملوها باحترام
أشار بسبباته وأكمل
-قبل كل حاجة، انا مظلمتهاش ياعمو، بالعكس انا جيت على اخواتي وابويا عشانها، حتى جنى نفسها عديت اهنتها ليها علشان قولت مراتي، تقدر تقول ايه اللي يوصل الست أنها تسقط جنينها من غير ماتعرف جوزها أنها حامل
كان يتحدث بأنفاس مرتفعة مع مشاعر غاضبة التي أشعلت نيران صدره كلما تذكر بما فعلته، ثم استأنف قائلا:
-انا هفضل معاها ومش هسبها ياعمو، مش علشان حضرتك قولت كدا، لا ، علشان هي خسرت كل حاجة ،وعلشان امها العقرب دي عارف أنها السبب في كل اللي حصل، بس من غير مايربطني بيها حاجة
سحب نفسا ودفعه مرة واحدة وأحس بضربة غليظة كلما تذكر ما فعلته وصمته على أفعالها أكمل حديثه:
-عمري مافكرت أظلمها والله ياعمو، دا انا ظلمت نفسي ومظلمتهاش، المهم سيبك من فيروز، أنا عارف هعمل ايه، قولي ازاي هكتب كتابي على جنى وهي مش حاسة بحاجة، ازاي هتعمل كدا
ربت على كتفه وتحدث
-هات المأذون وتعالى زي ماقولتلك، وبلاش تحتك بعز نهائي، وإياك يعرف حاجة، عز ابوها قبل مايكون اخوها، وانت دلوقتي المسؤل الاول قدامه على اللي حصل لجنى
انحنى يطبع قبلة على جبين عمه ثم تحرك متجها للخارج، ولكنه توقف عندما استمع إلى حديث صهيب
-جاسر، زي ماهتاخد جنى هترجعها، اظن كلامي واضح
ابتسم لعمه واومأ برأسه
-أنا تربية جواد الألفي ياعمو، قبل ماأكون عاشق لبنتك
ضحك صهيب بصوت
-عاشق مرة واحدة يابن جواد، مش هنتعاتب تاني، المهم راحة بنتي ياجاسر، وانا عايز أبعدها عن الكل لحد ما ترجع جنى، هتاخدها لدكتور هقولك عليه بعد ما تكتب عليها، لو ليا عمر وقابلتك بعد العملية عايز اشوف ضحكة جنى زي الأول، أما لو ربنا اخد امانته، يبقى هسألك عليها يابن اخويا يوم الدين، تراجع بخطواته لعمه، ثم ضمه
-بعد الشر عليك ياحبيبي، إن شاء هتخف وهتشيل ولادنا كمان
رفع صهيب حاجبه بسخرية مردفا:
-انت اتجوزتها وخلفتوا كمان، طب اضحك عليا واتكسف مني ياخويا
قهقه جاسر حتى ظهرت مياه عيناه متحدثا
-ماانا وعدتك اهو لحد ماتخف، بعدها ماتسألنيش عن حاجة
لكمه بخفة هاتفا:
-امشي يلا قبل مااغير رأيي، هو مفيش حد فيكم محترم خالص ..تحرك وهو يقهقه على عمه حتى أغلق الباب خلفه..توقف مستندا على باب الغرفة وقبضة قوية مؤلمة شقت فؤاده، الهذا الحد أذى عمه وابنته، كيف سيواجه والده وعز بعد ذلك، هل سيظل على وعده مع عمه أم أنه سيخون الوعد ويحادث والده
❈-❈-❈
خرج من المشفى وهو خائر القوى، لا يعلم ماذا عليه فعله، هو يعشقها ولكن لا يريد ذاك الحل، لا يريد خلل العائلة، ماذا سيفعل والده بعد فعلته
تنهيده حارقة خرجت من جوفه تلتهمه كالنيران التي تلتهم كل شيئا، ذهب ببصره لجلوس ربى بشرود، كانت جالسة بذهنا شاردا، تحرك متجها إليها ..جلس بجوارها ثم تحدث
-روبي قاعدة كدا ليه ياحبيبتي..استدارت بنظرها إليه
-كنت بتحب جنى ورحت اتجوزت فيروز، طب ليه تعمل كدا..تكورت الدموع بعيناها، حتى فقدت الرؤية
-ليه توجع قلبك وقلوبنا كلنا، فهمني لو سمحت، ازاي قدرت تعمل كدا
صمتت لبرهة تتأمل الامه فوق ملامحه، وجدته يتنهد متألمتا
آهة حارقة خرجت من جوف حسرته، اعتدل يجذب أخته لأحضانه ثم طبع قبلة على جبينها
-فيه حاجات مبنعرفش قيمتها غيرلما بنخسرها، انا وجنى حكاية غريبة أو بمعنى أدق، حبي ليها حب مدفون مكنتش هعترف بيه لولا اللي حصل..رفع نظره لأخته وأكمل مستأنفا
-حبي ليها حب لاذع ياروبي، يعني لا عارف اقرب ولا ابعد، ولا اتكلم ولا اسكت ..في الاول والاخر نصيبنا نبعد عن بعض ونصيبنا نقرب من بعض تاني
نظرت إليه غير مستوعبة حديثه متسائلة:
-جاسر انت كدا بتوجع الكل، ذنبها ايه جنى تخرب حياتها، وفيروز رغم اختلافي ليها بس مرضاش انك تخونها
ضيق مابين حاجبه مستنكرا حديثها :
-اخونها!! ايه الكلام الكبير دا ياروبي ..استدارت بكامل جسدها ونظرت لمقلتيه
-قولي ياجاسر لما الراجل يفكر في واحدة وهو متجوز دا تسميه ايه ياحضرة الظابط ..له معنى غير الخيانة، ازاي احترم جوزي وهوقلبه مع واحدة تانية، انا دلوقتي عذرت فيروز في كرهها لجنى، بس السؤال هنا جنى كانت عارفة بحبك دا ورغم كدا كانت بتتعامل معاك عادي
نهضت من مكانها وهي غاضبة ..امسك كفيها
-ربى استني، انت فاهمة غلط، عمري مابينت لفيروز حاجة، ولا اتكلمت عن جنى
استدارت ترمقه بنظرات حزينة
-يبقى عمايلك دلوقتي ماهو الا شعور بالذنب
توقف بمحاذاتها وأجابها
-مش ملاحظة انك بتظلمي اخوكي ...عقدت ذراعيها واجابته
-ومش ملاحظ انك ظلمت واحدة مالهاش ذنب ياحضرة الظابط، انا كنت مش بطيق فيروز، بس حطيت نفسي مكانها، مستني ايه من ست وهي حاسة ان جوزها بيخونها، وقبل ما تتكلم النظرة خيانة ياجاسر مش قصدي حاجة تانية، والست مننا بتحس بجوزها، وانا بعد حادثة جنى ربطت بعض الأحداث واتاكدت انك وجنى اللي جنيتوا على فيروز، للاسف حاسة جنى مشتركة معاك يابن امي وأبوي..قالتها وتحركت من أمامه، قابلها عز على باب المشفى
كنتي فين ..توقفت تنظر إليه بهدوء ثم أجابته :
-ياترى دا سؤال ولا ايه بالظبط..ذهب ببصره لجاسر الذي اتجه لسيارته
-كنتي مع جاسر..دنت من عز وغرزت عيناها بمقلتيه
-بص ياعز وافهم كلامي كويس علشان مش هتكلم تاني في الموضوع دا
أشارت على أخيها ثم استدارت له :
-دا حبيب روحي قبل مايكون اخويا، زي ماجنى اختك حبيبتك كدا، هتيجي عليه هقفولك ومش هستنى منك كلمة تجرحه، دا ابوي الروحي مش مجرد اخ،، ووقت مااتعب بجري عليه قبلك، عايز تحرمني منه، هقولك اعذرني اللي مالوش عزيز في أهله مايبقاش له عزيز في حد تاني يابن عمي..قالتها ودفعته من طريقها متحركة للداخل
بالأعلى عند جواد وغزل وخاصة بغرفة الطبيب
-جواد ضربات قلبك مرتفعة جدا ودا مينفعش، انا حذرتك قبل كدا ..ساعدته غزل في غلق قميصه وأجابت الطبيب
-قوله يادكتور مابيسمعش مني خالص، وعلى طول أعصابه وانفعالاته غير محسوبة
احتضن جواد كفيها
-حبيبتي انا كويس..ترقرق الدمع بعيناها
-يعني استنى لحد ما قلبك يوقف ياجواد وبعدين تقولي انا مش كويس..استدارت للطبيب وتحدثت :
-عايزة شيك كامل يامحسن لو سمحت، طمني على كله
رسم جواد ابتسامة على شفتيه ناظرا لصديقه الطبيب
-غزل مزودها شوية، انا جيت علشان اريحها مش اكتر، صدقني أنا مش حاسس بحاجة
كان الطبيب يدون بعض ملاحظته فأردف :
-جواد ضغطك عالي جدا، متنساش العمر كمان، نبضات قلبك مش مريحاني من فضلك الزم الهدوء شوية
مسح على وجهه بهدوء وابتسم قائلا:
-سيبك مني وطمني على صهيب، العملية دي مضمونة يامحسن، يعني مش هتأثر عليه
تنهد الطبيب موزعا النظرات بينهما، قاطعه جواد وهو يومئ برأسه
-كنت عارف انها مش سهلة، طيب مفيش حل غير العملية
-للأسف ياجواد مفيش حل غيرها، وعايز أقولك دي اقدار، وسبها على الله
نهض وكأنه شعر بقبضة تعتصر قلبه هامسا
-ونعم بالله، كل مايصبينا إلا ما كتبه الله لنا ..تحرك مترنحا وكأن هناك اشواكا حادة تخربش صدره، خرج من الغرفة تاركا غزل مع الطبيب، توقف بالخارج يطبق على جفنيه كلما تذكر حالة أخيه
تحرك بروح تأن وقلب ينتفض متجها إلى غرفة جنى اولا ..قابله سيف الذي يخرج من غرفتها
-جواد!!مال وشك أصفر كدا ..ابتسم وتحرك متجها للداخل
-صايم وجعان ايه عايزني اطنطط ..قالها وتحرك للداخل، تابعه سيف بعيناه، ثم تحرك ممسكاهاتفه لمهاتفة زوجته، ولج جواد للداخل وجد نهى ومليكة
ألقى السلام ثم تسائل
-الدكتور الجديد قالكم حاجة
هزت نهى رأسها
-مفيش غيرتمشي على الدوا وخلاص ..انحنى يطبع قبلة على جبينها
-حبيبة عمو هتفضلي وجعانا كدا، فوقي ياله حبيبي..قطعت مليكة حديثه
-خلي جاسر قريب منها ياجواد، البنت كل ماتفوق تسأل عنه
تنهيدة موجعة، فلقد حفر الحزن ثقوبا داخل قلبه ليتسرب منه اليأس وهو يرى تفكك العائلة
حاول قدر المستطاع التفكير بشكل متزن فجلس وأجاب مليكة:
-انا كدا هحط النار جنب البنزين يامليكة، وأول واحد هيخسر ابني، متنسيش بيته، مراته حامل، واللي مرضهوش لبناتي مرضهوش لبنات الناس، رغم اني طلبت منه يطلقها بس البنت صعبانة عليا، حاسس البنت دي فيها حاجة غلط، فلازم اقرب ابني من مراته علشان مايهدش بيته،
سحب نفسا وزفره بهدوء
-وجنى مرضاش ليها تكون زوجة تانية حتى لو بيحبها أو بتحبه، فيه حاجات مينفعش نمشي وراا قلوبنا فيها، دلوقتي هو اتجوز وهي مخطوبة، جاين بعد ايه عايزين اقربهم من بعض، انا كدا هقضي على حياتهم، لا جنى هتتحمل تكون زوجة تانية، ولا جاسر هيقدر يوافق بين الاتنين، ابني هيكون ظالم وأول حد هيظلمه ابنه لما يجي على وش الدنيا، جلس أمامهم ونظراته على جنى
-مش يمكن مشاعرهم اخوية زي ماقالوا، بس شوية العواصف اللي حصلت خلتهم يبعدوا..توقفت نهى مردفة
-هروح أشوف صهيب..قالتها وتحركت سريعا..ربتت مليكة على كتفه
-زعلت نهى ياجواد..أطبق على جفنيه متنهدا
-علشان قولت الحق، مش دي جنى اللي قالت بتحب جواد، ومش دا جاسر اللي حاربني علشان يتجوز مراته، جاين يحاسبوني ليه دلوقتي..كل واحد يمشي على حياته اللي رسمت له يامليكة، تعمقت نظراته بها
-تفتكري لو جاسر اتجوز جنى جواد ابنك هيكون رده ايه، أشار عليها وأكمل
-افتكري قولتيلي ايه لما رفضت جواد بناء على كلام جنى نفسه
نزلت برأسها أسفا وتحدثت بصوت متقطع
-ولحد دلوقتي بقولك لو جاسر اتجوز جنى جواد مش هيسكت..ضرب كفيه ببعضهما يشير إليها بذهول
-إنتِ عايزة تجننيني،اومال ليه قولتي كلامك دا
رفعت نظرها إليه:
-علشان اعرف هل فعلا مكنتش تعرف بعلاقة جاسر وجنى، نهض من مكانه
-لا ..كنت عارف أن جنى بتحب جاسر، وقبل أي حاجة معرفتش غير يوم كتب الكتاب، اتفاجأت أن نظراتها ووجعها كله علشان فيروز
ضيقت عيناها متسائلة:
-يعني جنى كانت بتحب جاسر وهي على علاقة بجواد ..انحنى جواد لجلوسها
-مليكة بلاش تحللي بطريقتك، جنى ماحبتش جواد، جنى هربت من جاسر لما حست علاقتها بيه اتطورت لعاطفة، ولو حبت جواد مكنتش انهارت في فرح جاسر، مكنتش دبلت وتعبت وبقت كدا، ورغم جوازه الا إنها فضلت تحبه
رفعت نظرها وبشفتين مرتعشتين تسألت
-جاسر كان يعرف، ولا كان بيحبها، لا ازاي يحبها ويتجوزغيرها
مسح على وجهه عندما تذكر حديثه مع باسم
❈-❈-❈
فلاش باك
دلف جواد إلى مكتب باسم، جلس بمقابلته دون حديث..ران صمتا بينهما لم يخل من النظرات، قاطعه جواد قائلا:
-سامعك ياباسم، قولي ليه جاسر اتجوز فيروز
أشعل باسم سيجاره ونفث تبغه يتابع غضب جواد ثم تحدث بهدوء:
-من سنتين ونص بعد رجوع غنى بالظبط يوم فرحها، ابنك جالي وقالي ياعمو فيه واحدة شغالة بالي ومش عارف اصارحها ازاي..هنا تذكر باسم ذاك اليوم
دلف جاسر إلى مزرعته وجد حياة تروي الزرع
-صباح الخير يامدام حياة..استدارت تطالعه بصمت ثم رسمت ابتسامة تهكمية
-الخير دا هيجي لما عمك الحلو يطلقني ويسبني في حالي..ضيق جاسر عيناه متسائلا:
-بسيطة اهربي وارفعي عليه قضية طلاق.. قفز بوقوفه عندما صاح الآخر غاضبا
-تعالى هنا ياحلوف بتقول ايه..قهقه عليه متجها له
-بسوم حبيب قلبي، كنت بقول لطنط حياة ازاي تهتم بيك يابسوم..صفعه باسم على عنقه من الخلف
-اضحك عليا يابن جواد
قبل كتفه وهو يقهقه
-طب اسأل طنط حياة..مش كدا ياطنط..وصلت إليه غاضبة
-هي مين دي اللي طنط ياامور، لو أنا طنط يبقى انت لسة بتعمل حمام على نفسك. ..قالتها وتحركت سريعا تدب أقدامها الأرض غيظا منهما
ظلا الأثنين يقهقها عليها، سحبه باسم
-مش هتتلم يلا.. والله ابوك لو سمعك كدا ليعلقك
تراقص بحاجبه قائلا:
-هقوله تربية بسوم، سيبك انت من دا كله وقولي عامل في مزتك ايه، البنت مش طيقاك ياخي
-ايه مزتك دي ياحيوان دي مرات عمك..رفع حاجبه ساخرا
-ايه ياباسم هو انت ومراتك شخصيتين مضطربتين ولا ايه، ماانا قولت طنط مش عاجبكم
جذبه متجها إلى حديقته الشاسعة
-اقعد وبطل كلام وجعتلي دماغي، ايه اللي جابك
مط شفتيه للأمام ثم اتجه بنظره لباسم
-بكرة هكمل 25سنة..ضيق باسم عيناه
-انت جايلي علشان تقولي هتكمل 25 سنة ..طيب يا سيدي كل سنة وانت طيب
زفر جاسر من أسلوبه المستفز فتحدث:
-بسوم ركز، انا قصدي اني كبرت وعايز اتجوز ، عز طلع بيحب ربى
وضع باسم خديه على كفيه مستندا على الطاولة
-يافرحتي ياخويا ومطلوب مني اعملهم اوضة النوم
نظر إليه بغضب:
-بقولك بيجاد هيتجوز غنى وعز هيتجوز ربى
جذبه باسم من تلابيبه:
-ولآ انت جاي عايز تجنني انا مالي مبروك يا سيدي اروح اتحزم وارقص في فرحم يعني ولا ايه
-بسوم انا معجب ببنت ومش عارف اصرحلها ازاي
نظر إلى مقلتيه وأكمل:
-مش معجب انا بحبها فعلا، بس خايف من ردها
استمع إليه بتركيز ثم تسائل
-ليه خايف من ردها ياجاسر، صارحها لو وافقت خد خطوة ولو رفضت
نهض جاسر يهز رأسه رافضا باقي حديثه مستأنفا
-لو رفضت يبقى دبحتني، لاني وقتها مش هعرف اعيش عادي في حي الألفي
نهض باسم مضيقا عيناه
-ليه يابني لا إنت أول واحد ولا اخر واحد يحب واحدة ومتحبوش
استدار إليه وصاح متألما
-مش هقدر اواجه، قلبي هيوجعني وهيتسبب في شرخ كبير، مقدرش ياعمو وخصوصا لو هشوفها قدامي طول الوقت
-بتتكلم عن مين ياجاسر، اوعى تقولي عن جنى بنت صهيب
اغمض عيناه يعصرهما متألما ثم أشار على قلبه
-غصب عني، دا بدأ يدقلها معرفتش امسك نفسي، تعرف النهاردة بعد ماروحت من المستشفى لقيتها في حضن عز، اضيقت أوي اتمنيت اخدها في حضني والوقت يوقف بينا
مسح باسم على وجهه، راجعا خصلاته للخلف بعنف
-جنى ..جنى ياجاسر اللي بتقول عليها اختك..نكس رأسه أسفا وهمس بألما
-غصب عني ياعمو، صدقني غصب عني، لما انضربت بالرصاص وجاتلي المستشفى وقتها خوفت على حياتي لتفرقني عنها
هوى باسم على مقعده،وزفره حارقة من جوفه أشعلت المكان
-طيب كلمها وعرفها، علشان دا مش اعجاب يابن جواد ..لا دا انت واقع
جلس بجواره كالغريق واحتضن كفيه
-ازاي اعرف منها أنها بتكنلي مشاعر، خايف اتصدم ياعمو، صدقني وقتها هكره نفسي
ربت على كتفه مردفا
-انا هتصرف، بس اوعدني لو البنت مش بتحبك كحبيب متغيرش معاملتك معاها، واعرف ان دا نصيب مالناش يد فيه
تفتكر تكون بتحب حد تاني
ابتعد ببصره قائلًا
-اوعدني ياجاسر الأول، علشان لو حاولت تعمل حاجة غلط هتقلب موازين العيلة اللي جواد بيحافظ عليها بقاله سنين
اومأ برأسه
-اوعدك ياعمو..رسم ابتسامة قائلا:
-بكرة هروح واشوف الدنيا فيها ايه، وانت كمان حاول تلمحلها وأكيد هتفهم،
تنهيدة عميقة غادرت ضلوعه فاستأنف بأسى
-جالي بعد يومين منهار، وكأن دا مش جاسر، واحد فاقد طعم الحياة، لو تفتكر الاسبوع اللي فاضل بعيد عن البيت بحجة أنه بيساعدني في تجديد البيت،
كانت عيناه تبحر فوق ملامح جواد الموجوعة فتنهد وأكمل
-وقتها عرف بعلاقة جواد وجنى، وطبعا انت اكيد عارف اد ايه بيكون صعب على واحد حب واحدة ودفنها جواه ويوم مايروح يقولها يتصدم،
سحب نفسا وزفره بنيران وجع تلك الأيام
-كنت مستني مني ايه، أقوله روح اعترفلها وخليها ترضى بيك، ولا اروح اقول لصهيب اللي هو اصلا كان بيتمنى جاسر، ويغصب بنته ويحصل تفتت في العيلة
نهض واتجه يجلس بجواره ثم ربت على ظهره ونظر لعيناه
-مكنش قدامي غير حل أنه يتجوز وينساها، على أد رفضي على فيروز بس هو اللي اتحداني وقالي هتجوزها انا بحبها، تعرف ابنك قالي ايه لما قولتله انت كداب
-قالي خد اللي يحبك ومتخدش اللي انت بتحبه عشان متتوجعش، عشان لما تبعد عنه فراقه مش يبقى مؤلم
-جواد انا كنت رافض فيروز ووقفت ضده واكيد انت عارف، بس ابنك اللي أصر واقنعني أنه بيحبها وقت مارحلها شرم الشيخ، كنت مستني مني ايه وهو واقف قدامك وقالك هتجوزها، عمري مافكرت أنه بيضغط على نفسه علشان يهرب من جنى..لانه جه وقالي انا اكتشفت أن جنى حب اخوي والدليل على كلامي اني حبيت فيروز بجد ومش مصدق اتجوزها
تراجع بجسده للخلف وبعيون متألمة أكمل ما قسم ظهر جواد
-ابنك اللي طلب أنه يعيش برة حي الألفي مش فيروز، بعد مارجع من شهر العسل وحس بندمه وتسرعه خاف من القرب، خاف ليغلط، علشان كدا ساندته ووقفت معاه ضدك، وكنت مستعد اعمل اي حاجة علشان مشوفش الوجع في عيونه، على أد ماكان مبهر في التمثيل بس جواه كان مكسور ياجواد، ابنك كان مكسور وانت كل شوية تضغط عليه بأخطاء فيروز اللي كلنا اندهشنا من أفعالها وليه بتعمل كدا، أشار بكفيه
-الموضوع مش موضوع جنى خالص، لأن جاسر مكنش بيبن حبه لجنى قدام حد اقنع الكل أنها اخته، ذهب ببصره للبعيد وشعر بآلم حاد يخترق صدره عندما تذكر انهياره
-ابنك جالي هنا يوم خطوبة جنى وقالي هيخطفها ويتجوزها ويحطكوا قدام الأمر الواقع، بعد مااتأكد أن جواد وجنى مفيش بينهم علاقة ..كان مفكر أنهم زعلانين فترة وهيرجعوا، بس خطوبتها لواحد تاني جننته، وانت عارف ليس على العاشق حرج ياصاحبي
❈-❈-❈
شعور قاسي اخترق روح جواد عندما شعر بآلام ابنه فتسائل بتألم
-ازاي قال بيحب فيروز واقنعنا كلنا بكدا وهو بيحب جنى، ابني مش خاين ياباسم
ذهل باسم من حديثه فأردف
-ماهو علشان كدا بقولك هو اللي خلاني اضغط عليك علشان اقنعك أنه يمشي من حي الالفي، ابنك عمره ماكان خاين ياحضرة اللوا، وصدقني لو شكيت أنه محبش فيروز عمري ماكنت اوافق على جوازه، دا كان بيقول اشعار
ثبت نظراته على جواد وأكمل
-هو فعلا كان مشدود ليها في الاول علشان كدا مشي ورا إحساسه دا، بس بعد كدا الانبهار اللي كان بيقنع نفسه بيه انتهى ومفضلش في قلبه غير حبه الحقيقي لبنت عمه
❈-❈-❈
خرج جواد من شروده على صوت مليكة
-جواد احنا هنسافر بعد عملية صهيب، وعايزاك متزعلش مني حبيبي غصب عني
دنى ثم طبع قبلة على جبينها
-حبيبتي ياملوكة عمري ماازعل منك، قطع حديثهم همهمات جنى بمنامها
-جاسر خبيني منهم، قالتها وهي تحتضن نفسها كالجنين
أطبق على جفنيه متألما، وغصة منعت تنفسه عندما استمع إلى همساتها باسم ابنه..دلف الطبيب للأشراف على حالتها..نهضت مليكة
-هروح ياجواد علشان تقى، اومأ برأسه دون حديث
مرت الساعات سريعا حتى حانت الثانية عشر منتصف الليل، دلف جاسر بجوار أحد الأشخاص غرفة صهيب، وجد نهى تقرأ بمصحفها
-طنط نهى..رفعت بصرها إليه مبتسمة
-تعالى ياحبيبي..أشار للرجل بالدخول، ثم اتجه ببصره لنهى
-هشوف جنى وراجع
-ربى اختك هناك، توقف مضيقا عيناه
-ربى لوحدها ولا عز معاها
-لا هي وشوية وهتمشي..تحرك متجها إلى صهيب الذي اعتدل بجلوسه
-تعالى ياجاسر، ثم أشار لنهى
-هاتي حاجات جنى اللي طلبتها منك، وشوفيلي الدكتور مجدي خليه يجي علشان يشهد على عقد الجواز ويشوف حد معاه
اومأت وتحركت دون حديث
-بعد فترة انتهى عقد القران
-عايزين إمضاء العروسة ياباشمهندس
-الدكتور مجدي هو اللي هيخليها تمضي ..تحرك مجدي متجها إلى جنى حسب اتفاقه مع صهيب
دلف لغرفتها وجدها تجلس مبتعدة بركنا من فراشها، وعيناها شاردة بنقطة ما
-جنى..قالها الدكتور بهدوء، دلفت بعده نهى وجاسر..توقفت ربى عندما وجدته
-جنى..رفعت جنى نظرها إليه ..تحرك إلى أن وصل إليها جلس بجوارها على الفراش
-جنى بابا عايزك تمضي هنا حبيبتي علشان نسافر للدكتور
تراجعت تنظر للطبيب بخوف..هزت رأسها
-انا عايزة بابا، مش عايزة أسافر..دنت نهى منها وأمسكت كفيها الباردتين
-حبيبتي هنروح لبابا بس امضي يلا ياحبيبتي
وضعت أمامها بعض الأوراق، وعيناها زائغة على الطبيب وجاسر، فأردفت
-فين عز، انا عايزة عز
مسدت والدتها على رأسها
-عز شوية ويجي، ياله امضي الدكتور وراه شغل حبيبتي..أمسكت القلم بيد مرتعشة وانزلقت عبراتها وكأن الرؤية شوشت لديها رفعت نظرها إليه بعدما لمحت اسمه على الورقة، ظنت أنها مشوشة الرؤية..قدمت إليها علبة حتى تبصم بها
هنا علمت ربى أن هذا ماهو الا زواج أخيها من جنى
شعرت جنى ببرودة بجسدها فوضعت رأسها على حافة الفراش، أمسكت والدتها اصبعها وأكملت معاملة الزواج
خرجت والدتها والطبيب وظل جاسر بجوار ربى، يطالعها بصمت، شحوب وجهها وتبدل ملامحها، عيناها الزائغة، ودموعها التي اعتصرت فؤاده ..كانت تنظر بنقطة وهمية، جلس بجوارها ثم جذبها حتى أصبحت بأحضانه..
