تحميل رواية «عشق بلا رحمه» PDF
بقلم دينا ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شهقت سمر رعباً من هذا الكائن حاد الملامح وقاتم العينين، بالرغم من لونهم العسلي الأخّاذ، وهو يرمقها بنظرة غريبة ثابتة لا تتزحزح. حاولت تمالك نفسها، فأبعدت عينها عنه وعقلها يحاول فهم هذا المجنون المرعب الذي ظهر من لا مكان. ربما يغازلها بحماقة كسائر الشباب، لكن غزل بهذا الجنون في عينيه؟ هل هذه طريقة جديدة؟ وإذا كانت، فهل تنجح في جذب أي فتيات أم تقتلهم رعباً؟ سمر لنفسها: امشي بسرعة.. أنتي واقفة ليه؟ حاولت السير مرة أخرى، ولكنه بخطوة أوقف تقدمها للمرة الثانية. مصطفى بصوت أجش غريب عنه، وكأنه لم يتحدث...
رواية عشق بلا رحمه الفصل الأول 1 - بقلم دينا ابراهيم
شهقت سمر رعباً من هذا الكائن حاد الملامح وقاتم العينين، بالرغم من لونهم العسلي الأخّاذ، وهو يرمقها بنظرة غريبة ثابتة لا تتزحزح. حاولت تمالك نفسها، فأبعدت عينها عنه وعقلها يحاول فهم هذا المجنون المرعب الذي ظهر من لا مكان. ربما يغازلها بحماقة كسائر الشباب، لكن غزل بهذا الجنون في عينيه؟ هل هذه طريقة جديدة؟ وإذا كانت، فهل تنجح في جذب أي فتيات أم تقتلهم رعباً؟
سمر لنفسها: امشي بسرعة.. أنتي واقفة ليه؟
حاولت السير مرة أخرى، ولكنه بخطوة أوقف تقدمها للمرة الثانية.
مصطفى بصوت أجش غريب عنه، وكأنه لم يتحدث منذ سنوات، فيعود ويكتشف صوته مع رؤية هذه الجنية الصغيرة وهي ترتدي بنطالاً قصيراً تحت الركبة وتيشيرت لا يتعدى ربع كمها.
- أنتي مجنونة؟ أنتي فاكرة نفسك ماشية في بيتكم؟ إيه اللي أنتي لبساه ده؟
سمر بخوف وتلجلج: لو سمحت عيب كده، عديني.
- تعدي فين؟ أنتي مسمعتيش حاجة من اللي أنا قلته دلوقتي؟ أنتي منين أصلاً؟ أنا أول مرة أشوفك هنا. وقعتي علينا من أنهي داهية وتبع مين؟
شعرت بضربات قلبها تتسارع خوفاً، فاستدارت سريعاً للعودة داخل المبنى، وإلى ما ستصبح شقتهم ومأواهم هذه الفترة حتى تنتهي محنتهم.
نظرت خلفها حين سمعت خطوات رعدية خلفها، فانتفض قلبها أكثر وأكثر، وحثت قدماها الصغيرتان على الإسراع لتصل إلى شقتها لتدق الباب بعنف، عسى أن تنقذها والدتها من هذا المخلوق.
رأى الرعب والخوف المطلق في عينيها، فتحكم في خطواته قليلاً ووقف منتصف السلام ينظر لها وهي تدق الباب بهلع، وعقله يحاول تذكر من يسكن هنا أو يملك هذا المكان.
فتحت والدة سمر الباب بخضة، فأسـرعت للدخول لتغلق الباب، إلا أنه بخطوتين من ساقه الطويلة منعها ووقف بطوله المهيب أمامها، وهي ترتجف كفرخ صغير يختبئ بوالدته، وتخفي رأسها كالنعامة، وكأنه سيختفي من أمامها إن لم تراه.
شعرت والدة سمر بخوف من هيئته المريبة لوهلة، حتى استجمعت قواها لتحايله بصوتها الأمومي.
- في حاجة يا ابني؟
احتضنت ابنتها بخوف، بينما ابتعد هو قليلاً عن الباب ليعطيهم مساحة، فهو يعلم جيداً تأثير هيئته الضخمة، وبنيته الشبه عملاقة بطوله الذي يكاد يصل إلى سبعة أقدام، وأكتافه المشابهة لحائط بشري متنقل، وحاجبه المتآكل من المنتصف كعلامة من إحدى معارك الشوارع التي اعتاد عليها وتفننها.
قال بصوته الرجولي وهو يحاول أن يخفف من حدته:
- السلام عليكم يا حاجة.. ممكن أعرف أنتو مين؟ أنا أول مرة أشوفكم هنا.
نطقت سمر بشبه غضب ووجهها مخبأ في أحضان والدتها:
- مش فاهمة ليه لازم تعرف احنا مين.. ناس عادي يعني؟
ارتفع صوته بحدة، فهو لم يتعلم السيطرة على غضبه والصبر.
- عشان هنا مش وكالة من غير بواب؟ وبعدين أنتي حسابك لسه، اصبري عليه. بذمتك مش مكسوفة من نفسك؟
نظرت له بغضب وهي ترى الاتهام في عينيه.
- أنا عملت إيه؟ أنت اللي وقفتني وأنت اللي جريت ورايا لحد هنا وكنت هتموتني من الرعب، وفي الآخر أبقى أنا اللي مش مكسوفة من نفسي؟
خرج جيرانهم في الشقة المقابلة، والذين أعطوهم الشقة ليسكنوا فيها لبعض الوقت.
أم عزت: في إيه يا أم سمر؟
التفت لها مصطفى وهو يحادثها دون مقدمات:
- مين دول يا أم عزت؟
ردت وهي تنظر أرضاً بتوتر:
- هاه.. دول قرايبي وجايين يقضوا مصلحة فترة كده وهيرجعوا بيتهم تاني. هو حصل حاجة بعد الشر؟
نظر بعينه نظرة خاطفة وغاضبة إلى سمر، وهو يستكمل حديثه من بين أسنانه:
- قرايبك على عيني وعلى راسي يا أم عزت، بس اللي الهانم لبساه ده مش هيمشي هنا. هي مش في بيتها، دي نازلة شارع.
وقفت سمر وراء والدتها بذهول من تصرفات وتحكمات هذا المجهول كلياً بالنسبة لهم.
- أنت مين أصلاً عشان تقرر البس إيه ولا فين؟ أنت كائن غريب أوي.
- أنا محترم أمك.. وماسك نفسي بالعافية. أنتي هنا عايشة وسط رجالة وتمشي بقانونهم، واللي أقوله يمشي.
- اسمها مامتك يا بني آدم أنت.
اتجهت أم عزت بخوف نحوها حتى تخرسها، فهي لا تعلم مع من تتشاحن هذه الشقية.
- يقطعني.. معلش أصلهم جداد هنا ولسه ميعرفوش الأصول هنا ماشية إزاي. معلش يا خويا عندي المرة دي.
نظر لها مصطفى من أعلاها لأسفلها بنظرة ثاقبة أرعشتها رعباً من جرأته، وقال:
- عن إذنكم.
نزل سريعاً بخفة لا تتوافق مع جسده الضخم تماماً، كخصره المنحني للداخل، لينزل بساقيه القويتان، والتي تستطيع رؤية عضلاتهم بارزة ومقسمة من بنطاله الجينز، وكأنه منحوت من الصخر وليس إنسان من لحم ودم.
دفعت أم عزت سلوى بخفة للداخل، وأغلقت الباب وهي تضع يدها على قلبها.
أم عزت: اخس عليكي يا بنتي.. هو ده بنعصي ليه كلمة؟
سمر بخوف وشجاعة مصطنعة سألت باهتمام:
- مين ده يا طنط أم عزت؟ وماله ومالنا ومهتم بينا ليه أوي كده كأننا في بيته؟
أم عزت: ده يا بنتي يبقى مصطفى ابن كبار المنطقة، عيلته هي اللي ماسكة المشيخة في الحارة.
سمر بتعجب: ده شيخ؟ طنط أم عزت بليز قوليلي إن حضرتك بتهزري.
ضحكت أم عزت ضحكتها الرنانة المشهورة على سذاجتها.
- مش قصدي شيخ جامع يعني، أقصد هما كبار المنطقة. ولو حصل حاجة ولا مشكلة بين حد هما اللي بيحلوها. يعني مثلاً وقت الثورة هجم علينا البلطجية ومحدش قدر عليهم غير بسم النبي حرسه وصاينه مصطفى وابن عمه ورجالتهم.. وأبوه الكبير هو اللي ليه الكلمة والطوع هنا.
وضعت سمر يدها على فمها بخضة وعيناها متسعتان رعباً.
- يعني بلطجي؟
أم عزت بتوتر: هشششش.. اسكتي لحد يسمعك. يابنتي الله لا يسئك ركزي معايا.. بصي هنا في منطقتنا بنمشي بالعرف وهما اللي ماسكيننه ومحافظين عليه. فهماني؟
- ويبقى فيه عرف ليه؟ أومال فين الحكومة؟ دي همجية يا طنط!
- ييييي.. هتتعبيني ليه بس؟ أقولك اعتبري الحكومة يا ستي، إحنا ناس وحشة وجهلة وبنحب كده! ممكن بقا تشوفي هو قالك إيه بالظبط وتنفذي.
قاطعتها سلوى: بصي يا سمر يابنتي بلاش مصايب، إحنا بنقول يا حيطة دارينا.
سمر: والله يا ماما ما عملت حاجة، أنا طلعت خطوة من باب العمارة لقيته واقف قدامي سادد الماية والنور.
سلوى بغيظ: يووووه عليكي، ما كنتي عديتيه يا سمر، لازم تعدي أنتِ الأول، هتفضلي عيلة طول عمرك!
سمر بدفاع: أبداً يا ماما.. ده كان عايز يدوس عليا مش يعدي، ده هو شافني واتعصب أوي وكان هيجبلي سكتة قلبية.
أم عزت: خلاص خلاص، حصل خير. المهم بعد كده تركزي وبلاش مصطفى خالص.
عقدت ذراعيها وهي تندب حظها الذي يدخلها من دوامة إلى أخرى أشد خطورة. لاحت أمامها نظرات عينيه المجنونة والمربكة، فانتفضت قليلاً.
سمر بخفوت: أنا هدخل أنام شوية.. أعصابي باظت خالص يا مامتي.
أغلقت سلوى الباب خلف أم عزت بعد أن ودعتها، واستدارت بتأنيب لابنتها الحمقاء، لكنها تشعر بها، فهي صاحبة الخمسين عاماً انصهرت أعصابها عند رؤيته بمظهره العنيف والهجومي بدون سابق إنذار.
- روحي ارتاحي شوية يا بنتي، وخذي بالك من نفسك من هنا ورايح، إحنا مش ناقصين كفاية أبوكي.
توجهت إلى غرفتها لتنفجر باكية بمفردها على زوجها المسكين.
نظرت لها سمر تشعر بآلامها، وانطلقت شبه واعية إلى غرفتها الصغيرة ذات الفراش المتهالك، وضعت جسدها على فراشها وهي تنظر للسقف لتحملها أفكارها إلى ذلك المتوحش الذي اقتحم محاولاتها للتأقلم دون إذن.
وضعت يدها على صدرها ترجو قلبها أن يهدأ قليلاً ولا يثب كالارنب المذعور.
سمر لنفسها: طلع إزاي ده مش عارفة! بس الحمد لله إنه مشي.. أصل أنا ناقصاه في المصيبة اللي إحنا فيها دي.
انتقلت بتفكيرها إلى والدها، وأرجعتها أفكارها إلى الليالي السابقة والكارثة التي هبت عليهم من حيث لا يدرون.
***
فلاش باك
ترررن ترررن ترررن ترررن. أعلن الهاتف عن وصول مكالمة، وسلوي تجهز الطعام.
سلوي: ياااا سمر ردي على التليفون، إيدي مش نضيفة!
سمر بابتسامتها المشرقة:
- حاضر يا مامتي.
توجهت إليه ورفعت السماعة تضعها على أذنها.
- الو.. بابي إزيك حضرتك، وحشتني أووووي. إيه؟ حاضر.
أبعدت السماعة قليلاً وهي تنادي والدتها وتستعجلها لمحادثة والدها.
سلوي: أيوه أيوه هاتي التليفون وادخلي كملي غرف.
- حاضر يا قلبي. وابقي طمنيني على بابي عشان حاسة إنه متغير.
هزت رأسها بموافقة وأطرقت في حديثها مع والدها. ما إن وصلت إلى باب الغرفة حتى وصل صوت والدتها الهالع إلى أذنها.
- أنت بتقول إيه؟ عصام أنت واعي للي بتقوله ده؟
خانها قدماها لتسقط على المقعد خلفها وهي تضع يدها على فكها لتلجم شهقات بكائها المهددة بالهرب فأي لحظة.
سلوي ببكاء: يعني أنت مش هتعرف تيجي مصر تاني؟
وقفت سمر كالتمثال مشدوهة مما تسمعه، وتتابع بعينيها فقط جميع حركات والدتها وتعابيرها بخوف مطلق لم تعرف له مثيل.
- إزاي هنستخبى هنسيبك كده؟ أنت متأكد إن شريكك هو اللي نصب عليك ووقعك؟
أوصلتها قدماها بأعجوبة وهي تجثو على ركبتيها وتستند بيداها الاثنان على ساق والدتها المفطورة من البكاء، فأحست بعينيها تغرقان بالدموع.
- بابي ماله؟
جاءت لحظة صمت من الجهة الأخرى للهاتف، وهو يستمع إلى نبرة فتاته الوحيدة، والتي سعي جاهداً ليصل إلى هذا المستوى المادي الكبير من أجلها.
نظرت سلوى إلى عين ابنتها بحزن وألم.
سلوي بصوت متقطع منهك المشاعر:
- سعد نصب على باباكي قبل ما يسافر دبي يشوف الناس اللي هتتعاقد مع سلسلة مطاعمنا، وقدر يمضيه على تنازل بحقه في المطاعم ووصل أمانة بـ 50 مليون جنيه!
أخذت نفساً عميقاً وارتعشت شفتاها وهي تستكمل لسمر التي جلست أمامها مذهولة.
- وقدم الوصل للبوليس، ودلوقتي لو باباكي رجع مصر هيقبضوا عليه في المطار!
أخذت سمر الهاتف من والدتها.
سمر بصوت محشرج:
- بابا حضرتك هتعمل إيه؟
رد عصام منكسراً:
- متقلقيش يا بنتي، أنا في خلال ساعة هركب الطيارة على اليونان، وإن شاء الله هدبر أموري.
أخذ نفساً عميقاً يحث نفسه على استكمال المكالمة، ليقول بصوت جادي:
- سمر اسمعيني يا حبيبتي، أنتي لازم تبقي قوية وتقفي مع ماما في المحنة دي، لأني عاجز خلاص!
سمر ببكاء: متقولش كده يا بابا! أنا هروح أقابل أونكل سعد أكيد فيه سوء تفاهم أو...
قاطعها والدها بحدة:
- أووووعي تعملي كده! مفيش وقت للكلام ده، أنتي هتاخدي ماما دلوقتي وتاخدي كل الفلوس معاكم، وأوعوا تستخدمي الكرديت كارت أو تيجي ناحية الحساب في البنك، هيقدر يوصل لمكانكم منه. أنا بعت مراد اللي كان ماسك مدير مطاعمنا في القاهرة ونقلته إسكندرية، فكراه اللي كان بيذاكرلك في ثانوي.
سمر بخفوت: آآآه...
هز رأسه بالرغم أنها لا تستطيع رؤيته، أغمض عينيه للحظة، ليردف بصوت ضعيف:
- أنا آسف يا بنتي، خذلتكم ومش قادر أحميكم.
سمر وهي تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها:
- آسف على إيه يا بابي، ده مش ذنبك، أنت عمرك ما خذلتنا والوضع ده إن شاء الله هنعدي منه، أنا واثقة في ربنا وفيك.
ابتسم بضعف بلا مرح.
- بسرعة يا سمر واسمعي كلام مراد.
سمر بشك: وليه واثق فيه كده؟ مش يمكن معاهم يا بابا!
- هو ده اللي نبهني، ولولاه كان زماني مقبوض عليا في المطار دلوقتي أول ما رجلي تتحط في مصر!
أغلقت عينها بألم وهي تمسك بيد والدتها مساندة لها حتى تتوقف عن البكاء.
- خدي بالك من نفسك ومن ماما يا سمر.. روحي مش هطول عليكي واكسري الخطوط بتاعتكم وهاتوا خط جديد، وأنا هتواصل مع مراد وهاخد الرقم منه. بسرعة يا سمر نص ساعة ومش عايزكم في الفيلا دي، أمك مش حمل مرمطة. هاتي ماما أكلمها.
أعطت والدتها الهاتف، وهبت على قدماها تركض إلى الطابق العلوي حيث الغرف، أخذت تعبث بخوف في أرجاء غرفتها وغرفة والدتها لأخذ ما يمكن أن يستفيداه منه، حتى أنها أخذت جميع مصوغاتهم الذهبية عسى أن يحتاجوها، ووضعتها في حقيبة سفر ترمي بعض الملابس سريعاً دون وعي، وتوجهت إلى غرفة والدتها فوجدتها أسرع منها مرتدية ملابسها وتجهز حقيبتها.
رن جرس الفيلا معلناً عن وصول المنقذ المنتظر.
استدارت سمر لتفتح الباب، إلا أن صوت والدتها أوقفها بحزم.
- استني يا سمر أنا هفتح ليكون حد غيره.
نزلتا بسرعة، ونظرت سلوى من العدسة السحرية فاطمأنت وفتحت الباب لمراد الذي يظهر التوتر والوجوم على وجهه.
سلوي بقليل من الترحيب وقلبها يخفق بخوف:
- أهلاً يا مراد اتفضل.
هز رأسه بنفي وهو يرد عليها الترحاب.
- أهلاً يا مدام.. معلش مفيش وقت، أنا معايا العربية برا ولازم نمشي حالا.
استدارت سمر لارتداء حذائها الرياضي الذي يعبر عن طفولة هذه الشابة ذات العشرين عاماً. لم يعلق مراد على حذائها بالرغم من ارتفاع جانب فمه قليلاً، وأشار لهم بالتحرك.
انتهى الفلاش باك.
***
سمعت سمر صوت محرك يزأر بعنف فأفاقت من شرودها. استقامت بحاجبين معقودين وهي تتعجب من شراسة هذا الصوت المألوف قليلاً دون أن تعرف مصدره. اقتربت من نافذتها تفتحها لتلقي نظرة، فوجدت دراجة نارية سوداء اللون في مقابل بيتهم، وفوقها هذا الكائن الغامض بملامحه القاسية.
سمر لنفسها: طبعاً الإزعاج هيجي منين! كان لازم أعرف أووف!
نظر لها فجأة كأنه يستشعر نظراته، فرمشت بخضة وانتفضت بخوف عندما تحولت نظراته إلى الغضب، فتراجعت خطوات صغيرة ببطء حتى اختفى عن أنظارها وقلبها يدق بعنف.
رفعت يدها المرتجفة إلى صدرها وابتلعت ريقها. ما هذه الهالة الفجة المحاطة به والتي تجعلها ترتجف في كل مرة من المرتين اللتين رأته فيها؟
سمر بدعاء: يارب وفق بابا وطلعه من المصيبة دي وخليني أفهم الراجل المخيف ده مخنوق مني أنا بالذات ليه؟
***
رفع قدمه من على المحرك بعد أن قرر عدم المغادرة. نظر له بلال بحاجب مرفوع ويتابع تحركاته الغاضبة وهو يجلس على إحدى الكراسي الخشبية للمقهى بجوارهم.
بلال: مالك يا ابن عمي مش متظبط ليه؟
زفر مصطفى بضيق.
- مش عايز أتكلم دلوقتي يا بلال.
نده صبي المقهى ليحضر له قهوة وأرجيلته.
بلال: يابني أنت مش كنت عامل زي إللي راجل أخضر من 5 دقايق وماشي عامل تشويط في الناس يمين وشمال.. كام مرة قلتلك وأنت متعصب بص تحت رجليك مش كل يوم ضحايا.
رمقه مصطفى بنظرة قادرة على فلق الحجر من غضبها، إلا أن ابن عمه السمج يبتسم من الأذن إلى الأذن بكل استمتاع.
- حط لسانك في بوقك عشان متبقاش الضحية الجديدة.
