تحميل رواية «عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث "» PDF
بقلم سيلا وليد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ضائع بيني وبين نفسي. جزء مني يريد شيئًا والآخر يحاربه. جزء يقترب وجزء يشد الرحال. جزء يلبي وجزء ينسحب. جزء يرى طوق النجاة والآخر يقول: لا تتوهم. كيف أنجو من حرب طرفاها أنا؟ ولا أدري ما السبب. لكنني أدركت أنني كنت أصب عطفي وحبي في قلوب مثقوبة. *** في إحدى المناطق السكنية الراقية. كانت تغفو على الأريكة، تذهب في سبات عميق. دلف للداخل يحمل بعض الأكياس البلاستيكية. وضعها بهدوء عندما وجدها تغفو بتلك المنامة الوردية وخصلاتها المنسدلة على الوسادة. تحرك حتى وصل إليها وجلس على عقبيه يرسمها بعينيه. لقد اشت...
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيلا وليد
أغمضت عينيها بقهر وانسابت عبراتها.
كفف دموعها بأنامله، وجذبها حتى جلست بأحضانه.
"عارف إنك مضايقة وغيرانة ودا حقك، بس إنتِ اللي وصلتيني لكدا."
تنهد بوجع فاحتضن وجهها.
"انتي مراتي وحبيبتي."
خللت أناملها بأنامله وهمست بعدما طبعت قبلة بجانب شفتيه:
"وانت عشق الروح، لو بعدت أموت."
وضعت كفيه على صدرها.
"دا بيغلي من الغيرة ممكن تطفيه، تعرف تبرد ناره ياجاسر، تعرف تطمني وتقولي أن دا كله كان كابوس وانتهى."
انحنى ولمس ثغرها بخاصته قائلًا:
"أعرف اعيشك في جنة عشق الجاسر ياروح جاسر."
دفنت رأسها بصدره وحاوطت خصره.
"غصب عني يابن عمي، قلبي مولع نار، ومش قادرة اتحمل فكرة قربها منك."
ملأ صدره بأكسجين عطرها يمسد على خصلاتها مبتسمًا.
"كدا أفرح أنا أوي علشان جنجونة قلبي بتغير عليا."
رفعت رأسها وبدأت ترسمه بعينها حتى رست على رماديته اللامعة.
"يعني فرحان بوجع قلبي."
أطلق ضحكة رجولية جذابة حتى جعلت قلبها يدق بعنف بصدرها بقوة.
ثم انحنى واضعا جبينه فوق جبينها.
"غريتك نار ياجنجون وأنا بعشق الخدود الحمرة دي لما بتتعصب."
ثم مرر إبهامه على شفتيها وهمس بجوارها.
"وبعد كدا اعرف ارضى حبيبي بمعرفتي."
قالها وهو يحتضن ثغرها بخاصته.
لحظات ثم تمدد يجذبها لأحضانه قائلاً:
"فيروز راحت حي الألفي، تشتكيني لبابا، وطبعا طلعتني حقير وندل."
تجمعت العبرات بعينيه واختنق صوته فتحدث بصوت متحشرج:
"عمك زعلان مني أوي ياجنى، واخد على خاطره، ودا وجعلي قلبي، عارف صدمته فيا كبيرة، بس هو ماسبليش."
اعتدلت تستند على صدره متسائلة:
"ليه معرفتهمش إنك طلقتها."
رفعت ذقنه ونظرت لمقلتيه.
"جاسر إنت فعلا كنت بتنادي فيروز باسمي."
أطبق على جفنيه يعصرها متألمًا.
لمست وجنتيه بأناملها الناعمة.
"أنا مبحبش الظلم يابن عمي، بس انت هنا كنت قاسي اوي، حتى لو مراتك فيها عيوب الدنيا كلها، دي لوحدها قهرة، وليها حق تموتني مش تبعتلي ناس بس."
رفع بصره وظل يطالعها بصمت للحظات ثم تحدث بصوتًا حزين:
"أنا مش حقير ياجنى، اه فعلا غلطت مرة بس غصب عني، هي كل مشكلة بينا كانت بتحطك، ودايما بتحسسني إني ظلمتها."
"وانت شايف نفسك مظلمتهاش ياحضرة الظابط، لما رحت اتجوزتها وانت بتحبني زي ما حضرتك بتقول دا مش ظلم."
سحب نفسا عندما شعر بإنسحاب الأكسجين من رئتيه.
هو يعلم أنه اخطأ ولكن ليس للقدر حكما.
"عارف إني ظلمتها، لكن اقسم بالله ياجنى انا اتجوزتها وقولت هبني حياة جديدة وهتعايش مع قدري، وفعلا عيشنا كام شهر والأمور طبيعية لحد مافي يوم حياتنا اتقلبت واتحولت لجحيم، ليه معرفش، خروجات وفصح غير طريقة لبسها، صدمتني وفوقت على كابوس حياتي في حقيقة معرفتهاش إلا بعد جوازنا، يعني كذبت عليا."
مسح على وجهه بعنف.
"اه غلطت اني اتجوزتها مع اختلاف حياتنا، بس هي وعدتني هتتغير وقالت باباك هعتبره باباي، معرفش ايه اللي حصلها بعد كدا وبدأت تبجح وتقنعني أن ابويا شيطان وبيظلم الناس."
اعتدل وأمسك كفيها يهز رأسه وانسابت عبرة عبر وجنتيه.
"أنا جيت في مرة رفعت صوتي على ابويا وقولتله انت ظالم."
كور قبضته بعنف، وتحولت عيناه لنيران جحيمية كلما تذكر تلك الليلة.
رفع نظره إليها واستأنف.
"كنا الليلة دي مبيتين عندنا في البيت."
ذهب بذاكرته.
فلاش.
ولج غرفته وابدل ثيابه.
"فيروز قومي حبيبتي العشا جهز والعيلة كلها تحت."
ألقت الغطاء متأففة.
"هو لازم الأكل اللي بمواعيد دا، هو احنا في جيش افرض انا مش جعانة."
تنهد بوجع فتحدث:
"حبيبتي استحملي اليومين اللي بنجيهم هنا، علشان بابا ميزعلش هو وماما، يالة حبيبتي غيري هدومك وبلاش الفساتين الضيقة دي، عز موجود وبيجاد غيراوس مش هيسكت."
نهضت وهتفت غاضبة:
"حياتي وأنا حرة فيها محدش ليه يدخل، دا لبسي واللي مش عجبه يشرب من البحر."
جذبها من رسغها وأشار إليها بتحذير.
"غلط مش هسكت، من قبل جوازنا وغيرتي نظام لبسك، ليه رجعتي تاني للبس دا معرفش، بس انا راجل ومبحبش مراتي تمشي تتمخطر بجسمها."
دفعته موبخة اياه وهتفت مزمجرة:
"دا جسمي أنا ومحدش له حكم عليا."
استدار للباب وتحدث:
"لو نزلتي بغلطة يبقى تروحي عندك والدتك وورقة طلاقك هتلحقك."
قالها وتحرك للخارج.
ضربت أقدامها بالأرض واطاحت كل ماعلى المرآة صارخة.
هبط جاسر للأسفل قابله عز وأوس وهما يحملون بعض الأشياء للحديقة.
"صح النوم ياحضرة الظابط، ايه يابني بتيجي هنا علشان تنام."
تحرك بعدما حمل مقعدين بيديه، واتجه للخارج.
"شغل الشرطة دا مقرف أوي ياحبيبي."
وصلوا بعدما رتبوا المكان.
وصلت ربى وطبعت قبلة على خديه.
"جاسورة حبيبي وحشتني."
حاوطها وطبع قبلة على رأسها.
"وأنتِ كمان ياحبيبة قلبي."
نظرت حولها متسائلة:
"فين فيروز منزلتش ليه!!"
أجابها جواد الذي يقف خلفها:
"روحي شوفيها وأكدي عليها تنزل حبيبتي، عمو ريان ومراته جايين في الطريق مينفعش متنزلش."
تحركت ربى بعض الخطوات ولكنها توقفت على صوت جاسر.
"سبيها براحتها ياروبي، هي تعبانة شوية، ولو لقيت نفسها مرتاحة هتنزل."
اقترب جواد عندما أشار لأبنته.
"ادخلي ساعدي مامي حبيبتي."
أومأت برأسها وتحركت للداخل دون حديث.
وصلت ياسمينا وهي تحمل بعض العصائر.
"ازي حضرتك ياحضرة الظابط."
رسم ابتسامة واجابها:
"كويس، ازيك إنتِ ياياسمينا عاملة ايه."
"الحمد لله، بعد اذنكم هدخل علشان لو محتاجين حاجة."
جلس جواد ونظراته على ابنه.
هز رأسه وتحدث:
"بتبصلي كدا ليه ياحضرة اللوا، مط شفتيه ورسم شبه ابتسامة."
"هتفضل لحد امتى كدا، عديم المسؤلية، ومراتك هي اللي ممشياك."
هب من مكانه وتحدث بغضب:
"بابا لو سمحت بلاش كلامك اللي بيضايق دا، ايه يعني لو منزلتش، قولتلك تعبانة."
أومأ برأسه وأخرج صوت من فمه.
"اممم.. تعبانة، وياترى التعب دا مابيجيش غير هنا، ماسهراتها وصلتني."
اقترب من ابنه.
"إنت ظابط حافظ على مركزك، علشان تكون قدوة وتكون في عيون صحابك بقيمة، مش مراته اللي كل شوية من حفلة لحفلة."
مسح على وجهه بعنف وهتف:
"هو ليه حضرتك ظالم يابابا، ليه دايما بتحسسني إني مش ابنك وتربيتك."
"قوم من قدامي ياجاسر، علشان منساش انك ابني."
وصلت جنى.
"مساءالخير ياعمو، مساء الخير ياحضرة الظابط."
"اهلا."
قالها وتحرك دون حديث.
توقفت تنظر إلى أثره بحزن، بينما جواد الذي شعر بغصة تعتصر قلبه.
جلست جنى بجوار عمها.
"ماله جاسر ياعمو."
ابتلع غصته وحافظ على هدوئه.
"مشغول حبيبتي، عاملة ايه دلوقتي."
ابتسمت وتحدثت:
"احسن بكتير الحمد لله، هقوم اشوف انطي غزل."
أومأ برأسه، تحركت جنى متجهة للداخل، وجدته يقف.
امام المسبح يضع كفيه بجيب بنطاله وشاردا في ملكوته.
اتجهت إليه، توقفت خلفه وتحدثت بخفوت:
"اتغيرت أوي يابن عمي، حتى مش هاين عليك تبص في وشي."
استدار ينظر إليها للحظات ثم اتجه ينظر للأمام مرة أخرى وكأنها لم تكن موجودة.
تحركت حتى وصلت إليه وتوقفت أمامه.
"مالك ياجاسر، وليه الحزن اللي مالي عيونك دا، فين جاسر بتاع زمان."
ظل صامتا لبعض اللحظات، فاستدارت متحركة.
"آسفة لو كنت متطفلة."
توقفت بعدما استمعت إليه.
"جواد فين مش باين!!"
"معرفش ومش عايزة اعرف."
استدار واتجه إليها.
"عايزة تعرفي مالى، وانا مش عارف مالك يابنت عمي."
هز رأسه ونظر لمقلتيها قائلا:
"ابعدي عني ياجنى علشان مأذكيش، خليكي بعيد."
قالها وتحرك.
وقفت مصدومة من كلماته، أطبقت على جفنيها قائلة:
"وانت لسة مأذتنيش يابن عمي."
عودة للحاضر.
خرج من شروده عندما شعر بأناملها تتحرك على وجهه.
"وبعدين ماكملتش، ايه السر اللي فيروز خبته عنك قبل جوازكوا."
طبع قبلة على جبينها.
"حبيبي ياله ننام، بكرة لازم نروح حي الألفي، لازم نحط النقط على الحروف."
اعتدلت جالسة.
"نروح هناك ليه، بابا قالي بلاش دلوقتي، لازم."
وضع إبهامه على شفتيها.
"جنى لو سمحتي لازم نروح، مش هتحمل بابا يفضل كدا، لازم اتكلم مع بابا، وعارف ومتأكد أنه هيطلب يقعد معاكي، ويخيرك بيني وبين حريتك، وخصوصا بعد ما عملوا اللي هما عايزينه."
نظرت إليه غير مستوعبة حديثه.
"جاسر هو اللي بيحصل."
احتضن كفيها ثم طبع قبلة عليهما ونظر لعيناها.
"جنى باباكي طلب مني اكتب عليكي بس لمدة معينة، هو مقاليش كدا، بس سمعته بيتفق مع بابا، ماهو عندهم التقرير، فلازم يثبت انك اتجوزتي، حب يلعب عليا، كان ناوي يخليني اطلقك، وياخدها من ناحية بنت عمك ولازم توقف قدامها ولازم تثبت انك راجل."
هزت رأسها غير مستوعبة حديثه.
"ازاي، لا مستحيل بابا يعمل كدا، لا."
قالتها مذهولة.
تراجع واطبق جفنيه.
"دا اللي سمعته ياجنى محدش قالي للأسف، مع أنه عارف اني بحبك بس معرفش ليه كان ناوي يكسرني بالطريقة دي، حتى طلب مني."
صمت للحظات ونظر لعيناها هامسا.
"مقربش منك، كان شاكك في كل حاجة، مستني يفوق من تعبه ويكشف عليكي في مكان تاني، قال لباباي كدا."
"ماهو معدش بيثق في أي حاجة وخصوصا بعد ماسحر راحت المستشفى."
"يعني بابا كان عايزك تطلقني."
نهضت من مكانها.
تدور حول نفسها.
"هو اللي بيحصلي دا، كله بيضرب فيا شوية ليه، انت تزور وتطلعني مغتصبة، وبابا يجوزني حتى من غير ما ياخد رأيي، لا وعايز يطلقني، وعز يتصل بيا ويقولي لو مرجعتيش انسي يكون ليكي اخ."
أشارت على نفسها.
"طب أنا حياتي فين، هو ماليش رأي اخد خطوة في حياتي، وازاي عمو جواد ساكت على كل دا."
نهض متحركا إليها.
"جنى ممكن تهدي علشان نعرف نقرر هنعمل ايه."
ضربت كفيها في بعضهما واطلقت ضحكات من بين دموعها، ثم رفعت كتفها.
"نقرر، ابتسمت بسخرية."
"ماهو انتوا قررتوا وخلاص، العروسة الماريوت بتتحرك بمنتهى الحرفية اللي انتو رسمتوها."
دنت تطالعه.
"قولي ياحضرة الظابط ناوي على إيه لو بابا أصر انك تطلقني."
أشارت بكفيها وتحدثت.
"ومتنساش أن صهيب الألفي لما بيحط حاجة في دماغه والله لو عملت ايه مستحيل يتنازل، واكيد جربته في موضوع جواد."
سحب كفيها وأجلسها، وجلس على عقبيه أمامها محتضنًا كفيها بين راحتيه.
"حبيبتي طول ماانتِ عايزاني صدقيني محدش في الدنيا ياخدك مني، إنما لو انت."
وضعت كفيها على فمه وانسابت عبراتها رغما عنها.
"للأسف يابن عمي أنا بقيت مسيرة مش مخيرة، انت في الاول خططت لكل حاجة، وكأني ماليش لازمة."
جذب رأسها يضمها لأحضانه.
"علشان اخد حقي من الدنيا اللي ضيعتوا بإيدي، كان لازم اعمل أي حاجة علشان تبقي ملكي، بابا وعمي بيعاقبوني على جوازي من فيروز."
اعتصرها بأحضانه مغمض العينين وأستأنف حديثه.
"جنى قلبي وجعني من فكرة اني اخسرك، كفاية خسرتك أول مرة بغبائنا احنا الأتنين، لو سمحتي بلاش نضيع حبنا تحت أي ظروف."
رفع وجهها واحتضنه.
"شوفتي عملت ايه ومستعد أعمل اكتر من كدا كمان، المهم تفضلي في حضني."
لمست وجهه وهتفت من بين بكائها.
"بحبك أوي ياجاسر، ومش هقدر أعيش بعيد عنك، مش هقدر."
قالتها بشهقة مرتفعة.
حملها وهو يضمها كطفل رضيع يقربه إلى صدره.
"جاسر بيموت فيكي ياروح جاسر."
وضعها على الفراش بهدوء كأنها قطعة أثرية غالية الثمن وتمدد بجوارها يجذبها لأحضانه.
"كفاية عليا دي بس ياجنى، اخدك في حضني واشم ريحتك."
تمسحت بصدره واغمضت عيناها تملأ رئتيها من رائحته.
مسد على خصلاتها وأغمض عيناه مستسلما لنوم مريح بعدما أخبرها بكل شيء.
بمكان اخر يطل على النيل.
جلس بهيبته ينفث تبغه الغالي وهو يطالعها بصمت ثم تحدث قائلا:
"تودين إخباري بشيئًا مهما، أنني استمع اليكِ، ماذا تريدين، ولمن هذه الصور."
وضعت ساقا فوق الأخرى وتحدثت بعنجهية.
"الصورة الاولى طبعا عارف صاحبتها، اللي هي كانت خطيبتك بعد ماضحكوا عليك وجوزها لابن عمها."
دنت تضع كفيها على الطاولة ونظرت لزرقة عيناه مردفة بنبرة شيطانية.
"ابن عمها المحترم غلط معاها، فيعملوا ايه جوزوهم لبعض في السر، وطبعا ضحكوا عليك وقالوا سافرت زي ماوصلني."
نفث تبغه ومازالت نظراته تحاوطها كثعلب ماكر، ثم تحدث:
" جُننتي ياأمراة، كيف لكِ أن تطعنين بشرف حبيبتي."
"ألم تعلمين الشخص الذي أمامُكِ؟!"
ابتسمت ساخرة وتحدثت.
"لا عارفك كويس، علشان عارفة هتعمل ايه بعد ماتعرف، ومستنية منك ضربتك طبعا."
هز رأسه ينظر بكافة الاتجاهات وأشار بيديه.
"هل لديكِ شيئا آخر تودين قوله."
ابتسمت ووضعت الصورة الأخرى أمامه.
"دي صورة عرفتها صدفة من حد معرفة، وعرفت انك بدور عليها، مش دي بنت عمك بردوا."
لم يبد على وجهه أي ملامح.
رفع نظره إليها وتحدث بجدية:
"انك تضيعين وقتي، ادخلي في الموضوع."
"أعرف مكان بنت عمك، بس عندي شرط، وقبل ماترد، ريح نفسك من جواد الألفي علشان البنت اختفت من 5 سنين وجواد معرفش يوصل لها، واحد من رجال الأعمال حبها وحاول معها لكن جواد الألفي خنق عليها الدنيا، الراجل دا ولع في الدار اللي هي كانت شغالة فيه، ماهي سابت المستشفى واشتغلت دكتورة في دار للأيتام، وخطفها ومحدش عرف يوصلها."
أشارت لنفسها وهتفت بعنجهية.
"أنا اعرف مكانها، متنساش كنت متجوزة واحد مهم وكل الأخبار عندي."
نفث تبغه وعيناه تحدق بها بريبة فتحدث بهدوء، رغم نيرانه المتأججة بداخله.
"لم اعلم بماذا تحاولين الوصول، ولكني اعلم تلك الشخصية جيدا."
أشار بسبباته محذرا.
"اعرفي قيمة الشخص الذي تودين اللعب معه، انا اريد اعلم بماذا تريدين."
"خبر."
أشارت بسبباتها.
"عايزة خبر فيه جاسر الألفي اعتدى على خطيبتك وخطفها علشان يداري فضيحته."
رغم قوة ماقالته الا إنه تسلح بالبرود وهتف بمغذى.
"في مقابل انكِ تخبريني مكان كارمن ..هذا ماتودين قوله."
ابتسمت وهو تغمز بعينيها.
"حلوة أوي كارمن، شبهك اوي كمان."
مسح على ذقنه بتفكير.
"اعتقد أنك تهددين أليس كذلك!!"
تجهمت ملامحها فيبدو أنه رجلُ حريص.
سحبت نفسا وطردته قائلة:
"ليه متقولش مساعدة قصاد مساعدة أو ديل يعني."
نصب عوده وهو يطالعها قائلا:
"اخذتي وقتا ثمنيا دون داعي."
قالها وتحرك وهو ينفث نيران غضبه.
امسك هاتفه وتحدث:
"مرحبا سيد جواد."
أجابه جواد.
"اهلا يايعقوب."
"اريد مقابلتك لأمر ضروري الآن."
"تمام."
"بإنتظارك."
بغرفة ربى.
جلست بعد ما وضعت أشيائها بمكانها المخصص، سقطت منها صورة.
تناولتها بين أناملها تنظر إليها بحزن.
صورة تجمعهم.
حركت أناملها على صورة أخيها وانسابت عبراتها رغما عنها.
اتجهت للأريكة ثم جلست عليها ومازالت تنظر لصورتها التي تجمع عز وج وجاسر وجنى.
دقائق وهي مازالت على وضعها.
أمسكت هاتفها وهاتفت اختها.
"غنى ..لو فاضية تعاليلي ضروري."
وضعت غنى ابنها بفراشه، ثم أجابتها.
"كنت هاخد شاور وانام فيه حاجة حبيبتي."
سحبت نفسا طويلا، وحاولت التنفس ولكنها لم تقو، فهي تشعر بغصة تمنع تنفسها.
همست من بين بكائها.
"جاسر وحشني اوي، عايز اروح أشوفه، ماليش دعوة انا بالمشاكل دي، 3 شهور وهو بعيد مش كفاية كدا."
هنا لم تستطع التماسك وانهمرت دموعها تجري فوق وجنتيها.
"غنى لو سمحتي اعرفيلي مكانه من بابا، هو أكيد عارف لازم اروح اشوفه."
تحدثت غنى بمرارة.
"جاسر كان هنا النهاردة وبابا طرده، بعد ماعرف اللي عمله."
نهضت وصرخت بقهر.
"بقولك ماليش دعوة ياغنى، عايزة اروحله، اخويا ووحشني، لازم اعرف ايه نهاية اللي بيحصل دا."
هدأت غنى وأجابتها.
"تمام حبيبتي اهدي، شوية وهجيلك، هحاول اقنع بابا."
قالتها وتحركت متجهة للأسفل.
طرقت على باب الغرفة، وجدته مستعدا للنزول.
"عامل ايه يابابي."
طبع قبلة على رأسها.
"كويس يابابي، هنزل المكتب شوية، يعقوب جاي."
فركت كفيها وهربت بأنظارها بعيدا عنه، هاتفة بتقطع.
"بابي هو ينفع ..يعني ينفع."
وقف لدى الباب متسائلا:
"عايزة تقولي ايه ياغنى، عايز انزل الراجل هيجي."
"عايزة اروح لجاسر انا وروبي، وبتمنى متزعلش يابابا."
اقتربت منه وامسكت كفيه.
"بابي مهما عمل منقدرش نبعده عننا، بابا لو سمحت متزعلش مننا."
ربت على كتفها وأومأ برأسه.
"تعرفوا مكانه، يعني هو قالكم هو ساكن فين."
هزت رأسها بالنفي.
"عنوانه عندك في النوتس اللي هناك، متتأخريش علشان سفيان، وبلاش عز يعرف، عز مجروح ولازم نعزره، وعقلي اختك خليها تتجنبه الأيام دي."
طبعت قبلة على وجنتيه.
"إنت احسن أب في الدنيا."
رسم ابتسامة وتحدث.
"أنا سعيد بيكم ربنا مايحرمكم من بعض."
استدار وتحرك بعض الخطوات ثم توقف.
"بلاش تعرفوه اني عارف انكم رايحين."
صمت للحظات ثم رفع نظره إليها.
"خليه يهتم بنفسه شوية، شكله مش عاجبني وزنه نازل خالص، ووالدتك من وقت ما شفته كدا وهي عيانة."
اقتربت منه ونظرت إليه تسجديه بعطف.
"ممكن ناخد مامي معانا."
تحدثت سريعا.
"صدقيني هتفرح أوي، ومتخافش مش هنعرفها حضرتك عارف، هنقولها خارجين نشتري شوية حاجات لسفيان."
ابتسم وتحرك قائلا:
"الكذب حرام يابنت جواد."
صفقت بيديها تحتضنه.
"كذبة بيضة ياحضرة اللوا، ربنا ما يحرمني منك يارب يابابي."
بعد قليل نزلوا أمام منزل بإحدى الأماكن الراقية بالقاهرة.
ترجلت غزل تنظر حولها متسائلة.
"احنا جاين لمين هنا، دي منطقة سكنية، مش مولات."
سحبت غنى كفيها تنظر الى رقم المنزل.
وصلت لحارس المبنى.
"لو سمحت دا منزل جاسر الألفي."
"أيوة ياست هانم مين حضراتكم."
أشارت غنى لوالدتها.
"دي مامته واحنا اخواته، هو فوق علشان فونه مقفول."
أومأ العامل برأسه.
"أيوة ياهانم رجع من قيمة 5ساعات كدا."
توقفت غزل وقلبها ينتفض بداخلها تنظر إلى المنزل بزهول.
همست بعيون مترقرقة.
"جاسر."
ثم أشارت على منزله عندما وجدت لافتة يكتب عليها منزل جاسر جواد الألفي.
تحركت أمامهم وعيناها تنزرف منها الدموع، وقفت تلمس اللافتة التي يكتب اسمه عليها.
أسرعت غنى وربى إليها عندما وجدوا انهيارها.
أشارت إليهما.
"دا بيت اخوكو، يعني هو ساكن هنا، في آخر الدنيا."
احتضنت غنى وجهها.
"مامي حبيبتي المهم أنه معانا في المكان، ومتنسيش هو عايز يبعد علشان المشاكل، وبعدين مش شايفة الفيلل اللي حواليه، يعني ابنك مش في صحرا."
سحبت كفيها وتحركت تقوم بطرق الباب.
بالداخل قبل قليل.
تململت جنى بنومها، فتحت عيناها بهدوء، وجدت نفسها مازالت بأحضانه.
رفعت عيناها تنظر لوجهه.
لمست وجهه تحرك أناملها تتذكر حديثه.
هدنت تضع رأسها بأحضانه تغمض عيناها تريد ألا تبتعد ابدا عن ملكيتها.
حاوطت جسده بذراعها تختفي بأحضانه.
"انا كدا مش عايزة حاجة ياجاسورة غير حضنك دا."
وضعت كفيها على أحشائها داعية المولى عز وجل.
"اللهم هب لي منه قرة عين."
أطبقت جفنيها وابتسامة خلابة على وجهها وهي تتخيل ابنهما.
رفعت رأسها وجدته مازال غافيا.
استمعت إلى طرقات على باب منزلهما، نهضت بهدوء تجذب مأزرها، تنظر لساعتها.
"مين هيجي لنا دلوقتي، حنان مشيت، كان لازم امشيها يعني."
تحركت إلى الخارج، تنظر في شاشة المراقبة.
وضعت كفيها على فمها من الصدمة.
"طنط غزل."
هرولت للخارج تفتح الباب.
"انطي غزل."
قالتها وهي تلقي نفسها بأحضانها.
حاوطها غزل بحنان.
"جنجونة حبيبة قلبي."
ظلت جنى بأحضانها لبعض الوقت حتى انسابت عبراتها.
"وحشتيني اوي ياطنط."
مسدت على خصلاتها التي انسابت على وجهها بعشوائية، وارجعتها خلف أذنيها.
"وانت كمان ياروح قلبي."
جذبتها غنى.
"ايه ياست ماما، عايزة اسلم على مرات اخويا."
كانت تطالعها بهدوء وهي توزع نظراتها بينها وبين والدتها واختها.
ولجت للداخل على أمل تجده بالداخل ولكن خاب ظنها عندما وجدت المكان فارغ سوى من رائحته التي استنشقتها من جنى.
توقفت وعيناها على جنى التي يبدو على ملامحها الهدوء والسعادة.
أنار وجهها بإبتسامة بعدما وجدت عيناها اللامعة بالسعادة.
استدارت جنى تبحث عنها، تقابلت نظراتهما ببعضهما البعض، تحركت بهدوء حتى وصلت إليها.
"مش هتسلمي عليا ياروبي، ايه جنجون مش وحشتك."
انسابت عبراتها تجذبها بقوة لأحضاتها وتضربها على ظهرها.
"وحشتيني اوي ياحيوانة، كدا روبي تهون عليكي ومتسأليش عليا."
احتضنتها جنى وبكت بشهقات.
"غصب عني وحياة ربنا، لو عليا ماكنتش خرجت من حي الألفي ابدا."
ابتعدت تحتضن وجهها.
"مش مهم ياقلبي، المهم تكوني سعيدة ومرتاحة."
بحثت بعينيها عن أخيها.
"فين حضرة الظابط، عايزة اضربه واعاقبه، واحضنه واعمل فيه كل حاجة."
ضمتها جنى مرة أخرى وبدأت تضحكان مرة وتبكيان اخرى، ثم تحدثت جنى.
"حضرة الظابط نايم."
جلست غزل عندما خانتها ساقيها، ودقات قلبها بالأرتفاع منتظرة قرة عيناها.
فهمست لجنى.
"روحي صحيه ياجنى، قوليله ماما برة."
تحركت ربى.
"تعالي نعمل فيه مقلب ياجنى زي زمان."
"روبي."
قالتها غزل، استدارت ربى متسائلة.
"ليه يامامي دي جنجون مش فيروز."
"اقعدي حبيبتي."
"مراته هتصحيه."
قالتها وهي تنظر لثياب جنى، التي أخبرتها بأن ابنها تتم زواجه بها.
أومأت ربى بعدما فهمت والدتها وتحركت جنى للداخل.
كانت غزل تراقب تحركها حتى ولجت لغرفتهما وأغلقت الباب.
تنهدت غزل متألمة.
"ياترى اللي فهمته صح ولا لا ياجاسر، يارب متكنش اتهورت يابن جواد."
بالداخل ولجت إليه وجدته مازال غارقا بنومه، نظرت إليه بحزن من إرهاقه، جلست بجواره تمسد على خصلاته.
ثم انحنت تطبع قبلة مطولة على وجنتيه.
"حبيبي قوم."
ابتسم من بين نومه هامسًا.
"حبيبي قام من حضن جوزه ليه."
وضعت رأسها بجوار رأسه.
"جاسورة قوم ياحبيبي، الساعة تسعة."
جذبها بذراعه حتى أصبحت بأحضانه.
"مشبعتش نوم، لما أشبع نوم هصحى علشان نسهر."
داعبت أنفه بأبهامها.
"فوق ياجاسر، فيه خبر حلو اوي، خبر هيخليك تطنطط من الفرح."
"ايه حبيبي حامل ولا إيه."
لكمته بصدره.
"ايه الهبل دا، هحمل من اسبوعين، ليه قوة خارقة."
لحظة واحدة حتى وجدت نفسها أسفله ينظر إليها بعينان يكاد يفتحهما من شدة نومه.
"ايه عندك شك في قدرات جوزك."
تسارعت أنفاسها من وضعهما فهمست بتقطع.
"جاسر اعقل، ابعد كدا، مش معقول اللي بتعمله دا."
نزل يرأسه هامسا لها.
"قولي كلمة حلوة وانا اسيبك."
ابتسمت وهتفت.
"كلمة حلوة."
رفع حاجبه بسخرية.
"هتستهبلي!!"
رفعت كفيها على وجنتيه.
"مش انت قولتلي اقول كدا."
هز رأسه بالنفي.
"جنى متزعلنيش منك."
تعمقت برماديته وهمست له.
"جنى متقدرش تبعد عن حبيبها، مقدرش ابعد عن حضنك يابن عمين."
نزل بجبينه ولافحت أنفاسه وجهها بالكامل.
"ابن عمك!!"
هزت رأسها واستأنفت.
"ابن عمي وحبيبي ونصيبي الحلو."
ابتعد عنها وجذبها من كفيها حتى اعتدلت، ثم تسطح مرة أخرى مغلق عيناه بعد جرعته التي روت روحه.
لمست وجنتيه بأناملها.
"فيه ناس عايزينك برة."
داعبت الأضاءة رماديته.
"اطفي النور ياجنجون وتعالي في حضن جوزك حبيبك وبطلي كلام كتير."
طبعت قبلة مرة أخرى على وجنتيه هامسة بجوار أذنه.
"جاسر ..فيه ناس عايزينك برة."
فتح عيناه وتسائل بصوت متحشرج بالنوم.
"ناس مين."
وكأنه أفاق فاعتدل سريعا ينظر إلى ثيابها.
وأشار عليها.
"انتِ ازاي تفتحي الباب كدا ومين دول."
قالها وهو يتجه للخارج.
توقفت أمامه تعطيه كنزته.
"حبيبي ألبس تي شيرتك، هتخرج كدا."
جذبه وعيناه ترمقها بغضب.
"حتى لو ابوكي وحياة ربي ماهسكت اصبري عليا."
حاوطت خصره تنظر لعيناه.
"مستعد للمفاجأة."
قطب جبينه وانزل ذراعها ثم تحرك خارجا.
وصل لمكان تواجدهم.
وقف متصنما عندما توقفت غزل تنظر اليه وعيناها تغشاها الدموع قائلة.
"جاسر..!!"
فتحت ذراعيها وانسابت عبراتها.
احتضن والدته.
"حبيبة قلبي."
مسدت على على ظهره وشهقت ببكاء.
"كدا امك هانت عليك ياجاسر، كدا تمشي من غير ماامك تاخدك في حضنها."
ظل لدقائق محاولا الصمود أمامها حتى لا يبكي، خرج من أحضانها يزيل عبراتها، ثم انحنى يلثم رأسها.
"حبيبة قلبي ياست الكل."
جذبته.
"تعالى جنبي ..توقفت غنى بمشاكسة."
"لاحظي ياست ماما أننا موجودين، ايه مالناش حق في حضرة الظابط ولا إيه."
جذبها لأحضانه.
"غنونة قلبي إنتِ."
ذهب ببصره على التي تقف تضغط على شفتيها حتى لا تبكي.
فتح ذراعيه.
"روبي مخصمة جاسورة."
هرولت تلقي نفسها بأحضانه.
حاوطها يرفعها ويدور بها.
"الطفلة اللي بتعيط ياناس."
انزلها بهدوء يحتضن وجهها.
"وحشتيني ياقلبي."
ازال عبراتها ثم انحنى يطبع قبلة مطولة على جبينها.
"عاملة إيه ياروح اخوكي."
تحركت جنى إلى المطبخ تمنع عبراتها.
"هجهز عشا نتعشى كلنا مع بعض."
ذهب ببصره لمتيمة قلبه ولمح نظرة الألم بعينيها.
كانت غزال تراقبهما، فهتفت إلى ربى وغنى.
"روحوا مع مرات اخوكم ساعدوها، هنتعشى معاهم."
طبعت ربى قبلة على وجنتيه قائلة.
"هساعد جنى وارجعلك علشان نتعاتب."
أومأ برأسه ونظراته على تحرك جنى للداخل.
جذبته والدته.
"تعالى حبيبي، اقعد جنبي عايزة اتكلم معاك شوية."
جلس يحتوي كفيها.
"وحشتيني ياماما."
اقتربت منه توزع نظراتها عليه وترقرت عيناها بالدموع.
"ليه يابني دايما تاعب قلبي معاك، يعني فيروز وجنى."
نظرت إليه بقلب مفتت من الوجع.
"ناوي على إيه، بعد كدا يابن جواد."
تمدد على الأريكة ووضع رأسه على ساقيها.
"مش عايز اتكلم في حاجة ياماما لو سمحتي، عايز افضل نايم على رجلك."
كدا وبسمسدت على خصلاته.
"لسة زي ماانت ياجاسر، بتهرب بالنوم."
سحب كف والدته يضعها تحت رأسه.
"أنا تعبان اوي ياماما، ابنك تعبان ومش لاقي راحته."
مسدت على خصلاته وتحجرت عيناها بالدموع.
"ليه ياحبيبي بتقول كدا، مش انت اتجوزت جنى، وهي بقت في حضنك دلوقتي، الباقي يهون."
اعتدل ينظر إليها بنظرات معذبة وقلب يتفتت من الألم.
"بس خسرت كل حاجة، بابا اتبرى مني، مسمعتيش قالي ايه."
احتضنت وجهه.
"ابوك مهما يقسى، بس عمره مايغضب عليك ياحبيبي، هو واخد على خاطره، متنساش انك صغرته قدام نفسه، ودي كبيرة أوي عند جواد الألفي."
دنت منه تنظر بعينيه.
"جاسر لازم تقنع العيلة باللي عملته، وبعدين تعالى هنا عمك صهيب قالي انت كاتب كتاب بس، بس شايفة الموضوع اتطور ياحضرة الظابط."
ابتسم جاسر، ثم رفع كفيها يقبلهما.
"متركزيش معايا يازوز، علشان منتعبش مع بعض، دي مراتي ايه، مش عايز كلام كتير في الموضوع دا."
توسعت عيناها مذهولة من كلماته.
"يخربيتك ياجاسر، انت يابني مش صابر لما نعمل للغلبانة دي فرح."
"طيب عمك صهيب مش هيسكت."
هز كتفه للأعلى قائلا:
"ولا يقدر يعمل حاجة، وبعدين مالكم واخدين بالكم مني ليه يازوزو واحد ومراته."
جزت على أسنانها ترمقه غاضبة.
"طيب ياحبيبي يابتاع مراتك، قابل عمك وشوف هيعمل فيك ايه."
نهض من مكانه قائلا:
"زوزو متفكريش كتير، فكري في الحج جواد وخليه يرضى عني وحياتك."
ابتسمت على كلماته.
"طب ياخويا، هشوف آخرة عمايلك السودة دي."
بالمطبخ أنهت البنات وجبة العشاء، تحركت غنى.
"هجهز السفرة."
بينما ربى التي تحركت تقف بجوار جنى الشاردة.
أمسكت خصلاتها المتمردة تضعها خلف أذنها.
"عاملة إيه مع جاسر ياجنجون."
ابتسمت بخجل وأجابتها.
"الحمد لله ياروبي، أكيد مش هقولك اخوكي حنين اد ايه."
لكزتها ربى قائلة:
"أنما تعبك دا كله بسبب حبك لأخويا يابت، طب ماكان من الأول."
لمعت عيناها بالسعادة ونطق قلبها قبل لسانها.
"حاولت اعيش بعيدة عنه ومقدرتش ياروبي، اخوكي كان واخد روحي وقلبي."
شعرت بأحد يحضنها من الخلف، غمز إلى روبي قائلا.
"شامم حد جايب سيرتي هنا."
تحركت ربى ببعض الأطباق قائلة.
"مراتك بتتغزلي فيك."
وضع ذقنه على كتفها.
"حبيبي بيتغزل فيا."
حاولت التملص من بين قبضته.
"جاسر عيب كدا، اخواتك يقولوا ايه دلوقت."
وضع وجهه بعنقه يملأ رئتيه برائحة عطرها.
"ولا يهمني حد، المهم انتِ في حضني وبس."
لكزته وحاولت الخروج من بين ذراعيه وهي تنظر لباب المطبخ.
"جاسر اتلم هتفضحنا."
لثم عنقها ثم تحرك للخارج وهو يدندن.
هوت جالسة على المقعد، بعدما خارت قواها، ولم تعد ساقيها على التحمل.
محاولة التنفس بعدما سحبه بوجوده، دقات عنيفة، تلوح بيديها على وجهها بعدما شعرت بحرارة وجنتيه.
دلفت غنى تبحث عنها.
"جنى يالة حبيبتي، قاعدة كدا ليه."
هزت رأسها واتجهت متحركة إلى الثلاجة.
"هحيب حاجة وجاية."
خرجت بعد قليل، وجدت الجميع على مائدة الطعام.
أشارت لها غزل.
"تعالي حبيبتي جنبي."
سحبها من كفيها.
"ايه ياماما هتيجي تقعدي ساعة معانا هتفرقينا."
ابتسمت غنى بمشاكسة.
"طيب ياسيدي خف على البنت، شايفها قلبت فرولاية ازاي."
"بس ياغنى."
قالتها غزل.
أشارت لها.
"سيبك منهم حبيبتي."
تجهت وجلست بجوار غزل.
طالعها بنظراته العاشقة.
"كدا تبعيني من الأول."
نظرت إلى طعامها وتوردت وجنتيها تبعد بصرها عنه.
لكزته غزل قائلة.
"بس يلا، جنجونة دي حبيبة قلبي."
بدأو بتناول طعامهم.
نهضت متحركة للمطبخ قائلة.
"نسيت اجبلك الجبن بتعتك."
رجعت بعد قليل تضع أمامه بعض الجبن التي يحبها.
ثم تحدثت إلى غزل.
"آسفة ياطنط، مكنتش نعرف انكم جايين، وكمان جاسر عودنا على الخفيف بالليل."
ابتسمت غزل بمحبة.
"لا حبيبتي، احنا متغدين وعارفة إن جاسر مبيتغداش بعد خمسة، وعارفة كمان عشقه للحاجات اللي عملاه دي."
ربتت على ظهرها وهتفت داعية.
"ربنا يسعدكم حبيبتي."
جلست تبعد عن ذاك الذي يخترقها بنظراته.
حمحم جاسر بعدما وجد نظرات ربى تحاصره، فتسائل.
"روبي عز عامل ايه، سمعت بالمشاكل اللي بينكم بسببي."
ابتلعت غصة آلامها وابتعدت بنظرها عنه قائلة.
"المشاكل مش بسببك خالص يا حبيبي، أنا وعز الأيام دي بنضغط على بعض، يومين كدا ونروق عادي مشاكل عادية."
ربتت غنى على ظهرها.
"روبي الجميلة هو فيه حد يزعل الجمال دا، وبعدين عز مايقدرش يبعد عنها ساعة يابني، انت تايه عنه."
أومأ ونظراته تبحر فوق ملامح وجهها.
نهض بعدما أنهى طعامه.
"هعملكم أنا القهوة."
هبت جنى واقفة.
"لا خليك، ماأكلتش حاجة هروح انا اعملها، خليك مع اخواتك شوية."
قالتها متحركة ولكنه جذبها من خصرها رافعا ذقنها.
"انتِ هبلة، دول اخواتك قبلي، وبعدين مش هنقول أسرار ياحبيبي مفيش حاجة هتتخبى عنك."
جزت على أسنانها تحاول الفكاك.
"جاسر عيب مامتك بتبص علينا."
بترت حديثهما غنى.
"ايه ياجاسر هتقعد تعاكس مراتك واحنا هنا نستنى القهوة."
تحركت سريعا وهي تسبه.
اتجه لوالدته وجلس بجوارها.
"مقولتوش ازاي حضرة اللوا تعاطف عليا وخلاكم تزروني، رغم أنه طردني الصبح."
ارتبكت قليلا ثم تنهدت قائلة.
"باباك ميعرفش أننا جايين هنا."
تورمت غصته ولكنه تحامل وابتسم.
"حقه أنه يزعل مقدرش اعاتبه بابا."
ملست على شعره.
"معلش شوية كدا وهترجعوا تاني، المهم شايفة ربنا عوضك بجنى، عجبتني اوي اهتمامها بيك."
تراجع بجسده على الأريكة.
"الحمد لله ياماما، صلحت الغلط."
"قولي عملت ايه مع فيروز، وايه الكلام اللي هي قالته دا."
"ماما موضوع فيروز مش عايز افتحه تاني، ممكن تتسي، وكمان مش عايز جنى تزعل."
بالداخل جلست جنى بجوار روبي.
"أنا مصدقتش الكلام اللي قولتيه برة دا."
انسابت عبراتها على وجنتيها تنظر إلى غنى التي تسكب القهوة وهمست لها.
"مش عايزة جاسر يعرف حاجة ياجنى."
أمسكت كفيها وتحدثت بحزن شديد.
"أنا طلبت الطلاق من عز."
شهقة خرجت من فم جنى ثم هتفت بغضب.
"اتجننتي ياروبي، ايه اللي بتقوليه دا."
وضعت ربى كفيها على فم جنى.
"بقولك اسكتي، محدش يعرف، اخوكي خلاص جاب اخري، تخيلي وقف قدام بابا وقاله جنى مكان ربى، يعني بنتك عندك لحد ما تجيب اختي."
أشارت على نفسها وبكت بشهقات.
"أنا عز يبعني بعد الحب دا كله، عز يبيع روبى اللي متمنتش غيره، نسيتي هو عمل ايه واتحملته، ليه بيحاسبني على أفعال غيري، وقبل ماتتكلمي وتقولي حاجة، الموضوع مايخصكيش، الموضوع أن عز اول حد بيدوس عليه أنا."
"اخوكي بعني ياجنى داس على قلبي، شوفتي قلبي غرزه بخنجر بارد."
انتهت من كلماتها المتألمة مع أنفاسها المتقطعة وبكت بشهقات.
وصلت غنى إليهما.
"روبي حبيبتي ، فيه ايه ياقلبي."
ألقت نفسها بحضن اختها.
"غنى أنا حامل وعايزة أطلق من عز."
شهقت غنى وتصلب جسدها تنظر إلى اختها بذهول.
"حامل!!"
كررتها ثم هتفت بتقطع.
"عايزة ايه..تطلقي!!"
"اتجننتي."
ضربت على صدرها وانهارت ببكاء اخترق روحها.
"هنا نار، جوايا نار مش عارفة اطفيها، صعب اوي الخذلان، شخص تحط حياتك كلها بين أيده وهو في لحظة يدوس عليك بجذمته."
بكت جنى على بكائها.
"أنا السبب، انا قولتله، قولت لاخوكي هندمر العيلة، وادي النتيجة."
نهضت تهز رأسها كالمجنونة.
"لا ..لازم يطلقني وارجع بيتنا، لا مش مستعدة ادمر العيلة."
لهبت فزعة تعترض طريقها.
"متبقيش مجنونة، جاسر باع الكل علشانك، إنما أنا جوزي باعني في أول مطب، ودا مش أول مرة ياجنى، عز لازم يعرف قيمتي، مش هفضل اسامحه، لو سمحتي."
احتضنت جنى وجهها وزالت دموعها.
"بس عمل كدا بسببي ياروبي."
تراجعت ربى للخلف تهز رأسها.
"لا ..مش بسببك، لا علشان انا رخيصة عنده."
"اقعدي ياجنى."
قالتها غنى بغضب.
زفرت بغضب تمسح وجهها وهي تتحرك دون هدى، ثم هتفت.
"عز بيحبك بس مابيعرفش يسيطر على غضبه، لازم تربيه وتعلميه الادب."
نظرت إلى جنى وتحدثت.
"جنى اقنعي جاسر ربى تقعد معاكم كام يوم."
حبست أنفاسها تهز رأسها رافضة حديث غنى.
"نسيتي بابا ميعرفش اننا هنا."
أشارت غنى لنفسها.
"أنا هقنع بابا، المهم محدش يعرف انك حامل، أما عز دا وديني لأربيه."
تجهت إلى جنى وضحكت.
"متزعليش ياجنجون بس اخوكي مش متربي وعايز غنى تربيه."
توقفت متجهة بالقهوة للخارج.
"براحة عليه وحياتي ياغنى، عز مفيش أحن منه."
ابتسمت متحركة بالقهوة إلى زوجها وغزلانتهت الزيارة وخرجوا للخارج بصحبة جاسر.
توقف حتى استقلت ربى وغزل السيارة، بينما توقفت غنى بجواره.
"جاسورة حبيبي طالبة منك خدمة، بكرة هقولك عليها."
رفع حاجبه ساخرا.
"هو جوزك فين ياغنون، وسايبك طايحة فينا كدا."
قهقهت عليه ثم طبعت قبلة على وجنتيه.
"حبيبي، اكيد مش هيكسف أخته مش كدا ولا ايه."
فتح باب السيارة وأجابها.
"على حسب ياغنى، بكرة اعرف الخدمة ايه، وبعدها اقرر."
ركبت وأشارت بكفها.
"طول عمرك حبيبي ياجاسورة."
"جاسر زي ما قولتلك ياحبيبي بكرة تجيب جنى وتيجي ضروري، اوعى تنسى."
"أن شاءالله حبيبتي."
تحركت السيارة وظل متوقفا يتابع تحرك السيارة.
بالداخل جلست شاردة تتذكر حديث ربى عن عز.
أمسكت هاتف جاسر وقامت بمهاتفته.
كان مستغرق بنومه.
نظر إلى الهاتف، والقاه بغضب سابا إياه.
"عايز ايه الحيوان دا."
استمع إلى رنين الهاتف مرة أخرى.
امسك الهاتف وصاح بغضب.
"عايز ايه ياحيوان، انا قولتلك انسانيا."
استمع إلى صوت بكائها.
اعتدل جالسا بنومه.
"جنى، هو انتِ حبيبتي، عاملة ايه ياقلب اخوكي، إنتِ فين ياجنى."
زمخت شفتيها تحاول السيطرة على نفسها من البكاء.
"عز اختك بتعيش أسعد أيام حياتها، مستخسر فيا السعادة."
ارتفع صوت بكائها، وضعت كفيها على فمها، واكتسى الألم بصوتها وهي تتحدث.
"حاولت أعيش بعيد عنه ومقدرتش، كنت ميتة ياعز، وماصدقت الدنيا ضحكتلي تاني ورجعت روحي، ليه مصر تسرقها مني، ليه بتعذب نفسك وتعاقب ربى على سعادة اخت."
انتحبت بحرقة واختنق صوتها من البكاء قائلة.
"لو عايز اختك تفضل ميتة هسيب جاسر واجيلك، بس اتأكد هكون ميتة."
نهض من مكانه وكأنها طعنته بشدة بخنجر بارد.
"ياهبلة ايه اللي بتقوليه دا، دا انا اوهب حياتي علشان اسعدك، بس دا باعك واتجوز غيرك، ولما ماارتحش رجع لك، ليه بترخصي نفسك."
صرخت بقهر وانتحبت بشهقات.
"علشان بحبه، علشان روحي فيه، جربت اعيش بعيدة عنه ومقدرتش، ليه مش عايز تقنع نفسك أن جاسر روحي اللي مقدرش تفارقني، ليه ياعز بتخرب حياتك وحياتي."
"جنى، اللي يبيع مرة يبيع مليون مرة."
"زي ماانت بعت ربى ياعز."
صدمة صفعته بقوة فهتف غاضبا.
"أنا مسبتهاش ورحت اتجوزت غيرها، مقهرتهاش ياجنى، إنما جاسر قهرك."
سحب نفسا وطرده يمسح وجهه بكفيه غاضبا.
"جنى هتعملي ايه لو رجع مراته، انتي متأكدة إنه بيحبك، متأكدة منه، ارجعي حبيبتي بلاش تكوني ضعيفة قدامه بسبب الحادثة."
شعرت بأحدهما خلفها يضمها إلى صدره، تراجعت بجسدها عليه وتحدثت.
"خلاص ياعز معدش ينفع الكلام."
قالتها وأغلقت الهاتف.
صرخ بالهاتف.
"جنى استني."
صرخ بها.
قام بالرنين على الهاتف.
نظر إلى رنين الهاتف رفع ذقنها.
"مش هتردي."
وضعت رأسها بصدره وبكت بشهقات مرتفعة.
"مش عايزة اكلم حد."
رفع رأسها يمسح دموعها.
"طيب ليه العيون الحلوة دي بتعيط، وتنزل على قلبي تحرقه، عايزة تحرقي قلبي ياجنجون."
تمددت بجواره قائلة.
"جاسر خدني في حضنك مش عايزة اتكلم مع حد."
جذبها محاوطها بذراعيه، حتى غفت بأحضانه.
فحملها متجها الى غرفتهما.
بمنزل جواد الألفي.
جلس بمكتبه بعد خروج يعقوب، ينظر لتلك الصورة بصمت للحظات.
تفاقم الغضب بوجهه، حتى شعر بنيران تحرق جوفه.
امسك هاتفه وتحدث.
"أيوة يابني عايزك تنشر الخبر دا في كل مكان."
"زواج جاسر الألفي من ابنة عمه صهيب الألفي، غدا بمنزل العائلة."
أنهى المكالمة ثم ألقى الهاتف والغضب يتسرب بجسده بالكامل.
دلف غزل إليه.
"حبيبي لسة قاعد."
ابتسم وأشار إليها متسائلا.
"اشتريتوا الحاجات اللي كنتوا عايزنها."
فركت كفيها تبتعد بأنظارها بعيدا عنه.
وصلت إلى النافذة تنظر للخارج.
نصب عوده وتوجه إليها.
حاوط كتفها.
"ايه حبيبتي نسيتوا اشتريتوا ايه."
حاوطت خصره تضع رأسها بأحضانه.
"كان وحشني أوي ياجواد مقدرتش أكون قدام بيته ومدخلش."
رفعت رأسها وتعمقت بالنظر بعينه.
"جاسر ياجواد، هان عليك تبعده المدة دي كلها، انا مقدرتش صدقني."
