تحميل رواية «على القلب سلطان» PDF
بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ " ". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس ؟ على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان...
رواية على القلب سلطان الفصل الأول 1 - بقلم آية العربي
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني.
تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء.
فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ "على القلب سلطان". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس على القلب سلطان؟
على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته.
يجلس سلطان بجانب خطيبته لمياء يأكلان من أكواب حمص الشام الذي ابتاعه لها من إحدى العربات التي تصطف على الكورنيش.
"أيوه يعني آخرة ده إيه يا سلطان؟"
أردفت بضجر لمياء وهي تأكل بشراهة.
"بقالي سنتين مخطوبين يا أخويا ومشوفتش منك لا أبيض ولا أسود. هنقضيها خطوبة كده! الله يسامحك، كان جايلي ابن بنت خالة أمي راجع من الخليج على قلبه قد كده، بس أنا اللي بحبك وصممت عليك. وهما دلوقتي بيذلوا فيا وبيقطموني. شوفلك حل يا سلطان، أنا مبقتش متحملة."
ترك سلطان الكوب الذي بيده وأردف بضيق:
"استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم يا رب. كل مرة نخرج يا لمياء لازم تحرقي دمي بالكلمتين دول. مانا قلتلك تعالي نسكن مع أمي في البيت وهوضبلك المكان. مانتي شايفة كل حاجة أهو، شغل الحراسة ده مش جايب همه. أعمل إيه يعني يا بنت الناس؟ أقطع نفسي؟"
أردفت محاولة إقناعه والتحدث ببعض اللين:
"طيب وأهل أبوك يا سلطان... هتسيب لهم ورثك كده؟ دانت ابنه الوحيد. وهما صعيدة وعندهم الولد يقش. جرب كده وشوف يمكن ترجع المية لمجاريها."
نظر لها بعيون قاتمة وبرزت عروق فكه من شدة الغضب عند ذكرها لتلك السيرة، مردفاً بفحيح:
"لو اتكلمتي في الموضوع ده تاني اعتبري اللي بينا منهي. انتي فاهمة."
كاد أن يقف ليغادر، فأمسكت بكف يده مردفة بندم تلملم شتات تسرعها قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه:
"خلاص حقك عليا يا سلطان. متتمشيش. اقعد بس كده. هتزعلني منك. خلاص بقى."
نظر لها مطولاً يصارع أفكاره في تحملها، ثم قرر الجلوس ثانياً وهو يلف وجهه عنها بضيق. فذكراها لسيرة أهل والده تفقد صوابه. نعم، له عائلة عريقة في المحافظة الصعيدية سوهاج، ولكنهم تبرؤوا منه منذ أن مات والده، وهذا فقط بسبب أن والدته قاهرية وأنهم يظنون أنها المتسببة في موت والده، لذلك تخلوا عنه بعدما أرادوه أن يتركها بمفردها، ولكنه رفض وبشدة، لذلك تبرؤوا منه.
ظل شارداً وباءت محاولاتها لإرضائه بالفشل، فقررت الصمت بغيظ وأكملت تناولها لما يحتويه الكوب.
بعد نصف ساعة، عادا إلى الحارة الذي يقطن بها سلطان وتقطن بها هي أيضاً. أوصلها إلى منزلها بوجه عابس دون أن يصعد وغادر عائداً إلى منزله.
دلف هذا البيت العشوائي الذي يتكون من طابق واحد. منزل قديم متآكل ورثته والدته أبًا عن جد. جلس على الأريكة التي تحتل عرض الجدار ويوجد في منتصفه شباك يطل على الشارع العمومي. لم يجد والدته في البيت، فجلس يفكر كيف له أن يزيد دخله وينتشل والدته من هذا البيت ومن هذا الفقر. كيف يمكن أن يحصل على منزل في أحد الأماكن المرموقة، ليس كالتي يعمل بها. بالطبع لا. يكفي أن يصلح للاستخدام الآدمي. يكفي أن يثبت لنفسه ولأمه ولعائلته العريقة أنه ليس قلة كما نعتوه. فما يراه من حوله الآن ما هو إلا مستوى معيشي كمن دُفن حياً.
أتت والدته من الخارج تحمل أكياساً قد ابتاعتها من السوق المجاور للحارة. دلفت المنزل تلتقط أنفاسها بعدما وضعت ما في يدها على تلك الطاولة وهي ترى ابنها يجلس بشرود. اقتربت تجلس بجواره مردفة بقلق:
"سلطان! جيت إمتى؟"
لم ينتبه عليها بل ظل يتطلع لنقطةٍ ما بشرود، فأردفت بقلق:
"مالك يابني سرحان في إيه؟"
أفاق على صوتها فتطلع إليها مطولاً ثم أردف بتساؤل متجاهلاً سؤالها:
"إيه يا ماما، انتي كنتي فين كل ده؟"
أردفت منيرة وهي تشير إلى تلك الأكياس:
"كنت بجيب شوية خضار من السوق. قول بس إنت مالك سرحان في إيه؟"
أرجع رأسه للخلف يغمض عينيه يتحدث إليها كأنه يتحدث مع ذاته، فهي أغلى ممتلكاته:
"تعبت يا أما... تعبت أوي. نفسي أرتاح وأريحك من الفقر ده. ليه هما يتمتعوا واحنا نعيش عيشتنا دي؟ مش أبويا ده يبقى ابنهم؟ ليه يعيشوا أسياد واحنا عبيد؟ دا حتى البنت اللي خطبتها بقالي سنتين مش عارف أتقدم خطوة وأتجوزها. حرام اللي بيحصل لينا ده، حراااام."
نظرت منيرة لابنها بحزن. هو دائماً ينظر لما لا يملكه ويترك ما يملكه. دائماً يعترض على وضعه.
أردفت منيرة بنبرة ذات معزى وحكمة:
"ارضى يا ابن الحاج إبراهيم. ارضى باللي ربنا قسمه لينا واحمد ربنا إن ليك بيت وليك وظيفة وصحتك بخير، لا إنت مريض ولا عاجز. إنت اللي دايماً باصص لفوق. وكل ما تتعين في مكان ميعجبكش الشغل وتسيبه. مناخيرك لفوق يا ابن السوهاجي. هترتاح إزاي وتتجوز إزاي وإنت يا دوب شهر واحد في أي شغلانة وتسيبها! يعلم ربنا إني مقصرتش معاك. ربيتك وعلمتك أحسن علام. ولو كان في إيدي زيادة كنت عملت. احمد ربنا واشتغل وكافح وامسك في شغلك ده بإيديك وأسنانك لحد ما تحوش قرش ووقتها اتجوز واصرف على نفسك وعلى مراتك وكفي بيتك وملكش دعوة بيا."
نظر لوالدته بخزى. أردف بانكسار:
"ياما كفاية بالله عليكي أنا مش ناقص. متزوديهاش عليا انتي كمان. انتي عارفة إني مستحيل أسيبك وأبعد عنك. أنا بس اللي مقهور من اللي أهل أبويا واللي عملوه معانا."
تنهدت منيرة مردفة وهي تربت على كتفه بحنو:
"معلش... معلش يا سلطان. يكرموا يا ابني علشان خاطر الحاج إبراهيم. هييجي يوم والحقيقة هتبان وربك مبينساش عباده. اثبت انت بس في شغلك في البرج ده. دي شغلانة مجتش بالساهل. دانا بحمد ربنا عليها وأنا بصلي. وإن شاء الله هدخلك في كذا جمعية مع نسوان الحارة وتقبضهم الأول وأجوزك. ومن حظك إن عمك منصور البقال بيأجر الشقة اللي عنده في الدور التاني. هأجرهالك واتهنى انت والبت لمياء ومتشلش هم حاجة طول ما أمك عايشة."
مسح على وجهه مردفاً بتنهيدة وقبول وجمود اعتاد عليه من قسوة الحياة:
"ماشي يا أمي... ربنا يصلح الحال. فيه غدا ولا أقوم أنام عشان وردية بليل؟"
ربتت منيرة على كتفه بحب مردفة:
"لأ اتغدى الأول وبعدين نام. أنا هسخنلك الأكل اللي في التلاجة."
**********************************
على الضفة الثانية من نهر النيل... حيث تصطف الفلل والقصور الشاهقة لأصحاب الطبقات المخملية.
في ذلك القصر الأبيض الناصع، من يراه يظنه البيت الأبيض. ولكن ما يحدث بداخله الآن هو أشد الكره بعينه.
حيث تنزل من أعلى الدرج سيلين ترتدي الملابس السوداء التي اعتادتها مؤخراً بعدما توفيا والداها في حادث سير غامض أثناء ذهابهما إلى مؤتمر رجال الأعمال المقام في مدينة السلام شرم الشيخ.
ترتدي قناع الجمود والقلب المتصلب. لا أحد يعلم أن وراء هذا القناع قلباً ممزقاً حزيناً وحيداً بدون حماية. يريد دفء واحتواء، ولكنها تعلم جيداً أن تلك الأشياء لا توجد عند أفراد عائلتها. لذلك ترتدي قناع القسوة والعنفوان حتى تستطيع العيش وسطهم. فكل تحذيرات والداها كانت من هؤلاء الذين يجلسون في الأسفل. حيث سيتم اليوم فتح وصية والداها، لذلك تجدهم أول الناس حاضرين، ولكن إذا كانت بحاجة إليهم أو بحاجة إلى عطفهم، فتجدنهم أكثر الناس نفوراً وهرباً.
نزلت لأسفل حيث يجتمع الكل في غرفة واسعة بها مقاعد كثيرة ووثيرة. يجلسون بأريحية، يتهيأ لهم أنهم استطاعوا تنفيذ ما يحلمون به منذ سنوات، وأخيراً سوف يحصلون على تلك الثروة العملاقة. فهي فتاة وحيدة ومؤكد أنهم سيتقاسمون معها التركة.
دَلفت الغرفة تلقي عليهم نظرة واثقة بلا مبالاة واتجهت تجلس بجانب محامي والدها ومحامي الشركة أيضاً السيد ممدوح، مردفة تتعمد تجاهلهم:
"إزيك يا أستاذ ممدوح... تقدر تبدأ."
أومأ المحامي بصمت وبدأ بفتح تلك الأوراق التي أمامه على طاولة ذهبية. نظر للجميع بحذر والكل متأهب لما سيقال. توتر ونظر إلى سيلين التي أومأت له تحثه على الحديث، مردفة:
"اتكلم يا أستاذ ممدوح."
أومأ مردفاً يقرأ وصية والدها:
"أحم... بسم الله الرحمن الرحيم... هذه وصيتي أنا سمير الحلواني... عندما يتم فتحها سأكون في رحاب الله... سأترك لكِ محبتي الدائمة يا ابنتي الغالية سيلين... في حفظ الله يا ابنتي وحمايته ترعاكِ... أعلم أنني تركتكِ وحيدة ولكني متأكد من كوني أنجبت ابنة قوية تستطيع مواجهة الصعاب وتخطيها... اعلمي جيداً أن لا أحد يستطيع هزيمتك ما دام عقلكِ الذهبي يعمل... لقد طلبت من السيد ممدوح تعيين حراسة لكِ من أكبر شركات الحراسة وأهمها في مصر... وبالفعل بدأوا في حراستك متخفيين نظراً لرفضكِ القاطع لأي حراسة، ولكن الآن لي رجاء عندكِ واعتبريه جزءاً من وصيتي... عليكي بالالتزام بالحراسة... لا ترفضي حراستهم لكِ... والآن سأترك لكِ أملاكي كلها... لقد سجلت كل أملاكي على اسمكِ... ٦٠% من أسهم الشركة سيتحولون بعد موتي لكِ... والباقي سيتم تقسيمهم على أفراد عائلة الحلواني... أما عن القصور والأرصدة البنكية فجميعها مسجلة باسمكِ... ولا أحد يحق له التصرف بها غيركِ... عليكِ أخذ الحذر جيداً فأنتِ تدركين مقصدي... انتبهي جيداً لحالك يا غاليتي... وتذكري دائماً الحراسة ولا تثقي في أحداً يظهر لكِ حبه."
كانت تستمع إلى تلك الكلمات بوجه بارد خالٍ من أي مشاعر. برغم حاجتها الملحة في البكاء والانهيار، ولكن لاااا ليس في حضورهم.
أما البقية فهاجوا وماجوا مردفين بغضب:
"لاااا... لا يمكن ده يحصل... إنت محامي كداب وحرامي."
أردف بهذا آدم ابن عمها نبيل الذي يجلس بهدوء عكس نيرانه المتدفقة بداخله. لقد خالف أخيه كل توقعاته. هو يعلم أن أخيه يدرك أمرهم وكرههم له ولابنته، ولكن ظن أن يتم تقسيم التركة حسب الشرع ولم يكن يعلم عن الوصية وما تحتويه.
رد المحامي بغضب ودفاع:
"عيب أوي كده يا أستاذ آدم... وبعدين دي وصية عمك أنا مش مستفاد منها بأي شئ."
أردف آدم وقد أعمى الغضب والطمع عينه:
"بردو كداب والوصية دي مزورة... يعني إيه طلعنا من المولد بلا حمص!"
أردف نبيل بحدة يسكت ابنه:
"آدم... اخرس خالص. ميصحش تشكك في وصية عمك الله يرحمه. الأحسن إننا نمشي. يلا يا بدور. يلا يا شمس. يلا يا وليد."
نطقها بخبث وهدوء. فالثوران ليس من مصلحته الآن. عليه التفكير في حلاً أكثر خبثاً من الغضب والصياح. فهو على عكس ابنه آدم، يخطط من وراء الأقنعة ثم ينفذ في صمت كالثعبان.
نظر آدم إلى والده بزهول. كيف له أن يكون هادئاً هكذا بينما وقفت تلك الفتاتان بدور وشمس ينظران بحقد وكره إلى سيلين التي تتابع ما يحدث بلا مبالاة وبرود. أما وليد فكان ينظر لها باختلاف. دائماً يراها بطريقة أخرى غيرهم. ينبض قلبه لها منذ زمن، ولكن تسلط عمه عليه يضعفه. فهو لا يقوى على مواجهتهم. نعم يحبها على عكسهم، ولكنه ليس قوياً كفاية للاعتراف بذلك. ليس قوياً كفاية لحمايتها من مخططاتهم.
وقف الجميع يستعد للمغادرة، ولكن قبل أن يخطو أحداً للخارج، أردفت سيلين بثبات وهي تضع ساقاً على الأخرى:
"ثانية واحدة يا... عيلة الحلواني."
وقف الجميع ينظر لها بتأهب منتظرين حديثها. أردفت وهي تنظر داخل عين عمها نبيل بقوة:
"أنا بلغت البوليس. أي حد هيتعرضلي أو أي سوء هيحصلي هيكون إنتو أول الناس المتهمة في اغتيالي. وبردو أملاك بابا هتتوزع على الجمعيات الخيرية. يعني محدش هياخد من تعبه مليم. معلش يا عمي بس بابا علمني إن الاحتياط واجب. وزي ما إنت دايماً بتقول الواحد مش لازم يثق في أخوه. شرفتوا."
قالتها بثبات ونبرة ساخرة تدل على العكس أمام نظرات الجميع المصدومة، حتى نبيل الذي لم يتوقعها بكل هذا الدهاء. لقد ظنها صيداً سهلاً وسيتخلص منها بسهولة مثلما تخلص من أخيه وزوجته للحصول على الثروة. ولكن يبدو أن الأمر معقد ويحتاج إلى خطة بديلة.
غادروا جميعاً يجرون خلفهم أذيال الخيبة والحسرة، بينما جلس المحامي ليتابع معها باقي الحديث.
رواية على القلب سلطان الفصل الثاني 2 - بقلم آية العربي
غادر أفراد عائلة الحلواني وظل المحامي فقط يجلس أمامها ليسترسل باقي حديثه عن الإرث الذي تُرك لها.
نظرت لأثرهم بحزن داخلي. تمتلك من الثبات الانفعالي ما يجعلها تبدو كالجليد، ولكنها حقًا الآن بداخلها يغلي كالبركان. يا لبجاحتهم، يأتون لاستلام ميراثهم في شقيقهم! بأي حق يفعلونها! رحمة الله عليك أبي الغالي، لم يكن لك أشقاء بل كانوا ثعابين تحتضنك لتقتلك.
تنهدت بقوة تستجمع ثباتها أمام المحامي الذي أردف:
_ نكمل يا آنسة سيلين؟
أومأت له بصمت فاسترسل:
_ أحم، كدة أنتِ سمعتي وصية الوالد. وطبعًا سمير بيه كان متفق مع شركة الحراسة ومؤكد عليهم أن حراستك تكون مكثفة، بس ده ميمنعش إني أحييكي على الخطوة القانونية اللي اتخذتيها ضد عمك وأولاد عمك، لأن سمير بيه الله يرحمه كان دايما على حذر منهم. دي هتخليهم يعيدوا حساباتهم مليون مرة لو لا قدر الله فكروا يأذوكي. ولازم أبلغك أن فيه بكرة اجتماع لأعضاء مجلس الإدارة في الشركة علشان تتولي منصب المدير العام بعد وفاة الوالد.
أغلق الملف الذي أمامه مستكملاً:
_ كدة خلصنا جزء الوالد، نتكلم بقى عن ميراث الوالدة.
تنهد وهو يقوم بفتح ملفًا جديدًا ينظر له بتمعن مستكملاً:
_ طبعًا والدتك يا آنسة سيلين ملهاش وصايا، بس كل أملاكها هتتقسم شرعًا عليكي وعلى أولاد خيلانك وخالاتك اللي عايشين في سويسرا وهيتم التواصل معاهم في أقرب وقت علشان يستلموا ميراثهم. وأنا حابب أضيف أنه في أي وقت تحتاجي أي مساعدة أو دعم أتمنى تعتبريني شخص يؤتمن وتشاركيني عثراتك. ودلوقتي عن إذنك لازم أوثق شوية أوراق بخصوص التركة، ولو تحبي طبعًا إحنا ممكن ندور على شريك يشتري الأسهم الخاصة بيهم ونخرجهم من الشركة خالص.
أردفت بثبات وثقة ونبرة ذات مغزى:
_ لأ يا أستاذ ممدوح، لسة بدري أوي على الخطوة دي. سيب كل حاجة لوقتها. المهم دلوقتي لازم نشوف خط سير الإنتاج واصل لفين. أنا بعيدة عن الشركة من فترة ومش عايزة يحصل أي خلل في إنتاجنا علشان سمعة الشركة تفضل زي ما هي، ده طبعًا إن ما ارتفعتش لفوق.
أومأ الأستاذ ممدوح مؤيدًا بحماس:
_ برافو عليكي يا آنسة سيلين، هو ده فعلًا اللي لازم يحصل. عايزة تحاربي أي عدو يبقى لازم تثبتي نجاحك في الشركة وتعلي من شأنها. أستاذ فريد الله يرحمه كان دايماً حريص على أي شيء قانوني يصب في مصلحة الشركة.
أومأت مردفة بعزيمة وثبات:
_ إن شاء الله. تقدر تتفضل يا أستاذ ممدوح، متشكرة لحضرتك.
جمع المحامي أوراقه وغادر مودعًا. وظلت هي بمفردها.
نظرت من حولها، تطلعت لذلك الحائط المعلق عليه صورة كبيرة لوالديها. نظرت إليهما جيدًا، كأنها تعبئ عيناها وتملؤها بهما. اشتاقت لوجودهما، ويا ليت الاشتياق يعيدهما.
تنهدت باختناق فقد أصبح حتى الهواء الداخل لرئتيها يخنقها. خرجت من باب هذه الغرفة إلى بهو القصر تنادي على تلك السيدة المسنة التي تخفف من على عاتقها عبء الأيام مردفة:
_ دادا علية.
حضرت تلك السيدة ذات الوجه البشوش تنظر لها بحب وابتسامة صغيرة تشق ثغرها مردفة بحنان:
_ نعم يا حبيبتي. أحضرلك الغدا؟
هزت سيلين رأسها مردفة بامتنان وهدوء:
_ لأ يا دادا مش جعانة. أنا هطلع أنام شوية لأن بكرة عندي شغل كتير ومهم جدًا. عن إذنك.
أومأت لها وبالفعل صعدت سيلين حيث غرفتها في الأعلى. ولجت إليها وأغلقت الباب خلفها. سحبت نفسًا عميقًا وهي ترفع وجهها لسقف الغرفة وقد لمعت عيناها بالدموع الحارقة. تنهدت تخرج مرارة الفقد وألم الوحدة. انسابت دموع الألم والخزلان حتى من أقرب المقربين إليها. هي أضعف الأقوياء حقًا.
جلست على كرسي وثير وبدأت تخلع حذاءها بإهمال وتفك أزرار فستانها الأولى لتعطي لنفسها الشعور بالراحة ولو قليلًا. كانت تبكي وتفكر في نفس الوقت. يشغلها القادم والحالي. رفعت رأسها عاليًا وأردفت بشهقات:
_ ياااارب، وكلتكُ أمري.
قامت متجهة إلى المرحاض الخاص بها كي تخفي تلك الآثار الضعيفة وتعود بوجهٍ أكثر قوة وصلابة حتى لا تُكسر على يدِ أحدهم مثلما علمها والدها.
ليلًا في حارة سلطان تجلس لمياء بجانب عائلتها حول التلفاز. والدها ووالدتها وشقيقها الصغير.
أردف نعمان والد لمياء بتساؤل وترقب وسخرية:
_ اتكلمتي مع خطيبك في موضوع الورث بتاعه يا بنت نعمان ولا لسه خايفة؟
لوت لمياء فمها مردفة بحنق وضجر:
_ آه يابا اتكلمت وياريتني ما سمعت كلامك ولا كلمته. هب فيا زي الغول، ولولا إني جريت معاه ناعم كان زمانه سايبني. قلتلك هو مش بيحب السيرة دي بردو صممت إني أكلمه.
أردف نعمان بغضب ولوم:
_ يعني إيه هب فيكي! أومال إنتي لسه عايزة تعدي هنا كتير! أنا خلاص مبقاش عندي حاجة ليكي. يعني كلميه يسهل كدة ويتجوزوا بسرعة، يا أما بقى أنا أكلمه بطريقتي.
ترقبت لمياء واعتدلت في جلستها مردفة بتساؤل:
_ تكلمه بطريقتك إزاي يعني! أوعى يابا تفتح معاه السيرة دي كدة فعلًا ممكن نسيب بعض وأنا بقى بحب سلطان وأنت عارف.
أردف نعمان بسخرية على ابنته:
_ حبك برص يا بنت حكمت، بتحبيه على إيه نفسي أفهم. ده شكل على الفاضي، شايف نفسه على إيه أنا مش عارف!
أردفت لمياء بتنهيدة وهيام:
_ هيييح، بس قمر يابا. شخصية تلاقي، وسامة تلاقي، حاجة كدة زي اللي بيطلعوا في الأفلام. قول بس هو اللي راسه ناشفة ومش راضي يروح الصعيد يتكلم مع جده. يابا ده ليه ورث أدة كده.
أردفت حكمت والدة لمياء وهي تفص بأسنانها بذور اللب:
_ كلمه يا نعمان، سيبِ أبوكي يكلمه يابت يا لميا خليه يسهل.
أردف نعمان بإصرار بعد كلام زوجته:
_ خلاص أنا هتكلم معاه. هقوله إن يشوف حل في أسرع وقت لأن مينفعش معايا الكلام ده.
وقفت لمياء مردفة بنبرة ذات مغزى:
_ اعمل اللي انت عايزه يابا، المهم سلطان ما يبعدش عني. أنت فاهمني طبعًا.
اتجهت إلى شرفة المنزل التي تطل على الشارع الذي يقطن في آخره سلطان، تقف تنتظره لحين يخرج فهي تعلم موعده في الذهاب لعمله الحديث.
أما عند سلطان الذي استيقظ ليذهب لوردية عمله الليلة في حراسة أحد الأبراج السكنية المرموقة التي تحتوي على شخصيات من الطبقات المرفهة في المجتمع. جهز أمتعته وارتدى بذلة العمل الخاصة وأخذ سلاحه المرخص. وقبل أن يغادر دلف إلى غرفة والدته يوقظها بهدوء مردفًا بحنو:
_ أما... أما.
تململت منيرة في نومها وبدأت تستيقظ وتتطلع عليه بنعاس مردفة:
_ أيوه يا سلطان. هتمشي يا حبيبي؟
أومأ لها سلطان مردفًا بحب واهتمام:
_ أيوه يا أما همشي، بس قومي معلش اقفلي الباب ورايا بالترباس علشان أبقى مطمن عليكي.
ربتت على يده التي كانت توقظها وأومأت وبالفعل أزاحت الغطاء ووقفت بهدوء وهي تمشي خلفه تملي عليه بعض التعليمات كي ينتبه على حاله وتختم كلامها بباقة رائعة من الدعوات بصلاح الحال له. غادر هو وأغلقت منيرة الباب خلفها واتجهت تكمل نومها.
بينما رأت لمياء سلطان يأتي من البعيد فأشارت له من شرفتها بحماس مبتسمة فبادلها بإيماءة بسيطة. مردفة بلغة آمرة بعدما اقترب منها:
_ ادخلي جوه يلا.
أومأت بسعادة وكادت أن تدلف ولكنها ارتطمت بجسد والدها الذي تجاهلها وخطى واقفًا على إطار الشرفة مردفًا بصوت عالٍ نسبيًا:
_ سلطان... استنى أنا عايزك. خليك وأنا نازلك أهو.
نظرت له ابنته بلوم مردفة وهو يمر من جانبها كي يلحقه:
_ محبكتش الوقتي يابا. لزومه إيه العكننة يعني.
مر متجاهلًا لها واتجه خارج منزله ومنه لأسفل. أما سلطان فوقف يتأفف بضجر لقد تأخر على عمله وأصحاب البرج السكني من أولئك القوم الذين لا يرحمون ولا يقبلون أعذار.
نزل نعمان ووقف أمام سلطان. رفع نظره إليه، إنه حقًا طويل ذو جسد رياضي عريض المنكبين.
تحمحم نعمان مردفًا:
_ أحم، تعالى نعد على القهوة نتكلم.
اعترض سلطان مردفًا:
_ لأ معلش أنا متأخر على شغلي. قول اللي عندك يا عم نعمان وأنا سامعك.
أومأ نعمان مسترسلاً:
_ بص يا بني، إنت بقالك سنتين خاطب بنتي. داخل خارج قدام الحارة وأقول معلش بكرة يتجوزوا ونسكت اللي يتكلم. لكن الوضع ده مينفعش خالص. ده حتى الشغل مش بتثبت فيه، ودي بنت وأنت ميرضكش كده بردو ولا إيه؟ شوفلك حل يابني. يعني يا دوب قدامك شهرين تكون دبرت نفسك كده وتلموا حالكم وتتجوزوا، يا أما بقى كل شيء قسمة ونصيب. فيه الكلام ده زعل؟
نظر له سلطان مطولًا. أردف بعد صمت أربك نعمان:
_ ماشي يا عم نعمان. أنا هتصرف وهعمل اللازم. فيه حاجة تاني حابب تقولها ولا خلصت؟
أردف نعمان بهدوء:
_ لأ تمام كده. يلا اتكل أنت على الله.
أومأ له سلطان وغادر إلى عمله بعدما عكر هذا النعمان مزاجه وأخره على موعد عمله.
في صعيد مصر.
في محافظة ومدينة سوهاج بلد المواويل. تلك المدينة الخضراء التي تتميز بالطبيعة الساحرة حيث الهواء والخضرة والوجوه الحسنة.
في قطعة خضراء يحتل منتصفها منزل سوهاجي عريق تقطن به عائلة السوهاجي. تلك العائلة العريقة المعروفة بقوتها وسلطتها على المنطقة.
يجلس الجد الأكبر توفيق برتابة أمام حفيدته سهيلة التي تبكي وتتوسل إليه مردفة بألم:
_ والنبي يا جدي بلاش ترجعني ليه. إني لو رجعت له هيسوي عيشتي مرار. ده بني آدم مافيش في جلبه رحمة. خليني هنا وسطيكوا.
أردفت والدتها معنفة إياها:
_ قومي يابت ادخلي عن جدك عاد. بلاها دلع ماسخ إكدة. ده جوزك يعمل فيكي اللي هو عايزه. إنتي اللي مدللة يابنت بطني.
نظرت سهيلة إلى والدتها بقهر وهي تقف وتردف بقوة واصرار:
_ لا ياما. إني مش مدللة. بس إنتي اللي بسبب غضبك من أبوي دسيتِ فينا غضبك وكرهك. كنا عايزين ننجى منك واختارنا أي حد خبط بابنا من غير ما نفكر.
اعترض الجد توفيق قائلاً بغضب:
_ اخرسي يابت. صوتك ما يعلاش واصل وأنا قاعد. وأوعاكي تقولي الحديث الماسخ ده تاني. إني سألت زين على راجلك أو رجالة أخواتك. وكل الناس في قنا شكروا فيه. قولي بس إنتي اللي فرعونة. ارجعي لجوزك وربي عيالك يا سهيلة وإني هتكلم معاه ميزعلك تاني.