رواية عشق بلا رحمه الفصل الثاني 2 - بقلم دينا ابراهيم
رفضت عيناه المثول أمام رغبة عقله في الابتعاد عن نافذة الجنية الصغيرة التي ألهمت داخله بطريقة لم يعتد عليها من قبل. لا يستطيع تصديق أنه فقد السيطرة على نفسه من نظرة واحدة، وهب عليها كالطوفان. يا الله، ما سر هذا الانجذاب الرهيب اتجاهها؟ فهي تبدو طفلة لا تتعدي الثامنة عشرة عامًا. ربما لبراءتها وعيناها الشبيهتان بماء المحيط. لا يعلم ما الذي أشعله أكثر، ارتعاشتها حين رأته وخوفها، أم قدرتها على توجيه الاتهام له بوجهها الأحمر الصغير.
زفر مصطفى وضرب كفًا بكف في وسط ذهول رجاله وبلال، الذي رفع حاجبًا وهو يحاول فهم ما بداخله.
"مصطفى؟"
لم يرد عليه مصطفى وبقت نظراته معلقة على نافذتها بترقب رهيب.
"أنت يا جدع، مش بكلمك!"
مصطفى بضيق وملل: "عايز إيه يا بلال؟"
محمد، صديقهم، وهو يضحك ويتكئ على الكرسي أمامه: "طبعًا أنا لو قلت لك إن السبب في اللي هو فيه واحدة مش هتصدقني."
رمقه مصطفى بنظرة جمدت الدم في عروقه، فتنحنح ونظر إلى الجهة الأخرى.
بلال، وقد ارتفعت أذناه استشعارًا لما يدور في حياة مصطفى: "واحدة؟ مين يا اض يا محمد؟"
محمد بتوتر وهو يضحك بوجهه أحمر خجلًا: "هاه، واحدة إيه... أنا كنت بهزر."
زم بلال شفتيه وقال بغيظ: "عيل جبان، خسارة إني مصاحبك والله. خايف منه يا اض! ده أنا هنفخك!"
مصطفى بقلة صبر وهو يرغب في ضرب رأسيهما معًا: "أنا قاعد هنا على فكرة! وبطلوا حكاوي النسوان دي وركزوا في حالكم."
رن هاتف مصطفى فأضاءت الشاشة باسم والده الحاج دياب. رد بهدوء.
"أيوة يا حاج. أؤمرني؟"
دياب بثبات: "أنت فين؟ تابعت موضوع الأرض اللي قلت لك عليها مع المهندس؟"
مصطفى بجمود: "أيوة، بس زي ما قلت هيحصل مشاكل كبيرة بسبب الراجل صاحب الأرض اللي جنبها. حطنا في دماغه... وهيغرقنا مع الحي."
دياب بثقة: "متقلقش، أنا عارف هوقفه إزاي عند حده. ماتتأخرش النهارده، أما نشوف حكاية اللي اتهجم على بنت عم أيوب ده. استغفر الله."
"حاضر يا حاج."
أغلق الهاتف وأعاد نظره إلى أعلى، فلمحها تنظر إليه وكأنها تتأكد من وجوده قبل أن تلتقي أعينهما. توترت ونظرت إلى الأسفل.
رفعت سمر ذراعها ببطء حتى تغلق فرن هاتفها لتترك النافذة وتجيب سريعًا.
"الوو."
مراد: "الو، صباح الخير يا آنسة سمر. أنتم كويسين؟"
"صباح النور. آه الحمد لله. هو في حاجة ولا إيه؟"
"لا، أنا بس كنت بطمن عليكم عشان أبوكي قلقان وقال لي أطمنكم."
دمعت عيناها قليلاً قبل أن تجيب بصوت خافت: "هو في حل يا أستاذ مراد ولا خلاص كده؟"
"ماتيأسيش، ده أولًا. ثانيًا، ربنا على الظالم يعني بإذن الله والدك هيرجع وياخد حقه. وأنا بعمل كل اللي في وسعي إني ألاقي ورق أو ملفات تنفعنا."
سمر بامتنان: "أنا مش عارفة أشكر حضرتك إزاي أنا..."
قاطعها مراد بسرعة: "من غير ما تكملي، أنا عارف. وبعدين والدك أنا بعتبره والدي، وأنتي أختي الصغيرة، وليه دين في رقبتي مش هقدر أسدده طول عمري."
ابتسمت سمر قليلاً وأردفت بصدق: "أنا كان نفسي في أخ، بس واضح إن ربنا بيحبني وحب يعوضني بيك، فاينلي يعني."
ابتسم مراد، فظهرت الابتسامة في كلامه: "أنا ليا الشرف! كفاية إن أختي عسولة وبتلبس شوز عليه كرتون!"
اختفت الابتسامة من على وجه سمر، ومعها أكثر لحظاتها جدية، لترد بحرج ودفاع: "ده مش كرتون، ده تويتي!"
مراد بضحك: "وأستاذ تويتي تبع الإذاعة والتلفزيون!"
تأففت سمر: "لا والله! أنا لما طلبت أخ كنت عايزة حنانه وحمايته، بس واضح إني لازم أتحمل رخامته!"
لم يستطع مراد كبت ضحكاته على براءتها.
"ههههههههههه، بتاخدي الباكدج على بعضه، مفيش فصال!"
ضحكت سمر: "ههههههه، موافقة، بس متتعودش على كده."
"مش هوعدك. هضطر أقفل دلوقتي وهبقى أتصل بيكم بالليل."
"تمام، مع السلامة."
"مع السلامة."
أغلقت الهاتف وضمته لصدرها وهي تطلق تنهيدة اشتياق لوالدها وحنانه الذي لا يعوض. كم تمنت أن تسمع صوته.
رفعت عينها فوجدت عيونًا نارية تتابعها بشراسة. اتسعت عيناها بذعر. لماذا تقف أمام النافذة كالبلهاء؟ لماذا يوقعها حظها التعس في عيناه الحادة المتمرّدة؟
سمر لنفسها: "ريلاكس، ريلاكس. ده بعيد. خدي نفس عميق واقفلي الشباك بهدووووء، بهدووووء."
ظلت تحدث نفسها وهي تمد بذراعيها لإغلاق النافذة. أحكمت إغلاقها وتنفست الصعداء.
"إيه الناس دي؟"
أتاها صوت والدتها متسائلة: "بتكلمي مين يا سمر؟"
توجهت سمر إليها في الصالة مجيبة: "ده مراد يا مامتي، كان بيسأل علينا."
"كتر خيره. بس متتعوديش على كده، أنا اللي هرد على التليفون."
ضحكت سمر: "إيه ده، بتغيري عليا يا سوسو؟"
ضحكت والدتها رغماً عنها: "بطلي شقاوتك دي."
وقف مصطفى يغلي ذهابًا وإيابًا أمام القهوة، وهو يتساءل من يحادثها وما سر ابتسامتها وهيامها بعد انتهاء المكالمة؟ أهي مكالمة غرامية؟ ومن يكون ليحطم عظامه؟
وقف للحظة عندما جال بتفكيره بأن تكون لتلك الجنية البريئة علاقة برجل ما. لماذا تزعجه تلك الفكرة وتتأكله؟
مصطفى لنفسه: "هي قريبتك ولا حاجة؟ ما اللي يتكلم يتكلم، واللي يحب يحب الله!"
ليرد قلبه بكذبة واهنة، ولكنها كانت كافية لإقناعه. إنه يخشى عليها من هالتها البريئة المحاطة بها، والتي ستجعلها فريسة مستساغة لأشد الذئاب ضراوة. ذئاب لا تعرف الحب أو الرحمة، تعيش بواجب العيش فقط. ذئاب أمثاله هو!
أغمض عينيه بشدة وهو يتذكر أول ما راود عقله حين وقعت عيناه عليها بصورتها الملائكية وعيونها الخلابة التي لم ير لها مثيل. رأى نفسه يحملها ويخطفها من عيون الجميع، رغبة جامحة بداخله تسيطر عليه كليًا في خطفها لنفسه وحبسها في أملاكه الخاصة!
هز رأسه ذهولًا من هذه المشاعر العنيفة ونظر إلى مجموعة رجاله المجتمعين حوله. أردف بصوت لا يبث أي مشاعر إلا الخوف والحذر:
"بلال ومحمد... الحاج مستنينا."
وقف كلاهما بملل من خوض تلك المعارك التي يتغلب فيها والدهما باللسان والعرف.
في بيت العرابي...
جلس الرجال في حلقة في ساحة أسفل البيت المكون من 3 طوابق، يعيش به دياب وعبد الله وشقيقتهما الأرملة زينب.
عم أيوب بأسى: "يرضي مين ده يا كبير؟ عشان أنا كبرت وسني مبقاش يسمح بخناق، يروح عيل صايع يمد إيده على بنتي ويضربها وسط الشارع وأنا مش موجود!"
ليرد أهل الشاب بغل وتعجرف: "ولما هو صايع وفقت يخطبها ليه؟"
زفر بلال بملل ومال على مصطفى بصوت شاكي: "فكرني كده إحنا قاعدين هنا ليه؟ والراجل ده بجد ولا بيهزر؟"
رمقه مصطفى بنظرة جانبية: "اهدي، متجبش الكلام لنفسك. وللأسف الراجل بجد."
بلال وهو يهز رأسه غير مصدقًا: "مش معقول، يعني مخدش باله إن الواد عربجي؟ وحتى لو البت وافقت، واللي هي مستحيل أصلًا توافق إلا لو أبوها أعمى ومفكرش في مرة إنه يكون بيهدها، أجبرها إنها تتجوزه؟"
مصطفى بكل جمود وواقعية: "لا، كان شايف وفاهم، بس الفلوس بتعمل أكتر من كده."
جحظ حاجبي بلال بريبة وقال متسائلًا: "وأنت عرفت إزاي؟ هو قال حاجة؟"
ابتسم مصطفى ابتسامة ساخرة تخلو من المرح: "بص لعنيه، هو بيتكلم، وشوف كام مرة وهو بيحلف بيبص لتحت."
نظر بلال بتقزز للرجل ووجه حديثه إلى مصطفى مرة أخرى: "طيب وإحنا قاعدين هنا بنهبب إيه في المسرحية دي؟"
"مستنيين المسرحية تخلص. وأبويا عارف ومتأكد إن الواد خفيف وهيعمل بلبلة."
نظر إلى أعلى بغيظ وملل عندما لمح ندى أعلى السلم. استاء من نزولها في اجتماع الرجال وأشار لها برأسه للصعود. فما كان منها إلا أن أرسلت له ابتسامتها المغرية لتسلب عقله وإرادته.
رمشت بعينيها مرة بنظرة ذات معنى، ثم استدارت وهي تعلم جيدًا أنه سيلحقها إلى المكان الذي شهد حبهما منذ الطفولة.
عض على شفتيه السفلى من شقاوتها، وتنحنح قليلاً.
"عن إذنك يادرش، سيكا ونازل."
مصطفى وهو يعلم تمامًا أين سيذهب ولمن: "معاك 3 دقايق، هعمل نفسي مش واخد بالي. أكتر من كده هاجيلكم أنتم الاتنين!"
بلال بغيظ وحرج: "وطي صوتك يا عم أنت، وبعدين خليك في حالك!"
ابتسم مصطفى لانزعاج بلال وقال ببرود: "عدي منهم دقيقة."
نظر له شزراً ونظر حوله يتأكد من عدم مراقبة أحد له، ثم صعد إلى السطح حيث فتاته تجلس على مربوعتها المفضلة في انتظاره. ارتمى بجوارها.
بلال بحب: "مسسسا مساا يا كبير."
ندي بمصمصة وهي تعدل حجابها المرمي باهمال فوق شعرها المنسدل حتى خصرها: "داخل غرزة حضرتك! في حد يكلم واحدة كده! طبعًا مانت مش فاضيلي."
بلال وهو ينظر إلى أعلى: "امممممممم، قولتيلي بقا!"
ندي بغيظ: "قصدك إيه؟"
"لا بس مستني وصلة النكد اللي هتبدأ."
شهقت ووقفت من مكانها تخبط على صدرها وتميل إليه لا وعي وهو جالس.
"أنا نكد!؟"
"لا يا أمي، أنا بتيجي تنكد وتنزل تاني! يعني أنا سايب فحال بشنبات تحت وطالعلك عشان تدخلي فيا شمال!"
ندي بوجه أحمر من الغيظ، قبضت على ياقة قميصه بقبضتها الصغيرة وانحنت قليلاً عليه.
"أدخل شمال؟ هو أنا لحقت أفتح بوقي؟ أنت اللي مش طايقني ونازل طيخ طاخ من ساعة ما طلعت!"
ابتسم رغماً عنه على شراستها، وجذبها نحوه لتسقط أمامه بين ساقيه.
"ااااي، ركبتي هتتعور يا بني آدم."
بلال بضحك على سخافتها: "الحمد لله مخدتش بالها إنها حضني."
نظرت له بعدم فهم لوهلة وهي ترى ترقبه. نظرت حولها فوجدته يجلس أمامها وساقيه على يمنها ويسارها. وضعت يدها على وجهها بخضة. فدوت ضحكته.
"أنت قليل الأدب، أوعى كده."
"هههههههههههههه، يابت لسانك ده هقطعهولك في يوم."
"ه ه ه ه ه، خفة."
وضعت يدها على ركبتيه وهي تقف ثم عصرت قدمه بقدمها بغيظ.
"اااااااااه، يابت المفترية."
"أحسن عشان تحرم تضايقني بعد كده."
استدارت لتغادر ولكنه أسرع في الوقوف وإمساكها.
"على فين العزم إن شاء الله؟"
"أوعى إيدك دي! أنا نازلة عند أمي. ليك شوق في حاجة؟"
نظر لها بقرف واشمئزاز: "ليك شوق في حاجة! وكنت زعلانة عشان بقولك مسا مسا! انتوا الحريم عليكوا حاجات."
ضربت الأرض بطفولية وتأففت منه.
"أنا غلطانة إني قلت وحشني وهروح أشوفه. أنا أنا أنااااا خسارة فيك أساسًا."
انفجر ضاحكًا على موشحها وغضبها وتلعثمها الذي يعشقه عندما تحمر وجنتيها وتزم فمها. مما زاد من نمقها عليه.
فأردفت وهي تعلم كيف تخرس ضحكاته: "أوعى بقا عشان أشوف العريس."
توقفت ضحكاته في لحظة وسأل بلهجة جدية وغاضبة: "عريس إيه يا روح خالتك؟"
وضعت يدها في جانبها بانتصار وقالت بملل وهي تمط حروفها: "عريس شافني وهيموت ويتجوزني."
رواية عشق بلا رحمه الفصل الثالث 3 - بقلم دينا ابراهيم
ضربت الأرض بطفولية وتأففت منه.
"أنا غلطانة إني قلت وحشني وهروح أشوفه... أنا أنا أنا خسارة فيك أساسًا."
انفجر ضاحكًا على متهامها وغضبها المتلعثم الذي يعشقه عندما تحمر وجنتاها وتزم فمها، مما زاد من رونقها عليه.
فردفت وهي تعلم كيف تخرس ضحكاته: "أوعى بقى عشان أشوف العريس."
توقفت ضحكاته في لحظة وسأل بلهجة جدية وغاضبة:
"عريس إيه يا روح خالتك؟"
وضعت يدها في جانبها بانتصار وقالت بملل وهي تمط حروفها:
"عريس شافني وهيموت ويتجوزني."
بلال بغضب وهو يجز على أسنانه:
"ومالك فرحانة أوي كده ليه بعريس الغفلة؟"
أطلقت ضحكة أنثوية، لتشعل بركانًا بداخلها.
"بقولك إيه يا شاطرة، أنا شايف كده إنك توحدي الله وتنزلي على أمك وتقوليلها إني هقطع رجل عريس الغفلة ده لو فكر بس يجي هنا."
حاولت إخفاء فرحتها ككل أنثى يتراقص قلبها على أنغام غيرته.
"الله وأنا مالي، ما تقولها أنت."
أمسك بطرحتها بغيظ:
"وإيه اللي أنتِ لبساها دي؟ ما قيلتها أحسن. أنتِ حطالي منديل ومدلدلة شعرك كله؟ لأ بقولك إيه، اتعدلي كده عشان ما أمدش إيدي عليكي!"
ضحكت على سهولة إغضابه.
"طيب سيب المنديل، طاااه أقصد الطرحة وبلاش نرفزتك السودة دي."
رمقها بتحذير، فابتسمت له وأخرجت لسانها عبثًا.
"أنا أصلًا بهزر معاك يا قلبي أنت. ولا يفرق معايا عرسان الدنيا، أنت الراجل الوحيد في عيني ومن بعدك مفيش رجالة."
ابتسم بالرغم من غضبه ووضع يده على رأسه.
"يخربيتك لما تثبتيني بعشقك يا بت!"
"بعشقك يا واد!"
"أنا قلت 3 دقايق وتنزل. البيه داخل على نص ساعة!"
انتفض الاثنان بخضة على صوت مصطفى المتكئ على باب السطح وينظر لهم بضيق.
"خلاص عرفنا إنكم بتحبوا بعض. ورجلك ما تاخدش على هنا يا هانم!"
ندي بخجل وهي تهم بالنزول:
"حاضر."
بلال بغيظ:
"فكك منه يابت، أنتِ بت عمتي زي زيه بالظبط."
لم تنتظر ندي لترد وركضت إلى أسفل.
"آه بس بنت عمتي أختي غير بنت عمتك أنت يا دكر!"
بلال بحنق:
"أبو شكل اللي يعرفك!"
مصطفى بسعادة وشماتة:
"قدامي يا حيلتها."
حل صباح اليوم التالي على سمر بسعادة، فقد استيقظت على مهاتفة والدها لهم ووعدهم بأن محنتهم ستحل في أسرع وقت وأنه سيعود إلى أحضانهم قريبًا.
خرجت سمر بعد أن أخذت حمامًا دافئًا فوجدت والدتها تعد ما يملكون من أموال حتى الآن.
"قربوا يخلصوا يا ماما، صح؟"
سلوي بتوتر:
"شوية، متقلقيش. أنتِ أمك لسه بصحتها ولو طولنا في الجحر ده هشتغل وهنبقى تمام."
سمر بحب:
"ليه يا قمر يا أبو صحة بومب؟ وأنا رحت فين؟ أنا كده كده لازم أشتغل، أنا عندي 20 سنة دلوقتي، أنا لازم أبقى independent woman."
سلوي بضحك:
"وأمرمطك؟ لأ، أنتِ مش وش بهدلة يا independent woman."
"لأ، حاسبي يا سوسو. أنتِ كده بتدخلي في منطقة أعراض وأزعل منك وأجيب ناس تزعل، هااااه؟ أنتِ شيفاني فرفورة ولا فرفورة يعني."
"ههههههه، لأ أبدًا. واتفضلي روحي اشربي عصيرك. عاملاه من ساعة في المطبخ."
قبلت سمر رأسها وربتت على كتفها بمودة واتجهت إلى المطبخ. راحت تترنح كالفراشة على ألحان موسيقى شعبية تأتي من الخارج حتى وقعت عيناها على زجاجة دواء والدتها في القمامة.
خرجت إلى والدتها بسرعة.
"ماما، أنتِ الدوا خلص؟ مقولتيش ليه عشان نشتريه؟"
سلوي بتوتر وهي تبحث عن كذبة:
"أصل أنا معايا يابنتي تاني."
رفعت حاجب بألم وحزن.
"ينفع كده يا ماما؟ هو ده فيه هزار، ده دوا قلب. يعني لو حصلك حاجة دلوقتي بعد الشر هعمل إيه أنا؟ يبقى أنتِ وبابي؟"
نظرت سلوي إلى أسفل، فقد أرادت ادخار ما يمكنها من أموال حتى لا تلجأ إلى أحد. حتى أنها طلبت من أم عزت أن تجد أي عمل يناسب سنها.
اقتربت منها سمر ومالت عليها تقبل جبينها وتأخذ الأموال من يدها.
"ربنا يخليكي ليا يا مامتي، بس ارجوكي بلاش الموضوع ده يتكرر تاني. أنتِ كل حياتي، مش بتحبيني وعايزة تحافظي عليها؟"
سلوي بنصف ابتسامة:
"خلاص مش هعمل كده تاني يا ماما سمر."
ارتسمت ابتسامة مشرقة على شفتيها.
"أيوه كده. احممم احممم. أنا نازلة أجيب الدوا، ثواني وهرجعلك."
هزت رأسها بالموافقة وأردفت:
"ماشي يا سمر، متتأخريش."
"حاضر."
أغلقت الباب خلفها وتنهدت بشدة.