لثم جبينها وتحرك للخارج دون حديث.
هو كان يعلم بذهابها، لكنه أراد ألا تخفي عليه شيئا.
توقف لدى الباب وتحدث وهو يواليها ظهره.
"اتصلي بيه، خليه يجيب جنى الصبح بدري، لازم نعملهم حفلة بسيطة الناس تعرف أنهم اتجوزوا."
أمسكت كفيه.
"جواد إنت زعلان علشان رحت لجاسر."
هز رأسه نافيا.
"لا ياحبيبي، المهم انك كويسة، دا أهم حاجة عندي."
عند فيروز وسحر.
جلست ترتشف مما حرمه الله وتحدثت.
"متخافيش لو مفضحتوش في كل الدنيا يبقى متعرفيش انا مين."
نهضت غاضبة وبدأت تحطم المكان، ثم انهارت قواها فهوت جالسة تبكي.
"ماما أنا مش عايزة حاجة غير جوزي، جوزي اللي بسببك طلقني، ليه عملتي فيا كدا، هو انا مش بنتك، ليه حرمتيني منه."
وضعت ساقا فوق الأخرى وهتفت ساخرة.
"معرفش هتفضلي هبلة لحد إمتى، انت كنز يابنتي معرفش ليه ماسكة في ابن الالفي، مش عارفة قيمة نفسك ياهبلة."
وضعت رأسها على ركبتيها تنظر أمامها بشرود.
"أنا حبيته اوي، وكنا عايشين كويس لحد ما دخلتي حياتي ودمرتيها، استحملني كتير، قالي حافظ على حياتنا، وانا عاندت، قالي عايز حياة هادية، وانا كل شوية حفلات."
"قالي عايزة أسرة بسيطة، وانا رحت اجهضت ابنه."
رفعت نظرها إلى والدتها.
"قالي انا بحاول اعمل كل حاجة ترضيكي وانا قولتله انا مش عايزة حياتك دي، عايزة اخرج واتفصح واطنط مش عايزة اكون مسؤولة عن أسرة وبيت، عايزة اعيش حياتي."
نهضت تدور حول والدتها وصاحت كالمجنونة.
"قالي لبسك وحش ومرضاش لمراتي جسمها يبقى رخيص، وانا كنت بروح اجيب اكتر حاجة بيكرهها واعملها."
رفعت أكتافها وبكت.
"تفتكري اللي زي دا ممكن يعيش مع واحدة باعت كل الغالي."
"دا حتى شوية الامور اللي اتعلمتهم حضرتك كنتي بتتريقي عليا وتقولي متخلفة."
دنت من والدتها ونظرت إليها بكره.
"زي ماخليتيه يكرهني خليه يرجعلي، علشان مدمرش حياتك ياسحر هانم."
قالتها ودلفت للداخل.
عند ربى.
ولجت إلى غرفة مكتبه وجدته منكبا على عمله، رفع نظره عندما شعر بها.
"روبي فيه حاجة."
توقفت أمامه ترمقه بنظرات نارية ثم هتفت غاضبة.
"مين اللي نقل حاجتي من الأوضة."
تراجع بجسده يطالعها باشتياق، فلقد انفجر بركان الشوق إليها.
نصب عوده وتوقف قائلا.
"مفيش نوم برة اوضتنا تاني، ومفيش بعد عن حضني."
التوت زاوية فمها بإبتسامة ساخرة وهتفت.
"هو انت اهبل ولا عبيط، احنا هنطلق، متفكريش انا عايشة معاك."
اقترب منها فتراجعت حتى اصطدمت بالجدار خلفها فانحنى يهمس بجوار أذنيها.
"مفيش حاجة هتبعدك عني غير الموت، حتى لو جواد الألفي نفسه جه هنا وقالي طلقها ياإما نتبرة منك، وقتها هخليه يتبرى مني."
دغدغ مشاعرها بكلماته.
لملمت شتات نفسها وتراجعت برأسها بعيدا عن أنفاسه.
"بس إنت اتبريت فعلا، ومعدش تفرق معايا، من الاخر كدا أنا مبقتش عايزاك ومن بكرة هخلي المحامي يمشي في إجراءات الطلاق."
جذبها بقوة من خصرها يضغط عليه.
"خليني عاقل، بدل مااتجنن عليكي."
انحنى يدفن رأسه بعنقها، جعلها تتوتر وتحاول التملص من قبضة ذراعه تدفعه بقوة ولكنه غرس أنامله بقوة الامتها.
"مفيش خروج لك من مملكتي ياروبي، فاتلمي احسن، كفاية اللي قولتيه امبارح."
قالها ثم احتضن ثغرها ساحبا انفاسه.
لحظات، ثم تركها وتحرك للخارج وهو يطلق صفيرًا.
هوت على المقعد وانسابت عبراتها.
أزالت عبراتها بعنف، ثم تحركت سريعا إليه.
دلتفت وجدته متجها إلى المرحاض.
أمسكت ثيابه بالكامل، والقتها بخارج الغرفة تشيراليه.
"اطلع برة الأوضة دي لوانت راجل فعلا يابن صهيب، مع اني اشك في كدا."
برق عيناه وتوقف الدم بعروقه ينظر إلى جمودها وهي تدوس على ثيابه بحذائها ثم استأنفت جبروتها.
"أنا بكرهك، ومستحيل افضل على ذمة واحد زيك."
اتجه تقف أمامه ونظرت إليه بكبرياء انثى وهتفت بقوة.
"لو ترضى على رجولتلك واحدة مش طايقة حتى ريحتك يبقى براحتك، لكن وقتها هتكون عديم النخوة والرجولة في نظري للاسف."
رفعت نفسها ونظرت بقوة إلى مقلتيه.
"أنا دلوقتي مش شيفاك غير واحد واطي ياابن عمي، يعني مش راجل اقدر اأمن حياتي معه."
تجمد بوقوفه، وتسربت البرودة لجسده، حتى شعر بإختناق تنفسه.
فهمس وهو يطالعها بغموض.
"أنا مش راجل."
رفع أنامله يمررها على شفتيها.
"أنا مش راجل ياروبي."
دفعته بقوة كأنه مرض معدي وصرخت كالمجنونة.
"أيوة انت عمرك ماكنت راجل معايا، انت واحد ندل وواطي."
دنت تهمس له وهي تنظر لمقلتيه.
"إنت واحد مغتصب، وانا مايشرفنيش وجودك في حياتي."
"إنتِ طالق يابنت عمي."
مساء اليوم التالي.
اعد جواد حفلة وقام بدعوة المقربين.
دلف جاسر الحفل وهو يطوق ذراع جنى، وسط تصفيق حار.
جلس الجميع يهنؤن العروسين مع اتخاذ بعض الصور.
انتهت الحفلة بعد فترة ليست بالقليلة.
صعدت بجواره إلى غرفته.
أشار على بعض الأشياء.
"حبيبي جمعي الحاجات دي علشان محتاجها، اللي هناك دا خلي منى ترميهم برة."
رفع ذقنها وحاوط وجنتيها يعانق ثغرها يعزف لها معذوفة عليه.
فصل قبلته وهويتنفس بصعوبة، قائلا من بين أنفاسه السريعة.
"آسف، ضيعت عليكي فرحة عمرك، لكن بعد شوية هتعرفي ليه عملت كدا، اتمنى مش تخذليني ياجنى."
عصرها بأحضانه وهو يهمس بجوار أذنها.
"عايزك تتأكدي وجودك في حضني دا حياتي قبل ماتكون سعادتي."
أخرجها من أحضانه ورسمها بعينيه مؤكدا.
"جنى يوم ماتبعدي عني هتكوني حكمتي عليا بالموت."
لم تتحدث.
كانت تنظر إلى عيناه فقط، حتى اقتربت تطبع قبلة على خاصته قائلة.
"بحبك ملهمي، ويوم ماابعظ اعرف اني نهيت حياتنا."
بتر حديثهما العاملة.
"الباشمندس صهيب طالب حضرتك ياباشا."
أومأ لها فتحركت دون حديث.
أما هو فوقف ينظر إليها بصمت، ثم انحنى طابعا قبلة بجانب شفتيها وتحرك إلى الباب.
بغرفة أوس.
ظل يدور بالغرفة كالأسد الجائع.
وصلت إليه ياسمينا تحمل ابنتهما.
"أوس مالك في ايه!"
هز رأسه ونظرات ضائعة.
"مش معقول اللي بيحصل دا، مستحيل اللي عمو صهيب عايز يعمله."
ضيقت عيناها متسائلة.
"تقصد ايه."
تحرك للخارج.
"مهما كان جاسر غلط، بس مش هسمح أنهم يسرقوا حياته، لازم بابا يوقف عمو صهيب، مستحيل يعمل كدا في اخويا واسكت."
توقفت تنظر إلى أثره بذهول مردفة.
"هو ايه اللي بيحصل، شكل الليلة مش هتعدي على خير."
بمكتب جواد.
دلف أوس دون استئذان.
"عمرك ماظلمت حد فينا، جاسر غلط اه، كلنا بنغلط بس اللي عمو ناوي عليه دا كدا يبقى بتدبحوه يابابا، ارجوك بلاش تسرق حياة ابنك، صدقني وقتها مش هتلاقيه."
ضيق عيناه مستفهما.
"تقصد ايه بكلامك دا ياأوس."
بمنزل صهيب.
دلف جاسر إلى مكتب صهيب بعد إستدعائه.
"حضرتك طلبتني ياعموا."
"اقعد ياعمو، لازم ننهي المسرحية بتاعتنا."
انسحبت أنفاسه فهو كان يعلم بما يخطط.
سحب نفسا بهدوء وتسائل.
"تقصد ايه."
"جاسر..لو ليا خاطر عندك عايزك تطلق جنى، عملت اللي عليك كدا كل واحد يروح لحاله، الناس كلها عرفت انك اتجوزتها، وزي ماخليتك تتجوزها بطلب منك تطلقها، هي هتسافر مع اخوها بكرة ومع الوقت هتنسى."
دنى من صهيب وانحنى بجسده، ينظر بمقلتيه.
"مراتي مش هطلقها، واستعد ياعمو."
"خلال ايام هتباركلي وان شاءالله تكون جد."
جحظت أعين صهيب ينظر إليه متسائلا.
"تقصد ايه، انت قربت من البنت."
ضيق عيناه مستاءا من حديثه.
"البنت دي مراتي، اوعى تفكرني غبي ومفهمتش لعبتك ياعمو، لا اللي قدامك دا مش غبي."
"انا تممت جوازي من بنتك اللي هي مراتي."
صفعة قوية على وجه جاسر، فأشار بسبباته.
"إنت واحد كذاب، مستحيل تبيع عمك، بتر حديثهم صوت ضوضاء بالخارج تحرك الاثنين.
وقف صهيب مذهولا عندما وجد عز واقفا بجوار احداهن وهو يشير بكفيه.
"وادي ياستي صهيب الألفي باباي."
ثم أشار لوالده قائلًا.
"بابا فريدة مراتي."
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سيلا وليد
الفصل الثاني عشر
عشق لاذع
اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك
إنك لا تختار حين تحب، ولا تحب حين تختار، فإذا سألوك عن الحب قل هو إندفاع روح إلى روح، والروح ماهي إلا بإذن ربي
فحبك استوطنت ثنايا روحي، كسفينة نوح لغزو طوفان الغرق
فبأي حق تتمادى بالبعد، وأنا الذي أود إدخالك بجوار قلبي لكي لا يفترق نبضي عن نبضك، وأملأ صدري من روحك وتختلط انفاسي بأنفاسك
فالحب ياحبيبي أن يكون الحبيب اولًا ثم العالم من بعده
#جاسر_الألفي
❈-❈-❈
توقف جاسر أمام عمه وتحدث غاضبا:
أنا مش هطلق مراتي ياعمو، سمعتنى ..دنى واستند على المكتب ينظر إليه
-وقريب أوي هتبقى جد..جحظت أعين صهيب يشير إليه بذهول
-إنت تممت جوازك ببنتي ياجاسر، اومأ جاسر برأسه
-دي مراتي مش بنتك بس، وعلى فكرة أنا مش غبي وخليك متأكد أنا مستحيل أطلق جنى، وياريت تتعامل معايا على الأساس دا
صفعة قوية على وجه جاسر، نظر إلى عمه بذهول فتحدث:
-بتضربني علشان باخد حقي من مراتي..نهض غاضبا ويكاد قلبه يتوقف من الألم
-دي ثقتي فيك ياجاسر، تتجوز البنت من غير فرح كأنها معيوبة
ضرب على المكتب بقوة وصاح غاضبا:
-مراتي ياعمو، خلي بالك من كلامك، مستحيل اخلي حد يتكلم عنها نص حرف
تحرك متجها إليه:
-مراتك ياجاسر، انت دلوقتي بتثبتلي انك متستهلش جنى..هزة عنيفة أصابت جسده حتى شعر بتجمده، فتحدث بصوت متحشرج يمنع غصته الذي منعت تنفسه:
-وأنا مش هتنازل عنها حتى لو حضرتك قاطعتني طول العمر، ضرب على قلبه بقوة
-دا مش هيرتاح وهي بعيدة عني، وان كنت مفكر اني اتخليت عنها زمان تبقى غلطان، أنا أخترت سعادتها في مقابل وجعي، فبلاش توجع قلبي ياعمو لو سمحت، دنى منه يحتضن كفيه عندما وجد صمته
-أنا وجنى مش هنعرف نعيش واحنا بعيد عن بعض، فلو حضرتك مستكتر سعادتنا يبقى موتنا وخلينا نرتاح
ظل يطالعه بصمت ثم سحب نفسا مطولا وزفره
-أنا أول واحد كنت اتمنى اسمع كلامك دا في الاول، لكن اعذرني يابني، دي بنتي الوحيدة وخايف عليها بعد كدا ..دلك صدره وهو يتجه للمقعده، ثم جلس عليه يتنفس بتثاقل وكأن هناك مايطبق على صدره ، نظر إلى جاسر
-ازاي قدرت تقرب منها وهي لسة متعرضة لحادثة بشعة، وازاي هي قدرت تتعامل معاك عادي، اوعى ياجاسر تكون اخدته غصب وتعبت البنت
صدم بكلمات عمه، حتى شعر وكأنه ذبحه بخنجر بارد وقام بتعذبيه بأشد العذاب
-أنا حقير أوي كدا ياعمو، شايف ابنك واطي وحقير وشهواني لدرجة الذبالة دي
انسابت عبرات صهيب رغما عنه، وارتجف جسده
-أنا هموت من الخوف على جنى ياجاسر، بيجيلي اوقات كتيرة بقول البنت دي ممكن تقتل نفسها، أصلها ياحبيبي مش هتقدر تتأقلم مع اللي حصلها، ولو بتضحك قدامي، فدا علشان متزعلنيش بس انا حاسس بوجع قلبها
جثى جاسر أمامه
-آسف ياعمو، آسف علشان مقدرش احميها من الدنيا ، بس اوعدك هخبيها جو حضني ومستحيل اخلي حد يقربلها، هحميها بروحي وحياة ربنا ماهخلي حد يقرب منها
احتضنه صهيب
-لدرجة دي عاشقها يابن جواد..ابتسامة مغرمة زينت وجهه
-قولي لدرجة دي لقيت السعادة، خرج من حضن عمه ونظر إليه قائلًا
-جنى روحي ياعمو، وأنا متأكد انها بتبادلني الحب دا، صدقني لو كنت أعرف من الاول مكنتش بعدها عن حضني ساعة واحدة
لكمه صهيب بصدره مازحًا
-مش مكسوف من عمك يلا..زفرة حارة خرجت من جوفه
-قولي ياجاسر البنت كانت مرعوبة مش كدا
ابتسم جاسر، وجلس أمامه
-يعني بقولك بنتك روحي وتقولي مرعوبة منك، ماتفهمها ياكبير
لكزه بكتفه
-أنا بسأل بجد يامنحرف
البنت اترعبت منك صح، ماهو يابني الحاجات دي عادي بعد الحادثة اللي اتعرضتلها، وانت كنت يعني..توقف ولم يعد يعلم ماذا سيقول
تحرك جاسر وجلس بجواره ينظر للبعيد
-عمو جنى سليمة محدش قرب منها، اتجه ببصره وحاوطه بنظراته
-بنتك محدش قرب منها غير جوزها..
❈-❈-❈
لحظات وهو يستوعب حديثه، ولكنه توقف عندما هتف جاسر
-انتوا اللي وصلتوني لكدا، ضيق عيناه ثم
قهقه صهيب بضحكات مرتفعة، نهاضًا من مكانه حتى لمعت عيناه من الدموع
-أنا قولت لأبوك دي حركة ابنك مصدقنيش، عارفك وحافظك يابن جواد
ضيق جاسر عيناه متسائلًا:
-مش فاهم حضرتك!!
استدار إليه ببصره
-زورت تقرير المستشفى، صح يابن جواد..ابتسم جاسر
-طيب ماانت فاهم اللعبة اهو اومال عملي فيها ذكي ليه
اتجه إليه وتوقف أمامه
-ابوك شك، بس الصراحة كنا مفكرين مراتك وامها هم اللي لعبوا بالتقرير، وجواد قالي سبهم نشوف اخرتهم ايه
رفع حاجبه ساخرا
-كنت عارف أن جواد الألفي مش هيسكت، صمت ثم التوت زاوية فمه متسائلا
-طيب ليه الفرح والهيصة دي وانتوا عارفين أن كل حاجة تمام
-مش عايزني افرح البنت ياجاسر، مش عايزها تلبس فستان فرح زيها زي غيرها
ربت على كتفه
-بالعكس ياعمو، كان نفسي أعملها احسن فرح، لكن فجأة دا قلقني وخوفت انك عملت كدا علشان تطلقنا بسرعة، وماخبيش عليك علشان كدا تممت جوازي بيها
صك على أسنانه بغضب:
-طلعت فلاتي يابن جواد، وأنا اللي فكرتك زي ابوك، اتجوز امك خمس سنين وهي قدامه، إنما أنت مستحملتش 3شهور، طلعت عيل
قهقه جاسر يضرب كفيه ببعضهما غامزا لعمه
-ماقولنا الموضوع دا مليون مرة، انا مش جواد ياصهيوبة، بتر حديثهما صوت ضوضاء بالخارج
تحركا للخارج ، وجد هجوم من بيجاد على عز
دفعه عز وارتفع صوته
-ومتنساش نفسك، انت هنا جوز بنت عمي وبس
اقتربت غنى من بيجاد وتكورت الدموع بعيناها وهي تنظر لتلك الفتاه التي يطوقها عز
أمسكت ذراع زوجها متسائلة بغصة:
-بيجاد مين البنت دي، وليه بتضرب عز
بحث بيجاد عن اولا جواد ولم يظهر سوى جاسر بجوار صهيب
طالعه بأعين حزينة يشير إلى عز
-عز اتجوز ياعمو صهيب وجاي بكل فُجر بمراته هنا
صاعقة نزلت فوق جميع من يقف، نهى ، جاسر ، صهيب وأوس الذي وصل بعدما استمع الى صرخات بيجاد، ظنا خلافات جاسر
توقف جاسر بجسد تسربت إليه البرودة يردد كلمات بيجاد
-عز..بتقول عز اتجوز على بنت عمه
أطلق عز ضحكاته وهو يرى الصدمة على وجهه، فاقترب ينظر إليه بتشفي
-ايه يابن عمي مالك مصدوم كدا، ماانت عملتها قبل كدا، دنى يهمس بجوار أذنيه
-مش هخليك تتهنى بأختي يوم واحد ياجاسر، وكل ماتحاول تقربلها تفتكر دموع اختك..رفع بصره لوالده الصامت بأعين تائهة، ثم توجه إلى زوجته:
-شوفي ياستي دا الباشمندس صهيب والدي، من زمان وكان نفسك تتعرفي عليه ، ثم أشار لوالده
-بابا دي فريدة مراتي
قالها بوصول ربى وغزل وجواد الذي لم يعد يقو على الحركة، كأن انفاسه سُحبت بالكامل..توقف عن السير، وكأن الأرض تحت أقدامه فوهة بركانية ، تقابلت نظراته النارية بعز الذي أنزل نظره للأسفل قائلًا
-الشرع محلل للراجل أربعة محدش يبصلي كأني عملت جريمة
تحركت إليه بهدوء، رغم نيران قلبها التي لو خرجت لأحرقت الكون بأكمله، توقفت أمامه ولم يفصل بينهما سوى أنفاسهما، دنت ودنت تنظر لداخل مقلتيه، وابتسامة حزينة زينت عيناها المتألمة من أفعاله
-صح ياعز الشرع محللك اربعة، بس ياترى فين هم الأربعة دول
أشارت على نفسها
-احنا اطلقنا، وانت دلوقتي اتجوزت، بلاش تقنع اللي قدامك اني لسة مراتك، رفعت نفسها وهمست بجوار أذنه
-قلبي حرقته بايدك يابن عمي، ودلوقتي انا بكرهك، بكره كل لحظة قلبي دقلك فيها..قالتها تنظر إلى ملامحه التي تحولت للوجوم
بتشفي، ثم رفعت كفيها وصفعته بقوة أمام الجميع وهتفت بصوت مرتفع :
-النهاردة اثبتلي انك اكبر قلم في حياتي..استدارت إلى والدها تنظر إليه:
-زعلت مني لما قولتلك مش عايزة اكمل معاه، ادتله مليون عذر، وغضبت وثورت لما قولتلك احنا اطلقنا، اقتربت من والدها وانسابت عبراتها
-قولتلي مفيش واحدة متربية تقول لجوزها أنك مش راجل..اتجهت تشير إلى عز وصاحت بصخب:
-قولي دلوقتي فين الرجولة اللي عنده، عايزة اعرف مين الراجل المخادع دا، مين انت..وصلت إليه ودفعته بصدره وصاحت كالمجنونة
إنت مين ياحيوان، انت مين غير انك واحد حقير عايز تدبح في الكل، صرخت وصرخت إلى ان انهارت قواها تشير إلى نفسها ببكاء
-بابا زعلان مني علشان النكرة دا رمى يمين الطلاق عليا، اتجهت إلى صهيب
-مين الشخص دا، دا مين، مش معقول يكون ابنك اللي هو تربيتك وتربية الراجل اللي هناك دا، قالتها وهي تشير بيد مرتجفة على والدها
استدارت مرة أخرى تنظر إلى عينيه، لم يقو النظر إليها، اتجهت إليه ولكمته بقوة بصدره
-ارفع راسك لو انت راجل وواجهني، واجه بنت عمك ياحيوان، بنت عمك اللي رميت عليها يمين الطلاق بالليل وتاني يوم جايبلي واحدة زبالة شبهك وجاي بكل وقاحة توقف وتقول مراتي
❈-❈-❈
اقتربت منه وصفعة قوية على وجهه ..انا اللي رخصت نفسي ، بس ملحوقة
"مبروك يابن عمي بالرفاء والبنين
ثم استدارت إلى والدها تشير إليه
-دا ..دا اللي كنت بتقولي انك معرفتش تربيني علشانه، انا دلوقتي بقولك ياريتك ماربتني يابابا، اتجهت بنظرها إلى صهيب قائلة:
تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح ، والبادي اظلم ياعمو
ودلوقتي محدش له حاجة عندي..قالتها وتحركت دون حديث
ولكنها توقفت عندما صاح عز
-روبي!! ظلت واقفة تواليه ظهرها، حتى لا يرى عبراتها التي غسلت وجنتيها فهتف :
-أنا رديتك لعصمتي، ياحبيبة قلبي، واياكي تستقلي بحبي ياربى، انا برد القلم لأخوكي، وزي ماقولتي البادي اظلم
أشار على جاسر
-ماهو مش يبقى حلال له وحرام عليا، مش كدا ياحضرة الظابط
بحث عن أخته لم يراها، ثم تحدث متهكما
-ايه عروستك فين، مش المفروض الليلة فرحك
استدارت ربى بعد مازالت عبراتها
-وأنا مايشرفنيش ابقى على ذمتك دقيقة واحدة، وهرجع اكرر كلامي
لو إنت راجل طلقني وبالتلاتة يابن صهيب
-ربى ..هتف بها جواد الصامت، اتجه إليها وضمها إلى أحضانه
-خدي اختك حبيبتي وروحي لمي حاجتك من بيت عمك، بيت ابوكي مفتوح، ثم رفع نظره إلى صهيب
-آسف ياصهيب، دي بنتي واغلى من روحي، وأنا اللي غلطت في الأول وبصحح الوضع، ابنك باع الغالي بالرخيص
أشار على غزل
-لمي ولادك ياغزل، مسرحية الباشمندس خلصت، ثم أشار إلى بيجاد
وصل جاسر وجنى المطار يابيجاد
أوس خد مراتك وادخل جوا، محدش له دعوة بحاجة، هو قال حقه أنه يتجوز، وانا حقي احافظ على كرامة بنتي ،، مش صعبة، قالها وتحرك بخطوات متعثرة ، أسرعت غزل خلفه وهي تهز رأسها
-منك لله ياعز، منك لله على وجع قلوبنا كلنا
وقف عز ونظراته على تحركات عمه الذي يتخبط بسيره
تحرك أوس بهدوء ماقبل العاصفة، اسرع جاسر وتوقف أمامه:
-أووووس..قالها من بين أسنانه وهو ينظر لوالده الذي وقف كأن على رأسه الطير، وهو يصيح على أوس
-قولت إيه يلا، ادخل بمراتك، ولكن أوس كان كالمفترس
دفع جاسر بغضب، واتجه إليه
-إنت مين يلا، جذبه من رابطة عنقه، يدور به، انت طالع قذر لمين ياحيوان، مفكر إن اختي مالهاش حد، والله لأربيك ياحيوان
دفعه عز بقوة وصارت معركة بينهما حتى صرخت غزل عندما هوى جواد يمسك قلبه وشحب وجهه
بالأعلى
انهت حمامها، ولجت لغرفة الملابس تبحث عن شيئا ترتديه، ولكن لم تجد سوى قمصانه، وفستان زفافها، وتلك المنامة البيضاء التي وضعتها والدتها على فراشها
-نظرت إليها بإبتسامة تتذكر تلك الليلة التي حولت حياتها إلى جنة بعشقه
لمست شفتيها تتذكر قبلاته وهمساته بعشقها، وضعت كفيها على قلبها عندما اشتدت نبضاته، كلما تذكرته
قبل قليل صعد بها إلى شقتهما، توقف للحظات أمام الباب
-في ايه واقف كدا ليه، بقولك انا تعبانة جدا ومش مصدقة أوصل السرير، لم تكمل حديثها عندما وجدها مرفوعة بين ذراعيه ثم صعد بها درجات السلم
-لازم حبيبي يدخل شقته وهو بأحضان جوزه
وضعت رأسها بعنقه:
-خليك دلع فيا كدا..ضمها إلى صدره، ثم فتح باب شقته وولج للداخل ، حاوطها بذراعيه بتملك، ينظر لأرجاء المكان
-حلوة أوي الشقة، مكنتش مفكر إن جواد الألفي هيهتم الأهتمام دا كله
نظرت حولها وأجابته:
-بالعكس، انا كنت عارفة عمو هيعمل اجمل حاجة، هو أنا اي حد برضو جذبها ينظر لعيناها ثم هز رأسه بنظراته الهائمة
-أكيد لأ ياروحي، إنت هنا في ثنايا الروح والقلب
حاوطت عنقه ثم وضعت رأسها على صدره
-رغم مكنتش مرتبة لليلة دي، بس فرحت أوي، رفعت نظرها إليه
-شكرا علشان عيشتيني ليلة زي دي ..حاوط وجهها ثم وضع جبينه فوق جبينها
-لو اطول اجبلك نجمة من السما مش هتأخر، زمان ضيعتك بغباء، مش مستعد أضيعك تاني، تعمق بالنظر لبنيتها هاتفا:
-جنى أنا الأيام اللي فاتت دي أول مرة أحس بطعم السعادة، عايز دايما أيامنا كلها سعادة، لو جيت في يوم زعلتك، تعالي هنا وحطي راسك عليه واشتكيلي، وقتها هعرف اعالج وجعك ياقلبي
قالها وهو يشير على صدره
وضعت رأسها على صدره وانسابت دموعها
-هنا علشان أسمع دقات قلبك ياجاسر، علشان أعرف اد إيه بتحبني، مش علشان اشكيلك
رفع ذقنها بأنامله يتحسس وجنتيها
-"بحبك مهلكتي"..ارتسمت السعادة بعيناها ورفعت نفسها تطبع قبلة بجانب شفتيه هامسة له
-و"مهلكتك بتعشقك ملهمي"
رفعها من خصرها وبدأ يدور بها مع ضحكتتهما وسعادة قلوبهما
انزلها بهدوء، يشير بعينيه إلى فستانها
-طيب مش هنخلع..لكمته وهي تضع رأسها بكتفه
-بس ياقليل الأدب، رفعت رأسها تنظر إليه
-الصراحة مش مصدقة إن جاسورة العاقل يكون بالوقاحة وقلة الأدب دي
سحب كفيها وهو يضحك على كلماتها
-عايزاني أكون مؤدب ياجنجون، كدا عايزة تعيب في جوزك حبيبك
توقفت أمامه تحاوط خصره
-لما بسمع جوزك دي قلبي بيدق بسرعة أوي، لحد دلوقتي بحاول أتأكد إننا اتجوزنا ياحبيبي
انحنى يحتضن كرزيتها يعزف لحنه الأثير، ليؤكد لها أن القبلة هي أجمل وأفصح من حروف الأبجدية لتخبرها عن عشقه الذي تغلغل بخبايا الروح
عانقته فاليوم كل شيئًا مختلف، حبه الذي يجري بعروقها مجرى الدم
فصل قبلته احتياجا للهواء، ثم حاوطها بذراعيه، هامسا لها
-غيري فستانك علشان نصلي، كانت ترسم ملامحه التي تعشقها حد الجنون، رفعت أناملها تتحسس وجنتيه وذقنه، لديها إحساس عميق وشعورا يتنفض بقلبها بهزته العنيفة الذي اجتاح كيانها بالكامل
ابتسمت ابتسامة جذابة خرجت من شفتيها حتى ظهرت بعيناها وتحدثت:
-يعني ينفع نعمل الفرح وكمان نصلي بعد اللي حضرتك عملته
قهقه عليها حتى أدمعت عيناه، فانحنى يهمس لها
-جنجونتي معايا والشيطان تالتنا عايزة مني إيه ، قالها غامزا ، لكزته بكتفه
-بس ياجاسر، كنت اسمع عمو يقول لبيجاد وعز المنحرفين، يجي يشوف ابنه
رفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته
-لو الحب انحراف ياحبي فأنا أكبر منحرف..انزلها وأدار جسدها، ثم قام بفك اربطة فستان زفافها، حتى ظهر بعض من ظهرها، لمست أنامله ظهرها مما جعلها تشعر بصاعقة كهربائية ، أطبقت على جفنيها تحمل فستانها تهمس بتقطع:
-هروح أغير فستاني، وانت غيربتر حديثهما طرقات على باب شقتهما
-جاسر، انزل لعمو صهيب عايزك ضروري
حمحم محاولا السيطرة على نفسه، فتحدث:
-هروح أشوف عمي وراجعلك حبيبي
خرجت من شرودها عندما
وصلت للفراش ووضعت رأسها عليه تستنشق رائحته الغائبة عنها منذ عدة ساعات
نظرت بساعة يديها
-اتأخرت أوي ياجاسر، معقول تلات ساعات تحت، ياربي لازم يجبلي حاجة ألبسها من بيتنا
أمسكت هاتفها وظلت تنظر إلى صور زفافهما، ابتسمت عندما رأت صورتهما وهو يحملها ويدور بها أمام الجميع، وقبلته الجريئة أمامهم حتى شعرت بالخجل
نهضت وارتدت ذاك القميص الذي وضعته لها والدتها، ابتسمت بسخرية
-اللي يشوف القميص ياماما يقول لسة عروسة ، ضحكت بصوت كلما تذكرت أفعال حبيب الروح
تمددت على فراشهما واحتضنت وسادته وذهبت بنوم عميق بسبب إرهاقها طيلة اليوم
بالأسفل
هرول أوس وجاسر إلى والدهما، بينما انسابت عبرات صهيب مرددًا:
-ليه يابني تكسرني قدام عمك..وقف عز مذهولا وهم يقومون بمساعدة عمه متجهين للداخل..تحرك خلفهم
استنى عندك، توقف ولم يقو النظر بعين والده، اقترب صهيب ورفع كفيه وبقوة صفعه على وجهه حتى تراجع للخلف
-كان لازم تاخد القلم دا يوم مااطولت على عمك وابن عمك
وضع كفيه على خديه، ينظر الى فارس ووالدته
-بتضربني يابابا، علشان عايز اخد حق اختي
رفع نظره إلى تلك البنت التي تقف تنظر إليهما بصمت، ثم أشار عليها
-إنت فعلا متجوز البنت ياعز، فعلا اتجوزت على بنت عمك، ولا دا شو، قالها وهو يمسكه من تلابيبه
اتجوزت على بنت عمك صح..سحب بصره بعيد عن والده، وهو يشير إلى فريدة
-فريدة مراتي بجد يابابا
كور قبضته، وهو يلكمه بصدره عدة مرات قائلًا بغضب جحيمي
-امشي من قدامي ياحيوان..رفع بصره لوالده
-همشي يابابا، ولو عايز اسيب حي الألفي هسيبه، لكن خليك متأكد انك بعت بنتك لجاسر يشتري ويبيع فيها
دنى خطوة من والده وتعمق بالنظر لعيناه
-اسأل نفسك ياباشمهندس ليه جاسر اتجوز جنى دلوقتي، بعد مامراته مابقتش تنفع تجيب ولاد، اكيد جنى اللي هتعوضه، ماهي مغتصبة مين هيرضى بيها
صفعة أخرى اقوى من سابقتيها يدفعه بقوة
-امشي بقولك..وقفت نهى وعيناها تنسدل عبراتها بصمت، لقد خُربت حياة اولادها
أطبق صهيب على جفنيه ينظر حوله بتيه، نظرات ضائعة حزينة وهو يتابع ابنه الذي سحب بكفيه تلك الغريبة متجها بها للداخل
همس بتقطع لزوجته
-الواد دا ايه اللي حصله، إلحقيه يانهى، ليدخل بالبنت على فرش بنت عمه، أصله بقى حلوف اوي
ربتت على كتفه ونظرت إلى فارس الصامت ثم تحدثت
-روح ياحبيبي شوف عمك عامل إيه، ثم سحبت كف زوجها
-تعالى ارتاح ياصهيب، متنساش انك تعبان
ترك كفيها واتجه خلف ابنه
-اروح اطمن على جواد الأول ..تحرك بخطوات مهتزة وقلبا حزينا على ماوصلت إليه الأمور، وصل إلى منزل جواد، وجده متسطح على الأريكة وجاسر جالس بجواره متهدل الكتفين وعيناه مليئة بالدموع، تحرك إلى أن وصل إليهم
-جواد..رفع جواد بصره إليه صامتًا، ثم أشار إلى أوس
❈-❈-❈
-أوس كل واحد على بيته، مش عايز حد حواليا، رفع جاسر كفيه وتحدث بخفوت
-بابا حاسس بإيه، استدار للجانب الأخر قائلًا
-اطلع شوف عروستك، وجوز اختك هيوصلك للمطار
-بابا..أردف بها جاسر
اغمض جواد عيناه ينظر إلى غزل
-شوفي روبي ياغزل، واطمني على مرات جاسرقبل مايسافروا
نهض جاسر وعيناه تحاور والده بالأسى والحزن
امسك جواد كفيه، وبنظرات تحمل بين طياتها الكثير والكثير من العتاب ثم تحدث
-بنت عمك أمانة عندك، بتمنالك السعادة، انا مش زعلان منك، أنا حزين عليك، بتمنى تكون أد قرارك المرادي، وعايزك تتأكد كل حاجة في الدنيا نصيب، ولو زي ما بتقول انك كنت بتحب بنت عمك حافظ عليها، متعملش زي عز..سحب نفسًا وطرده على مراحل ثم رفع نظره الى صهيب الواقف وعيناه الحزينة تتابعه
-عز بيخبط، مش عايز حد يقرب منه، بكرة يفوق ، ومتنسوش أخته اغتصبت واتهمت في ابن عمها، فكان لازم يرد الضربة
أشار للجميع بالتحرك، جلس صهيب بجواره يربت على كفيه
-ألف سلامة عليك ياحبيبي ، كانت نظراته على غزل التي تنساب عبراتها بصمت
-غزل ..تحركت إلى أن وصلت وجلست بجواره ، ثم وضعت رأسها بصدره تبكي بشهقات مرتفعة
-هو ايه اللي بيحصل دا ياجواد، هتفضل تتحمل لحد إمتى ..ربت على ظهرها
أنا كويس يازيزو، قومي شوفي ابنك العريس ، وشوفي بنتك المطلقة، قالها متهكمًا
-هعملك ليمونادا مع صهيب الأول، ازال عبراتها
-حبيبتي بلاش الدموع دي، أنا كويس، مرينا بأكتر من كدا..هزت رأسها رافضة حديثه ثم اتجهت إلى صهيب
-عز فعلا اتجوز على ربى ياصهيب
مسح صهيب وجهه بعنف:
-بيقول اتجوز ياغزل، عمال يخبط بالكلام
وصل بيجاد وهو يحمل العصير
-تخيل ياحمايا عملك عصير بنفسي، اه والله
ابتسم جواد وهو يشير بعينيه على المائدة، وضع اكواب العصير
-أقولك حاجة ومتزعلش مني ياعمو صهيب، طالعه صهيب بصمت فقلبه يئن ألمًا وروحه تنزف بصمت
رسم ابتسامة وهز رأسه
-عز كسرني يابيجاد، ربت بيجاد على كتفه
-ماعاش اللي يكسرك ياعمو صهيوب، وأنا اروح فين والله لأخليه يلف في ساقية ابن صهيب دا
رفع كفيه متأسفًا
-آسف طبعا، لكن ابنك عياره فلت وعايز ينضرب علقة ونحميه يمكن ينضف
كان جواد شاردا، فبتر حديثهم
-ليه عز عمل كدا ياصهيب، ابتعد صهيب بعينيه بعيدا عنه وأردف:
-معرفش ياجواد، نهض بيجاد
-أنا هروحله بما أن النار شغالة عند أوس، والتلج عند جاسر، فأنا هاخد الوظيفة دي لازم اشوف الواد دا عمل كدا
-بلاش يابيجاد..أردف بها جواد ..تعمق بنظراته لصهيب وأردف قائلا:
بلاش.. ابعد يابيجاد عن عز دلوقتي ، أنا هعرف أربيه كويس، قوم شوف أوس هديه، ممكن يروح يولع فيه
نهض بيجاد وهو غاضبا والألم ظهر بملامحه، ورغم ذلك ابتسم إلى جواد
-متخافش على اوس، هو عاقل، مش لدرجة أنه يروحله، وانا هطلعله
-صهيب!!اتجه إليه ببصره فأردف متسائلا:
-مش هقولك إنت مخبي عليا إيه، بس هقولك ليه كنت عايز جاسر يطلق حبيبته
-حبيبته، قالها صهيب بذهول
-ايه ياصهيب هنلعب على بعض، مش عيب تلعب من ورايا، انا عارف انك مجوزتش البت للولد الا لما اتأكدت أنه بيحبها
-جنى محدش قرب منها ياجواد غير ابنك
ضيق عيناه متسائلا:
-يعني ايه!!حمحم صهيب قائلًا:
زي مااتوقعت ياجواد، تقرير المستشفى مزور، بس مش ام فيروز اللي زورته
ظل يطالعه بصمت منتظر تكملة حديثه
-جاسر هو اللي زور التقرير..صدمة أصابته حتى أطلق ضحكات صاخبة مما جعل صهيب ينظر إليه بذهول
-بتضحك، بقولك ابنك طلع البنت مغتصبة وانت بتضحك، دا عز عامل زي الحيوان وعمال يدوس على الكل علشان أخته اغتصبت بسببه، والحمار مش فاهم أنه عمل مصيبة، تعالى بقى شوف لما ابني المتخلف يعرف أن أخته كانت سليمة وهو سوء سمعتها دا ممكن يقتله
صمت جواد وعيناه مازالت مبتسمة
-بقى جاسر يعمل كدا، ارجع خصلاته للخلف قائلًا:
-وبعد دا كله عايز تطلقها منه ، يبقى قابلني، دا مش محتاج حد يساعده، يجي أوس يسمع دا كان رايح علشان يتخانق معاك علشان
ابتسم صهيب متهكما، ثم أردف:
-لا يااخويا، قوله اخوك سيطر على الكل
عند ربى وغنى
وقفت غنى خلفها تراقبها، وصلت غزل إليها
-اختك فين حبيبتي..أشارت إليها
-بتعمل تشكوليت كيك
-بتقولي بتعمل إيهء؟!..تحركت غزل إليها
-روبي..استدارت مبتسمة
-مامي، تعالي شوفي المكونات كدا تمام
وقفت مذهولة تطالعها بصمت، حاولت غنى الحديث ولكن نظرات غزل أوقفتها
-هروح أشوف اخوكم هيسافرإمتى، ثم اتجهت إلى غنى وتحدثت بمغذى:
-انتوا الأتنين خليكم هنا محدش يطلع فوق الا لما ارجع
تحركت وهي تنظر لابنتها تشاطرها ذاك الألم الذي تحاول إخفائه بأفعالها
وقفت غنى بجوارها ربتت على كتفها
-حبيبتي إنتِ كويسة، وضعت اصبعها بفمها المليئ بالشكولاته وهي تغمض عيناها
-اممم لذيذة اوي، تفتكري هتعجب جاسورة، عارفة بيحبها أوي هو وجنى
مسدت على خصلاتها وتكورت عبراتها
-روبي حبي، عيطي كسري اعملي اي حاجة، المهم ماتخبيش
قطبت جبينها متسائلة:
- ليه، انا كويسة، لو قصدك على اللي عمله عز، لا ياقلبي احنا أطلقنا وخلاص
-روبي ايه اللي بتقوليه دا
استدارت مبتلعة غصتها ورسمت ابتسامة قائلة:
-أنا وعز من زمان أوي انفصلنا، ومش اول اتنين ياغنى، للاسف غلطت في الاختيار ..قالتها واستدارت تكمل ماكانت تفعله
-بتضحكي على نفسك، أشارت إلى التورتة التي تقوم بتزينها
-بصي أنا بعمل دي علشان جاسورة، علشان وقت مايرجع من شهر العسل هروح أقعد معاه، انا قررت ابعد عن كل مايوجع قلبي، واللي يدوس عليا مرة ادوس عليه مليون مرة
-برافو دكتورة، قالها بيجاد وهو يتحرك متجها إليهما
-برافو عليكي، مش عايزك تضعفي، والضربة مش بتضعف بالعكس بتقوينا علشان ناخد بالنا
وضع كفيه بيجيب بنطاله
-كدا أنتِ ربى بنت جواد الألفي، اللي يكسرنا ندوس عليه، أنا مبقولش كدا علشان أشيلك منه، ابدا أنا عايزك تاخدي حقك منه، لأن المرة دي عز اتمادى أوي
-بيجاد ايه اللي بتقوله دا ..أشار مبتسما للكعكة التي تعدها ربى وأردف :
-بسأل الدكتورة بتعمل إيه، ليكون بتعمل حلو لضرتها
وقفت مبتسمة ثم حملت الكعكة واستدارت بها إلى بيجاد
-لازم أبو سفيان يدوق منها الأول..قهقه بيجاد وهو يحتضن كتف غنى
-شوفتي الدكتورة عندها قوة خارقة يابنتي
طيب بدل روبي عايزة تاخد حقها يبقى هنلعب انا وهي كتير
بسطت كفيها إلى بيجاد:
-ديل ياابو سفيان ..ارتفعت ضحكاته قائلًا:
-الله يرحمك ياعز كنت طيب، بس براحة عليه، انا بس هنورلك الضوء الأخضر ياروبي
تجمعت الدموع بعيناها
-أنا عايز أبرد نار قلبي بس مش أكتر، مش عايزاه يابيجاد بس عايزة يحس بالنار اللي ولعها في قلبي
قالتها مع انسياب دمعة عبر وجنتيها ..جذبها من رسغها
وازال دموعها وهو ينظر لرماديتها
-الأول خلينا متفقين انك الغلط الأكبر ياروبي، مفيش راجل يتحمل اللي إنت قولتيه، نظرت للأسفل بأسى مردفة
-كسرني، عز من يوم حادثة جنى وهو بيدوس عليا بالقوي، وكل حاجة أنا الأول كأني مش مراته
احتضنت غنى وجهها وازالت عبراتها
-روبي عز بيحبك، لكن هو مجروح حبيبتي زي مابابا قال، وماشي يجرح في الكل
وضعت كفيها على أحشائها
-متنسيش إن ابنه هنا، تحركت للأعلى تضع كفيها على فمها حتى تمنع شهقاتها
توقف بيجاد ينظر إلى أثرها بذهول
-رُبى حامل، دقق النظر بأعين غنى
-عز ميعرفش مش كدا ..تنهدت متألمة ثم أجابته:
-امتى هتقوله، واحنا لسة عارفين من كام يوم، وطبعا زي ماانت شوفت
اومأ متفهما ثم طبع قبلة على جبينها
-روحيلها، ومتسبهاش، هشوف أوس كدا
حاوطت خصره، ثم اختبأت بأحضانه:
-بيجاد روبي صعبانة عليا اوي، واللي وجعني أنها مبتعيطش، دا جاية تعمل كيك ..مسد على خصلاتها وصدره يشتعل بنيران الخزي من عز
رفع ذقنها ونظر لعيناها
-غنى بلاش كل شوية تضغطي عليها، وموضوع الحمل دا بلاش حد يعرفه حاليا، أنتِ شايفة باباكي عامل ازاي، إنما عز وحياة ربي لاربيه على اللي عمله
بالأعلى بغرفة أوس
ظل يدور كالمجنون، يجذب خصلاته بعنف
-اااااه، لو سابوني عليه، وحياة ربنا ماهرحمه الكلب
اتجهت ياسمينا إليه، ثم سحبت كفيه
-ممكن تهدى يااوس، وتعمل زي ماعمو جواد طلب منك،بلاش عصبيتك دي من فضلك
ركل المقعد بقوة، فبداخله نيران جحيمية تريد أن تلتهم المكان بالكامل
-اهدى ازاي ، ازاي أهدى والحيوان دا اتجوز على اختي وقهرها،
ظل يجول ذهابا وايايا، يجز بأسنانه على كفيه
-ماشي ياعز، والله ماهرحمك، تحرك متجها للباب، هرولت ياسمينا خلفه
-أوس من فضلك، لازم تهدى كفاية تعب عمو جواد، علشان خاطري يااوس، علشان خاطري ياحبيبي بلاش تروحله دلوقتي
بشقة جاسر قبل قليل
-ولج إلى الغرفة مهمومًا حزينا، فكأن الجميع يُعاقبه على حبه، بحث بعينيه على مؤنسته وعاشقة روحه التي اعتبرها نسمة باردة لنيران تؤجج بداخله
وجدها تغفو فوق الفراش كحورية بحر، خصلاتها التي تفترش الوسادة، وعيناها الأثرة لقلبه رغم إغلاقها إلا أنها تسلب روحه
نزل بركبته أمام الفراش، رفع خصلاتها من فوق وجهها ليظهر وجهها المستديرالذي يزينه ثغرها المرسوم كنعقود عنب، لمست انامله وجنتيها التي تشبه التفاح وقت جنيه، ظل يحرك أنامله إلى أن وصل إلى جيدها، دفن رأسه بحنايا عنقها، يسحب كم من رائحتها وكأنه يملأ رئتيه من رائحة عطرها العبقة، ذهبت ابصاره إلى منامتها التي لم يلاحظها منذ دلوفه
لاحت ابتسامة عاشقة على ثغره، وهو يراها عروسه ليلة زفافه، لا يعلم كأنه لأول مرة يرى انثى بتلك الطلة التي أشعلت نيران فتنتها صدره
اقترب من أنفاسها يداعب أنفها مغلقًا جفنيه متلذذا بقربها
❈-❈-❈
تخللت أنامله خصلاتها يرجعها للخلف، فتحت عيناها والنوم يراودها فهمست بصوت متحشرج من النوم
-حبيبي اتأخرت فنمت اسفة، وضع إبهامه على شفتيها، ثم انحنى ليحتضن تلك الشفاة التي فقدته اتزانه، ظل ينعم بشهدها محاولا إعادة روحه الذي فقدها منذ فترة ..ظل لفترة كلا منهما يعزف للأخر ليصل لترانيم عشقهما
بعد فترة كانت تتوسد صدره وهو يتخلل خصلاتها ويتذكر ماصار اليوم، حدث نفسه
-ياترى ياعز ليه عملت كدا، وانت روحك في ربى، مش معقول ياعز، مستحيل تكون بتعمل كدا علشان تأذيني
ابتسم عندما استمع لهمساتها
-جاسر نام بقى، هتفضل صاحي..مسد على خصلاتها
-شوية حبيبي هنام، نامي إنتِ ..ظل يحرك أنامله على وجهها بإبتسامته الخلابة
دقائق مرت عليه، ثم وضع رأسها بهدوء على الوسادة، ونهض متجها لمرحاضه، خرج بعد قليل متجها إلى غرفة ربى
ولج للداخل وجدها تغفو بأحضان غنى..
