تحميل رواية «عودة الذئاب» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان يقف محني الرأس والشيب نال من شعره الكثير، بل لم يعد في شعره إلا ما يدل على الكبر والوهن. ينظر إلى الأفق ويتحسر على حاله وما وصل إليه من أفعاله وقسوته. فالقسوة لا تنبت إلا القسوة. يعود بالزمان إلى يوم حلّت عليه مصائب من صنع سواد قلوبهم. يوم أغبر من يد غبراء لا تعرف الرحمة، أبٌ وابنٌ جاحد، كانا سببًا في تعاسته وتعاسة الحبيب الذي غاب ولا يعرف عنه شيئًا. رفع رأسه للسماء وعيونه تلمع بدموع الندم والحسرة. يتنهد بتنهيدة تشق صدره تخرج ما في جوفه من وجع. أي ألم يشعر به. ركن رأسه على جدار الشرفة وسرح ف...
رواية عودة الذئاب الفصل الأول 1 - بقلم ميفو السلطان
كان يقف محني الرأس والشيب نال من شعره الكثير، بل لم يعد في شعره إلا ما يدل على الكبر والوهن. ينظر إلى الأفق ويتحسر على حاله وما وصل إليه من أفعاله وقسوته. فالقسوة لا تنبت إلا القسوة. يعود بالزمان إلى يوم حلّت عليه مصائب من صنع سواد قلوبهم. يوم أغبر من يد غبراء لا تعرف الرحمة، أبٌ وابنٌ جاحد، كانا سببًا في تعاسته وتعاسة الحبيب الذي غاب ولا يعرف عنه شيئًا.
رفع رأسه للسماء وعيونه تلمع بدموع الندم والحسرة. يتنهد بتنهيدة تشق صدره تخرج ما في جوفه من وجع. أي ألم يشعر به. ركن رأسه على جدار الشرفة وسرح في ملكوت الرحمن.
"يا ترى أنت فين يا ولدي، عايش ولا ميت؟ يا ترى حالك كيفه؟ أتوحشتك جوي يا نن عين أبوك. أكده يا ولدي عمر هملني؟ طب عاود وأنا أحب على يدك، حجك عليّ، كنت معمي بجسوتي وعيالي الصعرانة. يا رب، نتشة قلبي كأنها لساتها طرية تنغز جواتي، ولا كأن عمر عدي عليّ."
ترنح ومسك في باب الشرفة. همس: "الحيل راح يا ولدي بغيابك."
دخل عليه خادمه الأمين، رفيق عمره، مأمون، ليهتف: "كيفك يا أخوي، عامل إيه اليوم؟ لعلك بخير."
ليستدير ينظر إليه بقهر: "خير؟ وهياجي منين الخير يا مأمون؟ إني مايجيش من ورايا خير واصل."
تنهد مأمون: "ما تبطل بقى يا عمران، هيا غنّوة. صحتك راحت، هتجعد عمرك كُلاته تنح فيه. إيه؟ أهو حصل اللي حصل وخلصنا."
نظر إليه بقهر: "لاه، ما خلصناش. إني عايش في وحل من سنين، واستحج الوحل ده يا أخوي. إني عايش كيف الكلب، ما حد حتى بيخط عتبة مجعدي من ساعة ما هملت كل حالي لجابر وسلطان ومن بعده ولاده. وإني اترميت كيف الكلب، ماليش حد، ما فيش إلا أسمر هو اللي بيطل عليّ. وولدي، ولا كني هنا، خلاص خد حالي ومالي ورماني كيف الكلب. جابر الجاحد وجبله سلطان اللي الجسوة مكلبشّة قلوبهم."
ربت عليه مأمون: "مانت السبب يا عمران، حد يسيب حاله وماله أكده."
صرخ: "ما كنتش أعرف إنهم جاحدين أكده. جعدوا يحاربوا ويزنوا هما وأمهم على اليتيم الغلبان اللي ماشافش فرح وراح وخلع قلبي. إحن ولادي عامر اللي جهرته ومشّيته محصور. عيلي التعبان اللي مارحمتهوش، إني استحج كل ده. فيها إيه؟ عيل وحب، فيها إيه؟ يتعمل فيه أكده ليه؟ ليه؟"
ليدخل عليه ابنه جابر ويسمع كلامه، يتصاعد غضبه وأبرز القسوة من عينيه: "ليه عشان حب غازية يا أبوي؟ بتجول فيها إيه؟ ده كان لازم ينجتل. خرج عن طوعنا وفلت عياره وجاب لينا العار. عامر اتجوز غازية! فضيحة النج كُلاته، عايز نعمل إيه؟ نحض الغازية ونعملها مجعد ترقص فيه براحتها."
صرخ عمران: "غازية وتابت يا ولدي، وعاشت مع أخوك على الحلوة والمرة، إيه اللي حصل؟ ربنا بيرحم، أنت إيه جاحد ليه؟ عشان أكده ما عايزش ولدي يعاود."
صرخ جابر: "يعاود؟ كنك عجلك اتلحس يا أبوي. طب يعملها أكده؟ ومين اللي تتوب؟ شمس الغازية تتوب اللي سيرتها على كل لسان."
هتف عمران: "بس أخوك صانها يا ولدي، وربنا بيغفر."
قال جابر بغضب: "بطل يا أبوي، أنت كل أما أفكر أدخل مجعدك تحرمني أدخل هنا. ماهو سرج دهبات أمي عشانها واتفضح، إيه السرجة كمان عادي عندك؟ حرامي ومتجوز غازية، دا مرار. اجعد يا أبوي، صلي واذكر ربنا، مالكش صالح بحاجة." ليتركه ويخرج ويرزع الباب بقسوة.
ليسقط عمران.
"شفت شفت اللي عملته؟ بيتردلي. بيجولي اجعد يعني لا تنطق ولا تتنفس، كيف ما عملت في ولدي. كيف ما جهرت عامر ولدي. أقول إيه؟ كان هو اللي بيحن عليّ من ساعة ما أمه ماتت، وهو بقى روحي. بس إني كنت ساعتها معمي، واللي عمله كان واعر جوي، يتجوز غازية؟ عامر ابني يتجوز غازية؟ يا مأمون، وإني كنت منساج، ماليش شخصية قدام ولادي. واتهموه في السرقة ساعتها واتلبسته، وما قدرت أنطق. كنت خسيس وضعيف، وسلطان وجابر وأمهم كانوا مصاعير. داني كنت بخاف منهم من جسوتهم. يا حسرة قلبي وسواد أيامي، ربنا بيردلي جحودي في دنيتي. الحنية راحت من حياتي كلها."
قال مأمون بحزن: "ما تروح شركاتك، حد هيجولك حاجة."
نظر إليه بحسرة: "..هيجولي.. اسكت. آخر مرة جابر وجفلي وزع فيا جدام الخلج، ولولا أسمر وجف له كانت هتبقى فضيحة. الواد كان هيموت عمه عشاني وتنجلب نصيبه."
جلس: "إني خلاص بعد أيامي. بس نفسي، نفسي أشوف ولدي، ماعرف له طريق، عايش ولا ميت. من ساعة ما طردته آخر مرة، كان جاي ياخد فلوس لمرته العيانة وعياله. بس إني جاحد، شفته بيبكي كيف النسوان."
نزلت دمعة من عينه. نظر أمامه وسهم لا قائلاً: "عيون ولدي ما بتروح واصل، وجهرته ما بتتنساش."
سهم وعاد بالزمن سنين للخلف.
ليتذكر يوم أن أتاه عامر، كان معه طفل في الثالثة عشر وطفلته ذات الثامنة. بعد أن طرده شر طردة، متهماً إياه بالسرقة وفضيحتة من أولاده وزوجته. ليدخل عليه ويهتف: "كيفك يا أبوي."
نظر إليه أبيه بغضب: "..كيفي مالوش زي يابن زينب، جاي ليه."
تنهد عامر وقال بلين مستسمحًا أبيه. اقترب يقبل يده، فشدها عمران بقسوة. فقال عامر: "جاي يابوي أتحايلك ونعاود حبايب، إني ما عملتش حاجة حرام يا أبوي."
صرخ الجد: "ما عملتش! أما تتجوز غازية، ما عملتش، وتسرق؟ ما عملتش!"
قال عامر بوجع: "..والله يا أبوي ماسرقتش، ولا مديت يدي. والله دول ظالمة يا أبوي، ليه تصدق فيا؟ هسرق ليه؟ إني عيني مليانة. إني تربيتك يا أبوي، دانت روحي. ليه بس عملت إيه؟ أذنبت؟ دا حتى ثواب يا أبوي، حبيت مرة وصنتها وعايشة معايا بالحلال، ما بتنطق. كلت شبعت، ما بتنطق، وهيا اللي كانت متمرمغة في الدهبات. والتوبة يا أبوي، بيقبلها رب العباد، ليه تقف أنت وتجول لأه."
ليسمع جابر كلام أخيه، دخل وأخرج شر قلبه: "توبة؟ توبة إيه يابو توبة؟ أنت مخبول ياض، واحدة مكشوفة غازية، جاي تجول توبة؟ توبة بترتر وصجات يابن زين."
صرخ عامر: "مرتي مش غازية يا جابر، واحفظ كلامك."
انفعل جابر ويقترب بعنف، يمسكه من جلابه: "هو مين اللي يخرج الرجالة اللي يحفظ كلامه؟ جاي ليه يابن زينب، بعد ما لبست عار، ماتغور. بعد ما سرقت دهبات أمي."
صرخ عامر: "أنت عارف إنك كذاب وخططت كل ده أنت وأمك وأخوك. أنت ظالم وعارف كويس إني ماسرقتش. وجاي لأبوي، أنت مالك أنت."
دفعه جابر: "يلا غور، مالكش أبوهات هنا، وغور في داهية تاخدك."
نظر عامر إلى والده بوجع: "..يا أبوي، مرتي عيانة وعيالي هيتيموا. إني ما عدتش قادر، وأنت عارف إني عيان يا أبوي. إني لحمك برضك، ربنا بيرحم. ارحم ضعفي، مرتي بتموت في الدار، بالله عليك سامح. إني محتاجك جوي."
قال جابر بسخرية: "إيه؟ مسرحاك تجبلها فلوس؟ انزل خليها ترقص، تهز وسطها تجبلك قرشين."
صرخ عامر: "أنت إيه؟ مابتشبعش شر منجوع فيه، مالك أنت بمرتي؟ منك لله، كت ربنا يا خي. إني جاي لأبوي، يا أبوي، إني جاي حدك، ماتهملنيش، إني في كرب." اقترب منه.
فوقف له جابر متصدياً له، دفعه من صدره بقسوة والشرر يتطاير من عينيه.
"..أه ندخلك هنا، هتسرق إيه تاني؟ وإلا هتخلي مرتك ترقص لنا واحنا ننجطها؟ هاتها في الساحة، هنحدف لها جريشينات. ابقي طبل كويس يابن زينب."
صرخ عامر: "إني غلطت، إني جيت. أنتو مش بني آدمين. حسبي الله فيكو. إني بحمد ربنا إني بعدت عنكو، ناس ماتعرف ربنا، إيه غل قلوبكم ده؟ ما فيش رحمة يا كفرة. بجولكم مرتي هتموت، حسبي الله فيكو. دانتو متعبين حجارة وحزن." ليقترب جابر ويصفعه على وجهه ويدفعه ليقع.
صرخت الطفلة، وهب الولد إلى أبيه ونزل يمسكه.
رق قلب عمران، فهتف بوجع: "… جابر بطل."
كان عامر متكوم على الأرض متهالك، صحته منتهية، مريض بقلبه. والطفلة تمسك كتفيه تحتضنه، وابنه محني يحاول أن يسنده.
فضحك جابر: "خد الواغش بتوعك وغور، وآخر مرة تعتب هنا. لا دي دارك ولا إحنا أهلك يا بتاع الرقاصة. خد العيال دي، لا إحنا أهلهم ولا هما ولادنا، ولاد الرقاصة مالهمش نسب عندنا. ابقي سرحهم وخلي مرتك تعلم ابنك الطبلة واخته تكمل رقص، هنبقى نجيبهم في أفراحنا. ترقص لنا يا جوز الغازية وولادها."
هنا كان الابن محني الرأس وبداخله جحيم مشتعل، كان يسمع ويعي والكلام كان صال سهام تشق قلبه. تصاعد غله عندما رأى أبيه في تلك الحالة وكلام عمه ينهش صدره.
ليهب مرة واحدة ويقف الطفل بشموخ. اقترب من عمه ومسك أحد الفازات ورزعها في رأسه، لينزف رأسه وتسيل الدماء منها.
انذهل الكل، وبها الجد. إلا أن الطفل لم يعد طفلاً، شاخ في ساعة زمن. شاخ من القسوة والجود. وقف كالمارد يقول بقوة: "… جاي ليه يا أبوي، جاي لدول؟ مين دول اللي يجولوا ويتحكموا؟ ها؟ جاي ليه تسمعنا حديثهم العفش؟ إيه الحرف ده؟ دا لو هنشحت أناخدش منهم لقمة. دول لحمتهم حنضل متعاصة ذل وإهانة. دول أهل؟ دول عار! إني جرفان يمين الله."
اشتعل جابر واقترب بغل: "بقى أكده يا ابن عامر تضرب عمك؟" ليستدير مسرعًا ويحضر الكرباج ويندفع يضرب الطفل.
صرخ عامر وحاول أن يقوم ينقذ ابنه، ليمسكه الغفر ويبدأ جابر في ضرب الطفل بقوة. ولكن سبحان من أعطى القوة في جسد ذلك الشبل. سبحان من أوقفه شامخًا لا يبالي. فتحول الطفل إلى صنم لا ينطق ولا يصرخ. يجلده عمه وكأنه لا يفعل شيئًا. كان العجيب أن ظهر الطفل أصابه الدماء، ولكن قلبه قد من حجر.
وعلى الجانب الآخر، لم يتحمل عمران وظل يصرخ بابنه أن يكف، بلا فائدة. فالغفر يقفون لجابر كأنه هو سيد البيت.
مشهد مريع. أب متهالك يرى ابنه يضرب بقسوة من عم فاجر، راحت الرحمة من قلبه. وطفله تقف تبكي بقهر، لا تفهم لماذا يحدث ذلك. ولكنها لم تتحمل على أخيها، لتندفع الطفلة تحاوط أخيها لتأخذ سوطًا عليها. فصرخت وكلبشت في أخيها، لينزعها جابر من ملابسها لتتقطع ويدفعها العم تقع على الأرض.
هبت الطفلة لا تفهم لماذا يفعلون بهم هذا. استدارت تجري للخارج. تخرج الطفلة مرتعبه مشعثه، تبحث عن أحد ينجد أخيها. كانت صغيرة ولا تفهم من هؤلاء، لتصدم في أحد الأطفال كان في سن أخيها أو أكبر.
اندفعت ومسكته من جلابه بعنف، فتمزق جانب الجلباب. "تعالى، تعالى، بيضربوا أخويا، تعالى."
اشتعل الطفل ونظر إليها بغضب، فهيئتها بائسة ومزقت ملابسه. "فيه إيه يا بت؟… أنت مين يا بت؟ أنت ودخلتي هنا إزاي؟ تبع مين وكيف تدخلي بشكلك اللي شكل الشحاتين ده؟ جاية إيه تسرقي؟ جولي."
غضبت الطفلة واشتعلت ودفعته: "… أسرق إيه؟ أنت أوعد يا وحش يا شرير." لتخبطه برجله بقوة، فتألم وأسرع يمسكها من شعرها: "أنت حرامية أكيد صح؟ إني هموتك من الضرب عشان تحرمي تخشي لاسيادك يا جربوعة. أسمر ماهيسيبش جربوعة تخش الدار دي."
لتنزل علي يده وتعضها فصرخ وضربها بقوه.
والله لاحطك تحت جزمتي اللي زيك يندعك وشه تحت الرجلين يا حراميه.
فخبطته في بطنه بقوه كانت قويه رغم سنها.
صرخ وتركها انحني من الخبطه.
لتندفع وتجد احد العصيان كانت صغيره ولكنها شجاعه لتاخذ العصا وتخبط ذلك الطفل بقوه وتهرب.
ظل منحنيا لفتره إلا اشتعل وهب يبحث عنها.
اما هيا كانت قد عادت بالعصا لتجد أخيها تهالك وانتهي.
انطلقت الطفله بلا وعي تخبط عمها بالعصا بشده في بطنه صارخه.
سيبه يا شرير سيبه.
تراجع العم بعد ان خبطته في بطنه الا انه اشتعل.
اندفع يمسكها من شعرها ويصرخ.
بتعملي ايه يا محروجه انتو ايه شر ليه اكده طيب انا هعرفك.
لياخذها واقترب من النار واخذ سيخ المدفاه وعلامه السيخ كانت كالختم ليلسع بها يدها لتصرخ بقوه.
هب الجد واندفع.
بعد يا محروح اتجنيت اياك اتخبلت اوعي سيب البت هو إيه بعد بكفياك إنت إيه.
لتدفعه وهيا تنتحب بقهر وتذهب لأبيها تنكمش باكيه في احضانه.
اخذ الطفل اخته في حضنه وقبل راسها بوهن.
ل يعود ويصلب نفسه كذئب ينتظر ان ينقض علي فريسته.
وقف شامخا رافعا راسه وعيونه تلمع من قوتها.
رفع راسه واقترب بثبات الي جده ينظر اليه.
ظل يتاملهم ويتعامل المكان كانه يحفر ماحدث في قلبه قبل عقله.
بدأ صوته يعلو بغل.
متع عينيك.
متع عنيك كويس يا جدي مبسوط.
حلو اللي حاصل ده.
رفع يده.
بص حوالك اكده وانبسط واحفر ده للزمن يا جدي.
ايه جبابره مافيش رادع الله يسامحك يابوي جايبنا مجلب الزباله ده ليه.
أهل.
أهل شر وسوء.
أشار لابيه وصرخ.
ليه ليه ده يتعامل اكده كان كلب.
جايبه من حرام يا جدي.
سايب ولادك يعملو فيه اكده ليه.
بس لاه بكره تشوفو كلكو.
متع عينك يا جدي.
ضرب علي جسده.
متع عينك كويس بشوفتك لينا واحنا اكده.
افتكر كل ده.
لاني هفتكر عمري كله.
كل لسعه كرباج يا جدي وإنت واجف تتفرج كل شتيمه واهانه حرج الصغيره اللي مالهاش ذنب.
وإنت سايب ابنك علينا ينهش فينا.
و فوج كل ده.
رميه أبويا تحت رجليك ماتهزلك شعره.
كل ده اتحفر عارف فين في جلبي قبل عجلي.
حفرتو جبر جاوبنا يا جدي ودفنتوه فيه وخدت عزا واحفادك وعهد عليا لاجئ يوم أخد حجي منيك.
هياجي يوم واخد حجي منيكو وحج ابوي وحج رميته وجهرته.
وحج ضربي وحرج خييتي.
افتكر كويس رجوعي بس لاه مش هرجع ضعيف ولا مذلول لأه رجوعي علامه عليكي كلكو.
ليهتف جابر بغضب.
بره يا كلب بره عشان هسوي وشك بالأرض.
بره يابن الغزيه يابن الحرامي.
ليقف الطفل بشموخ.
عارف اني اهه صغير بس بعشره من عينتك.
إشتعل جابر واقترب يخبطه بطرف العصا.
صرخ الطفل صرخه مكتومه وبهت الكل فوجهه تفجرت منه الدماء.
ليقف عامر.
ولدي ولدي.
بهت الجد وخاف ورجف قلبه وصرخ بجابر.
بكفياك انت ايه.
ذهب عامر واحتضن ابنه.
وضع الطفل يده علي وجهه وراي الدماء.
ليقف لهم الطفل بعد ان هلك ضربا وعلمت عصا جابر علي وجهه.
ليهتف.
ده دم ابن ابو الدهب انسال من جابر ابو الدهب يا جدي وهياجي اليوم اللي اني ابن عامر ابو الدهب اوريك دم ابنك قدامك.
هياجي اليوم استناها يا جدي استني ابن الغزيه ياخد حجه منيكو.
استني وعيش عمرك كله تتخيل اني هعاود واعمل ايه.
وحج لا اله الا الله وحج دمي ده لانهش جلبك يا جابر يابو الدهب واعصره بيدي.
ايه فاكرينها خلصت اكده.
لااا.
داني بسمي وببدا جصه العفاشه اللي بداتوها وابقو سمو علي بعض من اللي هيجرالكو.
إفتكر يا جدي اقترب هامسا.
حج دم الغالي من دم الرخيص.
ليستدير ويهتف.
يلا يا ابوي جاي ليه اهنه دول جرف عار عالصعايده.
ليشد اخته التي تنظر لذلك الطفل الذي مسكها بغل لتمر بجواره لتضع يدها علي رقبتها وتمررها دليل علي توعدها له.
ليستعجب من تلك الصغيره التي توعد له وتكز علي أسنانها.
وقف يحاول ان يعين والده.
كان الطفل صغيرا ولكنه قوي بشكل عجيب.
ليهم ان يخرج أثناء ذلك قابلته طفله صغيره تراه ينشع دما.
وقفت ودموعها تسيل وتهمس.
خد دي حطها علي خدك ربنا هيشفيك.
نظر اليها الطفل كانت طفله براقه.
ابتسم لها لحنانها لتقترب منه وتقبله علي خده.
ماتزعلش هما وحشين مش طيبين انا طيبه.
صرخ فيها ابيها.
بتعملي ايه عندك يا محروجه.
اقترب وصفعها علي وجهها لتبكي الطفله وتنكمش.
نظر اليها الطفل بقهر واسي.
ليستدير ويخرج يكمل خروجه من القصر.
وجد من تصرخ وتهتف.
استني استني.
وجدها تلك الطفله الجميله تاتي مسرعه تمسح دموعها برقه.
خد دول انا حرفت انك جاي تاخد فلوث خد معايا اهوه فلوث ماتزعلش.
ابتسم عمها عامر ونزل يحتضنها.
اجول ايه يخلج من ضهر العالم فاسد.
لتهمس الطفله.
عمو انت طيب ممكن تاخدني معاك عثان هما بيضربوني كتير.
اقترب الطفل يمسد علي شعرها ويهتف.
نصيبك يا اصغيره نصيبك تعيشي وسط الغيلان بس اتمني تفضلي جلبك اكده كيف اللبن الحليب.
لتبتسم وتهتف.
انت اسمك ايه.
توحشت عيناه وهتف بقوه.
اني.
اني جدر جابر الاسود ماليش اسم.
همست.
يعني هتبقي شرير زيهم.
لا محلش والنبي خليك حلو ماثي.
لتقترب وتمسك يده وتهمس انزل كده.
نزل بالقرب منها لتقبله علي خده.
افتكري اني مش وحثه زيهم ماثي وتعالي وانا احبك هما مث بيعرفو يحبو.
واخرجت من جيبها ورده صغيره.
خد دي وردة بيضه شوف لما تتوجع بص ليها هتلاقيها بتجولك ربنا بيحب الأبيض خليك دايما ابيض.
ظل ينظر اليها بحنان ويهز راسه ويستدير ليأخذ ابيه ويرحل.
خرج من الباب واستدارت يقف ينظر للقصر يحفر ملامحه جيدا حتي لا ينسي أبدا.
وقف شامخا وعيونه تحولت لعيون ذئب.
همس بفحيح الغل و ظل يملس علي خده.
اطمن يا ابوي ابنك سداد.
نظر لاعلي مكان في القصر.
هنا هتبقي وقفتي وأنا ببص عليهم من فوج.
وأخد حجي.
حج دم الغالي جاي من دم الرخيص.
جاي كلو جاي.
رفع راسه كهامه الذئب شامخا وابتسامه تتوسد وجهه.
جاي كلو.
استنوني يا عيله أبو الدهب.
استنو عوده الذئب استنو.
يوم الثار.
ثار الذئاب.
رواية عودة الذئاب الفصل الثاني 2 - بقلم ميفو السلطان
ما إن خرج عامر وأولاده، هبّ عمران الجد. كان ضعيف الشخصية أمام أولاده. وقف عمار ينظر إلى ولده بغضب:
"انت إيه جاحد؟ ليه أكده؟ منك لله بتضرب عيل صغير؟ بتضرب أخوك الغلبان اللي جاي يستسمحنا؟ منك لله. إني كنت هجرص ودنه بس."
وقف جابر غاضباً واستدعى أخيه سلطان الذي كان معه في كل شيء. صرخ عالياً:
"تعالوا شوفوا عمران أبو الدهب عايز يحط وشنا في الوحل عشان ابن زينب. هاه؟ واحد جاي ياخد جرشينات للرجاصة."
فصرخ الجد:
"مالك؟ انت تاخد وتهبب؟ مش بتاعي؟"
فصرخ جابر:
"لا، مالنا وحالنا بتاع إيه؟ تاخدهم الغزية وولادها؟ شفت عيال ما تربوش؟ الواد يجي يقف يتبجح ويشتم ويقول علينا واغش ابن الغزية؟ بيقول ويتوعد؟ دي آخرتها؟ انت السبب كنت قتلته وتاويته. لا والعيلة اللي ما طلعتش من البيضة جاية تضرب؟ أمال لما يكبروا هيعملوا فينا إيه؟ لاااا، دول تربية صاجات لو عتبوا هنا هدَفنهم مطرحهم."
صرخ الجد:
"انت إيه؟ ما بتحسش؟ أخوك عيان، نادي عالغفر يرجعوه. منك لله."
وقف جابر وصرخ:
"أنادي عالغفر؟ وماله؟ أنادي. واد يا مسعود، هات الفرد وتعالى."
بهت الجد. فنظر إليه جابر:
"اسمع بقى، تفتح السيرة دي لو عاود هقتلهولك، فاهم؟ وانت خابر جابر زين، ممكن يعملها."
تراجع الجد ونظر إليه بخوف:
"هتقتل أخوك يا محروج؟"
فصرخ جابر:
"أيوه هقتله اللي جاب لنا العار ده. وابقى رجعه بقى ولفلف عليه عشان أحسرك عليه بالمرة. تفكر تجيبه؟ يمين الله لأكون مخلص عليه ويبقى انت اللي قتلته."
تنهد الأب وهو يعلم جيداً أن جابر سيفعل ذلك، وقلبه ملئ بالسواد. وضع يده على رأسه. فاقترب سلطان:
"مشي الدنيا يا أبوي، ده خرج عن طوعنا خلاص. لا تفكر فيه ولا تسأل عنه أحسن، لأننا مش هنسكت." وتركوه ورحلوا.
ظل الجد جالساً لا يعلم ماذا يفعل. فهو يعلم أولاده جيداً. تمنى أن يتصل به ابنه، فهو رحل ولا يعلم مكانه. أحس بالوجع وتمنى كلمة منه، وأنه سيخفي أي أثر اتصال بينه وبين ولده. وظل جالساً يمني نفسه أن يعود ولده الحبيب ويتواصل معه مرة أخرى.
***
رحل عامر إلى بيته محتضناً أولاده. ركبوا القطار. أي قطار؟ قطار رحلة بدأت في قلب الشبل وأخته. قلب النديم والمهره. ركن الأب وشد نديم أخته ناحيته، ومسك يدها يتأملها وهي تنظر إليه بوجع. ابتسم وقال:
"بتوجعك يا مهره؟"
هزت رأسها ببطء. انحنى عليها وهمس مشيراً إلى قلبها:
"الوجع بينحفر هنا يا خيتي، هاه..."
نظرت إليه دامعة. فهمس بقسوة:
"بصي عالطريق كويس، احفري البلاد فيه. بصي يا مهره كيف رحنا ليهم بالخير وكيف راجعين والجلب محمل ومعبي، عشان أنا وانتي هنعاود تاني."
همست بخوف:
"لا يا نديم، مش عايزة. أنا خايفة."
اقترب ومسك يدها بقوة، فتألمت. فقال:
"لا، اصحك الكلمة دي تتقال. دي كلمة ماتت من حياتنا، فاهمة يا مهره؟ ماتت."
تنهد الأب بحسرة:
"سيب خيتك يا ولادي، دي صغيرة. بتجول إيه؟ خلاص أكده خلصت."
ضحك نديم:
"هو إيه اللي خلص؟ بص عالطريق، احنا لسه في أوله. اسكت يا أبوي بلا خلص." وركن نديم مغمضاً عينيه.
اقتربت مهره من أبيها هامسة:
"أنا خايفة."
تكلم نديم وهو ما زال مغمضاً:
"نديم ما يسيبش الخوف يخش عندنا. اركني ونامي، لما نعاود ليا كلام مع الكل."
***
كان عامر أهله في الأقصر، ولكنه كان يسكن بعيداً في القاهرة. كان يهرب من أهله ويخاف على أولاده ليعود إلى بيته ساحباً أولاده. وما إن دخل البيت ليفجع في مصيبة جديدة. فكان هناك صريخ في بيته. اندفع إلى البيت ليجد الجيران يتجمعون في حجرة زوجته، فزوجته شمس حياته قد غادرت الدنيا بعد أن أصابها المرض.
اندفع يحتضنها ويبكي كالطفل الذي فقد أمه. وتندفع مهره إلى أمها صارخة. والنواح والعويل أصبح سمة البيت. إلا من شخص كان الصمت والجمود حليفه. كان البكاء والنواح لأهل الدار عالياً، ونواح الذئب من داخله ينهش أوصاله ويزيده غلا. ليقف الطفل، أو ما يظن الآخرون أنه طفل. وقف وقد قَدّ من حجر، يقف شامخاً لا يبكي ولم ينطق. ينظر إلى أبيه الذي ينوح بفقدان حبيبته.
لتستدير مهره وتندفع لأخيها تشده وتصرخ. إلا أنه شدها إلى أحضانه بقوة، يحاول أن يهدئ من روعها ويربت على رأسها وهي تتشبث به. كان يضغط عليها، فهو اتخذها عوناً وسنداً رغم صغر سنها، فليس له أحد يسند من أزره. ليمر وقت من سواد إلى سواد كاحل.
دفنت الأم وجلس الأب منهكاً، لا يعلم ماذا يفعل. كيف سيعتني بأطفاله؟ فهو مريض قلب، وهناك طفلة صغيرة لم تأخذ من حنان أمها. جلس محني الرأس. ليقترب ابنه ويهتف بقوة:
"ارفع راسك يا أبوي، ما تحنيش راسك أكده. عامر أبو الدهب ما يحنيش راسه."
نظر عامر إلى ابنه:
"أمك راحت يا ولدي، ومين هيراعي البنت؟"
قال بجمود:
"ما تحملش هم يا أبوي، إني سداد."
شعر عامر بالقهر على ذلك الطفل الذي تحول إلى رجل صغير، ليهتف:
"حسبي الله ونعم الوكيل يا ولدي." اقترب يحتضنه بقوة، ويحتضنه الطفل، ونظرات الغل في قلبه ويده على وجهه من آثار تلك الندبة الذي تولدت من ذلك الجاحد وضربه له.
همس:
"اطمن يا بوي، نديم كبر خلاص. جاي يوم الحجوج يا أبوي، جاي. نام وارتاح وسيب نديم يمشيها بمعرفته."
وقف نديم مربتاً على أبيه، كأنه في قمة رجولته وليس طفلاً.
"ولدك ما هوش هين واصل." ظل يلمس على خده. "اطمن يا أبوي، حق دم الغالي جاي من دم الرخيص."
ترك نديم أبيه ودخل على مهره. كانت تلعب بأحد العرائس. كانت تحب عروسة سندريلا وتعشقها. دخل نديم وجدها تبتسم بحنان للعروسة. اقترب منها ووقف وهي على الأرض. رفعت رأسها.