عندما وصلت آخر الدرج، عاد إلى تفكيرها صورة مصطفى وغضبه بالأمس. توترت قليلاً ونظرت إلى التي شيرت والبرمودا القصير الخاص بها. وعضت على شفتها بقلق.
سمر لنفسها: "أوفكورس يعني مش قاعد مستنيكي برا! وبعدين مين ده أصلًا عشان يتحكم فيا؟ ده أنا بابي ذات نفسه مش بيقولي حاجة!"
ركبت عنادها واتجهت بأنف مرفوعة إلى باب المبنى.
كانت عيونه معلقة بنافذتها أو باب مبناها بشغف، وهو يتمنى رؤيتها ولو ثانية واحدة، بالرغم من تحذيره لها بعدم رؤيتها بالأسفل.
وكأن القدر يساندة، وجدها تطل عليه بهيئتها الملائكية الناعمة. نظر لها مطولًا من قدمها إلى أعلى رأسها، يتفحص ساقيها الطويلتين كموديل إيطالية وعيونها البراقة وجسدها الصغير التي تظهر منه أكثر مما ينبغي.
أفاق هذا التفكير عقله واشعل غضبه. رفع عينيه إليها فوجدها تنظر له ببلاهة وكأنها غير مصدقة وجوده الآن.
شعرت سمر بالأرض تهتز تحت قدميها عندما وقف مصطفى بكامل قوته، وهي ترى في عينيه العزم على الوصول إليها.
اختار عقلها هذه اللحظة بالذات لتتوقف الحياة من حولها عندما التقت نظراتها بنظراته القاتمة، معلنة استسلامها لجموح نيرانه، فلم تستطع فعل شيء سوى متابعة تقدمه منها.
سمر لنفسها: "أوووبس! بليز ياربي، هو مش شايفني صح؟ لأ ده شايفني وبيِقرب أهو. اتحركي اتحركي، أنتِ اتشليتي؟"
علت أنفاسها قليلًا من الخوف وبللت شفتيها بطرف لسانها وشعرت بحلقها الأجوف يضيق.
وقف مصطفى على بعد خطوة منها دون أن ينطق بحرف، مما بث الرعب بداخلها أكثر. ألا يكفي هيئته المخيفة وضخامته!
ظلت أعينهم معلقة، وهذه المرة حين تقدم مصطفى، عادت هي خطوة إلى الوراء لتجد نفسها داخل البناء بعيدًا عن أعين الناس وجسده يخفيها عن أنظار من بالخارج.
بدأ العرق يتجمع على جبينها بترقب وشعرت برعشة خفيفة من صمته المريب. شعرت وكأنها تنتظر نتيجة الامتحان، بل أقوى.
رفع حاجبه المقطوع من المنتصف، فجعله أكثر خطورة بالنسبة لها.
حين نطق أخيرًا: "قدامك 3 ثواني بالظبط تختاري. يا إما هتطلعي تغيري هدومك دي وتكون آخر مرة أشوفك لابسة حاجة قصيرة، يا هتطلعي فوق ومش هتخطي الشارع برجلك لحد ما ترجعي بيتكم!"
نظرت له وهي تحاول استيعاب كلماته، وكادت أن توبخه على جرأته وتحكمه، إلا أن صوت صراخ امرأة جاء من خلفه جذب انتباهها.
التفت مصطفى بسرعة نصف التفافة، فوجد ابنة عم أيوب وتدعى أمل، تقف في منتصف الشارع، وأيمن الذي تعرض لها من قبل يحاول التهجم عليها.
شاهد رجليه يقتربون منهم ليقفوا بينهم، فالتفت بسرعة وحزم إلى سمر وأردف:
"على فوق، ورجلك ما تخطيش الباب ده."
قام برسم خط وهمي بقدمه أمام الباب، إلا أنها شعرت بقوة وهمية تمنعها حتى من الاقتراب، وهي تشاهده يبتعد كالذئب. لا، لحظة، كالدب البري المتجه لالتهم فريسته!
وقفت بقلق على باب المبنى وهي تتابع بصمت ما يحدث حولها، وتشاهده لأول مرة في حياتها، وهي تتابع إحدى السيدات تدفع فتاة رقيقة محجبة ضعيفة الهيئة بعيدًا عن ما يبدو الآن كساحة معركة.
لم تعلم أين تذهب الفتاة ووقفت وكأنها تائهة وفي حيرة، فأشارت لها سمر بخجل، فرأتها ودون تفكير اتجهت نحو باب المبنى تختبئ على الجهة الأخرى من سمر لتراقب الموقف هي الأخرى.
توتر أيمن فجأة وطرقع بلسانه كأنه يشعر بالملل، وهو يراقب مصطفى وهو يقترب منه بهيبته وقد أطلق نظرات الغضب والكره نحوه.
"عارف اللي عملته ده معناه إيه؟"
"معناه إني عايز أربي اللي هتبقى مراتي."
ضحك مصطفى ضحكة مرعبة أكثر منها مرحًا.
"حاجة من اتنين، يا إما أنت فاكرني غبي وده مش هسمح بيه وهتندم عليه، يا إما أنت كنت مبلوع حاجة على المسا ومسمعتش حكم الحاج دياب العرابي بأنك متتعرضش ليها ولو حصل وشفتها بالصدفة تبص الناحية التانية وتمشي. عارف النتيجة في الحالتين إيه؟"
هز رأسه بالنفي وهو يشعر بالخوف يتملكه.
ابتسم له مصطفى بجنون قبل أن يلكمه بشدة على فمه، إلا أن شهقة يعلمها جيدًا قد علت على صوت طرقعة فك أيمن الذي ارتمى أرضًا بدماءه.
علا صوت مصطفى حينما وقف أصدقاء أيمن في تردد، أيهجموا عليه أو يهربوا من أمام هذا الوحش.
"اللي عايز يعارض في حاجة أنا أهو."
خبط على صدره بعنف وكأنه يوجه له رسالة بصلابته.
"واللي عقله يخليه يفكر مجرد تفكير إنه ينزل بكلمة الحاج دياب العرابي، هفعصه ومش هرحمه، مش دياب العرابي اللي يقول كلمة وتتردله طول ما أنا عايش!"
تركهم واتجه بهالته المرعبة للقلوب بخطوات واثقة نحو سمر التي ما إن رأته حتى صعدت بصعوبة والرعب يتملكها، إلا أنه استطاع الوصول إليها بسهولة وأمسك ذراعها.
كانت نظرة حادة واحدة إلى أمل الواقفة بالأسفل على يمينه كفيلة لتجعلها تفيق من شرودها مما يحدث وأن تهرع بسرعة إلى بيتها.
جذب سمر بشدة وعاد لإغلاق باب المبنى، مما زادها رعبًا. إلا أنه لم يتوقف، بل صعد جاذبًا إياها معه إلى شقتهم.
حاولت سمر الإفلات من يده الملطخة بقليل من الدماء ونظرت له كأرنب مذعور وفمها مقلوب للأسفل.
فقالت بصوت مرتفع نسبيًا:
"ابعد إيدك! أنت مجنوووون! سيب إيدي!"
تركها ليرفع كفه أمام وجهه، فانتفضت وخشت أن يضربها هي الأخرى. إلا أنه ضربها بإصبع واحد على ذقنها وقال:
"أنتِ مش طبيعية صح!"
نظرت له بصدمة. يا لوقاحته!
"نعععععععم! أنا! أنا مش طبيعية أنا! آه سوري، خطفتك من على السلم وطلعت بيك وإيدي مليانة دم مقرف بعد ما بكل افتري شقيت دماغ الراجل بإيدي. لأ تؤ تؤ، بجد ماليش حق."
ليعلو صوتها نسبيًا:
"أنا فعلًا مش طبيعية!"
ضحك مصطفى ولم يصدق ما يخرج من فم هذه الجنية. شعور مختلط يراوده: أَيُقَتلها ويستريح من ثرثرتها وهذه المشاعر الهوجاء التي تعصف به بداخله، أم يقبلها حتى ينقطع نفسها ويعجزها عن رمي المزيد من الترهات!
توقفت فجأة عندما مرر لسانه على شفتيه وهو يرفع حاجبه وينظر لها نظرات غريبة. تحولت من غضب جامح إلى خجل مريع في لحظة.
رمشت أكثر من مرة تستوعب هذا التحول الغريب في تصرفاته.
وقالت بصوت مرجوج:
"إيه؟ بتبصلي ليه كده؟ عمرك ما شفت أنثى؟"
ضحك مصطفى بمكر:
"أنثى؟ وهي فين الأنثى دي؟ يلا يا شاطرة ادخلي بيتكم ومتطلعيش منه غير وإنتي ساترة نفسك!"
سمر بغضب رفعت إصبعها في وجهه:
"احترم نفسك!"
فتحت سلوي الباب عندما وصلها أصواتهم. وقالت بذعر:
"عملتي إيه يا سمر تاني؟"
سمر بغيظ من اتهام والدتها:
"مش أنا يا ماما، ده هو!"
لم يعطهم فرصة للكلام واندفع متحدثًا بجدية:
"بنتك يا حاجة مالهاش عيش وسطنا! طول ما هي..."
شعرت سمر برجفة في قلبها، هل يطردهم من هذا المكان؟ دق قلبها بعنف وهي ترى الخوف في عيون والدتها، فلا مكان يحميهم سوى هذا الآن.
قاطعته بخوف وتوتر:
"قصدك إيه؟ أصلًا المكان ده بتاع أم عزت، وأنا ساكنة عندها."
مصطفى بجدية:
"وأنا مش بطرد حد! ومتقاطعيش كلامي تاني! بس اللي هيقعد هنا يقعد باحترامه."
عضت على لسانها بشدة حتى لا تقول شيئًا يسبب في طردها هي وأمها المريضة. إلا أنها شعرت بضعف وانكسار بداخلها كاد يحطمها.
رأى مصطفى نظرة عينها قبل أن تخفضها بألم، فأحس بقلبه ينقبض كأنه دعس عصفورًا بلا قصد! لا يعرف التعامل مع هذه المشاعر أو كيف يواسيها عندما بدأت دموعها بالتساقط.
رمش بشدة وعلت أنفاسه غضبًا على نفسه ومعلوماته النسائية المعدومة التي لا تخوله لفعل شيء يهدأ هذه الأنثى الصغيرة!
ارتجف صوت والدتها وهي تنظر إليه برجاء:
"معلش يا ابني، إحنا آسفين وهي إن شاء الله مش هتعمل أي حاجة تضايقك، دي نزلت تشتري..."
قاطعها مصطفى بعد أن أغمض عينيه ونظر أرضًا حتى يقلل من هيبة هيئته الطاغية عليه مهما فعل:
"العفو يا حاجة، أنا مقصدش. أنتِ ضيفة هنا وعلى راسي، ولو الأرض مشالتكمش أشيلكم أنا، إحنا ولاد بلد ونعرف الأصول. أنا بس بتكلم عن لبسها عشان هي ممكن تجبرني أدافع عنها لو حد ضايقها."
أراد أن يقول إنها تجبره على ارتكاب مذبحة، ولكنه أنقذ نفسه وماء وجهه قليلًا من تدخله غير المسبوق في حياة شخص ما! وليس أي شخص، بل امرأتان لا حول لهما ولا قوة!
غضب أكثر على نفسه، فهو أبدًا لن ينزل إلى هذه القذارة حتى لو فعل الأسوأ!
ضايقته دموع سمر اللامتناهية كثيرًا بعد أن أبعدت يد والدتها بخفة رافضة أن تحتضنها، فقال بضيق وقلة حيلة بصوته الخشن:
"اسكتي."
رواية عشق بلا رحمه الفصل الرابع 4 - بقلم دينا ابراهيم
انتفضت مرة واتسعت عيناها وهي تنظر إليه.
يا إلهي على الغباء! لماذا لا يحضر قالبًا من الحجر ويرشقه في عينيها؟ المساعدة يا الله!
وكأن الله استجاب لدعواته، صعد بلال وهو يتساءل عن اختفائه.
بلال: مصطفى أنت فين يابني؟ الواد ده عملك حاجة؟ إيه اللي في إيدك ده؟ دمك ولا دم المرحوم؟
حسنًا، ربما لم يستجب لدعائه تمامًا.
أراد مصطفى أن يلكمه على وجهه، حينما حالت نظرة قلق وخوف من الابنة ووالدتها نحوه، وكأنه مجرم ينتظر مهاجمتهم.
تنحنح مصطفى قليلاً.
"عن إذنك يا حاجة."
أمسك بذراع بلال وسط مقاومته ليدفعه أمامه، إلا أنه توقف بعد خطوات قليلة وارتفع بنظره نحوهم.
"انتي كنتي عايزة تشتري إيه يا حاجة؟ أنا هشتريه!"
نظرت له سمر بتعجب وغيظ، واندفعت إلى داخل شقتهم بعد أن أعطت المال لوالدتها.
سلوي: مش عايزة يا ابني خلاص.
ما لبثت أن دلفت حتى خرجت سمر من وراء الباب بغيظ أشد مما تفعله والدتها.
وأردفت بجفاء:
"عايزين دوا... من الصيدلية!"
سحبت المال من والدتها ومدت يدها تجاهه. هز مصطفى رأسه بالرغم من عدم نظرها إليه، إلا أنه لم يبالي بيدها الممتدة.
سمر بغضب: الفلوس!
مصطفى بلا مبالاة: لا، خليهالك المرة دي.
تدخلت أم عزت، التي وقفت تراقب في صمت منذ مدة، وتوجهت إلى سمر لتقول:
"كلك ذوق يا مصطفى، ربنا يحميك يا ابني."
فرغ فمها على وسعه من هذا الإطراء الشنيع، إلا أن صوت والدتها أوقف كلمات يستحقها بشدة من الخروج من فمها.
"تسلم يا ابني."
"انتي تأمري يا حاجة."
رفع يده دون أن يستدير وهو ينزل ومعه بلال متجهًا إلى الشارع.
بلال بحنق من تصرفاته:
"ما براحة ياعم، بتزقني ليه الله!"
"شششششششششش، اسكت خالص."
"تصدق بالله أنا غلطان إني جيت أطمن عليك!"
زفر مصطفى بحنق وقال له بحده:
"بلال أنا مش ناقصك! روح دلوقتي أنا عندي مشوار في الأرض الجديدة وراجع."
عقد بلال ذراعيه متعجبًا منه وقال:
"خلاص انت حر! أنا مروح أصلًا."
هم بالرحيل إلا أن مصطفى أوقفه وقال بحنحنة:
"ابعت واحد من الرجالة يجيب الدوا من الصيدلية ويطلعه لقرايب أم عزت."
رفع حاجب وابتسم بمكر.
"امممممممممممممم، أسأل ولا استنى شوية؟"
مصطفى وهو يصطنع عدم الفهم:
"نعم! عايز إيه يعني؟"
"الدوا ده للحاجة ولا لبت الحاجه؟"
شعر مصطفى بضيق وهو يتذكر أفعاله الحمقاء معها والخوف الذي أرغمه بقلبها.
فقال بغضب:
"بقولك إيه، ما تنفض من ناحيتي وتبعد عني!"
"ههههههه، خلاص خلاص! هبعت الواد."
مصطفى بحرج لأنه لا يحب تبرير أفعاله:
"وقوله يفضل تحت البيت ويقولهم لما يحتاجوا حاجة يروح يجبهالهم، ويخليهم هما مينزلوش."
بلال بمكر: "هما ولا هي؟"
شدد على قبضته وهو يجز أسنانه يكشر عن أنيابه، فمال بلال للخلف رافعًا كلتا يديه.
"إيه يا عم أنت هتشفطني ولا إيه! أنا بهزر يعني."
تركه مصطفى ليقوم ببعض الأعمال وعقله منشغل بجنيته إلى أبعد حد.
***
على الجهه الأخرى من المدينة، جلس رجل في الخمسينات من عمره وعلامات الغضب مرسومة على وجهه.
"يعني 3 تيران مش عارفين يوصلوا لحتة بنت ما تجيش ربعكم!"
لترد فتاة تبدو كمساعدته:
"يا فندم حضرتك عارف إن الخطة اتسربت عشان كده عصام مجاش مصر من الأساس، وكان من الطبيعي إن البنت ومامتها يهربوا."
نظر لها سعد باشمئزاز وقال بفم ملتوي:
"حد قالك إني غبي؟ أنا فاهم كويس أوي اللي بيحصل حواليه، بس عشان مشغل معايا حيوانات مش بتفهم! أنا مش بخطط السنين دي كلها عشان تضيعوا كل حاجة."
نظر إلى الرجال مرة أخرى وقال بتهديد:
"لو البنت دي مظهرتش خلال أسبوع بالكتير أنا هخرب بيتكم!"
رد أحد الرجال بقلق:
"تمام يا باشا... يلا بينا."
خرج الرجال الثلاثة لمتابعة بحثهم عن هذه الفتاة التي ستتسبب في قتلهم.
فتساءل أحدهم:
"يعني إيه مهم أوي في البت دي؟ ماهو خد المطاعم كلها ومضي الراجل على وصل أمانة قطم ضهره ومش هيرجعه تاني!"
رد الثاني بتحذير:
"واطي صوتك يا غبي! هو مش عايز البنت، هو عايز الفلوس اللي في البنك باسمها، أصل أبوها شايل أكتر من نص فلوسه باسمها."
ليستكمل حديثه الرجل الثالث:
"وقبل ما تسأل عايز الفلوس في إيه، الباشا كان ماضي على ورق أرض للمطعم الجديد ومحتاج الفلوس دي عشان يشتريها. وفي حوار تاني بس إنت غبي ممكن تفضحنا، مش لازم تعرفوا!"
ليقول الأول بضيق:
"إيه الطمع ده!"
تأفف أحد الرجلين وقام بضربه على رأسه:
"ما تخرس بقى خلينا في حالنا، إحنا نخلص وناخد فلوسنا وخلاص، إنت سامع؟"
"ماشي ماشي، أنا مال أمي أصلًا."
***
في بيت سمر،
سلوي بتأفف وغيظ:
"يا سبحان الله، يعني انتي يا بنتي مش عاجبك العجب!"
نظرت سمر إلى الجهة الأخرى، عاقدة ذراعيها تحت صدرها بطفولية.
نظرت سلوي إلى أم عزت بغيظ من تصرفاتها.
فغمزت لها أم عزت لتهدأ.
لتردف:
"يووووه ما تسيبيها يا أم سمر! البت بردوا خافت حتى لو هو نيته سليمة."
شهقت سمر بصدمة ونظرت لهم بغيظ:
"نيته سليمة أيوه فعلًا، ده ملاك بجناحين وأنا اللي مفترية ووحشة وبخوف العيال بليل. وبعدين تعالوا هنا، مش أنا بردوا اللي صغيرة ومش فاهمه! فهموني بقي بتاع إيه أصلًا جايبلنا واحد يشوف طلباتنا!"
ردت أم عزت ببراءة وهي تنظر إلى سلوي:
"عشان أمك طبعًا! راجل شهم عرف إن عندها القلب قال ميشحططهاش لا هي ولا بنتها."
جحظت سمر عيناها وابتسمت بلا أي شعور بالمرح.
"شووف إزاي! لا shame on me بجد."
نظرت لها أم عزت بعدم فهم:
"إيه الشامبونيه ده!"
كادت سلوي أن تضحك إلا أنها كبتت ضحكتها وقالت لها بعتاب:
"بنت اتكلمي مع طنط أم عزت عدل! هيكون عايز مننا إيه يعني؟"
رجع تفكيرها إلى نظراته الجريئة التي لم يستطع السيطرة عليها قبل أن يخفيها بنظراته الغاضبة، فتنحنحت قليلاً.
"أنا أعرف بقي! أوووف خلاص خلاص، هو حر وأنتم كمان حرين."
ضحكت أم عزت وأمscكتها:
"يابنتي إنتي خلقك ضيق ليه كده بس! أنا عايزاكي تفهميني مصطفى ده طيب جدًا ومحترم ومبيعملش غير الأصول."
أردفت سمر بحنق وضيق:
"وهي الأصول إنه يوقف بنات الناس ويقولهم لابسين إيه ومش إيه، كأنهم قليلات الأدب!"
تنحنحت أم عزت قليلاً ثم أكملت:
"ما هو إنتي بردوا يا سمر غلطانة شوية. إنتي شايفة المكان اللي إحنا فيه وأنا عارفة إنك متعودة ع كده وكل حاجة ومش عيب، بس المكان بيختلف يعني متقارنيش بين مكان كله فيلات وجناين بحارة زي بتاعتنا وهنا كله عارف بعده وأسهل حاجة الكلام واللي هيقول هي فاكرة نفسها فين وربنا ما يوريكي بقى المعاكسات وقلة الأدب."
