تحميل رواية «عودة الذئاب» PDF
بقلم ميفو السلطان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان يقف محني الرأس والشيب نال من شعره الكثير، بل لم يعد في شعره إلا ما يدل على الكبر والوهن. ينظر إلى الأفق ويتحسر على حاله وما وصل إليه من أفعاله وقسوته. فالقسوة لا تنبت إلا القسوة. يعود بالزمان إلى يوم حلّت عليه مصائب من صنع سواد قلوبهم. يوم أغبر من يد غبراء لا تعرف الرحمة، أبٌ وابنٌ جاحد، كانا سببًا في تعاسته وتعاسة الحبيب الذي غاب ولا يعرف عنه شيئًا. رفع رأسه للسماء وعيونه تلمع بدموع الندم والحسرة. يتنهد بتنهيدة تشق صدره تخرج ما في جوفه من وجع. أي ألم يشعر به. ركن رأسه على جدار الشرفة وسرح ف...
رواية عودة الذئاب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ميفو السلطان
كانت وجد تصرخ فيه كأن قلبها ينزف، وأحست أنها لم تعد تحتمل مشاعرها، تريد أن تجعله يعترف بحبه.
تعرف مشاعره وتراها واضحة، كالنار تحت الرماد، ولكنها لا تراها أفعال.
كانت مهتاجة من تجنّيه، من غيرته عليها، ولكنه لا يصرّح بمشاعره.
بدأت تبعده بعنف واستدارت تخرج.
فاندفع واحتضنها بقوة وهي مهتاجة، تصرخ كمن تُنتزع من صدرها الحياة.
“أوعي! أوعي! أنت مابتحسّش؟ أوعي يا أخي… أنت إيه؟ أنتو كلكوا زي بعض!
ماتفرّقش عن حد… أنا غلطانة، كنت فاكراك غيرهم!”
كانت تتملّص منه، كفراشة تحاول النجاة من اللهب، وهو يشد عليها.
فدفعته، وهمّت أن تبتعد، فصرخ بحرقة:
“لو سيبتيني… أموت!”
وقفت لبرهة، كأن الأرض تحتها اهتزّت، تشعر بالقهر، فنبرته تصدح بوجعه.
فصرخت به:
“كفاية! ماعتش هسمعلك… كفاية!
أنا همشي، وماعتش هتشوف وشي! حد كان قالك إني اتخلقت أتعذّب وبس؟!”
اندفع وحاوطها بقوة، كمن يحتمي بها من نيران قلبه.
“اهدي… اهدي… أنا آسف، والله آسف…
أنا مش عارف قولت كده إزاي…
أنا… محروق.”
دفعته، وخبطته على صدره، وصرخت:
“إيه اللي حرّقك؟ انطق يا نديم! إيه، مستكتر تقول؟ إيه اللي حرّقك؟
أنت إيه يا أخي؟!”
كانت دموعها تنهمر بعنف، كأن السماء انفجرت بداخلها، فاقترب منها، فصرخت:
“ما تقربش! بقولك…”
كانت تنهج بشدة، ولا تعلم ماذا تفعل في قلبها الذي يؤلمها.
كأنه ينزف بنداء لا مجيب له.
اقترب وقال بوجع:
“طب هو مين طيب اللي وحشك ده؟”
نظرت إليه بذهول، كأن ما حدث لم يمر عليه.
“برضه؟ مافيش فايدة… مافيش فايدة!”
اقتربت منه وقالت بغضب:
“خطيبي يا نديم، إيه رأيك؟ اللي أبويا خطبه لي، هاه؟
مبسوط كده؟ افرحلي بقى… زي ما أنت هتعمل في أختك،
أبويا عمل خطيبي يا نديم! هتشبك وألبس دبل، إيه رأيك؟
أقول إيه وأكلم مين؟ أنا تعبت…”
واستدارت.
مسك يدها بعنف:
“أنت بتقولي كده عشان تحرقيلي قلبي؟”
فصرخت بجنون، كأنها تنفجر من الداخل:
“أنت هتجنّني، صح؟ عايزني يجرالي حاجة؟ ليه؟ أحرقلك قلبك؟ ليه؟
إيه السبب يا نديم؟ حرام والله، بطل… بطل تقولي كده، بطل توجعلي قلبي!”
كانت دموعها تسيل وهمست:
“أنا تعبت… أنا بجد تعبت… مش قادرة أكمل كده…
أنا حاسّة بجحيم، والله… أنا اتكتب عليا أعيش متعذبة…
عمري ما قلبي يدق… ولو دق…”
اقتربت منه، ووضعت يدها على قلبها، كأنها تحاول تسمع صوت الحياة فيه، ومسكت يده وهتفت:
“اتكتب عليا ده يدق لوحده! أنا كنت فاكرة إن قلبي هيلاقي وليفه، يا نديم…
بس للأسف… مش هيلاقيه… عمره.”
استدارت وهمّت أن تخرج.
اقترب، يحاوطها على الباب هامسًا:
“مين قال كده؟ والله هتلاقي… وهتلاقيه مش بيدق بس، ده بيدق وبيقول كل اللي إنتِ عاوزاه…
بس… ييجي وقته، والله… ييجي وقته.”
استدارت، ونظرت إليه بقهر، كأنها تنظر إلى وعدٍ تأخر عمرًا:
“ساعتها… جايز ماعتش يبقى فيه قلب أصلًا!
الدقّة ليها ميعادها، اللي بنفرح بيه… مش تيجي في وقت… ماعتش هنحس بيها…
ساعتها… جايز صاحب القلب يكون في حتّة تانية… لحد تاني…
هيلاقيها فين… وهي راحت… وماتت؟”
دمعت عيونها وقالت بنبره تقطر الما:
“عارف يا نديم… كنت دايما اقول… انا محتاجه اب.. احس بيه.. بحنيته بحبه يخاف عليا.؟ .يدور عليا.. انا محتاجه اب يحضني ..محتاجه حضن.. بس ربنا مادانيش مادانيش.والله ماداني .
قولت.. قولت هيجي حبيب يعوضني.. بس.. يا خسارة… يا ألف خسارة…”
واستدارت وخرجت.
وقف هو غاضبًا، وكأن روحه تصرخ في جسده، رزع الكرسي أمامه:
“كتير عليا! ماعتش متحمّل… كتير! هموت عليها… أعمل إيه؟
قلبي بيوجعني… أنا… البت اتملكت مني! أعمل إيه؟
آخدها طيب؟ أنا ورايا جحيم… ماعرفش آخره إيه…
ما جايز أروح في نصيبه… ولا أموت… أكون وجعتها بزيادة…
يا نديم، انت مش كده! انت ماينفعش! ماينفعش… مش دنيتك…
صرخليه؟”
أزاح مكتبته بعنف، كأن يزيح قدَرًا لا يريده:
“ليه؟ ليه اتكتب عليا الوجع؟ ليه…؟”
وهنا انهار، وجلس، وقهره يتكاثر عليه كالجبل.
***
دخلت مهره قاعة الاجتماعات، تقطب جبينها كأنها تستعد لمعركة داخلية، فوجدت إحدى الفتيات تجلس على طاولة الاجتماعات، منحنية على الأسمر.
شعرت بنارٍ داخلها، لهيبٌ سرى في عروقها كأنه انتقام خفي من قدرٍ لا ترضاه.
لمعت عيناها، وضعت يدها على صدرها، تحاول إخماد النار المتأججة في قلبها.
دخلت وجلست بصمتٍ متصلب، والفتاة تضحك بصوتٍ عالٍ، كأنه سخرية من أنوثتها المجروحة.
وما جعل مهره تتجمد، أن الفتاة رفعت يدها تمسك طرف قميص الأسمر، وقالت:
– “إيه يا أسمر، مش اتأخرنا عالحفله؟ يلا بقه، الناس مستنّينا.”
أحسّت مهره أن جسدها لم يعد يطيق البقاء، كأن جدران القاعة تنطبق على روحها.
فهبت وخرجت بصمتٍ مزلزل، ذهبت إلى الحمام، تشعر أنها تريد أن تصب الماء على وجهها وقلبها معًا؛ لعلّ هذا الغليان ينطفئ، أو حتى يهدأ لحظة.
ظلت برهة، وعادت لتجد أسمر جالسًا وعيونه منصبة عليها، وتلك الفتاة بجواره.
بدأ الاجتماع يمر، جلست مهره أمامه، وكلما رفعت عيونها وجدته يتفحصها، وعلى وجهه ابتسامة ساحرة كأنها سكين في صدرها.
تململت، ورفعت قدمها تحت الطاولة، فلمست قدمه غصبًا عنها.
نظرت إليه، تنهدت وأحنت رأسها، وفجأة تجمدت، فقد أخذ قدمها بين قدميه.
نظرت إليه، وهو كما هو، مبتسمٌ كأن شيئًا لم يكن.
نظرت إليه بغضب، فضحك وغمز لها.
شدّت قدمها، أرادت أن تهرب من نظراته، ومن تلك الحقيرة التي أوصلتها لحالة من الجنون.
وما إن انتهى الاجتماع، حتى قامت مهره، فهب أسمر ووقف أمامها.
– “استني، عايزك.”
اقتربت زهرة، واضعة يدها على كتفه:
– “اتأخرنا، يلا.”
نظرت إليه مهره، وعيونها تشع نارًا:
– “أظن وراك حاجات مهمة، نبقى نتكلم بعدين.”
أسرع أسمر:
– “مش هتيجي الحفله؟”
ضحكت زهرة:
– “حفلة إيه يا أسمر؟ أعتقد المهندسة مهره مش بتاعة كده. الشغل ليه ناسه، والفرفشة ليها ناسها. اسمع كلام المهندسة مهره، هي بتحب تبقى راجل بزيادة، قولًا وفعلًا.”
وأطلقت ضحكة عالية، كأنها صفعة على كرامة مهره.
هتف أسمر بخشونة:
– “زهرة، خلي بالك من كلامك.”
كل ذلك، ومهره تغلي من داخلها، واستدارت بصمتٍ وخرجت.
استدار أسمر وهدر بصوت غاضب:
– “آخر مرة تكلميها اكده، فاهمة؟ واتفضلي بقه، عندي شغل.”
نظرت إليه زهرة غاضبة وخرجت، فأسمر في غضبه لا يرى.
خرجت مهره تغلي من داخلها:
– “راجل؟ أنا راجل؟ مش دي البِت اللي قال عليها جاية تشتغل عشانه؟ البيه لازقة فيه وقاعداله وبيروحوا حفلات؟ طب أنا هموت ليه؟ مالك؟ ما انت اللي بتبعدي، اهدي كده، يولعوا ببعض.”
ظلت تأكل نفسها، لكنها لم تستطع التحمل.
وهبت واقفة، وأخذت أشياءها، ونزلت إلى الأسفل.
كانت هناك صالة للألعاب خاصة بالشركة.
كانت تغلي من داخلها.
دخلت، وغيرت ملابسها، أخذت أحد الجوانتيات ولبستها، واتجهت إلى المكان المخصص للملاكمة.
كانت الصالة كبيرة، بها كل الألعاب مجهزة.
وبدأت تلعب بعنفٍ وقوة، تضرب الحامل كأنها تفرغ فيه كل وجعٍها وغيظها.
ظلت تدور وتضرب، تتذكر كلام تلك الفتاة.
سمعت صوتًا خلفها:
– “مش كل الغضب بيروح بالعنف، مش كل الوجع بيتحل في مكان زي ده.”
نظرت إليه ساخرة:
– “متهيألي انت مش فاضي تحلل غضبي، مش وراك حفله؟ المكان ده للرجالة، أو بالأصح، للناس اللي مالهاش في الفرفشة.”
تنهد وقال:
– “انتي اللي حاطة نفسك في المكان ده، ورافضة تخرجي منه.”
نظرت إليه بغضب، فتنهد وقال:
– “طب غضبانة ليه؟ أنا ما عملتش حاجة.”
اندفعت تخبط الحامل بعنف.
اقترب ومسك يدها:
– “يا ريتني أجدر أعرف غضبك، أخرجه واحتويه. انتي بقيتي لغز كبير بالنسبة لي، ولغز بيوجع. انتي وجعك لامسني، وأنا مش عارف أشيله.”
شدّت يدها بقوة:
– “ولا عمرك هتقدر تشيله يا أسمر.”
ابتسم، واقترب من وجهها:
– “بيبقى جوايا غضب الدنيا، ببقى عايز أخبط راسك في الحيطة. بس أول ما تجولي (يا أسمر)، بنسى كل حاجة، وببقى عايز آخدك في حضني ما تخرجيش منه. عايزك تصرخي، تخرجي كل اللي جواكي… وهيحصل.”
نظرت إليه بسخرية:
– “انسى، أخش حضنك؟ دي مش هتحصل.”
ضحك واستدار، وأخذ إحدى الكرات:
– “ما تبقيش تتكي على الكلام جوي. انتي مش كدّي، ولا كد التحدي.”
نظرت إليه، وبدأ يخبط الكرة ويدور حولها.
قطبت جبينها.
بدأ يداعبها ويشاكسها، لتلين غصبًا عنها وتضحك.
فقال:
– “يا بنتي، انتي مش قدّي.”
قطبت جبينها، واندفعت تأخذ منه الكرة، وبدأ يلاعبها ويشاكسها، ليتحول غضبها، وتلين، وتستجيب له ولمشاكساته.
بدأت تضحك من قلبها، وهو يزيد في تحديها.
مر الوقت عليه بسعادة، وعليها كحلم جميل.
أخذت منه الكرة، اقترب ليأخذها، وهي ترفض وتضحك، وهو تركها تنتصر عليه.
وفي النهاية، ضمّها إليه بقوة.
– “من فرحتي ما عارفش أنطج. التحدي كسبته، مش تحدي فوز ولعب، لاه… تحدي إني أشوف فرحة عيونك معايا. أسمع ضحكتك. ألمح نظرة حب بتطلع بعفوية من جلبك، اللي حاطة عليه حجر وترباس. التحدي إنك دلوك في حضني، فرحانة ومرتاحه، ما بتفكريش إلا فيا وفيكي.”
ظلت تنظر إليه لبرهة.
فهو علي حق نسيت معه الدنيا.
زحف إليها الخوف على الفور، فعفويتها جعلتها تعيش لحظة من أجمل لحظاتهم معًا.
دفعتْه على الفور وهربت، خوفًا من مواجهة تعلم أنها الخاسرة فيها.
…
كانت مهره تتجنب أسمر بعد آخر مرة، وهو يشعر بالجنون لذلك البعد.
فهي لا تقربه، والأصعب أنها تعامله بقسوة غير عادية، كأنها قُدَّت من حديد.
كأن خنوعها له، ومن قبلها دخولها في حلم السندريلا، حولها.
كأنها تتلبّس شخصيتين.
كان متخبطًا، كيف رأى داخلها الأنثى، ثم نفرت فجأة بلا سبب؟
وكلما قرّبها وتلينت، تعود وتبتعد أكثر وأكثر.
أما هي، فمن داخلها تشعر بالخيانة: لعائلتها، لأخيها، ولنفسها.
كلما لان قلبها له، كلما تاقت لقربه، وكلما حدث ذلك… تقتحم ذكرياتها البشعة عقلها، لتؤجج نار غضبها منه.
تتحول إلى جماد.
وخاصة عندما تشاجرا مع نديم بسبب أخته، ليذكّرها بهدفهم الأساسي.
فتعود تلك المهرة الشاردة، النافره.
أتاها تليفون من جدّها، كان يتصل بها:
– “إزيك يا بتي؟”
ردّت بحنان كأنها تعانقه بكلماتها:
– “جدي عمران!”
سعد هو بها، ليقول بصوته الذي يحمل في طياته حنين السنين:
– “أيوه، حبيبتي، كنت عايزك… ممكن تجيلي؟”
فهبت بسرعة وبقلق يشبه ارتعاش القلب:
– “إيه فيك إيه يا حبيبي؟ إنت كويس؟”
ابتسم ابتسامة يخبّئ خلفها تعب الزمن:
– “يعني، بس تعبان شوية… وكنت محتاج أتكلم معاكي يا بتي.”
ابتسمت وقالت، بنبرة امتنان دافئة:
– “حاضر، عيوني… مسافة السكة.”
قامت مسرعة، يسبقها قلبها، وذهبت إليه، دخلت عليه ملهوفة:
– “خير، مالك يا جدي؟”
ابتسم على لهفتها، وكأنها جرعة حياة:
فاقتربت، ومسكت يده، فقال:
– “ما تخافيش يا غالية… اني بخير، اني بشكرك يا بتي إنك بتيجي تطلي عليا كل شوية. والله يا بتي، من يوم ما بت جابر مشت، واني جاعد من غير حنية… انتي مليانة حنية يا بتي، متلها بالضبط.”
ابتسمت، ومسكت يده وقبّلتها، وكأنها تطمئن قلبه بلمسة بنته الحنونة:
– “ما تقولش كده… دانا بفرح لما بجيلك. مالك؟ قولي.”
تنهد، وكان تنهّده كأنه أنين من جوف القلب:
– “ما عارفش… حاسس بوجع على عيالي كلهم… وجد، بت ابني، هنجوزها براء ابن عمها.”
نظرت إليه نظرة تفهم ودهشة:
– “طب ما ده عندكو الطبيعي… مش البت لابن عمها؟”
ابتسم وقال، وكأن داخله كلمة لم تُقال بعد:
– “يا ريت يا بتي يبقى كيف ما بتقولي، وتبقى لابن عمها… جابر كان عايزها لاسمر، بس هو يعني…”
قالت بلهفة مشتعلة:
– “إيه؟ هو كمان عايزها؟”
ابتسم:
– “مين؟ أسمر؟ …أسمر ما بيعوزش حد… ما عرفش نافر ليه أكده؟ عارفة… مستني أشوفه جلبه يجيبه، بس ما عرفش مين تجدر عليه.”
خفق قلبها، خفقة لم تفهمها، لكن جسدها شعر بها:
– “ليه يعني؟ عادي… ماله؟”
ضحك، ضحكة حزينة فيها مرارة التجربة:
– “ماله كيف! أسمر جلبه ده حجر… اللي توجعه تبقى فرسه عالية. لو حصل، اعرفي إن أسمر هينجلب نار، وما هيسيبهاش، مهما إيه حُوصل. ولدي، واني عارفه… يقطع حاله على اللي يخصه.”
تنهدت وسهمت، وسهوتها كانت كمن يغوص في بحر بلا قرار.
فابتسم هو:
– “ملاحظ حاجة كده… هو، بتيجي لي زي الهربانين ليه يا بتي؟”
قطبت جبينها، فقال:
– “إيه؟ أسمر بيضايقك؟”
تنهدت، ونظرت إليه، كأنها تهرب من ظلّ لا يُرى:
– “وأنا مالي بيه يا جدي؟”
رفع وجهها، وكأنه يُنقّب عن صدق غائب:
– “عيونك دي ما بتجولش الحِجيجة… عيونك دي ما هياش عيون بتي!”
بهتت من كلامه، ونظرت إليه بدهشة من كشف لم تتوقعه:
– “كيف عرفت إنها عدسات؟”
فقالت:
– “إيه؟ إنت… إنت بتقول إيه؟!”
ابتسم، ومسّد على يدها، بحنان كانه يمسح بها وجع قلبه:
– “اني عارف إن ده مش لون عيونك.”
ارتبكت، كأن قلبها انفضح، فقال:
– “نفسي أشوف عيونك يا بتي… ينفع؟ والله يا بتي، ما بعرف أتكلم مع حد من غير ما أحسه… واني بحبك، ونفسي أحس جواكي.”
تنهدت، فهَمَس برجاء يكاد ينكسر:
– “ممكن؟”
قامت، وأزالت عدساتها، ونظرت إليه، فدمعت عيناه.
كأنّ ما رأى أعاده للوراء سنين:
قالت بلين يخالطه الوجل:
– “طب ليه طيب؟”
قال بحنان موجوع:
– “عيونك زي عيون ولدي.”
ابتلعَت مهره ريقها بصعوبة، وقالت كمن يوقظ ذكرى نائمة:
– “ولدي الغايب… اللي راح وخلع جلبي؟”
همست هي:
– “ولدك؟”
قال بوجع يتفجر من قلب أثقله الذنب:
– “عارفة؟ أحنّ عيالي… العيل اللي كنت بحبه وبعشقه، العيل اللي اتظلم من خواته، العيل اللي نفسي يسامحني… وهموت واني مجهور عليه، هموت طالب مسامحته اللي ما خدتهاش.”
قالت بوجع، بلهجة تخنقها الغصة:
– “هو مسامحك.”
فاندفع بلهفة تشبه استغاثة:
– “بجد يا بتي؟ سامحني؟!”
فارتبكت، وقالت:
– “هاه… آه… أكيد يعني، لما يسمع كلامك ده، هيسامحك.”
تنهد، وقال بحب يفيض من عينيه:
– “ربنا يفرّح جلبك يا بتي… هعيش عمري مستني مسامحته ومسامحة ولاده، هعيش عمري طالب قربهم، وإنهم يعاودوا لحضني. إنت لو مكاني يا بتي، وزعلتي من جدك، وجه لحدك وجالك، وقالك سامحيني… هتسامحيني؟ والله يا بتي، ندمت… لما الندم بياكل جتتي…”
دمعت عيناها، وقالت بصوتٍ خافتٍ، كأنها تحاول انتشاله من قاع وجعه:
– “بطل تقول كده… آه والله، هسامحك على طول.”
تنهد بحبٍ وانكسار، وقال بصوتٍ أقرب للدعاء منه للحديث:
– “طب… وخواتك؟ هيسامحو برضك؟ ينفع؟”
تنهدت بأسى، وكأنها تحمل أثقال إخوتها فوق روحها:
– “أنا بتكلم عن روحي يا جدي… بس الله أعلم الباقي إيه. بس نفسي… نفسي يسامحك الكل يا جدي.”
تنهد، ومسك يدها كأنها حبل نجاته الأخير:
– “ادعيلي يا بتي… إن نارهم تبرد… إني أشوفهم في دنيتي… ما فيش صلاة إلا أما بسجد وببكي جهر، طالب من ربنا السماح… نفسي إني أشوف خلفهم ونسلهم الصالح قبل ما أجابل ربنا.”
ثم صمت لحظة، كأن نفسه تقطّعت بين الماضي والرجاء، ثم قال:
– “عارفة يا بتي؟ حِجّهم محفوظ… واني مراعي ده… ولدي هياخد زيه زيهم… اني مش ظالم. آه، ظلمته زمان… بس دلوك الندم بينهش جلبي.”
مسدت على يده، ونظرت إليه بنظرة تواسي وجعه، وقالت:
– “مش بالفلوس يا جدي… بالنفوس.”
أغمض عينيه لحظة، وتنهد تنهدًا كأن صدره يفرغ أحمال السنين، وقال:
– “بطلبها من ربنا يا بتي… إن النفوس تتراضى… يا رب، تتراضوا كلكوا.”
ابتسمت هي، ابتسامة حزينة كأنها تواسي شيخًا يبكي داخله، ثم استأذنت، وقامت، ونزلت.
نزلت لتجد “جابر” واقفًا أمامها، ينتظر كصخرة في طريقٍ لا تريد أن تمر به.
مرت بجانبه ولم تنطق، فهتف بصوتٍ غاضبٍ مشحونٍ بمرارة:
– “إيه؟ معدية علي يهود؟!”
وقفت لبرهة، كأن الكلمات صفعتها، ثم أكملت طريقها.
لم ترد أن تحتك به، فهو أكثر من مرة احتك بها في الشركة بغباء وعناد، بسبب تلك الإمضاء التي جعلته متورطًا في دوّامة المكسب والخسارة.
اندفع نحوها، يمسكها بعنف، وكأن كبته انفجر:
– فصرخت… “إنت؟ إيدك فيه إيه؟!”
هدر غاضبًا، وقد تجمعت النيران في صدره:
– “إنت يا بت! إنت! مش مرتاحلك… جايه أهنه ليه؟ ليكي أهنه إيه؟ إنت؟!”
كانت الكلمات كطعنة في صدرها، لكنها تماسكت، وعيونها التمعت بالغضب المكتوم.
لم ترد، لكن جواها كان يغلي، كأن ما سمعت لم يكن مجرد صوت، بل إهانة مكتوبة على جدار كرامتها.
وهنا… سمعت صوتًا قاسيًا، صلْصل كالسيف على صخرة، وما كان إلا أسمرها… يقف وعيونه تشعّ غضبًا، كأن النار توقدت في عيونه.
– “فيه إيه يا عمي؟ من ميّتة… بنتجبر على الحريم؟ وبيتنا مفتوح للغريب قبل الجريب؟! فيه إيه؟!”
اقترب منها، ومسك يدها من يد جابر، يبعدها عنه كأنما ينزع قلبه من بين أنياب ذئب، ووضعها خلفه، حاميًا إياها بجسده كجدار من نار.
قال جابر بغضبٍ مكبوتٍ:
– “ماعرفش بتاجي كتير لجدك… ما بعرف بينهم إيه، مش مطمّن.”
قطّب أسمر جبينه، وكان جهله بالأمر كصفعة باردة:
– “ضيفة جدي… هو حر. مالك انت؟ عموماً… خليك كريم يا عمي، احنا بيت كرم، والداخل ياخد حُج الكرم.”
واستدار، شدّ يدها وغادر بها مسرعًا، خشية أن يفتعل عمه شجارًا لا طائل منه.
خرج من البيت، وشدها خلفه، وهي تحاول أن تفك يدها، لكنه أسرع بها كمن يهرب بها من حريق داخلي.
أخذها إلى الإسطبل، ودخل بها وكأن الأرض كلها ضاقت به إلا هذا المكان.
شدّت يدها غاضبة:
– “إنت جايبني هنا ليه؟! إنت شادد بهيمة؟!”
اقترب منها، وابتسم ناظرًا إليها بنظرةٍ ملتهبة، شهية مجنونة:
– “لاه… شادد فرسة… تخبّل.”
ارتبكت، فقد كانت تحاول الابتعاد عنه منذ مدة، تكتم مشاعرها كأنها تسجن قلبها، لكنها اشتاقت.
اشتاقت له حد الوجع.
قالت بخفوتٍ متردد:
– “من فضلك… عايزة أمشي.”
فقال معاتبًا، نبرة صوته تحفر في داخلها:
– “لما إنت بتيجي أهنه… ما بتعرفنيش ليه؟!”
قالت ببرودٍ تمثّله، يخونها في كل حرف:
– “وإنت… يخصك في إيه؟ هتمنعني أشوف جدي؟!”
ابتسم، ومد يده يداعب وجهها كأنها طفلة يهوّن عليها بكفّه:
– “يخصني؟… أي حاجة تعمليها تخصني. كل حاجة… بتخصني.”
نظرت إليه بغضبٍ خافت:
– “هو إيه اللي كل حاجة تخصك؟! إنت عقلك فيه حاجة؟!”
اقترب، وحاوطها بالسور، صوته خرج واثقًا متملكًا:
– “ما تعرفيش… إنّي عارف خطواتك؟ والنفس اللي بتاخديه؟”
شعرت برهبة من كلماته، ضحك:
– “عارف بتروحي فين، وبتاجي منين… أنا حرمتي ما تتسابش اكده.”
همّت أن تعترض، إلا أن صهيلًا بجوارها أوقفها، التفتت، فوجدت فرسًا رائعًا خطف نظرها وقلبها معًا.
فرسٌ أبيض، ذو غُرّةٍ سوداء، مكسو باللون البني، يبعث على الهيبة.
– “إيه الجمال ده…؟!”
قال وهو ينظر لها، كأنما يقصدها لا الفرس:
– “كل جمال… وله اللي يجدره. وكل فرسة… ليها مكانتها.”
اقتربت من الفرس، مدت يدها تمسده بحنانٍ وكأنها تلمس حلمًا قديمًا:
– “ده حاجة تاخد العقل…”
دارت حوله، وقلبها يدق كأنما يعود لحياةٍ أخرى.
– “كان نفسي أركب فرس بالجمال ده… طول عمري.”
اقترب منها، وأخرج قطعًا من السكر، أعطاها إياها، مسك يدها، قدمها للفرس، ليلتهم السكر ويداعب يدها، فضحكت بفرحٍ طفوليّ، لأول مرة منذ زمن.
وفجأة… شهقت، فقد حملها أسمر، ووضعها على الفرس، وقفز وراءها.
– “إنت بتعمل إيه يا مجنون؟!”
ضحك، وهمس بجوار أذنها:
– “يعني ينفع… مهرة الأسمر تطلب حاجة… وما تتنفذش؟”
رجف قلبها، الكلمة لامست روحها: مهرة الأسمر.
لم يعطها فرصة للرد، اندفع بها بقوة، تشبث بها كمن يُمسك بعمره.
أزاح شعرها المستعار، شهقت:
– “أبوس يدك… اهدى.”
تنهدت، واستسلمت، كانت تفرح… تنبض… تشعر.
ظلّا ينطلقان وسط الحقول، شعرها يتغلغل في وجهه، وهي في حضنه، تشعر أنها ملكة، أنها تخص هذا الفارس، لا أحد سواه.
وحين وصلا لمكانٍ معزولٍ وسط الأراضي، توقف فجأة، نزل، وأنزلها بهدوء.
قلبها يدق طبولًا من وجعٍ غامض، همّت أن تبتعد، لكنه شدّها إليه، وهمس:
– “لحد ميته… هتحاربي الأسمر؟ لحد ميته؟! أنا ما بتحاربش… بس سايبك… أشوف آخرك.”
دفعته بوجع:
– “إنت… إيه؟ ما بتزهقش؟!”
تنهد واقترب منها:
– “لاه… ما بزهجش… حد يزهج من فرسته؟!”
قالت باستخفاف:
– “فرسته؟! مش رُحت حفلات… وانبسطت؟! إنت عقلك خفيف، باين.”
ضحك، واقترب منها:
– “في دي عندك حج… عجلي خف… من ساعة ما شفتك، وبقيت حد تاني… عايز أرمح وراكي لسنين.”
سكت، ثم بصوتٍ خافتٍ:
– “بس إيه؟ زعلانة إني بروح حفلات؟ ولا… ألف واحدة تملي عيوني غيرك؟!”
قالت بصدق:
– “إنت غريب على فكرة… وما تقولش بتحبني… عشان ما تبقاش كدّاب.”
نظر لها بعينين جادتين.
نظر إليها أسمر… ماعرفش أنا جوايا ليه،
لكن اللي أعرفه إنك بتاعتي… وتخصيني… ويس.
كإنه قلبه نطق قبل لسانه، وكأن روحه تعلقت بروحها دون ما يستأذنها.
نظرت إليه…
“يعني عايز تفهمني إنك ما قابلتش حد تقرب منه عشان تحل عني بقه؟”
نبرة صوتها كانت كأنها بتطعن وتترجى في نفس النفس.
ضحك…
“لاه، فيه ناس عايزين يجربوا… وهيموتوا عليا كمان.”
قالها وكأنه بيتباهى بناره، مش داري إنها بتحرق قلبها هي.
قالت بغيظ.
“ونِعم التواضع!”
ضحكت سخرية، بس عينها كانت بتلمع من وجع مختبي ورا الكلمة.
ضحك هو.
“بنات أعمامنا كلهم عايزين ومستنين إشارة، وزهرة عارفاها، إنت اللي معانا في الشغل، شغّالة مخصوص عشان اكده.”
كأن الكبرياء لابس صوته، وكأن الغيرة بتكوي في صدرها.
قالت بغيظ.
“ما تروح تتجوزها… وتحل عني يا أخي.”
قالتها ودمها بيغلي، كأن قلبها يتمزق وهيا تبعده.
ابتسم هو واقترب منها.
“وهتتحملي إني أتجوز؟
هتتحملي أسمر يروح لحد تاني؟
هتتحملي إن أسمر يكون ليه فرسة غيرك؟”
كان صوته فيه سُم العشق، وكان يسحبها لحافة النار برجله.
شعرت بوجع من كلامه.
استدارت ولم تنطق، فاقترب واحتضنها.
“مهره هيا وبس… اللي مستنية تلبس الفستان، وأسمر يوطي يلبسها أجمل فستان.”
صوته كان حنين قاتل لقلبه.
لتقاطعه بوجع:
“هتوطي تلبسني؟
أسمر يوطي لوحده؟ مش أسمر اللي عايز يجيب الكل تحت جزمته.”
نبرتها كانت سيف، وعيونها كانت بتنزف كرامة طعنت في صغرها.
تنهد هو.
“إنتِ مالك جافشة في الجملة دي يعني؟
أنا بجولها للجرابيع.”
حاول يبرر، بس صوته كان بيقطعها من جرح صايبها.
فصرخت.
“مش كل الناس جرابيع!
حتى لو جرابيع، مش من حقك تقول!
إنت بتوجع من غير حق،
الدنيا مش أسياد وعبيد،
الظلم وحش يا أخي،
ليه تبقى ظالم وتوجع كده؟”
كلامها كان بركان، والحق ناطق في كل حرف، بتنزف وجعها.
بُهت من غضبها، فتنهد.
“ممكن تهدي؟ مالك بس؟”
كان خايف يكمل كلمة، كأن كل صوت منها بيكسر في داخله حتة.
قالت بقهر.
“مالي؟… مالي كتير!
من فضلك بقه، مشّيني، أنا تعبانة.”
كانت بتسحب روحها من بين دراعاته، وكل خطوة بتبعد، كانت بتموت أكتر.
اقترب منها، فصرخت.
“ما تقربش بقه يا أخي!”
كأنها بتبني سور من نار بين قلبها وقلبه.
فانفعل وشدها إليه ومسك وجهها.
“طب اسمعي بقه وآخر كلام عشان أنا جبت آخري!
أنا هقرب براحتي، وإنتِ تخبّطي راسك في الحيط وتنفلجي نصين أو تلاتة زي ما إنت عايزة!
إنتِ بتاعة الأسمر، وانكتبتي على اسمه!
انكتبتي، فاهمة؟
خليني ساكت بلاش أجيبها حرايج!
إنتِ كلك ملكي، يبقى من الآخر كده، تعرفي إن آخرك حضني!
إنتِ كلك بتاعتي، وأعمل فيكي ما بدالي، فاهمة؟
وتجولي حاضر وطيب، عشان يمين الله لأحبسك واهبدك علقة تخلص عليكي!
إنتِ إيه الغباء ده؟
إنتِ طايحة اكده ليه؟
حد كان جالك إن أسمر مايعرفش يحكم حرمته؟”
كلامه كان نار بتلسع، بس قلبه كان بيأن جُرح ووجع.
فصرخت.
“حرمته إيه يا مجنون إنت؟”
صرخة مهزومة، كأنها بتحاول تطرد قدر مكتوب على جبينها.
فاحتضنها بقوة.
“أيوه، حرمتي، وهعرفك إنك حرمتي… وشَدّها ودفعها على إحدى الأشجار.
انهال عليها وهي تحاول أن تبعده، وهو لا يُفلتها، كان يشعر بالجنون، فهي تريده من داخلها، غير أن عنفوان الصعيدي لا يقبل أن ترفضه أنثى، فهلكت بين يديه.
أحسّت أنها ستموت.
أبعدها وصرخ فيها.
“طلّعيلي مهره اللي جوا!
حابساها ليه؟ ليه؟
عايزاها؟ مين منعك؟ مين؟
ولا أي حد يجف لينا، إحنا وبس، مفيش حد تاني!”
أحسّت أنها ستنفجر، أنفاسها كانت بتتقطع، كأن قلبها بيتخنق من كُتمته.
لتنفجر في البكاء.
هَمّ أن يحتضنها.
لترفع يدها، ترتعش.
وبدأت تترنّح كأن الأرض بتتهاوى تحت رجليها، كان ستموت، تتنفّس بصعوبة.
وضعت يدها على قلبها، ركنت عالشجرة من قهرها، ووجع صدرها لم يعد يُحتمل، لتسقط بهدوء، كأنها وردة داسها الزمن تحت قدمه دون قصد.
تمددت، تركت ظهرها على الشجرة، ظلت تتنفس بصعوبة.
اندفع إليها، كان منظرها مريع، كأن الحياة تفر من عروقها، حاولت أن تتكلم فلم تستطع، كانت حالتها بائسة، تمزق القلب، كأنها تحتضر وسط النهار.
شدها بقوة.
“بطّلي، هتموتي!
بطّلي، خلاص، هنكتم!
اهدي… اهدي…”
كان يعتصرها بين يديه وهي تشهق فقط، وصوتها يأبى أن يخرج.
كانت تنتفض، فقط.
كأن الروح بتتخبط في جدار صدرها تبحث عن مخرج.
إلى أن هدأت.
وهو يمسّد عليها، يمسّد على شعرها.
لم ينطق.
ما أراد أن يزيد عليها، كانت خلعت قلبه وجعًا.
ركن على الشجرة.
أخذها في حضنه، وعمّ الصمت، سوى من أنينها وتنهيداتها، التي كانت تخرج كسكاكين من صدرها.
حسّ بها.
هدأت، كان يُحسسها بوجوده فقط، وكلما تشنّجت.
اعتصرها أكثر كأن ذراعيه ادعيه بتستغيث بيها.
لم يعلم كم من الوقت جلسا هكذا، وسط الحقول، ساعات نائمة في أحضانه، تشعر أنها لا تريد أن تخرج، كأنها وجدت مهربها بعد عمرٍ من الهروب.
أحسّت.
لو ماتت، هترتاح من دنياها.
ركنت على صدره.
مسك يدها، رفعها على صدره، وقبّل رأسها بحنان، كأنها طفلة تايهة.
أخيرًا لقت حضنها.
لترتخي أكثر، ولا إراديًا حاوطته بيديها، خفق قلبه بشدة، فهي تلتمس منه شيئًا يوجعه، يريد أن يعلم ما بها، لتنام بين يديه لفترة، وتتوه عن الدنيا، هربت منه إليه.
هربت من كل شيء إلا من صوته، اللي كان بيطبطب على وجعها من غير ما ينطق.
كان صبورًا.
أحسّ باسترخائها، قبّل رأسها ويديها.
وهمس وجع:
“ليه؟ ليه إنتِ مجنونة؟ متقعده؟ حد عمل فيكي حاجة؟ طب أعالجك فين؟ فيه إيه؟ نايمة بتتنفض بين دراعاتي ليه؟ بتعملي في روحك كده ليه؟ بتحاربي ليه بس؟ أحس إنها بها مصيبة… حاسس بيها… صوتها ساكت، بس روحها بتصرخ…”
ظل بجوارها حتى استفاقت.
فاقت.
أحس بها، كانت بتحرك رأسها بحنان على صدره، ظلت صامتة، لم تتحرك، تحاول أن تعود لنفسها، تجمّع شظاياها بعد انهيارها.
لتبتعد قليلاً، وهمست بلين مكسور:
“ممكن أمشي؟”
صوتها كان ضعيف، كأنها بتعتذر للحياة على إنها لسه عايشة.
تنهد هو، ما أراد أن يزيد وجعها، اقترب، قبّل رأسها، وقام وحملها، رفعها على الفرس، ظل يسير بروية، وهى راكنة على صدره، تنظر للطريق، وبداخلها أنين شوق.
لا تريده أن ينتهي.
كأنها رغم كل شي، مش عايزة تبعد.
أوصلها للعربية، نزلت من سكات، وهو يراقبها، كأن النظر ليها بقى حياة.
صعدت إلى حجرتها، أخذت منومًا، ونامت.
تهرب من الصراع بداخلها، كأنها بتحاول تطفي النار اللي ساكنة قلبها، بس النار دي… كانت من أسمر، ولكنها أيضا… من أجله.