فقال:
"قومي يا مهره."
قطبت جبينها وقامت. مد يده وأخذ العروسة وبسرعة البرق قذفها من الشباك.
فشهقت مهره:
"نديم! عروستي، عروستي!"
مسكها من يدها بقوة، فصرخت. فقال:
"عروستك ماتت يا مهره، هاه؟ مهره ما عادتش بتاعة عرايس. مهره بقت مهره فرسة ما حد يقدر يهزها. العرايس والنحانيح للضعيف، واحنا خلاص ما عدناش ضعف."
ضغط على يدها فصرخت:
"اصحك، هاه؟ اصحك تعيطي أو تصرخي. اكتمي يا مهره، اكتمي ضعفك جواكي. مهره أخت النديم وضهره. مهره هتكبر مع النديم. ما عدناش ضعف ولا لعب عيال. الضعف اللي خلى ابن أبو الدهب يعمل فينا أكده. حط يدها على جرحه. هاه؟ بتوجعني؟ شوفي." وبدأ يضغط عليها ويبتسم لها. "شوفتي نديم وجعه مات، ما عاد فيه وجع يا مهره؟ خلاص يا خيتي، دنيتنا اتحبست جوانا. ممكن ما تفهميش، بس إني معاكي لحد ما تفهمي إحنا هنبقى إيه، فاهمة؟ لعب ونحنحة خلاص. اللي جاي عيشة وهدف وشغل عشان الهدف، عشان دمنا اللي سال غالي جوي. كل لسعة كرباج هناخد حقها، كل حرج وشتيمة وذل هياخد حقها."
ليديرها ويخبط على ظهرها بقوة:
"ده ضهر النديم، فاهمه؟ أمك ماتت بسببهم، وأبوك اهو محني والهم كله، وأنا وانت اتعلم علينا، فاهمه اللي احنا فيه."
تنهدت، فكانت طفلة. رغم صغرها إلا أنها ذكية وقوية. همست:
"فاهمة يا نديم."
ابتسم وربت على كتفها:
"لما ناخد حقنا، عروستك هترجع وكل حاجة هترجع، بس نعيش لأجل حقنا." واستدار وتركها. لتدفع إلى الشباك تنظر إلى العروس بحسرة، ولمعت دموعها. إلا أنها هزت رأسها بقوة وشموخ استجابة لكلام أخيها. تذكرت ذلك الطفل وصورته لا تفارق خيالها. وكلماته ترن: "هحطك تحت جزمتي."
انتفضت بقوة:
"لا مش هعيط. نديم قال مش هعيط. نديم قال ومهره هتنفذ. مهره ضهر النديم." وأقفلت الشباك، وكان هذا أول قفل على أحلام المهره. حبيسة بلا عروسة، أنثى بلا أنوثة. مهره في سبيلها لتكون فرسة جامحة من أجل النديم والنديم فقط.
من هنا بدأت حياة نديم تتغير تماماً. قد تحول إلى رجل في سن الثالثة عشر. طفل في هيئة رجولية طاغية والقوة أصبحت حليفه. هو الأمر الناهي في البيت وأبيه أصبح ضعيفاً. كان لهم محل صغير يقفون فيه، وأحياناً يقف الأب فهو يراعي البنات. وارتبط نديم بمهره نفسياً، فهما رفيقا العذاب والمعاناة. كان يدخل عليها ويمسك يدها ويجعلها تغلي من ناحية تلك الأسرة، ولا يترك لها مجالاً لتكون أنثى أو تتولد داخلها ضعف الأنثى وحنانها. ليمر الزمن والطفل يكبر وتكبر هي، وتستجيب لأخيها، ولا ينفك يخبرها أن لهم حق سيقتلعونه من عائلة أبو الدهب.
كانت مهره طفلة جميلة ذات شعر أسود وعيون خضراء. حنونة على أختها المولودة التي لم تر ما رأوه. كانت تشع حناناً لأختها. وعندما يراها نديم، ينهره على حنانها، فخاف أن تصبح ضعيفة. إلا أنها في تلك الناحية فقط لا تستجيب له، تظهر حناناً طاغياً، كأنها بذلك الحنان تتمنى أن تحس من داخلها أنها إنسانة، تحس وليست آلة في يد أخيها.
دخل عليهم الأب وجلس بجوار نديم. فهتف نديم:
"فيه إيه يا أبوي؟"
أخرج عامر كيساً كبيراً وأعطاه له وهتف:
"خد دول، ما كنتش عارف إنهم موجودين."
قطب نديم:
"إيه دول يا أبوي؟"
فتح الكيس فوجد ذهباً كثيراً. فقطب جبينه:
"إيه ده يا أبوي؟"
تنهد الأب بحسرة:
"ده دهب أمك، كنت مخبياه مني. لو كان ظهر كنت عالجتها. بس إني كنت محرم عليها آخد من مال الرجاصة حاجة، كنت حالف عليها. فخبته يا ولدي، واهه كنت بجلب المجعد لاقيتهم. أهم يفكوا زنقة وييسر الحال. الله يرحمك يا شمس."
هب نديم وقال:
"لا، دول كأنهم ما جاش."
بهت عامر:
"بتجول إيه يا ولدي؟ إحنا الفجر هياكلنا."
قال نديم بإصرار:
"دول ليهم عوزة يا أبوي. دول اللي هيجيبوا الحجوج. دهب الغزية هيجيب حقنا كلنا."
تنهد عامر:
"كيف يا ولدي؟ طيب."
ابتسم نديم:
"انساهمل يا أبوي، انساهمل. وهياجي يوم الحجوج وتشوفه بعينك. انساهمل وتوكل على الرحمن وهنعيش وهتتدبر." وقام ودس الذهب في دولاب أبيه كأنهم لم يأتوا من الأساس.
مرت الأيام ونديم يعمل في المحل الصغير ويذاكر، وأخته تسانده. والصغيرة تكبر على حنان مهره أختها ونديم بلغ من الشدة أن تنزوي الصغيرة بعيداً عنه. أصبح عكس أبيه تماماً، مرعب في قسوته. يكره ضعف أبيه وأنه شخصاً ليناً، فنهشه أخيه وفعل ما فعل. كان يعلم أن القوة في القسوة والجلد، وألا يكون له عزيز أو نقطة ضعف. كان بمفرده، لا يقربه إلا أخته التي كبرت وأصبحت شبيهة له. لسنين كبت أنوثتها ورفض أن تكون مثل الفتيات أو تلبس مثلهن. كانت تصرفاتها أقرب إليه، وكلما رأى منها ليناً، ينهره بعنف ويذكره بتارهم، فتعود وتشد نفسها. أصبحت المهره توأم النديم، تفهمه وتمتثل له.
إلا أن الأنثى بداخلها أحياناً تعود رغماً عنها على السطح. كانت أحياناً تجلس بمفردها، تقفل على روحها وتحلم أن تكون أنثى رغم ما تمر به. لم تنس يوماً عروسها. كانت تعشق كرتون السندريلا التي تراه حلماً لها. فتاة لن تكون لها من الحياة نصيب. شاردة، نافرة، قوية، لا يهزها أحد. كانت أحياناً تشعر بقسوتها تخنقها، وقوتها تلجم أنفاسها. وكلما أحست بالوجع من كونها جاحدة، تفتح تليفونها وتشاهد ذلك الفيلم، فيبعث روحاً بداخلها تشبعها، تشبع الجزء المدفون الممنوع من الخروج.
في أحد الأيام، كانت تجلس مبتسمة تتفرج على الفيلم في صمت. دخل عليها أخوها فصرخ:
"إنت بتتفرجي على إيه؟ نهارك طين!"
خافت وارتعبت وهتفت برعب:
"أنا، أنا ما بتفرج، ده ده جه قدامي."
فاقترب وانتزع الفون وصرخ:
"يبقى تجفليه، يا بت أبوي، فاهمه؟ تجفليه وما يتفتحش تاني. دي مش سكتنا يا مهره، انتي ضهري، انتي ضهر نديم، فاهمه؟ اياكي الاقيك تاني فاتحة المسخرة دي، فاهمه."
لتحني رأسها. فصرخ فيها:
"فاهمه؟ دي مش دنيتنا. دنيتنا حاجة واحدة بس. دنيتنا جابر وسلطان. دنيتنا نرد القلم عشرة."
فاقترب ومسك يدها.
دنيتنا ناخد حقنا ده يا بت عامر منهم كلهم.
دفعها لتقع، لتنزل دمعة من عينها، فهي مهما كانت أنثى وهذا كثير عليها.
ليصرخ: "نديم ومهره مابيبكوش فاهمة؟ مهره زي نديم قلبها حجر ومحطوط عليه سلسال حديد، ماحد يجدر عليها فاهمة يا بت عامر، وإلا أفهمك يا بت الرجاصة والحرامي."
هبت صارخة: "فتلك الكلمة تحرقها... فاهمة يا نديم، فاهمة."
مرت الأيام وتمر الحياة.
ليأتي يوم كان عامر قد تعب من قلبه، استدعى مهره: "تعالي يا بتي، إني خلاص هموت."
ربتت عليه بحنان وقالت: "ماتقولش كده يا بابا، إنت هتبقى كويس."
فقال: "لأ يا بتي، إني خابر الأجل خلاص، بس جلبي حزنان على أخوكي. ماتمشيش في سكته يا بتي، إني غلطت لما خدتكو معايا. وعرفت إن أبوي بيدور علينا يا بتي. أيوه عايزني أكلمه من ورا ولاده، أبوي غلبان وبيحبني وهما وحشين جوي... جدك مش وحش يا مهره، جدك طيب بس بيخاف من ولاده."
"وجابر ممكن يكون هدده إن يعمل فينا حاجة. جدك ضعيف، ماتحاكمهوش على ضعفه. روحيله يا بتي وجوليله إني مسامح واني ماسرقتش واني حافظ كتاب ربنا. جوليله إني مسامح وهقابل ربنا واني مسامح، خليه يدعيلي بالرحمة. وانت لو جه يوم روحيله.. نديم جلبه بقى صنم، ماهيحسش بالكلمتين بتوعي، إنما انت خابر جواتك وخابر إنك صحيح تبان صلبة وواعرَة بس جواتك لسه أخضر يا بتي. لو جرالي حاجة كلمي جدك، إني خابر مستنيني."
"جدك يا مهره، ماتحملهوش ذنب، واوعديني إنك لو جه اليوم اللي يطلبك فيه تكوني حفيدته، ماهترفضيش يا بتي، اصحك تمشي في سكة نديم، سكته واعرَة. بكفياه اللي بيعمله."
دخل نديم وسمعه: "مالها سكتي يا أبوي؟"
كان قد كبر ودخل كلية الهندسة.
"مالها؟ هاه، أحلى سكة سكة جدي وحجك."
هتف الأب: "مش عايز، إني مسامح."
فصرخ نديم: "إني بقى مش مسامح، ولا مسامح في حق أمي، هاه. انت طيب بزيادة والطيبة عار بالنسبالي، إني لازم أجيب جابر تحت جزمتي."
تنهد عامر: "وأخرتها تنجتل وانحصر عليك أجلك يا نديم."
فصرخ نديم: "إني ماهسيبش حقي منهم أصل."
تنهد الأب: "طب ولما ماهتسيبش حقك بتتكلم صعيدي ليه بيناتنا؟ هاه، ماتتكلم مصراوي كيف خواتك؟ والا عشان انت من جواتك عايز ترجع لنسلك الصعيدي؟ انت بتحب الصعايدة وتفتخر إنك منهم ونفسك في العزوة ونفسك تعاود، واني خابر وخابر إنك متكبر. بس انت الغل طاح جواك وبتغذيه نار جايدة. يا ولدي طفي نارك عشان الحنية بتدوب اللي في القلوب."
فصرخ نديم: "مش إني اللي يتجال عليا حنين. الجسارة يا أبوي هتجبلي حقي، عايزني أبقى حنين وألين وانضرب على ضهري وأعاود أبقى تاني عبيط. بطل الله يرضى عنك وسيبني أعرف هكمل بطريقتي."
ليقوم فوجد أخته الصغيرة تقفز أمام التلفاز وتغني فرحة.
ليصرخ: "مهره تعالي شيلي البت دي، جولت قبل سابح تلمي رجصها وجلة حياها دي."
كانت أخته شجن تبكي من طريقة معاملته لها، فهو شديد عليها، فهي تتسم بالطيبه واللطافه الزائدة.
لتقترب مهره وتأخذها للداخل.
جلست حزينة جنب أبيها، فمسد عليها: "معلش يا شجن، حظك إنك وقعتي بين جوز بهايم، واحد جاحد والتانية ماشية في ديله."
تنهدت هيا: "أنا ماعرفش هما عايشين كده إزاي، دا ماعندهمش حنية خالص."
لتخبطها مهره: "بقي أنا مش حنينة؟ انت بت واطية، أمال أسيبه يعضك؟ ماشي يا زفتة."
أسرعت شجن: "لأ لأ، والله دانت عسلية."
ضحكت مهره: "شوف يا بابا، في ثانية بتقلب. طب ياختي بطلي دلعك ده، أخوكي غراب، ماعرفش واحدة دكر والتانية بسكوته."
ظلا يجلسون معا يتسامرون والأب يدعو لهم بالصلاح.
ليأتي يوم لفظ الأب أنفاسه ومات بينهم وهو يوصيهم أن يعودوا لـ جدهم.
وبدأت إجراءات الدفن.
كان قد كبر نديم واشتد عوده وأصبح شابًا يافعًا، وقام بكل ذلك بمفرده.
إلا أن مهره كان قلبها ينزف على فقدان أبيها، وكلماته لا تفارقها.
اتجهت إلى التليفون ووقفت أمامه تشعر بالتردد والخوف.
كانت تريد أن تكلم جدها ليأتي عزاء ابنه.
ظلت واقفة وبدأت ترفع السماعة وتتصل بجدها.
أتت شجن باكية: "بتكلمي مين يا مهره؟"
تنهدت وهتفت: "بكلم جدك يا شجن، أبوكي كان عايزه، دا حقه."
لتسمع صراخًا: "بتعملي إيه؟ نهارك أسود!"
اندفع ومسك التليفون ورزعه على الأرض.
لتصرخ شجن وتنكمش، إلا أن مهره صلبة، لم تعد تخاف كالسابق أمام صراخه.
صرخ: "انطقي، بتعملي إيه؟"
تنهدت بهدوء: "خشي جوه يا شجن، فهي الوحيدة التي تستطيع أن تجابهه وتسيطر على غضبه."
أسرعت شجن إلى حجرتها بخوف.
فاستدارت مهره: "نعم يا نديم؟ إيه؟"
"أبوك اللي طلب."
صرخ: "من غير ما تقولي بتتسرجي من ورايا يا بت أبوي."
تنهدت: "حقه يا نديم، ابنه مات، حقه."
صرخ: "مالهمش حقوق عندنا، اللي كان بينا راح خلاص، وعضم التراب اتلف بكفنه وانهال عليه التراب، ودول برضه انهال عليهم تراب رحمتنا. مش مهره اللي تبقى خاينة للنديم."
نظرت إليه بوجع: "أنا يا نديم، أنا خاينة."
صرخ: "ولما تعملي كده ماتبقيش خاينة؟ لما تغزيني في ضهري وترجعيهم ماتبقيش خاينة؟ نسيتي ولادهم عايشين في نعيم واحنا عيشتنا إيه؟ هاه. نسيتي ابن سلطان وهو بيقولك هحطك تحت جزمتي يا حرامية. نسيتي عمك جولي. إني قدامك يا مهره، جولي، ناويه على إيه؟ نكمل على عهدنا والا نفارق وأكمل سكتي لوحدي؟ ولا كأنك كنتي في دنيتي."
نظرت إليه تتأمله وترى الوجع في عيونه، فهي توأمه ورفيقته.
فقال: "انت حالي يا مهره، فاهمة؟ انت حال نديم واني حالك. نديم مالوش حياة تانية ومهره كمان. حياتنا واحدة، اللي يتعمل واحد واللي يتقال واحد والشورة واحدة. عهد ربنا بينا إننا واحد يا بت أبوي، جولي."
أحنت رأسها ثم رفعتها: "من غير عهود يا نديم، انت كل دنيتي، ماعرفش في الدنيا غير كلامك وطريقك. مهره مالهاش حال غيرك يا نديم. مهره مش عايشة إلا عشانك يا أخويا يابن أمي وأبويا. مهره يوم ما تسيبك تموت أحسن، بس عهد على عهدك، لا أكمل ضهرك عمري كله، لا يوم تخاف ولا يوم تحتاج لغيري. مهره ضهر النديم، مهره بميت راجل وانت عارف. وإن كنت غلطت، إني هكلم جدك ده بس عشان أبويا، بس خلاص، لا توجع قلبك ولا تخاف، انت عندي بالدنيا، انت حياتي يا نديم، ماعرفش حياة غيرها."
تنهد باطمئنان، فهو يعرفها ورباها جيدًا وأصبحت له.
اقتربت وربتت على يده، ابتسم لها واستدار مبتعدًا.
لتقف هيا تدفن ما بقي من مشاعر بداخلها وتكبت روحها وتشد من نفسها أن تكون كما يريد أخوها.
دفن الأب وسارت الأيام.
عاد البيت في صمت مطبق.
جحد نديم أكثر وشعرت مهره بالخوف، تحس أن سندها فقدته، حتى لو كان ضعيفًا، فـ أبـوها سند من نوع آخر، سند الحنان والمشاعر.
سند تفتقده في دنياها، وكانت تعالج روحها بوجود ذلك السند.
لتمر الحياة وتدخل مهره هندسة أيضًا بناءً على أوامر أخيها.
و نديم قد تخرج منها وبدأ في إنشاء شركة صغيرة من دهب أمه.
أسس شركته ووضع أول طوبة فيها على هدف أن يعليها.
وتوقفت الحياة على هدف واحد، هدف إرجاع الحقوق.
وهنا بدأ الطريق، طريق زحف ذئاب للانقضاض على فريستهم، عائلة أبو الدهب.
رواية عودة الذئاب الفصل الثالث 3 - بقلم ميفو السلطان
مرت الأيام والسنين، وكلٌّ على قلبه همومٌ كالجبال، تتصاعد رغبات الانتقام والانتقام فقط. عاش نديم راهبًا عن الحياة، لا يعرف منها إلا مرّها. لم يذق متع الدنيا، لأن قلبه مسكونٌ برغبة سوداء قضت على إنسانيته. فمن جُلد في الصغر، قد تحجر في الكبر.
تخرج نديم من كلية الهندسة، وبدأ يتدرب في أكبر الشركات. يتنقل ما بينها، كان عقلية جبّارة، وما بداخله يجعله يصمم على النجاح بهدف واحد: الوصول لهدفه، وهو عائلة أبو الذهب وجابر أبو الذهب.
تحوّل لقطعة من الحديد، مهما طرقت عليها لا تتأثر. هو الآمر الناهي، والكل ينصاع إليه. تملك نديم أخواته بعد والده.
قرّب مهره بشدة، وجعلها رفيقته. هو العقل، وهي المنفذ لكل شيء. ظهر النديم عن حق، وكانت تستحق ذلك اللقب بجدارة. فكان لا يترك لها فرصة لتكون نفسها. وإذا حصل وجنحت قليلاً، تصبو لمشاعر افتقدتها، يمسك يدها وعلامة الختم عليها، ويفكّرها بأبشع الطرق الممكنة لتعود وتنساق في طريق خطّه لهم، ألا وهو طريق واحد: حق أولاد عامر من أولاد عمران أبو الذهب.
تقلد مناصب، وتعلم الكثير. والتحقت به أخته أيضًا. كانا يصممان أن يصبحا مهندسين بكل ما أوتي من قوة، يمحطان في الصخر بجدارة. لتمر سنوات التعلم والخبرة، وتأتي سنوات التجهيز.
أنشأ نديم شركة وهمية بذهب أمه. ادّخره لسنوات ليكون هو أول طوبة في نعش أولاد أبو الذهب، ويكون ذهب الغزية هو سبب في أخذ الثأر. أسّس نديم شركة باسم مستعار، باسم نديم الديب، وزوّر كل الأوراق الخاصة بهم. وبدأ بشخصية أخرى غير شخصيته: نديم الديب، مهندس معماري على أعلى مستوى. حاوط نفسه بهالة من الغموض، لا يقابل أحدًا ولا يراه أحد. انزوى في مكتب خاص به، ليس معه إلا الحارس والمحاسب الخاص، وطبعًا مهره. ليصبح هو أمام الناس نديم الديب، أسطورة الهندسة، لا يعرفه ولا يلمحه أحد. ومهره كانت تستعجب لذلك، فهو لا يخبرها بخطته كاملة، كبتها في قلبه وفقط. ليصبح نديم اسمًا على مسمى، مشهورًا بالديب، وحش التصاميم، لتتهافت عليه الشركات وتعلو شركته رويدًا رويدًا. وانتظر سنوات أخرى لكي تكتمل الخطة، سنوات صبر وجلد.
أما أخته، فكانت مجتهدة، ليس لها إلا في الجد، قوية، لا تهاب أحدًا. لا تفكر بنفسها، أخيها وفقط. ماتت منذ سنوات، منذ العهد ووفاة والدها. نسيت أنوثتها وأصبحت مثل الرجال في عالم الرجال. فهي التي تتقلد الشركة، ونديم لا يظهر. فانفردت هي وتوحّشت، وزاد توحّشها بناءً على أوامر أخيها. ولكن ما في القلب وأمانيه، لا يظهر إلا في وحدتها التي تنهشها.
أما تلك الشجن، فلم ترَ من الحياة مرّها. كانوا جميعًا يعاملونها بحنان.
شجن، فهي فعلاً مثال الشجن. حنونة، مرحة، مختلفة عن أختها. فهي لم تعش ما عاشوا، ولم ترَ ما رأوا، لتصبح شخصًا حالمًا، جميلًا، مشاكسًا، ذو حس فكاهي، فتاة براقة تخطف الأبصار في أي مكان. ثلاثي ضحية، لا يعلمون ما ينتظرهم وما سوف تأتي لهم الأيام.
***
كان يجلس في مكتبه، مغمضًا عينيه. لتأتي لمحة أمامه، ابتسم رغما عنه. ومد يده إلى محفظته، وأخرج جنيها مهترئًا، عاد به الزمن. وتنهد، تذكر تلك الطفلة البراقة... التي ترن كلماتها في أذنيه: "أنا طيبة، هما وحشين... خليك طيب".
تنهد. "ما عرفش ليه كلمتك دايما في بالي يا صغيرة". تنهد وزفر. "أخليني طيب إزاي بس؟ دا جاي سواد ماحدش هيحوشه".
دخلت عليه أخته، فأخفى ما يتأمله في جيبه. دخلت عليه تناقشه في أمور الشركة. مر وقت، لتتنهد مهره.
"أظن جه الوقت اللي نبدأ بتخطيطنا يا نديم. أظن حان الوقت. إنت مستني إيه؟"
قال مبتسمًا: "اصبري بس، حاجة بسيطة ونبتدي. ولما تبتدي النار هتهب على الكل".
ابتسمت وهتفت: "ماشي يا نديم. عمومًا أنا هخطو أول خطوة، وبعدها أستناك تخطي بعدي، تمام؟"
ابتسم: "ماشي يا مهره. ابدي إنت الأول، وأنا هبتدي من حتة تانية خالص. نديم هيعلم عليهم، بس تعليمتي مش زي أي تعليمة. لازم نلاعب الأول بشوية ساسبنس وحتة غموض كده يلفوا حوالين نفسهم. إيه؟ هنرزع مرة واحدة؟ أمال المتعة فين؟ دانا نصبت القاعدة من دلوقتي ومجهز الشريط نتفرج بس، ابقي حضري الفشار".
ابتسمت: "دماغك فيها إيه؟ ربنا يستر".
ضحك. "دماغي... عدي كده كام سنة بنام وأحلم. كنت تلاتاشر، والوقتي عديت التلاتين. أكتر من سبعتاشر سنة عايش بحلم وبفكر في يوم وقفتي في قلب دارهم، يوم ما أكون غرزت خنجري وعليت جزمتي عليهم. ولاد الغزية والحرامي، دخلتهم بتعليمة على قلوبهم. خلي عمران أبو الذهب يفرح بنسل ابنه". ثم ركن مبتسمًا، وفرحة عيونه تلمع بما يخططه.
تنهدت هي، فذكر جدها يؤلمها، فوصية والدها لا تنساها. وهي أحيانًا تخاف من عاقبة أفعال أخيها، ولكنها على العهد.
***
في بيت النديم. هناك فتاة تجلس ترقص في حجرتها.
"سوق البنات كله قمارة
حلوين طعمين
وأنا نفسي دي تكون حلوة من الطعمين
قال تبقى بلدي وحلاوتها تسحر ملايين
لا تقولي بابي ولا مامى ولا أروح مشاوير
وتبقى بيضة ياما ونبي بيضة بيضة
ونبي ياما ياما هموت علينا ياما"
كانت ترقص، لترتعب عندما انفتح الباب وتسمع صراخًا. "بتعملي إيه يا محروقة؟ بترقّصي؟" كان هو نديم أخيها. اندفع يمسكها من شعرها، لتصرخ: "لا والله يا نديم، أنا بغني بس".
صرخ: "ميت مرة جولتلك تبطلي عمايلك دي، بس أقول إيه؟ النبت غالب". لدمعت عينها وسالت دموعها.
إلا أنه سمع صوتًا قويًا يقول بعنف: "نبت إيه اللي غالب يا نديم؟ قول فيه إيه؟ مالك بيها؟"
دفعها بعيدًا، لتسقط على الفراش تنتحب بقهر من معاملة أخيها. ينظر إلى أخته مهره بغضب. "عاجبك السفالة اللي هيا فيها دي؟"
نظرت إليه بقوة: "مالها؟ بتعمل إيه في أوضتها وقافلة على روحها فيه إيه؟"
صرخ: "ما ترقصش، فاهمة؟"
قالت مقتربة منه بتحدٍّ، فهي لا تتهاون معه في حق أختها: "ما ترقص، مالك بيها؟ كانت رقصتلك!"
صرخ نديم: "إنتِ دايمًا واقفاها أكده، بتدفعي عنها عن الغلط؟ إنما تسيبيني أربيها؟ لأه. لأه دايمًا واقفاها؟ لما طلعت أكده ماهياش زينا".
لتقترب مهره وتهتف بقوة: "ماهو ماهيبقاش إحنا والزمن يا ابن أمي وأبويا، الغلبانة اليتيمة اللي لا شافت أب ولا أم. عايز إيه انت ها؟ أسيبهالك تقطع فيها؟ لأ، انت عارفني معاك في أي حاجة إلا شجن. هتتجبر عليها وتخليها زيي؟ لأ".
ليستدير بوجع. كان لا يحب أن يرى أحد مشاعره. خرج، لتتنهد. فهي تعلم أخيها جيدًا. ذهبت وراءه قائلة: "لحد امتى يا نديم؟ ماتسيبها يا حبيبي. أنا وانت يا نديم شكل بعض، بس شجن غيرنا يا حبيبي. شجن طبيعية. شجن بتحس وبتعيش حياتها. أنا وانت مش طبيعيين، ماتحاكمهاش إنها طبيعية. إحنا اللي متعبين وجعان ومش بني آدمين بتحس. ويا ريت تخلي بالك من كلامك، ماهسمحش سيرة أمي تيجي بكلمة".
قال غاضبًا: "ما جبتش سيرتها أنا".
قالت ساخرة: "والله النبت غالب واللي بتقوله! عارف يا نديم، إنت فيك كل حاجة حلوة إلا الحتة دي. مش قادر تغفر لأمي إنها السبب في بعدنا عن العائلة المقدسة".
صرخ: "مين دول اللي أنا بفكر فيهم؟ اتجننتي إياك؟"
لتقترب: "ممكن سؤال؟ إنت بتعرف تتكلم مصري كويس جدًا. ليه يا نديم بتتكلم معانا صعيدي؟ إيه اللي مكلبشك كده في لغة الصعيد وكلامهم؟ عارف ليه؟ لأنك مربوط بنسلك الصعيدي وجذورك. مع إنهم ما يستاهلوش حتى اسمنا يبقى موجود جنبهم. بس إزاي نديم الديب يخرج من نسله؟ دي عقدتك ونفسي. بعد ما نخلص قصتنا، تخلص بجد، ما يبقاش فيها وجع ليك".
تنهدت مسترسلة: "اهدي يا نديم. إنت أخويا الكبير، بس إنت عارفني، مش هسمح أبدًا لحد يقرب من شجن. ماشي؟ أكل قلبه لو حد قرب، فاهم؟ شجن لأ يا نديم. أنا مع أي حد، طوبة، مابحسش، مش بني آدمة. نسيت دنيتي وإني ست أصلًا عشانك. بس شجن بتحسسني إني لسه إنسانة يا نديم. أنا أه قوية وما حد يقدر عليا بسببك، بس ساعات ببقى نفسي أبقى ضعيفة، حد يتحكم فيا ويشيلني بدال ما أنا شايلة الكل. شجن بتحسسني إن جوايا عايش، مش مسخ". لتستدير وتتركه وتذهب لأختها. كانت تقف باكية. دخلت عليها.
"بتعيطي على إيه يا حزينة؟"
قالت شجن بوجع: "شفتي؟ كل شوية يعض فيا. أنا ما عملتلوش حاجة".
ابتسمت مهره: "معلش حبيبتي. يا بت، أنا وأخوكي اتنين معاقين في مشاعرنا، ما بنحسش. فشايفينك كائن فضائي معانا في الشقة. لتخبطها على رأسها. ما تزعليش خلاص".
لتبتسم شجن وتمسح دموعها: "لا، زعلانة منكم يا وحشين وهخاصمكم".
ابتسمت مهره: "طب أصالحك؟ أجيب لك شيكولاتة؟"
هزت شجن كتفها: "لا، عايزة حاجة تانية".
قالت مهره: "اشجيني".
قالت بطفولية ورجاء: "أنا طالعة رحلة مع الجامعة، انت عارفة رحلة الوداع بتاعة التخرج، وكلنا رايحين".
لتتنهد مهره: "رايحة فين يا آخرة صبري؟"
اقتربت تحتضن أختها: "طالعين الأقصر يا مزتي".
لتقطب مهره جبينها: "ما أعتقدش إن نديم هيوافق".
قالت شجن مسرعة: "لأ بقى، أمال بقولك ليه؟ ها؟ والنبي، والنبي".
لتتنهد مهره، فهي لا تستطيع رفض طلب لها: "حاضر يا حبيبتي. عيوني". لتقبلها شجن وتهتف: "خلاص، هروح أقول للعيال". وتركتها وذهبت. وقفت مهره تفكر كيف ستفاتح أخيها، ولكنها تعلن أنه لا يرفض لها طلب.
***
في مكان بعيد، يجلس في الشرفة يتأمل الأراضي الشاسعة والخضرة، ونسمة الهواء تدخل قلبه، تخرج بتنهيدة ألم. دخلت عليه فتاة جميلة تحاوطه.
"إزيك يا جدي؟ وحشتني موت".
ابتسم وهتف: "يا بت يا بكاشة، بطلي. بقالي كتير ماشفتكيش".
لتقبله وتهتف: "كده يا عموري؟ مش عارف إنّي كنت في المدينة وخلاص خلصت الحمد لله. أهه بقيت فاضية وخالية، بس بقولك هتفرغ ليك وأحب فيك براحتي".
ابتسم عمران: "إنتِ فرحة الدار دي يا بتي، نوّارة الدار كلها".
اقتربت تدغدغه ليضحك: "أيوه كده، اضحك. أنا ما بحبش النكد".