تنهدت سمر ونظرت إلى الأرض وقد بدأت تقتنع قليلاً بكلام أم عزت، إلا أن ذلك لا يعني أن تسمح له بالتدخل وقتما يشاء في تصرفاتها.
***
في بيت العرابي،
جلست زينب بجوار والدة بلال وزوجة أخيها عبدالله واسمها منال.
راقبتها بعقربتها اللامتناهية وسألت بلا اهتمام:
"انتي بتطبخي إيه النهارده؟"
ابتسمت لها منال نصف ابتسامة، فهي تعلم جيدًا ما سيلاحق هذه الكلمات.
"بعمل محشي وفراخ."
مال جانب فم زينب وهو تقول:
"امممم خفيفه."
"- بس نقصي الملح بقى، عشان آخر مرة كان مالح وتعبت الكلى."
كبتت منال ردها المنزعج وقالت بضيق خفيف:
"تحبي تيجي تعملي معايا عشان نظبطه سوا؟"
ردت زينب متظاهرة بالتعب:
"لا مرة تانية، أنا ضهري بيوجعني."
دخل بلال ووالده فرموا السلام واستأذن عبدالله لتبديل ثيابه.
ذهبت منال خلفه تاركة بلال ليجالسها.
"احم، إزيك يا عمتي؟"
"الحمد لله يا ابني، وانت؟"
"أنا كويس الحمد لله، أومال فين ندى؟ هي مش معاكي هنا؟"
ردت بلا مبالاة وهي تقف للصعود إلى شقتها:
"لا أنا بعتها عند الخياط تقيس الفستان الجديد."
ضيق عينيه وسأل وهو يدعي اللامبالاة:
"خياط راجل ولا إيه ده يا عمتي؟"
ردت بمكر مقصود، فهي تعلم ما يدور بقلب ابنتها نحوه ولا تهتم.
"آه طبعًا، ده أجدع خياط عليه إيد إنما إيه سحر!"
أشعل كلامها نيران غيرته واحمرت أذنه غضبًا وحنقًا على عمته وعلى ندي التي سيعلقها ما إن تقع عيناه عليها.
تركته عمته وهو يغلي ويتوعد لها، ولم يستطع البقاء، أخرج هاتفه للاتصال بها.
بلال بعنف: "انتي فين؟"
ندي بتوتر: "ما أنا قلتلك هروح أجيب حاجة لماما."
بلال بغيظ شديد: "حاجة لماما زي إيه يعني؟"
بدأ قلبها يرتعش، فهي فاشلة في خداعه.
أغمضت عينيها مستسلمة للأمر الواقع قبل أن تسحب نفسًا عميقًا وتخبره:
"أنا أنااا عند الخياط بجيب فستان."
شعرت بالجليد يحيط بها من صوته الذي خلا من المشاعر بطريقة تكرهها.
"ماشي يا ندي! مع السلامه."
"استني..."
إلا أنه لم ينتظر وأغلق الهاتف في وجهها.
توجه إلى غرفته وهو يشعر بالغل والغيظ، وأصعبها الغيرة التي تنهش في قلبه. إلا أنه عزم على خطبتها رسميًا ولن يسمع حديثها السخيف عن الانتظار حتى تكبر قليلاً. أصغر منها وتزوج وعنده أولاد!
بلال لنفسه: "أنا هوريكي يا ندي!"
رواية عشق بلا رحمه الفصل الخامس 5 - بقلم دينا ابراهيم
في بيت العرابيدق
باب مصطفي بشده ليستيقظ.
- ميييييين ؟
رد صوت فتاة منزعجه من لا مبالاته.
- انت لسه هتسأل ما تفتح الباب.
رد بحنق وهو يرغب في العوده الي النوم.
- امشي يا غادة ، انا مش فايق.
ضربت الارض بغضب واردفت بعناد.
- افتح بقااااااا يا اخي !!
تنهد مصطفي وذهب لفتح الباب.
نظر اليها نظرة يظهر بها انزعاجه.
- نعم !!
ابتسمت له غاده وقفزت عليه لتحتضنه.
وضعت رأسها علي صدره. حسنا ربما لم تصل الي صدره لكنها احتضنته علي اي حال.
هز مصطفي رأسه علي هجومها الطفولي ووضع ذراعه حولها والاخري يضربها علي جبينها الظاهر بما يسمي ب"الكشاف المصري".
- ااااااه يا ابن ايه يا لذينه !!! هتعمي يا مصطفي حرام عليك !!
ضحك مصطفي علي تذمرها وقال.
- ايه بحب اختي !!
- بتحب اختك !! ولا بتموتها !! وبعدين دي ايد دي تضرب بيها واحده ست او اي انسان اصلا يا مفتري !!
امسكها مصطفي من ضفيرتها وهو يضحك.
- ست مين يا اوزعه انتي وبعدين الايد اللي بالحجم دي ربنا خلقها عشان تضرب انتي هتفتي !!
تأففت وهي تجذب ضفيرتها من بين اصابعه.
- سيب شعري يا رخم ، ويلا عشان هتوصلني المدرسه !!
- ليه بلال فين ؟؟؟
لوت شفتيها وقالت بملل.
- متخاصم مع ندي و عامل نايم وهي عامله تعبانه ومش هتروح انهارده معرفش ثانوية ايه دي اللي هناخدها الله يحرقهم !!
ضحك علي منظر شفتيها واردف.
- يخربيت بوزك ده ، ربنا يعين اللي هيدبس فيكي !!
نظرت له غادة نظره حالمه وقالت بأمل.
- هييييح بس هو يجي بقا !!
عقد حاجبيه وقل لها بضيق وشك.
- مين ده بقا ان شاء الله عشان اكسر رجله واقطع رقبتك !!
تفاجأت غادة بانقلاب مزاجه السريع الا انها لم تستطح كبح ضحكاتها.
- انت مجنون يابني !! هو طول ما انت اخويا حد هيعبرني ولا هيتف في وشي ، روح ياشيخ الهي تعنس زي ما هتعنسني ، ده العيال لما بعدي من جنبهم بيجروا ويخافوا يبصولي!!
استمر مصطفي بنفس الحده وهو يتوعد لكل من سيتقرب منها.
- ايوة وخليكي فاكره بقي ان اي حد هيفكر يبص لاختي هجيب اجله !!!
- اووووووف طيب يلا يا اخوي هتأخر يا ساتر انت من كتر ما ابويا بيوقفك قصاد البلطجية قلبت زيهم ولا ايه !
- هشششش وثواني وهلبس.
سلوي بترقب: اهلا يا مراد نورتنا !! عامل ايه ؟
دخل مراد بالاكياس العديده التي يحملها وهو يتنفس بصعوبه قليلا.
- اهلا ياطنط ده نورك !!
خرجت سمر عندما سمعت صوته بسعاده وتوجهت نحوهم.
- ازيك يا استاذ مراد ؟
نظر لها مراد وكأنها من عالم اخر.
- ايه استاذ دي ؟؟ اومال ايه اخويا ومش اخويا !!
- ههههههههه ايوة صح.
سلوي بابتسامه وقلب يتمني الخير.
- اتفضل اقعد ، روحي يا سمر هاتي عصير بسرعه.
سمر بحماسه: فوريره يا مامتي.
ضحك مراد علي طفولتها وجلس مع سلوي المترقبه لكل جديد في ما يخص زوجها.
مراد ليطمئنها: انا متفاءل والله يا طنط انا كل يوم بقرب من هدفي اكتر من الاول وان شاء الله الحق هيرجع لصحابه !!
سلوي والدموع تحارب للتغلب عليها قالت بتعب وتمني.
- ياااارب. صعبان عليا يبقي في العمر ده ويتمرمط كده !!
- عارف والله يا طنط.
خرجت سمر تقدم له العصير وهي تتساءل.
- هي ايه الكياس دي كلها يا مراد ؟
تلعثم بخجل قليلا وقال بتوتر.
- دي شويه حاجات يمكن تحتاجوها.
نظرت سلوي الي سمر حتي لا تتحدث كثيرا. الا ان وجهها تلون وهي تقول.
- مكنش ليه داعي ، كفايه مساعدتك طول الوقت ده كمان هتيجي بكل الحاجات دي.
مراد بعتاب ووجه احمر.
- هي في مساعده بين الاهل ولا انتو مش معتبرني منكم ولا ايه !!
اسرعت سلوي بالتدخل واردفت.
- لا طبعا ربنا عالم انت زي ابني بالظبط ولو عندي ابن مكنش هيعمل كل ده.
- ربنا يخليكي والله انا بعتبركم زي اهلي بالظبط وربنا عالم معزت الوالد عندي قد ايه !!
في المقهي امام بيت سمر.
وصل مصطفي بعد ان اعاد غاده من المدرسه واهتم باحدي المباني التي يشرف علي بناءها.
- السلام عليكم.
رد بلال السلام وهو منزعج.
تعجب منه مصطفي وقال.
- مالك يااض حاطط الوش الخشب ليه !! هي حبيبه القلب منفضالك ولا ايه ؟!
بلال بضيق: بس بالله عليك سيبني في اللي انا فيه ، وبعدين انت من امتي بتشرف هنا كل شويه متروح مخبأك وتفكك مني !!
اردف مصطفي بكل هدوء.
- انا حر انت هتحاسبني !!
اغتاظ بلال اكثر من لامبالاته بل انه اعتدل علي مقعده ليجلس بارتاحيه اكثر.
فاردف بلال بحنق.
- انسان لا تطاق.
اطلق مصطفي ضحكه خفيفه وقال.
- مش انت اللي عامل فيها حوريه فرغلي علي الصبح وعايش الدور ما تنطق تقول في ايه علي طول !!
- بنت عمتك هتجنني !! منين بتحبني ومنين بتقولي استني !!
- يعني اكيد واحده لسه عندها 18 سنه وعايزة تتعلم مثلا !!
بلال بضيق: اه يا خفه اصل هي متفوقه وبعدين ما تتعلم بعد الجواز هو انا ماسكها !!
مصطفي وهو يحاول مساعدته.
- بص ما تجرب تقولها هي الكلام ده !!
بلال بعزم: ايوة فعلا هو ده اللي هعمله ، انا ماشي سلاااام.
توقف قبل ان يرد مصطفي عليه.
وقال.
- اه صحيح في وش جديد جه من شويه ودخل العماره بتاعت ال.
سكت بلال وهو يغمز لمصطفي.
فقال باستغراب.
- وشكله ايه ده بقا ؟؟ وعايز ايه يعني ؟!
- شكله عيل ابن ناس كده وعينه ملونه !! عايز ايه فمش عارف بس شكله كده يقول خطيبها.
وقف مصطفي مرة واحده ارهبت من حوله وقال بعنف.
- وانت عرفت ازاي ؟؟
اجابه بلال وهو يصطنع الهدوء.
- يعني اصله كان زي اللي جاي بموسم او زيارة لخطيبته !!
كان كلامه يزيد من انفاس مصطفي الغاضبه فبدا كالثور الهائج في هذه اللحظه.
فتوجه بغضب نحو البنايه وبلال خلفه يحاول السيطره عليه.
صعد علي السلالم بسرعه وبلال يحاول تعقيله.
- يابني استني ماتستعبطش. هتروح للناس تقولهم ايه ، انت اتهبلت ؟؟؟!!!
دق مصطفي الباب مرتين ووقف يأخذ انفاسه وهو يتوعد فان ثبت ان لتلك الجنيه خطيب سوف يمحيه من علي وجه الارض !!!
فتح مراد الذي كان يهم بالرحيل الباب ولكن منظر مصطفي المريب والغاضب وهيئته الضخمه اقلقه و اربكه قليلا.
نظف حلقه وقال.
- نعم ؟
جاءت سلوي وسمر من خلفه لرؤيه الطارق فاسرعت سلوي بتوتر للحديث معه ، عندما رأت انظاره القاتله عالقه بمراد وكأنه سيفترسه اي لحظه.
- مصطفي !! اتفضل واقف ليه برا.
ابتعد مراد حتي يدخل وخلفه بلال وهو ينظر الي سلوي بقلق ثم الي مصطفي بشك.
- طيب عايزة حاجه يا طنط ولا اقعد شويه ؟؟
لم يلاحظ احد سوي بلال نظرات سمر المتوتره وقد ازدادت ضربات قلبها عندما رأته.
تسارعت انفاسها قليلا وهي تحاول تمالك نفسها ، فقد اعتادت علي ردت فعلها تلك كلما رأته. رد فعل نتيجه الخوف !! نعم ماذا سيكون غير ذلك ؟ غريب ذلك الشعور الذي يداهمها ولا تجد اسم له بجوار خوفها ورهبتها منه !!
حاولت التشجع والوقوف بزاويه الباب والا تظهر بالكامل امامهم !!
سلوي بذوق وادب.
- عايزة سلامتك يا مراد. شكرا علي زيارتك الحلوة دي.
تنحنحت قليلا وهي تقول لمصطفي المتأهب للهجوم لا تدري لماذا ؟!!! ولكن يبدو ان هدفه هو مراد المسكين.
- تعالي اقعد يا ابني واقف ليه هناك ؟
خرج مراد واغلق بلال الباب خلفه وهو يشعر بتوتر. الا انه اغمض عينيه عندما سمع صوت قريبع الغبي الغاضب !!
- مين ده يا حجه ؟؟؟؟؟؟؟؟
سلوي بقلق: ده ابن اختي مراد وجي يسأل علينا. ليه في حاجه؟؟
رد بلال هذه المرة.
- لا يا حجه احنا كنا بنطمن بس لما لقينا حد غريب يكون بيضايقكم ولا حاجه!!
جلس مصطفي عندما اشارت لهم سلوي بالجلوس وهو يمتنع عن النظر الي سمر منتظر ان يهدأ قليلا من الحالة المريبة التي تعصف وتتمرد داخله.
مال عليه بلال قليلا وهو يبتسم لسلوي الجالسه امامه وقال بخفوت.
- ههههه اهدي هتفضحنا. ال بت هتموت من الخوف منك ههههه وانتي كويسه يا طنط ؟
رفع عينيه اليها فوجدها تراقبه بخوف.
ابعدت عينيها بسرعه وهي تلعب باصابعها و قد احمر وجهها من التوتر.
زفر بضيق فهو لم يفعل شئ لترتعب بهذا الشكل. حسنا لا يهم افضل ان تخاف من ان تعود لافعالها السخيفه !!
ليعترض قلبه بشده. اي افعال سخيفه فتلك الافعال حصريه لك !!!!
كانت سلوي تنظر الي مصطفي وتنتظر اما ان يتحدث او يذهب ، نكزة بلال حتي يفعل شيئا بدلا من النظر ببلاهه الي الفتاة المسكينه.
الا ان ما خرج من فمه فكاد ان يصيب بلال بسكته قلبيه !!
- انا عايز اتجوز بنتك !!!!!
شهقت سمر وعندما نظر لها مصطفي وضعت يدها علي فمها بعيون واسعه فهي لم تتوقع مثل هذا الطلب !!
تنحنحت سلوي وهي تشعر بالصدمه الا انها تمالك نفسها وقالت.
- والله انت فاجئتني بالموضوع ده يا مصطفي !!
اعاد نظره الحاد الي سلوي وكأنه يتحداها ان ترفض طلبه دون وعي منه !!
لتلحق نفسها بالحديث سريعا.
- اديني فرصه افكر عشان زي ما انت شايف الظروف و كده ههههههه!!
تعاطف بلال مع توترها فاردف.
- طبعا طبعا حقك انتي و العروسه تفكروا وتاخدوا وقتكم. انا عارف ان الموضوع جه بسرعه و كده بس مصطفي ابن عمي ده طيب جدا وابن حلااااال.
نظرت سلوي له وكأنها تخبره انه يكذب بعيونها فاكمل حديثه وهو يقسم.
- طيب والله العظيم ده نسمه في البيت !!!
اراد مصطفي ان يخرسه فقال.
- طيب يا حاجه خدي وقتك وانا هبقي اعدي عليكي اشوف ردك !!
بلال بابتسامه ولهفه للخروج.
مع السلامه.
نزل مصطفي وهو غير مستوعب ما فعل للتو !!
وقف علي الدرج والتفت الي بلال في صدمه !
- ايه ده ؟!
زم بلال شفتيه و جحظ عينيه بغيظ.
- ده تخلف اجبلك تاني ولا كفايه اللي عندك؟!
نظر له بحده وقال.
- انا مش طبيعي ، انا بيحصلي حاجه غريبه ؟
ضحك بلال وامسك بذراعه ليكملوا سيرهم.
- لا مش غريبه ، انت وقعت يا حنين ومحدش سمي عليك !!!
رواية عشق بلا رحمه الفصل السادس 6 - بقلم دينا ابراهيم
استيقظت سمر هذا الصباح وبداخلها شعور غريب. تقلبت في فراشها بتململ وهي تتذكر حديثها مع والدتها بعد ذهاب مصطفى بعرضه الصادم.
***
وقفت سمر بثغر مفتوح تمامًا كعيناها، غير مصدقة أن هذا الكائن الذي لا يطيقها ويضايقها كلما خرجت من بيتها يريد الزواج منها. هي! هي التي لا تصل إلى مستوى صدره وتبدو كالطفل الجائع بجواره. نظرت إلى والدتها التي كبلت ذراعيها ونظرت لها في تساؤل.
قالت سلوي وهي تشعر بالتوتر:
سمعتِ طبعًا؟
ردت سمر بذهول:
آه سمعت.. أنا مش مصدقة! ده كل ما يشوف وشي يتخانق معايا!
نظرت إلى والدتها وهي تستعيد أول مرة رأته بها بهيئته الرجولية البحتة والتي أدخلت الرعب لقلبها وعيونه التي أخافتها وجعلتها كالطفل التائه. خفق قلبها على هذه الذكرى واحمر وجهها وهي تتذكر ملمس يده على ذراعيها الصغيرتان مقارنة بكفيه.
راقبته والدتها بذهول واستغراب، فردفت بخضة:
سمر انتي مكسوفة؟ لا أوعي تكوني...
سكتت ولم تكمل، فردت سمر بعنف وتوتر:
إيه أنااا! أنا مش مكسوفة لا طبعًا وهتكسف ليه!
أممممممم اومال وشك أحمر ليه؟ احم بصي فكري بردو مصطفى مشفناش منه حاجة وحشة بالعكس ده بيحافظ علينا كأن ربنا بعته لينا نجدة!
نظرت لها سمر باستغراب ومشاعر مضطربة:
أفكر؟ يعني هو ممكن بجد يتجوزني! إحنا حياتنا مختلفة أوي!
مش هغصبك على حاجة طبعًا بس ليه لأ، الأول أسأل عليه وأطمن من ناحيته ولو في نصيب وإنتي موافقة يبقى فين المشكلة؟
سمر وهي تفكر بمستقبلها ولاول مرة تنظر إلى نفسها كأنثى مقبلة على الزواج:
احم هفكر يا مامتي بس زي ما أنتي شايفة الوقت غلط خالص وبابا والهرب اللي إحنا فيه...
ردت سلوي سريعًا:
والله يا بنتي أنا اللي مخليني متقبلة الموضوع إنه هيقدر يحميكي وأنا كل خوفي عليكي إنتي!
ردت سمر باستسلام وهي تتمنى وجود والدها وتشتاق له كثيرًا:
ماشي يا ماما لو في نصيب هيكون... أنا هدخل أوضتي شوية!
***
وقفت من على الفراش بتأفف. مر أسبوع ولم تقرر شيئًا، بالعكس فقد اختلطت مشاعرها وأفكارها أكثر. حتى أنها كلما وقفت في النافذة والتقطت عيناهما تشعر بخجل شديد وتبتعد سريعًا.
سمر لنفسها:
يووووووه كان مستنيني فين ده بس، انسي كل ده وقومي خلي ربنا يكرمك الساعة 9 هو أكيد مش هيجي دلوقتي، الحقي انزلي دوري على شغل!
جهزت سمر وارتدت هذه القطعة الكلاسيكية المسماة "بنسل سكيرت"، تلك التنورة البريئة التي تجعلها تتمرد على مظهرها البريء والطفولي لتتحول إلى مظهر السكرتيرة التي تحاول إغواء مديرها.