-وآه حارقة خرجت من نياط قلبه وهو يعتصرها بأحضانه، تشبست به وبكت بنشيج تحاوط خصره قائلة
-خدني من هنا ياجاسر، انا تعبت من المستشفى انا كويسة مش مجنونة
أخرجها يحتضن وجهها ويرسمها بقلبه قبل عينيه
-هاخدك حبيبتي ونروح مكان بعيد محدش يقدر يقرب منك
انسابت عبراتها هامسة من بين دموعها
-مش عايزة اشوف حد، عايزة ابعد عن الكل لو سمحت، كلم عز وبابا خليهم يجوا يخدوني بعيد، عايزة ابعد حتى لو هيدفنوني تحت الارض بس عايزة ارتاح
ممكن تكلمهم يريحوني، ياريتني اموت واريحكم
ازال عبراتها وانسابت عبراته ببكاء واه حررها بأنفاسه المحروقة، يضمها بقوة
-بعد الشر عليك ياقلب جاسر..أحس بضلوعه تنكسر تشبست بقميصه ودموعها تسبق كلماتها بقهر كطفلة يتيمة فقدت والديها
كانت تتابعهم بمقلتين دامعتين وهي تخرج من الغرفة واهة بقلبا ينتفض من الألم على اختها واخيها الذي ابعدهم القدر، أغلقت الباب ثم أمسكت هاتفها
-انت فين!!
اجابها وهو يخرج من منزله
-جايلك في الطريق..اتجهت بنظرها للغرفة ثم تحدثت سريعا
-لا خليك انا ركبت العربية واتحركت
توقف ثم هتف
-اومال ليه قولتي تعالى خدني، هنلعب ياربى
داعبت الأرض بأقدامها تجز على أسنانها من طريقته المستفزة، واتجهت إلى سيارتهاعند صهيب ونهى بعد تحرك الموجودين
-صهيب تفتكر عملنا الصح..تمدد على الفراش
-دا اللي كان لازم يحصل يانهى، جلست بجواره
-انا مش شاكة في جاسر بس خايفة من فيروز اوي، دي لو عرفت هتولع في جنى، ليه طلبت منه يرجعها بس
اغمض عيناه محاولا التنفس بشكل طبيعي ثم تحدث
-ميرضنيش ابني سعادة بنتي على تعاسة واحدة تانية، وجاسر مقرر أنه ميرجعهاش بس حبيت ابرئ زمتي انا وبنتي فهمتي
ربتت على كتفه
-ازاي جاسر كان مخبي الحب دا كله ومش حسيناه ياصهيب، انا خايفة يكون واخدها تأنيب ضمير
امسك كفيها يحتضنها
-كله هيبان يانهى، لو بحبها هيبان ولو وخدها تأنيب هيبان، كل حاجة بتكدب الا القلب والعيون يانهى، وانا شوفت في عيونه عاشق، لسة قلبه هيبان الأيام الجاية
سحب نفسا وزفره ببطئ
-أنا خايف من ردة عز، أنتِ متعرفيش قالي ايه ، دا هددني أنه يبلغ على ابن عمه ويحمله الجريمة كلها، لولا هددته قولتله هتبرئ منك
-معرفش عز ماله ..نظرت لزوجها وتحدثت بحزن
-حاسة أنه بيعاقب ربى وخايفة من اللي جاي
اغمض عيناه ذاهبا بنومه بسبب العقاقير قائلا:
-روحه في ربى متخافيش عليها...يبقى شوفي جنى قبل ماجاسر ياخدها أنا كلمته على الدكتور اللي قولتلك عليه، يبقى تابعي معاه متنسيش البت يانهى انا بكرة هدخل العملية ومعرفش ايه اللي هيحصل..رفعت كفيه وقبلته
-ربنا يخليك ليا ياصهيب، وان شاء الله تعمل العملية وترجعلنا أحسن من الأول
-ويخليكي ليا ياحبيبة عمري
قالها وذهب بنومه
بغرفة جنى
جمع اشيائها ووضعها بحقيبتها الخاصة، دلفت نهى بعد طرقها للباب، رفع رأسه ينظر للداخل
-حضرتك بتستأذني ولا ايه
نظرت لبنتها الغافية ثم اتجهت له
-خلاص دلوقتي بقت مراتك..اقتربت منه وعيناها تغشاها الدموع..أمسكت كفيه واحتضنته
-جاسر وصيتك جنى، لولا عملية صهيب مستحيل كنت افارقها، وعمك اقنعني انك هتكون ظلها، انسابت عبراتها ونظراتها على ابنتها
-على عيني اسبها معاك وهي بحالتها دي، وكمان عز لما يعرف هيتجنن
رفع كفيها وطبع قبلة عليهما
-طنط نهى متخافيش اعتبري جنى في حضن باباها، صدقيني عمري ماأفكر أذيها..تفوق بس وهكلمك ويبقى تيجي تشوفيها
احتضنت وجهه بين راحتيها
-انا مطمنة ياحبيبي، بس قلب الام، هكلمك على طول، وبعد مااطمن على صهيب هجيلها، اوعى ياجاسر تأذيها اوعى لو هي رفضت تقعد معاك
تراجع للخلف مذهولا من حديثها
-ياه لدرجة دي مش واثقة فيا..هزت رأسها بالنفي
-مش موضوع ثقة اد ماهو موضوع خوف من اللي مرت بيه
اومأ متفهما، ثم أشار لحقيبتها
-ممكن تنزلي دي، وأنا هشيلها وانزل بيها
فركت كفيها وعيناه تبحر فوقها
-طيب هتاخدها فين، لازم تطمني، لو قريب اوصلها معاك ولو برة القاهرة يبقى نصيبي قلبي يفضل يوجعني عليها
جذبها يطبع قبلة مرة أخرى على جبينها قائلا:
-حبيبتي متخافيش عليها، دي بقت مراتي وروحي فيها،وعلى العموم هروح الفيوم، بس يبقى سر بينا هناك الهوا حلو وهتخرج من حالتها بسرعة
اتجهت تطبع قبلة على وجنتيها وانسابت عبراتها
-سامحيني ياقلبي، بابا يخف ونرجعك تاني
-يعقوب عرف ..تسائل بها جاسر
أزالت دموعها وأجابته
-عمك قاله كل شي قسمة ونصيب، هو قال مسافر اسبوع أمريكا ولما يرجع هيتكلم تاني، وباباك مش موافق على فسخ الخطبة، علشان كدا عمك جوزهالك يريح الكل
اتجه وحملها متجها إلى الأسفل وخلفه نهى بحقيبة ثيابها
❈-❈-❈
بعد عدة ساعات بمنزل الألفي بالفيوم
وضعها برفق على الفراش، ثم قام بإخراج بعض الثياب الخاصة بها وقام بتبديلها بسبب رائحة المشفى، واتجه إلى المرحاض وانعش جسده بحمام بارد ثم اتجه يقف أمام فراشها يراقب نومها بسبب المهدئات ...ظل لدقائق ثم فرد جسده بجوارهاوضمها لأحضانه يمسد على خصلاتها بعدما حررها
يود لو يدفنها داخل أعماقه، ولا أحد غيره يراها..مرر أنامله على وجهها وابتسامة عاشقة أنارت وجهه..انحنى يطبع قبلة مطولة على جبينها
-يااااه ياجنى اخيرا بقيتي ملكي وجوا حضني، عايزك تخفي بسرعة وترجعيلي ..همس بجوار أذنها
-عايز قطتي الشرسة البريئة شوفتي ميكس كدا علشان اعرفها اد ايه بحبها
مرر أنامله على شفتيه ودّ لو تذوقها ليعلم كيف يكون طعمها ..هناك شعور مختلف بداخله ..كيف سيصمد أمامها بعدما أصبحت ملكه، كيف لا يبادلها القبلات ويظل ثابتا معاقبا قلبه
وضع رأسه لأول مرة بحناياها يستنشق رائحتها ويملأ رئتيه من رحيق عنقها، هامسا بقلبه
-بحبك ياعمري..قالها مطبق الجفنين يعتصرها بين ذراعيه وكأنها جزء لا يتجزأ من كيانه ..ظل لفترة محاولا النوم رغم ارهاقه ولكن كيف للقلب يعفو ومالكه بين يديه
تملمت بنومها تغضن وجهها رفعت يديها على وجهه..رجفة أصابت قلبه وهي تضع كفيها على ذراعيه العاري، ظلت نظراته ترسمها ود لو استيقظت وشعرت بتلك الرجفة التي اعترت فؤاده لظلت بأحضانه أعواما دون فراقه
همست بين نومها همهمات لم يستوعب معناها ..جذب رأسها لصدره بعدما فقد اتزانه حتى لا يلتهمها
استمع الى همسها باسمه كأن رائحته وصلت لرئتيها لتهمس باسمه
كان كفيل لهمسها باسمه بتحطيم عظامها بأحضانه ..لحظات مرت عليها وهو يطالعها فقط وفراشة الحب تعانقهما..وضع رأسه بالقرب من أنفاسها وأغمض عيناه داعيا المولى أن يجبر بقلبه الضعيف ويتحمل قربها دون أذيتها ..اخيرا غفت عيناه وارتاح قلبه بعدما استكانت بأحضانه، مرت عدة ساعات على نومه بجوارها، حتى أذن الفجر فاستيقظ لمقابلة الحي القيوم..اتجه مؤديا فرضه، ممسكا هاتفه
-هاتوهولي على المخزن القديم ..اتجه لأدويتها يقرأ مادون عليها، فلقد استغرقت الساعات الطويلة بالنوم
تأفف بعدما وجد مدة نومها من ثمانية إلى أكثر..ظل واقفا لبعض الدقائق وعقله منشغلا بها ماذا ستفعل إذا استفاقت ولم تجده أو تجد احد..امسك هاتفا ووضعه على الكومودو وبجواره بطاقة..ثم انحنى وطبع قبلة بجانب شفتيها
❈-❈-❈
-مش هتأخر عليكي، هاخد حقك من الكلب دا وراجعلك
بعد عدة ساعات
فتحت الجميلة عيناها تنظر حولها بذهول تكتشف أين هي، اعتدلت تنظر لثيابها التي بدلت حاولت التذكر ولكن لم تستطع كأنها أخذت حبوب فقدان الذاكرة..استدارت تنظر لذاك الكومودو، وجدت به تلك البطاقة، وبجانبها هاتف
فتحت البطاقة وقرأت مابداخلها
عشقي لكِ
يشبه الادمان اعلم أنه مؤذي ولكن راحتي فيه••
متل المطر يصيبني بالبرد ولكني مغرمة به
قطبت جبينها ثم اتجهت للهاتف و
جذبته ثم فتحته، لم يوجد به سوى رقمٍ واحد
قطبت جبينها متسائلة
-رقم مين دا؟! وأنا فين..المذهل أن صورتها على الهاتف
امسكته بيد مرتعشة وهاتفت الرقم الذي يسجل
كان هناك في تلك الغرفة يستند بساقية الموضوعة على المقعد وهو يشاهد ذاك المكبل من ذراعيه وأقدامه ويوضع بأسفله تلك النيران التي تشتعل أسفله وهو يصرخ، ووجهه الذي تشوه بالكامل بتلك المادة الحارقة
-صرخ ياحقير علشان تعرف تهجم على بنات الناس حلو، دا أنا هقطعك حتة حتة
جلس ينفث تبغه بإستمتاع من صرخاته وهو يراقبه بصمت لبعض الوقت..ألقى سيجاره واتجه إليه يجذبه من خصلاته بقوة قائلا
-لسة لسانك عايز اقطعه عشان كلماتك القذرة تحرم تطلعها على أي بنت..قالها وهو يلكمه بقوة بوجهه حتى شعر بكسر أنفه
-كلب حقير زيك تطاول على أسيادك ياكلب...امسك تلك المادة الحارقة التي تعرف مياه نارية وبدأ يضعها على بعض أعضاء جسده وذاك يصرخ قائلا
-بدي لمستها ياحقير، ثم أمسك مقصا بجانب شفتيه، بدي قربت منها قالها وهو يمسك جزء منها ويضع تلك المادة الحارقة عليها ..صرخ هاني
-حرمت صدقني
استمع الى صوت هاتفه، أخرجه ينظر لتلك الصورة التي أنارت هاتفه فهتف
-صباح الورد..قطبت جبينها متسائلة
-انت مين ..قهقه عليها واردف مازحا
-انا اللي متصل ولا إنتِ، أكيد واحدة حلوة بتعاكس واحد حلو زيي
-جاسر..همست بها وهي تنظر حولها بذهول ..توقف وهو يستمع الى لحن اسمه بنبرتها الشجية التي أرسلت إلى روحه ملاذا ككأس خمر ليتخدر ويجعله بحالة سكر بعشقها فقط
أجابها بنبرته الهادئة التي تخصها وحدها
-عيون جاسر..وكأنها لم تستمع إلى حديثه فتسائلت
-انا فين ياجاسر، وايه المكان دا
ارجع خصلاته المتمردة على وجهه وآهة ابلغ من أي رد وروحه تعانق قلبه وهو يجاوبها
-انتِ في قلبي ياجنجون، نص ساعة وأكون عندك حبيبي متخافيش، مفيش غير قلبي اللي عندك ودا عمره مايأذيكي ..أغلق الهاتف متنهدا وقلبه يرفرف بالسعادة
❈-❈-❈
بالمشفى
توقف جواد ينظر لنهى
-يعني ايه جنى مش موجودة، أنتِ مكنتيش مباتة معاها، ارتبكت بحديثها وتهرب بنظراته منه ..اتجهت لغزل لتنقذها
-انا معرفش ياجواد كنت مبيتة مع صهيب، أصله كان تعبان وفكرت عز هيجي يبات معاها
تحرك جواد إلى كاميرات المشفى
-دلوقتي هعرف ازاي خرجت يانهى..هوت على المقعد تضع كفيها على صدرها، تتنفس بهدوء
دققت غزل بملامحها
-نهى..رفعت نظرها إليها
-بقولك ايه ياغزل من الاخر كدا جاسر جه واخدها، انا خيبة ومبعرفش اكدب
شهقت غزل تضع كفيها على فمها
-يانهار مش فايت عليك ياجاسر، جلست بجوارها وكأن الأرض سحبت من تحت أقدامها
-يالهوي على اللي جواد هيعمله..اتجهت إلى نهى وانسابت عبراتها
-جواد مش هيسكت ازاي تخليه يخدها يانهى، الحريقة هتقوم في البيت
أطبقت نهى على جفنيها
-كنت عايزاني اعمل ايه ياغزل، وانا شايفة بنتي مش على لسانها غيره، والدكتور اللي طلب من صهيب كدا، قاله قربها منه علشان تحس بالأمان
-صهيب..همست بها غزل، ثم وضعت كفيها على رأسها
-ليه كدا ياصهيب ..الدنيا هتولع بين عز وجاسر، اعمل ايه ياربي وأروح فين
قالتها بقلبا ينتفض ..نهضت وظلت تدور حول نفسها
-جواد حازم، عز ، جاسر، ياربي دا كدا العيلة مش هيقوملها قومة
-غزل اسكتي بقى، جاسر كتب على البنت، يعني هي مع جوزها، ليه عز وجواد يضايقو، أن كان على عز مش هيهون عليه جاسر وجنى
اهة طويلة خرجت من غزل
-شكلك مش عارفة ابنك يانهى، دا هيولع الدنيا، ولا جواد اللي جه لخاله امبارح وقاله دلوقتي أنا أولى بجنى من الغريب..ضربت كفيها ببعضهما
-ياربي ..جواد يوقف مع مين ضد مين، انا عارفة ابني الوحيد اللي هيضيع بينهم
وصل عز وخطوايه تأكل الأرض ..وزع نظراته بينهما
-ايه اللي سمعته دا ياماما، ازاي جنى تخرج من المستشفى وهي عايشة على المهدئات .ازاي قالها صارخا..اتجه لغزل متسائلا
-فين جاسر ياطنط غزل، بقاله يومين مختفي، والنهاردة اختي تختفي
امسكته من كتفه
-ممكن تهدى ياحبيبي علشان نعرف نفكر، ماما لسة بتقول أن جاسر..قاطعتها نهى قائلة
-عز ..أهدى واسمعني ، اختك تعبانة وكان لازم من حد تثق فيه
-نعم ..حد تثق فيه، اوعي تقولي الحد دا جاسر، ركل المقعد بقدمه وعيناه يتطاير منها الشرر وظل يلكم الجدار خلفه
-ازاي جالك قلب تخليه ياخدها ياماما، هانت عليكي جنى، هانت عليكي تكون بعيدة ومتطمنيش عليها..اقترب من والدته وصدره كاللهيب
-ازاي قدرتي تبعتي راجل غريب مع بنتك ياحضرة المهندس، فين قيمك واخلاقك
صفعة قوية على وجهه
-شكلك عايز تتربى، جنى خرجت من هنا مع جوزها،وبأمرمن والدك
❈-❈-❈
صدمة ذهول وكأن أحدهم طعنه بخنجر بصدره، وضع كفيه على وجنتيه
-بعتي بنتك لحضرة الظابط ويبيع ويشتري فيها، ومراته تذل فيها
-كفاية بقى اخرص، مش عايزة اسمع صوتك، ابوك لسة عايش ياباشمهندس
وامشي من هنا..استدار متحركا للخارج وكأن هناك من يطارده
عند فيروز
جلست بالشرفة حزينة تمسك هاتفها تنظر لصورهما، وعيناها كزخات المطر، أطبقت على جفنيها وهي تعاود الاتصال مرارا وتكرارا ولكن هذا الهاتف مغلق، اتجهت إلى ربى وهاتفتها
-ألو..قالتها بقلبا يأن ألما
-اهلا يافيروز..عاملة ايه
روبي عايزة اكلم جاسر لو سمحتي مش عارفة أوصله
تنهدت بحزن واتجهت إلى شرفتها تنظر لتلك الحديقة فأجابتها
-جاسر مش في مصر يافيروز، لما يرجع هخليه يكلمك..
شهقة خرجت من فمها
-وحياة جاسر عندك متنسيش ..اومأت ربى قائلة
-حاضر يافيروز.
عند جاسر
هرول إلى سيارته بعد ما انتهى من عمله، يشير لذاك الرجل..خده ارميه في أي مذبلة
-انت فعلا قطعت لسانه ياباشا..ارتدى نظارته الشمسية وأردف
-ولو اطول اقطع جسمه كله هقطعه..بس ياباشا متنساش أنه ابن راجل معروف في البلد
رمقه شزرا وأشار بسبباته
-ومتنساش أنه قرب من حاجة تخص جاسر الألفي، واهو أخد جزاته
قالها واستقل سيارته، يود لو أنه طائر وله أجنحة حتى يصل إليها
عند جنى..جلست على الفراش تنظر حولها بخوف..اتجهت تكتشف المكان، تذكرت حديثه، قطبت حاجبيها فهي في حالة لعقلها يترجم كلماته..استمعت صوت بالخارج..أسرعت إلى المطبخ بعدما تأكدت أن ذاك المكان ماهو إلا منزل عمها بالفيوم..أمسكت السكين، وتوقفت بجسد مرتعش، دلفت أحد العاملات
صرخت بعدما وجدتها تقف بالسكين
-انسة جنى ...انا منى، ممرضة جاية علشان علاجك ..جاية عن طريق حضرة الظابط جاسر الألفي
-امشي اطلعي برة..قالتها جنى بصراخ..فلوحت بكفيها
-حاضر هخرج، حضرة الظابط جاي في الطريق
-بررررة ..صرخت بها وجسدها يرتجف..احتضنت نفسها تنظر حولها كالمجنون كأن جدران المكان عدوا لها..استمعت إلى مفاتيح باب المنزل ...تراجعت للخلف وهي تشير بالسكين..ظهر عاشق القلب أمامها
-وضعت السكين على عنقها عندما توششت الرؤية أمامها
-لو قربت مني هدبح نفسي..بعينين متسعتين وجسده ينتفض، شعر بإنسحاب أنفاسه وحاول التحدث، ولكن كيف وهو يشعر وكأن الحروف هربت من مخارجه، على ذاك المنظر الذي يشاهده، ابتلع ريقه بصعوبة، وهو يحاول الحديث مبتلعا غصته المؤلمة
-جنى حبيبتي أنا جاسر، سيبي السكين ياقلبي، ياله ياجنجون...تحركت للخلف وكأن صوته تستمع إليه في الأفق البعيد لم يكن واضحا اليها، وعيناها الزائغة بكافة الاتجاهات من يراها سيزعم جنونها
-جنجون حبيبي انا هنا محدش هيقربلك .. ياله حبيبتي ابعدي السكينة عن رقبتك..تراجعت تشير إليه
-ابعد هدبح نفسي، ابعد قالتها صارخة حتى ردد صوتها بأذنه كعويل إعصار جامح ..ظلت تتراجع، وقلبه ينتفض بقوة، حتى شعر بتحطم عظامه من شدة خفقانه
ترنح جسدها فسقطت مرتدة بالمقعد..وصل إليها بخطوة واحدة، وجذبها بأحضانه الان لا يحتاج سوى لعناق يطمئن روحه أنها بخير بين ذراعيه
حاولت الفكاك من قبضته ولكنه كان الأكثر تحكمت..