#####
كان براء يشعر بقهرٍ غير عادي، نارًا تتأجج في صدره، لكنه ما قدرش يتحمّل فكرة إن شجن تبقى لحد غيره.
خطاه قادته من غير وعي لبيت نديم.
وقف هناك، تحت البيت، عينيه مش بتغيب عن الباب.
مر وقت، وبان له نديم من بعيد… عرفه من هيبته، من خطواته التقيلة.
تحرك براء بسرعة، وقف في وجهه كإنه بيقطع عليه الطريق.
استغرب نديم من وجوده، وسأله بنظرة حادة:
– نعم؟
قال براء بصوت فيه رجفة مترددة:
– ممكن نتكلم؟
رفع نديم حاجبيه بشك، ورد بهدوء جاف:
– اتفضل.
قال براء:
– طب ممكن نجعد في حتة؟
استدار نديم بلا كلمة، ومشي على عربته.
دخلها وجلس، وراه براء متردد، قلبه بيرقع في صدره.
جلس براء مرتبك، في حين كان نديم يتأمله بصمت.
بصوت مهزوز بدأ براء الكلام:
– شوف حضرتك، أنا عارف إنك راجل شديد، وصعب، بس اللي حصل… ماكانش فيه حاجة غلط.
رفع نديم حاجبيه، نبرته فيها شك.
فقال براء بسرعة:
– أنا بتكلم عن شجن… عن شجن يا أستاذ نديم.
وهنا اتغير لون نديم، الغضب اشتعل في عينيه، ومن غير تفكير، مسكه من رقبته بقوة، وقال من بين أسنانه:
– مالك بيها؟ عايز منها إيه؟
صرخ براء بصدق وقوة:
– عايز أتجوزها!
بهت نديم للحظة.
ما نطقش.
كرر براء بثبات متحدي:
– أيوه، عايز أتجوزها. إيه المشكلة؟ بدل ما ترميها زي ما جولت، ادّهالي.
فرفع نديم حاجبيه.
– بسهوله كده انت عارف انا مين ادهالك انت.
هتف براء بغرور.
– واني مش أي حد انت كمان عارف انا مين.
ضحك نديم.
– هتكون مين.. يلا من هنا واستدار وخرج من العربه.
فاندفع براء وشده.
قال براء بعنفوان.
– زي مانت عندك شركات اني عندي شركات وجصور واطيان… إحنا عيله إسمها يرن.. يهز الصعيد.
ضحك نديم.
– لا والله.. ومين الحلو أبو عيله تهز.
وقف براء أمامه رفع راسه بتعالي.
– اني مش أي حد وعايز أختك بالحلال… اني من اكبر عيله في الصعيد… عيله ابو الدهب.. تسمع عنها.
تجمد نديم واحس بقلبه سينخلع.
أكمل براء بقوه.
– اني براء…. براء سلطان ابو الدهب… ياختاااااي يا حزنك يا نديم.. الحقو نديم يا مجلوط يا قاتل يا مقتول…. ولعاااااات…. وهنط في إيه يا ولاااه…
رواية عودة الذئاب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ميفو السلطان
وقف براء أمام نديم، متشدِّقًا، وكأن الكبرياء يقطر من بين حروفه:
“أنا كمان من عيلة كبيرة… من أكبر عائلات الصعيد… وعندي شركات وأطيان… أنا براء سلطان أبو الدهب، صاحب شركات أبو الدهب العقارية!”
شعر نديم كأن صاعقة انشطرت داخله… تجمّد في مكانه؛ كأن جسده انشَلّ، وروحه تنزف من صدمة لا ترحم.
دقّ قلبه بعنفٍ، كطبول حربٍ تدوي في صدره، لكنه تماسك… جلد نفسه، وكتم نيرانًا توشك أن تحرقه حيًّا.
هتف ببرودٍ مسموم:
“مين؟ قولت مين؟”
قال براء، باستعلاءٍ تفوح منه رائحة الفخر المسموم:
“براء… براء سلطان أبو الدهب.”
كأن الاسم انغرز في صدر نديم كسكين، لم يحتمل… أحسّ أن عروقه ستنفجر، وأن الهواء صار سمًّا في رئتيه.
استدار مسرعًا، يهرب من على شفير الجنون، لكن براء اندفع خلفه، وأمسكه من ذراعه.
قال بتوترٍ لم ينجح في إخفائه:
“إنت مشيت ليه؟ أنا طالب الحلال!”
ضحك نديم ضحكة مُرّة، كأنها نُزِعت من قاع وجعه:
“لا معلش… الحلال كده هيقلب حرام… وفوق الحرام مسخرة!”
صرخ براء، بصوتٍ يمزّقه الغيظ:
“كل ده ليه؟! فاكِر إيه؟! إنت هتديها لمين أحسن مني؟! لو على الفلوس… أنا سداد، جول رايد إيه؟ أنا ما اترفضش… اطلب طلباتك، وأنا أنفّذ… بس آخدها!”
نظر إليه نديم، والنار تتأجج في عينيه كأنها لهبٌ خرج من أعماق روحه، لكنه زاد بروده قسوة:
“إيه؟ هتشتريها بفلوسك؟ طب العيلة بتاعة البيه، هتيجي لحد رجل أختي وتطلبها؟”
كان براء يعلم أن هذا مستحيل لأجل عمه، فابتلع مرارته، وقال بشيء من التردد:
“أنا لحالي دلوك… العيلة صعب تيجي، إنما أنا كفيل أنفذ شروطها. لو على المال… معايا كتير. إنت لو هامّك أختك، إديني إياها… ونخلّص الجصة كلها. إنت أصلاً مش عايزها، وعايز ترميها لأي حد… يبقى أنا أولى!”
ابتسم نديم… ابتسامة موجعة، كأنها تُخفي خنجرًا مسمومًا:
“ياااه… إنت أولى؟ وأنا هرميها؟! دي حاجة جميلة والله… بقى العيلة صعب تيجي، طبعًا… وفعلًا، أكيد المال الكتير هيغريني… ماهو مال سايب!”
استدار، وتركه… ثم توقف فجأة، والتفت بعينين كأنهما تقذفان بالاحتقار:
“عموماً… شجن اتخطبت خلاص. وآخر مرة أشوف وشّك قدّامي… إنت فاهم؟ شجن ما عادتش موجودة في عينيك… ولا هتكون.”
ومشى، دون أن يعطيه فرصة، وترك خلفه رجلًا ينهشه القهر كذئبٍ مسعور.
دخل نديم الشقة، ورزع الباب بعنفٍ، كأنّه يثأر من العالم كله.
ظل يدور فيها كوحش جريح، قبض على رأسه بشراسة، وأحس أنها ستنفجر من شدّة الضغط.
تمتم بنبرة مشتعلة:
“هي حصلت؟! يجولي لحد بيتي؟! يخططوا… ويوصلوا لبيتي؟! إزاي؟!”
كان صدره يعلو ويهبط، كأنه يصارع زلزالًا داخليًا…
“إيه عرفهم مكاني؟ عرفوا أنا مين؟ عرف البت؟ آه… عرفها هناك… وجه وراها، ماهي هبلة، وقعها عشان يزلّني، عشان رقبتي تيجي تحت دروسهم… طب إيه؟ عرف تخطيطي؟ ولا…”
جلس على أقرب كرسي، ووجهه بين كفّيه، أنفاسه متلاحقة، وحرارة الغضب تعلو وجهه كأن الدم صار بركانًا.
تمتم بصوت مبحوح:
“يطلعوا بيخططوا ورا ضهري؟ يبعتوا واحد منهم، ومين؟ ابن سلطان أبو الدهب؟!”
رفع رأسه فجأة، وعيناه تقدحان شررًا، كأن الظلام نفسه ارتعد من نظراته.
“وجايلي… بكل بجاحة الدنيا… يطلب أختي؟ أختي؟ شجن؟ يطلبها واحد زي ده؟ يطلبها على أساس إنها صفقة؟”
نهض فجأة، دفع الكرسي بعنف حتى ارتطم بالحائط، راح يمشي في الشقة كأنه يطارد شبحًا… كأن جدران المكان تخونه.
“ماهو كان لازم… كان لازم أخفيهم أحسن، كان لازم ما أسيبش ولا طرف…”
اتجه نحو احد الادراج.
سحب درجًا قديمًا، وأخرج منه صورة باهتة… صورة لوالده، عامر، وملامحه فيها ما زالت نقيّة، على الرغم من تعب الأيام.
همس بندم غائر:
“لو كنت سمعتك من زمان يا بوي… لو كنت سبت الحقد… كان إيه هيسيبونا،، بس كان لازم… كان لازم آخد حقي.”
سكت لحظة، ثم تابع بصوت خفيض، لكنه مسموم بالحسم:
“بس لا… مش هيكسبوني… مش هخليهم يفرحوا، لا بشجن، ولا بيا. اللي دخل حياتنا دلوقتي منهم… هيطلع منها مكسور.”
وضع الصورة بوجع والغليان بداخله كأن قلبه بيتخبط في صدره زي طير مذعور محبوس في قفص ضيق.
حاسس إن روحه بتتسحب من ضهره، وإنه بيتكسر من جواه في صمت مايعرفوش غير اللي اتوجع بجد.
ملقاش قدّامه غير رفيقة روحه، نصه التاني، ظهره وسنده، وظله لو مال بيه الزمن… المهرة… رفيقه النديم في تعاسته… اللي كأن ربنا خلقها مخصوص عشان تشيل معاه تقله وتواسيه في كسراته.
صرخ فيها من جوف روحه الموجوعة، صوته طالع زي طلق الخرطوش:
“الحقيني… هموت، هموت يا مهرة!”
بهتت من صرخته،، وقالت بصوت ملهوف بيترعش:
“فيه إيه؟ مالك يا حبيبي؟ بيك إيه؟”
صرخ وهو بيكتم الوجع في صدره:
“فيه… حاسس بجلطة… عروقي بتمشي جوّاها نار… نار بتلسعني… هموت.”
قالت برعب، وصوتها اتكسر كأنها بتحاول تلحق قلبه من الوقعة:
“حبيبي، فيه إيه؟ طيب قول، أنا معاك أهو… اهدي، بالله عليك.”
صرخ كأن روحه بتتحشرج في حنجرته:
“أختك! أختك الهانم اللي جولت تتربى! بس انتِ سيبتيها تطيح لوحدها… أختك… عرفت براء أبو الدهب!”
رجف قلبها، كأن الكلام ضربها على رأسها:
“إيه؟ براء؟ براء ابن سلطان؟ ودي عرفته فين؟ ومالها بيه؟ وعايز منها إيه؟!”
صرخ بحرقة، كأن الجرح بينزف من كل ضلع بداخله:
“عايز إيه؟ عازها الكفن! البيه جاي يتجوزها، جاي ياخدها ويرميلنا قرشين! أختك الفاجرة جايبالنا براء لحد بيتي!”
بهتت مهرة، كأنها فقدت القدرة على التنفس:
“براء؟… براء جاي يتجوز شجن؟! إزاي؟ إنت بتقول إيه؟ ده… ده هيتجوز بنت عمه! إزاي جاي ياخد شجن؟! هو فيه إيه؟ ده ملعوب ولا إيه؟ إحنا انكشفنا يا نديم… أنا خايفة…”
فصرخ بصوت مجروح، كأن الدنيا كلها طاحت فوقه:
“يا نهار أبوها اسود! إيه؟ هيتجوز بنت عمه؟! أمال جاي ليه؟ وجاي فارد عضمه ومتاكّد؟ وجاي يرميلي فلوس؟! أختك حبت البيه! جابها من قلبها! الحقيني! حاسس إني هموت! طب ليه؟ إزاي؟ عرفوا بعض إزاي؟! وكلمها؟ وتليفونات؟ وقابلو بعض؟! نهار طين! مثل عليها الحب، وناوي يطفّش بيها؟! أه! ما أختك هبلة وطايشة! كان ممكن تطفش وتحرقلي قلبي! وياخدها ويحطوا جزمتهم على رقبتي!”
زاد صوته بحشرجة الموت:
“عايش عمري أخطط، وتيجي الهانم توطّي راسنا؟! أروح أقتلها؟ أعمل إيه؟! اتكشفنا؟! ليا سنين بخطط! ودا جاي يرميلي فلوس، مفكرنا كلاب فلوس! ولاد الغازية؟! مش قادر أتنفس… صدري طابق عليّا!”
قالت بخوف، صوتها بيترعش كأن القلب نفسه بينطق:
“أعصابك… اهدي.”
صرخ، وكأن كل اللي جوّاه بيولع نار:
“والعه! أعصابي والعه يا مهرة! انتي ما شفتيهوش، جايلي بفُجر وش، بيقولي: (هديك فلوس)! فاكرني بعمل ده كله… كل الوجع، كل الجري، كل الضهر اللي اتقطّع، عشان شوية فلوس؟! انبسط…! انبسط إنه هياخد أختي، ويتجبي علينا بقرشين… أختي؟! اللي ربيتها بنفسي؟ بنت الحرامي والغزيه يقبلوا بأي حاجه منهم! إنما أنا؟! أنا اللي عشت العمر شايل جبل على ضهري؟! حاسس دمي بيغلي… السم بيجري في عروقي… حاسس إني هتشل… هنجلط يا مهرة… هموت، وربنا هموت!”
قالت بوجع، كأن الكلام طالع من قلبها:
“اهدى… طب عملت إيه؟”
صرخ، وصوته كان زي جدار بيتصدّع:
“عملت؟! هاخد أختك… واطفش! سنين… سنين وأنا بخطط، وأنا بابني خطّة موتهم، وفي الآخر… يفقسونا! نطلع احنا ولا حاجة؟!”
أردف بجديّة، نبرة فيها الموت قبل الفعل:
“مهرة… ماعتيش تروحي الشغل. ماعتيش تفتحي بابك حتى. اطفي النور، واختفي. أنا شمم ريحة مصيبة جاية، مصيبة لو شبّت، هتلبسنا من فوق لتحت… ماشي؟”
تنهدت وهي بتحاول تدفن خوفها في صوتها:
“حاضر… بس اهدي.”
صرخ، وكأن الهدوء بقى لعنة مايعرفهاش:
“اهدي؟! آه… أما أموت بإذن الله، هو ده الهدوء! اسمعي يا مهرة… أنا خلاص قررت. هنفّذ. وإنتِ… تخرجي من عندك، بأي تمن، وتختفي. إحنا كلنا هنتبخر، هنضرب ضربتنا، وتخلص القصة. قصة عيلة أبو الدهب! ييجوا يلمّوا الباقي… بس بعد إيه؟! بعد ما آخد اللي ليّ، وأدفن اللي علينا!”
سكت لحظة، صوت أنفاسه تقيل كأن كل نفس بيجرّه من تحت الركام، ثم أردف بصوت فيه رجفة حزن وغضب:
“مهرة… اللي قولت عليه يتنفّذ بالحرف. أنا مش عارف عرفوكي ولا لأ… بس والله… مش هتحمّل يتعمل فيكي حاجه، لا والله. فاهمه؟ وابقي كلمي الهانم! قرّريها، عشان أنا هدخل أقتلها… يمين الله… هدخل أقتلها بإيدي!”
قالت بصوت مبحوح بالحزن، كأن روحها بتنزف بهدوء:
“طب… اهدي… هكلمها.”
بوجع، قالت:
“طب اهدي واناهكلمها اعرف كل حاجه…”
قفل مع مهره وظل يدور وراسه ينفجر من الغليان… تمتم بجنون:
“الواد بيتجوز؟! وجاي ياخد البت؟! طب ليه؟! إيه الفُجر ده؟!”
هبّ محترقًا، كمن اشتعل صدره ببركان، وهجم على حجرة أخته، صرخ بصوتٍ كالرعد:
“إنتِ عرفتي الواد ده منين يا زبالة؟!”
ارتجفت هيا، وانكمشت كعصفور بريء:
“إيه؟! فيه إيه؟!”
اقترب منها كالإعصار، شدّها بعنف:
“فيه مصيبة سودا نزلت على دماغك! سحبتي روحنا، حطّيتيها تحت جزمة ولاد أبو الدهب يا بنت عامر! يا اللي أبوكي مات مقهور بسببهم!”
أمسكها بعنف وصاح كمن ينهش من الألم:
“انطقي! عرفتيه منين؟ وجابك إزاي؟!”
كانت ترتعش كشمعة في مهب الريح، وبدأت تقطع بأنفاسها:
“مين؟ مين إيه؟ ماعرفش…”
صفعها بقسوة، صوته يتقطر نارا:
“براء ابن سلطان يا بنت عامر! عرفتيه منين؟! هو ده اللي كنتِ بتكلميه في التليفون وتلاغيه؟ صح؟! هو ده اللي قابلتيه في الخلا؟! انطقي! لَأمَّا هدبحك! يمين الله لأموتك في إيديا!”
انهارت من الرعب، بدأت تحكي كل شيء… لكن غفلت عن جزء الزواج.
قبض على شعرها بعنف، يهدر:
“يعني عرف انتِ مين من الفندق! وأكيد سأل عليكي… طب جاب اسمك إزاي؟ شجن بنت عامر! جه لحد بيتنا؟! يا مصيبتك السوده يا نديم في أختك! البيه جاي يتجوزك؟! الجنازة شالتك وشالته!”
رجف قلبها من الفرحة، همست بسعادة مُكسورة:
“براء… عايز يتجوزني؟”
صرخ فيها كأنما يحترق بجنون:
“منك لله! فرحانة؟! فرحانة يا زبالة؟! آه! افرحي يا بنت عامر! باعتينه ياخدك؟! خدك ربنا يا بعيدة! عشان راس نديم تنزل الأرض؟!”
همست بانكسار:
“باعتينه؟ مين اللي باعته؟ يا نديم، إنت بتقول إيه؟”
صرخ بقهرٍ:
“اللي قتلوا أبوكي! اللي قهرونا! اللي يتموكي يا بنت عامر! يا بنت الغازية! وبنت الحرامي!”
ابتلعت ريقها، رعبها يتصاعد:
“إنت… إنت بتقول إيه؟!”
دفعها، فوقعت أرضًا، انكمشت على روحها، وهو يدور في الغرفة كمن يلاحقه الشيطان…
هدر كالمجنون:
“براء ابن سلطان! البيه اللي شقطك هناك! وجابك! ولف عليكي! جاي ياخدك مني بسهولة؟! ابن الفجرة… جاي يقولي “ادّهالي”… عايز يشتريكي بفلوس؟! عنده فلوس واطيان؟! فلوسنا بيتجبى علينا بيها؟! إنتِ رخيصة في نظره! ما يجيش ياخدك ليه؟ وأنا أوافق؟! مش هيديني فلوس؟! آه، ابن الحرامي يبيع أخته بفلوس، عادي!”
زمجر:
“أنا مش فاهم! جابونا إزاي من الفندق؟! عرف البيت إزاي؟!”
ارتجفت وترددت… فاندفع كالثور الهائج:
“إنتي قولتيله؟! قولتيله على البيت؟! انطقي!”
انهال عليها ضربًا وهي تصرخ وتتوسل… صرخ بجنون:
“لمسك انطقي! لأموتك!”
هزّت رأسها، وقلبها يقطر دمًا، فصرخ بها:
“براء جاي يعلم على أخوكي! يا فاجرة!”
سهمت، وجهها تغشاه غشاوة القهر… تذكرت كلماته: “أنا هعلّم على أخوكي”… تذكّرت نظراته، ووعوده… كان بيضحك عليها ؟
همست بوجع:
“لا، براء ماعملش كده… لا، هو طيب… والله طيب…”
كان قلبها ساذجًا، لا يُصدّق الغدر.
احمرت عينا نديم بجنون، صاح:
“طيب؟ منك لله! بخت كنت دفنتك قبل اليوم ده! هاه؟! هو مين اللي طيب؟! مايعملش؟! طب اسمعي بقى… الطيب ده خاطب بنت عمه! بنت جابر!”
انشلت شجن، جحظت عيناها…
صرخ بقهر السنين:
“إيه رأيك؟! يا رخيصة! يا بنت الحرامي! هاه؟! هيتجوز الغالية، بنت العز، بنت عمه! وإنت؟! جاي ياخدك بفلوس! جاي ياخد الهانم اللي راحت معاه الخلا! وطيتي راسي! منك لله! جالي: ماينفعش العيلة تيجي؟! أصلِك واطية! أقل من إنه يعلّيكي! جاي يقولي: أنا سداد… البيه جاي يشتريك يا غالية! وهناك؟! مجهز لفرح يتحاكي عليه الصعيد! بنت الغالي! النسب العالي! ما بتتحضّنش في الخلا! ربنا ياخدك! يا شيخة منك لله!”
انهار قلبها… انشق نصفين… جاء على ما بداخلها من نفس سمحة.
نظرت إليه، دموعها شلالات، وقلبها يقطر دما…
همست:
“ليه؟ ليه كل ده؟ عشان الفلوس؟! عشان الانتقام؟!”
صرخ من أعماقه:
“إحنا ماعملناش فيهم حاجة! هما اللي عملوا! واللي بيعملوا! فاكر هيضحك عليا؟! وييجي يرميلي قرشين؟! ماحنا تحت الجزمة!”
أحس بروحه تُسحب منه… همس وهو يرتجف:
“اسمعي… من بكره تسيبي البيت… تخطيطي السنين مايروحش هدر… عشان واحدة رخصت نفسها… يا أرخص خلق الله!”
دفعها، فوقعت أرضًا، لا تنطق… قلبها تمزق لأشلاء.
كانت ترتعش، الخوف يلبسها كالرداء… براء بيضحك عليا؟! هيتجوز بنت عمه؟! كل ده؟ بيضحك عليا؟! براء… كان بيوقعني؟! أنا اللي كنت فاكرة إنه فارس أحلامي؟! خلاص؟! كل الكلام ده؟! كل الحب ده؟! لا… ما تقوليش حب! هو ماقالش حب! قالها في لحظة غلط! براء مابيتربطش! صح! هو صعيدي! ياخد بنت عمه اللي ما خرجتش معاه، ولا اتفسحت، ولا مشت من ورا أهلها! وإنت؟! بنت غازية، زي ما بيقولوا… رخيصة! ليه؟! ليه يا جاحد؟! منك لله… هموت يا رب!”
لطمت وجهها، تصرخ كمن نُزع قلبها:
“دا… دا كُتب عليّا!”
أحست بالذعر… لو عرف أخوها؟! لا! لا! هو قطعها… أكيد نديم لو عرف… هيموتني!
صرخت بحرقة:
“ليه؟! عملت إيه؟! لكل ده؟! ليه؟! منك لله! منك لله!”
قامت مترنحة، فتحت دولابها، وجدت أشياءه… تلك الهدايا… تلك العروسة… احتضنتها وانهارت على الأرض…
“كل ده وهم؟! وهم… ضحّى بيا… عشان أنا رخيصة؟! وهم يا براء؟! عشتُّهولي… حلم صحيت منه مقتولة! حسبي الله… دانا غلبانة… ماليش حد! قلبي؟! حاساه بينتش! هيموتني! ليه كل ده؟! عشان التار؟! عشان الورث؟! هتتجوز بنت عمك؟! وهتعملها فرح؟! طب وأنا؟! زي ما نديم بيقول؟! هترميلي قرشين؟! وتجيب راس أخويا تحت رجلك . مانـا هبلة! بصدق! مش هسيبك يا شجن! انتي بتاعتي! آآآه قلبي! آآآه يا رب! ليه؟”
سقطت ارضا زحفت الي الركن البعيد من الأوضة، كانها تخاف من وسع المكان ضهرها للحَيط، والدموع نازلة من غير ما تحاول تمسحها… بتعيط، وبتترعش، وكل نَفَس بيطلع منها كأنه طعنة فـ صدرها.
“إزاي؟!” ده السؤال اللي مش بيبطل يرن فـ دماغها… إزاي ضحك عليها؟ إزاي بصّ في عينيها وقالها “مش هسيبك” وهو بيحب غيرها؟؟ إزاي خلاها تحس إنها الوحيدة، وهي آخر واحدة؟
بتفتكر ضحكته… طريقته وهو بيقولها: “أنا مش زي أي حد، أنا جنبك للآخر…”
ياااه، كانت بتصدق، كانت بتطمن وهي فـ حضنه.
بتفتكر كلماته الحلوة، اللي كانت تسندها وقت الضعف، وكل كلمة منهم دلوقتي بتكسر ضلع في قلبها، زي ما يكون الحب اللي وعدها بيه… كان خنجر.
كانت بتحبه ببراءة، بس هو كان بيلعب… براء اللي مالوش من اسمه نصيب وهيا الشجن ليها الف نصيب.
كانت بتحلم بمستقبل، موجوعة، مكسورة… بتضحك على غبائها، وبتكره طيبتها،:
“أنا اللي صدّقت، وأنا اللي كنت عميانة… بس والله ما كنت أستاهل كل الوجع ده. أنا مش قادرة… مش قادرة أوقف إيدي من الرجفة… جوايا حاجة بتتكسر… حاجة مش هتتصلّح تاني.”
ضحكت بشرخه بقلبها:
“إنتي ملاكي… إنتي هدية ربنا لقلبي” واهمني انه شالني فـ عيونه… وهو شايل غيري فـ قلبه؟
كنت بسند عليه وأنا مش عارفة إني بتسند على كذبة.
كل تفصيلة بينا بقت سم… ضحكته اللي كنت بحبها، بقت تلسعني. كلامه الحنين بقى كأنه سكاكين في وداني.
ليه؟ ليه تعمل كده فـ حد حبك بصدق؟ ليه توجعني وأنا عمري ما وجعتك؟ ليه تخليني أعيش فـ حلم وتصحيني بكابوس؟
إيدي بردت… قلبي برد، ويمكن عمري ما هسخن تاني.
فتحت تليفونها بوجع تكتبله رسالة.
رسالة من قلبها المكسور، اللي لسه مش مصدّق، ولسه بيرتعش وهو بيكتب:
“ليه؟”
كنت دايمًا ببدأ رسايلي ليك بـ”صاحبي” وانت في القلب حبيب. بس دلوقتي مش عارفة أناديك بإيه… ولا حتى عارفة أكتبلك منين! أنا مش بكتب عشان ترجع، ولا حتى عشان تندم… أنا بكتب عشان أطلّع الوجع اللي ساكن صدري، اللي كاتم على نفسي، واللي مش راضي يرحم قلبي.
كنت كل حاجة ليا. كنت أماني في الدنيا اللي خوفتني، كنت حضني اللي بدوّر عليه، كنت حبي، وضهري، وضحكتي… وطلعت كذبة.
ليه وعدتني؟ ليه قلتلي “أنا جنبك”، وانت أول واحد مشيت؟ ليه حضنتني… وكان حضنك لغيري؟
أنا مش زعلانة عشان مشيت، أنا موجوعة عشان كنت بتمشي من زمان… وأنا مش شايفة.
أنا مش مكسورة بس، أنا مخلّوعة من جوّه، إزاي هآمن تاني؟ إزاي هاصدّق؟
يمكن الرسالة دي توصلك… ويمكن لا، بس لو قريتها، اعرف إني مش هغفر، ومش هنسى، بس هحاول أعيش… من غيرك.
انبسط يابن ابو الدهب وافرح خدت تارك من اغلب خلق الله تار ماعملتش فيه حاجه غير اني حبيت.
عارف …في يوم قلتلك اني بخاف اتعود علي وجود حد في حياتي وفجاه يختفي وبرغم ان انت عارف مشيت وخلعت قلبي ..خلاص لا انا هكون ليك ولا انت ليا.
مدت يدها تضغط علي زر الارسال.. تراجعت يدها ترتعش ..حتي الكلام لا يستحقه منها ..العتاب لا يناله الا من معه الود والقلب وهو خلع القلب ودعس الود ..رمت التليفون وتكورت علي روحها تضع وجهها في الوساده تان بصمت حتي لا يخرج صوتها لا خوفا ولكن لا يستحق ان تخرج وجعها من اجله كتم الوجع وانكسار الروح موت وشجن ماتت الف مره بطعن حبيب ظنت انه فارسها واميرها ..امير السندريلا .
اما نديم بالخارج يعد لرحيلهم عن البيت بأسرع وقت. حتي لا ينكشف خططه . توهم انهم عرفو مكانه واتو ليلعبو عليه فجأة… رنّ هاتفه.
نظرة سريعة على الشاشة جعلت عروقه تشدّ من التوتر:
“براء بيتصل”.
ضغط زر الرفض، ورمى الهاتف بعيدًا… لكن بعد ثوانٍ، ظهرت رسالة على الشاشة:
“لو مفتكر إنك كده هتمنعني عنها، تبقى بتحلم. أنا بوصل اللي عايزه… بأي طريق. وافتكر ده كويس.”
ضحك نديم ضحكة ساخرة، لكنه شعر أن الدم يتجمّع في صدره ككتلة نار.
همس بكلمات وكأنها قسم:
“هتشوف يا ابن أبو الدهب… هتشوف يعني إيه تلعب في منطقة فيها نديم عامر… وهتشوف يعني إيه… الرجوع مش اختيار.”
رفع الهاتف واتصل برقم محفوظ تحت اسم “مهره”…
رنّ مرتين، ثم ردّت بصوت حاد:
“إيه؟”
قال بندم يختلط بالغليان:
“جمعيلي الناس… اللعبة بدأت.”
وبدات تنفيذ الخطه ..خلاص راجعين راجعين يا مهره….الديابه راجعه تنهش الغيلان.. غيلان عيبه ابو الدهب…
مر يوم ونقل هو الي شقه اخري مجهزه وامرها ان تنتقي كل ماتحتاجه ولملمت اشياؤها بقهر واختها واخذها ورحل من ذلك المكان بلا عوده .
عاد براء للبيت يقابله لعله يقنعه فوجدهم انهم غادرو البيت .احس بكويه في قلبه لم يتحملها ان تلك الجميله راحت من حياته عاد الي بيته وقفل علي نفسه واخرج ورقتها ووضعها علي قلبه يحس انها هيا التي تعيد له أنفاسه بعد ان خلع أخيها قلبه عن جداره وكل منهم يظن ان الاخر غدر به .
رواية عودة الذئاب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ميفو السلطان
كانت شجن جالسة، قلبها يئن وجعًا. لم تعد تحتمل، اشتاقت لمن خلع قلبها. لبست ملابسها ونزلت الشارع. اتجهت إلى أحد المحلات واستأذنت الرجل أن تتكلم في التليفون.
مسكت الخط ووقفت جانبًا، وكتبت نمرة براء. أرادت أن تسمع صوته، أرادت أن تتنفس رغم ما تحس به من عار. اتصلت به ومسكت التليفون بكلتا يديها. انفتح الخط وأتاها صوت روى قلبها المدبوح، حتى لو كذبًا. سمعته يرد، كتمت صوتها تسمع صوته، تتخيله معها ودموعها تنهمر.
كان براء يجلس في القصر لتأتيه تلك المكالمة. لم يعلم لماذا شعر بضيق في نفسه، ظل يتساءل من المتصل بلا جدوى. مر عليه أسمر وقال بصوت عالٍ:
“براء، عمك مستنيك، عايز يتكلم في تفاصيل الجواز. ماتتأخرش عليه. عايز تستناني؟ ماشي، إني رايح المكتب.”
كانت شجن تسمعهم على الناحية الأخرى. قفلت مسرعة وخرجت تعدو من المحل، تشهق. تشهق بعنف، أحست أنها ستموت. صعدت على الفور واندفعت لحجرتها بزعر حقيقي.
“خلاص… خلاص… راح كل… كل… حاجة… راحت… خ… خلاص… خلصت… خلصت.”
سقطت أرضًا وتكورت على نفسها، تئن بأنِين صامت موجع القلب.
اتصلت مهره بها، وما إن عرفت الأخيرة أنها مهره، حتى انفجرت في البكاء.
صرخت مهره، صوتها يحمل خليطًا من القهر والغضب:
“إنتِ بتعيّطي على إيه؟! ده زبالة… وراح!”
كانت شجن تنتحب بحرقة، تتنفس كأن الهواء يخونها، يخنقها. وارتجفت كلماتها المرتبكة:
“مهره… من… من فضلك، أنا… أنا بموت… حاسة إن هيجرالي حاجة!”
صرخت مهره بقوة، بقلب موجوع لا يحتمل:
“ده واحد واطي! البلد مقلوبة عشان هيتجوز بنت عمه… متفقين وبيعدّوا للجواز!”
“خلاص يا مهره هيتجوز، امال جاي ليه لنديم ليه؟”
“انت ليكي عين تسألي عليه؟ هيتجوز بنت جابر، وجابر ماشي يقول براء هيكلف وهيجيب وهيعمل فرح، البلد كلها تحلف بيه. انما انت جاي ياخدك في الدرا. يرمي لأخوكي قرشين. حسبي الله فيهم. جابك منين يا زِفْتَة؟! يا دي المصيبة!”
انفجرت شجن في بكاء أكثر، ولم تعد قادرة على النطق. فهدأت مهره، خوفًا على أختها، وانكسر صوتها قليلًا:
“طب يا شجن، إحنا خلاص… قربت أخلّص وهاجي. أنا عارفة إنك تعبانة… جايلك يا حبيبتي.”
قالت شجن وهي تشهق، تتقطّع أنفاسها بين الكلمات:
“ما… ما تسيبنيش يا مهره، أنا حاسة إن قلبي بيتقطّع.”
صرخت مهره، فجأة، كأنها طُعنت في روحها:
“إنتِ حبّيتيه… يا زِفْتة؟!”
انفجرت شجن في بكاء أشد، لتشعر مهره بوجع أختها. وجع كان يسكنها هي أيضًا، لكنها كانت تحاربه في صمت. فهي تُصارع مشاعر عنيفة، تولدت داخلها تجاه الأسمر، مشاعر تخشى الاعتراف بها، فخنقتها داخل صدرها. وهتفت بصوت حنون مشروخ:
“شجن… اهدِي، أنا جنبك، ومعاكي يا حبيبتي… وبكره هكون عندك.”
“مهره أنا خايفة من نديم… أنا أنا….”
تنهدت مهره: “اهدي، أنا جنبك، جايالك يا قلب أختك.”
أغلقت الخط، وجلست بين حطامها، حطام قلبين تُحبهما بصدق، قلب أختها… وقلبها الذي يُداري جرحًا لا يراه أحد. تشعر بنيرانٍ داخلها. وقفت مهزوزة، تتأرجح كما تتأرجح شمعة في مهب الريح. لم تعد قادرة، فمدّت يدها، وكسرت الزجاج بيدها، كأنها تكسر صمتًا طويلًا يسكن صدرها.
كانت تريد أن تتألم، أن تُحدث لنفسها وجعًا حقيقيًا، لعلّه يُبرر ما لا يُبرر، ويمنحها سببًا تصرخ من أجله. وقفت وسندت على الحائط، تخبط رأسها كمن يحاول أن يُفرغ روحه من بركانٍ لا يخمد. نظرت حولها، وخلعت حذاءها، ثم تهالكت كزهرة ذابلة أسلمت أوراقها للريح. أحسّت بدوار، وكأن الأرض تدور بها، والألم يُمزّق أوتار عقلها. شدة الأعصاب تكاد تذبحها من الوريد، وتُفجر شرايينها كأنها خيوط حريرٍ شُدّت حد الانفجار.
لم تكن تظن أن حياتهم ستنقلب إلى تعاسة، بسبب ما دخلوا فيه.
“يا ترى، يا مهره، لسه فيه وجع أكتر من كده؟”
وضعت يدها على قلبها، كأنها تحاول تهدئة وحشٍ هائج بين ضلوعها، ثم تمتمت:
“ما عادش فيه مكان للوجع… ما عادش…”
قامت مهتاجة، كما تقوم العاصفة، وظلت تصرخ وتكسر في المكتب:
“ليه ليه… ليه يا جدي ليه؟ الفلوس تساوي كل ده؟ عملنا لك إيه؟ ليه يا رب؟ كان ابنه زيهم، اختار اتنين ومات قصادها كام؟ موت عيلة أب وأم وعيال.”
تهالكت بقهر:
“عيال… ما كانوش عيال، عمرهم ما كانوا عيال.”
كانت تهذي وترتعش:
“خلاص… خلاص… كفاية قوي قصتهم. همشي! هنمشي ونختفي وننساهم! ننساهم؟ أيوه، هننسى! هناخد حقنا… وننسى!”
“أنا ما عدتش عارفة أتنفس، قلبي بينعصر، كأنه بيتعصر بإيد حديد ما بترحمَش… لازم نخلص، لازم نرتاح. ننسي… لازم ننسي…”
ظلت تكرر تلك الكلمة لعلها تحس بها، ولكن هيهات.
أغمضت عينيها بقهر، ومرت أمام عينيها ذكرى مبللة بالحلم والمرارة. تذكّرت حين اشترى لها أسمر الفساتين، وأجبرها أن تلبسها كعروسٍ حالمة، ولكنها كانت للعرض، لا للفرح. تذكّرت ذلك اليوم… بجماله الكاذب، ووجعه الساكن في ثناياه.
لم تستطع أن تتنفس، اندفعت إلى الخارج متناسية حذاءها، تفرّ كأنما تهرب من جدران قلبها. وفي ذلك الوقت، كان “أسمر” يخرج من مكتبه، فلمحها بتلك الحالة، تشبه غزالة مذعورة وسط غابة من الذئاب. لكنها اختفت من أمامه كطيفٍ خاطف. نزل مسرعًا ملهوفًا خلفها يبحث عنها.
كانت تعدو باتجاه النيل، واندفعت كالرمح، تعدو دون حذاء، حافية كأنها تُعلن تخلّيها عن كل شيء. خلعت الباروكة، رمتها بعنف، واندفعت تسرع، وشعرها يتساقط على وجهها كشلالات من الذكريات. أما هو، فقد ركب العربة واندفع يبحث عنها، يطارد ظلّها كمن يبحث عن روحه التائهة.
لمحها تعدو. أوقف العربة، وذهب إليها مسرعًا، فوجدها تتهالك على أحد المقاعد، تنهج بشدة، منهكة، جسدها ينهار كأنما فقد كل قواه. اقترب منها بلين، وضع يده على كتفها، وهمس بخوفٍ يكاد يُسمع من رجفة صوته:
“مهره… إنتِ كويسة؟”
تجمّدت هي، واستدارت كأنها اصطدمت بالماضي، لم تكن تتمنى في ذلك الوقت أن تراه، فهي عارية من قوتها، منهارة كأنها مدينة بعد زلزال أجهز على ما فيها. اقترب منها، ومسكها، فهبت صارخة، كأنها تنزف من روحها:
“ابعد عني بقى! ابعدوا! إنتو إيه؟ عايزين مننا إيه؟ تموتونا؟ ما إحنا ميّتين يا أخي! إحنا متنا… بقينا جثث بتتنفّس! بتخططوا لإيه؟ ابعدوا بقى! ابعدوا!”
ودفعته بعنف، واندفعت تعدو، ولكن خطواتها خانتها، فسقطت مغشيًا عليها، كدمية أنهكها من يتلاعب بها. اندفع، وحملها على الفور، قلبه يسبق خطواته، أخذها إلى العربة، وذهب بها إلى إحدى استراحاته، بعيدًا عن أعين العالم. وضعها على الفراش، وجلس يتأملها، يحاول أن يفهم ما بها، لكن الألم لا يُفسَّر. جلس بجوارها. ابتسم بحنان، مد يده وأخرج دبله براقة، ومسك يدها، قبلها، ووضعها بها. أحس برجفة داخله، نشوة امتلاك غير عادية. همس:
“دي بداية بس.”
بدأت هي تفيق، فتحت عيونها، وجدته ينظر إليها، فهبت تنظر حولها، وصرخت بكل ما في صدرها من صدمة:
“إنت جايبني فين؟! إنت إزاي تجيبني هنا وتنيمني على سريرك؟!”