نظرت له سهيلة بعدم تصديق. كانت نظراتها محاصرة بين والدتها وجدها. أومأت بقهر وأردفت بقوة وهي تحمل حقيبتها لتغادر وتعود من حيث أتت بعد أن خذلها المقربون:
_ تمام يا جدي. أنا هعاود بيتي ولزوجي! بس ذنبي في رقبتكم ليوم الدين. وكلت ربي حسبي.
قالتها وغادرت تحت نظرات جدها المصدوم من دعوتها عليه ووالدتها روايح التي لا تبالي بل تظن بطريقتها أنها تنتصر بصلاح بيت ابنتها والضغط عليها وجعلها خاضعة لهذا الزوج.
أما بدرية زوجة عمها، تلك السيدة الحنونة، أردفت بتعقل:
_ ياريتك يابوي سبتها يومين تريح حالها وبعدين شيعتها. أو على الأقل كنت اتكلمت معاه ميزعلهاش عاد. إنت خابر زين إن أهل جوزها طباعهم صعبة وممكن يزعلوها.
نظر لها توفيق مردفًا بصرامة وحدة:
_ من مِتة وأنا باخد رأي حرمة يا بدرية! محدش إهنا يقرر غيري. والكلام ليكي إنتي كمان يا روايح. إني سكت بس علشان مجومهاش عليكي بس صوتك ما يعلاش إهنا. إنتي سامعة؟
أومأت روايح تردف بنبرة مستعطفة:
_ حاضر يابوي. إني بس مش عايزة الناس تقول روايح بناتها عفشة ومعرفتش تربيهم لحالها بعد ما جوزها سابها وفضل واحدة قاهرية عليها.
أردف توفيق بحدة وغضب:
_ إيه الحديث ده يا روايح! بنات السوهاجي ما يتجالش عليهم كده أصل. ابني إبراهيم الله يرحمه مقصرش معاهم أصل ولو حتى كان مقصر لا إني ولا عمهم كنا هنقصر في يوم. واللي يجول حرف على بنات السوهاجي يندفن مكانه. إني بس خابر إن جوزها زين ومش عايزها تخرب بيتها. وإن كان على المعاملة، فأني هتكلم معاه.
ارتبكت روايح وأردفت مسترسلة بترقب:
_ عارفة يابوي كل ده على راسي والحاج إبراهيم الله يرحمه كان سيد الرجالة. أنا بس بقول على اللي ممكن يتقال من ورا ضهرنا.
نظر لها توفيق بحدة. أما بدرية فا التزمت الصمت بينما في داخلها ترفق لتلك المسكينة التي غادرت مكسورة الخاطر وعزمت على إخبار زوجها محمود كي يجد حلاً لوالده أمام جبروت تلك الروايح.
وصل سلطان إلى محل عمله. رآه زميله بدر الذي يتبادل معه وردية الحراسة لهذا البرج السكني.
أردف بدر بغضب وتساؤل:
_ إيه يا سلطان هو إنت كل يوم هتتأخر كده! أنت عارف إن اختي لوحدها في البيت ولازم أروح لها بدري.
أردف سلطان وهو يتجه لمكان عمله بثبات وهدوء:
_ معلش يا بدر. يالا امشي أنت.
ضيق بدر عيناه من هيأة صديق عمله مردفًا بتساؤل:
_ خير يا سلطان. حصل حاجة؟
نظر له سلطان بترقب ثم أردف بثبات وهو ينظر للبعيد:
_ أبو لمياء شافني وأنا جاي ووقفني وقالي أدبر نفسي في خلال الشهرين دول وأدبر شقة وعفش علشان نتجوز أنا وبنته. ومعاه حق. بقالي سنتين خاطبها وزي ما أنا محلك سر ومش عارف أعمل إيه.
ربت بدر على كتفه بطيبة مردفًا:
_ معلش يا صاحبي. هتبقى عال. شركة الحراسة اللي إحنا شغالين تبعها دي بتدي مرتب حلو ده غير الحوافز والمكافآت لو سكان المنطقة انبسطوا مننا. حاول أنت بس تثبت نفسك فيها وأنت الفترة الجاية هتعرف تدبر أمورك.
أردف سلطان بضيق وتأفف:
_ أنا مبقتش طايق نفسي يا بدر. حاسس إني عاجز وأنا شايف أمي متبهدلة كده ومش قادر أعملها حاجة. لو عليا هصبر وأتحمل بس هي تعبت وكبرت وعايز أريحها. ده غير لمياء اللي حبتني ووثقت فيا. أنا حاسس إن في جبل على ظهري معجزني.
نظر بدر له بحزن. فدائمًا ما يعترض سلطان على وضعه المفروض عليه. يريد الصعود للأعلى متخطيًا درجات السلم في خطوة واحدة. بل يريد الركض بأقصى سرعته للوصول إلى كل ما يريده.
كان كل هذا يستمع إليه نبيل الذي نزل منذ قليل عبر المصعد قاصدًا الخروج ولكنه وقف يستمع إلى حديث الحرس وقد لمعت في رأسه فكرة لم تخطر على بال الشياطين كان يدبرها له منذ الصباح.
مر من جانبهم ينظر لسلطان نظرات متفحصة من رأسه إلى أخمص قدميه حتى إن سلطان تعجب وأردف بجرأة:
_ خير يا نبيل بيه تؤمر بحاجة؟
ابتسم نبيل وأردف بخبث:
_ إنت اسمك سلطان صح؟
أومأ له سلطان بقوة وثبات فاسترسل نبيل:
_ امم. واضح إن شخصيتك زي اسمك. على العموم ياريت تلتزم بمواعيد شغلك. وبلاش التأخير.
أردف بدر مسرعًا ظنًا منه أن نبيل غضب من سلطان:
_ معلش يا سعادة البيه. أول وآخر مرة إن شاء الله.
نظر نبيل إلى بدر بغرور ولم يتكلم. بينما أعاد نظره إلى سلطان للمرة الأخيرة وغادر بعدها فتعجب سلطان متسائلاً لبدر:
_ ماله ده!
أردف بدر وهو ينظر لأثره بعدم فهم:
_ مش عارف. ده أول مرة يتكلم مع حد. ربنا يستر.
وقف سلطان ينظر للبعيد بشرود يفكر في أمر هذا الرجل الذي يطالعه بنظرات إن دلت فهي مؤكد تدل على مغزى بداخله.
في اليوم التالي.
استيقظت سيلين مبكرًا كعادتها. أدت روتينها اليومي وصلت فرضها. فبرغم عدم ارتدائها للحجاب التي تتمنى ارتداءه ولكن لم يحن الوقت بعد. إلا أنها لا تترك فرضًا مثلما علمها والداها. بالإضافة إلى صوت تلاوتها الرائع في القرآن فهي تتقن تلاوته بصوتٍ عذب رائع يخطف الأنفاس.
نزلت للأسفل بعدما ارتدت بذلة نسائية منمقة سوداء تحتها قميص أبيض تتلائم مع جسدها برقة ومشطت شعرها على هيئة ذيل حصان للأعلى.
ألقت تحية الصباح على السيدة علية التي تحمل أطباق الفطور مردفة بهدوء:
_ صباح الخير يا دادا.
ابتسمت عليا بسعادة مردفة:
_ صباح النور يا ست البنات. يالا تعالي افطري. عملتلك فطار من اللي قلبك يحبه.
كان الإفطار ليس من مخططاتها ولكنها أومأت لأجل خاطر تلك السيدة مردفة بترقب:
_ تمام هفطر بس تعدي تفطري معايا.
نظرت لها علية بتردد ثم ما لبث أن أومأت بقبول فهي على يقين أنه في حال رفضت ذهبت تلك المسكينة إلى عملها دون فطور. جلست سيلين وبجوارها علية تمد لها الطعام بحنان وهي تردف بشفقة:
_ كولي يا حبيبتي. كولي يا سيلين وشك بقى أدة كده بسبب قلة الأكل.
نظرت لها سيلين بعيون ملتمعة مردفة وهي تحاول الثبات:
_ مش قوي كده يا دادا. أنا أصلًا مش بحب أدبها على الفطار علشان حركتي تبقى خفيفة. وبعدين إنتي هتفضلي تأكليني ومش هتاكلي ولا إيه!
أومأت لها علية وبالفعل تناولت معها وجبة الإفطار القليلة ووقفت سيلين لتغادر بعدما ودعت علية. انتقلت إلى الحديقة فوجدت شخصًا ما يسرع إليها يرتدي نظارة سوداء وبذلة رسمية ذو جسد رياضي وعضلات بارزة وهو يقف خلفها مردفًا بجمود:
_ اتفضلي يا سيلين هانم. أنا محمد الحرس الخاص المسؤول عن حراستك. وتحت أمرك في أي شيء.
نظرت له قليلًا ثم أومأت بصمت وهي تمر وهو خلفها. وصلت لسيارتها ففتح لها الباب الخلفي. دلفت وركب هو بجانب السائق وخلفهما سيارة أخرى معبأة بالحراسة أيضًا. من يراها يظنها لوزيرة ما. ولكن لماذا لا وهي التي تمتلك أكبر مجموعة شركات ومصانع عائلة الحلواني لتصنيع العصائر والحلوى والمغلفات في الشرق الأوسط. ولديها من الأعداء الكثير الذين يريدون النيل منها خصوصًا بعد موت والديها ظنًا منهم أنها أصبحت صيد سهل جميل وثمين في آن واحد.
انتهت حراسة سلطان مع طلوع النهار وكاد أن يغادر بعدما تسلم منه صديقه نور الحراسة ولكن استوقفه نبيل الذي كان ينتظره مردفًا ينادي:
_ سلـطااان.
توقف سلطان يلتفت متعجبًا بتساؤل:
_ اتفضل يا نبيل بيه خير؟
اقترب منه نبيل وأردف بصوت لا يسمعه سوى سلطان:
_ عايزك في موضوع مهم. ياريت تيجي ورايا على فوق.
التفت سلطان إلى صديقه نور ينظر له بتعجب من أمر هذا الرجل. بينما أردف نبيل عندما لاحظ تردده:
_ متقلقش يا سلطان. الموضوع اللي أنا عايزك فيه في مصلحة حلوة ليك.
نظر له سلطان بقوة مردفًا بصوت رخيم:
_ المهم متهانش يا باشا. كرامتي تفضل محفوظة.
نظر له نبيل بقلق مردفًا ببعض الغموض:
_ اسمع وقرر بنفسك.
تصارعت الأفكار في عقل سلطان وأصبح مشوشًا ولكنه قرر الصعود مع هذا النبيل على عكس اسمه وليرى ماذا يريد.
أثناء ذلك أخرج نبيل هاتفه وتحدث مع ابنه آدم مردفًا وهو يدلف المصعد:
_ أيوه يا آدم. أحضر أنت الاجتماع بدالي. ورايا حاجة مهمة هخلصها وأجي.
أغلق معه مع إغلاق باب المصعد عليه هو وسلطان وصعوده إلى شقته.
بعد عدة دقائق يجلس سلطان ينتظر حديث نبيل الذي من المتوقع أنه لأمر هام.
أردف نبيل بترقب ومكر يحاول استعطاف سلطان:
_ اسمع يابني. بصراحة أنا سمعت كلامك مع صاحبك عن ظروفك وجوازك.
تنهد يدعي الاهتمام ثم أكمل مسترسلاً:
_ وأنا حابب أساعدك. يعني اللي إنت شايفه حلم ممكن أنا أحققهولك وبسهولة كمان.
نظر له سلطان بقوة مردفًا بذكاء:
_ والمقابل إيه يا نبيل باشا! أكيد كل ده مش محبة يعني!
نظر له نبيل مردفًا بابتسامة ماكرة:
_ أكيد فيه مقابل. بس مش زي ما إنت فاهم. اسمع الأول اللي عندي وبعدها فكر كويس وقرر.
ضيق سلطان عيناه ينظر له بتمعن وينتظر حديثه فأكمل نبيل مردفًا:
_ أنا نبيل الحلواني. عيلتنا هي المالكة لشركات الحلواني للأغذية والعصائر والمعلبات. يعني أغنى عن التعريف. بس كل اللي إنت شايفه ده كان مكتوب باسم أخويا الصغير سمير. لأن والدي حب يضمن حق أخويا الصغير بسبب أنه كان مريض كانسر فكتب له كل حاجة قبل ما يموت، + أنه كان صغير جدًا وخصوصًا إن أمي اتوفت وهي بتولده.
بعدها أبوي مات وكل حاجة كانت لأخويا وكنا بنشتغل معاه بإيدينا وأسناننا وكبرنا المصنع وبدل المصنع بقوا ٦ مصانع والشركة كبرت والأسهم زادت وسمعت في البورصة والسوق كله. بس للأسف أخويا اتوفى قريب هو ومراته ولما فتحنا وصيته اكتشفنا أنه كاتب كل حاجة باسم بنته الوحيدة. مسبلناش أي حاجة من ورثنا. وللأسف كل حاجة قانونية ١٠٠% يعني مينفعش نطعن بالتزوير. وبنته طبعًا عمرها ما هتديلنا مليم من حقوقنا لأنها بتكرهنا جدًا. يدوب كل اللي اتحصلنا عليه ٤٠% من أسهم الشركة. وكل حاجة راحت لبنته وأنا وأولادي وأولاد أخويا الله يرحمه طلعنا من غير ولا مليم.
اعتدل سلطان في مجلسه مردفًا باستفسار:
_ أيوه بردو مش فاهم أنا مطلوب مني إيه يا باشا. وليه بنت أخوك بتكرهكم جدًا. جربوا تتكلموا معاها يمكن توافق تديلكم حقوقكم وتخلصوا من كل ده.
تنهد نبيل يدعي الحزن مسترسلاً:
_ فكـرك إننا محاولناش؟ ياما كنا بنحاول نقرب منها أنا وولادي لأنها في النهاية لحمنا. بس هي كانت دايما بتبعد وقدرت تكره أخويا فينا. هي وأمها كانوا شايفين إننا أقل منهم دايما. أنا مش عايز حاجة غير إني أرجع حقي وحق ولادي وولاد أخويا التاني. ومحدش هيقدر يساعدني في ده غيرك.
ظهر التعجب على ملامح سلطان مستكملاً وهو يضيق عيناه:
_ إزاي يا باشا مش فاهم!
تحمحم نبيل وأردف بحذر:
_ أنا زي ما قلتلك ليا أسهم في الشركة. وهقدر أعينك حارس أمني عندنا. كل اللي عليك إنك تحاول تلفت نظر بنت أخويا بأي شكل. تقرب منها ويا سلام لو كنت أنت الحارس الخاص بيها. مرة × مرة هتثق فيك وبسهولة هتخليها تمضي لنا على شوية أوراق ووقتها نكون ضمننا حقوقنا.
وقف سلطان فجأة كمن كان ينام بعمق واستيقظ على صراخ مردفًا بحدة واستفهام:
_ إزاي يعني أقرب منها وبصفتي إيه وازاي إنت تعمل حاجة زي دي أصلًا!
وقف نبيل أيضًا يلتف حوله كالـأفعى يردف بفحيح ونبرة مغرية:
_ اهدى بس واسمعني. ده حقنا في الأول والآخر وهي واكلـاه. يعني إنت هترد الحق لأصحابه. وده ميمنعش إنك تمثل عليها خصوصًا إنك مناسب جدًا سواء في الشكل أو الشخصية. وقبل ما ترفض فكر كويس. لأن في المقابل هتاخد نص مليون جنيه. مبلغ يستحق المجازفة.
رواية على القلب سلطان الفصل الثالث 3 - بقلم آية العربي
مد سلطان ذراعه يوقف حركة نبيل الدائرية من حوله مردفاً وهو ينظر داخل عينه بقوة:
_ شوفلك غيري يا باشا ... مش أنا الشخص ده ... عن إذنك.
قالها وخطى ليغادر فاستوقفه نبيل مردفاً بترقب:
_ فكر يا سلطان ... قدامك يومين تفكر كويس وتبلغني.
نظر له سلطان نظرة أخيرة وغادر بعدها صافعاً الباب خلفه بقوة، بينما ألقى نبيل تلك المزهرية الموضوعة على الطاولة أرضاً جعلها تتهشم لقطعاً صغيرة بسبب شدة غضبه مردفاً بغل وتوعد:
_ ماشي يا كلب ... هتوافق ... وهتعمل اللي أنا عايزه ... وكل حاجة هتبقى باسمي ... مش هسيب حتة بنت زي دي تلهف كل الأملاك دي ... مش بعد كل اللي عملته.
أما سلطان فنزل مستخدماً الدرج كي يهدأ من حالته وصولاً إلى البوابة حتى التقى بصديقه بدر الذي أردف مستفسراً عندما رأى حالته:
_ خير يا سلطان مالك ! ... كان عايزك في إيه الراجل ده؟
نظر له سلطان ومسح على وجهه بقوة ثم أردف وهو يربت على كتف صديقه:
_ مفيش يا بدر ... مفيش حاجة ... أنا هروح ... يلا سلام.
غادر هو مسرعاً بينما تعجب بدر الذي ظل ينظر لأثره إلى أن غاب عن عينه ثم عاد مجدداً لمكان عمله، بينما صار سلطان إلى أن وصل إلى الطريق العام فاستوقف الحافلة وغادر إلى إحدى الأماكن كي يهدأ من حاله و.... يفكر.
في مجموعة شركات الحلواني، تم عقد الاجتماع الذي تم فيه تولي سيلين منصب المدير العام للشركات وذلك نسبةً لامتلاكها العدد الأكبر لأسهم الشركة رغم أنف أولاد أعمامها الذين حضروا الاجتماع أيضاً.
اتجهت سيلين بعد الاجتماع إلى مكتب والدها سابقاً ومكتبها حالياً وولجت إليه لتباشر العمل بحماس وهمة.
دَلفت إليها سكرتيرة المكتب وداد تبتسم بوجه بشوش مردفة بعدما استأذنت:
_ نورتي الشركة يا سيلين هانم ... أنا مبسوطة جداً إن حضرتك هتكوني مكان سمير بيه الله يرحمه ... وأنا تحت أمرك في أي طلب تأمري بيه.
ابتسمت لها سيلين بود مردفة وهي تشبك كفيها على سطح المكتب بطريقة عملية:
_ ميرسي يا وداد تسلمي ... بابا الله يرحمه كان بيعزك جداً وبيثق فيكي وأكيد هيكون بينا تعاملات على المستوى العام والخاص طبعاً ... طمنيني على ابنك ... بتعملي إيه معاه وإنتي هنا؟
أردفت وداد بحنين لطفلها:
_ بوديه حضانة خاصة لحد ما بروح يا سيلين هانم ... بحاول على قد ما أقدر أنظم بين شغلي وبين توافدي معاه علشان ميحسش بأي تقصير ... كمان مصطفى بيساعدني كتير ومش بيحسسني بأي ضغط الحمد لله.
ابتسمت سيلين مردفة بإعجاب:
_ بحب جداً الراجل اللي زوجته بتحكي عنه بنفس طريقتك كده ... ربنا يخليكوا لبعض.
أومأت وداد بفرحة مردفة:
_ ربنا يخليكي يا سيلين هانم ويبعتلك الإنسان اللي يقدرك ويصونك.
ابتسمت سيلين مسترسلة وهي ترتدي نظارتها وتباشر في العمل:
_ شكراً يا وداد ... يلا بقى نشوف اللي ورانا ... عايزة تقرير بكل اللي حصل في الشركة طول المدة اللي فاتت ... وخط سير الإنتاج عايزة أعرف ماشي إزاي ... وطبعاً جودة المنتجات وصلاحيتها ... وبلغي الأستاذ منتصر المدير المالي إني عايزاه.
أومأت وداد واستأذنت تلبي طلباتها، بينما انشغلت سيلين في العمل بطريقة احترافية فهي منذ أن كانت تدرس في جامعتها تم تدريبها على أعلى مستوى تحت إشراف والدها ولديها الكثير من الخبرة في مجال التسويق والإنتاج ... كما تم تعيينها فوراً بعد انتهاء دراسة الجامعة وحصولها على ماجستير تجارة إنجلش بتقدير امتياز نظراً لاهتمامها هي ووالدها ووالدتها بدراستها الجامعية وتوفير كل ما تحتاجه.
طرق الباب ودخل الأستاذ منتصر يلقي التحية على سيلين مردفاً:
_ صباح الخير يا سيلين هانم ... الشركة نورت.
نظرت له من خلف نظارتها مبتسمة تردف باحترام:
_ أهلاً يا أستاذ منتصر .... اتفضل.
جلس منتصر أمامها يردف برتابة وهو يناولها ملفاً قد أحضره معه:
_ طبعاً انتي عايزة تعرفي مصروفات الشهر اللي فات إيه لأعضاء إدارة الشركة.
ابتسمت وهي تلتقط منه الملف مردفة بذكاء:
_ مش مهم الأرقام اللي مكتوبة في الملف هنا ... المهم الشخص اللي دقق وسجل ... أنا محتاجة حواليا ناس أثق فيهم يا أستاذ منتصر.
رد منتصر متحفظاً:
_ تأكدي إني مش هخيب ظنك أبداً ... وأكيد سمير بيه الله يرحمه عرفك مين أهل الثقة ومين غيرهم.
نغزها قلبها عند ذكر والدها فنظرت أرضاً مردفة بهدوء:
_ الله يرحمه.
وقف الأستاذ منتصر يغلق زر بدلته مردفاً:
_ عن إذنك أسيبك تراجعي الملفات.
أردفت قبل أن يغادر:
_ أستاذ منتصر لو سمحت الميزانية اللي قلتلك عليها علشان بناء المسجد والمدرسة جاهزة؟
أومأ منتصر مردفاً:
_ جاهزة يا سيلين هانم والأرض اللي هيتبنى عليها موقعها ممتاز.
أومأت مردفة برضا:
_ حلو جداً ... وياريت لو سمحت تزود ١٠% على ميزانية التبرعات الشهرية اللي بتتبعت للملاجئ والمستشفيات.
توقف مردفاً باعتراض:
_ أيوه يا سيلين هانم بس المبلغ اللي بندفعه مش قليل كده هيكون كتير جداً.
نظرت له بعمق مردفة باقتناع تام:
_ مفيش كتير على عمل خيري ... طول ما ربنا كرمنا يبقى نحاول نساهم في حاجة كويسة.
أومأ لها مردفاً:
_ اللي تشوفيه يا سيلين هانم ... عن إذنك.
غادر هو وأغلق الباب فعادت تستند بظهرها مجاوراً لظهر المقعد تتنهد بعمق، ثم التقطت سماعة الهاتف الخاص بالغرفة الخارجية وتحدثت مردفة بخمول:
_ وداد ... ممكن تخليهم يجبولي فنجان قهوة سادة لو سمحتي؟
أغلقت بعدما وافقتها وداد ونظرت إلى أحد الأدراج التي اتجهت عيناها إليه لا إرادياً ... حاولت فتحه ولكنه موصد، فوقفت متجهة إلى حقيبتها المعلقة وبحثت بها عن ميدالية معلق بها الكثير من المفاتيح تبدو خاصة بوالدها.
حاولت تجربة مفتاح تلو الآخر مع الدرج إلى أن نجح الأمر مع أحدهم وفُتح الدرج فوجدت به ألبوم صور صغير وعلبة مخملية قطيفة تبدو لشيء ثمين كما وجدت أيضاً ملفات لصفقات مهمة تم عقدها منذ زمن واحتفظ بها والدها.
أخرجت ألبوم الصور ومسحت عليه بيدها بهدوء ثم فتحته تنظر بترقب .. وجدت صوراً لها تجمعها مع والدها ووالدتها في جميع مراحل حياتها ... في القصر الخاص بهم وفي مدينة الألعاب وفي المدرسة. صور كثيرة تتميز بعفويتها بعيداً عن الروتين والصور العائلية ... نزلت قطرات دافئة على إحدى الصور وكانت هذه دموعها التي بدأت تتحرر من مقلتيها على أرضية الألبوم ... تحررت دموعها ولكن ألم الفقدان لم يتحرر بعد ... اشتياقها لهما يزداد كل يوم عن قبل.
طرقات على الباب جعلتها تلتقط منديل ورقي تجفف دموعها وترتدي قناع القوة مردفة بصوت حاولت إظهاره ثابتاً:
_ اتفضل.
دَلفت وداد تحمل فنجان القهوة إلى أن وضعته أمامها مردفة بتساؤل:
_ أي أوامر تانية يا سيلين هانم؟
هزت سيلين رأسها وهي تدعي انشغالها في إحدى الملفات كي لا يلاحظ أحد بكاءها ... نظرت لها وداد بترقب ومن ثم غادرت لتعطي لها راحتها.
تنفست بقوة ساحبة الهواء إلى رئتيها ... ترفرف بكفها أمام وجهها حتى تزيل أثر البكاء تماماً ...
ارتشفت القليل من القهوة وأغلقت الدرج ومحتوياته مجدداً وحاولت الانشغال في العمل ولكن لااا ... فبمجرد رؤيتها لتلك الذكريات فلم يعد للعمل مكان.
فجأة اقتحم مكتبها آدم ابن عمها الذي أردف بغضب أعمى:
_ انتي إزاي تقرري من نفسك كده إنك تسحبي مبلغ زي ده علشان قال إيه ... تبني مدرسة ومسجد ... إيه خلاص فكرتي إنك المالكة الوحيدة فعلاً ولا إيه؟
وقفت تنظر له بقوة مردفة بحدة جعلته يتعجب منها:
_ أول وآخر مرة تدخلي مكتبي بالشكل ده ... إنت نسيت نفسك ولا إيه ... اتفضل على مكتبك بدل ما أطلب لك الأمن.
كانت وداد تقف على باب المكتب تنظر ببلاهة كذلك الذي أتى غاضباً يقف مصدوماً من صلابتها التي تظهر حديثاً حتى أن غضبه تبخر من هيئتها مردفاً محاولاً تصحيح موقفه:
_ احم ... طيب ممكن تقعدي ونتكلم.
ابتسمت بسخرية مردفة بحدة وهي تشبك يديها أمام صدرها:
_ مفيش بينا كلام ... أنا المدير العام هنا وليا كامل الحرية أبني مدرسة أبني مسجد أرمي فلوسي في البحر أنا حرة ... اتفضل على مكتبك يا أستاذ آدم.
نظر لها بغضب وحقد ثم اندفع خارج المكتب حتى أنه اصطدم بقوة في وداد ورحل دون أن يعتذر منها.
نظرت وداد إلى سيلين برأفة ورحلت أما سيلين فلم تعد لديها ذرة طاقة فحملت حقيبتها وولجت إلى الخارج مردفة بصوت مهزوز:
_ وداد أنا هنزل شوية وراجعة.
خرجت مسرعة ومنه إلى المصعد ... نزلت إلى حيث الخارج فرآها الحارس الشخصي لها فاقترب منها مسرعاً فقالت بحدة:
_ مش عايزة حراسة ورايا.
هز رأسه معترضاً يقول بإصرار:
_ آسف يا سيلين هانم بس ده مستحيل أنا عندي أوامر إني أكون معاكي في أي مكان تروحيه.
رفعت رأسها لفوق كأنها تجبر نفسها على الهدوء وصعدت إلى سيارتها التي أحضرها السائق في الخلف وصعد الحارس كعادته بجانب السائق وغادر حيث تريد.
أما في الأعلى فدخل آدم كالإعصار إلى مكتبه يزرعه ذهاباً وإياباً يردف بنبرة تهديدية:
_ ماشي ... ماشي يا سيلين ... إن ما عرفتك مين هو آدم الحلواني مبقاش أنا ... كنتي زي الخاتم في أصبعي ... بس معلش الصبر حلو.
نزل سلطان من الحافلة في أحد الأماكن التي دائماً ما يتردد إليها ... تقدم للأمام حيث ضفة النيل وجلس على إحدى الاستراحات يفكر في كلام هذا الرجل.
شرد يتطلع على المراكب السارية على المياه وعقله يعمل في جميع الاتجاهات ... هذا الرجل سيعطيه مبلغاً يستطيع أن يبدأ به مشروعاً مربحاً ... يستطيع أن يتزوج من خطيبته وينتشل والدته من حياة الفقر هذه ... ولكن في المقابل فإنه سيلعب بقلب شخص آخر ... هو قادر على ذلك ... لقد عرضت عليه مبالغ أثناء عمله كحارس فقط ليكون مع إحداهن لليلة واحدة من تلك النساء الثريات المعروف عنهن حب المال والشهوات ... وبرغم كبر سنهن إلا أنهن لم يعرفن للخجل أو الحياء طريقاً يوماً.