-اشش، اهدي ياقلبي انتِ جوا حضني ياقلبي مستحيل حد يقرب منك ..ارتجف جسدها وبكت بشهقات تحاوط خصره، تضع رأسها بأحضانه...صمتا أحاط المكان سوى من أنفاس جاسر المرتفعة، وشهقات بكائها..انحنى وحملها متجها بها للأعلى
-تعالي ارتاحي فوق ياقلبي..ضمها وصعد بها للأعلى، شعر بإرتعاش جسدها بين ذراعيه
صاح على الممرضة
-انا مش قولتلك عينك متغبش عنها
-والله يافندم روحت اجبلها لبن زي ما حضرتك قولت رجعت لقيتها كدا
احتدت نظراته وأشار
-تعالي شوفي هتاخد ايه دلوقتي..تحركت متجهة إليه
كانت جنى تجلس ونظراتها شاردة فلقد تبدل حالها ..مسد على خصلاتها يحاوطها بذراعه فالألم يضاهي آلام العالم حينما وجدها تحاول ذبح نفسها
حقنتها الممرضة ببعض الأبر..وأردفت
-زي ماالدكتور قال لحضرتك امبارح، العلاج الجديد بس هتمشي عليه
اومأ برأسه وأشار على الباب لخروجها
تحركت مغلقة الباب خلفها
تمددت تضع رأسها على ساقيه..استغرب فعلتها، ورغم ذلك شعر بالسعادة
ظل يمسد على خصلاتها بحنو دون حديث
احتضنت كفيه وتخلل أنامله بأناملها كالطفلة التي تحتمي بوالدها وهمست له
-أنا بقيت مجنونة صح..علشان كدا جبتني هنا
صفعة قوية بقلبه من حديثها وشعور قاسي افترس قلبه دون رحمة مما جعل دموعه تنساب بصمت
نزل بجسده ورفعها على ذراعه حتى أصبحت بمقابلة وجهه
-مين قالك كدا ياحبيبتي، عايزة توجعي قلبي ياجنى، متعرفيش قلبي دلوقتي بينبض لما تكوني كويسة
قالها وهو يوزع نظراته على وجهها كفنان
-انت ازاي جبتني هنا، وفين بابا وماما وعز..وازي نايم جنبي كدا، أنا مش قادرة ابعد ياجاسر فلو سمحت ابعد انت
دنى أكثر حتى تلاحم بجسدها ولف ذراعيه حولها بتمكن
-بعدت مافيه الكفاية ياحبيبة جاسر، بعدت لحد ماغرقت ومعرفتش اقاوم الموج..فوقي بس علشان نتعاتب يابنت عمي
-همست باسمه
-جاسر...انت بتقول ايه مش فاهمة، حاسة جسمي متخدر ومش قادرة احركه
دنى من أنفاسها وداعب أنفها يحتضن وجهها
-وأنا مش عايزك تبعدي ياجنى، عايزك زي كدا مفيش حاجة تفرقنا
أغمضت عيناها عندما شعرت بتخدر بسبب الأبر بجسدها بالكامل ..فهمست له
-بقيت غريب أوي يابن عمي ..لمعت عيناه عندما رفعت كفيها بهدوء تضعها على وجنتيه كالمغيبة وتمتمت
-بس بحبك يابن عمي ..قالتها مغلقة جفنيها بين النوم واليقظة..لمس كرزيتها بخاصته، ففتحت عيناها بتشوش
-بتعمل ايه يامجنون..همس أمام كرزيتها
-جنجون حبيبي أنتِ دلوقتي مراتي، ضغط على خصرها يقربها أكتر قائلا من بين نبضاته المتسارعة
-يعني جنى جاسر الألفي حبيبي..أطبقت جفنيها وابتسامة شقت ثغرها
-ابن عمي المجنون قالتها ثم ذهبت بسبات عميق
رفع رأسها يطالعها مبتسما
-مجنون بحبك يامهلكة قلبي ..بعشقك بجنون مهلكتي
وضع رأسه بحناياها ويسحب عبيرها وكأن هذه جرعته قبل النوم
استيقظت بعد فترة، وجدت نفسها مكبلة بذراعيه هبت فزعة تصرخ
نهض وحاول ضمها
-اهدي حبيبتي أنا جاسر..ابتعدت لأخر الفراش
-بتعمل ايه هنا، وازاي تنام في حضنك كدا، انت اتجننت
أشار بكفيه بهدوء
-جنى اهدي ..انت دولوقتي مراتي ، حبيبتي انا كتبت كتابي عليكي
نهضت تصرخ به
-كذاب ..انت كذاب ياجاسر، ازاي اتجوزتني ، من غير ماأعرف، لا وكمان انت متجوز، خاين ، انت خاين
-ماشي ياجنى انا خاين، انا اللي خونت ولعبت عليك وروحت قولتلك بحب واحد تاني..نهض متجها إليها
امسكها من كتفيها يهزها بعنف
-ازاي قدرتي تضحكي عليا، ازاي قولتي بتحبي جواد وفجأة تنسيه وفجأة تتخطبي
ايه موضوعك بالظبط
-ابعد عني بقولك..ابعد أنا بكرهك ..هزت رأسها وانسابت عبراتها
-بكرهك عشان انت اكتر واحد اذتني، بكرهك ياجاسر
جذبها لأحضانه يحاوط خصرها
-آسف حبيبتي متزعليش مني، أخرجها من أحضانه يحتضن وجهها
-بتكرهيني ياجنى..قالها وهو يزيل دموعها، ثم أخرج زفرة حارة ضربت وجهها كصفعة قوية..رفعت عيناها الباكية وارتجفت شفتيها
-ابعد عني ياجاسر، روح لمرأتك وحياتك، بعد كام شهر هتكون أب
وضع جبينه فوق جبينها وآه ابلغ من أي رد
-انتِ دلوقتي حياتي كلها ياجنى، مش عايز غيرك، وكلمة بكرهك دي حرقت قلبي يابنت عمي
رفعت كفيها على صدره وتمتمت
-بعد الشر على وجع قلبك ..مقصدش، بس اللي بتعمله غلط، ازاي اتجوزتني وانت متجوز، انا مش موافقة، ولا عمري هوافق عن حياتي دي
اغمض عيناه مستمتعا بهمسها رغم حديثها المؤلم إلا أن قربها واستنشاق أنفاسها يكفي له
تراجع للخلف وسحب كفيها
-ارتاحي دلوقتي وبعد كدا نتكلم، بس اتأكدي انك دلوقتي مراتي ومستحيل أتنازل عنك
-مراتي ..وقعت الكلمة على مسامعها كمعذوفة موسيقية، تحركت وهي تطالع قربه فقط، كيف له أن يقترب بتلك الطريقة، نعم هما كانوا قريبان، ولكن ليس كهذا
دثرها بالغطاء، ثم انحنى يطبع قبلة بجانب شفتيها هامسا لها
-نوما مريحا مهلكتي الجميلة
كانت سعيدة من قرب انفاسه، تمنت لو يتوقف الكون على ذاك القرب..ابتعد وعيناه تحاصرها قائلا
-هعملك مكرونة عارف انك بتحببها، قالها واستدار متحركا سريعا حتى لا ينقض على تلك الشفاه التي ترتجف بغرور
❈-❈-❈
مرت الأيام سريعا ..صهيب الذي دخل في غيبوبة، وتدهور علاقة ربى بعز إلى أن جاء ذاك اليوم..كانت تجلس بغرفتها عند والدها بعد تجمد عز معها..استمعت إلى صوته
-اختي فين ياحضرة اللوا، دي الأمانة اللي المفروض تصونها..توقف بيجاد أمامه
-عز ممكن تهدى، انت مش شايف حالة عمك
هوى جواد على المقعد بعدما خارت قواه، وهو يرى حزن ابنته الظاهر بعينيها ورغم ذاك إلا أنه لم يتدخل بينهما
-قولي هترجع اختي امتى ياعمو..ابنك خطف اختي شهر كامل ومعرفش عنها حاجة..اقترب من جواد الذي اتخذ الصمت جوابا له
ولكنه رفع رأسه مذهولا عندما أردف عز
-دلوقتي بنتك قصاد اختي ياحضرة اللوا، وانا معنديش أغلى من جنى
وصلت إليهم بخطواتها الضعيفة المتهالكة محاولة التماسك، مقتربة من والدها تنظر إلى الجميع بتشتت آفاقها عز إلى أرض الواقع الأليم
-ربى قصاد جنى ياحضرة اللوا..هنا انعقد لسانها وتاهت مفردات اللغة وسط ذهول الجميع، فماذا سيكون حالها بعد إطلاق كلماته النارية التي اخترقت صدرها وادمته
توقفت بينه وبين والدها توزع النظرات بينهما ..فهتفت بتقطع
-فيه ايه يابابا..مالك ياحبيبي زعلان ليه ..تحركت إلى أن وصلت أمامه ورفعت كفيه تقبله وأخذت تمرر كفيها المرتجف على وجنتيه وعيناها مختلطة مياهها بنيران ألمها الضاري، فاستدارت تنظر لذاك المتحجر ، أزالت عبرة غادرة انسابت على خديها المحترق بعنف وهتفت بقوة
-اختك قصادي ياباشمهندس ..تمام وأنا بقولك انت متلزمنيش ..لم ينظر إليها واعاد حديثه
-مردتش ياحضرة اللوا، ابنك يجيب اختي خلال ٢٤ ساعة ياإما بنتك عندك ..قالها ثم استدار ولكنه توقف عندما هتفت ربى بإقتضاب وحزم ومشاعر الغضب والحزن أشعلت نيران قلبها
-طلقني ياعز ، حتى لو جاسر رجع جنى انت متلزمنيش ولو راجل وابن صهيب الألفي فعلا ارمي عليا اليمين قبل ماتخرج من بيت جواد الألفي
شهقت غزل فهبت ناهضة متجهة الى ابنتها ..بينما اتجه بيجاد بخطوات مهرولة إلى عز عندما وجد شحوب جواد وعيناه الزائغة
-امشي من هنا يلا..ولكن نظراته عليها وحدها، لقد تهشم قلبه وأصبح فتات متناثرة..فهمس
-ربى متدخليش بينا
ابتسامة ساخرة تعيد حديثه
-سمعني كدا قولت ايه
ربى ..قالتها غزل
اطلعي اوضتك حبيبتي..استدارت إلى والدتها تطالعها بذهول
-نعم ياماما..اطلع ، وياترى اطلع ليه مش الموضوع دا خاص بيا ولا ايه
أشارت صارخة في عز فلقد تحاملت كثيرا لفترة
-الباشمندس يرمي عليا يمين الطلاق دلوقتي ياماما..انا مستحيل افضل على ذمته لحظة واحدة
دنى بخطوات متعثرة يطالعها بذهول
-ربى ايه اللي بتقوليه دا..أسرعت إليه تلكمه بصدره بقوة:
-بقولك طلقني ..سمعتني طلقتني مش عايزة اعيش مع واحد ذيك ..استدارت إلى والدها
-مش دا اللي وعدك أنه مش هيتخلى عني..دا طلع خاين يابابا ..قالتها صارخة وتحولت حالتها إلى الجنون
صرخت غزل باسم جواد عندما وجدت شحوب وجهه، بدأ يفتح زر قميصه ولكن لم يقو على رفع كفيه، رفع عيناه لغزل فلقد فقد الكلام كأن جسده شل بالكامل
صرخت غزل وهي تحتضتنه، هرول بيجاد وعز إليه بوصول غنى من الأعلى بعد سماعها لصراخ والدتها ..توقفت تنظر بذهول لحالة والدها
بعد شهر ..بعد تحسن حالة جنى وتواصلها يوميا مع والدتها ..رجع جاسر بصحبتها القاهرة ولكن بمكان خاص بهما بعيدا عن حي الألفي
كانت تجلس شارة تشاهد النيل مع غروب الشمس من شرفتها..استمعت إلى طرقات خفيفة، ولج بعد طرقه للحظات
-جنى هنزل أروح مشوار، يعني ساعتين كدا وراجع، محتاجة حاجة
نهضت متجهة إليه
-مبتروحش بيتك ليه ياجاسر، ياريت ترجع لحياتك أنا بقيت كويسة
زفر مختنقا من أسلوبها الذي اعتمدته معه منذ فترة وكأنه غريبا عنها
استدار دون حديث
-جنى متخلنيش ازعلك، خليكي في حياتك وبس..استمع الى رنين هاتفه، فتحه وجدها فيروز
رفع نظره إليها ثم إلى الهاتف..
-أيوة يافيروز...تمام نص ساعة وهتلاقيني هناك
استدارت تنظر إلى النيل وتحدثت :
-مفيش داعي تخبي يابن عمي، احنا مش متجوزين، علشان متأنبش نفسك، روح شوف مراتك وابنك
دنى يحاوطها من الخلف ثم وضع ذقنه على كتفها
-أنا مراتي في حضني دلوقتي..لكزته بقوة وهتفت بغضب
-جاسر الزم حدودك معايا، قولتلك انت ابن عمي وبس، ومتفكرش قعدتي معاك لحاجة تانية، علشان وعدت ماما بس، بابا يفوق وعز كمان هرجع بيت ابويا
جذبها من خصرها بقوة
-احلمي ياجنى..تعمقت برماديته ونيران الغضب والغيرة تحرق داخلها
-أنا مش بحلم يابن عمي، أنا بقولك الحقيقة مش اكتر، انا عمري ماهكون ليك ياجاسر، بلاش تأنب ضميرك اللي حصل قدر ومكتوب، وانا هرجع ليعقوب اكيد هيتفهم بس اللي مصبرني سفره
ضغط على خصرها بقوة آلامتها ثم دفن رأسه بعنقها وبأنفاس محترقة
-خلي حد يقرب منك وشوفي هعمل ايه، هاتي سيرة راجل تاني على لسانك الحلو دا، علشان أقصه بطريقتي، وأنا بتمنى والله ..قالها وعيناه على كرزيتها
شعرت بتذبذب بأنحاء جسدها، ودت لو تعانقه وتأخذ جرعتها من رائحته التي اشتاقتها حد الجنون، ولكن كيف تغفر له بعد ماحدث بينهما
أنفاسه الحارة بصدرها جعلت ساقيها كالهلام حاولت الحديث ولكنها لم تقو، رفعها من خصرها عندما شعر بإرتجاف جسدها بين يديه، واتجه إلى الأريكة وهي تحاول الفكاك من قبضته
ازال خصلاتها المتمردة، حتى ظهر عنقها المرمري أمامه ،ايتسامة أنارت وجهه
-مهلكة قلبة ياجنى، ناوية تعملي في قلبي الضعيف ايه، بس متخافيش هغفرلك ياقلبي
-مش لما نتحاسب الأول يابن عمي
-مستعجلة على الحساب ليه يابنت عمي، هنتحاسب ونتحاسب جامد اوي
دنى من شفتيها وداعبها بخاصته، ابتعدت بعدما شعرت بقشعريرها بعمودها الفقري، وكأن روحها هربت من تسارع نبضاته ولم ترد سوى احتضانه، قلبها الخائن اضعفها حتى تكورت الدموع بعينيها من حالة قلبها الذي أراد قربها وعصرها داخل أحضانه
وكأن الحبيب يشعر بحبيبه فحاوط جسدها الضعيف بين ذراعيه وضمها بقوة إلى صدره، لحظات متناسبة كل ماحولها، وضعت رأسها على صدره واغمضت عيناها تمنت توقف دوران الأرض هنا، تمنت لو تحاوط خصره ولكن كبريائها يمنعها من فعل ذاك
رفع ذراعيها حول خصره هامسا لها
-مالكيش مكان غير هنا يامهلكة قلبي،
هنا فاقت من سطوة مشاعرها وعادت لأرض الواقع فهبت فزعة من فوق ساقيه
بالمشفى عند جاسر
كان يجلس بجواره يحتضن كفيه ثم طبع قبلة عليها
-الف سلامة عليك ياعمو أنا اسف حبيبي..ياله فوق وارجعلنا
دلفت ربى غرفة والدها
-بتعمل ايه هنا..من فضلك اطلع برة مش مرحب بيك ،
شوفت الدنيا صغيرة أد ايه ياحضرة المهندس
-حرمت اخويا من دخوله يطمن على عمه، وانا دلوقتي بحرمك من دخولك لبابا..تحرك عز دون حديث
دلف أوس ينظر إليهما بصمت فأشار إلى ربى
-اطلعوا برة انتوا الأتنين، مش عايز اشوف حد فيكم قدامي
أطبقت على جفنيها ثم أردفت
-مقدرش أبعد عن بابا ياأوس
نظرات غاضبة لعز فأشار إلى الباب
-تدخل هنا بأذن مني، سمعتني، مش عايز اشوف وشك قدامي
تحركت ربى إلى أن وصلت إلى فراش والدها وجلست بجواره وعبراتها تحرق وجنتيها
-بابا حبيبي وحشتني مش عايز تفتح عيونك بقى
ولج جاسر بخطوات مهزوزة وعيناه على والده المسجى على الفراش، خطى إليه وكأنه يخطو فوق بلور ليشحذ أقدامه ونيران تحرق صدره
هوى بجوار فراشه وصوت بكائه شقت له الصدور
دفن وجهه بأحضان والده يبكي بنشيج مرتفع
-حبيبي فوق ..انا هنا، ربت أوس على كتفه
-قوم ياجاسر بلاش ضعفك دا، بابا هيفوق وهينور حياتنا من تاني
بكاء مرتفع بالغرفة حتى تعانق الثلاث إخوة ..إلى أن ولجت غزل تنظر لأبنائها متسائلة
-فين ياسين وغنى مش باينين ليه..أزالت ربى عبراتها واجابتها
-عند عمو صهيب، كان عايز يجي يشوف بابا بس هما رفضو وراحوا مع عمو سيف لعمو صهيب
اومأت متفهمة وتحركت تنظر إليهم
-بتعيطوا ليه مش عايزة ضعف ابوكم كويس ولاد جواد الألفي أقوياء مش ضعاف العياط ..اتجهت لجاسر وهتفت
-روح هات جنى خليها تشوف ابوها وعمها ..
هز رأسه رافضا
-عمو صهيب رافض ياماما حاليا
-جاسر اللي بقول عليه تسمعه ولا كبرت على امك
بعد مرور عدة شهور
بإحدى المناطق السكنية الراقية..كانت تغفو على الأريكة تذهب بسبات عميق، دلف للداخل يحمل بعض الأكياس البلاستيكية، وضعها بهدوء عندما وجدها تغفو بتلك المنامة الوردية وخصلاتها المنسدلة على الوسادة
تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه، لقد اشتاق إليها كثيرا بعد شهر ولم يراها به، اتجه بكفيه المرتعش يلامس خصلاتها هامسا باسمها
-"جنى"..فتحت جفونها بتثاقل وكأنه يروادها بأحلامها، ولكن هبت فزعا عندما لامس كفيه وجنتيها وابتسامة على وجهه
ابتلعت ريقها بصعوبة تحاوط جسدها بذراعيها
-جاسر !!ايه ال جابك هنا
تستغرق لحظات يطالعها فقط، فحمحم ناهضا ينظر لتلك الأكياس
-جبتلك حاجات، عرفت انك مخرجتيش بقالك فترة فقولت اكيد تلاجتك فاضية..جذبت مأزرها تضعه على جسدها، وتلملم خصلاتها، بعدما ولاها بظهره، فتحدثت
-لا عمو جواد كان هنا وجابلي حاجات..استدار إليها جاحظا عيناه متسائلا
-بابا!! هو عرف مكانك
جلست تنظر للأسفل وإومات برأسها ايجابا والدموع تغيم بمقلتيها
رفع ذقنها بأنامله يتنهد بحرقة قائلا بنشيج مرير
-شكل بابا وجب معاكي، دا لو عرف
نظرت إليه وتكونت الدموع بعيناها
-تفتكر واحد زي عمو جواد مش هيعرف ال حصل
كور قبضته وانفاسه تحرقه من يقترب منه
-يبقى عمره ماهيسامحني..اقتربت منه واحتضنت كفيه لأول مرة منذ فترة طويلة وتعلقت عيناها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت جدران قلبها فتحدثت بتقطع
-قولتلك بلاش تعمل كدا بس انت ال أصريت ياجاسر وشوف النتيحة، عمو جواد زعلان جدا، لو شوفت حالته إزاي بعد ماجه صعب عليا جدا، مش مصدق انك تعمل كدا فيه وصدمته الأكبر في بابا
بتر كلماتها مقترنا بابتسامة على شفتيه وهو يحتوي كتفها بين ذراعيه
-مش مهم، متخافيش بابا هيتفهم الموضوع، ومتنسيش انك عند جواد إيه ياجنجون
انسدلت عبراتها تحرق وجنتيها وأجابته
-كان ياجاسر، كان وقت ماكنا عيلة، مش دلوقتي، شوف العيلة بقت إزاي، معدش فيها إلى ذكريات
احتضن وجهها طابعا قبلة عميقة على جبهتها يحدق بها برماديته قائلا
-مفيش حاجة ضاعت، بكرة لما نرجع حي الألفي، كل حاجة هتتنسي
أنزلت ذراعيها وتراجعت للخلف تجلس على الأريكة
-مستحيل ارجع تاني هناك، مستحيل ياجاسر، انت ارجع لبيتك ومراتك ومالكش دعوة بيا، وخليك قد كلمتك ال اتفقت مع بابا عليها
احس بقبضة قوية تعتصر صدره، فاقترب منها يجلس أمامها على عقبيه
-وأنا مش فاكر اتفقت مع باباكي على ايه، دنى يهمس بجوار اذانها
-لو فاكرة يابنت عمي فكريني
ارتعش جسدها من انفاسه التي لافحت عنقها، فتراجعت للخلف تحتضن نفسها وتهرب من نظراته التي تخترقها..ارتبكت متمتمة
-انا هقوم أجهز الغدا، تاكل قبل ماتمشي، قالتها ونهضت متجهة للمطبخ سريعا
تحرك خلفها بالشنط البلاستيكية ووضعها على الرخامة..وتحرك يقف خلفها يحاوطها بذراعيه
-أنا مش همشي، أنا هبات هنا الليلة
سقط الذي بيديه حتى أصدر صوتا، فارتبكت تجمع الزجاج، نزل يجمع الزجاج، مبتعداً بها عن المكان، يحتضن كفها الذي نُزف
-ينفع كدا مش تاخدي بالك، مفكرة نفسك طفلة
ران صمتل هادئا عليهما وهو يقوم بتنظيف جرحها، لم يخل من النظرات وحبس الأنفاس والتفكير يأبى طي الكتمان فإما البوح والأستكانة، أو الصمت والعذاب الأبدي
-بتعمل كدا ليه يابن عمي، ياترى تكفير ذنب عن ال حصلي، ولا..رفع ابهامه يضعه على شفتيها ودنى ورماديته تحاور بنياتها
-إياكِ تغلطي، عشان وقت العقاب هيكون شديد أوي يابنت عمي
رجفة بسائر جسدها وهي تعانق عيناه فارتجفت شفتيها وهمست
-ابعد عني عشان متتأذاش ياجاسر، أنا ميرضنيش الأذى والوجع
جذبها لأحضانه يعتصرها بقوة هامسا لها
-وجاسر يستاهل العذاب ياجنى، لا يتعذب ويكفر عن ذنوبه..ارتفعت شهقاتها وهي تحاوط خصره
-أنا مؤذية للكل، اذيت الكل، فرقت الكل، ليه بيحصل معايا كدا، هو أنا وحشة لدرجة الكل بقى يكرهني كدا
أخرجها من أحضانه يحتضن وجهها وتكورت عبراته يرسم وجهها الجميل
-إنتِ أجمل بنت في الدنيا دي كلها، إنت البلسم والدوا ياجنى، اوعي حبيبي تقولي كدا
بكت بنشيج وارتجفت شفتيها تهز رأسها رافضة حديثه
-وبدليل أنا هنا، مهاجرة بعيد عن حضن أمي وأبوي، واخويا ال حياته ادمرت بسببي
بتر حديثها يبتلع كلماتها بجوفه لأول مرة يتذوق تلك الشفاة التي أرهقت منامه حتى لم يشعر بهدوء روحه العاصية، لحظات وهو يحتضن شفتيها، ربما هدوء لملمة نفسه، أو هروبا من القادم، كل مايجب فعله ومايشعر به هو تذوقها فقط
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل التاسع 9 - بقلم سيلا وليد
قبل شهرين، وبعد أسبوع من عملية صهيب، ولج جاسر غرفتها التي اتخذها لها بمكان أكثر هدوء وراحة، حيث الأشجار الخضراء تحاوطه. كانت تجلس تنظر للخارج بشرود.