تنهد، وردّ بسخرية لاذعة تُخفي ارتباكه:
“يعني كنت نايم جنبك؟! ما تهدي، بيكي إيه؟”
صرخت:
“ما بيش! ما بيش!”
واندفعت تخرج، ذهب وراءها، يحاول أن يهدأها، لكنّها كانت كريحٍ هائجة لا يُهدئها شيء. كان قد قفل الباب خوفًا عليها. ظلت تصرخ وتكسر:
“خرجني من هنا! مش عايزة أشوف وشك! مش عايزة بقى يا أخي! مش قادرة!”
هدر بجمود:
“مش هتخرجي… حالتك صعبة، اهدي.”
اهتاجت وبدأت تكسر ما حوله، صارخة وهو يتأملها بجمود، يتركها تفرغ ما بداخلها. إلى أن توقفت فجأة. رأت أسفل المنضدة ذلك الحذاء، حذاءها، الذي كانت ترتديه مع الفستان. اقتربت منه، نزلت على الأرض تمسكه، وهو ينظر إليها وقلبه يخفق كمن سقط من هاوية. شدت الحذاء بعنف، حذاء السندريلا. ولكنّه حذاء أسود بطعم المرار. مرار المهره. بدأت تصرخ وتضرب الحذاء بعنف:
“ده يُترَمي! ده يُترَمي! سايبه معاك ليه؟! ده مالوش مكان…”
بهت من حالتها، اندفع واحتضنها، يحتضن الحطام، يلملم أشلاءه:
“اهدي… اهدي…”
بدأت تتهاوى بين يديه، أخذها وأجلسها، مرت اللحظات كأنها دهور، وهي منهكة، متعبة، ضائعة. جلست ساهمة، وبدأت دموعها تنهمر، كأنها تطفئ نارًا أشعلها العمر كله. تمتمت بمرارة:
“بكره تعرف إن ده مش ليا… بكره تعرف إن مهره… مالهاش ده، مالهاش…”
تنهد ومسكها بلين:
“اهدي، والله خلاص. تعالي بس اهدي أكده.”
مسكها وذهب بها للحمام، يرطب وجهها بحنان، يعاملها كأميرة برقة غير معهودة منه. انتهى وأخذها، جلست لفترة تركن على الكنبة، وهو بجوارها لا ينطق، ولكن حضوره طاغٍ عليها، يوجعها. قامت مرة واحدة، فتأرجحت كأنها ورقة تسقط من شجرة يابسة. شدّها، وأخذها بأحضانه، اندفع يحيطها كمن يحاول أن يُلملم انكسارها، فانهارت، وركنت على صدره، ظلت تبكي بصمتٍ موجع. رفعت يدها، تتمنى أن تحاوطه، أن تحتفظ به للحظة. كانت تعلم أن هذا آخر قرب، نهاية لنبضٍ لن يعود، نهاية لحبٍ ولد واندفن في اللحظة ذاتها. نهاية دنيا حلمت أن تعيش فيها.
ركنت على صدر “الأسمر”، الذي بعد أن تختفي، سيتحول إلى نار تحرقهم. ذلك الصدر الذي يضمّها الآن، سيصبح جمرًا تنتظر لسعته. ظلت هكذا لفترة، عقلها يصمت، تودّع دنيا تمنّتها، تودّع صدرًا لن يحتضنها بعد اليوم. ولكن صدرًا سيمتلئ غلاً قادمًا كهشيم نار مستعر. ضغطت برأسها على صدره وغرزت بأظافرها، تقام شهقاتها. فحاوطها بشدة، وكأنّه يحاول أن يحتفظ بها داخله. شعر أن بها شيئًا كبيرًا، جرحًا أعمق من أن يُقال. لم يستطع أن ينطق، فالكلمات تاهت في حضرة ذلك الوجع.
مرّ الوقت، تشدّدت هي، قامت، وقفت تنظر بعيدًا، لا تقوى أن تنظر إليه.
قالت بهدوء موجع:
“أنا آسفة…”
قطب جبينه، تنهدت:
“تعبتك… عن إذنك…”
اندفع نحوها، لكنها رفعت يدها، تمنعه برجاء مهزوز:
“أرجوك، بجد… فعلاً مش قادرة، عايزة أبقى لوحدي.”
تنهد بوجع يكسر القلوب:
“مهره… إنتِ عمرك ما هتبقي لوحدك، خلاص. انتِ ما تعرفيش حاجة. انتِ اتربطي بيا، عمرك… أي حاجة بينا هتروح.”
أحنت رأسها بوجعٍ لا يُحتمل، تمتمت بنبرات تعلن انتهاء قصتها:
“بكره تعرف… وتفهم رغبتي، يا أسمر بيه. بكره هيبقى فيه سور.. جبل.. سد منيع، ساعتها مش هتقول كده.”
واستدارت في سُكات، وخرجت من الباب. شدت الباب برفق، تمنت لو تضع ألف باب بينهم. لعلّها تُخرس قلبها، بين ضلوعها. خرجت “مهره” من الباب، ببطءٍ يكاد يكون وقوفًا. كأنها مكبّلة نفسها بحجارة، وكأن كل خطوة كانت معركة عاتية. معركتها مع نفسها تتنصل من حلمها. صوت الباب خلفها يُغلق، فارتعشت كتفيها دون أن تلتفت. كأنها سمعت صوت قلبها بيتهشم من داخلها. الهواء بارد حولها، أهو إحساسها أم ماذا؟ زحف البرود لداخلها. وجع في نظرتها، وانكسار في هيئتها. همس داخلي أنين حارق بصوت المهره:
“أنا خرجت… بس قلبي لسه جوّا، محبوس… أنا مشيت، بس رجليّ بتسحبني للورا، كأن الوجع لسه ماسكني من ضهري… كأني لابسة حزن مش عايز يقلعني.”
“مش مسموح أتلفت تاني وأرجع خلاص…” همت أن تسير، أحست بأنين، تراجعت خطوة ولمست الباب بظهرها لآخر مرة. ثم شدت جسدها ورفعت هامتها وأكملت طريقها. طريق الذئاب.
نزلت هائمة، ظلت تسير في الظلمة، لا تعرف أهي ظلمة حياتها أم قلبها. وقفت تحت عمود نور، ضوءه خافت، يشبه روحها. رفعت وشها للسماء، لكن السما كانت كاحلة، كأيامها القادمة. مدّت يدها للفراغ، كأنها بتودّع قصتها. قصة ما جاتش، حد ما حضنهاش، حد ما وقفش في ضهرها وقت ما وقعت.
“كل حاجة راحت… روحي بردت، أنا مين؟ ومين لسه فاضل مني؟”
نزلت دمعة، سابت أثرها على خدّها، بس هي ما مسحتهاش. خلّتها تنزل برحتها، يمكن الدمع يقول اللي محبوس جوا معرفش يقوله. قعدت على طرف الرصيف، خدت نفسها بصعوبة، ضمّت ركبتيها، وسندت راسها، وعيونها ساهمة بالأرض، كمن تاهت مع نفسها، تهذي:
“كان نفسي أعيش… مش أستحمل بس، كان نفسي أتهنّى، مش أعدّ وجعي وبس… أنا ما كنتش عايزة كتير.. كنت عايزة أقل من القليل. بس الظلم بيطلب منّا نضحي بكتير… أوي.”
لفّت نفسها بذراعيها، مش عشان تدفا… لكن عشان تحسّ إن لسه فيه حضن، حتى لو حضنها لنفسها. الصوت يتلاشى على همستها الأخيرة:
“أنا مهره… اللي اتكسرت، ومحدش لحّقها… ولا حتى هي لحّقت نفسها.”
“أنا الوحيدة طول عمري. أنا… أنا… أنا اللي اندفنت حية بختم النار.”
لقطة وحيدة، تحت نور ضعيف، في شارع فاضي، والدنيا ساكنة… إلا قلبي يضج بضجيج عاتي. لقطة تلخص مجلدات، تلخص ظلم مجسد نهش قلوبهم.
كانت تظن أنها بمفردها، ولكن لكل مهره حامي، فارسها الذي يعلم متى يرحل ومتى يكون في الضهر، حتى لو من بعيد. إنه الأسمر يقف في الظل، يراقب من بعيد، وبداخله ألف تساؤل. يديه في جيبه يستشعر بعض الدفء، لكن قلبه ليس بداخله. قلبه عند جميلته التي تجلس وحيدة، شارده في الأرض. اللغز اللي عمره ما فهمه. صفحة فيها ألف كلمة، بس ما فيش كلمة مفهومة. تنفس ببطء… لكنه بداخله… غرق عميق. يريد أن يتعلق بمن ملكت قلبه. ولكن هناك سد منيع حولها لا يفهمه.
وبصوت خافت، متكسر:
“هي بتعيط ليه؟ وبتوجع كده من إيه؟ أنا السبب؟ ولا الدنيا هي اللي خدت روحها ودهستها؟ دي مهره… القوية بيها إيه؟ بتبكي… ومش عايزة حد يشوف، بس أنا شايف… وشايف قلبي بيتهز قدام دموعها.”
اقترب خطوة… لكنه تراجع. كأن قلبه بيقوله: “روح.. امشي”. بس روحه مش قادرة تسيبها.
“هي موجوعة… من جواها زيي، بس الفرق… إن أنا ساكت، وهي بتنزف بصوت مخنوق.”
يتنفس بقهر، يشد نفس طويل كأن نفسه الأخير، يغمض عينيه… ويقول همس:
“أنا مش عارف أرجعها لنفسها… يا ترى فيه إيه؟ بس بعد ده كله برضه.. انتِ بتاعتي مهما بنيتي وعليتي.”
******
في قصر أبو الدهب…
الجد جالس على الكرسي الكبير، ضهره متقوّس، ووشه باين عليه الوجع. يده تتحرك ببطء على عصاه، كأنه بيحسب بيها ما بداخله من هم. دخل شاب غريب، ما حدش يعرفه، ملامحه هادية لكن عينه فيها غرض. وقف قدام “جابر”، اللي كان واقف ورا الجد، داير ضهره ومتكبر كعادته. قال الشاب بصوت رخيم:
“رسالة وصلت مخصوص، تتسلم لإيد جابر أبو الدهب… بس الجد لازم يسمعها.”
الجَد ارتعش، بص له بنظرة فيها خوف، كأنه حاسس الرسالة دي هتفتح باب كان مقفول من سنين. جابر شد الرسالة من يد الشاب، فتحها بإيده بلا مبالاة… لكن الحروف اللي جواها ما كانتش حبر… كانت نار تجمد الأوصال. بدأ يقرأ بصوت مسموع، وبهدوء مرعب:
إلى ابن “أبو الدهب”
أتيتك من بعيييد.. من حيث لا تتوقع، ومن بين الظلال التي حسبتها صامتة… تصلك كلماتي.
من شخص ظننته مات في حفرته لكنه عاد. من شخص أكله الزمن بأكلك له.
جئتك بنصيحة ذئب لعلها تعطيك درسًا كضربة تعيدك للوراء: إذا حفرت حفرة لغيرك، فاحفرها عميقة، مظلمة، بلا مخرج… لأنك إن تركت فيها ثغرة، ولو بحجم زفرة، ونجا منها خصمك… فلن يُسقطك فيها فقط، بل سيهال عليك ترابها ويدفنك فيها حيًا بضحكة المنتصر.
اعتقدت أننا نسينا.. غفلنا عن وجهك القبيح. تأتي إلينا بالقبيح تجدنا أقبح. نرد عليك بما لا يحتمله قبحك.
تظن أنك تملك الجمال والهيبة؟ ونحن من نصنع فتنة الجمال في ليل صراع بدأناه.
اصبر والصبر حنظل حتى ترى ما تفعله أيدينا بالجمال حين يكون بها سلاح الذئاب.
لكن لا عجب… فمن لا يعرف النور، لا يراه حتى لو أحرق عينيه.
اعلم أن الطوفان قادم… نحن نورٌ لمن اهتدى، ونارٌ لمن اعتدي.
الذئاب لا تنام… بل ترصد.
والابتسامات التي تراها حولك… ليست سلامًا، بل أنيابٌ تُخبّأ خلف الشفاه.
أتيناك مبتسمين و لففنا حولك حبال الجحيم.
فلا تخدعك الزينة، والأشكال المستعارة ولا تُسكر قلبك الكلمات الناعمة… فالسكين دومًا أنعم ملمسًا قبل أن يغرس في ضحيتها.
تعلم الدرس يا ابن أبو الدهب… الثقة لا تُمنح، بل تُنتزع… ولا تُمنح إلا لمن نعرف صمته قبل صوته.
أما أنت… فكنتَ عابرًا. وستُعامل كالعابرين. وثقت غصبًا بما هم لا أهل ثقة وستكافأ على ذلك.
انتظر يابن أبو الدهب.. انتظر طوفانًا هادرًا سيقضي على الأخضر واليابس. نعلم أن لا عندك أخضر. ولا تعلم إلا لون واحد.. الأسود الذي يشبه سواد قلبك.
أتاك الرد والكف والختم. أتاك من حيث لا تحتسب. انتظر بأعين مفتوحة كذئب مغدور… ولكنه غُدر من ذئب قُد من نار. نار خرجت من بين يدك.
ولا تظن أني أعود لأحاور…. أنا أعود لأُنهي ما بدأتموه بخسة. وأُعيد الميزان بدم ما نُسي. إن كنت تظن أن الذئاب تنسى. فانتظر ستعرف…………. أن الذئب لا يعود إلا لينهش قلب من خان القطيع.
هذه رسالة من دخان فقط.. انتظر قريبًا رسالة من نار. نار كهشيم ستثري حولك وتضع ختمها على يدك.
سلامٌ عليك… إن كنت تعرف للسلام طعمًا.
إمضاء:
“ذئب”
……………
يُعدّ لك أنيابه. ذئب لم يمت بل تربى في صمت وخذلان….. وعاد………” ليعلمكم الصراخ.”””
سكت جابر لحظة بعد ما انتهى من قراءة الرسالة… صمت قاتل ساد القاعة، حتى من صوت عقرب الساعة. الورقة وقعت من يد جابر، ليست ضعفًا ولكن لسعة، كأنها تحولت لجمر، صعب يمسكه. جابر فجأة شد الورقة، كرمشها بعنف، ورماها في الأرض وصرخ بعلو صوته:
“صوت إلهي نصوت عليك يا بعيد.. رسالة عظيمة يا ديمو.. بحبه الواد ده.”
رواية عودة الذئاب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ميفو السلطان
هاج جابر ووقف يصرخ:
– مين الكلب اللي يتجرأ يبعتلي تهديد في بيت أبو الدهب؟!
– مين اللي فاكر نفسه دكر عليا؟!
– ده يدخل بيتنا زي الحرامي ويبعت ورج؟!
– أنا هشرب من دمه!!
– سكت كتير وجولت عيل صايع فاقد انما اكده عيني عينه وبيشتم ويجلةادبه ..
– مين ده احنا مابيناش عداوه مع حد
إيده ضربت على سطح المكتب بقوة، كسر أحد الأكواب البلوريه، وتناثر الزجاج على الأرض، كأن المشهد يعلن بداية عاصفة هوجاء.
الجد كان جالسًا، ملامحه جامدة… لكن صوته الداخلي كان بيصرخ.
عنيّه دامعة، بص لفاضي الكرسي المقابل… كأنه شايف حد من زمان.
شايف عامر قاعد بيبص عليه ونظره الأسى تحاوطه …
وشايف الذنب اللي عمره ما فارقه.
جابر قرب من الجد، وهدر بفحيح:
– سُاكت ليه؟!
– ده فاكر نفسه مين؟
– بيتكلم كإنه يعرفنا… وبيقول حاجات عن التراب والحفر والدفن!!
الجد عض شفايفه، وشال عينه من على الأرض بالعافية…
صوته كان مبحوح، مرتجف:
– يا جابر… الله اعلم باللي جاي.
جابر صرخ:
– لا، ماهسيبهاش اكده للظروف واسكت ..
– أنا عايز أعرف إيه اللي بيحصل؟
الجد سكت، بس قلبه ما سكتش.
كل نبضة فيه كانت بتفكره بولده "عامر"، اللي اندفن مقهور، وبابنه الطفل… اللي عيونه شافت أكتر من اللازم.
الطفلة اللي الحرق معلم في قلبها قبل جلدها.
دمعة سقطت من عين الجد، لكنه مسحها سريعا…
قال بصوت واطي، مكسور:
– شكله جاي نار وطوفان.
جابر اتجنن:
– مين؟
– نار ايه من مين؟!
– أنا ابن أبو الدهب!
– مفيش حد يهددني واسيبه يعيش!!
– أنا هعرف مين ده… وهخلي اسمه لعنة يتحكي بيها للخراب!
لكن الجد بص له نظرة فيها كل الحزن، كل الندم، وقال بكلمة واحدة:
– ما تلعبش مع الديابه ..
– بكفياك بقه اسكت وخلينا ندعي الله يجيب العواقب سليمه …
جابر وقّف… اتجمد.
لأول مرة حس إن جواه حاجة اتكسرت… مش من الخوف،
لكن من إن اللي قدامه… عارف، ومش ناوي يحكي.
جابر عض شفته، وكتم الغضب ف صدره، لكن عينه ما خدتش من الرسالة إلا سطر واحد…
"الذئب راجع."
ساب الورقة على المكتب، وطلع من الغرفة بخطى بطيئة، لكن كل خطوة فيها وعيد.
خرج من الغرفة، صرخ بأمر:
– هاتولي كل الرجالة… الليلة دي مش هتعدي… إلا و’ نعرفه ونعرف مكانه… ونعرف ازاي ندفنه من جديد!
اتكئ الجد على عصاه، وبص على باب القاعة، وهمس لنفسه:
– ماحدش يقدر يدفن الديب مرتين… إلا لو كان غبي وعويل كيف مانت دايما .
دخل مأمون، صديق الجد، عليه متعجبًا:
– إيه يا عمران ايه الهيصه دي وجابر مجومها حريجه ؟
– وبعدين ليك كام يوم مع المحامي ومش عايز تعرّفني؟ فيه إيه؟!
تنهد الجد بحزن عميق، كأن الأيام كلها جثمت على صدره:
– أعرّفك؟ دا اللي عرفته يشيب يا مأمون… دا جاي طوفان، طوفان ما حدش هيجدر عليه.
– إني عايش رُعب، رُعب ما حدش حاسس بيه غيري.
هتف مأمون، وصوته يتسلل فيه القلق:
– فيه إيه طيب؟
صرخ الجد، وقد خرج الصوت من أعماق قلبه المشتعل:
– فيه إيه؟! فيه طين! فيه ربنا هيحدف على عيلة أبو الدهب مَرار ودمار!
– فيه ولاد عم هينهشّوا في بعض… وكل واحد، اللي يِجطع وينسِل، يلحَج ويطول!
– فيه … فيه ناس مالهاش ذنب، هتدفع تمن ذنب الفاجر.
– فيه رد حُجوج، وفيه جصاص من الظالم…
– بس الخوف، كل الخوف، ليكون الجصاص دم، يا مأمون… دم!
بهت مأمون، وقال بذهول:
– دم؟! دم إيه دا؟
نزلت دموع عمران، ثقيلة، كأنها تسيل من جرح مفتوح لا يندمل:
– دم الغالي… اللي عايز ياخد دم الرخيص.
– دم نسل أبو الدهب… اللي هيتوه في بعضه.
– جالك الجَهَر بالكوم، يا عمران!
هنا نظر مأمون إليه بقلق، وقال مستغربًا:
– انت عرفت حاجه، يا عمران، ومخبّيها عليّا؟
قال عمران بوجع، كأن الحروف تُقطّع روحه:
– عرفت… آه، عرفت! عرفت إن فيه حاجه واعرة جاية…
– بس إيه؟ ماخابرش.
– لاح الخراب من الرسايل اللي بتيجي بالكوم...
– ربنا بعَت كتير، بعَت كتير يا مأمون…
– هحوشهم عن بعض إزاي؟!..
– يا مرارك، يا عمران!
– الحنضل ملا خاشمك وماعارف تنطُج!
– منك لله يا جابر… منك لله!
– انت السبب… انت السبب!
وفي لحظة قاتلة… دخل جابر مره اخري على أبيه، فصرخ بعنف:
– هو انت؟! مافيش فيك فايده؟!
– اني في حزن وسواد وتهديد و لِساتك بتِنحّ على الحرامي جوز الغازيّة؟!
صرخ الأب، تنهشه الحسرة، والخذلان في عينيه:
– منك لله… منك لله يا ولدي!
– انت السبب… ابني كان طيب، وأنا اللي سمعتلك، ووثجت فيك.
– انت شر! انت وامك! انتو اللي خططتوا!
– ماعتش هسكتلك إيه فجرك ده؟ هيسرِج؟ ليه؟ جولي!
– ابني كان حافظ كتاب ربنا، يا جاحد!
– انت هتكدب وتصدج كدبتك النجسه.
– إني كان عَجلي فين؟! ولدي ماعملش حاجه!
– حسبي الله ونعم الوكيل.
– يعاود يعاود ياخد حجه ..
صرخ جابر، غاضبًا، ممتلئًا بالحقد:
– بَرْضَك بتعيد وتزيد؟!
– طب يا أبوي، عامر حرامي و لو عاوِد… هِجتله!
– وهِجتِل نسله! فاهم؟!
– مش على آخر الزمن حالنا ومالنا يروح لولاد الغازية والحرامي!
– اعرف… إني هِجطع خبره ونسله لو ظهروا!
ثم خرج ورزع الباب، كأن الرعد انفجر في صدر البيت…
وقف عمران، ينظر إليه مذهولًا:
– لأه يا جابر… مالِك هو اللي هيروح، وبُكره يتاخد جَلبك بسبب اللي انظلم.
– ربّك هياخد حُجته بمعرفته..
– دانت جايلك حزن اكوام من يدك .
– قابل بقه الليى هيجرالك.
– وآخرها، أخش أداوي المجروح، ماليش حيل إلا أكده…
ثم جلس، مُنكسر الظهر، ينتظر المصائب التي يعلم أنها ستحلّ.
*****
كان نديم جالسا والغضب ينهشه…
بيتكلم مع نفسه كإنه بيحاكمها:
– أنا كده خلاص.. أضرب ضربتي وأعلّم عليهم ونخلص.
– مش هاسيب تخطيط السنين يروح هدر!
– أنا اتوجعت كفاية!
كان بيلف ف المكان زي التايه، نار جواه مش سايباه يهدى.
دلفت وجد في اللحظه دي …
رأته مشتعِل، انقبض قلبها .. مش نديم اللي تعرفه، ده نديم تاني!
كانت من آخر مرة قررت:
– أنا مش هسيبه، مش هسيب اللي بحبه يضيع مني، حتى لو واجهت نار طبعه وصمته القاسي، هتحمّل… لحد ما يعترف!
قربت منه وهمست بلين:
– فيه إيه؟
ما نطقش. ولا رد عليها..
فمسكت يده، وسحبته برفق على الكنبة.
جلست بجواره، تمسد عليه بحنان كأنه طفل موجوع.
همست تاني:
– فيك إيه؟ مالك عامل كده ليه؟
رفع عيونه فيها… عيون كانت تلمع مش بالدموع. بالوجع .
قال بصوت مش صوته:
– حاسس إني هنجّلِط… حاسس إني هموت يا وجد!
– حاسس كإن فيّ سكاكين بتقطعني من جوه… إن الدنيا اتخلقت بس علشاني أتوجع فيها!
– من يوم ما وعيت، وأنا بتغرز، والطعنات في ضهري بتزيد!
– أنا هتجنن يا وجد… ليه؟
– عملت إيه؟! علشان باخد حقي؟ علشان برجع كرامتي؟
– ليه الغِلّ ده؟
– أنا عايز أصرخ… أصرخ لحد ما روحي تطلع!
وفجأة قام وابتدى يكسر كل حاجة حواليه ويصرخ:
– ليه؟! ليه؟!
– اتحملت كتير، شايل جبال فوق قلبي…
– والله يا رب مش قادر!
اندفعت نحوه ، تحتضنه بكل قوتها:
– بـطّل… والنبي بطّل!
– خلاص يا نديم، إهدا، هيجرالك حاجة!
احنى برأسه على راسها، كأنه وجد ضهرا يسند عليه، كأنها الحضن الوحيد الباقي له في هذه الدنيا.
جلس متهالك، نَفسه مقطوع،
قربت منه، شدّت على إيده، وقالت:
– نديم… كل حاجة هتتحل. بس بلاش تسلم قلبك للسواد .
– أنا معاااك، بطّل كده.
صرخ بقهر:
– مفيش حاجة هتتحل!
– أختي بتحدف عليّا مصايب… كل يوم مصيبة!
– ده مش بلاء، ده ابتلاء ورا ابتلاء!
قالت برقة:
– قول الحمد لله إنك بخير، واللي حواليك بخير.
– وان فيه ناس بتحبك
صرخ:
– بـحمده، والله بحمده!
– بس قلبي هينفجر من الوجع .. أنا هموت يا وجد!
قالت وهي بتمسك قلبها :
– طب قولي! قول إيه فيه؟
صرخ وصوته زي الطلقة:
– اللي فيه… جوايا نار . قررت آخد حقي، وأوجّع قلوبهم، وأعلّم عليهم…
– اللي خَد حقي، هيتوجع.
– أنا قلبي ماعادش قلب… بقى نار.
– أنا نديم، هرُكّعهم، ومش هرحم حد!
شهقت وقالت بخوف:
– لااا! بطل، أنت مش كده!
– نديم، انت بقيت شبه أبويا وولاد عمي!
– والنبي ارجع طيب، وانسى الوجع، ارجع نديم اللي عرفته اللي قلبه بيحس أنا هكون جنبك وهفضل جنبك…
صرخ بغضب:
– لأ! نديم اللي جوايا هو اللي هيقف ، هو اللي هياخد حقه بإيده .
– نديم بنفسه هيقف جنب نفسه!
– وهيعرف يخلع قلوب اللي كسروا قلبه!
اتسعت عيونها بالخوف، وقربت ووضعت يدها علي صدره ،
– لا… انت مش كده.
– بص جوا نفسك .. انت جواك خير.
– فيك حنيه وقلب كبير انا شفتهم فيك الانتقام مش دايم القلب لو مات مفيش حاجه ترجعه …
– بصلي، يا نديم… بصلي!
أغمض عيونه بعند، كأنه بيهرب من النور اللي فيها.
قالت بقوة:
– بصلي… بقولك!
رفع وجهه اليها، قربت منه، ولمست وشه بحنان، وقالت:
– أوعي… أوعي يا نديم تتحول لوحش.
– أنا شفت ناس قلبها ميت… بس انت غير!
– … الحل في إنك تداوي قلبك، مش تزوّده وجع!
عينها كانت دامعة، بس حبها طالع منها زي النور.
هدأ شوية… قرب منها… يحس إنها نصفه الاخر.
ابتسمت وضمّت يده بين يديها:
– حاسس بإيه دلوقتي؟
– أنا جنبك… وهفضل، حتى لو طلبت أبعد.
تنهد بندم ووجع:
– عمري ما هطلب منك تبعدي… ولا هقدر أصلاً!
– انتي بقيتي الحاجة الوحيدة اللي بتخلّي قلبي يدق.
شدّ على يدها، وقال بهمس:
– سامعة؟ بيدق… لما بتبعدي … ببقى مش أنا، ببقى وحش!
ابتسمت ودموعها بتنزل:
– وأنا عمري ما هسيبك، ولا اقدر ..
لف وشه عنها لحظة، مسك شعره بعصبية، صوته طالع مبحوح من نار قلبه:
قرب منها، وعينه فيها وجع مالوش ملامح،
كأنه بيقولها “أنا اللي بحبك” من غير ما ينطق.
قال بصوت خفيض:
– انتي بتفهميني؟
– أنا مشكلتي إنك مش أي حد.
– إنتي لما بتبعدي، أنا بتهد… ولما بتقربي، بحس إن فيّ حاجة بتتصلّح جوايا كل كسر السنين انت بتتصلحيه .
قرب أكتر، مسك طرف إيدها بأطراف صوابعه:
– انتي متعرفيش وجودك بيعمل فيّا إيه.
– كلامك بيلمّ قلبي، وغيابك بيكسره.
– وكل مرة بتقولي فيها إنك جنبّي… أنا ببقى واقف عالحافة، وبرجع بسببك.
رجع خطوة، ووشه متقطع بين الغضب والحيرة:
– بس أنا ما اقدرش اطلب منك حاجة انا انا ……
وضع يده علي قلبه ونظر لها، وبعينه سؤال مش منطوق حبه جواه محبوس ومخنوق .
في اللحظة دي، وجد كانت تنظر له بدموع عينيها، حاسّة بكلامه اللي ما اتقالش، شايفة الحب اللي مستخبي ورا وجعه، بتحس بقلبه وهو بيصرخ من غير ما ينطق كلمة “بحبك”
وجد فضلت ساكتة لحظة، ووشها اتغير…
دموعها نزلت من غير صوت، كأنها أخيرًا سمعت اللي كانت مستنياه من سنين، مش “بحبك” بالحروف… لكن نبضها عرفها إنها اتقالت بالعيون.
قربت منه، وعيونها في عيونه، وهمست بنبرة هادية لكن وجعها واضح:
– علي فكره انا “شايفاااك من جوا وحاسه بكل حاجه …من أول يوم شفتك فيه وأنا شايفاك.”
مدت إيدها ومسكت وشه، بصتله نظرة فيها حنية الدنيا وخوف العمر:
– شايفا وجعك، وشايفا خوفك، بس كمان… شايفا اللي متقالش.
– شايفا اللي جواك حتى وانت بتخبيه عني.
قربت أكتر، وقالت وهي بتلمس قلبه:
– لو انت متعود تشيل، أنا جايه أشيل ..
– أنا جنبك… حتى لو ما نطقتش ،أنا حاسه والله حاسه…
في اللحظة دي، نديم يحس إن صموده بيتكسر، وإنه لأول مرة بيخاف مش من الوجع… لكن من الحب اللي ما بقاش يقدر يخبيه.
بص لها، وماتكلمش.…
قال بصوت مش هو… :
– في جوايا كلام كتير…بس ساكت…مش علشان ماعنديش، لأ… علشان لو قلته، هخسر كل حاجة، ويمكن أخسرك كمان.
سكت لحظة، وعينه غرقت فيها:
– انتي متخيّلة؟ لما يبقي جواك حاجه عايز تقلها ومش قادر …
– أيوه، مش قادر أقولها، علشان خايف!
نزلت دمعة، مسحها بسرعة كأنه بيخجل منها:
– خايف لو طلّعت اللي في قلبي…يضيع في وسط الدم، يضيع جوّه الانتقام اللي آكلني سنين!
قرب منها خطوة، وبص لها بعمق:
– أنا كل يوم أصحى وأقول: بلاش أحس…
– أنا طريقي نار، وأنا داخل حرب…
– وأنتي مافكيش نار، انتي حته هادية من السما.
اتنهد بوجع وقال:
– انا ماشي على دم، واللي ماشي على الدم ماينفعش يحس يبقي ظالم لغيره.
قرب أكتر، وقال وهمس صادق:
– خايف لو طلع… يضيع في السكة، يضيع في صرخة وجع، ولا في طلقة غدر، ولا في لحظة انتقام تاخدني .
غمض عينه وقال بألم:
– أنا مش خايف أحس، أنا خايف أحس… وأخسر اللي بحس معاه .
فتح عينه عليها، بصوت راجف:
نظرة عيونه بتقول اللي لسانه خاف ينطق بيه:
– أنا بحبك… بس الحرب دي كبيرة، ومفيش فيها مكان لقلوبنا.
وجد كانت واقفة قدامه، عنيها دامعة… بس المرة دي مش بضعف، دي دموع وحدة سمعت “أهو بيحبني”، بس اتقالت بين سطور الوجع.
سكتت لحظة… ثم رفعت راسها، وبصتله بثبات:
– يعني كل اللي جواك… هتدفنه؟
– كل الوجع اللي قلته ده…
قربت منه، والخوف في صوتها كان بيتحوّل لشجاعة:
– خايف؟ ما أنا كمان بخاف… بس عمري ما هخاف منك!
لفت حواليه، وبصت له من الجنب:
– انت شايف إن احساسك لو طلعته ممكن يضيع؟
– طيب وإنت بتضيّعه بإيدك مش ده ضياع؟
– ولا الضياع بس لما تسيب ؟
– الضياع الحقيقي… إنك تمشي وتقتل احساس غيرك نفسه فيه ،… مستنيك تقول كلمه واحدة، ومابتقولهاش.
سكتت لحظة، وعنيها فيه نار، نار خفيفة لكنها بتلسع:
– بس أنا مش ضعيفة،
نظرت له بقوة، همست بصوت هادي لكنه قاطع:
– أنا مش هقولك تعمل ايه خلاص… مش هسهّلها عليك.
– لو فعلاً فيك إحساس زي ما بتقول، قول انت.
وابتعدت خطوتين للخلف، ووقفت بثبات، وقالت وهي بتخفي رجفتها:
– أنا هنا… لو عايز تقول، قول.
– لو عايز تهرب، اهرب.
– بس وقتها… هيكون فات اوان كل حاجة
اللحظة سكتت… والدنيا كلها بقت بين كلمته… وسكوته..
وشه مشدود، وعينه بتراقبها وهي واقفة قدامه بكل ثبات.
حاس بيها… شدّ نفسه، كأنه بيحاول يجمع فتافيت رجولته، بس صوته خرج منه غصب… زي شهقة مكتومة:
– بتطلبي مني أتكلم…؟
– وأنا أصلاً كل يوم بصارع صوتي عشان ماينطقش !
قرب منها ببطء، وعينه عِند قلبها، مش عند عيونها::
– أنا بحاول أخوّفك… يمكن تبعدي، يمكن أرتاح، بس كل مرة بتخافي عليّا، مش مني…
– كل مرة بتبقي سند… وأنا…
بص لها، وصوته اتكسر:
– أنا مش عارف أحس زي البني آدمين…
– عارفه يا وجد شجن اختي .. الصغيره اللي بعاملها بقسوه ببقي نفسي اخدها بحضني واسيبها تعيط من وجعها .
– بقسي عليها مش كره مني لا بقسي عليها عشان تكرهني.
– عشان عارف اني ممكن اموت في اي لحظه غدر ..
– تعبو مني وتعبو من كل حاجه اتحطينا فيها ..
– المفروض ابقي سند وحبيب ليهم مهره قويه او انا خليتها قويه هتتحمل لو جرالي حاجه انما شجن غلبانه اغلب من الغلب ..
– ماعتش بعرف اتعامل معاها من قسوتي عشان لما اروح يبقي بركه يا جامع ..
– احساس يموت انك نفسك تحس وتخلي اللي قدامك يحس وخايف .
– ،خايف لما يحس ويحب ويروح منه ينوجع وانا مش عايز اوجع ..
– كفايه انا ميت كفايه وجعي شايله جبل علي صدري مش عايز حد يحس بيا .
وجد كانت واقفة قدامه، وكل حرف طالع منه زي سهم…
ما قالش “بحبك”، لكن قلبها سمعها… سمعها في رعشة صوته، في ضيق أنفاسه، في ضياعه ما بينها وبين نفسه.
خطت خطوتين ناحيته… .
بصّت له بعيون كلها وجع مدت إيدها… ولمست وشه ببطء، وبعدين نزلت إيدها على صدره… على قلبه.
ضغطت بإيدها عليه وهمست:
– أنا حاسة…
سكتت، كأنها كانت هتقول الكلمة… بس بلعتها عمداً.
سابت الكلمة تموت على طرف لسانها، وسابت وجعه يتولّد مكانها.
شدت نفسها فجأة، وسابت وشه، ولفت ظهرها ليه…
قالت بصوت ناعم بس موجوع:
– بس مش هفضل واقفة هنا، مستنياك تختار تحس … ولا تنتقم.
وقفت لحظة، وقالت وهي لسه مدياله ضهرها:
– أنا مش هاخد خطوة مكانك كفايه لحد كده ،
سكتت… واتنفست ببطء، وبدل ما تقوله أو تمشي… عملت حاجة محدش كان متوقعها.
قربت منه ببطء… وبصت له، وهي بتشد سلسال بسيط حوالين رقبتها، كان فيه مفتاح صغير دايمًا بتلبسه، المفتاح اللي كان رمز لسر، لبيت، لأمان.
خلعته… ومدّته له.
إيده تهزّت… ما مدهاش في الأول.
قال بارتباك:
– إيه ده؟
قالت بهدوء يخوّف:
– ده مفتاح نجدتي يا نديم … أمي سابتلي بيت من ورا ابويا عشان عارفه اد ايه هو جاحد واد ايه هو قاسي عليا .
– دي شقتي يا نديم .
– عارف فين في اكتر مكان بحبه .. علي النيل في الاقصر ..
– شقه فيها امان الدنيا لما كنت بنوجع كنت بروحها ماحدش يعرف عنها حاجه خالص ولا يعرف مكانها .
– فيها امي الوحيده اللي حبتني في الدنيا دي .،روحها جواها يا نديم ..نقت كل حاجه فيها .
– خدها يا نديم .. انت زيي مابتفرحش ولا عايز تفرح ..
– خدهالو جرالي حاجة، إنت الوحيد اللي ليك فيه حق تدخلها.
اتجمد، حس الأرض بتتهز تحت رجليه.
قال بانفعال:
– إنتي بتقولي إيه؟ إنتي ازاي تديني حاجه كده .
مدت المفتاح في إيده… وضعته رغما عنه، وقالت بصوت ناعم زي الحرير… لكنه بيوجع:
– خده… يمكن تحتاجه، لو في يوم خفت من انتقامك وحبيت تحس ..
– انا ابويا خلاص هيموتني ويحدفني لاي حد من ولاد عمي ..
– هعوزها ليه ما خلاص النفس بيروح .
– صدقني.. لاني مت خلاص هدخلها .
– خدها جايز تداويك لما تفتكر انها كانت حلم لحد نفسه يعيش .
سابت المفتاح في إيده وايدها جوه ايده …
نديم وقف، كأنه بيختنق، كأنه شاف في اللحظة دي احتمال إنه يفقدها… مش بس كأنثى، كـ”وِجد” اللي مابقاش ينفع يعيش من غيرها
عينيه فضلت معلّقة عليها وهي بتبعد، كل خطوة بتاخدها كانت بتسرق منه نَفَس، وكل ثانية ساكت فيها… كان قلبه بيصرخ بصوت محدش سامعه غيره.
نادى عليها فجأة، بصوت مش صوته، صوت قلبه الملهوف:
– وجد… استني!
وقفت… ما استدارتش، لكن جسمها اهتز من النداء.
قرب منها بسرعة، مسك إيدها من غير ما يفكر، ولأول مرة… صوته كان راجف، مش غضبان، حنين… ومكسور.
سحبها ناحيته، وشدّها لحد ما وشها بقى قدّام وشه، وقال :
– المفتاح ده؟… أنا هحطه على قلبي، لأن اللي جوّه هنا… هيجي في يوم يفرح بمفتاحك ويفرحك .
**حط المفتاح على صدره، وقال بصوت يشق صدره :
– إوعي تكرريها… إوعي تخليني أحس اني ميت تاني ببعادك ..
اقترب منها وعشقه لاح في عينيه .. أنفاس ثقيلة وقلوب بتدق على مهل، وللحظة… حسّوا إن الدنيا ممكن تقف، إن مافيش حاجة تقدر تهدّ اللي بينهم تاني.
لكن… رنّ تليفون نديم.