-غنى ، فتحت غنى عيناها تنظر حولها
-حبيبي عايز حاجة..سحب كفيها بهدوء، وأشار على ربى
-هي عاملة إيه..أرجعت خصلاتها التي انسابت على وجهها بعشوائية
-كويسة، متخافش عليها، المهم انا سألت بيجاد، قالي انك هتسافر الصبح
جلس بجوار أخته على فراشها
-اه انا عرفت ماما كمان، هنسافر الصبح، لازم اطمن على روبي، واستنى ياسين قالي احتمال يوصل على أربعة الفجر
ربتت على كتفه:
-روبي كويسة، قوم روح لمراتك، مينفعش تسبها في ليلة زي دي
هز رأسه رافضا كلماتها
-لا روحي لسفيان وأنا هبات معاها، جنى نايمة..توقف عن الحديث ثم رفع بصره إليها
-جنى بنت عمنا قبل ماتكون مراتي ياغنى، تذكر شيئا
-اه على فكرة هي ماتعرفش حاجة، فياريت محدش يقولها حاجة
جلست بجواره، ثم وضعت رأسها على كتفه
-هتبقى وحشة لما تسيب مراتك وتبات هنا ياحبيبي متنساش دي ليلة العمر حتى اعتبرها لجنى، قوم علشان خاطري بلاش تكسر بخاطرها، ممكن تفوق في أي وقت، الحاجات دي بتأثر جدا فينا ياجاسر
طبع قبلة على جبينها ثم استدار إلى غنى
-متسبهاش، وموضوع عز انا هتصرف فيه، محدش يقرب منه، بلاش بيجاد يتصرف من دماغه علشان خاطري، ارجع من السفر واعرف ليه عمل كدا ، حاليا الدنيا مولعة بينا
ابتسمت له ، ثم اقتربت تضع قبلة على وجنتيه
-احن اخ في الدنيا، ياله بقى قوم، قاطعهم طرقات على باب الغرفة، ولج أوس وهو يبحث بعينيه عن ربى
دلف بعدما وجد جاسر جالسًا بجوار غنى، ضيق عيناه متسائلا
-بتعمل ايه هنا دلوقتي ، انت ناسي إنك عريس..نهض من مكانه مردفًا
-خلي بالك من روبي، ومالكش دعوة بعز يااوس، بابا هيتصرف كفاية وجع قلب لحد دلوقتي
ابتسم أوس بسخرية
-شوف مين اللي بيتكلم، تحرك حتى جلس بجوار ربى قائلًا:
-أنا هلوم على عز إزاي وانت السبب في دا كله، مش كان الأولى انك تكون مع مراتك دلوقتي،ولا هربت ياحضرة الظابط لما لقيتها تقيلة
قبض جاسر على ثيابه ونظر إليه بنظرات جحيمية
-حاسب ياأوس على كلامك،بلاش ازعل منك، دي جنى يعني انت اكتر واحد عارف هي بالنسبالي ايه
نفضه أوس غاضبا وهز رأسه قائلًا
-ياما قولتلكم قربكم دا غلط، شوف اخرتها ايه، لا هي مرتاحة ولا انت مرتاح ، والدليل انك سبتها لوحدها في ليلة زي دي
سحب نفسا وزفره قائلًا:
-اتمنى انك متغلطش ياجاسر، وكله يكون مسكنات وقتها انا اللي هقفلك
تحرك جاسر دون حديث فيكفي ماسمعه اليوم
قابلته والدته وهي تحمل بعض الأطعمة
-حبيبي بتعمل إيه هنا
تحرك من أمامها مردفا
كنت بشوف روبي
-جاسر..قالتها غزل، فاستدار يطالعها بصمت ، اقتربت منه
-خد الأكل دا علشان مراتك حبيبي، ربتت على كتفه مبتسمة
-روبي كويسة متخافش، وعز بوق على الفاضي ، وهتلاقيها لعبة في الاخر
-عارف ومتأكد أنها لعبة، بس مجرد الفكرة مؤذية اوي ياماما
باليوم التالي وصل جاسر برفقة جنى لأحد الجزر بأستراليا ، بينما الحال بحي الألفي ظل كما هو عليه
صباحا، دلفت إلى المطبخ
-دادة منى، ممكن تعمليلي فنجان قهوة
-حاضر يادكتورة..لحظة يادادة منى
قالها بيجاد ..جذب مقعد وجلس بمقابلتها
-اعمليلي معاها، وكمان هاتيلي من الكيك بتاع الدكتورة
ابتسمت ربى هاتفة:
-شكل حضرة الكابتن رايق على الصبح
دنى يضع ذراعيه على الطاولة واردف بإبتسامة لاعوب
-الكيك تحفة ياروبي، طول الليل وانا وأوس سهرانين عليه، والصبح اكلت جاسورتك منه
قهقهت عليه بصوتها الناعم
-إنت مشكلة وحياة ربنا، ودماغك دي سم
أطلق ضحكات مرتفعة:
-يعجبني فيكي تفهميها وهي طايرة ياروبي
دنى وغمز بعينيه:
-جاهزة للمواجهة، سبتك وقت طويل أهو
أطبقت على جفنيها تهز رأسها رافضة حديثه:
-مش هقدر، صدقني مش هقدر، أوس قالي لازم اروح واولع فيه وفي البيت، آسفة
قالتها وتحركت:
-اهربي ، ياروبي، اتجه بنظره للكعكة التي توضع على طاولة الطعام
-من رأيي تروحي تباركي للعريس، نعرفه أنه ولا على بالنا
ظلت لعدة لحظات جامدة بوقوفها، ثم استدارت
-تمام هجهز وانزل، ماهو لازم اجهز بردو..وصلت إلى غرفتها ودلفت للداخل، وانسابت عبراتها
-هتقدري ياروبي، هتقدري توقفي قدام حبيبك وتباركي كمان، شهقة خرجت منها وهي تحبس أنفاسها داخل صدرها، وضعت كفيها على صدرها
-إنتِ مش ضعيفة ياروبي، لازم يندم، لازم يعرف ازاي فرط فيكي، انزلت كفيها تضعها على أحشائها
-لازم نسترد كرامتنا من بابا حبيبي، وانت أول مسمار ادوقه في قلبه
اتجهت إلى خزانتها وأخرجت اجمل ثيابها، ثم وضعت لمساتها التجميلية وتحركت للخارج
وقف بالحديقة ينظر إلى لهو طفله و ضحكاته المرتفعة مع والدته ..اتجه إليهما وهو يرتشف من قهوته، توقف خلف زوجته وهي تتراجع وتصفق بيديها لكي يركل الكرة..ارتطدمت بصدره
حاوط جسدها ثم انحنى يهمس بجوار أذنها
-عايز ألعب معاكم ياغنايا، ايه رأيك انا اقف جون وانت تشوطي الكرة
استدارت بعيناها المبتسمة
-أكيد بتهزر يازوجي الحلو، كرة ايه اللي اشوطها دي
رفعها من خصرها يضحك بصوته عليها
-هعلمك ياغنايا..استمع إلى خطوات ربى خلفهم
أطلق صفيرا
-ااااوه روبي جواد الألفي عروس البحر
تحرك غامزا لغنى
-تيجي معانا ياغنون، توقفت أمامه:
-رايح فين يابيجاد إنت وربى ..بسط كفيه إلى ربى
واستدار إلى زوجته:
-رايح افرس العريس، وانقطه...هرولت خلفه
-بيجاد متبقاش مجنون..سحب كف ربى وتحرك قائلًا:
-خدي بالك من سفيان ياغنايا ..تابعت الطريق بجوار بيجاد بخطوات واهنة وساقين هلامتين
-تفتكر هقدر، أنا مش عايزة أضعف قدامه ...توقف أمامها
-تبقي هبلة وعبيطة، لازم راسك تبقى مرفوعة، هو مش واخد عليكي ذلة، قابلهم أوس
-روبي رايحين فين
همس بيجاد لنفسه
-اهو الحلوف دا هيبوظ الدنيا، أشار على ربى قائلًا:
-بطني وجعاني وربى جاية معايا علشان اكشف
نعم يااخويا، بطنك وجعاك ..جذب ربى من كفيها وتحرك متجها إلى سيارته
توقفت فجأة غير قادرة على السير من شدة آلامها ..هزت رأسها وتحدثت:
-بيجاد أنا هرجع، مش هقدر
كانت نظراته على أوس الذي دلف للداخل، ثم تراجع متجهًا إلى منزل صهيب
-ياله يابت ياهبلة، والله اناديلك الحلوف اللي دخل يضربه علقة كلب
ابتسمت رغما عنها وتحركت بجواره، لمح عز يقف بالشرفة، فحاوط خصرها هامسا لها
-عايزك ملكة ياروبي وتعملي زي ماتفقتا، واياكي أوس يعرف حاجة، لولا عمو جواد صدقيني كنا زمانا دفنا عز
عايزك ملكة ياروبي وتعملي زي ماتفقتا، واياكي أوس يعرف حاجة، لولا عمو جواد صدقيني كنا زمانا دفنا عز
قبل قليل
بغرفة عز وقف بشرفته وهو يحرق تبغه الذي اشعل صدره، اقتربت منه فريدة
-عز..استدارمضيقا عيناه
-نعم، تحركت إلى أن توقفت بجواره، رفعت كفيها تحتضن كفيه
-مش ملاحظ من امبارح وانت مبتعملش حاجة غير إنك تدخن بس
نفض ذراعيها وهتف مزمجرا:
-اياكي تلمسيني تاني، اتجننتي، متنسيش نفسك يابت
ظلت تطالعه بصمت للحظات ثم اردفت:
- انت ناسي إنك جوزي.ضغط على ذراعها بقوة وأردف من بين أسنانه:
- شكلك اتجننتي ، جوز مين يابت، احنا متفقين قدامهم بس، ولو بتتكلمي على العقد دا مجرد ورقة علشان قعدتي معاكي تبقى شرعا
رفعت نظرها إليه
-بس أنا موافقة على أي حاجة المهم أكون مراتك حق وحقيقي
أطلق ضحكات مرتفعة لا تتناسب مع آلامه فتحدث من بين ضحكاته:
-لا دا أنتِ اتجننتي صح، دنى يطالعها بنظرات اختراقية، ثم أشار بسبباته
-اوعي تفكري وتجنني اني ممكن اتجوز على مراتي، تبقي هبلة وعايزة موتك
عقدت ذراعيها أمام صدرها وأردفت:
-على أساس انك متجوزتنيش عليها
دفعها بقوة وصاح بغضب
-بت متصدقيش نفسك، انت هنا لأيام مش اكتر، متفكريش علشان كتبت عليكي يبقى اتجوزت، لا دا انا بقرص واحد بس اما لو على مراتي مستحيل اشوف دمعة من عيناها، وزي ما قولتلك انت هنا علشان احرق قلب واحد بس..قالها وتحرك يقف بالشرفة، ذهبت ابصاره إلى بيجاد الذي يحاوط خصر رُبى مستندًا على سيارته لبعض الوقت، ثم تحرك متجهين إلى منزله
استدار متحركًا، توقفت فريدة أمامه
❈-❈-❈
-ممكن اعرف رايح فين، وانا هفضل هنا في الاوضة دي طول الوقت
دفعها وهو يشير بسبباته
-فريدة احنا متفقين، فيد واستفيد، بلاش تخرجي جناني، أنتِ هنا كومبارس وبس، حدود متخرجش من باب الأوضة دي، وإياكي ثم إياكي تتخطي حدودك
قالها وتحرك هابطًا للأسفل ..ولجت ربى بجوار بيجاد، قابلتهما نهى ..
-ربى، ثم رفعت نظرها إلى بيجاد
-خير فيه حاجة، وصلت العاملة
-الكيك يادكتورة..أشارت ربى إلى نهى
-جبت حاجة حلوة ياطنط نهى، عارفة عندكم مناسبة، محبتش ادخل بإيدي فاضية
ضيقت نهى عيناها
-جايبة كيك ياروبي، تناولت الكيك من العاملة وابتسمت ابتسامة مرتعشة تنظر إلى نهى بعينيها اللامعة بطبقة كرستالية من الدموع
-ايه مش ابن عمي اتجوز امبارح، انا عملت لجاسر وقولت لازم اجيب حاجة حلوة علشان الباشمندس يحلي
دنت نهى منها ونظراتها تحاوطها ، تناولت منها الكيك ثم وضعته على المنضدة، واقتربت تحتضن وجهها
-لدرجة دي مش فارق معاكي يابنت جواد، بدل ماتحاولي تحافظي على بيتك جاية تدوسي اكتر واكتر
تراجعت للخلف وضغطت على شفتيها حتى لا تنساب عبراتها
-بيتي عند ابويا ياطنط، وانا جاية ابارك للباشمهندس علشان يعرف أننا خلاص مبقاش بينا حاجة
جلست بجوار بيجاد الذي رفع ذراعيه على المقعد وهو يرى نزول عز كالمطاردة ..أكملت ربى حديثها
-يبقى دوقي الباشمندس منها وعروسته كمان،
-لا والله ، وياترى مين اللي قرر الهبل دا
قالها عز الذي وصل
أطبقت على جفنيه مانعة عبرة تجمعت بعينيها، مجرد صوته يجعل نبضها يرتفع، ضغطت على ردائها وسحبت نفسًا، ثم رفعت نظرها إلى بيجاد الذي أومئ برأسه، استدارت بهدوء
-صباح الخير ياعريس، جيت أصبح عليك..انحنت تحمل الصحن الذي يوضع به قطع الكيك ثم دنت منه وتوقفت أمامه مباشرة، قربت منه الكيك
-جبتلك دا علشان ابارك لك واقولك دي حلاوة طلاقنا وجوازك، ودلوقتي ترمي عليا يمين الطلاق، وياريت بالتلاتة ياحبيبي، علشان مترجعش تاني تعملي ابو جلمبو وتقولي إنك جوزي
أطاح بقوة الصحن الذي تحمله، ثم جذبها بقوة يضغط على خصرها، ونظر إلى عيناها مزمجرا
-كلمة كمان وهتشوفي وش عمرك ماشوفتيه، وكويس إنك جيت برجليكي لعندي، امسك فكيها ودنى يهمس بجوار شفتيها
-هموتك ياروبي بحبي لو استفزتيني، المرة اللي فاتت سبتك علشان متقوليش مغتصب، لكن هتتمادي هعرفك المغتصب دا ممكن يعمل ايه، قربها اليه بقوة حتى اختلطت أنفاسهما يضغط بقوة أكثر من الاول
-لو مفكرة علشان رميت الطلاق عليكي يبقى خلاص اللي بينا انتهى، دا حتى لو طلقتك مليون مرة هتفضلي قدري وانا قدرك، فاتلمي يامراتي الجميلة علشان متشفيش المغتصب اللي بتقولي عليه مش راجل،
دنى بيجاد يجذبها منها، ثم حاوطها بذراعه
-ربى حبيبتي ياله نمشي، صبحتي على عريس الغفلة كفاية كدا، اقترب من عز
-المفروض تتطلع صدقة علشان هي اتناولت وجت تباركلك، مش هتتكرر انك تشوف الجمال دا كله
لكمه عز بعدما ذهب ببصره بفستانها وهيئتها، لقد تأكل صدره بنيران الغيرة
-اياك تلمسها وتقرب منه ياحيوان دي مراتي واللي يقرب منها هدفنه
اختبأت ربى خلف بيجاد عندما وجدت تحول عز كالشيطان، جن جنونه وهو يراها تتحامى بظهر بيجاد
دفع بيجاد وتحولت نظراته لنيران تحرق الأخضر واليابس
وجذبها يحتضنها بقوة ثم
احتضن شفتيها بغضب نيران الغيرة ، أمام بيجاد ووالدته المذهولة، دفعته بقوة، ولكنه كان المسيطر الأقوى، تركها وهو مازال يحاوطها هامسا لها بجوار أذنيها
-طعم الشيكولاته حلو اوي ياحبيبتي بس ياترى حبيبتي عارفة إني مبحبش الشكولاتة علشان كدا عملتها وهي عارفة ومتأكدة مش هقرب منها
دفعته بقوة وصرخت به
-إنت واحد حقير ياعز وانا بكرهك، ويوم ماتقرب مني تاني بطريقتك الحقيرة دي هموتك، أنا مستحيل ارجع لندل ذيك
اقتربت تنظر لمقلتيه ولكمته بصدره
-إنت ماضي وانتهى، أنا جيت النهاردة علشان اقولك مبقتش تفرق معايا، وزي ماانت خونت الوعد يابن عمي، اوعدك أن ربى جواد الألفي لتحرق قلبك زي ماحرقت قلبي
رفعت نفسها وحاوطت عنقه هامسة بجوار أذنه حتى تلامست شفتيها بإذنه
-هخلعك يابن عمي، ومش بس كدا هتجوز أي راجل يتقدملي ، ومش بس كدا ياحبيبي هحرق كل ماله علاقة بيك، وهعيش حياتي مع راجل حق وحقيقي، راجل يعرف معنى الرجولة، مش من أول مشكلة يدوس عليا
أشعلت كلماتها جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه، فتحولت عيناه لنيران جحيمية واقترب منها بملامح مرتعبة
-بتقولي ايه يابت، جذبها بقوة متحركا لغرفتهما
صفعة قوية من بيجاد، ثم دفعه بقوة بعيدا عنها
-أنا واقف محترم والدتك من الأول، بس هتقل بتربيتك هفعصك يابغل،
استدار إلى بيجاد وبداخله نيران تحرق أوردته فكلماتها أشعلت نيران بصدره يريد أن يحرقها بالكامل فصاح بغضب
-إنت مين اصلا، وبصفتك ايه توقف بيني وبين مراتي، وبتعمل ايه، دفعه عز بنيران مشتعلة تخرج من مقلتيه
-اطلع برة مش مرحب بيك هنا
❈-❈-❈
عززز..صرخ بها صهيب الذي وصل على أصواتهم المرتفعة، توقف بينهما ينظر بريبة إلى ربى التي تقف تعقد ذراعها وبيجاد الذي ملامحه تنم عن مدى غضبه ..فيه ايه مالكم؟!
تسائل بها صهيب
أخرج بيجاد بعض الوريقات من فئة المائتا جنيها ووضعهما بجيب عز يربت على كتفه بعنف قائلا:
مبروك ياعريس الغفلة، ثم استدار إلى صهيب قائلا:
-ايه بلاش ابارك لعديلي ياعمو صهيب ولا إيه، لازم أوجب معاه، مش دي الأصول، ثم جذب عز من كتفه يضغط عليه
-ماتقول لأبوك ياباشمهندس أننا جاين نبارك لك وكمان نفرحكم بخبر حلو، قالها وهو ينظر إلى ربى بمغذى
-ايه ياأم عتريس مش ناوي تفرحي العريس
هرولت إلى بيجاد وهزت رأسها
-بيجاد لو سمحت، تلألأت العبرات بعيناها وهتفت غاضبة
-متزعلنيش منك بجد، اتجهت إلى عز وانسابت عبراتها رغما عنها وهتفت بصوت متقطع
-مبروك يابن عمي بجد، والحمد لله نصيبنا انتهى كدا، ياريت ياعز تبعت ورقة طلاقي للابد، ثم استدارت إلى عمها
-من حقي أعيش ياعمو، ابنك موتني بالحيا، هو اختار وانا من حقي اختار حياتي
دفع كل ما يقابله ووصل إليها يجذبها بغضب
-تختاري ايه ياحيوانة دا انا ادفنك مكانك..حاول بيجاد الفصل بينهما ولكنه تحول لوحش وهو يجرها خلفه
صرخ صهيب عليه ولكنه لم يستمع لأحد، قام بحملها
-والله لادبك ياروبي،وهعرفك ازاي تبجحي في جوزك، تحرك للخارج ..وقف بيجاد أمامه
-بتعمل ايه ياحيوان، سيب مراتك، صاح عز مزمجرا
-ابعد عني علشان منخسرش بعض، دي مراتي محدش له دخل بينا
أطبق صهيب على جفنيه متألمًا، يشير إلى نهى
-وقفي ابنك المتخلف دا، هزت رأسها متنهدة
-أنا شايفة أن ربى ذودتها اوي ياصهيب، ماتخليك عادل بقى، انت مش شايف عمايلها وكلامها، هو فيه ايه البت فلتت اوي، وبعدين بيجاد مالوش يدخل بينهم ..قالتها وتحركت
فتح عز باب السيارة ، لكزته ربى تصرخ به، وصل أوس
-عزززز، صرخ بها بصوت كالرعد، وصل إليهما، ثم لكمه بوجه حتى تراجع بعدما جذب أخته
أشار بسبباته وصاح مزمجرا:
-احمد ربنا اني وعدت ابويا مش اقرب منك، ابعد عن اختي ياحلوف ولو انت ابن صهيب الألفي خليك راجل وابعتلها ورقة طلاقها
جحظت عيناه ينظر الى أوس متألمًا
-إنت عايزني أطلق مراتي ياأوس..قهقه أوس وهو يجذبه من ياقته
-ليه هو مش الحلوف مش قالها قبل كدا
دفعه بغضب يكفي كلمات الإهانة التي احرقت صدره، مما جعله غير قادر على التنفس وصاح مزمجرا
-كلكم شايفين عز حقير..دنى ينظر إلى مقلتيه
-مسألتش اختك عملت ايه، جذبها من ذراعيها ودفعها على أخيها
-ماتقولي لأخوكي اللي عاملي راجل حامي اوي، قوليله قولتي ايه..دنى وعيناه تغرز بمقلتيه قائلًا
-اختك بتقولي لو راجل طلقني، طلقني يامغتصب علشان عايز حقي منها قالتلي انت مغتصب، أشار عليها وتكورت عبراته بعينيه:
-البنت اللي بموت كل ماتبعد عني يوم وقفت قدامي وقالت لي أنا مش شيفاك راجل اصلا، وبكرة الاقي اللي يعرف يقدرني ويبقى راجل، البنت اللي بعشقها واقفة تقولي هعيش حياتي مع راجل صح إنما أنت أشباه الرجال..لكم أوس الذي وقف مذهولا من حديثه وهتف
-دا كله ليه علشان عايز اختي متبقاش مذلولة تحت ايد حد ..صرخ وهو يدور حولهم
-محدش يجي يقنعني أن جاسر بيحب جنى، مش دي جنى اللي كانت قدامه وكلكم حاولتوا تقنعوه بيها هو قال ايه ، دي اختي
ضرب على صدره وصرخ وانسابت عبراته
-بس دي بنتي، نظر إلى والده بعتاب
-كان فين جاسر واختي بتموت ببعده وهي شيفاه في حضن واحدة تانية ، كان فين وانا بلف بيها من دكتور نفسي لدكتور، كان فين الحب دا وهو واقف يضحك ويقول مراتي حامل
لكم أوس مرة أخرى وانسابت عبراته بقوة أكبر
-قولي إنت ياحكيم العيلة ، اخوك كان فين واختي منهارة بسببه، اقولك انا كان بيفسح مراته اللي بيقول عليها دلوقتي عيشت معاها ايام جحيمية
اقترب اكثر يهمس لأوس
-أقولك بقى اخوك اتجوز جنى ليه علشان مراته الجميلة معدتش تنفع تجيب ولاد، واه اتجوز واحدة مغتصبة وبتموت فيا متقدرش تقولي كلمة، وبنت عمي هترضى بكل حاجة كفاية عليها اني اتجوزتها، هو فيه حد كان هيرضى بيها
صاعقة نزلت على الجميع حتى شهقت نهى تهز رأسها رافضة حديث ابنها
-باااس ياعز ، ليه يابني ليه تقول كدا
ابتسم متهكما، ثم أردف
-ايه مصدومة، دي الحقيقة اللي حضراتكم بتحاولوا تخبوها
وقفت ربى تهز رأسها بعنف
-إنت واحد كداب وحقير، اخويا مستحيل يعمل كدا، هو بيحبها، لا هو مش حقير، رفعت نظرها إلى أوس الذي نزل بنظره للأسفل
-متصدقوش ياأوس، مستحيل جاسر يكون بالحقارة دي، لا هو تربية جواد الالفي، اتجهت إلى عز وظلت تلكمه وتصرخ بهستريا
-إنت كذاب، جاسر مستحيل يعمل كدا، ظلت تدور كالمجنونة ذهب بصرها إلى بيجاد
-إنت ممكن تصدق جاسر يعمل كدا يابيجاد، أنه يتجوز جنى علشان كدا ، لا هو بيحبها انا شوفت دا
-اهدي ياربى لو سمحتي متنسيش انك حام..لم يكمل كلمته عندما استمع إلى حديث فيروز بهاتف عز
-طلعتني شيطانة وانا عايزة اذي اختك، طب اسمعني بقى ومستعدة اكدلك كلامي
-جاسر اتجوز جنى علشان الولاد، بعد ماعرف أننا مش هيبقى عندنا ولاد، قالي هتجوز جنى وارجعك بعد ماجنى تحمل، ماهو مش معقول من يوم وليلة جاسر ينسى حبنا، وارجع بذكرياتك ياباشمهندس شوف جاسر عمل ايه علشان نتجوز
نهضت وابتسمت بنصر قائلة:
-أنا مش عدوتكم انا ست وغيرت على جوزي في الاول، بس بعد ماكنت عندكم هو جابني واتفق معايا هيرجعني لعصمته مش مصدق اتفضل مش دا جوازنا ..بص كويس على ما اعتقد انك عارف خط ابن عمك
انحنت تنظر لمقلتيه
-جاسر قبل الفرح بساعات رجعني لعصمته، يعني انا دلوقتي مراته، وقالي سر بينا بس حضرتك مش سايبني في حالي وكل شوية تنطلي هنا وعايز تاخد حق اختك
ليه مفكرتش أن جاسر هو اللي عمل في جنى كدا علشان تكون سهلة في الوصول، ايه معرفتش أن اللي هجم عليها عدو جاسر في شغله اصلا، ايه اللي خلاه يتصل بيها في الوقت دا تحديدا
هزت ربى رأسها رافضة حديثه، وزعت نظراتها للجميع، صهيب الذي هوى جالسًا غير مستوعب مااستمع إليه، نهى التي تهز رأسها كالمجنونة، أوس الذي توقف كأن على رأسه الطير أما بيجاد الذي تحدث
-كذب، جاسر ميعملش كدا، ولو الجواز حقيقي يبقى اكيد وراه مبرر، المفروض نستنى لما يرجع ..اومأ أوس برأسه
-أيوة مستحيل جاسر يعمل كدا، هو بيحب جنى، هو قالي كدا،وهو عمره ماكان كذاب ولا مخادع
قهقه عز على غير الموقف واردف وعيناه مازالت تنزرف عبراتها
-ليه مش هو قال بيحبها يعني خدعنا بجوازه بفيروز، طيب لو محبش جنى يبقى خدعنا بجوازه
امسكه أوس من تلابيبه مزمجرا
-إنت مصدق كلامك دا يلا، دا انت اقرب واحد له
ازال دموعه بعنف وهو يهز رأسه قائلًا:
-مصدقتش والله ياأوس، بس خليك مكاني، شوف انت عملت ايه علشان بس قولت اتجوزت على اختك طيب لو لعبت بمشاعرها هتعمل ايه
وصلت فريدة
-زيزو حبيبي، اتأخرت قولت هتنزل تجيب فطار واتأخرت، استدار الجميع ينظر لتلك التي تقف برداء شفاف للنوم، ذهب أوس بنظراته الى أخته التي أمسكت احشائها تصرخ
-آآآه، صرخت بها ربى وهي تجثو على الأرضية وبكت بنشيج
-ابني..هرول بيجاد الذي يعلم بالطفل وهتف بأوس
-أوس شلها بسرعة اختك حامل، صاعقة نزلت على رؤوس الجميع عندما هتفت نهى وهي تنظر إلى أثر الدماء التي تساقطت من بين أقدامها
-حامل!! البنت بتنزف
❈-❈-❈
عند جاسر وجنى
فتحت عيناها بتمهل مع ابتسامتها التي أرسلت لقلبه عزفا من نوعًا خاص، بعد ليلة عاشقة بينهما
-صباح الخير حبيبي..وضع رأسه بجوار رأسها يمسد على خصلاتها
-صباح الحب على أجمل بنوتة شفتها عينيا
لمعت عيناها بإبتسامة، وعيناها تراقب رماديته
-بنوتة، بعد دا كله بنوتة..اعتدل ثم رفعها لأحضانه
-أيوة بنوتي أنا، هو إنتِ مفكرة نفسك مراتي بس، ابدا حبيبي
أرجع خصلاتها خلف أذنها ودنى يطبع قبلة على وجنتيها
-كدا اختي، ثم طبع قبلة على جبينها
-ودي امي، نظر لعيناها للحظات ثم دنى على كرزيتها يتذوق شهدها
-ودي حبيبتي وروحي وحياتي ومراتي
دفنت نفسها بأحضانه:
-وانت كل حاجة حلوة ياجاسر، ربنا يباركلي فيك ياحبيبي ..رفع ذقنها وتعمق بالنظر لعيناها
-أنا النهاردة بس حسيت اني ملكت الدنيا ومافيها، شكرا ياجنى، شكرا على ثقتك فيا، وشكرا على حبك
وضع جبينه فوق جبينها
-شكرا حبيبي على كل لحظة عيشتها معاكي في سعادة
كانت تنظر إليه فقط، صمت دام بينهما لم يخلو من نظراتهما العاشقة
تلألأت عيناها بالعبرات
-جاسر أنا بحبك أوي، وعلشان السعادة اللي شيفاها بعيونك دي مستعدة اعمل اي حاجة
رفع كفيها ولثمه ثم هتف
-جنجون مش عايز غير إنك تفضلي في حضني وبس
جلس وحاوطها بأحضانه
-ياله عايز ألففك استراليا كلها، تراجعت بجسدها عليه
-تلفنني دولة كلها ياجاسورة احتضن كفيها ثم رفعهما ولثمهما
-اه هو إنتِ اي حد، انت روحي ياجنجون ..استدارت تنظر لرماديته
-طب لو قولتلك مش عايزة غير حضنك بس هتصدقني
بتر كلماتها بجوفه، ثم وضع جبينه فوق خاصتها
-مش حضني بس حبيبي، أنا كلي ملكك لوحدك، لامس وجنتيها بانامله يحتضن بنياتها هامسا بحب
-من النهاردة مفيش حاجة تقدر تبعد جنجونة روحي عني، دلوقتي أقدر اقولها بثقة وقوة أن جنى عشقي أنا تقدري تقولي عشق الجاسر ، غمز بعينيه قائلا ولا جنة الجاسر، حلوة جنة الجاسر دي
دنت منه وطبعت قبلة على خاصته قائلة:
-لا ملهمي عايزة تبقى مهلكة الجاسر؛ علشان اعرف أن قلبك اهلكته بعشقي لوحدي
داعب أنفها بإنفه:
-كتيرعلى قلب مهلكك حبيبي، لاحظي انك بتضعفيني، ابتسمت وهي تحاوط وجنتيه
-أنا أسعد واحدة في الدنيا دي كلها حبيبي مش عايزة حاجة تانية ..حملها متجها بها للمرحاض
-لا حبيبي السعادة دي عايزة التوثيق الجد، ودا مش هيحصل غير مع أول شاور لينا مع بعض..دفنت رأسها بصدره
-لا ياجاسر علشان خاطري مش هقدر.. انزلها بهدوء يحاوطها بذراعه
-مش معقول بعد دا كله لسة بتتكسفي مني ياجنى، خلاص أنا قررت ومستحيل أتراجع، انسي حبي
بعد فترة كانا يتجولان ببعض الأماكن المشهورة، وهم يرتديان ثيابهما الثقيلة بسبب الجو، ذهب بها لجولة بالتزلج على الثلوج، عدت الأيام بينهما بالعشق الذي يتزايد يوما عن الآخر،
ذات مساءا
فتحت عيناها بعدما شعرت ببرودة الفراش، نظرت تبحث عنه، همست بإسمه
-جاسر..ولكن لم يوجد رد، بحثت عن ثيابها ، وجدت قميصه يوضع على طرف الفراش، جذبته وعلى شفتيها ابتسامة جذابة
-ابن عمي خلاص جنني وعلمني الانحراف، ماشي ياجاسر، هشوف مين هيعلم التاني، بتقولي جاهلة في الحب..صمتت للحظة وذهبت بذاكرتها لزاوجه، تجمعت العبرات بعينيها
-ياترى كنت معاها كدا ياجاسر، وضعت كفيها على صدرها ونيران الغيرة تشعل صدرها
-اعمل ايه علشان مفكرش في الموضوع دا، أطبقت على جفنيها عندما شعرت بنزيف روحها
-بحبه أوي لكن فكرة أنه كان ملك لواحدة تانية بتموتني، يارب ساعدني علشان سعادتنا..نزلت بساقيها وخطت للخارج تبحث عنه، استمعت إلى صوت بالمطبخ، تحركت اليه، وجدته يقف يعد الطعام ويستمع إلى موسيقى هادئة، اقتربت بهدوء تحاوطه من الخلف
-حبيبي بيعمل ايه؟!
استدار إليها يضمها لأحضانه
-حبيبي الكسلان، ايه النوم دا كله، لامس وجنتيها وابتسم
-حبيبي نايم اكتر من ست ساعات ووحشني اوي ولازم يتعاقب، رفعت ذراعيها وحاوطت عنقه ثم طبعت قبلة بجانب شفتيه
-كدا كويس، قهقه عليها، ثم حملها ووضعها على رخامة المطبخ
-طفل انا ياعشقي، علشان تضحكي على جوزك مش كدا ..ابتسمت تنظر إلى ما يفعله بتعمل ايه
-امسك السكين بيديه وأشار على الخضروات
-بعمل عشا، خلصت بس باقي السلطة
ضربت كفيها ببعضهما
-حضرة الظبوطة بتاعي واقف بالمريول يجهز أكل، فينك ياعمو جواد..رفع نظره إليها وهو يضحك
-لا الظبوطة باع كله لجنجونة قلبه، توقف عن الحديث عندما ذهب ببصره لقميصه وساقينها العارية، دنى منها وحاوطها بذراعيه
-انتِ اد الحركة دي، ضيقت عيناها متسائلة:
مش فاهمة، امسك زر القميص وقام بفتحه قائلًا بهدوء
-عايز قميصي وحالا، قالها وهو يفتح زره بالكامل، صرخت به تحاول لملمته عليه
-جاسر والله هعيط، حاضر هدهولك بس اصبر، هز رأسه رافضا
-لا عجبني دلوقتي وعايزه هنا على الرخامة دي
وضعت رأسها بعنقه وانسابت عبراتها
-هزعل منك بجد والله هعيط وهزعل اوي
أطلق ضحكات مرتفعة وهو يضمها
-بس ياهبلة، هو أنا واخدك غصب غبية
ظلت كما هي، فأردف
-والله مااسكتي لأخلعهولك
قفزت من فوق الرخامة وهرولت للداخل وهي تسبه
-ماشي ياجاسر يامنحرف
تحرك خلفها
-ماشي ياجنجون هعرفك المنحرف دا هيعمل ايه
بعد قليل كانوا يتناولون العشاء، رفع ذقنها وهو يضحك
-لسة زعلانة ياجنونة
دفعت ذراعيه
-والله زعلانة، وابعد بقى، ومعنتش هلبس قمصانك يارب ترتاح، قالتها وهي تنهض متجهة للداخل
فجأة وجدت نفسها بين ذراعيه متجها بها للبحر، هزت ساقيها صارخة
-جاسر ابعد بقولك اهو، دلف البحر وهو يحملها
-لازم نعوم شوية، المية دافية دلوقتي
-لا ياجاسر هبرد بلاش وحياتي..ألقاها بالمياه وهو يجذبها لتتحرك معه لداخل البحر
بعد فترة
خرج من البحر وهو يحملها، ثم جذب المأزر وساعدها بإرتدائه، لكمته بصدره
-والله إنت مجنون، حد يعوم الساعة ٥الفجر يامجنون
جذب رأسها لأحضانه
-لازم أكون مجنون ياجنجون، طيب مهلكتي مسيطرة على عقلي قبل قلبي، فهكون ازاي من غير عقل
ضيقت عيناها
-معرفش شامة ريحة مش كويسة يابن عمي..فجأة وجدت نفسها بالهواء
-اهو علشان ابن عمي دي غيرت رأيي، ولازم ارجعك لسمك القرش
هزت ساقيها تصرخ
-خلاص، خلاص والله ماهقولها تاني، اتجه للبحر وهو يقهقه عليها
-ابدا ..لازم أعلمك الأدب ونلعب مع الأخطبوط وسمك القرش ياروحي
هزت رأسها بإعياء تمسك احشائها
-جاسر انا تعبت ودايخة، وعايزة ارجع
شحب وجهه عندما وجدها تسرع وتقوم بإفراغ مافي معدتها
وقف خلفها يحاوطها بذراعه
-حبيبتي مالك، ارجع خصلاتها للخلف يرفع ذقنها
-جنى حاسة بإيه..وضعت رأسها ب صدره
-عايزة انام بس، بطني وجعتني ممكن أكون اخدت برد
حملها متجها إلى الداخل، ساعدها على التخلص من ثيابها، وارتداء الأخرى بعد استحمامها
ضمها إلى صدره واتجه إلى الفراش دثرها بالغطاء يمسد على خصلاتها
-حبيبتي حاسة بإيه، رفرفت أهدابها مبتسمة
-كويسة قوم البس حاجة بدل ماتاخد برد..انحنى يهمس لها
-خايفة عليا حبيبي ولا خايفة تضعفي قدامي
❈-❈-❈
أغمضت عيناها مبتسمة
-جاسر ابعد بقى، اعمل فيك ايه بس
لمس وجنتيها قائلًا:
-خديني في حضنك حبيبي هتخفي
تراجعت وأشارت له
-تعالى، بجد مش محتاجة غير حضنك بس..نهض من مكانه قائلا
-دقيقة هاخد شاور من مية البحر
بعد اسبوعين عاد جاسر وجنى من شهر عسلهما
استيقظت ذات صباحًا على ألمًا يفتك بجسدها، تحركت متجهة للمرحاض وقامت بإخراج مافي معدتها
جلست بإرهاق على الأرضية
-لا الموضوع ذاد اوي، توقفت تنظر لملامح وجهها بذهول عندما رأت نفسها بالمرآة
رفعت كفيها لوجهها تلمس شحوبه، ثم انسابت عبراتها بفرحة عندما تذكرت شيئًا
وضعت كفيها على أحشائها
-معقول، معقول أكون حامل، نهضت بهدوء ورفعت هاتفها وهاتفت إحدى الصيدليات وجلبت اختبار حمل
أقل من دقيقة وهي تقف تنظر لذاك الذي يوضع أمامها ونبضات قلبها تنبض بعنف
انسابت عبراتها بغزارة على وجنتيها عندما وجدت شرطتين باللون الأحمر
وضعت كفيها على فمها وابتسامة أنارت وجهها، اتجهت إلى هاتفها لتهاتف والدتها، ولكنها توقفت
-لا مفيش حد يعرف قبله، وقفت أمام المرآة تضع كفيها على احشائها
-ماأجمل كرمك ياربي، اتجوزت من حبيبي ودلوقتي جوايا حتة منه، جلست تمسد على بطنها وابتسامة من بين عبراتها
-مش مصدقة أنه يرجع دلوقتي، آآه ياجاسر عايزة اشوفك هتعمل ايه لما تعرف
صمتت للحظات ثم هزت رأسها
-لا مش هقوله هنا، يعرف عند عمو جواد، في البيت اللي جمعنا كلنا
دلف جاسر ينظر إليها بابتسامته
-ايه حبيبتي قاعدة كدا ليه
نهضت متجهة إلى المرآة
-لا هجهز أهو، مش قولت هنروح حي الألفي ونعملهم مفاجأة برجعونا
جذبها لأحضانه:
-ماهو علشان كدا رجعت بدري اهو، ياله اجهزي لازم نروح حي الألفي كلهم وحشوني، غنى اتصلت كتير بس ماردتش اكلمها عايز اعمل مفاجأة للكل ، وكمان بابا وحشني أوي، عايزه يشوف ويعرف أد ايه احنا مبسوطين مع بعض
طبعت قبلة على وجنتيه
-بحبك أوي اوي، وحبك كل يوم بيكبر ياجاسر، لدرجة بقيت اتنفس حبك
ضمها لصدره متنهدًا بعشقها
-وأنا ياجنى، مش متخيل حياتي بعيد عنك، رفع ذقنها ونظر لبنيتها
-بعشق حبك يابنت عمي
ابتسمت بخفوت وهزت رأسها
-بنت عمك، رجعت تقول بنت عمك
حملها ودار بها واضعا جبينه فوق جبينها
-علشان بنت عمي أغلى من روحي، لو طلبت روحي مش هتأخر ..احتضنت وجنتيه قائلة:
-تعمل إيه لو كنت حامل..انزلها بهدوء وعيناه تحتضن عيناها، ثم وضع كفيه على أحشائها
-هتكون أجمل هدية بعدك ياجنجون، لو ربنا أراد هتكون أجمل فرحة لينا حبيبي
لو حملت في ولد هتسميه ايه
طبع قبلة خاطفة على شفتيها قائلا:
-عايزة توصلي لأيه
انتظرت حديثه بقلبا منتفض
قول ياجاسر لو حملت في ولد هتسميه ايه
مسح على خصلاته قائلًا:
-يجي بس ياجنى وقتها يبقى نتكلم ..أمسكت كفيه واحتضنته وتلألأت عبراتها بطبقة كرستالية
-مستنية حبيبي، قول ..وضع كفيه على وجنتيها وانحنى يهمس لها
-هسميه كنان..رجفة أصابت جسدها وانسابت عبراتها فهمست بشفتين مرتجفتين
-يااااه، لسة فاكر، مع انك قولت لفيروز هتسمي الولد ذياد
اغمض عيناه وهو يضع جبينه فوق خاصتها
-جنى كل حاجة خاصة بيكي في قلبي، ماليش دعوة فيروز كانت عايزة ايه، مش كنتي دايما بتقولي لو جبتي ولد هتسميه كنان
لمست وجنتيه وابتسمت
-طيب فاكر البنت..قهقه عليها وهو يحملها
-لا هتجيبي ولد متأكد لو حملتي هتجيبي ولد أو ممكن يبقى ولد وبنت
-جااااسر، ابتسم قائلا :
عيون جاسر ياروحي ..رفع كفيها بعدما انزلها
-خلاص خلاص هنسميها لين ..كدا حلو، يالة بقى احملي وهاتي كنان ولين علشان تفرحي
ظلت واقفة متنهدة وعيناها تحاصره بنظرات هائمة، ثم تحركت للمرآة
-هكمل لبس..وقفت تنهي زينتها وهو يحاوطها بنظراته، نظرت إليه من خلال المرآة
-هتفضل تبصلي كدا، تحرك متجها إليها يحاوطها من الخلف واضعا ذقنه على كتفها
-عايز اخبيكي جوا صدري ومش عايز حد يشوفك غيري
شعرت بقشعريرة بعمودها الفقري، كأنه لأول مرة يقترب منها استدارت تنظر إليه
-شكلنا مش هنخرج زي كل مرة، كفاية شكلنا بقى وحش عند راكان، ايه ناوي على ايه
تراجع بعدما استمع الى رنين هاتفه
-أيوة ..ايه ، خلاص ياراكان مسافة السكة هكون عندك متعملش حاجة
طبع قبلة على وجنتيها واتجه لسلاحه
-حبيبي اجهزي ساعة وراجع ..توقفت أمامه
-جاسر رايح فين
تحرك قائلا
-شغل حبيبتي، ثم اقترب
-عايز كريزة لحد ماارجع
ابتسمت قائلة
-كريزة برضو، ياله ياحبيبي شوف عايز تعمل ايه
تناول كرزيته سريعا قائلًا
-محدش يقدر يمنع عني الكريز ياكريزة قلبي قالها وتحرك سريعا
❈-❈-❈
هرجعلك بسرعة سلام
خرج سريعا وهي جلست تسحب نفسًا عندما شعرت بعدم قدرتها على التنفس
استمعت إلى رنين جرس الباب اتجهت مبتسمة
-شكله نسي حاجة المجنون
فتحت الباب وعلى وجهها ابتسامة، إلا أنها اختفت و شعرت بدوران الأرض تحت أقدامها عندما رأت فيروز أمامها
-اذيك ياخرابة البيوت..قالتها وولجت للداخل بعدما دفعتها تنظر للمنزل بتهكم
-دا بقى عش الزوجية اللي حضرة الظابط باعده عني علشان ماوصلكيش
ظلت لفترة تتحدث إليها ثم تحركت وهي تنظر إليها بتشفي
-ساعتين وهكلمك تاني على حسب ميعادنا لو مش مصدقة، علشان اثبتلك بس مش اكتر
مر الوقت عليها كعقد من القرون، قلبها ينتفض بعنف ناهيك عن جسدها المرتعش، تدعي الله بسريرتها أن تلك الخبيثة ماهي الا خبيثة
أمسكت الهاتف بيد مرتعشة وأجابتها
-تمام، لحظات ووصلها ذاك الفيديو الذي ماإن رأته حتى شعرت بتفتت قلبها إلى أشلاء متمزقة، وكأن هناك سيف غرس بصدرها، لحظات ووصلت رسالة أخرى، هنا فاق الألم وكأن أحدهم هوى بمطرقة قوية فوق قلبها، فوقعت صريعة تتمنى أن تسحب أنفاسها إلى بارئها
نهضت متحركة بعينين تهتز من ثقل العبرات، وقلبًا يتمزق اربا، وروحا تنزف ببطئ
وصلت لذاك العنوان بأنامل مرتعشة ضغطت على جرس الباب ، فتحت الخادمة الباب تشير إليها
توقفت تنظر إليهما بعيون غاشية لم ترى من كثرة دموعها، أرادت أن تصرخ من أعماق قلبها صرخة تؤدي بها لتحت سبعين أرضًا ..تراجعت وهي تهز رأسها وتحركت سريعا للخارج تتخبط بحركاتها متجهة سريعا لسيارته
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سيلا وليد
وحسبتُ أنك قد فهمت مُرادي
يا مُنية الدنيا وشوق فؤادي
أو ما قرأت على جبيني أنني
صبٌ وأني قد كتمتُ وِدادي
أتظني أنني أن بعدتُ للحظةٍ
يعني بأني صادقٌ ببعادي
إني لأبدي أنني مُتجاهل
والأذنُ تنصتُ والفؤاد يُنادي
والعينُ تسرق نظرةً لك خلسةً
تُبدي وتكشفُ كذبتي وعنادي...
ازعل منك وقلبي يحبك...
ولكن لاترا ولاتحس بزعلي منك..
قبل شهرًا
من أمام المشفى وخاصة أمام غرفة ربى، تجلس نهى بجوار صهيب.
أما ذاك الناري الذي يقطع الردهة ذهابا وإيابا محاولا السيطرة على نفسه حتى لا يدلف للداخل.
وصل جواد يوزع نظراته بينهما، ثم ذهب ببصره لأوس الذي جلس متكأ على الجدار مغمض العينين.
ذهب إليه متخطيا صهيب ونهى.
"اختك فين؟!"
نهض يشير لوالده على غرفتها قائلًا:
"جواد مع الدكتورة، بقالها فترة، محدش خرج يطمنا."
استدار يرمق عز بنظرات نارية.
"ايه اللي حصل، وبتعمل ايه جوا؟"
تحرك أوس حتى توقف أمامه.
"بابا.. ربى كانت حامل."
ضيق عيناه متسائلًا:
"كانت حامل!!"
صوب نظراته لصهيب الجالس بصمت.
"كنت تعرف إنها حامل؟!"
ثم نظر لعز الصامت والحزن يتجلى بوجهه.
"كنت عارف مراتك حامل ورحت اتجوزت عليها يلا."
اقترب بخطوات سلحفية، ورغم بطئها ولكن كأنه يتحرك على لهيب من جهنم.
"البنت كانت حامل وابنك راح بكل فُجر جايب واحدة ويقول اتجوزت،"
أشار بسبباته وتحدث مهددًا.
"أنا عارف ان جوازك رد اعتبار، لكن هتيجي على بنتي هنسى انك ابن اخويا، ودلوقتي انا اللي بأمرك تمشي من وشي، ولما تبقى راجل تيجي وتوقف قدامي وتقولي ياعمو عايز مراتي."
اقترب منه ولكمه بصدره بقوة آلامته.
"سمعتني يلا.. من اللحظة دي مالكش علاقة ببنتي، وابنها كمان."
توقف صهيب عندما احتد الحوار.
"جواد بتقول ايه عايز تبعده عن مراته وابنه؟!"
استدار يرمق صهيب.
"مش عايز كلمة واحدة في الموضوع دا، بنتي هتروح على بيت ابوها، ولو طلبت الطلاق ابنك الحلوف دا هيطلقها ودا اخر كلام عندي."
قالها وتحرك للداخل دون حديث آخر.
ركل عز المقعد وصاح مزمجرا.
"محدش يقدر ياخد مراتي مني، سامعني يابابا، ولا حتى عمو نفسه."
كان صامتا ونظراته هادئة رغم نيران قلبه الذي تأججت بعدما حدث لأخته.
تقابل بوالدته التي وصلت بوجه شاحب.
"اختك فين ومالها؟"
احتضنها يربت على ظهرها.
"كويسة ياماما ماتقلقيش."
اتجهت بجوار ابنها للداخل دون أن تنظر لأحدًا.
تنهد صهيب متألمًا ثم اتجه إلى عز الذي توقف كالتائه.
"عجبك كدا، ادعي ربنا أن مراتك تبقى كويسة والبيبي ماينزلش."
اتجه ببصره إلى نهى.
"الولد دا مين، انا معرفوش."
تحرك عز من أمام والده عندما فقد السيطرة على أعصابه، للغرفة ولج للداخل.
خطى بخطوات متمهلة، كانت تغفو فوق الفراش، يعلق بكفيها بعض المحاليل.
جلس والدها بجوارها، يحتضن كفيها، ثم رفعه يلثمه.
"حبيبة بابي الف سلامة عليكى.."
بينما غزل التي توقفت تطلع على كشفها، ثم اتجهت ببصرها للطبيبة.
"الجنين كويس.."
أومأت الطبيبة وأجابتها بعملية.
"الحمد لله كويس، بس دا ميمنعش أنه في مرحلة خطيرة وخاصة بعد النزيف دا، المفروض تمشي على العلاج، والراحة ثم الراحة."
"يادكتورة لو سمحتي."
أومأت بتفهم ثم اتجهت إلى ابنتها بجوار والدها.
وصلت ثم انحنت تطبع قبلة على جبينها متجهة لجواد الذي يسكن بجوارها دون حديث.
"جواد البنت كويسة، والحمد لله الولد كمان كويس."
نهض متجها للخارج.
"وقت ماتفوق خلي اخوها يجبها على البيت، عندي مشوار مهم لازم اروحه علشان بميعاد."
احتضنت ذراعه.
"جواد إنت كويس؟"
طبع قبلة على جبينها قائلًا.
"كويس حبيبتي، حقيقي عندي مشوار مهم ليعقوب المنسي.."
أومأت متفهمة ثم تحرك للخارج، تقابل بعز فأشار بيديه للخارج.
خرج وجد نهى تسائل.
"فين صهيب؟"
نهضت من مكانها واجابته.
"خرج، معرفش راح فين."
بعد فترة دثرتها غزل بفراشها، ثم طبعت قبلة على جبينها.
"ارتاحي حبيبتي، متفكريش في حاجة المهم البيبي ياروبي.. كل هيعدي."
احتضنت كف غزل وأردفت.
"ماما اتصليلي بجاسر، عايزة اكلمه.."
ولج ياسين الذي وصل للتو، دلف يتابعها بعينه، اقترب منها بقلب يقطر المًا، توأمه نصفه الآخر.
"روبي.."
رأته فنسابت عبراتها بغزارة، جلس بجوارها يحتضنها ثم لثم جبينها.
"عاملة ايه ياقلب أخوكي؟"
ربتت غزل على كتفه.
"حمدالله على سلامتك حبيبي، ليه اتأخرت كدا مش المفروض كنت تحضر فرح اخوك امبارح."
نهض يقبل كف والدته وتحدث متأسفًا.
"غصب عني والله ياست الكل، الحربية مش زي الشرطة، كله بالدقيقة."
لمست وجنتيه وابتسمت.
"المهم تبقى كويس ومرتاح يانور عيني.."
قبل جبينها ثم رفع كفيها يلثهما.
"ربنا يخليك لينا ياست الكل، جاسر سافر إمتى؟"
جلست على المقعد بجوار ابنتها تمسد على خصلاتها.
"من خمس ساعات كدا، زمانه وصل دلوقتي."
"ربنا يسعده يارب، جاسر يستاهل يرتاح شوية ياماما ، شايف الكل بيشد فيه من كل حتة."
ابتسمت غزل وتحدثت.
"كبرت ياياسين، وبقيت تاخد حق جاسر.."
تمدد بجوار روبي وتحدث بمزاح.
"أنا كبير اوي ياماما، لكن حضرتك مفيش غير جاسر وأوس."
قهقهت غزل عليه.
"لأ اقنعتني ياخليفة ابوك، المهم تعالى غير هدومك وهخلي منى تجهزلك الغدا."
تمدد بجوار ربى وهو يغمز لوالدته.
"لأ مش جعان هنام مع روبي شوية، من زمان مقعدناش مع بعض.."
ملس على وجه أخته.
"مبروك ياروحي، عرفت هكون خالو، أن شاءالله تشوفيه اجمل بيبي."
وضعت رأسها على كتفه.
"إن شاءالله حبيبي..خدني في حضنك ياياسين زي زمان واحكيلي الأمير اللي خطف بنت الحسن والجمال."
أشار بعينيه لوالدته، تنهدت بحزن ثم تحركت للخارج.
تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيه مع شبح ابتسامة رسمها على محياه قائلًا بمزاح.
"انما اللي بتعب بيحلو كدا."
مسد على خصلاتها بحنان وتسائل بهدوء.
"ايه اللي حصل حبيبتي، زعلانة من عز ليه؟"
خللت أناملها بأنامله وتحدثت.
"عز وجع قلبي اوي ياياسين، ضغطت على نفسي كتير وقولت من حقه، ومبرر ورا مبرر لحد ما قلبي مبقتش اتحمل اكتر من كدا."
"كله هيعدي حبيبتي، عز بيحبك منقدرش نختلف على دا، لكن ساعات الضغط العصبي بيحول الحليم لقاسي وجبروت، انا معرفش ايه اللي حصل ، لكن أنه يوصلك للحالة دي فيبقى قاسي عليكي بالقوي، وروبي جميلة وهتعرف تتعامل بالعقل والحكمة، ونعرف نرد كرامتنا من غير ما حد يمسك علينا غلط."
رفع ذقنها وهز رأسه.
"فيه قرارات بتهد دول وفيه قرارات بتخلي العالم يضرب تعظيم للدولة دي، المهم نعرف ابعاد القرار اللي هناخد."
سحب نفسًا وزفره ثم استأنف.
"عارف أن السبب جاسر، زي ماانا متأكد أن عصبية عز حولته وبقى يخبط في الكل، لكن مننساش اللي جنى مرت بيه."
تعمق بالنظر بعيناها.
"ارجعي بذاكرتك كدا لما كان بيقعد يعيط على حالة أخته اللي احنا مكناش عرفين سببها ايه، يعني هو اكتر واحد اتألم وقبل ماتعترضي عز ابوها ياروبي مش اخوها."
رجع خصلاتها للخلف وابتسامة على ملامحه قائلًا.
"عرفت أنه ساوم على جنى بيكي، بس إنت هبلة ياروحي لو فكرتي بس وقولتي تمام ، جنى مع جاسر يبقى كدا انا عند بابا وانتهينا، كنتي هتشوفيه هيعمل ايه."
ترقرق عيناها بالعبرات، وهناك شعور قاسي افترس روحها ثم تحدثت بنبرة متألمة.
"عز اتجوز عليا ياسين.."
شحب وجهه كأنه استمع لخبر فراق عزيز، فردد حديثها متسائلًا.