خطى إليها، يمسد على خصلاتها:
"عاملة إيه النهاردة حبيبتي؟"
رفعت نظرها إليه وابتسمت:
"الحمد لله، أحسن بكتير. هنرجع القاهرة إمتى؟ بقالنا شهر هنا."
جلس بجوارها يحاوطها بذراعيه:
"لسه شوية، أطمن عليكي الأول، وكمان أبوكي يفوق. مش ضامن عقله."
وقت ما قالتها بدموع الخزي، هتفت من بين بكائها:
"جاسر، ليه عز عمل كدا؟ من إمتى وهو بقى كدا؟"
طبع قبلة على رأسها يربت على ظهرها:
"غصب عنه حبيبي، أخته وكل حياته يحصلها كدا وبسببي. كانت الضربة قوية عليه."
طافت عيناها بجميع أرجاء المكان وتساءلت:
"وليه بسببك؟ إنت ذنبك إيه؟ دا نصيبي يابن عمي."
صمت للحظات عندما فقد النطق، وكأن الحروف هربت من بين شفتيه. سحب نفسًا طويلاً وزفره، قائلاً والخذلان يخترق صدره كالرصاص:
"لأني السبب فعلًا يا جنى، أنا اللي بعتك هناك."
اتجه ببصره إليها وتنهد حزينا:
"فيروز ومامتها السبب."
شهقة خرجت من فمها تهز رأسها رافضة حديثه:
"مش معقول، لا مستحيل. وليه تعمل كدا؟"
بكت بمرار والدموع تتساقط من محاجرها متلألئة، وتحدثت من بين دموعها:
"أنا ما أذيتهاش يا جاسر، ليه تدبحني بالطريقة دي؟"
احتضن وجهها وتعمق بالنظر لمقلتيها:
"لأنها اكتشفت الحقيقة، فحبت تتخلص منك."
"حقيقة؟!" تساءلت بها مذهولة.
"حقيقة إيه دي اللي يخليها تدبحني كدا؟ حقيقة إيه اللي تخليها تخليني أخاف من أقرب الناس ليا؟"
أطبق على جفنيه وأنزل نظره للأسفل عندما شعر بثقل همومه. رفعت ذقنه تنظر إليه بدموع عيناها:
"ساكت ليه يابن عمي؟ ليه مراتك دبحت بنت عمك بالطريقة البشعة دي؟"
استند على الحائط برأسه. فلقد حاول نسيان تلك الأيام التي عاشها بآلامها حد الاختناق دون أن يصدر صوتا، أو يعذب أحد غيره. تحمل انفطار قلبه وإلغاء شخصيته حتى وصل لهذا الحال.
أطبق جفنيه وأرجع رأسه للخلف منهزما، ثم سحب نفسًا محاولا التنفس. ولكن كيف له التنفس وهو يشعر بأشواك تخربش رئتيه.
استدار برأسه وأجابها وعيونه تحاوطها بتركيز:
"عرفت إني بحبك يا جنى."
قشعريرة اختلجت كيانها، حتى شعرت بارتجاف جسدها، فهتفت بتقطع:
"ودي جديدة؟ ماهي عارفة علاقتنا ببعض من قبل الجواز."
قالتها متهربة. أرجع خصلاتها التي حاوطت وجهها بعشوائية بسبب الهواء ووضعها خلف أذنها، ودنى يهمس بالقرب من شفتيها:
"لا يامهلكة قلبي، مقصدش الحب دا، أقصد حبك اللي أهلكني ومبقتش قادر أخبي أكتر من كدا."
تراجعت للخلف تنظر إليه بذهول وارتجافة بقلبها من حديثه، حتى فقدت توازنها أمامه وضعفت وهي تتمتم:
"إيه الهبل اللي بتقوله دا؟ وازاي تكذب عليها؟"
تنهيدة عميقة وزفرة خفيضة بنيران الحب، ثم همس باسمها بنبرة خفيضة ولكنها وصلت لأذنيها بصوته الدافئ، مما جعلها تشعر بارتجافة أوصالها، فبعدت عنه.
رفع ذقنها ومازالت نظراته تفترس ملامحها الجميلة رغم شحوب وجهها. تلاقت عيناها بعينيه:
"عايز توصل لأيه يابن عمي؟"
جذبها بقوة لأحضانه ولف ذراعه يدفنها داخل أحضانه:
"إنتِ في حضني كدا، هوصل لأيه ياحبيبي؟"
حاولت الفكاك من أحضانه:
"جاسر لو سمحت، مينفعش كدا. ابعد لو سمحت، مش عايزك تقرب مني."
رفع خصلاتها ووضعها على جنب ووضع ذقنه فوق كتفها، وانفاسه تلفح عنقها هاتفا دون جدال ومازال متحكما بها:
"لا ياحبيبي، هقرب وهقرب أوي كمان. ولو كنت سكت الشهر دا فعلشان كنتي تعبانة مش أكتر."
استدارت تطالعه بغضب:
"جاسر، إنت اتجننت؟ ابعد بقولك. متخوفنيش منك."
شدد من احتضانها:
"جنى، اتعاملي معايا على إني جوزك علشان منتعبش مع بعض. إنتِ مراتي وهتفضلي مراتي لأخر يوم في عمري."
قالها ثم نهض متجها للداخل. مرت عدة أيام أخرى وهو يتجنب الحديث معها سوى في أمورها الصحية، إلى أن أتى ذاك اليوم.
"اجهزي، هننزل القاهرة. قدامك نص ساعة بالكتير والاقيكي تحت."
أمسكت كفيه:
"هتفضل تعاملني بالطريقة دي؟"
سحب كفيه بعيدًا وأردف:
"إحنا مش هنروح حي الألفي. ودا أمر من والدك. وزي ما والدتك فهمتك، هتنزلي على البيت اللي اشتريته. ومامتك هتروحلك كل فترة هناك. ممنوع عز يعرف مكانك. دا لو خايفة عليا من أخوكي."
توقفت أمامه ورفعت ذراعيها تحاوط كتفه:
"اللي بتقوله دا غلط. بلاش تعمل عداوة مع العيلة لو سمحت."
"عداوة؟!" قالها متعجبا، ثم تحدث مستنكرا كلماتها:
"جنى، هتعيشي معايا على إنك مراتي. دا أخر ما عندي."
"عايزة أقعد لوحدي. لازم أرتب حياتي قبل أي قرار. وإنت كمان لازم ترتب حياتك مع مراتك وتنسى الهبل اللي قولته."
جز على أسنانه وضغط على رسغها بقوة وهتف بهسيس:
"احمدي ربنا إنك خارجة من تعب."
دنى حتى اختلطت أنفاسهما وهتف بهسيس:
"متخلينيش أضطر أخليكي مراتي غصب عنك. واقنعي نفسك من دلوقتي إنتِ مرات جاسر الألفي."
لف ذراعه وجذبها من خصرها ينظر لذهولها وعيناها المتحجرة، ثم دنا يهمس بجوار أذنها:
"احفظي الكلمتين دول وحطيهم في قلبك قبل عقلك. جنى جاسر الألفي، هتفضلي كدا لحد ما أموت."
فتحت فمها للتحدث، فوضع إبهامه على شفتيها:
"مش مسمحولك بكلمة. سمعتك زمان، النهاردة أنا مبسمعش. يعني تقدري تقولي أصم عن أي كلام مش عاجبني."
سقطت كلماته فوق مسامعها كصاعقة صفعتها بقوة. ابتلعت ريقها بصعوبة تنظر إليه بأعين زائغة غير مستوعبة حديثه، ولسان حالها يتسائل: من هذا الذي أمامها؟
أمال بجسده قائلا:
"أنا جاسر، هو بشحمه ولحمه. بس الفرق إنك مراتي وأنا جوزك. فاهمة؟"
قالها وهو يداعب أنفها بأنامله. توسعت حدقيتها لا تصدق تبدل حاله. وقفت بجسد مرتجف تريد حضنه ليحميها من ارتجافة جسدها الذي تسبب بها، حتى شعرت بخواء ساقيها ولم تقو على حملها.
استدار متحركا وهو يهتف:
"يالا اجهزي، عايزين نوصل."
بعد عدة ساعات، ولجت بجواره إلى منزلهما الجديد. وجدت به خادمة ومرافقة لها.
"مين دول؟!" تساءلت بها جنى.
ربت على كتفها:
"غادة، خدي شنطة المدام دخليها جوا وحضريلها الحمام."
قشعريرة أصابت جسدها من كلمته التي خصها بها "المدام". كانت تطالعه بأعين تفيض عشقا. أحست بالحرارة تزحف لوجنتيها خجلا عندما طبع قبلة بجانب شفتيها:
"ادخلي ارتاحي. مامتك في الطريق وأنا ساعتين وراجع."
استدار متحركا ولكنه توقف عندما أشارت لحقيبته:
"خد هدومك معاك. أنا عايزة أفضل لوحدي. مراتك المجنونة أولى بيك."
سكت هنيهة يحاول ضبط انفعالاته، فتراجع إليها:
"حاضر يا جنى، هسيبك لوحدك وهروح لمراتي. ادخلي ارتاحي. بس عايز أفهمك حاجة، إحنا مش هنرجع حي الألفي تاني. وكلمت المحامي يفصل كل ماله علاقة هناك."
"ليه كدا؟ عمو مش هيسكت؟"
تراجع إليها:
"أنا تعبت من كل اللي حواليا، عايز أرتاح. مش عايز كل واحد يتهمني السبب في كل حاجة. عمتك وعز وكله، حتى أخواتي. تعبت ومن حقي أرتاح، ولازم الكل يتعود."
اقتربت منه وامسكت كفيه:
"جاسر، إحنا مينفعش نكمل مع بعض."
نفض كفيها:
"مش إنتِ اللي تقرري كدا. وياريت تنسي كلام أبوكي معايا. أنا مش هبعد عنك واعقلي. أنا هسيبك تقرري مع نفسك. ماتنسيش وأنتِ بتقرري مع نفسك تقنعي نفسك إنك هتفضلي مراتي."
قالها وتحرك سريعا من أمامها. بعد فترة، وصل إلى المشفى وجد والده بغرفة صهيب:
"بابا، وحشتني؟"
ابتعد جواد بنظره بعيدًا عنه وتحدث إلى صهيب:
"خد بالك من نفسك، متخليش حد يزعلك."
قالها وهو يرمق جاسر وتحرك خارجا. أشار صهيب بعينيه إليه. فتحرك خلف والده:
"بابا..."
توقف جواد وهو يواليه ظهره. تحرك إلى أن توقف أمامه:
"حضرتك هتفضل مقاطعني كتير؟"
ضغط على كفه حتى لا يرفعه ويصفعه:
"قولي إيه اللي يثبت إني أبوك؟ قولي وعرفني ياحضرة الظابط. أول مرة لجأت لباسم وشوف وصلت لإيه، وتاني مرة لجأت لعمك وشوف النتيجة إيه دلوقتي. ليكزه بكتفه يجز على أسنانه. "لجأت للغريب قبل أبوك. أبوك فين من حياتك ياحضرة الظابط؟... وديت بنت عمك فين؟ وقبل ما تتكلم وتقولي متعرفش، هقولك أنا عرفت إنك اتجوزتها ومش من صهيب يا حيوان. هترجعها يا جاسر، وتخلي الكل يقرر. إنت مش عايش لوحدك. وقبل ما تعترض، عرضناها عليك في الأول وحضرتك رفضت، ومتفكرش الحادثة هتضعفها. بالعكس، أنا هقفلك."
"بابا، جنى مع جوزها."
أشار بسباباته:
"يبقى هتخرب بيوت كتير. ودلوقتي امشي من قدامي، خليك بعيد عني. ووقت ما تحتاج حد، ياتروح لعمك صهيب أو عمك باسم."
احتضنه وانسابت عبراته:
"بابا، لو سمحت بلاش تقسى عليا كدا. لو سمحت."
"أقسى عليك؟ وإنت عملت فيا إيه يا كبير؟ قولي عملت إيه غير إنك صغرت أبوك قدام الكل؟ وآخرهم يعقوب اللي جه بيطالب بخطيبته. مكنش قدامي غير أقوله عند الدكتور، أفضلها تفضل بعيد عن الكل."
"صغرتني يا كبير؟ صغرت أمك خالص."
"بابا، متقولش كدا لو سمحت. إنت أغلى من روحي. محبتش أوجع قلبك عليا."
احتضن وجهه بعنف يهزه:
"إنت أهبل يلآ؟ إنت ابني وابني الكبير، اللي روحي فيه. إزاي تقول كدا؟"
رفع بصره وتحدث مهموما:
"أنا تعبت ويأست من كل حاجة. وصلت لطريق اللاعودة."
"ياللـ!" لكزه بقوة وصاح غاضبا:
"ابن جواد الألفي ما يقولش كدا يلا. أنا هسيبك يومين لحد ما ترجع بنت عمك وهي اللي تقول. ومن الأفضل إنك تبعد. ومش عشانك."
"عشان عمك مش مستعد أفقد حد فيكم. إنت هتتحمل أما هو لا."
ربت على كتفه:
"مش بقولك طلقها، بس بقولك رجعها عشان تريح الكل ونرجع نلم شمل العيلة."
هز رأسه رافضا حديث والده:
"مش هقدر. خلينا كدا بعيد."
"تمام يا جاسر." ابتسم له ثم دنا يقبل كتفه:
"ربنا ما يحرمني منك ياحبيبي."
تحرك وهو يشير بسباباته:
"غلطان يا ابن جواد، أنا مسمحتكش لسه."
ولج إلى صهيب:
"عامل إيه ياحبيبي دلوقتي؟ الحمد لله كدا خوفتنا عليك ودخلت غيبوبة."
شاكسه صهيب بصوت متألمًا:
"لا متخافش، لازم أربيك الأول وبعد كدا أموت."
"بعد الشر عليك ياعمو. أنا جيتلك هنا يوم العملية، بس عز قام القيامة."
أومأ برأسه حزينا:
"عارف. معلش ياحبيبي اعذره."
رفع نظره بمغزى:
"جنى عاملة إيه؟"
"نهى بتقولي بقت كويسة. وكمان آخر مرة كلمتها حسيت إنها كويسة."
ابتسم عندما تذكر ذاك الشهر المنصرم بينهما وعقاب كلا منهما للآخر:
"بتضحك على إيه يلا؟ اوعى يكون قربت للبت، أدبحك."
قهقه جاسر عليه، ثم غمز بعينيه:
"لحد دلوقتي لسه ياصهيوب، لكن أوعدك في أقرب وقت هتكون جد."
جحظت عيناه يشير بسباباته محذرا:
"إياك يابن جواد."
دنى من عمه وانحنى بجسده يحاوطه بذراعه:
"أنا مش جواد الألفي ياصهيوب، قولتهالك قبل كدا، متحلمش أرجعلك بنتك. دي حاجة. الحاجة التانية اللي لازم تقتنع بيها."
"إن بنتك اللي هي جنى جاسر الألفي دلوقتي بقت ملكي ومحدش يقدر يقربلها غيري. ماشي ياصهيبة."
ولج عز بتلك الأثناء:
"بتعمل إيه هنا؟ وفين جنى يا جاسر؟"
استدار متحركا:
"حمد الله على السلامة ياصهيوبة، وياريت تقنع نفسك باللي قولته. إنت يلا خد تعالى."
قالها صهيب بصوت متقطع. استدار يرفع حاجبه بسخرية:
"متحاولش ياعمو، خلاص خرج السهم من القوس."
وصل إليه عز يجذبه من تلابيبه:
"متخلنيش أستعمل حاجة توجعنا كلنا يابن عمي."
"عز..." قالها صهيب. لم ينظر إلى والده وظل يطالع جاسر بنظرات جحيمية:
"صدقني هتخليني ألجأ لحل هيوجعنا كلنا."
دفعه جاسر وأشار إلى رأسه وتحدث غاضبا:
"حط في دماغك الكلمتين دول يابن صهيب واحفظهم كويس. جنى مراتي، عايز تاخدها يبقى موتني. أختك بقت ملكي ومحدش يقدر يقربلها."
لكمه عز بعنف:
"ملك مين ياحيوان؟ مش دي اللي سبتها ورحت اتجوزت؟"
"عز..." صاح بها متألما. أمسك جاسر كفيه بعنف ورمقه بنظرات نارية:
"بص يلا علشان اتحملتك كتير. أنا اتجوزت أختك من أبوها. مالكش حاجة عندي."
دفعه بقوة وصاح هاتفا:
"واختك موافقة على كدا، إنت مالك."
قالها بابتسامة سمجة قاصدا إثارة غضبه، اقترب منه هامسا:
"جهز نفسك عشان هتبقى خالو قريب."
أشعلت كلماته نيران صدره، فهجم عليه كالحيوان المفترس:
"آه ياحيوان ياكلب، وحياة ربي ما هسيبك."
اعتدل صهيب وآلامه قلبه وهو يراهما بذاك الشكل:
"عز، جاسر... ابعدو عن بعض."
توقف بجسد هزيل، حتى خانه جسده وهوى ساقطا متأواه. أسرع إليه عز:
"بابا..."
وضع كفيه أمامه:
"ابعد عني. أنا معرفش."
ثم رفع نظره لجاسر ينظر إليه بخذلان:
"دا وعدك ليا؟ قولتلي هتتحمله، بقيتوا تأكلوا في بعض."
اتجه لابنه:
"دا جوز أختك. ودا أخر كلام عندي."
قالها صهيب وتنفسه بدأ يقل تدريجيا. طلب الطبيب سريعا الذي وصل وفحصه:
"قولتلك ياصهيب ممنوع الحركة. عايز تموت نفسك يعني."
قالها الطبيب متذمرا. وقف جاسر ونظراته للأرض حزينا على ما وصل إليه. أشار صهيب إليه:
"روح، متسبش مراتك لوحدها."
مرت الأيام سريعا يوما يلو الآخر، ومازال الفراق بينهما صامدا. هي بمنزلها منعزلة عن حياتها سوى من اتصال والدتها، وزيارة واحدة لوالدها بعد ما استعاد بعض من صحته.
جلست وامسكت فرشاتها وألوانها التي ابتعدت عنهما منذ قرابة الخمس شهور. تنظر لتلك اللوحات التي أرسلها إليها، بعدما ابتعد عنها مثلما طلبت منه. بدأت تخطط أمامها دون وعي حتى أنهت رسمتها، تنظر إليها بذهول، فلقد أنهت رسمتها التي ما هي إلا لسارق قلبها. لا تعلم أتبكي أم تحزن؟
شهر كاملا وهو لم يزرها، اشتاقت إلى أحضانه وهمساته لها، لولا زيارات والدتها ووالدها لها من الحين للآخر لكانت جنت من ابتعاده. تذكرت حديث والدها متسائلا:
"طيب بدل جاسر مبتش هنا، بيبات فين؟"
ألقت الفرشاة متنهدة بوجع. استمعت إلى طرقات منزلها، ارتفعت دقاتها اعتقادا أنه هو. خرجت العاملة:
"مدام جنى، فيه واحد برة بيقول اسمه جواد الألفي."
هبت فزعة متجهة إلى الباب:
"عمو..." همست بها ثم ألقت نفسها بأحضانه تبكي بشهقات مرتفعة:
"عمو حبيبي..."
حاوطها بذراعه:
"حبيبة عمو، وحشتيني."
ولجت تجذبه للداخل:
"أخيرا حضرتك رضيت عليا وجيت تزورني."
خلع جاكيته وجلس يشير إليها:
"تعالي في حضن عمو يابنت صهيب، وحشتي عمو."
جلست بأحضانه كطفلة فاقدة لوالديها، تضع رأسها على كتفه:
"بابا قال أكيد هتيجي بس اتأخرت أوي."
رفعت رأسها تنظر إليه بحزن:
"أكتر من شهرين وجنجونة مش وحشتك؟"
ابتسم على ملاكه، أزال خصلاتها من فوق عينيها:
"جوزك فين؟"
هبت واقفة، تفرك كفيها:
"قصدك مين؟"
توقف بجوارها يمسك كفيها:
"هو إنتِ متجوزة حد غير الحلوف ابني؟"
ابتسمت ونظرت للأرض بخجل تهز أكتافها:
"معرفش، أكيد في الشغل وزمانه جاي."
رفع ذقنها ينظر إلى مقلتيها:
"مش عيب تكدبي على عمو. أنا عارف إن الحلوف بقاله شهر مجاش هنا، وعارف كمان إنه باع شقته القديمة واشترى شقة لفيروز. بس اللي معرفوش هو فين. وفيروز كمان مش موجودة في مصر. الولد دا بيعمل إيه من ورايا؟ جنى، أنا جاي آخدك معايا."
"جلست مهزوزة..."
"أرجع؟ أرجع فين حضرتك؟"
رفعت نظرها إليه:
"عمو، أنا بقيت متجوزة ومينفعش أخرج من غير إذن جاسر حتى لو جوازنا شكلي."
"يعني سايبك لوحدك عادي عندك؟ تبقي لوحدك وهو مع مراته التانية؟"
تألم قلبها بعد ذكر فيروز وأجابته بعيونها الحزينة:
"أنا اللي طلبت منه يبعد علشان أعرف أقرر."
"جنى، هسألك سؤال وياريت تجاوبي عليه علشان من إجابتك دي هتحرك على أساسها."
نظرت له منتظرة حديثه:
"إنتِ عايزة تكملي مع جاسر؟ أنا عارف إنه كتب عليكي بعد ما باباكي طلب منه. متزعليش مني حبيبتي، أنا ما أرضاش تكوني زوجة تانية غصب عنك. جاسر كتب كتابه..."
هزت رأسها قبل ما يكمل حديثه:
"عمو، ممكن منتكلمش دلوقتي لو سمحت. أنا لسه تعبانة، ووقت ما آخد قرار هقول لحضرتك، وقولت لجاسر كدا. وعلشان كدا هو مش موجود."
نهض من مكانه قائلا:
"خلاص حبيبتي، أي وقت تحتاجيني فيه هتلاقيني."
عند ربي وغنى. توقفت غنى تنظر إلى أختها بعيون متألمة. أرسلت رسالة لزوجها ثم خطت إليها:
"روبي حبيبتي، بتعملي إيه؟ مش ناوية تروحي تشوفي جوزك؟"
تنهدت بحزن وأجابتها:
"غنى، أنا تعبانة وعايزة أبعد عن الأيام دي علشان منخسرش بعض."
قطع حديثهما دلوف بيجاد:
"غنى حبيبي، تعالي إنتِ وروبي نخرج شوية ونأكل درة مشوي."
حبيبي... توقفت ربى:
"هروح أشوف ياسمينا بتعمل إيه. اخرجوا إنتوا."