ما كانش ناوي يرد، بس النغمة دي… نغمة الخطر.
بصّ في الشاشة، اسم واحد… كفيل يرجّع الدم لعينيه:
“عوض” – رجله اللي في وسط نار عيلة أبو الدهب.
ردّ، وصوته اتبدّل في ثانية:
– أيوه؟!
صوت متقطع، مستعجل:
– اللي كنت مستنيّه حصل، يا نديم…
– وجابر لامم رجاله وبيدور عليا وعليك .
– واسمر دخل في القصه وهننكشف وتبقي نار واختك في خطر …
نديم وقف، وشه تبدّل… ملامحه تشد بوش الانتقام من تاني، إيده اللي كانت مسكها سابت، …
بصّ لها، عينه اتحجّرت، لكن قلبه لسه بيرتجف:
– الحرب بدأت يا وجد… ودلوقتي ماعادش في وِجه تاني.
**
حاولت تمسكه من إيده:
– استنى… متندفعش!
قالها بصوت هادي… لكن كل حرف فيه كان دمه:
– اللي باعني… هركّعه، هشربه حنضل بنفس الكاس .
– خلاص انا يا قاتل يا مقتول ..
– ادي اللي كت خايف منه.
طفح الكيل منها واندفعت وشدته بعنف:
– انت ايه يا اخي مابتحسش فاكرني هسيبك ولو سيبتك هتبقى نسخة من اللي أنا طول عمري بهرب منهم… نسخة من أبويا.”
– الجاحد اللي عايز يرمينيو يجوزني لابن عمي… براء أو… أسمر.”
– كاني كلبه لا تسوي فاكرني هسيبك تبقي زيه .
جحظت عيونه، وشه اتجمّد. تراجع قليلا…
قال بصعوبة:
– مين؟ مين هيجوزك؟
قالت وهي بتبكي …
– يهمك قوي تعرف …
– براء يا نديم … براء ابن عمي سلطان.
تصلب نديم… واتسعت عيونه، و…..
رواية عودة الذئاب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ميفو السلطان
ما إن لفظت "وجد" ما قالت… حتى تجمد في مكانه، وشعر بقلبه ينشطر نصفين، كأن الزمن توقف داخله، وانكمش الكون فجأة في صدره.
اقتربت منه بلين، وهمست بصوت مرتعش:
– بلاش تبقى زيهم، وتجوز أختك غصب عنها يا نديم… ما تعملش زي أبويا!
ابتعد بخطوة مفاجئة، كأنها مست جرحاً نائماً في عمقه، ثم وقف يحاول أن يتحكم في أعصابه، يهتف بتلعثم وغضب مكبوت:
– إنت… إنت أبوكي صاحب شركات! مش محتاج يجوّزك! إنت قولتيلي شركة إيه؟
قالت الكلمة التي شطرت روحه نصفين، وعرّت كل شيء كان يحاول أن ينساه:
– شركة أبو الدهب للاستثمار… وحتى لو مش محتاج، أبويا جاحد… وما بيهموش غير الفلوس و…
كانت تثرثر، بينما هو انسحب من اللحظة، عاد إلى زمن مضى، إلى عمّه، إلى سياط القسوة التي نقشت على ظهره وذاكرته، عاد إلى ساحة القصر، حين وقف، واستدار، وأقسم على الانتقام.
عاد إلى أول الألم… إلى أول الوجع.
كيف تكون هي؟
كيف تكون ابنة جابر؟
كيف تخترق حصنه وتصل إلى عقر داره؟
جابر أبو الدهب… ووجد جابر أبو الدهب.
وضع يده على الندبة في جسده، فشعر بلسعة سلخت قلبه، رجفته، كأنها نبشته من تحت جلده.
"وجد أبو الدهب عندي… وجد بنت جابر."
عقله تصلّب، قلبه تجمد، وشريط حياته مرّ أمام عينيه، يمحو كل عطف، كل ضعف، كل لحظة كانت فيها روحه لينة.
جاء شيطان الانتقام دفعة واحدة، أزاح ما بالنديم من لين وسماحة، أطلّ عليه ببشاعة، لينخر في رأسه، ينهش، يهمس، يصرخ.
نعم، كان مريضاً… مريضاً بداء الانتقام، مصاباً من فرط الجحود.
وعاد نديم، لكنه لم يعد كما كان… عاد بدائرة انتقام جديدة، انتقام يحمل في قلبه تلك الفتاة…
…وجد…
وجد جابر أبو الدهب.
انصرف عقله إلى فكرة واحدة، فانطفأ قلبه الذي خفق ولو للحظة، ولم يكن يدرك تلك التي تمسّدت على يده بحنان، تحاول أن تنتشله من غرقه.
نظر إليها، كانت تمسّه كأنها هدية على طبق من ذهب.
قطّب جبينه، وحدّق في الفراغ…
براء وصل لأختي… طب ودي؟ دي وصلتلي إزاي؟
يكونش!
يكونش ده لعب جابر؟ يكون عارف مخططي وبعت بنته؟
وهو هيمنعه إيه؟ ده راجل بلا أخلاق، بلا شرف.
ولا تكون صدفة؟ صدفة من دهب؟
عقله كان يغلي، يفور، يطحن كل شيء، لكن ليس بينه وبين قلبه… فالقلب خُطف، ذهب بعيداً، اختطفه شيطان الانتقام.
كان ساهياً حين لمحت يديها تمسد عليه من جديد، قالت بصوت مختنق:
– ماتعملش زيهم… أنا لو حصل كده، والله هموت نفسي!
ظل ساكناً، لا ينطق.
أكملت هي، بصوت ينهار في نهاياته:
– نديم، بتفكر في إيه؟
أنا ماليش حد… أختك ليها سند، ليها اللي يحميها..
حرام تجوّزها، انا ماليش سند زيها ماليش حد…
استدار فجأة، كأن صاعقة ضربته، وهدر بصوت انفجر من صدره:
– مين قال إنك مالكيش حد؟
قطّبت جبينها، ونظرت إليه بذهول:
– نديم…
أكمل بقوّة، بلهيب يتسرّب من عينيه:
– وانتي فاكرة إني هسيبهم ياخدوكي مني؟
جحظت عيناها، وخفق قلبها بعنف:
– نديم… إنت بتقول إيه؟
اقترب منها، شدّها إليه، حتى التصقت أنفاسها بصدره:
– إنتِ بتاعتي يا وجد… فاهمة؟ واستحالة أسيبهم يجوزوكي لحد غيري!
شهقت، قلبها كاد ينفجر من الفرح:
– أخيرًا نطق العاشق… نديم!
"إنت… إنت عايز تتجوزني؟ بجد؟"
ابتسم، وكانت ابتسامته رخوة، لكن نيتها ملساء من الزيف، وقال:
– "هتجوزك بجد… إنتِ بتاعتي يا وجد، ومش هتكوني لحد غيري."
"عارفة! حتى لو السما اطربقت، مش هتكوني إلا ليا!"
ضحكت بسعادة، دموعها تلمع في عينيها، نظرت إليه بنظرة من حلم:
– "أنا مش مصدقة… أنا! أنا وجد!"
"مش مصدقة إن دنيتي هيبقى فيها فرحة بجد!" اندفعت تحضنه، وكأنها تحتضن الحياة نفسها.
ضمّها بقوة، شدت على جسده، وشهقت بالبكاء:
– كنت خايفة، خايفة أترمي لابن عمي زي ورقة مالهاش تمن!
همس بحزن دفين، لم يجرؤ أن يظهره:
– إنتي بتعيطي ليه؟ دي طريقة تستقبلي بيها قربي ليكي؟
رفعت وجهها، عيونها تبرق بدموع تتلألأ في مقلتيها:
– عشان مش مصدقة…
أنا عشت عمري كله خايفة، وعمري ما حلمت أعيش مشاعر…
كل اللي حلمت بيه، إني ألاقي حد يحس بيا.انت مش عارف كان مصيري ايه .. اترمي لواحد جاحد مابيحسش ..كنت خايفه اموت وعمري ماهعيش قصه السندريلا ..اعيش مشاعر ..
عارف يا نديم لما شفتك حسيت انك هتكون نصيبي اه والله ..رفعت عيونها تنظر بداخل عيونه … طول عمري احلم بالامير اللي هينجدني من عيلتي ومش هيبقي زيهم.طول عمري بقول انا ماستحقش كده ..جوايا حب كبير ماستحقش ماعيش فرحته
كنت رايحة للكفن، وإنت رجّعتلي روحي.
خلاص… جيتلي يا نديم، أخيرًا جيت. مش مصدقه انك حسيت بيا قول … قول بجد عايزني انا ..نديم انا ماعشتش قولي .قول لوجد ان ليها قلب وتستحق تفرح .
شدها بعنف خبطت في صدره بقوه ضمها يعتصرها يحاول ان يسكت قلبه ..حاوطها اكثر ولم ينطق كان بداخله مراجل تشتعل كان ينكر وجود مشاعر لها بداخله يميت اي لين سابق .كان داخله بركان يتمزق.يريد أن يصرخ.أن يعترف.أن يقول لها… شيء.لكنه خاف من نفسه.
أفكار تتصارع، صراع بين العشق… والانتقام.
بين النديم… والنديم.
أغمض عينيه، تمسك بها، وجلس.
اقتربت منه، أمسكت وجهه، وهمست برجاء:
– لا لا، بالله عليك… ماتغمّضش!
سيبني أبص في عينيك، أفتكر اللحظة دي، يوم ما ردّيتلي روحي!
جوايا حب كبير، نفسي أعيشه.
قول… قول إنك عايزني بجد،
قول إنك هتاخدني منهم، وإنك مش هتبقى زيهم!
انسَ انتقامك، وعيشني…
ضغط عليها باحضانه لعل ما بداخله يصمت …قال في داخله، بصوت لا يُسمع:
"اهدأ يا نديم… إنت اتجننت، ولا هتتجن.
إنت نديم اللي قلبه حجر…
دي فرصتك.
آه، إنت مالكش في المشاعر… بس خلاص.
كان يبرر لنفسه انه ليس له في المشاعر حتي لو تغير قليلا بقربها ليعود ذلك الجاحد الذي بلا قلب . نديم عامر ابو الدهب اتاه حقه علي طبق من دهب. ابنه العدو الذي عاش عمره يحلم بأن ياخذ حقه منه. ابنه من سهر سنين يخطط كيف يخلع قلبه في احضانه. رجف قلبه استحوزت فكره الانتقام علي عقله …
وهنا…
قالها، بصوت اندفع من صدره كرصاصة:
– وجد… أنا مش هسيبها للظروف
إحنا هنتجوز حالا..
شهقت، اتسعت عيناها بخوف، وصوتها خرج مرتجفاً:
– إنت بتقول إيه؟ إنت… إنت عايز أهلي يموتوني؟
قال بهدوء قاتل، يبتسم ابتسامة خفيفة كمن يخفي خنجراً خلف ظهره:
– وهيعرفوا منين؟
أنا هضمن إنك مراتي… لحد ما أجي لأهلك وأطلبك رسمي.
نظرت إليه بارتباك، وخوف لم ينجح في خنقه تسرّب من بين كلماتها:
– بابا مش هيوافق… أنا خايفة، هيقول ما نديهاش للغريب.
ضحك بسخرية ناعمة، وشدها إليه باندفاع مفاجئ:
– أنا مش غريب…
إنتي هتبقي مراتي، وهما قدام الأمر الواقع، واستحالة أسيبهم ياخدوكي مني.قومي! هنتجوز دلوقتي!
شهقت من شدة المفاجأة، وقالت بتوتر:
– إنت… إنت اتجننت؟
احتضنها، نظر إلى عينيها نظرة حب مزجها بسمّ، ثم همس كمن يعلن سطوته:
– بتحبيني؟ ولا لأ؟
لمعت عيناها بالعشق، صوتها خرج كأنها تعترف أمام ربها:
– من أول ما شفتك… آه، بحبك يا نديم والله .
تنهد وكأنه أخذ قراراً لا عودة فيه، ثم همس:
– خلاص… هنكتب دلوقتي.
خافت، وترددت، فابتسم بمكر خفيف، وقال بهدوء مشبع بالدهاء:
– هكتبلك شركة الديب قبل كتب الكتاب… وهجهّز الورق.
شهقت، نظرت إليه بذهول:
– إيه؟ بتقول إيه؟ تكتبلي شركتك؟
اقترب منها، داعب وجهها بخفة، وقال بصوت ناعم:
– عشان تطمنيلي…
تنهدت، وصوتها خرج حزيناً، كأنها عاتبة على قدرها الجميل:
– إخص عليك… اطمّن إيه؟
ده أنا أسلملك روحي!
"نديم... أنا حاسة إني طايرة في السما. بجد بتحبني؟ وهتحميني منهم؟"
نظر إليها، عينيه حملت ألف زمن من الصراع، ألف جرح لم يندمل.
شدها إليه أكثر، وسهمت عيناه في ماضٍ موجع، وفي حاضرٍ أشد وجعاً، ليتوحش نظره فجأة، وهو يهمس للمستقبل الذي لا يعرفه:
"هحميكي... وهتشوفي نديم هيعمل إيه."
"قومي بقى... لازم نتحرك."
قام سريعاً، هاتف المحامي، أعد الأوراق.
كانت تجلس أمامه، خائفة، مرتعشة، قلبها بين ضلوعها لا يهدأ.
نظرت في الأوراق، فارتجف قلبها، إذ وجدت عقداً ابتدائياً ببيع شركته لها.
نظرت إليه بذهول:
"نديم! إنت بجد هترمي شركتك كده؟"
"إنت مجنون؟"
أمسك يدها، ابتسم وهو يقول:
"شركتي! ده كلي ومالي تحت رجلك... عشان تصدقي إني مش هأذيكي."
ضحكت، دموع الفرح في عينيها:
"إنت عبيط... ده أنا أديك روحي!"
"بس... بس بلاش الشركة، أرجوك!"
قال وهو يبتسم بثقة:
"ده مهرك! هاخدك ببلاش يعني؟"
"ولازم أبوكي يفرح... إنك جبتي راجل عنده كل حاجة، وادالك كل حاجة."
ابتسمت بامتنان وحب، ثم وقعت على الورق، وابتسمت في وجهه كمن سلّم قلبه، دون قيد أو شرط.
مد لها ورقة أخرى... ورقة الزواج.
تنهدت، مدت يدها ووقعت، حضر الشهود، وقعوا، مر وقت لتتفاجأ بدخول أحد الشيوخ تم استدعاؤه.
قطبت جبينها، وسألته:
"إيه ده يا نديم؟ مش إحنا كتبنا عرفي؟ فيه إيه؟"
قال بهدوء مطمئن:
"ماتقلقيش... أنا باخد كل الاحتياطات. مش هسيب حاجة للظروف. الأول عرفي، وبعدها رسمي... افرضي كتبوا عليكي، وقالوا ده عرفي ومالهوش لازمة؟"
قالت مترددة:
"أنا مش فاهمة حاجة..."
ضحك وقال بثقة:
"طب إنتي مش واثقة فيا؟"
أجابت دون تفكير، بسرعة القلب لا العقل:
"خالص! والله واثقة، واثقة يا قلب وجد!"
"أمشي وراك وأنا مغمضة!"
ابتسم، ومسح على خدها:
"أهو كده... امشي ورايا وانتي مغمضة، وهتعيشي سعيدة."
"وبكرة أعلنها... شركة الديب ليكي، وأسجلها باسمك."
قالت برجاء:
"نديم، بطل كده، بالله عليك. أنا مضيت... ومش عايزة حاجة. اوعي تعمل كده."
قال بحزم وابتسامة حنونة:
"لا! مرات نديم الديب لازم تكون قبله... تملك كل حاجة. عشان أبوها يفتخر بجوزها. شركة الديب ملكك تعملي مابدالك تحاسبي تتحاسبي كله ليكي ولابوكي."
نظرت إليه بعين عاشقة، ما صدقتش لسه، وهمست:
"طب... هنعمل إيه دلوقتي؟"
جلس وسحبها على قدمه، ثم همس بخفة: "أنا هعملها، انتي هتروحي وماتجيبيش سيرة لحد ما أجي لأبوكي. وإحنا شركا أصلاً أكيد هيوافق."
قالت بلهفة: "هيوافق لأن كل همه الشركات، إنما أنا لا... بس مهمة عندك إنت يا قلب وجد، مش كده؟"
أغلق عينيه يهرب من عشقها، احتضنها بقوة، اقتربت وقبلت خده، أحس بنغزة في صدره، فهو يريدها بشدة... هب مسرعاً.
همست برهبة: "إيه؟ فيه إيه؟"
شدها وقال:
"إحنا؟ إحنا هناخد بعض، ونقضي يومين مع بعض... أنا وانتي، وبس."
شهقت، وضحكت بخجل... "انت اتجننت خلاص..." شدها إليه بقوة... "بيكي..."
نطقها نديم كأنها اعتراف أخير، كأن كل جدار داخله اتكسر دفعة واحدة.
عيناه ممتلئتان بتوسل خفي:
"إنتي هتسافري وأنا مش هقدر أتحمل بعدك يا وجد... عايزك جنبي. يومين... يومين أعيش فيهم بني آدم بيحس، مش حجر."
كان بيهرب، أيوه بيهرب.
مش من انتقامه، ولا من الناس...
كان بيهرب من نديم اللي جواه، نديم اللي قلبه اتعجن بالقهر وانتفخ بالحقد. كان عايز ينسى... ينسى اللي مات، واللي خان، واللي وجع. ينسى خطط السنين اللي سكنت صدره بدل القلب. عايز يحس إنه عايش وبعدين يسلم روحه، بس قبل ما يسلمها ياخد نفس سعادة في دنيته.
ابتسمت وجد، نظرة عينيها كان فيها عشق موجع...
أحنت راسها بخجل أنثى أول مرة تتشاف بجد.
شدها أكتر، قرب منها وكأنها الملاذ:
"اليومين دول... هنسي إني نديم اللي جواه كل حاجة قاسية... وهعيش معاكي وبس. عهد عليا إن أنا وانت هنسافر اتنين تانيين.. نديم اللي نديم يعرفه هيموت هناك وهيبقالك نديم تاني. نديم عايزك وهيتجنن عليكي."
نظرت له، والدموع بتترقرق في عينيها فرح وخوف:
"هتبقى أميري... نديم اللي خطف قلبي من غير ما يدري."
حاوطها وعيونه ساهمه لا ترى إلا جابر وجلدات جابر... "اليومين دول بس هبقى أميرك ومافيش غيري أميرك."
دخل أسمر إلى المجلس بخطوات غاضبة، فكان عمه جابر كعادته واقفاً كمن اشتعل الغضب في صدره، يهتز صوته بحنق ومرارة، بينما كان الجد يجلس في صمت ثقيل، كأن الحزن قد نحت على ملامحه أثر السنين.
هب جابر واقفاً يهتف بعنف:
"هتفضل قاعد كده؟ وعمك بيتهدل عليه في كل حتة؟ هتسيبني أغلي من جوادي؟"
"خلاص... الهيبة راحت... عيلة أبو الدهب بقت بتتهدد رسمي!"
رفع أسمر عينيه نحوه، نظراته تتقد بنار لم تطفأ:
"ومين جالك إني ساكت يا عمي؟ هو حد جالك إن أسمر جليل ولا عويل؟ مايعرفش يحامي عن عيلته؟"
صرخ جابر، وصوته يجلجل في المجلس:
"أمال ماجبتوش ليه متربط تحت رجلي؟ ولا خلاص؟ شكلك نخيت... ومابقيتش فاضي إلا تلف ورا النسوان!"
انفجر أسمر كبركان، ظل مكتوماً، فهب واقفاً، صوته كالرعد، يخترق جدران المجلس:
"عمي! احفظ كلامك... واجف مكانك واعرف بتكلم مين. ماتخلنيش أجلب الجلبة السودة. أسمر... ماحدش يكلمه كده!"
ارتبك جابر للحظة، ابتلع ريقه، فهو يخشاه بشدة. تراجع بنصف خطوة:
"إني... إني ماقصدتش. بس الناس بتتكلم... وبيجولوا أسمر بقى مسخرة، والعالم بتهزأ فينا!"
اقترب أسمر، وعيناه تقذفان شرراً:
"لو الكلام ده اتجال من حد تاني، كنت دفنته مطرحه. أني مش ساكت، وهجيبلك اللي عمل ده متربط كيف ما جولت. أسمر أبو الدهب... اللي يقرب من عيلته، يمحيه... يمحيه مهما كان!"
قهقه جابر بسخرية:
"آه؟ هتمحيه؟ أما نشوف يا فالح!"
هنا، تدخل الجد أخيراً، صوته كان هادئاً... لكنه كالسيف:
"هو انت مابتعرفش تجعد إلا لما تجومها حريجة؟ انت إيه؟ شر فيك الشر كله؟"
صرخ جابر، والغضب ينهش صدره:
"بقولك خليني ساكت! أني حاسس... إنك بتخطط لحاجة من ورا ضهري. ولو اللي في بالي طلع صح... هتخليني شيطان عالكل!"
أجابه الجد بنبرة باردة كالجليد:
"أخليك شيطان؟ أمال إنت إيه؟ أعوذ بالله منك!"
صرخ جابر، يمد ذراعيه في الهواء:
"انت بتحرك من ورايا وحاسس... والمحامي دايمًا معاك... ليه؟ ليه يا بوي؟ قول... انطق!"
تحرك أسمر بخطوات غاضبة، وتوقف بينهما:
"كلم جدي كويس يا عمي. ما تسمحش لنفسك تتجاوز. جدي ليه احترامه، وبلاش تحاسبه وكأنك بتحاكمه!"
صرخ جابر، كأن كل ما في صدره انفجر دفعة واحدة:
"أحاسبه؟ أمال أحاسب مين؟ اسمع يا أسمر... العيلة في خطر... وأنا حاسس بمصيبة جاية، ماعرفش إيه هي... بس هو! هو حاسس ومخبّي!"
نظر أسمر إلى جده... كان الجد قد أحنى رأسه، كأن فوقه جبلاً من الهم.
تنهد أسمر وقال:
"جدي هيخبّي إيه؟ جدي عمره ما يسمح بحد يأذينا مهما كان."
رفع الجد رأسه ببطء، ونظر إلى حفيده بعين تعرفه جيداً:
"هو يا أسمر... لو حد أذاك يا ولدي، وغصب عنه... وكان غلبان وموجوع... هتسامح؟ هتسامح لو الأذية دي طالتك إنت وعيلتك؟"
صرخ جابر، وكأنه وجد ضالته:
"اتفضل! اهوه! أني جولتلك... فيه مصيبة! إيه؟ مين هيدينا كف يا ابوي وتتبسط انت؟ وتبقى عايز أسمر يوافق؟"
(يقترب من أسمر ويهتف بتهكم)
"هتاخد على وشك، وتروح لجدك تجول له 'مسامح'؟"
نظر إليه أسمر بنظرة قاتلة:
"يا عمي، عيب أكده. ماتجومنيش بكف ولا طين. هو حد يطدر يقرب مني؟ ده أني أسمر... أدفنه مطرحه!"
زفر الجد من الوجع، ثم قال بصوت منخفض:
"حتى لو غصب عنه... يا ولدي."
هدر أسمر، جسده يتفجر غضباً:
"الغصب؟ اللي يغلط فـ عيلتي، يتحمل عواقبها، حتى لو مجروح. اللي يهد عمود البيت، يندفن... هو وصنفه!"
أغمض الجد عينيه كأن قلبه انكسر:
"هو وصنفه... على جـولك... يلا خليها تطربق ع الكل! كله من عمايل السوء ده..."
صرخ جابر، وكأن النار شبت في قلبه:
"بتدخلني ليه؟! أنا مالي؟ مافيش عداوات بيني وبين حد!"
وقف الجد ببطء، ونظر إليه نظرة اشمئزاز:
"مافيش عداوات؟ ده انت العداوات نفسها! ما بتعملش غيرها... واحنا اللي نشيل الحزن وراك.. أقول إيه؟ حسبي الله!"
(ثم غادر المجلس)
سكت أسمر لحظة ثم قال:
"انت عملت فيه إيه؟ ماله جدي... مجهور كده ليه؟"
صرخ جابر، وكأنه يحاول التبرير بالصوت لا بالحجة:
"أعمل إيه؟! سيبه... خلاص، عجلة اتلخبطت على ولاد الحرامي والغازية! اسكت! بل حزن."
تنهد أسمر:
"يا عمي... جصة واتقفلت."
انت ما بتصدق تمسك صاجات! هو راح لحاله… الله يسامحه!
لكن جابر انفجر كالقنبلة:
ـ يسامحه! عمك فضحنا وسط الخلج! جاب غزية يتجوزها.. وسرج دهبات أمك ومرتي كان بيصرف عليها في الموالد!
اشتعل وجه أسمر وقال:
ـ يا عمي… أني مابحبش السيرة دي. جفلها بقى… ما ناجصش جرف اتجرسنا زمان وخلاص!
لكن جابر لم يسكت، فتابع وهو ينهش في الماضي:
ـ زمانها رجعت ترجص… ولا علمت بناتها الرجص. وعمك بيطبل لهم.. هيكونوا إيه يعني؟ أحفاد أبو الدهب رجاصين؟ جايز الواد طلع هجام ولا جتّال! ولا همك اللي في وشك البت الفاجره إللي ضربتني تلاجيها رجاصه والواد هجام ببسرجو من خلج الله.
منك لله يا عامر!
صرخ أسمر، وانفجر غاضبًا:
ـ كفاية بقى! من السيرة الحزن دي! إنت إيه جولت مابطيجش الطين ده.. الله!
واندفع خارجًا، لا يريد أن يسمع أكثر. فابيه وعمه كانو قد أوغرو صدره من ناحية عمه وزوجته.
خرج أسمر من المجلس، والخطى تسبق أنفاسه. تجلجل بداخله أصوات لم يستطع إسكاتها، كأنها أشباح الماضي تنهشه من الداخل.
أسمر (بينه وبين نفسه):
"هيفضلوا اكده يرموا الطين على عيلتي.
واللي مات مابيتنسيش… جدي ساكت… وعمي بيزود النار. أني واجف في النص، شايل عيلة، وشايل وجع، وشايل سكوت مايتحملش. بطفي في جرس وفضائح وبس.
عايش أحاسب ع اللي راح واعدل الماليه.
والطين ده راخر إللي بيهدد.. جه لأجله.. توحشت عيناه…
بس لاه….
اللي يقرب من عيلة أبو الدهب… يندفن.
أنا الأسمر…
اللي لو نطط، الأرض تتهز.
واللي لو غضب… مايعاودش الا و الجرح ينزف دم.. وادعسه برجلي."
شد قبضته… كأن الهدوء لا يليق به، ويمضي في طريقه، لا يعلم إلى أين، لكنه يعلم أن اللعبة… ما خلصتش…
يا خوفي منك يادي الجدع… والواد اللي فوق خد البت علي فين دا مرار راكب جرار… والطراحه وحبيبتي شايله الطراحه.. حسره عليها يا حسره عليها….
رواية عودة الذئاب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ميفو السلطان
ما إن نطقت وجد بمشاعرها وباحت بعشقها حتى اشتعل شيء في صدر نديم. كأن قلبه الذي طالما كتمه انفجر صراخاً داخل صدره. لم يفكر، لم يتردد، بل اندفع نحوها كمن وجد خلاصه واحتضنها بقوة لا تشبهه.
بهتت، ارتبكت، قالت بصوت خافت مرتجف:
ــ إيه فيه؟ إيه اللي حصل؟
همس بقهر:
ــ عايزك ليا...
ارتجف جسدها وانكمشت بخوف:
ــ نديم، لأ... بطل، لأ، ماينفعش!
الخوف داخلها قابل خوفاً أعمق يسكنه. الرعب من إنها تكون لغيره بعد ضربته. لم يحتمل الفكرة، شدها إليه، وقال بصوت اختلطت فيه الرغبة بالوجع:
ــ اللحظة دي، الوحيدة اللي نديم مش نديم... اللحظة دي، نديم مش فاكر حاجة غيرك.
نسي كل حاجة، رماها ورا ضهره، وعايز يعيش أحلى ليلة معاكي.
ماهو لو ماعملتش كده، ممكن يجرالي حاجة.
ثم نظر في عينيها، وقال برجاء محموم:
ــ وجد، افتكري اللحظة دي، افتكري إن نديم كان معاكي بروحه، بقلبه.
افتكري نديم اللي ماعرفش طعم الحنية غير معاكي.
افتكري نظرة عيوني، أوعي تنسي، بالله عليكي عاهديني...
عاهديني إنك مش هتنسي اللحظة دي.
لحظة رجوع النديم، لحظة ما دخل دنيا كانت اتاخدت منه غصب، وإنتي رجعتها. عاهديني هتفهميني.
مسك إيديها، وسقطت دمعة من عينه:
ــ افتكري قلب نديم، اللي بيدق علشانك. افتكري يا وجد...
نظرت له برهبة، والدموع كانت بتغرق عيونها:
ــ نديم، مالك؟ قلبي واجعني...
نظر إليها بعشق نازف:
ــ قلبك وجعك؟ وأنا جوايا بركان ساكت!
أنا مش عارف هكمل إزاي.
يا وجد، إنتي مفيش غيرك، نورتي دنيتي.
(قبّل يدها بلطف)
ــ عايزك مراتي، عايزك تكوني ليا وبس.
اوعديني، علشان والله، لو ضعت مني، أموت.
لمست وجهه برفق، وقالت:
ــ مانا ليك يا قلب وجد، ليك وبس.
شدها إليه، كانت أنفاسه الحارة تجتاحها بجنون. وكل مرة يذكرها بلحظتهم، كانت تقاوم أقل، لحد ما استسلمت.
هو زوجها، وهي قلبه ساب الدفاعات.
الألم اللي جواه دخل قلبها، فتت أي اعتراض جواها.
فلتحيا بحبيبها، ولتعطه حنانها اللي بيشع منها.
مر الوقت كالسحر، عاش فيه العاشق الغادر لحظة نادرة.
لحظة تنفس فيها، لحظة حس إنه إنسان.
لكنه عارف، دي النهاية.
اللحظة دي مش هتتكرر.
نامت على صدره بخجل، وهو صامت، عيناه تنظر للسقف، ويده تمسد كتفها. فقط.
همست:
ــ عارف يا دودي؟ أنا بحلم، بحلم إنك تيجي تاخدني، وتعمللي فرح كبير. يتحاكي عليه الناس، ويقولوا: "وجد خدت أحسن راجل".
بحلم أخلف منك، ولد شبهك، وبنوته تشبهك برضو. تبقى قوية، مش ضعيفة.
هنحبهم يا نديم، صح؟ هنحبهم ونضحك معاهم. أنا مستحيل أربي ولادي زي... خصوصاً بنتي. هتبقى إنت أبوها وسندها.
هاه، هتصاحبها يا نديم؟
أوعي تزعلها، مش عايزاها تبقى "وجد".
مش عايزاها تعرف الوجع.
اوعدني، إنك تحب ولادي، وتبقى ضهر ليهم.
لإن إحساس إنك مالكش ضهر، بيكسر القلب.
أنا اتكسرت كتير، خدت أقلام موجعة.
لكن ولادنا يستاهلوا نحبهم، صح؟
كان قلبه بينشق، أحس بوجعه يتقطر في عروقه، فهتف:
ــ وجد، اسكتي، من فضلك، ممكن؟
تنهدت، ونامت على صدره.
مر الوقت كالحلم.
يومان لا يشبهان شيئاً، كأن الزمان نسي يعدهم.
ولما جه موعد الرحيل، وقفت وجد تستعد للمغادرة.
كان يقف سارحاً في الفراغ.
اقتربت، وحاوطته بذراعيها:
ــ عارف، إنت عيشتني يومين هفضل عمري كله فاكراهم. اليوم اللي نديم فرح قلب الوجد.
استدارت تنظر إليه، بعينين كلها عشق:
ــ قبل ما أمشي، عايزة أبص في عيونك كتير، علشان هيوحشوني.
ابتسم، وقلبه ينزف داخله.
همست بحب:
ــ بتحبني يا نديم؟
ابتسم، وهز رأسه.
شدها إليه.
ابتسمت:
ــ هتفضل طول عمرك معايا، صح؟
هتقدر تعيش يوم من غيري؟
كاد أن ينهار، عانقها بشدة، وهمس بصوت متهدج:
ــ أنا بعشقك يا وجد...
هتفضلي الوحيدة في حياتي، عمري ما هبدلك بحد.
هتفضلي في قلبي، العمر كله.
ركنت في حضنه، وهمست:
ــ عارف؟
إنت الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي.
من هنا لحد ما أموت.
إنت أبويا، وأخويا، وصاحبي.
أمسكت بيده، وشبكت أصابعها في أصابعه:
ــ ده عهد حبي ليك، يا قلب وجد.
ضغط عليها بقوة، وانهارت قوته.
أراد أن يصرخ وجعاً، لكنه قام. ابتعد.
قامت خلفه، سألته:
ــ هتيجي لبابا إمتى؟
قال بفتور حاول أن يخفي خلفه العاصفة:
ــ أول ما تسافري، أجهز نفسي وأجي على طول، الافتتاح قرب.
احتضنته، وهمست:
ــ في انتظارك، يا روحي، ترجعلي روحي.
ثم استعدت للرحيل، كما أتت.
لكن السؤال الحقيقي:
كيف يكون الرحيل؟
إن كان النديم قد ترك روحه هناك؟
كيف سيكمل الحياة، طلعت غلطان.
طلعت أضعف مخلوق لما بصتلي وقالتلي "بحبك".
مشي خطي علي الأشواك. قلبه. سابه وراه، قلبه هناك، جنبها.
ماشي، بس كل خطوة كانت بتنزف.
كان رجله على الأرض، وروحه نايمة في حضنها.
ركب عربيته، بص في المراية.
شاف وشه، وماعرفهوش. عينه بتبص في عينه، بس مش شايف غير غريب.
غريب لابس ملامحه، متخفي في جلده، لكن جواه حاجة تانية.
وجع، وندم، وانكسار.
همس لنفسه بصوت مبحوح:
النديم اختفى. صوره بتموت. شايلة النديم اللي حب بصدق، وخسر بصدق.
وساب روحه، في حضن "وجد".
اللي قاعد مكانه دلوقتي، هو واحد عاش يومين بس، يومين اسمه "وجد".
بس أنا عارف.
هعيش وأموت، وإنتي جوا النديم.
ولما وصل للمكان اللي مفروض يبدأ فيه انتقامه.
طفى العربية.
حط راسه على الدركسيون.
وبكى.
من غير صوت.
من غير ما حد يشوف.
الراجل اللي كانوا بيخافوا اسمه، بكى عشان حبه.
بكى لأنه اختار يسيبها، عشان ما تتهزش صورته في عيونها.
بس الحقيقة؟
هو مات من ساعتها.
"أنا موت وأنا حي. سيبت قلبي ورايا، وسايب الوعد جواه حضنها."
"يا رب..."
"يا رب احفظها مني."
ثم سار بخطوات بطيئة،
والليل بينزل عليه.
زي كفن حزين على راجل، فقد نفسه.
وساب قلبه ورا.
ومات "نديم الوجد".
دخلت "المهره" البيت منهكة، كأن الطريق أكل منها حيلها وقصم ظهرها.
بدلت ملابسها بهدوء ميت دون ان تنظر الي المراه كأنها تهرب من عيونها. لا تريد ان تري ما بداخلهم حتي لا تنهار.
اتجهت إلى الفراش بلا وعي، بلا إدراك. تحاول تمحي لحظات ضعفها، لحظات انوثه مسروقه. كل ذلك، ولم تلحظ بعد ما في يدها.
جلست علي طرف الفراش مغمضة العينين وصوت دقات قلبها يدق بداخل راسها كمطرقه لا ترحم. وأسندت رأسها إلى الوسادة.
ثم مدت يدها تلقائياً لتضعها على قلبها.
ووضعت اليد الأخرى فوقها تحاول تهدئه ذلك النبض الهائج.
لحظة واحدة فقط.
واصطدمت أناملها بشيء بارد، لامس جلدها كالرجفة.
قطبت جبينها. فتحت عينيها دفعة واحدة.
شهقت!
شهقة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإيقاظ كل شيء بداخلها.
فهناك في إصبعها.
تتوسط يدها دبلة من الألماس، تلمع بشكل يخطف الأنفاس.
سلّطت نظرها عليها.
وقلبها يدق بعنف، كأن بينه وبينها حديث مكتوم لم يقل. كأن تلك الدبله تتحدي كل ما بعقلها.
دبلة الاسمر، الوعد الذي أقره عليها رغما عنها. يذكرها بلحظة صدق، حب، ضعف لم يكن مسموح لها ان تعيشه.
"إزاي جت هنا إزاي؟"
بدأت يدها ترتعش. مدت يدها تتلمسها كأنها لا تصدق انها بإصبعها. خلعتها من إصبعها، أمسكت بها بين راحتيها.
كأنها تحتضن الذكرى الأخيرة من وهم كبير.
وما إن وقعت عيناها على الاسم المحفور عليها.
"الأسمر".
حتى انفجرت دموعها كسيل لا يتوقف. لحظات من رجفات قلب مهتريء. قلب يأن من فرحه لن تكتمل.
ضغطت على قبضتها بقوة، كأنها تحاول تكسيرها، كأنها تحاول أن تتخلص من الوجع.
لكن الوجع أقوى، والاسم محفور بداخل القلب قبل ما ينقش على المعدن.
"هو ده اللي جيتي تنتقمي منه وانتي نفسك تكوني ليه.
ماينفعش أحبك، داخله حرب وأنت السبب فيها، جايه عشان أمحيك من حياتي مش أحضنك وأدخلك فيها."
رجفة أنفاسها تعلو، وعيناها لا تصدقان أن هذه الدبلة في يدها.
دبلة "الأسمر".
وقفت أمام المرآة، تنظر لنفسها، ترى تلك اللمعة على إصبعها.
وكأنها تلمع من داخل قلبها، ترى حلماً محرماً وأسئلة لا إجابة لها.
بتحبه؟ بداخلها يريد أن يصرخ ويعترف ولكن العقل له رأي آخر، علاقة مستحيلة، إثم لابد أن تنجو منه.
كانت تتمني أن تبقى له، بس يا ترى تقدر؟ مستحيل، فتلك الدبلة لن تعيد ما مات.
قامت بهدوء وأغلقت الأنوار إلا من ضوء خافت يأتي من آخر الغرفة.
اتجهت بخطى مرتعشة لحقيبتها، مدت يدها أسفل ملابسها وأخرجت شنطة من الحرير، أخرجت منها نفسها.
أخرجت حلمها، فستانها الذي لا يفارقها، قامت ولبست واتجهت للمرآة، كان ظلام الحجرة محاوطها إلا من بصيص نور من بعيد كحلمها.
وقفت تتأمل نفسها، رجفت شفتيها بابتسامة مرتعشة، ابتسامة واهنة أنها تعيش حقيقة.
ظلت فترة تتأمل نفسها العروس المنسية، حلم الفستان، الدبلة، حلم العشق الممنوع.
أغمضت عيونها ودارت حول نفسها، مسكت دبلتها وظلت تدور.
ألـيس حتى من حقها أن تحلم وتعيش الحلم وتغوص فيه؟
انقشع الظلام ولمعت الحجرة ببريق لامع، فتحت عيونها لتجد من أخذ قلبها يقف أمامها.
ابتسمت له بحنان ومدت يدها، مسك يدها وشدها لأحضان.
دار بها ودار وأخذها في عالم بعيد عن أي ظلم، عن أي غل، جعلها تعيش لحظات لن تنساها ما حيت.