ولهذا كان يترك العمل ويرحل ... دائماً بسبب جاذبيته وهيئته تحاول حواء التودد إليه فعندما يرتدي بذلة عمله ويحمل سلاحه فإنه يصبح وسيماً يخطف قلوبهن حقاً ... ولكنه لا يريد ذلك ... لا يريد كسب المال بتلك الطريقة التي تسقط وتهين وتقلل من شأنه ... فهو يقدر حاله ويعزز مكانته وكرامته ... شخصية مثله مؤكد أن عادات الصعيد تتجذر بداخله ... فوالده كان بتلك الصفات ويبدو أنه ورثها منه ... ولكن أيضاً يبدو أن الحظ لن يحالفه أبداً ... يبدو أنه لن يخرج من القاع إلا أن اتبع طريقة جديدة ... فهل يوافق على عرضه؟ ... إنه يقول إن تلك الفتاة سلبت حقوقهم ... فهل حقيقي؟ ... ولكن لا ... فق يا سلطان فلا يغرك نبرته الاستعطافية ... ولكن أنت لن تؤذيها ... حقاً؟ ... أتصدق حالك! ... لا يا سلطان لا ... إياك أن تفعلها ... ستكره حالك بعدها.
مسح على وجهه يتنهد بضيق ... أخْرَجَه من زحمة أفكاره صوت عالٍ نسبياً.
في الخلف طلبت سيلين من السائق أن يتوقف في هذا المكان ... توقف ونزلت هي ونزل خلفها الحارس ... تقدمت للأمام فتقدم خلفها ولكنها التفتت تطالعه بغضب مردفة بلغة آمرة حادة:
_ متمشيش ورايا ... إنت هنا بتنفذ أوامري أنا وبتاخد الأوامر مني أنا ... جيت معايا لحد هنا تمام بس خليك بعيد عني مسافة مناسبة إني أقدر أتنفس ... خليك هناك عند العربية لو جيت ورايا اعتبر نفسك مرفود.
وقف الحارس متصلباً يردف مجبراً:
_ أوامرك يا سيلين هانم.
سحبت نفساً عميقاً حتى تهدأ ثم تقدمت ثانياً حيث جلست على إحدى الاستراحات، النيل من أمامها وخلفها يقف الحارس وخلفه السيارة والسائق وقد أمرت سيارة الحرس الأخرى بعدم الذهاب معهم فهي حقاً تشعر بالاختناق حولهم.
شردت هي الأخرى في كل ما حدث معها ... تفكر في موت والديها الذي كسر عودها وشتت فكرها ... وبالرغم من هذا إلا أن عليها أن تظهر صلبة وحديدية وإلا انهارت قلاعها. فكرت في ابن عمها الذي كان خطيبها يوماً ... كيف وافقت على هذه الخطبة؟ ... كيف كانت تحب شخصاً كهذا! ... لقد كانت حمقاء وظنت أنه يبادلها الحب ولكن كل همه كان ثروتها ... تحمد الله أنه أراها حقيقته قبل أن تكمل في هذه الزيجة .... ولكنها بحاجة شخصاً تثق به ... بحاجة إلى صديق وحبيب وأم ... بحاجة إلى حامٍ وعائلة وقوة فهي ضعيفة وعائلتها تضعفها أكثر بل تسلبها روحها.
سمحت لدموعها أن تسقط ... فهنا لن يراها أحد ... لا تحب أن تظهر ضعيفة أبداً أمام أحد فيستغل هذا ... لقد علمها والدها أن قوتها وصلابتها هما سر نجاحها ولكن داخلها هش جداً فهي وحيدة ... حتى أقارب والدتها في آخر البلاد ولا تجمعها معهم صلة مقربة.
ظلت تبكي وتزيح عن صدرها إحساس الضيق ... تناجي ربها سراً أن يهون عليها ... أن يرزقها السكينة والقوة ... أن يجعل تدبيرهم في تدميرهم.
أغرقت وجهها في الدموع كانت تجففها بكفوفها الصغيرة لتزيل أثراً يؤلمها ... ولكنها وجدت أحدهم يمد لها منديل ورقي ...
تناولته منه دون رفع وجهها مردفة بصوت مختنق:
_ ميرسي.
جففت دموعها سريعاً ووقف هو يتطلع إليها مردفاً بنبرة مشاكسة لا يعلم مصدرها:
_ يعني بما إن عندك عربية ومعينة حارس يبقى بيتهيألي مش هيكون صعب تشتري علبة مناديل!
رفعت رأسها تتطلع عليه بعيون حمراء ضيقة متعجبة فاسترسل متعجباً هو الآخر:
_ أنا مستغرب ياترى إيه هي أكبر مشاكلك اللي توصلك إنك تقعدي تعيطي كده!
ابتسمت قليلاً برغم حزنها ووقفت تتطلع عليه مردفة بصوت مختنق حزين:
_ أكيد مثلاً مش موت أهلي!
نظر لها بشفقة ممزوجة بحزن بينما أسرع الحارس إليها مردفاً وهو يتطلع على هذا الشخص بقوة:
_ سيلين هانم فيه حد ضايقك ... تحبي أتصرف.
لوى سلطان فمه مردفاً بسخرية وهو يميل على إذن الحارس:
_ بلاش تتصرف علشان منظرك قدام الهانم.
ابتعد ينظر لها ثم مد يده يناولها علبة المناديل الورقية كاملة مردفاً بنبرة تحمل حناناً من نوع خاص:
_ خليها معاكي أكيد هتحتاجيها.
نظرت له بحيرة ثم مدت يدها تتناولها منه وبالفعل غادر هو بعدها ووقفت تتطلع على أثره بتعجب بينما أردف الحارس:
_ سيلين هانم ... كده حضرتك بتصعبي موقفي ... كان ممكن يكون ده حد قاصد يهاجمك ... لو سمحتي خليني قريب منك المسافة المناسبة علشان أقدر أحميكي.
أردفت وهي تتطلع للمناديل:
_ شوف شغلك تبع أوامري ... لو سمحت.
أومأ لها ثم مرت من جانبه عائدة إلى السيارة وهو خلفها حيث تعود إلى الشركة مجدداً بعدما هدأت قليلاً.
أما سلطان فقد رن هاتفه برقم خطيبته لمياء فأجاب مردفاً:
_ أيوه يا لمياء.
أردفت بصوت هائم:
_ أيوه يا سلطان ... إنت فين ... خليني أشوفك.
سحب نفساً عميقاً مردفاً:
_ بلاش يا لمياء علشان أبوكي ... وبعدين أنا مش ناقص ضغط سيبيني أشوف هعمل إيه في الموضوع اللي هو كلمني فيه امبارح.
أردفت لمياء بحب ونعومة:
_ أبويا مش هنا قول بس إنت فين وأنا هخرج أقابلك ... نفسي أشوفك يا سلطان وحشتني.
صمت قليلاً ينظر حوله ثم أردف:
_ طيب اركبي وتعاليلي في المكان اللي بنقعد فيه وأنا هقابلك هناك.
أردفت بسعادة:
_ حاضر ... مسافة الطريق يا قلبي أنا ... سلام مؤقت.
أغلقت معه وأبدلت ثيابها بسرعة قياسية ونزلت للقائه.
بعد نصف ساعة وصلت لمياء إلى عنده وقد كان جالساً ينتظرها ... اتجهت تجلس بجواره مردفة بسعادة:
_ وحشتني يا سلطان.
نظر لها مطولاً ثم أردف بهدوء:
_ وإنتي كمان يا لمياء.
تعجبت من نبرته فتساءلت:
_ مالك يا سلطان؟ ... إنت زعلان من أبويا مش كده؟
نفى برأسه مردفاً:
_ لأ طبعاً يا لمياء ... بس أنا عاجز ... حاسس إني متربط ومش عارف ألاقي حل ... جواز وبيت وعفش ومصاريف ياما.
تنهدت بضيق مردفة:
_ ما إنت اللي مش بتثبت في شغلانة يا سلطان ... وبعدين بابا شايف إن الخطوبة طولت علشان كده كلمك ... متزعلش منه بس هو كأب مش غلطان.
نظر لها نظرة جانبية تحمل تفسيراً معيناً ثم أردف بتردد:
_ فيه واحد النهاردة من اللي ساكنين في الشقق اللي في منطقة حراستي عرض عليا مبلغ كبير مقابل مصلحة أقضيهاله ... بس أنا رفضت.
فرغ فاهها واتسعت عيناها مردفة بتعنيف واستنكار:
_ رفضت! ... ليييه كده يا سلطان ... ومصلحة إيه اللي ليه معاك؟ ... لأ يا سلطان إنت غلطان قوي ... لو تعرف تقضيهاله اقضيهاله وخد الفلوس واهي ربنا حلهالك أهو وجت في وقتها.
نظر لها بغضب مردفاً بحدة:
_ مش كل حاجة تتعمل يا لمياء ... إنتي عرفاني أنا ما اسمحش إني أتهان أو اتنازل عن كرامتي.
تعجبت متسائلة:
_ وهي المصلحة دي فيها إهانة ليك يا سلطان؟
تنهد مردفاً:
_ هحكيلك وإنتي تحكمي.
أومأت هي فاسترسل يكمل:
_ واحد من الناس الكبار أوي أخوه يبقى صاحب شركات ومصانع الحلواني.
شهقت مردفة بصدمة:
_ الحلواااني! ... ها وبعدين كمل.
هز رأسه بقلة حيلة منها ثم أكمل:
_ أخوه مات وساب وراه شوية وشويات ومالوش غير بنت واحدة وطبعاً المفروض إن ليهم جزء من الورث ده ... يعني على حسب كلامه إن ده ورث أبوهم أصلاً وأخوه أخده والبنت دي بقى بتكرههم وخلت أبوها قبل ما يموت يكتبلها تنازل بكل حاجة ودلوقتي هي رافضة تديلهم حقوقهم وحتى بالقانون الأوراق كلها سليمة.
تعجبت متسائلة بقلة فهم:
_ أيوه يعني إنت ليك دعوة إيه بكل ده؟ .... يالهوي ليكون عايزك تقتلها؟
اندفع مردفاً بحدة:
_ جري إيه يا لمياء قتل إيه بس إنتي عايزة توديني في داهية ... ميقدرش أصلاً يطلب مني طلب زي ده.
أمال رأسه على الجهة الأخرى مستغفراً سراً ثم التفت لها يكمل:
_ يا بنتي افهمي ... هو عايز يدخلني في سكتها ... وألف عليها ... يعني أمثل عليها الحب وكده ... وأخليها تثق فيا وأمضيها على أوراق تنازل عن حقوقهم ... وبعدها أخلع و طبعاً وقتها القانون مش هيعملها حاجة لأن القانون لا يحمي المغفلين ... وهي هتكون وقعت على الورق بإرادتها.
فرغ فاهها مردفة بتعجب:
_ يالهوي على الخطة ... دول شياطين ... بس أقولك تستاهل لأنها أكلة حقوقهم ... بس هو إنت يعني هتقدر تخليها تحبك يا سلطان!
نظر لها متفاجئاً يردف مضيقاً عيناه بترقب:
_ أقدر أخليها تحبني! ... يعني إنتي راضية إني أعمل كده؟ .. عادي عندك إني أكون مع واحدة غيرك؟
تأفأت مردفة بإقناع:
_ اسمع بس يا سلطان ... أولاً أنا عندي ثقة فيك ... ثانياً دي واحدة طماعة لهفت حق مش حقها ... يعني مش حرام اللي هيتعمل فيها ... ثالثاً بقى والأهم إنك هتكسب مبلغ نتجوز بيه ونطلع لفوق شوية عن كده ... ولا إنت عايزنا يعني نفضل كده يا سلطان ... المشكلة دلوقتي مش في كل ده ... المشكلة في الوقت هتقدر تخليها تثق فيك إزاي بس بسهولة في وقت قصير ... وبعدين يعني يا سلطان هو هيدخلك في سكتها إزاي يعني ... هيقولها إنك رجل أعمال.
قالتها بنبرة ساخرة ثم أطلقت بعدها ضحكة تعجب هو لها ونظر بشرود إلى من ظنها لن تسمح بهكذا خطة أبداً.
تطلعت عليه فوجدته ينظر لها بعمق فأسترسلت:
_ حقك عليا يا سلطان أنا مقصدش أقلل منك .... أنا بس فرحت إننا لقينا حل وإخيراً هنتجوز ... ده رزق يا سلطان وربنا بعته ليك ما تتبطرش علشان ميروحش لغيرك ... وافق يا سلطان ... وافق وخد الفلوس وبعدها ملناش دعوة بحد وابعد نهائي عن الناس دي إن شاء الله تعملك مشروع في الحارة ونعيش بقى.
شرد يفكر في حديثها الذي هو شبه مقتنع به.
رواية على القلب سلطان الفصل الرابع 4 - بقلم آية العربي
مر ثلاثة أيام استلمت فيهم لمياء أذن سلطان، حيث استعملت طريقة "الزن على الأذن أشد من السحر". وظلت تنصحه بالموافقة على هذا الأمر وإلا يتركها. وبسبب ضعفه تجاه المال والنظر للأعلى، قرر الموافقة ولكنه لم يفصح عن الأمر لوالدته.
يجلس مع والدته يتناولون العشاء، فأردف متحمحماً بترقب:
"احم... أنا يمكن أسيب الشغل ده ياما."
توقفت منيرة عن الطعام ونظرت له بعيون متسعة، تردف بخوف:
"تسيبه؟ ليه يابني بس؟"
نظر لها مهدئاً إياها، يسترسل:
"متقلقيش يامّا... جايلي وظيفة أحسن ومكسبها أعلى... في شركة تبع واحد من اللي ساكنين في البرج... يعني ابنك هيعلى."
اطمأن قلبها مردفة بحنو وحكمة:
"دعيالك... دعيالك يا ابن بطني... والأهم من العلو... الستر والصحة... خد بالك من نفسك يا سلطان."
تناول يدها يقبلها، مردفاً برجاء:
"ادعيلي دايماً ياما... وعلى فكرة... الشغل ده هيبقى بالنهار... يعني مش هسيبك تاني بليل."
ابتسمت براحة مردفة:
"الحمد لله... ألف حمد وشكر يارب."
نظر لها مطولاً ثم وقف على حاله، يردف وهو يرتدي جاكيت بدلته الرسمية:
"طيب أنا همشي أنا... لو احتجتي أي حاجة رني عليا... يالا سلام... ومتنسيش تقفلي الباب ورايا."
أومأت وهى تقف وتسير خلفه، مردفة كعادتها باقة من الأدعية. أما هو، خرج كعادته متجهاً إلى عمله، ولكنه اليوم يذهب باكراً حتى يخبر نبيل بموافقته.
***
عند سيلين، التى تجلس في غرفتها تتصفح عبر الإنترنت على شيئاً ما شغل تفكيرها مؤخراً، ولكن دون جدوى.
رن هاتفها برقم وداد، ففتحت الخط وتحدثت عبر سماعة الأذن الإلكترونية، مردفة:
"إيه يا دودو، لسة صاحية ولا إيه؟"
أردفت وداد بضجر:
"وهنام إزاي وإبني الحنين قاعد لي... مش أنا كنت بقولك مصطفى بيساعدني؟ اهو نام وسابني أضرب دماغي في الحيط."
ضحكت سيلين مردفة:
"هههههه لاء، عندنا شغل مهم الصبح وفيه أعضاء شركة مارو جايين عشان بيع أسهمهم، صحيه يفضل هو مع ابنك ونامي."
أردفت وداد عبر الهاتف:
"تصدقي نسيت خالص... لاء، أنا هروح فعلاً أصحيه وأنام... بس قولت أطمن عليكي... انتي كويسة؟"
أردفت سيلين وهي تغلق حاسوبها وتتمدد على الفراش:
"بخير يا ود الحمد لله... ومتشكرة على سؤالك جداً... بس مش عايزة أشغلك... هسيبك تنامي وأتقابل بكرة في الشركة."
ابتسمت وداد مردفة:
"عُلم وينفذ يا سيلين هانم... تصبحي على جنة."
أغلقت معها، وشردت سيلين في سقف الغرفة تفكر في أمر هذا الغريب الذي شغل تفكيرها مؤخراً. نظرت جانباً، ثم مدت يدها تفتح درج الكومود وتخرج منه علبة المناديل الخاصة به الذي أعطاها لها. سحبتها لعندها وقربتها من أنفها كعادتها مؤخراً تستنشق رائحتها. وبرغم أن رائحتها قد بدأت تزول، إلا أنها لا تعلم مصدر تلك السعادة عندما تفعل هكذا. تتذكر عيناه، حركته البسيطة تلك بالنسبة له، كانت بالنسبة لها كافية لتشغل فكرها لثلاثة أيام متواصلة.
تنهدت بعمق، مردفة تعنف ذاتها بصوت ناعم منخفض:
"معقول! انتي سيلين هانم اللي بتدير أكبر شركات الشرق الأوسط! اتجننتي خلاص... اعقلي يا سيلين... خلي عقلك وقلبك في الشغل وبس."
وضعت العلبة على الكومود، ثم تكومت على نفسها ودثرت الغطاء فوقها ونامت كالطفل.
***
وصل سلطان إلى مقر عمله وقابله صديقه نور، مردفاً ببشاشة:
"جيت بدري! غريبة دي يا سلطان."
أردف سلطان وهو يحك أنفه:
"هو نبيل بيه فوق؟"
تعجب نور مجيباً بتساؤل:
"أيوة فوق... خير بتسأل عليه ليه؟"
تحمحم سلطان مسترسلاً:
"احم... موضوع كده هبقى أحكيلك عليه... بس خليك هنا ثواني وهنزلك."
أومأ نور، يمُط شفتاه بتعجب، وظل مكانه بينما صعد سلطان إلى شقة نبيل عبر المصعد.
بعد دقائق، طرق سلطان الباب وفتح له نبيل مبتسماً، يردف بترحاب وثقة لما هو آتٍ:
"أهلاً يا سلطان.. اتفضل."
نظر له سلطان، ثم دلف ماراً من جانبه، فأغلق نبيل الباب وتبعه. أردف نبيل بنبرة فارحة:
"تشرب إيه يا سلطان؟"
أجاب سلطان وهو يقف في نصف الصالة:
"لا شكراً يا نبيل بيه... أنا بس جاي أعرفك إني موافق على طلبك... بس عندي سؤال واحد وشرط."
تعجب نبيل مردفاً باستنكار:
"شرط! شرط إيه ده؟"
أردف سلطان بصلابة:
"المبلغ اللي قلت عليه... مش 500 ألف... المبلغ 2 مليون."
اتسعت عين نبيل مردفاً بصدمة:
"نعم؟ 2 مليون ليه إن شاء الله!"
أردف سلطان بثقة:
"مش كتير يا باشا قدام المجهود اللي هعمله والنتيجة السريعة اللي هتشوفها... وبعدين يا باشا إحنا بنتكلم عن عيلة الحلواني... وانت بنفسك هتشوف هي هتحبني إزاي وهقدر أخليها تمضي وهي مغمضة كمان."
فرغ فاه نبيل، ثم ما لبث أن انفجر ضاحكاً بقوة حتى مال على جذعه من شدة الضحك، مما جعل سلطان يتعجب متسائلاً:
"خير يا باشا هو أنا قولت نكتة ولا حاجة؟"
توقف نبيل عن الضحك بصعوبة، مردفاً وهو يلتقط أنفاسه:
"أصلك هههه بتقول هتحبك ههههه... إيه يا سلطان أنت خيالك راح لبعيد أوي هههههه تحبك مرة واحدة... هههههه ناقص تقول تتجوزك كمان ههههههههه."
نظر له سلطان نظرة غاضبة، فهو لم ولن يسمح لأحد مهما كانت سلطته أن يهينه أبداً. أردف سلطان يرد كرامته:
"نبيل باشا أنت اللي هتبدأ الحكاية دي بس النهاية دي عليا أنا... كل اللي ليك إن الأوراق اللي أنت عايزها تتمضي هتتمضي وفي وقت قليل... أما الباقي فعندي. يا إما شوفلك غيري... عن إذنك."
قالها وخطا ليغادر، فاوقفه نبيل مردفاً:
"استنى يا سلطان... عموماً أنا موافق على طلبك بس هو مليون واحد بس اللي هدفع... وتحبك بقى متحبكش ده شئ ماليش فيه.... أنا بس ضحكت لأني كنت مفكر إن آخرك هتكون حارس شخصي ليها وتعرف بذكائك تضحك عليها وتمضيها... بس بما إنك هتقضيلي مصلحتي يبقى اتس اوكي."
أردف سلطان معترضاً بثبات:
"2 مليون يا باشا.... وده آخر كلام عندي."
نظر له نبيل بغضب، ثم أردف بتصميم:
"يبقوا مليون ونص يا سلطان."
أردف سلطان بثبات مجدداً:
"2 يا باشا."
تأفأف نبيل، وأردف مجبراً:
"ماشي... موافق... من بكرة هتكون أنت الحارس الأساسي للشركة.... وبالنسبة للباقي... فملكش فيه... أنا هتصرف... المهم اللي يسألك قول إنك تبع شركة **** للحراسة... تمام؟"
أومأ سلطان مردفاً بحماس:
"تمام يا باشا... سلام."
غادر سلطان إلى الأسفل، بينما نظر نبيل لأثره، ثم انفجر ضاحكاً مرة أخرى، يردف لنفسه:
"تحبك... سيلين الحلواني هتحب الحارس.... يمكن... واهي تليق عليه جداً بعد ما نكوش على كل حاجة... ونبقى نشوفلهم عمارة يحرسوها هما الاتنين ههههههههه."
***
صباحاً في اليوم التالي في صعيد مصر، تحديداً في سوهاج، في منزل توفيق السوهاجي.
يجلس توفيق يتحدث مع ابنه محمود، مردفاً بصلابة:
"عملت إيه مع جوز بت أخوك سهيلة؟"
أردف محمود باحترام:
"زي ما أمرتني يا بوي... كلمته وهو قال إن كل شيء بيناتهم زين... وبعدين يا بوي البنية روحت من عنده مكسورة الخاطر... وهو كان غلطان لها بردك... يعني كنت ع الأجل رضيتها بكلمتين يا حاج."
نظر توفيق لابنه بتمعن، يتحدث بجمود:
"صدقني يا ولدي اللي أنا سويته هو الصح... معندناش بنات تغضب واصل... خواتها الاتنين محدش سامع لهم حس عاد... يبقى اشمعنى هيا؟"
أردف محمود يحاول استعطافه:
"انت خابر يا بوي إن عيلة محروس مش ليّنة عاد... وخابر إن محروس جوز سهيلة شخصيته ضعيفة قدام أهله... يبقى منكسرش البنية... وبعدين انت نسيت عاد ولا إيه... ده سهيلة اللي كانت واكلة الجو عندك."
ابتسم توفيق مردفاً باقتناع:
"تمام يا ولدي... لو حصل وزعلت تاني هراضيها."
قاطع حديثهم مجيء فاطمة الابنة الكبرى لإبراهيم، تردف ببشاشة:
"سلام عليكم."
رد جدها وعمها السلام، واتجهت فاطمة تقبل يد جدها باحترام، مردفة بمرح:
"كيفك يا جدي؟ كيفك يا عمي؟"
أردف توفيق بتأني:
"بخير يا بت الغالي... بفرح لما بشوفك يا بت ولدي... كأني بشوف ابني إبراهيم."
أردفت فاطمة وهي تجلس بنبرة ذات معنى:
"هو فيه زي أبوي الله يرحمه... بس هو كان دايماً يجولي إني شبه أخوي سلطان."
اندفعت روايح التي سمعت حديث ابنتها عندما كانت تمر، مردفة بغضب وحدة:
"اقفلي خاشمك يا مكروبة... متجيبيش السيرة دي هنا واصل."
نظر محمود لوالده ينتظره ليتكلم، بينما صمت توفيق يتابع بنظرات مبهمة ابن أخيه التي أقنعت الجميع بظلم زوجها لها، وأقنعتهم بأن فتاة المدينة تلاعبت به وأخذته من بيته وبناته، لهذا يتحمل حديثها الفظ هذا.
أردفت فاطمة بهدوء واحترام:
"كيفك يا أمي... اتوحشتك."
نظرت لها روايح، وأردفت ساخرة:
"واضح زين يا بت بطني... ها جولي جاية ليه؟... باين من جيتك إن فيه مصلحة."
نظرت لها فاطمة بحزن ولم تتحدث، بينما رد محمود بحنو وهو يتطلع لابن أخيه، مردفاً:
"فاطمة وأخواتها يجوا وقت ما بدهم يا مرت أخوي... ولو ليها مصلحة نقضيها لها من عيونا... أومال إحنا أهل ليه عاد."
ابتسمت فاطمة لعمها، مردفة بامتنان:
"تسلم يا عمي... بس إني جاية أطمن عليكم."
أردف توفيق بصلابة محدثاً فاطمة:
"قومي يا فاطمة جولي للبنت زينات تعملك لقمة... قومي يا بنتي قومي."
وقفت فاطمة تردف قبل أن تغادر:
"حاضر يا جدي."
غادرت هي، بينما نظر توفيق لابنه، مردفاً بقوة:
"اسمعيني زين يا روايح... حذرتك سابج إن صوتك ما يعلاش واصل طول ماني قاعد... حذرتك بلاها حديثك الماسخ ده مع البنات... بس واضح إني مبقاش ليا احترام عندك... ولا أي خاطر... مع إني اشتريت خاطرك بالغالي... وجولت بت أخوي وبس... وجولت ابني قصر معاها بس انتي بتزيديها يا روايح... اتراجعي وحسني طريقتك مع بناتك لأجل تكسبيهم."
نظرت لعمها بغضب، ثم أردفت بمراوغة:
"حاضر يا عمي... حجك على راسي... عن إذنك."
غادرت هي، بينما نظر محمود لوالدته يومئ له برضا، فأردف توفيق:
"قوم يا محمود نشوف اللي ورانا."
خرج الجد والعم ليباشروا أعمالهم في الأراضي ويتابعوا عمال جمع المحاصيل.
دَلفت روايح إلى المطبخ فوجدت ابنتها فاطمة تجلس على الطاولة تتناول الطعام بشهية. تطلعت عليها بسخرية، مردفة:
"هه كولي يا بت بطني مابتكليش ليه؟"
نظرت لها فاطمة وقد توقفت عن الطعام، مردفة وهي تقف:
"الحمد لله يا أمي شبعت."
تناولت هاتفها الذي رن، مخلصاً إياها من سخرية والدتها. نظرت لشاشته، ثم ابتسمت وهي ترد، مردفة بحماس:
"كيفك يا سهيلة."
غادرت هي تحاكي أختها خارجاً، بينما وقفت روايح تنظر لأثرها بفم ملوي، مردفة بفحيح:
"ماشي يا بنات إبراهيم... بتحبوا ابن القاهرية اللي جهرت قلبي وحرقته! بس معلش... ياني يا هي ولازم أدوقها من كاس المر اللي شربته."
***
استيقظت سيلين تؤدي روتينها اليومي، وبالطبع فرضها التي تلتزم به. ارتدت بذلة نسائية راقية تستعد بها لمقابلة اليوم، حيث اجتماع خاص مع شركة مارو.
نزلت الدرج على عجلة، فأوقفتها علية مردفة وهي تمسك في يدها كوب من الحليب وشطيرة:
"عارفة إنك هتنزلِ جري ومش هترضي تفطري عشان كده عملتلك دول تغيري ريقك."
تناولت من يدها، تناظرها بابتسامة ود وامتنان، مردفة:
"متشكرة جداً يا دادا... تعبتك معايا... بس هاكل في العربية عشان فعلاً متأخرة جداً."
قالتها وغادرت مسرعة إلى الخارج، حيث ينتظرها السائق والحارس محمد. ألقت عليهم تحية الصباح وصعدت السيارة وغادروا إلى الشركة على الفور.
***
على الجهة الأخرى، استيقظ نبيل واستعد للذهاب إلى الشركة، وأثناء نزوله وجد سلطان يستعد لتسليم مناوبة حراسته، فأردف قائلاً وهو يقف أمامه:
"من أول بكرة هتستلم الشغل... أنا بحاول أظبط لك الدنيا... يعني بكرة الصبح ألاقيك في مكتبي في الشركة والعنوان موجود في الكارت اللي معاك."
أومأ سلطان مردفاً بثبات:
"تمام يا نبيل بيه."
غادر نبيل، وبعد قليل أتى بدر واستلم المناوبة من سلطان وغادر هو الآخر.
***
وصلت سيلين إلى الشركة ونزلت بعد أن فتح لها الحارس الباب، وتتبعها بمهارة إلى أن دلفت الشركة ومنه إلى المصعد.
خلعت نظارتها ونظرت له مردفة برسمية:
"طبعاً انت مش هتدخل معايا صالة الاجتماعات زي المرة اللي فاتت؟"
تكلم محمد ينظر أمامه، مردفاً باحترام:
"أسف يا سيلين هانم... من المفترض إني بدخل معاكي وبكون واقف وراكي."
قلبت عيناها مستغفرة، ثم ارتدت نظارتها مجدداً عندما توقف المصعد وخرجت متجهة إلى صالة الاجتماعات، حيث قابلتها وداد في منتصف الطريق تحمل الملفات الخاصة بالاجتماع، وولجوا جميعاً إلى الداخل.
في الداخل، يجلس العضو المنتدب الخاص بشركة مارو، وتبعه اثنان آخران بالإضافة إلى سكرتيرة. ويجلس أيضاً نبيل وابنه آدم وابن أخيه وليد، يتناقشون مع العضو المنتدب في حديث تم قطعه عند ولوج سيلين إلى الصالة.