هزت رأسها على هراء تفكيرها، يبدو أن الروايات قد أتلفت عقلها تمامًا. فامتلاء أردافها قليلًا لا يعني أنها مثيرة بل يعني أنها كالبقرة المترهلة. كم تكره تلك التنورة الغبية!
خرجت تلقي الصباح على والدتها وتقبل رأسها وتطلب منها أن تدعو لها بالتوفيق حتى تتمكن من إيجاد عمل.
بدأت رحلة بحثها عن العمل بعد أن حددت عدة شركات لتتقدم بها، إلا أنها بدأت تشعر بخيبة الأمل عندما جاءها الرد من معظمهم بأنها لا تملك شهادة جامعية بعد وأنه من الصعب القبول بها.
أخذت تجول بأسى وتعب عندما رأت مطعمًا صغيرًا لا يبعد كثيرًا عن الحارة يضع لافتة "مطلوب عاملة". حسنًا، لم لا؟ هي تعلم الكثير عن المطاعم والتقديم، بل كانت تساعد والدها كثيرًا كنادلة وهي أصغر من ذلك.
ظلت تدعو الله بأن يوفقها ويتم قبولها بالعمل.
وبعد مرور ساعة خرجت سمر والابتسامة مرتسمة على وجهها فقد استطاعت الحصول على العمل وستبدأ من الغد.
شعرت سمر بأنها ستطير فرحًا حتى أنها وصلت إلى الحارة في وقت قياسي.
***
كان مصطفى متجهًا مع بلال لمقابلة أحد الرجال المسببين لهم مشاكل في شراءهم قطعة أرض.
- والمهندس بتاع عمارة الأنفوشي لازم نتابعها عشان مش أمانة أوي.
ليردف بلال:
هيغش في إيه ما إحنا تابعنا الصبة وربط الخشب وكمان مش هيقدر يتعامل مع الفواعلية بتوعنا.
وقف مصطفى مرة واحدة عندما رآها في منتصف الحارة تمشي والسعادة مرسومة على وجهها. أثارت فيه الجنون من مظهرها الأنثوي والممزوج مع برائتها بشكل مخيف وهي تمشي وتتبختر غير آبهة للعيون التي تتابعها وتأكلها أكلًا كعيونه تمامًا.
أشار لبلال بالانتظار وسار خلفها بغضب لا يدري على من. وما أن دخلت بنايتها حتى أوقفها:
سمر!
تسمرت مكانها وهي تستمع إلى الصوت الذي أرعش بدنها بذكر اسمها بتلك القسوة. التفتت إليه سمر ببطء وهي تبلل شفتيها:
ن نعم!
لاحظ مصطفى توترها ويدها التي تحاول إخفاء ارتعاشتها وهي تمسك بحاجز الدرج. أزعجه توترها وخوفها ورغمًا عنه ظهر الغضب والقسوة في عينيه التي تشبه العسل الساخن. لن يلوم سوى نفسه على خوفها، هو الغبي الذي يتعامل معها وكأنها من الشوارع، لكن ماذا يفعل هو من لم يعتد على معاملة النساء، خاصة امرأة يرغب بها بشدة!
وجد نفسه يقترب منها ليقف عند بداية الدرج. نظر إلى عينيها المحيرة بلونيهما الأزرق المخلوط بالأخضر وهو يمسك بالحاجز أمام يدها تمامًا ليظهر الفارق الكبير بينهم.
علت أنفاسها بشدة وشعرت بأن مجموعة من الفراشات قد أطلق صراحها أسفل بطنها وهي تقف على الدرجة الثانية وهو بالأسفل ومع ذلك يصل إلى مستواها بسهولة.
حاولت الحديث وتوبيخه أو قول أي شيء ولكن ارتجافة شفتيها عندما نظر إلى فمها الذي يوشك على الحديث قد أوقفتها تمامًا.
ظل يجول بعينيه على وجهها وملامحها البريئة وشفتيها اللتين تتحدياه لالتهامهما في رغبة جامحة لم يشعر بها في حياته، فقط هي من تستطيع أن تهز كيان رجولته بلا أي محاولة.
قال بصوت أجش تغلفه قسوة لهفته:
فكرتي ولا لسه؟
احمرت وجنتيها وهي تنظر إلى شفتيه التي تتحرك بطريقة إغوائية لم تعتد عليها، كيف يمكن لرجل كهذا بكل عنفوانه وهمجيته أن يكون له شفتان كهاتين! ليس عدلًا أبدًا!
ردت بتوتر وصوت متقطع:
احم امممم بفكر!
أنتي خايفة!
لم يكن سؤالًا بل الأمر الواقع أمام عينيه. ردت هي دون كذب:
آه خايفة شوية.
ابتسم على ردها بينما غابت هي قليلًا في ابتسامته التي تراها للمرة الأولى والتي تجعل شفتيه أكثر إثارة.
سمر لنفسها:
ما تتلمي بقا أنا ساكتالك من الصبح! مش أسلوب ده على فكرة!
قاطع أفكارها صوته المبتسم:
متخافيش.
صمت لينظر لها من أعلى إلى أسفل، فتذكر تنورتها السخيفة. عقد حاجبيه ونظر لها بحدة رغمًا عنه:
بس البتاعة دي متلبسيهاش تاني.
رفعت سمر حاجبها وأطلقت شبح ضحكة غير مصدقة هذا مصطفى بمزاجه المتقلب. وضعت يدها على جانبها وقالت بعناد:
ليه بقى إن شاء الله! ما هي طويلة أهيه!
أنتي مش شايفة مخلياكي عاملة إزاي، أنا كنت هرتكب جناية وأنا شايف اللي رايح واللي جاي عينه مش بتنزل عليكي.
احمرت حرجًا وقالت بحدة:
مخلياني عاملة إزاي يعني؟ جيبة زي كل جيبات الخلق!
رد مصطفى بحنق وغيظ من تمردها الذي يفاجئه طوال الوقت وهي التي تخافه من الوهلة الأولى، فأين يختفي هذا الخوف كلما حاول السيطرة عليها!
بصي متستفزنيش، مش مراتي اللي هتمشي وسط الناس كده.
قاطعته بصوتها الغاضب الممزوج بخجل:
أولًا مش بستفزك، ثانيًا أنا لسه موافقتش عشان نتخطب مش مراتي مرة واحدة!
رد مصطفى بكل جدية وثقة:
خطوبة إزاي يعني! إحنا بنكتب كتاب على طول!
شهقت بصدمة وأردفت برعب:
إزاي يعني نكتب كتاب على طول وفترة الخطوبة دي هتروح فين، اللي الناس بتتعرف فيها على بعض!
فرح مصطفى لأنها تتكلم وكأنها ستوافق فعلًا، فاعتراضها على الطريقة وليس الارتباط نفسه. نظرت له وهو يبتسم وكأنه مجنون.
أووووف أنا طالعة عن إذنك.
أوقفها صوته الجهوري وهو يقول:
استني هنا.
تجمدت قدماها وعاد الخوف إليها قليلًا. هز رأسه على هذه الجنية الصغيرة التي تخافه وتتمرد في نفس الوقت في خليط ينجح في نبش حيرته. تنحنح قليلًا ثم قال:
متتأخريش في الرد!
ذهب وتركها دون أن يستمع إليها. أخذت ابتسامة صغيرة تحوم على شفتيها قبل أن توبخ نفسها وتصعد إلى والدتها تبشرها بإيجاد عمل.
***
صعد مصطفى على الدرج ليصل إلى السطح حيث يقضي معظم أوقاته بل وينام هناك في الغرفة التي جهزها خصيصًا ليتمتع ببعض الخصوصية منذ وفاة والدته والذي جعله الشخص المخيف الذي هو عليه، وخلفه بلال وهو يزفر بضيق.
مصطفى بحنق:
ماتبطّل نفخ بقا من الصبح قارفني ببوزك اللي يقطع الخميرة من البيت ده!
هتنقط منها يا مصطفى، بنت عمك دي هتجيب أجلي.
وكأن ندى كانت تقف وراء باب شقتها في الدور السابق للسطح، في انتظار مرورهم. حسنًا، بدون كأن هي بالفعل كانت تنتظر مرور بلال، فمنذ أسبوع وهو يرفض الحديث معها ويتجاهلها ويرفض الصعود إلى السطح حيث يتقابلون بعيدًا عن أعين عائلتهم.
فتحت الباب بسرعة ولهفة ووقفت تنظر إلى عينيه المتسعتين من الخضة. وقالت بصوت حاد تحاول السيطرة عليه:
ممكن أعرف بتعمل ليه كده؟
نظر إلى الجهة الأخرى بضيق وأردف:
بعمل إيه؟
تجمعت دموع الغضب في عينيها، فأغلقت الباب بهدوء حتى لا تستيقظ والدتها وأمسكت يده. نظر بلال إلى يدها بحاجب مرفوع ثم إلى وجهها، إلا أنها لم تعطيه فرصة وجذبته خلفها إلى السطح في وسط ذهول مصطفى الواقف يتابعهم من منتصف الدرج وهم يتخطونه ليصعدوا.
ضرب مصطفى كفًا على كف وقال لنفسه:
إيه البت دي! كتكوا القرف في بجاحتكم؟
زفر وصعد خلفهم يلجأ إلى قوقعته. فوجد بلال يستند على الحائط وندى تقف أمامه وتؤنبه بغضب يكاد يخرج من عينيها. ابتسم مصطفى لبلال في شماتة وغمز له وهو يغلق باب حجرة السطح في وجههم.
تركها بلال تتحدث وتتحدث وتلومه وتتهمه حبه لها حتى فاض به الكيل بعد مدة، فسألها:
خلصتي ولا لسه في قلة أدب تاني!
ندى بحنق وضيق وهي ترغب في خنقه:
انت إيه يا أخي مش بتحس، كل اللي قلته ده مأثرش فيك، إيه غبي للدرجة دي!
لم يستطع السيطرة على نفسه أكثر، فأمسك بذراعها وهو يقربها منه قليلًا ويضغط على لحمها:
ما تلمي لسان أهلك ده بقي أنا ساكت من الصبح! إنتي عارفة كويس أوي إنك غلطانة وعارفة أكتر إن مش أنا اللي يضحك عليا فبلاش شغل الحريم ده!
بكت ندى وهي تحاول الإفلات منه، وقالت بندم وغيظ:
أنا غلطانة إني تعبت نفسي وفضلت أهري عشان واحد ميستاهلش أصلًا!
ضحك بلال بغضب وقال:
إنتي صح! أنا لو أستاهل فعلًا كنتي عملتيلي قيمة أكتر من كده!
نفضت ذراعيها من بين يده بعنف وقالت مدافعة وشفتيها ترتعش من شدة انفعالها:
أنا يا بلال مش بعملك قيمة... أنااااا! أيوه صح.. أنا بردو مش بخرج مع حد من صحابي عشان نفسي وباسورد الفيس معاك عشان خاطري أصلي مش بثق فيا وأنا بردو اللي بطفش العرسان عشان مفتريّة! وبعمل أي حاجة ممكن تضايقك أو تجرحك!
صرخ بلال بها لتخرس:
أيوه إنتي الضحية صح وأنا ابن ستين كلب ومش موافق نتخطب زي الخلق اللي بيرتبطوا، ممكن أفهم إنتي بتأجلي ليه لو بتحبيني أوي كده! فهميني ليه؟ ولا مستنية فرصة أحلى تجيلك يا ست هانم وحطاني على الرف!
زاد حديثه من بكاءها وأرادت الهرب من أمامه إلا أنه لحق بها وأمسكها قبل أن تخرج:
لا يا ندى مش هسيبك تهربي زي كل مرة! بصي عشان نبقى واضحين إنتي بتاعتي أنا وملكي من وإنتي في اللفة وبتنامي على دراعي، أنا عارف إنك ليا فاعرفي ده إنتي كمان لأن بالطول بالعرض هتجوزك يابت الناس، حتى لو مش عايزة إنتي فاهمة ولو في أي حاجة في دماغك أحسنلك تنسيها وتعيشي مع الأمر الواقع!
هزها بعنف وكأنه يدخل كلماته إلى عقلها، ولكنها أفلتت منه لتحتضنه بشدة وتبكي بين ذراعيه. زفر بشدة وغضب وأمسك بشعرها المنسدل ليرفع رأسها ويرىها وهي تبكي وعيونها حمراء ومنتفخة. زفر مرة أخرى ونظر إلى السماء وهو يضمها إلى صدره أكثر.
ظل يهدئها ويربت عليها حتى هدأت شهقات بكاءها. هنا فتح مصطفى الباب بعد أن حاول ألا يتدخل ويعطيهم وقتًا للتفاهم وحل مشاكلهم، فلولا أنه يعلم أن بلال يعشقها ومتأكد أن نصيبهم لبعض لما تركهم لحظة واحدة ليحولوا مكانه المقدس إلى وكر لحبهم!
ممكن نتأدب بقي شوية وتشيل إيدك أمك من عليها! إنتي مش عارف أعمل معاكي إيه! مينفعش تعيطي من بعيد أنا مش عارف أمك كانت بتربي فيكي إزاي!
ضيق بلال عينيه وهو يقول له بغيظ:
اطلع منها إنت وبعدين أنا اللي مربيها.
ابتسم له مصطفى وكأنه يثبت كلامه!
آه ما أنا واخد بالي.
أعاد نظره إلى ندى وهز رأسه ثم استكمل حديثه:
يابت فكك منه ده ميستاهلش حد يعيط عشانه ده هيموتني. طيب تصدقي بالله لو إنتي مش زي أختي وأنفعك كنت اتجوزتك ولا يطول شعرة منك!
قربها بلال منه قليلًا وهو يرغب في قتل مصطفى بهذه اللحظة:
لا إنت ولا عشرة زيك! ندى ليا طول عمرها!
إلا أن ندى لم تضحك أو تلطف الجو كعادتها بل انفجرت في البكاء أكثر وهي تضع يدها على وجهها وتبكي بمرارة.
رواية عشق بلا رحمه الفصل السابع 7 - بقلم دينا ابراهيم
رفع مصطفى حاجبه بتعجب واقترب منهم. ربت على ظهرها مرة، ظنًا منه أنه أزعجها بمزاحه، قبل أن يدفعه بلال الذي يرفض أن يلمس أحد حبيبته حتى لو كان بمثابة أخيها.
هز رأسه على غبائه وسذاجته وسأل ندى بهدوء:
- مالك يا ندي في إيه؟ أنا بهزر، أنتي زعلتي بجد؟
لترد ندى بصوت مبحوح ومتقطع:
- أوعى تقول كده قدام ماما!
ضيق عينيه بعدم فهم وعاد ليتساءل:
- إنك مش متربية! يابنتي بهزر والله.
هزت رأسها بالنفي وقالت:
- إنك ممكن تتجوزني!
نظر مصطفى إلى بلال باستغراب، الذي جحظت عيناه بدوره وهو ينظر إليها منتظرًا ما تخفيه عنه. فأردف بغضب وتهديد:
- ندى اتكلمي مرة واحدة من غير ألغاز، وإلا أقسم بالله همد إيدي عليكي!
فقالت وهي تبكي وصوتها متقطع:
- حاضر! أصل أصل ماما عايزة مصطفى يتجوزني.
ظهر الرفض والذهول على وجه مصطفى، بينما قبض بلال بشدة على ذراعها وقال بغضب:
- لا والله! والكلام ده من إمتى ومتقالش ليه قبل كده؟
نظرت له بخوف وقالت بتوتر:
- من كام شهر كده! والله كنت عايزة أقولك بس كنت خايفة يحصل مشاكل بينك وبين مصطفى أو إنقح بينك وبين أمي.
- وكنتي ناوية تسكتي لإمتى إن شاء الله لحد ما تتجوزوا؟
بكت ندى بحدة وقالت وهي تقسم:
- أبدًا، وروحي أبويا أنا كنت خايفة والله مش أكتر، مصطفى طول عمره أخويا.
أزاح مصطفى يده من عليها وهو يحاول تهدئته، إلا أن لمسته تلك جنت جنون بلال فدفعه في صدره بقوة:
- قلتلك ماتمدش إيدك عليها.
بلل مصطفى شفتيه وأخذ يتنفس عميقًا حتى لا يقوم بشيء يندم عليه مع بلال. فنظر له بحدة ثم قال لندى دون النظر إليها:
- انزلي إنتي دلوقتي يا ندى.
نظرت إلى بلال في انتظار الإذن، ولكنه كان منشغلًا بالنظر إلى مصطفى بغضب وصدره يعلو ويهبط. صر مصطفى على أسنانه وقال بنبرة مخيفة إلى حد ما:
- انزلي!
انتفضت ثم هرولت إلى الباب لتنزل إلى شقتها.
ما إن اختفت عن عيونهم حتى اقترب من بلال بتحدٍ، وفرق الطول والحجم واضح بينهما. ومال برأسه إلى اليمين قليلاً وقال بتحذير:
- أنا هفوتها المرة دي وخليك فاكرها يا صاحبي! وندى أختي ولو الدنيا اتشقلبت مش هقدر أعتبرها غير أختي، وإنت عارف إني اتقدمت لسمر. وبصراحة أنا مش بيهمني أي ست أساسًا، فمش بتاعت أخويا اللي هبصلها!
تركه مصطفى وتوجه إلى معزله ليتركه يشعر بالخزي والغضب على نفسه وتسرعه الدائم. ها هو يؤذي أقرب الناس إليه، أخيه وحب عمره!
أغمض عينيه وهو يفكر في حل لهذه المصيبة وعمته العقربة التي تحاول تفريقهم. فهو متأكد أنها الوحيدة التي تلاحظ حبهما، ولكنه أخذ سكوتها كعلامة للرضا وأنها لن تمانع زواجهم.
دخل بلال بعد فترة على مصطفى، الذي أسرع بإغلاق علبته الثمينة بتوتر أخفاه بجمود ملامحه. تلك العلبة التي تحمل أرقى ذكرياته مع والدته المرحومة، والتي كانت سببًا في ابتعاده عن الجميع طوال الست سنوات الماضية، وينعزل اجتماعيًا عن الناس ويظهر وقت احتياج أبيه لتنفيذ العرف وقراراته ليصبح كالجلاد.
جلس بلال بجواره وهو يشعر بخجل بسيط منه وأردف:
- متزعلش مني، أنا مقصدش.
نظر له مصطفى بنصف عين وابتسامة مائلة ولم يرد عليه. فتابع بلال بتوتر:
- يابني إحنا إخوات أصلًا، بس عمتك دي هتخليني أخرب عليهم كلهم. إنت أخويا والله وإنت عارف كده.
قاطعه مصطفى بضحك:
- بس بس! إيه يابني، إنت فاكرني ندى ولا إيه؟ خلي الرغي ده للحتة الشمال. أنا مش زعلان أساسًا، إنت أهبل ياض.
ضحك بلال على غلاسته المعهودة وقال:
- تصدق ياض إنت رخـم، ربنا يعين البت عليك، مش عارف هتستحملك إزاي أنا.
اختفت الابتسامة من على وجه مصطفى وقال بقلق:
- أنا اللي مش عارف أعمل إيه معاها دي. أنا بحس إني تايه أو مجنون لما بشوفها، وموضوع لبسها ده جابلي عقدة وحاسس إني عايز أراقبها وأحميها على طول.
ربت بلال على قدمه وكأنه يتفهمه:
- عارف والله، عشان كده مقعد واحد من الرجالة يروح ورا ندى كل حتة من ساعة آخر مرة عشان أعرف خط سيرها وأبقى مطمن محدش يضايقها.
مصطفى بتفكير:
- أنا هبعت حد يفضل وراها، مش عارف ليه بس جوايا حاجة مقلقاني عليها. بس مش مأمن أي حد.
ليرد بلال سريعًا وحماسة:
- يلا يا عم، مش خسارة فيك تعويض عن اللي حصل، الوقت اللي إنت مش هتبقى فاضي فيه تتابعها، أنا هبقى مع الرجالة وساعتها مش هتقلق عليها منهم حتى!
ابتسم مصطفى وهو يشعر بقليل من الاطمئنان وقال:
- تمام!
نظر له بلال ونصف شفته العليا ترتفع:
- تمام! مفيش شكرًا؟
ابتسم مصطفى ابتسامة صفراء لا تليق بوجهه ذي الملامح الحادة وقال:
- لا مفيش، وخد الباب وراك يلا!