اقتربت تقبله: "كنت عايزة منك طلب يا وزتي".
خبطها بالعصا: "إني جولت أكده برضك... طلب لإيه ده؟"
قالت برجاء: "كنت عايزة أسافر مصر يا جدي. عندنا مؤتمر تبع وزارة الإسكان، وهناك مهندسين كبار يا جدي. بالله عليك نفسي. عايزة أروح، بالله يا جدي خلي أبويا يوافق".
تنهد: "أبوكي يوافق؟ مالجتيش إلا الغراب ده ناخد رأيه".
لتحزن وجد من كلام جدها: "كده يا جدي؟ بنت ابنك بقت مهندسة أد الدنيا، نفسها تعلي يا جدي وتخش في شركاتك. أسمر وبراء ماسكين الشركة، وأنا نفسي أبقى معاهم. بس أروح المؤتمر أتعلم، وآخد من خبرات المهندسين".
تنهد عمران: "طيب، روحي وابعتيلي براء أو أسمر".
"لتقبله وتتجه إلى حجرة براء تخبط عليها. خرج لها. "فيه إيه؟ عايزة حاجة؟"
قالت مبتسمة: "كلم جدي، عايزك".
قطب جبينه: "طب ما تقولي عايزة إيه؟ أنا عارف، أكيد وزّة على حاجة، ماهو مابيرفضش ليكي طلب".
قالت متزمرة: "براء، روح لجدي بلاش غلاسة".
قال متسائلاً: "إيه ده؟ هو قالك براء؟"
هزت رأسها نفيًا: "هو قال براء أو أسمر، وإنت عارف أسمر بيعض في خلق الله. قولت أجلك إنت. بتعض نص نص. أصلكم عيلة عضاضة، كلكو".
لتحس بيد تمسكها من رقبتها بخشونة، لترتعب. سمعت صوتًا قاسيًا: "هو مين يا محروقة اللي بيعض؟"
لترتعب وقلبها يرجف: "هاه هاه، مفيش يا ابن عمي، مفيش. دا دا دا براء".
ابتسم براء على خوفها، رفع حاجبيه: "لأ والله".
ضغط أسمر على رقبتها فصرخت.
لسانك يا بت عمي، هاه عشان مازعلكيش؟ إني ماهفوتهاش إنك تتمجلتي على حد منينا، هاه. مش معنى إن جدك مدلعك تركبي وتدلدلي. وبطلي تتكلمي مصراوي، إنتي صعيدية. اتخبلتي؟ إيه طريجة حديتك دي.
لتدمع عيناها.
اقترب براء... سيبها، إنت عارف إنها ملحوسة. سيبها يا أخوي.
دفعها ليهتف براء... جدك عايزك.
هتف... طب هروحله، وإنت تتلمي. فاهمة؟
استدار وذهب لجده، لتقف وجد مقهورة.
قال براء بجدية... خلي بالك، أنا مش هحوش عنك كتير. هاه، إنت حرة.
لتخبطه... امشوا، إنتو عيلة شريرة، كلكو منكو لله. إيه ده، قاعدة في وسط غربان.
لتستدير حزينة، فهي لا تنسجم مع تلك العائلة إطلاقًا. فهي فتاة رقيقة، تعامل من قبل الكل بقسوة كبيرة، وخاصةً أبوها الذي يعاملها كأنها عار وفضيحة.
دخل أسمر على جده.
خير يا جدي.
ابتسم... تعالي يا ولدي. بجولك عايزك تكلم عمك جابر، ماحدش بيقدر عليه إلا إنت. وجد عايزة تسافر مؤتمر المهندسين ده يا ولدي، وعايزك تخليه يوافق.
قطب أسمر... جدي، تسافر فين دي؟ بجولك إيه؟ مش كفاية إننا خليناها تكمل علامها؟ البت مالهاش إلا إنها تخدم وبس. بطل تمرعها يا جدي.
هتف الجد... أكده يا ولدي، بتجهرني؟ وإنت عارف إن روحي فيها. دانت اللي بتاخد وتدي معايا يا ولدي. بالله خليه يوافق.
تنهد أسمر، فهو لا يراجع جده.
حاضر يا جدي.
ذهب إلى عمه بـ... ودخل عليه. ليبتسم عمه، فهو يحبه ويخشاه. فاسمر شخصية جبّارة، قاسي، لا يرحم أحدًا، ولكنه ليس كعمه، فهو يعرف الحقوق ويردها لأصحابها.
اقترب... كيفك يا عمي.
ابتسم... أسمر. تعالي يا ولدي، اجعد. خير.
قال أسمر... كنت جايلك في طلب.
تنهد جابر... جدك حدفك أكده صوح.
هتف أسمر... وجد هوديها المؤتمر بتاع الوزارة، أهو ممكن تروح كواجهة للشركة.
هب جابر غاضبًا... مالقيتش إلا الحزينة الهبلة دي يا ولدي؟ عملي الأسود وخلفتي العار.
تنهد أسمر... عار إيه يا عمي، عيب أكده.
صرخ جابر... لاه، عار البنت لما ميبقاش إلا هي، تبقى عار. إني عملت إيه في دنيتي عشان ربنا يبعتلي خلفة أكده.
أحنى أسمر رأسه باسي، فعمه قد أنجب وجد وأصيب بكنسر، ليصاب في رجولته، ليصبح بلا خلف طوال حياته، ويشعر بنقمة شديدة على ابنته.
صرخ... أمال إني بعمل ده كله لمين يا ولدي؟ شفت عمك وجهرته؟ ما عادش إلا اللي ييجي ياخدها ويشيل الجمل بما حمل، وآخرتها حالنا ومالنا للغريب.
تنهد أسمر... مش وقته يا عمي، خلينا بس نراضي جدي.
تنهد جابر، فهو لا يقدر أن يرفض لأسمر طلبًا، فهو فوق الكل وكلمته مسموعة. وأصبح له اليد العليا في الشركات. فبعد أن مات والده، أصبح هو وأخيه يتحكمان في نصيبهم الخاص بالشركات. وأيضًا لا يجرؤ جابر، رغم قوته وجبروته، أن لا يمثل لأسمر. فـأسمر فريد في طباعه، أخذ العنفوان والقوة، وضع فوقهم القسوة والصلادة، ليصبح الأسمر هو فارس عائلة أبو الدهب التي يهابها الكل.
جابر... طب يا ولدي، بس إنت عارف إني مش هأمن ليها تروح لوحدها.
هتف... هخليها تروح عند خالتها، خلاص أكده.
ليبتسم جابر... اللي تشوفه يا ولدي.
قام أسمر وتركه، فهب جابر غاضبًا إلى ابنته، ينغص عليها يومها كالعادة.
دخل جابر على ابنته... إنت يا بت، إنتِ ما وراناش غيرك وشاغلة جدك وأسمر. إني وافقت بس عشانهم، إنما إنتِ ولا تسوي حاجة.
أحنت وجد وجهها بحزن.
صرخ فيها... اسمعي، هتروحي تقعدي عند خالتك، تتنيلِ تخلصي وتيجي من سكات.
قالت بوجع... يا بابا، أنا راحة أتعلم حاجات كويسة، هبقى كويسة.
اقترب منها ومسكها من شعرها، فصرخت... هيا مين يا محروقة اللي هتبقى كويسة؟ لتكوني فاكرة نفسك حاجة؟ لاه، خلي بالك، إنتِ هنا، آخرتك هتتجوزي وتجيبيلي خلف رجالة أتباهى بيهم بدل العار اللي انحدف عليا. إنتِ آخرتك هحدفك لولاد عمك، وأراضيهم كمان ياخدوكي.
دمعت عيناها بقهر... ليه، حرام عليك. أنا بإيه عيب، ليه.
فصفعها على وجهها... بيكي عيوب الدنيا يا أختي، بيكي إنك مرة مالكيش خوات رجالة، ملطشة للكل.
نظرت إليه... وأنا ذنبي إيه أنا.
صرخ وقال... ماتنطقيش. ولو فاكرة إنك هتبقي حاجة، لاه، فُوقي. إنتِ آخرتها تحت جزمة الأسمر أو براء. فاهمة؟ وفلوسنا تبقى على بعضها، ويبقى قدامي راجل في عيلتي وخلفي بدل الشين اللي انحدف منك.
ليرميها أرضًا ويخرج. وتسقط هي تنتحب بقهر، فهي تشعر أنها تعيش الجحيم من ذلك الأب الذي فقد الرحمة.
في أحد الأيام، دخل أحد الخدم... سي جابر، جايلك رسالة.
نظر إليه واجمًا... مين، يا فتاح.
قال الرجل... ما خابرش.
مسك الرسالة، ليتجمد هو ويهب بعنف وغضب، ليهتف صارخًا، ما جعل أسمر يهب إليه...
رواية عودة الذئاب الفصل الرابع 4 - بقلم ميفو السلطان
وقف جابر يقرأ الرسالة. تجمد مرة واحدة. هب منفعلاً يصرخ:
"هو فيه إيه؟ مين ولد المحروق ده؟ فيه إيه؟ هيا حصلت يبعتلي كمان بالدار؟"
هتف أسمر:
"إيه يا عمي؟ فيه إيه؟"
صرخ:
"فيه إيه؟ ده بقالي ياما أكده بيجبلي رسالة أهيه، شوف."
أخذها أسمر يقرأها ليستعجب من الرسالة. رسالة عليها آثار دماء وبها جملة واحدة:
"دم أبو الدهب غالي، وفيه الرخيص. بس الغالي تمنه هياجي من دم الرخيص."
قطب أسمر:
"إيه ده يا عمي؟ فيه إيه؟"
صرخ جابر منفعلاً:
"ما خابروش يا ولدي، بقالي شهر بيجيلي رسايل منين ماروح. ماعرفش إيه ده. تليفون ورسايل ومراسيل وكتابة على العربية. حاسس إني هنجن. كل دقيقة رسالة. مرة لقيتها في جلابيتي. ما خابروش. منين مروح."
أسمر:
"ما جلتش ليه طيب؟"
جليل:
"إنت عقلك بيه حاجة؟ أجبهولك متربط لحد عندك."
جابر:
"يا ولدي، إني جلت إنه عيل خروبي، بس كتير أكده. إنه يبعتها ملخبطة بدم. لا فيه حاجة واعرة. هو فيه إيه بس؟ إني تعبت، وأعصابي تعبت."
قطب أسمر وهتف:
"إحنا ما علينا تار يا عمي. إحنا عيلتنا كلها مالهاش حق عند حد. أمّال مين ده؟"
جابر:
"ما خابروش. جايز منافس بينا يا ولدي، والا إيه ده؟ حد فاضي ليا أنا وبس؟ وإني ما عملتش حاجة لحد. وعلاقتي زينة مع المل. عمك مالوش عدو يا ولدي. إني يا ولدي مرة لقيت دم مكبوب على العربية وجطمت، جلت ده واغش وخلاص. إنما لحد الدار."
هنا هب أسمر:
"عموماً يا عمي، منافس مش منافس، أسمر هيدفنه مكانه. اطمن، مش أسمر اللي يقدر حد يجرب من عيلته، والا بس يفكر. إن كان هو خط بالدم، إني هجيب رقبته ودمه يسيح لحد عندك. ماحناش جليلين. أسمر سليل عيلة أبو الدهب، جادر ووجت الفجر فاجر. اطمن، إني هتصرف."
استعدت شجن للسفر. اقتربت من مهره:
"مهره، حضريلي شنطتي. أنا هنزل أجيب حبة حاجات، وما تنسيش الفستان الروز."
تنهدت مهره:
"وده هتاخديه ليه؟ إنت رايحة رحلة والا فرح؟"
نظرت إليها شجن:
"الله؟ مش جايز نحضر مناسبة؟ وأخطف قلب صعيدي وأجيبهولكو عندكوا؟ مش صعايدة إحنا يا بت أبوي."
ضحكت مهره:
"قولي كده قدام أخوكي عشان يجيب رقبتك نصين. يلا يا هبلة، ما تتأخريش عشان لو جه، إنت حرة."
رفعت شجن يديها:
"لا لا لا. خلاص، بسرعة أهو."
وتركتها مسرعة وخرجت. اتجهت مهره إلى دولاب شجن وبدأت تعد لها الشنطة. اقتربت من الفساتين ولمستها رغماً عنها. فشجن من النوع الحالم، تحب الفساتين الرقيقة التي تشبه لبس الأميرات. كانت مهره لا تقرب الفساتين أو تفكر أن تشتريها، ولكنها بداخلها تتمنى. اقتربت من فستان شجن وظلت تتلمسه وتبتسم. كان فستاناً بأكمام منفوشة من التل وفتحة صدر مربعة صغيرة، ينزل من الخصر منفوشاً بطبقات من التل الناعم. بدأت تلمسه وتتحسس نعومة الفستان. أخذته واتجهت للمرآة وبدأت تضعه على جسدها وتنظر إلى نفسها وتبتسم وتدور به. تنهدت ووقفت. تلاشت ابتسامتها، وأحنت وجهها، واحتضنت الفستان بقوة.
"قلبك يا مهره جواه ميت وجع. بتعملي إيه؟ بتوجعي نفسك ليه؟ بس دي مش دنيتك. تلمست الفستان. نفسي ألبسك وأبقى أميرة في عالم بعيد. يجي أميري يحاوطني ويحسسني إني تحت جناحه. أنا آه قوية وقادرة، بس مش عايزة ده. قوتي بتوجعني. نفسي أبقى ضعيفة. نفسي حد هو اللي يمشيلي حياتي. أسمع وأقول حاضر. أبقى ست. هفضل عمري كله باردة وقادرة. واللي يشوفني يخاف يقرب مني. بيقولوا مهره اللي مابيهمهاش حد. جبروت. ما يعرفوش الجبروت ده شكله. بس مسكت يدها ونظرت لأثر الحرق. جبروت اتختم بالنار والحرق جاب رماد وغبار الموت. موت مهره وأحلامها."
هنا دخلت شجن ونظرت بأسى لأختها وهي تحتضن الفستان. اقتربت منها لترتبك مهره وتتصنع أنها ترتبه.
اقتربت شجن بمرح:
"إيه؟ استني. ما تيجي أشوفه عليكي. أنا نفسي أشوفه عامل إزاي."
تجمدت مهره:
"تشوفي إيه يا هبلة؟ أنا بتاعت كلام من ده. بطلي ويلا، اخلصي."
اقتربت شجن:
"وحياتي، وحياتي، ورحمة أبويا يا شيخة."
ظلت تتوسلها. تنهدت مهره بغلب وهي من داخلها تتمنى أن تلبسه. خلعت ملابسها ولبست الفستان. اقتربت شجن وفكت شعرها لتصبح أميرة عن حق. أطلقت شجن صفيرة:
"يا لهوي! إيه ده يا بت؟ مزة يا بنت الـ... أنا ما أعرفش إنت يا بت مجنونة؟ حاطة باروكة على شعرك الأسود ولونها يقرف الكلب؟ إنت عاملة زي الخرامية اللي بيتخفوا."
نظرت إليها مهره بغضب. تنهدت:
"خلاص، هقلعه. أهو. دانتوا صعبين. الخط وأخته. بصي والنبي قمر إزاي. يا بت، بدل العساكر دي، مخبية بلاوي. منك لله."
خبطتها مهره:
"أوعي عبثك شكلك. مش شفتيه؟ يلا، هقلعه."
اندفعت شجن:
"طب استني."
بدأت تصورها ومهره تنظر إليها بغضب وتحاول أن لا تجعلها تفعل ذلك. خرجت تجري من الحجرة وهي تصرخ فيها. لتبهت عندما وجدت نديم يدخل من الباب. تجمدت وبلعت ريقها.
وقف نديم يتأملها وعلامات الغضب بدأت تظهر عليه. شعرت شجن بالذعر وعلمت أن هناك عاصفة ستنال منهم.
اقترب نديم. نظر إليها بغضب:
"هيا حصلت النسخرة دي يا بت أبوي؟"
لم تنطق مهره. فاندفعت شجن:
"ده كنت بتقسهولي والله عادي."
صرخ:
"اخرسي. وخشي غوري جوه."
ارتعبت وهربت من أمامه.
اقترب يلف حول مهره ويتأملها وهتف بغضب:
"إيه الجرف اللي لابسااه ده؟ إنت عقلك اتلحس يا مهره؟"
تنهدت بوجع:
"اتلحس ليه يا نديم؟ فستان عادي."
صرخ:
"لأ مش عادي. مهره مش بتاعة فساتين. هاه؟ مهره ما تفكرش في فساتين ولا كيف الحريم. إيه؟ هتلبسي فستان وبتحلمي بإيه؟ ينسيكي إحنا إيه؟"
اقترب ومسكها بعنف:
"مهره ما عندهاش جلب ولا تعرف الضعف. مهره ما تلبسش كده، فاهمة؟ إنت تلبسي اللي خطتهولك وحبتهولك وشكلك يفضل كده."
صرخت بانفعال:
"بباروكة وعدسات. تعبت. تعبت."
صرخ. مسك يدها بعنف:
"مهره ما بتتعبش. مهره ضهر النديم. اصحك تنسي العهد."
أحنت رأسها بوجع. فمسك وجهها بين يديه:
"عهد مهره للنديم. حالك هو حالي يا بت أبوي. والا إيه؟ فيه جوامي جديد؟"
ابتسمت له:
"جوايا. أنا عمري ما كان جوايا إلا إنت يا نديم، إنت وشجن وبس. أنا عمري ما كان ليا حاجة أصلاً. اطمن، مهره عهدها سيف على رقبتها."
واستدارت وتركته. وقف هو يشعر بداخله بوجع داخله لا يفارقه أبداً. فبداخله يشعر ببعض الذنب تجاه ما فعله بأخته.
سافرت شجن إلى الأقصر مع أصدقائها. نزلا معاً في أحد الفنادق وبدأت رحلات السمر والخروج. وكانت تصاحبهم سيدة صعيدية تساعدهم على لبس الثياب الصعيدية وتضع لهم لمسات الطبع الصعيدي.
لتقترب شجن منها:
"ممكن أسألك سؤال؟"
قالت السيدة:
"جولي يا بتي."
ابتسمت ببراءة:
"نفسي أحضر فرح أو أي مناسبة. ممكن يا طنط؟"
لتبتسم السيدة:
"وماله يا بتي؟ هتجيه إنت وأصحابك اللي هناك دول؟"
لتخاف شجن:
"لأ، هاجي لوحدي. هما مش بيحبوا."
كانت تعلم أن مشرف الرحلة سيرفض.
"بصي، نص ساعة وهاجي معاكي. بس معلش، ما تقوليش. هاجيلك كمان شوية، ماشي."
لتبتسم السيدة وتنصرف. ذهبت هي إلى المشرف تتصنع المرض:
"أنا هطلع أوضتي أنام يا مستر محمود. أنا تعبانة وبكرة هنزل ليكو."
تمنى لها الرجل الشفاء. لتصعد وترتدي فستانها الذي يظهر جمالها، لتنزل للسيدة.
هتفت السيدة:
"إيه ده يا بتي؟ لبسك ده ينفع عاد عوايدنا يا بتي."
قالت شجن:
"إيه يا طنط؟ ما عيش غيره."
قالت السيدة:
"طب تعالي، وربنا يستر."
لتاخذها ويذهبا إلى أحد الأفراح القريبة. لتقف شجن ترقص مع الفتيات. كانت سعيدة وكانت تجاريهم في الرقص بالصعيدي وتتحدث معهم بالصعيدي، فاخوها يخاطبهم في البيت بذلك.
مر الوقت لتجلس هي متعبة. كانت تسمع الألحان والموسيقى من بعيد. سهمت في السماء وجمالها. لتقوم بهدوء وتتسلل إلى أحد الأماكن القريبة من الصخور. جلست عليها تسمع موسيقى الرجال من بعيد وتراهم يمرحون ويصيحون. لتحس بإحساس يأتيها غصب عنها. كانت تحب الرقص بشدة، وكان اخوها يحرم عليها ذلك، ولكنها لم تستطع أن تقاوم نفسها. لتقوم وتلتف حول الصخور وتفتح تليفونها وتنيره بهدوء وتبدأ في التمايل بهدوء وتصور نفسها.
كانت تعشق التصوير أيضاً. لظل تتمايل بحالمية وشعرها يتمايل حولها. كانت تلمع في الظلمة من جمالها. ليمر وقتاً وهي حالمة ولم تحس بذلك الذي كان يمر وشل مكانه.
كان يجلس مع الرجال ليقرر أن يرحل ويأخذ مكاناً مختصراً عائداً إلى القصر. ليمر بين الصخور. قطب جبينه عندما سمع صوت موسيقى. انشل عندما وجد تلك الفاتنة تقف وحيدة ترقص بمفردها. تلفت حوله مرعوباً أن يراها أحد.
"نهار أبوك وعيلتك طين؟ مين دي يا مصيبة سودة؟ أهلك فين؟ لابسة وواقفة تتمايل كيف الجمر؟"
سمع صوت أحد الشباب يأتي صاخباً من قريب. ليندفع مرة واحدة يذهب إليها. تسحب واحتضنها من الخلف. كتم فمها. كان يعلم ماهية أولئك الشباب ويعلم أنهم لو رأوها في ذلك المكان سيفترسوها حية. وبينما هي تتمايل ارتعبت حين انقض عليها من الخلف ما لم تتوقعه.
شعرت بالرعب. ظلت تتملص منه. فشدد عليها وكتم صوتها بقوة خوفاً عليها. لتسقط مغشياً عليها. فهي من محاصرة أخواتها لها ضعيفة، هشة، تشعر بالخوف من أقل شيء.
أخذها بعيداً وحملها بسرعة وذهب بها إلى عربته حتى يحميها. فمن يراها حتى لو كان قديساً لن يفلتها. ظل يقود حتى وصل إلى مكان آمن لهما. مكان أيضاً بين الصخور بعيداً عن الناس.
اقترب ينظر إليها وهي نائمة يتأملها. أزاح شعرها عن وجهها ليهتف:
"مين الجمر اللي بيبرج ده؟ يا جماله. كان يتفرسها وينظر لها برغبة شديدة."
همس بهيام:
"واقفة تهز يا جامدة في الخلا؟ مخبولة إنت؟ إياك والا فين ناسك؟ حد يسيبك كده؟ دا ينجفل عليها ألف باب وباب. تلمس شعرها. حلو نار ده."
وضعه على أنفه ليحس بها تتغلغل بداخله. تنهد:
"طب أعمل إيه دلوقتي؟ طلعتيلي منين يا بت الجنية؟ جمر وكله جمر. ومافيش فيه حتة إلا ما تاخد العقل. بس ده لازم يتخبي. ما حد يوعى له. حد يشوف الجمر ده."
داعب وجهها بحنان وظل يمسد عليها:
"أنا ما شفتش حد أكده واصل. لمس وجهها. إيه النعومة دي."
وجدها تتململ ليبتسم وهو يتأملها ولا يحيد عنها. بدأت تفيق. هي نظر إليه هامساً:
"يا جمدانة. دا مخدته تبقي نار أكده تصحى تاخد العقل. جمر يا بت الـ... "
فتحت عيونها. ظلت تنظر إليها لتهب وتبتعد وتنظر لنفسها برعب. تفتش في نفسها.
اندفع قائلاً:
"أهدي. أهدي."
اندفعت تخرج من العربة بخوف. نزل مسرعاً يقف أمامها. لتنظر إليه دامعة:
"إنت مين وعايز إيه؟ والله لو قربت وقللت أدبك كده، والله هموتك موت. وريني نفسك."
ضحك:
"مالك عاملة سبع رجالة كده يا بت؟ دانت كتكوت. لو قربت منك هتموتي في يدي."
أحست بنواياه:
"إنت قليل الأدب صح؟ أنا عرفتك. إنت من بتوع قلة الأدب."
ضحك وهتف، غامزاً:
"لو عايزني أقل أدبي؟ ياه، دا يوم الهنا يا أم الشعور."
تحولت نظرته إلى رغبة وبدأ يقترب منها. ارتعبت وتراجعت.
"لأ بقولك إيه. أموت أنا. مؤدبة."
غمز لها:
"طب هاتي بوسة. طالما بتجولي عليا كده."
صرخت:
"آه يا زبالة يا واطي. أنا ما حدش باسني قبل كده. منك لله. عايز إيه إنت؟"
كانت تشعر بالجنون وتحاول أن تبحث عن أحد الأحجار وهو يتأملها باستمتاع.
لتجد فرع شجرة لتحمله.
كان ثقيل عليها. لتهجم عليه وهو يضحك بشدة، وهي مغتاظة من ضحكه.
صرخت: "غور عبّوشكلك غور!"
كانت تحاول أن تضربه. اندفع يحملها لتصرخ. وهو يحملها على ظهره، لتصرخ وتضربه على ظهره وتصرخ: "نزّلني يا حيوان!"
خبطها على مؤخرتها: "أما تتلمي."
صرخت: "بقولك نزّلني هاه بقولك."
ضحك: "تحايلي عليا شوية."
لتتنهد وتسكت. دار بها: "يلا."
كلبشت فيه: "ممكن تنزلني؟"
أحس برقتها ليبتسم وينزلها ويهمس: "بس بشرط ما تهبّيش فيا."
تنهدت وقالت: "طيب نزلني."
ليهتف: "أحلفي."
قالت: "والله ما هزعق خالص. نزلني بقى."
ابتسم: "عيون القمر تؤمر."
نزلت وظلت واقفة. اقترب منها وقال: "بتقوللي ما حدش باسني. القمر ما حبّش جبل أكده."
فنظرت إليه غاضبة. فهتف: "لا، أنت حلفتي إنك مش هتزعجي."
تنهدت وقالت: "أنا ما قربتش من حد قبل كده. وحتى لو قربت مش هسمح يقرب مني كده. الحاجة العزيزة غالية. ما حدش يطولني إلا بالحلال عشان لما أكون ليه يعرف إن هو أميري مش حد تاني وما أقولش من نفسي."
نظر إليها مستعجباً: "على فكرة دلوقتي البنات بيصاحبوا وبيجرّبوا وفاكرين إنهم كده عادي."
تنهدت: "طب افرض سبنا بعض ولمسني أبقى كده عملت حرام وعيب، ويجي واحد تاني أعمل معاه الحرام والعيب. أبقى أنا بقى لغيره ولغيره، وأستسهل الحرام. اللي يعمل الحرام ويعتاد عليه بيعمل حرام أكبر وأكبر."
نظر إليها بتعجب. فابتسمت: "إيه مش مصدق؟"
نظر إليها: "شكلك مش باين عليكي كده."
تنهدت وقالت: "أنا آه مش محجبة وطايشة، بس أصلي صعيدي وأخويا دايماً نصب عيني. واستحالة أعمل حاجة توجعه، وأختي ما بتسبنيش. بصراحة هما مختلفين عني وفي عالم بعيد، بس أنا من غير حتى ما يراقبوني استحالة أعيب في حقهم."
ابتسم وقال: "نادر لما ألاقي بت بتتكلم أكده."
ضحكت: "لا فيه، بس بصراحة مش كتير قوي."
قال: "طب لو حبيتي بقى وكده. عندكم بيحبوا المستوى والفلوس. المصاري طموحاتهم عالية."
نظرت إليه: "مين أنا بتاعة فلوس؟ لا خالص. أنا عايزة حنية وبس. عايزة قلب وبس. أخواتي صعبين قوي. عايشة لوحدي. ما بحسش إني حد عايزني. عايزة قلب يشبعني حب. قلب يشوفني غالية في عينيه، مش بنت جميلة وخلاص. عايزة لما يجرالي حاجة يشوفني أجمل واحدة. فلوس إيه؟ الفلوس ما بتشتري حياة، ما بتشتري مشاعر."
اقترب منها ونظر إليها نظرة كلها مشاعر: "يعني لو جالك اللي يشيلك في عينيه وما معهوش حاجة."
قالت مندفعة: "أحطه في قلبي وأشيله في عيني."
سمع صوتاً من وراءه ساخراً. ليشدها مسرعاً خلف ظهره وينظر أمامه ليجد ما جعله يرتعب على تلك الجميلة التي معه.
في مكان قريب...
كانت مهره قد سافرت للأقصر من أجل أول خطوة في خطة أخيها. كانت تجلس في فندقها لتقوم وتنظر لنفسها. كانت تكره تلك الشخصية المتكلفة. كانت ذات شعر أسود وعيون خضراء وبشرة بيضاء. أما شخصيتها بالشركة مختلفة. مهره القوية المتكلفة تلبس باروكة مائلة إلى الحمار تنزل على وجهها تخفيه تقريباً. وعيونها الزرقاء تعطيها شيئاً من الجدية. كانت تضع مكياجها يغير وجهها وتلبس نظارة وتضع حسنة بجانب شفتيها لتكتمل الصورة. صورة قاسية لامرأة حديدية تقود شركة بيد من حديد. وصيتها ذاع باسم المرأة الحديدية.
سنين منذ أن أسس نديم الشركة وهي لا تظهر إلا بتلك الصورة. ونديم لا يظهر من الأساس. كانت الشركة تكبر وتكبر وهو يخطط لها أن تسير على نهج واحد لا تبتعد عنه. وقفت تنظر لنفسها بقهر: "هتفضلي لحد إمتى عايشة الهم ده؟ هترتاحي إمتى يا بنت عامر؟ عايشة عمرك بشخصيتين. شخصية مغلولة ماشية ورا أخوكي في سكة الله أعلم بيها. وشخصية نفسها تعيش حد يحن عليها ويطبطب. أنا عشت عمري كله من غير حنان. نديم صعب ما ادانيش حتى فرصة أبقى بنت. كله أوامر وتحكمات. لما قلبت جلده ما بتحسش. أعمل إيه؟ تعبت من تكلفي. تعبت والله تعبت."
لتتنهد وتلمس وجهها لتهتف: "هارتاح بس لما القلم ده يترد أضعاف أضعاف. هرتاح لما قلب أخويا يرتاح."
وقفت أمام المرآة. أمسكت الباروكة. تنهدت: "إيه القرف ده؟ أعوذ بالله. غراب شكلي. شكل الحداية. أقسم بالله العالم بتخاف مني."
شدت منديلًا ومسحت مكياجها والحسنة وأزاحت النظارة. خلعت عنها عنفوان القوة وتعود تلك الجميلة لهيئتها الطبيعية. عيونها رائعة خضراء وتدلي شعرها الأسود اللامع بلا كل المساحيق البشعة لتبدو أنثى تخطف القلب. تنهدت. شعرت بالخنقة. لتنزل إلى الأسفل.
نزلت تدور في حديقة الفندق. كان هناك مكان يطل على النيل. اتجهت إليه تجلس عليه وتسهم في دنيتها كيف تغير بهم الزمن. كيف اجتهدت مع أخيها. كان يصارع الحياة ليعلو ويعلو بذهب أمهم. ذهب تلك الغازية التي وصموها بالعار. وهي تابت لربها فقبلها رب العباد ورفضها العبد. ورغم كرهها لتلك العائلة كانت تعيش على وصية أبيها. تتمنى أن تنفذ وصية أبيها. ولكن لنديم رأي آخر. أراد نديم أن يأخذ حقه من تلك العائلة التي خلعت قلب أبيهم وأمهم. هزت رأسها تطرد أفكارها. تخلي رأسها الذي لا يكف عن التفكير. لتمد يدها إلى الماء ولكنها انزلقت بشدة إلى الماء. لتشهق عندما رفعت لفوق محموله في أحضان أحدهم. تتعلق به تهمس بخوف: "ما بعرفش أعوم." ليحتضنها ويشدها إليه بقوة. رفعت عيونها ويدها على صدره. نظرت إليه لتصدم وتنشل مكانها. لتجد أمامها تلك العيون التي نامت عليهم كثيراً. تحفظها عن ظهر قلب. وهيا عيون...