"عز اتجوز عليكي..يعني إيه؟"
وضعت رأسها على كتف أخيها كأنها تستمد منه الحماية لقلبها المتمزق حتى لا يضعف بسيرته فاستأنفت متألمة.
"يعني راح جاب بنت وقال دي مراتي،"
هزت رأسها ساخرة من أفعاله الجنونية واكملت.
"ابن عمك داس اوي المرادي مع إني عارفة ومتأكدة أنه بيلعب بينا، بس الفكرة نفسها سحبت روحي من جسمي."
مسد على خصلاتها وشرد بكلماتها التي أصابت عقله بالجنون، قاطعهم دلوف أوس بعد السماح له بجوار ياسمينا.
خطى متجهًا إليها، ثم انحنى يطبع قبلة على رأسها.
"عاملة إيه دلوقتي حبيبتي..!!"
احتضنت كفيه وتعانقت بعيناه مترجية.
"عايزة أكلم جاسر ياأوس علشان خاطري لازم قلبي يرتاح، انت مش مصدق كلام عز صح ياأوس."
كان يستمع إليها وشعوره بالضياع يتخبط به، ضغطت على كفيه وترجته مرة أخرى.
"أوس كلم جاسر.."
تحركت ياسمينا وجلست بجوارها.
"روبي حبيبتي اخوكي عريس في شهر العسل، مينفعش نكلمه ونتكلم في حاجات مجرد شك، غير أنه عريس يعني ممكن يكون كله مرسوم."
أومأت برأسها وعبراتها تنسدل على وجنتيها تشير إلى ياسمينا.
"أنا متأكدة ياياسمينا، انا شوفت حبه في عينه مش معقول يكون دا تمثيل."
ربت أوس على ذراعها وهو يطالع ياسين الذي ضيق عيناه غير مستوعب مايدور حوله.
نهض وأشار إلى أخيه.
"ياله علشان نسبها ترتاح انا عايز ابقى خالو بقولكم اهو."
احتضن وجهها.
"خدي بالك من نفسك أولا ثم من حبيب خالو.."
كلماته البسيطة جعلت عيناها تنير بفرحة عندما تذكرت جنينها.
خرج اخوانها وهي تراجعت تضع كفيها على احشائها.
"يارب كملي حملي على خير.. اللهم قر عيني بوليدي."
ظلت ترددها حتى غفت.
عند جواد.
وصل جواد إلى شقة فيروز.
فتحت بعدما استمعت لصوت جرس منزلها.
"حضرة اللوا..!!"
قالتها بذهول.
دلف للداخل وأشار لها.
"ايه يامرات ابني، مش هتخليني ادخل؟"
تعمق النظر لعمق مقلتيها متسائلا باستخفاف.
"مش إنتِ مرات ابني برضو؟"
أشارت بيديها وجسدها ينتفض خوفا من مغذى كلماته.
جلس جواد بأريحية ثم تحدث.
"ايه معندكيش قهوة لحماكي؟"
نادت بقطع على العاملة.
"اعملي قهوة لحضرة اللوا."
رفع نظره للعاملة وتحدث.
"مظبوطة يابنتي.."
تحركت العاملة، ثم اتجه بنظراته لفيروز.
"سامعك يامرات ابني.."
فركت كفيها وابتعلت لعابها بصعوبة.
"مش فاهمة حضرتك.."
تراجع بجسده للخلف ونظراته الصفرية تخترقها.
"حد قالك عليا عبيط يابنت هاشم، انا مبحبش اعيد كلامي، جيتي وعملتي شو، الصراحة مش هخبي عليكي الشو وجع قلبي، ماانا ليا بنات برضو، اللي مرضهوش على بناتي مرضهوش على بنات الناس."
وصلت الخادمة بالقهوة، رفعها يرتشف منها ثم ذهب ببصره لفيروز.
"علشان تعرفي نيتي خير، جيت وشربت قهوة رغم انك عارفة قهوتي من ايد مراتي."
ازدادت ضربات قلبها بعنف وشحبت روحها من نظراته فتسائلت.
"مش فاهمة كلام حضرتك.."
أخرج ورقة ووضعها أمامها.
"مش عايز لف ودوران، ليه قولتي انك استئصلتي الرحم، وايه اللعبة القذرة اللي ناوين تعملوها."
نهض متحركا وجلس بجوارها، سحب نفسًا وزفره بهدوء ثم تحدث مردفًا.
"فيروز أنا في يوم خليتك في مقام بنتي، ياريت يابنتي تبعدي عن جاسر، هو دلوقتي استقر في حياته."
انسابت عبراتها بصمت، زفر مختنقًا من دموعها وهو لايرد ظُلمها فتسائل بقلب أب.
"عايزة توصلي لأيه يابنتي ، جاسر خلاص مش ناوي يرجعلك، بلاش تحاولي تخرجي أسوأ مافيا، انا بكلمك بقلب أب ، أما لو قلبت عليكي صدقيني مش هيكون كويس ابدا."
رفعت عيناها الباكية.
"حضرتك اللي خليته يطلقني مش كدا.."
هز رأسه بالنفي ثم هتف معترضًا.
"فيروز أنا عمري ماادخلت في حياة ولادي، رغم كنت عارف انكوا هتوصلوا لكدا بس وافقت على جوازكم."
صنع تواصل بصريا بينهما وتحدث معبرا عما بداخله.
"عايز تفسير واحد ليه رحتي قولتي لعز كدا، يعني دا جزاة جاسر أنه وقف جنبك وحاول يبنيلك حياة كويسة."
رفرفت بأهدابها متسائلة.
"حضرتك عرفت.."
ابتسامة ساخر ظهرت على ملامحه ثم سحب نفسًا وتحدث.
"أنا زمان وثقت في جاسر علشان كدا تركته يقرر حياته لكن بعد تدمير حياتكم كدا مش هفضل اتفرج، ودلوقتي انا بكلمك بعقل ابو جاسر بلاش اقولك بعقل جواد الألفي."
"ايه ورا رجعوك لجاسر، ليه خليته يردك، بتلعبي على ايه يا فيروز."
ألجمتها الصدمة من حديثه ولم تستطع النطق للحظات، حاولت بلع ريقها عندما شعرت بجفاف لعابها، فهتفت بتقطع.
"مش فاهمة قصدك.."
زفر مختنقا بتلاعبها فأشار بسبباته محذرا.
"هعمل نفسي مصدقك وهصدق المسرحية اللي عملاها على جاسر.."
نصب عوده متوقفا ثم تحدث.
"اللي متعرفهوش خطواتك كلها عندي، هتغلطي مع ابني مش هرحمك يافيروز، وربي ماهرحمك، وخليكي واثقة انا هكون طوق خنقك بايدي لو قربتي من جنى وجاسر، خلصي مهمتك اللي بتحاولي تقنعي جاسربيها واختفي."
قالها واستدار متحركا للخارج.
عند جاسر وجنى.
قبل عدة ساعات.
أنهت زينتها وجلست تنتظره، أمسكت هاتفها تتصفحه، وجدت صورتها مع عز، تحسستها بحزن، وذهبت ذاكرتها إلى ذاك اليوم بعد حفلة زفافهما بيومين.
كانت تعد الطعام، دلف جاسر إليها.
"حبيبي هخرج نص ساعة بالكتير وهرجع، جهزي نفسك علشان عايز افرجك على البلد كلها.."
اقتربت منه ثم تسائلت.
"رايح فين ياجاسر، احنا في بلد غريبة يعني مفيش صحاب هنا."
طبع قبلة على جبينها، ثم رفع ذقنها وتحدث بنبرة حنونة.
"عندي مشوار مهم نص ساعة بالكتير وراجعلك حبيبي مقدرش ابعد اكتر من."
جذب رأسها لأحضانه وأردف.
"أنا سعيد أوي ياجنجون، لدرجة حاسس مش قادر اقف على الأرض من السعادة.."
انحنى يحتضن عيناها قائلًا.
"حبك له طعم تاني يابنت عمي، من وقت مادقته وعرفت الخوف."
لفت ذراعيه تحتضن خصره.
"وانا مش عايزة غير أفضل في حضنك يابن عمي."
محم بعدما فقد إتزانه وبدأ عشقها يتخلل لداخله.
تراجع خطوة للخلف.
"لازم امشي دلوقتي حالا اصلي مش ضامن قلبي الصراحة.."
استدار متحركا سريعا وهي تقهقه عليه.
"هجهز الأكل متتأخرش."
لوح بكفيه وتحرك للخارج، اتجهت إلى المطبخ لتقوم بإعداد وجبة الغداء.
قاطعها رنين هاتفها.
"عز!!"
"كنتي تعرفي أن روبي حامل؟"
صمتت للحظات لم تعلم بماذا تجيبه، ثم همست.
"هي قالتلي يوم ماكانت عندي.."
تحرك في الردهة بغضب.
"وكمان كانت عندك، ليه ياجنى معرفتنيش، دلوقتي عز بقى اخر حاجة تفكري فيه، خلاص جاسر سيطر عليكي."
نهضت من مكانها وتلألأت عيناها بالعبرات قائلة بتقطع.
"لأ ابدا حبيبي ، هو الموضوع.."
صرخ بها قائلا.
"اخرصي ياجنى، مش عايز اسمع صوتك، روبي ممكن تفقد الجنين علشان تبقي مبسوطة.."
تصنم جسدها فهمست بتقطع.
"ايه..ليه ، ايه اللي حصل؟"
رجع خصلاته للخلف بعنف وأجابها.
"إحنا في المستشفى لازم اقفل ."
"ياخسارة ياجنى،"
قالها وأغلق الهاتف.
جلست على مقعدها دون حركة وشعرت بتمزق قلبها من حديثه.
آلمها حالة أخيها.
همست باسم ربى بحزن قائلة.
"حبيبتي ياروبي دي تاني مرة تخسري فيها الحمل، ياترى حالتك ايه دلوقتي."
أمسكت هاتفها لتحاول مهاتفتها مع والدتها، ولكن هاتفها مغلق، وقفت تنظر بشرود، بتر شرودها وصوله وهو يحاوط جسدها بين أحضانه، رفع خصلاتها على جنبًا دافنا أنفه بعنقها.
"وحشتيني ياجنجونة.."
رفعت رأسها تنظر إليه بحب.
"ملحقتش يعني؟"
اغمض عيناه مستمتعًا برائحتها.
"وحشتيني فمقدرتش اتأخر عنك ياروحي."
أطلقت ضحكة ناعمة ثم تحدثت بنبرة عاشقة.
"حبيبي البكاش هعمل اني مصدقاك.."
أدارها لوجهه واضعا خصلة متمردة خلف أذنيها.
"وحياة جنى عندي بتوحشيني وأنتِ في حضني."
خرجت من أحضانه، متجهة الثلاجة.
"طيب ياله يابكاش علشان ناكل.."
سحب كفيها وقام بإطفاء الموقد، متجهًا للداخل.
"لأ حبيبي انا عازمك على العشا.."
وصل لغرفة النوم، ثم أشار على الفراش.
"تلبسي دا وتجهزي هستناكي تحت.."
تحرك ثم تراجع قائلًا.
"فيه شال متنسهوش علشان الفستان مكشوف لحد ما نوصل لمكنا."
أومأت مبتسمة، ثم اتجهت لمرحاضها بعدما خرج.
انتهت بعد قليل وتحركت للأسفل.. وجدته يقف يواليها ظهره.
شعر بخطواتها.. اغمض عيناه وهو يتخيلها بذاك الرداء الذي ابتاعه لها خصيصا، كيف سيكون على جسدها الأنثوي الممشوق.
همست باسمه بثغرها الندي المطلي باللون الأحمر القاني.
استدار بنصف جسده وهو يضع كفيه بجيب بنطاله.
بدأ يتجول بأنظاره على منحانيتها التي ظهرت بإستفاضة على ذاك الرداء الأحمر الناري.
ارتبكت من نظراته حتى أوردت وجنتيها فأشاحت ببصرها عن نظراته الأختراقية بها، تحرك بخطى سُلحفية ومازالت عيناه الثاقبة تخترق جسدها.
وصل أمامها واقترب منها حتى جعل أنفاسها ترتفع من رائحته التي تسللت لرئتيها، التمعت عيناه ببريق عشقها الخاص، حاوط أكتافها ورفع ذقنها يتلمس كرزتيها التي اذهبت عقله فدنى يعزف عزفا منفرد لا ينصت إليه سواها.
جذبها لأحضانه يهمس لها.
"غرامك شق صدري مهلكتي."
حاوطت عنقه ورفعت عيناها.
"شكل حبيبي عامل مفاجأة."
عانقها بنظراته وانفاسه تلفح بشرتها البيضاء بحمرة لذيذة.
رفع إصبعه يتحسس وجنتيها.
"كنت بفكر في كدا، بس التفاح بيغريني.."
ضيقت عيناها متسائلة.
"يعني إيه؟"
"يعني كدا.."
قالها عندما انحنى يبعثر قبلاته على ثغرها.
دفعته محاولة التنفس، بدأت تلهث من انفاسها المتقطعة، لكمته.
"عايز تموتني،"
قهقه عليها بصوته المرتفع فغمز لها.
"نفسك قصير ياروحي، ممكن نشوف حد نفسه طويل.."
توقفت فجأة، ولا تعلم لماذا شعرت بوخز بقفصها الصدري رغم أنه تحدث بها بمزاح.
بسط كفيه متحركـًا.
"ياله ياقلبي.."
تابعت الطريق بخطوات واهنة وساقين هلامتين لا تعلم لماذا تحول جسدها بتلك الطريقة بعدما كانت تضج بالسعادة.
"مالك حبيبتي وشك اتخطف كدا ليه؟!"
رسمت إبتسامة ونظرت أمامها.
"مفيش حبيبي..ايه هنروح فين؟"
سحبها لحديقة المنزل بالخلف، تطل على الشاطئ.
وصلت لذاك المكان المزين بلأنوار الخافتة بالشموع الحمراء ذات الرائحة الخلابة.
توقفت تنظر إليه بسعادة، بعدما وجدت اسمها بالورود الحمراء، يوضع بقلبًا احمرًا.
عانق ذراعيها وشبك أناملها وتحرك بين القلوب الحمراء.
والتي انطلقت منها أشعة نارية، فجأة استمعت إلى أصوات نارية تطلق بالسماء بألعاب نارية واسمها ينير بسماء المكان بجواره.
"اعشقك يامن اختلتي ميىزان نبضي."
دمعة انسابت على وجنتيها، فاستدارت تحتضنه ثم رفعت نفسها وهمست فوق ثغره.
"بحبك."
هنا حبس نفسه داخل صدره ضاغطا على اعصابه متحكمًا في سيل مشاعره الجامحة بها.
"شكرا حبيبي، شكرا على كل حاجة حلوة.."
قطع أنفاسها بحركة اجفلتها وهو يحتضن ثغرها لحظات ثم فصلها وتحرك بها إلى منضدة مستديرة، بها بعض الأطعمة التي يحبونها، وبجوارهم موسيقى الطرب العربي لكوكب الشرق ام كلثوم.
جذب مقعدا واجلسها ثم اتجه لمكانه المخصص، وجلس بمقابلتها يتناولون وجبة غذائهما على إيقاع الموسيقى العربية النابض بعشق قلوبهما.
نصب عوده مغلقًا بدلته الرمادية التي أظهرت لون عيناه باستفاضة حتى جعلتها تتغزل به قائلة.
"ياترى العيون الحلوة دي ناوية على ايه تاني.."
قالتها وهي تتمايل معه على نغم الموسيقى الهادئ.
شدد من إحتضانها وبأنفاسًا تمر على شفتيها همس قائلا.
"بتعاكسي عيوني، ولا بتعاكسيني شخصيا."
ابتسامة مع عيونا لامعة تحدثت.
"تفرق."
أومأ برأسه وهو يتمايل بها قائلا.
"أكيد طبعا.."
ضيقت عيناها متسائلة.
"والفرق ياحضرة الظابط؟"
انحنى يهمس لها.
"الفرق إن عيوني مش شايفة غيرك، إنما لو بتعاكسيني هقولك برضو مش شايف غيرك."
أطلقت ضحكات ناعمة جعلت قلبه يتقاذف بين ضلوعه حتى كادت تصيبه بالتوقف.
رفعها من خصرها حتى أصبحت بمقابلته.
"جنجون عشق الجاسر.."
خللت أناملها وسط خصلاته تبعثرها بفوضية وهي تقهقه بصوت مرتفع.
"وجنجون بتعشق جاسرها."
ابتسم برضا من كلماتها ثم سحبها متجها للمكان الذي خصصه لجلوسهما.
قام بنزع جاكتيه ووضعه على المقعد، ثم جلس وفرد ذراعه لها.
جلست بأحضانه، ازال وشاحها فتطايرات خصلاتها البنية حول عنقها، أصبحت أمامه كحورية خرجت من البحر.
لما لا وهي حورية بحر عشقه.
رفع خصلاتها بكفيه يداعبها حتى تطايرت على وجهه.
ابتسامة عاشقة وهو يطالعها بنظراته يود أن يخترق صدره ويخفيها بداخلها.
قترب يجمع بعضها خلف أذنيها وتحدث وعيناه تحاوطها.
" فاكرة زمان في الإجازة الصيفية لما كنا بنروح الغردقة.."
وضعت رأسها على كتفه وابتسامة على ماضي قد سحقته الذكريات.
أومأت برأسها.
" كانت ايام جميلة اوي، رغم اني من أعداء السفر، لكن كنت بحب الأجازة علشان مقالبنا في بعض .."
داعب أنفها.
"على أساس أن المقالب مكنتيش انتِ وروبي بتعملوها.."
تمسحت بصدره وابتسمت على مزحاتهم.
رفع ذقنها وبحر بعيناه.
"بس كنت ببقى فرحان اوي، كنت بتمنى نفضل صغيرين علشان محدش يبعدنا عن بعض ..ورغم محاولات بابا وعمو بالحدود إلا أننا تخطينا الحدود ياروحي."
لكزته وارتسم الخجل داخل مقلتيها.
"اتلم ياجاسر، احنا بنتكلم على الطفولة ياشيبوب."
قهقه حتى لمعت عيناه يضمها بقوة يكاد أن يدخلها لصدره قائلا.
"اهي شيبوب دي بعشقها، من زمان اوي بطلتيها."
صمتت تطالعه لبعض الوقت ثم تحدثت.
"معرفش اتخنقت من الاسم وكنت بضايق لما عز كان بيناديك بيه، رغم أننا بنلعب بس كنت حاسة بوجع."
احتضن وجهها ثم طبع قبلة فوق رأسها.
"مجرد ذكريات ياحبي، تمدد وجذبها لصدره."
"بصي في السما، شوفي روقانها وصفائها والنجوم محاوطها ماأجمل صنع الله.."
اعتدلت تنظر له.
"بتوه على الموضوع."
رجعها لأحضانه مغمض العينين ثم تحدث.
"جنى مش عايز افتكر حاجة غير إنك جوا حضني وبس، حتى طفولتنا مش عايز افتكرها."
اندست داخل أحضانه.
"بحب كل وقت وانت معايا فيه،"
رفعت عيناها تنظر إليه.
"انا الأول مكنتش بهتم، لكن بعد ماقلبي دقلك بقيت اجمع كل ذكريتنا مع بعض.."
وضعت رأسها في عنقه.
"مكنتش اتوقع هنام النومة دي في حضنك،"
حركت أناملها على وجهه واستأنفت.
"ولا ألمسك كدا، حقيقي كانت أعظم امانيا اقعد جنبك وريحتك تداعبني بس."
تنهيدة عميقة غادرت ضلوعه ليقول بأسى.
"آسف، آسف ياجنى،"
اعتدل متكأ على مرفقيه.
"ووعد عمري ماهبعدك عن حضني حتى لو جيتي في يوم وانت رفضتي."
"ومين قالك انا ممكن ارفض حضنك ياجاسور،"
تلاعبت أناملها بزر قميصه ثم رفعت نظرها.
"تفتكر بعد العذاب دا كله ممكن ارفض حضن جاسور."
كانت عيناه ترسم جمالها البهي للقلب والعين، تحسست وجهه وأكملت.
"أنا بحبك اوي، واعرف قدري مرتبط بيك ولو بعدت عنك هموت، ممكن ممتوش الموت اللي في دماغك، بس قلبي هيموت ويبقى جيفة ياجاسر."
اتسعت عيناه بحبور، فصمتت الألسنة وتعانقت نبضات القلب فانحنى يعزف سيمفونية لعاشقة الروح، ظل لبعض الوقت واحاديثهم التي تواصلت لربط الماضي بالحاضر.
حتى شعرت بالنعاس.
نصب عوده وتوقف يسحب كفيها ويضع وشاحها على أكتافها العارية، ثم خلل أناملها وتحرك للداخل.. ليعهد لها حفلة خاصة من نوع آخر.
بعد شهر.
جلست بإنتظاره بعدما أنهت زينتها، استمعت إلى رنين المنزل، توقفت متجهة لفتح الباب.
توقفت مذهولة وهي ترى فيروز متوقفة وضحكة سخرية على شفتيها.
"مبروك ياخرابة البيوت.."
تحركت بخطواتها العنجهية وهي تحاوط المنزل بنظراتها ثم تحدثت مستخفة.
"دي بقى مملكتك اللي بيقول عليها جاسر.."
تحركت ترمقها بسخرية.
"ايه ياعروسة هتفضلي واقفة كدا، ايه مش ترحبي بضرتك.."
انعقد لسانها وتاهت مفرادتها تردد داخل عقلها كلماتها، شعرتبهزة عنيفة أصابت جسدها فهمست بتقطع.
"بس إنتِ مش ضرتي، جاسر طلقك."
تراجعت فيروز تدور حولها وارتفعت ضحكاتها.
"ماهو دا اللي فهمهولك ، معقول ياباشمهندسة ، دا إنت ذكية، معقول الحب اللي حارب الكل علشانه يتنسي بسرعة كدا."
دنت تهمس لها.
"أنا لسة مراته، وحياتك عندي، ولو مش مصدقة..اه لحظة."
قامت بإخراج وثيقة الزواج وأشارت لها.
"مش دا حبيبك اللي كنت هتموتي علشان اتجوزني،"
وضعت ابهامها على ذقنها وتحدثت.
"اه.. تؤ تؤ..جنى كانت بتحبه وهو اختارني انا وحبني انا، وطبعا بما هو اللي الكبير فكان لازم يتجوز البنت اللي حاولوا ينهشوا في لحمها."
جلست تضع ساقًا فوق الأخرى ولوحت بكفيها.
"علشان حاجتين الاولى يكون مثالي قدام العيلة ، ويكون جميلة لعمه، اهو اتجوز بنت اللي حاولوا يغتصبوها."
"والثاني"
توقفت تطالعها بصمت وهتفت.
"انك تخلفيله بيبي، ضربت على رأسها وتحدثت."
"اصلي نسي يقولك مينفعش اجيب ولاد."
تسمرت كالجماد وكأن حديثها من السهام المسمومة هزت كيانها وزلزلته حتى جعلت أنفاسها تتثاقل شيئا فشيئا.
لم تتحمل المزيد من قسوة كلماتها التي تحولت لألم ينهش بجسدها كحيوان مفترس فهتفت بقوة.
"كذابة ..واحدة كذابة وخسيسة، هستنى منها ايه."
نهضت فيروز وابتسامة سخرية ترمقها بها ثم استأنفت.
"هأكدلك كلامي علشان تعرفي الكدبة اللي عايشاها.."
اقتربت منها تتعمق النظر بمقلتيها.
"طبعا عايزة تعرفي ليه جيت دلوقتي."
أشارت على قلبها وتحدثت بنبرة صادقة.
"علشان هنا نار من بُعده، من وقت مااتجوزك نسيني ، وبقى يقرب منك اكتر مني، مبقتش متحملة لدرجة كرهت العيال وقررت اخليه يطلقك وراضية بقضاء ربنا ..لكن طبعا ابن عمك رفض، وقال عايزة تصغريني قدام عمي وبابامينفعش ابعد عن جنى."
انسابت عبراتها بصدق واقتربت تحتضن كفيها التي أصبحت ببرودة الموتى.
"جنى أنا ماليش غير جاسر ،انما انتي عندك فرص لو سمحتي ابعدي عن حياتنا، بلاش تصغريه قدام العيلة."
"امشي اطلعي برة.."
قالتها جنى بقلبًا يئن الما.
"هكدلك كلامي.."
قالتها ثم تحركت للخارج.
أحست بأن قوتها خارت وسيقانها لم تحملنها، حاوطت احشائها عندما شعرت بألم بأسفل بطنها.
تعكزت على أحد المقاعد بوهن وألم يصعب تحمله.. حتى خارت قواها وانسابت عبراتها مرددة.
"لأ .. مستحيل دي كدابة، جاسر بيحبني، لا مستحيل يدبحني بالطريقة دي."
لفت ذراعيها تحاوط احشائها مرددة كالمجنونة.
"لأبيحبني ، هو مش مخادع كدا.."
أمسكت هاتفها بيد مرتعشة وهاتفته.
كان متجها لسيارته.
"حبيبي انا عشر دقايق وأكون عندك،"
صمت متذكر شيئا ثم تحدث.
"آسف ياجنجون عندي شغل مهم هنأجل مشوارنا ساعة كمان ..سلام حبيبي."
ذهلت من مهاتفته، وهو لم يستمع حتى لها، أغلق الهاتف قبل حديثها.
جلست كالتائهة والمغيبة عن عالمها، صوره قديما مع فيروز تصفعها بقوة.
نهضت كالمجنونة.
"أيوة كان بيعمل معاها زي مابيعمل معايا، ازاي كنت غبية لدرجة دي."
أطاحت كل ما قابلها بصرخة خرجت من جوف آلامها.
"لييييييه!!ليه يابن عمي تدبحني بالطريقة دي.."
استحوذ عليها شيطانها بالكامل.. فهوت تلتقط أنفاسها بصعوبة.
"لأ .. مستحيل ، انا لازم اسمعه، ماهو دا ابن عمي،مستحيل يكسرني كدا..."
مر بعض الوقت ووصل اشعار لهاتفها برسالة فتحته وإذا بها تنصدم مما رأت تسمرت بجلستها حتى شعرت بتوقف اعضائها وهي تراه بأحضانها.. ذهب بصرها لثيابه الملقاه على الأرض، ونومها على صدرها.
أغمضت جفونها ورجفة أصابت جسدها حتى شعرت بالأختناق، حاولت الوقوف ولكن كيف وكأن جسدها يعوق حركاتها وكأنه أصيب بشلل كامل.
دقائق حاولت وسيطرة على كيانها نهضت متوقفة وتحركت بتخبط، إلى أن وصلت سيارتها.
وصلت بعد فترة، بأصابع مرتعشة ضغطت على زر جرس المنزل..فتحت الخادمة وأشارت لها بالدخول.
وقفت متصنمة وهي تراه يغلق زر قميصه، همست بإسمه.
استدار ينظر إلي وجودها بصدمة، بخروج فيروز بثياب الحمام.
"حبيبي جهزتلك الحمام.."
ارتسم الألم داخل مقلتيها وهي تطالعه بصمت، وقفت كعصفور مبتل يرقص على اوتار صاعقة كهربائية.
دنت منه بشحوب وهمست بتقطع.
"ليه.."
زوى مابين حاجبيه.
وهتف.
"جنى إنتِ فاهمة غلط.."
رفعت كفيها ورفعته فهوى متساقط على وجنتيه، ثم استدارت متحركة بخطوات متعثرة وروح متمزقة تنزف بصمت، وصلت إلى سيارتها.
هنا انسابت عبراتها وارتجف جسدها كالذي اصابه حمى.
بالأعلى.
امسك فيروز يضغط على رسغها بعنف.
"اصبري عليا بس، صدقيني هحولك حياتك لجحيم.."
عقدت ذراعها وهتفت غاضبة.
"ليه انا عملت ايه، ماانا كنت معاك، مالي انا بيها، يمكن كانت مراقبك ياحبيبي."
يدفعها بقوة حتى سقطت على الأرضية ثم انحنى يجذبها من خصلاتها.
"للمرة المليون اتغابى في التعامل معاكي، حاولت اخليكي بنأدمة لكن دمك قذر وعمرك ماهتنضفي ،انتِ طالق بالتلاتة، طالق ..طالق،"
ضغط على كفيها. وتحدث بفحيح.
"اقسم بالله لأخليكي تكرهي نفسك ، ويبقى قابليني لو اتوظفتي يامدام."
قالها ثم دفعها بقوة حتى اصطدم رأسها بالمقعد ينفض كفيها كأنها عدوة.
"حقييييرة."
صرخ بها مسرعًا خلف جنى.
اعتدلت سريعا تهاتف والدتها.
"ماما لازم أسافر حالا ، اتصرفي واحجزيلي اول طيارة على امريكا، جواد الألفي اكيد هيجي بسرعة ياماما.."
ضيقت والدتها عيناها.
"ليه عملتي ايه.."
ابتسمت بنصر واجابتها.
"بعدين، المهم لو سمحتي لازم أسافر بسرعة."
بمنزل جاسر.
ترجلت من السيارة متجهة للداخل تتخبط بسيرها حتى كادت أن تسقط، لا تريد سوى الأختلاء بنفسها، هي الآن طفلة ضائعة عاشت كابوسا مؤلمًا للغاية حتى كرهت النوم من أثره.
دلفت للداخل هنا انهارت حصونها بالكامل واستسلمت لانهيارها فجثت على الأرضية ووانسابت عبراتها بخناجر الطعن والغدر.
صرخة من أعماق روحهها تلكم الأرضية وشهقات مرتفعة تقطع نياط قلبها.
ولج للداخل مطأطأ الرأس وضميره يصفعه بقوة.
تحرك إليها وكأنه يتحرك على نيران تحرق أقدامه بقوة.
"جنى.."
همس بها.
أزالت عبراتها ونهضت تنظر إليه بدموع الخذلان.
اقترب وتحدث بنبرة متألمة.
"جنى الموضوع مش زي ماانت متخيلة، هو."
وضعت كفيها أمام وجهه وتسائلت من بين عبراتها.
"سؤال واحد وبس."
"إنت رجعت فيروز تاني، يعني بقت على ذمتك، اتجوزتها بعد جوازنا."
"جنى اسمعيني.."
صاحت صارخة وكأنها تحولت للجنون.
"جاوبني وبس."
"رجعت فيروز لعصمتك بعد مااتجوزتني.."
أومأ برأسه وفتح فاهه للحديث.
دفعته بقوة تحطم كل ماتطوله يداه.
"كذاب ، مخادع ، واحد كذاب وخاين.."
اقترب منها محاولا السيطرة على ثورتها الغاضبة.
صرخت مبتعدة عنه تدفعه بكل قوة.
"اتجوزتني علشان تجيب عيال، اخدت بنت عمك لنقص في مراتك، دوست على بنت عمك علشان تعيش سعيد مع حبيتك.."
اقتربت منه كالذي مسها مسًا جنونيا.
"دبحتني ..دبحتني ياجاسر ..انت مين، رد عليا وقولي انت مين..مش معقول تبقى تربية جواد الألفي بالحقارة والندالة دي."
اقترب يجز على أسنانه.
"جنى..بتغلطي .."
دفعت المقعد بوجهه وصرخت به.
"مش عايزة اسمع صوتك، اخرص."
اقترب وحاوط جسدها بذراعه.
"اهدي وبطلي جنان، مفيش حاجة حصلت لدا كله."
ركلته بقوة متأوه.
"إياك تلمسني تاني، ابعد عني متخلنيش اكره نفسي اكتر من كدا.."
دنت تغرز مقلتيها بعينيه.
"هستنى من واحد زور لبنت عمه وخلاها مغتصبه،..انت ايه ورا وشك البرئ قذارة ..ودلوقتي لو ينفع اتبرأ من شخص ذيك هعملها."
احس بضلوعه تتهشم وكأن أحدهم صعقه بصدره حتى تفتت عظامه.
نظرت لمقلتيه وانسابت عبراتها.
"اتجوزتني علشان تخلف ياجاسر،"
أشارت على نفسها متألمة.
"تحرق قلبي علشان انت تعيش، لدرجة دي مهونتش عليك، دا العدو مكسرنيش كد."
لكمته بقوة وهي تشعر بانسحاب أنفاسها.
"قولي صح ولا لأ."
احس هنا بأنه طائر ذبح عنقه ولم يعد لديه القدرة على شيئا فأجابها قائلا بنبرة حزينة.
"مش انت مقتنعة بكدا يبقى."
"اه."
ارتعش جسدها وإرادت إحراقه ولكن كيف ومازال قلبها ينبض له، استدارت دون حديث فيكفي لها ماصار، تحركت بقلبًا ينتفض من الألم.
وصلت إلى غرفتها وألمًا يغزو جسدها ويحرق قلبها.
نظرت حولها بضياع وذكرياتهما هنا بذاك المكان الذي كتب عليه بنبض قلوبهما جنة عشق الجاسر.
أمسكت المقعد وبأقصى قوة لها دفعته بالمرآة صارخة.
"كذب..كله كذب، كذاب وخاين ومخادعااااا."
آهة حارقة صرخت بها تريد من الله أن يزهق روحها.
ذهبت ببصرها لتلك القداحة التي توضع على الكومودو.
ولم تفكر إلا بشيئا واحد وهو هروبها من تلك الحياة المأسوية لعل الله يكون رحيما بها.
عند ربى.
تغفو على الشازلونج امام المسبح، تغمض عيناها وكفيها على احشائها تستمع للموسيقى.
وصل إليها وعلى حين غرة حملها متجها إلى سيارته وهي تحاول الفكاك من قبضته.
وضعها بالسيارة واقترب يضع محركة على أنفها حتى خارت قواها وذهبت بنومها.
ابتسم عليها.
ثم اقترب وهي بين حالة الوعي واللا وعي.
جذب رأسها يحتضن ثغرها مقتحمه بقوة ثم همس من بين أنفاسه.
"ابوكي عامل عليكي كرديون من الحرس، ميعرفش اني ممكن احرق كل اللي. يقرب منك.."
قالها وقام بتشغيل المحرك متجها لخارج.
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سيلا وليد
هل تزهق الروح من الجسد دون موته ؟؟؟
هذا ما أشعر به.. إن ادعيت الصمود فإن قلبي مهشم لقطع صغيرة، كل قطعة تصاحبها دمعة عصية تخرج من قلب عصفور مسموم بسهم أخطأ صاحبه الهدف..
هل يدرك قاتلي أنني المغرم في هواه.. المعذب في حبه.. الجريح دون دوائه؟
لاتتعلقوا.. لاتتعودوا.. لا تفتحوا قلوبكم.. ولا تستقبلوا الحب..
إنه يميت الروح ويبقي الجسد عاجزا..
❈-❈-❈
خرجت غزل تنتظر زوجها أمام المسجد النبوي بعد قضاء صلاة العصر. وصل إليها، تحرك باسطًا كفيها.
- خلصتي حبيبتي؟
أومأت برأسها وتحركت بجواره.
توقف يطالعها متسائلاً:
- مالك يا غزل؟
وضعت كفيها على صدرها وتحدثت بنبرة متألمة:
- معرفش حاسة بوجع بقلبي يا جواد، ربنا يستر، حاسة فيه حاجة هتحصل وحشة.
ضمها من أكتافها وتحرك بجوارها.
- إن شاء الله خير حبيبتي، تعالي ناكل حاجة ونرتاح شوية وبعد كدا نكلم الولاد.
هزت رأسها رافضة حديثه.
- اتصل بربي يا جواد، قلبي وجعني، مكنش المفروض نسبها في حالتها دي.
باغتها بنظرة مطولة ثم هز رأسه بالنفي.
- مش دلوقتي يا غزل، لازم نبعد عن الولاد، لازم يتعودوا على نفسهم، رغم إني عارف مصايب ابنك بس سايبه يتعامل مع الموقف بنفسه، لسة في بداية حياته، لازم يقوى، بكرة يكون أب ولازم يتصرف بحكمة.
وضعت رأسها بكتفه وانسابت عبراتها.
- قلبي وجعني عليه أوي يا جواد، رغم عارفة بحب جنى له بس خايفة لو عرفت أنه رجع فيروز ممكن تعمل إيه.
سحب كفيها وعقله يتضارب بقوة، ورغم ذلك أجابها:
- أنا معاها للآخر يا غزل، عايز أشوف آخرها إيه، وجاسر مغلطش في اللي عمله، غلطه الوحيد إنه مأخدش رأي مراته، بس أنا عارف عمل كدا ليه.
وصلوا لغرفتهم بإحدى الفنادق.
ولجت ثم سحبت حجابها وألقته تحاول أن تأخذ أنفاسها.
- أنا بقولك كلم الولاد يا جواد لو سمحت.
أومأ لها يحتضنها عندما وجد شحوب وجهها.
جلست على الفراش تدلك صدرها بهدوء قائلة:
- شغل التكييف الجو خنقني أوي.
اتجه بهاتفه للشرفة وقام بمهاتفة جاسر أولاً.
كان جالساً على المقعد واضعاً رأسه بين راحتيه. استمع إلى رنين هاتفه، امسكه وحاول السيطرة على حزنه حتى لا يشعر والده بشيء.
- بابا!!
تنفس جواد بهدوء، فهو يشعر بثقل بصدره ولكنه أعاده بسبب آلام قلبه.
- عاملين إيه يا بابا؟
حمحم جاسر وأجابه:
- الحمد لله كويسين، ماما عاملة إيه؟
- كويسة.
اتجهت غزل إليه وأخذت الهاتف.
- حبيب ماما أخبارك إيه ومراتك عاملة إيه؟
كور قبضته، فقلبه يئن على ما صار بينهما. نهض متجهاً لحديقة منزله عله يستطيع التنفس، كأن أحدهم حاوط عنقه بقيد من نار ليشعر بنيران تغزو رئتيه.
توقف ينظر للشجر حوله ثم سحب نفساً وزفره على عدة مرات:
- كويسين يا ست الكل، المهم صحتك عاملة إيه، وبابا عامل إيه؟
نظرت إلى جواد وابتسامة زينت روحها قبل وجهها وأجابته:
- إحنا كويسين يا حبيبي، خلي بالك من نفسك ومن مراتك.
أغلقت معه بإبتسامة ثم وضعت رأسها بصدر زوجها قائلة:
- كان لازم أطمن يا جواد.
مسد على خصلاتها ثم طبع قبلة على رأسها.
- ولا يهمك يا روح جواد.
قام بالاتصال على أوس.
- أيوة حبيبي.
- عاملين إيه يا بابا، ومراتك وروبي؟
أجابه بابتسامة مستأذناً الحضور ونهض متجهاً لشرفة مكتبه.
- بابا أنا في اجتماع حبيبي، محبتش أفصل الاتصال علشان متقلقش، إحنا كويسين، وروبي خرجت النهاردة راحت الجامعة، ورجعت البيت ولعبت مع خديجة كمان، يعني متخافش عليها، وطلبت من طنط علية تعملها محشي، قالت عايزة تاكل محشي بفراخ مشوية.
قهقه جواد وهو يضغط على ذراع غزل التي ابتسمت بعد سماعها حديث أوس.
- خلاص يا حبيبي، هسيبك تشوف شغلك، وهكلمك بالليل.
رفع ذقنها بعد إنهاء الاتصال.
- بنتك قادرة والله يا قلبي، هتخلي عز يركع قدامها.
حاوطت خصره تضع رأسها بأحضانه.
- مفترية زي باباها لما كان بيعاقب أمها.
تراجع مبتعداً يرفع رأسها ثم نظر إليها.
- لأ والله، أنا كنت مفتري، طيب يا ستي المفتري دا جعان هناكل ولا نكلم بناتك.
هزت رأسها وابتسمت.
- لأ خلاص، أنا كلمت غنى الصبح، وروبي أوس طمنا، اطلب أكل حبيبي.
عند عز وربى.
حملها متجهًا بها لداخل منزل غزل في المزرعة.
وضعها على الفراش، ثم قام بنزع حذائها. ظل يتأمل ملامحها لدقائق. لقد اشتاق إليها حد الجنون.
اتجه إلى الخارج، يضع الأشياء التي جلبها، وقام بإعداد وجبة طعامها حتى تفيق. ابتسم عندما تخيل رد فعلها.
نظر للسكين الذي بيديه، وحدث حاله:
- عارف لو مسكتك ممكن تموتني فيها، لازم أخبيكم.
قالها بإبتسامة.
وضع الطعام على السرفيس، ثم نظر بساعته واتجه منتظراً إيقاظها.
قام بخلع قميصه، ثم اتجه من الجانب الآخر من الفراش، وتمدد بجوارها عندما غلبه النعاس. جذبها لصدره يستنشق رائحتها ويملأ رئتيه، ضمها بقوة حتى اختفت بأحضانه.
بعد دقائق معدودة فتحت عيناها وثقل برأسها سيطر على جسدها حتى دفنت رأسها مرة أخرى بصدره عندما فقدت اتزانها وكأن جسدها شُل بالكامل. والنوم يداعبها بقوة، حاولت لمرات السيطرة من غمامتها ولكن حملها لم يساعدها حتى أغلقت عيناها مرة أخرى وكأنها تحلم به. جسدها المرهق وحالة السكر التي تعرضت لها جعلتها غير متنبهة حتى دفنت نفسها بالكامل لتذهب بسبات عميق.
بالكلية الحربية.
اتجه له أحد الأصدقاء.
- حمدالله على السلامة يا حضرة الظابط.
ابتسم لصديقه وحضنه.
- الله يسلمك يا كريم، عملت إيه في الكام يوم؟
ضحك كريم متحركاً يضع المنشفة حول عنقه.
- من غيرك مكنش حلو، المهم أنا هنزل بكرة، وكويس هحضر خطوبة أختي.
- مبروك يابني عقبالك..
ضحك كريم بابتسامة.
- بدور على عروسة، مش عندك عروسة؟
كان يرتب أشياءه فرفع رأسه وتساءل.
- بتتكلم جد يابني، هتتجوز جواز صالونات؟
قفز من فوق مخدعه وتوقف بجواره.
- إنت بتأمن بالحب؟
هنا تذكر ياسين ليليان، فتنهد بحزن وهز رأسه قائلاً:
- مفيش حاجة اسمها حب يا كريم، بس برضو دي شريكة حياتك المفروض إنت تختارها حتى لو بالعقل.
دقق النظر بعينيه فتساءل.
- ياسين إنت حبيت قبل كده؟
أغلق الخزانة بعنف واستدار إليه هاتفاً بغضب:
- ممكن منتكلمش في حاجات شخصية كدا.
قالها وجذب منشفته بعنف متجهاً للمرحاض.
توقف كريم ينظر لسراب خطواته فحدث حاله:
- شكلك انضربت بقلبك يابن الألفي.
بمنزل جاسر.
قبل قليل أنهى اتصاله، وولج للداخل متجهاً إلى المطبخ، يبحث عن العاملة.
- هي راحت فين دي كمان؟
تحرك متجهاً لإعداد فنجان قهوة. توقف أمام الموقد، ودموعها وحديثها الذي مزق صدره، لقد تضاعف الألم بقلبه.
جلس لبعض اللحظات محاولاً أن يهدأ حتى يصعد ويحاورها بهدوء، ولكن كرامته منعته بالذهاب خلفها. كيف تطعن به وهي تعلم بكم عشقه لها؟ قلبه ينبض بعنف يكاد يخرج من بين ضلوعه، يريد أن يضمها بقوة حتى يهشم عظامها بين ذراعيه ليعلمها كيف يكون العشق. كيف لكِ حبيبتي أن تشكِ بعشقي لكِ وأنا سلطان الغرام الذي قدم لكِ الولاء والطاعة؟
من بين أنفاسه الملتهبة وقلبه المحترق بعذاب عشقها نهض بعدما ضرب كل شيء عرض الحائط؛ تمرد قلبه على عقله وكرامته وصعد إليها ليعاقبها بأشد العقاب وهو سحقها بين ذراعيه.
تحرك لبعض الخطوات ولكنه استنشق رائحة دخان بالمنزل. نظر بأرجاء المنزل ولكن لم يكن شيئاً.
نظر للأعلى بذهول وكاد قلبه يتوقف عندما وجد الأدخنة تخرج من غرفته.
هنا شعر بانهيار عالمه وهو يشعر بأن أصابها مكروه.
صعد كالمجنون يدفع الباب بكل قوته، ركل الباب يصرخ بها:
- جنى.. افتحي الباب، جنى حبيبتي افتحي يا عمري..
صرخة باسمها هزت جدران المنزل وهو يدفعه كالمجنون.
بحث بالمكان عن شيء، وكأن عقله توقف ولا يعلم ماذا عليه فعله.
قلبه ينبض بعنف، وجسده يرتجف، نظرات ضائعة معذبة. صرخ وصرخ يدفع الباب بكل ما لديه من قوة. هنا تذكر شيئاً، هرول إلى سيارته، النار بداخل اشتعلت بكل شيء.
قبل قليل.
بالداخل.
جلست تحتضن نفسها وعبراتها كزخات المطر كلما تذكرت قربه من غريمتها. اليوم ذبحت بسكين بارد على يديه، يد الذي وهبته كل حياتها.
زفرات بنيران متقدة وكأنها تخرج من قلبها.
❈-❈-❈
بدأت النار تحاوطها من كل مكان. كانت تطالعها وكأنها في عالم آخر. نظرات باردة للنيران وكأن الذي يحاوطها ليست نيران. ورغم أنها بدأت تلتهم كل شيء يقابلها، وازدادت ألهب الشهب حولها، وضعت رأسها على الجدار تنتظر تراجع ذكرياته معها، منذ طفولتهما حتى تلك اللحظة التي هشمتها. انسابت عبراتها وهي تنتظر تلك اللحظة الفارقة لتبتعد عن كل شيء. لما لا.. واليوم فقدته، وبعد فقدانه سُلبت روحها. لم يعد لديها قدرة لتحارب أو تتعايش مع ذاك الألم وهو ابتعاده وامتلاك أخرى له.
ألم الخيانة ينخر بعظام جسدها، ويفتت قلبها. اختنقت من رائحة الدخان المنبعثة التي حاوطتها بالكامل حتى اقتربت النيران من جلوسها. أخذ الألم يسكن روحها.
بشفتين مرتجفتين وعينان ذائغتان همست اسمه:
- جاسر..
قالتها وشعورها بغمامة سوداء تحاوط جسدها. ظلت تهمس اسمه على صوت صرخاته بالخارج.
جذبت كنزته التي توضع على المقعد بجوارها واستنشقت رائحتها تملأ رئتيها من رائحته بدلاً من الأدخنة التي تسربت لرئتيها لتصيب جهازها التنفسي بالكامل، ولم تقو على التقاط أنفاسها. وضعتها على أنفها واغمضت عيناها وابتسامة على وجهها ما إن لامست أنفها رائحته. ظلت تستنشقها كأنها جرعة مخدر للمدمن. تراجعت برأسها مرحبة بعالمها لتغفو على رائحته.
وصل وبيديه سلاحه ثم أطلق رصاصته لتخترق باب الغرفة ويفتح أخيراً.
وقف مشدوهاً يتمزق قلبه من حالتها. هرول إليها يضمها لصدره.
- جنى حبيبتي.. جنى افتحي عيونك يا قلب جاسر.. لا يعلم أي جرم ارتكبه ليؤذيه الله بها..
استغفر الله عدة مرات فحملها واستدار ليتحرك ولكن أشعلت الغرفة بالداخل والنار تلتهمها كما تلتهم سنابل القمح.
بدأ يسعل بشدة والدخان الممزوج بالخوف يسد مجرى تنفسه. سيطرت النار بالكامل تلتهم المكان حوله كالوحش الضاري، وألسنة اللهب خرجت حتى وصلت النافذة والشرفة.
وقف بمقلتين تغشاهما الدموع وقلب تهشم بالعجز وهو يرى النيران تأكل كل ما يحاوطه. جاهد عجزه وسيطر على ضعفه ثم ضمها بقوة كأنه يحميها بصدره يحاوطها بذراعه لتبتعد عنها النيران. يحميها كالقلعة الحصينة التي تحمي جنودها من الأعداء. انتفض بزعر عندما فقد التنفس والرؤية وهو يحاول أن يجد مخرجاً بها. انسابت عبراته رغماً عنه عندما شعر بأنه كطائر مكسور الجناح داخل قفص حُجز بأغلال مصفدة.
تراجع متجهاً إلى الشرفة كل ما فكر به إنقاذها من تلك النيران. انبعثت الأدخنة بقوة حتى ازداد سعاله وفقد الحركة، وأحس بالدوار وكأن أحدهم ألقاه بعصا غليظة. ورغم ذلك لم ييأس، دفع تلك الستارة التي اشتعلت بالكامل حتى هوت على الأرض.
وصل المسؤولون عن حديقته وكذلك حارس المنزل عندما وجدوا ألهبة النيران. رفع قدمه وركل الزجاج حتى تناثر بالأرجاء.
نظر للأسفل المكان ليس الارتفاع الشاهق، ولكن يرتفع بعض الأمتار.
وصل حارس منزله يصيح باسمه. توقف عقله لا يعلم كيف يخرج بها من تلك النافذة. نظر لشرفته ولم يستطع الوصول إليها بسبب النيران المتقدة بقوة. صرخ على الحارس.
- شوف مرتبة بسرعة يا إسماعيل، بسرعة.
صرخ بها عندما وصلت النيران لذراعه، تراجع بها ينظر لخصلاتها المتدلية. حرك كفيه يجمعها حتى لا تصل إليها النيران. رغم حجز النيران بكفيه عنها نظر حوله بتيه لم يعد سوى مكانه الذي يقف به، وذاك الهواء المنبعث من النافذة لتعيد تنفسهما مرة أخرى.
أمسكت النيران بقميصه من فوق ذراعيه حتى شعر باحتراق جزء من ذراعيه. النار شبت بقميصه من الجنب. احتضنها بقوة وقفز بها يضمها بقوة حتى لا تسقط على الأرضية الصلبة. نزل بها على ركبتيه وذراعه أمانها حتى لا تصطدم بالأرضية.
أسرع الرجل محاولاً جذب قميصه من فوق جسده بسبب عدم اتزانه من قفزه، عندما وجد محترقاً من الجنب وبه بعض النيران.
هرول إلى المسبح بملابسه ليطفئ تلك النيران التي لسعت بعض من ذراعه. خرج من المسبح سريعاً ينزع كنزته من فوقه بوصول أحد الجيران وتجمعهم بعد نشوب النيران بالمنزل بالكامل. اتجه إليها يبعدها عن الجمع. أحضر أحد من الجيران ثياباً ارتدى قميصاً وحمل زوجته متجهًا سريعاً لسيارته بوصول سيارة الإطفاء.
وصل بعد قليل إلى المشفى، يصرخ بالمسعفين وشرح ما صار.
بدأت الحروق تظهر على ذراعه، متألمًا.
وصلت الممرضة إليه:
- حضرتك مصاب، ممكن تدخل قسم الحروق يرطبوا الجرح.
هز رأسه رافضاً وتحدث:
- أطمن على مراتي الأول.
❈-❈-❈
بحي الألفي.
بحثت ياسمينة على جنى بالحديقة ولكنها لم تعثر عليها. توجهت إلى منزل صهيب.
- عمو صهيب،
رفع رأسه من فوق الجريدة ينظر إليها.
- تعالي حبيبتي.
فركت كفيها واقتربت منه.
- روبي مش موجودة، بدور عليها مش موجودة في البيت كله.
نهض مضيقاً عينيه ثم تساءل:
- مش فاهم يعني إيه روبي مش موجودة.
هزت كتفيها.
- كانت قاعدة في الجنينة ورحت أشوف خديجة، رجعت ملقتهاش.
تحرك بجوارها.
- دورتي كويس؟
- دورت واتصلت يا عمو.
كور قبضته عندما شك بابنه. هو رآه يدلف من البوابة منذ فترة ولكنه لم يصل إلى الآن.
أمسك هاتفه وقام بمهاتفنه.
كان يغفو بجوارها يحجزها بجسده. فتح عينيه ثم اتجه ببصره لتلك التي تتشبث بثيابه.
- تراجع برأسه يجذب الهاتف حتى لا يوقظها ثم قام بالرد.
- بابا!!
- روبي معاك يا عز.
تململت بنومها ثم فتحت عينيها عندما استمعت لصوته.
- أيوة يا بابا معايا.
تحرك متسائلاً:
- إزاي معاك يعني؟
استمع إلى صرخاتها.
- أنا فين وجيت هنا إزاي؟
حاولت التملص من بين ساقيه ولكنه حجزها بذراعيه ثم أجاب والده.
- مراتي وأخدتها محدش له حاجة عندي.
قالها وأغلق الهاتف سريعاً.
ظلت تلطمه وتصرخ به.
اعتدل يحاوطها بجسده ورمقها بنظرة مرعبة.