جالت أنظارها بينهم بترقب، ثم جلست على المقعد الأساسي، مردفة بتعمد:
"بيتهيألي أنا جاية في المعاد بالظبط... انتوا مبكرين ولا إيه؟"
توتر العضو المنتدب، وأردف وهو يتطلع إلى نبيل الذي لا يبالي:
"أبداً يا سيلين هانم، الفرق دقايق مش أكتر."
ابتسم نبيل مسترسلاً:
"الدقايق عند سيلين الحلواني ليها أهمية أكتر من الساعات... ولا إيه يا سيلين هانم."
نظرت لعمها بقوة، مردفة بتأكيد:
"طبعاً يا عمي... نبدأ اجتماعنا."
بدأ الاجتماع بينهم، وأردف العضو المنتدب الخاص بشركة مارو وهو يمرر لها إحدى الملفات:
"اتفضلي ده تقرير بالمنتجات عندنا وجودتها... وطبعاً السعر اللي محطوط قليل جداً على شركتنا، فياريت نعيد النقاش فيه؟"
ابتسمت سيلين وتحدثت بعملية:
"المنتجات جودتها بتتعرف من المشتري يا باش مهندس... وأكيد انت عارف ليه الأسهم عندكوا سعرها نزل... فبلاش نتناقش في أمور مفروغ منها... أنا قولت السعر اللي عندي واللي هتم الصفقة بيه... ويكفي إن شركة الحلواني هتشترى أسهم شركة مارو ونضمها ونلحق رضوان باشا من الوقوع."
نظر العضو المنتدب لنبيل، مردفاً في محاولة منه للنقاش:
"مش هتقول حاجة يا نبيل بيه؟"
كاد أن يتحدث نبيل، ولكن بقي فاهه مفتوحة، حيث أردفت سيلين بقوة وصرامة:
"الكلمة الأخيرة هنا ليا يا باش مهندس... لو حابب تتناقش يبقى الأحسن تشوف شاري غيرنا."
وقف العضو المنتدب ينظر لها بغضب، فوجد الحارس يتحمحم ناظراً له بقوة، فأردف وهو يلملم أشياءه:
"تمام يا سيلين هانم... هنبلغ حضرتك بآخر المستجدات."
وقفت سيلين على حالها تنظر له بصدمة، مردفة:
"يعني إيه الكلام ده! أومال انت جاي ليه؟"
أردف العضو المنتدب وهو يتطلع إلى نبيل:
"أنا جاي على أساس إننا هنتناقش في السعر زي ما نبيل بيه فهمني."
لفت نظرها إلى عمها، تطالعه بغضب، ثم حاولت تمالك نفسها، مردفة بترقب:
"تمام... يا ريت تتفضل ولما تكونوا جاهزين للبيع بدون نقاش تعرفني... لأن زي ما عمي قالك الدقايق عندي بتفرق... نورتوا."
وقف البقية وغادروا بخيبة أمل، بينما هي نظرت لعمها بقوة، مردفة:
"أنا فاهمة كويس أوي اللي بتحاول تعمله يا نبيل بيه... بس سيلين الحلواني انت لسه متعرفهاش."
غادرت منزعجة وخلفها الحارس محمد ووداد، بينما ظل نبيل وآدم ووليد اللذان لم يتفوهان بحرف، بل تابعا ما يحدث بصمت.
استأذن وليد وغادر، بينما نظر آدم إلى والده، مردفاً باستفهام:
"أنا مش فاهم حاجة! انت عملت كده ليه؟"
ابتسم هذا الثعلب، مردفاً بمكر:
"بحاول أخلق عداوة بين سيلين هانم ورضوان باشا."
فرغ فاه آدم، مردفاً بصدمة:
"مش معقول... انت بتفكر إزاي."
ابتسم نبيل، مردفاً:
"ياريتك تتعلم مني... المهم أنا عايزك في موضوع مهم... متروحش على شقتك... هتروح معايا."
تساءل آدم مردفاً:
"موضوع إيه؟"
أردف نبيل وهو يغادر:
"مش هنا... لما نروح... يالا على شغلك."
أما سيلين، فاتجهت إلى مكتبها بغضب، وخلفها الحارس الذي انتظر أمام الباب، أما وداد فدخلت خلفها تحاول تهدأتها، مردفة:
"سيلين هانم لو سمحتي اهدى."
أردفت بغضب وهي تجول الغرفة:
"أهدى إزاي بس يا وداد... انتي مش سمعتي بودانك... أنا فاهمة اللي بيحصل كويس... عمي عايز يعجزني... عايز يكتر أعدائي... أنا تعبت... تعبت أوي."
جلست بتعب على المقعد الجانبي، فاتجهت إليها وداد تجلس بجوارها تربت على كتفيها بحنو، مردفة:
"مش كده يا سيلين هانم... انتِ لسه في أول المشوار... أستاذ سمير الله يرحمه كان بيحارب جيوش وكان ماسك زمام الأمور كويس جداً... كوني قوية وامشي على خطاه."
نظرت لها سيلين، مردفة:
"الله يرحمه يا وداد... الله يرحمه... سابوني أحارب لوحدي يا وداد... ياريتني أقدر أشتري حد يساندني... ياريت كان ينفع أشتري دعم يقف لهم."
أردفت وداد بأمل:
"ده مش محتاج شرا... ده ربنا هيبعتهولك... قدر يعني."
تنهد سيلين، وأردفت وهي تقف:
"يالا يا وداد... يالا نشوف اللي ورانا."
أومأت وداد بابتسامة، ووقفت تخطو للخارج، وبالفعل بعد قليل اندمجت سيلين في عملها مجدداً.
***
عاد سلطان إلى منزله، فوجد والدته تحضر وجبة الغداء، فأردف وهو يضع أكياس الفواكه التي ابتاعها:
"سلام عليكم يا ست الناس."
ابتسمت له برضا، مردفة بحب:
"وعليكم السلام يا سلطان... إيه يا حبيبي المزاج الرايق ده... خير! فرحني."
أردف سلطان وهو يخلع جاكيته ويعلقه:
"هبدأ شغل بكرة الصبح في الشركة... ادعيلي ياما."
خرجت منيرة من المطبخ، تردف رافعة يدها للسماء:
"يارب يحبب مدير الشركة فيك يا سلطان ويرقيك ويحنن قلبه عليك."
ضحك سلطان مردفاً وهو يلتقط يدها بين يده:
"هههه استنى بس ياما دي مديرة بنت ولسه صغيرة يعني لو دعوتك استجابت لمياء هتقتلني."
فرغ فاه منيرة، مردفة بتعجب:
"بجد يا سلطان! بنت هي المديرة؟ يالا بقى أهي الدعوة طلعت كده انت ونصيبك... المهم يا سلطان تعمل اللي يمليه عليك ضميرك."
نظر لها سلطان بتوتر، ثم ترك يدها مبتعداً، يردف وهو يمثل انشغاله بما تحتويه الأكياس:
"احم... طب يالا ياما أنا جوعت... وجايبلك رمان وفراولة وبنجر عشان تعصريهم لي مع بعض... واشربي منه انتي كمان ياما ده حلو أوي للقلب والأوعية الدموية."
انشغلت منيرة أيضاً، مردفة وهي تلتقط منه الأكياس:
"تسلم الإيد اللي جابت يا حبيبي... عنيا... نتغدى وهعملك أحلى عصير."
***
في المساء، عاد نبيل مع ابنه آدم إلى شقته، وجلس يخبره بأمر سلطان، مردفاً:
"لقيت حل عشان ناخد حقنا من بنت عمك."
وضع آدم ساق على الأخرى، متسائلاً بغرور:
"حل إيه ده؟"
أردف نبيل:
"هقولك على كل حاجة... بس طبعاً مافيش حد غيرنا يعرف... لا أختك ولا ولاد عمك."
أومأ آدم، فبدأ نبيل في إخباره بأمر سلطان وبالاتفاق بينهما، وآدم يستمع بترقب.
بعد دقائق، انتهى نبيل من سرد الخطة، فأردف آدم ساخراً:
"وانت فكرك إن سيلين بالغباء ده إنها تثق في حتة حارس! إيه يا نبيل بيه مخك فوّت ولا إيه؟"
غضب نبيل منه، مردفاً بحدة:
"اخرس واتكلم عدل معايا.... كل اللي احنا فيه ده بسببك... لو مكنتش عملت عملتك المنيلة كان زمانك متجوزها دلوقتي وكل حاجة في إيدنا."
وقف آدم، يردف ساخراً وهو يضع يداه في جيب بنطاله:
"من شابه أباه يا نبيل بيه... أنا مبعرفش أكون في علاقة واحدة... أنا أوبن بوفيه هههه... وبصراحة بقى بنت أخوك خنيقة أوي ومفوراها شوية... أنا كده مرتاح... سيبك مني... بس قولي انت... عايز أفهم إزاي سيلين هتثق في الجدع ده."
نظر له نبيل بغضب، ثم أردف:
"انت ليك النتيجة... أنا مش عيل ولا عبيط ولا متسرع زيك... أنا بفكر كويس قبل ما أنفذ... الحارس ده هو اللي هيقدر يوقع بنت عمك... خصوصاً إنها اليومين دول مهتمة بالحراسة أوي... المهم متحاولش بأي طريقة تتحك في سلطان... لأن النوع ده مالوش غالي."
جلس آدم مجدداً، يردف بتساؤل:
"وانت متأكد منين إنه ميلهفش هو كل حاجة؟"
أردف نبيل بترقب:
"لأني عارف هلوى دراعه منين... هو معندوش أهم من أمه... مالوش غيرها أصلاً هي وخطيبته."
أردف آدم بملل:
"اعمل اللي انت عايزه... المهم محدش يعرف إني عارف... ولا كأنك قولتلي حاجة."
ابتسم نبيل مسترسلاً:
"طبعاً مش هقول... أنا بس قولتلك عشان تهدى اللعب مع سلطان لأني عارفك كويس."
وقف آدم مجدداً يستعد للمغادرة، وأردف وهو يغلق زر بدلته:
"تمام يا نبيل بيه... عن إذنك عشان عندي موعد مهم جداً."
ابتسم نبيل ساخراً، بينما غادر آدم حيث موعده الهام في إحدى الملاهي الليلية. أما نبيل، فجلس يراسل سلطان عبر تطبيق الواتس، حيث يخبره عن ما يحتاجه منه من أوراق.
***
صباح يوم جديد.
استيقظ سلطان مبكراً، فهو من الأساس معتاد على السهر ليلاً. تجهز وارتدى بذلة رسمية، وأحضر معه الأوراق التي طلبها منه نبيل بالأمس عندما حادثه في الهاتف ليلاً يخبره بما يريد.
خرج من غرفته أثناء دخول والدته من باب المنزل، حيث كانت تحمل الخبز الطازج وصحناً شهياً من الفول وقرطاس من الفلافل الساخنة.
أردفت منيرة بحب:
"صباح الخير يا حبيبي... قولت أنزل أجيب عيش سخن وفول وفلافل عشان نفطر سوا... مفطرناش سوا من زمن."
جلس سلطان على الأريكة، مردفاً بامتنان:
"تعبتي نفسك يا ست الناس... كنتي صحتيني وأنا روحت جبتلك اللي انتي عايزاه بما إني في البيت."
ابتسمت له وهي تضع طاولة الطعام القصيرة الخاصة بهم (طبلية) وترص عليها الصحون، مردفة بسعادة:
"اتعودت يا سلطان... أحسن من القاعدة يا بني... أنا لما بقعد من غير شغلانة بتعب."
ابتسم وجلس أرضاً حول الطاولة، يردف وهو يلتقط أحد أرغفة الخبز:
"ربنا يبارك في عمرك يا ست الناس ويخليكي ليا... يالا افطري عشان أروح شغلي لأن العنوان بعيد شوية عن هنا... ولسه لمياء أكيد هلاقيه واقفالي على أول الحارة."
ضحكت منيرة مردفة بإعجاب أمومي:
"عندها حق... أنا لو كنت خطيبتك كنت هحبسك... ربنا يحميك ويصونك يا سلطان... عندك هيبة ولا أجدعها وزير."
ضحك سلطان على والدته، مردفاً:
"وزير مرة واحدة ياما."
أومأت بفخر، مردفة:
"وأحسن كمان يا ابن السوهاجي."
ضاعت ابتسامته عند ذكر عائلته، وهو يتطلع إليها، ثم أكمل طعامه بصمت إلى أن انتهى ووقف يغادر إلى مقصده.
***
في التاسعة، استيقظت سيلين التي أدت روتينها اليومي ونزلت للأسفل، حيث تنتظرها علية لتناول وجبة الإفطار.
جلست سيلين، مردفة وهي تنظر للمائدة برضا:
"صباح الخير يا دادا... إيه الفطار اللي يفتح النفس ده."
ابتسمت علية، مردفة وهي تجلس هي الأخرى كما أمرتها سيلين:
"بالهنا والعافية يا نور عيني."
بدأتا في تناول وجبتهما، إلى أن انتهت سيلين ووقفت مغادرة إلى الشركة كعادتها مع السائق والحراسة.
بعد نصف ساعة، وصلت سيلين إلى مقر الشركة، وأثناء مرور سيارتها لمحت شخصاً تذكرته على الفور، ولكنها ظنت أنها أحلام يقظة، وهذا بسبب تفكيرها فيه ليلة أمس.
نزلت من سيارتها يتبعها الحارس ووصلت أمام باب الشركة، تنظر من خلف نظارتها بصدمة وتعجب:
"... إنه هو! ... حقاً هو! ... لا ليست أحلام يقظة."
ظلت تتطلع عليه غير واعية على حالها، أما هو فتعجب لنظرات تلك التي لم يتذكرها بسبب نظارتها الكبيرة نسبياً، وعلم بدون جهد أنها المالكة للشركة، فأمال برأسه يحييها بثبات دون كلام.
أما هي، فانتبهت على حالها عندما أردف الحارس من خلف أذنها:
"سيلين هانم!"
أفاقت، وقبل أن تخطو، خلعت نظارتها ونظرت له بعيون صائبة، عرفها هو على الفور، وقبل أن يستوعب مرت من جانبه صاعدة للأعلى. أما هو، فأردف لنفسه:
"يا إلهي... هل هي نفسها! ... ما هذه الصدفة يا ربي... أم أنه القدر."
رواية على القلب سلطان الفصل الخامس 5 - بقلم آية العربي
بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم
البارت الخامس من رواية ❤على القلب سلطان ❤
بقلم / آية العربي
قراءة ممتعة ..
صعدت سيلين الى مكتبها ودلفت مرحبة بوداد التى بدورها وقفت تحمل لها الملفات المراد توقيعها اليوم .
جلست سيلين تفكر فى امر هذا الحارس بتعجب حتى انها لم تلاحظ دخول وداد خلفها مما جعل وداد تنادى مردفة _ سيلين هانم ! ..
انتبهت سيلين لها ...تطلعت عليها بحيرة ثم تتسائلت _ هو مين اللى عين حراسة جديدة للشركة يا وداد ؟
هزت وداد كتفيها مردفة بجهالة _ مش عارفة يا سيلين هانم ... بس اكيد المسئول عن شئون العاملين ... ليه بتسألى ؟
تحمحمت سيلين مردفة _ ابداً يا ود ... انا بس لفت نظرى حارس جديد غير اللى اتعودت اشوفه ...
اومأت وداد مردفة وهى تضع الملفات على المكتب امام سيلين _ تمام .... دى الملفات اللى هتتوقع ... اتفضلي ... اى خدمة تانية ؟
نظرت لها سيلين متسائلة بابتسامة _ ابنك عامل ايه ؟ .
ابتسمت وداد مردفة بامتنان _ بخير الحمد لله ..
اومأت لها سيلين واستأذنت وداد مغادرة بينما اندمجت سيلين فى عملها بعدما حاولت عدم التفكير فى امر هذا الحارس .
اما فى الاسفل فوقف سلطان بثبات ولكن عقله مشغول فى امر تلك الفتاة التى رآها تبكى على ضفة النيل ... اذا حينما اخبرته ان سبب ببكاؤها هو وفاة والديها لم تكن تكذب .
كيف لوجه برئ مثل وجهها ان يستحل حق غيره ! ... كيف ستخدع قلب تلك البريئة يا سلطان ! ... يا الهى ماذا فعلتُ انا .
اخرجه من افكاره نزول ادم من سيارته ودخوله الشركة بغرور دون ان يعيره اهتمام .. وبرغم معرفة سلطان به فهو ابن نبيل ولكن سلطان ايضاً ظل ثابتاً لا يهتم له .
صعد ادم الى مكتب والده على الفور ودخل دون اذن مردفاً بغضب _ هو ده سلطان ؟ .
وضع نبيل ساق فوق الاخرى واردف يناظره _ ايوة هو ... ايه ؟ ... طلع عكس ما توقعت ولا ايه ... مش معقول متعرفوش ! ... اكيد شفته عندى .
جلس ادم يردف بغل _ المهم يعرف يقضيلنا المصلحة ونخلص من ام الحوارات دي .
اردف نبيل بثقة _ هيعرف ... ملامحك بتقول انه هيعرف .
اردف ادم مغيراً الحوار _ انا محتاج فلوس ... وانت عارف ان الست سيلين مش هتسمح بمليم زيادة ليا انا بالذات ... شوفلك حل لانى محتاج مبلغ كبير .
انزعج نبيل مردفاً بتساؤل _ اد ايه ؟
اردف ادم بترقب _ مليون ونص .
اتسعت عين نبيل مردفاً بصدمة _ نعم ! ... قلت كام ! .
ابتسم ادم مردفاً باستفزاز _ فيه عربية عجبانى وعايز اشتريها ... مش معقول اكون ادم الحلوانى ومقدرش اجيبها !
تسائل نبيل بترقب _ وعربيتك ؟
امال ادم على والده قليلاً واردف ينظر لعيناه _ لا دي وزعتها ... هديتها لحد غالي عندى .
وقف نبيل على حاله ووالتفت للجهة الاخرى حيث ابنه ثم مسكه من ياقته مردفاً بغضب وتعنيف _ عمايلك الزبالة اللى انت بتعملها دى لو مبطلتهاش انا هتبرى منك ...
نفض يد والده بعنف مردفاً بغضب مماثل _ عمايلي الزبالة دى متعلمها منك ... بعملها علشان انسى اللى عملته ... ولا نسيت يا نبيل بيه ؟
وقف نبيل ينظر له مصدوماً بينما اردف ادم بجنون _ بلاش تفتح فى اللى فات علشان هتطلع خسران ... خسران اوى يا نبيل بيه ... انا هروح اطلب من سيلين المبلغ اللى انا عاوزه واللى يحصل يحصل .
خرج مندفعاً الى مكتب سيلين ووالده ينظر لاثره بزهول ثم جلس مرتطماً على المقعد بسبب تلك الذكريات التى يحاول نسيانها ولكن ابنه لم يدع ذلك يحدث .
فى الاسفل يقف محمد الحارس الشخصى لسيلين مع سلطان يردف بتساؤل _ وانت بقى تبع شركة ايه ؟
ابتسم سلطان مردفاً بثبات وهو يتابع الحركة من حوله بمهارة _ انا بحب الراجل الدوغرى ... اضبط اتجاهاتك ... وقول عايز تعرف ايه ؟
اردف محمد بجمود _ بصراحة مش مرتاحلك .
اردف سلطان على نفس ثباته _ مش مهم .
فى تلك الاثناء كانت سيلين تجلس تراجع بعض الملفات ورن هاتف مكتبها الخارجى فأجابت متسائلة _ ايوة يا وداد خير ؟
اردفت وداد وهى تتطلع للذى امامها بقلق _ سيلين هانم استاذ ادم عايز يقابلك .
تنهدت سيلين بضيق واردفت برفض _ قوليلي انى مشغولة يا وداد .
اغلقت معها فأردفت وداد وهى تتطلع عليه بترقب _ اسفة يا ادم بيه بس سيلين هانم مشغولة .
نظر لها بضيق ثم ما لبث ان اندفع بغضب الى مكتب سيلين يفتح الباب بعنف دون استئذان مردفاً بصوت عالى _ المرة دى استأذنت عايزة ايه تانى ؟ .... انا لازم اتكلم معاكى .
رفعت نظرها اليه تطالعه ببرود ثم نظرت الى وداد التى تقف لا حيلة لها مردفة _ اتفضلي انتى يا وداد .
نظرت وداد الى ادم مردفة بخوف _ متأكدة يا سيلين هانم ؟
ابتسم ادم بتهكم واومأت سيلين لها فغادرت وداد مغلقة باب المكتب خلفها اما سيلين فنظرت الى ادم تدعى الهدوء واللا مبالاه عكس خوفها الداخلى من هيأته فعيناه كانت حمراء يبدو انها احدى نوبات جنونه التى تصيبه عند تذكره للماضي .
اردفت بتساؤل _ خير يا ادم ... عايز تتكلم في ايه ؟
اتجه يجلس امامها يتطلع للا شئ مردفاً بجرأة _ محتاج فلوس ... مش معقول كل ما احتاج مبلغ هاجى اطلب منك ... شوفيلي حل .
ضحكت عليه مردفة بتهكم _ بيتهيألى مرتبك بيوصل تلقائي ع حسابك تقدر تسحب منهم زى ما انت عايز ... فين المشكلة بقى ؟
نظر لها بغضب مردفاً بصوت عالى _ مرتب ايه ؟ ... هو انا موظف ! ... انا هنا شريك زيي زيك بالضبط ولا هو انتى بس اللى يحقلك تضيعي وتصرفي زي مانتى عايزة ! ... انا محتاج اشتري عربية جديدة .
رفعت سماعة هاتفها مردفة وهى تحاول الاتصال على احدهم _ تمام نبيع القديمة وهقول للاستاذ منتصر يشوف الفرق كام ويدفعهولك .
تحدث بغضب ضاغطاً على احرفه _ القديمة مش هتتباع ... انا هديتها لحد غالى عليا ... انا عايز مليون ونص حالاً ... يا اما يا سيلين متلوميش غير نفسك .
وضعت السماعة من يدها تضيق عيناها وهى تتطلع عليه مردفة باستفهام _ مليون ونص ! ... وهديتها لحد ! ... انت اكيد بتهزر ... انت عارف عربيتك دي تمنها كام ؟ ... انت ايه يابنى ادم ... مبتحسش ... احمد ربنا ان ليك اسهم فى الشركة وانت متعبتش فيها ولا من قريب ولا من بعيد ... عايش واكل شارب نايم وحتى كيفك كله من الشركة اللى انا وبابا عملناها ... لا انت ولا ابوك ولا اختك ولا اولاد عمك ليكوا حق عندى بس انا وبابا عملنا بأصلنا دايماً ولحد دلوقتى لسة بعمل بأصلي معاكوا .... لو على عمايلك كنت رميتك برة حياتى وبرة الشركة نهائي ... بس للاسف ... هتفضل واقفلي زى اللقمة فى الزور ... انا بقيت اقرف ابصلك ... بقيت اقرف من كل حاجة بتربطنى بيكوا .
وقف على حاله واردف وهو يقترب منها شيئاً فشيئاً بهدوء شديد دب الرعب فيه اوصالها _ تقرفي ! ... دلوقتى بقيتي تقرفي منى ! ... كنتى زمان بتقولي انك بتحبيني ؟ ... عملتى بأصلك معايا ها ؟ ... انا بقى هعرفك ايه هو اصلك ومين هو ادم الحلوانى يا **** .
انقض عليها فجأة ولف يده حول عنقها يحاول خنقها وقد جن جنونه مردفاً _ انا هدفعك تمن اللى حصلى غالي اوي ... انتى السبب فى كل اللى حصلي .. انتى السبب ..
كانت هى تحاول الفرار من بين يده الا انه كان مغيب تماماً حتى انها لم تستطع الصراخ فلم تجد سوى رز اللاسلكى الخاص بالحارس الامنى لها ... كانت تلتقط انفاسها من بين اصابعه بصعوبة ولكن حاولت التمالك وضغطت رز اللاسلكى الذى اعطى انذار للحارس الذى يقف ف الاسفل مع سلطان .
انتبه الحارس فأردف بعدما ضغط الزر _ سيلين هانم ... خير ؟
سمع انينها وهى تحاول التحدث ولم تستطع وكذلك سمعه سلطان الذى يقف بالقرب منه .
اندفع الحارس فوراً يصعد عبر المصعد ولا يعلم سلطان لما قادته قدماه خلف الحارس ... مؤكد ان هذا ليس جزءاً من الخطة ولكن ربما هى تحتاج الى مساعدة الأن ..
وصل محمد فى وقت قياسي الى المكتب وخلفه سلطان ... وقف الحارس امام وداد ليستأذنها بينما سلطان لم ينتظر واندفع يقتحم المكتب بقوة فوجد ادم يحاول خنق سيلين التى كادت ان تزهق روحها حقاً بسبب ضغطه على عرقها النابض ..
اندفع سلطان بقوة اليه ونزعه بسهولة وقوة بعيداً عنها ...ثم اوقفها سلطان سريعاً وملس على ظهرها وشريان معصمها حتى تستعيد وعيها متسائلاً بقلق واندفاع _ انتى كويسة ؟
اومأت وهى تلتقط انفاسها وعيناها تكاد تغلق فاسندها مجددا على المقعد كى تستريح ونظر لادم الذى يقف يطالعه بعيون حمراء كالدم وخلفه محمد الحارس يمسكه بقوة ..
كانت سيلين تتنفس بصعوبة بينما سلطان يقف يطالع ادم بغضب ولكنه عاجز عن الحديث ... وادم يحاول الفكاك من بين يدي محمد ولكن محمد لم يسمح بذلك ..
اردفت سيلين بصوت متحشرج _ ميدخلش باب الشركة تانى ... لو دخل الشركة هتترفدوا .
جرّهُ محمد للخارج وادم يحاول الافلات ولكن محمد يفوقه قوةً بينما سلطان كان يتابع سيلين التى تملس على عنقها وتسحب شهيقاً تكافئ به رأتيها .
بعد دقائق اقتربت منها وداد تهدأها مردفة بحزن _ حقك عليا يا سيلين هانم ... مكنش لازم اخرج واسيبك معاه .
اومأت سيلين مردفة بعدما استعادت وعيها _ مالكيش ذنب يا وداد انا اللى طلبت ... كنت مفكرة انى بتكلم مع انسان .
كان كل هذا يحدث امام سلطان الذى يتابعها بصمت ... حك انفه بسابته مردفاً بثبات _ سهل ان اي انسان يتحول لو اللى قدامه استفزّه .
نظرت له بصمت ثم اردفت موجهة حديثها لوداد _ وداد ممكن تطلبيلي واحد عصير فريش لو سمحتى ؟
اومأت وداد وخرجت تلبي طلبها بينما تطلعت سيلين الى سلطان الذى ابتعد يقف ينظر لها ايضاً واردفت _ اولاً شكراً على تصرفك معايا ... لتانى مرة بتثبتلي انك شهم ... شهم وحشري .
تعجب منها وامال برأسه يتأكد مردفاً _ حشري ! .
اومأت مردفة وعلى ثغرها شبه ابتسامة _ دى حقيقة .
رأى شبح ابتسامتها فابتسم هو الاخر واردف وهو يهز رأسه _ تمام ... على العموم انا معملتش غير واجبي ... عن اذنك .
اردفت بخبث _ اتفضل يااااا ...
اردف قبل ان يغادر _ سلطان ... يااااا .
ابتسمت لا ارادياً مردفة _ سيلين الحلوانى ... بيتهيألي معروف .
اومأ مردفاً بنظرة آسرتها _ تمام يا سيلين هانم ... وعلى فكرة عيونك احلى من غير دموع .
قالها وغادر بينما تركها تتخبط فى مشاعرها وعقلها الذى يعنفها دون رحمة ..
خرج من مكتبها واثناء ذهابه الى المصعد قابل نبيل الذى تعجب من وجوده فأردف متسائلاً _ سلطان ! ... انت بتعمل ايه هنا ؟ .
اردف سلطان وهو يضع يده فى جيب بنطاله _ ابداا يا نبيل بيه ... بس ياريت تفهم ابنك ان اولاد الاصول ايدهم مبتدمدش على الحريم ... عيب اوى اللى عمله ... لولا اننا وصلنا فى الوقت المناسب كان زمانه مخلص على بنت عمه .
اتسعت عين نبيل مردفاً بصدمة _ انت بتقول ايه ؟ ... ادم ! ... هو فين الحيوان ده ؟
خطى سلطان يقف امام المصعد مردفاً بثبات _ محمد خرجه برة واتمنع يدخل الشركة تانى ... والا هنترفد ... شوف انت بقى تحب ايه ؟ .
دلف سلطان المصعد ووقف يتطلع على نبيل الذى يقف مصدوماً من افعال ابنه الذى سيهدم مخططاته .
اما سيلين فجلست شاردة تعنف نفسها ... كيف لها ان تتصرف بطريقة مراهقة وتجعله يظنها مثلها مثل اي فتاة ؟ ..