***
أخذت سمر تمارس عملها بشكل يومي من الساعة التاسعة صباحًا إلى الخامسة مساءً، وهي تشعر بفخر وسعادة داخلية بأنها ستتمكن من إعالة نفسها ووالدتها، وألا تحمل والدها فوق طاقته، وكذلك مراد. فباختفائها يبدو أن خطة سعد البائس تقترب من الفشل. فحسب أقوال مراد، هو يريد ابتزازها لكي تسلم أموالها. واكتشفت أن والدها يودع 10 مليون جنيه في حسابها مقابل وصل الأمانة الذي أمضاه والدها بـ 50 مليون ج.
كانت مشغولة التفكير وهي تقدم الطلبات. هزت رأسها حتى تستطيع التركيز كي لا تخسر عملها بعد أول أسبوع.
***
- يعني إيه مش فاهم بردو؟ وبتعمل إيه هناك؟
جاء صوت مصطفى الحاد. رد بلال بضيق:
- وأنا هعرف منين يعني؟ هشم على ضهر إيدي؟ أنا بقف برا بس لحد ما تطلع.
أخذ عقله يجول حول أسباب ذهابها المتواصل إلى هذا المكان يوميًا. ليردف متسائلاً:
- هي بتخرج مع حد ولا لوحدها؟
- لوحدها يا مصطفى، لو هتقرفني كتير، تعالى شوف.
زفر مصطفى بغيظ وقال بحدة:
- من غير ما تقول، أنا سبت الشغل وجاي في الطريق.
أغلق الهاتف في وجهه وهو يغلي من غباء ابن عمه الذي لم يخبره طوال هذا الأسبوع عن ذهابها المتواصل لذلك المطعم. أخذت أعصابه تشيط غيرة عندما يفكر أنها تقابل أحدًا ما. فموافقتها على الزواج منه مازالت معلقة حتى الآن، وكل يوم تسوء مشاعره وتضطرب أكثر من السابق. حتى أنه منذ يومين وجد نفسه يصعد على الدرج المؤدي إلى شقتهم حتى يطالب بردها ويوبخها على تأخرها، ولكن بلال أقنعه في آخر وقت للانسحاب وعدم التهور. حتى أنه فاتح والده بأنه يفكر في الارتباط ووجد منه موافقة وترحاب!
بعد مدة كانت كالسنين إليه، وصل إلى بلال ورجاله. أشار لهم بيده بلا مبالاة واتجه إلى الداخل ليرى ما يدور مع تلك الجنية التي تنوي إزهاق أنفاسه قريبًا جدًا. كانت عيناه تبحثان عنها في كل أرجاء المكان فلم يجدها. جلس على طاولة فارغة غير مبالٍ بكل الأنظار المسلطة عليه بريبة وقلق. توقف قلبه للحظة عندما وجدها تخرج من المطبخ ومعها صينية الطلبات. ما إن التقت عيناهما بعد لحظة حتى انقطعت أنفاسها وشحب وجهها وشعرت أن أنفاسها تأخذ منها عنوة. غلت الدماء في عروقه، فقد نبهها أكثر من مرة ألا تفعل شيئًا قد يغضبه، ولكن هيهات! غلب عليها الخوف والتوتر وهي تدور حول نفسها ولا تعرف كيف قدمت ما بيدها من الأساس. جاءت عند طاولته بارتباك وحاولت أن تكون مهنية تخفي به خوفها، فسألته بخفوت:
- حضرتك هتطلب إيه؟
ضيق عينيه وكأنه يهددها بأن يقتلها إن فتحت فمها بحرف آخر، ولكنه سيطر على نفسه حتى لا يظهرها بمظهر سيئ وسط العمال والناس. أجاب بغموض وغضب تراه جيدًا:
- هطلب بس مش هنا، انهارده يا سمر!
كل حرف منه كان يتقاذف عليها كالجمر وقلبها يرتعش بخوف من ردة فعله، بالرغم من محاولة إقناع نفسها بأنه لا يحق له سؤالها في شيء، فالعمل ليس جريمة مثلًا. وقف بكامل هيبته ورمقها بتوعد مرة أخيرة قبل أن يتركها وهو يكاد يجن من أفعالها ويتوجه إلى بلال بغضب، فأردف:
- خليك معاها، أنا همشي عشان مش ضامن نفسي. قبل ما توصل الحارة اتصل بيا!
تركهم وهو يحاول أن يقنع نفسه بأن لا يعود ليصفعها ويحملها على كتفه إلى حيث تنتمي في بيته! اليوم سيتبدل كل شيء معها ولن يسمع لذلك بلال الغبي الذي يردعه دائمًا من التصرف كذاته المتوحشة.
مر هذا اليوم على سمر وكأنه سنين، وفي طريق العودة ظل عقلها وقلبها يتشاجران.
سمر لنفسها: ممكن تهدي! ده مش خطيبك حتى، يعني مالوش حق يتضايق، مالوش حق حتى يتعصب بالطريقة دي. أووووف بس عينه خوفتني أوي كأنه هيقتلني. ياربي بقا أنا تعبت وأعصابي باظت. وقلبي ده كمان من كتر الدق هيقف! بتدق ليه هاه؟ قولي بس وفهمني بتدق للزفت ده بس ليه؟ ارحمني انت كمان، خوف ده ولا جنان ولا إيه؟
وقفت سيارة سوداء أمامها فجأة بسرعة أرعبتها وشلت حركتها وسببت في حشر صوتها بداخلها. لاسيما وهي ترى 3 ثيران من الرجال بملامح إجرامية يتجهون نحوها في محاولة لجذبها داخل السيارة، إلا أنه في أقل من 3 ثوانٍ نشبت حرب بينهم وبين 3 رجال أتوا من لا مكان! ومنهم بلال الدائم الوجود مع مصطفى. عاد صوتها في تلك اللحظة لتصرخ بشدة ويبدأ الناس في التوافد لمساعدة بلال ورجاله ضد هؤلاء من يريدون خطفها!
***
وقف مصطفى على مدخل الحارة وهو يشعر بغليان وغضب أعمى منذ أن رآها تعمل كالفراشة وسط الرجال.
مصطفى لنفسه: اللي زي دي المفروض تتنيل تجوز وتقعد في بيتها مش تتنططلي في كل حتة. مش جايباها البر بس الغلط عليا أنا إني مشيت ورا كلام الأهطل ده وسبتها.
رن هاتفه ليقطع أفكاره. رد بسرعة عندما وجد اسم بلال مضاءً على الشاشة:
- الو. وصلتوا؟
رد بلال بتوتر وقلق:
- الو... لا، في حاجة لازم تعرفها بس اهدى!
استطاع أن يسمع صوت بكاء خافت بجانب صوت بلال، فاردف بخوف:
- في إيه يا بلال؟ سمر دي؟
- اهدي بس واسمعني، في 3 رجالة اتعرضولها وكانوا عايزين يخطفوا سمر وهي معايا دلوقتي وجاية على البيت.
- لا تعالوا على المكتب! بس الأول هي كويسة؟ حد عملها حاجة؟
- لا محدش لحق يلمس شعرة منها!
شعر بغصة في حلقه تمنعه من الحديث، فقال بصوت خشن ومخيف:
- متتأخرش، أنا واقف عند المكتب.
بعد نصف ساعة من الانتظار الذي يحرقه، وصل بلال الذي لم يستطع تهدئة سمر أو حتى إرغامها على الحديث معه سوى لإخباره بأنها لا تعلم هؤلاء ولم تراهم من قبل. سمع مصطفى صوت السيارة قبل أن يراها. كان في حالة يرثى لها وهو يشعر بالغضب يتملكه، غضب نابع من خوفه بفقدانها! هي العنيدة التي تترك نفسها مطمعًا لذئاب بشرية! توجه إلى السيارة بسرعة وخفة بالرغم من تشنج عضلاته ليظهر كالدب الغاضب. فتح بلال باب السيارة ونزل حتى يسيطر على ابن عمه المتسرع، ولكن مصطفى لم يعطه الفرصة وفتح بابها وهو يمد يده يجذبها بعنف خارج السيارة.
شعرت سمر برعب وخوف حقيقي منذ أن رأته يتوجه نحوها بهذه النظرات والتي كانت سببًا في ازدياد بكائها. التفت بلال للوصول إليه سريعًا، ولكن قدمي مصطفى لم تتوقف وهو يأخذها داخل المكتب. ناداه بلال وهو يركض ليمسك بذراعه وينظر إلى عينيه بتحذير:
- مصطفى اهدي الأول! سيبها هي مش ناقصة!
نفض ذراعه منه ولم يأبه لحديثه.
دلف بها إلى الداخل وأغلق الباب بعنف جعلها ترتعش في مكانها وهي تشعر بيده تكاد تخترق ذراعها ومتأكدة أن آثار تلك اليد ستظهر زرقاء غدًا على ذراعها. حاولت نزعها منه والتحلي ببعض الشجاعة، فهو لا يملك حقًا عليها بعد! قالت بصوت متقطع من البكاء وخائف:
- ممكن ما تمسكنيش كده!
شد على قبضته عليها أكثر وهو يهزها بعنف ويردف بصوت مرتفع خالٍ من المشاعر:
- هو ده اللي شاغل تفكيرك! وإنك كنتي هتضيعي من شوية مش مؤثر فيكي!
ظلت تقاومه بخفوت وهي تحاول فتح يده من على ذراعها، إلا أنه أمسك بيدها الأخرى ليضعها خلف ظهرها. فصرخت بغضب وقلة حيلة:
- سيبني بقا سيبني! إنت مالك ومالي؟
لم يصدق وقاحتها وهو الذي جن جنونه منذ أن وصله الخبر! فقال بصوت هادئ شديد وحذر كالذي يسبق العاصفة وهو ينظر إلى الجينز والتيشيرت الذي ترتديه:
- كام مرة قولت لبسك ده غلط! شفتي آخره اللي بتعمليه إيه! تعرفي لو الناس دي قدروا يخطفوكي، كان هيبقى مصيرك إيه!
كانت تعلم جيدًا من هم ولماذا يسعون وراءها، ولكنها لن تفشي سرها لأحد. فنظرت إلى الأرض وهي تبكي وتتمنى لو يترك يديها لتخفي وجهها عنه، وتتعجب من شعورها الزائد بالأمان بالرغم من كونه الخطر الأشد عليها والذي قد يدمرها بأصغر إصبع لديه، فهي تبدو كالعصفور الجريح بين يديه وملامحه لا تحمل أي رحمة لها. رفعت نظرها عندما هزها لتخترقها نظراته كالسكين وهي ترى ارتفاع حاجبه، والتي تساءلت في نفسها ألف مرة عن سبب ذلك القطع في المنتصف والذي يضيف عليه القوة ومزيدًا من الرهبة! بطريقة لا تفقهها. يبدو أن الحادث أثر على علقها لتفكر في ذلك في هذه اللحظة الحاسمة.
قطع تفكيرها صوته الجنوني والمرعب بطريقة زعزعت داخلها وقلبها:
- كنتي هتبقي ضحية بسبب إهمالك وغبائك، إنتي غبية؟ إنتي إزاي غبية كده؟ ولا مبسوطة من نظرات الرجالة ليكي؟ عايزة تظهري جمالك للي يسوى واللي ما يسواش ليه؟! شوفتي آخرت النظرات ولبسك بيعملوا إيه؟
رواية عشق بلا رحمه الفصل الثامن 8 - بقلم دينا ابراهيم
ردت بعنف ودفاع.
- اخرس بقا اخرس حرام عليك !! طالما انا وحشه كده عايز مني ايه !!
ليرد عليها بنفس العنف والغضب.
- صوتك ما يعلاش وانتي بتكلميني و عايز ايه !! عايزك تعقلي وتسمعي الكلام وتبطلي غباء !!
شهقت بألم عندما شد قبضته اكثر علي ذراعها الذي يرفض تركه.
- ااااااه ممكن تسيبني بقا انا حاسه ان دراعي اتخدر من كتر الوجع !!!
رفع يده بسرعه كانه تلقي صعقه كهربائية.
ابتعدت هي علي اثرها خطوتين الي الوراء.
وهي تمسك بمكان الآلم.
استطاع ان يري علامات حمراء غاضبه تثور علي بشرتها البيضاء الناعمه.
زفر بعنف و مسح علي شعره بغضب.
ولكنها تجبره بسذاجتها علي تعنيفها.
- بصي عشان نبقي واضحين مع بعض ، اللي حصل ده كان ممكن يبقي نتيجته وخيمه جدا وانا مش هقف اتفرج عليكي بتضيعي نفسك عشان هبل في دماغ واحده مستهتره زيك!!
استدارت وهي تبكي تريد الذهاب من هذا المكان بعيدا عنه وكلامه الجارج.
ولكن صوته رعد المكان بشده.
- فاكرة نفسك رايحه فين ؟؟
تجاهلته بقلب يدق رعبا وغضبا.
امسكت مقبض الباب ولكنها ما ان فتحته حتي تم اغلاقه بشده.
امسك يدها وادارها وهو يحاصرها في ظهر الباب.
فاردف بضيق وغضب.
- انا مش عارف اتعامل معاكي ازاي !
ردت سمر بعصبيه والم.
- وتتعامل معايا ليه اساسا ؟؟ سيبني في اللي انا فيه ....
زفر بشده وقال بهدوء نسبي لا يعكس العاصفه الهوجاء بداخله مابين صفعها و ضمها اليه.
- ايه اللي فيكي ممكن افهم .. انا حاسس ان في حاجه كبيرة بتحصل وانا مش فاهم حاجه ؟؟
ردت بانكار وهي تضغط بيدها علي صدره لابعاده فقربه يذبذب جسدها بطريقه مخزيه تجعلها تشفق علي عقلها.
اغمض عينه لوهله عند ملامستها له ولكنه اعاد فتحها بعد نفس عميق ليقابل نظراتها الغاضبه المحاطه بانكسار ضعفها امامه.
شعرت سمر بزلزال في صدره تحت يدها وقلبه يضرب بعنف اخافها للحظه.
رمشت عده مرات وبللت شفتيها ببراءة وحيرة.
دن وعي منه وجد نفسه يقترب ويقترب وسط ذهولها حتي اصبحت يداها حبيسه صدرة الصلب القاسي وصدرها.
شهقت بخفوت وفتحت فمها لتصيح به علي جراءته ولكن عيناه الحاده ذات النظرات الناريه الملهبه خطفت الحروف من علي لسانها وقطعت انفاسها.
رفع يده ووضعها ببطئ علي وجهها الاحمر المتوتر ورفع شعرها المتناثر علي جبينها باليد الاخري.
غاب عقلها عندما شعرت بملمس يده الخشن والساخن علي بشرتها الرقيقه وتاهت في مدي اختلافهم.
انزلت رأسها قليلا وهي تتنفس بصعوبه من هذا الهجوم المفاجئ ولكنه تسلل بيده لخلف رأسها ليجذب شعرها المموج بسلاسه الي الخلف.
استمر في النظر الي عينيها التي لم تفقد بريقها ورونقها بالرغم من اثار بكاءها الظاهر.
لا يعلم ما يجذبه اكثر لونها الخرافي والذي يذهب العقل ام ضعفها وحزنها الذي يشعل شعور بداخله يجبره علي التهامها والاحتفاظ بها بداخله.
اغمضت عينيها و لم تستطع مجاراه نظراته القاتله.
كيف يتحول هكذا من الغضب الي مشاعر اخري اشد خطورة بل كيف تحول هذا الدب البشري الي رجل يشعرها بكامل انوثتها وبانها الانثي الوحيده علي وجهه الارض بتلك العينين الضيقة والتي تلائم وجهه تماما وتعشقها.
ليبقي السؤال الاهم كيف الجم لسانها وهو يشعرها بالتخدير اثر لمسته فتقف كالتمثال الاخرق بدلا من ان تصرخ او تصفعه علي تجاوزاته.
تبخرت افكارها وما استجمعته من شجاعه لدفعه عندما شعرت بلهيب انفاسه علي شفتيها ووجنتها الحمراء.
اغمض مصطفي عينيه وهو يستنشق انفاسها بشعور جعل رأسه يميل للامام اكثر مترنحا من عبق رائحتها.
كاد ان يلامس شفتيها المرتعشه الا ان بلال كان له رأي اخر فعندما رأي الباب يفتح ويغلق توتر وقرر التدخل.
فتح الباب مره واحده فاندفعت سمر بقوة الي احضان مصطفي الذي حاول تفادي اصطدامها مع الباب ووضع يديه علي ظهرها وهو يبتعد الي الخلف بسرعه.
رفع بلال حاجبه من وضعهم هذا وشعر بقليل من الاحراج فقال وهو يتنحنح.
- انا كنت بطمن بس !! واضح ان كله تمام احم طيب انا برا اهوه.
ابتعدت سمر سريعا من بين ذراعي مصطفي وهي تشعر بصدمه وخجل غير مسبوق فعادت الي بكاءها مرة اخري.
نظر الي بلال نظرة قاتله ود لو يخنقه ويتخلص منه هو الاخر.
زفر عندما وجدها تبدأ في البكاء مرة اخري فوجه حديثه الي بلال بغضب.
- هات العربيه ، احنا هنروح.
وضعت سمر يدها علي وجها تبكي بحراره غير مصدقه استسلامها.
الان سيثبت كلامه بانها مستهتره وفوقها قليله الحياء والاخلاق.
غضب مصطفي من نفسه فهي الان ستظن به السوء وبانه اسوء من هؤلاء الرجال فعلا وهو يعمل علي استغلالها.
لم يدري ما العمل الان فقال بصوت اجش من هول المشاعر التي مر بها.
- يلا هروحك.
فتح الباب وانتظرها حتي عدلت من نفسها ومسحت دموعها قدر الامكان وخرجت امامه دون كلمه.
ركب بلال معهم والثلاثه في حاله يرثي لها ما بين خجل و غضب و احراج حتي وصلوا الي منزل سمر.
صعد مصطفي معها ودق علي الباب.
فتحت سلوي بسرعه بلهفه وقالت بدموع وهي تراها.
- كده يا سمر تخضيني عليكي ؟!! كنتي فين كل ده ؟! ازاي تتأخري كده !!
دلفت سمر تحتضنها وتحاول السيطره علي نفسها حتي لا تبكي مره اخري.
- معلش يا ماما والله حصلت مشاكل.
ليرد مصطفي بجمود وغيظ.
- مش مشاكل وبس ... بنتـك كانت هتتخطف يا حاجه.
ضربت سلوي علي صدرها وضمت سمر اليها وقالت بخوف.
- يالهوي !! حصلك حاجه ... حد عملك حاجه.
رمقته سمر بنظرة غاضبه لافجاع والدتها بهذا الشكل.
- محصلش حاجه يا ماما متقلقيش بلال وولاد الحلال لحقوني قدام المطعم.
- الحمدلله ... الحمدلله. انتي مش هتنزل تاني من البيت ده ، محدش عارف المره الجايه يخطفوكي فعلا.
قطعت سلوي كلامها عندما نكزتها سمر حتي لاتفشي سرهم الا ان الاوان قد فات.
نظر بشك الي كلتيهم ثم الي بلال.
- يعني اللي حصل ده مش عابر ده في حد عايز يخطفها فعلا ؟
لم تهتم سلوي بشحوب وجه سمر او قلقها فقد عزمت امرها في رسم ما سيحدث لابنتها منذ الان.
اقترب منهم خطوة وهو ينظر بجديه تامه الي عين سلوي فقال بهدوء ينذر بالشر.
- بنتـك كانت هتروح انهارده .... انتي فاهمه يعني ايه مدي خطورة اللي حصل وانا متأكد ان في حاجه كبيرة وراكم وحتي لو انتو مأجلين ليه الرد في موضوعي ، بعد اللي حصل مش هستني دقيقه واحده !!!
نظرت الي سمر التي تترجاها ولكنها اخذت قرارها وانتهي الامر.
فقالت بجديه وصدق.
- ادخل يا مصطفي انا هقولك كل حاجه !!
دلف مصطفي و بلال وجلسوا في تأهب لسماع ما لديها وطلبت سلوي من سمر بالجلوس بجوارها.
امسكت يدها وضغطت عليها ثم قالت.
- انا خدت قرار في موضوعك انت وسمر يا ابني.
نظرت لها سمر بصدمه فأخر حديث لها مع والدتها اخبرتها فيه بمداخلتها الطويله من ام عزت ومعرفتها كل صغيره وكبيره عن مصطفي فهو من عائله كبيرة لها وضعها واغنياء بالرغم من بقائهم في هذا الحي ألا انهم كالسمك في الماء لا يستطيعوا الخروج منه.
كما انها تأكدت من اخلاق مصطفي ورجولته مع الجميع وكأنه الحامي للمنطقه فوالده العقل وهو القوة وقد شعرت بموافقه والدتها ومباركتها ولكنهم اتفقوا علي تبليغ والدها اولا هذا ان وافقت هي.