"مهرة الأسمر" العاشقة، حلم كالخدر الجميلة، دبلتها باسمه تلمع بأصبعها وتتهادى بفستانها بين يديه، تنظر لعيونه بعشق.
شعرت بسعادة فلقت قلبها، ضغطت على يديه بقوة تستمد أمانه.
شعرت بألم غريب، فتحت عيونها لتعود المهره وتسقط من علاء حلمها.
وجدت أظافرها تغرس في يدها بعمق كأنها تعاقب نفسها على حلم لن يحدث.
كانت لحظة وهم جميل، حلم مسروق عاشت فيه للحظات معدودة.
نظرت ليديها، كانت فارغة ليس بها إلا السراب.
وقفت صامتة تنظر في الفراغ، تطرف بعينيها لعله يعود.
ولكن ما عاد، هو صوت يخترقها بعنف يطالبها أن تعود لواقعها.
ذهبت مسلوبة الإرادة وجلست لفترات لا تعد.
تتلمس الدبلة كأنها طفلة وقعت على لعبة سحرية.
وصدرها يجيش بالمشاعر التي لا تحصى.
تتلمس أنوثة دعست، أنوثة تمنتها للأسمر والأسمر فقط.
ظلت تهمس باسمه مراراً لعل قلبها تهدأ ثورته الهائجة.
لكنها "المهره".
و"للمهره قيود لا تحيد عنها".
المهره التي تربت على وجع أخيها وموت أبيها، لا ينبغي أن تحن وتبكي على خصمها.
لكن قلبها الخائن لا حيل لها فيه.
أخذت نفساً طويلاً، كأنها تستمد الحياة من بقايا الحب.
همست بأنين:
"كفايه.. ده كان وهم.. فخ وقعت فيه. مافيش حب بينا دي لحظة ضعف يا مهره. كفايه يا بنت عامر."
قامت وخلعت ملابسها وخطت عليها بقدميها تدعس الوهم الجميل.
ثم مدت يدها بهدوء وخلعتها.
"كنت بدعي ربنا ألاقيك فلما لقيتك لقيتك عدوي. لو كملت انتقامي هقتل آخر أمل ليا إني أحس. ولو رجعتلك هخون اللي ربي قلبي عالوجع، عالقصاص، على عهد إني أكون حاله وضهره."
قبضت يدها حول نفسها بقوة.
كأنها تقول لقلبها: ما تبصش ورا تاني.
قامت بخطى بطيئة، اتجهت نحو صندوق القمامة.
رفعت يدها، تستعد لرمي الذكرى.
لكنها تسمرت، كأن قلبها سحب يدها وقال: لا.
إزاي ترميها وهي الحاجة الوحيدة اللي حسستها إنها عايشة وبتتنفس.
اللحظة الوحيدة اللي ما كانتش مهره بنت الماضي بل امرأة تنفست العشق وعاشت فيه.
استدارت.
فتحت دولابها وأخرجت علبة من قطيفة، أخرجت كل ما بداخلها ووضعتها بداخلها بهدوء.
كأنها تدفن جرحاً في باطن العلبه، كأنها تغلق على حلم ثمين، سر دفين لن يعرفه غيرها.
عادت إلى فراشها.
تغطي نفسها، كأنها تدفن مع الذكرى.
تحاول تمويت الشعور، ما تبقى من نفسها.
غطت نفسها ولكن القلب عاري من أي غطاء.
قلب في مهب الرياح، قلب ما زال هناك خلف الباب عند الأسمر يبكي بصمت.
"كان نفسي أبقى ليك بس اتكتب عليا الوجع. سامحني يا قلبي كان نفسي أختارك بس أنا ماتربيتش أحب أنا إتربيت أتوجع وبس."
لتعود للمهره التي يجب أن تكون.
لتعود لأخيها، ولتكمل ما بدأ وتخلع قلبها.
كما تخلع قشرة الكرامة الأخيرة في عائلة فقدت كل شيء.
إلا الوجع.
دخلت مهره على قصر أبو الدهب، والخطى في قدميها ثقيلة، كأنها تحمل على كتفيها وزر الدنيا وهمها.
وما إن وطئت عتبة المجلس، حتى تناهى إلى سمعها صوت جابر يعلو كالعادة في وجه أبيه.
كان المشهد يتكرر كأنه قدر مكتوب، لا مفر منه ولا خلاص.
وقف جابر، صوته مليء بالسخرية والاحتقار، وقال بحدة:
"آه طبعاً، كل يوم حكاية الغازية وولادها!"
رد الجد بصوت متهدج، فيه من الألم أكثر مما فيه من الغضب:
"ولدي ومرته وولاده، مالك إنت يا ظالم؟!"
صرخ جابر كالمسعور، وقد تكدست في صدره نار لا تعرف الانطفاء:
"ولدك ومراته وولاده! والله عال! دا شيء حلو أوي!
طب يا خويا، هاتهم وجعْـدْهـم في حضنك بالمرة.
ولا إيه؟ أجولك: الواد البلطجي هجوزه لـ"وجد"، والبت الرجاصة، أجوزها لـ"أسمر"!"
اشتعل وجه الجد، وصاح من قهره:
"وماله؟ مالك إنت؟ عيالي وعيال عيالي إني حر."
كانت "مهره" تقف هناك، بجوار الباب، قلبها بين ضلوعها يرتجف كطائر مذعور.
حين لمحت "أسمر" يدخل بخطواته الواثقة، وعيناه كأنهما تقرآن النوايا قبل أن تقال.
سمعت صوت جابر يصرخ بسخرية فاجرة:
"تعال يا وحش الصعيد، جدك قرر يجوزك الرقاصة، بنت الغازية والحرامي! ابقي سرحها تجبلك جرشنات. هتبقي أسمر جوز الغازيه يا فرحة عيلة أبو الدهب نسب صوح."
دخل أسمر، صوته غاضب وساخر في آن معاً، وقال:
"هو خلاص؟ بقت دي عيشتكم؟ روبه وجرف وجواز إيه وطين إيه ماتحفلو السيرة الشؤم دي. بتفتحو في الفضايح ليه؟"
نظر إليه الجد، وفي عينيه انكسار السنين، وقال بصوت مبلل بالحزن:
"إيه يا أسمر، فضايح.. هما عيال ولدي فضايح.. متكبر ليه.. لو طلبتها، يا ولدي، هتعارضني هتجهرني.. دانت السند الكبير إللي هتلم لحمك.. هيجو ويجعدو وبقالهم السند يا ولدي.. عامر بته كت كيف الفرس تاخدها تفرح بيها وتسمع من سكات إني تعبت منكم؟"
وهنا… هدر صوت أسمر، هديرًا جعل قلب تلك "الجميلة" الواقفة على الباب ينشق نصفين.
حين قال، بضحكة مرة تقطر سخرية:
"جتك نصيبه إنت راخر… هي ناقصة! كمل، كمل يا جدع!
دي بقت روبه من كله."
وقد قتل أعز ما مَلَكَ!
كان يمشي بخطوات ثقيلة، كأن الأرض بتشد فيه، كأن روحه بتتنزع من ضلع قلبه.
"كل ضربة خدتها في حياتي، كل وجع، كان أهون من اللحظة اللي شفت فيها ضهرها وهي ماشية."
بس هي مشيت.
وهو…
ساب روحه معاها.
نظر للسما، كأنها أقرب مكان ممكن يؤدي ليها.
وهمس بصوت مكسور:
"خلـيتيني أعيش… عشان تسبيني؟
ولا كنتي طوق نجاتي… وراح؟
ماقدرتش أدوس عالماضي.
ليه سبتها؟
ليه حسيت إني بدفن نفسي بإيدي؟
أنا النديم… اللي عمره ما وقف قدام حاجة، والنهارده واقف قدام نفسي، عاجز.
أنا اللي كنت فاكر إن الانتقام هو الحياة، وإن الحب ضعف."
رواية عودة الذئاب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ميفو السلطان
"أسمر" يدور في الغرفة كوحش جريح، خطواته متسارعة، أنفاسه تتقطع بين الغيظ والذهول... عيناه تشتعلان، كأن شررًا يتطاير منهما.
فتح هاتفه بارتباك بالغ، وراح يتصل بها... مرة، واثنتين، وثلاثًا — ولكن دون جدوى.
كأن الهاتف صار عدوه الجديد، لا يرد ولا يشفي الغليل.
شعر أن رأسه على وشك الانفجار، كأن كل شيء بداخله يصرخ! بعث لها برسالة، أنفاسه مختنقة، وأصابعه تضرب على الشاشة بجنون:
"لو فاكرة إنك ضحكتي على أسمر أبو الدهب... تبقي غلطانة! حجي هعرف اجيبه... ولو عدى عمر هاخده! وإنتِ... يا مهره...هجيبك وهجيبك!"
ضغط زر الإرسال بعنف، ثم ألقى الهاتف بعيدًا، فارتطم بالحائط وسقط. ووقف هناك، وسط دوامة من العتمة والغليان... كأن قلبه انشق نصفين.
لم يكن يعرف — أحقًا يريدها؟ أم يريد الانتقام منها؟ كل ما يعرفه أن شيئًا ما احترق بداخله... ولن ينطفئ. كأن صوته صرخة...
صرخة وجع، صرخة قلة حيلة، كأن ما بداخله انفجر دفعة واحدة. لم تكن مجرد كلمات، بل وجعًا صاعدًا من قلبه، يئِن، يتلوى، يرفض التصديق.
كان يريد أن يمسكها بين يديه، يشدها أمامه، يصرخ في وجهها بأعلى صوته:
"ليه! إزاي قدرتي!"
كان يتوق أن يرى عينيها، أن يغوص فيهما، أن يبحث فيهما عن إجابة...
هل كان كل ذلك كذبًا؟ هل كانت مجرد خدعة طويلة؟ أكان يعيش في وهم نسجته أنثى، ثم رمته خارجه كخرقة بالية؟
"أسمر" — ذاك الذي لا يعرف طريقًا للمشاعر، ولا يسمح لقلبه أن يؤخذ بسهولة —
أحب... وبلا مقابل. ولما أطلق قلبه من قيده، فُجع بأنه أطلقه نحو غدر المهره.
كأنها أتت على جزء من رجولته... دهسته تحت قدميها دون رحمة، وأشعلت فيه نارًا لم تخمد بعد... أحرقت شيئًا عزيزًا بداخله،
شيئًا لا يُقال، لكنه يُشعر، يُوجع... ويكسر.
دخلت "مهره" حجرتها والباب يُغلق خلفها بصوت خافت، لكن صداه كان كالرعد في صدرها. مشت كأن الجدران تضيق عليها، وكل خطوة كانت بتوجع في صدرها أكتر من التانية.
كلامه... لا، ما كانش مجرد كلام! أخوها دبحها... آه، دبحها من غير سكين. ذبح ناعم... كلمة واحدة خرجت من بين شفتيه، كانت زي سكينة حريرية... دخلت فيها بهدوء قاتل، وفتحت جرح قديم — جرح ما عمره التأم.
ساعتها "مهره" حسّت إنها اتهزّت من جواها.
مش عشان هو وجعها... لكن لأنه فكّرها بحقيقتها اللي بتحاول تهرب منها دايمًا.
فكّرها إنها، طول عمرها، بتتساوى في عين الناس بحد يحس مش زيها. بيساووها بحد، عمره ما داق وجعها، ولا جرب يحضن الخوف ويكتمه ف صدره عشان ما يبانش عليه.
دمعة وقفت في عينيها، بس ما نزلتش...
وقفت كأنها بتحاول تستأذن، كأنها مش متأكدة إذا كان يحق لها تنزل،
ولا خلاص — الدمع ما بقاش له مكان ف وش ما بيتهزش من الوجع.
نظرت "مهره" لصورتها في المراية...
مراية ما عادش بيبان فيها وجهها، قد ما بيبان وجعها.
كانت ملامحها شايلة حزن الدنيا،
شايلة سكوت البنات اللي اتظلموا لما كانوا بيكتمو....
"آه يا نديم…من إمتى كنتوا بتفهموا اللي زيي؟ أنا اللي بحس قبل الكلمة، وبنطفي عشان غيري ينور، وفي الآخر…ما نتقارن بللي بيحسوا!
بتقول وجد بتحس؟ طب وأنا؟ أنا اللي كل وجعكم دخل قلبي من غير ما أتكلم! أنا اللي بحضن الدنيا وادي ضهري ليها عشانكو وأنا بنزف…وبرضه مش كفاية؟!" أنا اللي قسيت علشان أعيش، أنا اللي محدش طبطب عليا لما كنت بطيح من وجعي عشانك. تيجي دلوقتي تقولي ما تقسيش على نفسك؟ فينك لما كنت محتاجة الكلمة دي.
ابتسامة مكسورة، وهمسة طالعة من قلب موجوع:
— أيوه يا نديم…أنا غير. ويمكن دي مشكلتي."
سهمت... ورجعت بزمنها. كنت لسه صغيرة، ماسكة عروستي بحضني، بضحك، بتهته في الكلام، بقلّد صوت أمي. كان قلبي طري... ولسّه بيعرف يحب.
دخلت القوضه، وشك مكشر فاكر العروسة اللي رميتها؟ فاكر عملت إيه؟
صرخت فيا: "إنتي لسه بتلعبي!"
رميتها …وقعت وهي ساكتة، قلبي وقع قبلها. أنا إللي اترميت ساعتها من الشباك وفضل خيال اسود مالوش ملامح.
أنا كنت بحبها…بس من يومها، بطّلت أحب اللي في إيدي. من يومها… وأنا سايبة كل حاجة تمشي، قبل ما حد ياخدها مني ويكسرها قدامي." …
أغمضت عيونها بوجع، لمست جرحها القديم...
تذكرت يوم إنه شد يدها... من الحرق.
ساعتها صرخت — مش من الوجع، من الخوف، من الإحساس إني لو غلطت،
هتسيبني... زي ما أمي وأبويا سابوني.
"غرزت إيدك في جرحي طلبت مني: ما عيطيش… ما حسيش… و أنا كتمت… بلعت الصرخة، بلعت العيلة، بلعت نفسي.
من يومها… وأنا كل ما أتوجع، أعض على لساني. كل ما أفرح، أكتم ضحكتي. كل ما أحب… أخاف. بقيت أنام جنب وجعي، وأصحى ألبس القوة زي هدومي. واللي يشوفني، يقول جامدة. بس الحقيقة؟
أنا بس… اتربيت على الكتمان."
ابتلعت ريقها، عينيها لمعت مش دمع…
ده كان ارتجاف الروح لما تتهز من كلمة كانت محتاجاها، بس عمرها ما جت.
اتجهت الي فراشها وسقطت عليه وتركت لنفسها العنان ..اليس من حقها اظهار مشاعرها فلتبكي فلتدع نفسها تبكي ..ظلت لفتره تبكي ..وكلماته ترن باذنيها ..انت غير ..انت مابتحسيش انت مابتعرفيش تحبي .
قامت بهدوء... كأن خطواتها فوق الزمان،
واتجهت نحو دولابها. مدت يدها المرتجفة، ولمست العلبة القطيفة... فتحتها بإيد بترتعش كأنها بتفتح على قلبها، وليس مجرد صندوق.
كانت "الدبلة" تلمع في عيونها... زي دموعها اللي واقفة، زي ذكرى مش بتموت، زي أمل اتكسر ومابيخلصش.
لمستها بإصبعها، ولمست معاها كل الوجع اللي خبّته سنين. همست لنفسها:
"أنا غير... أنا ما بعرفش أحب... ما بعرفش..."
أغمضت عينيها بقهر، وقفلت العلبة بسرعة،
ودسّتها في نفس المكان — كأنها بتخفي جراح بتصرخ جواها، بس مالهاش صوت.
قفلت الدولاب بعنف ناعم... وعادت مسرعة إلى فراشها، كأنها تهرب من نفسها، من قلبها.
فتحت تليفونها، وبيد مرتعشة بدّلت الشريحة، وضعت القديمة — شريحة الذكرى... والوجع.
وما إن عادت الحياة إلى الشاشة، حتى ظهرت رسالة أمامها... واسم "الأسمر" يبرق كطعنة،
كأن اسمه لوحده كفيل يرجّ قلبها ويوقظ الجرح القديم.
فتحتها — وهنا، رجف القلب الموجوع.
تهديد "الأسمر" كان واضحًا... مش بس تهديد! ده كان حكم إعدام... إعدام لمشاعرها، لقلبها، لحكايتها. كأنّه كتب عليها… أن يُقتلوها، واحدًا تلو الآخر.
قرأت تهديده... وأغمضت عيونها للحظة.
لحظة قصيرة — كأنها بتودّع وجعها القديم.
ثم فتحتهم... لتظهر نظرات جديدة، نظرات نّمّرة انجرحت، بس ما ماتتش! نّمّرة...
عايزة تاخد حقها من اللي نهش قلبها ومشي.
ظلت "مهره" ساهمة، شاردة النظرات، كأن شيئًا ما يجذبها إلى هاوية من الذكريات.
ابتسمت بهدوء، ابتسامة خاوية من المعنى، كأنها قررت أن تصمت حيث كان يجب أن تصرخ.
نهضت بهدوء، واتجهت نحو "شجن".
أخذت منها فستانًا كان يخصها، ثم عادت إلى حجرتها، خطواتها تشي بقرار لا رجعة فيه.
ارتدت الفستان، فردت شعرها بعناية.
ثم التقطت خاتمًا قديمًا يعود لوالدتها، وارتدته كمن يستحضر دفء الأمومة كي تتكئ عليه في لحظة انكسار.
وقفت أمام المرآة، تتأمل نفسها طويلاً.
لم تكن ترى ملامحها، بل كانت ترى امرأة لم تعهدها من قبل.
مدت يدها نحو الهاتف، كتبت له رسالة، وبعثتها، كأنها تطعن جرحًا قديمًا لتنهي النزف بيدها.
أغلقت الخط. أزالت الشريحة القديمة من الهاتف، نظرت إليها للحظة، ثم كسرتها بهدوء بارد، كأنها تكسر آخر خيط يربطها بضعفها القديم.
ثم قامت، واتجهت نحو أختها بعينين ساكنتين لا تحملان حنينًا ولا ندمًا، فهي الآن لا تريد أن تفكر فيه.
لقد اختارت أن تخرسه داخلها، كما تخمد النار تحت رماد ثقيل، لكنها لم تنس أن النار، مهما خمدت، لا تموت.
كان على الجهة الأخرى، يجلس وقلبه يشتعل، نار صامتة تأكل صدره، حين أتاه صوت التنبيه، رد منها.
هب من مكانه، كأن النار قد التهمت أنفاسه.
أمسك بالهاتف، وفتح الرسالة، ثم توقف قلبه للحظة، كأن الزمن تجمد في عينيه.
"مهره" كانت أمامه، شعلة من الأنوثة.
عكس ما اعتاد أن يراها تمامًا، كانت تبتسم له، ابتسامة سكنت قلبه قبل أن يفهمها.
ابتسامة خاطفة، هشمت حصونه دون إذن.
لانت ملامحه، ارتسمت على وجهه ابتسامة خافتة، وقلبه يخفق كما لم يخفق من قبل.
مد يده، يلمس الشاشة، كأنه يلمسها.
كأنه يهمس باسمها من بين الحنين واللهفة.
لكنه تجمد فجأة، تجمدت نظراته، وانكمش الشعور داخله حين سمع صوتها. كانت نبرتها قاسية، مغلّفة بالغلّ. قالت بجمود كالسيف رن صوتها في أذنه كصفعة.
ضحكت، ضحكة عالية، ساخرة، واثقة من نفسها كما لم يعتدها. ثم اخترقت أذنه كلماتها:
"إزيك يا وحش عيلة أبو الدهب؟ فقت من الصدمة؟ ولا لسه قاعد جنب عمك، بتنح عاللي فات؟"
ضحكت مرة أخرى، وكأنها تزيد الطعنة عمقًا.
"إيه؟ مش مصدق إن حد قدر على أسمر أبو الدهب؟ مش طايل تجيبني، هتموت، صح؟"
سكتت لثوانٍ. ثم باغتته بنبرة أكثر قسوة.
نبرة أنثى كسرت سكونها، وقررت ترد الكلمة بألمها:
"بس أحب أفرحك بيا... إيه رأيك؟ مش كنت بتقول عليا ذكر؟ باين!"
لفت حول نفسها بخفة، مستفزة، كأنها ترقص على وجعه. وقالت بنبرة ساخرة:
"آه، كنت بتقول إيه؟ إيه؟ آه، افتكرت...
ماخدش عتب حد، صح؟"
ابتسمت بمرارة، قبل أن تكمل:
"مش كنت بتقول بنت الغازية عتب؟"
أطلقت ضحكة عالية. ثم نظرت إلى يديها، ورفعتها أمام الكاميرا كأنها تستعرض انتصارها:
"أحب أعرفك بقى، إن فيه حد خد العتب ده، وبيموت عليه!"
أشارت إلى إصبعها، حيث يلمع الخاتم.
وابتسامتها الآن ممزوجة بالشماتة:
"جابلي حتة خاتم، يجنن! يليق بـ مهره هانم!"
مالت برأسها، وعيونها تبرق من نار مختلطة بالانتقام:
"إيه رأيك بقى في الخاتم؟ ما الهوانم يا حبيبي، بياخدوا اللي يليق بيهم، مش حتة سلك، تترمي في الزبالة."
تقدمت نحو الكاميرا بخطى واثقة، نظرتها ساخرة، ونبرتها مرة. رفعت يدها، وأشارت إلى الخاتم مرة أخرى. ثم قالت بابتسامة تحمل كل ألوان التحدي:
"حلو، مش كده؟ معلش، أصل فيه خواتم ليها صباع مهره، وفيه خواتم ليها الزبالة، يا ابن أبو الدهب!"
توقفت، وكأنها تستعد لطعنة جديدة.
ثم مالت برأسها بخفة وقالت:
"آه، وعلى فكرة... خدت فلوس من بتاعتكم،
وجبت بيها هدية للي يستاهلها."
غمزت له، واقتربت من الشاشة، كأنها تهمس في أذنه مباشرة:
"أنا نازلة..." أطلقت ضحكة خفيفة.
ثم قطبت حاجبيها بدلال مستفز، وهمست:
"أوبس... ما علش، ما طلعتش بتاعتك.
وإللي في إيدك، راح لغيرك."
استدارت قليلاً، ثم عادت تنظر إليه بنصف ابتسامة، وختمت:
"أسيبك بقى، يا وحش..."
اقتربت أكثر، هامسة، بصوت ناعم، لكنه حقيقي مشاعر حقيقي مست قلبه دبحتها. نبرة صدق ضائعة. فيها شيء يشبه الندم:
"هتوحشني..." ثم، أغلقت الرسالة.
ما إن انتهت الرسالة، حتى أحس بالجنون يتسلل إلى أعماقه كريح عاصفة. كان "أسمر" يقف متجمدًا، عيناه جاحظتان، ونظراته تائهة كأنه لا يرى. يشعر أن قلبه على وشك أن يخرج من مكانه، ليشتعل عن آخره.
الرسالة؟ كانت طعنة، لا، بل كانت قنبلة انفجرت في صدره.
"مهره" - أرسلت ما خلع قلبه من مكانه.
كلماتها كانت كالسكاكين، مغلفة بالضحك، لكنها تترك نزيفًا لا يُرى، ويقتل. سقطت على غروره هشّمته أرضًا.
صرخ فجأة، كمن ضاق به صدر الأرض.
ثم اندفع في الغرفة، يكسر كل ما حوله بلا وعي، يمينه ويساره، كل ما طالته يده تحطّم.
كانت لحظة انهيار، انهيار رجل ظن أنه لا يوجع.
هب "أسمر" واقفًا كالمجنون، وجهه محتقن، ودمه يغلي في عروقه. صرخ بأعلى صوته، كأن الحيطان تسمع وتشهد على وجعه:
"مين اللي هتتجوز؟ داني أجتلك واقطعك نساير مين؟"
كان يترنح في المكان، يضرب الجدار، يدفع الطاولة، يتكلم كمن فقد توازنه وكرامته معًا.
"البت بتتمسخر بيا، بت عمي، بت عمي بتتمسخر بيا؟"
أمسك برأسه، كأنه لا يصدق ما يسمعه أو يراه: "أني؟ أني يتعمل فيا كده؟ أني؟"
ثم صرخ كالممسوس: "هتتجوز؟ هتتجوز؟"
"ماينفعش، والله، لأموتها بيدي!"
تراجع خطوتين، ثم انفجر من جديد:
"هتتجوز ليه هو اني مرة... "أسمر"... بقي مرة عشان يسيبك تتجوزي؟ لأاااا... بروحك، وهتشوفي!"
صوت حنجرته كان يرتعد، أقسم بكل ما فيه: "ما هيحصلش! وهجيبك، هجيبك يا مهره، لو في آخر الدنيا!"
جلس على الأرض، لا، انهار فوقها.
أسند ظهره إلى الحائط، ثم دس وجهه بين كفيه، وانفجرت الذكريات عليه، كطعنات متلاحقة: ضحكتها، ملامحها، قربها، لمستها.
ضرب الحيطة بقبضته، نزف جلده، بس ما حسش. الوجع كان جواه، مش في الجلد.
في اللي اتكسر منه. رفع وجهه بوعيد حارق.
عايزه تتجوزي. تمام. قابلي بقى الأسمر واللي حضر العفريت يجدر عليه.
بكره أعلمك إن اللعب مع أسمر له تمن.
دخل عليه "جابر" بخطى ثقيلة ونبرة جافة:
جوم، جوم يا ولدي... أما نتكلم بره.
"أسمر" كان جالس، ملامحه جامدة، قلبه مولّع، صرخ بانفعال حاد:
ماعايزك تهبب دلوك! فوتني بحالي!
"جابر" ضرب الأرض بعصاه ورفع صوته عليه:
مالك محروج كده على بت الغازية؟
كأن جرح انفتح في صدر "أسمر"، كأن كلمة واحدة فاضت بيه... فصرخ وقلبه يسبق لسانه:
ما تجولش عليها اكده! إنت فاهم؟
تجمّد "جابر" وبهت وجهه:
إنت بتدافع عنها؟ ده إيه الحزن اللي فيك ده، يا واد؟
هبّ "أسمر" واقف، عيونه نار وصوته يرتجف بين الغضب والوجع:
لا! ما بدافعش... بس ما تجولش عليها اكده برضك! وخلصنا!
سكت لثانية، صدره بيعلو وينزل كأنه بيتخانق مع نفسه... ثم أدار ظهره ورزع الباب بقوة خرجت من كل اللي مكبوت جواه.
وقف "جابر" مكانه مبهوت، يشوف ضهر "أسمر" وهو بيبعد... ويحس لأول مرة إن أسمر به شيء جلل. اشتعل "جابر" غضبًا واندفع خارجًا من الغرفة كأن النار تسوق خطواته:
إيه! هنجعد نولول كيف النسوان والشركات تجع! لااا! احنا ما يهمناش حد! احنا لازم ننجف ونفرح ونعرف الكل إننا ما بنتكسرش!
نظر إليه والده بنظرة ثقيلة وقال بمرارة:
هتخرب إيه تاني يا جابر؟
لكن "جابر" لم يتراجع، بل تقدّم خطوة بثبات، ووقف كأنه يحمل على كتفيه اسم العيلة وتاريخها، ونطق بقرار رجّ البيت:
هنعمل فرح... يتكلم عليه البلد بحالها!
تبادلوا النظرات... فاردف "براء" و"وجد" خلاص، مش بس هيتجوزوا، ده هيبقوا بيان علني للناس كلها إن عيلة "أبو الدهب" ما بتهزش... ما بتنهدش.
ثم أكمل "جابر"، صوته يرتفع بثقة راكبة فوق الوجع:
يوم ما عملنا اكده أسهمنا وجعت بالبورصة، والكل بيتكلم. فلازم الكل يعرف... إن عيلة أبو الدهب ما بتموتش!
نظر "براء" إلى "أسمر" بعين مستنكرة، فيها رفض ومفاجأة، كأنه مش مصدق إن الدنيا بقت صفقة... مش زواج.
لكن "أسمر" فهم النظرة وحس في اللحظة دي إن "جابر"—رغم قسوته—كان عنده حق، وإن سمعتهم في السوق فعلاً اتهدت.
أشار إلى أخيه بعصبية وقال:
عندك حج يا عمي... القلم نزل، خلي الأسهم انهارت، واحنا لازم نعمل حاجة... من بكرة، هنعمل الولايم والدبايح، ونخلي الناس تتكلم عن عيلتنا مش عن فضايحنا.
اقترب "براء" منه، بصوت هادي بس حاد:
إني مش عايز وجد يا أسمر...
كان الكلام بسيط، لكن طالع من صدر موجوع ومزنوق.
ردّ "أسمر" بنبرة عملية، ما فيهاش مكان للرومانسية:
مشّي الدنيا يا براء... وابقى اتفرج معاها بعدين وتسيبوا بعض عادي. بس الحريقة تنطفي الأول، وبعدين كل شيء يتحل.
سكت للحظة، عينه راحت بعيد... وقال بنبرة أخفت فيها الحقيقة:
السوق ما بيرحمش، واللي يوجع... يتداس.
شعر "براء" بالقهر ينهش قلبه، كأن صدره لم يعد يتسع لأنفاسه، وصعد إلى حجرته كأنه يصعد إلى سجنه الخاص. أغلق الباب خلفه وجلس أرضًا، يتنفس كمن يجرّ خلفه العمر بأكمله.
مدّ يده إلى الدرج وأخرج الورقة التي تحتضن بعضًا من رائحتها... من روحها.
ضمّها إلى صدره كأنه يخبئها من الزمن، وصوته خرج هامسًا، مكسورًا:
يا ترى... إنت فين؟ ليه مابتكلمنيش؟ عملوا فيكي إيه؟ إنتي كويسة؟ بتعيطي؟ بتتوجعي؟ ولا زينا... اتكسر فيكي كل حاجة وسكتي؟
رفع الورقة إلى وجهه، شمّها كأنه يبحث فيها عن آخر أنفاسها. تلمّس قلبه على صدره، ثم قال بوجع طالع من عمق ما تبقّى فيه:
وحشتيني يا ملاكي... والله، ملاكي. هكتب اسم حد غيرك على اسمي إزاي؟ إزاي؟
نزلت دموعه دون إرادة، دموع خرساء، لا أحد يراها، ولا أحد يسمع الصوت اللي بيبكي جواه. كان يعلم... لا طريق له إليها، ولا سبيل لإبعاد غيرها. لكنه لا يعلم كيف سيكمل، وقلبه معلّق في غيابها، يحترق، ويشتاق... ويموت بالبطء.
وقف "براء"، وصوته بدأ يعلو رغم هدوء نبرته:
يعني أنا أضحي بوحده مالهاش ذنب؟ بس عشان الناس تسقف؟ عايزينّي ألبس صورة مش ليا، وأنام جنب واحدة أنا مش طايج أبص في عينيها؟
مد إيده وهو بيتنفس بصعوبة، كأن الكلام طالع من جوه حرقة:
هعمل اللي عايزينه بس بطريجتي واللي يحصل يحصل.
التفت، ومشى بهدوء... بس رجله كانت بتترعش، لأنه لسه مش قادر يبلع اللي جاي.
غرفته مظلمة، إلا من نور خافت ينبعث من مصباح صغير على مكتب خشبي قديم. جالس، منحني الظهر، عيونه حمراء، ويده ترتعش يمسك احد الاقلام. أوراق كتيرة مكوّمة، كلها مشطوبة، محاولات فاشلة للاعتذار. حاله من الجنون اصابته، فكرة بعدها اصابه بخلل نفسي فوق خلله الطبيعي. بدأ يكتب، بصوت داخلي، كأنه بيحكي لجدران بتشهد على قهره وانكساره:
"مكنتش ناوي أكتب... مكنتش ناوي أتكلم... بس الوجع بقى تقيل، وأنا... مش عارف أهرب من صورك وهي بتطاردني في كل حته. كنت نجدتي من الضياع... بس أنا غرقتك بإيدي.
فاكرة؟ لما قولتيلي إنك شايفة جوايا بني آدم؟ طلعتي غلطانة... أنا مش بني آدم، أنا كنت خنجر مغروس في ضهرك، وإنتي واقفة بتصدقي حضني. أنا اللي خليتك تحبي الحضن ده، وصدقتي على إنه وطن. أنا عمري ماكنت وطن لاني من الاساس ضايع ماليش وطن. أنا اللي كسرتك، وأنا عارف إني ده الكسر الوحيد اللي مش بيتصلّح.
مفيش مبرر... مفيش تفسير... الانتقام خدني، ولما فوقت... كنتي مش موجودة... كنتي خلصتي مني، وده حقك. ساعات اقول اني ماستاهلش وبعدك راحة ليكي... بس غصب عني خايف... انت اللي علمتيني ابقي انسان... خايف ابطل احس اني انفع بني ادم زي الخلق... كانت دموعه تسيل عالورق وشهقاته تعلو وتعلو.
"مش هبرر... ولا هستعطفك... ولا هقول كان غصب عني... أنا اللي اخترت. اخترت أكون واحد من اللي خلعوا قلوبهم، ولبسوا وش الانتقام، ومشوا يدوسوا في طريقهم على كل شيء نضيف." كنت فاكر إن العيشة اللي دمرتني، تبرر إني أدمر غيري... كنت فاكر إن الذل اللي شربته، يديني الحق..."
دلوقتي ببص لوشي ومش شايف راجل.
شايف شبه راجل… بس روحه مهزومة.
أنا مشيت ورا وجع سنين…
وخليت الحب الوحيد اللي نور لي قلبي… ضحية طريقي.
إيه اللي كنت بدور عليه؟ انتصار؟
لا انتصرت ولا حتى أخدت حقي.
أنا بس… بقيت شبه اللي كسر مرايته… استاهل أكره نفسي كل يوم.
أنا عشت عمري أدور على نقطة ضوء… ولما لقيتها… طفيتها بإيدي.
بس لو في العمر لحظة رجوع…
كنت هعيط عند رجلك وأقولك:
"سامحيني… مش علشان أستاهل بس علشان قلبك الطيب ما يكونش حب واحد زيي."
بس أنا عارف… الرسالة دي مش هتوصل.
ويمكن حتى لو وصلت… عينك مش هتبص فيها
لأن اللي زيي… ميت حتى وهو عايش.
أنا دلوقتي بندم…
اسمي بقى لعنة على لساني… وضميري بياكلني وأنا بكتب لحد مش هيرد ومش هستنى الرد…
دي آخر حاجة هقدر أعملها… أكتبلك وأعترف وأبكي في صمتي…
سكت ويده تضغط القلم اللي انكسر. سحب الورقة يطويها يضعها داخل ظرف ويكتب عليه بخط مرتعش: "إلى من كانت ملاكًا… وغدر بيها شيطان."
نظر للظرف الطويل لا يتحرك… وكلمة شيطان ترن بداخله… يسحب ورقة جديدة… يكتب هذه المرة ببطء ويملي على نفسه بصوت يملؤه الحقد على ذاته…
"إلى الشيطان الذي يسكن جلدي… إلى نديم الذي باع قلبه بوهم انتقام… أنت السبب… كنت عارف إنها بتحبك وكنت عارف إنك بتحبها بس سيبت كل ده وجريت ورا غلك… ليه؟ ليه خنتها؟ ليه طعنتها وهي سندك؟ كنت شايف في عينها أمان وكسرت ده الأمان. دلوقتي بتبكي؟ دلوقتي بتكتب؟ لمين؟ لروح مش هتشوفك تاني… لو شفتك هتتمنى ما كانتش عرفتك.
فاكر ضحكتها؟ راحت.
فاكر حضنها؟ اتبدل بفراغ بيقرص في ضهرك وانت نايم.
انت مش ندمان… انت منتهي.
منتهي بمعنى الكلمة… الانتقام كسب والحب خسر وإنت كنت الكفة اللي رجحت الخسارة.
كل يوم حتقوم تفتكر وتلعن… بس لا حد هيغفرلك ولا هي هتكون جنبك.
ودي العدالة الوحيدة اللي باقيالك."
"أنا ماستاهلتهاش… بس هي كانت آخر نقطة نقاء في قلبي وأنا… أنا خنقتها."
ينتهي من الكتابة يطوي الورقة ويكتب على الظرف بخط مهزوز: "من نديم… إلى نديم. اقرأها كل ما تنسى إنك ما تستاهلش تسامح نفسك."
يسقط رأسه على الطاولة ويجلس في صمت ثقيل… كأن الحياة نفسها رفضت تكمل المشهد.. يبكي بصمت ..
"بس أنا مش شيطان… أنا أضعف من إني أكون شيطان… أنا بني آدم خان كل حاجة بس والله مريض وغلبان… ."
يسحب كرسي ويجلس في العتمة… لا نور لا صراخ… فقط همس ورق ونفس متقطع وشهقة مختنقة تتسلل من قلب رجل لم يبق منه إلا اسمه… وندمه.
عند "وجد"…
كانت جالسة في ركن غرفتها لا تتحرك…
حتى وصلها صوت والدها حاسمًا لا يقبل نقاشًا. ثم دوت الزغاريد… وانتشر الخبر في أنحاء البيت كالرصاص في ليل هادئ.
ارتجف قلبها… كأنه هوى من بين أضلعها…
وشعرت أنها ماتت حية. كيف؟ كيف تجبر على الزواج من ابن عمها؟ وهي متزوجة في السر؟ كيف تزف إلى غيره؟ كيف فعل بها ذلك من ظنت أنه "روحها"؟
لم تصرخ… لم تبك… لكن صوت أنينها كان يعلو في صدرها… كأنه طعنات تئن دون دماء.
الدنيا دارت بها… العالم كله اختل أمام عينيها…
ثم اسودت الرؤية وغابت… وسقطت أرضًا… كأن الأرض لفظتها من شدة الوجع.
مر الوقت… واستفاقت "وجد". كانت الغرفة ساكنة والهواء ثقيل كأنه يشهد على جريمتها أو يختنق معها. جلست منكمشة… عيناها تائهتان ويديها تقبضان على أطراف ثوبها كأنها تبحث عن ثبات في العالم.
تفكّر…
"هتجوز إزاي؟ أنا متزوجة… أو مش متزوجة؟
طب لو اتجوزت هييجي؟ هيفضحني؟
هيطلع الورق؟ طب… ليه؟"
"طب… براء؟
براء هيعمل إيه لما يعرف؟ هيموتوني!"
سكتت… ثم شهقت شهقة حادة كأنها تذكرت خنجرًا نُزع من قلبها…
"المنديل! لطمت وجهها بكف مرتعشة…
وانفجر صوتها:
"منديل العار يا بنت جابر! يوم جوازك… يوم فضيحتك!"
نزفت الدموع من عينيها دون إذن… وقالت… كأنها تناجي شبحه:
"ليه؟ ليه الغل ده؟ تفضحني؟ أنا؟ أنا يا نديم؟!"
سقطت الدموع على الأرض… كأنها بتودع نفسها… اللي كانت بتصدق…
دخل "براء" عليها… كان صوته ساكنًا…
لكن خطواته ثقيلة… كأنها تحمل ما لا يقال.
رفعت "وجد" عينيها… وعيناها ككأسي دم…
احمرتا من البكاء والخوف يرتجف في نظراتها. شعرت برهبة… كأنها تنتظر حكمًا بالإعدام… لا مجرد حديث.
اقترب "براء" وصوته خرج واضحًا ثابتًا خاليًا من العاطفة:
"اسمعي يا بت عمي… الكلام ده بيني وبينك. احنا هنمشي الدنيا… ها؟ وما تستنيش يا بت عمي إني أبقى راجلك… فاهمة؟ نمشي أمورنا… وبعدين… كل واحد يروح لحاله."