توقف بيجاد ينظر إلى أثرها بحزن:
"أنا مدخلتش زي ما قولتي، بس وحياة ربنا عز دا عايز يتربى."
جلست متنهدة بحزن:
"لسه ماوصلتش لجاسر يابيجاد؟"
جلس بجوارها ثم جذبها إلى أحضانه:
"هو كلمني يا غنى، كان بيطمن عليكم. حسيته تعبان، بس اللي مش قادر أفهمه ليه مش عايزكم تتواصلوا مع فيروز. أنا خايف ليقتلها."
لكزته ونهضت غاضبة:
"خليت أخويا مجرم يابيجاد."
جذبها بقوة لأحضانه:
"وحياتك جوزك هيتحول لمجرم من جاسر وعز. روحي شوفي سفيان، وأنا هنزل لباباكي دلوقتي، عايزه في موضوع."
بالأسفل، وصل عز الذي توقف أمام جواد يخيره بين ابنته وأخته، مما وصل إلى انهيار جواد ودخوله المشفى وحجزه بها.
عند جاسر، عاد إلى منزله بعد غياب شهر عنها بعدما طلبت منه المغادرة، تركها لتقرر. ولج للداخل. تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه. لقد اشتاق إليها كثيرا بعد شهر ولم يراها به. اتجه بكفيه المرتعش يلامس خصلاتها هامسا باسمها:
"جنى."
فتحت جفونها بتثاقل وكأنه يراودها بأحلامها، ولكن هبت فزعا عندما لامس كفيه وجنتيها وابتسامة على وجهه. ابتلعت ريقها بصعوبة تحاوط جسدها بذراعيها:
"جاسر!! إيه اللي جابك هنا؟"
استغرق لحظات يطالعها فقط، فحمحم ناهضا ينظر لتلك الأكياس:
"جبتلك حاجات، عرفت إنك مخرجتيش بقالك فترة، فقولت أكيد تلاجتك فاضية."
جذبت مأزرها تضعه على جسدها، تلملم خصلاتها، بعدما ولاها بظهره، فتحدثت:
"لا عمو جواد كان هنا وجابلي حاجات."
استدار إليها جاحظا عيناه متسائلا:
"بابا!! هو عرف مكانك؟"
جلست تنظر للأسفل وإومات برأسها إيجابا والدموع تغيم بمقلتيها. رفع ذقنها بأنامله يتنهد بحرقة قائلا بنشيج مرير:
"شكل بابا وجب معاكي. دا لو عرف."
نظرت إليه وتكونت الدموع بعينيها:
"تفتكر واحد زي عمو جواد مش هيعرف اللي حصل؟"
قبضته وانفاسه تحرقه من يقترب منه:
"يبقى عمره ما هيسامحني."
اقتربت منه واحتضنت كفيه لأول مرة منذ فترة طويلة وتعلقت عيناها بعينيه إثر سماعها كلماته التي اخترقت جدران قلبها، فتحدثت بتقطع:
"جاسر، لازم ترجع لحياتك وتعمل زي ما وعدت بابا."
نهض غاضبا منها ثم تحدث:
"وأنا مش فاكر اتفقت مع باباكي على إيه. دنى يهمس بجوار أذنيها: "لو فاكرة يابنت عمي، فكريني."
ارتعش جسدها من انفاسه التي لافحت عنقها، فتراجعت للخلف تحتضن نفسها وتهرب من نظراته التي تخترقها. ارتبكت متمتمة:
"أنا هقوم أجهز الغدا، تاكل قبل ما تمشي."
قالتها ونهضت متجهة للمطبخ سريعا. تحرك خلفها بالأكياس البلاستيكية ووضعها على الرخامة، وتحرك يقف خلفها يحاوطها بذراعيه:
"أنا مش همشي، أنا هبات هنا الليلة. ومش بس الليلة، ادتك وقت بزيادة ودلوقتي أنا جاي زي ما اتفقت معاكي."
سقط الذي بيديه حتى أصدر صوتا، فارتبكت تجمع الزجاج. نزل يجمع الزجاج، مبتعدا بها عن المكان، يحتضن كفها الذي نزف:
"ينفع كدا؟ مش تاخدي بالك. مفكرة نفسك طفلة."
رن صمتا هادئا عليهما وهو يقوم بتنظيف جرحها. لم يخل من النظرات وحبس الأنفاس والتفكير يأبى طي الكتمان، فإما البوح والاستكانة، أو الصمت والعذاب الأبدي.
"بتعمل كدا ليه يابن عمي؟ ياترى تكفير ذنب عن اللي حصلي؟ ولا..."
رفع إبهامه يضعه على شفتيها ودنى ورماديته تحاور بنياتها:
"إياكِ تغلطي، عشان وقت العقاب هيكون شديد أوي يابنت عمي. بقالي فترة مستحمل ضغط عليا. قلبي مبقاش متحمل يامهلكة روحي."
رجفة بسائر جسدها وهي تعانق عيناه، فارتجفت شفتيها وهمست:
"ابعد عني عشان متتأذيش يا جاسر، أنا ميرضنيش الأذى والوجع. مش عايزة أوجعك. مش قصدي حاجة تانية."
جذبها لأحضانه يعتصرها بقوة هامسا لها:
"وجاسر يستاهل العذاب يا جنى. لا يستاهل يتعذب ويكفر عن ذنوبه."
ارتفعت شهقاتها وهي تحاوط خصره:
"أنا مؤذية للكل، آذيت الكل، فرقت الكل. ليه بيحصل معايا كدا؟ هو أنا وحشة لدرجة الكل بقى يكرهني كدا؟ حتى إنت ما صدقت تبعد عني."
أخرجها من أحضانه يحتضن وجهها وتكورت عبراته يرسم وجهها الجميل:
"إنتِ أجمل بنت في الدنيا دي كلها. إنتِ البلسم والدوا يا جنى. أوعي حبيبي تقولي كدا."
بكت بنشيج وارتجفت شفتيها تهز رأسها رافضة حديثه:
"وبدليل أنا هنا، مهاجرة بعيد عن حضن أمي وأبوي، وأخويا اللي حياته اتدمرت بسببي."
بتر حديثها يبتلع كلماتها بجوفه، لأول مرة يتذوق تلك الشفاه التي أرهقت منامه حتى لم يشعر بهدوء روحه العاصية. لحظات وهو يحتضن شفتيها، ربما هدوء لملمة نفسه، أو هروبا من القادم. كل ما يجب فعله وما يشعر به هو تذوقها فقط.
فصل قبلته عندما شعر باختناقها. وضع جبينه فوق جبينها:
"إياكي أسمعك بتقولي كدا تاني."
"ليه بتعمل معايا كدا؟ لو مفكر إنك بتعمل تكفير ذنوب عن اللي حصل، مش هسامحك."
نظرات معذبة إليها وقلب ينتفض بعشقها:
"يعني بعد اللي حصل من شوية دا، لسه بتقولي كدا؟ بعد اللي قولته كله ولسه برضو مصرة على وجع قلبي."
تحدث بها بأنفاس حارقة تصفع وجهها. رفعت نظرها إليه فهمس لها من بين دقاته العنيفة بعد تذوقه لكرزيتها:
"اعذريني، فأنا متعب حد الجحيم من بعدك عني."
رجفة أصابتها في خضم أحاسيس أرهقتها وأثقلت نبض قلبها:
"هترضى أكون زوجة تانية وتسبني أموت هنا وترحلها؟"
تعلقت عينيه بعينيها أثر سماعه كلماتها التي اخترقت قلبه، ود لو يخبأها بين ضلوعه. اقترب ينظر لعيناها بتعمق:
"أنا طلقت فيروز، ومحدش يعرف غير أبوكي ومامتك. وقبل أي حاجة، علشان تعبت من كل حاجة، وياريت متسأليش عن حاجة دلوقتي."
نهض وجذب كفيها متجها إلى المدفأة وقام بإشعالها وجلس بجوارها واضعا غطاءا ثقيلا على أكتافهما:
"النهاردة لازم نتكلم يا جنى. ليه قولتي إنك بتحبي جواد؟ وليه ابن عميد الجامعة جه يخطبك وأنتِ مقررة رفضه؟ ما رفضتيش من الأول."
رفع نظره إليها واستأنف:
"وليه اتخطبتي ليعقوب؟ إزاي قدرتِ تموتيني بالطريقة دي؟"
سحب هواء متنهدا بعمق يملأ صدره:
"ليه كل لما أشوفك تبعدي عني على الرغم حياتنا كلها مع بعض؟"
اعتدلت ودنت منه:
"إنت ليه اتجوزتني يا جاسر؟ حتى لو طلقت فيروز فعلا، ليه فجأة كدا اتجوزتني؟"
"علشانك بحبك."
ابتسمت بسخرية، فرجعت تنظر للنيران أمامها. رفع ذقنها:
"بلاش الضحكة المستفزة دي."
جذبها بين أحضانه وجذب الغطاء على أكتافهما. وضعت رأسها بصدره تستمد الدفئ. مسد على خصلاتها البينة:
"سامعك حبيبي."
قالها بهمس جانب أذنها. استدارت تتعمق برماديته:
"جاسر، هو فجأة كدا حسيت إنك بتحبني؟ ماهو مش معقول تنسى فيروزتك فجأة كدا."
ضم كفيها بين راحتيه، ثم رفعهما إلى فمه يلثمهما:
"هتصدقيني ولا هتقولي كذاب؟"
مازالت نظراتها عليه على عينيه:
"مش عارفة. الأول كنت بصدق أي حاجة تقولها، لكن دلوقتي مش عارفة يا جاسر. صدقني مبقتش فاهمالك."
أخذها بين أحضانه، مالت برأسها ساندة إياها فوق كتفه:
"هحاول أقتنع بكلامك."
سحب نفسًا عميقا ثم تحدث قائلا:
"من تلات سنين بالظبط، يوم تعيني في الشرطة، بنت جميلة دخلت مكتبي وابتسامة ملت قلبي وهي بتقولي: "مبروك ياحضرة الظابط الجميل." البنت دخولها عليا اليوم دا معرفش هزني لأول مرة رغم إنها طول الوقت في وشي، ويعتبر مابنفترقش غير وقت النوم."
وضع ذقنه على خصلاتها وأكمل بعيون مشتاقة لتلك الأيام:
"وقتها قولت يمكن كانت وحشاني عشان غايبة عني شهرين، ودا أول مرة تبعد عني."
كانت تستمع إليه متذكرة ذاك اليوم. تراجعت بجسدها تستند عليه بالكامل، شعور الأمان والراحة غمرها حتى جذبت كفيه ليحاوط جسدها بالكامل لتختفي بين ذراعيه. فأستأنف قائلا:
"واحد من صحابي دخل وهي قاعدة معايا وعمال تقنعني بعروسة من صحابتها. أنا كنت واخد الموضوع هزار، رغم قلبي وجعني وقتها منها، ومكنتش عارف السبب. لحد ما جه صاحبي دا وجه يسلم عليها ويهزر معاها. وقتها غيرت وحسيت بألم في قلبي لما اتكلمتي معاه."
رفع ذقنها يعانق بنيتها برماديته:
"فاكرة قولتيلي إيه لما عاتبتك؟"
كانت تنظر لمعة عيناه. ارتجفت شفتيها من نظراته فابتعدت ببصرها بعيدا عنه. أدار وجهها إليه:
"قولتيلي بفكر أبعد عن العيلة وأتجوز واحد حلو وأمور كدا."
زفرة حارة خرجت من بين آلام قلبه فاستأنف:
"قولتلك ماتيجي يابت أجوزك أنا، وأهو زيدنا في دقيقنا. رديتي عليا بإيه؟"
"لا طبعاً، أنا يوم ما أفكر أتجوز واحد بعيد عن العيلة."
سكتت شوية وقالت:
"ممكن أتجوز قريب، بس أكيد مش إنت."
كانت نظراته تحاوط عيونها التي تحولت للحزن:
"فاكرة كلامك دا."
"بس أنا كنت بهزر، متوقعتش إنك بتتكلم جد."
دنى منها بأنفاس تمر فوق كرزيتها هامسا:
"حتى لو كنت بهزر، ردك كان قاسي أوي ياحبيبة عمري."
رفعت كفيها على وجنتيه:
"عمري ما حسيت إنك ممكن تحبني."
احتضن وجهها:
"ليه؟ ليه محستيش بيا؟ وأنا حاولت أفهمك كذا مرة إنك أهم شخص عندي. افتكري مع نفسك كدا ذكرياتنا."
وضع جبينه فوق جبينها وهمس من بين أنفاسه:
"اليوم اللي قررت أفتحلك قلبي لقيت جواد جاي يقولي أنا بحب جنى. مصدقتش وروحت أكلمك لقيتك بتقولي إنك خارجة معاه."
تلمعت عيناه بعشقها الخاص:
"الوقت دا كنت اتأكدت إني بحبك بجنون. ولو فضلت جنبك بحالتي دي كنت هعمل جريمة. كان لازم أقنع نفسي وأقنع الكل إني بحب فيروز. كان لازم الكل يتأكد من كدا. علشان كدا وقفت قدام بابا لأول مرة."
أطبق على جفنيه وارتفعت أنفاسه:
"بابا لو كان فضل مُصر يا جنى، كان ممكن أضعف قدام قلبي وأوجع جواد. غير جواد، إنتِ كنتِ عندي أهم حاجة. مكنتش أقدر آخدك غصب. مكنتش عايز أوجع قلبك على حبيبك."
هزت رأسها وانسابت عبراتها:
"غلطان يابن عمي، مش يمكن وقتها أكون بحبك."
احتضن وجهها بقوة وهزها:
"مكنتش هرضاها على نفسي أوجع أخويا اللي هو جواد، وأوجع حبيبتي اللي هي إنتِ. مكنتش هتحمل تكوني جوا حضني وقلبك متعلق بواحد تاني."
انسابت عبراتها وأصبحت كزخات المطر:
"إنت كنت بتموتني بقراراتك دي. لو فكرت مع نفسك كنت عرفت بعدك عمل فيا إيه."
بدأت دقات قلبه تدق بصدره بشكل كادت أن تتوقف من تسارع نبضه. همس بصوت متحشرج من قوة مشاعره التي وصل لمعناها:
"أفهم من كلامك إيه؟"
استدارت تواليه ظهرها ووضعت رأسها بأحضانه:
"كمل. سمعاك."
"إزاي قدرت تتجوز فيروز وقلبك معايا؟ وازاي..." صمتت ولم تقو على استئناف حديثها عندما شعرت بنزيف روحها كلما تذكرت أنه أصبح لغيرها. غيرها امتلكته.
أدارها إليه يزيل عبراتها التي آلمت قلبه ومزقت نياط روحه:
"جنى، أنا مكنتش عايش، وحياتك مكنتش عايش. صعب أوي إنك تقنعي نفسك إنك تعيش بدون حب. أنا حاولت أقرب وأكون طبيعي بس إنتِ دايما كنتِ بيني."
رفرفت أهدابها ورفعت كفيها على قلبه:
"مهما تقول يا جاسر، دا بقى ملك لغيري. كنت بتاخدها في حضنك."
شهقة خرجت من روحها النازفة قبل فمها وهي تتحدث من بين بكائها:
"أنا كنت بموت وإنت واخدها في حضنك."
رفعت كفيها الذي ارتجف من سوء ذكريات آلمت روحها وأستأنفت:
"وصل بيا الحال أنام في أوضتك عشان ريحتك متفارقنيش. إنت في شهر العسل وأنا نايمة على سريرك بعيط. إنت بتلف بمراتك وبتفكر إزاي تسعدها وأنا قلبي بينزف على اشتياقك. كنت عايزة أضمك بس، مش عايزة حاجة تانية غير تاخدني في حضنك."
احتضنت وجهه تنظر لعيناه المذهولة:
"أنا رحت لدكتور أتعالج من حبك يا جاسر، تخيل وصلت لفين. تمنيت أفقد الذاكرة عشان ما أتوجعش وإنت قدامي وواخد مراتك في حضنك."
تسابقت أنفاسها مع دقات قلبها مع كلماتها التي انتفض قلبه لها. رفعت أناملها ترسم بحنو ملامح وجهه واستأنفت:
"لو كان ينفع أدفع قلبي عشان يبطل يأن كنت عملتها، لكن للأسف يوم عن يوم وحبك بيزيد، وكأن بعدك وغيابك بيزيد التعلق والحب. افتكر يوم ماقولت مراتك حامل وبابا سافر هو وماما وقعدت عندكم في البيت. فاكر الليلة دي؟ لما رجعتلي بعد ماوصلت مراتك وفضلت طول الليل سهران جنبي. تعرف وقتها كنت هقولك متبعدش تاني لولا عمو جواد جه واستغرب وجودك. وقولتله إنك كنت بتطمن عليا."
جذبه يعصره بأحضانه وانسابت عبراته رغما عنه:
"لما بابا خاف عليا وقالي متتهورش في قضية راكان البنداري وأنتِ جريتي عليا تحضنيني جامد قولتي آخد بالي من نفسي."
رفعت عينيها وغرزتها داخل مقلتيه:
"كنت هموت عليك، ولما انضربت بالنار قلبي وقف واتمنيت أموت ولا أتوجع وجع فراقك. وقتها اتمنيت إنك تتجوز فيروز فعلا ولا يحصلك حاجة."
بتر كلماتها بجوفه، فيكفي لقلبهما عذابهما. اختطف كرزيتها يعزف سيمفونية بنهم باشواقه، فلم يعد للبعد مقترح في قاموسه. رفعت ذراعيها تحاوط عنقه لتروي نزيف روحها وتنعم بقربه حتى لو هتسرقها من غدر الزمن بها. ظلا لوقت يعزف لها وتعزف له ليعلم كلا منهما كيف يكون العشق.
همس من بين أنفاسه المتسارعة:
"مفيش حبيبة لقلبي غيرك. بحبك بجنون يابنت عمي. اعرفي إنك من يوم ما اتولدت اتكتبتي على اسمي. ومن وقت ما عرفت إن مفيش حد شاغل قلبك، أقسمت لربي مستحيل حد يقرب منك حتى لو هتحول لمجرم."
لمعت عيناها بالسعادة فنطق قلبها قبل لسانها:
"جاسر..."
تعمق بنظراته وأنفاسه الحارة ينتظر على أحر من الجمر ما ستقوله. فلو اقترب أحد منه لأستمع لدقات قلبه التي تتخبط بصدره بقوة آلمته من شدة ضرباتها وهو ينتظرها. دنت منه وصنعت تواصل بصريا متزامنا مع دقات قلبيهما، لم يفصلهما سوى أنفاسهما، فهمست من بين شفتيها التي تلذذ بطعمها المسكر منذ لحظات:
"بحبك يابن عمي وبحبك بجنون. عاشقة متهورة وشمت قلبها بعذاب حبك حتى أصبحت لحياتي دواء لعشقي اللاذع."
دقات عنيفة بصدره، من لحن كلماتها التي روت روحه المشتاق. رسمتها عيناه ببريق عشق خاص بها، دنى وانفاسه الحارة تلفح بشرتها بحمرة لذيذة، رفع أنامله يلمس على وجهها بالكامل. صامتة عيناه تحكي الكثير والكثير بصمت وأنامله تتحرك بحرية على وجهها. أغمضت عيناها عندما شعرت برجفة بعمودها الفقري.
دنى يداعبها بأنفه هامسا من بين أنفاسه المتسارعة من قوة مشاعره:
"عارفة إنتِ عملتي فيا إيه بكلماتك دي."
وضعت رأسها بصدره هروبا من نظراته ومن همسه الذي أهلكها فجعلها هشة ضعيفة لم تقو على الحديث أو النظر إليه. أخرجها من أحضانه بإصرار يحتضن وجهها ومازالت نظراته عليها:
"بتهربي مني ليه؟ أنا لسه معبقتش."
نظرت إليه بذهول:
"عاقبتني!!"
قطبت مابين حاجبيها:
"عايز تعاقبني أنا بعد اللي قولته؟ طيب أنا أعمل فيك إيه على اللي عملته؟"
وزعت نظراتها على وجهه بالكامل ثم هتفت:
"لو هنعاقب بعض زي ما بتقول، هيكون عقابك شديد أوي يا ابن عمي. عقاب ممكن يموتنا احنا الاتنين."
نظرات فقط من كلاهما، فكان الصمت في هذا الوقت بلاغة مطلوبة. جذبها إليه حتى اختفت بين ذراعيه، نزل برأسه بعنقها يحبس نفسه داخل صدره ضاغطا على كل عصب في جسده مانعا رغبته في اقتحام أسوارها. هو وعد عمه، فيبدو أنه لم يفي وعده لعمه. كيف يتحكم في سيل مشاعره الجامحة بعشقها.
ارتعشت من أنفاسه التي ضربت عنقها، فهمست بشفتين مرتجفتين:
"جاسر!!"
"إش..."
"سبيني كدا شوية."
تراجعت بجسدها حتى يرفع رأسه. رفع عيناه وتعانقت نظراتهما:
"هتفضل تبصلي كدا؟"
"بحبك." "بحبك."
انسابت عبراتها بقوة ثم رفعت كفيها تخلل أناملها الرقيقة وسط خصلاته مع دقات قلبها التي أصبحت كالمعزوفة هاتفة بهدوء رغم ضجيج قلبها:
"معرفش أفرح ولا أحزن."
قالتها وهي تعبث بخصلاته ثم اتجهت بنظرها إليه:
"قولي إنت المفروض أعمل إيه وحبيبي اللي ما تمنتش غيره جاي يعترفلي بحبه، بعد ما رماني أكتر من سنة واتجوز."
"قدر يتجوز لا ومراته حملت كمان."
قالتها بشهقات مع ارتفاع أنفاسها. اختلج صدره مصعوقا بألم نزف روحه، فاحتضن وجهها:
"جنى سامحيني. كنت بدور على سعادتك."
وضع كفيه موضع قلبها:
"لو بتحبيني اسألي قلبك. قوليله جاسر باعني ولا باع نفسه علشاني."
دنى وحاوط خصرها بقوة يبحر بمقلتيها:
"لما طلبت السماح علشان محستش بقلبك، مش علشان روحت اتجوزت. فلو اتجوزت فإنتِ السبب."
انهارت أمامه وبكت بشهقات:
"قولي يا جاسر لو أنا اللي اتجوزت قبلك كنت..."
وضع كفيه على شفتيها:
"كنت موت يا جنى. علشان كدا اتجوزت قبلك علشان مموتش وأقدر أسيطر على نفسي."
"كفاية النار اللي ولعتيها بقلبي من اقتراب جواد منك."
لمس ثغرها يمرر أنامله عليه بقوة كأنه يزيل آثار ما به.
"إزاي قدرت تخليه يلمس حاجة مش ملكي؟"
دنى وهو يبثر قبلاته على وجهها مبتعدا عن ثغرها حتى ارتجفت شفتيها وحاولت الحديث، ولكنها منعها عنادا، حجزها بين خاصتيه لفترة ليست بالقليل، حتى أنها دعت ربها ألا يفصلها أبدا. ظل يعزف لها عشقه حتى فاق الصمود أمام فتنتها الطاغية، فنهض وهو يحملها ومازال يعقد علاقة منفردة بخاصتها، متجها بها لغرفتهما ليشاركها لأول مرة عزف القلوب.
وضعها برفق على تختهما يعانق عينيها وشفتيها المرتجفة. رفع أنامله يتحسس عنقها، ثم انحنى ليغرز أنفاسه ويصك ملكيته بكامل جسدها، حتى أصبحت زوجته قولاً وفعلاً.
حان شعاع الشمس بين البزوغ فقد هلت بشائرها وأيقظ الفجر نورا فأحيا العباد لربهم داعين المولى عز وجل العافية والرزق، متجهين للحي القيوم لقضاء صلاة الفجر. استمع إلى أذان الفجر، فتح عينيه بتثاقل، أزاح خصلاتها بهدوء من فوق وجهه، اتجه بنظره لملاكه الغافية بأحضانه، ظل يتأملها بحب يتحسس بأنامله تقاسيم وجهها الذي يعشقه حد الجنون.