- هسمع صوتك صدقيني هخليكي تحلمي بكوابيسي، أنا لسة بتعامل معاكي بإنك بنت عمي ومراتي، اتحملت إهانة للعالم كله، ودا مش علشان أنا مش راجل، علشان أنا لسة باقي عليكي.
انسابت عبراتها على وجنتيها فهمست بشفتين مرتجفتين.
- ابعد عني يا عز متخلنيش أكرهك لو سمحت.
انحنى يضع رأسه بعنقها.
- أنا مش هقدر على كدا يا روبي، ارحمي قلبي، عارف إني ظلمتك، وعارف إنك اتكسرتي واتجرحتي مني، بس أنا مش هقدر أبعد عنك أكتر من كدا. صدقيني عز بيموت يا روبي.
رفع رأسه وسبح برماديتها.
- ربي أنتِ الهوا اللي بتتنفسه، يرضيكي تخنقيني.
رفع كفيه يمسد على خصلاتها.
- على عيني يا قلبي أشوف دموعك دي، بس إنتوا اللي وصلتونى لكدا.
- عز لو سمحت اللي بتعمله دا غلط، لا بابا ولا اخواتي هيسكتوا، إحنا مايقناش ننفع للبعض.
هز رأسه رافضاً كلماتها.
- كذب.. كذب يا روبي بتكذبي على نفسك.
وضع كفيه على أحشائها.
- هنا فيه بذرة حبنا، هتحرميني منها يا روبي، هتقدري تبعدي ابني عني وتعيشي مع ابنك من غيري.
حاولت الاعتدال ولكنه كان المتحكم الأكبر بجسدها.
- أنا طلقت البنت اللي اتجوزتها، دي بنت سكرتيرة عندي، ليها أخت مريضة حبيت أساعدها في مقابل تعملي خدمة أضايق جاسر، كنت عايز أحسسه بالنار اللي جوايا، ورغم كدا مقدرتش أعيش الوجع اللي عشته، مستحملتش أخليكي تشوفيها وتتألمي، رغم إن جاسر عذب أختي كتير.
- مكنش يعرف يا عز.
لكم الفراش بجوار رأسها.
- كان حاسس يا روبي، ماهو متقنعنيش إن الكل خد باله وجاسر لا، ده حتى بابا قاله تعرفي رد قاله جنى أختي.
- أقنعيني يا روبي منين كان بيعتبرها أخته، ومنين هيموت الكل عشانها.
انسابت عبراتها بقوة.
- عز أنا انكسرت من جوا، وإنت اللي كسرتني، ماليش دخل بجاسر إنت اللي كسرتني مش جاسر، رغم إن جاسر بيحارب الكل وانت بترمينى جيت تساوم عليا.
اقترب وتحدث بالقرب من شفتيها.
- مكنش قصدي أوجعك، هو فيه حد يقدر يوجع روحه يا روبي؟
اقترب يرتشف دموعها بعدما أطبقت على جفنيها وشهقات خرجت متألمة من جوفها مهتزة.
- ابعد يا عز، أرجوك متكهرنيش فيك أكتر من كدا.
توقف عما كان يفعله، لقد أصبحت كلماتها كالسهام المخترقة لقلبه حتى تلألأت عباراته.
- يااااااه يا روبي، لدرجة دي شايفة عز وحش أوي، كرهتيني يا روبي.
نهضت بعدما ابتعد عنها، تدور بعينيها بالمكان.
- إنت خطفتني يا عز، خطفت بنت عمك.
اقترب يحتضن وجهها بقوة.
- إنتِ مراتي مش واحدة من الشارع وخاطفها.
صرخت به وهي تحتضن أحشائها.
- عز من فضلك رجعني على بيتي.
نهض من فوق الفراش وأشار على الطعام الموضوع.
- عملتلك أكل، ياريت تهتمي بنفسك، متنسيش إنك حامل. ومفيش خروج من هنا.
قالها وتحرك للخارج.
بالمشفى عند جاسر.
ولج للداخل، بخطوات مبعثرة مثل دقاته العنيفة التي تخترق صدره بقوة، وحزنه عليها حفر ثقوباً داخل قلبه حتى مما أفقده شعوره بالنبض.
وصل إليها وجلس بجوارها على المقعد، يحتضن كفيها ثم رفعه يلثمه.
- هونتِ عليا يا جنى، عايزة تموتي وتبعدي عني.
ووخز كالسمامير يخترق صدره من مجرد فكرة ابتعادها عنه.
انحنى يضع رأسه بصدرها وبدأت شهقاته بالارتفاع.
- ليه يا جنى، ليه تموتيني كدا.
رفع رأسه يمرر كفيها على وجنتيها كأنها ينحت معالمها.
اقترب يطبع قبلة على وجنتيها.
- جنجون حبيبتي افتحي عيونك حبيبتي، متعمليش فيا كدا.
رفع كفيها يضعها على خديه وأطبق جفنيه متألمًا على ما وصلا إليه.
آآه يا جنى لو تعرفي أنا حاسس بإيه دلوقتي.
طالعها بنظراته، وهناك رجفة اعترت فؤاده وسحبت أنفاسه تقوده إلى سحقها بأحضانه.
❈-❈-❈
رفرفت بأهدابها تهمس باسمه.
ابتسامة تجلت على ملامحه.
- حبيبة جاسر أنتِ.
قالها ثم انحنى يقطف قبلة يخطف أنفاسها عندما فقد سيطرته.
فتحت عيناها عندما حجز ثغرها الندي بين خاصته. دفعته بكفيها.
ابتعد وهو يلهث يحتضن وجهها.
- كدا تموتني من الخوف عليكي.
ظلت صامتة وسحبت عيناها بعيداً عنه.
أدار وجهها إليه.
- مش عايزة تكلميني.
لمس الجهاز الموضوع بأنفها.
- تنفسك عامل إيه يا حبيبي.
دفعت كفيه وتحدثت بتقطع:
- ابعد عني إياك تلمسني.
قالتها بشهقات.
برودة اجتاحت أوصاله وكأنها صفعته بقوة.
- أبعد يا جنى، عايزاني أبعد؟
ابتسامة سخرية تجلت على ملامحها بوسط عبراتها الخائنة قائلة:
- مستنية أخُدك في حضني بعد كذبك وخداعك وخيانتك ليا.
أصبحت عبراتها كالشلال حتى تحولت لشهقات مرتفعة وجسدها يهتز.
- كنتِ عارفة إني مش قادر أبعد عنها، بس تدبحني بالطريقة دي، ليه عملت فيك إيه يا ابن عمي، ده أنت حبيتك حب لو اتوزع على الأرض يغطيها.
كانت دمعاتها تنحدر مع كل كلمة تتفوه بها. اقترب منها عندما اعتصرت دموعها قلبه وأحرقته دون رحمة.
احتضن كفيها يقبلها.
صرخت به:
- ابعد ماتلمسنيش، ابعد يا ابن عمي مبقاش ينفع.
هنا شعر بوجع بحجم الكون، حاول السيطرة على غضبه الذي تجلى بأنفاسه الحارقة، بينما هي استأنفت حديثها ببكائها المرير وهي تشعر بالقهر منه ومن قلبها الذي يتمنى قربه.
- مبقاش ينفع نكمل مع بعض يا ابن عمي، كسرتني، برافو عليك.
لم يتحمل كلماتها ولم يعد يتحمل دموعها التي كوت روحه.
جذبها لأحضانه، يشدد من عناقها وهمس بنبرة متحشرجة بآلام صدره.
- خدي روحي يا جنى معاكي قبل ما تمشي وتسبيني.
شهقت بأحضانه.
- مبقاش ينفع، مش عايزة أكرهك، أرجوك مش عايزة أكرهك.
قالتها وهي تلطمه.
احتضن وجهها يزيل عبراتها بأنامله.
- حبيبتي والله العظيم ما فيه حاجة حصلت بينا، اللي شوفتيه البنت الخادمة دلقت القهوة على قميصي.
ظل يحرك أنامله حتى أزال عبراتها، إلى أن رفع ذقنها.
- تفتكري بعد الحب ده كله تصدقي إني أخونك.
اشتد بكاؤها ودّت لو صرخت من أعماق روحها لتصل آلامها إليه ويشعر بها.
- اتجوزتها صح، رديتها لعصمتك تاني، أنا شوفتك نايم جنبها.
أطبقت على جفنيها تعصر جفنيها وكأنها تمحو ذكريات تلك الصور.
ضمها.
- كنت نايم جنبها وهي نايمة على صدرك.
ارتعش جسدها تصرخ كالذي مسها مسٌ من جن.
- خاين.. واحد خاين، أنا شوفت كل حاجة، هدومك كانت على الأرض يا كذاب.
وضعت يديها على عينيها تصرخ ثم تراجعت تجذب جهاز التنفس من أنفها.
- كرهت نفسي، كرهت قلبي مبقتش عايزك، ابعد عني متخلنيش أكرهك أكتر من كدا.
هتفت بها بنيران قلبها بدخول أوس إلى الغرفة.
- جاسر..
استدار إلى أخيه كالضائع، فلقد شقته إلى نصفين. ثم اتجه إليها.
- أنا كذاب، وخاين يا جنى.
هزت رأسها وصرخت كالمجنونة.
- طلعه برة يا أوس، مش عايزة أشوفه قدامي.
كان واقفاً مذهولاً مما استمع إليه.
انحنى بجذعه وغرز عينيه بمقلتيها.
- إنت بتغلطي يا جنى، ومش أي غلط، قولتلك مفيش حاجة ورجعتها مجرد مساعدة مش أكتر بس مفيش حاجة تانية.
- اااااوس..
صاحت بها وتوقفت تلوح بيديها.
- ابعده عني، مش عايزة أشوفه.
اقترب أوس الذي يحاول أن يستوعب ماذا صار ليحدث هذا.
اقترب منها مستنداً على الفراش يجذبها من كفيها، نزعت كفيها وبكت بصرخات.
- ابعد عني يا جاسر، روح لها، هي حبيتك روح لها بدل مش هتقدر تبعد عنها.
اقترب منها، جذبه أوس.
- جاسر سيبها دلوقتي، خليها ترتاح انت مش شايف حالتها.
أظلمت عيناه بنيران الألم وأشار عليها.
- أسيبها إزاي، دي حاولت تنتحر. ابعد عني يا أوس.
نزع نفسه منه واقترب يسحبها ثم حاوطها بذراعه. لكمته حتى تفلت من بين فولاذيته، لمست أظافرها جرح حروقه، فابتعد صارخاً، يضغط على آلامه. توقف أوس عاجزاً لا يعلم ماذا عليه فعله، وماذا سيحدث بعد أفعالها.
توقف بينهما وحاول إبعاد أخيه، رغم تألمه من حالته، حالته الذي أدمت قلبه، كل ما انتاب عقله أن هناك لبساً في الموضوع. توقف وحاول السيطرة عليه.
- جاسر اهدى، سيبني مع جنى شوية، عايز أقعد معاها، إيه مش من حقي؟ إنت ناسي إنها بنت عمي وأنا في مقام أخوها.
رفع نظراته المتألمة إليها، كانت تناظره بجمود لأول مرة يراه بسحر عينيها التي تحولت بنيران كرهه.
ابتلع غصته وتحدث بهدوء رغم حرق صدره بنيران الخذلان.
- أنا برة.
وقعت أعين أوس على الحروق التي طالت ذراعيه.
- جاسر إنت مصاب في الحريق.
استدار متحركاً، رفعت نظرها لذراعه الذي ظهرت به الحروق بشكل مبالغ.
اهتز قلبها وارتجفت شفتيها، هامسة باسمه بعد خروجه.
جذب المقعد بعنف واردف.
- ارتاحي يا جنى، شوفي حالتك عاملة إزاي، باباكِ زمانه جاي، أكيد بلغوه زي ما بلغوني.
استمع لرنين هاتفه عدة مرات، طالعه ثم أغلقه بعدما وجدها زوجته.
❈-❈-❈
- احكيلي يا جنى سامعاك، بس الأول لازم تفهمي حاجة مهمة.
- جاسر عمره ما كان كذاب ولا خاين يا بنت عمي، بلاش الكلام اللي يكسر الراجل ده.
انسابت عبراتها وكل ما تراه صورته بأحضانها. ما أصعب ذاك الشعور الذي يخنقها بسياج من نيران.
رفعت بصرها وأردفت بتقطع.
- كنتِ تعرفي إن جاسر رجع فيروز تاني؟
- آه.
سحب بصره بعيداً عنها وأجابها بهدوء رجل جليدي.
- كنت أعرف إنه رجعها، أو بمعنى أدق قالي من قبلها.
- إيه!!
قالتها بصدمة غير مستوعبة ما وصل لأذنيها.
- كنتِ تعرفي إن أخوك بيدبح فيا وسكت، لدرجة دي شايفاني رخيصة؟
أزالت عبراتها بعنف ثم صاحت بغضب.
- ويا ترى يا باشمهندس كنتِ تعرفي إنه زور تقرير المستشفى وطلعني مغتصبة؟
تراجع بجسده على المقعد، عندما أحس بتحطم أضلعه من كلماتها، ورغم ذلك رسم ابتسامة على وجهه وهز رأسه.
- مش ده علشان يجوزك، مش ده علشان محدش يقدر يقف قدامه ويقوله لأ. جاية تحاسبيه عشان خدع الكل ليفوز بيكي.
انحنى يتكئ بكفيه على الفراش وتعمق ببنيتها.
- بلاش الكلام ده ليا يا جنى، علشان إنتِ عارفة رأيي من الأول في علاقتكم وياما حذرتك، عملتي إيه ولا حاجة.
تراجع ساحباً نفساً وزفره بقوة، فلقد بلغ الغضب ذروته ورغم ذلك تحكم بنفسه حتى لا يصفعها.
أشار لها بسبابتيه عندما وصله عدم اقتناعها، فهتف دون جدال.
- المسؤول الأول عن اللي أنتِ فيه ده.. إنتِ ومحدش غيرك. إنتِ يا باشمهندسة متجيش تحطي غلطك على غيرك وتعملي بريئة.
نهض عندما فقد سيطرته واقترب منها.
- إحنا وصلنا لدايرة مغلقة كلنا بسببك مش بسبب جاسر. ارجعي كدا لقبل فرح جاسر لما وقفت وقولتلك يا جنى أنا ليه مش حاسس إنك بتمثلي قدام الكل بخطوبة جاسر الواهية لجواد.
رفع حاجبه ودقق النظر بعينيها.
- إيه افتكرتي.. افتكرتي يا جنى قولتيلي إيه؟ قولتي جاسر بياخد حقي من جواد وأنا مش شيفاه غير أخ وبس.
دار بخطى سلحفية ذهاباً وإياباً بالغرفة.
- اكتشف إنك بتتعالجي نفسي علشان مقدرتيش تشوفيه مع حد تاني، إيه يا باشمهندسة شغل الأطفال ده.
اقترب ورمقها بنظرات نارية.
- ليه عملتي كدا، ليه دفنتي راسك في الرمل زي النعامة وجاية تحاسبيه على حاجة مالوش دخل بيها.
- كان لازم جاسر يبعد وهو شايفك مع أخوه وإنتِ واقفة بتقوليله بتحبي جواد.
أما بجسده.
- عارف كلامي جارح ويوجع بس ده علشان تفوقي يا جنى وتطلعي من دور الضحية اللي إنتِ فيه. إنتِ مش ضعيفة ولا غبية، بس خطواتك الغلط وقعتينا كلنا في بعض.
- عز بقى عامل زي الوحش بيدوس على الكل، معرفش تعرفي ولا لا، بس عز اتجوز على روبي علشان يحرق جاسر.
- إيه رأيك يا بنت عمي.
جحظت عيناها بذهول تهز رأسها قائلة:
- مستحيل.. عز بيحب روبي مستحيل يكسرها بالشكل المهين ده.
قهقه على غير عادته وأشار عليها.
- ما إنتِ عملتيها مع جاسر وكسرتيه، يعني ماشاء الله إنتوا الاتنين واحد يدبح في أختي بدل المرة عشر مرات.
وحضرتك جاية تحاسبي جاسر على مجرد إنه بيعمل حاجة رجولية.
- اطلع برة مش عايزة أسمع حاجة من حد.
تحركت معتدلة على الفراش.
- ولا أقولك أنا اللي همشي منها.
توقف أمامها وحاوط أكتافها.
- جنى بلاش تصعبي الأمور لو سمحتي، كفاية اللي حصل لحد دلوقتي. اعقلي واسمعي جاسر عمل كدا ليه، بلاش إحنا بنوقع من بعض، هتكوني مرتاحة لما نكره بعض وبابا وباباكي يوقفوا قدام بعض عشان مشاكلكم.
تنهد بهدوء ثم تحدث بعقلانية.
- هقولك حاجة عاقبي جاسر لو ما اقتنعتيش بكلامه، بس بينكم بلاش تولع دلوقتي، تخيلي كدا لو رجعتي بعد شهر من جوازك بيت أبوكي، الناس هتقول إيه. بلاش دي فكرتي ممكن عز يعمل إيه في جاسر لما يعرف.
- فكرتي في عمك يا جنى، أنا مش هتكلم أكتر من كدا. إنتِ عاقلة ما فيه الكفاية مش مستنية حد ينصحك.
زفرة حارة خرجت من جوفه ثم تعلقت عيناه بعينيها التائهة المترددة فاستأنف.
- خدي وقتك وفكري كويس بس بعقل صهيب الألفي مش عقل جنى مرات جاسر الغيورة.
❈-❈-❈
خانته ساقيها فجلست رغماً عنها.
- مكنتش أتخيل تكون قاسي معايا أوي كدا يا أوس.
جلس بمقابلتها.
- أنا بحاول أتكلم بالعقل صدقيني، أنا لو متحكمتش في نفسي مش عارف ممكن أعمل فيكوا إنتو الاتنين إيه.
أنا أهم حاجة عندي دلوقتي أبويا وعمي. إنتِ وجاسر مش فارقين معايا علشان تستاهلوا اللي بيحصلكم لسبب بسيط هو عشان يهرب من قلبه راح ظلم واحدة واتجوزها، وإنت عشان تكوني العاقلة البريئة دفنتي حبك لحد ما حبك كسرك والنتيجة ما استولتيش ورحتي اتعالجتي.. صح ولا لا.
- فيروز مظلومة بعد كل ده يا أوس.
زفره حارة خرجت من جوفه يهز رأسه.
- من وجهة نظري العادلة آه يا جنى، فيروز أكتر واحدة اتظلمت بينكم. تعالي نعمل معادلة بسيطة كدا.
واحدة اتجوزت واحد وهمها بحبه وبعد الجواز اكتشفت إنه بيحب واحدة تانية. ومش معنى كلامي ده أنا ببرر لجاسر، أبداً والله ولا عجبني أي حاجة عملها، بفكر بكل الاتجاهات.
بس رغم كدا عمره ما كان خاين ولا كذاب.
ابتسمت بسخرية.
- أيوة لما خبى عليا جوازه، لما مراته جاتلي وقالت جاسر اتجوزك عشان الولاد.
ضيق عينيه متسائلاً.
- فيروز هي اللي قالتلك كدا؟
استمع لطرقات على باب الغرفة، ولج صهيب بقلب منتفض.
- إيه اللي حصل يا حبيبتي؟
رفعت بصرها لوالدها، أمانها ولما لا.. فالأب هو الحضن والحصن المنيع.
حاوطها بذراعيه يدفنها بأحضانه.
- بابا..
أردفت بها بشهقات مرتفعة. قبل رأسها.
- اهدي حبيبتي.. خلاص الحمد لله أهم حاجة إنكم بخير.
اتجه ببصره لأوس الصامت.
- أخوك فين وعامل إيه؟
قطع حديثهم دخول عز فزعاً للغرفة.
- إيه اللي حصل؟
جنى قالها بقلب ملتهب يجذبها من أحضان والده يبحث بجسدها عن أي أثر للحروق.
احتضن وجهها.
- إنتِ كويسة حبيبتي، فيه حاجة فيك اتأذت؟
هزت رأسها بالنفي.
- أنا كويسة يا عز، مفيش حاجة.
نهض صهيب متجهاً لأوس الصامت.
- جاسر فين؟
هنا فاق عز من لهفته ورفع بصره ينتظر إجابة أوس بشق الأنفس ليطمئن عليه.
- مش عارف يا عمو، دراعه كان فيه حرق، قالي خليك مع جنى وخرج.
تجه لجنى.
- إزاي بيتكم ولع يا جنى، وجاسر اتصاب أوي؟
انسابت عبراتها ولم تتحكم بنفسها ثم ألقت نفسها بأحضان أخيها وشهقة خرجت من فمها.
- اهدي يا جنى خلاص.
تحرك أوس للخارج.
- هروح أشوف جاسر.
قالها وعيناه على جنى. استدار متحركاً فتحدث صهيب.
- قوم شوف أخوك عامل إيه.
❈-❈-❈
نهض عز بعدما طبع قبلة على جبين أخته.
- هشوف جاسر وراجعلك يا قلبي.
تحرك مغادراً خلف أوس.
جلس صهيب بجوارها.
- إزاي بيتكم ولع حبيبتي، لما البواب كلمني كنت هموت من الخوف عليكم.
زحفت بجسدها للخلف، وبدأت تزيل الكانولا من كفيها.
- بابا عايزة أمشي من المستشفى، خدني البيت عند ماما.
ضيق عينيه يطالعها بصمت وترقب للحظات ثم تحدث متسائلاً.
- متخانقة مع جاسر ولا إيه؟
أشاحت ببصرها بعيداً عن والدها متراجعة للظهر الفراش ثم أطبقت على جفنيها.
- لأ، بس عايزة أرتاح.
ظل للحظات وعيناه تراقب نظراتها الهاربة.
- مخبية على أبوكي إيه؟
رفع سبابتيه.
- إياكي تكذبي عليا، إياكي.
نظرت إليه بأعين تقطنها الألم قائلة.
- أنا تعبانة يا بابا أوي، عايزة أبعد عن كل حاجة. هكلمك بقلب مريضة الدنيا كسرت فرحتها بس قبل أي حاجة أوعدني تفكر بعقل صهيب الألفي اللي اتعودته منك طول حياتي.
اهتز داخله حتى شعر بضلوعه تنكسر ضلعاً ضلعاً، وكأن صدره ارتطم بصخرة أفقدته ثباته. فتحشرجت حروفه متسائلاً.
- إيه اللي حصل واتمنى متكذبيش عليا المرة دي، عشان هزعل منك بجد يا جنى.
شعرت بتخدر بجسدها من نظرات والدها المنساقة عليها فهمست بتقطع.
- جاسر رجع فيروز لعصمته يا بابا.
تصنم جسده وكأنه بإحدى كوابيس حياته التي دعا الله أن لا تحدث أبداً. كظم وجهه بنيران الخذلان من ابن أخيه ورغم ذلك سيطر على انفعاله.
فابتلع غصة بطعم المرار والخذلان متسائلاً.
- عرفتي منين؟
رفعت عيناها لوالدها.
- جاتلي البيت، وهو كان عندها، شوفتهم مع بعض يا بابا.
قالتها بشهقات مرتفعة تضرب بيديها على صدره.
- شوفت جوزي في حضن مراته في شهر عسلي يا بابا، راح لها من بعد مارجعنا من شهر العسل بيوم واحد.
بعد ما كان مطلعةني لسابع سما راميني لسابع أرض وداس عليا يا بابا، ابن عمي داس عليا لحد ما موتني بالبطيء.
أحس بوجع يغزو أضلعه وكان أحدهم طعنه بخنجر بارد ففقد صوابه، ظلت نظراته على ابنته منتظراً شظايا حديثها الذي وصل إليه بسهم مشتعل لصدره.
صمتت تسحب نفساً عندما فقدت قدرتها على التنفس، كأن الهواء انسحب من رئتيها.
دقائق وصمت مريع لصهيب بينما هي رفعت نظرها واستأنفت.
- واجهته ومنكرش.
قالتها تهز رأسها وعيونها التي انتفخت بالبكاء.
- وبعدين إيه اللي حصل؟
صمتت للحظات ثم همست بتقطع.
- ولعت في البيت عشان أرتاح!!
توسعت أعين والدها بذهول، فهب من مكانه فزعاً.
- اتجننتي.. إيه الجنان ده!
صرخت بقهر.
- كنت عايزة أموت وأريح الكل، أنا بقيت تقيلة على الكل.
جذبها لأحضانه بقوة.
- ليه يا بنتي عايزة تكسريني كدا.. لدرجة دي أبوكي مش فارق معاكي.
خرجت من أحضانه.
- بابا قلبي وجعني أوي يا بابا، حوش وجعه يا بابا، جاسر كسرني وحطم قلبي.
شدد من احتضانها قائلاً.
- لأ يا قلبي أكيد فيه حاجة غلط، جاسر مستحيل يكسرك ولا يوجع قلبك، أنا متأكد.
ابتلع غصته التي وخزت جوفه باشواكٍ حادة واحتضن وجهها.
- جاسر بيحبك واللي بيحب مبيخونش يا جنى.. أنا متأكد إن فيه حاجة غلط.
هزت رأسها بانسياب عبراتها وقلبها المفتت قائلة.
- قلبي بيقولي كدا والله قلبي بيقولي كدا وهموت عليه بس أنا شوفت يا بابا بقلبي المجروح قبل عيني، شوفته يا بابا رغم إني كذبت كل حاجة.
هز رأسه بعنف محاولاً السيطرة على نيرانه التي تحرق داخله.
- لأ.. فيه حاجة غلط، ده واحد عاشق مستحيل يخون، أنا طلبت يرجعها وهو رفض، ليه دلوقتي يروح يرجعها بعد ما اتجوزتوا وقربتوا من بعض.
ألقت نفسها بأحضانه وشهقات فقط تخرج منها.
- نفسي أصدقك يا بابا، نفسي أرتاح وأكون في كابوس وأصحى منه، ادعيلي يا بابا يكون ده كابوس لأني مش هسامحه أبداً.
- طيب حبيبتي بطلي عياط وأنا هتكلم معاه وأشوفه، عايز أتأكد.
احتضنت كفيه وتعلقت بعينيه.
- بلاش تعرف عز يا بابا، أوس قالي إنه اتجوز على روبي حقيقي، عز عمل كدا.
أطبق على جفنيه ثم انحنى يطبع قبلة على جبينها.
- هشوف جوزك وأرجع.
ولجت نهى تبحث عنها.
- إيه اللي سمعته ده يا صهيب.
أشار صهيب على جنى.
- بنتك كويسة أهي، اهدي الحمد لله شكله ماس كهربائي والحمد لله عدت.
احتضنتها تبكي على هيئتها وبدأت تفحص جسدها.
- عاملة إيه، حصلك حاجة يا قلبي.
احتضنت كف والدتها قائلة.
- أنا كويسة يا ماما والله.
رفعت عيناها لوالدها.
- بابا روح اطمن على جاسر.
تحرك والدها بخطوات متعثرة وكلماتها تخترق روحه، هل جاسر فعل ذلك بالفعل؟ قابله عز فتساءل.
- ابن عمك فين؟
أشار على غرفته قائلاً.
- في الأوضة دي، معاه أوس وياسين كمان جه، اتصلوا بيه.
أومأ متفهماً فتحدث متجهاً إليه دون حديث.
- "بابا" فيه حاجة؟
هز رأسه دون حديث وتحرك متجهاً إليه.
ولج الغرفة كان مستنداً على ظهر الفراش، رفع أوس نظره لعمه، علم من حالته اخبار جنى له.
كور قبضته محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يتحدث ويغضبه.
قطع شروده رنين هاتفه.
نهض متوقفاً ثم خرج للإجابة على أخته.
- أيوة يا ياسو.
أجابته على الجانب الآخر.
- عز خد روبي ومشي يا أوس، بقالي فترة بدور عليها، وبعدين دورت عليها ليكون مغمي عليها في مكان في تسجيل الكاميرا، لقيت عز خدها.
❈-❈-❈
أنفاساً محترقة خرجت من رئتيه لو اقترب أحدهم منه لأحرقته. دفع الباب وولج إلى صهيب الذي جلس بجوار جاسر ينظر لحرق ذراعيه.
- عامل إيه؟
ابتعد بنظره وأجابه.
- كويس الحمد لله.
رفع نظره إلى ياسين واردف.
- ياسو سيبني مع عمو شوية حبيبي، عايزه في موضوع مهم.
ابتسامة سخرية تجلت بملامح صهيب، فاتجه لياسين.
- سيبني مع أخوك حبيبي.
تردد حديثهم دخول أوس كالمارد.
- طيب قولي أعمل إيه في ابنك، اديني سبب يخليني عاقل وماروحش أموته دلوقتي.
استدار ياسين.
- إيه اللي حصل.
بينما جاسر الذي أغلق عينيه يريد الاختلاء بنفسه، لا يريد الاستماع لأحد. ولكن فتح عينيه مذهولاً.
- عز خد أختي فين يا عمو، أكيد تعرف، قولي أقول لبابا إيه لما يتصل بيا ويقولي أختك اللي وصيتك عليها فين.
ضيق جاسر عينيه متسائلاً.
- مش فاهم إيه اللي حصل.
تحدث أوس بغضب.
- يارب تكون ارتحت دلوقتي يا جاسر باشا، اهو عشان يوجعك عمال يدوس على أختك ويوجعها، يعني مش مكفيه جوازه عليها، لا راح وخطفها كمان.
اقترب من صهيب.
- عمو صهيب صدقني بحاول أتعامل مع ابنك على أنه أخويا، بس هيستعبط ويقل بينا مش هستكتمه، ودلوقتي قدامه نص ساعة يرجع أختي.
ثم اتجه بنظره إلى جاسر وهتف بقسوة تجلت بنظراته.
- بنتِك عندك يا عمو، خليه يبعد عن أختي، أختي حامل ولو حصلها حاجة، صدقني هدوس على صلة الدم اللي بينا.
- أوس..
صاح بها جاسر بقوة.
- امشِ اطلع برة، مش عايز أسمع نفسك، برررررة.
أردف بها بقوة حتى شعر بألم ذراعيه.
كور أوس قبضته وتحرك دون حديث، بينما ياسين الذي خرج عن صمته.
- عز خرج عن المألوف يا عمو ولازم اللي يوقفه.
تحدث بها ثم تحرك للخارج.
تنهد صهيب بغضب، وتحرك للخارج متجهاً إليهم:
وصل ياسين إلى غرفة جنى وجد عز يتحدث بهاتفه.
توقف ياسين يرمقه بغضب.
- إنت كدا بتتمادى، ومتفكرش عشان ساكتين عليك ده ضعف مننا يا باشمهندس أبداً تبقى غلطان، ده عشان إحنا متربيين ونعرف احترام الصغير للكبير، لكن تغلط وتخبط في الحلال لا أنا هعملك متربي في شبرا متخرجش عفاريتي يا عز.. ربي قبل ما تكون مراتك فهي توأم روحي، فياريت ترجعها.
مسح عز على وجهه بعنف.
- ياسين ربي مراتي زي ما هي أختك ولازم نقعد نتصافى.
- بس هي مش عايزراك دلوقتي، ومتنساش إنها حامل.
- أه وكمان متنساش إنه ابني.
دفعه ياسين بقوة حتى اصطدم بالجدار.
- طيب عمك جاي في الطريق عايزك تقوله الكلمتين دول.
وولج للداخل إلى غرفة جنى.
بينما أوس الذي توقف يهاتف بيجاد.
- أيوة يا بيجاد.
للأسف البيت ولع، لا هم كويسين الحمد لله.
تمام.
أغلق الهاتف ثم لمح عز متجهاً إليه.
- أوس ابعد ياسين عني عشان متغبش عليه.
رفع جانب وجهه بابتسامة سخرية واقترب منه بخطى سلحفية.
- أنا كنت ساكت عليك وبقول يمكن يهدى، إنما إنت يا عز بتغلط كل غلطة عن اللي قبلها.
عقد ذراعيه مرة، ثم أشار بكفيه.
- تقدر تقولي بأي حق تاخد روبي من ورانا.
- مراتي يا أوس، ومش هتنازل عنها.
جذبه أوس ضاغطاً على أنيابه.
- قدامك نص ساعة لو مرجعتش أختي هنسى إنك ابن عمي، ومش هقولك زي جواد الألفي، كرامة ومش كرامة، لا ده أنا لما بدوس بدوس بجد.
نفضه عز غاضباً وزمجر مشيراً بسبابتيه.
- خوفتني يا له، وشكلك متعرفتيش، دي مراتي وأي مكان حابب أخدها فيه محدش يقدر يوقفني.
اشتعلت أعين أوس بغضب جحيمي فاقترب منه إلى أن توقف صهيب بينهما.
- اهدوا انتوا الكل.
ثم رفع نظره لابنه.
- عز المصايب كلها فوق راسي، روح هات مراتك.
ثم اتجه لأوس.
- وإنت اطمن على أخوك، مش ناقص غباء من حد.
مش عايز حد فيكم هنا، ياله غوروا من وشي.
أشار عز بسبابتيه.
- الكل لازم يعرف، مراتي مش هتنازل عنها، ومتنسوش إنها حامل.
وصل جاسر يوزع نظراته بينهم.
- إحنا في مستشفى يا محترم منك له، أظن إحنا متربين ما فيه الكفاية.
اتجه ببصره لأخيه.
- هو أنا مقولتش امشي من هنا.
ثم رفع نظره لعز.
- روبي فين يا عز، على ما أظن إنك كسرتني ما فيه الكفاية، بس نسيت. وإنت بتدور على حاجة تكسرني إنك بتكسر أختي الأول.
اقترب منه وغرز رماديته بعينيه.
- عايز توصل لإيه، عايزني أطلق جنى.
تمام يا عز هطلق أختك وانت طلق أختي وكدا اتصفينا يا ابن عمي.
صدمة نزلت على الجميع بوصول، ونهى التي تساند ابنتها للخروج.
وقفت كالذي سلبت روحها، وانسابت عبراتها بصمت. تحركت بجوار والدتها ثم همست بتقطع.
- عندك حق يا ابن عمي، كدا يبقى خالصين.
أما عز الذي انتفض قلبه بعنف وهو يرى شحوب أخته، لقد ذبحت على يد معشوقها، كما ذبح هو معشوقته. هل هذه العدالة الإلهية؟
تحدثت بتقطع.
- بابا.. عايزة أرجع بيتك بما إن حضرة الظابط وعز اتحكموا في حياتنا.
قالتها واستدارت متجهة للخارج، تتحرك بندوب قلبها المتمزق.
تحرك خلفها، وصل إلى نهى ثم أوقفها.
- طنط نهى لو سمحتي.
أومأت مبتعدة ثم اتجهت ببصرها لصهيب.
❈-❈-❈
سحب كفيها وتحرك بجوارها. تحركت دون حديث، يكفي ما صار، يكفي ألمها وانشطار قلبها.
وصلت إلى سيارته فهمست.
- مشيت معاك عشان مولعش الدنيا زي ما أوس قال، بس لحد هنا وكفاية.
ضم خصرها وهو يوزع نظراته بكل الجهات يهرب بنظراته.
- جنى مفيش حاجة حصلت بيني وبين فيروز، أقسم بالله دي الحقيقة، وأنا بحلفلك عشان أكدلك كل اللي وصل إليك ماهي إلا أوهام.
- بس أنا مش مصدقاك يا جاسر، ومتنساش إنت قلت فوق إيه.
ضغط على خصرها واقترب من أنفاسها.
- جنجون إنتِ عارفة ومتأكدة إني قلت كدا عشان أفوق عز مش أكتر، عايز أعرفه إنه ممكن يفقد روبي بجد.
تعانقت عيناها بعينيه.
- وأنا يا جاسر؟
ابتسم لاحت على وجهه من همسها المميت لقلبه، رغم كلمة بسيطة باسمه الذي حاولت ألا تنطقه إلا أن قلبها خانها وهمست بها.
- إنتِ روح جاسر، وحياة ربنا دي الحقيقة.
لمس وجنتيها.
- وحياة جنى عندي إنتِ أغلى من روحي.
اهتزت نظراتها مع رجفة قلبها، نعم تعشقه ولكن كيف تتعامل معه بعدما تسرب الشك لقلبها فتحدثت.
- نفسي أصدقك يا ابن عمي.
جذب كفيها وفتح باب السيارة.
- هنروح فين يا ابن عمي؟
- اركبي يا جنى.. مشوار هنروحه وبعد كدا قرري اللي عايزاه.
استقلت بجواره فهي بحالة لا تقوى على الجدال. تحركت السيارة إلى أن وصلت إلى المبنى الذي تقطن به فيروز.
نظرت حولها بوجه شاحب وبشفتين جافتين تحدثت بنبرة متقطعة.
- جايبني هنا ليه يا جاسر؟
استدار إليها وساعدها في النزول.
- تعالي يا جنى، لازم تتأكدي وأبرئ نفسي وأبعد الشك.
تراجعت إلى السيارة.
- جاسر امشي لو سمحت مبقاش حاجة تتقال، إنت لسة من دقايق قايل كل واحد أخد حقه.
احتضن وجهها يلمس وجنتيها.
- إنتِ حقي ومش هتنازل عنه حتى لو غصب عنك.
ضمها لأحضانه واغمض عينيه وآه حارقة خرجت من آلام قلبه.
- متعمليش فيا كدا لو سمحتي، فين ثقتك فيا، جنى أنا بحبك، ومستحيل أوجع قلبك، أنا رجعتها لظروف وطلقتها.
أخرجها من أحضانه مردفاً.
- وحياة ربنا دي الحقيقة، وتعالي واثبتلك ده.
هزت رأسها رافضة حديثه.
- بتبرر إيه يا جاسر.
اقتربت منه.
- بتبرر إن جوزي في حضن حبيته القديمة، بلاش أقول بتبرر لحبيبتك.
اعتبرني مراتك وقولي إيه المبرر إنك تكون في أحضانها.
- أحضان؟
قالها مذهولاً.
- جنى القميص اندلق عليه قهوة من الخادمة وكان ليا حاجات لسة في الشقة، فهي جابتلي قميص وأنتِ جيتي وأنا بلبسه، ده كله الموضوع.
دنت تنظر لمقلتيه.
- كداب يا جاسر، لأن قبلها بدقائق كانت في حضنك. أمسكت الهاتف وفتحت إليه الصور.
- شوفي يا ابن عمي وقولي إيه رأيك في الصور دي.
دقق النظر بالصور وهز رأسه نافياً ما يراه.
- بس الصور دي قديمة يا مدام، بصي في الصور كويس، وإنتِ تعرفي الصور دي جديدة ولا قديمة.
حاوط خصرها وطالعها بنظرات نارية.
- طلعتيني خاين وكذاب من شوية صور، وجيتي تجري عشان تمسكيني متلبس، حاولت تموتي نفسك كافرة عشان شوية صور، فين الثقة يا مدام.
فين الحب اللي بينا اللي يخليكي تفقدِ الثقة في أقرب الناس.
لكم صدره بقهر.
- أثق فيك إزاي وإنت بتقولي رجعتها، دوست على كرامتي ورجعتها ليه، جاية تكلميني على الثقة بعد ما سحبتها مني يا حضرة الظابط، أنا مبقتش أثق فيك يا جاسر.. ومهما بررت اللي شوفته هنا مستحيل أسامحك.
سحبها بعنف متجهاً لشقة فيروز.
- مش عايزك تصدقي، بس لازم تسمعي، وتأكدي بعدها مابقاش فيه جاسر.
صعد لشقتها سريعاً، وطرق الباب بصخب.
فتحت فيروز تنظر إليه بذهول.
- جاسر..!!
إيه اللي رجعك بدري كدا.
دفعها بقوة عندما تسرب الشك لقلبه، ثم سحب جنى للداخل.
طالعتهم فيروز ثم تساءلت بخبث.
- مش قلت هتبات عند جنى النهاردة عشان تستعطفها يا حبيبي.
ذهل من حديثها، فوصل إليها بخطوة واحدة يقبض على عنقها.
- بتقولي إيه يا بت اتجننتي، استعطف مين وليه.
أغمضت جنى عينيها بقهر وهي تستمع إلى صوت فيروز المتقطع.
- جاسر خلاص هي عرفت كل حاجة، وكدا أحسن، وجنى مستحيل ترفض تساعدنا.
دفعها بقوة عندما صرخت به جنى تدفعه.
- كفاية بقى كدب وخداع.
- هوت فيروز على المقعد تسعل بشدة عندما فقدت تنفسها. لحظات ثم رفعت رأسها تنظر إلى جنى بخبث.
- آسفة يا جنى.
ثم اتجهت لجاسر.
- معرفش بتعاقبني على إيه، إحنا كنا متفقين من الأول جوازك منها مايقعدش أكتر من شهر، دلوقتي عديت تلات شهور، تقدر تقولي هتفضل مخبيين لحد إمتى.
توقفت فيروز.
- اسمعيني كويس يا جنى أنا مش هخاف على مشاعرك لأنك مش بنت عمي، بس أنا مش عايزة الولد خلاص، الولد اللي هيخلي واحدة تشاركني في جوزي مش عايزاه.
صفعة قوية على وجهها.
- أنا كنت مخدوع إزاي في الحقارة دي.
حاولت التحرك ولكن تلاشت ساقيها وعجزت عن الحركة فهوت مرتطمة بالأرض.
استدار ينظر إليها بذهول، هرول سريعاً يرفعها من فوق الأرض.
- جنى..، جنى..
قالها بقلب ينتفض رعباً.
رفعها على الأريكة وحاول إيقاظها.
صرخ بفيروز.
- هاتي برفان أفوقها بيه، وادعي ربنا يا فيروز مايحصلهاش حاجة.
تحركت كإنسان آلي وجلبت له قنينة من عطره. قربها من أنفها مع لطم وجهها بحنية.
- حبيبتي، جنى.
رفرفت بأهدابها عدة مرات متأوهة من رأسها.
- آه..
كررتها عدة مرات.
ضمها لأحضانه. يمسد على ظهرها.
- جنى ليه كدا تخضوني عليكي يا جنى.
كانت تراقبه بألم ينخر بجسدها على لهفته عليها، أقسمت لربها أنها لم تجعله يهنئ بحياته بعدما ألقاها بدون رحمة.
احتضن وجهها. يبحر بنظراته على وجهها.
- حاسة بإيه يا روحي.
أزالت كفيه بعدما لمحت فيروز تقف خلفه وتضع كفها على كتفه في حين نظراته منصبة عليها.
نهض من مكانه يساند وقوفها.
- أبعدته.
- ممكن أكون وقعت كتير وكل مرة بستنى اللي يسندني بس دلوقتي أنا لازم أسند نفسي بعد كدا.
تواصل بصري مؤلم بينها وبين فيروز، وصورهما تروادها بقوة.
تحركت متجهة للباب.
- مفيش داعي أنا هعرف أرجع لوحدي.
اتجهت ببصرها لفيروز واكملت.
- خليك يمكن هنا تلاقي السعادة.
خرجت كلماتها مطعونة لقلبه برمح مشتعل.
تحرك إليها فوق غضبه منها كالذي يخطو فوق النيران لتجعل جسده كتلة متفجرة.
سحبها بعنف ولكنه توقف مذهولاً من حديث فيروز.
- شكراً يا جنى لأنك تفهمتي الموضوع.
ثم اتجهت لجاسر وأكملت ما هشّم جسدها.
- قولتلك جنى طيبة ومستحيل تقف قدام سعادتنا.
تحركت تجر أذيال الخيبة والخذلان. وتفرش الأرض أمامها بدموع حسرتها والام قلبها المفتت.
- أقسم بالله ما هرحمك يا فيروز.
جلست ترمقه بنظرات تهكمية.
- هخسر أكتر من كدا إيه يا حبيبي.
هرول خلف جنى، بعدما أردف.
- بكرة هتعرفي يا فيروز.
❈-❈-❈
وصلت إلى الأسفل تنظر حولها بضياع تدعو الله من قلبها أن يأخذ روحها علها ترتاح من تلك الآلام التي لم تقو على تحملها.
جذبها لأحضانه.
- أقسم بالله كذابة يا جنى.
- جاسر حبيبي ممكن تروحني، عايزة أروح وتاخدني في حضنك، ينفع، مش عايزة غير كدا.
رفعت كفيها على وجنتيه.
- لو أنا حبيبتك بجد روحني بيت عمو جواد خليني أنام في حضنك هناك بس.
رغم ذهوله من كلماتها إلا أنه عصرها بأحضانه.
- روح حبيبك إنتِ، وعد مش هخرجك من حضني.
ابتسمت متألمة، ثم همست له.
- بحبك أوي يا جاسر.
ضربات عنيفة كادت أن تؤدي إلى توقف قلبه من كلماتها، لا يعلم بماذا تفكر، أم أن حالتها أساءت مرة أخرى.
حاوط خصرها، متجهاً إلى سيارته.
قبل ساعات بالإسكندرية.
ولج إلى منزله يبحث عن زوجته.
- غنى، فينك يا قلبي.
خرجت بيدها سفيان.
- كنا بناخد شاور يا بابي.
قالتها بإبتسامة.
ضمها لأحضانه.
- حبيبي اجهزي هنسافر القاهرة بعد شوية، أنا حجّزت.
ضيقت عيناها متسائلة.
- القاهرة!!
إحنا لسة جاين من يومين، بابا حصله حاجة يا بيجاد ومخبي عليا.
ثم جبينها يهز رأسه بالنفي.
- بابا حبيبي في السعودية، نسيتي ولا إيه.
احتضن وجهها مردفاً بهدوء.
- بيت جاسر ولع، لازم ننزل نطمن عليه، وكمان المجنون عز خطف روبي والدنيا والعة، وأوس طايح في الكل، لسة ياسين مكلمني.
- جاسر حصله حاجة؟
حاول طمئنتها فأجابها.
- لأ، يا قلبي هو كويس متخافيش، يلا اجهزي بسرعة.
- لا لازم أكلم بابا، أكيد روبي دلوقتي مرعوبة من عز، وأوس مش هيسكت لما يعمل جريمة.
كان مستغرقاً بالنوم فاستمع إلى رنين هاتفه.
- أيوة يا غنى حبيبتي، عاملة إيه يا قلب بابا.
شهقت.
- بابا، اعتدل مبتعداً عن الفراش.
- فيه إيه يا قلب بابا، ابنك وجوزك كويسين.
- بابا بيت جاسر ولع.
هزة عنيفة أصابت جسده، فتساءل بلسان ثقيل.
- أخوكي حصله حاجة؟
كانت تقوم بتبديل ثياب ابنها فأجابته.
- معرفش يا بابا، المهم لازم ترجع عشان عز خطف روبي وأوس مش ساكت.
أطبق على جفنيه، وشعر بالدوار فتحدث.
- إن شاء الله على أول طيارة حبيبتي.
باليوم التالي.
استمعت فيروز لباب منزلها، هرولت تبعد الخادمة ظناً أنه جاسر. ولكن جحظت عيناها عندما وجدته أمامه بنظراته الشمسية.
رفع نظراته ونظر إليها بهدوء.
- قولتلك بلاش نتقابل تاني بس إنتِ فكرتيني برمي كلام.
•
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سيلا وليد
فتح باب السيارة وساعدها بالجلوس، ثم قام بالرد على رنين هاتفه.
"أيوة ياعمو، حاضر ياعمو راجعين."
استقل السيارة وعيناه تراقبها بصمت.
وضعت رأسها على الزجاج مغمضة العينين.
جذب كفيها، ينظر إليها بآسى من برودتهما التي تشبه برودة الثلج.
"جنى.. بصيلي."
عصرت عيناها ألمًا، فصوته يرسل إليها ذبذبات غير قادرة على تحنيها.
"جنى."
كررها عدة مرات، حتى أدار ذقنها إليه.
"متعمليش كدا لو سمحتي، بلاش توجعي قلبي لو سمحتي."
"بص قدامك ياجاسر، لو عايز نوصل سالمين، مش عايزة اسمع حاجة."
قالتها بجمود، ثم نزعت كفيها من بين يديه واستدارت تنظر من نافذة السيارة قائلة:
"البيت كله اتحرق، ولا لسة فيه ذكريات."
أطبق على جفنيه وكأن كلماتها سوط يطبق على عنقه، ورغم ما شعر به من آلام أجابها:
"ياسين راح البيت وبيقول الدور العلوي بس، تحت كله تمام، حتى هو اللي جاب تليفونتنا، وشوية ذكريات زي ما بتقولي."
مازالت تنظر بالخارج تستمع إليه بصمت. حمحم قائلاً:
"لازم نتكلم ياجنى، لازم تعرفي حقيقة رجوع فيروز."
"ميهمنيش.. انت ومراتك أحرار."
قالتها بنبرة ثلجية.
تعاظم الغضب بداخله وغلت دماؤه بداخل عروقه حتى زفر بنيران متأججة من جوفه وهتف بنبرة غاضبة:
"لأ يامدام هتسمعي، ولازم تعرفي اني مش خاين ولا كذاب، علشان لوفضلتي كدا يبقى فعلا ثقتك فيا كارثية."
طالعته ببرود وتحدثت:
"وأنا مش عايزة اسمع، مبقاش يهمني قولتلك، عايزة ارجع جنى قبل ماتحبك."
سحب ذراعها بقوة وكأنها أخرجت شيطاينه:
"اسمعي الكلمتين دول علشان مش هعيد كلامي.. انا مخنتكيش، واللي عملته دا كان غصب عني، كان لازم اكون راجل زي ماتربيت، منكرش أن اتلعب بيا، بس مش مهم، كله مردود، وحياتك عندي لأعرف ارجع كرامتي اللي انداس عليها بسببكم، انت وعدم ثقتك فيا وحبك اللي طلع مهزوز، وهي بخداعها وشغل الشياطين، وحاضر مش عايزة تسمعي أن شالله ماسمعتي ولا عايز ابررلك انا كمان."
كلماته أشعلت نيران قلبها حتى تجلى الضيق على ملامحها ممزوج بالحزن فشعرت بالخذلان منه. فأعلنت بينها وبين نفسها استراد كرامتها وأنوثتها بتحديها إليه، فاستدارت مردفة:
"خد حقك وذيادة ياحضرة الظابط، بس وانت بتاخد حقك مني افتكر إنك وجعتني في الأول ووجعتني في الآخر، ورغم نفس الوجع لكن المرة دي وجعتني ودبحتني الاتنين مع بعض."
توقف بالسيارة فجأة مما احتك إطارها بالأرض مصدرة صوتًا، ثم جذبها بقوة يحتضن ثغرها حتى يجعلها تصمت ولم يستمع لشيء آخر يؤذي كلا منهم.
دفعته بقوة بعدما شعرت بقساوة قبلته لأول مرة. تركها عنوة لاحتياجهما للهواء ثم تحدث بفظاظة:
"اسمع نفسك، هعمل أكتر من كدا."
قالها وتحرك بسرعة جنونية حتى وصل خلال دقائق معدودة لحي الألفي، توقف يشير إليها:
"انزلي."
ظلت للحظات بمكانها. صاح بغضب:
"انزلي."
ترجلت من السيارة وجدت والدها بإنتظارهما. وزع نظراته بينهما، تراجع بسيارته للمغادرة فأشار إليه:
"تعالى عايزك."
ذهب ببصره لزوجته، التي تحركت متجهة لوالدها. علم حينها بأن عمه علم بكل شيء.
احتضنها يقبل جبينها ثم أردف:
"روحي على بيت جوزك، بعدين نتكلم."
أومأت له ثم تحدثت:
"دا اللي ناوية أعمله، مش عايزة مشاكل بين عز وج وجاسر أكتر من كدا، بلاش تعرفه حاجة، وأنا من جهتي مش هحسسه بحاجة."
"ادخلي حبيبتي ارتاحي، وشك مخطوف، وأنا هتكلم مع جوزك شوية، غنى وصلت من شوية هي وبيجاد، مش عايزك تتكلمي مع حد."
تحركت بعدما وصل جاسر:
"عندي شغل مهم ياعمو، لو ينفع نأجل أي كلام لما ارجع."
استمع إلى صوت غنى تهرول إليه بلهفة:
"جاسر."
استدار إليها، تحرك حتى وصل إليها. احتضنها بعدما لمعت عيناها بدموع الخوف عليه. بحثت بجسده، نظرت متألمة للأحمرار ذراعيه:
"حبيبي، انت كويس؟!"
لثم جبينها ثم رسم ابتسامة:
"كويس حبيب أخوكي، حمد الله على السلامة."
احتضنت وجهه متسائلة:
"ازاي البيت يولع حبيبي؟!"
"حبيبتي أنا عندي شغل، ممكن لما ارجع نتكلم."
أشار بعينيه لدلوف جنى:
"خلي بالك من جنى، لسة متأثرة من اللي حصل، وياريت تخليها ترتاح."
ابتسمت له:
"في عيوني حبيبي متخافش، قلبك أمانة عند اختك."
طبع قبلة على كفيها:
"حبيبة اخوها اللي بتفهمه من غير كلام."