كان عليها ان تكون اكثر حذراً وصلابة من هذه التى تصرفت ... ليس عليها ان تتعامل مع غريب بهذا الود ... عليها ان لا تدع احداً يستغلها ... اثبتى سيلين ... اثبتى ولا تدعِ احتياجك لاحدهم يهدم حصونكِ ويأكل قوتكِ ... كونى قوية ربما يستغلكِ احدهم ... كونى قوية حتى لا يتم كسركِ بسهولة ..
تنهدت تملس على رقبتها تتذكر هجوم ابن عمها ... نعم كانت ستفقد حياتها ... لقد احست ان الهواء اصبح منعدم لولا تدخل هذا السلطان لكانت الان فى خبر كان ..
طرقات خفيفة على باب المكتب تبعها دخول وداد تحمل كأس عصير مردفة _ جبتلك العصير يا سيلين هانم ... انتِ احسن دلوقتى ؟
اومأت لها سيلين مردفة بهدوء _ احسن يا وداد متقلقيش .
وضعت امامها كأس العصير واردفت وهى تنظر لها _ سيلين هانم ... انا مبحبش ادخل فى اللى ميخصنيش بس كدة الوضع زاد عن حده ... النهاردة ابنك عمك كان ممكن بعد الشر يقتلك لولا ستر ربنا و الحرس ... مهموش البلاغ اللى ضده ومهموش الحرس الشخصى بتاعك ... لازم تلاقي حل ليه ... لان واضح انه مش هيسكت .
تنهدت سيلين واردفت بتعب وارهاق _ حل ايه يا وداد ... انتى اكتر واحدة عارفة اللى فيها ... هو الطبيعي انى استعين بأهلى يحمونى ... لكن وضعى مختلف ... انا محتاجة حد يحميني من اهلى ... تعرفي يا وداد انى فكرت مليون مرة انى اديهم حقوقهم اللى بيتكلموا عنها يمكن وقتها يبعدو عنى ... بس لقيت انى لو عملت كدة هضيع الاسم اللى بابا تعب سنين علشان يبنيه ... للاسف هيضعوا تعب بابا فى الكباريهات وعلى السُكر والارف اللى بيعملوه ... هيضيع على نذواتهم وشهواتهم وبس ... انا وبابا تعبنا اوى فى الشركة دى يا وداد وانتى عارفة ... ده حق بابا الشرعي يا وداد وهما كلهم اخدوا حقوقهم ... بس هما ضيعوا فلوسهم للاسف ... انا فعلا بقيت خايفة من ادم اوى ... بحمد ربنا انى لحقت نفسي فى الوقت المناسب وعرفته على حقيقته قبل ما كنا اتجوزنا ..
اردفت وداد وهى تتطلع اليها بعدما جلست امامها _ طيب يا سيلين هانم مالكيش حد قريب من اهل مامتك الله يرحمها ؟ ... حد يقف لهم .
هزت رأسها مردفة _ للاسف لاء يا وداد ... اهل ماما عايشين فى استراليا والعلاقة شبه معدومة ... ماما الله يرحمها كانت بتحاول تتواصل معاهم وده كان ايام خالتو الله يرحمها ومن وقت ما اتوفت والعلاقة اتقطعت ... بس اكيد وصلهم تقارير التركة ... يعنى الاولى هما اللى يتواصلوا معايا يا وداد مش انا ... تعرفي يا وداد ... انا لو لقيت الشخص اللى يقدر يقف لهم ويحميني ويحتويني ... الشخص اللى احس معاه بالامان والراحة ... الشخص اللى اسلمه نفسي وروحى وقلبي ... وقتها فعلا مهيهمنيش اي حد مين ما يكون ... مش هعين حراسة ولا هنام قافلة عليا ١٠٠ مفتاح ... وقتها هحس بالسلام فعلاً .
نظرت لها وداد بحزن مردفة _ هتلاقيه يا سيلين هانم ... انتى تستاهلى انك تتحبي وترتاحى ... المهم يكون كدة بجد ميبقاش حد استغلالي زيهم .
اومأت لها واردفت وهى تتناول كوب العصير وترتشف منه القليل _ يالا يا وداد ... يالا نكمل شغلنا .
&&&&&&&&&
فى الصعيد
فى محافظة قنا
تحديداً فى منزل سهيلة ابراهيم السوهاجى .
تجلس القرفساء تصنع الخبز بطريقة احترافية وتقف تراقبها ام زوجها مردفة بعنف _ اعجنى حلو يابت سوهاج ... ايه اهلك معلموكيش كيف العجين بيتعجن ولا ايه ؟
اردفت سهيلة بجرأة وهى تلوى العجين على يدها بمهارة _ لا ازاي يا مرات عمى ...علمونى طبعاً ... ارتاحى انتى بس تلاجى رجولك وجعوكى من مراقبتى .
اردفت دليلة بغضب وهى تلغزها فى كتفها بقوة _ يا جليلة الحيا ... اراجبك ليه ان شاء الله ... انى براجب العجين ليبوظ ... مع انه باظ خلاص يا عرة الحريم .
استغفرت سهيلة فى سرها واكملت ما تفعله متجبة اياها بينما جاء زوجها محروس يردف بترقب _ بتعملي ايه يا سهيلة ؟ ... فين الوكل انى جاي ميت من الجوع .
نظرت له سهيلة مردفة بضيق _ معملتش وكل لسة يا محروس ... امك مكدرانى من صباحية ربنا الاول شيعتنى لاختك نعمة اوضبلها الدار لانها حبلة وتعبانة وانا حلوة وزينة وسليمة ودلوجيت حكمت عليا اخبز ... هعمل اكل امتى بقى ؟ .
اتسعت عين دليلة مردفة بغضب _ وه وه وه اخص عليكي يا واكلة ناسك ... وهو انتى لو كنتى جولتى انك هتطبخي لجوزك انا كنت حوشتك ؟ ... ولا هى حجة وخلاص ؟
غضب محروس مردفاً بانزعاج _ بكفاية عاد حديت ... جومى يا سهيلة اعمليلي لقمة وسيبي العجين لامى تكمله .
ادعت دليلة التعب وجلست على اقرب مقعد مردفة _ لا يا ولدى انا مجدراش عاد ... استنى لما تخلص .
وقفت سهيلة تزيح العجين عن يدها مردفة بدلال وهى تتطلع على زوجها بحب _ لا يا مرات عمى ... العجين يستنى ... هعمل لجوزى الوكل واكمله ... ثوانى والوكل يكون جاهز يا نور عيني .
ابتسم محروس برضا وغادر خلفها بينما نظرت دليلة لها بصدمة مردفة بغل _ وه وه ... يا بت المركوب ... حرباية بصحيح ... ماشي يابت روايح ... يانى يا انتى .
&&&&&&&
بعد اسبوع مرت به الاحداث كالمعتاد
بينما تغيرت طريقة سيلين مع هذا السلطان من المراهقة الى الجدية والرسمية حتى ان عقله بات يُشغل بها ولكن مع ضغط نبيل وخطيبته لمياء عليه بدأ يفكر فى طريقة للتقرب منها اكثر من ذلك .
عنف نبيل ابنه ادم بسبب ما كان سوف يقدم على فعله ونصحه بأن يبتعد عن الاجواء قليلاً حتى تهدأ سيلين ثم يعود للشركة مجدداً
خرج سلطان من منزله قاصداً عمله الجديد فوجد لمياء تقف على الباب الخارجى لمنزلها تنتظره ..
رآها فتنهد واقترب منها مردفاً وهو يتطلع حوله _ ايه مصحيكي بدرى كدة يا لمياء ... وواقفة كدة ليه خير ؟
اردفت لمياء بضجر وهى تتسائل _ مالك يا سلطان ؟ ... من وقت ما بدأت شغل ف الشركة وانت بتبعد ... ده بدل ما نقرب ... حتى دبلتك قلعتها .
تنهد يستغفر ثم اردف بتعجب _ فيه ايه يا لمياء ع الصبح ؟ ... مانتى عارفة كل حاجة وعارفة الحكاية من اولها ... وانتى اللى اقنعتيني اوافق على الحكاية دى اصلا ..
ربعت يدها امام صدرها مردفة بحزن _ ايوة بس معرفش انك هتبعد كدة ! .. انا مبقتش اشوفك ولا اتكلم معاك الا قليل اوى ... بقالك اسبوع اهو ولا اتقدمت خطوة حتى .
اردف متعجباً _ وانتى عيزانى امضيها على ورق بمليارات واضحك عليها فى اسبوع يا لمياء ؟ ... اصبري يا ماما شوية ... اديني بحاول اهو ... بس تعرفي شكلها مش سهل زي ما كنت مفكر ... دى طردت ابن عمها من الشركة وقدرت تمنعه يدخلها فعلاً .
اردفت لمياء بتأكيد _ شوفت ... اهو زي ما قولتلك ... دى تستاهل اللى يتعمل فيها ... وانت اللى كنت زعلان وخايف تكون ظالمها ... المهم يا سلطان خلص بسرعة علشان ابويا كل يوم يسألنى خطيبك عمل ايه وسوا ايه ... خلص خلينا نتجوز بقى ونرتاح من الهم ده .
اردف سلطان وهو يستعد للمغادرة _ ماشي يا لمياء يالا اطلعى انتى متقفيش كدة ... وانا هحاول اخلص بدرى واجيلكوا بليل اتكلم مع ابوكى .
فرحت واردفت بسعادة _ بجد يا سلطان ؟
اومأ مبتسماً وغادر بعدها الى الشركة بينما هى صعدت تخبر والدها بالامر .
&&&&&&&
عند سيلين التى استيقظت على رنين هاتفها الخاص ... تثاوبت وهى تتحرك بتكاسل على الفراش تحاول التقاط هاتفها من على الكومود ...
التقطته ونظرت فوجدته رقمٍ غير مسجل ... تعجبت ولكنها قررت الرد ... فتحت الخط واجابت _ الو ! .
اتاها صوت رجل غريب مردفاً _ صباح الخير يا سيلين هانم ... اسف لو ازعجتك .
اتكأت على ذراعيها وجلست مسندة ظهرها على مقدمة الفراش مردفة بتساؤل _مين معايا ؟
اردف المتصل يعرّف عن حاله _ انا رضوان المالكى ... صاحب شركة مارو .
تنهدت بضيق مردفة بعملية _ اهلا يا رضوان بيه ... خير ؟
اردف رضوان بصوت خبيث _ تحبي ابعتلك العضو المنتدب امتى علشان توقعوا العقود ؟
تعجبت سيلين واردفت بتساؤل _ عقود ايه يا رضوان بيه ؟ ... الكلام ده كان قبل اسبوع ... لكن حاليا الاسهم بتاعة شركتكوا نزلت خالص فى البورصة ومبقاش ينفع اشترى ... انا عرضت عليكم قبل ما تخسروا انى اشتريها بمبلغ كويس جدااا بس انتو رفضوا السعر وحالياً انا كمان برفض العرض من اساسه .. شكرا على اتصالك .
كادت ان تغلق فاردف رضوان بنبرة تهديدية _ فكرى تانى كويس اوى يا سيلين هانم ... مش هنختلف ع السعر وبلاش تتسرعي فى قرارك ... الحكاية كلها اسبوع واحد مش مدة يعنى .
اردفت بذكاء وتساؤل _ انت بتهددنى ولا ايه يا رضوان بيه ؟ ... عموماً انا مش برجع فى كلامى ... وكان هيكون شرف ليكو التعامل مع شركة الحلوانى بس مافيش نصيب ... عن اذنك .
اغلقت الخط تتنهد بضيق وقد عكر هذا الاتصال مزاجها فشردت تفكر بخوف فى ماذا ان تعرض هذا الشخص لها بسوء ...
تأفأفت وهى تقف تستعد لبدء روتينها مردفة باختناق _ مكانش ناقصنى غيرك انت كمان .
بينما على الجهة الاخرى يجلس هذا الرجل يستشيط غضباً مردفاً بضيق ووعيد _ البت دى لازم تتربي ... حتة بنت ادوسها بجزمتى تقولي شرف ليا انا ... انا لازم اعرفها مين هو رضوان المالكى ..
رفع سماعته واردف عبر الهاتف بعدما اتاه رد _ كان معاك حق ... البت دى لازمها قرصة ودن .... عوّر ومتموتش .
&&&&&&&
بعد ساعة كانت سيلين تنزل من سيارتها امام الشركة ومحمد خلفها كالعادة ... اردفت وهى تمشى بثبات _ محمد ... هتطلع معايا فوق .
اومأ محمد مردفاً _ اوامرك يا سيلين هانم .
وقفت على باب الشركة الاساسي ونظرت من خلف نظارتها الى سلطان الذى اومأ لها بصمت فأردفت هى بجدية _ سلطان ... خلى بالك اليومين دول كويس اوى ... ربما يحصل امر غير معتاد .
ضيق عيناه مستفهماً يردف بصلابة _ خير يا سيلين هانم ؟ ... عرفيني امر غير معتاد ازاي ؟
مطّت شفتيها مردفة _ لسة مش متأكدة بس بردو خلوا بالكوا كويس اوى ... الحرس مش قليل بس لازم انبهكوا لانكوا اكفأ اتنين معايا .
اومأ سلطان مردفاً بثقة وصدق _متقلقيش من اي حاجة ... اطمنى .
نظرت له نظرة لم يفهمها ربما لم يخبرها احداً بتلك الجملة سوا والدها فقط ... انتبهت على حالها فاومأت بصمت ثم ولجت الى الشركة وخلفها محمد الحارس .
مر النهار بسلام وانتهى دوام العمل واستعدت سيلين لتغادر ... خرجت من مكتبها مارة على مكتب وداد ... اردفت سيلين بتساؤل _ ايه يا وداد لسة كتير ؟ ... يالا علشان تروحى لابنك وجوزك .
ابتسمت وداد مردفة بطيبة _ حاضر يا سيلين هانم ... قربت اخلص نقل البيانات وهروح علطول ...اتفضلي انتى .
اومأ لها وغادرت بينما محمد ينتظرها خارجاً ... نزلت معه عبر المصعد ومنه الى الخارج ... تتبع خروجها سلطان بعيون كالصقر ...
خرجت من باب الشركة والحارس يسبقها والسيارة تنتظرها امام الباب ... سلطان يتابع جيداً ... هناك سيارة سوداء تأتى ببطء شديد يثير الشك فى عقل سلطان ..
بدأت السيارة تسرع مع حركة سيلين ومحمد يحميها بجسده الضخم وقد بدأ يلاحظ ايضاً تلك السيارة السوداء كلياً وعندما استوعب انه هجوم وضع يده ليلتقط سلاحه فإذا بنافذة السيارة تفتح ويصوب منها احدهم على محمد بطلق نارى فيصاب فى كتفه الايمن ...
يحاول التماسك برغم المه حتى لا يسقط ولكى يحمى سيلين المرعوبة فبادله القناص بطلقة فى ساقه ادت الى وقوعه وانكشف جسد سيلين التى تقف مستسلمة كلياً لولا طلقة خرجت من سلاح سلطان بمهارة ودهاء مصوبة على ذلك الرجل واصابت هدفها قبل ان يطلق رصاصته فمات على الفور .
اسرعت السيارة تغادر بسرعة فائقة وبرغم ضربات سلطان المتتالية كي يوقفها الا ان السائق كان ماهراً كفاية ليتخطاها .
اجتمع الحرس جميعاً وحالة من الهرج والمرج حدثت فى الشركة بسبب ما حدث بينما تطلع سلطان الى سيلين بترقب وجد جسدها الضئيل يرتعش بقوة ... لفت نظرها الى هذا الملقي ارضاً غارقاً فى دماؤه والذى يحاول بقية الحرس اسعافه الى ان يأتى المسعفون فلم تحتمل وبدأت تهز رأسها بعنف فاتجه اليها سلطان يردف بصدق محاولاً تهدأتها _ اهدى متخافيش ... اهدى هو كويس ... متخافيش انا معاكى .
يتبع .....
رواية على القلب سلطان الفصل السادس 6 - بقلم آية العربي
بعد ساعة تجلس سيلين بحزن في بهو الشركة. يقف خلفها سلطان، وبجانبها يجلس نبيل ينظر لها بشماتة، ووليد ينظر لها بشفقة. أما الموظفون فجميعهم غادروا بناءً على تعليمات الأمن.
يجلسون ينتظرون مجيء الشرطة التي هي في طريقها إليهم للتحقق في الأمر. بينما انتقل محمد مع الإسعاف منذ قليل إلى إحدى المستشفيات لإسعافه على الفور. وأمام الشركة ينتشر الأمن لمراقبة الأجواء.
وصلت سيارة الشرطة ونزل منها المحقق وتبعه أحد العساكر. دلف من باب الشركة واتجه إلى سيلين حيث أردف بتحية:
_ حمد الله على سلامتك يا سيلين هانم. إيه اللي حصل بالضبط؟
رفعت سيلين نظرها إليه تردف بتوتر وارتباك:
_ اتعرضت لهجوم والحارس الشخصي بتاعي اتصاب بدالي. تقدر تشوف الكاميرات وتستعين بيها طبعًا. ولولا إن سلطان اتصرف وضرب نار على اللي بيضرب، أكيد كان قتلني.
رفع المحقق نظره للواقف خلفها يردف بتساؤل:
_ أنت سلطان؟
أردف سلطان بثبات وهو يضع كفيه على بعضهما:
_ اتفضل يا باشا.
أردف المحقق وهو ينهض:
_ يا ريت تيجي معايا نفحص الكاميرات.
أشار له سلطان بيده مردفاً:
_ اتفضل.
ذهب المحقق مع سلطان إلى غرفة المراقبة، بينما ظلت سيلين وسط عمها وابن عمها ولم تتفوه بحرف.
أردف نبيل بمكر:
_ يا ترى مين اللي قدر يعمل حاجة زي دي؟
أردف وليد يرد عليه:
_ أكيد حد من أعداء شركة الحلواني. أنت عارف يا عمي إن أعدائنا كتير في السوق. ولا إيه يا سيلين؟
كانت سيلين تنظر للبعيد ولم تعر حديثهم أي اهتمام، فالتزموا الصمت إلى أن عاد المحقق مع سلطان بعدما رأى الكاميرات وتم التحفظ عليها.
أردف المحقق وهو يقف أمام سيلين بتساؤل:
_ بتتهمي حد معين يا سيلين هانم؟
أردفت بتأكيد دون مراوغة:
_ أيوه. رضوان المالكي. هو كلمني الصبح عشان الصفقة اللي كانت بينا واتكلم بنبرة تهديد. وتقدروا تسمعوا المكالمة، موجودة في الـ Record's على موبايلي.
أومأ المحقق مردفاً بنصح:
_ تمام يا سيلين هانم. يا ريت تتواصلي مع شركة الحراسة تبعتلك حارس شخصي لحد ما الحارس بتاعك يتعافى.
أردفت بتأكيد:
_ سلطان موجود، هو اللي هيكون الحارس الشخصي بتاعي.
تصنّم جسد سلطان. انتابه شعور غريب. "ما بك؟ هذا ما كنت تريده. ها هي تثق بك. القول شيء والحقيقة شيء آخر. إنها تثق بي. كيف سأخون ثقتها الآن! ويل لك يا سلطان."
بينما نبيل سعد كثيرًا بهذا الخبر، ولكنه لم يظهر أي رد فعل. أما المحقق فاومأ مردفاً:
_ تمام، كويس جدًا. بس أكيد هتحتاجي حرس كمان للشركة. ويا ريت تبعتيلي التسجيل الصوتي على الواتساب الرقم ده.
قالها وهو يمد لها كارت يحمل أرقامه، فالتقتطه منه، تومئ له، فغادر بعدها. وقفت هي تنظر إلى سلطان مردفة بلغة آمرة:
_ يلا نمشي.
وقف ينظر لها بتردد. قلبه يؤنبه على ثقتها به. خطت خطوة واحدة ولكنها توقفت عندما لاحظت سكونه. نظرت له مستفهمة:
_ هو أنت مش عايز تكون الحارس الشخصي بتاعي؟
نظر لها بتردد، ثم نظر إلى نبيل الذي ينظر له نظرة يعلم تفاصيلها. تجاهل نظرته وأعاد نظره إليها مردفًا بقبول:
_ اتفضلي يا سيلين هانم.
أكملت سيرها وهو خلفها، بل تقدم منها يفتح لها باب السيارة. صعدت في الخلف وصعد هو في الأمام. غادر السائق، وها هو سلطان يؤدي وظيفته على أكمل وجه.
في محافظة سوهاج.
تجلس فاطمة في منزلها تتحدث عبر الهاتف مع شقيقتها سهيلة مردفة بتساؤل:
_ ها وبعدين؟
أردفت سهيلة بتأفف وضيق:
_ ولا جبلين يا فاطمة. اهو بحاول أعمل زي ما قولتي. صحيح محروس اتغير للأحسن، بس هما لأ.
تنهدت فاطمة مردفة بهدوء وتعقل:
_ معلش يا سهيلة. اتحملي. بما إن محروس اتغير معاكي يبقى خير. واحدة واحدة هما كمان يعاملوكي زين.
أومأت سهيلة مردفة:
_ ياريت يا فاطمة. ياريت. إني تعبت. إني هنا لوحدي ومافيش حد منيكو حواليا. ولما بستنجد بجدي أو بأمي، للأسف الاتنين بيكسروا خاطري. تعرفي يا فاطمة إني كنت ناوية أكلم سلطان أخوكي، بس خوفت يكسر خاطري هو كمان.
تعجبت فاطمة مردفة بتساؤل:
_ بجد يا سهيلة؟ ممكن تكلميه بجد؟ بس وقتها أمك مش هتسكت أصل. دي ممكن الحرب تقوم.
أردفت سهيلة بضجر:
_ يحصل اللي يحصل بقى يا فاطمة. ده أخونا وماشفناش منه حاجة وحشة. ولولا جدك بيعمل حساب وخاطر لأمك كان زمانه وسطنا هنا. بس فعلًا لو محروس زعلني تاني أنا هلجأ لسلطان وزي ما تيجي بقى.
تنهدت فاطمة تردف مؤيدة:
_ وأنا كمان يا سهيلة. نفسي أشوفه جوي. نفسي أحس بيه حوالينا. هو اتظلم واتحرم من عز العيلة. ياريت جدك يبعت يجيبه هو وأمه، بس أمك مجيّداه.
قاطع الحديث دخول محروس زوج سهيلة، فأردفت سهيلة عبر الهاتف:
_ طيب يا فاطمة هقفل معاكي عشان محروسي جه. يلا سلام.
أغلقت مع شقيقتها ووقفت تتطلع على زوجها مردفة بدلال:
_ حمد الله على السلامة يا غالي. أجهز لك الأكل؟
ابتسم محروس واقترب منها يلف ذراعيه حول خصرها يقربها منه مردفاً بحب:
_ لأ. شبعان. بس جوليلي. تساءل وهو يتطلع حوله: العيال فين؟
ضحكت سهيلة واردفت وهي تلف ذراعيها حول رقبته بدلال:
_ نايمين يا جلبي.
مال يقبل عنقها وهو يردف بصوت متحشرج راغب:
_ عز الطلب.
في طريق العودة لقصر الحلواني.
أردفت سيلين بلغة آمرة:
_ لو سمحت يا رأفت، عايزة أروح أطمن على محمد. وديني على المستشفى اللي هو فيها.
كان سلطان شارداً في أمرها. "ها هو يتقدم سريعًا في خطته. اليوم أحرز هدفًا تاريخيًا سيكسب به ثقتها. ولكن ماذا بعد يا سلطان؟ لما لست سعيدًا يا رجل؟ أولم يحدث ما تريده حتى تحصل على المال وتغادر بلا عودة!"
أردفت سيلين بتساؤل:
_ سلطان، متعرفش حاجة عنه؟
انتبه سلطان مردفاً بنبرة رجولية:
_ في العمليات. بس حالته مستقرة، متقلقيش عليه.
تنهدت بضيق مردفة بامتنان:
_ إزاي مقلقش؟ ده ضحى بنفسه عشاني.
أردف سلطان بجدية:
_ ده واجبنا وده شغلنا يا سيلين هانم. وبعدين إحنا بنكون مدربين كويس للتعامل مع الهجوم اللي زي ده. لكن أنتِ معندكيش أي فكرة، عشان كده لازم نتصرف. وإلا ملوش لازمة نبقى حراس أمن شخصي.
صمت قليلاً ثم أردفت متسائلة:
_ سلطان، هو أنا ليه حسيتك مش موافق على إنك تكون الحارس بتاعي؟ أنا عارفة إن أعدائي كتير وبعرض حياة اللي حواليا للخطر، بس فعلًا أنا محتاجة حد أثق فيه، مش ضامنة لو جبت حد جديد هيكون أهل ثقة ولا لأ. يعني أتمنى تكون راضي، وأنا في أقرب وقت هعفيك من الوظيفة دي.
صمت قليلاً ولكن ضميره لم يهدأ. يأنبه على ثقتها به. تنهد بضيق وأردف بصدق:
_ أنا معاكي لحد ما تلاقي الشخص المناسب يا سيلين هانم. وتأكدي إن حمايتك فرض عليا، وإن حياتك أهم من حياتي.
اطمأن قلبها من كلماته الصادقة. ابتسمت براحة وأكمل طريقهم إلى المستشفى حيث تطمئن على محمد.
وقفت السيارة بعد فترة قليلة أمام إحدى المستشفيات ونزل سلطان يطل بهيئته الجذابة بتلك البدلة التي تظهر عضلاته. أغلق زر جاكيته وفتح الباب الخلفي وعيونه تجول المكان من خلف النظارة التي تحجب رؤيتهم. أردف بعدما اطمأن:
_ انزلي يا سيلين هانم.
نزلت سيلين ونظرت له براحة لا تعلم مصدرها، ثم خطت باتجاه المشفى وهو يتبعها إلى أن دلفت. أوقفها جانبًا واتجه لمكتب الاستقبال يتساءل بثبات:
_ عايزين نعرف حالة المصاب محمد السيوفي. مصاب بطلق ناري وصل المستشفى من حوالي ساعة.
أردفت الممرضة وهي تتطلع إلى الأوراق:
_ ثواني حاضر.
وجدت الممرضة اسمه فاردفت وهي تبتسم وتنظر إلى سلطان بإعجاب واضح:
_ لسه في العمليات، بس اطمن حالته مستقرة.
أومأ لها بتجاهل ثم اتجه لسيلين التي تنتظره وأردف وهو يحك أنفه بسبابته:
_ لسه في العمليات، وزي ما قولتلك حالته مستقرة. أنا من رأيي تروحي والصبح لما يخرج ويفوق هجيبك ليه.
نظرت له فرأت التصميم في عينه فأومأت موافقة، وبالفعل عادت إلى السيارة وهو خلفها، ثم قاد السائق حيث القصر. وصلت السيارة بعد نصف ساعة إلى القصر. رأى سلطان شيئًا جديدًا على عينه. وبرغم إعجابه وانبهاره بما يراه، إلا أنه ثابت لم يتحرك منه عرق واحد.
وصلت السيارة أمام باب الفيلا الداخلي. كانت الفيلا معبأة برجال الحراسة والأسلحة. نزل سلطان ونزلت سيلين تردف وهي تتطلع عليه:
_ متشكرة على اللي عملته. أنا لولاك كان زماني ميتة.
خلع نظارته ونظر لها بقوة وعيون حادة مردفاً بنبرة حانية:
_ مكنتش هسمح بكده أبدًا.
نظر للقصر واردف وهو يعيد ارتداء نظارته:
_ اتفضلي أنتِ. لو احتجتي أي مساعدة اطلبيني وهتلاقيني عندك فورًا.
أومأت وخطت للأمام، ثم ما لبثت أن عادت ثانياً تسأله باهتمام:
_ سلطان، هو أنت بيتك بعيد عن هنا؟
أومأ لها يردف وهو ينظر للقصر:
_ يعني مسافة ساعة. ليه بتسألي؟
أردفت بقلق وهي تنظر حولها:
_ بصراحة يا سلطان أنا قلقانة. تفتكر ممكن يفكروا يجوا هنا؟
نظر لها مطولاً. "لما تسلمه مسئوليتها؟ عليها أن تحذر منه أولاً قبل غيره."
أردف بجمود وهو يستعد للمغادرة:
_ ميقدروش يدخلوا هنا. المكان كله حراسة. وزي ما قولتلك، لو حسيتي بأي شيء غريب كلميني.
قالها وغادر. ووقفت تنظر لأثره بندم. تأنب نفسها في اليوم مئة مرة، ولكنها مثل الغريق الذي يتعلق بقشة. لا تعلم سببًا لوثوقها به، ولكن ربما هي بحاجة لأحدهم. ربما لم تجد غيره. حسنًا، فليكن طريق المجهول هو طريقها.
أما هو فقرر العودة إلى منزله سيرًا على الأقدام، وكأنه بذلك يعاقب نفسه التي سولت له خداع تلك الفتاة. يعلم أنها ربما مخطئة. ربما استحلت حقًا ليس لها. ربما أشياء كثيرة لا يعلمها، ولكنها أمنته هو دون غيره، وهذا ما يؤلمه.