كان كلامه أشبه بمسمار يدق في صدرها…
لكنّه تابع دون تردد:
"إني مش رايدك… ما تزعليش… أنا بحب واحدة تانية… ورايدها. فعشان كده… هنتجوز صوري… وما هجربش ليكي.
اصحك تزعلي… إنت زي الفل… ومين ما كان يتمناكي! بس إني… ما نفعلكيش."
سكت للحظة… ثم أدار وجهه وخرج دون أن ينتظر ردها.
وخرج…
جلست "وجد" كأن روحها قد ردت إليها بعد الغرق. لأول مرة منذ زمن، شعرت بأنفاسها تعود. همست لنفسها، تبتسم بمرارة:
"أزعل؟ أزعل؟ يبارك فيك يا ابن عمي… رجعتلي روحي. استنى تبقى راجلي؟ هي مين؟ لا انت… ولا غيرك."
سحبت نفسًا عميقًا، كأنها خرجت من قبر:
"خلاص… وجد ماتت بالحيا. الحمد لله يا رب… انت كريم… ما هتفضحنيش. ما هيدخلش عليا… وشوية كده ويطلقني!"
ضحكت، ضحكة يائسة لكنها مشروعة:
"خلاص… واترهبن عمري كله… هعوز إيه تاني؟ متت… وماتت أيامي. منك لله يا نديم… عملتلك إيه؟ ده أنا… أغلب من الغلب!"
سكتت، ورفعت وجهها للسقف كأنها بتسلم وجعها لربها… ثم هبطت نظرتها للأرض.
لكن في عيونها نار، في قلبها رغبة مجنونة…
إنه يحس. عايزة توجعه، تصرخ فيه، ترمي عليه إحساسها… عايزة تحرقه زي ما حرقها.
أمسكت "وجد" هاتفها بأصابع مرتعشة.
أنفاسها مخنوقة، لكن كلماتها خرجت.
وخرج معها آخر ما تبقى من نبضها.
كتبت له…
"إزيك يا نديم؟ عايش؟ حلو؟ مبسوط؟
عمومًا… حابة أفرحك. خلاص… القصة خلصت. آه والله… لو يعني عندك إحساس…
وبتحس… أو حتى عندك ضمير من أساسه…"
صمتت لحظة، ثم تابعت:
"جايالك بخبر يفرح… باركلي يا نديم… وافرح… مراتك هتتجوز… عقبالك!"
ضحكت، ضحكة فيها وجع ميت.
وقالت:
"أيوه… هتجوز… هيجوزوني ابن عمي… وطبعا… هيعوز منديل… وكده."
هنا خانها نفسها، فانسكبت الكلمات كطعنة على جرح لا يندمل:
"قولي يا نديم… أجبله منديل منين؟ قولي أعملها إزاي؟ ما أنا بقيت معيوبة… ما تدلي فكرة كده… أعدي الليلة دي إزاي؟ إنت غدرت… قولي أغدر بأهلي إزاي؟ أستر نفسي بعد ما فضحتني… إزاي؟"
كانت تبكي، ولا تبكي… لأن الألم تخطى حدود الدموع.
"بس عارف؟ هعمل إيه؟ هتجوز ابن عمي.
وليلتنا… هويطي على رجله… أبوسها… يستر عليا… ما أنا آخري تحت الرجلين… اللي تسلم لغادر زيك… تستاهل."
شهقت، وتنفست وجعًا:
"بعتلي تقولي: جوزك وماتخافيش طول ما أنا عايش؟ هو أنا فاضلي غير الخوف؟ والله… ما فاضل."
صمتت… ثم كتبت:
"وإنت فاكر إنك لسه عايش؟ إنت مت ألف مرة… مت بالنسبالي… ودفنتك… وخدت عزاك."
ابتلعت حرقتها، ثم وجهت آخر طعنة:
"بس عارف؟ جايز ابن عمي يصعب عليه…
ويستر عليا… ما هو ابن أصل… مش خسيس."
وتابعت، بصوت مخنوق بين الانكسار والدعاء:
"ادعيلي… راجل غيرك يسترني بعد ما فضحتني يا… "مش عارفة… إنت مين أصلًا؟ ولا اسمك إيه؟ ولا عملت كده ليه؟"
"بس كل اللي أعرفه… من قلبي… وبحرقة…
بدعي عليك… تدوق لوعتي، وقهرتي…
نفسي تدوقها… آه والله… دوق الفضيحة والعار… من قلب واحدة… ما عملتش حاجة في دنيتها غير إنها… حبيتك."
سحبت نفسًا أخيرًا، وهمست:
"يا راجلي…"
ثم ضحكت… ضحكة مليانة سخرية باكية:
"لا… راجلي إيه بقى؟ إنت… ما ينفعش تبقى راجل… ولا حتى شفتك راجل من أساسه."
ثم أغلقت الهاتف، رمته به بعيدًا كأنه رماد الذكرى، وانهارت على الأرض… تبكي بلا صوت، كأنها تنتحب على جنازة قلبها.
كان "نديم" جالسًا في عتمة غرفته، ظلال الليل تكسو ملامحه، ويده تتحرك على الورق كالمسحور، يخط فوق خط، يكتب فوق كتابة، كأنه يحاول إخراج ما بداخله لكنه لا يملك لغة تسع جرحه.
عينا نديم كانتا جاحظتين، تشبهان عيون من رأى شيطان قلبه أمامه. كان كأنه ممسوس بالندم، مشلول بالعجز.
فجأة… وصلت الرسالة. م يكن هاتفه يضيء فحسب، بل قلبه انطفأ في اللحظة ذاتها.
قرأ أول سطر… ثم توقف. يده ارتعشت.
نفسه اختنق. شعر أن قلبه توقف بالفعل.
هب واقفًا، كأن جسده ينتفض من نار تشتعل فيه. أمسك الهاتف، اتصل بها… مرة، مرتين…
عشرات المرات…
كان صوته يعلو في الفراغ:
"ردي… بالله عليكي ردي… وجد!! وجد بالله عليكي!!"
لكن الهاتف كان صامتًا كالمقبرة. لا صوت…
ولا حياة. كان يصرخ لكنها كانت قد أغلقت كل نوافذها. انتهى كل شيء… و"وجد" تنتظر ذبحها، بعينين مغمضتين على ذكرى خيانة.
هب "نديم" واقفًا كأن صاعقة ضربته في صدره، صرخ صرخة مخلوق احترق قلبه وهو حي: "البنت راحت!! نهارك اسود يا نديم…
هيموتوها… أيوه… حبيبتي هتموت! مراتي… بتاعتي!"
كان يهذي وهو يركض داخل الغرفة كالمجنون، يضرب الجدران، يركل الأبواب.
"نهارك طين يا نديم… عملت إيه إسود على دماغك!"
رفع وجهه، والدمع يتفجر من عينيه:
"بقي يفرح جابر؟ عايز يوريني إنه هيقدر عليا؟ لاااا… وجد بتاعتي! بتــاعتي!"
ثم زمجر، وصوته خرج كوحش انفك من قيوده:
"وهحرق قلبه! هحرقه زي ما حرق قلبي…
وجد ماحدش هياخدها غيري… ومش هسيبها لحد يأذيها!"
صرخ نديم، والنار بتلسع صوته من جواه:
"جواز إيه؟ وتوطي إيه؟ لا عاش ولا كان اللي توطي له، ولا يخليكي توطي! دانتي… ست البنات، عالية… وغالية… ومافيش فيكي حاجة تنحني!"
وقف مكانه، أنفاسه بتنهش صدره، وكل كلمة كانت طعنة في قلبه هو قبل غيره.
"جايلك… يا قلب نديم، جايلك يا وجد…
وجاي أقولها قدام الكل… إنتي مراتي،
مرات نديم عامر أبو الدهب!"
رفع راسه، صوته كان زئير:
"ابن عمك ما يهمنيش. العيلة… ما يخوفونيش. هقول وهتشوفي، ولا هسيب مخلوق يأذيكي، ولا هسمح لدمعة تنزل من عنيكي!"
ثم التفت فجأة، ركض نحو غرفة "مهره"،
فتح الباب بعنف، عيونه مشتعلة:
"قومي! قومي جهزي أختك… إحنا مسافرين!"
نظرت إليه مذهولة:
– نسافر؟ نسافر فين يا نديم؟ إنت اتجننت؟
صرخ بحرقة وهو بيخبط على صدره:
– لا ما اتجننتش! مراتي… مراتي هيجوزوها! فاهمة ده معناه إيه؟ قومي! محدش هيقرب منها طول ما أنا عايش!
نظرت له برهبة، صوتها مكسور:
– نديم… اهدى وفكر، ممكن نبعت لهم، ممكن نتصرف بهدوء، إنما تروح بنفسك؟ دول ممكن يقتلوك… وده اللي هيحصل!
صرخ وهو بيجز على سنانه، كأن قلبه بينزف:
– يبقى ارتاحت! وارتاح قلبي! أنا مش هسيبها تتوجع تاني… كفاية إللي حصل. أنا مش هستخبى طول عمري… هروح وأطلب حقي في النور. كفاية داسونا…
كفاية خلونا نعيش في الظلمة.
مراتي وحبيبتي تتبهدل وأنا حي!
لا والله...
يضربوني يقتلوني يفارقوني عن الدنيا
بس هي... تتردلها كرامتها.
وهرجع لها فلوسها باسمها.
أنا مش طمعان في حاجة.
أنا مش حرامي!
أنا "نديم عامر أبو الدهب"...
أنا اللي معايا قدهم ويوزن عيلتهم كلها.
قومي يا مهرة... قومي أجيب لمراتي حقها...
متتوجعش... ومتخافش...
ده عهدي ليها حتى لو هموت!
كانت "مهرة" واقفة سمعاه، بس رجليها مش شايلينها...
صوته بيرن في ودانها زي طبل حربي، بيعلن إنه طالع يموت... ورايح بإيده.
قربت منه، عينيها مليانة دموع، وقالت بصوت مكسور:
"وهنفضل ندفن نفسنا بايدينا؟ هنكمل نسيبهم ياخدوا مننا كل حاجه؟ طب وإنت يا نديم! لو حصلك حاجه! هسيبك تروح زي أبويا! هسيبك تتاخد.. إنت ضهرنا.
لو راح الضهر، مين هيشيل؟
لو اتكسرت إنت... إحنا نضيع يا نديم!"
انهارت دموعها، وقعدت على الأرض، صوتها مختنق:
"مش قادره أشوفك رايح للموت برجليك..."
بكت بحرقة، وهي تتمسك بإيده:
"ابوس إيدك... فكر، خطط، إوعى تتهور...
لو مش عشاني، عشانها... عشانها تعيش وهي عارفه إنك عايش وبتحبها.
متسيبهاش تعيش بوجعين... فقدك وكسرتها."
كان واقف قدامها، وصوت بكاها بيخرق قلبه...
ضهر أخته... اللي اتحملت معاه وسندته، والنهارده بتترجاه ما يتهورش.
اتنفس بعمق... صدره طالع نازل كأنه بيبلع نيران.
قرب منها، وركع قدامها...
بص في عينيها والدمع بيبرق جوه عنيه، بس الملامح حازمة، راجحة، فيها عزم الرجالة اللي اتربوا على الوجع من صغرهم.
قال بهدوء غريب وسط العاصفة:
"وكل حرف منك نزل على قلبي سكاكين.
بس أنا لازم أكون النديم اللي وجد حبتُه...
مش اللي يستخبى، ولا اللي يبيعها.
أنا مش رايح عشان أموت يا مهرة،
أنا رايح أعيش بكرامة... وارجع لها كرامتها."
مسح دموعها بإيده بحنية، وقف، ومد إيده لها عشان يقومها، وصوته فيه رجاء:
"خليكي ضهري زي ما كنتي دايمًا..."
اقتربت "مهرة" منه بخطوات مترددة، عينيها متسعة برعب حقيقي، صوتها مهزوز من الخوف اللي بيهز قلبها:
"طب... سيبني أروح بدالك يا نديم... أنا ماليش غيرك!"
نظر إليها بعينين فيها وجع الدنيا كلها، وصوته كان حاد لكنه مكسور من جوه:
"أسيبك تروحي! ليه! "مرة" مش راجل!
يا مهرة... والله ما خايف، بس لو مِت... يمكن الكل يرتاح.
سيبيني... مش قادر أرجع خطوة."
سكت لحظة، وبص في عنيها وكأن بيحفر فيها آخر نظرة:
"حضري أختك يا مهرة... أنا رايح أرجع لها اسمها وكرامتها... حتى لو تمن ده دمي."
ثم استدار بعزم، خطوته تقيلة كأنها بتشد الأرض وراه، وسابها واقفة في المكان، قلبها بيقع من الرعب، عارفة إنهم... هيقتلوه من غير ما يرمش لهم جفن.
دخلت "مهرة" على "شجن"، فوجدتها جالسة على الأرض، تتفحص صورها القديمة مع "براء"، ملامحها شاردة، كأنها بتحاول تمسك بلحظة حب هربت منها...
لكن ما إن رأت "مهرة"، حتى أخفت الصور بسرعة، وارتبكت.
ظلت "مهرة" واقفة تنظر إليها بصمت، نظرة كلها وجع وحسرة، حتى قالت "شجن" وهي تهرب من عينيها:
"إيه! بتبصيلي كده ليه؟"
تنهدت "مهرة" بمرارة، بصوت مبحوح وجع:
"لسه بتحبيه، صح؟ وإنتي عارفة... إنه هيتجوز غيرك."
أحنت "شجن" رأسها، كأن الكلمة كسرتها، وسالت دموعها من غير صوت، بس "مهرة" ما سكتتش، قربت منها، لمّت حنانها وغضبها في جملة واحدة:
"قومي. هنسافر."
رفعت "شجن" عينيها بدهشة وارتباك:
"نسافر؟ فين؟"
قالت "مهرة" بجمود يخبي وراه رعب الدنيا:
"هنروح لعيلتك المصونة... أخوكي رايح يمنع الفرح."
شهقت "شجن" وانهارت:
"لااا! هيموتوه! هو اتجنن؟"
تنهدت "مهرة"، ودمعة حبست في رمشها:
"ربنا يستر... قومي يا حبيبتي."
هزت "شجن" رأسها، كأنها بتترجى الدنيا تمشي أسرع من وجعها:
"لا... سيبوني هنا. مش هقدر."
هنا انفجرت "مهرة"، مسكتها من إيديها بقوة، نفضت عنها الضعف:
"لا! هتقدري. عشان تبقي قوية... لازم تشوفي وجعك بعينك، تدوسي عليه، تبيني إنك مش مكسورة. لا زم تبطلي تبقي ضعيفة... دا مش زمن الضعف!"
ثم تركتها، وقامت واقفة، وخطوتها كانت بداية المعركة.
كانت "وجد" تجلس في المنتصف...
الكل يزيّنها، يبتسم لها، يلقّنها كلمات الفرح...
وهي كالميتة. لا تشعر بشيء، لا تميّز من حولها... بلادة غير عادية، كأن الروح هجرت الجسد، وتركته يتأرجح في الزيف.
كلماته وحدها كانت تدور في أذنيها، ترتج داخل عقلها كنبض لا ينقطع: "وجد بتاعة نديم... وجد روح نديم... أنا جوّزك، أنا جاي!"
كانت تبتسم أحيانًا بلا وعي، وبين ضجيج النساء، وزينة الخدام، وزغاريد لا تصل قلبها.
ليدخل أبوها، يمسك بيدها، يجلسها وسط النساء، ثم يتركها، ويدخل إلى مجلس الرجال.
هناك، كان الجمع مكتملًا... الرجال على مقاعدهم، الجد في صدر المجلس، والوجع واضح في قسمات وجهه. يعلم أن "وجد" لا تحب "براء"، ويعلم أن ما يحدث... لا يمت للحياة بصلة.
جلس "أسمر" بجوار أخيه، وجلست الكراهية متربعة بين "براء" و"جابر"، والمأذون بدأ يرتل كلمات العقد، كأنها طلاسم تغلق أبواب الرحمة.
"قول ورايا يا حاج جابر... أزوّجك بتي، البكر الرشيد، "وجد جابر أبو الدهب"، على سنة الله ورسوله..."
قال "جابر"، مترددًا، صوته ثقيل:
"أزوّجك بنتي، "وجد جابر أبو الدهب"، على سنة الله ورسوله..."
وفجأة... صوت صَدَح في المكان، شقّ الهواء، جمّد القلوب، وأوقف الزمان... عندما...
رواية عودة الذئاب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ميفو السلطان
دخل نديم أرض "أبو الدهب" وجسده ينتفض برجفة لم يدرك لها سبب، وقلبه يخفق كأن بداخله طبل حرب يقرع. ومعه أختاه "شجن" و"مهره".
ما إن وطأت قدماه التراب حتى استيقظت الذاكرة من سباتها، تنهش عقله وتعيد له مشاهد الطعنات التي لم تندمل، كأنها وقعت قبل لحظات، لا سنوات.
وقف أمام القصر، وأبوابه ما زالت تقف شاهدة على موت ذلك الطفل داخله. تذكر يوم خرج مذبوحاً من داخله وهو ابن الثالثة عشرة، خرج لا يحمل سوى الوجع، والدمعة التي جفت قبل أن تسقط.
تجرع مرارة الماضي، ورفع صوته عالياً، كأنما يعلن عودته للسماء قبل الأرض:
"أنا دلوقتي راجع... مش عشان انتقم، راجع آخد حقي اللي خدته يا جابر... راجع أقف على رجلي، حتى لو آخرها هتكون حفرة أندفن فيها!"
ثم التف إلى "مهره"، أخته التي رافقته في درب عذاب ما اختاراه، بل فُرض عليهما.
مد يده نحوها، أمسك يدها بقوة، كأنما يستمد منها آخر ما تبقى له من عزيمة، همس:
"الرحلة دي أنا بدأتها معاكي يا مهره... واحتمال كبير أنهيها بس لوحدي. طول عمري بحط عليكي وبدوس، سامحيني يا حبيبتي... أنا هدخل ومش عارف احتمال كبير ما أخرجش."
صمت لحظة، ثم أردف بصوت مرتجف، تخنقه مشاعر فخر ومرارة تندما شدت علي يديه بقوه:
"على قد ما اتوجعت، على قد ما أنا فخور بيكي... ولا يوم كسرتي ضهري، دايمًا كنتي سندي. خلي بالك من نفسك... إنتي كبيرة، عالية فوق الكل... لو رحت، أوعي ضهرك ينحني لمخلوق!"
تنهد بحرقة، ثم تابع:
"لو جرالي حاجة، قولي لوجد إني مش غدار... أنا جيت أضحي بروحي عشانها. قوليها إن نديم مش خسيس، ولا عمره كان... بس أبوكي عمله مريض. قوليها إن نديم هيسيب روحه لأهلك، بس ولا ضفر منك يقع، ولا حد يقربلك. قوليها كان نفسه يفرح بيكي ومعاكي... بس الدنيا ما سابتهوش. خليها تسامحني يا مهره. وخلي بالك منها، دي غلبانة..."
لم تتكلم مهره، ولم تسح دمعة... كانت عيناها كمرآتين انكسرتا منذ زمن، تلمعان بالصمت لا بالدموع، وكأنها قررت أن تظل قوية، فقط لأن نديم قرر أن يكون ضعيف للحظة.
تنهد "نديم"، ونظر إلى "مهره" نظرة الوداع القاسي، ثم قال بصوت أرهقه الوجع:
"أنا جيت هنا، وخرجت معاكي ميت. بس اهو، جيت تاني. ادعيلي أخرج بيها تحييني.. سامحيني علي إللي عملته فيكي. ولو مت ادفنيني جنب أمي وأبويا... إياك تدفنيني هنا يا مهره."
نظرت إليه مهره، وعيونها تدمع ك بحر من الحنين فقال:
"بصيلي... هتوعديني إنك تكملي ولاد عامر ماينقطمش ضهرهم، فاهمة؟ حق "وجد" في فلوسي... تاخده. شركة "النديم" وفلوسه ليها، حقها محفوظ."
مدت يدها نحوه، أمسكت يده كمن يتمسك بروحه الأخيرة، وقالت:
"أوعدك... يا حبيبي."
ثم التفت إلى "شجن"، تلك الطفلة التي كبرت قبل أوانها، ومد ذراعيه، وضمها إلى صدره كما لو كان يودع وطنه الأخير.
"يمكن ترتاحي مني... بس والله ما كنت أقصد أوجعك... بس عارفة لما أخش هناك، لو روحت، ما يبقاش وجعك على أخ لأني عمري ما كنت أخ حنين. كنت بستعد لليوم ده، أروح وما تتوجعيش... لأنك ما خدتيش حنية من مخلوق."
ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا، متهالكًا... كان منديلًا قديمًا بلون باهت، مطرزًا بخيط أزرق على حافته، كتب عليه بخط غير متقن:
" ن. م. ش."
حمله منذ خرج من هذه الدار قبل سنوات، كان كل ما تبقى له من أمه... قطعة قماش كانت تمسح بها دموعهم وهم صغار، ثم خبأته في جيبه يوم خرج من حضنها وعاد وجدها ميته.
رفعه إلى شفتيه، قبّله، ثم طواه ببطء، ووضعه في يد شجن المرتجفة، وهمس:
"لو ما رجعتش... ده يبقى مني ليكي. ده من ريحة أمك كنت عملاه لينا. عمري ما طلعته لحد ولا حد شافه.. كنت لما بنوجع بحطه علي نفسي يديني روح.. ده ليكي يا شجن من امك يا حبيبة اخوكي. فيه ريحتها... ووجعنا. ده قلب اخوكي خلي بالك منه دا وجعي ابقي امسكيه واترحمي عليا"
نظر الي الحروف.. ن.. م.. ش... كأنها تخط حدثا جديدا.. نهاية النديم... مرارة الماضي.. شرف العودة.
ثلاث حروف خيطتها أم لا تعرف أن الدهر سيجعل كل حرف منها ضلعًا مكسورًا في الذاكرة. تنهد وهمس بحنين... ن.. م.. ش.. بغصة خرجت منه في شكل ثلاثة حروف.. ولكنها لخصت حكاية وجع ومرارة، واختتمت رواية النديم… بمنديل أرق من النسيان، وأقسى من الموت.. المنديل... لم يكن قطعة قماش، بل كان كفنًا ملفوفًا على قلب لم يدفن بعد.
ساد صمت كثيف، كأن الزمن نفسه حبس أنفاسه احترامًا لهذا الوداع، كأن الأحرف تخط النهاية.
مسك يدها، وقبّلها، فسالت دموعها بحرقة على وجناتها، وهمس:
"سامحيني يا شجن... على قد قسوتي، كان ليكي إنت بالذات غلاوة في قلبي. الصغيرة اللي ما ترحمتش، اللي ما حضنهاش حد بجد. ابقي تعالي زوريني في قبري... ما تستخسريش فيا دعوة، أنا كنت بحبك والله بحبكو قوي سامحوني."
كان يحضنها كأنه يضم سنوات طفولتها المسروقة، يخبئها في صدره من كل الأذى، يعيد لها في لحظة ما لم يمنحه في عمر.
"كانت "شجن" تبكي في صمت، تحتضنه كأنها لا تريد أن تفلته من بين يديها آخر ما تبقى لها من أمان. اقتربت "مهره"، فشدها هو الآخر إلى حضنه... كأنه يختزنهم في ذاكرته الأخيرة، قبل أن يخطو الخطوة التي لا عودة بعدها.
كان المشهد يمزق القلب... ذئاب عادت، ولكن في القلوب ملائكة عانت من الذبح وهم أحياء. كانوا ثلاثة، لكن وجعهم كجبال لا تحصي.
جلست "شجن"، في المقعد الخلفي، ظهرها ملتصق بالمقعد، وعيونها تزوغ من الضيق.
تتنفس بصعوبة، كأنها لا تنتمي لهذا اليوم، ولا لهذا المكان. تراهم يترجلون..
أنا ماليش مكان جوا... هو بيفرح جوا، هدخل ليه؟ كنت بحلم أبقى عروسة في الليلة دي... بس هو قتل الحلم ده. أنا بقيت أضعف... وضعفي بقى اسمه براء أبو الدهب." همست بها، ودموعها تهطل بلا توقف.
ثم قالت برجاء:
"نديم، ممكن أقعد في العربية؟ ماعرفش حد... من فضلك."
نظرت إليها "مهره" بنظرة تحمل الغصة، ثم قالت بنبرة ساخرة، يختبئ خلفها الألم:
"إيه؟ مش عايزة تشوفي حبيب القلب في الكوشة؟"
أطرقت "شجن" رأسها بوجع، ولم تجب.
فتنهدت مهره، ثم قالت:
"خليكي نص ساعة... وادخلي. لازم نبقي مع بعض. عشان ممكن يحصل قلق... واللي جاي محتاجك ثابتة."
ثم تنحنح نديم، وشد كتفيه كأنه يلبس درعًا من الإرادة، واستدار نحو بوابة القصر، لا يلتفت، لا يتراجع... ومشى تحوطه الهيبة ومعه فرسته التي يستند عليها... كأن خطواته تكتب سطر الختام في رواية لم تنهها الأيام بعد.
دخل "نديم" إلى القاعة، بثبات صعيدي عتيق. عمامته فوق رأسه، وجلبابه يزيده وقارًا في الحضور. تبعته "مهره"، بخطوات امرأة صعيدية لا تنحني، جلبابها الأسود كأنه علم يرفع على أرض مستعادة.
دخلوا مقعد الرجال. قلب مهره كان يقرع طبولا في صدرها، فما إن وقعت عيناها على "أسمر"، حتى رجف قلبها كما رجف قديمًا... لكن هذه الرجفة لم تكن شغفًا... بل جمرًا في قلبها، يطحنها شررًا. ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تخفي كل شيء تحت عباءتها.
أما "نديم"، فدخل بهدوء، وكانت عيناه تبحثان عن وجه "جابر". وجه الإثم في حكايته.. وجده جالسًا، يمسك يد "براء"، ويقول بصوت واضح:
"أزوجك بتي "وجد جابر أبو الدهب"، على سنة الله ورسوله."
وهنا...
صدح صوت "نديم" كالرعد:
"ليه يا عمي؟ هو أنا جصرت معاك في حاجة؟"
ارتفعت رؤوس الجميع، وجمدت العيون في مكانها، وكأن الزمن توقف.
كان "نديم" واقفًا كجبل، جلبابه الصعيدي يرفرف، ويده في جيبه بثقة، وعيناه تحملان نار مشتعلة. ورأسه شامخًا. ومهره تقف بجواره... تملأها الهيبة، ويشع من حضورها جمال وقوة.
عم القاعة صمت مطبق... تتردد فيه همهمات المندهشين. الكل ينظر بعيون لامعة.. فالجد عيونه لمعت بلمعة وجع واشتياق..
السمر عيونه تلمع نارا برؤية المهره الذي ظن أنه لن يراها مرة أخرى، وذلك الأخير الذي لمعت عيونه من الغل الذي كان دائما رفيق دربه.
اقترب نديم بخطى ثابتة وخاطب "جابر" بصوته الهادئ الحارق:
ـ "هتجوز بتك لابن عمها الصغير ليه؟ هو أحسن مني في إيه؟ ولا نسيت أنها للنديم؟!"
صرخ جابر فجأة وهو يهم بالوقوف:
ـ "بتجول إيه يا محروج إنت. إنت جاي ليه؟ إنت جاي لموتك؟ ليك عين تاجي اهنه؟!"
تقدم نديم خطوة أخرى وابتسم بتحد:
ـ "ليا عين! ... ومالها عيني يا جابر؟ لا هي مكسورة، ولا عليها عتب حد. عين نديم عامر أبو الدهب، عمرها ما نزلت لتحت... وجيت ليه؟ ... جاي عشان آخد حجي. أسيبه إياك.. أسيب مرتي. جيت أجول: "وجد" بت عمي... مرتي. واظن من العيبة أنكو تخلفو وتديها لابن عمي التاني.. عيب في حجك يا سيد الرجاله هتجوز بتك مرتين؟ بس عموما... أنا مسامح، ما انت حبيبي أزعج! هاتلي مرتي."
هب جابر وقلب المكان أمامه صارخا:
ـ "هيا مين اللي مرتك يا واكل ناسك إطلع بره من اهنه.. والا اجولك لاه دا احنا لينا حج!!"
اندفع جابر، يخرج سلاحه في لحظة جنون. وجه السلاح نحو "نديم"... هنا عم الصمت وتجمد الجميع!
لكن نديم لم يهتز. لم يتوانى لحظة بل أخرج سلاحه بلمحة عين من جيبه... ورفعه في وجه عمه. اشتعلت القاعة بالهمهمات، واجتاح الجميع الرعب وتجمد الرجال من مشهد الدم الذي سيراق بالقاعة.
وقف جابر ونديم كل أمام الآخر والغل يملأ قلوبهم.. النديم وعمه.. النديم وزمنه يقفان أمام بعضهما.. الماضي بغدره والحاضر بوجعه.
وفجأة... صاح "أسمر" وهو يقفز من مقعده كمن اشتعل فيه الحريق، فهو لم يحتمل ورفع سلاحه في وجه نديم:
ـ "اللي يرفع سلاحه على عيلة أبو الدهب ... ينجتل اهنه!!"
صار "نديم" الآن أمام اثنين من أهله... أمام الغضب، والخذلان، والنار. كل من في القاعة كان يترقب انكساره، خاصة أن "أسمر" ليس رجل عادي.
إلا أن الذئب لم يأت بمفرده. أتت معه من كانت عونا وسندا. إنها فرسة النديم.. المهره. استعجب الكل وعلت الشهقات عندما تقدمت "المهره"، كأن الأرض انشقت عن فرسة في ثوب امرأة.
وقفت خلف نديم، ثم استدارت ببطء، وأدارت ظهرها لأخيها... ثم واجهت "أسمر" وجها لوجه، ورفعت سلاحها نحوه! عيناها تشعان نارا.
اشتعل قلب "الأسمر" كما الجمر المشتعل، يدق في صدره كطبول الحرب، يكاد يتمزق من شدة الغليان. لم يكن يتوقع منها هذا، لم يدر بخلده أن "المهرة" قد ترفع سلاحها في وجهه...
استدار بجسده دفعة واحدة، عينه تلمع كالسيف في وضح النهار، ووجهه محتقن بغضب الرجال حين يمس كبرياؤهم.
وراح يصوب فوهة السلاح نحوها، وقد اعتصر قلبه ألف شعور متداخل... أنثى؟! ترفع السلاح عليه؟! وأي أنثى؟! إنها "المهرة"...
ساد صمت مهيب أرجاء القصر، كأن الهواء ذاته كف عن التنفس. الكل واقف كأن الزمن تجمد، وقد وقفت "المهرة" و"نديم" في منتصف الردهة الواسعة، ظهر "نديم" مسنود على ظهرها، يقف شامخا في مواجهة عمه.
بينما كانت هي تقف قبالة "الأسمر"، لا تهتز، لا ترمش.
الوجوه تراقب بصمت... والعيون متسعة تترقب الانفجار القادم.
وفجأة، دوى صوت "نديم"، هادرا كقصف الرعد، شاهقا كالجبال:
ـ "بقي أنا جاي أجددم جلبي ليكو وطالب آخد مرتي... ترفعوا عليا السلاح في داركو؟!
إكرام الأهل بالسلاح يا عيلة أبو الدهب؟!
دا عار لوحده إنك ترفع سلاحك على ضيفك في دارك! ولا إيه يا عمران يا أبو الدهب؟ هو العيبة متعوّدة تخش دارك طول عمرها؟!
أنا نديم عامر عمران أبو الدهب... ما هسيبش مرتي حد يجرّب منها، واللي عايزيخلّص عليا، ما يهمنيش! أنا ما هخرجش من اهنه، إلا ومرتي بيدي!"
انفجر "أسمر" صائحا، والغضب يفجر عروقه:
ـ "إنت جاي لموتك! مرت مين يا فاجر؟!
إنت فاكرنا إيه؟! نسوان؟!"
تقدم خطوة، واشتعلت الأرض تحت قدميه... لكن "المهرة" سبقت خطوته، وقفت بثبات يثير الرهبة، وسلاحها مصوب إلى قلبه مباشرة، فقالت بفحيح صوتها، كأن الشرر يتطاير من لسانها:
ـ "هتخطي ناحيته قدم؟ هخطي على روحك... وأسمي عليك يا وحش الصعيد!
ويبقى أسمر... آخرته اتقتل على يد مرة، بت غزية!"
غلى الدم في عروقه، وصرخ من قهر كبته لرجولته الجريحة:
ـ "بعدي... لاجتلك!"
ضحكت "المهرة" بسخرية، كأنها تريق الملح على جرحه: "جرب كده... هتلاقيني مخطّية عليك، ولا حد هيسمي عليك يا بن سلطان!"
صرخ "نديم" من قلبه، وقد بلغ به الغضب أشدّه:
ـ "أنا ما يهمنيش مخلوق يخطي ولا ما يخطيش! نظر لجده وهدر بعنف. مش كلمتك يا حج عمران ورضيت آخد وجد؟ مش طلبتها منك؟ مش كلمتك نصفي إللي فات ونرجع الغايب لأجل حج عضم التربه... وجولت لي حساب جابر عليا جولتلك ولدك ماهيطاوعش حولت اضمن الصلح وكتبنا موقت يا حج عمران، والورقة معايا... إيه؟ هتنكر؟
هتنكر إنك راضي وموافق عالبنت لابن عمها لاجل نداوي إللي كان. وترجع العيلة لبعضها.. هتنكر إياك وإلا هتضعف برضك وتنجلب حريجة، ونموت بعض أكتر ما موتونا؟! هتجل من جيمه مرتي.. خفت من ابنك تآني يا حج عمران طب كنه هتعملو إيه في جوزها هتموتوه."
كان "نديم" يتحدث أمام الجميع، لا عنادا ولا تفاخرا، بل دفاعا عن شرف امرأته، وحماية لكرامتها حتى لا توصم بالعار. يعلم أن الجد "عمران" لن يرد له كلمة، ويعرف أن هذه المواجهة، هي السبيل الوحيد لرد اعتبار "وجد" أمام الكل.
واصل "نديم" بشجاعة من لا يملك إلا صوته:
ـ "وجد... بت ابنك! مش ادتهالي عن طيب خاطر؟ مش اتكتبلها مهر وفيه؟ مش أنا ابن عامر؟ إيه؟ هتجحدني جدام الخلج. ادتهالي وجولت هتكلم ابنك ونتراضي ونتصافي. إيه ماجولتلوش إنك ادتهالي إياك.. كنه هتجتولوني صوح مافيهاش كلام غير اكده. اشهدو يا كبار العيله اتفاج وبيخلو بيه ورافعين عليا السلاح. ده العهد والوعد يا كبير العيله!"
وفجأة، تعالت صرخة "جابر"، هائجة كنمر مفترس: "مين دا اللي إدهالك؟ إنت ملحوس، وعهد جطران علي دماغك والله لأجتلك!"
واندفع "جابر" كالسهم ناحية "نديم"...
والقصر على وشك أن ينفجر من التوتر...
وفي ذروة التصعيد... تقدم "عمران"، وجهه محتقن، وعروقه نابضة بالخذلان، وصرخ صرخة خرجت من قلب أنهكته السنين:
"بس بس... خراب عليكم! خراب على بيتي، وعلى سنيني السودا دي آخرتها؟ كنت عارف... آه والله كنت عارف إن الخراب جاي، منك لله يا جابر... منك لله! نسل الخراب حلّ يا ولاد عمران!"
ثم سقط مغشيا عليه في قلب الدار، وسط العيون المذهولة والوجوه المصدومة. سقط "عمران"... وسقطت معه الهيبة. هيبة العائلة التي صمتت كثيرا، وسكوتها صار دينا يدفعه الأبرياء.
بهت الجميع... صمتت الهمسات، فـ"عمران" كبير عائلة "أبو الدهب"، لا يسقط إلا حين يسقط كل شيء!
صرخت "مهره" بصوت انخلع له صدرها:
ـ "جدييي!!"
انفجرت الدار هرجا وارتباكا. رجال يركضون، صراخ يتعالى، ثم اندفع "أسمر" كالسهم، وانكفأ على جسد الجد الممدد احتضنه، رفعه بين ذراعيه بقوة وفزع، وركض به خارج الدار، والكل خلفه... حشود من العائلة، رجال ونساء.
أما "مهره"، فكانت واقفة، عيناها متسعتان كقلبها المنشق. جف حلقها، وركضت خلفهم.
مدّ "نديم" يده يمسكها من معصمها، شدّها نحو صدره، صوته ملئه القلق:
ـ "رايحه فين؟!"
نظرت إليه "مهره"، ودموعها تلمع في عينيها كحد السكاكين، ثم صرخت بقهر مكتوم:
ـ "رايحه لجدي يا نديم..."
جدي يا نديم...!!
شدت يدها من قبضته، فهو نفحة أبيها وروحه في الأرض. ركضت كما لم تركض من قبل، ركبت السيارة في المقعد الخلفي، كانت "شجن" تنتظر بعينين مذعورتين.
نظرت إليها "مهره" وهي تلهث، سألتها بصوت متقطع فيه ذعر الطفولة ورجفة:
"إيه اللي حصل؟"
نظرت إليها "مهره" والرجفة في صوتها:
"إيه اللي حصل؟ مصايب بالكوم... ماعرفش هيجري إيه."
كان المشهد لا يُحتمل، وكل لحظة تمر كأنها ساعة. وفجأة، صرخت "شجن" من المقعد الخلفي، وقد علا صوتها من الرعب:
"أخوكي فين؟ نديم فين؟"
وقبل أن تكمل، كان "نديم" قد قفز إلى المقعد الأمامي، والشرر يطل من عينيه. داس على البنزين بقوة، وانطلقت السيارة كرصاصة لا تعرف طريق العودة، نحو المشفى... نحو المجهول... نحو قدر أسود كأنه خُط بدم هذه العائلة.
وصلوا إلى المشفى، وكانت قاعة الاستقبال تغلي... جمهور من عائلة "أبو الدهب" متجمهر، العيون تترقب، والقلوب تلهث. كانت صدمة سقوط الجد كأنها زلزال قصم ظهور الرجال.
اندفعت "مهره" و"نديم" من السيارة، خطواتهم تسبق أنفاسهم، لكن ما إن دلفوا إلى بهو المشفى، حتى برز "جابر" كعاصفة من الكره. اندفع كالثور الهائج، وصرخ بصوت كأن صدره انفجر:
"جاي ليه يا نسل الخراب؟ إنت جاي تشمت في موته؟ إنت فرحان؟ جاي تتفرج علينا وإحنا منهارين؟"
رفع يده يدفع "نديم"، كأنه يدفع فيه سنوات من الحقد والغل المكبوت.
لكن "نديم" لم يهتز، بل ثبّت قدميه، وصمت وعيونه لا تحيد عن جابر.
"الا ان مهره لم تحتمل.. صرخت ..'ما تبطل بقة انت ايه يا اخي.'"
اندفع يمسكها بعنف، فهجم عليه "نديم" كالعاصفة، واندفع الرجال يفرقون بينهما، كأن ساحة الحرب قد اشتعلت في لحظة. كانت هي تقف في المنتصف، تتلاطمها الأذرع بلا هوادة، لا يهمها أحد، فرسها في قلب المعركة، تدافع عن أخيها بضراوة.