دنى من أنفاسها ولمس كرزيتها مطبق الجفنين.
"ماهذا الشعور الكامن بصدره؟ هل هذا الاكتمال الروحي؟"
يود لو يخفيها بداخل صدره. ظل يمسد على خصلاتها وابتسامة ملئت روحه قبل وجهه. اليوم فقط عرف معنى السعادة، اليوم فقط اكتمل كيانه. يا الله، ماهذا الشعور الذي أحياه في القلوب.
نزل بوجهه بعنقها:
"لو أعرف إن الحب حلو كدا، صدقيني مكنتش بعدتك يوم واحد."
لثم عنقها:
"بحبك يا من أهلكتي قلبي ونزفتي روحي. بحبك بل عشقتك بكل ذرة بكياني."
"دعيني أحطم كبرياء العشق، فوالله ليس لعاشق له كبرياء."
رفرفت أهدابها تختبئ بصدره خجلا مما صار. بسعادة هائلة لمس وجنتيها:
"جنجونة قلبي بتهرب مني ليه؟ دي صباح الخير بتاعتك."
تمسحت بصدره كقطة أليفة:
"بس بقى."
رفعها يجذب الغطاء على جسدها:
"مكسوفة مني يا جنى."
أغمضت عيناها ولم تقو على فتحهما. مال على أذنها:
"افتحي عينك بدل ما أفتحها بطريقتي، وأظن إنتِ فاكرة إيه اللي حصل امبارح."
فتحت عيناها سريعا:
"أهو خلاص."
قهقه عليها وهو يلمس ثغرها بأنامله:
"لازم أهدد يعني."
رفع بصره إليها:
"لدرجة دي شايفة كدا تهديد؟"
وضعت رأسها بكتفه.
"جاسر بس بقى والله هعيط."
طبع قبلة مطولة على رأسها:
"كنت عايز أشاركك معايا أول فرحة لقلبي، علشان كدا قولتلك الكلام دا."
رفعت نظرها إليه متسائلة:
"فرحة إيه؟"
تمدد باسطا جسده بالكامل على الفراش وهو يجذبها لأحضانه. وضع رأسها على صدره وتخلل أناملها:
"سعادة قلبي ياروحي، إن جنجونة قلبي بقت مراتي."
لكمته بصدره:
"اتلم يابن عمي علشان."
لحظة فقط وأصبح الوضع بالنسبة لها كارثيا عندما حاوطها بجسده:
"ابن عم مين يابت هتستهبلي."
ارتفعت وتيرة أنفاسها، حتى ارتفعت نبضاتها وبدأ صدرها يعلو ويهبط بطريقة ألفتت نظره. حاولت الحديث بتقطع فهتفت:
"جاسر، ابعد شوية."
كانت عيناه ثاقبة افتراسية على ملامحها فهتف:
"ولو مبعدتش هتعملي إيه؟"
ارتجف قلبها من قربه ونظراته المغرمة بها. انحنى يهمس بجوار أذنها وانفاسه الحارة تضرب عنقه بالكامل حتى شعرت بإنسحاب أنفاسها وخيانة قلبها الضعيف بقربه:
"إنتِ مراتي وحبيبة قلبي، مقولتش بنت عمي. هسمعك تقولي ابن عمي دي هعاقبك وعقابي هيكون شديد لدرجة كل شوية هتكرري مع نفسك إن جاسر جوزك وحبيبك."
رفعت بنيتها فتلاقت برماديته التي تعمقت بالنظر إليها، لا تعرف لما تلك النظرة الجديدة لها. رن صمتا من الحديث ولكن لم يخلو من نبضات قلبيهما وأنفاسهما:
"أنا إيه يا جنجون قلبي؟"
قالها وهو يلمس وجنتيها:
"جاسر... ابعد لو سمحت مينفعش كدا."
مال برأسه بحنايا عنقها:
"مجنونة إنتِ؟ أنا ما صدقت أقرب عايزة أبعد."
رفع رأسه ونظر لعيناها القريبة:
"عايزاني أبعد يا جنى؟"
هزة عنيفة أصابت جسدها بالكامل ولم تعلم بما تجيبه. شعرت بتحجر عبراتها فهمست:
"لا... قصدي معرفش."
ابتسم بحزن يهز رأسه:
"السؤال صعب الإجابة ياحبيبة عمري. جاسر لو سمحت افهمني."
اعتدل متجها المرحاض:
"قومي خدي شاور عشان نصلي الفجر مع بعض."
قالها متحركا إلى الخارج. أغمضت عيناه بحزن. كلما تذكرت ضعفها واستسلامها له ينشطر قلبها. كيف تستسلم له بهذه الطريقة وهو الذي تركها وتزوج رغم حبه لها. تراجعت بجسدها على الفراش:
"مش هقدر أعيش بعيد عنه. لا أنا مش هقدر."
قالتها وجذبت مأزرها ترتديه متجهة للمرحاض. بعد قليل انتهى من صلاتهما، خرج متجها إلى المطبخ، بينما هي جلست تنظر لأثره بحزن. أمسكت مصحفها تقرأ وردها، ثم نهضت متجهة إليه وجدته يقوم بإعداد القهوة ويشاهد الأخبار عن طريق التلفاز، وهو يشعل سيجاره.
توقفت أمامه وجذبت السيجارة من فمه، وألقتها بالسلة، ثم أمسكت فنجان قهوته وقامت بسكبها بحوض المطبخ. قطب جبينه متسائلا:
"مالك يا جنى على الصبح؟"
اتجت تنظر إليه بحزن وغضب منه:
"مش ملاحظ إن مفيش عريس يقوم الصبح يشرب سجاير وقهوة يابن عمي وسايب عروسته زعلانة؟ دا لو كنت عروسته أو أهمه أصلا."
انفرجت شفتيه مصعوقا بحديثها، وانعقد لسانه بذهول. فتجمد وكأنها أرشقته بسهام مسمومة هزت كيانه وجعلت أنفاسه تتثاقل. فكيف فعل بها ذاك اليوم الذي تعتبره الفتيات يوم عمرها. خطى حتى وصل إليها وجذبها لأحضانه يشد على عظامها يعتصرها ويضمها إلى ضلوعه:
"آسف ياحبيبي، مقصدتش أزعلك."
حاوطت خصره:
"أنا زعلانة منك أوي أوي يا جاسر وفي نفس الوقت مش عايزك تبعد عني."
رفع رأسها واحتضنها:
"قولي عايزة إيه يرضيكي وأنا أعملهولك، اطلبي حتى روحي دي، إنتِ مالكها من زمان."
رفعت نفسها وطبعت قبلة على وجنتيه:
"خلاص مش عايزة حاجة."
رفع حاجبه ساخرا:
"أسميه إيه دا إن شاء الله؟"
ابتسمت وأجابته:
"كدا بفهمك خلاص مش زعلانة منك يا ابن عمي."
ضغط على خصرها بقوة:
"مسمعش ابن عمي دي تاني يا جنى علشان مزعلش منك بجد."
"هو إنت مش ابن عمي؟ امال..." ينظر لثغرها:
"لا ياحبيبي... دا كان زمان لما كنا أخوات. إنما دلوقتي لا، دلوقتي إنتِ روحي وحياتي. أنا كمان لازم أكون كدا. مستهلش يا جنى."
كانت تتابعه بعينيها السعيدة. فهمست له بعيونها اللامعة بعشقه:
"ماهو إنت كدا، ومن زمان أوي."
شدد من احتضانها ونبض قلبه ارتفع بوتيرة أنفاسه:
"أنا إيه يا جنى، عايز أسمع."
قالها من بين أنفاسه المتسارعة. تضجرت وجنتيها بإحمرار لذيذ وتنحت متحاشية التقاء النظر بعينيه الهالكة فهمست:
"إنت حبيبي وروحي يا جاسر."
رفع ذقنها بأنامله عندما انحبست أنفاسه داخل صدره، ونظر لعيناها:
"بصيلي وإنتِ بتتكلمي. بلاش تهربي بعيونك عني. إحنا مابنكذبش بمشاعرنا عشان نهرب."
"إنت حبيبي وروحي يا..."
ابتلع باقي الحروف وأخذ ينهل من كرزيتها عسلها المصفى لتغذية روحه، وما زاده إلا جنون عشقه بها، فأخذ يعمق أكثر وأكثر بخاصته، وبدأ يعبث بيديه كيانها حتى استسلمت بكافة إرادتها لطوفان عشقه. ليكمل ملحمة عشقه ويسطرها بنبض قلبه وثغره، فهو لم يجد من كلمات تعبر عن مدى عشقه لها سوى حصاره لها.
بعد عدة ساعات، أشرقت عيناه كشمس باتت في الأفق البعيد. ينظر لتلك الملاك التي تتوسد صدره. رفع كفيه يمسد خصلاتها، تنهد بعمق يملأ صدره بالهواء المختلط بعبيرها. ابتعد قليلا محاولا ضبط انفعاله الذي بعثرته وخطفت قلبه حتى أصبح قديسا لها. حاول استياقظها عندما غلبه الشوق، فقلب العاشق لا يهدأ سوى بادله عاشقه الهوى. كأنه ولد بالأمس ليحيا عاشقا بتلك الطريقة التي لأول مرة يشعر بها بحضرتها.
أزاح خصلاتها المتمردة حتى ظهر وجهها الندي أمامه. انحنى ليعزف بترانيم عشقه على كرزيتها عندما فقد السيطرة على نفسه. تململت الجميلة بنومها، عندما داعبها عاشقها الولهان. فتحت عيناها الجميلة التي أصبحت له نور يوميه. ابتسمت خجلا:
"صباح الخير."
قالتها بقلبا ينتفض بالعشق. انحنى يضع رأسه بحناياها:
"صباح الحب على عيون حبيبي."
غرد بها ككروان بحديقة منزله. رفعت كفيها على وجنتيه وتحرر من صدرها نفسا ناعما مبتسمة:
"صباح الحب على حبيب قلبي."
هنا صمتت الألسنة وتعانقت القلوب بالنبض، فلم يتبقى من عشقهما سوى نيران الشوق.
بعد فترة يجلس بجوارها بحديقة منزله يتناولان فطورهما:
"اجهزي علشان هنسافر يومين."
رفعت بصرها متسائلة:
"هنسافر فين وليه؟"
وضع قطعة من الخبز بالفراولة بفمها واستأنف حديثه:
"إيه بلاش نقضي شهر العسل ولا إيه؟"
اعصر قلبها بقبضة فهزت رأسها رافضة:
"لا يا جاسر مش عايزة سفر، إنت معايا كفاية عليا كدا."
ضغط على كفيها الذي يحتضنها:
"حبيبي كفاية معملتش فرح، كمان مش عايزة شهر عسل."
وضعت رأسها على كتفه:
"لا... مش عايزة. شهر العسل دا كدبة ياحبيبي. الشهر العسل عندي إني أحس بسعادة روحي وإنت جنبي، غير كدا مش عايزة. ممكن تاخدي لأجمل مكان في العالم بس مش سعيدة، وممكن نكون هنا في الحديقة البسيطة دي وأكون أسعد واحدة على وجه الأرض."
اعتدلت تشير إلى حضنه وأجابته:
"دا سعادتي والعسل اللي بتقول عليه دا مش مرتبط بشهر مرتبط العمر كله."
رفع ذقنها يملس على وجنتيها:
"علشان كلمة حبيبي دي أبيع روحي ياروحي وأعملك اللي إنتِ عايزاه."
ابتسمت بخجل وأجابته:
"عندك شك ولا إيه ياحضرة الظابط؟!"
حرك شفتيه بصوت اعتراضيا:
"لا ياحبي، معنديش شك، وحياة عيونك الجميلة دي واثق فيكي ثقة عمياء."
لمست وجنتيه وتحدثت:
"مش مصدقة إنك جاسر ابن عمي."
أطلق ضحكات مرتفعة يضرب كفيه ببعضهما:
"مش أنا قولتلك علشان تريحي نفسك انسي إني ابن عمك، أنا حبيبك."
ابتسامة شقت ثغرها تهز رأسها ثم هتفت:
"مجنون."
جذبها بقوة حتى ارتطمت بصدره:
"مجنون بس إيه."
رفعت أناملها تخلل خصلاته:
"مجنون بس بحبك يا..."
وضع إبهامه على شفتيها:
"لو قولتي ابن عمي صدقيني متلوميش غير نفسك."
قهقهت بصوتها الناعم تضع كفيها على فمها:
"لا مش هقول."
صمت ومازالت ابتسامتها تزين ثغرها فهتفت وهي تضع كفيها على وجنتيه:
"وم تنساش إن حبيتك وأنت ابن عمي."
دنى منها يداعب أنفها:
"بس عشقتك وإنت مراتي وحبيبة قلبي وروحي."
هزت رأسها ضاحكة:
"مجنون والله وحالتك غريبة."
نهض يعانق أناملها واتجه إلى خزانة ملابسها:
"اجهزي علشان هنخرج جولة هتعجبك كمان."
استدار متحركا ولكنه تذكر شيئا، فأخرجه من جيبه، امسك كفيها ووضع خاتم بأصبعها ثم رفعه يلثمه:
"الخاتم دا متخلعهوش أبدا حبيبي."
نظرت للحجر الذي يزينه:
"دا خاتم طنط غزل مش كدا؟"
نزل بجبينه يستند على جبينها:
"طنطك غزل قالت لبسه لمراتك وقولها مبروك يا مرات ابني."
رفعت عينيها المترقرق بالدموع:
"جاسر، عايزة أروح أزورهم علشان خاطري حبيبي."
طبع قبلة على شفتيها وهمس لها:
"اجهزي النهاردة هنزور راكان البنداري، عازمنا في مزرعته ووعد أجهز نفسي لمقابلة العيلة وبعد كدا آخدك لهناك."
حاوطت خصره تتمسح بصدره كقطة أليفة:
"مش هتبعد عني مش كدا."
رفعت نظرها تنظر له:
"اوعى تبعد عني يا جاسر، حتى لو عمو جواد طلب منك كدا."
دفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته:
"تفتكري لو القلب فصله عن الجسم، الجسم بيعيش حبيبي."
حاوطت عنقه ونزلت بجبينها تهمس له:
"دلوقتي هقولك بحبك يابن عمي وإياك تعترض."
أطلق ضحكات مرتفعة وهو يدور بها وابتسامتها تنير وجهها ومازالت تحاوط عنقه.
بعد عدة ساعات بشقة فيروز. استمعت إلى طرقات على باب منزلها، دلفت والدتها تنظر للخادمة بغضب:
"فين سِتّك يابت."
أشارت الخادمة اتجاه الشرفة:
"قاعدة برة ياهانم."
تحركت ونيران خطواتها تأكل الأرض:
"قاعدة في الساقعة كدا ليه؟ خليكي موتي نفسك عياط عليه لحد ما تموتي والباشا عايش حياته في أحضان مراته."
رفعت نظرها إلى والدتها:
"عرفتي مكانهم."
ألقت صور لجاسر وجنى وهو يحملها ويدور بها:
"شوفي وأملي عينك علشان تعيطي على واحد خاين زي دا."
انسابت عبراتها تحرق وجنتيها:
"لدرجة دي نسيتني يا جاسر."
نظرت لعيناه السعيدة، وقرب ثغره لثغر جنى، كورت يديها بغضب جحيمي على الصورة حتى أذابتها بين قبضته وهمست من بين أسنانها:
"وحياة وجع قلبي لأبكيك عليها يا جاسر واخليك ترجعلي تبكي."
آه صرخت بها كلما تذكرت قربهما. جلست والدتها تنظر إليها بتشفي قائلة وهي تنفث تبغها:
"اسمعيني كدا وافهمي هقولك إيه علشان لو عملتي كدا هتخليه يرجعك غصب عن أبوه."
بمنزل جواد. بعد استقرار حياته تم نقله إلى منزله بمتابعة غزل له. جلست بجواره وانحبست الدموع بعينيها تنظر لنومه. رفعت كفيه تقبلهما، ثم وضعت رأسها على صدره وشهقة خرجت من فمها:
"مش هقدر أعيش دقيقة واحدة بعدك ياحبيب عمري. لو خايف على غزالتك لازم تقوى وترجعلي بسرعة."
رفع كفيه يحاوطها:
"غزل بلاش تعيطي."
رفعت نظرها وأزالت عبراتها:
"حاسس بإيه دلوقتي؟"
رسم ابتسامة يزيل عبراتها بإبهامه:
"حاسس إني محظوظ بأجمل ست في الدنيا."
اقتربت منه وقبلته بعشقها الدفين:
"ربنا يخليك ليا."
استمعوا لطرقات على باب الغرفة، اعتدلت. دلفت صهيب يستند على نهى. حاول جواد الاعتدال ولكنه أشار إليه:
"خليك ياحبيبي مرتاح."
نظر إليه بتعب:
"اتجننت ياصهيب، إزاي تيجي بحالتك دي."
وزع نظراته على نهى وغزل قائلا:
"سبونا لوحدنا شوية."
اتجهت نهى ببصرها لجواد تهز رأسها رافضة تركه. هز رأسه لها أي لا تخافي. جلس بجواره على الفراش قائلا بمزاح:
"اِتأخر كدا مالك واكل السرير كدا."
ابتسم له جواد:
"فاكر زمان."
وضع رأسه على كتف جواد:
"هو فيه أحلى من زمان؟ ربنا يخلينا لبعض."
صمت ران بينهما للحظات بتره جواد قائلا:
"عايزين نعمل فرح لجاسر وجنى. مينفعش البنت تتجوز كدا."
ربت على يديه قائلا:
"البنت سعيدة مع جاسر يا جواد. عارف إني انصرفت من غير ما أرجعلك وفهمتك إن جاسر أخدها بدون علمي. أنا قولت كدا عشان أهدي عز وأعرفه أد إيه جاسر بيحب البنت."
أومأ برأسه متفهما:
"عرفت ياصهيب، عرفت كل حاجة. بس اللي وجعني إزاي تكسرني بالطريقة دي وتوافق إن جاسر يفض شراكته بعز. مهما كانت اختلافاتهم بس أكيد هيجي يوم ويتصافوا."
تنهد صهيب قائلا:
"أنا قولت كدا وقتها عشان أهدي النار اللي بينهم. مكنتش أعرف الموضوع هيتطور كدا."
رفع جواد نظره لصهيب قائلا:
"عرفت إن عز جه يساومني بربى مكان جنى."
طأطأ رأسه بخزي من أفعال ابنه:
"عرفت يا جواد."
قالها متألما حزين. رجع جواد بظهره على الفراش:
"الولاد بيضيعوا ياصهيب. حازم اللي سافر ومنع ولاده بنزولهم مصر بعد ما رفضت جواز جواد بجنى، وجنانه عليا آخر مرة. وادي عز وتهوره اللي وصله إن بنتي معادش عايزاه. وابني اللي مطرود برة العيلة والكل نافره. حتى أوس قطع علاقته بيه. قولي أرتاح إزاي وولادي كلهم وقعوا."
ربت صهيب على كتفه:
"عدينا بأكتر من كدا نسيت ولا إيه."
سحب نفسًا طويلا، وزفره على مراحل. وآه خرجت متألمة:
"لا ياصهيب، المرادي الضربة شديدة في أكبر واحد من ولادي."
استمعوا إلى صرخات نهى بالخارج. نظروا لبعضهما البعض، حاول جواد الخروج. دلفت غنى إلى والدها:
"بابا ألحق فيروز برة وعز هجم عليها وبيضربها."
بمكتب يعقوب. ولج أحدهما:
"... يعقوب باشا
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل العاشر 10 - بقلم سيلا وليد
رجع جواد بظهره على الفراش.
- الولاد بيضيعوا ياصهيب، حازم اللي سافر ومنع ولاده بنزولهم مصر بعد ما رفضت جواز جواد بجنى، وجنانه عليا آخر مرة، وأدي عز وتهوره اللي وصله أن بنتي معادش عايزاه، وابني اللي مطرود برة العيلة والكل نافره، حتى أوس قطع علاقته بيه، قولي ارتاح إزاي وولادي كلهم وقعوا.
ربت صهيب على كتفه.
- عدينا بأكتر من كده، نسيت ولا إيه.
سحب نفسًا طويلاً، وزفره على مراحل.
وآه خرجت متألمة.
- لا ياصهيب، المرادي الضربة شديدة في أكبر واحد من ولادي.
استمعوا لصرخات نهى بالخارج.
نظروا لبعضهما البعض، حاول جواد الخروج.
دلفت غنى إلى والدها.
- بابا ألحق فيروز برة وعز هجم عليها وبيضربها.
اعتدل جواد بهدوء وخرج بجوار ابنته، بينما صهيب جلس زافرًا الهواء المكبوت بداخله بقوة ثم رفع هاتفه.
قبل قليل، كانت تقف أمام المرآة تنهي زينتها، بينما هو يجلس على فراشهما وعيناه تبحر فوق ملامحها الجميلة. ابتسمت له من خلال المرآة.
- هتفضل تبص عليا كده مش هعرف أخلص.
نهض متجهًا إليها. وقف خلفها ولف ذراعيه حولها يدفن رأسه بعنقها.
- مش مصدق إنك بين إيدي.
لثم عنقها. شعرت بصاعقة كهربائية تسري بكامل جسدها. أطبقت على جفنيها عندما لفت أنفاسه الحارة عنقها، فهمست بتقطع.
- جا..س.ر.
رفع رأسه ينظر لانعكاس صورتهما بالمرآة.
جذبها حتى ارتطمت بصدره.
- قلب جاسر.
ارتجف جسدها وخانتها ساقيها. ابتلعت ريقها بصعوبة، فقد استحوذ على كيانها بالكامل، مما جعلها تتمنى قربه بتلك اللحظة.
أطبقت على جفنيها تحاول استيعاب تلك السعادة التي انتابتها بقربه وعشقه.
ظلا كلاهما بتلك الحالة، هي التي أغمضت عيناها مستمتعة بأنفاسه وقربه، وهو احتواءه لها بحضن أحضانه.
رفعها بين ذراعيه وتراجع إلى فراشهما.
فتحت عيناها مذهولة.
- جاسر هنتأخر.
وصاحكاش.
قالها وهو يضع إبهامه على شفتيها.
استند على الفراش بظهره وأجلسها بأحضانه وهو مغمض العينين، يمسد على خصلاتها فقط.
ران صمت بينهما، كلاهما ذاهب بملكوته.
وضعت رأسها على صدره ورفعت كفيها حوله.
فتح عيناه وابتسامة مغرمة بأفعالها.
انحنى يطبع قبلة فوق رأسها، ثم تحدث.
- جهزي نفسك لما نرجع من عند راكان هنسافر، لازم نسافر يومين.
- أنا مش موافق.
اعتدلت على ظهرها تطالعه ومازالت على وضعها.
- أنا مش عايزة أسافر صدقني، واظن انت عارف من صغري مبحبش السفر والحاجات دي.
خلل أنامله بخصلاتها مردفًا.
- ماهو علشان كده هنسافر.
قطبت جبينها متسائلة.
- ده اسميه إيه بقى، مش معقول ياجاسر تعاند وخلاص.
انحنى يداعب أنفها وهتف دون جدال.
- من وقت ما كتبتك على اسمي وبقيتي ملكي، مع إنك ملكي من زمان؛ كل حاجة لازم تتغير، مش عايز تشابه في حياتنا إحنا الاتنين.
كانت تطالعه بعيناها الهائمة.
رفعت كفيها على وجنتيه وكأن لرؤيته مذاق خاص يشعرها بكم السعادة التي تنتابها.
- جاسر هنفضل نحب بعض كده، ولا دي هتكون مجرد لحظات حلوة هتتنسي مع الوقت.
انتابه خوف من كلماته ولا يعلم لماذا شعر بتلك الحالة التي انتابته وكأنها ستختفي من حياته.
فأعدل من وضعيتها، احتضن وجنتيها ونظر بعمق لعيناها.
- جنى هقولك سر، واتمنى متزعليش مني، بس لازم تفهمي أنا عملت كده علشان تكوني زي دلوقتي كده، تكوني في حضني ومحدش يقدر يقرب منك وياخدك غيري.