شعر مصطفي بقليل من التوتر ولكنه لن يقبل بالرفض وعزم علي فعل المستحيل للحصول عليا هي من دق لها قلبه لاول مرة في حياته.
تنحنحت سلوي ثم قالت بحزم.
- احنا موافقين .... بس كتب الكتاب يبقي بسرعه !
كان كالنيران ينتظرها تتحدث وما ان سمع موافقتها حتي استرخت عضلاته وكأن الماء قد انصب عليه من كل مكان لتهدئة اشتعاله.
رد سريعا بحماسه : من غير ما تقولي !! انا ان شاء الله بكره هجيب اهلي وهتنفق علي اقرب معاد والاكيد انه مش هيعدي اسبوع الا وهي علي ذمتي.
لاتعلم سمر سبب اختلاكط مشاعرها فقد كانت تميل للموافقه بالرغم من صلابه هذه الاصوات التي تتعجب من تلك الموافقه ولكن بعد ما حدث في مكتبه اصبح كل شعور في اتجاه داخلها.
وقفت مره واحده تحت انظاره الثاقبه وتوجهت الي غرفتها واغلقت الباب.
نظر بلال الي مصطفي ثم الي سلوي التي بدأت في الكلام مرة اخري.
- الاول في حاجه مهمه لازم تعرفها !!
حاول مصطفي عدم الانشغال بهذا الدخول المفاجئ لسمر وما يشير اليه من رفض له والانتباه لما هو اهم الان حمايتها.
- انا عايز اعرف كل حاجه ارجوكي !!
سردت له كل ماحدث لوالدها وتعرض له من خداع شريكه ورغبته في العثور علي سمر للمساومة الا ان والدها يخشي ان وصلت له ان لا يرحمها وكيف اختبأوا هنا عن طريق ام عزت التي كانت تعمل لديهم فترة من الزمن فاحبتهم واحبوها و مراد وكل ما يتعلق بهم واخيرا اخبرته باهم ما بداخلها.
- اكتر سبب خلاني اوفق حتي من قبل ما اقول لجوزي الاول انك اكتر حد ممكن يحميها ... انا اغلي حاجه عندي في الحياة هي ومش مستعده تضيع مني ، كفاية ابوها واللي بيحصلوا.
بدأت في البكاء فتقدم منها بلال يهدئها ويطمئنها.
اقلقها سكوت مصطفي قليلا ولكنه سرعا ما هدم مخاوفها.
- لما كتب الكتاب يتم ... لموا كل حاجه عايزنها من هنا وهتيجوا تعيشوا في بيت العيله ومتقلقيش هيكون ليكم شقه لوحدكم لحد ما نشوف الفرح هيبقي امتي ، لاني بعد اللي سمعته ده مستحيل تغيبوا عن عنيه !!!
هزت سلوي رأسها بالموافقه بعد ان اطمئنت علي ابنتها.
رن جرس الباب فتوجه بلال لفتحه.
دلف مراد برعب يبحث عن سلوي.
- ايه يا طنط ، سمر رجعت ؟! انا اتهريت اتصل بيكي ملقتش رد قلقت اكتر سيبت التدوير وجيت اطمن يمكن رجعت.
قالت سلوي بامتنان : ايوة يا ابني رجعت ، انا اسفه تعبتك معايا و دوختك.
لم يلقي السلام علي مصطفي و نظراته الحاده وارتمي علي المقعد ليريح اعصابه التي اتلفت من اختفاءها وظنه بان الخطه التي يرسمها مع والدها قد كشف امرها.
- اومال سمر فين ؟ هي كويس !! انا ليا كلام تاني معاها ، دي سيبت ركبي.
وقف يعدل قميصه في وسط ذهول مصطفي وهو متجه الي غرفتها يطرق عليها.
اشتعلت النيران في عينيه غير مصدقا جراءة هذا القذر.
رمي نظراته الناريه نحو سلوي التي تلجلجت قليلا ووتوجهت نحو مراد ، لتنحنح وتردف بقلق وتوتر.
- خليك انت يا بني .. هي مش هتفتح ، اقعد مع مصطفي وبلال وانا هجيبها.
هز رأسه بالموافقه الا ان صوتها اوقفه وهي تخبره.
- مصطفي اتقدم لسمر وهيكتبوا الاسبوع ده.
نظر لها بخضه بينما نظرت له نظرة ذات معني بعدم المعارضه او الاعتراض والتزام الادب.
كان مصطفي يتابع كل هذا بغيظ شديد.
هل كان ينوي الاعتراض ؟ هل يحب سمر ويتمناها لنفسه ؟ هل تحبه سمر ؟.
لا يبالي بكلاهما فان كان ذلك ما في الامر سيقتله ويخبأها عن العالم كله حتي تعتاد حبه هو وحده دون غيره.
توجه مراد بهدوء شديد لا يعكس الغضب والذهول بداخله وجلس يتفحص مصطفي وعقله يقيم مقارنه بينه وبين سمر المسكينه.
معقول ما يحدث !! هذا الرجل يكاد يصل الي ال 7 اقدام وهذه المسكينه لا تتعدي منتصف ال 5 اقدام.
هو متأكد انها لن تصل لصدر هذا الكائن المرعب.
هل هي موافقه فعلا عليه ولماذا الان في وسط محنتهم.
هناك امر غير منطقي لا يفهمه.
مراد بحده : اهلا.
هز مصطفي رأسه دون الكلام وهو يغلي من داخله علي هذا الحقير.
ماهي الا ثواني حتي خرجت سلوي و سمر بلامحها الخشبيه التي تخفي مشاعرها الا انه يستطيع القول بانها غير سعيده.
اعاده قلبه الي لحظتهم معا في المكتب واستسلامها البرئ له دون وعي منها ليهدأ قليلا.
من المركد انها غاضبه بسبب ذلك فهي لا تكرهه هذا هو متأكد منه.
جلست بجوار مراد وهي تتجاهل مصطفي.
مراد بقلق وعتاب علي اختفاءها.
- ايه يا ماما اللي حصل ده !! ينفع كده .. صفيتي دمي.
ردت سمر بضعف وادب.
- معلش يا مراد انت عارف مش بأيدي.
حك مراد رأسه وهو ينظر بينها وبين سلوي ثم قال.
- لا الحقيقه انا مش عارف لسه ... هو حصل حاجه.
ليتفضل بلال بشرح ما حدث له.
نظر مراد بصدمه الي سمر وقال بتأنيب وحزن.
- وتشتغلي ليه يا سمر وانا روحت فين ولا اللي بينا مش زي ما انا كنت فاكر.
ردت سمر بدفاع وهي تخشي علي حزنه.
- لا والله مش كده انت عارف انت عندي ايه !! بس انا بحب اعتمد علي نفسي.
ليرد مراد بغضب مكتوم و عتاب.
- لا معلش ما تعتمديش علي نفسك في الظروف دي !! انت كنتي هتضيعي انتي وابوكي مش لوحدك !!!
نظرت الي اسفل بحرج و اسي.
رفع مراد يده يضعها علي رأسها ليواسيها فهو يعلم انه يقسو عليها ولكن صوت كسر دوي في المكان جذب انتباهم.
رفعت سمر عينيها الي مكان التكسير.
فوجدت كوب الماء الذي طلبه بلال متفتت تحت قدم مصطفي الجالس كالوحش المستعد لمهاجمه عدوه.
قضبت حاجبها فنظراته لم تكن عليها بل بجوارها.
نظرت يمينها الي مراد فوجدت يده معلقه في الهواء وهو ينظر بشئ من الذعر والاستغراب نحو مصطفي.
فهمت و استنتجت ان مراد كان يريد مواساتها وذلك اغضب مصطفي.
لكن لماذا ؟! هل يغار عليها ؟؟؟؟؟؟؟
شعرت بسعاده كبيرة ولكنها ارجعت تلك السعاده الي اكتشاف نفطه ضعف له وطريقه لازعاجه.
حاولت سلوي تلطيف الجو عندما رأت بلال الجالس بجوار مصطفي يحاول الامساك به والسيطره عليه قد الامكان.
ذهبت الي سمر لتجذبها وقالت بقليل من الخوف.
- خير خير يا جماعه هاجيب المكنسه وسمر هتجهز العصير.
لم يبد علي الثلاثه انهم قد استمعوا لها ولكنها انطلقت بابنتها الي المطبخ علي ايه حال.
انزل مراد يده ببطئ وهو يتعجب من رده فعله تلك.
ايغار عليها ، هو لم يعرف سمر سوي من قليل علي حسب معلوماته.
بالطبع اي رجل سينزعج لقد تقدم للزواج منها علي ايه حال.
ما هذا الغباء الذي يعتريه يجب ان ينتبه لافعاله اكثر وان يمحي نظرته لسمر بانها طفله من رأسه فهي مقبله علي الزواج الان وليس من اي احد بل من ذلك الكائن الضخم الجالس امامه يقتله بعينيه.
بدأت سلوي وسمر في تجهيز العصير وكل حين والاخر تترك ما في يدها وتحتضن ابنتها.
سلوي بحب وتأنيب ضمير.
- انتي عارفه اني بحبك وعايزة مصلحتك عشان خاطري اسمعي الكلام وبعدين انتي مرفضتيش وانا حاسه انك موافقه لانك لو رافضه كنتي رفضتي من الاول.
هزت سمر رأسها دون كلام وعادت لتكمله ما بيدها.
فكيف تخبر امها بانها تخجل من ما حدث او كاد يحدث في مكتب هذا اللعين.
جلست سلوي معهم وهي تشير لمراد انها تريده.
وقف مراد ليتبعا واردف.
- نعم ؟
اردفت سلوي بصوت خافت حتي لا يسمعها مصطفي.
- عرفت تبعت الحاجه لعصام ... الفلوس كفت.
هز مراد رأسه.
- ايوة الحمدلله عرف يقعد في بانسيون بياخد فلوس مؤخر وقدرت ابعتله بشركه الشحن علي عنوانه. بس زعل اوي وزعق انكم بعتوا كل الدهب وقالي كنتوا انتو اولي وهتحتاجوها.
وانا والله لو معايا مبلغ كنت بعتهوله بس علاج امي مخليني مش بقدر احوشه.
هزت سلوي اكتافها واردفت.
- المهم صحتها ربنا هيكرمك و وسع و قولوا ميزعلش واننا مكفين نفسها علي الاقل احنا وسط اهلنا. لكن هو مع الغرب ظول ميعرفوش الكرم.
عادوا مرة اخري وسمر تقدم العصير بملامح واجمه ومصطفي يحاول السيطره علي غضبه من تجاهلها و بعد دقائق معدوده استأذن بلال ومصطفي و تبعهم مراد هو الاخر.
رواية عشق بلا رحمه الفصل التاسع 9 - بقلم دينا ابراهيم
زفر بلال وهو يخلع ملابسه وقال بحنق:
- أنت مش هتبطل الجنان ده بقا يا أخي! فضحتنا قدام الناس، هيقولوا إيه، هيجوزوا بنتهم لواحد مجنون!
رمى مصطفى بجسده على الفراش وقال بضيق:
- بلال، ممكن تخرس... أنت ما شفتش كان عايز يلمسها إزاي!
- يلمسها إيه يا ابني، ده كان بيهديها...
نظر له مصطفى نظرة قاتلة وقال بحدة:
- ولو ندي مكانها؟
ضيق بلال عينيه وقال بحدة:
- كنت قطعت إيديه...
ابتسم له مصطفى بلا مرح، فقد أثبت وجهه نظره، لكن بلال استكمل:
- بس بردوا ما يمنعش إنك أوفر مع البت، أنت شفتها من امتى؟ أسبوعين ولا شهر!
- مش فاكر، وسيبني بقا في حالي...
ابتسم له بلال ليتحول بلحظة من الضيق إلى السعادة، واردف بفرحة:
- بس تصدق يا ضنا، أنا مبسوط أوي إنك هتتجوز، أنت من كتر ما بتحلق للبنات كنت شاكك فيك...
أخذ مصطفى نفسًا عميقًا حتى لا يتهور على ابن عمه المخبول، والذي يلعب بعداد عمره وحياته.
- مش هسأل كنت شاكك في إيه عشان هات'عصبني وهقوم أخنقك!
ضحك بلال ورمى بجسده عكسه على الفراش، فدفع مصطفى بقدمه إلى الأرض ونظر له باشمئزاز:
- هو أنت مش ليك أوضة وبيت تحت، طالع تقرفني ليه؟
وضع بلال يده على صدره يصطنع الجرح وقال بمكر:
- بتطردني يا ديشة! وأنا اللي كنت بضحي وهستحملك عشان ننزل نقول لعمي، ولا أنت ناوي تكتب الكتاب وبعدين تقول!
زفر مصطفى بحنق وهو ينظر إلى السقف ثم اردف:
- نازل أقوله، ومعتقدش هيرفض...
تأمله بلال قليلاً ثم سأل بجدية:
- مش هتقوله على موضوع أبوها، صح؟
رفع حاجبه باستغراب وقال:
- وأقوله ليه؟ مش مشكلتهم دي، مشكلتي أنا وأنا اللي هتصرف فيها، بس أظبط حالي الأول...
تنهد بلال وقال بثقة:
- تظبط حالك يعني تتجوزها وتضمنها في إيدك، صح؟
لم يجيب مصطفى وهو يكشر وجهه بغضب من وضوحه وتعريته دائمًا أمام أخيه.
بعد مرور ساعة من الحوارات والمشاحنات بينهم، نزلا لتناول الطعام كالعادة مع العائلة، فمنذ وفاة والدة مصطفى، ضمتهم زوجة عمه تحت رعايتها، وأصرت على أن تأكل العائلة كلها من يدها، بالرغم من انتفاضات عمته لها دائمًا. وقد اتفق مع بلال وعزم النية على إخبار والده والجميع برغبته في الزواج من سمر.
جلس دياب يأكل ويتحدث مع عبد الله، بينما ظل بلال يشير له بحاجبيه للتحدث، إلا أن عمته زينب سبقته وهي تربت على ذراعه بحنان مصطنع.
- وأنت عامل إيه يا حبيبي؟ كنت مشغول في إيه؟ دي ندي طول الوقت بتسأل عليك وقلقانة خالص.
توقفت ندي عن الأكل وهي تنظر بخوف وتوتر إلى بلال، الذي قبض على معلقته وكادت أن تنحني.
نظر مصطفى بلا مشاعر إلى ندي ثم إلى عمته واردف بلا مبالاة:
- كنت في الشغل يا عمتي!
قالت بخبث له مغزى:
- والله يا ابني، أنت حلك إنك تتجوز بقا، لما يكون عندك بيت وواحدة مستنياك هنشوفك أكتر.
كانت ندي على وشك البكاء، وبدأت عيناها تترقرق بالدموع فعلاً، وهي تعلم أين تتجه والدتها بهذا الحديث.
نظف مصطفى حلقه ونظر بثقب إلى عمته زينب وقال بشبه ابتسامة:
- والله فيكي الخير وبتحسي بيا يا عمتي.
رفع دياب حاجبيه واردف بتساؤل:
- إيه، ناوي تفرحنا وتتجوز خلاص؟
تنحنح مصطفى قليلاً وهو يرد عليه بتأني:
- والله يا حاج، كنت على وشك أفتح الموضوع ده، بس عمتي سبقتني.
ظهرت أسارير الفرح على وجه عمته وهي تشعر باقتراب وقوع مصطفى في فخها.
فقالت بسرعة:
- وأنا عندي عروستك يا مصطفى.
نزلت دموع ندي بالفعل، وغادة تضغط على فخذها من تحت الطاولة تطمئنها.
كاد بلال أن يتحدث وهو يشعر بضياع ندي منه، إلا أن صوت مصطفى الحاد الخالي من المشاعر سبق الجميع.
- لا يا عمتي، العروسة عندي فعلاً، كتر خيرك!
نظرت له بصدمة وغضب واردفت:
- لا والله، ومين دي بقى؟
تحدث والده أيضًا بهدوء وفضول:
- عينك على حد معين من أهل الحارة ولا من برا؟
- احم، من برا ومن جوا يا حاج.
ضحك عمه عبد الله واردف:
- فزورة دي ولا إيه؟
ضحكت منال وقالت وهي تساند مصطفى:
- أفضلوا بقا هزروا ونسيب الموضوع المهم! الواد هيتجوز، وده يوم المنى يا أهل الدار، قول بسرعة يا ابني شوقتنا!
غادة بسعادة أردفت بمرح:
- المهم تبقي حلوة ونغشة كده وتصاحبني!
ليقاطعهم صوت دياب بقلة صبر:
- نسكت بقا عشان نعرف هي مين!
شعر مصطفى بقليل من الخجل وهو محاصر بين عائلته الصغيرة، خجل لم يراه ويفهمه سوي بلال، الذي ابتسم بالرغم من الإعصار بداخله.
سعل واردف سريعًا:
- ناس جداد يا حاج، لسه جايين من شهر كده، هي بنت ناس ومحترمة، وأبوها صاحب سلسلة مطاعم كبيرة، بس عنده ظروف ومسافر برا يعالج أوضاعه.
تعجب والده قليلاً واردف:
- هو ابن بلد يعني! أصل صاحب سلسلة مطاعم هيجي هنا ليه؟
تدخلت منال لتنقذ الوضع وتسهله على ابنها الثاني.
- يوووه يا حاج، ربنا جابهم هنا عشان ابننا يشوفها وتبقي من نصيبه، هنعترض على أمر الله.
رد عبد الله ضاحكًا على حماس زوجته وقال لأخيه:
- يا خويا نروح ونشوف الناس ومش هنغلب، مصطفى مش صغير وعارف يختار.
ليرد دياب سريعًا وهو يؤكد على كلامه:
- أيوه طبعًا، أنا واعد أمه قبل ما يتوفاها الرحمن إني أسيبه يختار اللي هيتجوزها، وهو عمره ما اتسرع، وأنا واثق فيه!
طغى شعور بالراحة على مصطفى وهو يشعر باقتراب هدفه، غير عابئ بغضب عمته واشتعال الغل بداخلها، غير مصدقة هذا التحول في خطتها.
تنفست ندي الصعداء وأوشكت على المباركة له، لولا نظرات والدتها المحذرة، ألا تنطق!
أخبر مصطفى والده بأنه قد أعطى فكرة لوالده سمر بقدومهم في الغد.
نظر له والده بشك واردف:
- وانت تعرفها بقي والبت موافقة وكده!
عرف مصطفى أنه سؤال فخ من والده، فتظاهر بالهدوء التام وهو يجيب، ونظره على دياب وهو ترتسم الجدية.
- لا والله يا والدي، أنا شفتها طالعة بيتهم كام مرة، والصراحة حسيت إنها مؤدبة ومحترمة وشكلها حلو، وأنا كنت بفكر أتجوز، وكده يعني!
- امممم، ماشي إن شاء الله، بكرة هنروح كلنا نشوفها، وربنا يقدم اللي فيه الخير.
وبدون مقدمات، أطلقت منال زغرودة عالية في وسط حنق زينب وانزعاجها.
ضحك بلال:
- إيه يا أمي، بيقولك بكرة هنشوف.
لوت شفتيها وكأنها تتعجب من سؤاله، ولكن الإجابة كانت من غادة:
- يابني، ده فال حلو، عشان الموضوع يتم على خير.
نزل مصطفى مع والده وغادة هذا اليوم، ولم يصعد إلى موطنه في السطح، فهو يريد لعب دور الابن الصالح وألا يفسد الأمر لآخر وقت.
بينما صعدت عمته الغاضبة ومعه ندي، التي تشعر براحة لأول مرة منذ شهور، إلا أن هذا الشعور لن يدوم كثيرًا!
في الصباح الباكر، توجه مصطفى إلى بيت سمر، التي كانت في غيبوبة نوم منذ أن تركها بالأمس.
استقبلته سلوي وأخبرها بأنهم قادمون بعد صلاة المغرب، وعرضت عليه تناول الإفطار معهم، وبعد إلحاح ليس كثير، وافق على أمل أن يراها قبل أن يبدأ يومه.
- احم... أمال سمر فين؟
ابتسمت له سلوي وأجابت:
- نايمة يا حبيبي.
نادت سلوي على سمر لتوقظها وهي تتجه إلى المطبخ.
استيقظت سمر على صوت والدتها.
مطت ذراعيها كالاطفال وهي تتثاءب وشعرها مشعث قليلاً ويخرج من الضفيرة التي اعتادت على النوم بها منذ الصغر.