كان "أسمر" يراها من بعيد، تتخبط بينهم، تندفع بلا خوف، وكل ذرة في كيانه تغلي... لم يحتمل أن تتلمسها الأيادي، وأن يكون جسدها بين يدي الرجال. اندفع فجأة، ووضع جسده كدرع حامي حولها. وهيا من ثورتها لم تلاحظه، وضع يده حولها يدفع يدي الرجال عنها، الا انها كانت عنيفة، عينها على اخيها وفقط. لم يجد نفر. شدها بعنف من بينهم، كأنه ينتشل روحه من وسط النار... لكنه، من شدة اندفاعه، رماها بجسدها على الحائط، فارتطمت به بقسوة جرحت ونزفت. ثم وقف، في قلب الجمع، نسي كل شيء، ولم يلحظ أحد ما فعله... لكنه شعر بها في داخله كطعنة لم يتوقعها، طعنة من يجرح ليحمي ما يخصه وينتمي له.
وقف أحد كبراء العائلة، جسده يهتز من الغضب، وصوته يعلو كالرعد:
"بعد! بعد! انت وهو… دا وجته! الراجل بيموت جوا وانتو بتتخانطوا؟"
ثم استدار نحوهم بعينين تشتعلان غضباً:
"اسمع… حس حد فيكو، يمين الله لأكون مخلص عليه وادفنه أهنه بيدي!"
صمت الجميع كأنما نزل عليهم سيف من سكون.
"اتلموا يا ولاد أبو الدهب… مش على آخر الزمن هنجيب العيبة لروحنا وننفضح فوسط الخلج!"
تردد صدى كلماته في ساحة المشفى كأنه صفعة على وجوههم، ليعود الهدوء، ولكن ثمة وجع يتسرب من الأعين…
وقف "جابر" ينظر إلى "نديم" بغل مكتوم، عيناه تقدحان شرراً كأنما يكفكف غضبه بصعوبة، ونديم واقف، لا يرد، لكنه لم يخفض عينه… أما "أسمر"، فكان واقفاً في صمت جاف، لا يزيح عينيه عن "مهره"، يطالعها بنظرة لم تفهمها… خليط بين العتاب، والانكسار، وشيء غريب كأن فيه حنين موجوع.
إما "مهره"… لم تجرؤ على النظر إليه، كانت عيناها معلقتين بالأرض، كأنها خائفة أن نظرت إليه، ترى في عينه وجعها، أو ترو نفسها كما لا تريد أن تراها. وقف عيونه عليها، كانت تمسك يدها والألم يبدو عليها، تكز على أسنانها من الوجع. اخترق ألمها صدره. ابتلع ريقه بصعوبة، يحارب داخله الحامي لها، الا انه لم يستطع. اتجه إلى أحدهم وهمس له بشيء ليغيب ويعود يعطيه شيئاً، ثم اتجه لنديم، ربت على كتفه وأخذه بعيداً كأنه يتحدث معه.
ركنت هيا في جنب بعيد تمسك يدها، أغمضت عيونها فقوتها تخور منها في وقت لا يجوز لها…. فجأة شهقت وفتحت عيونها، كان أسمر قد شد يدها في صمت ووضع عليها مطهر وبدأ يلفها… بلعت ريقها بصعوبة، حاولت أن تشدها بعنف، قبض عليها بقبضة من حديد وضغط عليها، فتاوهت وصمتت. أنهى عمله مسرعاً وقذف بيدها بعيداً بغضب، وعاد مكانه كأنها ليست بالمكان حوله. وتركها ترتجف كورقة تتلاطمها الرياح.
مر الوقت ثقيلاً، كأن الدقائق تتحرك على عكاز، والجميع مشدوه في مكانه حتى جاء صوت أنين خافت من الداخل… عمران فاق.
ركض الجميع، ودخلوا عليه كأن الروح رجعت بهم، لكن المفاجأة كانت صادمة…
صمم "عمران" أن يعود بيته! رغم اعتراض الكل.
دخل الكل، جلس عمران متهالكاً يستعيد روحه. وقف "نديم" ينظر إلى جده، بينما "جابر" يقف غير بعيد، والغل يشع من عينيه. كان الجمع قد انصرف، وبقي أهل البيت وكبراء العائلة، إخوة عمران فقط، كأن الموقف لا يحتمل أي غرباء.
وقف "جابر" صارخاً، وصوته يجلجل في المكان:
"لتكون فاكر إنك هتعدي بعملتك دي وصدقنا الشويتين بتوعك دول جدام الخلج، أهو الناس راحت وفاضل إحنا، اكشف وشك يابن عامر!"
ضحك "نديم"، ضحكة ساخرة تخفي تحتها بركاناً من الجرح والغضب، ثم قال بثبات:
"هتعمل إيه طيب؟ هتجتل جوز بتك؟ عيب يا عمي، دانا ابن أخوك. واشف إيه بس، هو اني جاي أهزر.. هتُهدمُل بتك بإيدك؟"
صرخ الجد، وقد تصدّع صوته من القهر:
"بطّلوا… إنتو إيه؟ بطّلوا، هو مافيش رحمة؟"
رد "أسمر" بانفجار مكتوم طال كتمانه:
"نبطل؟ ماعادش إلا دول… يجوا ويتكلموا؟"
رفعت مهره يدها إليه وقالت "مهره"، والغل يقطر من لسانها كحد السيف:
"مالهم دول يا ابن عمي؟ ناقصين إيد ولا رجل؟"
نظر اليها اسمر واشتعل حرقة، فبيدها يلمع الخاتم الذي صورته له في رسالتها.. شعر بالجنون واحس بقلبه سينخلع. صرخ "أسمر" بحرقة واندفاع غير محسوب، وكأن جرحاً قديماً عاد ينزف من جديد:
"لاه… ناجصين ربايه! نصابين وحرامية، والسلسال غالِب! وإنت أولهم! كيف الغوازي… بتتلوني بميت لون!"
كان الغيظ يأكل صدره، والنار تشتعل خلف عينيه. كاد يموت في المرة الأخيرة، حين أوهمته أنها ستتزوج، ثم اختفت كالدخان. عاش جحيماً من الأوهام، يتخيلها في حضن غيره، طعنة مسمومة مزقت رجولته، وقضت على ما تبقى من كبريائه. وذلك الخاتم زاد من هياجه.. أراد أن يوجعها… كما أوجعته. أراد أن يكسرها… كما كسرته.
همهم "نديم" أن يتكلم، أن يرد عنه الهوان، لكن يداً رقيقة أمسكت بيده، كبتت اندفاعه، وسبقته هي بكلمات كانت كالسكاكين:
"لا، عيب… دانا بنت غزية، ماهفوتهاش يا حبيب أختك… أختك عايزة تتسلى شوية. سيبلي الطلعة دي مستنياها من زمن. ومهما حصل ماتدخلش…"
قالتها، ثم تهادت بخطوات متزنة… لكنها ثقيلة كالرصاص. اقتربت منه، وقفت أمامه بثبات، بعينين لا تخفضهما، ونظرة حملت كل الغضب والاحتقار، نظرة تشبه صفعات.
حدقت فيه لبرهة، ثم قالت ببطء، وكل كلمة تنخر في كبريائه:
"نصابين"
مطت شفتيها باحتقار، وكأنها تتذوق الكلمة، ثم بسخرية تستعجب قائلة:
"حراميه!!!!"
ثم مالت برأسها قليلاً، كأنها تتذكر شيئاً نفّر منه قلبها:
– امممم... و... آه...
رفعت حاجبيها ببرود متعمد، وأكملت بصوت ناعم، لكن كحد السكين:
– سألسالك غالب... وكيف الغوازي...
ثم التفتت عنه فجأة، كأن حضوره صار لا يُرى، وتركته واقفاً، متجمداً كتمثال... تتآكله النار رجف قلبه، ووجعها سكن فيه قبل أن ينطق لسانها... لحظة، ظن أن انه سيفلت بطعناته، لكن الصاعقة هوت دون إنذار.
فجأة، استدارت كالبرق رفعت يدها...
وفي رمشة عين، نزلت على وجهه بعنف، فارتدّ من قوتها خطوة إلى الوراء، متخشباً..
تصنّم "أسمر" في مكانه. لا صوت. لا نفس.
كل ما حوله تلاشى... حتى الهواء. عيناه لا ترى سواها. الدنيا تداعت من حوله، والناس بقوا خيالات... هيا... وهيا وهو وبس... ووجعه الذي طاح بداخله.
الكل صمت. حتى العيون ما عادت تجرؤ أن تتحرك. رعبوا. كيف تجرأت؟ انه الأسمر...
كيف لمست من يهز الأرض بخطوته واقفاً... ووجهه عليه بصمة إيدها... وعينيه الجاحظه بقى أوجع من ألف صرخة.
هاج داخله الصعيدي... اشتعل الدم، وانتفض الغيظ من عروقه. لم يعد يرى أمامه، سوى طعنة لرجولته و...
رواية عودة الذئاب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ميفو السلطان
"أسمر" في مكانه. لا صوت. لا نفس.
كل ما حوله تلاشى… حتى الهواء. عيناه لا ترى سواها. الدنيا تداعت من حوله. وهيا وهو وبس… ووجعه الذي طاح بداخله.
الكل صمت. حتى العيون ما عادت تجرؤ أن تتحرك. رعبوا. كيف جرؤت؟ إنه الأسمر.
كيف لمست من يهز الأرض بخطوته واقف… ووجهه عليه بصمة إيدها… وعينيه الجاحظة بقى أوجع من ألف صرخة.
هاج بداخله الصعيدي. اشتعل الدم وانتفض الغيظ من عروقه. لم يعد يرى أمامه سوى طعنة لرجولته لا تندمل. هنا تهور الأسمر ونسي أنه الحامي. نسي مهرته التي حلم أن بيحاوطها بصدره. إلا أن حمية الرجال قهرته. اندفع ورفع سلاحه في وجهها والشرر يتطاير من عينيه. وقف أمامها يريد أن يقتلها. قلبه ممزوج بمشاعر تطحنه ولكنه الأسمر.
علت الهمهمات وابتسم النديم بثقة. ربع يديه مستمتعًا يشاهد ما فعلته أخته وكيف حولت أشد الرجال لنار تستعر. لم يتحرك من مكانه. يثق بأخته ثقة عمياء.
ظن الجميع أن مهره ستنكمش. فالأسمر أصبح كالنار والهشيم يشتعل من الغضب. لكنها وجهه الآخر. مرآته التي لن تنكسر. الأسمر وشقه الثاني. ضلعه الشارد.
اقتربت ببطء، قاتل، بثبات. أربكه. مدت يدها. وضعت كفها فوق يده، على السلاح تمامًا. سرت القشعريرة بلمستها في جسده. أخذت الزناد. شدته بإصرار. ثم وجهت فوهة السلاح نحو قلبها دون أن ترمش.
بدأت أنفاسه تعلو. فكل ما تفعله يصرع داخله بزيادة.
هدرت، وصوتها يخرج من عمق وجع، غل يشبه البركان:
"آه… بنت غازية بس أمي… علمتني الرجولة صح. هقولهالك يمكن… يمكن تعرفها! الرااااجل… ها، الراجل يمسك الفرد صح، يا ابن عمي… ويصوّب صح!
نطقت بثبات، رغم الدم اللي بيغلي في عروقها:
"بس أنا بتكلم عن الرجولة. الراجل… ما يعيبش مرة مالهاش ذنب."
رفعت رأسها بكل كبر، ودمعة قهر بتلمع في عينيها.
"أنا آه… بنت غزية." صرخت فجأة.
"مهره عامر عمران أبو الدهب… بنت غزية يا عيلة ما بترحمش! يا عيلة… ما هتوردوش علي جنة!" وقفت، ظهرها مفرود، عينيها تتحدى الكل.
"بس أمييي… أمي تابت لرب العباد!
تابت… تسمعها دي يا ابن سلطان؟
"تعرف عن التوبة حاجة؟ ابقى روح… روح اسأل ربنا… قبل توبتها ليه؟ عرّفها طريق الهداية ليه؟"
ابتسمت بمرارة. "أصل ولاد أبو الدهب…
زعلانين منها عشان تابت بس عارف…
أمي دلوقتي عند ربنا… في أحسن مكان."
"وانت؟ أنت هتقابلها يوم الحساب. وهتندم… على كل حرف قولته… وكل نظرة رميت بيها عرضها في الوحل."
اقتربت بخطوتين ثابتين، وخبطت بيدها على كتفه خبطة ثقيلة.
"شيل… شيل وحامل ذنوب وعبي. ما عاد في كيل يشيل ذنبك."
وبنظرة فيها نار وبرود سوا، همست وكأنها بترمي آخر الطعنات. كل ذلك ويدها على يده ترسل شرارات الوجع إليه.
"لتكون فاكر يا شاطر… إن الكلمة دي بتعيبني؟ ولا بتأثر فيا؟!" اهتز الهواء عندما صرخت، كأن الوجع انفجر أخيرًا.
"لااااا… فوق لروحك! أنا أمي أنضف من صنفك كله. عارف ليه؟ عشان سابت القرف…
ورجعت لربها. في وقت ناس تانية لسه متمرمغة في الزبالة… وبتتنفسها!"
رفعت إيدها وأشارت له بإصبعها كأنها بمهانة.
"جاي تقول السلسال غالب؟ هأأو…
دا بقت مسخرة! وانت سلسالك إيه؟
ابتعدت وتركته. شعر بالخواء من بعدها. لفت حوله تنظر إليه من راسه لقدميه بعين متحدة. هدرت بصوت كالسكاكين.
"عرفني!"… ياسيد النااااس. المقاااام. الطاوس اللي ماحدش يقدر يجي جنبه.
"على الأقل… سلسالي عرّف ربنا قبل ما يموت. "لكن انت. انت اقعد ادعي كده… وخاف. خاف على اللي مات وهو واكل حقوق… ومحرّض على عقوق… يابن سلطان."
زفرت، كأنها بتنفث وجع عمره سنين.
"دا حاجة تقرف وتكسّف. عارف؟ أنا لو منك… أتغطى من العار! عار لابسه ومش شايفه… لابسه ومتباهي بيه!"
اهتز الجو، وكأن الأرض اتشققت من تحت رجليه. مهره تقف، صدرها يعلو ويهبط من فرط الغليان، وعينيها نار. خطت نحوه خطوة، وكأنها بتطعنه بكلامها.
"أما بقه… حراميه دي وسعت منك قوووي! مطّت شفايفها في سخرية موجعة.
"شوف بقه مين اللي حرامي؟ شوف يا ابن سلطان. سنين… متمرمغين في العز. وأنتو واكلين حق أبويّا! أيوه… أبويّا. مين اللي حرامي دلوقتي؟"
سكتت لحظة.
"بتتمرمغوا فـ عز عيلتكم. وتاكلوا مال الغلابه… وتسيبونا نتعذب ليه؟ هااه؟
جاوبني يا سيد الرجالة!"
رمقته بنظرة كلها قرف وقهر وأشارت لاخيها: قول.. اتجلدت زي ده.. أبوك انضرب واتهان قدامك زيه. خبطت علي يدها. أختك اتحرقت زيه. اشتغلت وإنت صغير زي ده؟ محطّت في الصخر زي ده؟ صرخت بحرقه. قوووول… وإلا كنت سيد الناس بتربّي في لحمك وغرورك. لحد ما الغرور طفح… وطرشق. وما عادش حد قادر عليك.
وقفت قباله، صدرها مرفوع، ونظرتها متحدة.
"واقف منفوخ ليه يا جدع؟ دا البجاحة ليها ناسها! إنت نسيت؟ ولا ما فكرتش في يوم…
إن ليك ابن عم كان بيحلم يلبس ويفرح.
ويصرف من خير العيلة. ويتباها بأصله وساسه. "ما فكرتش… ولا يمكن… الأنانية طبعكو يا ولاد عمران أبو الدهب؟"
سكتت لحظة. رفعت إيدها وأشارت بقهر.
"الراجل ده… جاب ولدين بس. حسبي الله فيكو. اكملت بغضب. "لك عين تقول حرامية؟! كنا سرقنا إيه منكم؟ عرفني!
ده حتى انتو… سرقتوا العزوة والنسب.
مع بعض في أفراحكم… وحزنكم… واحنا؟!
مالناش حد… لا فرح. ولا حزن. مالناش إلا بعض! تلاته في دنيا لوحدهم لا إيد تداوي ولا قلب يحن. سرقتوا الحب. الحب اللي مانعرفش عنه حاجة. هاخده من مين؟ أبويا وأمي راحوا وعيلة اتحللت من الغل. قول يابن عمي… ياللي جاي تقول غزية وحرامية!"
رفعت راسها بكرامة موجوعة.
"آه. أمي غزية… بس والله أشرف منكو! ما أكلتش حق حد. وما عابت في حد.
غزية… جابت راجل وبنتين. ما اتحوجوش لحد. ولا كلّوا قلب حد. ابتلعت آخر كلمة بحرقة. وقالت:
"الدور والباقي… ع اللي كَلّ قلب أخوه.
وداس عليه. وموّت عياله بالحياة. قبل ما تتكلم وتتمطّع قوي. وتنفخ صدرك كإنك منزّل وبتحاسبنا. بص الاول حواليك. بص للّي منك. أبوك وعمك. هما اللي يتعابوا ألف مرة. هما اللي يُقال فيهم قصايد غدر. مش شرف ولا رجولة.
أما بقى "الحرامي" اللي بتعايرونا بيه.
هتتحاسبوا عليه كلكم. أبويا. أبويا حافظ كتاب ربنا. اسأل عمّك "الدهب" اللي سرق له دهبه. وما بلّغش عنه ليه؟ ليه سكت؟ ليه ما قالش أوصافه؟ والنجع كله. حارتين وشارع!
ما جبتوهوش ليه؟ ليه ما خلّيتوش يرد الدهب.
لتكون فاكر إن "جابر" هيسيب دهب أمه.
دا عبد القرش! بس هو خطط… هو وامه وأخوه! آه. خططوا ولبّسونا التهمة.
مش كده يا جدي. يا كبير العيلة. يا اللي عارف ومتأكد إن أبوي ما سرقش. وساكت!
ساكت ليه؟ ما تتكلم. ما تنطق! سايب ولادك وأحفادك يقطعوا في لحم اللي مات كأنه ما كانش منك!
دي حتى حرمة الميت يا جدي. رد غيبته. سمعته. عرضه! ما تردّ عنه الكلمة. ما تردّها!
هو مات بس لسه ليه اسم. ولسه ليه حق. ولسه ليه إحنا!
بس عارفين ليه؟ عشان انتو نهاشين عرض.
وفوق ده… ظالمة! قسما بالله. حطيتوا جوانا قسوة. واحنا كان في قلوبنا حنية الدنيا كلها! كان نفسنا نطلّعها. نرميها ف حضن حد يستاهلها. بس يلا. مش مهم. إحنا قدّ الشيلة. دايما. قدّها.
يلا. خد روحي بالمرة! ماهو ما عادش باقي غيرها يا بن سلطان. فاكرني هترجاك؟ دي راحة. والله. نموت ونستريح! بس أوعى. أوعى تدفني في مدافنكو! ابقي لقحني في مدافن الصدقة. أشرف.
أشرف من إنهم يقولوا: "المهرة بقت من عيلة أبو الدهب"!
يمين أتحاسب عليه... لو كان بإيديا أغير اسمي وأمحيكم من حياتي محو كنت عملت!
(صرخت وخبطته على صدره...) ومدت باصبعها الزناد تدوس عليه فتشنج برعب من داخله وضغط علي باصبعها بقوه... الا انها صرخت بجنون:
خليك راجل! شد الزناد... شد يا بن سلطان!
وخلص على ولاد "عامر" عشان تفرح...
وتقعد وسط عيلتك الظلمه لحالكو تصرفوا... وتفرحوا بنسلكم العار!
وقفت أمامه تنهج تنظر بعيونه ويدها عالزناد تضغط عليه وهو باصبعه يهرس اصبعها يمنعها ان تطلق النار... الموقف مهيب في الظاهر الأسمر يظهر عاصفة هوجاء من الهجوم والأصل يحارب يدها كي لا تؤذي نفسها. تاهت في عينه وتحس باصبعه وتشعر بوجع وهو عيونه تصرخ بجنون عليها ولكن سبق القهر منه فلا مداواه لكلامه.
هنا صرخ الجد، صرخة زلزلت جدران المكان:
ــ نزل الفرد يا بن سلطان! هيا حصلت!
ترفع سلاحك على حرمة... جدامي!
...صوته اتشق من جوفه، صوت عمره ما ارتفع... والنهارده صرخ، صرخ كأن عرضه هو اللي انهان!
وقف "أسمر"... عينه فيها نار، نظراته مسمومة... كان متجمد... مش قادر يحرك صباع من كتر الصدمة، ولا عارف يصرف وجعه اللي انفجر بكلامها.
وهنا دوى صوت عمران، كالرعد:
ــ جولتلك نزل الفرد! بتسمع ولا لأ؟
ارتعش الجو... اللحظة بين نار الجد، وجمرة الغيظ في قلب أسمر، وبين المهرة... اللي وقفت قدامه زي السيف، تحديها ما كانش خوف... كان وجع عمره ما نطق! وجع من تمنت فيه الحما.
مدت يدها... وربتت على وجهه، بس لمستها
كانت حارقة... مش لمسة، كانت لهب.
وهمست وهي بتبتسم بسخرية خنجرية:
ــ اسمع كلام جدك يا شاطر... ولا تلاقيه يحرمك من الورث، وتقعد من غير ما انتو كده... عينكو ما بتبصش إلا عالفلوس!
كانت بتطعنه... مش بإيدها، بكلمة، وبلمسة، وبنظرة كسرت غروره!
واستدارت... مشيت، بعد ما أكلت قلبه حي،
وتركته واقف... نار بتشتعل جواه، نار ما تعرفش تطلعها صرخة، ولا يطفيها موت!
استدارت المهرة... خطوتها كانت ساكنة،
بس في قلب "أسمر" كانت زي الطلق.
كأنها بتدوس على رجولته، كأنها ماشية على قلبه بالسكين.
وقف... عينه معلقة بيها، شفايفه عايزة تنطق،
بس لسانه مربوط... مش بالخوف، بوجع ما اتسماش.
حاول يقول: ــ "مهـ..." بس الكلمة اتقطعت...
انبلعت، ورجعت نار ف صدره. إيده اللي كانت شايلة الفرد، ارتعشت... وهو بيطفي غضبه،
مش لأنهم منعوه، لكن لأن كلمتها قتلت الغضب، وحطت مكانه وجع تاني... اسمه "ضعف قدامها".
هب "جابر" كالمجنون... محروقاً، والغل بينهش ضلوعه، عيونه مولعة، وصوته جاي من جوف مسموم بالحقد:
ــ هو إيه دا! إحنا فين! الدار متعبيّة رجالة،
وبنتحاسب من مرة! ولا كأنها وصلت ردح من غزيّة ف مولد!
لف بوشه، وصوته بيعلى أكتر، بيقطع في الكلام زي سيف:
ــ يا خيبة ع الرجالة... البيه اللي جاي ياخد حجه، سايب مره هي اللي تتكلم!
سخر بغل، بس سخريته كانت تقطر سم:
ــ بتتكلم في النسب! وفي الشرف! اللي تربية أفراح وعوالم. اتفضلوا على النسل! ناس زي دول يتجلّوا... ومالهمش تمن، ولا ليهم دية...!
سكن المشهد... صمت طعن المكان كالسكاكين، صمت لا يقال فيه شيء، لكن كل شيء يقال فيه. همهمة رجال، وكل العيون
تعلقت بـ "مهرة".
وهي واقفة... ما اهتزتش، كأنها جبل ثابت ف وسط الزلزال، ما مالش، ما انكسرش، وما انحنى. بطلة الحكاية عن جداره.
نظرت لأخيها... نظرة فيها وعد، فيها نار، فيها حكاية عمر. اتجهت إليه، بخطوة ثابتة،
ورفعت يده، وقبلتها... قبلة ما كانتش خضوع، دي كانت قسم صامت... ووعد ما يتراجع. قبله تثبت قدر النديم عندها وعلو مكانته.. قبله المهره وهيبه النديم.
بهت الكل. الرجال اتجمدوا في مكانهم،
الزمن اتعطل.. أما هي، همست له، بصوت واطي لكنه زلزل ضلوعه:
ــ " سيبني... أنا هاجيب قلبه." ما توطيش نفسك له... هو عايز يقهرك... بس أنا بقى،
هدعك قلبه هوريه تربيه الموالد عن حق!"
"أسمر" واقف... بس رجليه مش شايلينه.
عينه عليها... على "المهرة". اللي واقفة قدام الكل... ولا رمشت، ولا اتراجعت، واقفة كأنها الأرض، كأنها العرض، فريدة لا مثيل لها.
شافها... وهي بتقرب من أخوها، شافها وهي ترفع إيده وتبوسها، كأنها بتكتب حكاية تانية، حكاية ما فيهاش ضعف، حكاية فيها نار، فيها وعد.
وهو اتشد جوه نفسه... قلبه انخبط في ضلوعه كأنها زنزانة! سمعها... سمع الهمسة اللي قالتها لأخوها، بس حسّها كأنها اتقالت له هو...
"ما توطيش نفسك له... هو عايز يقهرك... بس أنا هدعك قلبه... ما أنا بنت غزيه!"
جسمه اتجلّج... كأن الكلام خبطه،
كأن كل اللي حاول يثبته... انهار. هو اللي كان شايفها بغضبه. شايفها سيّدة الموقف، وهو واقف قدامها صغير، مكسور، رجولته بتنزف، بسببها ويغلي من الغيره فحبها لاخيها لا مثيل له.
كان عايز يصرخ، يرد، يمسكها، يشتمها، يبوسها... بس إيده كانت تقيلة، وصوته كان محبوس في قلبه، وكبريائه مربوط حوالين رقبته... كأنها مشنقة!
استدارت "المهرة"، ونار قلبها ظاهرة ف صوتها، صوت مش مكسور... لا، صوت السهام.
ــ ومالها المهرة! يا يادي الراجُل... مالها! بتعيب ليه! هيا أمك كانت معيوبة يابن أبو الدهب! كانت ساكتة لما كانت بتتكلم وتوحي وتخطط عالغلبان! وانت كنت بتسمع كلامها ولا عملت إيه! ماهي "مهرة" برضه! اللي وزت مرة وخططت مرة.
ضحكت... ضحكة فيها قهر، ضحكة بتعرّي اللي بيستخبى تحت كلامه.
ــ آه، بتكلم! بتكلم يا جابر... وعارف ليه؟
عشان الراجل اللي معايا... مش زيك!
مش بيستخبى ولا بيبني رجولته من شتيمة الستات!
اشتعَل "جابر"... عينه مولعة، صوته على طرف الانفجار، وجسده اتحرك من مكانه كأن النار ولعت في قلبه قبل جسمه.
لكن "أسمر" اندفع لا اراديا.. كان اسرع. قبض عليه بيده... قبضة من حديد، ما فيهاش تردد، ولا حتى شفقة. نظرة واحدة من "أسمر"، كبتت كلمته وحجمت غضبه.
أما "المهرة"... ما توقفتش، ما ارتعشتش، ولا حتى طرف رمشها. كملت... بصوتها اللي ما بقاش صوت، دا بقى نصل سكين:
ــ الراجل اللي معايا! بيحترم اللي انتو بتقولوا عليها "مرة"، كأنها سبّة، أو عيبة! "نديم" مش "جابر"! سايبني أتكلم، لأنه عارف كلمتي سيف... سيف بميت راجل!
ضحكت... ضحكة ساخرة، بتقطع، ما فيهاش رحمة:
ــ ناقص تمسك صاجات وتقول "غزيّة" انت مابتزهقش!
ثم رمقته بنظرة قاتلة، وواصلت:
ــ الغزيّة! ما لفّقتش تهم... ما ودّت أخوها في مصيبة، ما بلعتش عيلة كاملة ف بطنها!
الغوازي، يا جابر، بيرقصوا في الفرح...
لكن انت، انت بترقص في الخراب"و"اللي مستخبي!عار! أنا عارفاه… وساكته! سيبتي ساكته يادي الجدع بدل ما يبقي تار ونار. "نديم" مقامه عالي، ما بيردش عالواطي!
الطين ما يعلاش عالدهب، يابن أبو الدهب.
أمي! أمي خلفتني راجل! آه والله... راجل!
أرد عن أخويا، وأنهش قلب اللي يقرب منه!
الغوازي بيفرّحوا الناس... لكن إنت! من يومك جبت الحزن للبلد، أه والله... أهوه شايف الحزن... أكوام! وانحطت بيدك...
أنا "مهرة أبو الدهب"! المرة اللي اتربت من لسع إيدك بتقولك أخويا لو حد مسّه...
هَنط! أنهش قلبه بإيديا... عارفين ليه!
لإني ضهره، ولإنه ما فيش في عيلتي رجالة غيري.
اقتربت مهره من جابر الذي يقف جاحظ العينين ومن خلفه أسمر يهرس يده بعنف... اقتربت وهتفت بصوت عالي:
"تار النديم هتاخده المهره.. مهره عامر عمران أبو الدهب... ولا ألف راجل يهزني."
كل ذلك... و"أسمر" واقف... ينظر إليها...
وعيناه لا ترمش... ولا حتى نفس خرج منه...
لكن قلبه... قلبه كان بيصرخ... صوت داخلي مجنون... بين الغضب... والإعجاب!
بريق عجيب في عيونه... مزيج ما بين نار الرجولة المقهورة... ولهفة الراجل اللي رأى فيها كل اللي عمره ما شافه. جواه غليان... نار الغيرة بتنهش قلبه:
"إزاي! إزاي تدافع عن أخوها كده! ما تبصّش لحد... ما تحسبش حساب راجل... ولا حتى أنا!"
"أسمر" حسّها بتبعد عنه وهو واقف... أميال... ينظر عليها ومشاعره تصبو إليها رغما عنه.
أما "مهرة"... انتهت من الكلام... بس سابت في الجو نار... سكون قاتل... عيون بتلتهمها...
نظرات كلها خضوع... خوف... وإعجاب خفي.
و"جابر"... كان على وشك الانفجار... الغلّ بيجري في دمه جري الوحوش... عروقه بتتنفخ... وشه محمر... والكلمة واقفة على لسانه... بس ما خرجتش... يمكن لأن الحقيقة وجعته... أو لأن خوفه من "مهرة" سبق صوته. أو إن من يكبله يرسل له رسالة أنها تخصه.
وهنا... اقترب "نديم"... بخطى هادئة... لكن كل خطوة منه كأنها بتهز الأرض تحته. وصل إليها... وقبّل رأسها... قبلة ما كانتش حنية...
كانت قسم... كانت اعتراف قدام الكل إنها مش "مرة" وبس... دي مقامها فوق الكل.
ثم أمسكها برفق... وأزاحها جانبًا... كأن بيقولها:
"وصلتي الرسالة وآن أوان رجوع الهيبة لمكانها."
ثم وقف... واقفًا... مواجهًا "جابر"... عينيه ما فيهاش خوف... ولا غضب... فيها حقيقة ثابتة زي الحديد.
وقال بصوت هادي... بس كل كلمة كانت طلقة:
"تعرف إيه عن شرف الستات يا جابر يا أبو الدهب؟"
سكت لحظة... وخطا خطوة أقرب... ثم أكمل:
"آه... سايبها تتكلم... لإنها تشرفني. أنا مش داخل بمرة... زي ما بتقول... أنا داخل بـ"مهرة" اللي تعرف تقف قدام عشر رجالة
وتبلّعهم عيبتهم بكلمة واحدة!" وإن اتكلمت...
تبقي نار على أي حد يقرب ليها وإللي يخصها. دا كلام إللي بتقول عليها مرة فما بالك بقه بكلام الرجالة شكله إيه يا جابر؟
نظر الجد إليهم... نظرة فيها وجع السنين...
وفخر دفين خرج من قلبه زي النور وقت العتمة. قال لنفسه وصوته مرتجف بالعزّة:
"ربّيت راجل يا عامر... وربّيت مرة بميت راجل... يا ولدي!"
ثم وقف... ببطء... كأن التعب نازل في عظمه... شايف الكل بيغلي... شايف السيوف اللي في العيون... والنار اللي بين الناس بتنهش بعض... وجواه ألف وجع!
همس لنفسه... لكن صوته سمعه قلبه وندم عمره:
"أنا... أنا اللي زرعت كل ده... جسوة... وجبروت... وظلم بس نسيت... نسيت أزرع رحمة. هيجيبوا الرحمة منين... طيب؟
وهم اتحرموا منها على يدي!"
في حضرة الصمت. تقدم نديم بخطوات تدق قلب الجد. مدّ "نديم" يده إلى جيبه... وأخرج منها شيئًا صغيرًا... ملفوفًا بقماشة حرير. قماشة ناعمة... لكن محتواها كان أقسى من الحديد.
اقترب بخطاه الواثقة... وقف أمام الجد.
مدّ يده بثبات... وعينه ما رمشتش... ولا صوته ارتعش...
"خد يا حج... "عمران".
مد الجد يده تناول القماشة بيده المرتجفة. فتحها ببطء... فإذا بثلاث خصلات شعر... موضوعة بجوار بعضها... كأنها بتبكي... كأنها تشهد على ظلم عائلة لا ترحم..
"نديم" وقف... وصوته تقطّع... لكن وجعه كان طالع بيشرخ في صوته. كان مرفوع الرأس... وقال:
"خد يا حج... خد حتّة من ولاد عامر...
خد... إني خرجت من اهنه واتقال بعلو الصوت ملكوش نسب اهنه... خد يا حج عمران يابو عامر ابو الدهب.. فاكره.. ليه عيال أهوه خد حتة منهم واعملهم تحليل نسب. جاااايز... كل اللي بتعملوه ده... عشان تثبتوا إننا أولاد حرام! إننا مش منكم!"
وقف لحظة... السكوت صرخ... والقلوب اختنقت... ومسك الجد معصم نديم يستند عليه من قهر الصدمة... ليكمل عليه النديم بكلماته القاتلة...
"خدها وحللها بمعرفتك هتلاقي النسب فيها. هتلاقي فيه الأصل هتلاقي طالعلك من نسلك حاجة معدية الشرف إللي اتنزع.. خد حلل. أصل العجل ما حدش يصدّق اللي اتعمل منكم! ده ليه.
المشهد ده كفيل إن يكتم أنفاس القاعة بأكملها. أما الجد وقف بيده ترتعش... والقماشة الحرير في يده أصبحت نار... خفيفة على الجلد... تقيلة على القلب.
نظر إليها... نظر للخصل الثلاث... كأنهم أرواح...
مش مجرد شعر. كل خصلة... كانت بتنطق باسمه... وبتسأله بتشهده:
"إحنا منك... ولا من غُرب ليه عملتو فينا كده؟"
عين "عمران" اتغرغرت... بس ما نزلتش دمعة.
الراجل الكبير... ما اتعلمش يبكي. اتعلم يشيل... يسكت... يكابر. لكن اللحظة دي...
جابت جرح... شاف عياله... وشاف "عامر"... وشاف اللي اتقال... واللي اتخبّى... وشاف نفسه واقف في أول صف الغدارين... وبيغمّض عينيه...
نظر لنديم... نظرة فيها كسرة... وكل سنين الرجولة... وقعوا من فوق كتافه. وداخله يصرخ...
"سامحني يا ولدي... ما استاهلتش كلمة "جدي"... خصلكم دي... كنها حبال بتخنجني... من وجعي وضعفي."
ضم القماشة لصدره... كأنها طفل يتيم.
وهمس لنفسه كأنه بيعترف قدام ربّه:
"دمّك من دمي... وغلطتي عمرها ما تتغفر... بس حجك... هييجي. بيدي...
قبل ما أمشي... وما هردّ طلبك.
بعد ما مدّ "نديم" القماشة... وسلّم الخصل...
وقف ساكن كالجبال صلب عليه صلد لا يحتمل إلا النديم.. النديم أيقونة صمود لا مثيل لها.. رغم ذلك.. روحه كانت بتتهز جواه.. كأن كل خصلة منهم... نزعت جزء من عمره.
ما بصّش ورا... ولا استنى كلمة مواساة...
ولا حتى نظرة تصديق... لإن الوجع خلاص سبق كل دا.
همس لنفسه:
"ياااه يا نديم... وصلت بيك الأيام تبقى في حضن داركم بتدافع عن اسمك... كأنك غريب!"..... جواه حاجة بتتكسّر... زي ضلع بينحني لما ما فضلش حد يسنده.
نظر في عيون الجد... مش عشان ينتظر رد...
بس يمكن... يشوف فيهم "جده"... مش "الحج عمران". بس ما لقاش غير ملامح بتدور على الغفران... زيه... نفس الوجع... بس بصوت تاني.
نديم وقف... صدره عالي لكنه مقطّع...
التفت ناحيتهم... عيونه فيها نديم القديم...
اللي كسروا ضلوعه وهو ساكت... يبحث لا شعوريا عن سند في عتمة تلك العائلة.
"مهرة"... كانت واقفة... ساكنة في الظاهر...
لكن بداخلها عاصفة بتهز الأرض تحتها... كأن الدنيا حوالين أخوها... بتقع.
نظرت لنديم... ما ندهشتش... ما قالتش ولا كلمة تفهمه دون أن ينطق.. ... بس دمعتها طلعت قبل ما تنزل. دمعة عنيدة... خرجت من عين طول عمرها مش بتعيط... لكن أخوها... مشهد أخوها... كسرها. يقف شامخا ولكنها تحس بضياع قلبه ووجعه وحاجته ليد تسنده..
خطت خطوتين... رجليها كانوا بيسبقوها... وقفت قدّامه... والقماشة لسه في إيد الجد... مدّت إيديها... حضنته... مش بكلمة...
حضنته بس... كأنها بترجعله ضلعه اللي اتكسر. وشوشت في صدره... بصوت مبحوح... لكنه ثابت:
"مش محتاج تثبت إنك منهم... أنت الأصل... يا ضهري... ولو ما حدش شاف... أنا شوفتك وعشت عارفة إنك عمود بيتي ودنيتي."
سكتت شوية... ومسحت دموعها بكفّها...
ورفعت راسها ناحية الجد... وقالت بصوتها اللي رجّ المكان...
"اللي زي نديم ما يتحطش في ميزان نسب... ده ميزان الرجالة ما يعرف يكيل النديم يا عيلة أبو الدهب."
هز الجد رأسه بألم، الموقف لم يعد يحتمل تأجيل. اقترب طويلاً، وضع الخصل في جيب عباءته. وقال بصوته الذي جبر سنين:
"الغايب دلوك رجع. ولدي بعتلي أمانته. اهدئي يا ولدي... اهدئي قبل ما الغل يحرج الكل وما يفضلش غير رماد نترحّم عليه!"
تنهد نديم، وزفر من صدره وجع السنين.
ثم قال بثبات هادي... هادي زي جبل، لكن جواه نار:
"طالب حلالي... مش بت لابن عمّها.
ولا أنا مش ابن ابنك يا حج عمران؟"
وقبل ما السكون ياخد الكلمة...
صرخ جابر، صوت طالع من حنجرة الغل:
"ده لو روحك طلعت، ما هتاخدها!
اقتلها أحسن!"
القلوب تشنجت، والوجوه اتجمدت...
لكن عمران كان صوته ساكت، وعقله صاحي. لن يدع لشر ابنه أن يستبيح الموقف. تجاهله تمامًا. اقترب بخطاه الثقيلة، وعيونه ما فارقتش نديم. نظرة شيخ يقرأ اللي في العين. وأخذه جانبًا... وهمس له:
"أنا همشيها بالعَجَل... قولي يا ولدي:
عَرفي ولا رسمي؟"
نديم رفع عينه، تنهد وهمس:
"الاتنين يا حج عمران. وجد اتخدت بالغالي... ومكتوب لها مهر، ولو عايز... أجيب لها الحلو كله! آه، بت جابر... بس دي مرتي بالدنيا، ومافيش أغلى منها عندي يا حج. دي الحاجة الوحيدة النضيفة اللي طلعت بيها من عيلتكم يا حج."