رواية عودة الذئاب الفصل الخامس 5 - بقلم ميفو السلطان
وقعت مهره في أحضان شخص، حاوطها بيديه وشدد عليها وضمها إليه بقوة حتى لا تقع.
رفعت عيونها إليه، فتجمدت لوهلة وتلاقت عيونهما، وما كانت إلا عيون الأسمر أسد عائلة أبو الدهب.
خفق قلبها بشدة، ظلت ساهِمة، كانت تحس أنها تعرفه، كان كل لحظة بحياتها قادتها لهذا اللقاء، لهذا التلامس. كان الزمن تجمد في هذه اللحظة التي تجمعت فيها كل مشاعرها المكبوته.
حاوطها أكثر، فزادت رجفة قلبها بشدة من قربه، وكأنها تغرق في بحر عينيه. كانت نظراتهم ساهِمة لا ترسل إلا شرارات القلوب، شرارة الأسمر لتلك المهره، شرارة تولدت من أول نظرة، لمسة، قرب.
أما هو، فكان كأنه مسه أو حدث له شيء من السماء، فهو الأسمر فريد، ليس شخصاً عادياً. بارد الطباع، قوي، لا ينصاع لقلبه من الأساس، ولا يعرف عن المشاعر شيئاً، بعيد تماماً عن أي حياة إنسانية، مجرد آلة للعمل والصراع من أجل عائلته. سمته التعالي والسلطان حليفه، وفعله القسوة.
ولكن تلك اللحظة كانت مختلفة، تاهت قوانين الأسمر، كان شيئاً غريباً تسلل إلى قلبه، شيء بعيد عنه تماماً. كانت تلك المهره فجرت بداخله مشاعر من حيث لا يدري، بسحر عيونها ولدت مشاعر كان قد نسي وجودها.
كان الرحمن غرز بذرة في داخل القلب، مهما جنح وشرد، مهما تعالي وتجبر. الضلع الشارد، ضلع الأسمر الناقص، لتقع تلك العيون أمامه، عيون المهره التي خطفت قلبه، قلب الأسد.
ظل حاملاً إياها بين أحضانه لوهلة، وعيونه مسلطة عليها، ويداها على قلبه. تاهت المهره في نبضات قلبه، وتاه الأسمر في سحر المهره.
لتفيق لنفسها وتتململ، شعرت برهبة لاول مرة في حياتها، ما جعلها تشعر بالخوف على نفسها. لم يكن خوفاً عادياً، ولكن خوف من فتح باب أغلقت عليه من زمن وشدت عليه سلاسل الوجع. انفلتت منه تندفع بعيداً مسرعة، وكأنها تهرب من نفسها. وجدها تنفلت منه وتهب بعيداً، اندفع بلا تفكير، يقف أمامها. حاولت أن تعبر وتتخطاه، ولكنه وقف مرة أخرى أمامها. كان قلبه يرن في صدره، لم يعد قادراً إبعاد عينيه عنها.
ابتلعت ريقها، لم تعلم لماذا أحست بالضعف، أين المهره؟ تنهدت وحاولت أن تبدو طبيعية، وقالت بهدوء حتى لا يظهر صوتها مهزوزاً:
"لو سمحت..."
ابتسم على رقتها، نظر إليها نظرة لم يعلم من أين خرجت أساساً، كانت نظرة كلها رغبة لتلك الجميلة التي احمرت خجلاً. فشخصيتها تلاشت، تلاشى عنفوان المهره بخلعها هيئتها السابقة التي تعطيها القوة. ولكن ما إن تعود لنفسها، تعود تلك البريئة التي تحاول أن لا تظهرها، ومع وجود الأسمر بحضوره الطاغي، هز بداخلها شيء لا تعلمه، جعلها مرتبكة، مهزوزة، ضعيفة بشكل لم تعهده من قبل.
لتسمعه يقول مبتسماً، ونزل بوجهه بالقرب منها وغمز:
"لو سمحت إيه؟"
قطبت جبينها وهتفت غاضبة:
"من فضلك عديني."
قال بلين:
"ليه، هو أنا ضايقتك؟ دانا حتى أنقذتك، والا إيه."
تنهدت بغلب:
"شكراً يا سيدي، ممكن بقى."
إلا أنه لم يتحرك، قال برجاء:
"طب ممكن بس تقعدي وتهدي، انتِ بتترعشي."
تقدم بلا مقدمات ومسك يدها، فأحس برجفتها، ابتسم وأجلسها بهدوء، والعجيب أنها انصاعت له بلا أي مقاومة. كانت عيونه تشع قوة، أحست لبرهة أنها تحتاج لتلك القوة، لمن يتحكم فيها وليس العكس، لتستكين أمامه رغماً عنها. أحس بنبضات قلبه تضخ بقوة عندما استكانت له بهذا الشكل.
جلس ومسك يدها يمسد عليها، حاولت أن تشدها، همس بحنان:
"اهدي، انتِ بتترعشي."
تنهدت وأحنت رأسها، سقط شعرها يخفي وجهها، مد يده يزيح شعرها عن وجهها، لتهمس بتوتر:
"من فضلك."
ابتسم واقترب:
"من فضلي إيه بس... عيونك دي فيها إيه."
احمرت خجلاً، ماذا يفعل بها، لا تعلم. من هذا ولماذا اهتزت أمامه وقربه لا يجعلها تكون المهره من الأساس؟ أين ذهبت؟ تلاشت أمام الأسمر وضاعت قوتها هباءً.
ابتلعت ريقها:
"لو سمحت، إيدي."
شدها إليه أكثر:
"لو سمحتي إنتِ بطلي عاد."
همست:
"انت طبيعي؟ أوعي إيدي، فيه صعيدي بيمسك إيد واحدة."
ضحك:
"لما الصعيدي يلاقي جنيته يمسكها، امال يسيبها تفلت بعيد إزاي."
نظرت إليه برهبة:
"جنيته! انت بتقول إيه؟ أوعي إيدي، عيب كده."
إلا أنه لم يمتثل لها، اقترب:
"الأميرة تسكت خالص، تجول حاضر عشان أنا كلمتي هتمشي وتتسمع من سكات. أنا مش أي حد."
نظرت إليه بغرابة، ورجف قلبها، وتراقص بداخلها شعور غريب، فهو يفرض سيطرته بسهولة ويسر عليها، والغريب أنها تتقبلها. كانت تتمنى عمرها رجلاً قوياً يدخل حياتها، يطوعها ويدخلها تحت جناحه. وذلك الفارس بنظراته يشع قوة، فارس تمنت دائماً أن يكون بحياتها.
تنهدت وهمست:
"اسمع من سكات إيه؟ هتخرسني؟"
ضحك:
"لأ، أخرس إيه، داني عايز أسمع وأسمع وأسمع... مش معنى إنك تسمعي لرجلك يبقى عيب..."
نظرت إليه برهبة:
"انت عقلك فيه حاجة؟ راجلي إيه؟"
ضحك:
"يعني يا ستي، مشي الكلام. هتجفي على كل كلمة. عموماً، الراجل اللي حرمته تسمع له دا ماهواش وحش. مش معنى إنك تسمعيها تبقي تتخرسي. لأ، تسمعيله محبة، تسمعيله تعرفي إنه هيحطك جوه عيونه، تسيبيله نفسك خالص وهو هياخدك في حضنه ولا حد يجرب منيكي. الراجل الزين مرته تندس في حضنه بكيفها عشان هو بتاعها وبس."
لتتنهد وتهمس:
"وساعات تنقلب تحكم وجبر..."
ابتسم:
"صوح ساعات... بس عارفة الجلوب والمشاعر بتجلب التحكم ده لفرح، والست تتمنى راجلها يتحكم ويعمل فيها مابداله، بس يعمل بالخير. العشق والمشاعر بتخلي اللي مابينهم يدوب، والست تحب تحكمه وسيطرته."
نظرت إليه باستغراب:
"انت غريب قوي..."
ضحك:
"غريب؟ آه والله غريب، أنا نفسي مامصدقش كلامي ده. إني عمر ما بصيت لست من أساسه، جاسي ونافر وطايح، بس ماعرفش جرالي إيه لما شفتك. وعيونك جت بعيوني ويدك انحطت على جلبي... مستني، واني اللي عمر ما جلبي حتي رف لجنس إنسي. ماعرفش جرالي منك إيه."
نظرت إليه ساهِمة وبدون وعي، وتذكرت فيلمها الذي تعشقه، فيلم السندريلا وفارسها الذي سيسرق قلبها. إلا أنها انتفضت وتذكرت أخيها، وقامت:
"مفيش، ما جاش حاجة، مفيش..." لتندفع تمشي.
هب يقف أمامها:
"لأ فيه، بصي في عيوني وجولي مفيش. شرارة حصلت بيناتنا... دا فيه وفيه بالجوي، ولما الأسمر يجول فيه يبقى فيه. إني خابر بحالي وما جراليش أكده قبل سابق، إني اتهزيت بسببك، ودا له تمن، وتمن غالي، ماسيبش اللي حصل ده يمر أكده مرور الكرام."
قطبت جبينها ونظرت إليه ببلاهة. اقترب وشدها إليه:
"فيه حاجة اسمها لغة العيون... سمعت عنها كتير، عمري ما صدجتها، بس حصلت وحصلت دلوك. مين كان يصدج إني أجول أكده؟ أسمر يتكلم في لغة العيون وشرار الجلوب."
لتدفعه وتهتف:
"بطل بقى، أنا ماعرفكش." واندفعت تمشي مسرعة.
اندفع مرافقاً لها.
يمشي بجوارها:
"أسمر..."
تنهدت:
"يا يا أستاذ، إنت باينك فاضي. هو إيه اللي أسمر؟ أوعي، عديني، امشي. وروح لحالك، ماشوفكش تاني."
إلا أنه اقترب مسرعاً، مسكها من يدها وشدها مسرعاً بقوة، يندفع بها إلى منزل النيل.
صرخت:
"إنت موديني فين يا مجنون؟ انتِ أوعي، انت مفكرني إيه؟"
ضرب بصريخها عرض الحائط، وتلاشى تعقل الأسمر، كان مندفعاً لقربها بشكل جنوني. لم يعد للعقل سيطرة من الأساس. اقترب وحملها، وجد أحد المراكب، قفز عليه بها ووضعها.
صرخت تضربه:
"أوعي، انت واحد معتوه، أوعي."
أجلسها واندفع مسرعاً يسير بالمركب حتى لا تتركه.
وقفت تنهج وتنظر بغيظ.
أوقف المركب أخيراً في عرض النيل، واستدار إليها ووقف يتأملها مبتسماً.
قالت غاضبة:
"انت واحد معتوه! إيه جبروتك ده؟ طايح، انت ماحدش بيقدر عليك."
ابتسم:
"تصدقي بيجولوا عليا أكده. اقترب منها فصرخت. عارف، أنا مش أي حد."
ابتسم وقال:
"إني عارف إنك مش أي حد، والا ماكنتش اتصرف كده. إنت اللي هزت أسد الصعايدة، وماخابرش كيف ده حصل."
نظرت إليه بغيظ:
"يا جدع إنت، إنت مجنون؟ رجعني، مش هيحصلك طيب." ضحك وهز المركب لترتعب وتمسك فيه، فضحك أكثر لتصرخ: "ما تتلم بقى، عبشك شكلك."
ضحك عالياً:
"تصدقي لو جالولي إن فيه حرمة هتشتمني، كنت جولت عليهم مهابيل ودفنتها مطرحها. بس ماخابرش مالي."
نظرت إليه بتهكم:
"حرمة؟ ومالها الحرمة يا سي بتاع إنت."
اقترب مسرعاً:
"لما تبقي حرمة جمر بعيون خضر، تبقي أحلى حرمة."
بدأ صدرها يعلو ويهبط من انفعالها، ابتلعت ريقها. اقترب منها:
"عيون لون الزرع الأخضر، الواحد يتوه فيهم... إنت عارفة إني عمري مابصيت في عين مرة من أساسه، بصتي ليكي غير."
سهمت في كلامه، رفع يده لامس خدها وهمس:
"الجمر لان، وتاه زي ما توهني."
انتفضت وعادت لنفسها، غضبت من فقد سيطرتها على نفسها، فانفعلت:
"لأأأ، انت مش طبيعي! إيه ده؟ أوعي."
ابتعدت وجلست، وقف وظل يتأملها بعيون تخصها. لتصرخ:
"إنت بتبص على إيه يا مجنون انت؟ انت جرالك حاجة؟"
هز رأسه:
"مش عارف جرالي إيه، بس وجودي معاكي هيخليني أعرف. آخر الليل هعرف، لما أفضل باصص ليكي أكده."
نظرت إليه بغضب:
"هو إيه اللي جرالي؟ أنا مالي بيك يا عم إنت." لتحاول أن تستعيد نفسها القوية: "روحني، أما أغور من خلقتك. إنت مش عارف أنا مين، أنا مش قليلة."
تنهد وجلس بالقرب منها وتجاهل كلامها:
"إنت منين."
قالت بسماجة:
"من السلوم، تيجي معايا."
ضحك غامزاً:
"أجي معاك يا وحش جهنم... اقترب وشدها. جولي إنت منين عشان إني مش هسيبك إلا أما أعرف إنت منين."
تنهدت:
"أيوه، إنت مالك؟ أنا ماشية بكرة، عايز إيه إنت."
مط شفتيه باعتراض:
"ماعرفش، بس ما اهتمش بكره، إني حاسس بكده."
رفعت حاجبيها:
"بجد، انت مش طبيعي يا أستاذ، عيب بقى."
ابتسم:
"طب اسمك إيه."
قطبت جبينها لتهتف:
"مابديش اسمي لحد."
اقترب يشدها:
"أنا مش حد، أنا أسمر."
هتفت باستغراب:
"هو إيه اللي أسمر."
ضحك:
"أنا، أنا أسمر. إنت إيه."
قطبت جبينها تتذكر اسم ابن عمها، لتتنهد وتنفض الفكرة:
"ماعتقدش فيه مجال تعرف اسمي."
وقف أمامها، مسك يدها:
"ليه."
نظرت إليه غاضبة:
"انت عندك أخوات بنات؟" ليهز رأسه. تنهدت: "طب ترضي لو عندك تعرف حد."
ابتسم:
"لو الحد ده من ساعة شوفتها جراله حاجة لخبطته وحاسس إنها بتاعته، يبقي فيه حاجة مانقدرش نقف قصادها. لو الحد ده مش مؤذي ومش لعبي، وهيجي يوم يبقي غرضه شريف، ليه لأ."
لتنظر إليه بذهول. لم يكن يعلم لماذا قال ذلك من الأساس.
لتتنهد:
"ربنا يشفيك يا أستاذ. هو إيه اللي غرضه شريف وبتاعته. طب لو سمحت روحني، كفاية كده وكل واحد يروح لحاله."
اقترب وشدها إليه:
"بصيلي كده." رفعت عيونها. "من جواتك شايف رهبة، من جواتك شايف لين ليا ولكلامي، وحاسس برعشة جسمك وجلبك اللي هيفط. أنا مابجولش كلام أهبل، إني واحد مش جليل واصل، ولا يمكن من أساسه أجول أكده لحد، وما بتخيل أجول، بس اللي حاصل إن إني ماعرفش غير إني لازم أجول كده. بيطلع من جواتي كنه مش أنا واصل. إنت مستني بحاجة ماعرفهاش."
بدأت تنهج بشدة من قربه وكلامه. إلا أنها عادت لنفسها:
"طب لو سمحت روحني بقى، ولعلمك أنا ست متجوزة، وجوزي هيقلق عليا."
هوي قلبه وبهت، وظل يتأملها لبرهة، كان بداخله شيء يصرخ ويعترض لإحساسه أنها تخصه. بهت:
"انت... انت متجوزة؟ لا لا يمكن."
لتقوم وتهتف بقوة:
ايوه وبحب جوزي، ايه رأيك؟ ويلا بقى عشان ما يصحش كده.
وفر كلامك ده، أنا مش هقبل بيه. رجعني من فضلك. لو عايز تقابل جوزي اتفضل، أعرفك بيه.
شعر بوجع داخله، مسكها بقوة وضغط على يدها بانفعال.
لتصرخ: ايدي! أوعى بقى، عيب! رجعني، جوزي مستنيني.
أفلتت منه وابتعدت. ظل متسمرًا لا يعلم ماذا يفعل، وهناك كلبشة في صدره.
فصرخت: روحني بقى.
استدار بصمت يعود بها إلى الشط، لتندفع وتتركه هاربة، ولم تعطيه فرصة أن يكلمها.
نظر في أثرها يشعر بوجع داخله. متجوزة إزاي؟ ده أنا حسيتها جوي. عمري ما بصيت لواحدة من أساسه. لمح شيئًا لامعًا في المركب، نزل يمسكه. وجدها أحد فراشات الشعر، ليتنهد. مسكها يشمها ليحس بشيء يتحرك بداخله. ازاي بس إزاي؟ تنهد ونفض أفكاره ورحل، تاركًا وراءه جزءًا من قلبه، لا يعلم متى سيعود إليه.
***
سافرت وجد إلى مؤتمر الإسكان. كانت هي على أعتاب التخرج من الهندسة، ولم يتبق إلا مشروع التخرج. كانت تحب أن تكون لها قيمة، فأبوها يلعن حظه إنه لم ينجب غيرها، وأولاد عمومتها يمتلكون من الجحود ما يكفي.
دخلت القاعة لتتجول في المكان وتظل تتفحصه. كانت أنثى خلابة ذات قلب من الذهب، بسيطة، حالمة، تحب من قلبها، لا تمتلك عنفوان أهلها. براءة تشع من عيونها، تخطف قلب من ينظر إليها. لتظل تتجول، لتلتفت مرة واحدة، فانسكب العصير تبعها على أحد الأشخاص. لترتعب. هي تنظر إليه، رجف قلبها مرة واحدة، فـ أمامها رجل شديد الوسامة، فارع الطول، يلبس بدلة على أعلى طراز. نظرت إلى عينيه لتجد بجوار عينيه ندبة لها أثرها كخط بارز، يبدو أنه منذ زمن، تزيده وسامة. لتهتف: إيه القمر ده؟ مين ده؟ بت يا وجد، فارس أحلامك يا بت. هو طويل كده ليه وقمر وحلو. أنا دوبت فيك يا واد. كانت ساهية فيه تنظر إليه ببلاهة.
استعجب الرجل: يا آنسة، يا آنسة.
ظلت تنظر إليه في عالم آخر، لم تنطق. فين يا واد الحصان الأبيض اللي هتاخدني عليه؟ يخربيت قمرك.
اقترب وفرقع بأصابعه. لتنتفض: إيه؟ فيه إيه؟
تنهد وهز رأسه: فيه إنك وقعتي عليا العصير.
لتقترب مسرعة: آسفة والله، آسفة. استني طيب. لتذهب مسرعة، وهو ينظر إليها بذهول. كانت جميلة ورقيقة. لتقترب مسرعة وتنظر حولها، وجدت مكانًا منعزلًا. شدته من بدلته. استعجب من عفويتها.
لتهتف: استني، استني، أنا هعملها لك. وبدأت تقترب منه وتنظف بدلته، وملامحها تتغير ما بين اللين والهيام. همست لنفسها: بنضفك أهو يا قمر، شوف شاطرة وقمر وطيبة وتنحب. نظرت إليه بعيون ساهية: ما تحبني يا واد.
رجف قلبه من نظراتها، ليُشيح بوجهه. كان لا يحب أن يتأثر لأحد.
أنهت تنظيفه، فهمست بلين: خلصت، شوف بقت حلوة إزاي.
ابتسم رغما عنه، فهي رقيقة. تنهد: طب تسلمي يا...
اندفعت: وجد، أنا وجد، مهندسة وجد.
رفع جبينه: شكلك صغير، انت مهندسة.
ابتسمت: فاضلي مشروع التخرج والتدريب وأبقى تمام تمام. تعرفش والنبي حد يدرب الغلبانة اللي بهدلتك بهدلتك؟ أنا والله شاطرة ومجتهدة وبعرف أهندس على الآخر.
ضحك: تهندسي بجد؟ انت حكاية.
همست بهيام: حكاية حلوة ولا وحشة؟
تنهد: لا حلوة. ما أعتقدش إن فيه حاجة وحشة تيجي منك.
ابتسمت تهتف: أنا وجد جابر، وأنت؟
هتف: نديم الديب.
رفعت حاجبيها. فصرخت: بتاع شركة الديب؟ الأسطورة.
ليبتسم. فهتفت مسرعة: احلف! أنت الأسطورة؟ والنبي! إيه ده؟ أنا مش مصدقة.
هتف: أنتِ تعرفيني؟
قالت بلهفة: أعرفك؟ ومين ما يعرفش يا عم؟ أنت نار على علم. بس بجد. لـ تلف حوله تتفحصه. أنت بجد؟ بيقولوا إنك الراجل الخفي، ماحدش يعرفك، بس عارف ده سر نجاح شركتك. بس غريبة، أنت قلت لي اسمك على طول.
ابتسم: وما أقولش ليه؟ هشوفك فين تاني.
لتندفع: ما تشغلني معاك، تنستر.
ضحك: على طول كده.
قالت برجاء: والله مجتهدة وشاطرة.
هتف: أنتِ من هنا؟
لتتنهد: لا، من الصعيد. بس هقنع جدي. والنبي، والنبي شغلني.
ظل ينظر إليها. كانت جميلة وطيبة. لتهتف: والله أنا كويسة، وحياة الغاليين عندك.
هتف: بس أنتِ عرفتيني وأنا ماحدش في شركتي بيعرفني. التعامل مع المساعد بس هو اللي بيجي.
قالت: إلا ليه طيب؟ أنت مش بتظهر ليه؟ تكونش عليك تار يا واد.
ضحك: واد؟ دا كله واد؟
هتف: ما هو أنا لازم أعرف، وهاكل ودانك ومش هسيبك.
ضحك: أنتِ غريبة.
رمشت بعيونها: شغلني، والنبي، والنبي.
تنهد وظل ينظر إليها. كان نديم بعيد تماما كل البعد عن البشر، لا يحب الاختلاط بهم ولا التعامل إلا في النادر، بعيد عن المشاعر، لا يعلم عنها شيئا. كان له مكتب في مكان مخصص بعيد عن الشركة، ولا يتعامل إلا مع مساعده فقط، كل ذلك منذ سنوات في عزلته لغرض في نفسه. لتأتي تلك الجميلة تقتحم حياته، سهم يفكر في عفويتها.
همست: هو بيبص لي ولا إيه؟ سرح فيا. حبتني يا واد. يا لهوي. لو حبني. لتهتف: إيه؟ سرحت في إيه؟ أنا آه أثير الانتباه، بس مش لدرجة نديم الديب.
انفجر ضاحكًا: أنتِ مشكلة.
ابتسمت: بص، أنت مهندس وأسطورة، وأنا مشكلة. لتقترب وتطرف بعينيها ببراءة: حلني يلا.
فضحك. فهمست: يخربيت جمال أمك، هموت عليك، قمر. فاندفعت تقول: لا والله، ما ينفع يتساب.
قطب جبينه: هو مين؟
اندفعت تقول بارتباك: الشغل، الشغل. والله أحلى شغل. والنبي، والنبي. ليستدير. لتمسكه: هتسيبني؟
رجف قلبه من كلمتها، فهتف: عندي شغل.
واستدار وتركها مرغما لتقف حزينة. تتنهد: إيه يا زفتة؟ فارس الأحلام طار. اللي هينجدك من الحزن الأسود. لا والله، ما هسيبك يا قمر. فكرها كان يلف حوله وينظر إليه ولا يتركه، ولكنه اختفى مرة واحدة. لـ تندفع تبحث عنه.
ابتعد نديم مرغما عن تلك الجميلة. كان يتفحص المؤتمر ومعه مساعده ليأمره بما يجب أن يفعله.
هتف صديقه: نديم، مش كفاية بقى ست سنين ما حد يعرفك؟ أهي الشركة كبرت، بس لازم تظهر بقى.
ضحك نديم: هظهر يا محمود، بس في الوقت المناسب. أتى بعض المدراء يقفون معه. رفع رأسه فابتسم مرة واحدة. ليستعجب محمود صديقه. فهو فقد تركيزه، فهي أمامه، لا يركز في كلامهم. فهي تنظر إليه بهيام. وقفت بعيدا مبتسمة تمسك يدها بالقرب من صدرها وتنظر إليه وتشير إليها أن تكون معه. كان قلبه يرجف لأول مرة. ليستدير ويحاول أن يصرف باله عنها، فنديم ليس له في المشاعر أساسا. وكلما أشاح بوجهه، تتحرك لتراه. هز رأسه على مشاكساتها مبتسما رغما عنه.
انتهى أخيرا وخرج متجها لعربته. فتح العربة وما إن دخلها حتى تفاجأ.
رواية عودة الذئاب الفصل السادس 6 - بقلم ميفو السلطان
دخل نديم عربته لينصدم عندما فتحت وجد العربة وجلست بجواره. بهت من وجودها لتبتسم ببراءة وقالت:
“ايوه، أنا. اتأخرت عليك أكيد؟ لا.”
رفع حاجبيه وقال:
“بتعملي ايه هنا؟”
تنهدت ونظرت إليه، كانت بتتكلم وهي بتضحك، لكن جواها بنت صغيرة طول عمرها بتدور على حتة فيها أمان، حتى لو أمانها ده اسمه نديم وما يعرفش عنها حاجة. لازم تقرب منه، ما تقدرش تبعد فيه حاجة بتشدها…
قالت مبتسمة:
“لا، مانا كلمت جدي وقولت له إنه هشغلني في شركة الديب، ووافق. هقعد عند خالتي، شفت بقى الدنيا انحلت ازاي.”
رفع نديم حاجبيه وقال:
“هيا مين اللي هتشتغل في شركة الديب؟”
قالت ببراءة، وتطرف بعينها:
“أنا والله، مش قولت هتشغلني؟”
قال مستنكرًا:
“أنا قولت؟”
لتتنهد:
“كده بتتهرب، مش قولتك شغلني والنبي وانت ماردتش؟”
رد باقتضاب:
“أيوه.”
اتسعت ابتسامتها وقالت:
“يعني انت سكت، والسكوت علامة الرضا، يبقى إيه قولك بقى؟”
نظر إليها وانفجر ضاحكًا، لتبتسم هي.
“يا حلاوة يا ولاد، دا قمر قوي. هتهبلني يا واد قمر، اعمل فيك ايه بس؟”
نظر إليها وقال:
“أنا ما شفتش كده.”
اندفعت تقول بفخر:
“شفت فريدة من نوعي، بس ساعة الجد، واعرة جوي.” هز رأسه فاندفعت ومسكت يده. “وحياة الغالين، أي حد غالي على قلبك، شغلني. أنا طيبة وهادية ومؤدبة وشطورة ومجتهدة، وكل الحاجات، والله كل الحاجات. هعملها. شغلني، شغلني.”
ضحك وقال:
“بس بس، إيه بالعه راديو؟ انت حالة والله.”
نظرت إليه وغمزت له وقالت:
“شفت اهوه، لو عايز أعملك فقرة الساحر هعملها.” شدته وقالت: “اسكت، بيقولوا عليك قتم ونكدي وشديد… بص، أنا هبقى بهجة حياتك، ماشي؟ كل يوم هخش عليك بفقرة التنورة تضحك عشان ما تفضحناش ويبقى ريسنا قتم.”
ضحك وقال:
“بقي كده أنا قتم.”
اندفعت:
“لا والله، دا عالم غياره بيغيروا منك، يا رب ينقهرو. شوف، بدافع عنك ازاي! شغلني بقى.”
ابتسم وقال:
“اعمل ايه، ماشي يا ستي. هتروحي الشركة؟”
لتسرع:
“لا والنبي، عايزة أشتغل معاك والنبي والنبي!” وأمسكت يده، “مش عايزة أسيبك. أنت أسطورة وأنا نفسي أبقى جنبك.”
حس بيديها على يده، لكن ما كانش إحساس جسدي. كان رجفة من جواه، زي ما يكون بيخبط على حاجة جواه تفتح حاجة اتقفلت ومركونه، وانهال عليها ألف صدى. تنهد. كانت طفلة جميلة، وهو تأثر ببرائتها لأول وهلة. هتف:
“خلاص كده هشغلك، بس أنا مش سهل، فاهمة؟ وممكن أزعق. هتستحمليني؟”
أحنت رأسها وظهر الوجع في صوتها وقالت:
“لا، ماتخافش. أنا متعودة على الغضب وأي زعيق.” تذكرت أهلها وظلت محنية لا تنطق.
أحس بوجع في قلبه. مد يده ورفع وجهها، وجد عيونها دامعة. عينيها بصتها لا كانت بتضحك ولا فيه دلع. كانت عينها موجوعة بتحاول تضحك عشان ما تبانش مكسورة. نديم حس بحاجة جواه. شاف فيها حاجة بيكتمها، حس إنها نسخة وجع منه.
همس بلين:
“طب ليه كده؟ أنا مش هزعقلك، يعني كتير.”
قالت بصدق:
“أنت بتعلمني ليك حق تزعق، الدور والباقي على اللي بيزعق من غير علام.” لتشيح بوجهها.
إلا أنه قال مغيرًا للموضوع:
“طب خلاص، هتبقي المساعدة بتاعتي.”
مسكت يده مسرعة وقالت:
“والنبي، إيه! هبقى جنبك.”
نظر إليها لبرهة، تنهد وقال:
“هتبقي مساعدتي مش جنبي.” ضحكة فلتت منه، بس هو في نفسه مش مصدق كلامه. عارف إنها بدأت تتغلغل جواه.
شعرت بالحرج وقالت:
“إيه الواد القتم ده! لا بقولك إيه، أنا هتجوزك يا واد. هتتعبني! انت حر. أنا وقعت فيك يا نصيبة قمر وهيبة وجمال، ودخلت قلبي. هنتجوز إمتى؟ هجيب منك تلات عيال: ولدين وبنت. بنت شبهي وواد قمر شبهك. هتنجدني بعيالي من هم الصعيد وسنينه… هنتجوز إمتى؟ طيب…”
لتسهم فيه.
نظر إليها مستعجبًا وقال:
“أنت بتسرحي في ايه؟”
انتفضت وقالت:
“هــاه؟ لا مفيش…”
أكمل هو:
“طب من بكره تكوني في المكتب. أنا ما بحبش التأخير. هاه؟ ويلا، أوصلك.”
همست:
“اه وصلني عقبال ما توصني بفستان الفرح. ياني هصبر كتير.”
نظر إليها مستعجبًا وقال:
“ملحوسة البت، بتكلم نفسها؟” اقترب وقال بنبرة مرحة: “تصبري على إيه؟”
قالت بدون تفكير:
“عالفرح والزفة.”
أطلق ضحكة عالية. فانتبهت له والتفتت، وجدته قريب منها. فهتفت مرتبكة:
“إيه فيه؟ إيه؟”
ضحك وقال:
“لا مفيش. اديني العنوان، على مالزفة تخلص نكون وصلنا.”
احمر وجهها وانكمشت. “هو سمعني ولا إيه؟ هنفضح كده؟”
أوصلها بالقرب من بيتها، ونزلت ودعته وذهبت سعيدة، وهو ينظر في أثرها وقد تركت تلك الرقيقة بصمة في قلب نديم.
جلس مستعجبًا من نفسه، فقد لمست جزءًا منه لم يعتقد أنه موجود أساسًا.