ضحكت واستدارت متحركة لداخل المنزل. اختفت ابتسامته وعبثت ملامحه عندما استمع لصوت صهيب:
"دا وعدك ليا ياجاسر، ليه تعمل كدا يابني."
استدار بهدوء واقترب مردفًا:
"أنا ماخذلتكش ولا خنتك، وافتكر حضرتك طلبت مني ارجعها وأنا رفضت، يعني لو كان في نيتي حاجة كنت ماصدقت، لكن للأسف سوء الفهم وجعنا كلنا."
أشار صهيب بكفيه:
"تعالى لازم توضحلي اللي حصل قبل ما أبوك يوصل."
توقف متسمرًا ثم تسائل:
"بابا عرف حاجة؟"
هز كتفه بعدم معرفة، ثم تحدث:
"أكيد دا جواد الألفي."
جلس وأشار إليه:
"تشرب قهوة، ولا اخلي نهى تعملك فطار."
رجع بجسده على المقعد:
"ماليش نفس، كنت عايز تتكلم معايا في اللي حصل مش كدا؟!"
"الأول قولي الكلام صح ولا لأ.. أنت فعلاً رجعت فيروز؟"
زفرة حارقة خرجت من أعماق جوفه ثم سحب بصره بكل الاتجاهات بعيدًا عن عمه:
"الأول حضرتك مصدق إني ممكن أذي جنى أو اخونها؟"
"لأ."
قالها صهيب بهدوء، ثم استند بذراعيه على المائدة:
"بس عارف قراراتك الغلط، ساعات بتدي قرارات من غير ما تفكر نتائج القرارات دي إيه."
دقق النظر بعينيه ثم تسائل:
"رجعت فيروز علشان هددتك أنها تعمل حاجة في جنى مثلاً؟"
هز رأسه بالنفي ثم تحدث:
"فيروز كلمتني واحنا مسافرين وقالت لي عايزة خدمة ومحدش يقدر يساعدني غيرك."
تنهد ثم سحب نفسًا وأخرجه بهدوء:
"كانت مقدمة على وظيفة في الخارجية لإحدى الدول العربية والوظيفة دي ليها بعض الشروط."
كان يستمع إليه باهتمام، فاستطرد حديثه:
"كلمت راكان البنداري وطلبت منه يتدخل ويمشيلها الدنيا، بس طبعًا الوظيفة دي مش بالوسطة بالشهادات والتاريخ العائلي، وفوق دا كله لازم يكون حد ضامنها."
اتجه بنظره لعمه واستأنف:
"رفضوا ورقها بحجة أنها مطلقة، والشرط يكون أنها متزوجة."
مسح على وجهه بعنف يفرك جبينه:
"والله يا عمو أنا حاولت أساعدها، حاولت أخرجها من تحكم أمها فيها، وخاصة لما عرفت الحفلات والقرف بتاع كل ليلة."
سحب كم من الهواء ثم لفظه بقوة واستأنف:
"فيروز كويسة يا عمو، ظروفها وحشة وأمها دي..."
بتر حديثه صهيب:
"لما هي كويسة يا ابن أخويا طلقتها ليه؟!"
باغته صهيب بنظرة مطولة حتى يكتشف دواخله.
أشاح جاسر بعينيه بعيدًا عنه:
"دا سؤال ولا شك يا عمو؟"
نهض صهيب يضع كفيه بجيب بنطاله:
"بنتي حاولت تنتحر وحضرتك جاي تبررلي بحجة متدخلش طفل عيل، مالي ومال فيروز."
حدقه صهيب غاضبًا:
"متبصليش كدا، أنت ظابط يا بني، ولازم يكون عندك الحس البوليسي."
أشار بإبهامه إليه:
"خدت إيه غير مراتك كانت هتموت، قولي وقتها فيروز كانت هتفدني بأيه يا جاسر، إنت وعدتني وللأسف طلعت عيل."
أردف بها صهيب متحركًا لمنزله.
توقف ينظر لأثر عمه ثم تذكر ما فعلته فيروز:
"ازاي قدرتي تلعبي بيا كدا، دا جزاتي."
استمع إلى صوت خلفه:
"عامل إيه؟!"
استدار برأسه ثم أومأ له:
"كويس.. إنت أخبارك إيه ومرحتش الكلية ليه؟"
جلس أمامه يطالعه بترقب ثم تسائل:
"أنا عارف إنك أكبر مني وليك احترامك انت وأوس، بس متزعلش مني قراراتك كلها غلط."
تراجع جاسر بظهره للخلف:
"لو مكاني هتعمل إيه؟!"
تسائل بها جاسر.
كتف ياسين ذراعيه على صدره واجابه:
"هواجه نفسي قبل ما أواجه الكل، أشوف عايز إيه."
لاحت على وجه جاسر ابتسامة ساخرة فهز رأسه:
"متبقاش واثق أوي من نفسك."
اقترب منه ياسين بالمقعد ثم انحنى بجسده ينظر بعمق لعيناه:
"جاسر إنت فعلاً بتحب جنى ولا اتجوزتها علشان موضوع الاغتصاب دا؟"
"ياااه دا حضرة الظابط كبر وجاي يحاسب أخوه الكبير."
لكزه بكتفه:
"مبقتش صغير يا حبيبي.. بقالي سنة وأكون ظابط حربية أد الدنيا."
داعب خصلاته ثم ذهب ببصره ينظر أمامه:
"محبتش غيرها."
اعتدل ياسين يستمع إليه باهتمام بقلبًا يحترق على حزن أخيه الذي تجلى بنبرة صوته.
ابتسم جاسر لذكرى فرح عز واخته ثم اتجه إليه مردفًا:
"أقولك حاجة.. يوم فرح عز كنت بهزر معاها وأقولها تعالي نتجوز وسيبك من موضوع أخويا واختي دا."
أفلت ضحكة بعبرة تكورت تحت جفنيه:
"والله كنت بقولها من جوا قلبي وقتها، رغم عارف إنها هزار."
أشاح بصره مرة أخرى وذكريات ذاك اليوم.. فأطلق تنهيدة مرتعشة من نبضات قلبه المؤلم واستأنف:
"اليوم دا كانت بتعيط وزعلانة من ابن عمتك علشان لعب بمشاعرها."
أطبق على جفنيه وصورتها بأحضان جواد تحرق أوردته.
نهض فزعًا عندما تذكر ذاك وتحرك للداخل. أوقفه ياسين:
"جاسر!!"
توقف يواليه ظهره وانفاسه المرتفعة تحرق من يقترب منه:
"مش همشي لما تحكيلي مش يمكن عايز آخد منك درس يفوقني."
استدار جاسر بجسده ينظر إليه مستفهماً. اقترب بخطواته وجذب ذراعيه:
"بتكلم جد يا جاسر، عايز أعرف ليه اتجوزت جنى، ومتقنعنيش إنك بتحبها."
رمقه جاسر بنظرة صارمة ثم أردف:
"اومال بتسأل ليه بدل مش مقتنع، انت أهبل يلا."
جلس ثم وضع خديه فوق راحتيه وطالعه بصمت. نفخ جاسر ثم دفعه حتى سقط على المنضدة يضحك بصوت مرتفع:
"خلاص.. عايز أعرف يالا متبقاش تقيل في نفسك."
ضرب جاسر كفيه ببعضهما:
"إنت أهبل يابني، أحكيلك إيه، هي حكاية."
"لأ.. درس يابن أمي وأبويا."
مسح جاسر على وجهه بعنف حتى كاد أن يقتلع جلده ثم نظر إليه قائلاً:
"جنى روحي يا ياسين، سواء اقتنعت ولا لأ، ومستحيل اخلي حد يدخل بينا ويبعدنا عن بعض."
ابتسامة تهكمية ظهرت على ملامح ياسين ثم تسائل:
"اه.. علشان كدا روحت اتجوزت واحدة تانية، هو اللي بيحب بيوجع حبيبه، ليه دايما بتوجعوا اللي بيحب بصدق؟"
ذهل جاسر من حديثه فاقترب يجز على أسنانه مردفًا:
"لو كنت شكيت في حبها صدقني مكنش قوة على الأرض تبعدني عنها، لكن يا حضرة الظابط تقيلة أوي على راجل يفرض نفسه على ست ولما تكون الست دي كل حياته، وخايف عليها لمجرد دمعة تنزل من عينها."
ضغط بقبضته على الكوب الذي بيديه وأكمل بنيران قلبه:
"تتحمل تقرب من واحدة وقلبها مع واحد تاني، تقدر تنام جنب واحدة ودموعها على مخدتها لمجرد أنها رضيت بنصيبها معاك، هتكون خسيس يا حضرة الظابط."
قالها وتوقف ولكن فجأة ياسين بسؤاله الذي جعله متسمر عندما أردف:
"طيب ليه اديت الحق دا لنفسك يا حضرة الظابط؟"
استدار وقد أخرج شيطانيه فاقترب وضرب بكفيه على الطاولة:
"بدل ما عشتش الإحساس دا مش من حقك تقولي كدا، متجيش تقارني بواحد اختار أنه يكون كدا."
نهض ياسين بمحاذته يضع كفيه بجيب بنطاله:
"بس ظلمت يا جاسر، بغض النظر عن إحساسك انت ظلمت نفسك وفيروز وجنى."
ركل المقعد وجن جنونه، واقترب من ياسين يمسكه من تلابيبه:
"أنا اللي اتظلمت يا حضرة الظابط، اتظلمت لما ضغطت على نفسي واتجوزت واحدة وأنا بقنع نفسي أنها كل حياتي وفي الآخر أفوّق على كابوس يحرق كل راجل.. أنا اللي اتظلمت يا حضرة الظابط لما أشوف البنت اللي حبها بيكبر يوم عن يوم والكل بيعاملنا على إننا أخوات."
"جاسر عيد ميلاد اختك بكرة، جاسر روح هات اختك من المدرسة، جاسر اختك خلي بالك منها هي رايحة عيد ميلاد صاحبتها، أنت أخوها أوعى تخلي حد يقربلها.. لا وحبيبتي تمشي معايا ومليش غير على لسانها بحبك أنت وعز زي بعض.. أخويا حبيبي اللي بيغير عليا."
أشار على صدره وتحدث بقهر:
"عايز من دا يعمل إيه والكل شايف جنى اخت جاسر، وجايين بعد ما أشوفها في حضن أخويا، دني من ياسين يجذب عنقه ويهمس له:"
"لما تشوف حبيبتك في حضن أخوك وهو بيبوسها كنت منتظر إيه تروح تحارب مين ضد مين يا حضرة الظابط."
تراجع وعيناه على ياسين وأكمل وهو يلوح بيديه:
"وبعد دا كله عمك جاي يوقف قدامي ويطلب مني أمثل بحبها اللي هي أصلاً حبيبتي."
ضرب كفيه ببعضهما:
"شوفت قهر أكتر من كدا، وياريت توقف على كدا."
جلس ورفع ساقيه على المنضدة وكأنه تحول لشخص فقد عقله وبدأت ضحكاته بالارتفاع:
"طلبوا مني أمثل إني بحبها هههه، لا ومش بس كدا الأستاذة العظيمة جاية تقولي كلم بابا يا جاسر خليه يوافق على خطوبتي من جواد أصل أموت نفسي."
قهقهات مرتفعة منه حتى أدمعت عيناه ثم صمت وتحدث بنبرة متحشرجة من الألم وأكمل:
"كان مطلوب مني إيه يا حضرة الظابط وياريت توقف على كدا بس، لا دا جايين يسألوني بعد دا كله، بعد ما خلاص وعدت نفسي إني أدوس على قلبي وأبني حياة بعيد عن الوجع دا كله.. ماما جاية تقولي حبيبي هو أنت بتحب جنى، حاسة نظراتكم لبعض مش نظرات أخوية."
تنهيدة عميقة بأنفاسٍ محترقة ثم رفع بصره لأخيه:
"مامتك ما أخدتش بالها إلا لما دمرت نفسي وخلاص تعايشت مع وجع قلبي واقنعته عيب احترم نفسك دي اختك، دي ثقة عمك وابن عمك، اتجننت عايز منها إيه عايز تسرق سعادتها."
أشار له بيديه:
"امشي يا ياسين الله لا يسيئك بدل ما تعرفش حاجة متجيش توقف قدامي وتسألني."
"جاسر اسمعني."
"قلت امشي ياسين، امشي."
تحرك ياسين دون حديث.
كان يقف يستمع إليه متأنبًا، هل تحمل صديقه كل هذا، وبعد ذاك الألم لم يرحمه وضغط بجبروته. ظل واقفًا لدقائق يراقبه ووجهه الذي تحول إلى لوحة من الألم والحزن بآن واحد.
تحرك إلى أن وصل إليه:
"قاعد كدا ليه يالا."
أردف بها عز بعدما جذب مقعدًا وجلس عليه.
رفع حاجبه ساخراً، ثم نفث سيجاره بوجهه:
"أنا سمحتلك تقعد، مش عندك بيت، قوم فز عليه، مش طايق نفسي، هتعمل فيا الظاهر بيبرس والله هموتك أنا على آخري."
رفع عز جانب وجهه بإبتسامة متهكمة، فتحدث:
"ليه يا جوز الاتنين، مطرود من عش الزوجية؟"
توقف جاسر عن ما يفعله فاقترب بجسده مضيقًا عيناه:
"إنت إيه اللي عرفك بموضوع فيروز؟"
جذب عز سيجاره وبدأ يدخن ثم ابتعد بنظره عنه صامتًا.
نهض جاحظًا عيناه يحاول أن يستوعب ما فطنه يهز رأسه رافضاً:
"يعني أنت كنت عارف اللي بيحصل، أنت كنت عارف أن فيروز بتعمل كدا علشان تبعدني عن جنى؟"
❈-❈-❈
اقترب منه كالمجنون يجذبه من ثيابه:
"إنت تعمل فيا كدا؟!"
حاول عز الفكاك من قبضته:
"جاسر أهدى وافهم هقولك إيه."
لكمه جاسر بقوة حتى شعر بتساقط أسنانه، ورغم ذاك تركه عز أن يفعل به ما يريد.
صاح بصوت كالرعد:
"تلعب بيا ياحيوان؟!"
صاح كالذي مسه مسًا جنيًا.
خرج الجميع على صوته. توقف أوس يبعد أخيه عن عز، ولكنه لم يقو فلقد تحول لمارد يريد أن يحرق الجميع.
جذبه صهيب بمساعدة أوس من فوق عز:
"إيه يالا محدش قادركم انتوا الاتنين."
قالها صهيب مزمجراً ينهرهما بغضب.
دفع جاسر أوس ووصل إليه يجذبه بقوة ثم دفعه بالجدار وهو مستسلم كلياً. توسعت أعين الجميع مما يراه. انتفض صهيب ذعراً عندما وجد سكون ابنه بين يدي جاسر.
❈-❈-❈
وصل ياسين وجنى على صرخاتهما.
دفع ياسين عز بعيدًا عن جاسر، وتوقف بجوار أوس حتى يوقفا هجوم جاسر الضاري.
بدأ يركل كل ما يقابله كالمجنون:
"حقيييييير ياعز، أنت واحد حقييير."
صرخ بها ثم دفع ياسين وتحرك متجهًا إلى سيارته.
وقفت بقلبًا يدمي مما رأته من حالته، اتجهت بأنظارها لأخيها ثم اقتربت لجلوسه تضع أناملها على جرحه:
"إيه اللي حصل بينكم؟"
دفع كفيها وتوقف متجهًا لسيارته.
توقف صهيب والشك يرواد عقله بفعل مخزي لابنه. هوى على مقعده عندما فقد الحركة.
وصل جاسر بعد قليل لمنزله المحترق. ترجل من السيارة هرول المسؤول عنه إليه:
"حمد الله على سلامتك ياباشا."
أشار بيديه بالتوقف:
"خليك زي ما أنت، هدخل أجيب حاجة وراجع."
ولج للداخل وكأنها تقف تنتظره كعادتها على باب المنزل. أطبق على جفنيه متحركًا ورائحة الحريق تخترق رئتيه. صعد لغرفتهما المحترقة.
توقف ينظر لأثر الحريق بقلب منفطر لقد أحرقت كل ذكرياتهما التي وشمها بنبض قلبه. هوى على الأرضية يضع رأسه على ركبتيه ورماديته تبحر فوق الغرفة بأكملها. وذكرياتهما كأنها شريط أمام عيناه.
هنا ابتسم وهنا حزن وهنا ضحك بقلبه وهنا وشم حبه بعلاماته إليها. كور قبضته عندما فهم اللعبة التي وقع بها.
تراجع بجسده مطبقًا على جفنيه، لقد سرقت سعادته من بين يديه بغبائه. استمع لرنين هاتفه رفعه مجيبًا عليه:
"أيوة يابابا."
على الجانب الآخر:
"أنا قدام بيتك أنت فين؟"
هب من مكانه متجهاً للأسفل:
"حضرتك رجعت.. أنا فوق."
ترجل جواد من سيارته، خرج سريعا لوالده.
هرولت غزل بقلبًا أم فقدت وليدها، تضمه ببكاء:
"حبيبي أنت كويس، إيه اللي حصل."
وضع رأسه بأحضان والدته كالضائع الذي فقد والديه للتو، انسابت عبرة رغمًا عنه ولم يقو على رفع رأسه من أحضان والدته.
تحرك جواد للداخل منه للأعلى ونظراته الثاقبة على المنزل حتى وصل لغرفة ابنه، توقف بمنتصفها، وعيناه ترسمها كالمخبر الذي يبحث عن دلائل الجريمة. تحرك إلى أن وصل للنافذة المحترقة بالكامل.
وصلت غزل وجاسر بعده بدقائق، استدار إليه:
"مين اللي ولع في البيت؟"
رفع بصره لوالده ثم اتجه لنظره لوالدته واجابه:
"ماس كهربائي."
أومأ جواد برأسه متفهماً، ثم تحدث بابتسامة لزوجته:
"اطمنتي على ابنك الحيلة، طب ينفع فنجان قهوة بقى، أنا شايف الأوضة بس المحروقة، يعني أكيد المطبخ شغال."
سحب جاسر كف والدته:
"تعالي ياماما، نعمل قهوة لسيادة اللوا."
تحرك خطوة ولكنه توقف على صوت والده:
"استني عندك."
ثم ابتسم لغزل:
"روحي حبيبتي اعمليلي قهوة عايز جاسر في موضوع مهم."
ابتلع ريقه واشاح ببصره بعدما أومأت غزل برأسها وتحركت هابطة للأسفل.
تحرك جواد خلفها قائلا:
"إحنا في الجنينة يا زوزو، وياريت لو شوية قراميش يا حبيبتي، عارف ابنك طفس واكيد جنجونة عاملة له ماهي عارفة إنه بيحبها."
قالها وهو يغرز عينيه بعين ابنه. وصلوا للأسفل ثم جذب مقعدًا وجلس عليه:
"سامعك."
قالها جواد وهي يبعد بنظراته عنه.
سحب جاسر كم من الهواء عندما شعر بعدم تنفسه ثم زفره ببطء ثم اتجه لوالده:
"عارف مهما أبرر لحضرتك هفضل المذنب في نظرك."
ابتعد عن نظرات والده وتحدث:
"رجعت فيروز لعصمتي فترة."
قاطعه جواد:
"غيره لأني عارف.. أنا مسألتش عن فيروز، أنا سألت مين ولع في الأوضة."
استدار بجسده مذهولاً:
"كنت عارف وسكت."
اقترب منه وغرز عينيه بأعين ابنه:
"جاسر أبوك مش غبي ولا عبيط، متلفش وتدور قولي مين فيكم ولع في الأوضة أنت ولا جنى."
تراجع بجسده يبتلع ريقه بصعوبة ثم تحدث بخفوت:
"جنى عرفت و.."
أشار بسبباته:
"جنى عرفت إزاي، متحكيش كتير."
"بابا.. اسمعني."
توقف جواد يطالعه بغضب:
"إيه يا حضرة الظابط السؤال صعب ولا الإجابة أصعب؟"
توقف أمامه:
"ليه حضرتك مش مديني فرصة أتكلم؟"
"تتكلم؟!"
قالها جواد تهكمًا:
"هتقول إيه، هتقول إن حتة بنت عرفت تخرب بيتك."
أشار بسبباته:
"أنا سبتها مش ضعف ولا حاجة، سبتها علشان مايقولش أن جواد الألفي استضعف بست."
جذبه من ياقته واردف:
"اسمعني يالا.. مش هتكلم في القديم، بس معاك أسبوع يا جاسر، أسبوع وألاقي البنت دي برة حياتك بلا رجعة."
وصلت غزل بالقهوة، وزعت نظراتها عليهما:
"عملتلكم قهوة وجبتلك حبيبي مقرمشات."
ارتدى نظارته وتحرك:
"اديهم لابنك يمكن يعرف ياخد قرار صح في حياته مرة واحدة."
توقفت تنظر إلى جاسر، ثم ربتت على كتفه:
"متزعلش من باباك حبيبي، هو مضايق على حالتك."
سحب كف والدته:
"يالا نرجع البيت، سايب جنى ومعرفش عملت إيه."
أشارت للقهوة مبتسمة:
"يعني تتعبوني وفي الآخر ماتشربهاش أنت وباباك."
حمل فنجانه وتحرك بجوارها لسيارة والده المنتظر بها. بسط يديه بالقهوة قائلاً:
"ينفع تزعل غزالتك منك يا حضرة اللوا، دا حتى قهوتنا واحدة."
ضحكت غزل واكملت:
"والطبع واحد."
أشار جواد على نفسه:
"أنا زي ابنك دا.. دا عايز أغسله مخه يمكن ينضف، معرفش هفضل ألم من وراه لأمتى."
"اركب يا غزل ولا أسيبك لابنك النغة."
انحنى يستند على نافذة السيارة ونظر لوالده:
"مش هتصاحبني ياروح أمك لحد ما ترجع جاسر اللي ربيته، مش عيل كلمة توديه وكلمة تجيبه."
قالها جواد وتحرك بسيارته دون حديث آخر.
توقف ينظر لأثر سيارة والده:
"ودا أقنعه إزاي، ربنا يسامحك يا فيروز."
❈-❈-❈
تحرك لسيارته، استمع رنين هاتفه، رفع ودقات قلبه تنبض بعنف كالمراهق، تمنى مهاتفتها منذ خروجه. رفع الهاتف على أذنه وأجاب بهمس:
"أيوا."
ابتلعت لعابها بصعوبة من صوته المزلزل لكيانها:
"إنت فين؟!"
استقل السيارة، يجلس خلف المقود ثم أجابها:
"ياترى سؤال ولا شك؟!"
جلست على فراشه تتلمسه ثم أطبقت على جفنيها ثم أجابته:
"لا دا ولا دا يا جاسر.. أنا راجع على البيت لازم نتكلم."
"إنت كويس؟"
أجابها متلهفًا:
"هتفرق معاكي؟"
صمتت تسيطر على دقاتها العنيفة:
"هو إنت مش ابن عمي قبل أي حاجة؟"
قام بتشغيل السيارة بعدما فقد الأمل قائلاً:
"لا يا جنى، لا مش دي ولا دي.. إنتِ قلبي وحبيبته، دي اللي لازم تتقال."
انسابت عبراتها رغمًا عنها، ثم تنهدت وشهقة خرجت من جوف آلام قلبها:
"مستنياك يابن عمي."
أردف بها ثم أغلقت الهاتف.
ضرب على المقود حتى شعر بتخدر كفيه هاتفًا بنبرة غاضبة:
"ليه بتعاقب على ذنب مش ذنبي، ليه؟!"
صرخ بها مما جعل بواب منزله يتوجه إليه:
"فيه مشكلة ياباشا؟"
قاد السيارة بسرعة جنونية وكأنه لم يستمع إلى أحدٍ، ضرب الرجل كفيه ببعضهما:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم."
"ربنا يهديك يابني."
وصل بعد قليل لمنزل فيروز. ظل يطرق على باب المنزل حتى خرجت إحدى جيرانها:
"أهلا يا حضرة الظابط.. المدام خرجت من ساعة."
أومأ برأسه ثم استدار متحركًا.
في بيت المزرعة وصل إلى المنزل.
قابلته ونيران جحيمية تريد إحراقه. توقفت أمامه تشير بسبباتها بسأم منه ومن قلبها الضعيف:
"لو مروحتنيش دلوقتي هموت نفسي سمعت ولا لا."
ابتعد يفسح لها الطريق، وأشار بيديه:
"اتفضلي ياروبي."
تجمدت بوقوفها عندما وجدت وجه المتورم. ارتجف قلبها من حالته ورغم ذلك تحركت كأنه لا يعني لها. تحركت بخطوات متعثرة تتمنى أن تستدير إليه وتلمس جروحه، ولكن كيف بعدما حطم قلبها وأفقدها ثقتها بنفسها.
لحظات وكانت بجواره بالسيارة، نظرت للخارج تراقب الطريق حتى لا تضعف أمامه. وصل بعد قليل بدلوف سيارة جواد إلى حي الألفي. ترجلت تهرول لوالديها:
"بابا."
ضمها والدها بأحضانه ونظرات نارية لذاك الذي توقف ينظر بأسى للأسفل. اتجهت لوالدتها، أشارت لها:
"براحة حبيبتي، ابنك."
أسرعت تلقي نفسها بأحضانها وتركت العنان بدموعها تغسل وجنتيها:
"وحشتيني أوي، عايزة أبعد من هنا يا ماما لو سمحتي."
سحبتها وتحركت عندما وجدت تحرك جواد إلى عز.
توقف أمام عمه قائلاً بخزي:
"آسف مكنش قدامي حل غير كدا."
رفع نظره لعمه:
"والله بحبها وماقدرش أعيش من غيرها، سامحني يا عمو، وحياة أغلى حاجة عندك اعتبرني عيل وغلط، المهم ماتحرمنيش من مراتي وابني، لو سمحت."
ظل صامتًا للحظات وعيناه تراقب ملامح وجهه ثم تحدث:
"القرار مش بأيدي، أنا ليا أوافق على طلبهم وبس، وأقول رأيي وافقت وافقت رفضت براحتها."
ابتسم لعمه واقترب يلقي نفسه بأحضان:
"ربنا يخليك ليا يا عمو."
أبعد جواد ورسم برودًا على ملامحه قائلاً:
"أنا لسة مسمحتكش على اللي عملته، وعمري ما هسامحك إلا لما أشوف ضحكة بنتي اللي ضاعت بسببك."
قالها وتحرك متجهاً للداخل.
بالأعلى بغرفة جاسر تمددت على فراشه، تحتضن وسادته تدفن رأسها بها تسحب رائحتها لرئتيها:
"وحشتني لمجرد ساعات، ياربي أعمل إيه في قلبي الضعيف دا."
وضعت كفيها على أحشائها:
"فيه حتة منك هنا يا حبيبي، كان نفسي تشاركني فرحتي، لكن للأسف كسرتها يا جاسر، مش عارفة أعمل إيه وانت كاسرني كدا."
أغمضت عيناها لعدة دقائق تحاول السيطرة على ارتعاشة قلبها من غيابه، كيف تتحمل غيابه لشهور وربما سنوات وهي التي لم تتحمل غيابه لعدة ساعات. ذهبت بنومها.
طرقت ربي عدة مرات على الغرفة، ثم ولجت للداخل تبحث عنها وجدتها تغفو بهدوء.
ابتسمت على طفولية نومها، جذبت قميص أخيها من أحضانها ثم جذبت غطاء خفيف ودثرتها به بعدما اخفضت درجة التكييف. تحركت ولكنها توقفت عندما وجدت هاتف جنى الذي لم ينقطع رنينه بوضع الصامت.
رفعته ولكنها ذهلت من اتصال فيروز بها. توقفت حائرة لا تعلم ماذا عليها فعله، اخذت قرارها بالرد:
"أيوة."
أجابت فيروز بالجانب الآخر:
"كنت متوقعة مترديش عليا، المهم حبيت أطمن عليكي أصلك مشيتي من هنا تعبانة، ماهو انتي ضرتي برضو."
صمتت فيروز ثم استأنفت:
"متزعليش علشان جاسر سابك تعبانة وجالي، ما أنا عرفتك قبل كدا أننا مينفعش نبعد عن بعض."
"خلصتي كلامك؟"
أردفت بها ربي.
توقفت فيروز كالملسوعة:
"فين جنى وازاي ماتعرفنيش إنك اللي بتتكلم؟"
"بقولك يا فيروز أنا مش هقل من نفسي وأرد عليكي."
قالتها وأغلقت الهاتف تجز باسنانها على أناملها. تحركت سريعا للخارج متجهة لغرفة والدها:
"بابي فاضي؟!"
جلس على الفراش بإرهاق وأشار بكفيه:
"تعالي حبيبتي."
تحركت إلى أن وصلت إليه:
"فيروز."
استمع بإهتمام، قصت له ما صار.
مسد على خصلاتها:
"روحي ارتاحي حبيبتي متنسيش إنك حامل وأنا هتصرف."
أومأت له ثم انحنت تطبع قبلة على وجنتيه:
"ربنا يخليك لينا يا حبيبي."
ابتسم لها رغم صدره الذي يغلي كالمرجل:
"روبي غنى رجعت إسكندرية ليه؟"
"عمر أخو بيجاد عمل حادثة ومكنش ينفع تقعد أكتر من كدا، دا اللي فهمته من أوس."
أومأ متفهماً ثم تسائل:
"أوس مرحش مع مراته ليه؟"
هزت كتفها بعدم معرفة:
"معرفش يا بابي، ممكن علشان حادثة جاسر، وممكن علشان.."
صمتت فأكمل:
"علشان عُملة عز مش كدا؟"
"تصبح على خير حبيبي."
قالتها وتحركت للخارج.
بعد قليل بغرفة جاسر، وصل وجدها تغط بنومٍ عميق، اتجه إلى مرحاضه وخرج بعد دقائق، جلس بجوارها على الفراش يتابع بأعين عاشقة ملامحها القريبة لقلبه. ألقى بالمنشفة على المقعد وتمدد بجوارها، يكفي إرهاق يومين، وجفائها ومعاقبتها بالبعد عن أحضانه.
جذبها لأحضانه لتتوسد ذراعه، دفنت نفسها بأحضانه تهمس باسمه:
كيف لقلب عاشق أن يصمت عن النبض بقرب محبوبيه.
رفع رأسها يحرك أنامله على وجهها، اقترب يلمس كرزيتها يداعب أنفها.
فتحت عيناها مبتسمة كأنه يراود أحلامها همس بجوار أذنها:
"وحشتيني مهلكتي."
ابتسامة ممزوجة بالنوم ثم همست:
"بحبك أوي."
كيف يبني دفاعه ويشدد حصونه بعد ذاك الانهيار أمامه، ما كان عليه إلى أن يتذوق تلك الشفاة التي جعلته قديسًا لها.
هبت من مكانها بعدما احتجز ثغرها بين خاصته يقبله بنهم حتى يروي ظمأه. مرت دقائق وهي تحاول دفعه لم يتركها حتى فقدت التنفس.
ابتعد عنها لاهثًا وهو يجحزها بين ذراعيه. لحظات تحاول أخذ أنفاسها.
ثم هبت من مكانها وتحركت دون حديث إلى غرفة أخرى بجناحه حتى لا تضعف أمامه، فقررت أن تبني حصوناً لها للدافع عن بقايا الأنثى بداخلها.
نهض من مكانه متجهاً إليها وجدها تعد ترتيب الفراش:
"بتعملي إيه؟"
أشارت له بالتوقف:
"لو سمحت ابعد عني دلوقتي علشان منخسرش بعض، لو سمحت."
استدار بعد اختناق صوتها بنبرته الحزينة. جلس متنهدًا ولم يعد لديه قدرة على التحمل من ابتعادها عنه.
زفر متجهاً للشرفة، فالجو جو ربيعي ممزوج بجو الخريف. تهكم وجلس هامسًا:
"حتى الجو متقلب."
جذب سجائره وبدأ يدخن بشراسة حتى انتهى من علبته وهو جالسًا.
بالداخل:
جلست تضع رأسها بالوسادة تمنع شهقاتها حتى لا يستمع إليها، كيف عاقبت نفسها بالبعد عنه وهو محرر رئتيها للتنفس والحياة، هو القلب للجسد وهو الروح للحياة. ودت لو تحركت وألقت كل شيئًا خلفها وانعمت نفسها باحضانه.
حرب شعواء بين القلب والعقل، حتى غفت بنومها مرة أخرى. ظل بشرفته يحرق بتبغه حتى اختلطت نيران تبغه بنيران صدره، ساعات وأشرق نور الرحمن نهض متجها للمرحاض، خرج بعد دقائق معدودة واتجه لصلاة الفجر، استيقظت على إغلاقه باب جناحهم.
نهضت لأداء فرض ربها، جلست فترة لتلاوة وردها وأذكارها حتى دلف من الخارج، ولج لداخل دون حديث.
أخرج ثياب الرياضة وتحرك لغرفتها، كانت تراقبه بصمت وهي تنظر بكتاباته. تنهدت بوجع بعد دلوفه للداخل، ثم نهضت متجهة للشرفة تستنشق الهواء النقي. جلست تستمتع بشروق الشمس حتى خطر على ذهنها أنها تجلس بالشمس للأستفادة من أشعتها الصباحية. نظرت بساعة يديها ثم جلست منتظرة خروجه لعمله. مرت قرابة الساعة حتى استمعت على صوت الباب، تيقنت من خروجه، فنزعت مأزرها وجلست بمنامتها العارية ذو حمالات باللون الأسود، وتنورة منزلية إلى ما فوق الركبة باللون الأحمر. رفعت خصلاتها لأعلى مع تدلي بعضها بشكل عشوائي.
فتحت هاتفها على موسيقى وامسكت كتاباً عن الأدب تقرأه.
ظلت جالسة قرابة الساعة وهي مازالت تقرأ بالكتاب حتى ازداد شعاع الشمس، فرفعت الوشاح على أكتافها.
فتح عيناه بتمهل حتى اعتدل ينظر بساعته، فقد حان الوقت التاسعة صباحا. ارجع خصلاته المتمردة يفرك عيناه، التقطها تجلس بشرفة الغرفة تحتسي مشروبا وبيدها كتاب مندمجة به. لحظات واستمعت لرنين هاتفها.
اعتدل يراقبها.
ظل يراقبها بقلبه قبل عينيه، لأول مرة يراها تجلس بالشرفة في الصباح الباكر. حدثت أخيها وهي مغمضة العينين. كأن حديثه لم يروقها، ابتسم على ملامحها، بريئة كالأطفال، نقية تشبه قطرات الندى.
رجع بجسده يتكأ على الفراش، ورماديته تبحران فوق ملامحها بشغف. ود لو ضمها لأحضانه، ولكن ليت الأماني بالتمني. توسعت ابتسامته وهو يستمع إليها:
"عز اعمل اللي انت عايزه، بس والله حلال اللي روبي بتعمله فيك، معرفش إيه الجنان دا."
على الجانب الآخر:
"وأنا بقولك اتصرفي يا جنى وخليها تكلمني، يا إما هقلب جاسر عليكي."
أطلقت ضحكة خافتة، ثم رفعت ساقيها العاريتين على السور الحديدي متراجعة بجسدها للخلف وأجابته:
"ولا تهمني ولا أنت ولا هو، ولا أقولك تعالى طلقني منه، هتبقى عز فعلاً، والله انتوا الاتنين تستاهلوا الحرق، ويالا بقى عايزة أتشمس قطعت خلوتي مع نفسي، وقبل ماتتكلم أنا هساعد روبي تطلق منك وعقبالي أنا كمان، رجالة رزلة وعايزة الحر."
نهض من مكانه، يخطو بتمهل وكلماتها أشعلت نيران صدره، امسك كنزته حتى يرتديها، فتوقف ملقيها على الأرض، ثم اتجه إليها بخبث. حاوط مقعدها من الخلف، فارتفعت ساقيها للأعلى صارخة.
نظر إليها من فوق رأسها:
"مش براحة الصوت المسرسع دا ولا بتصوتي علشان أصحى وأغريني بشكلك دا."
رفع المقعد أكثر وغمز بعينيه:
"حلوة الشمس في الوقت دا."
ثم أزال وشاحها من فوق أكتافها:
"بقول دول لازم يتشمسوا برضو."
انحنى يهمس لها:
"الشمس فيها فيتامين دال يا حبي، علشان تبقي قوية وتعرفي تضربي كويس."
توسعت عيناها من وجوده بتلك الهيئة، نسيت أجازته اليوم، فهمست بتقطع بعدما وجدته عاري الصدر، ولا يرتدي سوى ذاك السروال القصير. وضعت يديها على عيناها:
"إيه اللي عامله في نفسك دا، روح استر نفسك."
أزال كفيها ونزل بجبينها على خاصتها ومازال على حاله:
"مش مستور وعايز اللي يسترني، إيه رأيك تيجي تستريني قبل ما نطلق يا روحي، أصلي حلمت، بيسألوني نفسك في إيه قبل ما أطلق مهلكتك قولتلهم نفسي تسترني."
حاولت إبعاد رأسها:
"جاسر ابعد كدا، عيب على فكرة احنا في حكم."
صمتت صارخة تضع يديها على وجهها عندما وجدته يرفع شرواله:
نظر إليها ساخرًا:
"إيه برفع الشورت هيوقع؟"
قالها غامزاً.
سحب نفسها بقربه المهلك ورائحته التي لا تود سوى استنشاقها فقط، ابتعدت بنظراتها المرتجفة عنه ورسمت الجمود:
"ممكن تسبني عايزة أقعد مع نفسي."
جلس على السور أمامها وهتف دون جدال:
"لأ.. لما تقعدي معايا الأول يبقى تقعدي مع نفسك."
نهضت ورفعت سبباتها:
"متنرفزنيش أنت قولت هتسبني براحتي، بترجع في كلامك ليه؟"
جذبها بقوة حتى اصطدمت بصدره العاري، وحاوطها بذراعيه. دفن وجهه في حنايا عنقها النقي مثل الثلج يستنشق رائحتها هامسا اسمها بشوق بالغ:
"عرفتي تنامي بعيد عن حضني يا جنى، حبيك هان عليكي."
رجفة قوية أصابت جسدها بالكامل، اللعنة على قلبها الذي ينهار أمامه دون مجهود. أنفاسه الحارة تحرق عنقها، تجمد جسدها وتوقف عقلها وارتفع نبضها، لا تريد الابتعاد بينما صفعها عقلها بقوة بأن تبتعد، وكأنه علم بما يصير لها فهدم حصونها بدفاعاته عندما رفعها من خصرها لتكون بمقابلتها هامساً بصوته الأجش بنبرة متحشرجة:
"بتقسي على حبيبك حبيبي، بلاش اللي بتفكري فيه، متمشيش ورا شيطانك."
اقترب واقترب حتى لمس ثغرها وأكمل حتى سقط المتبقي من دوافعها:
"بموت لما تبعدي عني، مش عايز الأيام دي ترجع تاني."
كانت عيناها تحاور عيناه بأن يرحم ضعفها، يتركها وشأنها فهي لم تقو على ما يحدث لها.
همست بإسمه عله يبتعد فجسدها خائر ضعيف بحضرته كأنه ألقى تعويذته عليه ليصيبه بشلل كاملاً.
طبع قبل سطحية متحدثاً:
"إنسي مش هسيبك ولا أرحمك بالبعد عني."
أطبقت على جفنيها فجذبها حتى جلست بأحضانه كاملاً. حاوطها بذراعه يعصرها داخل أحضانه:
"جنى أنا مقربتش من فيروز، والله من يوم ما اتجوزنا، حتى من قبل طلاقنا بكتير."
هنا هبت فزعة عندما فاقت من أحلامها الوردية التي سيطر قلبها عليها واتجهت للداخل:
"ميهمنيش تقرب ولا لا، أنا بفكر جدياً بطلاقنا، سبني لحد ما أقرر حياتي اللي سرقتوه."
رفعت عيناها الحزينة واستأنفت بقلب فتته الوجع:
"إنت اتجوزتني من غير ما تاخد رأيي، حطتني قدام الأمر الواقع، مكنش ليا خيار أرفض ولا أوافق، سبني أقرر إيه اللي هيحصل بعد كدا."
كلماتها أصابت قلبه بسهم مشتعل، حتى حولته لجحيم مستعر، كأن نار الله أوقدت أحشائه:
"يعني؟!"
تسائل بها بعينان زائغة، ضائعة، وملامح وجمة.
تراجعت خطوة للخلف تبتعد عن ذراعيه، حتى شعرت بالعري أمام قلبها، الذي أصبح دافئًا بحوزته، والآن بارد برود الموتى.
ارتجف قلبها من كلماته وحالته، فهمست بتقطع:
"عايزة أقنع نفسي إن كنت بتحبني ولا لأ."
استدارت بجسدها مبتعدة عن عيناه الجائعة لإحراقها بسبب كلماتها واكملت:
"أنا دلوقتي مش متزنة، قلبي بيضغط وعقلي بيبعد، حالة ميؤس منها، عايزة أتأكد إنك بتحبني ولا لأ وخصوصاً بعد اللي هقولوه دا."
امسكها من ذراعها يديرها إليه:
"عايزة توصلي لأيه يا جنى، عايزة تبعدي عني، عايزة نرجع نتوجع واحنا أقرب من بعض، هتقولي غير كدا هسمعك، أما لو ناوية على دا، فأنا رافض ورفضي نهائي."
أشار بسبباته مقربها من عيناها المشتتة:
"أنا مش عيل ولا إنتِ عيلة علشان نقيم مشاعرنا، ودا عرفناه لما بعدنا عن بعض."
أطبقت على جفنيها تهز رأسها وانسابت عبراتها:
"جاسر لو قولتلك إنني مبخلفش هتعمل إيه؟!"
صدمة اهتز لها جسده بالكامل، حتى شعر بإنسحاب أنفاسه فهمس ضائعاً:
"إيه؟!"
"عرفتي إزاي؟"
ارتبكت قليلاً، فأجابته بتقطع:
"عملت تحاليل من فترة. إيه مالك مصدوم مش إنت بتحبني؟"
توقف للحظات يستوعب صدمة كلماتها، ثم سحبها يضمها بقوة لأحضانه:
"إنتِ عندي أهم من أي حاجة، أنا بس اتفاجأت كان نفسي يكون عندنا أطفال. متمنتش غير كدا، نبني عيلة مع بعض، رغم كدا راضي بحكم ربنا."
رفعت كفيها تحتضن وجهه ثم طبعت قبلة على خاصته وتراجعت مبتعدة:
"لازم نبعد شوية يا جاسر، لازم آخد قرارات حياتي بنفسي."
جذبها بغضب وضغط على ذراعيها بقوة آلامتها:
"مش هتكلم تاني، هتجيبي سيرة البعد أنا بقول البعد بس متكلمتش في حاجة تانية هقطع لسانك يا جنى."
اتسعت حدقيتها بصدمة تطالعه بذهول، لم يعطيها فرصة لتتجاوز صدمتها فهجم عليها كالأسد المفترس، يحجز ثغرها يؤلمها لأول مرة، لحظات منع تنفسها حتى شعرت بإنسحاب روحها لبارئها. انسابت عبراتها رغمًا عنها مما جعله يتذوقها، دفعها بقوة وأشار بسبباته وكأنه لم يفعل شيئًا:
"إنت هنا مراتي، دي أوضتنا، ودا سريرنا أكيد فاهمة كلامي، هدخل آخد شاور."
اقترب ولم يعريه حالتها المنهارة، واقترب يجز على أسنانه، فلقد نفذ صبره وأصبح قاب قوسين أو أدنى من احتجازها بين ذراعيه ليذيقها أشد عذاب الحب.
رفع ذقنها بأنامله:
"جوزك عايز يتليف يامدام، أكيد فاهمة كلامي، ورايا على الحمام."
قالها وتحرك ساحبًا نفسًا عميقًا حتى لا يعود ويضمها يزيل آلامها.
ولج للمرحاض وكلما تذكر حديثها يشعل صدره كبركان متصاعد الحمم، يريد الانفجار.
ضغط على قنينة عطره حتى تناثرت بكفيه، ودمائه انسابت:
"طلاق وفراق."
كلمات تصفعه بقوة، زمجر بغضب:
"غبية، متعرفش أنا حاسس بأيه دلوقتي."
بالخارج هوت بمكانها، ورغم تراقص قلبها فرحاً بتمسكه بها، إلا أن عقلها أيقظها على حقيقة دامية، امتلاك غيرها له، وذاك الفيديو الذي يصفعها بقوة.
انشلت حواسها ولم يعد لديها قدرة على التفكير، فركت جبينها وجلست كالضائعة دقائق معدودة ثم اتجهت لمرحاضًا لعدة دقائق، وبحثت عنه وجدته مازال بالحمام.
ألتهب قلبها بالخوف عليه، ألقت المنشفة وتهادت بخطواتها تذهب إليه، ولجت حتى تُطمئن قلبها عليه، ولكن ذهلت عندما وجدته مازال جالسًا بحالته.
رفع رأسه يطالعها للحظات، فاقتربت منه، لا تعلم ماذا ستقول له وكأن لسانها انعقد وانحشر الكلام بحلقها، أحبت الاطمئنان ولكنه رآها ظنت أنه بالداخل.
توقفت أمامه للحظات وصمتاً مشحونًا بأنفاسهما، هو يحترق من كلماتها وهي من أفعاله.
نهض من مكانه:
"خير؟!"
زاغت ابصارها ثم هتفت:
"إيه مش قولت عايز تتليف، جاية أليفك."
طالعها بصمت مضيقًا عيناه متسائلاً:
"تليفيني وماله يا قلبي، دا يوم الهنا."
تراجعت قائلة:
"افتكرت حاجة هعملها وارجعلك."
لم يجعلها تتجاوز خطوة واحدة فجذبها بقوة من رابطة مأزرها يدفعها بقوة تحت الدش، لم يدعها تتجاوز الصدمة ففتح صنبور المياه لتدفق بقوة عليهما.
شهقة خرجت من جوفها تنظر إليه بصدمة:
"اقفل المية يامجنون."
قهقه عليها بصوت مرتفع:
"ليه ياروحي مش جاية تليفيني، ياله يا قلبي فين عدتك، وبالمرة تعمليلي مساج أصل دهري قافش."
رمقته والشرر يتطاير من مقلتيها قائلة بصوت مرتفع:
"ابعد عني، أنا مكنتش داخلة أزفتك ولا حاجة، كنت جاية."
صمتت تنظر إلى نظراته الاختراقية على جسدها.
جحظت عيناها تغلق مأزرها تلكمه بصدره:
"وقح وقليل الأدب يابن عمي."
لف ذراعيه حول خصرها يجذبها يضمها كالأسيرة بين ذراعيه، حتى التصقت به، والمياه المتدفقة فوقهم قائلًا لاستفزازها:
"إيه ياروحي لسة واخدة بالك إنّي وقح وقليل أدب، مش مهم المهم دلوقتي كنتي عايزة إيه برضه؟"
رجفة قوية اجتاحت جسدها، رفعت بصرها وليتها لم تفعلها، فتلاشت بين يديه مهتزة فتحدثت:
"ابعد يابن عمي اللي بتعمله دا ظلم وجبروت ليا."
أطلق صوتاً اعتراضياً تردد في حلقه وأخرجه من أنفه، ثم انحنى بانفاسه المختلطة بالمياه:
"غلطانة يابنت عمي، دا مش ظلم ولا جبروت دا عشق."
"سمعاني يا جنى عشق الجاسر، وقولتهالك قبل كدا وهقولها تاني اللي بعدني عنك في الأول غباء يا روحي دلوقتي صلحت مخي واستوعبت غلطه، إنما لو عايزة تتمادي بالغباء وتلعبي معايا، بعشق اللعب يا حبيبة جاسر."
انهارت حصونها بالكامل ولم يعد لديها دوافع لمقاومة عشقه الضاري فهتفت:
"طيب لو قولتلك لو بتحبني اديني وقت أتعافى من اللي حصلي."
ضغط على خصرها:
"بت عايز آخد شاور بمزاج، هتسوقي الهبل هخلعك هدومك علشان تستوعبي إنك مراتي وبس، مش عايز أسمع غير كدا."
أنهى كلماته بحزم وقوة ثم أكمل بتهديد:
"لو فتحتي الموضوع دا تاني هروح اتجوز عليكي يا جنى بجد، أقسم بالله أعملها، وأهو عز عملها رغم عشقه لروبي."
دفعها بعيداً عنه واستدار يزيل ثيابه:
"اطلعي برة عايز أكمل الشاور، أما بقى لو عايزة نكمله سوا معنديش مانع."
تحركت متجهة للخارج، تسبه، ولجت للداخل غرفة الملابس وأخرجت ثوباً مريحاً، وضعت كفيها على أحشائها:
"ابوك منحط، بس والله لأربيه."
❈-❈-❈
بعد عدة ساعات
بمنزل فيروز استمعت لصوت طرقات على باب منزلها، هرولت ظناً أنه جاسر، ولكنها توقفت مشدوهة.
خلع نظارته وهتف:
"قولتلك هتعملي حاجة غلط لأختي مش هرحمك."
قالها وهو يدفعها للداخل.
توقفت تعقد ذراعيها:
"إيه ياباشمهندس بيقولوا عليك متربي وتعرف في الأصول، ينفع تدخل بيت واحدة لوحدها؟"
استند على الجدار وأشار بسبباته:
"جيتي وقولتي هثبتلك أن جاسر مش بيحب جنى، عايز أعرف عملتي إيه ياحيوانة."
اقترب منها وهي تتراجع للخلف:
"هصوت وألم عليك الناس، وأقولهم عايز تغتصبني."
توقف مذهولاً، يبتلع حسرته من ابن عمه لارتباطه بها. غرز عينيه بفيروزتها:
"قدامك أربعة وعشرين ساعة لو مسبتيش مصر وحياة ربي لأندمك يابنت."
توقف ولم يكمل سبه.
كتمت وجعها من حديثه:
"دا كله علشان حقي في جوزك، بص ياباشمهندس جاسر جوزي، واختك اللي خطفته ومش هتنازل عنه، واعمل حسابك هحول حياتها لجحيم، فلو خايف عليها خليها تبعد عنه."
نظر إليها بذهول، فاقترب منها وداخله يحترق كمرجل جف مياهه من كثرة الغليان:
"اسمعيني كويس أنا مبعدش كلامي، طبعاً أكيد عرفتي أنا عملت إيه في جاسر اللي هو أخويا علشان بس وجع أختي، تخيلي بقى أخويا وعملت فيه كدا، ممكن أعمل فيكي إيه."
"ولا تقدر تعمل حاجة."
مسح على أنفه، ثم هز رأسه واستدار ليغادر، توقف بعد عدة خطوات:
"قدامك لبكرة الصبح، بعدها متلوميش غير نفسك، عاملتك بما يرضي الله."
"طيب ماتبعد ابن عمك عني مثلاً؟"
استدار بجسده وضحكاته ارتفعت بالمكان:
"أنتِ شكلك هبلة، بس عادي نعقلك ياقطة، أنا ماشي دلوقتي ويبقى سلميلي على هاني ابن عمك، باي قطة."
تسمرت بمكانها فأسرعت خلفه إلا أن قطعهما طرقات على باب الشقة:
"فتح عز للمغادرة ولكنه توقف جاحظًا عيناه وكأن أحدهم سكب فوقه دلو من الماء المثلج:
"جنى..!!"
"عز..!!"
"بتعمل إيه هنا؟"
تحدثت:
"جاي علشان يتفق معايا على طلاقك من جاسر."
استدار يرمقها بغضب:
"اتلمي يابت، علشان مجيش أكسرلك دماغك."
ثم اتجه لأخته:
"أكيد مش هتصدقي كلامها."
أزاحته من أمامها:
"أهلاً يا ضرتي.. مش ضرتي برضو ولا غيرتي رأيك؟"
حاولت لملمت شتات نفسها فاتجهت إليها:
"أيوة، بس دا مؤقتاً، أنتِ عارفة سبب جواز جاسر منك؟"
راقبت جنى ارتجافة عيناها وكلماتها المتقطعة، فجلست تضع ساقًا فوق الأخرى:
"أيوة عارفة طبعاً اومال إيه، هو جاسر يقدر يبعد عن حبيبته برضو."
اتجهت إلى أخيها الذي وقف وعيناه على أخته كأنه يراها لأول مرة:
"عز ممكن تسبني مع ضرتي شوية؟"
"نعم..!!"
قالها مذهولاً، أنتِ واعية لكلامك دا، ضرة مين يا جنى، جاسر طلقها.
أومأت بعينيها ثم اتجهت إلى فيروز:
"لأ.. مدام فيروز أقنعتني بحاجة تانية فأنا جاية علشان نعمل جدول ونتفق مش كدا ولا إيه."