نظر عمران إلى نديم... نظرة فيها وجع السنين، مش من اللي اتقال... من "اللي ما اتقالش". كلمة "حج"... تكررت، ومع كل مرة...
كانت كأنها جدار عازل بينهم.
شعر إن كلمة "جدي"... اتسلبت منه، واتبدلت بلقب رسمي، يحترق به القلب وهو ساكت!
استدار عمران، كأنه بيهرب من الوجع.
بس صوته... ما هربش، علا فوق الكل، ثابت وواضح، لكنه مبلول بندم:
"ماشي يا ولدي... وجد مرتك. فـ أمانتي...
واللي بينا... هيتصلح."
صرخ جابر والحنق يتفجر من حنجرته، كمن يلفظ حممًا لا كلمات:
"بتجول إيه يا أبوي؟! ما هيحصلش!
اقتلني الأول! أنت هتصدق ده ضحك على بتي وهجتلها هي كمان واجتله. هتمشي وراه."
لم يكن في صوته سوى الحنق والعناد، عناد من يرى الحق ولا يطيقه.
فضحك نديم ضحكة طويلة، فيها من التحدي بقدر ما فيها من الحرقة:
"إيه؟! راجل عاجل واد كلمته... ادّاني البت!
وتقتل إيه يا راجل؟! ده انت حبيبي! اشهدوا يا خلق! عمي رايد يولّعها نار عشان يعادي جوز بنته!"
احتقن وجه جابر أكثر، وصرخ كمن يركله وجعه من الداخل:
"أجوّزها لحرامي؟! لواحد أمّه وأبوه... عار؟!"
هنا... دوّى صوت عمران، كمن بلغ الحلقوم:
"ياخي منك لله! بقي ما تخرس؟! إنت إيه؟! اكتم بقه، اتفضحنا! منك لله! دي شوية فضايح للركب عار وطين على طين... عايز إيه تجتلوا بعض؟! والعيبة تركب وتدلدل، ونتفضح أكتر من كده يمين الله لو سمعت حسك ما أكون هابدك بالمركوب على وشك. أنت عايز يتجل منك عشان تكتم والا أقولك هفرخ فيه الفرد ده واخلص من شرك."
لكن نديم، بثباته المعهود، لم يتراجع، بل تقدم خطوة، ونبرته تعلو، تعلن للعالم حقه، وحق وجد:
"وإيه اللي يفضح؟! إني رايد مرتي؟! إني واقف بصوت عالي، قدام عيلتها، في وسط دار أبو الدهب، بطلبها منك يا حج، البت لابن عمّها... وإني أهو، بطلبها، راجل بوجه راجل! اكتب عليها على سنة الله ورسوله، اديهالي!"
ثم التفت نحو الجميع، وصوته هذه المرة يخترق جدران الكبرياء بصراحة مدوية:
"هو كان هيرميها لده وما رايدهاش، وأنا متأكد إنه ما رايدهاش... يبقى ليه توجعوا قلوبنا وتموتونا بالحيا؟! ارحم يا حج،
عيلتك المرة قبل الراجل، وإن كان عالمال يا جابر يا أبو الدهب... وجد اتكتب لها شركة الديب بحالها... مهرها!"
ارتج المكان، وصعق الجميع من وقع العبارة.
تجمّد جابر لحظة، وحدق فيه مذهولاً:
"إيه؟! كتبت لبنتي الشركة اللي نصبت علينا وخدت الخمسين مليون.صرخ بعدم تصديق. أنت كذاب..."
ضحك نديم، تلك الضحكة التي تحمل في طياتها تحديًا وسخرية:
"أيوه... كتبتها هكدب ليه خايف منك مثلاً؟ والفلوس هترجع، والشركة بتاعة وجد! إيه؟! مش اللي يهمّك الفلوس وبس؟!"
قال بذهول لم يتخطاه... يعني.. يعني بتي ليها خمسين مليون دلوك... يعني وجد معاها نص فلوس عيلة أبوالدهب؟!" ابتعل جابر ريقه، ووقف ينهج من صدمته ورغم غيظه، صمت... فهو عبد المال، وفي حضرة الذهب، يخفت صوته، وتذبل غضبته.
فواصل نديم، منتشيًا بانكسار خصمه:
"الفضايح خلصت! الجوازة خلاص انعقدت... اطمنوا... الفلوس سحر لعيلة أبو الدهب!"
وبينما نديم يقف منتشيًا بعد أن هان جابر في نفسه، في زاوية المجلس، كان براء صامتًا... يراقب من خلف النظرات كل ما يجري، وفي صدره، كانت نار حمية العائلة تشتعل.
كل جملة من نديم كانت كأنها تُسكب على قلبه زيتًا ساخنًا. ورأى نديم وهو يسخر من عمه بالمال وأظهر سوءه، علم أنه أخذ ابن عمه بالعُرفي ويعلم جيدًا إنه لم يكلم جده.
هناااا.. انفجر براء! اندفع من مكانه، وصوته يشبه فرقعة الرعد في عز صيف قائظ:
"وطالما أكده يا نديم بيه، وبتتكلموا عالفضايح... يبقى على عينك يا تاجر!
وأنا ليا حَجّ في بيتك أنا راخر! وهاخده!"
استدار نديم نحوه، والغضب يتفجر من مقلتيه... نظر إليه نظرة رجل لا يتسامح في كرامته... لكن براء لم يتراجع، بل صرخ بأعلى صوته...
"افتكر إني قولتلك بلاش يا دي الجدع... يا وقعتك السودة يا شجن ووقعتك الطينتين يا براء..."
"كلمتين هيسودوا عيشتك لأخر الرواية.. وهيخش الطور الكبير يطينها.. عيلة ماتربتش كلها اقسم بالله.."
"تفاعل و.. بحب والله أقرا كومنتات وبتسعد برد عليها ماتحرمنيش منها بجد..."
رواية عودة الذئاب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ميفو السلطان
عض "براء" على شفتيه، وصدره يعلو ويهبط كمن يتهيأ لذنب لا يُغتفر. كانت عينا "نديم" لا ترمش، تحدقان فيه كما لو كانت تسبر روحه.
رفع "براء" نظره ببطء، وحدق فيه. اقترب براء من نديم، والخطى تشتعل تحت قدميه، وقد انعقد حاجباه كأنهما قوسان مشدودان. قال بعنفوان الصعايدة، ونبرة رجت الهواء من حوله:
"أنا كمان عايز مرتي!"
قطّب نديم جبينه، حدّق فيه مستنكراً، ثم قال بسخرية تنضح بالازدراء:
"نعم يا أخويا؟ عايز إيه؟ إنت مخلول ياض؟"
كان براء قد اكتشف الحقيقة للتو، الحقيقة التي صفعت قلبه قبل عقله: شجن لم تكن فتاة عابرة... بل كانت ابنة عمه، وشقيقة من طالما سمع اسمه الأسطورة... نديم.
رآه في صورة عبر الهاتف، فاشتعل الدم في عروقه، وقام الغضب فيه مقام العقل، فثارت حميته الصعيدية، وتفجّر كبرياؤه كبركان طال سكوته. رأى وقاحة نديم حين دخل عليهم، وتعمّده أن يدفن صورتهم في التراب، كمن يطعن شرفهم علناً. رآه يتبجح على عمه ويستهزئ به.
صرخ، والصوت يخرج من قلبه لا من حنجرته:
"زي ما سيادتك لفيت على بت عمي وخدتها، ماهو أكيد اللي زيك ضحك عليها... وما هنصدّقش الكلام اللي اتقال!"
اقترب منه بخطى ثابتة، والضحكة ترتسم على وجهه ضحكة مكتومة رسمها بوجع، ولكنها لم تكن ضحكة انتصار... بل ضحكة كيد. تردد لفترة ثم قال، كمن يلقي قنبلة:
"أنا كمان... خدت خيتك... وكتبت عليها!"
اشتعل نديم، كأنما النار قد سُكبت في عروقه، واندفع كالثور الهائج، وأمسك ببراء من تلابيبه، يداه تقبضان على غضبه أكثر من جسد غريمه، وصوته ينفجر من حنجرته كالرعد:
"بتجول إيه يا محروج إنت؟ وتتكلم عن خيتي؟... والله لأدفنك!"
كانت النظرة في عينيه مزيجاً من وجع الأخ وخذلان الرجل وغليان الدم، ولم يكن بحاجة إلى سكين ليجرح، فقد كانت كلماته وحدها كافية أن تذبح.
اندفع أسمر من الخلف، قافزاً كمن يطفئ حريقاً انفجر فجأة، فأمسك بنديم بشدة، وفكّ يده عن أخيه، وهو يعلم جيداً ما الذي قصده براء، وما بين الحروف من طعن مقصود.
لولا دخول "أسمر" في تلك اللحظة، لكانت الدماء سالت بلا رحمة. "نديم" شعر بكفيه تتحولان إلى مخالب، كأن شيطاناً في داخله يستحثه على القتل.
مرّ وجه والدته أمامه، وجه والده الذي مات مكسوراً، وصرخة مهره وهي تسحب يدها.
كل شيء كان يهتف بداخله: "ثأر لا يُغفر... وخيانة لا تُنسى..."
لكنه كتم الصراخ، وخنق وجعه في صدره، وتجمّد في موضعه.
نظر أسمر إليه، وابتسامة تنزف من زوايا فمه، وقال بلهجة تتقطر خبثاً:
"إيه؟ كنت فاكر إن انت اللي بتخطط لوحدك؟"
اقترب أكثر، غرز كلماته كخناجر في قلب ابن عمه:
"لا يا نديم... زي ما انت خططت، إحنا كمان خططنا... وبراء لعب على خيتك... واتجوزها، يا ابن عمي!"
نظر إليه براء قاطباً، لم يكن يريده أن يقول ذلك.
في تلك اللحظة، كانت تلك الرقيقة، الأميرة الحالمة شجن، تجلس في الخارج، صمتها يصرخ، ودموعها تنهمر بلا توقف، كأن قلبها يفيض بما لا يُقال. صدرها يعلو ويهبط، كأن أنفاسها تُصارع الحياة، وكأنها تحاول أن تُمسك ما تبقّى من كرامتها المنهكة.
همست لنفسها بصوت مرتجف:
"يا خسارة حلمك يا شجن... كنتي فاكراه راجل... بس طلع ندل..."
مسحت دمعتها بظهر يدها، بغلظة لا تشبه رقتها، كأنما تؤدّب قلبها الذي تمادى في الحب، ثم قالت بقسوة امرأة خذلتها الحياة:
"بس خلاص... أنا هدخل... أشوف بعيني... عشان قلبي يقتنع إنه ما يستاهلش..."
نظرت إلى مرآة السيارة، تطلعت في عينيها الغارقتين بالقهر، وقالت لنفسها:
"خليكي زي أختك... موتي قلبك... قومي شوفي غدره... وهو قاعد بيمضي على جوازته... لازم أشوفه... وأمحيه من جوايا..."
نهضت، خطواتها ثقيلة، كأن الأرض تسحبها للخلف، لكنها قاومت.
دخلت بهدوء، ووقفت بجوار الباب، جسدها بالكاد ينتصب، وقلبها يوشك أن يتصدّع.
كانت تسمعهم، كلماتهم تنغرز في روحها كالإبر، تقطّع ما تبقّى من حلمها، وما إن سمعت اسمه يتردّد مع اسمها بتلك الطريقة الحقيرة، حتى سالت دموعها قهراً.
وعرفت وقتها... أنها لم تكن سوى وسيلة... للانتقام.
صرخ نديم، وعيناه تتّقدان بغضب حارق:
"بتجول إيه يا محروج؟... إنت كدّاب!"
ضحك براء ضحكة مستفزّة، وكأن نار الدنيا لا تعنيه:
"إيه زعلان ليه؟ إنت اتجوزت بت عمي عرفي... أنا بقه اتجوزت خيتك عرفي، ومن وراك برضك... ومحدش أحسن من حد!"
لحظة غريبة خيّمت، كأن جداراً من السكون وقع على القاعة... ما بين كلمة براء وبين الرد.
أنهى جملته، وقد قالها بوقاحة منقطعة النظير، حتى تجمّدت توقّف النبض في صدره، وهوى قلبه في غياهب الذهول.
عندما سمع شهقة تأتي من خلفه، شهقة لم تكن عالية... شهقة لم تكن شهقة ألم فقط، بل شهقة خذلان اخترقت الصدور، وتلتها أنّات بكاء تتعالى، كأنها تمزّق الوجدان.
التفتت الرؤوس ببطء، كأن الوقت توقف.
وكل شيء تلاشى، إلا تلك الأنثى الواقفة عند الباب، الحالمة شجن، التي تحولت إلى أميرة طُعن قلبها وتمزّق.
كانت تقف، يدها مسنودة على طرف الباب، وعيونها متسعة كأنها رأت موتها بعينيها.
والدموع تنساب على خدها في صمت مكسور... تشهق، وشفايفها ترتجف، وجسدها يرتعش كأنها على وشك الانهيار.
تجمّد براء، انكمشت ضحكته وماتت في جوفه. هو لم يكن يعلم أنها معهم، لم يكن يتخيّل أن كلامه سيصل لها بهذا الشكل.
رفع نظره إليها فوجد نظرتها مسمومة.
ليست نظرة امرأة جُرحت، بل نظرة روح انسلخت من جسدها... نظرة موت.
ابتلع براء ريقه حنظلاً وأحس بقلبه تمزّق أشلاء.
استدار نديم بسرعة، وقلبه يهبط بين أضلعه.
اندفع نحوها، أمسك ذراعها بقوة، عيونه تهتز وحنجرته تشتعل:
"اللي بيجول عليه ده... صوح؟ انطجي! قوليلي ده كدب!"
كانت تبكي، تنتحب، ولا تملك حتى القدرة على الرد. كانت تنظر إلى الجميع كأنهم غرباء، كأنها ضائعة بينهم.
اندفع براء فجأة، شدّها من يد نديم، صرخ بكل ما فيه:
"يدك عنها... دي مرتي!"
فاشتعل نديم، أمسكه من رقبته، هدر كالثور الجريح:
"هيا مين اللي مرتك؟ دا بطلوع روحك... أنا... خوتي خط أحمر!"
لم يكمل جملته حتى أتته من الخلف ضحكة "أسمر"، ضحكة لم تكن مجرد سخرية، بل قنبلة انفجرت في وجوههم جميعاً، تحمل في طيّاتها وقاحة الواثق، وبرود من لا يخشى نار العواقب:
"طب بالمرة بقه... بمناسبة الخط الأحمر اللي بقى أسود... خد دي! حاجة كده في الجون!"
اقترب بخطوات بطيئة، ثابتة، كأنّه يمشي على أعصابهم. ثم رمق "مهره" بنظرة حادة، نظرة خلطت بين التحدي بالغضب، وأطلق قنبلته الثانية:
"مهره عمران... تبقى حرم أسمر سلطان... وبالعُرفي برضك! أهو زيك بالضبط!"
واتاخدوا بالعَرفي برضك يا بن عامر...!
ثم صمت وكأنه منحهم لحظة يستوعبوا فيها الكارثة التي ألقاها على رؤوسهم. لحظة صمت ما بين الصدمة والذهول، وما بين وجع الحقيقة وغليان الدم.
وقف "نديم"، يشعر أن قلبه على وشك أن يتوقف. نظر إلى أخته، وكأن الزمن توقف عند عينيها. أحس بطعنة غائرة في صدره، لم تكن من سيف، بل من شيء أعمق... من خذلان لم يكن يتوقعه.
"مهره" كانت أقرب إليه من أي أحد، كانت نبضه وعقله وسنده... فكيف!
عيناه كانت مشتعلة، وصدره يعلو ويهبط، كأنه يقاتل غصة في قلبه. مشهد أخته، والدم في عينه، وضياع الهيبة، كلها نار بتأكل روحه حي...
نظرت إليه، تهز رأسها بعنف، وعيونها تفيض وجعاً. هي تشعر بألمه قبل أن ينطق، تحس بانكساره قبل أن يقع.
فقال بصوت مخنوق، غير مصدق لما يسمعه، كأن الحروف لا تخرج من فمه بل من جرح ينزف داخله:
ـ اللّي بيجول عليه ده... صوح! إنت يا مهره! إنت يا مهره! إنت...!
توقف صوته، لكنه لم يحتج أن يكمل.
فالدمع اللي في عينه، والارتعاشة اللي في صدره، قالوا أكتر من أي كلام.
كانت نظرته كفيلة أن تميتها وهي واقفة.
نظرة أخ ينكسر أمام عينها... فانهار ما تبقّى من صلابتها، ولم تحتمل.
توقف الزمن لثوانٍ. كأن الأرض انشقت تحت "مهره"، وتراجعت خطوة والدم يتصاعد في وجهها. رفعت عينيها على الحضور، كأنها تفتش عن مخرج من الكابوس. تحركت شفتاها بلا صوت، ثم خرج منها همس مذبوح:
_ "كذب... هذا كذب!"
واستدارت واندفعت كالمجنونة، وعيناها تشتعلان قهرًا. امسكت بجلباب "أسمر"، تهتز من فرط الانفعال، وانفجرت تصرخ:
ـ هِيّا مين يا عرّة الرجالة اللي مَرّتك!
لم يمهلها لحظة. قبض على رقبتها بيده الثقيلة، ووجهه يشتعل بالغضب، وقال من بين أسنانه، وصوته كالسّم الزعاف:
ـ كلمة زيادة... وهخلّص عليكي! أنا جبت أخري وكفايق جله قيمة منك لحد دلوك.
وفي لحظة مفاجئة، اخترق الصمت صوت عصا تضرب بقوة!
كان "عمران" قد وقف واقترب، وضرب "أسمر" بعصاه الغليظة.
وصوته يصرخ من عمق قلبه الموجوع:
ـ يَدّك! يا حسرة جلبي... يا حسرة جلبي على خلْفي! يا حسرة جلبك يا "عمران"!
صرخة خرجت من عمق وجعه، لا على ما رآه فقط، بل على ما ربّى، وما آل إليه الحال...
اقترب أخوه منه، ووضع يده على كتفه، يحاول تهدئته. نبرة صوته كانت هادئة، لكنها متوجسة من اشتعال اللحظة:
ـ اهدى يا "عمران"... الدّنيا اكده هتولّع!
اتصرّف بحكمة، واللي له مرة... ياخدها من سكات.
لكن "عمران" كان قد فاض به الكيل. صرخ، وقد انفجرت الدماء في عروقه كبركان لا يوقف:
ـ تولّع! أمال هي إيه!
نفضت "مهره" يد "أسمر" بعنف، كأنها تتخلص من عار التصق بها. ونظرت له بعيون تتلظّى بالاشمئزاز. وصوتها يتقطر مرارة وغضب:
ـ ده واحد كدّاب... وضالّالي! كتبت فين! أنا! يا بن سلطان، امتى وفين! عملتها إزاي! ولا هو طبع السرقة والتجنّي فـ دمكم يا ولاد سلطان!
تقدّمت خطوة، ووقفت بثبات، رغم الزلزال اللي جواها. ثم صاحت بكل ما تبقّى من كرامة، ووجع:
ـ أنا وأختي... أشرف منكو ومن صنفكو!
ولو مين حلف إننا نخون أخونا... ما هيصدّق! ولا الزمن هيصدّق!
كان كلامها طلقات نار، تطلع من قلب مكسور، لكنه ما انكسرش، من عزة نفس ووجع، ما يعرفوش يركعوا.
نظرت "مهره" حواليها، وعينيها بتقدّ شرار. صدرها بيعلو ويهبط، مش من تعب... من وجع متراكم، وجرح مفتوح من سنين. وانفجرت فيهم بصوت يقطر وجعًا واشمئزازًا:
ـ عارف ليه! لإننا متربين تحت كنفه... وتحت حمايته! أنا "مهره عامر"... أخت "النديم"... ما بتاخدش سرقة يا حيلتها! وإن كنت لفيت زي التعبان وعملتها، يبقى تشرب اللي هيجرالك! وبورقة وسخة... من أوخصّ محامي، أخلعكو يا ولاد سلطان!
لفّت بعينيها على الوجوه، فيها التحدي وفيها القرف. وكملت بصوت يجلجل:
ـ إيه يا رجالة عيلة "أبو الدهب"! ما كفّكوش عمايلكم في ولاد عامر! إيــه! كنا ملقين... مالناش حد، ده يجلد، وده يحرّق، ودوّل يعيبوا ويتجنّنوا ويكتبوا سرقة!
سكتت لحظة... بس عينيها كانت بتتكلم. وبعدين بصوت مبحوح من الغلّ:
ـ عارفين! أنا بطني قلبت...مافيش فيكو صنف عدل...قلّبتولي بطني! إيه القرف ده!
كانت الكلمة الأخيرة مش شتيمة، كانت حكم... كانت نهاية صبر، وانفجار كرامة ما بترضاش تنذل.
وقف "عمران" فجأة، وانفجر صوته في المكان، كأنه بيحاول يوقف الطوفان اللي جاي ياخد الكل:
ـ بس! بس بقه. هتموتوا بعض! دي آخرتها!
مجيّتك يا "نديم"... جَلّبت الدار نار!
كان بيصرخ من وجع، من خوف، من ضياع تعب السنين. صوته مش بس غاضب، ده صوت راجل شايف بيته بيولع، وأهله بيقطعوا بعض، واللي المفروض سند لبعض، بقوا سكّين في قلب بعض.
التفت ناحية نديم، وعيونه بتقول أكتر من الكلام، كأنه بيعاتبه، وبيستنجده، وبيحذره في نفس اللحظة...
هنا طفح الكيل. كلماته أتت علي قلب نديم.. صرخ "نديم" بحرقة، كانت بتشق قلبه قبل ما تطلع من حنجرته. صوته مبحوح من الغلّ والخذلان. من زمن شايل فيه الوجع لوحده، ومالقاش حد يصدّقه:
ـ أنا! أنا اللي جلّبتها نار! إنتو إيه يا أخي!
لسّاتك لحد دلوك بتحط على "نديم"!
كُل ده... وكل اللي حصل...من يدك! إنت السبب! إنت اللي سايبهم طايحين كده!
ليه! إنت إيه يا أخي!
عيونه كانت مولّعة، وصوته بينهش. وكمل وهو بيضرب على صدره:
ـ حد كان جالك إننا كلاب! ينداس علينا!
عبيت جلوبنا حجارة...قسّيتنا بإيدك.
وجاي دلوك تجول: "دخلتي جلّبت الدار نار"...لاااااااه...ده أنا "خرجتي"...خرجتي اللي جلّبت الدار نار يا حج!
سكت لحظة، لكن عينه فيها نزيف وجع متكلمش عنه سنين. وفتح قميصه كأنه يفضح جرح عمره وقال:
ـ فاكر! فاكر يوم ما "ماده" مسك كرباجه.
وعلّم على ضهري! لحد دلوك... لحد دلوك وأنا بحس لسعه الكرباج كل ما أتنفّس!
ضرب "نديم" على صدره، كأنه بيحاول يوقف النار اللي جواه. وصوته اتشرخ بالوجع:
ـ ما بتروحش! ما بتروحش من أهنه!
(وخبط على قلبه بقوة)ـ ما بتروحش من هنا يا ظالم...نارك يا حج...ياللي حاجّج بيت الله، نار يدك! إنتو اللي جلّبتوها نار، وبتحاسبوا "نديم" على إيه! على إنه مش عايش! وجاي تناطحني أنا!
عينيه كانت حمرا من الدموع المكبوتة، مش دموع ضعف، دي دموع رجل ضحى بكل حاجة واترمى بالرخيص. وكمل بصوت مختنق من الغصة:
ـ بدل ما تجف ليهم... بس إزّاي تجف ليهم! إحنا مش منكو! ولا يوم كنا منكو!
افضل ظالم...
وهتموت ظالم! ونجف كلنا...
ناخد حقجنا منك!
ثم صرخ فجأة بحرقة تخرق عنان السما:
ـ ياااا رب! هاتلي حجي... هاتلي حجي من عيلة... ما بتعرفش لا رحمة... ولا شرف!
كانت صرخته مش بس للدنيا، دي كانت لرب العباد اللي شايف البشر ساكتين.. بس السما ليها رب عمره ما بينسي..
وقف "نديم" ينهج، صدره يعلو ويهبط، والكل واقف امامه في رهبة... مش من صوته، بل من صدقه. من وجع بيخرق القلب وبيعريهم قدام نفسهم.
وفي الزاوية... كانت دموع الجد نازلة، دموع رجل ظن أنه يبني، واكتشف متأخرا إنه هد البيت على رؤوس اللي بيحبهم. أحس بثقل المصايب... كلها جاية من إيده.
هدأ قليلا... ووضع يده على صدره، كأنه بيحاول يوقف النزيف اللي جواه، يستمد قوته من قلب بدأ يضعف، لكنه لازم يتكلم:
ـ طب يا ولاد "عمران"... إنتو كل اللي إنتو فيه ده، عشان الفلوس؟!... والجُهْر الأسود؟!.. إنتو بتاكلوا في بعض... بسببي. وبسبب مالي.
سكت لحظة، ورفع عينه على الوجوه اللي اتقطعت من الغل، وقال بصوت مكسور لكن واضح:
ـ عشان أكده... أنا بجولكو النهارده، وباجولها قدام الكل: أنا سحبت كل حاجة منكو، وما سيبتش حاجة لحد واصل!
تجمد الكل... وكأن الزمن توقف، والهوى اتقطع. العيون اتسمرت، والأنفاس انحبست.
وفجأة... هب "جابر" صارخا، صوته يجلجل المكان:
ـ إيه؟!.. بتجول إيه إنت؟!
لكن قبل ما يكمل، كان "عمران" قد اقترب منه، ورفع يده بقوة، ونزلت على وجه ابنه كالصاعقة... صفعة سكتت الدنيا:
ـ اسمها "سيدك" يا واطي... مش "إنت"!
ثم رفع يده مرة تانية، ونزل عليه من جديد.
ضربة كانت مليانة قهر، وصدمة، وحرقة سنين، وقال بصوت غليظ، والعيون مولعة بالشرر:
"سيدك... يا اللي لا شفت تربيه ولا اتعلمت أدب...
سيدك يا كلب المال... يا عبد إبليس!
اسمها سيدك.. عمران أبو الدهب...
ما عادش مخلوق يكلمه، ولا يتنفس قدامه!"
ـ لحد أهنه... وتُلزم أدبك يا بن "عمران"!
فاهم؟!.. أنا خلاص... لحد اكده وما هسيبش شرك طايح! هتجيب سيرة أخوك ومرته تاني... هطلّع روحك بيدي!
صوته كان بيرتجف، لكن ما بين الرجف والحنق، طلع انفجار القلب الموجوع:
ـ بكفياك خراب! إيه غل جلبك ده؟! إبليس مربي شيطان؟!.. يا تربية الأبالسة!
نظر له وكأنه شايف قدامه الشر متجسد، وصرخ بصوت يمزق الحناجر:
ـ إنت!.. إنت بسببك كل الحزن ده هينطق؟!.. هرميك بره! هــاااااه...
آخر كلمة طلعت منه كانت وعد... مش تهديد، كانت نذر راجل قرر يحسم الفجر اللي اتربى تحت سقفه.
بهت "جابر"، وتجمد مكانه، ويده على وجهه، ما بين وجع الضربة ووجع الإهانة، وقال بصوت مخنوق:
ـ بتضربني؟!.. أنا؟!.. أنا "جابر"؟!.. وترميني... عشان دول؟!
لكن "عمران" كان بركان فاض، وصوته طلع من قاع قلبه، حارق وراعد:
ـ واديك بالمركوب على وشك! آه هرميك بره!
هجيب الغفر... وارميك بره زي الكلب!
مالكش مليم! يا نجس... يا عبد القرش!
صمت لحظة، ثم صرخ من قهر قلبه:
ـ هاه! أبوك هيتبرى منك! ولا هيديك قرش...
ولا حتى حتة أرض توحّد ربنا!
قرب وشه من وش جابر، وقالها بغل من سنين:
ـ آه.. بضربك. عشان دول! عشان دول أعمل أي حاجة! دول... ما خدوش من دنيتي حاجة!
وانت؟!.. كبشت... وعبّيت في بطنك!
وطفّحت علينا الحزن، زي السم!
ثم دفعه بعصاه دفعة قوية، كأنه بيطرده من قلبه مش من البيت، واستدار، وصوته جهور، مليان حكم ومرارة وأوامر:
ـ اسمعوا بقه! عايزين الملك؟ عايزين الشركات؟ عايزين الأطيان والسلطان؟ كل واحد... يجاحي على مرته! ويجيبلي منها عيال! نسل جديد! جايز... جايز يطلع نسل خير! مش نسل خراب!
سكت، لكن الصدى فضل يدوي… كان ده مش مجرد أمر، دي كانت بداية صفحة جديدة، يا تطلع بيهم لفوق… يا تنسف اللي فاضل.
وقف الكل، والعيون مسمّرة في الجد، اللي فجأة وقف مستقيما، وصوته بقى جهور، صوت راجل رجع له سلطانه، ورمى الهيبة من عينه قبل لسانه.
وفي لحظة اندفع "جابر" بلهفة، نبرة صوته كانت مزيج من طمع ودهشة:
ـ يعني لو بتي... جابت خلف من ده، هتديني مالي؟!.. وحالي؟
نظر إليه "عمران" بقهر، نظرة أب مش مصدق الولد اللي طلع من صلبه، نظرة فيها ألف وجع، وقال بصوت ثابت:
ـ أيوه... يا بن "عمران".
وهنا صرخ "جابر"، كأن لقى الثغرة اللي يدخل منها، كأنه نسى الدم اللي بينضرب، والوجع اللي سببه، وقال بانفعال باهت ومندفع:
ـ خلاص! "وجد" تجيب من "نديم" عيال!
وأني راضي! وهما اتجوزوا... وأني راضي!
وأول خلف من بتي... هو أصلا ابن عمها!
وكتب لها مهر... وفيّ! وخد إذنك… يبقى خلصت!
كانت كلماته بتتقذف كالرصاص، مش حبًا ولا كرامة… لكن محاولة أخيرة لشراء الخلاص بورقة، ورضا مؤقت. لكن العيون اللي حواليه ما كانتش شايفة صفقة… كانت شايفة سقوط.
وقف "نديم" مذهولا، عينيه تائهة، وكأنه ما عاد يشوف حد… الكل كان بينظر له، عيونهم متسمّرة فيه، مش مصدقين.
مش مصدقين إزاي... في غمضة عين،
اتحول الراجل اللي كان واقف زي الجبل،
لراجل باع بنته... بقوة وسرعة، عشان الفلوس! إزاي؟ إزاي نهى خلاف سنين... بثواني؟ إزاي انهزم قدام المال... وهو اللي كان دايما شايل غل في قلبه ما يتكيلش؟
وهنا… دوّى صوت "أسمر"، مليان بالعنفوان والتحدي، كأن كلام الجد كان القشة الأخيرة اللي مستنيها، قشة امتلاك "المهرة"… اللي عينه ما فارقتهاش من ساعة ما شافها:
ـ وأنّي موافق! أنا وأخويا… مرة زي غيرها!
واللي عملوه… مش هناخد بيه حجّة!
إحنا… ما بنقتلش نسوان!
رمق الحضور بنظرة حادة، ورفع صوته أكتر:
ـ الدور والباجي… ع اللي جايين وولعوها!
كانت كلماته نار، لكن نارها ما حرقتش "نديم" بس… حرقت كل اللي لسه شايل ذرة كرامة، وكل اللي كان فاكر إن الدم أقدس من المال.
فصرخت مهره بانفجار، كالصاعقة:
— "مش لما تبقى راجل تيجي تقول... ما بقتلش نسوان؟!"
همهم "أسمر" أن يقترب منها، لكن الجد مد يده بقوة وشده هاتفا بصوت أجش:
— "اتلم بقه! أنا واجف! إنت إيه؟ انخبلت؟!"
لكن "أسمر" تمادى، صارخا بغيظ فهيا تكيل له بعنف:
— "دي عايزة ربايه!"
فصرخت مهره ساخرة بنار قهرها:
— "روح ربّي روحك الأول يا ابن سلطان... يا نصاب يا بتاع العرفي !"
ثم ساد صمت مفاجئ، عيون الجميع اتجهت نحوها… نحو "شجن" تلك التي وقفت تتأرجح في مكانها، مكسورة، وأناتها تعلو بقهر.
كأنها فقدت التوازن الداخلي إلى الأبد.
فتاة رقيقة، حنونة، لكنها منهارة. اقتربت من نديم، تشهق بالبكاء، تمسك يده بقوة مذبوحة:
"أنا أنا ما خنتك.. قال.. قال إنه كان بيحميني! والله ده قال كده."
نظرت لبراء، ثم لنديم، لأخوها، لسندها الذي ظنت أن الدنيا كلها تهون في حضنه.
نظرت له بنظرة اتكسرت فيها كل الحكايات..
وقالت، بصوت بيترعش ما بين الذكرى والخذلان:
"أجر ناس أكيد يا نديم! أجر ناس اتجرأوا عليا واتعدوا علينا. دخلوا علينا كنا لوحدنا..
ضحكوا عليا.. خدعوني.. قالوا لي في خطر..
قالوا لازم أحمي نفسي.. قالوا لازم أكتب الورقة.. عشان شرف العيلة!"
"وأنا.. أنا كنت مرعوبة.. ما فهمتش حاجة..
الدنيا كانت مليانة ناس شكلهم، وكلهم بيصرخوا.. وأنا واقفة في النص.. ضايعة.. وخايفة.. وأقسم بالله.. والله ما خنتك!!"
"أنا مضيت... آه.. بس ما كنتش عارفة بأمضي على إيه.. كنت بمضي وأنا جسمي بيرتعش..
وكلهم حواليّ بيقولوا: دي الحماية!"
قالت كلماتها كأنها بترميها من قلب بيستغيث، وكل حرف كان بينزف من روحها قبل لسانها..
سكتت لحظة، والدمعة نزلت بهدوء مش من عينها، من عمرها كله.. ثم همست:
"بس... والله ما خنتك."
وهنا.. تجمد براء مكانه.. كأن كلماتها كانت رصاص حي، اخترق صدره وسابه ينزف من جواه.
نظر لها، عيونه مش بس مكسورة.. عنه هربت منها، لكنه ما قدرش يهرب من نفسه..
وشاف في وشها المرعوش نفس البنت اللي اتمناها.. وحطها في لعبة كبيرة بتهوره وعنفوانه..
رمش بعينه بسرعة، كأنه بيحاول يمنع دمعة غدارة تهرب.. لكنها نزلت.. ساخنة صريحة..
تقول "أنا غلطت.. أجرمت "... من غير ولا كلمة.
أما نديم.. فكان واقف.. زي تمثال حجر..
بس عنيه اتكسرت.. وفي ضهره تقوّس مش من التعب.. من خيبة الأمل كان نفسه يصرخ.. يشتم نفسه.. يضرب دماغه في الحيط.. بس كل اللي قدر عليه.. نظرة طويلة نازفة.. لأخته.. اللي ما خانتش.. لكن اتخانِت.. من نفس العيلة.
وللحظة.. سكن كل شيء.. إلا القلوب.. كانت بتكسر جواه الصدر بصوت ما حدش سامعه غيرهم.
فرك براء كفوفه ببعض، كأنه بيحاول يشيل الذنب من جلده.. خطا خطوة ناحيتها.. لكنه ما قدرش يوصل.. صوته طلع مبحوح.. كأنه بيتكلم من بقايا نفسه:
"شجن.. أنا.. والله.."
ابتعدت مسرعة وكلبشت في أخيها برعب وقفت ترتعش....
"يلا يا نديم... يلا نمشي.. سيب لهم حاجتهم..." "إنت قولت هتديهم حاجتهم... إرميها لهم... دول مش بني آدمين!"
شهقت، أكملت وهي ترتجف:
"يا نديم... أنا خايفة! أجيب من مين! من ده! ده أنا بخاف منه!"
براء شعر وكأن شيئًا في صدره ينكسر..
اقترب ببطء.. صوته رخيم كنسمة ليل:
"شجن..."
لكنها كأنها لدغتها النار.. دفعت صدره بعنف.. تصرخ بانهيار:
"ما تقربليش! ما تقربليش! إنت مين! أنا ماعرفكش!! ماعرفكش!!"
نظرت حولها بجنون.. ثم شهقت فجأة كأنها غرقت تحت الموج:
"عيال مين اللي هنجيبهم منكم! ده أنا لو جبت عيل.. هموته عشان ما يطلعش زيكم!"
ارتفع صوتها وهي تتأرجح بين الهيستيريا والصرخة الأخيرة:
"كلكم. مرضي آيوه آنتو مرضي و... و.. .. أشرار! حتى أخويا... شرير!"
رفعت رأسها نحو السقف وكأنها تكلم الله: "إنتو إيه! حد يعمل في حد كده!
بتبيعوا وتشتروا! بتقسموا! إحنا تبع الورث!""عشان الفلوس! محروق أبو فلوسكم!"
صرخت بكل ما فيها:
"أنا حبيت... يا كفرة! واتقتلت بسببه!"
"بتخططوا لإيه! هتعيشوا إزاي!
هتشتروا الحب الأمان الحنية بالفلوس!"
"إنتو عالم ماعندكوش رحمة... والله... ماعندكو رحمة!"
سكتت لحظة ثم هزت رأسها بعنف.. تحاول طرد الشياطين من عقلها:
"هو إحنا كلاب! إحنا إيه!
ما بنحسش.. "خد وجد... خد شجن... خد مهره! عارف إيه أحسن إن ربنا ياخدنا ويرحمنا منكم يا ظالمة!"
شهقت شهقة كأنها الروح تفلت:
"مش كفاية! عشنا عمرنا كله مقهورين بسببكم!" "ولا مرة حسينا بالأمان!" "أخويا... اتدمر بسببكم!"
ثم انفجرت صرختها الأخيرة: "قولهم يا نديم!
قولهم إحنا مالناش حد.. إحنا لوحدنا من زمان.. إحنا ما لناش غير بعض.. ماسندناش غير على بعض!"
رجعت تبص لهم.. في عينها لهب:
"نتجوز مين! بعد إيه! بعد ما كل حاجة اتكسرت!"
سكتت لحظة.. بس النظرة كانت ناطقة.. وقالت بمرارة:
"اللي خطط... وباع... ما بيشتريش..."
"يلا نمشي! مشوني من هنا!"
صرخت بهيستيريا.. تدق الأرض بكعبها:
"أنا بكرهكم... بكرهكم!"
ظلت تصرخ ونصرخ وفي لحظة.. انهارت بجسدها كأن كل ما فيها انكسر..
لتسقط مغشيًا عليها.. في أحضان "براء" الذي هرع يحملها.. ويضمها لصدره بعنف وشعر بكم السواد الذي فعله دون تفكير وغلبت حميته الصعيدي عليه جعلته يقول ما اجهز علي قلب تلك الجميله.
وعلى الفور حملها على قلبه واندفع بهت يهرب بها أراد أن يختفي العالم من حوله صعد بها إلى الطابق العلوي... وكأنه يحاول إنقاذ ما تبقى من شيء اسمه إنسانية في تلك الحكايه ..
"وفي قلب العتمة.. سكتت الدار.. لأول مرة.. سكتت مش خوف.. سكتت.. لأنها ماتت."