ارتجف جسدها ونظراتها عليه تنتظر حديثه بشق الأنفس.
دنى من كرزيتها يتذوق شهد عسلها.
ظل لفترة كأنها قبلته الأخيرة، حتى انتابها الخوف.
ورغم قبلاته وعشقه لها إلا أن هذه المرة امتلاك بمعنى آخر.
حاولت التخلص من حوزته لثغرها إلا أنه المتحكم الأقوى.
مرت دقائق تاركة له نفسها، فقد خانها جسدها بقربه ولم تقو على إبعاده.
دقائق مرت عليهما كالحظات مسروقة من الزمن.
أخيرًا بعد فترة استلقى على ظهره جاذبًا إياها لصدره دون حديث سوى من أنفاسهما.
صمت للحظة يستعيد هيئته ثم امسك هاتفه وحاول السيطرة على نفسه.
- راكان أنا آسف هتأخر ساعة أو ساعتين، هقابلك في المزرعة، واعتذر لي من الموجودين.
قطب راكان حاجبه متسائلاً.
- إنت كويس يابني.
رجع جاسر خصلاته للخلف ينظر لتلك القابعة بأحضانه وانسابت دموعها بصمت فأجابه.
- ممكن نأجل الموضوع لبكرة، وهبعتلك حاجة يبقى شوفها وعايزك تعملها زي ما أطلب.
قالها وأغلق هاتفه.
أطبق على جفنيه متألماً عندما شعر بدموعها على صدره.
لم يتفوه بكلمة، ظل يمسد على خصلاتها لفترة ثم سحب نفسًا وطرده على فترات.
- الأول عايزك تتأكدي عملت كدا من عشقي، أنا كنت مقرر أطلق فيروز بعد ما تولد، بس القدر كان في صالحي والطفل نزل، وافترقنا بهدوء، أنا عوضتها قولتلها ولو عاوزتي حاجة هتلاقيني جنبك.
مسد على خصلاتها بحنان ثم استأنف.
- لأني قررت من يوم خطوبتك أتزوجك؛ حتى لو اضطريت أخطفك ونبعد ونعيش لوحدنا.
التوت زاوية فمه بابتسامة عابثة.
- بس طبعًا جواد الألفي خنقها عليا جدًا، وزي ما يكون حس أنا ناوي على إيه، ففضل يقولي لو قربت من بنت عمك مش هسكت لك وهعمل وأعمل.
رفع ذقنها وسبح ببنيتها حتى لمعت عيناه بطبقة من الدموع.
- اتفق مع باباك يحرموني منك فعملوا إيه وافقوا على يعقوب، وكنت متأكد ورا الخطوبة دي حاجة بعدها حضرتك جيتي ووقفتي قدامي وقولتي هتسافري، فهمت لعبتهم أهو يبعدونا عن بعض، أنتِ تنسي وأنا أرجع لحياتي مع إنه قالي طلق فيروز بعد ما تولد.
تنفس بتثاقل وكأن حجرًا ثقيلاً أطبق على صدره ثم قال بوجع مرير.
- حاولت أرسم قدامهم اللامبالاة مع إني روحت لعز وهددته أنه ما يسفرش، بس طبعًا عز كان عارف بحبك ليا، وإزاي أسيبك وأتجوز، وزي ما حكيتى أنه كان مجروح مني، فحب يعاقبني ويبعدك وكان مرحب بالفكرة.
نظر حوله وأشار على ذاك المنزل واستأنف.
- جيت اشتريت البيت ده، وجهزته زي ما أنت شايفه، عارف إنك بتحبي الطبيعة، من جهة أبعد عن القاهرة وعن حي الألفي ومن جهة تانية محدش يعرف مكانك حتى بابا نفسه، وقررت يوم الحادثة بالليل أجيبك هنا.
مسح على وجهه بعنف كلما تذكر رؤيتها تلك اليوم.
رفعت نظرها إليه بحزن شديد.
شعرت بقلبها يقتلع من بين ضلوعها وانحباس عبراتها داخل جفنيها.
رفعت كفيها واحتضنت كفيه.
انحنى يعانق عيناها.
- مقدرتش ياجنى، من وقت ما يعقوب قرب منك وأنا اتجننت، كنت الأول بضغط على نفسي وبصبرها بقربك، بس الدنيا اسودت في وشي لدرجة بقيت أنادي على فيروز بجنى، طبعًا أي ست مكانها هتتجنن، أنا مش بقولك كده علشان أبرر اللي هي عملته، بس بعرفك أنا ظلمتك وظلمتها معايا، آخر خمس شهور في حياتنا كانت جحيمية بمعنى الكلمة، لدرجة...
توقف يكور قبضته ولم يقو على تكملة حديثه.
وضعت رأسها بصدره وشهقت ببكاء مرتفع.
حاوطها بذراعه يربت على ظهرها.
- آسف، آسف ياجنى بس بقولك كده علشان تعرفي كنت مضغوط قد إيه فاعذريني من اللي هقولهولك دلوقتي.
احتضنته تشدد من احتضانه وتخفي نفسها بداخله.
- شكلك عامل حاجة كبيرة أوي يابن عمي، وبتبرر.
- زورت تقرير المستشفى ياجنى.
هبت فزعة تنظر إليه ودقات قلبها تصم أذنيها تنتظر باقي حديثه الذي أزعنت أنه كارثي.
تقابلت نظراتهما وأكمل.
- خليت الدكتورة تقنعهم إنك اغتصبتي فعلًا، وخليتها تغير التقرير، ودا ميعرفوش غير باباك وبابا بس، الباقي ميعرفش أو ممكن عرفوا معرفش.
قالها ونظر للأسفل بأسى.
كانت تطالعه بصدمة.
شعرت وكأنه غرس خنجرًا بمنتصف صدرها، فأشارت على نفسها.
- طلعتيني مغتصبة ياجاسر، زورت، وصل بيك الحال تزور وتطعن فيا.
احتضن وجهها وهز رأسه نافيًا.
- عملت كده علشان بحبك، لو معملتش كده كان مستحيل نكون مع بعض، ربنا جابلي فرصة لحد عندي، رغم إني كنت ناوي أموتهم على اللي عملوه فيكي بس حمدت ربنا لولا...
صمت ولم يستطع تكملة حديثه.
انزرفت عبراتها بقوة تهز رأسها رافضة حديثه.
- إنت متعرفش أنا حسيت بإيه، افتكر كده كل ماكنت بتقرب مني كنت بعمل إيه.
احتضنها يخفيها داخل أحضانه.
أغمض عيناه ورغمًا عنه صدرت منه آهة حارقة وهو يحاول السيطرة على نفسه حتى لا ينهض يحطم الغرفة بأكملها.
- صدقيني غصب عني، وعارف ومتأكد مكنوش هيوافقوا، باباك قالها صريحة، مستحيل أجوزك بنتي حتى لو طلقت فيروز.
ابتسم من بين دموعه.
- أصلًا قولتله يوم خطوبتك إني بحبك، بس هو عنفني ومن حقه لأنه جه قبل جوازي يقنعني بحبي ليكي، بس أنا رفضت لما عرفت إنك بتحبي جواد.
بكت بنحيب وهي تلكمه بصدره.
- موتني يابن عمي لا انت عرفت تعيش ولا أنا عرفت أكرهك.
بكت وبكت بشهقات مرتفعة مزقت روحه حتى تمنى أن تزهق روحه.
كم آلمه دموعها التي نزلت فوق صدره تحرقه.
اعتدل يحملها بهدوء متجها إلى المرحاض، ثم فتح المياه الدافئة ووضعها بداخل حوض الاستحمام.
- خدي شاور دافي هتروقي.
أزالت عبراتها وهتفت وهي تبتعد عنه بنظرها.
- اطلع برة، مش عايزة أشوف وشك.
انحنى يطبع قبلة على رأسها واستدار خارجًا دون حديث.
استندت برأسها على حافة الحوض وتذكرت حديثها مع والدها.
- عاملة إيه مع جاسر حبيبتي.
ابتسمت له.
- كويسة يابابا، جاسر حنين، استحمل تعبي ووقف معايا تعرف في مرة كنت هقتله، دخل عليا علشان يشوفني وكنت نايمة قومت لقيته جنبي ضربته بالسكينة.
نزلت عبراتها واكملت.
- أصلي كنت حاطة السكينة تحت المخدة، شهقت ببكاء.
- وصل الحال ببنتك تحط السكينة تحت المخدة حتى كانت هتموت ابن عمها.
احتضنها والدها بحزن واردف.
- جاسر بيحبك ومش هيزعل منك، وعارفه صبور علشان كده خليته يتجوزك.
مسد على خصلاتها واستأنف بقلب أب مكلوم على فلذة كبده.
- هو بيحبك ومستحيل يأذيكي حتى لو بنظرة.
رمق نهى بنظرة فهمتها، فجذبتها لأحضانها.
- ابعد عن البنت ياصهيب عايزة أطمن عليها.
سحبتها من كفيها ووقفت تغمز لصهيب، وجلست بعيدًا ببعض الخطوات.
- قوليلى حبيبتي، عاملة إيه.
قالتها وهي تتهرب بنظراتها.
- أنا كويسة ياماما، ما أنا قولت لبابا من شوية.
رفعت خصلاتها ووضعتها خلف أذنها مقتربة منها تنظر لعيناها.
- جاسر كمل جوازه منك ياجنى.
شعرت بقشعريرة بجسدها، فهو منذ أكثر من سبعين لم يأت إلى المنزل.
أحست باشتياقها الكامل له، حتى أقسم قلبها لها عند عودته ستلقي نفسها بأحضانه.
فركت كفيها وتوردت وجنتيها تهز رأسها بالنفي.
أومأت نهى برأسها، نظرت إلى صهيب الذي يتحدث بهاتفه ثم دنت من ابنتها وهمست لها.
- جنى أنا عارفة أن اللي اتعرضتيله صعب، بس ده جوزك يا قلبي، وقبل ما يكون جوزك ده حبيبك اللي حلمتي بيه وأنا متأكدة من حبه ليكي، أصلك مشفتيش حالته، أنا أكتر واحدة حسيت بألمه.
ابتلعت ريقها تنظر لأبنتها بعدما ابتعد صهيب بهاتفه واستأنفت حديثها بمغزى.
- حبيبتي اسمعيني كويس لأن مفيش حد هيحس بوجعك غيري، ولا حد هيتمنى لك السعادة غيري، جاسر بيعشقك وعمره ما هيأذيكي، امسكي فيه بقلبك قبل عقلك، صدقيني الواد عاشق وبيفكرني بجواد ويمكن أكتر منه، أوعي ياجنى يجي يقرب منك تحسسيه إنه بياخد حاجة غصب حبيبتي فهماني.
أنزلت برأسها للأسفل تهزها بخجل.
ابتسمت والدتها ونظراتها على صهيب فهمست لها.
- أوعي تطلعي أي كلام بينك وبين جوزك لحد حتى لو بابا نفسه، فهماني ياجنى ده جوزك، وشيلي موضوع فيروز ده خالص جاسر طلقها بس قالي معرفش حد دلوقتي ليه معرفش، بس تأكيد إنه بيحبك بجد.
قاطعهم صوت صهيب.
- نهى يلا قبل ما عز يرجع من الشغل.
توقفت جنى تنظر إليه بحزن.
- عز وحشني أوي يابابا، ممكن أروح أشوفه، يمكن لما أقعد معاه يهدى شوية.
قبل رأسها قائلاً.
- لا.. بلاش دلوقتي مش ضامن ممكن يعمل إيه، الأيام هتنسيه ولازم يقتنع إنك اتجوزتي جاسر خلاص.
رفع بصره لنهى.
- حبيبتي يلا، تعبت وعايز أرتاح.
احتضنت كفه وقبلته.
- لسه تعبان ياحبيبي.
مسد على خصلاتها.
- لا ياحبيبة قلبي، بس الدكتور منعني من الحركة، بس وحشتيني وقولت أجى أشوفك وأطمن عليكي.
خرجت من شرودها على صوت جاسر بالخارج.
- جنى.
- اتأخرتي حبيبتي.
- خارجة.
نهضت وقامت بتجفيف جسدها، جاذبة مأزرها وتحركت للخارج.
كان يجلس يضع رأسه بين راحتيه، رفع رأسه عندما وجدها.
كم آلمها حالته وصمته الموضوع.
ابتسمت قائلة.
- ممكن تساعدني أغير هدومي.
تحرك إليها سريعًا، يسحبها متجهًا لغرفة الملابس.
توقفت تمسك كفيه.
- هلبس وشعري مبلول.
قطب جبينه ونظر إليها مستفهمًا.
امسكت المجفف الكهربي.
- ممكن حبيبي يساعدني وينشفلي شعري.
قالتها وعيناها تتعمق بمقلتيه.
رسم ابتسامة حزينة ثم أجلسها، ينظر لذاك الجهاز قائلاً.
- مستعملتوش قبل كده، وعلى فكرة أنا مش طفل علشان تحاولي تخففي عني، عارف أنا غلطت، واستاهل عقاب منك.
توقفت تضع كفيها على شفتيه.
- ممكن منتكلمش دلوقتي، عايزة أغير وتاخدني في حضنك بس، مش طالبة غير كده.
انحنى يحاوطها بذراعه ثم طبع قبلة على رأسها ينظر لهيئتها بالمرآة.
- حبيبتي تؤمر وعلى حبيبها التنفيذ.
أومأت رأسها دون حديث.
انتهى أخيرًا من تجفيف خصلاتها القصيرة، قربه إلى أنفه يستنشق رائحته مغمضًا عينيه هامسًا لها.
- ربنا ما يحرمني منك ولا من ريحتك يا أجمل هدية.
لفت ذراعيها حول خصره وتمسحت بصدره.
- وأنا بعشق ريحتك أوي.
رفعت نظرها إليه قائلة.
- أقولك سر.
رفعت أناملها تتلاعب بزر كنزته البيتية.
- كل أنواع برفانك عندي، كل ما يتغير نوع أروح آخده من دولابك وأخبيه عندي، لما بقى عندي دولاب كامل مقفول من جميع برفانتك، في مرة ربي فتحته وكانت هتعرف وقتها جه عز وانقذني.
ظل صامتًا وابتسامة مغرمة لمعت بريق عيناه.
ظل يطالعها وينظر إلى أناملها التي تتحرك على كنزته بنعومة أهلكته.
انحنى بعد لحظات صامتة، يضع جبينه فوق جبينها ولامس كرزيتها هامسًا من بين أنفاسه العاشقة.
- بعشقك مهلكتي، خلي عندك ثقة اللي قدامك ده مستعد يبيع العالم علشان ياخدك في حضنه زي كده.
قالها وهو يحاوطها بذراعه ثم رفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته.
قائلًا ببحته الرجولية.
- خلي حد يقرب منك يا جنى وشوفي وقتها هعمل إيه، إذا أنا اتخليت عن أعز صديق تخيلي ممكن أعمل إيه تاني.
احتضنت وجهه.
- جاسر، لازم تصلح علاقتك بعز، علشان خاطري، لو ليا معزة عندك اع.
وضع إبهامه على شفتيها.
- إش.. إيه اللي بتقوليه ده، بقولك أبيع الدنيا، تقولي لو ليا خاطر عندك.
جذبها متجهًا إلى غرفة الملابس.
أخرجت ثيابها.
- ممكن أغير.
رفع حاجبه ساخرًا.
- بت هتشتغليني ولا إيه، قولتي تعالي أساعدك.
بتر حديثه اتصال صهيب.
- أيوه.
أجابه صهيب.
- فيروز هنا وعاملة حريقة، ياريت تيجي قبل ما أبوك يعرف حكاية طلاقك، هيولع فيك.
- تمام جاي.
قالها ثم أغلق الهاتف ينظر بشرود، فيبدو العاصفة القادمة لا تبشر بالخير.
- جاسر فيه حاجة.
اتجه إليها ورسم ابتسامة يجذبها.
- لا حبيبي، كنت بفكر هلبسك إيه.
جذب تلك المنامة الوردية، وأشار إليها.
- عندي مشوار ساعة بالكتير، أرجع ألاقي مهلكتي عاملة حفلة لحبيبها اللي بتوحشه وهي في حضنه.
- طيب ياله شوف شغلك يا حضرة الظابط.
توقفت يشير إلى كرزيتها.
- طيب مفيش حاجة لحبيبك تصبره لحد ما يرجع.
دفعتُه للخارج وهي تضحك.
- ياله روح شوف شغلك يا حضرة الظابط، قالتها ثم أغلقت الباب خلفه.
تحدث من خلف الباب.
- مش هتأخر حبيبي، أرجع ألاقي حفلة من لجوزك حبيبك.
استندت على الباب، تستمع إلى حديثه بقلبًا يئن ألمًا.
تحرك للخارج وهو يحمل مفاتيحه، تبدل حالها، فانسابت عبراتها، وضعت كفيها على شفتيها تمنع شهقة حتى لا يستمع إليها.
هوت خلف الباب فهي لا تعلم ماذا عليه فعله، آلمها قلبها على حالته، رغم أنه كذب عليها وعلى الجميع.
هزت رأسها مستنكرة ما قاله.
- لدرجة دي ياجاسر، زورت وسئت سمعتي.
ظلت لأكثر من ساعة وهي جالسة تتذكر أيامها معه، تنهدت بعدما فشلت ب ماذا تفعل.
بفيلا الألفي خرج جواد وجد حربًا دائرة بين أوس وعز بحضرة فيروز.
اتجه عز إلى فيروز صارخًا بها.
- هموتها الحقيرة دي، ليها عين تيجي هنا.
دنى ينظر إليها بعيون جحيمية.
- ياترى المدام جاية وفرحانة بحوزها اللي رماها وراح اتجوز عليها.
وصل إليها بعدما دفع أوس بغضب فمن يراه يظن إنه وحش كاسر.
أمسكها بغضب.
- بقى حشرة زيك يا بت تبعتي ناس لأختي يغتصبوها، وحياة ربي لأحصرك على عمرك.
تراجعت بخوف من حالته تهز رأسها رافضة حديثه ثم هتفت ببكاء.
- أنا معملتش حاجة، ابن عمك اللي دبحني هو واختك الحقيرة.
صفعة قوية على وجهها ثم جذبها من خصلاتها، يجرها بأرض.
- مين دي يا زبالة اللي حقيرة، ده هي مترضاش تشغلك عندها خدامة، يا مجرمة يا بنت المجرمين.
دفعه أوس بقوة وصاح مزمجرًا.
- قلة أدب مش عايز، آآآه أنت أكبر مني وليك الاحترام بس.
دي مرات أخويا، غلطت مش غلطت جوزها اللي يحاسبها، إنما أنت تمد إيدك عليها هكسرهالك يا محترم، وصل بيك البجاحة تضرب ست لا وكمان مرات أخوك.
جن جنون عز وبدأ يحطم كل ما يقابله وزأر كأسد مفترس.
- ست في عينك أنت وأخوك، قال ست دي شيطانة، شوف الحقارة اللي أخوك الزبالة ابتلانا بيها.
حاول الوصول إليها مرة أخرى، فنيران قلبه تحرق الأخضر واليابس.
صفعه أوس بقوة وصرخ به.
- ماتلم يلا، بقولك دي مرات أخوك، تضربها.
قابله عز بالصفعة، وقفت نهى وغزل بينهما تحاول الفكاك.
أزاح عز والدته واتجه إليه غاضبًا.
- أنا ماليش إخوات غير فارس وبس، إحنا ولاد صهيب إنما انتوا ولاد جواد يعني لا أم ولا أب.
استمع إلى تصفيق خلفه.
استدار الجميع ووجدوه جواد.
تحرك بخطوات ضعيفة هزيلة يكاد يتحرك من آلامه، أسرعت غزل إليه.
- جواد إيه اللي نزلك.
أشار بكفيه بالتوقف.
- مش عايز أسمع ولا كلمة، رفع نظره إلى عز الذي نظر للأسفل بأسى وخزي.
- اسمعني يا ابن صهيب كنت بتقول إيه.
استدار ولم يجوابه.
فأشار إلى ربي التي كانت تطالعه بوجعًا.
- خدي جوزك وروحي، كفاية قعدتك هنا، ليكي بيت أولى بيكي.
- بابا.
استدار ببصره.
- قولت إيه!! روحي مع جوزك، خد مراتك وامشي من هنا يا ابن صهيب.
- عمو.. أنا آسف كنت متعصب.
أشار يكفيه بالصمت.
- خد مراتك وامشي من هنا ولما عمك يموت ومايعرفش ياخد حق بنته اللي هي أختك اللي هو إنكم ولاد صهيب يبقى تعالى واعمل راجل واضرب مرات أخوك يا قليل الأدب.
تحرك عز إليه.
- عمو..
هتف بصوت حاد مرتفع على ابنته.
- مش قولت خدي الولد ده وامشوا من قدامي.
- بابا أنا مبقتش مراته.
توسعت عيناه بغضب، ورمقها محذرًا.
- كلمة كمان وهنسى إنك بنتي اللي ربيتها، امشي على بيت جوزك، عايزة تربيها هناك في بيتكم مش هنا.
ثم اتجه إلى عز مردفًا.
- متفكرش بعتها علشانك لا.. تبقى متخلف، أنا بعتها علشان هي بنت جواد الألفي واخت جاسر اللي اتبريت منه من شوية.
اقترب ببطء يرمقها بنظرات نارية ثم لكزه وهتف.
- بعتها علشان أخويا اللي كان من شهر بيموت وأنا عاجز ومش عارف أعمل إيه، إنما لو عليك متستهلش تبص في وشها لأنها حاجة كبيرة وانت حاجة صغيرة أوي في نظري يا ابن صهيب.
أشار بيديه اتجاه منزله.
- دلوقتي بيتك هناك، محرم عليك تدخل المكان ده، بنت جواد بس اللي ليها الحق.
- جواد.
قالتها غزل بذهول.
رمقها بنظرة آخرصتها.
- بررررة.
صرخ بها جواد حتى أصاب الجميع بالصدمة من حالته.
جذب كف ربي وتحرك تأكل خطوايه النارية الأرض.
اتجه بأنظاره إلى فيروز.
- جاية ليه هنا، جوزك مش هنا ومنعرفش مكانه.
توقفت مذهولة مما يحدث، لا تصدق أن هذه العائلة التي كانت مترابطة كال يد الواحدة.
هبت فزعة بعدما صاح جواد بها.
- مبترديش ليه، إيه اللي جابك، أنا مش قولت مش عايز أشوف وشك ولا الست الوالدة ماوصلتش الرسالة.
اقتربت منه تنظر بقوة لداخل عيناه.
- جايه آخد حقي من ابنك، مش أنت راجل العدل والحق، هاتلي حقي وحياتي اللي ابنك ضيعهم.
قطب جبينه واقترب منها.
- لو جايه تحاسبيني على جوازه تبقي هبلة وعبيطة، لأنه اتجوزها من غير ما أعرف، يعني ما أعرفش مكانه فين.
رمقها بنظرة مستاءة وحقيرة ثم أشار لها.
- إظاهر الجمال مش كل حاجة، بدليل أنك مكفتوش وراح اتجوز عليكي.
صرخت بوجهه.
- إنت ظلمتني زمان يا حضرة اللوا وفضلت تقوله دي بنت مجرم وهتكون زي أبوها لحد ما ابنك باعني ورماني.
دنت تطالعه وتجمعت عبراتها بعينيها تضع كفيها على أحشائها.
- أخد أبسط حق ليا، وحرمني من الأمومة طول حياتي.
انسابت عبراتها بقوة واقتربت تمسك كفيه وانهارت باكية.
- ترضى بنتك يحصل فيها كده، ترضى إنهم يحرموها من حق الأمومة.
نظر إلى غزل غير مستوعب حديثها.
هزت كتفها لا تعلم بينما نهى التي نزلت ببصرها الأرض لأنها تعلم بطلاقها وفقدانها للطفل.
هوت أمام ساقيه وبكت بحرقة.
- ابني مات يوم حادثة جنى اللي حضراتكم اتهمتوني بيها.
بكت بصوت مرتفع واستأنفت من بين بكائها.