في تلك الأثناء رن هاتفه معلنًا عن اتصال من لمياء خطيبته. أجاب بضيق مردفاً:
_ أيوه يا لمياء.
أجابت غاضبة:
_ إيه يا سلطان؟ مش قولت هتيجي تتكلم مع أبويا؟
تنهد بضيق مردفاً:
_ معلش يا لمياء. اتأخرت في الشغل. أنا بقيت الحارس الشخصي لسيلين.
فرغ فم لمياء مردفة بسعادة:
_ بجد يا سلطان؟ أيوه بقى هو ده الشغل. برافو عليك يا أبو السلاطين.
أردف بندم:
_ بس أنا مضايق يا لمياء. حاسس إني بخالف ضميري. أنا كنت عمال أفكر إني أكلم نبيل وألغي الاتفاق ده.
انصدمت مردفة بحدة:
_ نعم! إزاي يعني يا سلطان! طب ووعدك ليا وكلامك مع أبويا؟ ليه يا سلطان كدة؟ ده أنا ما صدقت إن خلاص لقيت حل.
تنهدت تسترسل:
_ اسمع يا سلطان. أنت هتكمل في اللي أنت بتعمله وتخلص بسرعة ونتجوز وبعدين تبعد عن كل ده. يا إما بقى كل واحد فينا يروح لحال سبيله. سلام.
صباحًا في الحارة.
خرجت منيرة إلى السوق حيث تبتاع لوازم المنزل. تقف على عربة الخضروات تنتقي حبات الطماطم فوجدت إحداهن تأتي من خلفها مردفة بدلال:
_ ازيك يا خالتي منيرة. عاملة إيه؟
نظرت منيرة إلى مصدر الصوت فوجدتها لمياء فاردفت وهي تلوّي فمها متعجبة:
_ لمياء! ده كنت قربت أنسى شكلك. ازيك يا لمياء.
نظرت لها لمياء تقلب عيناها مردفة بملل:
_ كويسة يا خالة. لازم تنسي شكلي، ماهو انتي مبقتيش تسألي ولا تيجي عندنا زيارات زي الأول. كنت أول ما اتخطبت لسلطان دايمًا بتيجي، لكن دلوقتي خلاص.
أردفت منيرة وهي تنتقي الخضروات مجددًا ولمياء بجانبها تفعل مثلها:
_ معلش يا بنتي. صحتي على قد السوق والبيت. يا دوب بنزل السوق بالعافية. الخشونة تعباني ومبقتش أقدر أطلع سلالم. بس أنا دايمًا بسأل سلطان عليكي. أنا بس بحب أطمن عليكي.
تنهدت لمياء واردفت تستعطفها:
_ والنبي يا خالة ما عارفة أقولك إيه؟ يعني زي ما أنتِ شايفة الوضع. نفسي بقى ألم أنا وسلطان في بيت واحد وأرتاح من زن أبويا. نفسي سلطان يلحق نفسه كده قبل ما المهلة اللي أبويا إدهاله تخلص.
ضيقت منيرة عيناها مردفة باستفهام:
_ مهلة! أبوكي ادى لسلطان مهلة؟ وإد إيه يا لمياء المهلة دي؟
أردفت لمياء بخبث:
_ شهرين يا خالة. شهرين وسلطان يحدد معاد الفرح.
ألجمت الصدمة لسان منيرة ونظرت ببلاهة إلى لمياء التي استرسلت:
_ كلميه يا خالة. كلميه يتجدعن شوية في الشغلانة الجديدة دي.
أردفت منيرة بتساؤل:
_ هيتجدعن إزاي بس يا بنتي ده لسه بقاله يا دوب أسبوع. شهرين إزاي بس يا لمياء وهو ابني هيلحق؟
أردفت لمياء بخبث:
_ يتصرف يا خالة زي ما هو قال. أنا حاولت معاه يكلم أهله في الصعيد وياخد ورثه، بس هو رفض.
نظرت لها منيرة بحدة واردفت بتأكيد:
_ بلاش تفتحي السيرة دي تاني مع سلطان يا لمياء لو باقية عليه. أنا هتكلم مع ابني وأشوف ناوي على إيه. وهعمل كام جمعية ونتصرف. وقولي لابوكي يطمن. بس حكاية ورثه والصعيد متفتحيهاش تاني. يلا سلام عشان أصحّي سلطان لشغله.
غادرت منيرة بعدما ابتاعت الخضروات، بينما ابتسمت لمياء بخبث، فهي تعلم أن منيرة تستطيع التأثير على ابنها.
عادت منيرة إلى منزلها فوجدت سلطان يجلس شارداً يدخن، وهو غير معتاد على التدخين، ولكن يبدو أن حاله تحور مؤخرًا. تعجبت منيرة مردفة بتساؤل:
_ سلطان! أنت بتدخن! ليه يا ابني كده وكمان من غير أكل ولا شرب.
نظر لأمه ثم أطفأ تلك السيجارة حتى لا تتأذى والدته من رائحتها مردفاً بضيق:
_ معلش ياما. مخنوق شوية.
اتجهت تجلس جواره بعدما وضعت ما تحمله مردفة وهي تلتقط كف يده بين كفيها بحنان:
_ أنا عارفة إيه اللي خانقك كده.
نظر لها يضيق عيناه باستفهام فاسترسلت:
_ أنت مخنوق عشان اديت لحماك كلمة وإن خلال شهرين تحدد معاد الفرح. مش كده؟
تعجب مردفاً بتساؤل:
_ وإنتي عرفتي منين ياما؟
أردفت مبتسمة:
_ مش مهم عرفت منين يا سلطان. المهم إنك مش هتصغر قدام حماك. أنا هحاول من ناحية وأنت من ناحية وخلال الشهرين هنلاقي حل. وكلمتك اللي اديتهاله مش هتنزل والفرح هيتم في معاده إن شاء الله.
نظر لأمه بخزي ثم دنا يقبل يدها مردفاً بحب:
_ متقلقيش ياما. أنا هتصرف. أنا قدمت على سلفة من مرتبى الجديد وإن شاء الله تقضي. متشليش هم.
ثم أكمل وهو يقف:
_ يلا أنا هروح ألبس عشان ألحق.
اتجه إلى غرفته يستعد للذهاب إلى قصر الحلواني، وقد عزم أمره على قضاء مهمته بأسرع وقت ثم الابتعاد نهائيًا. أما عن ضميره فسيحاول إسكاته.
عند سيلين التي تململت من نومها تستيقظ. فتحت عيناها بثقل، فهي لم تنم ليلة أمس بسهولة بسبب خوفها. وبرغم اعتيادها على الخوف يوميًا، إلا أن جرعة الخوف كانت زائدة عليها ليلة أمس، فلم تنم إلا عندما رأت ضوء النهار يسطع من نافذة غرفتها.
وقفت بتكاسل واتجهت إلى المرحاض. أدّت روتينها وصلت فرضها، ثم أخرجت من خزانتها بدلة نسائية منمقة. ارتدتها وأسدلت شعرها الأسود اللامع على ظهرها. نظرت لهيئتها التي لم تزينها مستحضرات التجميل، هي لم تحتاج إليها. فوجهها يحمل من البراءة والراحة ما يميزها عن غيرها. وضعت القليل من أحمر الشفاه والقليل من العطر طيب الرائحة. ألقت نظرة أخيرة حزينة عليها، ثم قررت النزول.
بعد ربع ساعة انتهت من وجبة الفطور وخرجت من باب القصر. أول ما رأته عيناها هو... كان يقف مولّيها ظهره ينتظرها. يرتدي بدلة صُممت لجسده الرجولي جعلته هالة من الهيبة والوسامة. يضع خلف أذنه سماعة مخصصة لمهنته متصلة بجهاز لاسلكي متصل بينه وبين باقي الحرس.
كان ينظر إلى الحديقة بشرود ولم ينتبه لها، بينما هي وقفت تتطلع عليه بتعجب من نبضات قلبها التي تتسارع عند رؤيته. كانت ترتدي نظارة سوداء، فأردفت وهي تقف خلفه:
_ سلطان!
لف نظره إليها. ندم على فعلته تلك. فعندما ينظر لعيناها لا يرى سوى الثقة والبراءة. تمتلك نظرة طفولية، عندما يراها يظن أنه والدها. تمتلك ملامح يخبره ضميره أنها بريئة كليًا من ادعاءات عمها. ولكن الجزء السيء بداخله يجبره أن يكمل. الجزء الطامع يرغمه على البدء الآن.
نظر لها وقد زين ثغره ابتسامة رائعة مردفاً بصوت رخيم:
_ صباح الخير يا سيلين هانم. أنتِ تمام؟
ابتسمت هي الأخرى له وقد زادت سرعات نبضاتها مردفة بنعومة:
_ تمام.
أومأ لها يشير بيده كي تتحرك مردفاً:
_ اتفضلي.
تنهدت بعمق كي تهدأ قلبها المسكين، ثم خطت أمامه وركبت سيارتها، كذلك فعل هو وانطلقا.
في قسم الشرطة تم استدعاء رضوان المالكي للتحقيق معه فيما هو منسوب إليه.
أردف المحقق وهو يطالعه بنظرات مبهمة:
_ يعني أنت متعرفش حاجة عن الهجوم اللي حصل ده يا رضوان بيه؟ ده فيه شخص تقريبًا مات.
أردف رضوان وهو يجلس بثبات:
_ يا حضرة الضابط، عيلة الحلواني أعدائها كتير أوي، وبالذات سيلين الحلواني. دي معادية الكل حتى أهلها. إشمعنى أنا اللي تتهمني مش فاهم!
تناول المحقق هاتفه وشغّل التسجيل الصوتي الذي يحتوي على المكالمة التي بين رضوان وبين سيلين. فتوتر رضوان، ولكن المكالمة لا تحتوي على تهديد صريح منه، فاطمأن قليلًا.
أردف المحقق بعد الاستماع:
_ أقوالك إيه يا رضوان بيه في المكالمة دي؟ تقصد إيه بكلمة "إنها تفكر كويس ومتتسرعش"؟
ضحك رضوان مردفاً بخبث:
_ أقصد إنها تفكر كويس يا باشا ومتتسرعش فعلًا. هو ده كمان بقى تهديد؟ أقدر أروح يا باشا؟ ورايا شركة بتنهار ومحتاج ألحقها، مش فاضي أنا لحكايات سيلين الحلواني دي.
نظر له المحقق بشك ثم أردف بقلة حيلة حيث لا يوجد دليل ضده:
_ تقدر تمشي.
مرت الأيام سريعًا.
تغيرت معاملة سلطان مع سيلين، وهذا ما أراده هو ونبيل ولمياء. بدأت سيلين تعتاد على وجوده أكثر، تكثفت ثقتها به عن ذي قبل. حتى أنه بدأ يستغل زحام المرور أثناء طريقهم ويتكلم معها في شئون عامة عنه كوالدته وأصله الصعيدي والوظائف التي عمل بها، ولكن بالطبع لم يخبرها عن أمر خطيبته لمياء. كذلك كان يفعل رأفت السائق، ولكن يبدو أن الحديث الذي يثبت في رأس سيلين هو حديث سلطان فقط. أما هي فلم تخبره عنها شيئًا. ربما اعتادت أن لا تظهر ضعفها لأحدهم. ربما تريد رباطًا أكثر صلابة بينهما لكي تخبره بكل ما تحمله داخلها كالصخر. ربما قريبًا تتخذ خطوة تتمنى أن لا تندم عليها مستقبلًا. ولكنها تحتاجه بجانبها.
ها هي تصل إلى الشركة. ترجّل سلطان كعادته ونزلت هي أمامه، ولكن توقفت عندما نداها آدم ابن عمها مردفاً وهو يأتي من بعيد:
_ سيلين.
التفتت تنظر له، ثم كادت أن تغادر، فتقدم مسرعًا يعترض طريقها مردفاً بندم كاذب:
_ سيلين اسمعيني. أنا آسف على تصرفي اللي حصل في مكتبك. صدقيني أنا مش عارف عملت كده إزاي.
كانت تنظر له من خلف نظارتها بثبات، عكس اهتزازها الداخلي منه. أما هذا الذي يقف كالجدار في ظهرها، ينظر له بغضب وقوة. وقرر ترك الرد لها والتدخل إن لزم الأمر.
أردفت سيلين بثبات:
_ خلصت! تقدر تتفضل.
اغتاظ منها وأردف محاولًا الهدوء واستعطافها:
_ سيلين لو سمحتي. أوعدك إن اللي حصل مش هيتكرر أبدًا. بس سيبيني أطلع شغلي. أنا فعلًا ندمان على تصرفي معاكي.
نظرت له ثم قررت تجاهله ومرت من جانبه لتصعد، بينما هو غضب من فعلتها ومد يده يوقفها من ذراعها مردفاً بعنف:
_ أنا بكلمك على فكرة.
غلى الدم في عروق هذا الذي يقف يتابع بصمت، فقرر نزع يده من عليها مردفاً بخشونة وهو ينظر لعيناه:
_ من غير لمس.
نظر له آدم بصدمة ثم ضحك ساخرًا يردف بغضب وغرور:
_ مبقاش اللي انت تعلمني أعمل إيه ومعملش إيه؟
انزعج سلطان من تقليل شأنه واردف بصلابة وهو ينظر لعينه بقوة:
_ أيوه. مبقاش إلا أنا. والأحسن لك متقربلهاش خالص إلا لو هي عايزة.
نظر سلطان إلى سيلين التي تتابع بعيون خائفة يردف بلغة آمرة:
_ اطلعى على مكتبك يا سيلين هانم.
كادت أن تومئ، ولكن آدم فاجأ سلطان بلكمة قوية بجانب فمه، فصرخت سيلين، بينما اهتز سلطان قليلًا من مكانه. وبرغم تألمه، إلا أن ملامحه على ظلت حالها.
مسح نقطة الدماء التي تكونت بجانب فمه، ثم حاول تمالك نفسه وهو ينظر إلى آدم الذي يطالعه بغضب وغل واردف مجددًا:
_ سيلين هانم لو سمحت اطلعى.
أردف آدم بغضب:
_ سيلين مش هتطلع غير لما ترجعني شغلي.
أردفت سيلين بتوتر محاولة تهدئة ابن عمها حتى لا يفعل أمرًا مزعجًا:
_ آدم امشي دلوقتي وأوعدك هنتكلم، بس امشي.
نظر لها يتأكد، فأومأت له، فارادف بقبول:
_ ماشي يا سيلين. همشي وراجع تاني.
قالها وهو يغادر ويتطلع على سلطان الذي بدوره ينظر له نظرات نارية، ولكنه التزم الهدوء فقط أمامها. نظرت سيلين إلى فم سلطان المكدوم فأردفت وهي تقف أمامه:
_ سلطان... تعالى معايا ع المكتب.
نظر لها بصمت ثم صار خلفها صاعدًا إلى مكتبها كما قالت، تاركين خلفهم همهمات بعض الموظفين الذي يتصيدون أفعال مديرتهم الحديثة، ومن بينهما كانتا شمس وبدور بنات عمومها تنظران لبعضهما بخبث وتلمز.
صعدت سيلين ومرت على وداد مردفة:
_ صباح الخير يا وداد.
ردت وداد التحية، ولكنها تعجبت من مجيء سلطان إلى هنا، فتساءلت:
_ خير يا سيلين هانم، فيه حاجة؟
نظرت سيلين إلى سلطان واردفت إلى وداد:
_ ناوليني علبة الإسعافات الأولية يا وداد لو سمحتي.
تعجبت وداد، بينما أسرعت تفتح أحد الأدراج وقامت بإخراج صندوق الإسعافات وناولته لسيلين، التي بدورها وضعته على الطاولة وقامت بفتحه محاولة إيجاد المطهر والمناديل القطنية، بينما ضحك سلطان عليها مردفاً بتعجب:
_ سيلين هانم بتعملي إيه بس؟ هو أنا مضروب بالنار ولا إيه؟ مش مستاهلة كل ده!
نظرت له بغيظ مردفة بتساؤل:
_ ليه سكتله؟
نظر لها بعمق مردفاً بصدق:
_ أكيد مش ضعف. بس احترمت وجودك. وأكيد مش هتحبي إن الحارس بتاعك وابن عمك يتعاركوا قدام الموظفين.
صمت قليلاً ثم أردف بتوعد:
_ بس أنا مش بسيب حقي.
نظرت له بإعجاب وتساؤل في هذه الشخصية الغامضة، وقد وضعت الكحول على قطعة قطنية ومدت يدها تطهر تلك الكدمة ببطء، بينما التقطت العيون ببعضها، ولأول مرة ترى تلك النظرة في عينه. أحس سلطان كأنه يغوص في قاع المحيط. يحبس أنفاسه بصعوبة في حضورها وقربها هكذا منه.
يحدث حاله وهو يطالعها: (أبعد عينك عنها يا سلطان، وإلا وقعت أسيرًا لها. هيا يا سلطان قف وابتعد، وإلا لن تبتعد ثانيًا عن هذه التي حرامٌ عليك حبها. غادر سلطان، وإلا أصبح عناقها قيدًا لك. أوقف ما تفعله هذه ولا تستسلم لبرائتها. هيا قف على حالك. لمَ قدماك أصبحتا كالجبال مثبتة أرضًا! لمَ عيناك لم تتزحزح عن عينيها! لمَ تشعر وكأنه تم تخدير جسدك كاملًا لأفعالها).
أما هي فانتهت وابتعدت تنظر له. لا تدري لما فعلت هذا وهي لم تفعلها مع غيره. لما تهتم لأمره هكذا وتصبح أمامه على النصف الضعيف من شخصيتها! نظرت للقطنة في يدها ونظرت لعينه ولم تعِ على حالها إلا ووداد تردف بشك:
_ سيلين هانم؟
انتبهت على حالها، كذلك هو الذي قد تحرر أخيرًا ووقف يردف وهو يحك أنفه بسبابته ويستعد للمغادرة:
_ احم... عن إذنكم.
غادر هو وتطلعت هي على أثره تتنهد بعمق، بينما أردفت وداد بمكر:
_ هو فيه إيه بالظبط يا سيلين هانم؟
نظرت لها سيلين ثم ابتسمت مردفة:
_ هقولك يا وداد. أنا أصلًا محتاجة إني أتكلم قوي. بس مش هنا. خليها بليل. ينفع أجيلك؟
أومأت وداد بقبول وسعادة مردفة:
_ ينفع جدًا. هستناكي.
أومأت لها ثم دلفت مكتبها بعد ذلك لتتابع عملها برأس مشوشة.
بعدما اندمجت وبدأت تركز في العمل، فوجئت بوداد تقتحم مكتبها مردفة بصدمة:
_ سيلين هانم... فيه مشكلة كبيرة.
رواية على القلب سلطان الفصل السابع 7 - بقلم آية العربي
كانت سيلين تتابع عملها كعادتها، وفجأة طرقت وداد الباب واردفت بلهفة صادمة:
_ سيلين هانم، في مشكلة كبيرة.
توترت ملامح سيلين وتساءلت بقلق:
_ خير، في إيه يا وداد؟
أردفت وداد بملامح منكمشة:
_ المصنع اللي في شرم الشيخ حصل فيه حالة وفاة نتيجة إصابة عمل، والعمال كلهم عاملين إضراب ومصممين إنهم مش هيشتغلوا غير لما المدير العام يقابلهم ويتكلم معاهم.
تساءلت بحزن:
_ حالة وفاة نتيجة إصابة عمل، إزاي؟ طيب شوفي المطلوب إيه مني وأنا أعمله؟ ده المصنع اللي عمي مسؤول عنه والميزانية بتاعته هو المسؤول عنها يا وداد، يبقى ليه طالبين يقابلوا المدير العام؟
أردفت وداد وهي تهز كتفيها:
_ معرفش يا سيلين هانم، بس أكيد فيه عندهم مشكلة. يا ريت لو تقدري تسافري وتشوفيها بأسرع وقت.
شردت للحظة ثم أردفت بتأكيد:
_ أكيد عمي عمل عملة سودة.
ثم نظرت إلى وداد وتابعت:
_ احجزيلي تذكرتين حالاً على شرم يا ود.
ثم التقطت سماعة الهاتف وحادثت سلطان مردفة على عجل:
_ سلطان! اطلعلي لو سمحت.
أغلقت ونظرت للأمام بشرود تفكر فيما قد يكون أحدثه عمها من مشكلات. نظرت إلى وداد مردفة بلغة آمرة:
_ وداد، عمي ما يعرفش إني مسافرة، تمام؟
أومأت وداد مردفة بطاعة:
_ حاضر، عن إذنك هروح أحجز التذاكر.
غادرت وداد، وبعد دقيقة طرق الباب فسمحت للطارق. دلف سلطان ينظر لها بترقب. رفعت نظرها إليه وأردفت:
_ سلطان، إحنا هنسافر شرم حالاً.
تعجب، يميل برأسه قليلاً متسائلاً:
_ خير يا سيلين هانم؟
نظرت له ثم أردفت بتبرير:
_ حصل حالة وفاة في المصنع هناك والعمال عاملين إضراب وعايزيني.
أومأ لها بتفهم مردفاً بثبات:
_ تمام.
رن هاتف مكتبها الداخلي فأجابت:
_ أيوه يا وداد! تمام أوي.
أغلقت الخط ونظرت لسلطان مردفة وهي تلملم أشياءها:
_ قدامنا ساعتين، يا دوب أروح القصر أبدل هدومي.
غادرت معه سريعاً متجهين إلى القصر. وصلت السيارة ونزلت سيلين مردفة وهي تنظر إلى سلطان بعجلة:
_ سلطان، لو حابب تروح تغير بدلتك روح وتعالى.
هز رأسه مردفاً بثبات:
_ كده تمام يا سيلين هانم، متقلقيش.
أومأت له ودلفت إلى القصر ومنه إلى جناحها، حيث بدلت ثيابها سريعاً بأخرى مناسبة لهذه الرحلة. وقد وضعت لوازمها الشخصية في حقيبة يدها وغادرت بعد دقائق إلى الأسفل، حيث قابلت علية التي تساءلت بتعجب:
_ خير يا سيلين يا بنتي، حصل حاجة؟
وضعت سيلين كفيها على كتف علية واردفت مطمئنة:
_ متقلقيش يا دادا، كله تمام. بس لازم أسافر شرم حالاً، ومتقلقيش الحارس معايا، وهكلمك أطمنك، يلا سلام.
ابتعدت، بينما لحقتها علية مردفة بحنو:
_ تمام يا حبيبتي، تروحي وترجعي بالسلامة. طمنيني يا سيلين.
في تلك الأثناء، كان سلطان يهاتف والدته يبلغها بسفره المفاجئ كي تطمئن، وأخبر لمياء التي سعدت بسبب قربه من سيلين واقتراب تنفيذ ما هو مطلوب منه. خرجت سيلين حيث ينتظرها سلطان، وأردفت وهي تشير لعلية مودعة إياها، بينما ركبت السيارة وركب سلطان يردف بتساؤل:
_ نمشي؟
أومأت له واردفت محدثة رأفت:
_ رأفت، أنت هتوصلنا ع المطار وترجع.
أومأ لها السائق، وبالفعل غادروا حيث المطار.
في الشركة، كان نبيل متوتراً يريد معرفة أين ذهبت سيلين هكذا فجأة. لقد رآها وهي تغادر وخلفها سلطان. حاول الاتصال على سلطان وإرسال رسائل نصية له، ولكنه لم يرد عليه. تسحب بمكر متجهاً إلى مكتب وداد، ثم تحمحم مردفاً بخبث:
_ احم، هي سيلين لسة مجتش ولا إيه؟
نظرت له وداد مردفة بتحفظ وابتسامة رسمية:
_ لسة يا نبيل بيه، حضرتك محتاج منها حاجة؟
أردف ماكراً:
_ يعني كنت هتناقش معاها في موضوع خاص. طيب مقالتش هترجع إمتى؟
أردفت وداد بمراوغة:
_ للأسف مقالتش، ممكن حضرتك تكلمها وتسألها.
نظر لها بغضب ثم اندفع عائداً إلى مكتبه عندما علم أن الأمر لم يجدِ نفعاً.
وصلت السيارة إلى المطار ونزل منها سلطان وتبعته سيلين تمشي وهو جانبها متوجهين إلى الداخل سريعاً قبل إقلاع الطائرة. بعد دقائق من انتهاء الإجراءات، صعدت سيلين مع سلطان على متن الطائرة المتجهة إلى شرم الشيخ، مدينة السلام.
كانت سيلين تجلس في المقعد المجاور لسلطان. نظرت له واردفت بتوتر ممزوج بمرح:
_ تعرف إني بخاف من إقلاع الطيارة أوي، بلاش تتريق عليا، أوكي؟
ابتسم ينظر من النافذة مردفاً بثبات:
_ برغم إنها أول مرة ليا أركب طيارة، بس اطمني، مش هتريق.
نظرت له متسائلة بتعجب:
_ بجد يا سلطان! أول مرة تسافر؟
أومأ مردفاً وهو يتطلع من النافذة:
_ أيوه حقيقي، كان نفسي جداً، وأهو حققت واحد من أحلامي.
أردفت بترقب:
_ وإيه هي باقي أحلامك يا سلطان؟
لف نظره إليها يتمعن في ملامحها، ثم ضيق عيناه واردف غير واعٍ على حاله:
_ أنتِ.
ضربات عنيفة تضرب صدرها من هذا الجزء الملعون الذي يدعى القلب، وهي تتطلع له بتعجب وصدمة، حتى لسانها انعقد ولم تستطع التحدث بعدها. أخرجهما من هذا الموقف إقلاع الطائرة، فتشبثت سيلين في المقعد بقوة ورفعت رأسها إلى الأعلى تغمض عينيها بقوة، بينما هو ينظر إلى ملامحها وأفكاره تتزاحم، معنفة إياه من تصريحه المفاجئ لنفسه قبلها. كيف نطق شيئاً كهذا! بأي حق قالها! وهل تعلى العين عن الحاجب؟! أنسى من هو وماذا يفعل! أنسى أمر خطبته من هذه الفتاة التي تحبه! أنسى أمر تلك الخطة التي دائماً تأرقه في نومه!
حلقت الطائرة في الهواء، وارتخت أعصاب سيلين وجلست تنظر من النافذة، حيث لم يعد للكلام أهمية بعد كلمته تلك. تفكر وتفكر، ما معنى تلك "أنتِ" التي قالها؟ ما قصده! هل فهمت خطأ؟ هل كان سيكمل لولا إقلاع الطائرة! تفكر وتفكر إلى أن غلبها النوم، فأمالت برأسها على النافذة وأغلقت جفونها، غافية عن هذا الذي يتطلع إليها وقد سرت في عروقه مشاعر غريبة، تدفقت سريعاً كتدفق الدماء في الأوردة. لما هي بهذه البراءة؟ لما ينجرف إليها؟ لما كل السبل تصل إلى قلبها!
وصلت الطائرة في مطار شرم الشيخ، وبدأ الركاب في خلوها، بينما سلطان ينظر لتلك التي ما زالت غافية، حتى إنه يخشى إيقاظها. أمال قليلاً مردفاً بنبرة حنونة هادئة:
_ سيلين هانم!
تململت تفتح عينيها ببطء. أول ما رأته هو المطار من النافذة، فعلمت أنهما وصلا إلى وجهتهما. اعتدلت واردفت بخجل وهي تلتفت ناظرة لكل شيء حولها إلا عينه:
_ احم، أنا آسفة، نمت من غير ما أحس.
أردف بحنو حتى يزيل الحرج من على عاتقها:
_ ولا يهمك، أنا كمان نمت.
فكت حزامها ووقفت تستعد للنزول، وهو أمامها يأمن الطريق إلى أن نزلا من الطائرة وولجوا إلى المطار. انتهت الإجراءات وخرج سلطان وهي خلفه. أردف سلطان متسائلاً:
_ فيه عربية مستنياكي؟
أومأت له مردفة:
_ أيوه، أنا قولت لوداد تكلم نيفين المشرفة على العمال هنا وهي بعتتلنا عربية.
نظر سلطان ووجد أحدهم يشير لهما، فعلم أنه السائق عندما أردف مرحباً:
_ حمد الله ع السلامة يا سيلين هانم، شرم نورت.
ابتسمت سيلين وهي تستعد للركوب، وسلطان يأمنها حتى ركبت وغادروا على الفور إلى المصنع.
بعد قليل، توقفت السيارة أمام المصنع، وقد كان هناك مخيم وتجمع من العمال أمام بابه يجلسون ممتنعون عن العمل. عندما رأوا سيلين في السيارة، توقفوا جميعاً وحالة من الشغب استحوذت على الموقف، وقد بدأوا في التزاحم عند السيارة، بينما أردف سلطان بمهارة وثبات:
_ سيلين هانم، متنزليش من العربية غير لما أقولك.