ارتدت خفها الصغير مرتدية فستان بيتي قصير يصل بالكاد إلى ركبتيها وعليه رسمة تويتي، شخصيتها الكرتونية المفضلة لديها.
فتحت باب غرفتها وهي تتذمر من والدتها التي توقظها من أجمل أحلامها، فقد كانت على وشك صفع ذلك المتشرد!
كانت تفرك عينيها عندما وقع نظرها على من أقلق أحلامها وهو يجلس بارتياح على أريكتهم وكأنه يمتلك المكان!
سمر بصدمة وغضب:
- أنت بتعمل إيه هنا؟
وقف مصطفى وهو يبلل شفتيه وينظر لها من أسفل إلى أعلى، يتفحص هيئتها التي ستفقد عقله، من ذا الذي يسلب عقله بسبب فتاة ترتدي تويتي وخف!
نظر لها بغضب ولم يأبه لسؤالها.
فأردف غضب مكتوم:
- إيه ده! أنت نسيتي تلبسي بنطلون؟
احمرت وجنتاها وقالت بحدة:
- ده dress يا vulgar! وياريت ما تدخلش، بلاش قلة أدب!
رفع حاجبه المقطوع متعجباً من لسانها السليط، ولكنه متأكد بأنها تظنه جاهلاً لا يفهمها، فقال بتحذير:
- اتلمي واتعلمي تتكلمي مع جوزك إزاي، هششششش!
وضع إصبعه على فمه عندما فتحت فمها لتقاطع حديثه واستكمل بهدوء ينذر بالشر!
- اسمعيني كويس، النهاردة بليل أنا وعيلتي هنيجي، ياريت ننسى اللبس ده ونتأدب شوية ونلبس محترم، خلي الليلة تعدي على خير!
فتحت ثغرها على أخره غير مصدقة ما يخرج من فم ذلك المتعجرف!
فهاجمته بصوت عالٍ نسبياً!
- أنت إزززاي تتجرأ؟ أنا لبسي محترم غصب عنك! وبعدين أنا بقى مش عايزة الليلة تعدي!
اقترب منها خطوة بغضب وهو يلوح بإصبعه في وجهها.
- صوتك ما يعلاش! وهتلبسي اللي هقول عليه بعد كده.
اتسعت عيناها خوفاً وقلقاً من تقدمه، فرجعت خطوتين بتوتر وهي تمسك بجانبي فستانها القطني لتقول بتوتر:
- بس ده ما يمنعش إني ممكن أفكر في موضوع اللبس ده! بس مش هغيره عشان خاطرك بردو!
قالت باقي جملتها عندما ظهر الهدوء على ملامح مصطفى وسار ليجلس على مقعده.
كادت ضحكة أن تفلت من بين أسنانه، هذه المجنونة ستكون من ينهي حياته، فمنذ 30 ثانية كانت ترتجف منه، وما أن أعطاها ظهره حتى عادت لتمردها الذي يعشقه!
خرجت سلوي بطبقين عندما رأت سمر وقد استيقظت.
- أنت صحيتي! تعالي ساعديني طيب!
أبعدت نظرها عن مصطفى وذهبت لمساعدة والدتها.
كان الإفطار ثقيلاً بالنسبة لها تماماً كنظراته، والتي تشعرها بأن قطاراً قد دهس على جسدها الهش.
أما مصطفى، فقد كان يحارب نفسه في أن يبقى مكانه وأن لا يخطفها ويختفي بها بعيداً عن الجميع لتصبح ملكه.
مصطفى لنفسه: هاانت، اهدي أنت بس، متخليهاش تحس إنك مدلوق عليها!
بعد الإفطار، استأذن وذهب لإتمام بعض الأعمال.
وفي المساء، توجهت العائلة كلها إلى بيت سمر، وقد غلب عليهم شعور بالسعادة واستبشروا خيراً، ما عدا عمته، والتي كانت تفكر في كل الطرق التي ستنسيه تلك الفتاة أو تشهر بعدم ملائمتها للزواج منه.
سلوي بترحاب وابتسامة:
- أهلاً وسهلاً بيكم، اتفضلوا ارتاحوا.
نظرت لها زينب وأنفها لأعلى ورمت السلام من تحت أسنانها، متجه لتجلس بعجرفة، بينما أخذتها منال بالأحضان وتبادلوا الكلام الجميل السمح.
كان مصطفى كلوح من الجليد، لا يتحرك أو يرف بعينه، محاولاً إخفاء قلقه وتوتره من ما سوف تقدم عليه تلك الجنية الصغيرة!
رواية عشق بلا رحمه الفصل العاشر 10 - بقلم دينا ابراهيم
سلوي بحب: أهلاً بيكم والله اتشرفت بمعرفتكم جدا.
ردت منال سريعا: الشرف لينا يا قلبي. ربنا يكرمك والله أنا قلبي اتفتحلكم من أول ما شفت وشك الحلو ده! أومال فين العروسة؟
لويت زينب شفتيها غير راضية عن ما يحدث ولهفة منال.
نظر دياب إلى عبد الله وهز رأسه على زوجة أخيه العفوية الطاغية بحضورها كالعادة.
ابتسمت سلوي وهي تتجه نحو باب غرفة سمر لتدقه برقة.
- يلا يا سمر الناس مستنية.. اطلعي متكسفيش.
نظرت لهم سلوي وابتسمت تعتذر عن خجل ابنتها.
كان وجه سمر بالداخل كالجمرة المشتعلة، فركت بيدها على الفستان البسيط التي اختارته هي ووالدتها.
أخذت نفس عميق وفتحت باب الغرفة لتقابل الجميع.
توقف قلبه للحظة عندما رآها تقترب وتبخرت جميع مخاوفه وهو يراها تتهاوى بفستان رقيق وبسيط بلون سماوي منطفئ بخطوط رمادية صغيرة طولاً وعرضاً من نفس النسيج يصل لبعد ركبتيها في رقي وقماشه يداري ثلث ذراعها.
تابعها بعينيه وهي تصافح الجميع ويرى القبول على وجه والده المرتسم بابتسامة صغيرة.
وما إن تخطته حتى اتسعت هذه الابتسامة بحاجب مرفوع تجاه مصطفى.
وكأنه يهنئه على اختيار هذا الجمال الخلاب.
أما زينب فقد احمر وجهها بغضب عندما رأت جمالها، فصافحتها بلا مبالاة وجفاء على عكس غادة وندي المنبهرتان بجمالها وابتسامتهم من أول وجههم لآخره.
كانت منال أول من تحدث فيهم.
- بسم الله ما شاء الله زي القمر. ربنا يحميها ليكي يا سلوي يا أختي. تعالي يا بيضة اقعدي جنبي هنا.
نظر بلال إلى مصطفى وهو يخفي ابتسامته بيده وكأنه يخبره بأن الفأر قد وقع في المصيدة.
بسرعة تدخلت غادة بسؤالها.
- أنتي عندك كام سنة يا قمر؟ ولسه بتدرسي؟
نظرت لها سمر بابتسامة وهي تشعر بأنها ستحب هاتين الفتاتين.
- أنا عندي 20 سنة وبدرس في كلية تجارة إنجليش في سنة تالتة.
ردت منال ونظرت بفخر إلى دياب وكأنها تتحدّاه أن يرفض.
- بسم الله ما شاء الله جمال وعقل وأدب.
مصمصة زينب ونظرت للجهة الأخرى إلا أن حركتها تلك لم تخف عن سمر التي توجهت بنظرها لأول مرة منذ دخلت نحو مصطفى الذي أشار لها بعينيه وحاجبه بأن تتجاهلها.
فنظرت بعيداً نحو منال مرة أخرى.
انغمست بينهم وهي ترضي تساؤلاتهم وحماسهم الشديد وأحبت الجميع بصدق ما عدا عمتها زينب كما أخبرتها غادة في عرضها للعائلة بالاسم والسن والدراسة وحتى العمل.
أحبت تلك المجنونة الرقيقة والمتحمسة ولا تصدق أنها أخت لمثل ذلك الكائن المخيف.
وبعد تقديم الحلويات والمقبلات وظهور أم عزت التي أخذت تشيد بأهل سلوي وأنهم أهل كرم، ثم انتقلت بدورها تشيد باسم دياب العرابي وعائلتهم وكم كانت والدة مصطفى المرحومة حنونة على الجميع، وصل مراد والذي تأخر بسبب والدته التي مرضت قليلاً ولم يستطع تركها حتى اطمئن عليها.
مراد بأسف وحزن: أنا آسف اتأخرت يا مدام سلوي سامحيني.
ردت سلوي بأدب وصدق: عارفة يا بني ولا يهمك المهم الحاجة بقت أحسن.
- آه الحمد لله.
دلف مراد يرحب بالجميع بعد أن أخبرتهم سلوي بأنه بمثابة ولدها وقريبهم الوحيد بعد والد سمر.
جلس وسط الرجال ولم يلاحظ غادة التي تسمرت عيناها عليه بذهول من ذلك الرجل الوسيم صاحب العيون الرمادية التي لم تر شبيه له في حياتها سوى في التلفاز.
نكزتها ندي حتى لا يراها أهلها فرمشت وهي تحاول استيعاب ما يحدث حولها.
احمرت وجنتها عندما تحدثت والدتها، فنظر مراد نحوهم والتقطت عيناهما لثوانٍ قبل أن تحمر خجلاً وتنظر إلى ندي بتوتر وهي تشعر بصدرها يعلو ويهبط من شدة الاضطراب.
مالت عليها ندي وقالت بتحذير:
- إيه يا بت ما تنشفي كده!
ابتسمت غادة لـ عمتها المراقبة لهم وهي تميل بدورها على ندي لتخبرها:
- أيوه شفتي عينيه! الناس دي بتاكل إيه؟
نظرت له ندي تتفحصه ولكنها التقطت بلال الذي قبض حاجبيه بغضب وصك على أسنانه عندما رآها تتفحص ذلك المدعو مراد وأمسك نفسه قبل أن يذهب إلى هناك ويصفعها.
شهقت بصمت بجوار غادة وعضت على شفتيها وأردفت بسرعة:
- الله يحرقك هتوديني في داهية بلال شافني! هيقول إيه دلوقتي؟
كانت غادة تحاول كبت ضحكاتها وهي تنظر إلى ندي المتوترة وتردف:
- أحسن عشان متبصيش على حاجة حد وهو مش هيقول يا أختي ده هينفخك!
نظرت لها ندي بغضب وأردفت بغيظ:
- والله على أساس إنه بتاعك؛ أنا غلطانة أصلاً إني بتفرج عليه عشانك!
وضعت يدها على يد ندي بابتسامة وأردفت بضحك وحب:
- حبي بقي انتي، أنا عارفة يا بت وبضحك معاكي. متزعليش بقا وبعدين لو على بلال انتي متعودة على كده، ضرب الحبيب زي أكل الزبيب!
- احمممم احممممم.
تسمرت كلتاهما واتسعت أعينهما عند سماع صوت سمر الآتي من فوق رؤوسهم فقد نسوا أنها تجلس في المنتصف بينهم وأنهم يتخذون من ساقها مقرًا لأحاديثهم المخزية.
رفعت سمر حاجبيها وهي مبتسمة في وجوههم الشاحبة فمالت عليهم وأردفت بهدوء:
- بياكل عادي على فكرة بس بيحب كيك البرتقال أوي سوسو أكل فيها، كل ما مامتي تعملها ميقدرش يمشي قبل ما ياكلها كلها.
ضحكت ندي ولم تسيطر على نفسها، غير آبهة بنظرات والدتها وبلال المحذرة وتبعتها غادة وسمر منفجرتين ضحكاً.
ضحكت سلوي ومنال على أثر ضحكاتهم، بينما أخذ مراد يتلصص ويحاول تصوير ملامح تلك الصغيرة الرقيقة على يمين سمر والتي تضحك ويدها على فمها الصغير وعينيها بها سعادة حقيقية غير مصطنعة.
ظن مصطفى أن مراد ينظر إلى سمر وأخذ يعد أنفاسه حتى لا يقتله أمام والده وعمه.
بينما ظن بلال أن تلك الضحكة البلهاء موجهة لندي وأخذ يشد على قبضتيه ويتركها عدة مرات متخيلًا عنق ذلك الحقير بينهم.
شعر والد بلال باشتعال أولادهم وتشاحن الجو فقرر التدخل.
فتحنح وهو يقول:
- وانت بتشتغل إيه يا أستاذ مراد؟
نظر له مراد الحائر قليلاً ثم أجاب بمودة:
- بشتغل مدير سلسلة مطاعم بتاعت أبو سمر وبتدرب في مكتب محاماة.
- تمام تمام.
سأل دياب عن موقف والدها:
- طيب وأبوها هناخد موافقته إزاي؟
تلجلجت سلوي قليلاً.
- هو عارف وموافق طالما أنا موافقة. هو كان نفسه يرجع بس معلش نصيب!
هز رأسه وهو يقلب الاحتمالات في عقله ويستشعر كذبها ولكنه لن يتحدث حتى يختلي بمصطفى ليفهم أكثر.
هنا تدخل مصطفى سريعاً وهو يعلن أنهم سيعقدون قرانهم في آخر يوم من أسبوعهم ذلك.
ضحك عبد الله على تعجله وهز دياب رأسه لسرعة ابنه الذي يشاهده للمرة الأولى في حياته وتأكد أن تلك الفتاة خطفت قلبه بالفعل.
تم الاتفاق على عقد قرانهم هذا الأسبوع والزفاف يتم عند عودة أبيها من السفر.
بالرغم من انزعاج مصطفى الذي يريدها ملكه في أقرب وقت ولكنه وعد نفسه بأن يجعل على عاتقه أمر تبرئة والدها وإعادته إلى أحضان زوجته وابنته.
قطع تفكيره صوت والده الناهي.
- أنا شايف كفاية كده بقا نروح ونسيب الناس ترتاح ولا إيه يا مصطفى؟
هز مصطفى رأسه بالموافقة وأردف بصوته الأجش للفتيات:
- يلا هنروح.
وقفت منال تخبره وكأنها صاحبة الدار:
- معلش يا مصطفى أنت اللي جاي تخطب واحنا اللي سرقنا العروسة، بس إحنا ممكن نروح لو تحب وتفضل معاهم ربع ساعة تتكلم مع عروستك شوية.
أراد مصطفى تقبيلها وداخله يصييييح (ايييييييه عظمه على عظمه يا ست)!! ولكنه يعلم برفض والده مسبقاً لذلك أردف بدهاء وسرعة:
- لا مفيش داعي بس أنا كنت اقعد مع مراد شوية عشان نتفق على شوية حاجات قبل ما يمشي.
هز عبد الله رأسه بالموافقة.
- خليك أنت معاهم يلا يا جماعة.
انتصب والده بكامل هيبته وهو يشير برأسه بالموافقة.
نزل الجميع ما عدا مصطفى، جلس بجوار سمر على الأريكة التي لا تتحمل أكثر من فرد قبل أن يجلس مراد.
مما دفع سمر لضم ساقيها أكثر بتوتر وخجل فقد التهم بجسده الضخم أكثر من نصف الأريكة وكلما حرك ساقه يتلامسان.
مصطفى بحيرة وتساؤل:
- بس أنا عايز أفهم بردو. هو عمل كده إزاي وضحك على أبو سمر؟
أردف مراد بحنق:
- الثقة الزيادة للأسف ده صديق عمره.
- امممممم يعني انت شايف إيه الحل مفيش مفر أو دليل.
- والله أنا قاعد وسطهم بحاول أجمع أي دليل بس الحكاية كده شكلها كبيرة أووووي فوق ما نتصور.
- بتقول كده ليه؟
- أصل البت الحرباية اللي معاه دي سمعتها بتتكلم في التليفون عن حتة تايهة وواضح أن الحتة دي آثار، فلو فعلاً فيه آثار في الموضوع يبقى فيه حاجة خطيرة أنا مش عارف أوصلها.
فرك مصطفى ذقنه وهو يفكر وسأل مراد:
- واسمه إيه الراجل ده.
- سعد الراوي، بس راجل سم وحويط، سايبني بس عشان كل العمالة تحت إيدي بس متأكد أنه مراقبني.
- ماشي بعد كتب الكتاب هنشوف حل للموضوع ده ومش لازم نتهاون أنا عندي فكرة كده.
قاطعته سمر المستمعة بتأنٍ لحديثهم:
- إحنا مش بنتهاون بس الحمل كله على مراد زي ما انت شايف أنا محبوسة هنا.
رد مراد بتهديد:
- انتي تاني يا بتاعت الحمل!
رمقه بغيظ ثم وجه عينيه نحوها وهي تبتسم لمراد بمودة.
فردف بشيء من القسوة:
- المهم تسمعي الكلام وتقعدي في البيت.
عقدت ذراعيها وتناست خجلها وقالت بحده:
- انزل ولا لا أنا حرة.
- لا مش حرة.
تدخلت سلوي القادمة بطبق من الفاكهة:
- إيه يا ولاد في إيه براحة شوية. وانتِ اتعدلي يا سمر.
- أوووف أنا بردو يا ماما مش هو اللي بيتحكم فيا.
- حقه يا ماما ده هيبقا جوزك خلاص.
ابتسم لها بانتصار ورفع حاجبه بتحدي ثم وجه حديثه إلى مراد:
- الدنيا اتأخرت، أنا شايف يلا بينا وهديك رقمي عشان نتواصل.
- أيوه فعلاً. يلا بينا.
- عن إذنك يا حجة. باي يا سمورة.
لاحظت ملامح الضيق على وجه مصطفى.
فأردفت بدفء زائد وابتسامة مشرقة:
- بااااااي متتأخرش عليا أقصد علينا كتير بقا.
ابتسم لها مراد وقال بحسن نية:
- لا متخافيش وهبقى أكلمكم كل يوم.
نظر لها مصطفى بحدة وهو يرى عبوسها يعود وهي تحيه قبل ذهابه، تحية لا تليق بعريس وعروسة طبيعيين ولكن لا يهم فمن أين لهم بالطبيعية.
هو سيعلمها كيف تحبه وتتعامل معه غصبًا عن أنفها الحاد الرسم والرائع.
أوصلتهم إلى الخارج ولكن مصطفى باغتتها عندما سحب الهاتف من يدها ورن على هاتفه منه وقال بلا مبالاة ووسط ذهولها:
- هكلمك النهارده.
ابتسم لهم مراد ونزل أمام مصطفى وهو يفكر في غادة التي خطفت تفكيره.
أراد سؤال مصطفى عنها ولكنه قلق منه وقرر محادثة سمر أولاً.
مراد لنفسه:
- أنا هعرف بس هي مين مش هتجوزها يعني.
بعد أن أنهت مهامها مع والدتها توجهت للنوم.
تدثرت في فراشها تستعد لنوم هادئ يعيد لها رونقها عندما رن هاتفها بذلك الرقم الغريب.
لديها فكرة عن صاحبه.
أخذت نفس عميق وردت عليه ببرود مصطنع.
- الألو؟
جاءه صوته القاسي المخملي:
- الو أنتِ كنتي نايمة؟
- لا كنت هنام.
- امممممم.
- ليه؟
- ليه؟ يعني إيه ليه كنت هنام عادي يعني.
زفر مصطفى بضيق وقال:
- بس أنا قلتلك استني مكالمة مني.
ردت سمر بحدة:
- لا والله وأنا المفروض كنت استنى للصبح عشان استنى مكالمة الباشا.
رد بصوت قوي كالثلج:
- وتستني لتاني يوم كمان! انتي واضح مش عارفة نفسك بتتعملي مع مين. فوقي شوية وبلاش هبل العيال ده. أنا صبري قليل.
سمر بصوت مختنق منه وهي تحارب دموعها من السقوط:
- أنا غلطانة أصلاً إني رديت عليك من الأول، مع السلامة.
جاءها صوته كالرعد لتتجمد يدها قبل أن تضغط الزر.
- اعمليها كده واقفلي وشوفي بعد 5 ثواني هعمل فيكي إيه.
زفرت بحنق وقالت بشيء من الخوف فلديها شعور قوي بأنه لا يرمي كلماته في الهواء.
- نعم، ممكن أفهم متصل بيا ليه.
- فيه واحدة تكلم جوزها كده. احترميني شوية.
قالت بنفاذ صبر:
- مش لما تحترم الست اللي هتبقى مراتك.
ابتسم لنفسه فبرغم عنادها هي تعلم جيدًا مكانتها كامرأته.
يتبع