اقترب يجذب أخته:
"أنتِ اتجننتي يا جنى، نهضت وتحركت بخطوات متهادية:
"سبني ياعزيزو، إحنا ستات مع بعض."
"مستحيل، يالا يا جنى، والبت دي من بكرة هتسيب البلد وتمشي."
رمقتها جنى بنظرات استفاهمية، ولكن خاب أملها عندما اردفت فيروز:
"مش هسيبلك جوزي يا جنى، أنا وجاسر مستحيل نبعد عن بعض، مستحيل يقدر يعيش بعيد عن حضني، هو مجوزك جبر خاطر وبس."
اقترب عز كالمجنون إليها، توقفت جنى أمامه:
"إيه ياباشمهندس اتجننت وهتضرب بنت ولا إيه، أنا عايزة أتكلم معاها على انفراد لو سمحت، وياريت تسبنا لوحدنا."
"جنى.."
تلألأت عيناها بخيط من الدموع:
"عز.. لو سمحت."
تحرك للخارج، لحظات تحاول السيطرة على ضعف قلبها بعدما رأت صورة زوجها توضع بأحد الأركان وهو يحتضن غريمتها. ضغطت على ثيابها واستدارت إلى فيروز الواقفة خلفها:
"إيه يا جنى، جاية وعايزة إيه، مش كفاية مشاركني في جوزي؟"
ابتلعت غصتها وجلست عندما فقدت توازنها، فصوره بكل ركن بهذا المكان:
"أنا اللي عايزة أسألك أنتِ عايزة إيه يافيروز، يعني لعبتي بينا، ودلوقتي بتحاولي تقنعيني إنك لسه مراته؟"
"علشان أنا لسه في قلبه يا جنى، جاسر مستحيل ينسى أول ست في حياته."
"أكيد طبعاً فاهمة قصدي، والصراحة يا جنجون أنا كنت بعرف احتياجاته إزاي يعني كنت بعمل حاجات مستحيل تعرفي تعمليها علشان كدا لازم تعرفي إن جوازك منه ماهو إلا وقتي وبس."
عقلها نكر حديثها، فرفعت عيناها وتلاقت بنظرات نارية إليها:
"أنا ماليش ذنب في طلاقكم، هو اتجوزني بعد ما طلقك، وعلى فكرة جاسر مش عايز ولاد هو عايزني أنا، يعني الكلام اللي بتحاولي تقنعيني بيه دا كذب."
سحبت نفسا وزفرته:
"فيروز، أنا مبحبش أظلم حد، رغم إنك ظلمتيني، فلو سمحتي بلاش وجع قلب لثلاثتنا، ابدأي حياتك مع حد تاني، أما بالنسبة لجاسر فهو دلوقتي جوزي أنا، غير إنه بيحبني أنا."
وضعت كفيها على أحشائها:
"الحياة دي نصيب وأنتِ أخدتي نصيبك من جوازك، دلوقتي أنا جاية بكلمك كست بحاول مظلمكيش، ابعدي عن جوزي علشان مش هتنازلك عليه مهما عملتي."
تحركت إلى أحد صوره ثم ألقتها حتى سقطت على الأرض متناثرة:
"الصور دي مش من حقك أبداً، هو دلوقتي غريب عنك."
اقتربت منها تحاوطها بنظرات كارهة:
"تعرفي مكرهتش في حياتي قدك."
قالتها بقهردنت تغرز فيروزتها بأعين جنى:
"دايماً شايفة نفسك ملاك بريء وأنت شيطان، خربتي بيتي وجاية بكل سفالة توقفي قدامي وتقولي جوزي."
دفعتها بغضب وتحدثت بنبرة جنونية:
"دا جوزي وحقي أنا، هوت جنى على المقعد، فانحنت إليها:"
"جوزي وحافظاه أكتر من أي حاجة، ومستعدة أقولك كل حاجة فيه بالتفصيل، دا حبيبي فاهمة يعني إيه الكلمة دي، يعني ممكن أقتلك يا جنى علشانه، ووعد مني هرجعه ليا وبكرة تقولي فيروز قالت، عارفة ليه؟"
"علشان جوازك منه ماهو إلا ضعف بعلاقتنا وبس، وعارفة ومتأكدة مهما يعمل قدامي ويقنعك إنّي مبقاش أعنيله هعرف أرجعه إزاي."
"ودلوقتي امشي أطلعي برة، مش عايزة أشوف وشك تاني."
توقفت أمامها:
"عارفة يافيروز لو عندي شك إنه بيحبك كنت سبتهولك، ماهو أنا سبتهولك زمان."
صفقت فيروز بيديها:
"أيوة دا اللي بحاول أفهمهولك يا جنى هانم، جاسر لو حبك مكنش جري ورايا أنا، وسابك رغم كان عارف بحبك له."
ابتسمت جنى بسخرية ثم انحنت تجذب جذانها:
"اعملي أعلى ما في خيلك يامدام فيروز، وصدقيني لو قدرتي عليه يبقى مبروك عليكي."
قهقهت فيروز وتحدثت متهكمة:
"هرجعه صدقيني ووعد مني لآخر عمري، دنت تضع كفيها على كتفها:"
"كفاية تفتكري كل ماجاسورة يقربلك إنه كان معايا زيك كدا ياحلوة ويمكن أكتر، اعرفي إنك أخدتي شخص استعملته قبلك وبقيت رقم واحد عنده، طبعاً أنت فاهمة إحساس الراجل بيكون إزاي مش كدا ولا إيه، واكيد فاكرة وقتها هو كان بيعشقني إزاي، تخيلي بقى حياتنا مع بعض كانت إزاي."
قالتها وهي تعلم أنها أصابت هدفها بإتقان، فضغطت على جرحها دون رحمة، أشارت عليها:
"أنتِ ولا حاجة، أنا الأولى، أول فرحة حتى أول حمل كان معايا أنا، كل حاجة معايا كانت لأول مرة، دنت تهمس بأذنها:"
"حتى كلمات العشق بينا كانت لأول مرة يا جنجون، شوفتي الطفل اللي بيكون في حضن أمه وعايزة تبعديه، لازم ياخد وقت علشان ينسى حضن أمه، اهو أنا كدا بالنسباله.. مستحيل الطفل ينسى حضن أمه علشان هي أكتر واحدة داق الحنان لأول مرة في حضنها."
أنهت كلماتها الموجعة ترمقها بنظرات مشمئزة. اعتصرت ألمها وحاولت ألا تظهر ضعفها، سكنت أوجاع قلبها داخلها وضغطت بقسوة عليه، ثم رفعت نظرها:
"مكنش رماكي في أول مذبلة، مكنش طايق دلوقتي لمستك، صدقيني أنتِ غلبانة أوي وصعبانة عليا، لأنك مريضة."
"أما موضوع لأول مرة دا اللي فرحان فيه، فلو كان مرسوخ عنده زي ماعمال ترغي فيه مكنش قدر يتجوز عليكي بعد طلاقك بأسبوع."
اقتربت منها وأردفت:
"مكنش خطفني بعيد عن الكل علشان محدش يشوفني غيره، مكنش قرب مني قبل ما يكمل شهر من طلاقكوا، مكنش عيشني في جنة متأكدة إنك معشتيهاش يوم واحد."
اقتربت أكثر ورفعت يدها تضعها على أحشائها:
"مكنش له أجمل نبتة زرعها بعشقه هنا."
دنت وهمست لها مثلما فعلت:
"مكنش نادكي باسمي في أحلامه، وأنتِ أول استعمال، مكنش قالي مهلكته، أهلكته بعذاب البعد وانصهر بإشتياق الندم،، وأنتِ أيام أحزانه وندمه، ودلوقتي مستعد يتخلى عن الكون لمجرد أكون بين حضنه."
قالتها وتراجعت عدة خطوات:
"ابعدي عن حياتي يا فيروز وعن جوزي، دلوقتي أنا كنت عذراكي، لكن حالياً بعد اللي عملتيه ملكيش عذر عندي."
قالتها وتحركت للخارج، أغلقت الباب خلفها وسحبت نفسًا عميقًا، تنزرف عبراتها بغزارة كلما تذكرت حديثها.
تحركت وعبراتها تفرش طريقها وصلت للأسفل وجدت أخاها بإنتظارها:
"جنى!!"
أشارت بكفيها:
"ابعد عني يا عز، مش عايزة أتكلم مع حد دلوقتي."
اقترب ولم يعري كلماتها اهتمام:
"حبيبتي.. ممكن تسمعيني."
تراجعت ته
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل السادس عشر 16 - بقلم سيلا وليد
كانت تجلس بشرفتها تحتسي مشروبها المفضل، استمعت لطرقات الباب.
- ادخل.
قالتها جنى بصوتها الهادئ.
ولج جواد وابتسامة تنير وجهه.
- سمعت إن حبيبة عمها منورة أوضة الحلوف ابني.
نهضت من مكانها وهي تضحك بصوت مرتفع.
- عمو جواد!
قالتها وألقت نفسها بأحضانه.
ضمها يمسد على خصلاتها.
- حبيبة عمو الجميلة.
أخرجها من حضنه يحتضن وجهها.
- بقول بيت عمو منور ليه قالولي الأميرة جنى عندنا.
رفعت نفسها، تطبع قبلة على وجنتيه.
- حبيبي إنت والله.
ضيق عيناه.
- تقصدي أنا صح، ولا الحلوف ابني؟
نزلت ببصرها للأسفل بعدما توردت وجنتيها هامسة.
- طبعا حضرتك.
سحب كفيها واتجه للأريكة.
- تعالي ياعمو، احكيلي عملتي إيه الأيام اللي فاتت دي.
جلست بجوارها تفرك كفيها وصمتت لا تعلم ماذا ستقول إليه.
- سامعك ياعمو، الولد المتخلف دا عامل معاكي إيه، وازاي البيت ولع ياعمو.
ابتلعت ريقها بصعوبة تهمهم بتقطع.
- كويسين الحمدلله.
امسك كفيها التي تفركهما، ثم حاوطها بذراعيه يضمها لأحضانه.
- احكي لأبوكي حبيبتي، عرفيني قوليلي إيه اللي حصل مع بنتي، ماليش دعوة بجاسر، لأني متأكد أنه مزعل جنجون أوي.
أطبقت على جفنيها حتى لا تضعف امامه وتسيل عبراتها.
- أنا اللي ولعت في البيت ياعمو.
رسم الذهول والصدمة على ملامحه، فأخرجها من أحضانه.
- ليه حبيبتي هو انت مجنونة علشان تعملي كدا، افرض لقدر الله النار مسكت فيكي تروحي لربنا كافرة ياجنى. المجنون ميعملش كدا، تخيلي بقى لما بنت كيوتي حلوة وبريئة وعاقلة زيك تعمل كدا.
- وبعدين ياحبيبة عمك كنتي ولعي في البيت تحت، أو ولعي في الحلوف ابني. اهو مكنتيش ضيعتي الأوضة اللي الولد دافع فيها دم قلبه.
رفع حاجبه وتحدث ساخرًا.
- إنما قوليلي ياجنى، جالك قلب تطلعي فوق وتولعي طيب مولعتيش في جاسر ليه إيه، كنتي هتريحيني منه.
- أنا مجروحة موجوعة اوي ياعمو، لا مش موجوعة أنا مدبوحة، وياريت من حد غريب أو مدبوحة من أكتر شخص حبيته.
اعتدل جواد مستديرًا إليها بقلب أب.
- لأ ياعمو، انتِ ضعيفة وهبلة، لما تبقى بنت صهيب الألفي تبقى بالحالة دي علشان قلبها اللي يتحكم فيها ويخليها تفقد إيمانها تبقى ضعيفة وهشة واي شوية ريح هيطوحوها هنا وهنا.
انسابت عبراتها واجابته.
- قلبي بيوجعني ياعمو، معنديش قلب يتحكم فيا أصلا، لاني حاسة أنه مكسور.
- جنننننى.
أردف بها جواد من بين أسنانه.
صمت مستغفرًا ربه يمسح على وجهه، زفرة قوية أخرجها من جوفه حتى يهدأ فلقد انتابه شعورًا حزينًا ممزوج بالأسى عليها.
حمحم ثم تحدث مشيحًا بنظره عنها.
- حبيبتي احكيلي اللي حصل.
تراجعت بجسدها متكأة على الأريكة.
- جاسر رجع فيروز ياعمو.
- ليه..؟! عرفتي ليه رجعها قبل ماتعملي كدا؟!
اتجهت بملامح واجمة وشل تفكيرها سؤال طرق بذهنها.
- حضرتك كنت عارف إنه رجع فيروز.
- أيوة.
توسعت بؤبؤتها تهز رأسها وانهمرت عبراتها بغزارة.
- ليه ياعمو، ليه توجعني اوي كدا، يعني ابنك رجعها واسكت، سبته يوجعني.
ضم كفيها بين راحتيه.
- حبيبتي فيه حاجات بنبقى مضطرين نعملها غصب عننا.
سحب نفسًا وزفره واستأنف بعقلانية وذهن حاضر.
- جاسر من وجهة تربيته مغلطش حبيبتي، وانا بقولك من وجهة تربيتي له، علشان اتحط تحت اختبار بين الزوج العاشق وبين تربيته لما حد يلجأله مينفعش يقوله لا.
تنهد بصوت عالٍ لدرجة أنها لاحظت ارتفاع صدره متخذًا نفسًا طويلا ثم تحدث.
- جنى ضعفك مش عجبني، أنا معرفش ايه اللي حصل خلاكي تبقي كدا، حتى لو جاسر نفسه اللي وصلك للمرحلة دي فأنا رافضه.
- تفتكر جاسر اتجوزني ليه ياعمو، زي مابيقول كدا، ولا علشان فيروز مبقتش تجيب ولاد.
تطلع إليها مذهولا مما جعله يهز رأسه رافضًا كلماتها.
- لأ دا انت اكيد اتجننتي، شايفة أن ابني يكون منحط علشان يلعب بمشاعرك ويتجوزك علشان الولاد.
بأنامل مرتعشة وأعين تقطر الأسى.
- للأسف ياعمو أنا مبقتش اصدقه، بيقول حاجة ويعمل عكسها.
تناولت الهاتف وأخذت تفتش فيه حتى وصلت لصوره مع فيروز، بقلبًا يقطن وجعًا وعينًا تتمزق من رؤية تلك الصور وضعتها أمام عمها.
- الصور دي فيروز بعتتهالي، وقبلها جاتلي وقالت اني خطفت جوزها، ومبقتش قادرة على بعده وهي وافقت علشان الولاد، بس خلاص مبقتش قادرة.
أغمض جفونه محاولا استيعاب ماسردته ثم التفت بعينيه.
- صدقتي علشان كدا اتجننتي وعملتي كدا.
- مصدقتش والله، بس..
نهض من مكانه.
- بس شيطانك لعب بعقلك علشان تموتي كافرة. دا اللي قادر أقوله.
نهضت وتوقفت بجواره.
- كنت عايزني اعمل ايه؟
- كنت عايزك جنى بنت صهيب ياجنى، مش حتة بنت تلعب عليكوا، مسالتيش نفسك لو جاسر معبرها كانت هتجيلك ليه.
- عمو ابنك اتجوز عليا، حاسس بقوة الكلمة، مش بقول لحضرتك احساس الست ايه وقتها، ليه كذب عليا. ليه مقليش، ليه دايما بكون آخر حاجة بيرجعلها، انا تعبانة ومبقتش متحملة الدنيا توجع فيا.
ضمها لأحضانه يمسد على خصلاتها بحنان أبوي.
- جنى انت أقوى من كدا، متخليش حبك لجاسر يضعفك. أنا زعلان عليكي. الحب بيقوي حبيبتي مش بيضعف، وطول ما جوزك بين ايدك المفروض مفيش حاجة تهزمك.
رفعت رأسها وتسائلت.
- تفتكر هو بين ايديا ياعمو.
لاحت ابتسامة بعيونا لامعة على وجه جواد، ثم رفع أنامله يلمس وجنتيها يزيل عبراتها العالقة.
- هو أنا اللي هقولك ياجنى، أنا اللي هقولك ان كان في قلبك مش بايديكي، انت اكتر واحدة عارفة وحاسة حبيبتي. اللي أقدر أقوله أن دا جوزك إنت وحقك إنتِ. همس بصوت منخفض: وحبيبك إنت ياهبلة، دا كفيل انك تحاربي اي حد وانت قوية مش ضعيفة، أما لو هتفضلي ضعيفة كدا هتخسري، لازم تقوي عن كدا.
- تفتكر هقدر بعد اللي حصلي.
تسائلت بها بأعين مشتتة.
ضغط على وجنتيها التي بين راحتيه يتعمق بعيناها، مردفا بصوت لايقبل الجدال.
- جنى.. إنت مصدقة نفسك، عايز أعرف حصلك ايه من الدنيا يابنتي، انت بين اهلك عندك أخ مستعد يدوس ويحرق الكل علشانك. جوزك اللي عمل اللي يرفضه العقل علشان يتجوزك، ايه اللي اتعمل فيكي. لو قصدك عن جواز جاسر في الأول فانتِ محدش غيرك اللي وصلكم لكده.
رفعت عينها تطالعه بذهول.
- عمو بتقول ايه.
- بقولك اللي انت مش عايزة تقنعي نفسك بيه، انت وهو اكتر اتنين اذيتوا نفسكم، وانا شايف ربنا بيحبكم علشان جمعكم تاني.
تراجع يحمل هاتفه وتحدث.
- اقعدي مع جوزك واسأليه في اللي واجعك، صدقيني هترتاحي وقتها ومفيش احساس الوجع الضعف دا. وعلشان تبقي عارفة أنا معاكي في أي قرار، بس قرار بالعقل ياجنى، مش قرار متهور.
تحرك للباب ولكنه توقف مستديرًا.
- المفروض نرد الزيارة علشان محدش يبقى له عندنا جميلة، بس زيارة تعرفه حدوده، جاسر مش شايف غير واحدة وبس وهي جنى جاسر الألفي. ياريت تحتفظي باللقب دا علشان لو نستيه ياجنى هتخسري كتير.
قالها وتحرك.
- عمو أنا حامل.
تسمر جواد بخطواته ثم استدار إليها.
- جاسر يعرف.
هزت رأسها بالنفي.
- لأ.
ضيق عيناه مرددا.
- لأ.. يارب ميكنش فهمت غلط ياجنى.
تضجرت ملامحها بالحزن.
- خايفة ياعمو، خايفة يكون كلام فيروز صح.
اتسعت عيناه من هول ما تلفظت به وهبت زعابيب غضبه برفض لحديثها قائلا.
- مش هقولك غير حاجة واحدة، اجمل شعور عند الراجل لما يعرف مراته حامل، حتى لو هو رافض العيال. تخيلي بقى لو نفسه يكون أب فعلا.
- ماهو دا اللي خايفة منه ياعمو، لازم اتأكد من كدا.
زفرات نارية أردات إحراقها فاقترب منها.
- لازم تعرفي جوزك بحملك ياجنى، يعرف منك غير مايعرف من حد حبيبتي. وأنا بضمنلك أن جاسر مستحيل يفكر فيكي بالطريقة دي.
تطرقت برأسها أرضًا بأسى وهمست.
- أنا قولتله إني مبخلفش.
هوت كلماتها على عقله شطرته لم يخطر بذهنه أنها تكون قاسية بتلك الدرجة.
خطى إلى أن وصل إليها.
- متخلنيش اشك في حبك لابني يابنت اخويا، انا بحبك أه بس أنتِ بتغلطي في حق نفسك قبل حق جوزك.
رفع ذقنها.
- حد يعرف تاني.
هزت رأسها بالنفي.
واجابته بصوت مختنق.
- حضرتك أول واحد تعرف، كنت ناوية أقوله لكن.
أومأ برأسه مرددا بتهكم.
- لكن فيروز لعبت بعقلك وعرفت تخليكي هبلة وعبيطة وتحرمي جوزك من فرحة أي راجل. اتمنى تفوقي ياجنى، دور الضعف دا مش عايزه منك يامرات ابني.
قالها وتحرك وهو ينفخ بغضب.
جلست بعد خروجه تنظر حولها بضياع.
- معقول ياجنى هتسيبي واحدة زي فيروز تسرق سعادتك، عايزة اثباتات إيه أكتر من اللي قالوا جاسر.
تذكرت منذ ساعات.
فلاش باك.
خرج من مرحاضه وجدها تجلس أمام المرآة تقوم بتصفيف خصلاتها، ثم قامت بجمعها للأعلى. توقف خلفها يراقبها، رآته من خلال المرآة، ورغم ذاك أكملت ماتقوم بفعله.
اقترب منها وانحنى يحاوطها بذراعه.
- جنى لازم نتكلم، مفيش حاجة بيني وبين فيروز، اقسم بالله ماحصل حاجة بينا، الموضوع اني حبيت أخرجها من قذارة امها، امها بتعمل عليها مزاد، انا مريضنيش أن بنت تكون كدا، حاولت أخرجها برة البلد، بس ماتوقعتش إنها بتعمل كدا علشان توقع بينا، فكرتها عايزة تتغير فعلا.
اتجه وجلس أمامها.
- جنى إنتِ شاكة في حبي، معقولة تكوني مصدقة ومتخيلة إني اكون بالحقارة دي.
توقفت تشيح ببصرها عنه.
- جاسر لو اتكلمنا في الموضوع دا دلوقتي هنزعل من بعض، خلينا نبعد عن بعض فترة ألملم جروح نفسي لو سمحت.
رفعت عيناها تكبح غلالة دموع غيمت مقلتيها ثم تحدثت برجاء.
- مستهلش منك كدا، مش عايزة تدبحني تاني، خليني أبعد وأنا لسة بحبك.
أمسكت ذراعه الذي أصيب بالنار ورفعت عيناها اللامعة بالدموع تتلمس جرحه.
- شوفت عملت ايه، وكان ممكن أذي حد فينا اكتر، ارجوك ياجاسر، بلاش تخلي حاجة ليك في قلبي وحشة، خليني اعالج وجعك ليا.
وضعت رأسها على صدره واكملت.
- علشان دا يفضل يحبني دا لو بيحبني بجد.
جذبها بقوة آلامتها وضغط على على خصرها يضع جبينه فوق خاصتها.
- تبعدي بس في حضني سمعتي ياجنى مش مسمحولك حتى تنامي في أوضة تانية مش هتكلم تاني، هبعد عنك ومش هقرب وهسيبك براحتك، لكن هنا في الأوضة دي.
أشار على صدره ووزع نظراته الهائمة على وجهها ملمسًا وجنتيها.
- مقدرش ولا إنتِ هتقدري، مش هتقدري ياجنى، لو بتحبيني زي مابحبك مش هتقدري.
تلألأت عيناها بطبقة كرستالية بخيط من الدموع.
- هترضى تربط نفسك بواحدة مابتخلفش، ولا بعد فترة هتتجوز عليا وتقهرني.
ضمها بقوة يعصرها بأحضانه.
- إنت أختي وبنتي قبل ماتكوني مراتي، تفتكري هقدر ا أوجع قلبك ياجنجون. دا أنا اوجع قلبي ولا أوجع قلبك ياحبيبة جاسر، ولو على موضوع الولاد، دا بيكون رزق من ربنا ومالناش دعوة بيه.
تسارعت مشاعرها بصدرها فنظرت لرماديته.
- خلاص ياجاسر سبني أتجاوز اللي حصل ونرجع أحسن من الأول.
لمس ثغرها بأنامله ثم أقترب ليحتضنه ولكنها وضعت يديها تتراجع للخلف.
- أنا تعبانة وعايزة أنام، منمتش.
قالتها وهي تزيحه من طريقها متجهة للفراش، قامت بنزع مأزرها وتمددت على الفراش تجذب الغطاء.
ظل يراقبها بأنفاسه المحترقة، ثم اتجه إلى غرفة الملابس وسحب تيشرتيه وارتداه سريعا متجها للخارج يصفع الباب خلفه بقوة.
خرجت من شرودها متجهة لخزانتها وارتدت ثيابها بعد قرارها بالذهاب إلى فيروز.
عند يعقوب.
امسك هاتفه.
- مرحبًا سيد جواد.
- اهلا يعقوب. اريد أن أشكرك لقد توصلت لكارمن.
ابتسم له جواد.
- كنت عارف إنك هتوصل، آسف كان لازم اعمل كدا لحمايتها.
سحب بعضًا من تبغه ونفثه ينظر من النافذة.
- كنت أعلم إنك تحاول الحفاظ عليها، اشكرك مرة ثانية.
ترجل من السيارة أمامه البودي جاردات متجها لتلك المشفى التي تعمل بها، توقف أمام الاستعلامات بالأسفل.
- لو سمحتي عايز دكتورة كارمن الألفي الاقيها فين.
هذا ما أردف به أحد بوجورديه.
كان يقف أمام المشفى وعيناه تدور بالمكان بتفحص. دقائق ووصلت إليه.
فتاه تملك من الجمال مايميزها عن غيرها عينها كموج البحر، وخصلاتها الذهبية المموجة تجعلها أميرة تخطف القلب قبل العقل.
- اهلا حضرتك، قالولي انك تبع عمو جواد.
استدار بجسده، طالعها بعينان كالصقر من تحت نظارته، حقا اميرتي فأنت مثالا للفتنة والجمال.
بسط كفيه.
- مرحبًا.
ضيقت عيناها تنظر إليه بعمق.
- حضرتك تعرفني منين.
رفع نظارته فوق خصلاته، ودقق النظر بعيناها، ارتجفت شفتيها مرددة.
- يعقوب.
عند جاسر.
دلف لمكتبه قابله باسم.
- عمو باسم.
قالها وهو يحتضنه بمحبة.
- اهلا بحضرة الظابط الهمام، وحشتني ياجسور.
ابتسم له مردفًا بسعادة.
- حضرتك اكتر، جيت إمتى.
تحرك إلى مكتبه وهو يجاوبه.
- من اسبوع تقريبًا.
توقف عن السير يطالعه بذهول.
- نعم!، جاي بقالك اسبوع وانا معرفش.
جلس باسم يشير إليه بالجلوس.
- لسة اول يوم انزل الشغل، حياة كانت تعبانة ومحجوزة بالمستشفى علشان كدا محبتش اقلق حد.
جلس يطالعه وتحولت ملامحه للضجر منه.
- هو أنا اي حد ياعمو، دا انا ابنك، يعني كان الأولى إن اكون معاك.
ابتسامة تجلت على ملامحه هاتفًا بسعادة.
- حبيبي إنت فعلا ابني، بس الموضوع مش مستاهل.
- قولي عامل إيه، وأخبار مراتك العسل ايه، شبعت عسل ولا لسة.
رفع حاجبه متهكمًا.
- دا بقى قر عليا وانا بقول العفاريت بتطلعلي منين، نهض من مكانه.
- أخلص شغل ونتكلم بعدين احنا كويسين أوي.
دقق جاسر النظر إليه.
- مش شايف دا.
أرتدى نظارته، واستدار متحركًا، ولكنه توقف عندما استمع إليه.
- جاسر ابعد عن فيروز، صفحة وارميها خلاص، اوعى تترآف معاها بعد كدا.
- دا اخباري عند حضرتك بقى.
أومأ برأسه وتحرك للخارج.
بالأسكندرية وخاصة بفيلا تطل على عروس البحر الابيض المتوسط كانت تجلس تلاعب طفلها الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات.
وصلت الخادمة إليها.
- مدام غنى.
رفعت نظرها منتظرة حديثها.
- أستاذة ماسة عايزة تقابل حضرتك.
أخذت تتنفس بهدوء تحاول السيطرة على نفسها من تبجح تلك الشمطاء.
نهضت تشير على ابنها.
- خلي بالك من سيفو، أو خديه لأندا تهتم بيه.
تحركت متجهة للداخل.
- اهلا ياماسة، نورتي بيت ابن خالك.
اقتربت منها.
- وحشتيني ياغنى.
تراجعت للخلف وجلست تضع ساقًا فوق الأخرى.
- مفيش بينا حاجة ياماسة علشان اقابلك كويس ولا وحش، أنتِ هنا ضيفة وليكي واجب الضيافة.
قاطعهم وصول بيجاد، موزعا نظراته بينهما.
- مساء الخير.
دنت منه ماسة مبتسمة.
- حمدالله على السلامة يابيجو.
أمال بجسده يقبل جبين زوجته.
- حبيبي وحشتيني، عاملة ايه.
- حمدالله على السلامة حبيبي.
اتجه ببصره لماسة.
- اهلا ياماسة فيه حاجة ولا إيه.
جلست ماسة مبتسمة.
- ايه يابن خالي جيت اشوفكم هو عيب.
تحركت غنى بشموخ وثبات وهي تتحدث.
- بيجاد هنجهز السفرة اعزم ضيفتك على الغدا، ماهي جاية من غير ميعاد ياحبيبي.
جلس بيجاد بمقابلتها يرمقها بهدوء.
- خير ياماسة، راجعة لحياتي تاني ليه، بعد السنين دي كلها.
اقتربت تجلس بجواره.
- بيجاد أنا محتاجك كأخ ليا.
نهض من مكانه يضع يديه بجيب بنطاله.
- بس أنا مش محتاج يكون ليا اخوات.
انحنى يغرز عيناه بمقلتيها.
- إنسي ياماسة، انا عندي مراتي اختي وامي وحبيبتي وكل ما املك، يعني شغل الابيض والأسود دا مبقاش بيأكل عيش حاف ياقلبي.
- بيجاد لو سمحت.
لوى شدقه بابتسامة ساخرة ثم دنى حتى اختلطت المسافة بينهما بأنفاسهما وحدجها بنظره مهيبة قائلا.
- لا يلدغ المؤمن مرتين يااستاذة ماسة، ياريت تلمي نفسك وتخليني أسمع عنك كل خير يا استاذة ماسة.
قالها متراجعًا للخلف، وصلت غنى.
- بيجاد السفرة جاهزة.
حملت ماسة حقيبة يديها وتحركت متجهة لغنى.
- ميرسي ياغنى، أنا عاملة دايت.
قالتها وتحركت للخارج.
ظلت بمكانها تتابع تحركها للخارج حتى سحب كفيها متجهًا بها إلى الطاولة.
- تعالي حبيبي عايز اتغدى وأنام ساعتين علشان عندي عشا عمل على عشرة بالليل.
سحب مقعدًا يشير إليها.
- اتفضلي ياحبيبة قلب بيجاد.
جلست ونظرات ترمقه بنيران تخرج كالسهم المشتعل ثم اردفت بملامح حادة ونبرة مغلفة بالقسوة.
- ياريت تقول لبنت خالك بعد كدا لما تبقى عايزة تشوفك تتصل بيك تقابلها برة، أنا مش عايزة حرق دم وأعصاب، واه عايزة انزل القاهرة، كفاية سبت أهلي في عز احتياجهم ليه.
ألقى المحرمة ونهض بغضب.
- اتغدي ياغنى أنا هنام، مبقاش ليا نفس.
قالها وتحرك سريعا للأعلى.
اتسعت عيناها من فعلته، وشعرت بنيران تسيطر على جسدها أرادت أن تخانقه، ولكنها ظلت كما هي تضغط على أعصابها حتى لا تخرج عن المألوف وتحرقه بها.
عند جنى.
صعدت إلى منزلها بعد مغادرة عز، قابلها البواب.
- مدام جنى.
أشارت له بيديها.
- هطلع فوق خليك.
توقف أمامها.
- حضرت الظابط كان هنا من شوية ووقوف مع العمال، كانوا بيكملوا تنزيل الحاجات.
أومأت له واتجهت للداخل، تقابلها رائحته.
أطبقت على جفنيها مبتسمة ثم صعدت بهدوء للأعلى حتى وصلت لتلك الغرفة التي خُليت تمامًا من أثاثها المحترق، ويوجد بها آثار التجديد.
تحجرت عيناها بالعبرات هامسة لنفسها.
- فعلا كنتي مجنونة ياجنى، لا إنتِ مكنتيش مجنونة إنت مجنونة فعلا فيه حد يعمل كدا، غبية حرقت كل ذكرياتكم الحلوة.
تحركت متجهة للمرحاض وجدته فارغًا من أشيائهما بالكامل.
خرجت متجهة للغرف الأخرى.
- استمعت لصوت بالخارج، ارتجف جسدها وتذكرت الحادثة، هرولت تبحث عن هاتفها، أمسكت الهاتف بيد مرتعشة وهرولت للباب الخارجي، ظل الهاتف برناته دون رد.
خرجت من الباب تضع يديها على صدرها.
- الحمد لله.
أستمعت لرنين الهاتف رفعته.
- جا..سر.
أجابها وهو يحمل القهوة متجهًا لسيارته قائلا.
- هتأخر دا لو هيهممك، جاسر.
أطبق على جفنيه ودقات عنيفة تصيب قلبه قائلا.
- جنى بقولك عندي شغل، وعلى ماأظن مفيش حاجة نتكلم فيها.
صرخت بفزع عندما وجدت بعض الرجال يحاوطونها.
استمع لصرخاتها شلت أعضائه بالكامل.
لحظات كالسيف على العنق وهو يسمع صرخاتها وذاك المشهد أمام نظره، فاق من سطوة هذيان جسده من الصدمة.
فسقط الكوب من يديه وهو يردد اسمها، استدار سريعا لسيارته وقام بمهاتفة أحدهما.
كانت تغفو بسلام تحتضن أحشائها، استمعت لرنين هاتفها، جذبته تجيب ومازال اثار النوم تداهمها.
- أيوة.
قالتها بصوت مفعم بالنوم.
- ربى.
- ربى.
صاح بها جاسر وهو يقوم بتشغيل محرك السيارة.
اعتدلت سريعا من حالة جاسر.
- جنى فين.
قالها بصراخ حتى شعرت بإختراق أذنيها.
نهضت من مكانها تجذب مازرها متجهة لغرفته.
- كانت نايمة من شوية، فيه ايه، هروح اشوفها.
وصلت لغرفتها بأنفاسًا لاهثة، تبحث عنها بالغرفة فأردفت.
- مش في الأوضة ممكن تكون تحت.
أغلق الهاتف مع أخته وقام بالرد سريعا.
- أيوة.
على الجانب الآخر.
- مراتك معانا ياحضرة الظابط، هتعمل اللي هنقولك عليه هتاخدها سليمة أما لو لعبت بديلك ادعيلها بالرحمة.
بدأت أنفاسه بالاضطراب وخفقاته تتسارع في سباق شديد حتى شعر بإنسحاب روحه وهو يستمع إليه، فتحدث بتقطع.
- أشوف مراتي الأول.
أجابه الرجل.
- وماله.
فتح الكاميرا، كانت تغفو بالسيارة معصوبة العينين يبدوا أنهم قاموا بتخديرها.
أشتعلت نظراته بشكل مخيف مكورًا قبضته حتى ابيضت مفاصله يعض عليها ندما.
فتحدث بقوة.
- مراتي لو حد لمسها هدفنه حي.
قالها وأغلق الهاتف، رفع هاتفه وتحدث.
- راكان عايز منك خدمة ضروري، ضروري ياراكان.
نهض راكان من مخدعه بعدما استمع لأنفاسه التي لو طالته لأحرقته.
- فيه ايه.
أجابه بلقبًا ينتفض زعرًا.
- جنى مراتي اتخطفت بيساوموني على المجرم اللي بتحقق معاه.
ظل يستمع إليه بإهتمام، ثم نهض من مكانه.
- نص ساعة واكون في المكتب وهتصرف، خليك معاهم ميقدروش يعملوا حاجة.
- ضرب على المقود بقوة وصاح بصوتًا كالرعد.
- مراتي يابني آدم في ايديهم، وهي لسة يادوب بتتعالج من الحادثة الأولى انت عارف معنى دا ايه.
ارتدى راكان ثيابه سريعًا.
- قولتلك هتصرف، متخافش.
تحرك بالسيارة بسرعة جنونية وهو يحادثه.
- أنا ماشي ورا إشارة فونها دلوقتي يمكن اوصل لحاجة، بس الإشارة مودياني على بيتي، تفتكر حابسينها هناك.
وصل راكان إلى سيارته.
- أنا معاك، هروح على النيابة واشوف هعمل ايه حاليا بس بلاش تهور علشان مراتك ياجاسر.
رجع خصلاته بعنف كاد أن يقتلعها، وصل أمام منزله، وجد الكثير من رجال الأمن ويبدو عن بواب منزله مصاب برأسه. تحرك خلف إشارة الفون حتى عثر عليها بجانب الباب الخلفي للمنزل.
هوى على ركبتيه يصرخ باسمها بصوتها كصوت الرعد.
عند جواد.
خرج كالمجنون متجهًا إلى منزل سحر، وصل خلال دقائق بصحبة عز، دفع الباب بقوة حتى فُتح على مصراعيه، قابلته بجسد مرتجف وانظارًا مرتبكة.
لم يهملها فرصة للتفكير فجذبها من خصلاتها.
- ابني ومراته فين.
قالها وهو يجذبها بعنف.
صاحت بصراخ.
- معرفش.
جذبها يشير للضابط الذي وصل للتو.
- وسع من قدامي يابني.
توقف الضابط أمامه.
- لو سمحت ياحضرة اللوا، دا مش قانوني.
دفع الضابط من أمامه وجذبها على درجات السلم حتى سقطت على ركبتيها عدة مرات حتى وصل بها للأسفل والقاها بقوة أمام سيارته.
- عشر دقايق لو ابني مظهرش مع مراته، اقسم بالله لاخليكي تندمي على عمرك طول السنين دي.
هزت رأسها تصرخ به.
- معرفش بتتكلم عن ايه، وانا مش هسكت، مش علشان حضرتك لوا، تستغل وظيفتك.
أخرج سلاحه ولم يفكر لثانية وأطلق رصاصته على قدمها.
صرخت حتى تجمع الناس حولها يضربون كفوفهما.
اتجه لقدمها الأخرى.
- كله بالقانون، تسجيلاتك كلها عندي وجاتلي الفرصة من ذهب، ابني ومراته وبنتك فين.
رفعت كفيها واومأت.
- هقول.
ابتلعت لعابها رهبة من حالته عندما انخفض بجسده لمستواها قائلا.
- التاريخ بيعيد نفسه يامدام سحر، والمرة اللي فاتت رحمتك ولولا بثينة الله يرحمها كنت دفنتك وخلصت الناس من شرك، بس سبتك وقولت يمكن تتعدل، بس ديل الكلب عمره مابيتعدل.
اهو انتي الكلب اللي عمره ماهينضف، عمرك سمعتي عن كلب نضيف، لا دايما نجس وحقير.
استمع لرنين هاتفه.
- جواد عرفنا مكان جنى، وجاسر راحلها.
- ابعت بسرعة ياباسم لسة بتقولي تفاصيل.
قاطعته سحر.
- مش هتعرفوا تنقذوها.
قالتها بإبتسامة مستهزئة، وهو يستمع لصوت باسم وحديثه مع جاسر منذ قليل.
- أنا هتصرف.
انحنى يجذبها بقوة من رسغها، لم يعري لصراخها من إصابتها.
وأشار للضابط.
- هاتها وتعالى ورايا.
استقل سيارته متجها بسرعة جنونية لجاسر.
قبل قليل كان يتحرك بسيارته بعدما استمع لهاتفه عدة مراته، وجدها فيروز.
- عايزة ايه، ابعدي عني واتقي شري.
- جاسر أنا عارفة مكان جنى.
توقف فجأة بالسيارة حتى احتك إطارها بالأرض.
- بس بليز ياجاسر ماتوافقش على شروطهم، عايزين يورطوك.
- جنى فين يافيروز، ومستعد اعملك اللي عايزاه.
جلست تنظر أمامها على النيل واجابته.
- مصنع قديم على طريق مصر اسماعلية الصحراوي ياجاسر، دا علشان تعرف إن نيتي مش وحشة، والله ماكنت اعرف انهم ناوين يخطفوها، انا مشيت وراهم بالعربية لحد ماعرفت مكانها ورجعت قعدت في شقتنا القديمة، إلحق مراتك ياحضرة الظابط، وعلى فكرة عرفت من امي ياجاسر للأسف، سامحني علشان دخلتك.
بتر حديثها وهو يقود سيارته.
- ابعتي اللوكيشين انت متهمنيش بقولك.
- تمام ياجاسر.
قالتها ثم ارسلت له العنوان وجلست تنظر أمامها بشرود.
عند جنى.
فتحت عيناها وجدت نفسها بغرفة مظلمة لا تضي الا من ذاك الشعاع الذي يخرج من النافذة العلوية.
تحركت بجسدها تضم ركبتيها.
- جاسر.
- بابا.
قالتها ببكاء، استمعت إلى صوت أسلحة بالخارج وضعت كفيها على أذنيها.
- جااااسر.
قالتها بشهقات مرتفعة، شعرت بنبض جنينها.
هنا حاوطت جسدها تحدث حالها.
- حياتك قصاد حياته ياجنى، لازم تقوي علشان تخرجي من هنا وترجعي بيه لابوه سليم.
أطبقت على جفنيها متألمة.
- دا جزاة ربنا ليا علشان كذبت عليه، يارب ساعدني أخرج من هنا بابني سليمة ياربي.
ولج للداخل أحد الرجال، قام بتشغيل الإضاءة.
- منورة يامدام، قدامك ساعة لو جوزك نفذ مطالبنا هتطلعي ميتة ولو منفذش برضو هتطلعي ميتة في كلتا الحالتين ميتة.
قاطعه رنين الهاتف.
- أيوة ياباشا.
تحرك مغلقا الباب خلفه، ثم تحدث.
- بصمة مين ياباشا دي.
صمت الرجل يستمع لأوامره.
- قصدك اقفل الباب ببصمتي واظبط توقيت القنبلة، فهمت دماغك حاضر.
وصل جاسر بعد قليل، بحث بعينيه يمينا ويسارا، لقد ارتابه الشك بشيئا سيئا سيحدث عندما وجد المكان فارغًا بالكامل.
بحث بالغرف جميعها سوى تلك الغرفة الموصدة ببوابة حديدية.
بالداخل تقف تحتضن احشائها.
قوية صامدة تدعو الله بسريرتها.
دقائق معدودة واستمعت لدفع الباب بقوة، نهضت من مكانها وقلبها ينتفض رعبًا من إقتحام غرفتها، دعت الله أن ينجوها، ثم همست باسم معذب روحها.
لحظات واستمعت لصوته يناديها.
- جنى إنتِ هنا.
صاح بها جاسر من خلف الباب.
ابتسمت من بين دموعها، هرولت لباب الغرفة، وطرقت عليه.
- جا..س..ر.
قالتها بتقطع، وصل صوتها إليه، ركل الباب بقوة شديدة فلقد فقد السيطرة على اتزانه عندما استمع لهمسها باسمه، وكأنه طائر مقصوص الجناحين من قلة حيلته من فتح الباب الألكتروني، حتى رصاصات سلاحه لم تعد تفيده، احس بضلوعه تنكسر ضلعا ضلعا وصوتها يخترق قلبه قبل أذنيه كرعد يصدح بسماء الشتاء، لمس الباب وهتف.
- حبيبتي سمعاني، عندك أي شبابيك في الأوضة، دوري كدا.
جلست خلف الباب عندما فقدت اتزانها وشعرت بإرهاق جسدها وكأنها ستفقد وعيها.
- جاسر أنا خايفة.
همست بها عندما حاوطتها غمامة سوداء.
أجابها بألمًا يفتت عظامه.
- متخافيش ياقلبي، أنا هتصرف.
امسك هاتفه سريعا ورفعه وجسده ينتفض بقوة.
- الباب الكتروني موصد ببصمة لازم انفجار له.
قالها بانفاسًا مرتفعة.
- احنا في الطريق قدامنا دقايق.
زأر كالأسد بسرعة فيه ريحة غاز في البيت، يعني حتى القنابل مش هتنفع.
قالها عندما حاوطته تلك الرائحة النفاذة، اتجه بالاتصال سريعا.
- عمو باسم عايز مهندس يفتح باب الكتروني ببصمة خلال دقايق لو سمحت اتصرف.
أجابه باسم.
- جاسر لازم تطلع من عندك فورًا البيت فيه قنبلة هتنفجر خلال خمس دقايق، لازم تطلع.
هنا شعر وكأن الهواء انسحب من حوله وجُففت الدماء بعروقه، استمع الى سعالها بشدة بالداخل من رائحة الغاز، هلع بذعر عليها.
انهارت حصونه عندما صاح باسمها ولم يعد لديه ما يطمأن روحه.
تحول لمجنون وهو يدفع الباب بقوة صارخًا باسمها.
"جنىىىىىى"
وصل باسم بفريقه الذي سيطر على الوضع وأبطل مفعول القنبلة، ولكن تبقت رائحة الغاز التي تتسرب من المواسير تختنق الجميع.
حاول خبير المتفجرات التعامل مع الوضع بحذر، فيما استدار جاسر كالغريق الذي يبحث عن قشة لأنقاذ ما يتم إنقاذه.
وجد نافذة زجاجية بالأعلى تبعد بامتار، جذب سُلم رغم قصره إلا أنه صعد عليه وحاول التسلق على أحد الجدران الموازية للنافذة، يطرق بقوة بسلاحه حتى تناثر زجاجها.
نظر بالداخل وجدها متكومة بأحد الأركان مغشيا عليها تحتضن أحشائها.
قفز للداخل ورغم ارتفاع الجدار إلا أنه لم يعوقه، كان كالوحش الضاري الذي أصابه الجنون عندما وجدها كالموتى.
وصل إليها.
جثى بجوارها يرفع رأسها.
- جنى.. حبيبتي فوقي أنا هنا.
وصل جواد إلى المكان يبحث عنهما بقلبًا متلهف بعدما أخبره باسم بالوضع.
دقائق ودخل يدفع سحر ويزمجر بغضب جحيمي.
- الباب دا يتفتح ازاي.
تراجعت تضحك بهستريا.
- مش هقولك.
أشار لأحد العساكر.
- دخلوها مع القنبلة وفرقعوهم مع بعض.
انحنى يرمقها ساخرا.
- ابني ومراته هخرجهم من هنا، وانتي هخرجك برضو بس جثة محروقة.
استدار متحركا، إلا أنه توقف عندما اردفت.
- فيه ولد تحت في المخزن، المخزن دا تحت الارض.
- مكانه فين هترغي كتير.
أردف بصوتًا جعلها تنتفض فأشارت على الدرج وهتفت.
- من هنا.
دقائق وخرج الظابط بالرجل حتى فُتح الباب، هرول جواد للداخل بعدما عبأ المكان بالغاز لدرجة الاختناق.
تسمر بمكانه وهو يجد ابنه يحتضن زوجته كالمغيب، كأنه فقد وعيه.
وتحرك بهم إلى المشفى، بعدما أمر باسم بالتحفظ على سحر والبحث عن فيروز.
بعد اسبوع بأحد الفنادق كان يقف أمام أخته.
- خالد مجاش ليه لحد دلوقتي ياعاليا.
فركت كفيها وانسابت عبراتها تهز كتفها.
- معرفش والله مااعرف.
ظل يجول بالمكان كالمجنون، والجميع يستدعونه لوصول المأذون.
عند ربى.
خرجت بعدما أخبرتها العاملة.
- فيه محضر برة ياهانم.
خرجت تنظر إليه مستفهمه، أخرج مظروفًا.
- دكتورة ربى الألفي.
أومأت برأسها فتحدث وهو يسلمها الورقة.
- دا محضر من زوجك المدعو عز صهيب الألفي بطلبك ببيت الطاعة.
بالأعلى بغرفته، خرج من غرفة ملابسه توقف أمام المرآة يصفف شعره.
اعتدلت فوق الفراش ثم تحدثت مردفة.
- ممكن أعرف رايح فين والنهاردة اجازتك.
- مش شغلك، أنتِ مالكيش حق عليا في أي حاجة، اللي يربطنا دلوقتي صلة القرابة إلا هي انك بنت عمي، غير الولد اللي في بطنك.
نهضت من فوق الفراش وخطت بإرهاق ظهر بملامح وجهها.
- جاسر. لا زم نتكلم لو سمحت، هتفضل تعاملني كدا لحد إمتى.
جمع اشيائه، ثم وضع سلاحه بخصره واجاب دون النظر إايها.
- لحد ماكل واحد يروح لحاله، مش دا اللي كنتِ عايزاه، اولدي وبعد كدا هقولك هنعمل ايه.
انكمشت ملامحها بإعتراض تجلى بنبرتها.
- بقولك ايه انا خلفي بقى ضيق واتحملتك كتير، هتسوق فيها.
وضع سبباته على شفتيها ورمقها بنظرة نارية.
- صوتك مايعلاش، متنسيش انك هنا الست وانا الراجل يابنت الناس المحترمة.
تحرك متجها للباب فاستمع إلى نبرتها المغلفة بالحزن قائلة.
- لو خرجت كدا هترجع مش هتلاقيني.
ارتدى نظارته الشمسية وابتسم بسخرية، ثم استدار وأجابها متهكمًا.
- مبقتش تفرق يا.
صمت يطالعها بصمت ثم أردف بشبه إبتسامة.
- بنت عمي. وأه متعمليش حسابي في الأكل دا لو ناوية ترجعي في كلامك وتقعدي، أما بقى لو ناوية تروحي عند ابوكي اللي هو عمي برضو متعمليش حسابي في أي حاجة.
قالها وتحرك من أمامها وهو يطلق صفيرًا وكأنه لم يقل شيئا.
توقفت للحظات وكأن حديثه اخترق روحها بحقول من نيران حتى هوت على المقعد تدفع عيناها الدمع بالدمع هامسة لنفسها.
- أنا تقول عليا كدا ياجاسر. طب وحياة قلبي اللي كسرته لأدوس عليه يابن عمي.
بعد فترة من التفكير.
تجهت إلى خزانتها وجمعت أشيائها بعدما تحدثت مع أحدهما.
- لو مسعدتنيش اقسم بالله لأمشي ومتعرفوش مكاني، ساعدوني واعرفوا مكاني احسن مااخرج من هنا متعرفوش.
بعد عدة ساعات وصلت لأحدى المدن الشاطئية بدولة تركيا.
في حين رجع باليوم التالي لمنزله.
يجلس بالحديقة منتظر هجومها كعادتها.
اتجهت الخادمة إليه.
- اعمل لحضرتك القهوة يافندم.
أشار لها بالانصراف، ينظر لشرفة غرفتهما ينتظرها.
ولكن قطع نظراتها العاملة.
- مدام جنى مشيت امبارح وسابت لحضرتك الظرف دا.
ابتسم ساخر على أفعالها الطفولية ظنا إنها ذهبت لمنزل والدها.
فتح الظرف ومازالت ابتسامته الساخرة على وجهه ولكن جحظت عيناه وهو يقرأ سطورها.
"أيام ندية بصحراء خاوية ملهمي"
"متحاولش تدور عليا، ولا كأني دخلت حياتك، عايز تتجوز، اتجوز وابني حياتك وكأني مت ورحت لرب العالمين"
"كاذب..مخادع ..حبيب جنى"
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل السابع عشر 17 - بقلم سيلا وليد
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سيلا وليد
رواية عشق لاذع "تمرد عاشق الجزء الثالث " الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سيلا وليد
الفصل التاسع عشر
أفعل الأخيرة... جعلتني أعلم أنني لم أكن شيئًا لك منذ البداية... ثم... لقد كنت شيئًا يسعدني... لا أدري كيف تحولت إلى شيء يفتت قلبي وجعًا... وألمًا.
لذلك... أصمت لأن الكلام لن يفعل شيئًا... أصمت لأن قلبي ما عاد كما هو... أصمت لأن الصمت خير لكرامتنا...
أنا لم أتغير... ولكني... ابتعدت عن كل من لم يعرف قيمتي... لا ليس بصمت الرضا... لا ليس بصمت عتب... هو نوع آخر من الصمت اسمه: "لكم حياتكم... ولي حياتي".
***
قبل السفر لتركيا بيومين
عند علياء
بعد خروج ياسين، نهضت من مكانها تتجول بنظراتها على الشقة التي ألقاها بها وغادر.
أخذت نفسًا طويلًا وخطت تبحث بعينيها بأركانه.
وجدت صورة لشاب يبلغ من العمر ما بين الثامنة والعشرين والثلاثين ربيعًا، يوجد بينهما تشابه كبير، سوى لون عينيهما.
تحركت بتلك الردهة الطويلة، وهي تحمل فستانها بين كفيها، حتى وصلت لغرفة.
ولجت إليها تبحث عن أي شيء ترتديه.
فتحت خزانة كبيرة الحجم تعد غرفة، وأخرجت منها قميصًا رجاليًا، ثم اتجهت للمرحاض وقامت بنزع فستانها.
انسابت عبراتها تتدفق بقوة عبر وجنتيها حتى اهتز جسدها، فهوت على الأرضية تبكي بشهقات مرتفعة تنظر حولها بذهول.