كانت قد كلمت جدها إنها ستنفذ مشروعها في القاهرة في شركة الديب، ليخبر جابر الذي وافق على الفور، لأنهم يتعاملون مع تلك الشركة. وذهبت تسكن مع خالتها، كانت سيدة طيبة توفي زوجها وتعيش في بيت زوجها ومعها أطفال صغار.
دخلت وجد حجرتها لتجلس سعيدة، إلا أنها سهمت قليلا… تذكرت لمحة من معاملة والدها القاسية وصراخه فيها. هزت رأسها بأسى وقالت:
“لا يا وجد، دا أول أختبار ليكي، لازم تنجحي فيه. أنت تستحقي…”
“طب إيه هتوقعيه ازاي؟ دا قمر يا لهوي! أنا وقعت من أول بصه.” قامت مسرعة وأحضرت تليفونها، تبحث في النت… كيف تنالين من الرجل؟
جلست باهتمام وقالت:
“يلا نخطط بقى، نوقع المز ازاي؟ مش عيب أخطب لبنتك، وأنا بنتي ماليش حد، فهخطبلي. يا رب تمهالي على خير، يا رب. لا أسمر ولا براء. دانا أموت روحي.”
“يا لهوي، حقه لو جوزوني أسمر! يا ختااااي! غراب! لا دا الغراب طيب، أقسم بالله دا حنش وحدايه براسين… ال آيه البت تنكسر؟ أعوذ بالله! عيلة كلها غربان… يعني للامانة، براء نص غراب، بس غراب برضه… يا رب… يلا يا دودو، خططي إنتِ، شطورة… بسم الله.” بدأت تتصفح النت.
ظلت تقرأ… “أغريه… اكشفي عن جزء من جسدك حتى يعجب بك.” نهار أسود! “أغريه… يا لهوي! هنبدأها قلة أدب؟ لا، ربنا ما هيبارك. اتلمي! لا، لا عيب! شوف حاجة تانية.”
“أممم… آه، حلوة دي. أحسسه بالضعف. آه، هو قوي وأمور، ومز على الآخر… يا رب، وعدني، وينجدني من الجواز التيران اللي في البيت. دا عيونه قمر وندبته قمرين… يا ترى جتله إزاي دا هتاكل منه حته… أنا هتهبل عليه… هو بتاعي، وش… أه، يجي ياخدني من جدي؟ ولا مش مهم؟ ههرب معاه، ماهو قمر ويلحس العقل…” لتتنهد وتقول: “يا رب، بت وقعه. حد يقع من أول بصه كده!”
سهمت وجلست تشعر بالحزن… “أه، لازم أقع… لازم أفكر إزاي يكون لي حبيب. عمر ما حد حن عليا. عمر ما حد حبني، عمر ما حد طبطب عليا. عشت عمري خايفة، عار على أهلي، بنت وعند أبويا معيوبه، معندوش عيال رجالة، وبيخطط يلبسني لأسمر أو براء عشان أموت روحي.” لتنهد وتقول: “لا يا وجد، الواد وقع قلبك من أول يوم. مش عيب إنك تحبي، ومش عيب إنك تسعي إنه يحبك. دا عيونه خطفت عيني من أول دقيقة…”
لتتنهد: “أنا هبله! آه، فيه حد يحب حد من أول مرة كده؟ مهبوشه؟ لا وماله، آه، إيه يعني؟ أنا صح.” لتتنهد محرومة حب، “يا ناس، اعمل إيه؟”
“ايوه كده، خلاص! حفظت كل حاجة.” قامت سعيدة تقفز فرحًا… “من بكره هنفذ الخطط! يا مز، يا جامد، يا أبو ندبة، قمر أبو عيالي يا ناس… حسن وحسين!”
عند أسمر.. رن صوت غلق الباب، تبعه دخول صديقه ظافر بخطوات سريعة، وكان أسمر يجلس في الشركة ليهتف:
“خير؟ خلصت اللي طلبته منك؟”
ابتسم ظافر وقال:
“… آه، طبعًا. المكتب الهندسي بتاع شركة الديب اتعاقدنا معاه، وهيبعتوا مندوب أول، وبعدين يجي المهندس الكبير.”
هتف أسمر:
“اسمع يا ظافر، المشروع ده كبير، وخسارته لو حصلت عالية، هاه؟ إحنا هندفع ملايين للشركة دي.”
هتف ظافر:
“الشركة دي مش أي شركة… لها سنين يا أسمر وصيتها واسع في السوق، والمهندس بتاعها وحش… سمعته فوق الكل. نديم الديب، ما حدش يقدر عليه، رغم إنه ما بيقابلش حد، وما حدش يعرفه إلا من خلال مساعده أكرم هو اللي بيعمل كل حاجة، بس الشركة لا غبار عليها. ودلوقتي المندوب هيشرفنا.”
تنهد أسمر، فهو يشعر بشيء خاطئ يراوده. كيف تكون شركة مشهورة ولا يظهر رئيسها؟ وتدار من وراء الستار. كان يراقب ظافر وهو يتكلم، يحاول أن يدفع بره الشك الذي ظهر بداخله.
مر الوقت، دخل مدراء الشركة، وتبعهم امرأة ذات شعر أحمر، تضع الكثير من مساحيق التجميل، كانت صارخة الجمال، تلبس ملابس جريئة، جيب قصيرة وقميص يبرز مفاتنها. ملامحها جامده وقويه.. خطواتها واثقة، دخلت تتجه إلى الطاولة. برزت الملكه اخيرا …انها .. المهرة…
دخلت المهرة بخطوات واثقة، تدق بكعبها رخام المكتب، ترفع رأسها كأنها طاووس عالي، لا تهاب أحدًا. عيناها كانت تلف المكان، لكن عينها وقعت عليه… هو… نفس العينين اللاتي أثرت فيها، نفس الملامح اللي انحفرت في قلبها. لتصدم من وجود أسمر، رجف قلبها، فهو من قابلها عند منزل النيل. لتتمالك نفسها بسرعة حتى لا تنفضح.
وقف ظافر، لتتجه إليه ببرود، وترفع يدها:
“مهرة عمران، مساعد مدير إدارة شركة الديب.” لتمد يدها: “اتشرفت بحضرتك.” نظرة جليدية ترسل شرارات لمن يراها أنها عملاق قادم بعاصفة هوجاء.
كانت تعلم جيدًا أن أسمر هو المدير.
رفع أسمر حاجبيه، وبداخله شعور يزعجه. لم يحب أن يكون أمام امرأة قيادية في شركته، فهذا أثار استفزازًا ظهر على وجهه، خصوصًا بعد تجاهلها له.
هتف ظافر: "أنا المساعد يا فندم، بشمهندس أسمر هو المدير."
لتستدير باستخفاف… فهو لم يقم من مكانه، كان يراقبها عن كثب.
لتهتف ببرود: "أمممم… طيب."
جلست أمامه، وضعت قدمًا فوق الأخرى، تبتسم ببرود، ونظرت إليه بتحدٍ. فنظرته تظهر استهجانه واستخفافه بها.
اشتعل هو من جلستها المتعالية، التي حتى لم ترحب به.
هتف بنبرة حديدية فيها تحدٍ واستعلاء: "هما الديب مالهمش حد يبعتوه، باعِتين ست للصعايدة؟"
رفعت حاجبيها، كانت تشعر بنار في جوفها. كانت تعرفه جيدًا، وتذكرت من هو. إنه ابن عمها أسمر أبو الدهب. لم تنس رغم صغرها. تذكرت ضربه لها وكلامه لصغيره لا يفهم وقسوته عليها… تسللت مشاعر اليوم السابق إليها… كان قربه أمس مختلفًا، ليتحول إلى ذلك البغيض. لتنفض أي فكرة تكونت داخلها عنه، وأي مشاعر نتجت عن لقاء البارحة. لتعود تلك المهرة الجامحة.
لم تتأثر، ابتسمت ببرود: "أمممم… طيب يا أسمر بيه، المشروع والتصاميم اللي حضرتك وافقت عليها فين؟"
قطب جبينه ليهتف ظافر: "آه يا آنسة، تقدم يعطيها إياها."
مدت يدها ومسكتها ببرود: "طب ما عطلكوش بقى يا بهوات؟"
لتقوم وتنظر إليه بعينيها. انحنت أمامه تضع يديها على مكتبه تخاطبه… "روح شوف لك راجل يعملك تصاميمك يا صعيدي،" لتغمز له. "الستات مالهمش مزاج يعملولك حاجة…"
ورفعت نفسها باستعلاء واستدارت إلى الباب، ليندفع ظافر يهتف: "مهندسة مهرة! بس أنتِ بتعملي إيه؟"
ردت بلا مبالاة وهي تنسحب دون أن تلتفت: "بعمل إيه؟ ماشية."
قال برجاء وجدية: "إزاي؟ إحنا اتفقنا، والمهندس نديم عطى كلمته، وكده لو مشيتي خسارة لينا."
لكنها توقفت، لتستدير وتنظر إلى أسمر الذي كان يراقبها بغضب عارم. وقعت عينها في عينه، وقالت بصوت بارد ثقيل: "… ما بحبش أكون في مكان دون المستوى. معلش، أنا ما بقعدش مع أي حد. مهرة، اللي يقابلها تبقى حلم بالنسباله. أما بقى شغل فوق وتحت، ومين عالي ومين واطي، دا مابيبنيش شغل. إحنا ناس راقية، ودماغها عالية."
لتستدير ولا تنظر إلى أحد، كأنه ليس أمامها. فتحت الباب وهمت أن تخرج، وكأنهم عالم دون المستوى.
لتجد الباب أُغلق بعنفوان. في نفس اللحظة، شعرت يدًا حولها، تسمع أنفاسه الثقيلة تملأ أذنيها… لتبتسم بهدوء وتعلم أنها أصابت هدفها. لم تتحرك ولم تلتفت.
سمعت صوتًا، نبرته غاضبة: "أظن مش من الخير أنك تمشي بالطريقة دي."
لتستدير بهدوء، كان قريبًا منها، وعيناه كصقر سينقض عليها. ويداه حولها، وعيناه مسلطتان عليها.
هتفت ببرود وتعالٍ: "مش خير لمين بالضبط؟"
قال بنبرة مشتعلة، فلم تقف أمامه امرأة هكذا من قبل: "ليا ولك، وأظن أنتم تخافون على خسارتكم."
رفعت حاجبيها: "لا، اطمن، إحنا أدرى بخسارتنا يا أسمر بيه. وإيدك عشان مش فاضية. مش عايزة أضيع وقتي."
هتف بانفعال، ونبرة صوته عالية نسبيًا: "هو فيه إيه؟ أنتِ جاية تفركشي الشراكة؟ دي مش أصول شغل."
ربعت يديها وقالت بجمود، دون أن ترمش أو تهتز. نظرت إليه من فوقه لتحته… "أولًا، نبرة صوتك ما تعلاش. إن كان عن نبرة الصوت موجودة، بس أنا ما بحبش أهري في حاجات مالهاش لازمة، وأنا مش ضعيفة عشان أعلي صوتي. دي أول حاجة لو كنا أصلًا هنوافق نتعامل مع بعض. ثانيًا، أنا ما فركشتش حاجة، أنا ما وافقتش أصلًا عشان أفركش. أنا كنت جايه أشتغل، بس صاحب الشغل تقريبًا جاي من أيام السينما الصامتة، وسي السيد… وكلام عفا عليه الزمن. فبهدوء، سيادتك، أسمر بيه، بجلالة قدرك، اقعد لحد ما يجي لك اللي يناسبك. أنا ما يناسبنيش شركتك ولا تلزمني يا أسمر بيه. العقلية دي ما تنجحش شغلي."
لتستدير.
أحس بالجنون. كانت تفتح الباب، ولكن صوته كان أسرع. فهتف بانفعال: "أنا هكلم نديم بيه. ما شفتش حد كده."
أفلتت ضحكة ثم نظرت إليه ببرود: "معاك نمرته؟ ولا أديها لك؟"
فتحت حقيبتها، أخرجت كارتًا، اقتربت منه، "خد كارته أهو. بس هو للأسف مش بيرد على أي حد. هبقى أقوله يرد عليك. عن إذنك."
فرقعت بالكارت، وقذفته على المكتب بجوار يديه، كأنه نكرة لا يساوي، وخرجت.
كانت أنفاسه عالية. وقف يحس أنه سيرتكب جريمة. سمع ظافر: "إيه دا؟ هو فيه إيه؟ بت جمر، يخرب بيتك، دا لفّتنا وجابتنا أرض من غير ما ترفلها رمش."
صرخ أسمر: "جمر إيه وطين إيه على دماغك؟ البت هانتنا ومشت، دي كان لازم أخبطها بحاجة أجيب أجلها!"
هتف ظافر: "اهدأ يا أسمر، أنت اللي غلطت. حد يقول كده؟ دي أهم مهندسة في شركة الديب."
صرخ بانفعال: "أهيه كلمة وطلعت تجوم تجلبها، حريجة كده. مفكرة نفسها مين دي؟ ماتسواش أنا أسمر تجف تجولي أكده. البت طايحة وعنيها جامدة كأننا عبيد عندها.. يا ناري كنت مسكتها رزعتها علقة تخلص عليها."
تنهد ظافر: "اهدي بقى… طب ما هي كده اتفركشت، نعمل إيه؟ هنخسر كتير. إحنا كان المفروض نبتدي أول الشهر، وما عادش ينفع نتأخر أكتر من كده، مش بعد ده كله نتأخر ونخسر معانا شركات يا أسمر."
صرخ… "ماهي غارت في نصيبه، هنعمل إيه يعني؟"
هتف ظافر… "استنى، أنا هكلمها."
رفع السماعة، اتصل بها: "مهندسة مهرة، أنا بس يعني كنت بكلمك يعني عشان… أه طبعًا عايز الشراكة، والشركة نكمل مع بعض… هاه، بكلمك ليه عشان يعني زعلتي مننا وأكده… أيوه فاهم، أنا ما زعلتكيش، بس… هاه… أه… أسمر؟ لا، أسمر مش معايا… هاه… أه طيب، حاضر، حاضر، بس من فضلك ماتمشيش. أنتِ فين؟ طيب، في الكافيه اللي قدام الشركة. طيب، بالله ماتمشي."
قفل الخط، ووقف أسمر… "مالها ماجتش ليه دي؟"
هتف ظافر… "ماهي ماهي مش هتيجي."
صرخ أسمر… "ليه مش جولتلها تيجي؟ وما زعلتهاش، وطين على دماغها."
ابتلع ظافر ريقه برهبة… هي قالت إن أنا ما زعلتهاش وإن هي ماينفعش تكمل مع… مع…
صرخ أسمر… "اتنيل جول…"
أكمل ظافر بخوف… "هقول أهو… هي يعني بتقول… ماينفعش مع مع… مع عجليات بالشكل ده وعالم غلبانة في عجلها…"
هب أسمر يشعر بالنار… "نهار أبوها طين مين يا طين أنت."
نظر إليه ظافر… "اهدي بقى… هي مش عايزة تشتغل بالشكل ده."
صرخ أسمر… "نعم يا أخويا، هي تطول! مين دي اللي مش عايزة تشتغل معانا؟ تسوي إيه دي؟"
هتف ظافر… "أحسن مهندسة في شركة نديم، ودراعه اليمين."
ليقترب… "اسمع يا أسمر، أنت لازم تنزل تجيبها."
صرخ أسمر… "أجيب مين يا طين؟ أنت انهبلت؟"
هتف مسرعًا… "ماهي قدامها عشر دقايق، بتشرب قهوتها، جالتلي أكده وهتمشي. جوم ربنا يهديك."
نظر إليه أسمر بغضب، وظافر يقنعه. ظل أسمر يأكل روحه ليهب ويهتف… "طب يا ست مهرة، أما نشوف عشان الطين الشغل."
ليقوم وينزل لها. لمحته من بعيد، فتحت تليفونها، تتصنع التصفح فيه. اقترب، وقف أمامها، فلم ترفع بصرها. ليتحمحم.
رفعت نظرها بهدوء إليه، اقترب، وشد كرسي وجلس.
هي نفسها ارتبكت للحظة، ودق قلبها بعنف، ولكن في لحظات أسدلت ستارها الحديدي على مشاعرها وأي تأثر فات…
رفعت حاجبيها، قالت باستعلاء: "هو حضرتك مش التربيزات كتير؟ ليه ترابيزتي؟ أظن أنا ما سمحتش لحضرتك تقعد، ولا إيه؟ ولا الصعايدة دلوقتي بقوا ما يعرفوش أصول التعامل مع الستات، أو زي ما بتقولوا الحريم، ويقعدوا من غير إذن؟ مش فيه حاجة اسمها بيقولوا عليها إيه… آه، حرمة الست."
اشتعل عن آخره، وهتف… "أظن تلايمها بقى ونحاول نمشي الدنيا."
مطت شفتيها، واحنت رأسها تتصفح تليفونها، ولم ترد.
هتف بغضب… "هو فيه إيه؟ أنتِ عاملة أكده ليه؟"
إلا أنها لم تعره اهتمامًا. ظل ينظر إليها بغل. دفع الكرسي للخلف بغضب ليقوم ويقف، يحاول أن يتحكم في نفسه ليهتف بغضب مكبوت… "ممكن نتكلم؟"
رفعت وجهها تتأمله… ثم أشارت إليه بإصبعها أن يجلس.
أحس أنه سيهجم عليها يقتلها، ليشُد الكرسي بعنف واردًا قائلاً… "ممكن التصميم؟"
ردت ببرود… "عشان."
زفر بغضب… "عشان نتناقش فيه."
لتقترب منه وتميل بجسدها تنظر إليه، رجف قلبه، فنظرتها تتغلغل إليه، نظرتها مألوفة. لتقول… "هو حضرتك هتتناقش مع ست ما رضيتش ليك بصراحة؟"
قال بغضب وعنف… "هو فيه إيه؟ ما خلصنا؟"
لتقوم هي وتقول بعنف أقوى… "نبرة صوتك ما تعلاش، فاهم؟ أنت مش بتتجبر علينا ولا بتعطينا حسنة. أنا هنا زي زيك بالضبط، فاهم؟ وبلاها الشراكة اللي هتقرفني دي من أساسه. إيه ده؟ أنت فاكر نفسك مين؟ أنت ما تعرفش أنا مين."
لتشد تليفونها وحقيبتها وتهم أن تمشي.
اندفع مسرعًا، يقف أمامها لترتد وتترنح. اندفع، يحتضنها بقوة. وضعت يدها على صدره… شعر بدقات قلبه ستنفجر من قربها. فرائحتها بداخله استغرب، فهي نفس الرائحة التي تلبسته منذ مقابلة ذات العيون الخضراء.
ارتبكت هي، فهو ذو تأثير طاغٍ عليها، لتبتعد مسرعة. تحكم في نفسه، وهتف… "أظن بدايتنا كانت غلط، ويا ريت نبدأ من جديد."
مد يده… "أسمر أبو الدهب، اتشرفت بمعرفتك."
ظلت تنظر إليه لفترة، ترددت.. لحظة سكون بينهم. لتتنهد وتمد يدها. وما أن لامست يده، تعالت دقات قلبها، ولكنها المستحيل بعينه.
مستحيل أن تظهر أي مشاعر. فقد قتلت منذ زمن.
قالت ببرود: "مهره عمران. الشرف ليا يا فندم."
ليهتف: "أظن نشوف شغلنا بقى."
هزت كتفيها: "تمام. ماعنديش مشكلة. بكرة أجي لحضرتك إن شاء الله."
هتف باستغراب: "طب ليه مش دلوك؟"
مطت شفتيها: "عشان أنا كنت عطيتك مساحة من وقتي وضاعت. وأنا عندي حاجات تانية. مش هيصه. هي يا أسمر بيه. بكرة إن شاء الله هاجي لك في نفس الميعاد لتعطيه الورق. وخلي ده معاك. ادرسه كويس."
ظل ينظر إليها بغيظ. لتهتف: "إيه؟ مش عايز؟ بلاش!"
إلا أنه نتش الملف منها. وهتف: "بانتظارك بكرة."
ليستدير. والغضب ينهشه. يصعد إلى ظافر يدخل منفعلاً.
هتف ظافر: "فيه إيه؟ قالتلك إيه؟ فيه إيه؟"
هتف بغضب: "حتة مسخوطة. شكل البلياتشو. تقف لي أنا أسمر أبو الدهب؟ طيب. يا ست مهره. ماشي. أنا هعرفك قيمتك."
انت ماكت وارسم تحت يدي ماعرفش مين اسمر ابو الدهب والبعد لسانك ده وارجعلك حرمه عن حج ما بلاش اني اسمر.
نعود بالزمن إلى الوراء. إلى تلك اللحظة عندما كان براء يقف مع شجن على الصخور بمفردهم. كان يحتضن شجن ويمازحها. وفجأة ظهر إليهم أحد الشباب يهتف: "إنتوا بتعملوا إيه هنا؟"
شعر براء بالخوف. فهو يعلم من هم هؤلاء الشباب. اقترب براء ووضع شجن وراءه. وهتف: "مالك إنت؟"
ضحك الشاب قائلاً: "مالي. مالي! كيف؟ والمزة بتنور في الضلمة! هي. سيبها دا. حتى الليل بيعمل عمايله. وعايزين نمز."
صرخ براء: "بجولك إيه؟ لم نفسك! بعدين عيب كده! اللي هيجرب من حرمتي هقتله!"
هتف الشاب: "واللي يعني العيبة برضه ينجتل يا. مش إنت براء أبو الدهب برضه؟ زين شباب أبو الدهب. اللي كعبهم فوق الكل!"
هتف براء: "تلم لسانك عن أسيا. فاهم؟ جولتلك خطيبتي!"
هتف الشاب: "خطيبتك مكشوفة! إزاي كده؟ فاكرني أهبل؟ بس عموما. هنعرف بعدين."
اندفع الشاب ليبعده. وهنا صرخت شجن فقد أمسكها الشاب الآخر. لتصرخ. فاندفع براء كالوحش. ينهش قلوبهم. انقض على ذلك الشاب وظل يتناحران. بينما الشاب الآخر يمسك بشجن وهي تصرخ. شعر براء وكأن عقله سينفجر. لينقض على الشاب الآخر. يفقده وعيه. ويعود إلى الأول. وينهال عليه حتى هلك.
انتهى منهم. فاندفع إلى شجن. يحتضنها بقوة. "عملوا فيكي إيه؟ كويسة إنت؟ زينة؟ جولي!"
كانت تبكي. ضمها إليه. وهتف: "طب خلاص. خلاص. حجك علي. إني خلاص."
ظلت هكذا. ترتجف. وتنهدت. "خلاص. ماشي بقى."
همست: "عايزة أروح. أنا خايفة."
تنهد وقال: "جولتلك ماتخافيش وأنا موجود."
لتصرخ هي مرة واحدة عندما.
...
رواية عودة الذئاب الفصل السابع 7 - بقلم ميفو السلطان
كان براء يقف يكلمها ويطمئنها، لتصرخ هيا. مرة واحدة، فقد أتى أحد الشباب وضربه على رأسه، فيسقط أرضاً وتسيل الدماء من رأسه. اندفعت برعب تحتضنه وتصرخ.
أتى أحد الشباب وشدها، كانت تشعر برعب شديد. فكلبش فيها براء بعنف.
صرخ بغضب عارم: "شجن مرتي، واللي هيقربلها هاقتله. شجن مرات براء سلطان وهجومها حريجة لو حصلها حاجة."
ليُغشى عليه، فقد كانت الضربة شديدة. وهي تصرخ بقوة.
شدها أحد الشباب، فأتت شاب آخر يصرخ: "نهارِك مطين، دا براء أخو أسمر أبو الدهب. اتجننت إياك؟ دا أسمر ياكل جُلوبنا، يا مصيبة سودة على أيامك. دا أسمر هييجي يعلّم على وش أمك."
هتف الشاب بغضب وشدها من ملابسها: "ما يعلّم عليا؟ ومين يعرفنا إنها مرته؟ ولا حتى خطيبته؟ حد يخطب واحدة مكشوفة أكده؟"
لتصرخ برعب: "والله مراته ومكتوب كتابنا، والله أقسم بالله. مراته، دا جوزي."
كانت مرتعِبة ترتجف بين يدي ذلك الشاب وتتخيل ما يمكن أن يفعلوه بها. ظل الشاب ينظر إليها والآخر يهتف: "يا حمدان، دي مرته، وأسمر لو حد مس حريمهم هاقتله. يا حمدان، هَمِّل البنت، أنا ماليش صالح. لو أسمر وعى للي جرا، والله هيشرحك، أنت خابر هو ميف الوحش."
شعر الشاب ببعض الخوف، فأسمر كالغول لا يرحم أحد يمس عائلته. شدها: "أنت يا بت، مرته؟"
صرخت بسرعة ورعب: "آه آه، مراته."
هتف الشاب: "طب هنشوف." شدها وهيا تصرخ. نظر لصديقه: "هاتوه."
هتف الآخر: "هتعمل إيه يا مسخمط أنت؟ ما ترحمنا بقى."
هتف حمدان: "هفرّج الخلايج على ابن أبو الدهب إنه واخد واحدة في الخلا. طلعت مرته، هنجول ماكناش نعرف. ما طلعت مرته، يبقى الفضيحة تطول وأعلم على أمه."
هتف الرجل: "جلبي مش مطمن، استر يا رب. حاسس إن أسمر هيقطع مننا نساير."
أخذها الشاب وهي تنتحب وتلعن نفسها ألف مرة إنها تسللت بعيداً عن الآخرين. وأخذ الآخر براء محمولاً مع صديقه.
اتجه الاثنان بهما إلى مكان مليء بالرجال المسلحين. دخلا ووضعوهما في مكان كالخيمة، لتندفع تحاول أن تفيقه. "براء، براء، اصحي." ظلت تخبط على وجهه. حاولت مرات أن تمسح دماءه بفستانها، ليئوه ويفتح عيونه.
نظر إليها ووجد عيونها تبكي، انتفض مرة واحدة فتأوه. لم يهتم بالألم، كان مرعوباً عليها.
هب يفتش فيها: "عملوا فيكي إيه؟ حد لمسك؟ انطقي."
شعرت بقهر وهمست: "لا، بس خطفونا وقالوا هيفضحونا. أنا ما عملتش حاجة وحشة. هيفضحونا ليه؟ أنا عايزة أروح، يسبوني أمشي."
فكر قليلاً فقال بجدية: "قالوا إيه بالظبط؟"
قالت بخوف: "قالوا إنهم هيجيبوا رجالة ويشوفوا إن كنا متجوزين ولا لأ. قولتلهم إننا كاتبين كتابنا. وقالوا هيلموا البلد ويفضحوك ويعلموا عليك لو ما طلعتش مراتك. لو طلعت، هيقولوا ما كانوش يعرفوا. أنا مرعوبة، أنا عايزة أروح. هيقتلونا، دول أشرار."
ليظل يفكر. تحسس جيبه هتف براحة: ".. معايا التلفون، الحمد لله." اتصل بأسمر. لم يدع له فرصة للكلام. ليهتف: "اسمعني يا أخوي، إني في مصيبة. اتمسكت مع بت من الغرابة، كنت بدافع عنها، مالهاش حد وما تعرفش حد، وما عملتش حاجة. العيال مرجدين، عايزين يفضحوني. جولتلهم مرتي. اسمع بس، مش وقت صراخ. تجيب مأذون من تحت الأرض، فاهم؟ وتكتب عقد جواز بتاريخ قديم ويكون عرفي، فاهم؟ مأذون مشهور يا أخوي، واكتبه بتاريخ قبل ما تتم تمنتاشر سنة، كأننا متجوزين من زمن عشان يصدقوا، فاهم؟ وأننا مستنين لما تخلص جامعتها وتكبر، هنكتب على طول."
صرخ: "ما تسألش دلوقتي، هقولك وأعرفك، بس إحنا في خطر. وسمعة العيلة الواطي اللي اسمه حمدان، عارفه، عايز يعلم علينا. اعمل أخوك في خطر وسمعته، فاهم؟ أسمر، إني مخطوف، إني وواحدة مالهاش ذنب. سمعتنا في يدك يا أخوي. أحبكها الله تنستر ويستر عرضك. اسمها شجن." نظر إليها، "شجن إيه؟"
نظرت إليه باكية: "شجن عمران." هتف عمران إيه.
شعرت بالخوف. كان أخيها قد حذرها ألف مرة أن تذكر نفسها أو اسمها قبل أن تأتي، فهو قال لها أن عليهم ثأر. قالت بنحيب: "عمران، وخلاص بقى. أنت هتحقق؟" تنهد وكلم أخاه: "اعمله عرفي يا أخوي بيني وبينها. هاه، وهات محامي وشهود ومضي جدي عشان يبقي عالنور والكل يصدج. إنهي الخط واستدار، وجدها تنتحب. اقترب محاولاً تهدئتها وأن تصبر، فأسمر سيحل كل شيء.
شعرت بالقهر: "أنا هتفضح، أخويا هيقتلني. جواز إيه؟"
هتف بهدوء محاولاً تهدئتها: "ما تخافيش، أول ما هنطلع من هنا، هنقطع الورقة ولا كأن حصل حاجة."
نظرت إليه بخوف: "طب ليه ده كله؟"
أردف قائلاً: "عشان هيمسكوا طبلة وشخليلهم إن براء جايب واحدة في الخلا، وسمعة العيلة هتبقى طين." جلست وهي تعلم أنها في مصيبة ولابد أن تصبر حتى تخرج منها.
مر وقت، دخل عليهم أحد الشباب: "دلوقتي لازم نعرف إنت علاقتك بيها إيه، وإلا الفضيحة هتطول. جايب بندقية تتصرمح معاها يا ابن أبو الدهب؟"
نظر إليه براء بقرف هاتفا بوعيد: "حبستي دي ليها تمن وهاخده. لو فاكر إن براء يتحبس وحرمته تتهان، يبقى قول على نفسك يا رحمن يا رحيم."
ضحك الشاب: "إحنا بنحافظ على بلدنا إن حد يعمل فيها العيبة."
هنا أتى أحد الرجال يأخذهم للخارج، وجدوا تجمعاً كبيراً وآخرين من عائلته، وأصبح هناك جمع غفير من النجع.
اقترب أحد الكبرات ليقوم براء مسرعاً: "عمي فتح الله، أنت هنا؟"
قال بغضب: "إيه اللي حصل؟ ما صدقتش لما جالي إن براء اتعكش في الخلا بيعمل الحرام."
انفجرت شجن بالبكاء تنتحب على شكلها، ليهتف براء: "اقطع لسانهم. عمي، دي شجن مرتي، متجوزها من سنين، لما كنت ستاشر سنة، وعايشة في مصر وجت عشان تزورنا. أجم أجهزها أكده ويتعمل فينا العيبة من ولد المحروق، كان عايز ياخد مرتي ويصيبها بعفاشته. إني حرمتي تتمس وسمعتها كمان، ما بقاش راجل أكده. الورق في الدار مع جدي."
هتف فتح الله: "طب يا ولدي، الناس بره متجمعة. نرسل لأسمر ييجي بالورق، عشان إني ساعتها هحط رقبته في النار."
مر الوقت، سمعا صياحاً، فأسمر قد أتى ومعه الكثير من الرجال، وتعالت الصيحات.
وقف فتح الله، لهم براء أن يخرج معه، فصرخت تكلبش فيه. تنهد مهدئاً إياها.
"ما تخافيش، اجعدي هنا، ماتخافيش، إني هحل كل حاجة." صرخت: "لا لا، ماتسبنيش."
بالخارج، تقدم أسمر لفتح الله: "عمي، هخش أشوف براء. أشوف أخوي ومرته الأول."