- كنت ضحية زيها، وبدل ما ابنك يقف جنبي رماني بعد ما عرف مش هينفع أجيب ولاد تاني.
ضربت الأرض وصاحت بقهر.
- ابنك طلقني ورماني لما فقدت الأمومة وعملولي استئصال للرحم.
رفعت نظرها باكية.
- ابنك رماني يا راجل العدل وحرمني من حقوقي علشان يتجوز البنت اللي بيقول عليها حبيبته، طيب لما بيحبها ليه يظلمني معاه.
توقفت توزع نظراتها بينهم وضربت على صدرها صارخة بجنون.
- كلكم عبتوا في تربيتي وبقيتوا تشوفوني بنت مجرم، بس مقدرتوش تعذروني وأنا بحاول أبعد جوزي عن البنت اللي ليل نهار مفيش على لسانه غيرها.
هزت كتفها تدور حولها.
- أعمل إيه وأنا جوزي بيفكر في بنت تانية.
دنت من غنى تطالعها بألم.
- قوليلى أنتِ عايزة أعرف تحسي بإيه وأنتِ بين إيد جوزك ويناديك باسم حبيبته.
تحركت إلى أن توصلت لغزل.
- عارفة إنك كنتي دائمًا بتحاولي تصلحي من أسلوبي بس أنا كنت معذورة، شهر وحياتي كلها اتقلبت ليه.
هزت كتفها تنظر إلى صهيب الذي وصل في تلك الأثناء فأشارت عليه.
- علشان بنت الراجل ده خطفت جوزي.
هزت رأسها تدور كالمجنونة.
- كل عزومة جنى، كل حفلة جنى، كل كلمة جنى، حتى في المنام جنى.
ظلت تهز رأسها كالمجنونة.
- وأصحى على كابوس حياتي.
- وإن جنى السبب في خسارتي أغلى حاجة في حياتي، وياريت توقف على كده.
اتجهت إلى جواد ونظرت بمقلتيه المذهولة من حديثها.
- ابنك الجاحد جالي وأنا بين الحياة والموت ورمى يمين الطلاق عليا.
قهقهت تضرب كفيها ببعضهما.
- وجاي يحاسبني على اللي حصل لجنى.
ضحكات. ضحكات حتى انسابت عبراتها.
- شوفت ذل أكتر من كده يا حضرة اللوا.
بكل فخر ابن حضرة اللوا المحترم المتربي رمى مراته بعد سنة ذل في جوازهم.
أشارت بكفيها إليه.
- آه أصل نسيت أقول لحضرتك إنه اعترفلي اتجوزني تحت ضغط.
نظرت لصمته وهتفت.
- إيه يا حضرة اللوا مالك مش ده تربية الناس المحترمة، إنما أنا تربية المجرمين.
ضيقت عيناها وأشارت يكفيها.
- آه.. إنما حضرتك عامل كبير عيلة ومتعرفش مصايب ابنك دي كلها إزاي، ولا حضرتك اللي طلبت منه يعمل كده.
دارت حوله تنظر للأرض وتهز رأسها.
- لا مش معقول تكون عارف، ماهو متربي إزاي يكون قليل الأصل كده وتسكت.
تحركت إلى أن وصلت لصهيب وهتفت.
- عرف بنتك مش هسيبها تتهنى، وإن شاء الله هاخد حقي منهم هما الاتنين.
- فيروووووز.
صرخ بها جاسر، وصل إليها يجذبها بعنف صارخًا.
- إيه اللي جابك هنا.
جذبها متحركًا.
ولكنه توقف عندما استمع إلى حديث والده.
- رايح بيها فين.
استدار ينظر لوالده.
- بابا أنا طلقتها.
مط شفتيه للأمام واستدار متحركًا.
- غزل قولي لابنك لو ليك أب يبقى تعالى له بكرة، دلوقتي أنا تعبان ومش عايز أشوف حد.
قالها وتحرك.
توقف أمام صهيب الذي يهرب بنظراته منه.
ابتسم ساخرًا.
- كنت عارف بكل البلاوي دي كلها.
ابتعد صهيب ببصره إلى جاسر.
نظر جواد للذي ينظر إليه فهز رأسه.
- أيوه صح ماهو أنا أكون لابني إيه.
قالها وتحرك.
أسرع جاسر خلفه.
- بابا.
أوقفه أوس عندما توقف أمامه.
- امشي دلوقتي علشان مقلش بأصلي ونخسر بعض للأبد.
بينما تحرك جواد الذي تمتم متألما وحجز عبراته بمقلتيه.
- أبوك مات.
اعتبره مات.
ظل يردد بها متحركًا.
أسرعت غنى خلفه وهي تهز رأسها رافضة أفعال جاسر.
كور قبضته متألمًا عندما وجد حالة والده.
عند عز وربي.
ولجت إلى جناحهما، وجمعت أشياءها متجهة إلى غرفة أخرى.
توقف أمامها.
- بتعملي إيه.
قطبت جبينها.
- ده سؤال ولا إيه.
امسكها بعنف يضغط على ذراعها.
- ربي الموضوع مش مستاهل اللي بتعمليه ده.
نزعت نفسها وأشارت محذرة.
- إياك تلمسني تاني، أنا هنا في بيت عمي، باباي تعبان شوية ومحبتش أزعله، جيت أقعد عند عمي كام يوم.
إنما أنت هنا ابن عمي وبس يا باشمهندس تحفظ لقبي شوية اللي كنت بتقوله في المستشفى.
- دكتورة.
إيه حالا نسيت.
دنى منها وهتف باستنكار.
- ربي ممكن تهدي علشان نعرف نتكلم.
دنى بعض الخطوات تراجعت للخلف.
- إياك تقرب، إحنا دلوقتي في حكم المطلقين، مالكش حاجة عندي، ويا ريت تقنع نفسك إننا اتطلقنا.
ضغط بقوة مزمجرًا بغضب.
- هموتك يا روبي شوفتي هموتك، تجيبي السيرة دي تاني هموتك.
لكمته بقوة وصرخت كالمجنونة.
- لا موتني. عايزك تموتني يا عز، على الأقل أرتاح منك ومن وجع قلبي.
حاوطها بذراعيه يجذبها بقوة حتى ارتطمت ظهرها بصدره هامسًا لها كفحيح أفعى.
- اسمعك تتكلمي عن الطلاق تاني هموتك واموت نفسي.
نزل برأسه بعدما جذب حجابها ملقيه على الأرض.
- عايز أعرف هتمنعيني إزاي يا حبيبتي عنك، قوليلى كده هتقدري تبعدي عن عز حبيبك.
قالها وهو يدفن رأسه بعنقها يستنشق رائحتها التي اشتاقها حد الجنون.
دفعته بقوة تزيل آثار أنفاسه من فوق عنقها وصرخت به.
- ابعد عني وإياك تقرب، مبقتش متحملة قربك.
اقتربت تنظر لمقلتيه ببقيت بكره قربك يا عز، وياريت الزمن يرجع بيا ولا أحب واحد خسيس زيك.
كلماتها كانت كالطلقات النارية التي أصابت صدره.
نظر إليها بذهول وتحدث بتقطع.
- أنا يا روبي، بتقولي عليا كده.
تحرك إلى أن وصل إليها يهزها بعنف.
- بقيتي بتكرهيني، بتكرهي عز، عز حبيبك.
دفعته صارخة وظلت تلكمه وتبكي.
- أيوه أنت واحد حقير، بكرهك، بكرهك ومش عايزة أعيش معاك.
امسك كفيها وانسابت عبراته يضمها لأحضانه.
- روبي أنا تعبان، بلاش تدوسي عليا.
طالعته بذهول.
- أدوس عليك!! قالتها ثم أطلقت ضحكات، تشير على نفسها.
- أنا، أدوس عليك.
طيب أنت إيه.
توقفت متجهة إليه وتوقفت أمامه.
- إنت موتني يا عز بدل المرة تلاتة.
تابعت حديثها بقلب يأن ألمًا.
- أول مرة خذلتني وبعدت عني وحطمت قلبي بحجة العيلة.
وتاني مرة لما حاولت تغتصبني لولا رحمة ربنا بيا.
ابتسامة سخرية مستأنفة حديثها.
- والتالتة لما جنى اتعرضت للأغتصاب وكالعادة حبيبتك أول تنزيلاتك ترميها وتدوس عليها.
رفعت عيناها الباكية واستأنفت نزيف روحها.
- كل مرة تموت فيا وأقول معلش معذور، المهم بيحبني لحد ما خلاص رصيد حبك في قلبي انتهى، دمرتني ودمرت نفسك ودمرت كل اللي حواليك، كل حاجة عندك غضب وتحط أعذار لنفسك وتدوس على الكل إنما إنت الملاك المظلوم.
نهضت متجهة إلى وقوفه وهتفت بقوة.
- اسمع يا ابن صهيب الألفي اللي عمل في جنى كده إنت مفيش حد غيرك.
دنت حتى اختلطت أنفاسها تنظر لمقلتيه بنظرات نارية.
- لما هجمت عليا زمان جه اللي هجم على أختك مع اختلاف كبير ومؤذي يا ابن عمي.
لكزته بصدره بقوة وأردفت.
- إن اللي هجم على جنى واحد مجرم، إنما اللي هجمت عليها بنت عمك من لحمك ودمك.
احتضن وجهها وانسابت عبراته.
- روبي بلاش تدبحيني لو سمحت.
نظرت إليه بذهول.
- أدبحك!!
- ليه علشان عريتك قدام نفسك.
ابتلعت غصة بطعم العلقم.
- دوق تندبح مرة يا ابن عمي، بدل ما أنت ماشي تدبح في الكل.
ودلوقتي.
ياتطلع برة الأوضة دي يا أطلع أنا، واتمنى أطلع أنا لأن ريحتك في الأوضة وأنا قرفانة منها.
ألجمته الصدمة ولم يستطع النطق أمام كلماتها.
ران صمت مميت بينهما لبعض اللحظات، هي تجمع أشياءها بجسد ينزف متألما، وهو بنظراته التي تحاوطها.
اقترب منها وحاوطها من الخلف.
- هموت لو بعدتي عن حضني.
ارتجف جسدها من كلماته التي شعرت بالاختناق من أثرها.
لملمت شتات نفسها وانزلت كفيه بهدوء، ثم رسمت قناعًا باردًا على ملامحها فاستدارت له.
- مفيش حد بيموت قبل نصيبه يا باشمهندس، متخافش كل واحد بيعيش حياته المكتوباله.
- روبي لو سمحتي.
مسحت دموعها التي خانتها بعنف، وطالعتها بتحذير.
- دكتورة ربى الألفي متنساش الألقاب يا ابن عمي، علشان تفضل الباشمهندس العظيم اللي فرق العيلة كلها.
ضغط على خصرها غاضبًا.
- أنا ولا أخوكي.
تعمقت بنظراته وأجابته.
- انتوا الاتنين للأسف، أقرب اتنين لحياتي بقيتوا أكتر اتنين أتمنيت أنسى كل ما يخصهم.
نادت على العاملة.
وصلت العاملة سريعًا.
أشارت لها.
- خدي الحاجات دي انقليها الأوضة التانية.
تحركت العاملة بالأشياء دون حديث.
دفعها بقوة غاضبًا على الفراش حتى هوت عليه وحاصرها بجسده.
- عايزة توصلي لأيه، لكزها برأسها بإبهامه.
- انسي اللي بتفكري فيه على جثتي يا روبي.
انحنى عندما شعر بارتجافها، دفن رأسه بعنقها ولثمها بعنف حتى ترك أثارها عليها ثم نظر إلى شفتيها وهي تصرخ وتدفعه بقوة.
ابتلع صرخاتها وهو يحاول تقبيلها بعنف، دفعته بكل قوة ورغم ذلك لم يتركها إلا حينما ابتلع دموعها ابتعد عنها.
اعتدلت سريعًا وصفعة قوية على وجهه.
- حقييييير، بتعيب على جاسر، شوف نفسك يا مغتصب.
دفعته بقوة مجنونة.
- بررررة يا ذبالة، بكرهك، بكرهك يا عز.
بدأت تحطم كل ما يقابلها بالغرفة.
شعر بدوار أصابه مما تفعله، وحالتها المزرية التي شقت صدره وحولته لكتلة نارية.
اقترب بخطوات متعثرة إليها، بسط كفيه.
- ربي.
بدأ تزيل آثاره بقوة تنظر إليه نظرات نارية.
- اهو شوف بقيت بكره جسمي أهو، يارب ترتاح.
برة مش عايزة أشوف وشك قدامي، برة، برة.
صرخت بها عدة مرات في دخول نهى إلى المنزل، أسرعت لغرفتهما، ذهلت من حالة الفوضى التي بالغرفة، هرولت إلى ربي الجاثية على الأرض، ووقوف عز بعيدًا عنها.
- ربي حبيبتي إيه اللي حصل.
أشارت عليه بجنون.
- خليه يمشي، حقير مش عايزة أشوف وشه.
خرج سريعا يتخبط بسيره وكأنه يدوس على سيوف مدببة، تحرك مهرولًا إلى سيارته وقادها بسرعة جنونية، بينما ربى.
انهارت قواها ونظرت حولها بنظرات تائهة ضائعة.
حتى هوت بين يدي نهى مغشيًا عليها.
عند جاسر وجنى.
دلف إلى منزله، جلس على الأريكة بالخارج واضعًا رأسه بين راحتيه وكأنه فقد والديه.
انسابت عبرة عبرة وجنتيه، أطبق على جفنيه متألما كلما تذكر نظرات والده الحزينة، يود لو يصرخ ويخرج مابداخله.
تراجع وأغمض عيناه، بالداخل أغلقت جنى الهاتف مع والدتها وخرجت بعدما علمت بوجوده.
اتجهت إلى الخادمة.
- حنان روحي، النهاردة إجازة.
تحركت العاملة بعدما شكرتها، ثم اتجهت إليه، جلست بجواره واحتضنت كفيه.
- جاسر.
فتح عيناه الحزينة يطالعها بصمت.
دنت تضع رأسها على صدره وحاوطت خصره.
- وحشتني أوي، قولت هتتأخر ساعة مش ساعتين.
رسم ابتسامة، ورفع ذراعيه يجذبها حتى اختفت بأحضانه.
- آسف ياقلبي، كان مشوار مهم مقدرتش أجله.
رفعت رأسها واحتضنت وجهه ثم تجرأت لأول مرة مقتربة تطبع قبلة على شفتيه.
- حبيبي لازم يتعاقب علشان اتأخر على قلبه.
ارتجف قلبه من كلماتها، وشعر بسعادة تغمر روحه.
فوضع رأسه بحنايا عنقها.
- بموت فيكي مهلكتي.
أغمضت عيناها مستمتعة بأنفاسه.
وتخللت أناملها بأنامله هامسة بجوار أذنه.
- مهلكتي وحشاني ولا لا.
نهض وهو يحملها متجها إلى غرفتهما.
- مهلكتي وحشاني وهي في حضني بس ملهمها عايز شوية تغيير إيه رأيك.
وصل إلى غرفة الملابس وانزلها.
- تغير دا وتلبس حاجة لجوزها حبيبها.
قالها وتحرك سريعًا.
اتجهت إلى خزانتها ارتدت منامة باللون الأحمر تصل إلى كاحلها مفتوحة من الجانبين ذو قصة واسعة من الصدر، ثم وضعت عطرها بسخاء ورفعت خصلاتها فأصبحت ذو طلة تخطف القلب والعقل معا.
دلف جاسر بعدما تأخرت بالداخل.
تسمر بوقفته عندما وجد نجمته متلألئة بتلك الهيئة، لأول مرة يراها بتلك الطلة.
خطى بخطوات سلحفية يطلق صفيرًا.
حتى وصل إليها لف ذراعيه حول خصرها ينظر لأنعكاس صورتهما.
- مهلكتي ناوية على إيه.
قالها وهو يلفها عليه، نزلت برأسها خجلًا من نظراته الأختراقية.
انحنى يهمس لها.
- بتحبيني أوي أوي.
وضعت رأسها بصدره، فجذب بيديه إحدى المنامات التي اختارها قبل ذهابه.
- عايزك تلبسي دي علشان خاطري.
أشارت على ثيابها.
- ما أنا لابسة أهو، هو ده وحش.
رفع ذقنها بأنامله.
- حلو.. بس عايز ده، مش من حقي تلبسي الليلة على ذوقي، متنسيش إنتِ طلبتي.
تنهدت وامأت برأسها.
تحرك للخارج وهو يطلق صفيرًا يضع كفيه بجيب بنطاله، توقف على باب الغرفة.
- متتأخريش.
قالها وتحرك للخارج.
خرجت بعد دقائق معدودة، كان يقف ينظر من النافذة على سقوط الأمطار ينفث سيجاره وذكريات حياته كشريط سينمائي أمامه.
ابتسامة زينت وجهه عندما لاحت ذاكرته بلمسها لأول مرة، شعور الراحة والأكتمال سيطر عليه.
تذكر حديث والده الذي غرز بصدره وانزف روحه، ليه يابابا تقسى عليا كده.
أطبق على جفنيه متألما، فتح عيناه وحديث صهيب لجواد، هنا كور قبضته حتى تفتت تبغه بكفيه وهو لا يشعر، شعر باحتراق صدره رغم برودة الجو، هز رأسه وهمس لنفسه.
- هشوف هتعمل إيه يا عمو لما تعرف.
شعر بوجودها استدار بهدوء يطالعها، تحرك إليها وعيناه تبحر فوق جسدها الأنثوي، دنى منها وهمس بأنفاسا تمر فوق شفتيها.
- هو فيه قمر بينزل بالنهار، لا ونازل عندي الأوضة كمان، ده ربنا بيحبني.
نزلت بنظرها للأسفل ولم تقو على النظر لعيناه.
رفع أنامله يتحسس وجنتيها.
ثم دنى واحتضن كرزيتها بخاصته التي أغدقها بقبلة مسكرة يبث بها كل عشقه لها.
فصلها بعدما شعر باختناقها.
جذبها لأحضانه يملأ رئتيه من رائحتها وبدأ يتحرك على نغمات الموسيقى الهادئة.
لحظات ثم أمسك كفيها وأدارها.
بدأت تتحرك كراقصة باليه، رداء ناعم ذو فتحة صدر واسعة، يصل ما فوق الركبة، يبرز منحنياتها المغرية.
دنى منها وبحركة فجائية ظل يدور بها، جعلها تلتف حول نفسها فتطاير فستانها القصير كاشفًا ساقيها، وحركات خصلاتها التي تدور وتنساب حلو وجهها.
ضحكاتهما ارتفعت بالمكان، فحملها يدور بها، لحظات ثم أنزلها بهدوء يحاوطها وعيناه ترسمها بقربها الشهي للعين والقلب بشكل يحبس الأنفاس.
اكتفى بتنهيدة مرتجفة بدقات قلبه من تفاقم عشقه الذي تغلغل بروحه، وغزى شريانه.
نزل بجبهته هامسًا بأنفاسه الحارة "عجز لساني عن كلمات تعبر عن عشقي لكِ مهلكتي".
رفعت كفيها على وجنتيه "وعشقك استوطن ثنايا روحي ملهمي".
دنى ثم دنى حتى اختلطت أنفاسهما وتلامس ثغرها بخاصته حتى عقد معزوفة سيمفونية، فها هي روحهما تصدر ألحان العشق.
سحب كفيها واتجه إلى المدفأة وحاوطها بوشاح ثقيل.
نظر لعيناها المهلكة لقلبه.
- سقعانة حبيبي.
وضعت رأسها على كتفه.
- لا.. إنت مدفي الأوضة كويس جدًا.
رفع رأسها يهز رأسه رافضًا كلماتها.
- لا يا حبي مش ده اللي مدفي الأوضة.
قطبت ما بين جبينها.
- أومال.
دنى يضع جبينه فوق جبينها.
- حبي ليكي هو اللي مدفي المكان زي ما حبك مدفي صدري.
ذهب بصرها لقميصه، ثم رفعت نظرها لعيناه.
- جاسر كنت عايش إزاي مع فيروز.
قالتها بشكل موجع اجتاح كل خلية بجسدها.
رفعت أناملها لزر قميصه وأصابها قبضة اعتصرت قلبها من نيران الغيرة.
ظلت تتلاعب بزر قميصه، تضغط على شفتيها حتى لا تنساب عبراتها.
- كنت عندها مش كده، عرفت إنك رحت لها.
رفع ذقنها بأنامله.
- جنى ممكن تنسي موضوع فيروز ده، علشان حبنا يكبر مش يقل.
مال على أذنها وهمس لها.
- فكري في عيالنا، عايز منك عيال كتير علشان أحكيلهم قد إيه حبيت أمهم وإزاي اتحولت لمزور علشان أخطفها لنفسي.
تلألأت الدموع بعيناها تهز رأسها.
- عايزة أعرف إزاي كنت عايش معاها وزي ما قلت محبتهاش هو ممكن حد يعيش مع حد وقلبه مع حد تاني، وهي ليه راحت لعمو النهاردة وانت قولتلها إيه.
سحب نفسًا عميقًا وزفره بنيران غضبه، وهو يعلم بأن موضوع فيروز سيكون كابوس حياته.
أدارت وجهه إليها.
- حبتها في وقت من الأوقات، قولتلها بحبك، أخدتها في حضنك زي ما أخدتني.
وضعت كفيها على صدره وانسابت عبراتها.
- كانت بتلمس صدرك مش كده.
نيران اكتوت صدرها واحرقته تنظر إليه بغشاوة دموعها.
- حرقتني كام مرة وانت معاها، إزاي قدرت تكون بالجبروت ده يا جاسر، إزاي دوست علينا إحنا الاتنين.
ابتلع ريقه بصعوبة، حرك شفتيه التي جفت بنبرة يبدو عليها الندم قائلاً.
- بلاش تقلبي في القديم يا بنت عمي، قولتلك هنتعب.
هزت رأسها رافضة حديثه.
- الماضي هو أساس للحاضر والمستقبل يا ابن عمي، عايزة أعرف إزاي الراجل اللي بيحلف بعشقي قدر يخوني.
انزعج من حديثها فنهض وهو يشير إليها.
- لو فضلت كده هنخسر بعض، أنا حكيتلك كل حاجة بلاش تمشي ورا شيطانك لو سمحتي، أنا بحبك إنتِ، وعلاقتي بفيروز ماضي وحياتي معها ماضي.
نهضت وتوقفت غير قادرة على الجدال بسبب فرط ألمها.
- عملتوا إيه الساعتين دول يا جاسر.
كور قبضته يهز رأسه بغضب.
- جنى ممكن تنسي موضوع فيروز مش عايز اسمع حاجة عنها لو سمحت.
- عايزة أنام.
اتجهت إلى فراشها، وقف يتابع تحركها بألم مفرط، تحرك خلفها وجدها تمددت على الفراش تواليه ظهرها.
جلس بجوارها يمسد على خصلاتها، ثم انحنى بذقنه يستند على كتفها العاري.
- قولتلك قبل كده مكنتش عايش يا جنى، ولو فكرتي أن حياتي مع فيروز زيك تبقي غلطانة وغلطانة أوي حبيبي؛ لأني معرفتش طعم الحب إلا في حضنك، كل كلمة حب قولتها مستمعتش بيها إلا معاكي يا جنى.
سحب نفسًا طويلاً وزفره يلفح وجهها.
- عارف إنك مضايقة وغيرانة ودا حقك، بس إنتِ اللي وصلتني لكده.
تنهد بوجع فاحتضن وجهها، أنتِ مراتي وحبيبتي.
خللت أناملها بأنامله وهمست بعدما طبعت قبلة بجانب شفتيه.
- وأنت عشق الروح، لو بعدت أموت.
وضعت كفيه على صدرها.
- ده بيغلي من الغيرة ممكن تطفيه، تعرف تبرد ناره يا جاسر، تعرف تطمئني وتقولي إن ده كله كان كابوس وانتهى.
انحنى ولمس ثغرها بخاصته قائلًا.
- أعرف أعيشك في جنة عشق الجاسر يا روح جاسر.