أهذه ليلتها التي حلمت بها؟
نهضت متجهة للخارج تبحث عن غرفة تغفو بها.
أمسكت إطار الصورة ودققت النظر بها.
"ظابط أنت كمان، شكلك أخو الحلوف."
جلست والصورة بيديها تطالعها بتدقيق حتى غفت بمكانها، لم تشعر بكم الوقت الذي مر عليها.
عند ياسين
ترجل من سيارته مهرولًا للداخل يبحث بنظراته بينهما حتى وصل لأوس الذي يضع رأسه بين راحتيه.
"إيه اللي حصل لبابا؟"
ربت أوس على كتفه عندما وجد خوفه بملامحه.
"بابا كويس حبيبي، هو دلوقتي في العناية علشان نطمن عليه."
اتجه ببصره لصهيب الذي يجلس بركن منعزل بجوار عز.
انكمشت ملامحه بألمًا وهو يطالعه متسائلًا.
"عمك ماله، قاعد كده ليه؟"
جلس أوس يجذبه من كفيه.
"اقعد وأنا أحكيلك، بس أنت كنت فين بقالك شهرين مختفي، أنت مش خلصت الكلية يابني والمفروض بتستلم."
تنهد بألمًا واضعًا رأسه بين كفيه.
"كان فيه تدريبات وتوزيعات، ولسه راجع بقالي يومين."
قطب جبينه متسائلًا.
"يومين؟ ياياسين، اومال كنت فين؟"
أجابه بصوت مختنق.
"بعدين، المهم نطمن على بابا دلوقتي."
خرج جاسر من غرفة العناية.
هب عز متجهًا إليه.
"إيه الأخبار؟"
اتجه ببصره لعمه.
"بابا كويس، اتكلم معايا شوية."
استدار بنظره لعمه الذي يضع رأسه بين راحتيه وحزن العالم يحبس أنفاسه، واتجه لعز قائلًا.
"باباك بقاله فترة هنا، خليه يروح يرتاح."
"إيه اللي بتقوله ده، عايز بابا يسيب عمو ويمشي؟"
بترت حديثهم خروج غزل تطالعهم بصمت.
أشارت إليهم.
"كله يمشي، محدش هيفضل معاه غيري أنا وعمكم، هو بقى كويس الحمد لله، واتكلم مع جاسر كمان."
ثم اقتربت من جاسر.
"روح على شغلك."
اقترب ياسين متسائلًا.
"حضرتك مش مخبية حاجة ياماما؟ بابا كويس، ممكن أعرف إيه اللي حصل وصل بابا لكده؟"
احتضنت وجهه.
"حبيبي باباك بقى كويس الحمد لله."
ثم اتجهت بنظرها لعز.
"ادخل خد روبي من جوا، متنساش أنها حامل، وخليك معاها الليلة."
سحبته من ذراعيه وابتعدت عن الجميع.
"رجع مراتك والكلام هيكون بينا، وإياك ياعز تتتمادى تاني، الطلاق مش لعبة يابن صهيب."
"جنى فين ياطنط غزل؟" قالها بقلب يئن ألمًا.
"أختي حامل، غير أنها تعبانة ومعرفش عنها حاجة."
احتضن كفيها.
"أنا بقالي أكتر من شهر مسبتش مكان إلا لما دورت فيه يا طنط غزل، مش عايز أتخانق مع جاسر، أكيد هو عمل حاجة كبيرة، أنتي مقتنعة باللي قولتيه يا طنط غزل؟ دي روحها فيه، إزاي تمشي من غير ما حتى تقولي أنا، إلا لو الموضوع كبير."
بلعت أحزانها تربت على كتفه تضمها وتجمعت الدموع تحت أهدابها.
"إن شاء الله حبيبي هنلاقيها، اطمن على عمك واشوف جاسر عمل إيه."
تراجع يهز رأسه رافضًا كلماتها.
"وأنا عايز أطمن على أختي، خليه يقولي إيه اللي حصل بينهم، متنسيش إن جنى كانت بتتعالج نفسيًا من فترة، دي ممكن يحصلها حاجة وهي مش حاسة."
أغلقت جفونها بوهن شديد ثم تنهدت قائلة.
"هعرف وأقولك."
قالتها وتحركت متجهة إلى صهيب الذي ما زال جالسًا بمكانه دون ردة فعل.
جلست بجواره تنظر أمامها.
صمت مريب لمدة دقائق، حتى قطعت صمتهم.
"آسفة ياصهيب، عارفة إنك زعلان على بنتك، اعذرني أنا كمان، أنت أكيد عارف جواد بالنسبالي إيه."
تجاهل صوتها المكتوم ونهض من مكانه.
"مش عايز غير حاجة واحدة بس ياغزل، ورقة طلاق بنتي من ابنك، وأنا هعرف أوصلها."
أمسكت ذراعيه.
"صهيب."
أشار بسباباته.
"ولا كلمة، مش عايز كلمة واحدة تانية، أنتي صح، أنا بنتي مش متربية، ولازم أربيها. اقترب خطوة وتحدث بنبرة متحشرجة.
"أنا فعلًا معرفتش أربيها وأخليها إزاي تاخد حقها من اللي يدوس عليها، معرفتش أربيها من وقت ما كبرت واتعلقت بابنك وكأن مفيش غيره قدامها، كذبت عيني وأنا بشوفها قدامي بتكبر وحبها بيكبر، ومفيش على لسانها غير جاسر. انحنى ينظر لمقلتيها.
"اللي غلطان أنا زي ماقولتي، علشان كنت غبي وبعيد عن بنتي ياغزل لحد ما حياتها ما ب Еشت غير في جاسر وعز وربى، ودول اللي بيحركوها زي الماريونيت، بس معلش يامرات أخويا، هلاقيه وأعيد تربيتها وأعرفها إزاي تتهان وتفضل زي ما هي."
قالها وتحرك متجهًا للداخل عند جواد.
بالداخل كانت تضع رأسها على كف والدها وتبكي بصمت.
شعرت بأحدهم يربت على كتفها.
"روبي."
نهضت تلقي نفسها بأحضانها تبكي بشهقات.
"بابا ياعز، شوفت بابا مبقاش حاسس بحاجة، ليه ياعز، ليه بابا يحصله كده؟"
ضمها لأحضانها بقوة ثم طبع قبلة على رأسها.
"حبيبتي عمو كويس، مامتك طمنتنى."
احتضن وجهها يزيل عبراتها.
"بطلي عياط، دموعك بتكويني يا حبيبة عز."
هنا فاقت مما كانت عليه فتراجعت تزيل عبراتها.
"أنا كويسة."
وضعت كفيها على أحشائها.
"ابنك كمان كويس متخافش."
دلف صهيب ينظر لجواد بقلب ينزف دمًا.
"سبوني مع أخويا شوية."
اقتربت ربى منه.
"عمو صهيب لو سمحت."
رمقها بنظرة جانبية.
"قولت عايز أفضل مع أخويا شوية."
اتجه لعز.
"خد بنت عمك رجعها البيت، وجهز نفسك هنمشي من حي الألفي."
صاعقة نزلت على رأسها تنظر لعز بذهول قائلة بشفتين مرتجفتين.
"يعني إيه ياعمو."
وصل لجواد يمسد على خصلاته التي غلبها الشيب قائلاً.
"مبقاش لينا فيه حاجة يابنت أخويا."
سحب عز ربى وتحرك للداخل.
كانت تتحرك بجواره بخطوات واهية متعثرة حتى كادت أن تسقط لولا ذراعيه.
طوقها يساعدها بالوقوف.
رفعت رأسها فتقابلت نظراتهما المعاتبة مع دموعها الصامتة.
تراجع بعيدًا عندما شعر بضعفه أمامها، عندما تذكر صفعها له عندما خيرته بين رجوعها له وبين رجوع جنى.
تذكر ما فعله بها.
"خدي بالك لتوقعي." قالها وهو يبعد بنظراته عنها.
أومأت برأسها وتحركت إلى أن وصلت للسيارة، فأمسكت ذراعه.
"عز أكيد متعرفش مكان جنى مش كده؟"
تحرك متجهًا للباب الآخر قائلاً.
"ده أخوكي يعرفه، مفيش غيره."
***
بغرفة جواد بالمشفى
جلس بجواره لبعض الوقت حتى فتح جواد عينيه بإرهاق، فتململ وهو يهمس باسم زوجته.
"غزل." قالها بصوت متقطع.
توقف صهيب متجهًا إليه، دنا منه وهو ينحني بجسده.
"عامل إيه دلوقتي؟"
ابتلع ريقه... يطبق على جفنيه.
"صهيب."
ربت صهيب على كتفه.
"غزل عندها كام كشف ودلوقتي تيجي، أنت حاسس بإيه دلوقتي؟"
"الحمد لله."
استدار برأسه محاولًا الاعتدال بعدما حاول نزع جهاز تنفسه.
"الحمد لله ياصهيب، قرب أعدلني علشان البتاع اللي في مناخيري ده."
"خليك مرتاح زي ما أنت، علشان متتعبش."
أشار على الأجهزة التي توضع بصدره.
"فين غزل تشيل الحاجات دي، بختنق."
"إيه ياجواد هتعمل زي الأطفال ولا إيه؟"
أراد أن يشاركه الحديث فرفع نظره إليه.
"اقعد واسمعني ياصهيب."
تحركت أنامله المرتجفة على رأس جواد.
"جواد ارتاح وبعدين نتكلم."
"جنى كلمتك الفترة اللي فاتت ياصهيب." تساءل بها جواد.
نظر إلى أخيه مذهولًا.
"السؤال ده ليا أنا؟ وياترى ده شك فيا يا أخويا ولا بتحاول تبرر أفعال ابنك؟"
نزع الجهاز من أنفه عندما فقد بإنسحاب الهواء من رئتيه، واعتدل بهدوء.
هب صهيب من مكانه.
"بتعمل إيه بس."
اعتدل جالسًا وتعالت أنفاسه يتحدث بتقطع.
"ابني مظلمش بنتك يا صهيب وأنت أكتر واحد عارف."
"جواد ممكن تسكت أنت تعبان، لو سمحت بلاش تتكلم."
رفع يديه ببطء وتحدث بنبرة حزينة.
"لو مصدق أن جاسر ممكن يأذي جنى تبقى مصيبة ياصهيب، هتنكر أنه بيحب بنتك ومستعد يضحي بنفسه عشانها."
فتح صهيب فمه للحديث.
فأشار له بالوقوف.
"مش عايز ولا كلمة، اسمعني للآخر، يمكن تعرف ليه بنتك عملت كده."
"جاسر وجنى الاتنين الظروف ظلمتهم، بس متنكرش رغم كدا، بس القدر كان رحيم بيهم وجمعهم، آه ابني غلط عارف، بس بنتك غلطها أكبر ياصهيب، جنى مش وحيدة ولا مقطوعة من شجرة علشان تعمل كده، لو أنت راضي باللي عملته يبقى لازم تراجع نفسك يابن أبويا."
نهض صهيب يهز رأسه وهتف.
"آه فعلًا ياجواد عندك حق، ما أنا معرفتش أربيها."
"اسكت ياصهيب." قالها جواد بتقطع، وأنفاسًا ثقيلة.
دنا صهيب منه.
"خلاص ياجواد اسكت دلوقتي مش وقت كلام."
قاطعهم دخول غزل.
هرولت إليه بعدما وجدت شحوب وجهه.
"إيه اللي حصل؟"
اتجهت للأجهزة تتابعها.
"جواد ممكن تنام تاني."
استدارت تنظر بعتاب لصهيب.
الذي استدار بوجهه للجهة الأخرى دون حديث.
قبل السفر لتركيا بيومين
وهو اليوم المقرر بخروج جواد من المشفى
عند جاسر
ترجل من سيارته سريعًا متجهًا إلى غرفتها بمنزل عمه صهيب.
ولج يبحث بأركان الغرفة عله يجد شيئًا.
دلف لغرفة الرسم دفع بقدمه كل صورها يمسح على وجهه بعنف.
"روحتي فين ليه تعملي فيا كده؟ شهر ونص معرفتش أوصلك."
هوى جالسًا على الأرضية الباردة أنامله على صورتها يضمها باشتياق كأنها غادرت منذ سنوات.
تجول بأنظاره بين تلك اللوحات وصوره المختلفة بين أعظمها.
ابتسم بين دموعه.
"غبية يا جنى متعرفيش أنا بتنفس حبك يابنت عمي، والله لأحاسبك حساب عسير، أعرفك إزاي توجعي قلبي كده."
"هلاقيكي هتروحي فين يعني؟" قالها وهو يزيح كل ما يقابله.
توقف يحطم كل ما بالغرفة حتى أصبحت الغرفة أشلاء.
وصلت الخادمة على صراخه مذهولة من حالته التي توصل إليها.
رفعت هاتفها وقامت بمهاتفة صهيب ولكنه لم يجب، فاتجهت إلى عز الذي كان عائدًا من الخارج.
وصل إليه عز.
"جاسر إيه اللي بتعمله ده؟"
اقترب من عز يدقق النظر بمقلتيه.
"بقالك يومين مختفي فين، كلمتك صح، وممكن تكون أنت اللي مخبيها."
"جاسر أنا بحاول أتغاضى عن عمايلك مع أختي لخاطر أبويا وأبوك، إنما تستهبل مش هسكتلك."
***
أمسكه من تلابيبه يهزه بغضب ونيران جحيمية تخرج من مقلتيه.
"متستعبطش ياعز، جنى متعرفش تتحرك من غيرك."
صمت للحظة ثم تحرك متجهًا إلى ربى.
ولج إلى منزل والده سريعا.
"ربى." صاح بها بصخب حتى خرجت من غرفتها بثيابها المنزلية.
"جاسر فيه إيه، بابا حصله حاجة؟"
اقترب يجذبها من ذراعيها بعنف.
"جنى كلمتك صح؟"
هزت رأسها بالنفي سريعا.
"أبدا والله معرفش عنها حاجة."
نزع عز ذراع ربى من بين يدي جاسر.
"كفاية بقى ياأخي، ومتفكرش هسكت عليك، أقسم بالله أختي لو مظهرتش ياجاسر لأبلغ فيك وأقول أنت السبب في اختفائها."
أشار بسباباته محذرًا إياه.
"احمد ربنا لولا تعب عمي كنت ولعت فيك ياجاسر وجنى هوصلها، سمعتني؟"
قالها واستدار يرمق ربى بنظرات متألمة ثم تحرك للخارج.
مساء اتجهت غزل لمنزل صهيب.
ولجت للداخل تبحث عن نهى، وجدتها تجلس بغرفتها تنظر بشرود أمامها.
خطت حتى وصلت إليها.
"نهى!!"
استدارت نهى بعينها تطالعها بصمت.
تحركت غزل إلى أن وصلت إليها.
"حبيبتي عاملة إيه؟!"
حدجتها نهى بهدوء ثم اردفت بهدوء.
"من 25 عشرين سنة أول مرة قابلتك فيها وإنتي بتعيطي قدام المدرسة علشان جواد زعلك ومكنتيش عايزة ترجعي على البيت، فاكرة اليوم ده؟ أنا كنت راجعة من شغلي. كنت لسه أول مرة أنزل شغل بعد دراستي وراجعة زعلانة علشان أسلوب مديري، أنتي كنتي في ثانوية عامة وقتها يعني فرق كبير في السن، مش أقل من سبع سنين. وقتها رغم حزني ومكنتش عايزة أتكلم مع حد، لكن شفت فيكي براءة وحزن في نفس الوقت وجعلي قلبي، يوميها سألتك زعلانة ليه وبتعيطي كده ليه؟"
"قولتلي مالكيش دعوة وسبتيني ومشيتي، وبعد ما مشيتي متر تقريبًا هجم عليكي ابن عمك عاصم كان عايز يخطفك وقتها، أنتي جريتي عليا وقولتي احميني لو سمحتي، مكنش فيه غيرنا تقريبًا قدام المدرسة. فاكرة إيه اللي حصل ياغزل؟"
انسابت عبرات غزل تومئ برأسها.
"يوميها ضربتي عاصم بجذمتك لما حاول يشدني، وأصابك بالمطوة بإيدك، وصرختي لما الناس اتجمعت علينا، واتصلتي بجواد من تليفوني لما لقيتني بعيط وبقول اسمه."
ابتسامة حزينة لاحت على وجه نهى.
"ودا كان أول تعارف بينا، وقتها قربتي مني أوي، وأنا عوضت حرمان الوحدة فيكي، حبيتك زي أخت ليا، لدرجة اليوم اللي مكنتش أشوفك فيه كنت بحس إن ناقصني حاجة كبيرة أوي، صداقتنا قبل جوازي من صهيب فضلت 5 سنين، ياغزل، وبعد الجواز لحد دلوقتي عمرك ما زعلتيني كنتي أختي الصغيرة الحنينة وارتبطنا ببعض لدرجة الكل كان مفكرنا من نفس العمر أو القرابة، لحد ما جه موضوع جاسر وجنى وهنا بدأت حياتنا تفرقنا بسبب ولادنا، لأول مرة من وقت ما اتجوزت أشوف وجع صهيب منك، لأول مرة أحس إنك واحدة غير صاحبتي اللي بقالنا أكتر من 35 سنة صداقة بينا، ليه ياغزل، ليه دا كله، لو أعرف علاقتنا هتبقى كده كنت مستحيل أوافق صهيب على جواز جنى من جاسر."
قالتها ببكاء، حتى اقتربت منها تحتضنها.
"آسفة يانهى سامحيني غصب عني والله، أنتي عارفة جواد بالنسبالي إيه، حتى ولاده ما بستحملش حد فيهم يزعله."
ضربت نهى على صدرها تبكي بنشيج.
"قلبي مولع نار على بنتي ياغزل، بنتي معرفش عنها حاجة، طيب أنتي جواد قدام عيونك حتى لو تعبان بس مطمئنة أنه قدام عيونك، أما أنا بنتي معرفش عنها حاجة."
أزالت عبراتها تطالع غزل تستعطفها بنظراتها.
"جاسر لسه معرفش أي أخبار عن جنى ياغزل.. طمنيني ياغزل، بالله عليكي."
هزت رأسها بالنفي.
"بيسأل في كل مكان، نفسي أعرف ليه يا نهى جنى تعمل فينا كده."
تراجعت بجسدها تضع رأسها على ظهر المقعد تبكي.
"ياترى يابنتي أنتِ فين، ياترى عايشة ولا ميتة."
تدفقت عبراتها عبر وجنتيها كالشلال.
تهمس بخفوت.
"عايزة بنتي، هاتولي بنتي ياغزل، شوفلي بنتي عايشة ولا ميتة."
ضمتها غزل تربت على ظهرها.
"نهى ممكن تهدي، والله كلهم بيدوروا عليها، حتى جواد لما فاق عمل اتصالاته وإن شاء الله هيوصلولها قريب."
اعتدلت ترفع كفيها.
"إزاي ياغزل دي بقالها شهر ونص، ده أخوها مسبش مكان إلا لما سأل عليها."
وصل صهيب من الخارج.
فاتجهت إليه سريعا.
"إيه ياصهيب مفيش جديد برضه؟"
هوى على المقعد يهز رأسه بالنفي.
بكت بشهقات مرتفعة.
"لأ أكيد حصلها حاجة، ده حتى ما اتصلتش بعز، لازم جاسر يقول إيه اللي حصل خلاها تعمل كده ياغزل. ابنك أكيد عمل حاجة."
ربتت على كتفها.
"طيب ممكن تهدي، والله جواد قالي هيتصرف وخلال يومين إن شاء الله هيلاقيها، بس يسترد صحته الأول يانهى، جواد تعبان ومش حمل زعل، اعذريني لو سمحتي."
وضعت رأسها على المقعد تنظر من الشرفة تبكي.
"ومفيش غير جواد اللي هيجيبلي بنتي عارفة ومتأكدة من ده، مش كده ياصهيب."
كانت نظراتها على صهيب الصامت.
عيناه التي أصبحت خاوية من الحياة.
نهضت من مكانها وجلست بجواره.
"عامل إيه يا صهيب."
رفع نظره بنظرات تائهة معذبة.
"الحمد لله، جواد عامل إيه وهيرجع إمتى البيت."
اقتربت منه وطالعته متألمة.
"لسه زعلان مني."
نهض من مكانه بجسد منهك، يكاد أن ينصب عوده وتحرك كالطفل الذي يتعلم السير، وتحدث.
"نهى هطلع أرتاح، ولما عز يرجع خليه يطلعلي."
نهضت سريعا متجهة إليه.
"صهيب إنت تعبان."
هز رأسه بالنفي وتحرك مرددًا "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين."
كانت نظراتها عليه.
انشق صدرها لحالته، وشعرت بتأنيب الضمير بسبب ما قالته له.
ربت نهى على كتفها.
"متزعليش منه."
استدارت إليها وطأطأت رأسها بندم.
"أنا اللي آسفة، أنا اللي آسفة يانهى." قالتها وحملت حقيبتها متجهة للخارج دون حديث.
بالأعلى ولج لغرفة ابنته، وزع نظراته على الغرفة بأكملها، وانسابت عبراته بقوة.
تحرك إلى أن وصل فراشها.
هوى عليه يتلمسه.
"أبوكي هان عليكي يا جنى، لدرجة دي يابنتي. ليه يابنتي تكسريني كده. ليه توجعي أبوكي يا جنى، والله يابنتي لو كنت شكيت فيه ما كنت رميتك له."
ولجت نهى إليه انتابها الخوف والألم معا.
جلست بجواره، وضعت رأسها على كتفه تحتضن كفيه.
"صهيب هنعمل إيه، عز وج جاسر مش عارفين يوصلولها."
اعتدلت تنظر إليه.
"تفتكر ممكن تكون راحت فين؟"
مسح دموعها ثم رفع كفيها وقبلها.
"أنا آسف يا نهى معرفتش أحافظ على بنتنا، بس والله كنت عايز أسعدها مع الشخص اللي حبته."
قالها مع تدفق دمعاته.
احتضنت وجهه وبكت على بكائه.
"حبيبي جنى كويسة، أنا قلبي بيقولي كويسة ياصهيب، بنتي كويسة، اوعى تزعل نفسك."
استمع إلى رنين هاتفه، فالتقطه.
"أيوة." قالها بصوت خافت.
"بابا." قالتها ببكاء.
هب واقفًا وانعقد لسانه عن الحديث لفترة.
حاول إخراج الكلمات ولكنها خرجت بتقطع.
"ج..ن..ى.."
صرخت نهى تجذب الهاتف من صهيب.
"كده يا جنى، أمك وأبوكي هانوا عليكي يا جنى."
"ماما وحشتيني."
"والله يا جنى، لسه فاكر عليكي، إن ليك أهل، أنتي فين يابت."
"ماما عاملين إيه؟... وجا..سر .. جاسر عامل إيه؟"
أشار صهيب إليها أن تعطيه الهاتف.
"أنتِ فين يابنت صهيب، وإيه اللي حصل خلاكي تقلبي بأبوكي كده، دي تربيتي فيكي يا جنى."
بكت بصوت مرتفع.
"آسفة يابا سامحني، عارفة إنك زعلان مني، بس والله ما قدرت أتحمل يابا، أنا بطمنك أنا كويسة جدًا، وكمان ولادي كويسين، حبيت أطمنكم، سامحني يا حبيبي، وخلي عمو جواد يسامحني."
"لو مرجعتيش يا جنى يبقى انسي إن ليكي أهل."
"بابا." صاح بصوتًا غاضب حتى شعر بألمًا بصدره.
"اسمعيني يابنت صهيب لو مرجعتيش انسي إن ليكي أب، أبوكي وأخواتك موجودين علشان تهربي، أنا بنتي تهرب من جوزها واتعاير بيها."
"بابا.. قلت بكرة تكوني عندي، هنا خلص بينا الكلام.. ووقت ما توصلي اعتبري هتكون ورقة طلاقك من ابن عمك في إيدك ودا آخر كلام."
هوت جالسة على الفراش تنظر حولها بصدمة بعدما أغلق والدها الهاتف.
بعد فترة.
استمعت لرنين هاتفها.
"غنى." أجابتها غنى سريعا.
"جنى لازم ترجعي مصر ..بابا محجوز في المستشفى من وقت ما مشيتي وعمو صهيب متخانق مع جاسر، أنا خايفة من بابا وعمو وجاسر، بجد معرفش إن الدنيا هتولع كده، من فضلك ارجعي في أقرب وقت. أنا سبتك وقت كافي أهو، كويس بقى ارجعي."
"آسفة ياغنى مش هقدر دلوقتي."
"جنى .. جاسر بيدور عليكي زي المجنون، وعز كمان، تعرفي بيجاد كان هيقوله، غير بابا اللي وقع من طوله بسببك، ولسه لما يعرف إني ساعدتك."
وضعت كفيها على أحشائها وهتفت.
"أنا هكلم عمو، عرفت من يعقوب إنه تعب وبقى كويس كمان، أنا خلاص رسمت حياتي ياغنى، هم هيزعلوا شوية بس بكرة هيتأقلموا على كده."
صاحت غنى تجذب خصلاتها للخلف بغضب.
"جنى انسي لو جاسر عرف مكانك هتفضلي عندك، مشفتوش دلوقتي، صدقيني ده اتجنن ومش على لسانه غير إنك غدرتي بيه، ولولا تعب بابا كان زمانه وصلك."
ارتجف جسدها، تتصارع مشاعرها بالأشتياق إليه.
"هو كويس ياغنى، صحته كويسة."
سالت عبرة عبر وجنة غنى مردفة.
"صعبان عليا أوي يا جنى، تعرفي أنا بهرب من وجوده، يعتبر متقابلناش غير مرتين بس، هو معظم الوقت في المستشفى."
سحبت نفسًا مردفة.
"معتقدش إن جاسر بيحب فيروز يا جنى، ارجعي واقعدي معاه حبيبتي."
"غنى الباب بيخبط هكلمك بعدين، بس عايزة أقولك حاجة قبل ما أقفل."
"أنا وجاسر حياتنا انتهت، الراجل اللي مرعاش مشاعري ميلزمنيش حتى لو روحي فيه ياغنى، بحبه وبموت فيه بس بتوجع أكتر من حبه .. سلام ياغنى."
جلست غنى وانهمرت عبراتها.
"ياربي أعمل إيه، دي اتجننت كمان، عايزة تتطلق، إيه اللي أنا عملته ده، أنا لازم أقول لجاسر."
أرجعت خصلاتها وتنهدت بحزن تنظر لطفلها.
ثم هتفت لنفسها تهز رأسها رافضة.
"لا بابا.. أيوة بابا لازم يعرف، عارفة هيزعل مني شوية، بس أكيد هيسامحني."
***
باليوم التالي يوم خروج جواد من المشفى
تجمع الجميع حوله بالمنزل بعد عودة جواد للمنزل.
أعدل وضعية والده بجواره أوس.
ربت أوس على كفيه.
"حبيبي محتاج حاجة، عندي اجتماع دلوقتي مع يعقوب، هحضره وأرجعلك."
أومأ له جواد بعينيه.
أتحرك للخارج.
جلس جاسر أمامه على المقعد.
"حاسس بإيه دلوقتي."
أشار له بالتقرب.
فنهض من مكانه يجلس بجواره على فراشه.
"أنا هوصل لمراتك، بس إياك تقرب منها يا جاسر من غير ما أتكلم معاها."
ربت جاسر على يده.
"ماتشغلش بالك يابابا بجنى، أنا هعرف أوصلها وأجيبها، بس موضوع ماتقربش منها دي ما وعدتكش، سبني كعادتك آخد قراري معاها."
"جاسر." قالها بصوت متألم.
نهض من مكانه.
"أنا عندي شغل حبيبي، بعدين نتكلم."
"طيب لو طلبت منك الطلاق."
توقف جاسر لدى الباب بجسد متصلب، طالعه جواد ينتظر إجابته.
استدار لوالده.
"وقتها هطلقها، بس مش قبل ما آخد حقي منها..." قالها وتحرك سريعًا.
هرول للأسفل سريعا.
استقل سيارته متجهًا لقسم الشرطة لعمله.
ولج للداخل، وحديث والده يصفعه، تذكر حديثها الأخير، فثقلت أنفاسه، توقف يلتقط أنفاسه، الذي شعر بإنسحابها.
دفع الباب وجد ياسين بأنتظاره.
توقف يطالعه مستفسرًا.
"فيه حاجة ولا إيه؟ وبعدين كنت فين؟ احنا رجعنا بابا البيت بقالك فترة بتختفي، على ما أظن، شغلك الأسبوع ده.. هتستلمه، ماقولتش هتستلمه فين؟"
"العريش." قالها مختصرا.
ثم سحب نفسًا وتحدث.
"فيه موضوع كبير لازم تعرفه، كان المفروض تعرفه من فترة، بس طبعًا تعب بابا ووهروب جن.."
توقف عن الحديث عندما تغيرت ملامح جاسر.
أشار له.
"قول وبطل تحط مبررات، الحكاية مش ناقصة."
سحب ياسين نفسًا ثم زفره بهدوء واتجه بأنظاره مبتلعًا ريقه يطالعه بصمت.
جذب مقعد مكتبه ينتظر حديثه.
"مالك يالا!!" قالها وهو يشعل سيجاره.
جذب سيجاره وألقاه يدعسه بعدما شعر بغضبه من أفعاله.
نزل بجسده أمامه.
"جاسر هتفضل لحد إمتى عامل أهبل وعبيط، عارف إنك أخويا الكبير، بس أغلاطك بتوقعنا كلنا، شوفت اللي حصل بين عمك وأبوك، ده أول مرة يزعلوا من بعض، اتجننت يا جاسر، متحاولش تقنعني إنك ملاك مع جنى."
رفع جاسر قدمه فوق مكتبه.
"خلصت كلامك؟!"
ضرب ياسين على مكتبه.
"جاسر أبوك كان ممكن يموت، أنت فاهم المصيبة اللي حصلت؟"
خرج سيجارة أخرى وقام بإشعالها.
تعاظم الغضب لدى ياسين، فدفع قدمه من فوق المكتب.
"معرفش أقولك إيه ياأخي، خليك عايش دور الأهبل ده."
غرز عيناه بمقلتيه.
"حافظك أكتر من نفسك يا جاسر، وعارف إنك عملت مصيبة لجنى خلاها تهرب منك ومن الدنيا كلها، بس اللي مش قادر أفهمه، إزاي قدرت تعمل حاجة كده وهي حامل، ومعنى إنها تهرب حتى من عز يبقى الموضوع أكبر من توقع أي حد فينا."
قاطعهم دخول العسكري.
"مدام فيروز برة ياباشا وعايزة تدخلك."
نصب ياسين عوده ينظر إليه مذهولًا.
"فيروز.." رددها بصدمة كادت أن تذهب عقله.
أشار جاسر للعسكري.
"دخلها وهات قهوتي، بس خليها سادة."
مسح ياسين على وجهه بغضب حتى يسيطر على أعصابه.
ولجت فيروز بإبتسامتها، ولكن اختفت عندما وجدت ياسين يطالعها بعينين تطلق شرزا.
"مساء الخير.."
نهض جاسر من مكانه يشير إليها.
"اقعدي يافيروز.. تشربي إيه؟"
"ميرسي ياجاسر، مصدقتش لما طلبتني بقالك كتير يعني مكلمتنيش."
استدارت لياسين.
"عامل إيه ياسين؟!"
استدار بوجهه للجهة الأخرى دون الرد، ضيقت مابين جبينها.
"ماله ياسين زعلان مني ولا إيه؟"
استدار إليها قائلاً بصلف.
"أولًا ياسين مش بيلعب معاكي، آه كنتي مرات أخويا في وقت، لكن حاليًا مفيش بينا رابط، ثانيًا اسمي حضرة الظابط، اعرفي قدرك يامدام."
قالها ثم نهض من مكانه وهو يجمع أشياءه يطالع أخيه بإستياء.
"أنا ماشي، بعدين نكمل كلامنا."
"استني.." قالها جاسر بهدوء.
بدلوف العسكري وهو يحمل قدحين من القهوة، وضعها على المكتب متسائلا.
"تؤمر بحاجة ياباشا."
أشار على فيروز.
"هات ليمونادا لمدام فيروز."
أومأ العسكري وخرج.
تحرك ياسين.
فتوقف عندما صاح جاسر.
"استني علشان فيه مشوار هنروحه مع بعض."
تأفف بضجر.
"هستناك برة، ماتتأخرش عندي سفر بالليل."
خرج ياسين ونظرات جاسر عليه، ثم اتجه جاسر لفيروز.
ابتسمت ولمعت عيناها مردفة.
"من وقت ما سبتني في المستشفى ماسمعتش صوتك، وكمان مابتردتش على تليفوناتي ليه، سألت عليك حضرة المستشار قالي معرفش."
ظل يطالعها بصمت، ثم سحب نفسًا وزفره ببطء، متنهدًا، حمحم قائلًا.
"تعرفي أنا كنت رافض أدخل الشرطة في الأول علشان أفضل محترم، كان عندي نظرية إن الظباط دول ليهم شخصية تانية تدل إنهم مش بيحترموا الناس."
شبح ابتسامة على وجهه.
ثم رفع نظره إليها.
"بس من صغري لما كنت بشوف بابا وشخصيته، أقول عايز أكون ظابط زي حضرتك يابابا.. بابا كان رافض طبعًا، ورغم رفضه عمره ما أجبرني على حاجة.. عمرنا ما اختلفنا لحد ما دخلتي حياتي.. من وقتها بعدت عن أبويا، رغم تحذيرات عز اللي كانت دايما بتحسسني إن ابن عاق."
تراجع بجسده ونفث سيجاره وما زالت نظراته عليها.
كلامه لسه بيرن بوداني لحد دلوقتي.
"منكرش وقتها مكنتش فاهم قصده، دنا بجسده ينظر لمقلتيها.
"عارفة قالي إيه وقتها يافيروز؟"
كانت تناظره بصمت فهزت رأسها.
"قالي شايفك بدأت تتسرب شوية بشوية من العيلة لحد ما هيكون فجوة والفجوة دي هتكبر ومش هتعرف تسيطر على نفسك."
وقف صلبًا متجمدًا واتجه للنافذة ينظر للخارج.
"كنت بتكسف لما بقعد مع أبويا علشان حاولت أثبتله إنه غلط وأنا صح."
ابتسامة ساخرة ظهرت على ملامحه.
"أصله ياما حذرني، لكن أنا الأهبل اللي كنت عايز أخرج من قوقعة جواد الألفي، مشيت ورا البت اللي لعبت عليا."
أطلق ضحكة صاخبة وهو يلطم كفيه ببعضهما.
"جواد الألفي قالي زمان كلمة."
"قالي يابني دايما الطبع بيغلب التطبع، ومتحاولش تثبتلي إن واحدة بقالها 22 سنة عايشة على حاجة تيجي تغيرها علشان واحد مثلت عليه الحب في الأول.. واللي يخدع مرة، يخدع مليون مرة، واللي يتربى على الغش والخداع عمره ماينضف، لأنه معذور مش هيبقى فاهم يعني إيه أخلاقيات."
"وأن لحد دلوقتي رافض الجوازة دي، ومش معنى إني وافقت عليها يبقى راضي.. لا يا جاسر أنا لسه عند رأيي إن فيروز مش المناسبة."
جلس أمامها مرة أخرى.
"أبويا وأخويا حذروني ورغم كدا اتعاملت معاكي برجولة، رغم إنك متستهليش."
"جاسر إيه اللي بتقوله ده، أنا اتغيرت لما أنت حاولت تبعد عني، ومكنتش شايف غير جنى وبس."
"بلاش اسم جنى يافيروز علشان مزعلكيش بجد.. خليني أتعامل معاكي لأخر نفس إنك كنتي مراتي."
تجمد جسدها تطالعه بذهول.
"بس أنا بحبك."
"وأنا مبحبكيش." قالها سريعا.
انحنى بجسده يدقق النظر بمقلتيها.
"قلوبنا مش عليها سلطان، أنا حاولت مظلمكيش، حاولت أنصف قلبك ورغم كدا أنتِ منصفتنيش فيروز."
"جاسر لو سمحت."
أخرج بعض الأوراق أمامها.
"دي تأشيرة لسويسرا، بعمل كويس في شركة سياحية كويسة، وصاحبها شخصية محترمة ومعرفتي شخصيًا."
تسارعت دقاتها بعنف تهز رأسها رافضة.
"إيه اللي بتقوله، عايزني أسافر، طب إزاي، عايز تبعدني أوي كده؟"
نهض من مكانه واتجه يجلس بمقابلتها.
"فيروز أنا لحد اللحظة دي كنت معاكي جاسر بن جواد الألفي اللي هو طليقك، أما لو عايزة أمشيها رسمي، صدقيني هخليكي تنتحري مني يا فيروز.. اللي حايشني عنك العيش والملح بينا دي حاجة أما الحاجة التانية تربيتي إني متشطرتش على ست كانت في يوم من الأيام مراتي."
توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها تهز رأسها رافضة حديثه.
"دا كله علشانها، دا كله علشان قدرت تفرق بينا، طيب فين حقي زي حقها؟"
نفث سيجاره يطالعها بهدوء رغم النيران التي تسكن صدره.
"فيروز احنا افترقنا من زمان أوي، حتى قبل ما أطلقك، افترقنا لما اتغيرتي ونزلتي ابني وووو بلاش أعدلك وكل شوية تقولي جنى."
نهضت من مكانها ونشجت بمرار والدمع يتساقط من مقلتيها.
"علشان هي السبب، هي لو اتجوزت وبعدت مكنتش طلقتني، أنا عارفة إنك بتعمل كده علشان باباك وعمك صح.. أيوه."
اقتربت تحتضن كفيه.
"أنا السبب عارفة، كنت بشوف نظراتك غلط.. عارفة أنا اللي ضغطت عليك وصورتلك حبها."
انسابت عبراتها بغزارة.
"جاسر إنت محبتش غيري، سامحني علشان كنت بظلمك وأشكك في حبك."
انعقد لسانه من حالتها، فتراجع للخلف يضع كفيه بجيب بنطاله.
"لأ يافيروز، إنتِ كنتي صح، أنا فعلا بحبها."
وضعت كفيها على فمها تبكي بشهقات.
"متقولش حاجة لو سمحت، أنت بتقول كده علشان تضايقني على اللي عملته معاها، بس أنا معذورة يا جاسر. الراجل اللي حبيته رماني وراح اتجوز حتى ماحاولش يسأل عني، كنت مستني مني إيه، آخده في حضني.. آه أنا بعت لها فيديوهات وأنا اللي فتحت الغاز وخليت الجيران تتصل براكان، وأنا اللي خليت الممرضة تحطلك منوم في قهوتك ونمت جنبك وبعتلها صورنا."
اقتربت من تضع كفيها على صدره.
"ومستعدة أقتل جنى نفسها يا جاسر لو مرجعتنيش.. لأنك السبب محدش قالك تقرب مني كده علشان أتججن بحبك."
كلماتها نزلت فوق مسامعه كسقوط نيزك حتى جعله غير متزن بوقوفه فهوى على المقعد خلفه هامسًا بضياع.
"أنتِ إيه شيطانة!!"
انحنت بجسدها ووضعت كفيها على أكتافه قائلة بنبرة لا تقبل الجدال.
"لأنك غلط معايا يا جاسر وظلمتني، ظلمتني لما خلتني أحبك أوي أوي وفي الآخر تسبني وترميني كأني واحدة قضيت معاها كام ليلة حلوة، بس وحياة كل دقة قلب ليا ماهتنازل على قلبي اللي حطمته، وهخلي جنى دي تكره نفسها من مجرد أنها قربت من حاجة ملكي."
طحن ضروسه ضاغطا عليها بقوة.
"عارفة جنى إيه عند جاسر يافيروز؟"
طالعته بغضب تنتظر حديثه.
"جنى دي روحي يافيروز، هتقربي منها مش هقولك هعمل إيه، اللي متعرفوش عني مبحبش الكلام، اللي يعرف جاسر تلاتة بس جواد الألفي، جنى وغزل الألفي.. دول اللي يعرفوا جاسر، يعني ميغرركيش إني هادي وابن ناس، لكن لا لما بقلب بكون نمرود، وقولتلك قبل كده.. أنا مكنتش عايز أدخل شرطة علشان أفضل محافظ على أدبي، اقترب يجذب عنقها يقربه إليه ثم همس بجوار أذنها.
"بس هي كانت عايزة أكون ظابط، تخيلي حاجة كنت بكرهها، بس حبيتها عشانها هي ممكن أسمح لحد يقرب منها أو يأذيها، قربي بس يافيروز، عايزك تقربي بس وريني جرس الباب بالغلط."
ابتلعت غصة مسننة حتى شعرت بتمزق جوفها.
"لدرجة دي.. ياااااه يا حضرة الظابط."
جلس بمكانه وما زالت نظراته المتوعدة في عمق عينيه قائلاً.
"أنا مكنتش عايز الأمور توصل بينا لكده، أنا اتعاملت معاكي من أول مرة قابلتك فيه كراجل."
"من يوم ما رميتي نفسك قدام ياسين وعملتي مسرحية سخيفة ورغم كدا وقفت جنبك، قررت أتزوجك بعد ما حسيت فيه مشاعر بينا وكملت فيها رغم إنك استهزئتي بالمشاعر، بس هبلة أوي يافيروز، مثلتي الحب عليا وفي حين أن قلبي أصلا مكنش ملكي."
اقترب بجسده منها ينظر لفيروزتها.
"آه الجمال حلو منكرش، بس هي كانت مسيطرة أوي.. عديت كتير أوي يا فيروز وكنت بديلك أعذار رغم الكل قاطعني بسببك، وعملت مش واخد بالي في بلاويكي، لكن إن عقلك الغبي دا يخليكي تتمادي وتدخلي في حياتي وتعملي مسرحية زبالة يافيروز، فهنا بقولك دا أنا أدنك في قبر."
نهض من مكانه وانحنى بجسده.
"لعبتك الواطية كشفتها ورغم كدا سبتك قولت أهي غيرة هبلة إنما يوصل بيكي تستخفي برجولتي هنا أعرفك حجمك، أنا كنت بعدي وساكت علشان ظلمتك في الأول، لكن الحنية والطبطبة متنفعش مع اللي زيك يافيروز."
لأول مرة تضعف أمامه ولم تعد ماذا تفعل وبماذا تجيبه، لمست ذراعيه وانسابت عبراتها.
"إيه اللي بتقوله ده يا جاسر، مين اللي يقدر يلعب برجولتك أنا، فيروز حبيبتك."
نفض ذراعيه معتدلاً ثم تراجع على مقعده.
"مش قولت مش عايز استخفاف بعقلك."
كتمت صراخ قلبها، واقتربت مبتسمة.
"أكيد بتهزر، أنا عارفة إنك زعلان مني علشان اتغيرت، بس والله ماهعمل حاجة تانية يا جاسر، أقولك مش عايزة جواز، عايزة تكون جنبي ولو ليلة واحدة أنا راضية."
صفعة قوية على وجهها.
توقفت أعضاؤه بالكامل.
ونظراته تحكي صدمة عنيفة هزت كيانه غير مستوعب أن تلك المرأة كانت زوجته في وقتٍ من الأوقات.
هل حقًا استحق تلك الأفعى التي بخت سمها بقلبي لينشق ويدمي لكونها امتلكت جزء منه بوقت سابق.
"اللعنة عليكي جنى إنتِ من أوصلتيني لتلك الحالة التخبطية."
قاطع حديثه حديثها الصاخب.
"بتهرب مني بجنى صح علشان تربيتي مش عاجبة حضرة اللوا."
"أنتِ هبلة يابت." قالها بإستهزاء.
سلط بصره ينظر إليها ببغض.
ثم هتف دون جدال.
"هتسافري ولا أدخلك السجن يافيروز، وحياة ربنا أدخلك السجن وأخليكي تعفني فيه."
هبت فزعة تصيح بغضب.
"ليه يا جاسر دا كله، إيه علشان جنى هدددني، فين قسمك يا حضرة الظابط."
اقترب منها وامسكها بعنف يضغط بغضب.
"فيكفي ما صار له بسببها، فلآن يحمل من الغصص ما يكفي لانقطاع وريده، ثم دفعها بقوة حتى سقطت على المقعد."
"حذرتك قبل كده وقولتلك مراتي هتقربي منها مش هرحمك يافيروز، ورغم اللي عملتيه إلا إنني ابن أصول وجبتلك شغل بمكان كويس وناس نضيفة بعيد عن مجتمعك القذر، إلا إنك بردوا مش عايزة تساعدي نفسك."
توقفت متجهة إليه، ثم جلست أمامه على عقبيها واحتضنت كفيه.
"وحياة أغلى حاجة عندك يا جاسر بلاش تحرمني منك، قبلت كفيه وانسابت عبراتها بغزارة تبكي بشهقات."
"أنا عملت كده علشان بحبك."
زفر بتعب يسحب كفيه، فنهض متوقفًا بأنفاس تحرق رئتيه كسجائره ثم تحدث بهدوء عكس ما يشعر به.
"فيروز بلاش تقللي من نفسك قدامي، أنا كنت ملكك لوحدك وأنتِ فرطتي في الحب ده، حاولت وأنتي كنتي بتضيعي."
جلس وتحولت نظراته لغضب ممزوج بالكره.
"ضحكتي عليا بدل المرة مليون ورغم كدا سامحتك.. بس عند جنى لا."
"ليه.." صرخت بها كالمجنونة، "ليه يا جاسر محبتنيش زيها، فيها إيه تعشقها أوي كده، رغم كنت بين إيدك زي العجينة بتشكلها بإيدك."
ارتفعت ضحكاته على غير عادته.
"آه بدليل اتجوزتيني واستغفلتيني ومعرفتش اللي حصلك لولا عرفت بالصدفة.. أقربلها."
"أقولك ظلمتك كام مرة.. أول مرة لما مثلتي عليا الحب علشان تنتقموا من باسم فيا، تاني مرة لما اتجوزتك وإنتي مكنتيش فيرجن وضحكتي عليا بعملية ولولا ستر ربنا معايا وعرفت بالصدفة، وعديت وقولت دي مظلومة على كلامك أكيد.. أنا صدقتك يافيروز، ومفيش راجل يقبل على نفسه كده، بس حبيت أستر عليكي علشان ربنا يسترها معايا مش أكتر."
ابتسم بتهكم وابتلع غصة تورمت داخل جوفه واستأنف.
"ظلمتك لما قتلتي ابني وضحكتي عليا وفهمتيني إنك مكنتيش تعرفي."
رمقه بإحتقار.
"شوهت سمعة بنت عمي وحبيبة روحي علشان تقنعيني إنها مش بريئة ومنحلة وكل شوية في حضن واحد، لحد ماخلتيني أكره بيت أبويا بسببها، البنت الوحيدة اللي مكنتش طالب من ربنا غير إنها تكون من نصيبي."
تنهد بحرقة شديدة واستطرد قائلاً.
"للأسف كنت شايف ده كله وعدي وكل اللي عقلي بيقوله، دي بنت وانت ظلمتها واتجوزتها وانت قلبك مع واحدة تانية علشان كده شيطانك مصورلك إنها مش كويسة."
أشار عليها مستحقراً.
"بس اتضح إني كنت متجوز الشيطانية نفسها، ورغم كدا مكنتش بخلي حد يقرب لك، عمري ما حاولت أقل بيكي، لكن إنت كل خروجة لينا وكل تجمع عائلي كنتي بتقللي بيا."
أمسكت كفيها تستمع إليه بذهول.
"غصب عني والله غصب عني."
دفعها بقوة كأنها مرض معدي.
"وأنا كمان غصب عني إني محبتكيش، عايزة تسمعي إيه؟"
"آه عمري ما حبيتك واتجوزتك علشان أبعد عن حبيبتي، علشان مأذيش عمي وأبويا، علشان مأخليش عمتي تنام مقهورة على ابنها، علشان مشفش دمعة حبيبتي، لكن أقسم بالله لو كنت أعرف وقتها إنها بتحبني ما كان حد هممني، زي دلوقتي."
وبعد اللي عملتيه ده كله، وبعد ما أمك عملت بلاويها كلها مع جنى.. سامحتك وحاولت أساعدك ورجعتك وقولت مش مهم أعمل بأصلك دا أنت تربية جواد الألفي، فين رجولتك مع الست اللي كانت على اسمك."
وضع كفيه بجيب بنطاله وتحرك حولها.
"ورغم اللي عملته، للمرة المليون تقللي بأصلك، لا وجاية تهدديني بمراتي، بس معذورة يابنت هاشم، ماهو عيلتك كلها مجرمة هتعرفي الأصول منين."
"جاسر.." وضع سباباته على شفتيها.
"اخرسي مش عايز ولا حرف حتى، أنا هنا حضرة الظابط وبس، اسمي ده بقيت أكره لما أسمعه منك."
"دلوقتي آخر ذرة شفقة عندي ليكي مسحتيها بعد اللي عملتيه فينا، ودلوقتي لازم تختاري، يا الحبس يا السفر."
"جاسر.." صاح بغضب.
"قولتلك اسمي حضرة الظابط، وزي ما قالك ياسين من شوية ماتنسيش قدرك."
"عندي يامدام، كنت ساكت وسايبك في حالك علشان سمعتي مش أكتر، لكن إنك توصلي لروحي وتحاولي تلعبي بيها فدا ملوش شفقة عندي.. وحياة القهر اللي حاسس بيه دلوقتي يا فيروز اللي بعدني عنك."
تربية جواد الألفي ليا مش أكتر، بس مستعد أدوس على تربية أبويا لو حد حاول يبعدني عن مراتي."
نزل بجسده ينظر بمقلتيها.
"مراتي وحطي تحتها مليارات الخطوط.. أشار على قلبه وأكمل.
"ده ملكها لوحدها، ومستعد أهد الدنيا وأجفف مياه البحر يافيروز اللي يقرب منها ويحاول يبعدها عن حضني."
شعرت باحتراق نبضها فهمست بإرتجاف شفتيها كحال جسدها.
"ياااااه.. لدرجادي يا جاسر، بتحبها لدرجادي، وهي مش قادرة تحس بدا، غبية مش عارفة قيمة الحب."
اعتدل ينصب عوده وكأن كلماتها أحرقته، فاخترقت دوافعه أمامها فانبثقت دمعة من عينيه، إزالها سريعا واستدار متجها لمقعده.
"من بكرة مش عايز أسمع اسم فيروز هاشم جوا مصر، قولت اللي عندي ودلوقتي فيكي تمشي."
"جاسر أنا بحبك، مش هقدر أبعد عنك."
"وأنا مبحبكيش، ولا عمري هحب غيرها، ولا هشوف غيرها، ياريت كل واحد يحافظ على كرامته دا لو تعرفيها يامدام فيروز."
طالعته بتشتت متسائلة.
"فيها إيه أحسن مني؟!"
تسارعت نبضاته مع مخيلتها أمامه.
"مفيش مقارنة بينكم.. بس لو عايزة تسمعي أكتر."
"فيها روحي وحياتي، فيها السعادة والنبض لقلبي، فيها النفس اللي يخليني أقدر أعيش، فيها جاسر اللي مابلقوش غير عندها.. امشي يافيروز."
خطت إلى أن توصلت أمامه.
"طيب وحياة أغلى حاجة عندك يا جاسر بلاش توجعني بالطريقة دي."
"وحياة جنى عندي ماهسيبك بعد اللي عملتيه، وحياة اشتياقي ليها أنا بحاول أكون راجل معاكي، بلاش تخليني أزعلك بجد، أنتِ دلوقتي قدامي أكبر قلم في حياتي.. امشي من قدامي.. قدامك أسبوع واحد فقط في مصر، ودا من أصلي بس."
استدارت متهشمة القلب متحركة للباب ثم توقفت مستديرة.
"هسافر يا جاسر وأريحك مني، بس يارب تلاقي السعادة عند جنى."
قالتها وتحركت مغادرة سريعا.
هوى على مقعده، مبتلعًا غصته المتألمة تمنع تنفسه هامسًا لنفسه.
"بس ألاقيها يافيروز، وقتها هعرف السعادة."
أطبق على جفنيه وتراجع بجسده.
ولج ياسين يصفع الباب خلفه بقوة حتى افزعه.
"إيه يامتخلف ده عهدة مفكر نفسك في مال الألفي؟!"
جلس بمقابله.
"دا كله، دا لو بتخططوا على هجوم وكر كنتوا زمانكم اقتحمتوه."
قهقه جاسر حتى أدمعت عيناه.
"خفيف الظل يابن جواد.. مالك يلا كنك مش في عقلك."
"جاسر هتوصل لجنى إزاي، الموضوع مش سهل."
فرك جبينه مطبق على جفنيه.
ثم سحب نفسًا وزفره.
"متخافش هوصلها."
هز ياسين رأسه.
"بقالك شهر ونص عرفت توصلها."
يتبع بقية الفصل ١٩
•