دخل عليهم. أخرج أسمر الورق مسرعاً: "بسرعة، أنجزوا، أمضوا على الورق، بسكات."
تقدموا مسرعين، أمضوا بسرعة، لتمضي شجن مرتبكة، ويمضي براء أيضاً. هنا استدار أسمر وأخرج الورق.
وقف بشموخه المعتاد. كانت الورقة ورق عرفي كعادة أهل تلك البلاد إذا كانت العروس صغيرة. أخرجها من جيبه يتمعن فيها، ليتركها ويذهب لحمدان ويرفع يده وينزل على وجهه، ليترنح حمدان برعب وتنشق شفتيه من هول وقوة وغضب أسمر.
وقف صارخاً بعنفوان الأسد: "لما أسياد البلد ينعابوا، يبقى دي كبيرة في حقي يا ولد المحروق. لما سيرة سيدك براء تهوب ناحيتها، يبقى ما تلاقيش غير أسمر اللي ييجي ينهش جلبك." رفع يده وضربه مرة أخرى: "إنت عيل سوء، كنت عايز تاخد البنت مني صح؟"
صرخ حمدان برعب: "هو اللي كان زانقها في الخلا وبيعمل العيبة. إني ما صدقتش إنها هتبقى مرته. إيه يثبتلنا؟"
بهت براء وأسمر. هتف فتح الله: "مالك أنت؟ يثبت وما يثبتش واحد ومرته جاي تغدر بيهم ليه؟"
هتف الرجل يصرخ في الجميع: "حد مصدق إن المكشوفة دي مرات براء؟"
خرج براء واندفع يهجم عليه: "مرتي مش مكسوفة يا زبالة."
هتف أحدهم بخبث: "مش يمكن تمثيلية وأسمر هو اللي عمل كده؟"
ليستدير أسمر بغضب كالجحيم. اقترب من الشاب، فارتاعب الشاب وابتلع ريقه خوفاً. أخرج أسمر طبنجته من جيبه وصوبها عليه. زادت همهمات الخوف بين الرجال. "...أسمر ما بيعملش تمثيليات يا واكل ناسك. أسمر أبو الدهب كلمته سيف على الرقاب. أخرج الورقة. ادي الورقة ممضية من ياما بخط الشيخ إبراهيم وجدي والشهود. البنت كانت عيلة من قرايبنا في بحري وما جولناش، لأجل البنت ما تنشغلش عن دراستها. لسه جايه، نجوم نلبس العيبة." اتجه لحمدان ومسكه من رقبته: "لتكون فاكر يا ض، إن أسمر وأخوه بيتزنجوا زي الواغش زيك وزي صنفك." بدأ الشاب يسعل وأنفسه تتقطع. صرخ أسمر كالأسد: "أسمر أبو الدهب ما يعرفش العيبة ولا حد تبعه يعملها." رماه أرضاً، فشَهِق الشاب يتنفس.
أكمل أسمر: "وأني دلوقتي عايز حقي وحق أخوي ومرته. احكم بنفسك على روحك بدل ما أنت عارف عداوة أسمر إيه شكلها."
ارتعب الشاب، فأسمر وحش في غضبه: "إني محجوز يا ود عمي، والله ما قصدتش حاجة. وحمدان برضك."
تدخل فتح الله: "لاه، حمدان هيدي حتة أرض لبراء، وأنت هتدي نص فدان عشان تبقى تحرب جوي وتجوم البلد على بعضها. عشان كنت تتجلب حريجة، كله إلا الأعراض."
وقف حمدان مغلولاً ينظر إلى براء. نظر إليه براء باشمئزاز: "أنت اللي جبته لنفسك، اللي يعمل العيبة يستاهل."
صرخ حمدان: "وده معناه إنك هتتجوزها صح؟ طب ميتة مش تعزمنا على الجواز طيب؟ وإلا هو كلام وخلاص؟"
ليهتف براء: "إني مرتي تخلص علامها، وبعدين مالكش صالح، فاهم؟" ليستدير ويدخل لشجن. رجف قلبه بسعادة غريبة، فهي أصبحت زوجته أمام الكل. اندفعت تدخل في حضنه، فقد كانت تشعر بالرعب، تشعر بوجع وتنتحب. "أنا اتفضحت، أخويا هيقتلني، أنا هموت."
مسح على رأسها: "أهدي، كل حاجة هتتحل، أهدي."
لترفع عيونها: "إنت ما تعرفش أخويا، لو عرف مش هيسكت."
تنهد: "طب يلا نمشي من هنا، وبعدين نتكلم. اطمنّي، مش هسيبك. لو طولت أروحله." لياخذها ويذهبا إلى أسمر، الذي كان يغلي من الداخل على فعل أخيه.
أخذهم أسمر إلى خارج المكان، يبتعد بهم. وما أن وصلا إلى مكان آمن، صرخ أسمر: "بطلي بقى، إيه المرار ده؟ ده حاجة تفور الدم."
لتزداد انتحاباً. هتف براء: "مالك يا أسمر؟ بيها إيه؟"
نزل أسمر من العربة وصفق الباب وصرخ فيهم: "إنت مجنون؟ جايبلي واحدة مكشوفة وزانقها في الخلا، وآخرتها تلبسها وتبقى مراتك؟ حد يمشي مع واحدة في الحرام ويتجوزها؟ يا محروق، إنت عايز تفضحنا؟ هاقطع الورقة وأغور في مصيبة الله أعلم بحالها إيه. هتلبسنا معيوبة بندقية."
لتشهق هي برعب وتنظر إلى أسمر، كان شكله مرعباً، لتحس أنها لا تستطيع أن تتنفس. خرجت من العربة تشهق وتبتعد جرياً من رعبها وذلك الكلام الذي يقطر سما.
بهت براء: "...إنت انخبلت؟ إزاي تجول أكده؟ إنت مجنون."
نزل يجري إليها، إلا أنها كانت قد وجدت عربة وركبتها وانطلق بها. أسرع براء بجنون يجري ورائها صارخاً باسمها.
عاد يندفع إلى عربته، إلا أن أسمر هاج بعنف: "رايح فين أنت؟"
صرخ: "إنت مخبول؟ إنت إزاي تعمل أكده؟ ما عارفلهاش مكان، دي مرتي."
صرخ أسمر: "ما تغور في داهية تاخدها ومرت إيه يا طين أنت؟ اقطع الطين الورقة على دماغك واجفل على الجصة دي، فاهم؟ وإلا يمين الله أدَفنك مطرحك. إنت فاكرني هعديهالك؟" ليخرج الورقة ويكورها ويرميها في وجهه.
انت أخويا وواعر وليك حياتك بس انت عارف أسمر هو مين وشكله إيه. مهما كبرت وعليت يا براء يا ابن سلطان، أسمر ما حدش يكسر كلمته، فاهم؟ وأنت عارف أخوك كلمته مالها.
وقف براء ينظر للورقة على الأرض، وينظر لأخيه الذي يعلمه جيدًا. استدار أسمر يركب العربة. وقف براء يشعر بالقهر. نظر للورقة على الأرض. نزل يمسكها، فردها وطبقها بعناية، وضعها في جيبه ورحل من ذلك المكان، تاركًا جزءًا من قلبه قد نُتش نتشا مع تلك الجميلة التي هربت رعبًا، وهي في الواقع أصبحت زوجته، ولكنها رحلت وتظن أن قصة براء أبو الدهب انتهت هنا.
عند وجد، ظلت جالسة تفكر ليلًا كاملًا بعد مقابلته. كيف تقربه منها؟ لتقوم مسرعة تذهب إلى خالتها.
"خالتي، أنا نازلة أشتري حاجة."
وتركتها ونزلت مسرعة. أخذت تليفونه لكي تكلمه.
"نبتدي بقى التخطيط. أيوه، لازم أبين ضعيفة وييجي ينقذني. أيوه، أعمل إيه؟ أعمل إيه؟ فكري يا وجد يا بنت جابر. المز نوقعه إزاي؟ النت قال أشعر بالضعف. بس إزاي؟ ده أنا يتفاتلي بلاد وقادرة. اممممم."
جلست على الرصيف تفكر. "أعمل إيه؟ أيوه، هي دي."
لتقوم وتتصل به.
كان هو يجلس يفكر فيها، مغمض عينيه يتنهد.
"إيه يا نديم، مالكش في السكة دي من أساسه. بتفكر في إيه؟ أنت ليك طريق تكمله لآخره. تاخد حقك تالت ومتلت. بتفكر في إيه أنت."
ليضع يده على ندبته يتنهد. سمع التليفون، فتحه مسرعًا، فاسمه يظهر فيه.
سمعها تبكي. خفق قلبه، هب مسرعًا.
"مالك، فيكي إيه؟ انطقي."
قالت بنحيب وهي تشهق: "خايفة، فيه شباب بيجروا ورايا، كنت نازلة أجيب حاجات وتهت."
صرخ: "أنت فين؟"
قالت وهي تقطع بالكلام: "مش عارفة، أنا خايفة."
قال منفعلًا: "طب استخبي في أي مكان، شوفي أي حد جنبك."
قالت بخوف: "آه، واحد أهوه."
لتتصنع أنها تسأل أحدًا وتعود وتخبره عن مكانها. أكملت: "أنا شايفاهم بيلفوا، أنا خايفة."
هب نديم: "أنا جايلك حالا."
همست بحنان وقالت اسمه برقة: "نديم، أنا خايفة."
تنهد بغلب: "ما تخافيش، نديم ما هيسيبكش."
قفل الخط. قفزت وضحكت وصفقت.
"هو ده. أخرجت مصاصة وظلت تأكل فيها سعيدة تنتظره. وجاي لي على الحصان نتمختر سوا. المز جاي، المز جاي."
فكرت: "طب إيه؟ لازم أسيبها عليه. طب أعور نفسي؟ آه، ماهو لازم أصعب عليه بالجامد. والنبي لأبهدلك يا ابن الديب."
لتقوم وتبحث حولها. وجدت سلمًا ينزل على أحد المنازل، لتقوم وتقف على نصف السلم وتسقط نفسها. فصرخت. جلست أرضًا تنظر لحالها.
"الله يخربيتك، حد يعمل كده؟ هو عشان توقعيه تموتي؟ منك لله يا جوجل، الـ إيه؟ خليكي ضعيفة. أهو بقيت ضعيفة ومكسورة."
رن تليفونها. جلست بغلب تنتظره. نكشت شعرها وملابسها. نظرت لنفسها.
"يا لهوي، إيه ده؟ أنا شكل العفريت. الواد هيخاف كده. هعيط إزاي طيب؟"
تنهدت ومدت إصبعها داخل عيونها، فصرخت وسالت دموعها.
"يا مصيبتي، على ما تتجوزيه هتبقي عورة."
لترد على تليفونها وتظل معه حتى وصل إليها.
رآها من بعيد، انخلع قلبه على منظرها. اندفع إليها يحتضنها بخوف. كان أول مرة يخاف هكذا، أو يتحرك داخله. قال بلهفة اخترقت قلبها:
"حد عمل فيكي حاجة؟ لمسك؟ قولي بسرعة، بيكي إيه؟"
وضعت يدها على رأسها تتصنع الترنح. انحنى يحملها على الفور ويذهب بها إلى عربته. ضمها إليه بقوة. لتهيمس نديم.
أحس بقلبه يصرخ. قال بجنون:
"إيه فيكي إيه؟"
أبعدها وظل ينظر إليها ويفتش فيها.
"عملولك إيه؟ انطقي، ما تسيبنيش. هتجنن كده."
نظرت إليه لتجد حنانًا في عينيه. همست برقة وضعف:
"كانوا هيخطفوني يا نديم. وشدوني وقطعوا هدومي. رفعت إيدي شفت اتعورت إزاي. شفت أنا غلبانة إزاي."
وأجهشت بالبكاء.
تنهد وشدها إليه يمسد عليها بحنان.
"ما تخافيش، طول ما أنا جنبك ما هيجرالكش حاجة، فاهمة؟ أنت في أمانتي."
تنهدت ورفعت وجهها تهمس بحنان:
"أمانتك؟ وأنت ذنبك إيه؟ أنا خلاص مش نافعة. هروح لجدي. أنا هعيش إزاي هنا كده؟"
نزلت دمعة من خدها. "ويجوزوني بقى ابن عمي يموتني عشان هو متوحش."
دق قلبه خوفًا. هتف بإصرار واندفاع:
"أنت مش هتروحي في حتة، ومنين ما أكون هتكوني معايا."
لتتنهد:
"يعني إزاي طيب؟ أنت بتقول إيه؟"
ابتسم ابتسامة ساخرة ألانت قلبها.
"بقول إنك هتبقي تبع نديم، واللي يبقى تبع نديم ما حدش يطوله. أنا ما بسيبش اللي يخصني."
خفق قلبها بعنف. لتبتعد عنه وتتنهد وتحني رأسها. فقال:
"من هنا ورايح هاجي آخدك وأروحك."
ابتسمت ببراءة:
"إيه ده؟ نديم الأسطورة هيبقى موصلاتي؟ لا، أنا ما أرضاش بكده. أنت عالي جوي."
ابتسم:
"جوي جوي، بس برضه هتبقي تحت طوعي."
نظرت إليه:
"أنت بتتكلم صعيدي كويس."
تنهد:
"ليا جذور صعيدية، بس ما بكلمش كتير."
قالت ضاحكة:
"أنا كمان بتكلم مصري. كانت أمي مش صعيدية وأنا ما بكلمش مع حد في البيت من أساسه."
ابتسم:
"طب أتكلم معاكي صعيدي."
ضحكت:
"لا، أنا عايزة أتكلم زيك وأعمل كل حاجة زيك."
هز رأسه:
"أنت باينك مشكلة وهتعبيني."
ضحكت:
"لا والله، أنا طيبة وبسمع الكلام ومن إيدك دي لإيدك دي."
تنهد وأبعد وجهه.
"يبقى هوصلك وأدير العربة."
وقد تولد بينهم من الألفة ما خلق شيئًا من المشاعر. عرفت هي مكنونها، ولكن ذلك الشارد النافر لم يعرف ما به ناحيتها بعد.
عند أسمر، كان جالسًا يركن على مكتبه. لم ينم جيدًا. كان سارحًا في تلك الجميلة ذات العيون الخضراء. تنهد.
"إيه يا طين، واحدة متجوزة. ماتحترم حالك. انخبلت من امبارح وعايز أشوفها وهأموت عشان أشوفها. مخبول أياك. مرة متجوزة. منك لله. يا رب إيه ده؟ ما فيش مرة دخلت عيني. ويوم ما يحصل تطلع متهببة. زمانها سافرت زي ما قالت. فيه إيه؟ مالي؟ هتجنن أكده."
تنهد وأخرج من جيبه تلك الفراشة التي كانت في شعرها ليشمها، ولا يعلم ما به.
"البت ما بتروحش من بالي دقيقة."
دخل عليه ظافر.
"الوحش جه."
قطب أسمر جبينه.
"فاردوه. مهره يا عم."
نظر إليه أسمر بغضب.
"أعوذ بالله. مهره الذكر. خليها تتفضل."
لتدخل عليه مهره بشعرها الأحمر وهيئتها المصطنعة.
تنهد وقام.
لتقترب وتهتف:
"دلوقتي أنا راجعت بنود العقد كويس، وكنت حابة أتناقش معاك في حاجة."
أشار إلى الكنبة. ذهبت معه لتجلس بجواره وتفتح الحاسوب. اقترب منها، قطب جبينه. فرائحتها هي تلك الرائحة التي تغلغلت بداخله. خفق قلبه ووضع يده على الفراشة في جيبه. أغمض عينيه، لتأتي عين مهره أمامه سهمًا لفترة وتاه منها.
كانت مهره تتكلم ومنشغلة. ليقترب رغما عنه أكثر ويشم شعرها. رجف قلبه.
"سهم في ريحتها وهي لا تنتبه."
سمعها تقول:
"وكده يبقى خلاص اتفقنا على كل حاجة."
لينتبه إليها:
"هاه؟ معلش سرحت."
نظرت إليه غاضبة:
"فيه إيه أسمر بيه؟ أنا وقتي بفلوس."
اشتعل من تعاليها، فقال بغضب:
"ما أنا قلت معلش، ما حصلش حاجة يعني. ما جتش في دقيقة الله."
نظرت إليه بغضب. فقال بسخط:
"هو أنت على طول وأبور كده؟"
لتهب هيا منفعلة:
"من فضلك، ما بحبش الطريقة دي في الكلام."
ركن على الكنبة ينظر إليها ببرود يتأملها.
"أما بتحبي إيه يا مهره؟"
قالت بغضب:
"مهندسة مهره يا أسمر بيه."
ليقوم بهدوء:
"مانا برضه لازم نعرف بعض ونتساهل شوية ونلين. عشان مش كل شوية تهبي كده."
قالت بغضب:
"لا، ما فيش مجال للمعرفة. أنا ما بعرفش حد من أساسه ويا ريت نخلينا في شغلنا."
اشتعل عن آخر:
"كيف ترفض قربه وهو أصلًا لا ينظر إليها؟ ولكن بداخله شيء شده، تثير اهتمامه رغم كرهه لتلك الهيئة."
هتف بلا مبالاة:
"طب أهدي على روحك. أنا أصلًا بقول كلام مجاملة يعني. أعرف إيه بس؟ صلي على النبي."
نظرت إليه بغضب. استدارت تنخرط تشرح له مرة أخرى. حاول أن يركز بأعجوبة ورائحتها تثيره بشكل كبير. وبينما تنحني نزل شعرها على وجهها. فرفعته يبعده بغضب، لياتي على وجهه. أغمض عينيه وفتحها. أراد أن يصرخ من الحالة التي يمر بها، فهو أسمر أبو الدهب، رجل واثق ومسيطر. وما أن انتهت تلفتت له لتجد وجهه قريبًا بشكل جعلها ترتبك بقوة، وهو يتفرس فيها كعيون الصقر. خافت أن يكشفها وارتبكت.
لتنتفض وتهب مرة واحدة، فتعثرت. انتفض هو مسرعًا وشدها. لتترنح وتدفعه. إلا أنه مسكها حتى لا تقع. اختل توازنه، لتندفع بقوة تقع فوقه على الكنبة، وسقطت بوجهها في تجويف عنقه وشعرها عليه بالكامل وجسدها فوقه.
حاوطها بشدة ويديه على خصرها كخطاف حديد. في تلك اللحظة، ارتج أسمر. أحس أن هناك خللًا ما، فهو يحس بقربها بشدة وشعرها قد انفلت عليه. ليغمض عينيه ويهمس.
رواية عودة الذئاب الفصل الثامن 8 - بقلم ميفو السلطان
كانت مهره قد سقطت فوق أسمر بجسدها بقوة وسقطت رأسها في تجويف عنقه وشعرها بالكامل عليه. حاوطها بقوة ماسكاً خصرها مشدداً عليه من انفعاله، فرائحتها أثارت جنونه. همس بلين وصدره سينفجر من دقات قلبه.
"هيا أيوه هيا. أني هتجنن هيا."
سمعته يتكلم، لِتنتفض برعب وتدفعه وتحاول أن تقوم. نظرت إليه بغضب.
"ماتحاسب إيه ده."
كان مغمض العينين لا يريد أن يخرج مما كان فيه. فتح عينيه وجدها تتكلم بغضب، لِيعود لنفسه على الفور. أردف بعنفوان وتعالٍ.
"هو إيه، انت بعقلك حاجة؟ انت اللي اتنفضتي، ماتخليش بالك إنت ليه؟ أني كنت جيت جارك، انت اللي اتحدفتي عليا."
فصرخت.
"انت ماصدقت؟ إيه ده؟ إيدك تلمها تاني."
رفع حاجبيه بسخرية.
"هو مين اللي ماصدق؟ لتكوني فاكرة إني أبص لك من أساسه. يا بنتي، دانتي راجل متنقل، ماتبصي لنفسك. دانا أسمر أبو الدهب يا شاطرة."
فاشتعلت.
"لا والله تبص لي؟ هو حد يطول مهره؟ بس بس شوف نفسك."
ضحك ساخراً.
"مانا شايف نفسي، بس مش شايفك."
أحست بالغيظ، لِتقترب منه بشدة وتنزل عليه. رجف قلبه، فقالت ببرود قاتل.
"دي نعمة إنك مش شايفني، والله أشكر ربنا."
اقتربت أكثر بجوار أذنه، لتتغلغل رائحتها بداخله. همست بتعالٍ.
"مش أسمر أبو الدهب اللي عيني تنفع تيجي على مهره عمران. مهره عمران كبيرة على أي حد."
وقامت بهدوء ورحلت. أغمض عينيه، يكز على أسنانه بقوة وغضب، إلا أن بداخله شيء يحركه تجاه تلك المهره.
هب مرة واحدة.
"لاه فيه حاجة، أني خلاص بقيت أتخيلها في كل حد. مالقيتش إلا الدكر دي أتخيلها فيها؟ ال أسمر عيني ماتنفع؟ دانتي غريبة يا شيخة، منك لله. إيه مالي؟ هنهبل؟ انت عبيط؟ اتلحست في عقلك؟ لا ريحتها هتجنني، أني أموت وأشوفها."
واندفع للخارج يبحث عن من شغلت فكره وعقله.
خرجت هيا مشتعلة.
"ال إيه مش شايفني؟ الزبالة! هو أنا أصلاً أبص له؟ أنا مش شايفني ليه؟ بتاع إيه أنا أبص له أصلاً؟"
لِتعود لفندقها وتجلس تأكل روحها.
"أنا راجل أنا.. أنا يا زفت أبص لك؟ أنا غراب؟"
قامت تنظر لنفسها. خلعت بروتكتها ورمتها بعيداً بقرف. ظلت تتأمل نفسها. ذهبت لدولابها تنتقي فستانها جملاً يبرز جمالها بكتف واسع، ويضيق على الخصر، وينزل واسع بنعومة على جسدها. عادت لهيئتها الملائكية.
"أنا راجل أنا."
أسقطت كتفيها ليظهر جمالهما. تنهدت.
"حلوة وبنت، والله بنت."
ظلت تتلفت حول نفسها.
"لا والله أهو قمر أهو."
تنهدت وابتسمت بثقة، ورفعت كتف الفستان واستدارت للخارج تتجول في الفندق.
أما هو، فلم يعد يحتمل. أراد أن يراها بجنون، اندفع إلى ذلك المكان الذي قابلها فيه، عله يراها. ظل يدور ليهتف.
"جاي ليه يا زفت؟ زمانها ماشية مع جوزها. هتنهبل على واحدة متجوزة."
تنهد والتفت عيونه تجوب المكان، لينشل مكانه فوجد زوجها الذي أشارت إليه آخر مرة، يقف مع فتاة رائعة الجمال. والمصيبة أنه يقبلها قبلات حارقة في أحد الأركان.
تراجع بذهول ورق قلبه.
"بيخونها.. جوزها بيخونها؟ بقي دي تتخان؟ الجمر ده يتخان؟ منك لله يا زبالة! دي تتحط بالعين والنني."
اقترب يراقب ذلك الرجل. لمحه يأخذ تلك الفتاة. سار خلفهم بهدوء. تراجع بقرف واشمئزاز، فشاهده يدخل بها إلى أحد الأجنحة البعيدة محتضناً إياها، وضحكاتهما ترج المكان. لِيعلم أن تلك الجميلة زوجها يخونها بأبشع صورة. ظل قلبه يأكله عليها.
"كيف ده؟ لا إزاي؟ ماينفعلها؟ دا مش صاين النعمة. طب إيه؟ هعمل إيه؟"
نهر نفسه.
"تعمل إيه يا زفت؟ مالك انت؟ منك لله."
ليلمحها من بعيد تذهب لنفس المنزل وتجلس هناك.
اندفع إليها وقلبه يأكله عليها، ويشعر بحنان وأسى غير عادي. اقترب منها وبهدوء جلس بجوارها. سهم في جمالها، كانت تتنهد وتفكر فيه أيضاً، فهي لم تقابل شخصية بمثل تلك القوة، لتتذكره في الصباح، وكيف أغاظته. ضحكت بقوة.
"مش طبيعي والله."
لتحني رأسها، سقط شعرها على وجهها. رفعت، وأثناء حركتها سقط كتف الفستان يظهر جسدها يلمع من تحت الفستان. نظر إليها، أحس بغيره شديدة. مد يده يرفع كتف الفستان.
لتشهق، واستدارت تنظر إليه، ووجدته يتأملها بنظرة راغبة ولين. تعالت أنفاسها، لتنتفض وتنزاح بعيداً.
مسكها بسرعة وهتف.
"ماتخافيش، براحة هتقعي."
أبعدت يده مرتبكة.
"انت بتعمل إيه هنا."
ابتسم ابتسامة ساحرة وأردف بصدق.
"جاي أشوفك."
نظرت إليه غاضبة.
"أظن عيب. قولت أنا متجوزة."
لمحت نظرة غاضبة في عينيه، فقال مندفعاً والغضب يظهر في صوته.
"بتحبيه."
استعجبت من اندفاعه وغضبه.
"أكيد مش جوزي."
نظر وقال بغضب مكتوم.
"أراد أن يصرخ فيها."
"وهو بيحبك."
قالت بنبرة واثقة.
"طبعاً بيحبني. ثم انت مالك الله."
شدها إليه.
"لا مالي إيه؟ أنا مش عايزك تتوجعي."
نظرت إليه باندهاش.
"وإيه اللي هيوجعني."
زفر متنهداً.
"إن مثلاً احتمال الحب مايبقاش حب، احتمال يبقى تعود، احتمال يبقى شكل اجتماعي، يعني أكده."
هزت رأسها مستنكرة.
"لا هو حب، ويا ريت تخليك في حالك."
ثم قامت مسرعة تبتعد عنه.
هب وقلبه يحرقه، شدها إليه وصرخ.
"مابيحبكيش! انت لازم تعرفي أكده. انت لازم اللي ياخدك يقدرك ويحطك جوا عيونه ويصونك."
قالت ببرود.
"ماهو عامل كده، انت مالك."
صرخ باندفاع وغيظ.
"عشان هو واحد كداب، وانت تستحقي أحسن منه ألف مرة."
دفعت يده.
"انت واحد مجنون، مالكش دعوة بجوزي، أنا بحبه."
لتستدير تهرب منه.
صرخ بقوة مسرعاً.
"بيخونك."
توقفت لوهلة واستدارت.
"بتقول إيه."
اقترب ومسكها من يدها.
"بقول بيخونك."
قطبت جبينها، هزت رأسها.
"طب مالكش دعوة."
مسكها بعنف.
"اللي هو كيف ده؟"
هزها بقوة وهو معها دلوقت في الجناح.
تنهدت، تظن أنه مجنون.
"هو مخبول، هو مين اللي معاها؟"
تنهدت تجاريه.
"أنا واثقة في جوزي."
لتستدير، فمسكها بشدة.
"واثقة؟ انت بتتخاني وتجولي واثقة؟ انت لازم تسيبه. هاه، ده واحد واطي، ماتقعديش على زمنه يوم واحد."
قالت بغضب.
"انت مالك الله؟ بطل بقى، دا جوزي."
لوي ذراعها بعنف.
"لاه، أنا مايجراليش. انت مالك لأنك تهميني."
نظرت إليه ببلاهة. ليقترب ويشدها.
"أيوه تهميني، ومش هسيبك له يخونك ويجيب أجلك. انت ماتتخانيش."
قالت تحاول فك يده.
"بطل، انت واحد مجنون."
شدد على يديها.
"يبقى جنون بجنون. يبقى خلاص هاخدك عنده ونفضحه."
صرخت.
"هو مين يا مجنون انت."
صرخ وقد طفح الكيل منه، أنها تدافع عن ذلك الخائن.
"جوزك اللي كان معاكي امبارح مع واحدة في الجناح، واحنا هنروح له عشان تشوفي وساخته بعينك."
اندفعها وشدها بقوة.
ارتعبت منه أن ينكشف أمرها، لتتصنع الدوخة، وعلي الفور استدار واحتضنها مسرعاً. انحنى وحملها وذهب بها إلى أحد الأرائك، وأجلسها بلين ورفق، وجلس بجوارها.
قال بخوف.
"إيه مالك بيكي؟ إيه؟ ماتخافيش، هو ولا يسوى، انت ياخدك سيد سيده."
همست.
"من فضلك، أنا تعبانة، مش عايزة أشوف حد."
تنهد ولمس وجهها.
"يعني مصدقاني إنه خاين."
تنهدت.
"عارفة، بس بحبه."
صرخ بغضب.
"تحبي إيه؟ انت انت لازمن تسيبيه."
حاولت أن تجلس، مسك يدها بحنان. همست ببعض الخوف.
"من فضلك ماتتدخلش بين ست وجوزها، عشان أنا بحبه واستحالة أسيبه."
قامت تبتعد، أردف بثقة.
"هتسبيه، ونظرة الحزن في عيونك هتروح، وياخدك سيد سيده."
لتندفع تتركه، والخوف قد حاصرها أن يكشفها ويكشف أخيها بعد ذلك.
ظل واقفاً يشعر بالغضب من ذلك الحيوان، وقلبه يأكله عليها، كيف تحب ذلك الخائن. شعر بغيره شديدة تنهشه، يريد قتل ذلك الحقير.
رجعت شجن إلى الفندق على الصباح، وكان الكل نيام، لتنسى وتدخل إلى حجرتها تنتخب بشدة من هول ما مرت به. جلست حزينة تشعر بالرعب إذا عرف أخوها ما حدث. تنهدت تحاول أن تهدأ من روعها.
"خلاص يا شجن، كلها أسبوعين تسافري وخلاص، راح لحاله وماعرف انت فين. هو قال هيقطعوا الورقة وخلصت القصة. اهدي، اهدي."
في تلك اللحظة، كان براء يجلس يأكل روحه. أخرج الورقة من جيبه، فتح الورقة، ظل يتأملها، وجد إمضتها على الورقة. تنهد وابتسم، هز رأسه باستغراب.
"انت مخبول، مبسوط بإيه؟ واحدة ماتعرفهاش، مبسوط إنها بقت مراتك وماهتشوفهاش تاني؟"
ظل جالساً يفكر. "ماهشوفهاش تاني صوح." أحس بقلبه يخفق. "إزاي ده؟ ماهشوفهاش تاني خلاص؟" ليهب مرة واحدة. "لاه، ماهتحملش أكده، لازم أشوفها وأطمن عليها."
ليقوم ويذهب إلى المدينة، يتفقد كل الفنادق ليسأل ويستفسر عنها، فهو لا يتحمل أن لا يراها مرة أخرى.
استيقظت شجن لتقوم وتشعر ببعض الراحة والهدوء، أن الكابوس قد زال. دخلت عليها صديقتها.
"قومي، هنزور المعابد النهارده، قومي يلا."
لتقوم وتلبس ملابسها وتذهب معهم. كان فكرها مشغولاً شارداً. ظلوا يتجولون بين المعابد. وجدت مكاناً به بعض التماثيل الكبيرة، ذهبت هيا تتفقد المكان. ابتسمت وسرحت بين الأطلال. ظلت تسير بمفردها بلا هوية. أحست أنها ابتعدت، لتستدير وتعود مسرعة، لتشهق عندما وجدته أمامه. مد يده مسرعاً. شدها إلى أحضانه، لترتعب. ابتسم لها وهتف غامزاً.
"وحشتيني."
لتنتفض تبعده.
"انت بتعمل إيه هنا؟ عايز إيه انت؟ انت مجنون؟ جاي ليه؟ انت عايز تفضحني؟ أنا سبتلكوا بلدكم، انت إيه؟ انت جاي ليه؟"
ابتسم.