نزل سلطان من السيارة بهيئته الرجولية البحتة، ووقف ينظر للعمال من خلف نظارته، يقرأ نظراتهم ويحفظ أعدادهم الهائلة، ثم أردف بصوت عالٍ:
_ يا شباب، نهدى ونقف وكل طلباتكوا سيلين هانم هتشوفها، هي جاية مخصوص عشان كده، يعني نراعي ده ونراعي إنها سيدة، تمام يا رجالة؟
أردف كبيرهم والذي يقف على رأسهم:
_ متقلقش يا باشا، سيلين هانم بنتنا واستاذ سمير الله يرحمه على راسنا، بس إحنا لينا حق عندها عشان كده طلبناها.
نظر له سلطان قليلاً ثم تحرك باتجاه الباب وفتحه مردفاً بهدوء:
_ انزلي يا سيلين هانم.
نزلت سيلين بحذر تتطلع عليهم بترقب. وقفت بجانب سلطان الذي يتابع بعيون ردارية. أردفت بصوت ناعم عالٍ نسبياً:
_ مساء الخير على أهلي، أولاً البقاء لله طبعاً في حالة الوفاة اللي حصلت هنا، وتأكدوا إن لو فيه علينا خطأ ولو بنسبة ١٪ فأنا مش هقصر في حق حد، وأنا جايه حالا من القاهرة عشان أشوف طلباتكم وأعرف ليه عاملين إضراب عن العمل.
تقدم كبيرهم قليلاً منها، بينما مد سلطان ذراعه أمامها دليل على توقفه، فتوقف الرجل مردفاً بتعقل:
_ يا سيلين هانم، إحنا كل اللي طالبينه إن حضرتك تشوفي بعينك الحالة اللي عليها المصنع. نبيل بيه حياتنا ما تهمهوش، السنة اللي فاتت جه هنا وقلنا له إن المكن محتاج تغيير وفيه ماكينات تانية محتاجة صيانة، بس هو قال إن الميزانية حالياً ما تسمحش بكده ومشي وسابنا، حتى لما طلبنا نزود مرتباتنا رفض. الوقتي الراجل اللي اتوفى ده بسبب سوء حالة المكن، ذنبه إيه؟ عياله ذنبهم إيه؟ ليه يتيموا ويتحرموا من سندهم! ولا عشان إحنا غلابة يا هانم وصوتنا مش مسموع يتعمل فينا كده؟
كانت سيلين تستمع لهم بصدمة. كيف يحدث هذا؟ كيف لعمها أن يكون بهذه الخسة والندالة. خلعت نظارتها وأردفت بتعجب ونبرة حزينة متسائلة:
_ إزاي كل ده بيحصل هنا؟ الميزانية الخاصة بالمكن والصيانة بتتحط كل سنة والماكينات أصلاً بابا الله يرحمه قبل ما يتوفى ماضي على ورقة تغييرها، وإزاي عمي يقول كده؟ أنا مش مصدقة.
أردف أحدهم بغضب من خلف ذلك الرجل:
_ يعني إيه يا هانم مش مصدقة؟ وإحنا هنكذب ليه؟ قدامك المصنع أهو تقدرى تشوفي بنفسك.
نظرت له مردفة بقوة:
_ أنا جايه عشان أشوف بنفسي.
نظرت إلى الرجل الآخر واردفت متنهدة بحزن:
_ اتفضلوا معايا وروني المصنع.
تجمع العمال وتداخلوا في بعضهم، بينما يقف سلطان أمام جسد سيلين يمنع أي احتكاك أحدهم بها دون قصد، بينما عقله يلعن ذلك العم الذي يبدو أن لحكايته سبيلاً آخر. خطى سلطان مردفاً بلغة آمرة:
_ سيلين هانم، خليكي ورايا.
تقدم هو حتى دلف من باب المصنع وهي تمشي خلفه ويسبقهم العمال. دلفت المصنع ونظرت حولها بتتمعن وسلطان يقف بجانبها يتابع أيضاً ما يحدث. أخذها العمال إلى الآلات والمعدات التي تآكلت من الصدأ ولم تعد صالحة للعمل، بينما هناك أخرى بحالة تالفة تماماً. كانت تتابع بحزن وضيق استحوذ على صدرها، فشعرت بالاختناق وهي تهز رأسها بذهول مردفة:
_ مش ممكن... مش ممكن... إزاي مصنع الحلواني يبقى كده؟ إزاي عمي يعمل حاجة زي كده؟
أردف الرجل الكبير بتعقل:
_ أنا كنت متأكد إن انتي معندكيش علم. سمير بيه الله يرحمه كان برضه بيثقك في أخوه، بس نبيل بيه كان دايماً مش قد الثقة دي.
نظرت إلى سلطان خلفها بذهول، كأنها تخبره (أرأيت يا سلطان! أترى ماذا فعل عمي!) بينما الآخر يقف متألماً ومتعجباً في آن واحد. عندما اقتربت من تلك الآلة المتسببة في موت العامل، أردف الرجل بحزن:
_ دي عصارة الفواكه يا سيلين هانم، شوفي وضعها بنفسك.
نظرت لها بذهول ولم تحتمل، فوضعت وجهها بين كفيها تهز رأسها بعنف وقد انتابتها حالة من الرعب. انفطر قلب سلطان على حالتها، ولولا تحفظها لكان أسندها بذراعيه، ولكنه أردف بقلق:
_ حد يجيب كرسي.
أزاحت يدها من على وجهها، وإذا بدموعها تغرق ملامحها مردفة بصوت مختنق:
_ لأ يا سلطان مش عايزة أعد. ذنبه إيه الراجل المسكين اللي اتوفى ده؟ كده ذنبه هيفضل متعلق في رقبتي أنا يا سلطان. ليه عمي يعمل كده وإزاي!
ثم أردفت بصوت عالٍ مهزوز كي يسمعه كل العمال الذين رأفوا على حالتها:
_ من الصبح الماكينات دي كلها هتتغير، والعامل اللي اتوفى أنا هروح بيته وأي تعويض هيطلبوه أنا هدفع.
ثم أردفت بقهر وقلب ممزق بصوت منخفض لم يسمعه سوى سلطان:
_ مع إن مفيش أي حاجة في الدنيا تعوضه، مستحيل.
أردف أحدهم بهدوء وترقب:
_ تمام يا سيلين هانم، بس يا ريت حضرتك تكوني موجودة لحد ما الآلات فعلاً تتغير وتشوفي ده بنفسك.
نظرت لسلطان كأنها تستأذنه، فأومأ لها برضا وحنو، فأردفت بقبول:
_ تمام، أنا هفضل معاكم لحد ما كل حاجة تتصلح، من بكرة الصبح إن شاء الله هنبدأ، وكل طلباتكم أنا هنفذها لكم.
فرح العمال كثيراً وأردفوا بشغب:
_ تسلمي يا سيلين هانم، بنت سمير بيه بصحيح.
نظرت لهم نظرة أخيرة وغادرت وسلطان خلفها بثبات حتى وصلت للخارج أمام السيارة. أوقفها يمد لها منديلاً مردفاً بمشاكسة حتى يزيح الحزن من عينيها:
_ بردو مش معاكي مناديل!
نظرت له بعيون لامعة واردفت وهي تتناول منه المنديل:
_ بس معايا سلطان.
آسرته تلك الكلمة، فلوى فمه مبتسماً يردف بصدق ونبرة حنونة يطمئنها:
_ متقلقيش، كله هيبقى تمام.
نظرت له واردفت بتساؤل وأمل وترقب:
_ صحيح يا سلطان؟ يعني مقلقش؟
أومأ لها، وقد ضاعت ابتسامته عندما تذكر خطة عمها وأنه بطلها الرئيسي الذي اشتراه عمها لتنفيذها عليها. تغيرت ملامحه أمام عينيها فتعجبت متسائلة:
_ فيه حاجة؟
أردف بتشتت وهو يفتح لها باب السيارة:
_ اتفضلي اركبي.
ركبت بتعجب وركب هو في الأمام واردف بتساؤل:
_ تحبي نروح أوتيل معين؟
أردفت بهدوء:
_ أيوه، أوتيل ****.
أومأ السائق وبالفعل غادروا حيث وجهتهم. وصلوا بعد مدة قليلة وقد غابت الشمس. نزل سلطان أولاً وتبعته هي. وقفت تتطلع على الفندق وتتذكر والدها ووالدتها. لمعت عيناها مجدداً بالدموع، وأردفت بهدوء:
_ سلطان، أنا مش حابة أطلع دلوقتي. خد بطاقتي واحجز لنا الغرف وأنا هستناك هنا، حابة أتمشى ع البحر شوية.
أردف بثبات رجولي:
_ مينفعش تقفي هنا لوحدك طبعاً، تعالي معايا نحجز الغرف ونرجع تاني.
أومأت له بطاعة واتجهوا للداخل حيث الاستقبال الذي لاقت فيه ترحيباً بهويتها وتم حجز غرفتين لها ولسلطان، ثم عادت معه إلى الخارج حيث الشاطئ. اتجهت إلى الرمال والمياه الباردة. خلعت نعليها ووقفت على الرمال والمياه تلفح قدماها. رفعت رأسها إلى السماء ونظرت إلى ذلك القمر وتلك النجوم المتلألأة. تلألأت الدموع في عينيها كغيوم ليلية. كان هو يتابعها بعيون متفحصة نادمة. نادم جداً على دخوله في تلك اللعبة. هل يتراجع؟ مؤكد لن يكمل، ولكن هل يتراجع ويتركها! يتركها وحيدة! هي تحتاج لأحدهم. لقد وثقت في الشخص الخطأ. تنهدت بضيق مردفة وهي تتطلع على السماء تخرجه من أفكاره:
_ شايف القمر يا سلطان... أنا زيه... حواليه نجوم كتيييييير أوي... بس برضه هيفضل وحيد.
جلست على الرمال وأشارت له أن يجلس. أطاعها وجلس بجانبها. صمت تام، ولكن الأفكار تتزاحم زحام مرور عابث. هناك شيئاً يجبره على حمايتها وقلب موازين الخطة لصالحها حتى تخرج منها بأقل الخسائر. أخرجته من أفكاره دموعها التي نزلت كالشلال. نعزه قلبه وأردف متسائلاً:
_ سيلين هانم! ليه بتبكي دلوقتي؟
أردفت بضعف لاول مرة يستشعره:
_ أنا وحيدة يا سلطان... أنا يتيمة بجد... حالي زي حال أطفال الشوارع... كل فلوسي وامبراطورية الحلواني مش معوضني عن لحظة في حضن بابا ولا ماما... أنا جوايا كتلة مُرة أوووي يا سلطان... عمي وأهلي كلهم عايزين موتي عشان الفلوس... أنا كرهت الفلوس والممتلكات وكل حاجة ملكي بسببهم... يا ريتني أقدر أتنازلهم عن كل ده وأبعد... بس اسم بابا وسمعته وتعبُه منعني... لازم أبين صلبة وأنا من جوايا أضعف ما يكون.
تنهدت بضيق تسترسل بضعف وانكسار:
_ تعرف إني كنت مخطوبة لآدم ابن عمي.
تعجب من تصريحها بصمت فأكملت:
_ كان بيمثل عليا الحب... وأنا صدقته... بس بعدها وصلتني صورته وهو في الكباريه مع واحدة زيه. اتوجعت جداً بس بعدها عرفت إن ربنا نجاني منه ومن اللي ناوي عليه... صحيح بابا كان عارف إنهم بيكرهوني بس كان دايماً شايف إنهم ممكن يتغيروا... كان دايماً يقول أهلي وإخواتي.
نظرت له وأكملت بدموع:
_ آخرة ده إيه يا سلطان... هفضل كده؟ أنا مشتتة أوي من جوايا ومش عارفة إيه الصح وإيه الغلط.
تنهدت باختناق وأكملت:
_ المفروض إني أعمل إيه مع عمي؟ أعاقبه إزاي على الجريمة اللي عملها؟ بسببه واحد خسر حياته وبيته اتدمر. بسببه فيه أولاد اتحرموا من أبوهم وده أبشع إحساس ممكن الإنسان يحسه.
كان قد وصل لقمة غضبه من نفسه ومن عمها. كان يريد ضمها بقوة وتهدئتها بين ضلوعه. حقاً يريد أن يفعلها، ولكنها تظل نجمة عالية وهو يتابعها من الأرض. بينهما ملايين السنين الضوئية. أردف بحنان وتعاطف كي يهون عليها:
_ أنا متأكد إنك هتعوضيهم. محدش منا عارف الخير فين. ربنا ما أعطاش علمه لحد ولا حكمته معروفة. سيدنا الخضر لما سيدنا موسى ركب معاه السفينة وخرقها وبعدين قتل الغلام وعدل السور المائل لأهل القرية. كل ده حصل وسيدنا موسى عليه السلام متعجب إزاي سيدنا الخضر المعروف بأهل العلم والحكمة يعمل كده! يخرب سفينة لمساكين ويقتل نفس بدون أي ذنب ويصلح جدار مائل من غير ما ياخد أجر! كان دايماً سيدنا الخضر يقوله إنه هيفسره له كل حاجة في وقتها وإنه ميسألش وده كان شرطه من البداية، إلا إن سيدنا موسى كان متعجب من اللي بيحصل. بس بعد كده سيدنا الخضر فسر إن خرق السفينة ده كان مصلحة لأهلها بسبب إن الملك الظالم كان بياخد كل سفينة صالحة غصب عن أهلها. وإن قتل الغلام ده لأنه كان غير موحد بالله وكان فاسد وأهله كانوا بيحبوه جداً عشان كده قتله خوف من إن أهله يتبعوه ويبعدوا عن ربنا بسبب حبهم ليه، وقال إن ربنا هيعوضهم بالأحسن. والجدار المايل ده كان لاتنين أيتام فعدله لأن كان فيه تحته كنز ليهم فحب يحفظه ليهم من السرقة أو الضياع.
تنهد ينظر لها بعمق مسترسلاً بصدق وحنان:
_ يعني اللي ممكن تشوفيه شر ممكن جداً عن ربنا يكون خير ليكي؟ واللي ممكن تشوفيه خير وكويس ممكن جداً يكون هو ده الشر بعينه. فهماني؟
نظرت له بعيون لامعة وأومأت بهدوء. ثم تطلعت للأمام حيث البحر هادئ. شردت تفكر للبعيد نسبياً، حيث مستحيل العودة بالزمن إلى الوراء. كفكفت دموعها وأردفت بصدق وجرأة واعتراف مستغلة تلك اللحظة التي ربما لن تعوض:
_ سلطان، أقولك حاجة.
تنبهت حواسه جيداً، حتى إن قلبه ضربه بعنف كأنه يعلم الآتي. نظر لها بخوف منتظراً حديثها فأسترسلت:
_ من وقت شوفتك أول مرة وأنا حاسة إنك غريب، فيك حاجة مش موجودة عند غيرك. يمكن تكون ظاهرياً قاسي وصلب بس دايماً بحس إنك حنين جداً وقادر تحمي اللي بيلجأ لك. شايفاك شهم وجدع ومستخبي ورا قناع الغموض. يمكن الشئ الوحيد اللي انت مفتقده عشان تكمل الدايرة دي هو الجانب المادي. يمكن وقتها قوتك تكون مضاعفة. أكيد الفلوس مش بتخلق الشهامة ولا الجدعنة بس أكيد هي مصدر مهم أوي لوجودهم. سلطان، أنا فعلاً اتولدت جوايا ثقة ليك. معرفش مصدرها إيه بس أكيد مش من فراغ. ثقة من أول يوم شفتك فيه. حسيت إن انت اللي ربنا بعتك ليا عشان تمحي دموعي. وبعدها القدر جمعنا ببعض تاني. أكيد كل ده مش من فراغ يا سلطان. أكيد فيه حكمة.
كان يستمع لها بذهول. لقد شرحته تفصيلياً. حتى هو نفسه لا يعلم أنه يحتوي على كل هذا. لف وجهه بعيداً عنها وقد تاه بين ضميره وقلبه. وقفت هي تتطلع عليه وفي لحظة خاطفة وبدون أي مقدمات ولا تفكير في المستقبل ولا الحاضر أردفت:
_ سلطان.
نظر لها بصمت مترقباً فأسترسلت:
_ هو إحنا ممكن نتجوز!
رواية على القلب سلطان الفصل الثامن 8 - بقلم آية العربي
القت كلمتها امامه فتصنم جسده بالكامل ينظر لها بزهول. ظل على حالته لا يستوعب ما تفوهت به، كذلك هي التي وعَت على حالها.
وقف مسرعاً يبتعد قليلاً يواليِها ظهره وعقله كالأسواق المفتوحة لا يميز شيئاً.
أما هي فوقفت تردف معتذرة بخجل وندم:
_ سلطان... أنا آسفة. أنا مش عارفة أنا قولت كده إزاي، بس أنا مشتتة فعلاً. كنت بدور على حل واتكلمت من غير ما أفكر.
لف جسده وعاد إليها ينظر لها بقوة واردف بصدق:
_ أوعى تقولي كده. انتي قيمتك أكبر من كده بكتير. انتي أكبر من إنك تطلبي من حد طلب زي ده. أنا عارف كويس الضغط اللي عليكي، بس أنا من الشرق وانتِ من الغرب. الفرق بينا كبير أوي يا سيلين هانم. الفرق هدفع تمنه من كرامتي ومن راحتي. صدقيني أنا فعلاً حابب أساعدك، حابب أحميكي ومستعد أعمل علشانك أي حاجة حتى لو فيها روحي مش هتأخر، بس فيه حاجز كبير أوي بينا، حاجز مهما حاولت مش هقدر أتخطاه. فهماني!
نظرت له بحزن وخزى ثم أومأت تهرباً من الموقف بأكمله، ثم التقطت حذاءها وفرت هاربة من أمامه. وهو لم يتركها بل أسرع خلفها إلى أن وصلا الفندق.
دلفت إلى الاستقبال وطلبت كارت القفل الخاص بغرفتها، وكذلك فعل هو وصعدا سوياً في المصعد وكلٌ منهما في أفكاره، لم يتفوه أحداهما بحرف إلى أن وصل المصعد وخرجا الاثنان يبحثان عن الغرف التي كانت متجاورة.
دلفت سيلين غرفتها وأغلقت سريعاً وارتمت تبكي على الفراش بتعب وتأنيب وخزى من نفسها. كيف سمحت لنفسها أن تطلب طلباً كهذا! هل تعرض نفسها على أحدهم! ماذا يظنها الآن؟ هل وصل بها الأمر إلى هنا!
أما هو فدخل غرفته وجلس بتعب يفكر في تلك التي شغلت قلبه وعقله مؤخراً. صراع داخلي يلازمه بين ما كان سيفعله وبين الفتاة التي تسمى خطيبته، وبين تلك التي تثق به.
يعترف أنه لم ينجذب لغيرها مثلما فعل معها. حتى خطيبته هي التي أحبته واختارته وليس هو. يعترف أن قلبه دق بعنف لها ولدموعها. يعترف لنفسه أنه أخطأ ويبدو أن خطأه سيكون سر عذابه. يعترف أنها تمتلك أجمل عيون رآها وأبرأ ملامح.
تنهد بقوة مردفاً باختناق كأنه يحدث شخصاً آخر:
_ وريني بقى هتخرجي منها إزاي يا سلطان؟
في شقة نبيل مساءً. يجلس بضيق بسبب عدم معرفته مكان تواجد سيلين. لقد ذهبت من الشركة على عجلة ولم تعد ثانية، وهذا إن دل فإنه يدل على شيء سيء قادم في طريقه إليه. وهذا المعتوه سلطان لا يجيب على اتصالاتي ولا حتى رسائلي.
رن هاتفه معلناً عن اتصال من أحدهم. ترقب الاسم وأجاب بحذر:
_ الو!
أردف الطرف الآخر بلهفة:
_ نبيل بيه... سيلين هانم هنا في شرم. أنا شفتها واقفة مع العمال قدام باب المصنع. بصراحة مكنتش متأكد أوي لأني كنت شايفها من بعيد، بس فضلت وراها لحد ما لقيتها داخلة فندق هي والحارس اللي معاها.
نظر نبيل للأمام بحقد ووعيد مردفاً بفحيح:
_ انت متأكد؟
أردف الآخر بثقة وتأكيد:
_ متأكد يا نبيل بيه.
أغلق الخط ووقف يفكر بوعيد مردفاً:
_ ماشي يا بن الـ****.
رن جرس الباب فاتجه ليفتح فوجد ابنه أدم يقف مائلاً مستنداً على الباب يتطلع له بتيه. نظر له نبيل باشمئزاز مردفاً:
_ انت سكران!
ضحك أدم ساخراً يردف وهو يدلف للداخل:
_ لأ فايق.
دلف أدم وجلس بإهمال على المقعد واتجه نبيل يجلس بجواره بعدما أغلق الباب يردف بشرود:
_ عرفت إن سيلين راحت شرم الشيخ. أكيد وصلها خبر بالعامل اللي مات. وابن الـ**** اللي اسمه سلطان مبيردش عليا.
ضحك أدم مردفاً بعتب:
_ قلت لك متضمنش واحد زي ده مسمعتنيش. اشرب بقى. أهو لف عليها أهو وهيكوش على كل حاجة لوحده.
نظر له بصدمة مردفاً:
_ ده أنا أرمي جثته لكلاب السكك ولا حد يعرفله طريق. جره... ده حتة عيل ميسواش مالوش لا أصل ولا فصل. هو فاكر إنه هيفلت من إيدي.
نظر أدم لوالده واردف بخبث:
_ توء... غلطان. كده هتخسر. خطتك معاه هتتعرف وسيلين هتأمن نفسها كويس وهيبقى توقيعها مستحيل. الأحسن إنك تبلغه إن خلاص أنت صرفت نظر عن الخطة دي وتديله قرشين وتمشيه. وتشوف رد فعله إيه. لو حوّر وقتها أنا هدخل. متقلقش.
نظر نبيل لابنه مردفاً بتساؤل:
_ هتتصرف إزاي؟
أردف أدم بخمول ونعاس وهو يتمدد على الأريكة:
_ متقلقش. عندي خطة ب. بس قولي أهم حاجة محدش يعرف عن الخطة اللي بينك وبين سلطان حاجة. مش كده!
أومأ نبيل مردفاً:
_ مفيش غيرك. لأ أختك ولا ولاد عمك يعرفوا. وأصلاً هما في دنيا تانية. واضح إن مبقاش يهمهم.
أردف أدم وهو يكاد يغلق عينه:
_ تمام. حلو أوي. تصبح على خير يا نبيل بيه.
غفى سريعاً بينما يتطلع نبيل عليه بتعجب ويفكر فيما يمكن أن يحدث.
في صعيد مصر تحديداً في محافظة سوهاج. استيقظ الجد توفيق فجراً على حلم راوده عن حفيده سلطان ابن المرحوم إبراهيم. فُتحت عينه ينظر إلى سقف الغرفة بشرود في أمر هذا السلطان الذي دائماً يراوده في أحلامه. أيمكن أن يكون أخطأ في حقه! أيمكن أن يكون عزيز قلبه إبراهيم حزين الآن لأجله! ماذا عليه أن يفعل؟
قام من على الفراش ليؤدي فريضة الفجر متمتماً وهو يتجه للوضوء:
_ استغفر الله العظيم وأتوب إليه.
توضأ وخرج من غرفته ينادي ابنه محمود مردفاً بنبرة صارمة:
_ محمود... محموووود... يالا نلحق الفجر حاضر.
نزل محمود بسرعة يرتدي جلبابه بعد أن توضأ ثم دنا من يده يقبلها مردفاً باحترام:
_ صباح الخير يا بوي.
أومأ توفيق برأسه مردفاً بثبات:
_ صباح الخير يا ولدي. يالا نلحق الفجر.
أومأ محمود وهو يتجه مع والده مردفاً:
_ يالا يا بوي اتفضل.
خرج الاثنان متجهين إلى المسجد القريب وأدوا صلاة الفجر جماعة ثم عادوا سوياً. وأثناء عودتهما أردف توفيق بتساؤل:
_ متعرفش حاجة عن ولد أخوك يا محمود؟
أردف محمود برتابة:
_ أكيد يا بوي. أنا عيني مبتغفلش عنه برضه. ده ابن الغالي. بس لو تحنن جلبك عليه يا بوي وتبعت تجيبه وسطنا إهنا هو وأمه. يساعدني في شغلنا ويشيل عني شوية ويكون عون لإخواته البنات.
ولأول مرة لم يغضب توفيق بل تنهد مردفاً:
_ يا ولدي إني جلتله قبل سابق ييجي ويعيش وسطنا ووسط إخواته، بس هو مرضيش يسيب أمه. وإني مش قادر أشوفها جدامي. ده اللي كانت السبب في موت ابني يا ولدي وهي السبب في بعده عن مرته وعياله.
أردف محمود بترقب:
_ ده اللي أنت سمعته يا بوي. بس محدش عارف الحقيقة فين. فكر يا بوي. أنا عارف إن روايح بنت عمي غالية عندك جوي. وأبوي الحاج قبل ما يموت موصيك عليها زين. بس برضه إني عارف أخوه الله يرحمه. وخابر إنه مش ظالم. هو كان بيحب أم سلطان وكان بيرتاح عندها يا بوي. ويا عالم الحقيقة فين.
أردف توفيق بصلابة:
_ الحقيقة إنه اتجوزها من غير علمي. وروايح اتظلمت يا ولدي. وأنت عارف زين إن حق الراجل الشرعي إنه يتجوز واحدة واتنين وتلاتة وأربعة بس يعدل بيناتهم يا ولدي. وإن معدلش يبقى يبقى هي واحدة بس. وأصلاً ربنا سبحانه وتعالى قال (ولن تعدلوا) يبقى ليه يعمل أكده ويجهر قلب بنت عمك؟
تنهد محمود مردفاً بإقناع:
_ ما يمكن مكنش مرتاح يا بوي معاها. أنت خابر زين إن روايح حمية ودايماً صوتها عالي. وده طبع الراجل ما بيحبوش واصل. وخصوصاً إننا صعيدة يا بوي ومنحبش صوت الحرمة يبقى عالي علينا. فكر زين يا بوي. فكر وشوف هتعمل إيه عشان أخوي يبقى مرتاح في قبره.
أومأ توفيق بصمت ودلفا البيت بعد أن قضيا الطريق في الحديث.
استيقظت سيلين وقد ارتدت قناع الصلابة مجدداً. حيث من يراها يظنها شخصاً آخر تماماً.
أجرت اتصالاتها اللازمة لشراء ما يلزم المصنع ونقل المعدات القديمة فوراً. وها هي تستعد للذهاب إلى منزل العامل المتوفي لإرضاء أهله.
كانت قد ابتاعت ملابس منمقة من خلال الإنترنت وذلك عن طريق البيدج الخاص بمحل ملابس معروف في شرم الشيخ اعتادت على الشراء منه عند مجيئها إلى هنا.
ها هو الباب يطرق يبدو أن طلبيتها قد وصلت. فتحت الباب وتناولت الأغراض بيدها وقد تم دفع المبلغ عن طريق حسابها البنكي.
ارتدت ما ابتاعته والذي عبارة عن دريس أحمر وأسدلت شعرها الحريري الأسود ثم تطلعت لنفسها في المرآة. ها هي الصورة التي تريد أن تظهر بها. أخفت عيونها بتلك النظارة ذات الإطار الذهبي وحملت الكيس الورقي الآخر وخرجت من غرفتها.
اتجهت تطرق الباب المجاور ففتح سلطان الذي لم يبدل ثيابه بل خلع جاكيته وظل بالقميص الأبيض وقد فُتح أزراره الأولى ليعطي له شعوراً بالراحة قليلاً.
نظر لها بعيون ناعسة وشعر مشعث. يبدو أنه استيقظ للتو. كانت تتطلع لملامحه الوسيمة من خلال نظارتها براحة فهي تخفي عيونها المشتاقة عنه.
أردف بتساؤل:
_ سيلين هانم! هي الساعة كام دلوقتي؟
أردفت بجمود وهي تناوله الكيس الورقي:
_ البس دي. بسرعة. هستناك تحت.
كادت أن تغادر فأوقفها مردفاً بلغة آمرة:
_ استنى. مينفعش تنزلي لوحدك. ياريت تدخلي أوضتك لحد ما أخلص. ثواني وهخرج.
نظرت له ثم أردفت بحدة وتصميم:
_ أنا هنا اللي أقول إيه ينفع وإيه مينفعش. ياريت كلامي يتنفذ. أنا مستنياك تحت.
خرج من غرفته واردف مشاكسًا بنبرة مهددة:
_ خلاص يبقى هنزل كده.
توقفت تقلب عينيها بضجر قليلاً رافعة رأسها للأعلى ثم التفتت تنظر له فوجدت التحدي في عينه فقررت العودة لغرفتها وانتظاره.
أما هي فضحك ودلف غرفته وفتح ما أتت به فوجد قميص أوف وايت وبنطال جينز أزرق وملابس قطنية داخلية وعطر رجالي. أعجب بذوقها وباهتمامها به ودلف المرحاض مغتسلاً سريعاً ثم بدل ثيابه ومشط شعره ووضع من العطر الذي أحضرته وخرج متجهاً إلى غرفتها ورفع يده ليطرق ففتحت الباب يبدو أنها شعرت به.