"جاي أشوف مرتي. وحشتيني يا مزتي."
شدها إليه يحاوطها.
فتصرخت واندفعت تخبطه.
"مرت مين يا طين انت؟ انت مجنون؟ يا رب إيه الإعاقة دي؟ أوووعي، هتفضحني."
ضحك.
"لا أفضح إيه؟ ده إحنا لسه كاتبين امبارح."
كان يحاوط خصرها ونظرته تتوسدها مرح كبير. حاولت أن تبتعد، فغمز لها.
"ماتحبش بوسة."
نظرت إليه غاضبة.
"باسك حنش منك لله. انت السبب لو ماكنتش خدتني كان زماني روحت في أمان الله. أوووعي بقى، بدل مايجوا ويزفونا."
غمز لها.
"يزفونا؟ ده يوم العُمرة يا مز انت."
تأملها جيداً.
"انت حلوة أكده ليه بس؟ نلبس بقى ونخبي اللي باين ده."
دفعته بغضب.
"امشي ياض، انت ال نخبي بلا قلة أدب. أنا قولت مجنون، بس كنت شاكة. بس طلعت فعلاً."
لتستدير مبتعدة. انفلتت منه ضحكة عالية.
"ياض الحلوف اللي طول ضلفة الدولاب ده، ياض وانت بونبناية ومزة تتاكل. بس كاشفة إيه؟ إني ما أتحملش؟ هبخ نار كمان شوية."
ليندفع ويستدير ويمشي وظهره للخلف ووجهه لها يرسل إليها قبلات.
فصرخت.
"انت مجنون."
ابتسم.
"براء سلطان يا مزة، مجنون القمر."
هزت رأسها بيأس.
"ربنا يشفيك يا بتاع انت. أوووعي بقى."
ليسير بجوارها.
"مالك غضبانة أكده؟ طب أشوفك بالليل."
صرخت.
"ماتحل عني بقى وشوفلك زفتة ترافقك، إيه ده."
اقترب يقرصها من خدها.
"لا، أنا ليا زفتتي الجمر. جمر يا بت الـ... أنا باين عقلي خف ولا إيه."
وقفت غاضبة.
"انت عايز إيه انت دلوقتي."
غمز لها.
"عايز مرتي."
تنهدت بيأس.
"طيب حاضر، هروح أجبهالك. ها، خلاص حل عن سمايا بقى."
سمعت صوتاً من بعيد، لتجد أصدقاءها قد أتوا، لتهامس.
"الله يفضحك، العيال جايين."
اقترب أحد الشباب.
"إيه يا شجن، فين من امبارح؟"
ابتسم ينظر لبراء.
"مين البرنس."
ابتلعت ريقها.
"دا دا.. دا كنت كنت بسأله على حاجة."
اقترب الشاب وغمز لها.
يعني وليد موجود وتسألي يا شوشو.
رفع براء حاجبيه، تصاعد غضبه، نظر إليها بغضب وهمس ساخرًا: شوشو.. إيه المرض ده؟ عيل سدغ.
هتف براء: لا أصل الصعايدة غير يا واد عمي، ماحد يعرف بلدهم غيرهم.
اندفعت إحدى الفتيات تقول بدلال: طب بالليل عاملين حفلة صغيرة، تعالي هيعملوا حطابة للشباب. أكيد بتعرفي.
ضحك براء: اسمها تحطيب.. حاضر هاجي. اقترب من الفتاة وغمز لها: عيوني يا جمر. لتخجل الفتاة، فبراء شديد الوسامة.
اشتعلت شجن من داخلها، لتشيح بوجهها. اقترب وليد يهمس لها: البت سميرة عينها من الواد الصعيدي، ياللا شالله تتجوز زيه، يصبحها بعلقة بت بومة.
ضحكت شجن، فنظر إليها براء بغضب، إلا أنها نظرت بعيدًا ولا تبالي.
طب يلا بقى نروح. لتستدير وتتركه ومعها وليد ملتصقا بها يسير يثرثر بسعادة.
وقف براء مغتاظًا: طب وماله الصبر يا شوشو. ليكي روقة، مش براء يسيب اللي يخصه. ليستدير وهو ينوي أن يقربها، ولا يعلم لماذا يتلبسه تلك الحالة وهي معه.
آتي نديم في الصباح يأخذ وجد. نزلت إليه مسرعة تشعر بسعادة. كان ينتظرها بعيدًا. فتحت الباب وابتسمت له ابتسامة ساحرة: صباحك عسليه يا واد عمي.
رفع جبينه: واد عمك؟
قطبت جبينها: إيه وحشة؟ طب خلاص يا بشمهندس.
جلست تنظر إليه ببراءة. تنهد وهتف: نديم يا وجد، نديم.
ابتسمت: أقولك نديم على طول كده؟
ضحك: أيوه على طول، واسمها أكده، مش كده.
نظرت إليه ساخطة: مش عايزة أنا أتكلم كده، الله.
هتف مستهجنًا كلامها: ليه بتستعري من أصلك الصعيدي؟
تنهدت وقالت بنبرة مليئة بالوجع: لا، ولا عمري استعر، بس أنا عارفة إني مش هعيش هناك، ومتاكدة من ده.
تنهد: ليه؟ ماله هناك؟ أهلك وحبايبك.
قالت بسخرية: حبايبي. نظرت إليه بوجع: أنا ما عنديش حبايب يا نديم. أنا لوحدي، عيلتي كلها قاسية، عندهم جحود مش عادي. أنت عارف إني بنت وحيدة، المفروض أبقى مدلعة. بس تصدق، أصعب حاجة إني بنت. أبويا حاساه بيكرهني عشان بنته الوحيدة. حط فوق ده جوز غربان مالهمش في الحنية، وأبويا مخطط أتجوز واحد منهم.
قال مستفسرًا: ليه؟ لا، مش البت لابن عمها؟
قالت مسرعة: ساعتها أموت نفسي. ابن عمي أتجوزه لما يبقى حنين وطيب، يحبني ويعوضني القهر اللي عشته. أهلي عايشين عشان الشغل والفلوس والسلطة، غير كده ما فيش، غير قسوة. أنا بكره الفلوس والسلطة. بكره الأطيان وإن الناس تنصعر على الفلوس وتعيش عشانها وبس.
ابتسم بلين: يعني لو جا لك حد من بره عيلتك، من بعيد، هتوافقي؟
قالت مندفعة: على طول والله، هأوافق على طول. والله أموت نفسي، أهون عليا. يا لهوي، ده ولاد عمي بوم وجاحدين.
ضحك: أول مرة أشوف حد بيكره عيلته كده.
همست: أنا ما بكرهش عيلتي يا نديم، أنا بخاف منهم، كل واحد شارد، بيبصوا لمصلحتهم وبس، مفيش إلا كده. ابتسمت ونظرت إليه بحب: أنا حتى ماليش أصحاب خالص.
ابتسم: طب يا ستي، من هنا ورايح اعتبريني صاحبك.
لتهتف منفعلة: والنبي يا نديم، بجد أنا أنفع أبقى صاحبتك.
هز رأسه متعجبًا، فهي كتلة من البراءة تشع حناناً: ابتسم: أنتِ طيبة قوي يا وجد، بجد ما قابلتش حد زيك.
ابتسمت بخجل، أشاحت بوجهها: طب يلا بقى، مش هنشتغل؟ أنا عايزة أك تعلمني كل حاجة عشان أبقى شاطرة وأقول إن تربية نديم الديب. هز رأسه، لا يعلم لماذا ضمها لفريقه، وهو من في الأساس لا يقرب أحداً. انصرف إلى مكتبه الذي نادراً ما يأخذ إليه أحد، فهو الأسطورة التي لا يعرفها أحد.
ذهبت وجد ودخلت معه إلى مكتبه. جلست في مكتب نديم. كان مكتب صغير وبه موظف واحد فقط، شاب صغير في سنها وساعي للمكتب. دخل وقفل الباب. اندهشت: إحنا فين؟
ضحك: مكتبي.
نظرت إليه ببلاهة: ده مكتبك؟ ده مكتب عم شكري البقال أحسن منه.
ضحك: ماهو مش بالمكان.
بدأت تجول وتنظر للحجرة: بجد يا نديم، مكتبك.
ابتسم: آه والله، أحلف لك.
قطبت جبينها: نديم، أنت عليك تار يا واد.
قطب جبينه: واااد.
مطت شفتيها: آه، معلش نسيت، أنا بحب أتكلم براحتي. أنت عليك تار؟ قول بالله لأحسن الأجي نفسي مجتولة جارك.
ضحك: لا، ما علياش تار، اطمني.
نظرت إليه: طب عامل عملة ومستخبي. ضحك وهز رأسه. رجف قلبها بخوف، لتهب: أنت طفشان من مراتك صح؟
انفجر ضاحكاً: أنت مالكيش حل، أقسم بالله.
قالت حانقة: الله، أمال مستخبي من مين وقاعد في قمقم علاء الدين؟ ده علاق قمقمة أكبر. نديم الأسطورة يقعد في مكتب كنبة وكرسي واتنين بره قاعدين على رجل بعض. أنت بخيل والا إيه؟ نديم الفلوس تحت الرجل ما بتعليش نفوس، اصرف. افرض بعد الشر مت، بكرة مين هيصرف فلوسك؟
ضحك: يعني أنت فاكراني بخيل؟
هزت رأسها: لا خالص، مش شكلك. بس فيه إيه؟ أنت مريب.
تنهد: فيه حاجات مش لازم تعرفيها.
هزت رأسها بإصرار: لا، مانا حشرية ولازم أعرف عنك كل حاجة. ما تحكي لي كده. رفعت حاجبيها: الأمر فيه ست أكيد بتطاردك مثلاً؟ دنا كنت بتتبع أخبارك. أنت مثلي الأعلى، بس عمري ما سمعت عنك لعبت بديلك.
ضحك: لا ما فيش. عارفة؟ أنت إزاي مالكش ديل؟ كل الشباب ليهم ديل.
ضحك بقوة: لا مش لازم، ماليش في الحتة دي.
شهقت تنظر إليه باستنكار: الواد شاذ والا إيه؟ هتجوزو إزاي؟ يخربيت كده. قالت باندفاع: أنت رينبو؟
انفجر ضاحكاً وظل يضحك. أكملت ببلاهة تنظر لضحكته التي خطفت قلبها: ليه؟ طب يعني أختها والا إيه نظامك؟
اقترب يمسكها من رقبتها: هو مين اللي أختها؟ ما تحترمي نفسك.
قالت بغضب: الله، مش أنت اللي قلت ماليش؟
تنهد: مثلاً، ما بحبش أعطي، أو بالاصح ماليش ديل. ها؟ حاجة تانية؟
قالت ببراءة: يعني عمرك ما حبيت؟
تنهد وابتسم مرة واحدة، كان يتذكر قبلها تلك الطفلة التي حنت عليه: أنت عارفة إن ما فيش واحدة حنت عليا في الدنيا دي غير واحدة بس.
أحست بالحزن: مين دي؟ لا والله، فيه ناس حنينين كتير، بس دور.
هز كتفيه بلا مبالاة: لا مش عايز، بصراحة مش فاضي، ويلا بقى وجعتي دماغي. اخرجي بره وخلي أمجد يعرفك شغلنا.
ظلت واقفة تفكر من تلك الفتاة التي حنت عليه، لتستدير حزينة تخرج وتجلس مع ذلك الشاب. كانت مرحة، حنونة، لتعتاد عليه، وهو أيضاً ظلا معاً يتسامران حتى علا صوت ضحكتهم.
سمعهم نديم، خرج وجدها تجلس على المكتب وتكلمه: والله انتو قاعدين في مقبرة يابني. أقول إيه، وحش الغاب اللي جوه ده، بس خلاص، أنا جيت، هخرجه من العصور الوسطى.
هتف الشاب: تصدقي إنك عسليه وقمر، دانا يومي هيبقي عسل يمين الله.
أحس نديم بالغضب وهدر بصوت غاضب: انتفضت بذعر عندما...
رواية عودة الذئاب الفصل التاسع 9 - بقلم ميفو السلطان
كان نديم جالسا في مكتبه يفكر في دنياه.
لتأتي أمامه تلك الصغيره، ابتسم وظل يفكر فيها، وكيف ضمها إليه تحت جناحه بهذا الشكل، وكيف خاف عليها أن يصيبها أي شيء.
هز رأسه مستنكراً ما يمر به.
قطع أفكاره صوت ضحكتها.
قطب جبينه، كان.. قام يرى ما تفعل.
فتح الباب ووجدها تجلس على المكتب وتضحك بشدة.
سمع كلام الموظف لها.
والموظف يتأملها بسعادة وعيونه منصبه عليها.
اشتعل من داخله.
أحس بقلبه يأكله.
اقترب غاضباً وصرخ: "إيه المسخرة دي؟"
انتفضت هيا لتهب من المكتب.
آتي غاضباً، أشار إلى أمجد بغضب ليسرع ويخرج مهرولاً.
اقترب ومسك يدها بعنف وهدر بصوت غاضب: "إنت قاعدة على مصطبة بيتكم؟ هو فيه إيه؟ المكتب هنا محترم ما فيهوش لا صحوبية ولا مرافقة. إنت جاية هنا لإيه بالظبط؟ وجاية وفاتحة دراعاتك قوي للبيه؟"
كانت تستعجب من تحوله، كيف تحول هكذا؟ لتدمع عيناها فصرخ: "بتعيطي على إيه؟ المكتب ده محترم وله سمعته. فين الاحترام في الشغل؟ إيه عسل وقمر ناقص يقولك هاتي بوسة وأنت سعيدة قوي؟"
شهقت من كلامه.
شدت يدها منه، كانت تكبت نفسها كي لا تبكي.
نزلت من على المكتب بهدوء، لتهمس ودموعها تسيل: "إنت إنت بتقول إيه؟ إنت... يا نديم بيه. أنا كنت بتكلم عادي. وعموماً آسفة. واطمني أنا مش جاية أرافق ولا أصاحب ولا أقعد على مصطبة بيتنا. واسفة ليك تاني إني ضايقتك وخوفتك على سمعة المكتب. عن إذنك، ما عدتش هتشوف وشي. معلش وهرحمك من قلة احترامي."
لتندفع وتأخذ حقيبته وتنصرف مسرعة.
وقف ينظر في أثرها بغضب وقلبه يدق طبول تصم أذنيه.
كان لا يفهم لماذا غضب عندما غازلها ذلك الشاب.
وجدها تفتح المكتب وتحاول أن تخرج.
لم يتحمل، أحس بروحه تنسحب.
اندفع لا إرادياً ورائها بلا تفكير.
أما هيا، أحست أن قلبها سيتوقف.
كان قلبها يتمزق، فهي لم تفعل شيئاً.
كل أمنيتها أن تقترب من شخص حنين، من شخص لا يعاملها كأهلها.
وظنت نديم هو ذلك الشخص، رغم أنها لم تعرفه إلا قليلاً.
ليأتي ويتهمها بكل بشاعة.
انصرفت وقلبها تمزق أشلاء من تهجمه عليها، لتسير باكية هائمة تبكي قهراً، لماذا يفعلون بها هكذا؟
لتجده يمسك يدها ويصرخ: "إنت راحة فين؟"
لم تقدر أن تتكلم، كانت تشهق بعنف وقلبها يؤلمها.
حاولت أن تبتعد أكثر من مرة، إلا أن منظرها أهلك قلبه وألم فؤاده وشقه تصفينا.
لم يقدر أن يتركها وهو الأسطورة في الجحود.
فقد دق القلب لتلك الفاتنة رغماً عنه بلا معرفة منه وما يحول بداخله.
كانت غيرته عفوية وعمياء.
شدها إليه لتنهار بالبكاء.
ظل يمسد عليها لفترة حتى هدأت.
لتدفعه مرة واحدة وتستدير.
إلا أنه لم يتركها، قبض على يديها، شدها من يدها وهي تتلوي، يعود بها إلى المكتب.
أدخلها مكتبه عنوة، ووقف قبالة الباب يمنعها من الخروج.
نظرت إليه غاضبة: "إنت جايبني هنا ليه؟ خرجتي أو إما أغور من هنا، مش قاعدالك تقل أدبك، أوعي."
كان ينظر إليها يتأملها ليعلم أنه لا يقدر أن يتركها.
فبداخله شيء يمنعه من أن تبتعد.
كان يحس أنه راعيها قطة صغيرة طلبت أماناً، فقرر أن يعطيها ذلك الأمان.
كانت تتكلم وتصرخ فيه كي يدعها ترحل.
اقترب فحاها ونظر إلى عيونها بلين وقال مرة واحدة: "أنا آسف."
تجمدت هيا ورفعت عيونها ببلاهة.
ليبتسم بحنان، اقترب ورفع يديه يمسك وجهها بلين ورقة: "أنا غلطت وبتأسف."
ظلت تطرف بعيونها غير مصدقة لما تعلمه عنه من عنفوانه وغروره.
نديم الأسطورة بيتأسف لها.
رجف قلبها خوفاً، لتهمس: "عايزة أمشي."
ابتسم ابتسامة أخذت قلبها: "وتسيبيني؟ أهون عليكي؟"
لتتنهد وتهمس بوجع: "إنت طلعت وحش زيهم كلهم."
ليبتسم أكثر: "هما مين بس؟"
قالت بيأس: "ممكن أمشي؟"
ضحك وقال: "وتسيبي الأسطورة؟"
اخفضت رأسها بوجع: "أسطورة إيه بقى خلاص."
اقترب منها: "طب ينفع اللي عملتيه ده؟"
نظرت إليه غاضبة: "أنا ما عملتش حاجة. أنا كنت قاعدة عادي وبتكلم مع الحزين اللي بره اللي وشه شقق من وحدته. إيه حصل؟"
ضحك: "وإنت بقى جيتي تراعي."
قالت بحماقة: "الله مش هيبقى صاحبي وهنقعد طول النهار ما بعض؟ إيه ده؟ عايز أعض في الواد دا؟ حتى طيب وعسلي وقمر."
اشتعل غضباً مرة أخرى.
نظرت إليه لتخاف: "إيه بتبصلي كده ليه؟ أنا ما عملتش حاجة."
اقترب وقال بغضب: "هو مين اللي عسلي وقمر؟"
لتهمس بخوف: "أمجد الحزين."
انفلتت منه ابتسامة رغماً عنه، إلا أنه أكمل بنبرة حادة ليهتف: "فيه واحدة محترمة تقول على واحد عسلي وقمر؟"
أحست بوجع من كلامه، نظرت إليه بعيون يملأها القهر.
شعر بندم على الفور من كلامه، لتهتف بدموع: "كتر خيرك يابن الناس. أنا بتكلم بعفوية وما أعرفش أتكلّف قدام حد. دا خلقي ربنا خلقني بسيطة. بس بسيطة وبرضه محترمة. ممكن أكون بعمل غلط بس مش معني الغلط إني مش محترمة. كنت فاكراك هتفهمني، بس تقريباً هو الصنف كله كده. عن إذنك."
لتدفعه وتهرب من أمامه.
وقف يلعن نفسه، ليندفع وراءها مرة أخرى.
كانت تعدو بأقصى سرعة: "اهربي يا وجد، ما عدتش ينفع، هيوجعك، هيوجعك."
كانت تشهق ولا ترى أمامها، ولم تر تلك العربة التي أتت عليها.
اندفع نديم ورائها، فراى تلك العربة.
صرخ وشعر بالرعب، اندفع إليها ودفعها، لتصرخ هيا عندما صدمته العربة.
اندفع بعيداً.
وقفت مشلولة، تشعر أن روحها انسحبت.
لتندفع إليه وتصرخ: "بيك إيه؟ نديم نديم. قلبي فيك. إيه؟ قول أنت مت. نديم، ما تموتش، والله قلبي هيقف. نديم نديم."
كانت العربة قد تفادته، ولكنه مسته في النهاية ليقع أرضاً.
تحامل على نفسه كونه رأى رعبها، قال بألم: "كويس كويس، اهدي."
كانت تبكي بعنف.
أتى أحد الرجال يساعده ويعود به إلى مكتبه.
حاول أن يجعله يذهب للمشفى ولكنه رفض.
دخل وجلس يشعر بوجع في رأسه، لتظل واقفة، قلبها يأكلها عليه.
نظر إليها، تنهد وقال: "هتسيبيني سايح في دمي كده؟"
اندفعت مسرعة: "فين الشاش والقطن والحاجات؟"
ليشير إلى مكانهم، اتجهت تحضرهم وتجلس بجواره.
اقتربت منه تبدأ في تنظيف الجرح، كانت تتلمسه بهدوء وحنان واهتمام، وقلقها يظهر على وجهها.
رفع عيونه ينظر إليها، فهو أول مرة يقربها هكذا.
ظل يتأملها ولا يحيد عن وجهها.
شعرت بارتباك شديد من نظراته.
مر وقت كحلم عليه يتأمل جمالها ورقتها، وكجحيم عليها، فوجهها أحمر كالدماء.
كان يشعر بتسلية كبيرة من خجلها.
انتهت أخيراً بمعجزة، قالت بحزن: "أنا آسفة، ما كانش ليه لزوم تعرض نفسك للخطر عشاني. ربنا يشفيك ويكمل شفاك على خير."
كانت تحس أنها لابد أن ترحل.
تحس أنه مثل أهلها سيوجعها، فهو قريب الشبه من أولاد عمها.
لتهمس: "أنا ماشية."
استدارت بهدوء.
قام مسرعاً يقفل الباب، واستدار بلهفة: "هتسيبيني برضه؟"
ابتلعت ريقها وقالت برسمية: "من فضلك يا نديم بيه، أنا عايزة أمشي."
قطب جبينه: "نديم بيه."
اقترب منها وقال بلين: "وجد، أنا نديم."
نظرت إليه بجمود تحاول أن تكون صلبة: "لأ يا باشمهندس، ما عدتش ينفع. أنا فعلاً غلطانة، أنا اللي مختلفة عن الناس وبتعامل بعفوية، بس فعلاً ده غلط. إنت عندك ألف حق يابن الناس تشوفني كده. عن إذنك."
اندفع يمسكها.
قالت بعنف: "من فضلك ما تمدش إيدك، أنا عايزة أمشي."
إلا أنه اتجه للباب يغلقه واستدار لها: "ممكن تهدي؟ أنا آسف."
إلا أنها لم تتأثر.
تنهد وهتف: "خلاص والله ما كان قصدي حاجة. أنا بس مش متعود عالتباسط من اللي قدامي مع الناس، مش متعود على كده."
ظلت صامتة.
تنهد: "طب عشان خاطري خلاص بقى بطلي. أنا أهو بقولك آسف."
تنهدت، فهي تريد قربه بشدة، ولكنها تحس أنها ستوجع منه.
لتهتف: "خلاص يا بشمهندس، ما حصلش حاجة. هنبتدي الشغل وأوعدك إني هبقى عند حسن ظنك."
زفر بضيق وتنهد، فهي تكلمه برسمية شديدة.
فعفويتها ما شدتة إليه.
اقترب محاولاً مهادنتها: "طب يلا عشان نتغدى، إنت ما أكلتيش حاجة من الصبح."
رفعت نظرها تهتف برسمية: "معلش اعذرني، أنا مش هينفع، أنا هروح للأستاذ أمجد يكمل ليا الشغل. عن إذن حضرتك."
لتستدير وتفتح الباب وتخرج بهدوء.
وقف هو غاضباً يشعر بوجعها، تافف بضيق: "إنت اتجننت؟ حد يقول لحد لو محترم؟ حلوف ما بتعرفش تتكلم. هتعرف منين؟ إنت قافل على روحك."
تنهد بغلب: "طب ماهي كانت بتتمايع معاه، إيه المشكلة؟ لازم تبطل كده. ما تحملتش. نديم، إنت اتجننت؟ إنت مش فاضي للحاجات دي. اعقل، إنت قدامك حاجة واحدة بس، اعقل كده، مش سكتك. إنت عايش عشان حاجة واحدة وبس."
واتجه يجلس بتعب محاولا أن يبعدها عن تفكيره، ولكن بلا جدوى، فما استقر في القلب استقر وانتهى.
عند شجن، كانوا قد استعدوا إلى الحفلة الشبابية.
لتلبس، وجدت فستانها قصيراً وتطلق شعرها.
كانت طيبة وجميلة، ونفس الوقت عفوية وطائشة إلى حد ما.
كانت تعمل الناس بعفوية وتحب الكل.
تفتقد للحنان، فأخوها يفرض عليها قيود شديدة.
ولولا مهره لكانت عانت الأمرين.
كانت تنتهز أي فرصة لتتنفس بعيداً عنهم.
ذهبت لمكان أقاموه للرقص، كان كل شاب يرقص أمام فتاة وتقام مسابقة بين الشباب.
كانت هيا ماهرة في الرقص.
اقترب منها وليد: "إيه يا شجن؟ ما تيجي نخش المسابقة."
ضحكت: "لأ يا عم أخويا، لو عرف هيقتلني."
قال مبتسماً: "يا ستي إيه اللي هيعرفه؟ ثم إنها مسابقة رقص مش شرقي. غربي عادي يعني، وإنت معروف عنك إنك بتحبي كل أنواع الرقص، وإلا هتسيبي مني تتفوق عليكي."
تنهدت: "وليد ما تجبليش مشكلة."
ضحك: "لأ اطمني، هنخش المسابقة ولما نكسب مني مش هتنطق معاكي تاني."
لتتشجع هيا وتهتف: "طب خلاص ماشي يا عم."
ذهبا ودخلا المسابقة، وبدأ الشباب يتبارون في إبراز مهاراتهم.
أتى دورهم، بدأ في إشعال الجمهور.
كان يرقصان رقصات مشهورة يحفظها الكل ويؤديانها معا.
كان وليد بارعاً في الرقص، وهيا أيضاً، ويتناغمان مع بعضهما، والحلبه قد ضجت بالصريخ.
ظلا يرقصان، كانا يرقصان أمام بعضهم دون ملامسة، فهي لا تحب القرب من أحد.
لتتفاجأ به يقترب ويحتضنها ويرفعها ويدور بها، والشباب يصرخون في تلك الأثناء.
كان براء قد حضر.
سمع صراخاً، دخل إلى الحلبه.
تجمدت الدماء في عروقه وشعر بتصاعد نيران تلسع جسده عندما وجد ذلك الحقير يلمسها ويحتضنها.
انفعل مندفعاً وتناسى أي شيء.
اندفع يشدها من الحلبه بعنف ويخرج بها، والكل مصدوم، وهيا مصدومة أيضاً.
أسرع بتعد بها وهيا تصرخ.
إلا أن صديقها لحقه ومسكه صارخاً: "إيه ده يا عم؟ الأمور بتشدها ليه؟ ليك عندها إيه؟"
صرخ براء: "وإنت مالك يا روح أمك؟ أشد وما أشدش؟ ويلا روح كمل مياعة بعيد."
اقترب وليد وشدها: "وأكمل بعيد ليه؟ ما أنا كنت بتتمايع مع اللي عايزها، مالك بينا."
اغتاظ براء واندفع ورزعه بوكس، ليهجم عليه وليد.
شعرت بالرعب وأنها ستنفضح.
اندفعت تقف بينهم وتصرخ: "بس بس، بلاش فضايح."
صرخ وليد: "ماله ده بيكي؟"
قالت برجاء: "وليد والنبي هنفضح، بطل."
شدها براء بعيداً: "فصرخت: بس بقى يا أخي، الله."
قال بغضب: "حالا تيجي معايا، معايا. مش هيحصل خير، وإنت عارف إيه ممكن أعمل."
خافت من نظراته، نظرت لوليد من بعيد، عادت إليه: "معلش يا وليد، هتصرف. ممكن."
هتف: "
ماشي يا شجن عشانك بس. ليستدير ويبتعد، لتشهق عندما شدها براء وذهب بها بعيدًا. ركبا العربة، لتصرخ: "إلا إنه خبط بجوارها".
"اكتمي عشان هجتلك، فاهمه؟"
لتنكمش برعب، تنظر إليه خائفة من عنفوانه وغضبه. لاندفع بها مسرعًا، ثم وقف في مكان منعزل، فصرخت: "إنت مجنون، إيه اللي فيه؟"
ليستدير ويمسكها من يدها بعنف: "بقي واقفه في وسط الرجاله والواد المايع ده بيحط إيده عليكي، إنت إيه رخيصه؟"
صرخت: "إنت تحترم نفسك، هيا مين اللي رخيصه؟ مالك بيا إنت؟ الله! كنت من بقيت أهلك، ده مصيبة إيه دي؟ إنت عايز إيه؟ ماتغور بقى من حياتي يا أخي."
شدها إليه: "أغور من حياتك؟ ومالي بيكي؟ لا مالي، إنت مرتي وانكتبتي على اسمي."
صرخت: "مرات مين يا مجنون؟ إنت ماتروح تتعالج، إيه واقع؟ مابتصدق تلاقي حد."
نظر إليها بغضب: "لمي لسانك، أنا على آخري، آخرتها مرتي مبينة حالها وواقفه واحد يلمسها."
نظرت إليه بذهول: "مراتك إيه؟ إنت مريض، تعبان بعقلك يا جدع إنت؟ ماتروح تتعالج، أنا مش مراتك."
صرخ: "والورقة اللي مضيتيها؟"
فصرخت بعنف: "تبلها وتشرب ميتها، إنت باين ملحوس ويلا غور بقى، إيه ده؟ أنا وقعت مع واحد معتوه باين. مالمش عندي حاجة ولا تقرب مني، وأنا حره أقرب من اللي عايزاه غصب عن عينك يا معتوه."
تحولت عيناه ونظر إليها بغضب: "كني معتوه؟ لا، ويمين الله إنت تحترمي حالك وتسمعي الكلام وتقطمي، وهعرفك أنا ليا إيه وأقرب إزاي، ومافيش مخلوق يقربلك."
هجم عليها وشدها بعنف، وهيا تصرخ وتضربه، حتى أدمى شفتيها، وهيا ترتجف من عنفه، إلى أن هدأ. ابتعد، لتدفعه وتشهق بالبكاء.
كان يحس بالجنون من قربها لذلك الشاب، ولم يعلم لماذا يتصرف كزوجها، فتلك الورقة على قلبه تفعل به الأعاجيب. كانت تنتحب، تنهد ونظر أمامه، يحس أنه جن أو لحس عقله كما تقول.
بدأت تصمت قليلاً، لم تعلم ماذا تفعل، أحست أنه مجنون أو به شيء في عقله، خافت منه بشدة، فقالت بلين: "ممكن تهدي؟ أنا خايفة. اسمع بالله عليك، أنا ماعرفكش ولا إنت تعرفني، ورقة إيه بس؟ ولو اللي حصل ضايقك أنا همشي والله، بس والنبي ماتفضحنيش، أنا أخويا هيموتني والله لو عرف كده، أخويا ممكن يدفني، ترضاهالي؟ إنت صعيدي وأخويا أصله صعيدي، تخيل ممكن يعمل فيا إيه وهو صعب من غير حاجة..."
أحس أن عندها حق، تلين وجهه، تنهدت وهمست: "آه، ممكن يكون عندك حق إن اسمي جنب اسمك، بس قطع الورقة يلا، أهو ونخلص، مش كده؟ والنبي هتعمل بيها إيه؟ ما أنا همشي ومش هتشوفني تاني."
تنهد وظل صامتا، لتمسك يده وتبتسم: "إنت صعيدي وهتجوز صعيدية، وماينفعش تعمل غير كده، أكيد بنت عمك مثلاً، مش البنت لابن عمها؟ إنتو ليكوا عرف؟ قطع الورقة والنبي يا براء، أنا خايفة."
تنهد وظل صامتا، أدرك أنها محقة، ولكنه يتصرف بغرابة، ليهتف: "هقطعها بس بشرط."
قالت مندفعة: "موافقة على أي طلب."
ابتسم وقال: "تقضي معايا بكرة كله لوحدنا، ومافيش غير كده."
تنهدت: "هتسيبني بحالي؟" هز رأسه، ابتسمت: "ماشي، موافقة، ممكن بقى ترجعني؟"
ابتسم لها ومسك يدها ويقبلها، ويهتف: "عيوني، دانت تأمري." لتبتسم له ابتسامة صافية، فهي طيبة، ليعود بها ويتركها ويرحل. ظلت تنظر في أثره وتمني نفسها أن ينتهي ذلك الكابوس.
دخلت مهره على أسمر وجلست أمامه، ووضعت قدماً فوق الأخرى، وقالت بتعالي: "إنت استدعيتني؟"
استغفر في سره حتى لا ينفعل وتكيل له بالكلام، فهو مشتت التفكير حالياً، تنهد وقال: "آه، أنا ملاحظ إن مافيش وجود لنديم الديب في أي مكان، خير."
قالت ببرود: "لا، ماهو فيه مساعد بيعمل كل حاجة بناءً على وصاياه، نديم مش بيحب يظهر أحد."
ضحك: "الرجل الخفي الأسطورة زي ما بتسموه، ليه عليه تار؟ خايف من إيه؟"
نظرت إليه بغضب: "نديم مابيخافش."
استعجب من غضبها: "ومالك غضبانه أكده؟ هو أنا جيت جنب المقام؟"
نظرت إليه بقرف: "آه، جيت جنب المقام، نديم ده ماحدش يتكلم عليه قدامي بكلمة، نديم لوحده في حتة تانية."
تصاعد غضبه: "يا سلام، عاجبك قوي سي نديم بتاعك؟"
هزت رأسها وتنهدت: "نديم، الشغل معاه يعلي، والقرب منه أمان."
ضحك هو: "لا، بس إنت اللي تقريباً ما تعرفتيش على رجال كتير، فشايفه نديم قربه أمان، لا فيه رجال ضهر وسند كتير." ليغمز بعينه، "بس إنت اللي محبوسة في الوش الخشب."
لتشتعل، ولكنها اتشحت ببرود: "من بعد نديم بصراحة مافيش حد قدر يخش عيني أصلاً، نديم اللي يخش حياته ما يبقاش فيه إلا نديم، والباقي جنبه ما يتشافوش."
اشتعل هو من كلامها: "دانت مصوراه كإنه مافيش راجل غيره في دنيتك، دا إيه ده؟"
تنهدت ببرود: "أظن مالوش لازمة الكلام أصلاً، كل واحد وقناعاته."
رفع حاجبيه: "يعني لو وقف جدامك راجل يحسسك إن نديم ده ولا حاجة، هتبقي ليه ساعتها؟" لم يعلم لماذا قال ذلك، وأحس أن دفاعها عن نديم يشعره بالغضب.
لترفع حاجبيها: "أبقى ليه؟ لااا، إنت فهمت غلط، مهره مش لحد ولا هتبقى لحد."
ضحك: "يا سلام، إيه الغرور ده؟"
قالت بثقة: "لا، مش غرور، ثقة يا أسمر بيه."
اقترب منها: "طب ما تبقيش متأكده أكده يعني، ماهو تجريباً ما قابلتيش حد يحطك في دماغه."
ضحكت: "لا، قابلت عدو، هو بالنسبالي."
اقترب منها يخترق مساحتها الشخصية، وقال بنبرة مقررة أكثر منه سؤال: "على فكرة، إنت الثقة في النفس ما تمنعش إنك تحتاجي لحد، والاحتياج ده في طبع الست."
ابتلعت ريقها تحاول الصمود أمامه وأمام سطوته: "أنا مابحتاجش لحد."
ابتسم: "جواكي محتاجة." أشار لقلبها فارتجف داخلها. "جوا هنا ربنا خلقه محتاج، مش بإيدك أصلاً، وإلا ماتبقيش ست. الست عايزة حنان وحد يحطها في عينه، يحاوط عليها، يحسسها إنها ست، الست اتخلقت عشان تبقى سندريلا."
بدأت ترتعش من داخلها، أرادت أن تهرب من أمامه.
أكملت بنبرة جليدية أخرجتها بصعوبة: "ما قلت، إنت كنت عايز إيه؟ فيه إيه؟"
ليغتاظ أنها تجاهلت الموضوع، هز رأسه معترضة: "فيه إن المسؤول قدامي المساعد."
هزت كتفيها ومطت شفتيها بامتعاض: "إيه مشكلتك؟"
قال بجدية: "يعني لو حصل حاجة، مين هيتحاسب؟"
قالت بثقة: "نديم، هيتحاسب. بس المساعد بيدير بس."
قطب جبينه، فأكملت: "نديم، أي مسؤولية عليه، أي غلط عليه، وده مذكور في العقد، بس المحاسب هو اللي بيتصرف كأنه نديم. نديم عنده مشكلة خاصة بالتواصل، وأنا والمساعد بندير مكانه."
ضحك هو: "ودا بقى يبقى سند وأمان؟"
لتقترب منه وتهتف: "ماتتكلمش عن حد ماتعرفش قدراته، بكرة ينولك شرف مقابلته لو إنت أثبتت جدارة إنه أصلاً يقابلك." لتقوم وتهتف: "لو عايزني، ابعتلي ميل، مالوش لازمة نعطل بعض في كلام فاضي، أنا وقتي مش ملكي."
لتستدير، وقف مشتعلاً، وهب غاضباً: "بقي أنا أنول شرف مقابلته؟ ليه إن شاء الله؟ وإلا بقت مسخرة؟ إيه الجرف ده؟ مالها بت بارم ديله طايحة أكده؟ أنا ماشفتش ولا هشوف." تنهد: "دي اللي يجي لها كلمة ترازيه بعشرة، يا ساتر. طب لما هو وقتك مش ملكك يا ست الناس، صح؟ أنا كمان أكيد مش جايبك أتسامر معاكي، أنا لما أحب أتسامر، أتسامر مع حد يستاهل."
تجمدت مكانها واستدارت واقتربت منه، ورفعت يدها: "يا ريت يا أسمر بيه تخلي بالك من كلامك معايا، هاه، لأني مش هعدي كلامك ده بالساهل." كانت تشير إليه، قطب جبينه ولاحظ مكان الحرق وذلك الختم على يدها.
استدارت وتركته، فقال مندفعاً: "واضح إنك عندك مشكلة أكيد وبتحاولي تخبيها وبتعملي جويه، والله أعلم بالدواخل إيه. كانو بيعذبوكي أهلك وإنت صغيرة ويحرجوكي بالمعالجة عشان يلموا طايحتك." تجمدت مكانها وأحست أنه طعنها بخنجر في قلبها، وقفت تحاول أن تسيطر على انفجارها، لتستدير و...
رواية عودة الذئاب الفصل العاشر 10 - بقلم ميفو السلطان
كان أسمر يسخر منها ومن طفولتها وأشار للحرق الذي في يديها.
تجمدت مهره واشتد قلبها وتصاعد الغضب من داخلها.
كانت تعطيه ظهرها لتستدير مرة واحدة وتقترب منه وتنظر إليه.
"الحرق اللي بتتريق عليه ده هو اللي عمل مهره وخلاها مهندسة ورجالة زيك بشنبات يقفوا يستنوا كلمتها. الحرق ده فعلاً أهلي عملوه، عارف دلوقتي كل ما ببص ليه بقوي أكتر وبكبر أكتر عشان اللي عمل كده كان عايز يخلينا تحت الرجلين وتحت الجزم. بس مهره واللي معاها طول عمرهم فوق، قوي قوي، واللي جاي ليهم دنيا تانية. دنيا الحقوق يا أسمر بيه تعرفها."
مطت شفتيها.
"أشك."
واستدارت تسير لتقف مرة واحدة وتقول:
"الحرق ده ليه عمر، بس عمره ما يتنسي. حرق القلب أكبر وأكبر ورحلة القطر لسه ماشية، ما نعرفش هترسي على إيه."
وتركته وخرجت.
وقف هو متجمداً. كان كلامها قوياً وعيونها أحس بهم بنظرة وجع. أحس بأنها تؤثر عليه بقوة.
جلس يفكر فيها. تنهد.
"واثقة من حالها بالجامد، يا ترى إيه اللي حصلها؟ بتبعد عن الرجالة ليه؟ وماحدش يقدر يجرب منها. ده أنا بس لو فكرت أوجعها ما بتاخدش مني غلوة. فاكرة نفسها مين؟ ومين نديم اللي طالعة بيه السما ده."
زفر بضيق.
"أنت عبيط، بتفكر في إيه؟ هتوقع غراب؟ يا ساتر. المرة تبقى لينة هينة، مش تعض أكده."
ليتذكر تلك الفتاة من الفندق. ابتسم.
وجلس يفكر فيها. أخرج الفراشة من جيبه يتلمسها بحنان.
"أيوه، تبقي عيونها خضرا وجمر. عيونها بتلمع كل ما بتشوفك يا أسمر، أنت بتحس بيها بتتغير."
"جنيه بشعر ليل."
هز رأسه وزفر متنهداً.
"بس خسارتها في الواطي اللي معاها. ده حلها إيه؟ أنت اتلبست، بتفكر فيها بجنون وأنت عمرك ما فكرت في واحدة من أساسه. لا، أنا ما عدتش قادر، أنا هموت وأشوفها."
نظر في ساعته ليقوم ويذهب إليها، يأمل أن يراها.
كانت هيا قد خافت أن يظهر إليها مرة أخرى. لم يذهب لتفس المكان، كان الفندق كبير، فذهبت لمكان في كرف الفندق لمكان للأمان لتبتعد عنه. كانت لا تحتمل شخصية مهره وتكرهها، تختنق وتشعر أنها فقدت كل أنواع الأنوثة والمشاعر. كانت تهرب من تلك الشخصية لما تشعر فيها من مسؤوليات فوق طاقتها، فمهره تتصرف مثل نديم في كل شيء وتمتثل لأوامره وتلغي حياتها من أجله.
لبست بنطال جينز ورفعت شعرها في ديل حصان وانتعلت كوتشي لتبدو كفتاة صغيرة ووضعت كاب على رأسها. نزلت تتجول حول الفندق في الأماكن السياحية. ابتاعت بعض الأشياء لتجد عباءة صعيدية مطرزة لتقترب وتلبسها وتقف تنظر لنفسها. ابتاعتها على الفور ولم تخلعها. فردت شعرها، وقفت تتأمل نفسها، شعرت بسعادة وأنهت تسوقها وعادت للفندق.
وجدتهم ينصبون قعدات بالنار في المكان تحوطها ستائر شفافة وحولها شموع. لتتنهد وتذهب إلى أحد القعدات المتطرفة وتجلس فيها. ركنت وأغمضت عينيها سعيدة، تحس بشعور غريب. فلبسها ومظهرها وجلستها في ذلك المكان الحالم يعيد إليها إحساس الأنثى.
لتسمع لقطات متتالية. فتحت عينيها لتنتفض، فاسمر يقف يلتقط لها صوراً وهي في تلك الحالة.
كان أسمر قد بحث عنها وانتظرها طويلاً ليجدها تعود وتدخل وهي تلبس تلك العباءة التي أخذت قلبه.
لتنتفض.
"أنت بتعمل إيه هنا؟"
ابتسم.
"أنت فاكرة لما تغيري المكان مش هعرف أجيبك."
صرخت.
"مالك أنت؟ هو فيه إيه؟ أنت عايز تفضحني؟"
جلس بجوارها.
"لا، أفضح إيه؟ أنا عايز أسترك."
قالت حانقة.
"مالكش دعوة. ها تعرف تحس بقه وتتفضل."
نظر أمامه وركن يتأملها.
"هي الست عايزة إيه غير حنان وراجل يصونها."
زفرت بضيق.
"مانا عندي راجل، إيه رأيك."
مط شفتيه وقال ساخراً.
"ما بيصونكيش وأنا بقى قررت أبعدك عنه."
نظرت إليه بذهول.
"تبعدني عنه؟ وأنت مالك."
اقترب يمسك يدها.
"ممكن عشان أسمر بقى جواه حاجة عايزة تعمل أكده."
نظرت إليه بذهول.
"تعمل إيه؟ أنت بتقول إيه؟ أنا ست متجوزة."
قال مؤكداً.
"خاين. متجوزة خاين."
صرخت.
"أنت مالك. بحبه أنت مالك بقى الله."
اقترب وشدها إليه لترتجف.
"لا، مش شايف أكده في عنيكي خالص."
لتشيح بوجهها خوفاً.
تنهد وأكمل.
"بتحوشيهم ليه كيب؟ خايفة صوح؟ عشان شايف إن عيونك بتزوغ وما بتجيش في عيني. عيون الخضرة الصافية اللي بتلمع لما تشوفني."
نظرت إليه بغضب ورفعت حاجبيها. فضحك.
"إيه ده؟ أنت ما بتحسش بنفسك. والله عيونك بتلمع أول ما بشوفني. أنت مش واعية لده؟ أنا بقى واعي."
هزت رأسها.
"أنت طبيعي؟ أنت عايش في الدنيا."
ضحك.
"طبيعي على الآخر وعايش ومش عايش وعمري ما كان ليا في السكة دي، بس من ساعة ما وعيت ليكي مش عارف أتصرف غير أكده وكيفي نفسك على أكده."
قالت قاطبة.
"أكيف نفسي يعني إيه."
ابتسم.
"أسمر عمره ما بص لست ويوم ما يبص يبقى ده له ثمن كبير، أو بالأصح ده ليه تصرف تاني."
قالت بنبرة استفهام.
"ثمن إيه وتصرف إيه."
قال مقرراً بصدق.
"أسمر لو بص لست تبقى بتاعته ودا تمام القصة ونهايتها، ولو انطبقت السما ما تكون لغيره. مش أسمر اللي يسيب حاجته لغيره حتى لو مين، لأنه عارف إنها ليه وهو ليها."
نظرت إليه برعب فصرخت.
"أنت عايزني أخون جوزي وأعرفك!"
ضحك.
"يا بنتي إيه ده؟ ده كلام برضه؟ لا، أنت آه هتعرفيني وأعرفك، بس بشكل غير. مانا هطلقك منه، ماتخافيش."
ارتعبت منه، كان يتكلم بثقة وقوة.
هبت منفعلة.
"أنت واحد مخبول، أنت مين عشان تطلق."
واستدارت.
مد يده وشدها، يدفعها على المسند ويجلس ملتصقاً بها. لتخبطه محاولة إبعاده، إلا أنه كبلها ولم يفلتها. شدها وقرب من وجهها وسلط عيونه عليها. شعرت بخوف ورهبة وبدأت ترتجف من سطوته عليها. نظر إليها نظرة رغبة وحنان.
"أقولك أنا مين؟ أنا أسمر أبو الدهب، كبير عيلة أبو الدهب والحاكم فيها. أسمر أبو الدهب اللي مشيته بتهز بلد. أسمر اللي عمر قلبه ده حجر، ما بيحسش، ما يعرفش يعني إيه مشاعر من أساسها. اللي عمره ما حد جه في عينه. أنا أسمر اللي جواه حجر صوان، أنا أسمر اللي عايش لنفسي وعيلتي وما حد بيقرب مني، واللي يقرب يبقى تحت رجليه. ماليش في دنيا المشاعر. ده أسمر يا ست الناس. يقوم لما عينه تقع على فراشه بعيون خضر تهد ده كله وتهزه. يبقى ده له ثمن. لما وعيتلك بس شوفت عيونك لقيت نفسي من غير تفكير بفكر فيكي، واللي أسمر يفكر فيه تبقى بتاعته. اللي تهز أسمر تبقى بتاعته. اللي تخلي أسمر يدور عليها تبقى بتاعته. لو بينهم جبل ينهد."
كانت ترتجف وتنظر إليه وعيونها مسلطة عليه وقلبها سيخرج من مكانه. كانت تنهج بشدة.
إلا أنها دفعته وصرخت.
"أنت واحد مجنون، أنت أنت."
قال بقوة وشدها إليه.
"مجنون؟ لا، عمرها ما اتجالت عليا. اتجال قاسي وواعر وما بيرحمش. بس دلوقتي إني صادق. ليه تجولي مخبول؟ إني شايف جواكي ماله؟ إني واعي وحاسس، لو مش حاسة أو بتنكري يبقى عندك مشكلة هنعالجها. إني واعي إن بينا راجل وست، لا مش مجنون. إني عارف لمستك بتبقى كيفها، أما بقرب بحس بيكي وجواكي."
صرخ ونظر إليها.
"بصيلي بعيونك وجولي إن مفيش بينا حاجة. مفيش رجفة قلب، مفيش رعشة جسم، مفيش شرارة بتتحرك وتطلع من عيونك غصب. ما عرفتش ولا حسيتها جبل سابج، بس دلوقتي حاسسها، حاسس إنت مين ليا، أنت بتاعتي."
كانت مشلولة تحاول أن تستوعب كلامه.
إلا أنها انتفضت وهبت مسرعة، خوفاً وهلعاً. دفعته واندفعت تجري. كانت خائفة منه، لا تعلم ما بها وماذا يحدث لها عندما تقربه. ظلت تجري وهو ورائها، وهي تشعر بالذعر، لتندفع لتصطدم في ذلك الرجل المدعو زوجها، الذي كان يتابط الفتاة الأخرى، لتنشل مكانها عندما أتى أسمر ووقف غاضباً ينظر إليه وإليها.
نعود لبراء وشجن.
أتى ميعاد مقابلة براء وشجن. لتنزل من الفندق وجدته يركن على عربته. خفق قلبها. كان يلبس قميصاً على أحدث طراز وبنطال جينز وينتعل أحد الأحذية الرياضية الراقية ويلبس نظارة تبرز وسامته.
لتتنهد.
"إيه ده؟ يخربيت قمرك. هو عامل كده ليه؟ فين الحلابيه؟ يا لهوي يا غلبك يا شجن."
تنهدت تقترب منه.
انتفض من على العربة. نظر إليها يقيمها. كانت جميلة، لطيفة، تسر العين بجمالها الهادئ.
اقترب ومسك يدها. انحنى يقبلها.
"براء أبو الدهب في خدمتك يا فندم. تحبي تروحي فين النهارده؟ أميرتي تطلب وأنا أنفذ."
ضحكت لأول مرة منذ أن قابلته. كانت عفوية، رقيقة.
ابتسم هو.
"يا بركة دعاكي ياما، أخيرا الجمر ضحك ونور الدنيا."
لتستعجب منه.
"إيه ده؟ حد قالك إنك مجنون."
ضحك.
"لا، عمر ما حد جالهالي عشان كنت بومة وقتم."
ضحكت مرة أخرى.
فاكمل.
"آه والله، عارفة الغراب اللي بيعض في خلق الله."
نظرت إليه بدهشة.
"أنا كنت أكده؟ أو مع الكل أكده؟ حتى بت عمي طول النهار ماشية تجول جاعدة مع جوز غربان، واحد غراب كبير وأنا غراب صغير."
ضحكت.
"يا سلام، أمال إيه اللي اتغير."
اقترب مسرعاً ينظر إليها بهيام.
"عيون الجمر الصافية."
خجلت هيا واندفعت بعيداً مرتبكة.
"يلا عشان نخلص."
تنهد يراقبها.
همس.
"نخلص نخلص إزاي بس. اتنيل غور، شوف هتقضي اليوم معاها إزاي وتفلتها بعد أكده."
ذهب ورائها وبدأ يدور بها في الأقصر ويذهب بها إلى المعابد ويريها معالم الأقصر. كانت سعيدة، فهو لبق ويعاملها كأميرة. سعدت بقربه، فهي تفتقد كونها مهمة في حياة أحدهم.
كانا يسيران بلا تخطيط. وأثناء سيرهم اقترب من إحدى السيدات التي تجلس تضرب الودع.
فشدها.
"تعالي أما نلعب شوية."
"كيفك يا خالة."
ابتسمت له.
"بخير يا ولدي."
ابتسم بلين.
"بصي، هو أنا ما بقتنعش بالكلام ده، بس يلا جربي بقى فينا."
مسك يد شجن يعطيها للسيدة لتظل تنظر إليها.
"أنت من هنا يا بتي؟ مش أكده."
ضحك هو.
"أول الرقص حنجلة."
"لا يا خالة."
هزت رأسها.
"جايز، متأكد أنت إياك."
تمام. نظرت للفتاة وابتسمت.
"طول عمرك بتحلمي بالحنية يا بتي والجسوة من الجريب. تعبتك. جايلك خير كبير يا بتي وفرح من جريب برضه، بس جريب واعر."
ظلت تنظر إليها لتهتف.
"كل اللي أقدر أجوله لك اللي اتمنتيه طول عمرك هتلاقيه معاه يا بتي."
لتهمس شجن بلين.
"هو مين يا خالة."
لتتنهد السيدة بأسى.
"اللي هيوجع قلبك بزيادة يا بتي."
ضحك براء.
"يا خالة فرح إزاي وهيوجع قلبها؟ أنت بتجولي أي حاجة. عموما، تشمري، يلا يا شجن."
مد يده يعطيها المال لتمسك يده وتقترب منه وتهمس بالقرب من أذنيه.
"ارحم في وجعك يا ولدي. ارحم الضعيف ينحط جوه القلب. وحطها حلقة في ودنك، الجدر مقسوم والوجع لو زاد ممكن الجدر يتغير يا ولدي. خليك رحيم في وجعك يا ولدي."
بهت من كلامها. كانت تتكلم بقوة. استدار لينظر لشجن التي تقف ساهمة. رجف قلبه، أحس بلسعة تسير في جسده. ليبتعد عنها ويستدير ويذهب لشجن متلبكاً.
"ست مهبوشة، يلا بينا. ال جريب وواعر، ماليش إني في الخبل ده."
أخذها وذهب بها إلى أحد الملاهي يمرحا معا. كان يغرقها بالهدايا والحلويات.
لتأتي إلى أحد ألعاب التنشين والهدايا.
صرخت بسعادة.
"عايزة ألعب، ممكن دي."
ابتسم.
"بس أكده؟ دا الجمر يؤمر."
كان هو في التنشين ماهراً. ليهتف.
"يلا، أنت نفسك في إيه."
ابتسمت.
"عايزة القلب الأحمر ده، وعايزة عروسة السندريلا دي، وعايزة النجمة دي اللي بتلمع."
كانت تتكلم بسرعة وعفوية ولهفة واضحة.
ابتسم.
"طب وماله، جربي يلا."
اقتربت تحاول ولكنها خسرت. ظلت عدة مرات لتتنهد أخيراً وترجع إليه.
ابتسم وقال.
"ليه كملي."
هزت رأسها.
"لا، صرفنا كتير وأنا كده كده مش هطول اللي عايزاه."
لتستدير وتقف حزينة.
اقترب وشدها من يدها.
"مالك زعلتي ليه."
كانت عيونها تلمع. تنهدت.
"عارف، كنت دايماً أتمنى أطول نجوم السما وأعيش فيها. أسرح في جمالهم لوحدي، ما يعيش حد. كنت أتمنى أبقى سندريلا، آخد قلب حبيبي وأطلع السما بيه."
قطب جبينه. كانت نبرتها موجعة.
همس بلين.
"إشمعنى السما؟ ماتقابليه عالأرض."
أحنت رأسها.
"عالأرض؟ الأرض ما فيهاش ليا نصيب. الأرض ليها ناسها اللي بيفرحوا بيها، أنا مش منهم. يلا يا براء."
واستدارت. وقف يتأملها والوجع أصابه. عليها.
لتستدير، شعر بالوجع، ليستدير ويهتف بصوت عالٍ.
"شجن، دا لما كنتي ما قابلتيش براء، ليكي حق تجولي أكده."
ليستدير ويمسك النشان ليسلط السلاح على السندريلا ويطلق النار لتسقط العروسة.
رجف قلبها وصرخت بسعادة.
ابتسم ومسكها يعطيها لها. ليستدير ويتجه للقلب ويسلط عليه ليسقط. تجمدت ورجف قلبها. وقفت ترتعش تحتضن العروسة.
شدها وقبل يدها وقال.
"براء جابلك الجلب والعروسة ولسه النجوم."
خافت من مشاعرها التي اجتاحتها. يشده. همست.
"خلاص خلاص، مش عايزة."
لتستدير.
اقترب وشدها يحتضنها. مد يده حولها. اقترب بوجهه من وجهها. همس.
"جولتك هجيبلك النجوم. بس لازم أجيبها أكده."
ضمها ونشن على النجوم وهي بين يديه. ركز وأطلق النار لتسقط النجوم. لتتجمد هيا وتقف بلا حراك.
ظلا هكذا لفترة. اقترب من خدها يقبله وذهب يحضر النجوم. أخذهم في يده. هتف الرجل مبهوتاً.
"والله يا بيه، عمرها ما حصلت حد ياخد دول مع بعض."
اقترب براء من شجن.
"براء مش أي حد."
اقترب مبتسماً يعطيها النجوم.
"مسكتهم دامعة. براء لما يوعد ينفذ، لو على رقبته. أنا وعدت إني أجيبلك النجوم."
ظلت ساهمة ترتجف. دمعت عيناها لتستدير مسرعة تتجه للعربية وتجلس فيها تحتضن أشياءها وتنزوي بقهر. فهي قضت يوم ولا في الأحلام، يوم لن تنساه لعمرها، فقد جعلها تشعر أنها أميرة. سندريلا طالت النجوم عالأرض. يوماً عاشته بسعادة ومشاعر حقيقية.
كانت تنظر فقط وهو يلبي. لم تطلب من أساسه. كانت نظرة عيونها أمراً بالنسبة له.
ظلت تفكر لماذا قابلته من أساسه ولماذا مشاعرها تغيرت تجاهه.
وقف بعيداً ينظر إليها وهي محتضنة ما أحضره. كان حزنها طاغياً على وجهها. أراد أن يحتضنها ويشعرها بالسعادة. تنهد واقترب.
دخل وجلس. ظلا لفترة صامتين. لتهمس أخيراً.
"أنا متشكرة ليك اليوم ده، عمري ما هنساه."
"مسك يدها وقلبها."
"وأنا كمان."
لتشد يدها وتهمس.
"اليوم خلص يا براء. أنا بجد سعيدة إني عرفتك."
أكملت ضاحكة.
"صحيح، وقعتني في مصايب، بس أهو الدنيا بتخلص ومش هنشوف بعض تاني."
أحس برجفة في قلبه.
"أنت ساكنة فين."
تنهدت.
"مالوش لزوم يا براء، إحنا عمرنا ما هنشوف بعض تاني."
تنهدت لتكمل.
"أنت وعدتني إنك مش هتاذيني."
"يمسك يدها."
"ولا عمري هقدر."
ابتسمت.
"طب قطع الورقة بقى."
ارتبك هو، فبداخله لا يريد ذلك.
"هاه. آه حاضر حاضر."
ليدور في ملابسه. تافف باصطناع.
"أوبس، معلش نسيتها في البنطال التاني."
تنهدت.
"طيب ابقى قطعها، ماشي."
ابتسم بحنان لتهمس.
"نمشي بقى."
نظر إليها بعمق.
"طلب أخير، ممكن."
لتتنهد وتهمس.
"إيه."
مد يده واندفع بالعربة وذهب لمكان الصخور. رجف قلبها.
"أنت جايبنا هنا ليه."
نزل وشغل العربة لتصدح موسيقى. مد يده وفتح العربة وانحنى يمد يده مبتسماً.
"ممكن تسمحيلي تطلعيني أنت النجوم."
رجف قلبها. ظلت ساهمة. ابتسمت. لتمد يدها أخيراً وتخرج. شدها إليه يدور بها لفترة. لتحني رأسها خجلاً. همس بحنان.
"عيونك، ممكن تفضل بعيوني."
لترتجف بشدة. همس.
"آخر رجاء والله. هدية ليا قبل ما أسيبك."
تنهدت ونظرت إليه سهمت في نظراته. ليدور بها ويدور. ظلا فترة عيونهم ساهمة في بعضهما. لتنساب مشاعرها بقوة. تحس أنها وصلت فعلاً النجوم. غاب من حولها فقط. شعور الأمان والراحة، شعور لم تشعره شجن قبل ذلك. كانت شجن تعيش فعلاً حياة الشجن. غير مسموح لها بأي شيء. تعاني من قسوة أخيها وحرمانها من أبسط حقوقها. حتى الصداقة غير مسموحة. وحيدة تجلس تقفل على روحها. حتى أختها مهره أحياناً لا تفهمها أصلاً. لتحس بمشاعر تتحرك لذلك البراء. أحس بتلك المشاعر.
"أحلى زوجة بالدنيا."
اقترب من العربة وركنها وقربها لتذوب معه. دوناً عنها. ظلا فترة لا يشعران إلا ببعضها.
توقفت الموسيقى لتسكن الدنيا من حولهم. لتنتفض هيا وتنظر برعب لما فعلت وكيف تاهت معه.
لتدفعه. حاول أن يقترب لتصرخ.
"ما تقربش، ما تقربش."
لتستدير وتركب وهيا تبكي بقهر. ظل واقفاً يشعر برهبة لما دخل فيه. فبراء مثل أسمر يملك من قسوة القلب الكثير. كان براء وأسمر مثال لرجال المال الذين لا يرحمون أحداً تحت أي بند. نفسهم وعائلته في المقام الأول. أما ما يشعر به حالياً، يشعر أن بداخله لين عجيب. تنهد ودخل. لتنزوي أكثر. لم ينطق، لم يجد ما يقوله.
انطلق بها. وصلا للفندق. لتنزل هيا دون أن تنطق.
مسكها بقوة. تجمدت مكانها.
مد يده ال يدها. لمس إصبعها. كان هناك خاتم رقيق به قلب صغير. شده منها يأخذه. نظرت إليه بدهشة. مد يده إلى رقبته يخرج سلسلة كان يلبسها. أخرجها وأدخل الخاتم بها، ثم لبسها قبلها وأدخلها لقميصه. لترتجف وتنزل مسرعة.
ظل ينظر إليها ويشعر بسحبة غريبة في قلبه. وقف لا يعلم ما به. بدأ بداخله خواء عجيب كان تملؤه تلك الجميلة. تنهد ورحل مرغماً، يحاول أن يستعيد شخصيته القديمة، يحاول أن يتجاوز تلك النسمة العابرة التي مرت على قلبه.
دخل حجرته بعد عودته. ارتمي على الفراش يستعيد اليوم بجماله. حاول أن يهدأ. يلتمس السلسلة ويتلمس ذلك القلب. تنهد وهمس.
"وبعدين فيه إيه؟ ماتسيبها تروح وترجع لدنيتك يا براء. دي مش سكتك ولا توبك."
مد يده إلى جيبه ليخرج الورقة. ظل ينظر إليها. مد يده يطويها كي يمزقها. توقف فجأة. ظل متصنماً. كل ما يفعله أن يتذكر كلامها.
"نفسي آخد قلب حبيبي وأطلع النجوم."
مد يده إلى ذلك القلب على قلبه. أغمض عينه. أحس بهدوء. ركن وابتسم. ثم طبق الورقة وقبلها وقام ووضعها مع أوراقه الخاصة. وعاد مبتسماً يحلم بيوم مر عليه كحلم جميل. نسمة عابرة هبت عليه ورحلت.
نعود إلى أسمر.
كان أسمر يجري ورائها ليجدها اصطدمت بزوجها الذي يتابط ذراع امرأة أخرى. أحس بالألم بداخله عليها. ليشتعل ويهجم عليه و...