نظرت له فوقف على حافة الباب يردف وهو يتطلع لها يسألها عن ما يرتديه:
_ إيه رأيك؟
كان مظهره جذاباً جداً. أرضى عينيها المحبة ولكنها أردفت بجمود:
_ يالا اتأخرنا.
مرت من جانبه وهو خلفها يجز على أسنانه بغيظ منها ومن أسلوبها الذي هو يعلم أسبابه جيداً. وللحقيقة يفضل طريقتها هذه حتى يريح ضميره قليلاً.
نزلا للأسفل وخرجا فوجدا السيارة تنتظرهما أمام الفندق. فتح الباب لها فركبت ونظر لها وجدها تنظر للأمام بصلابة. بينما لو كانت النبضات مرئية لفضحت أمرها.
أغلق الباب وركب هو في الأمام وانطلق السائق حيث المصنع أولاً.
بعد قليل أردف سلطان محدثاً السائق:
_ اقف على جنب هنا يا أسطى.
توقف السائق وترقبت سيلين. فنزل سلطان وابتاع مشروب القهوة وبعض الفطائر له وللسائق ولسيلين.
عاد حاملاً إياهم ومد يده يناولها الطعام والقهوة مردفاً:
_ ياريت تفطري الأول. انتي مأكلتيش حاجة من امبارح.
أحبت اهتمامه وفعلته تلك برغم أنها تحاول التظاهر بالثبات بعد ما حدث أمس. ولكنها حقاً جائعة. تناولت منه مردفة ببعض التردد:
_ ميرسي.
سعد كثيراً ثم شرع هو في تناول ما أحضره كما فعلت هي. أما السائق فانتظر إلى أن يصل.
وصلت السيارة أمام باب المصنع. نزل سلطان أولاً ونزلت سيلين ثم دلفا إلى المصنع فوجدا الجميع على قدم وساق وقد تم تشميع الآلات القديمة حتى يتم استبدالها بأخرى.
كان العمال في حالة فرحة وامتنان لهذه المديرة التي نفذت طلباتهم وحافظت على أرواحهم.
ابتسمت سيلين برضا مردفة بصوت عالٍ:
_ صباح الخير.
رد العمال جميعاً وتحدث كبيرهم شاكراً:
_ شكراً يا سيلين هانم. أول مرة نطلب طلب ويتنفذ بسرعة كده. العمال هنا كانوا عايزين يجيبوا نبيل بيه بس أنا صممت إننا نطالب إن حضرتك اللي تيجي لأني متأكد إن الوضع مش هيرضيكي.
أردفت سيلين بامتنان:
_ أنا اللي بشكركم إنكم فعلاً جبتوني وعرفتونى إيه اللي بيحصل من ورايا. وبالمناسبة... رواتبكم هتزيد بنسبة 20%. وده اعتبروه شكر مني لتعبكم معانا طول السنين دي. وأي طلبات تحتاجوها ياريت تتواصلوا مع سكرتيرة مكتبي وهي هتبلغني.
شكرها الجميع بامتنان بينما هي أشارت لكبيرهم مردفة باحترام:
_ ممكن تيجي معايا توريني بيت العامل اللي اتوفى!
أومأ الرجل بسعادة مردفاً:
_ آه طبعاً يا هانم اتفضلي.
قالها وهو يشير أن تسبقه فخرجت وتبعها سلطان والرجل. تلقائياً اتجه الرجل يركب بجانب السائق فنظرا سلطان وسيلين إلى بعضهما بينما أردف سلطان وهو يهز كتفيه:
_ عندك حل تاني!
أبعدت نظرها عنه بصمت وركبت مكانها بينما لف سلطان للجهة الأخرى وركب مجاوراً لها ولكنه حاول جاهداً الابتعاد عنها مسافة مناسبة نظراً لتحفظها ولاحترامها الذي يراه ويستشعره دائماً.
أما هي وبرغم ادعائها القوة والصلابة إلا أنها التصقت بالباب كالقط المذعور وهذا حتى لا تحتك به نهائياً. وهذه هي سيلين. فبرغم عدم ارتدائها للحجاب إلا أنها تلتزم بقواعد الدين والأصول. حقاً تتمنى ارتداءه في أقرب وقت. فوالدها حرص على تعليمها الدين الإسلامي بالطريقة الصحيحة. كذلك فعلت والدتها ولكن يبدو أن قرار الحجاب تُرك لها.
توقفت السيارة بعد فترة أمام أحد البيوت التي يحيط سقفها أغطية خشبية. يبدو منزل قديم متهالك.
نظرت له سيلين بحزن وشفقة. نزل الرجل المسن مردفاً بصوت عالٍ:
_ هو ده البيت يا سيلين هانم.
نزلت سيلين تنظر للبيت بتعجب. نزل سلطان متفحصاً أيضاً. تذكر منزله وتذكر والدته التي مؤكد تشبه سيدة هذا المنزل. خطى الرجل وطرق باب المنزل ففتحت طفلة في الـ 7 من عمرها تبتسم ابتسامة ساحرة أسرت قلب سيلين. وبرغم شعرها الأصفر المشعث ووجهها الذابل وملابسها القديمة إلا أن ملامحها جميلة حقاً.
تساءلت الطفلة بترقب:
_ انتوا مين؟
اقتربت منها سيلين ودنت لمستواها مردفة بهدوء وحنو:
_ انتي اسمك إيه؟
أردفت الطفلة بدلال وخجل:
_ اسمي صفية.
ابتسمت سيلين تردف بحب:
_ اسمك جميل أوي يا صفية. ممكن تنادي لماما.
أسرعت الطفلة للداخل تنادي والدتها التي حضرت بعد قليل مردفة وقد عرفت الرجل المسن:
_ أهلاً يا عم حميد. خير؟
أردف الرجل بسعادة:
_ دي سيلين هانم يا ست أم عبده. مديرة المصنع. وهي جاية عشان تطمن عليكوا وتشوف طلباتكوا إيه؟
نظرت لها السيدة بغضب ثم أردفت بحدة وكبرياء وحزن تجلى في ملامحها:
_ ماليش طلبات. لو تقدر ترجع راجلي ماشي. غير كده أنا مش عايزة حاجة من حد.
أردفت سيلين بحزن وقلة حيلة محاولة تهدئتها:
_ اسمعيني يا ست أم عبده. أنا بجد أسفة جداً عن اللي حصل ده. وعارفة إنه شيء بشع. أنا زيكوا اتحرمت من بابا وماما. بس فعلاً أنا ماليش أي ذنب في موت زوجك. وهحاول على قد ما أقدر إني أتكفل بيكم شهرياً وأي طلب أنا تحت أمركم.
نظرت لها السيدة بترقب ثم أردف بهدوء نسبي:
_ روحي لحالك سبيلك يا ست. إحنا مبنقبلش العوض. عوضنا على الله.
حزنت سيلين كثيراً وحاولت التحدث ثانياً إلا أن فتى ذو 15 عاماً خرج من خلف والدته بغضب يحمل سكيناً مردفاً وهو يتقدم من سيلين:
_ أوعى يا ما. روحها قصاد روح أبويا.
إلا أن سلطان أسرع يحمله بذراع واحد مبعداً إياه بكل سهولة عن سيلين ومتحكماً في حركته ثم تناول منه تلك السكين تحت نظرات الرعب التي ظهرت على وجه سيلين وتلك السيدة تترقب حدوث ما يمكن أن يحدث لابنها.
كاد سلطان أن يعنفه فأردفت السيدة بدموع:
_ سيبوه يا باشا حقكم عليا. سامحيه يا هانم. هو بس حزين على موت أبوه.
نظرت سيلين إلى سلطان واردفت بأمر:
_ سيبوه يا سلطان.
تركه سلطان ولكن ظل متحفظاً عليه. اتجهت إليه سيلين وتحدثت بلين وهدوء وتفهم:
_ أنت اسمك إيه؟
نظر لها الفتى بغضب واردف:
_ عبده.
أومأت مسترسلة:
_ اسمع يا عبده. لما تقتلني هتروح السجن. وهتسيب مامتك وإخواتك لوحدهم يتبهدلوا خصوصاً بعد وفاة والدك. وهتبقى عذبت والدتك للمرة الثانية وحرقت قلبها عليك. لو كان الانتقام سهل كنت أنا أول واحدة انتقمت من اللي عذبوني وحرموني من أبويا وأمي. صدقني اللي حصل مع والدك ده قضاء وقدر. أنا مش هقدر أقولك هعوضك لأني عارفة كويس موت الأب بيعمل إيه في الابن. بيكسر ظهره نصين وهو عايش. بيحوجه للناس يا عبده. بس أنت لازم تقوى وتفكر بعقلك عشان خاطر مامتك وإخواتك. لازم تعوضهم وتكون راجل جدع وشهم يعتمد عليه. فاهمني؟
نظر لها مطولاً ثم أردف بجرأة:
_ يبقى أشتغل في المصنع مكان أبويا.
أردفت متسائلة بسعادة:
_ انت في سنة كام؟
أردف الفتى:
_ في تالتة إعدادي.
أومأت مستكملة:
_ تمام يبقى تكمل دراستك وتشتغل في الإجازة ومصاريف تعليمك أنت وإخواتك عليا. وفيه معاش شهري هيوصل لكم كل أول شهر.
هز رأسه معارضاً يردف بكبرياء:
_ إحنا مش محتاجين حاجة من حد.
أردفت مقنعة:
_ ده مش فضل مني ولا تعويض. ده واجب ودين عليا. ولو أنت عايز تحقق حلم باباك يبقى تسمع كلامي. تمام!
نظر الفتى لها ثم لف نظره لوالده التي تومئ له بدموع فاردف بثبات:
_ ماشي.
أومأت سيلين مبتعدة براحة بينما وقفت أمام السيدة تردف بهدوء:
_ أنا بجد مهما أقول مش هقدر أطيب خاطركم. بس إن شاء الله اللي جاي أحسن. أوعدكم إن طلباتكم كلها هتكون دين في رقبتي. وأنا هكلم مختصين عشان البيت بتاعكم لازمه تصليح. محتاجة أي حاجة تانية؟
ابتسمت السيدة بسعادة وقد رأت الطيبة والحنو في قلب هذه الفتاة مردفة:
_ شكراً يا هانم. شكراً.
ارتاح قلب سيلين وفتحت حقيبتها وأخرجت ظرف أبيض مغلق وناولته لها ثم شكرتها ونظرت للرجل الذي كان يتابع مردفة:
_ تعالي نوصلك يا عم حميد.
أومأ الرجل وركب معها بينما هي نظرت لسلطان وجدته شارداً بها فابتعدت نظرها سريعاً قبل أن يفضحها توترها وأسرعت تركب في الخلف. بينما هو لم يلاحظ حتى ذلك لقد كان شارداً فيها حقاً. إنها حلم كل رجل. وليس هذا فقط بل حلم جميل صعب المنال. إنها فتاة رائعة ذات قلبٍ صُنع من أثمن مجوهرات العالم. كيف لها أن تكون بكل هذا الحنين والطيبة والنعومة!
أردف لحاله بصوت داخلي:
_ سلطان! أنت حقاً أكثر الرجال حظاً. لقد أرادتك زوجاً لها. لم ترغب بك كغيرها من النساء اللاتي تعرفت عليهن. بل أرادتك شريك لحياتها الوحيدة. أرادتك حامياً ومأمّناً لها. احتاجتك كرجل حقيقي في حياتها!
فكر قليلاً سلطان. فكر في الأمر ثانياً. يمكن أن يكون لك حياة معها. يمكن أن يكون قدر لك الله أن تعشق فتاة مثلها. كنت تريد المال. فلماذا لم يعد يهمك مالها الآن؟ لماذا أصبحت لا تريد سوى قربها! هل ألقت عليك تعويذة أصابت قلبك يا رجل! ولكن ماذا عن... لمياء! ماذا عن تلك الخطة اللعينة... أنسيت أمرها يا خائن! ولكن... ولكن... ولكن ماذا؟ أولم تكن هذه نتيجة إقناعها لك بقبول الأمر! آه يا سلطان آه أنت في أمر صعب يا رجل.
لم يفق إلا عندما أردفت سيلين من خلال النافذة بصوت عالٍ:
_ سلطان يالا.
نظر لها ثم لف نظره إلى الفتى الذي بجاوره فمد يده وتناول كف الفتى وفتحها ووضع بداخلها السكين مردفاً بفحيح:
_ متعملش كده تاني.
غادر يركب في الخلف أيضاً وغادرت السيارة على الفور. أوصلا العم حميد واتجها سريعاً إلى المطار حيث رحلة العودة إلى القاهرة وكلٌ منهما يفكر في أمر الآخر.
كانت رحلة العودة صامتة تماماً. قضت سيلين نصفها في النوم كعادتها بينما سلطان قضى كاملة في تأملها والتفكير في عرضها الذي بالتأكيد سيغير حياته.
نزلت سيلين من السيارة وهو خلفها. أردفت وهي ترتدي نظارتها:
_ أنا هروح القصر. كده كده يوم العمل قرب يخلص في الشركة. وانت تقدر تروح تطمن على والدتك وترتاح.
أومأ مردفاً بثبات:
_ تمام.
غادرا في تلك السيارة التي كانت تنتظرهما وأوصل سلطان سيلين إلى القصر وعاد هو إلى منزله مع السائق التي صممت سيلين أن يوصله.
دخل سلطان منزله فوراً ينادي على أمه مردفاً:
_ أما... يا حاجة منيرة!
خرجت منيرة من إحدى الغرف تردف بفرحة:
_ سلطان! حمد الله على السلامة يا روحي.
اتجه يقبل يدها مردفاً بحب واشتياق:
_ الله يسلمك يا ست الناس. وحشتيني يا أما. قولي بقى طابخة إيه أنا واقع من الجوع.
أردفت بحنين وهي تسرع إلى المطبخ:
_ يا حبيبي. حالا. أنا كنت عارفة إنك هترجع جعان عشان كده عملتلك محشي.
شمر سلطان عن ساعديه مردفاً بحماس:
_ أيوه بقى يا ست الناس هو ده.
بعد قليل تناولا غداءهما سوياً وعقله شارداً في أمر سيلين. هل أكلت أم لم تأكل يا ترى! نظر لوالدته يريد إخبارها بكل ما حدث وبكل ما يحدث بداخله ولكنه يعلم رد فعلها فقرر الصمت.
عند سيلين التي صعدت إلى غرفتها بعدما أخبرت علية بمجيئها وابدلت ثيابها بأخرى مريحة تناسب النوم وجلست على الفراش تتصفح الإنترنت وتتابع الملفات التي أرسلتها لها وداد بعناية ودقة. بينما طرقات خفيفة على الباب تبعها دخول علية تحمل صنية صغيرة مردفة بحنو:
_ نمتي يا سيلين؟
رفعت سيلين رأسها تتطلعها بابتسامة وود:
_ لأ يا دادا تعالي.
اتجهت إلى الطاولة ووضعت عليها الصنية مردفة بحنو:
_ جبتلك الغدا. انتي أكيد جاية جعانة ومش هتقولي. أنا عارفاكي.
ابتسمت تردف:
_ فعلاً يا دادا. أنا فعلاً جعانة جداً. بس كان فيه شوية ملفات بقرأهم وهاجي آكل.
هزت علية رأسها معترضة بإصرار تردف:
_ لأ. اقفلي اللاب وتعالي الأول.
أطاعتها سيلين وبالفعل اتجهت تجلس أمام الطاولة تنظر بشهية إلى الأطباق وما تحتويه ثم شرعت في تناول الطعام. بينما غادرت علية وشردت هي تفكر في أمر هذا السلطان الذي احتل عقلها لامتلاكه قدر من الهيبة والثبات يميزه عن غيره.
في الصباح استعدت سيلين للذهاب للشركة ونزلت للأسفل بينما سلطان أتى مبكراً ينتظرها خارجاً بحماس.
خرجت بعدما تناولت وجبة الإفطار. نظرت له ثم لفت نظرها مردفة:
_ صباح الخير.
أردف بتوتر:
_ صباح النور. احم... هو إحنا ممكن نتكلم؟
نظرت له بتعجب واردفت بتساؤل:
_ نتكلم؟ خير؟
حك أنفه بسبابته واردف:
_ ينفع جوة؟
نظرت للداخل ثم له واردفت بقبول:
_ آه طبعاً اتفضل.
عادت للداخل وهو يتبعها إلى أن دخلت غرفة المكتب الخاصة بوالدها ودلف هو خلفها. وقفت في وسط المكتب تتطلع عليه بتعجب متسائلة بينما هو كان في حالة لا أول مرة تراه عليها.
ظل صامتاً ينظر للاتجاهات الأربعة فأردفت هي متسائلة:
_ سلطان! خير؟ اتكلم.
تحمحم واردف بتوتر وهو يحاول إخراج شيئاً ما من جيب جاكيته:
_ احم... أنا... أنا كنت.
أخرج علبة صغيرة منمقة واردف وهو يفتحها أمام وجهها بخوف ويظهر منها خاتم زواج ذهبي رقيق:
_ كان نفسي أجيبلك نجمة من السما. لأن مافيش أي حاجة تساوي قيمتك. وعارف إنه قليل أوي. بس لازم منه.
نظرت للذي في العلبة بتعجب وهي تضيق عينيها بينما ضربات قلبها تتسارع وتقرع كالطبول ولم تتفوه بل رفعت نظرها إليه متسائلة.
أردف هو بقليل من الجرأة:
_ تتجوزيني؟
رواية على القلب سلطان الفصل التاسع 9 - بقلم آية العربي
وقفت تتطلع عليه ببلاهة لا تستوعب ما قاله، حتى تلك العلبة التي يمسكها بكفه لا تستوعبها.
هزت رأسها علها تفيق، واردفت بتساؤل:
_ انت بتتكلم بجد!
اردف بترقب بعدما زال توتره بعد اعترافه:
_ جداً... الا اذا انتي غيرتي رأيك.
هزت رأسها بنفي، واردفت بعيون لامعة وصوت متحشرج:
_ بس ده ما كانش رأيك يومها!
اردف مبتسماً بثقة:
_ أنا آسف إني اتأخرت عليكي أو رد فعلي كان عكس ما توقعتي. أنا كنت المفروض آخد الخطوة دي، أنا بس كنت خايف. لو كان الوضع مختلف وإنتي مكاني، كان ممكن يتقبله الناس. لكن أنا كرجل معنديش ممتلكات ولا مصانع ولا شركات، وإنتي كبنت عندك كل ده، يبقى تلقائي الناس هتقول إني طمعان فيكي. وأي حد هيشوفها كده... علشان كده كان صعب أوي إني أبادر وأطلب إيدك للجواز.
تنهد مردفاً بصدق واقتناع:
_ قلتيلي إنك بتثقي فيا، أنا هكون قد ثقتك فيا. هعمل أي حاجة عشانك، المهم تكوني بخير. هقف في وش أي حد يتعرضلك بأذى. مش هيهمني نفسي، كل أولوياتي هتكون أمي وإنتي. إنتوا أغلى اتنين في حياتي. بس أنا طالب منك طلب.
تسائلت بصوت هادئ ودموع وهي تناظره:
_ إيه هو؟
اردف متنهداً بضيق:
_ محدش في الشركة يعرف. مش حابب النظرة اللي هيشوفوني بيها. على الأقل نأجل الخبر شوية لحد ما أثبت حسن نيتي. وكمان أنا مش هعيش هنا. أنا هاجر شقة هتكون خاصة بيا أنا وإنتي. عارف إن كل ده تغيير صعب أوي عليكي، بس أنا هتنازل عن أي حاجة ليكي إلا كرامتي.
أومأت مردفة بتقبل وعيون لامعة:
_ مش هسمح لأي حد مين ما كان يجرح كرامتك يا سلطان. يكفي إنك تكون معايا في حياتي. تطمني بليل وأنام وأنا مرتاحة. تحمي ظهري اللي من وقت موت بابا وأنا حاسة إنه مكشوف. تحافظ عليا وعلى حياتي يا سلطان. صدقني أنا مش عايزة حاجة غير كده.
اقترب قليلاً يردف بتساؤل:
_ يعني موافقة! طب لو كده يبقى ممكن نكتب كتابنا إمتى؟
تعجبت من سرعته وشردت قليلاً تفكر، ثم اردفت بهدوء وسعادة وراحة أخيراً شعرت بها:
_ بما إن مافيش حد من الشركة هيعرف، يبقى نخليه خاص بينا ويكون موجود بس وداد وجوزها ودادا عليا، وطبعاً مامتك ورأفت السواق. أنا بثق فيه.
اردف متوتراً:
_ سيلين... خلي أمي بعد ما نكتب كتابنا هعرفك عليها. أمي مش هتفهم ارتباطنا. لو قولتلها قبلها هترفض، ووقتها هيكون صعب إني أعصي أمرها. خليني آخدك ونروح لها بعد كتب الكتاب.
نظرت له بترقب واردفت بخوف:
_ قصدك إنها معترضة عليا؟
اردف بتفهم:
_ لأ طبعاً. أمي لو عرفتك أنا متأكد إنك هتملكي قلبها. بس هي مش هتحب إني أكون زوج المدير العام بتاعي. افهمني لو سمحتي.
أومأت له بتفهم واردفت مقتنعة:
_ تمام يا سلطان. سلطان، أنا هتنازل عن فرحتي زي أي بنت ومش هعمل خطوبة ولا حفلة ولا كل ده، لأني مستهدفة من أقرب الناس ليا. محتاجة لوجود الإنسان اللي أطمن على حياتي معاه. والإنسان ده إنت. علشان كده أنا معنديش مانع لأي حاجة، المهم مامتك متزعلش مني بعد كده.
نظر لها بغموض. شرد قليلاً يفكر، ثم اردف بهدوء وصدق:
_ سيلين... صديقي، مش مهم اللي فات. كل اللي فات مالوش أي قيمة، تجاهليه تماماً. أنا من هنا ورايح أهم حاجة عندي إنتي. وسرعة ارتباطنا دي لأني عايز أحميكي ومش هقدر أعمل كده وأنا بعيد عنك. لو كنا في ظروف غير كده كنت عملتلك أحلى حفلة وجبتلك نجوم السما بين إيديكي. بس للأسف وضعنا حكم علينا بكده.
نظرت له بعيون لامعة واردفت بإعجاب:
_ وأنا مش عايزة حاجة غيرك.
نظر لها بحب ظاهر في عيونه وملامح لينة، ثم اردف متسائلاً بترقب:
_ طيب إيه رأيك لو كتبنا الكتاب بعد أسبوع؟ ونحتفل وسط حبايبك. وأنا هحاول أأجر الشقة وأخلصها في أسرع وقت.
توترت قليلاً وأومأت مردفة:
_ معنديش مانع.
بينما هو ابتسم واردف بحنو:
_ طب يلا؟
أومأت وخطت أمامه بروح جديدة، وكأن الهواء تغير من حولها وتتنفس راحة وسلاماً.
في الحارة، في منزل لمياء، يجلس والدها على طاولة الفطور مردفاً وهو يلوّي الطعام في فمه بتساؤل:
_ المحروس بتاعك عمل إيه؟ الشهر الأول خلص أهو ولا حس ولا خبر.
اردفت لمياء بضجر:
_ يوووه يابا... هو أنا ناقصة تقطيم؟ ما بكفاية هو كمان مبقاش يسأل فيا زي الأول.
اردف يضيق عينيه متسائلاً:
_ إزاي يا بت؟ لتكون شاف له شوفة تانية.
اردفت لمياء بغضب واستنكار:
_ نعم! شوفة تانية يعني إيه؟ لهو أنا أتحمل كل ده وأصبر وأقول هانت يا بت وتتجوزوا، وبعدها أقنعه يجيب ورثه من أهله ونتنغنغ بقى... لأ ده أنا فيها يا أخفيها بقى.
ضحك نعمان مردفاً بفخر:
_ جدعة يابت. أيوه كده. خليكي وراه لحد ما ياخد حقوقه كلها. دانا سمعت إن ليه شئ وشويات وفلوس ياما. وطبعاً خير بنتي هيعم على أهلها... ولا إيه؟
وضعت الخبز من يدها مردفة بغضب:
_ إيه ياااابا.
وصلت سيارة سيلين أمام الشركة.
اردفت سيلين لسلطان قبل أن تنزل:
_ سلطان... أكيد عمي عرف إننا كنا في شرم الشيخ. عيونه كتير أوي. المهم أنا هقول في الشركة إن حصل حالة وفاة بسبب آلة معينة وتم تغييرها وخلاص. غير كده مش هنتكلم يا سلطان، تمام!
أومأ موافقاً ونزل أولاً يفتح لها باب السيارة كعادته، ولكن هذه المرة نظرت له مبتسمة فبادلها بحب.
نزلت بعد ذلك ودلفا سوياً إلى الشركة تحت نظرات الجميع النمامة.
صعدا في المصعد سوياً، وأثناء ذلك اردف سلطان:
_ سيلين، أنا هوصلك وأرجع أقف تحت عشان محدش يتكلم. وقت ما تحتاجيني ابعتيلي رسالة. تمام!
أومأت له وخرجا من المصعد ومنه إلى مكتبها. أوصلها أمام أنظار وداد المتعجبة، ثم غمز لها في الخفاء وغادر هو عائداً للأسفل، ولكن قاطعه طريقه نبيل ينظر له بغل وغضب مردفاً بفحيح:
_ ورايا ع المكتب.
نظر له بلا مبالاة وتتبع خطواته حتى دلفا سوياً مكتب نبيل الخاص.
أغلق نبيل باب المكتب واردف معنّفاً:
_ انت مش بترد على اتصالاتي ليه يا بن آدم؟
وضع سلطان يديه في جيب بنطاله واردف وهو يحرك منكبيه بثبات:
_ أرد عليك إزاي يا نبيل باشا وسيلين هانم جنبي! أنا توقعت سعادتك تفهم.
ضيق نبيل عينيه يطالعه بتحقق، ثم اردف بترقب:
_ كنتوا فين؟
اردف سلطان وهو يطالعه بقوة:
_ بنت أخوك قررت فجأة نروح شرم. حصل حالة وفاة بسبب آلة هناك والعمال طلبوها.
اردف نبيل بتساؤل وترقب:
_ يعني سيرتي جت قدامك؟ ولا لأ!
اردف سلطان بتخابث:
_ وسيرتك تيجي ليه باشا، هو انت اللي قتلته!
نظر نبيل لسلطان بتوتر، فاسترسل سلطان وهو يخرج يداً واحدة ويشير بها إليه:
_ بالمناسبة يا باشا، مصلحتك قربت تخلص. جهز أنت الأوراق اللي انت عايزها تمضي عليها وأنا هخلصهالك.
نظر له نبيل بصدمة مردفاً بعدم تصديق:
_ معقول... بسهولة كده؟
ضحك سلطان مردفاً بمراوغة:
_ قلتلك يا باشا، انت يهمك النتيجة. وأنا بحب أنجز شغلي بسرعة. المهم يا باشا حضر أنت الأوراق وسيب الباقي عليا.
التفت ليغادر، ولكنه عاد ثانياً يردف وكأنه تذكر الآن:
_ آه، من حق يا باشا. أنا محتاج نص اتعابي. زي ما أنت عارف أنا داخل على جواز، وبحضر شقة وعفش. يعني يا ريت تحضر لي مليون جنيه نقدي في أقرب وقت. ويا ريت يكون بكرة، لأن فيه شقة رايح أتفرج عليها أنا وخطيبتي.
نظر له نبيل بترقب، ثم أومأ بقبول مردفاً بسعادة داخلية:
_ تمام. بكرة تيجي عندي البيت تاخد الفلوس.
أومأ سلطان بصمت، ثم غادر بعدها يبتسم بمكر ودهاء ويردف بفحيح وهو يخطو في الرواق الذي يؤدي إلى المصعد:
_ خلينا نسحب منك مليون قبل ما تتجنن.
دلف المصعد ونزل لأسفل. بينما في مكتب سيلين تجلس تتابع عملها، فدَلفت وداد بعدما استأذنت تحمل فنجان القهوة مردفة بهدوء:
_ القهوة يا سيلين هانم.
وضعتها أمامها، فأردفت سيلين بامتنان:
_ شكراً يا ود. طمنيني أخبارك إيه؟ وابنك عامل إيه؟
أومأت وداد مردفة بابتسامة هادئة:
_ بخير يا سيلين هانم. عملتي إيه في سفرتك؟ كله تمام؟
أومأت سيلين مردفة بحزن:
_ الحمد لله يا ود. قدرت أعالج المشكلة. عمي كان مبوظ الدنيا خالص يا وداد. لولا لحقت المصنع كان زمان الدنيا اتقلبت فعلاً. وللأسف مضطرة أسكت ومحاسبوش على عملته لأنه ممكن يأذيهم.
أومأت وداد مردفة بحنو:
_ بجد يا سيلين هانم، أفعال نبيل بيه وآدم بيه بقت تخوف وأنا قلقانة عليكي منهم.
نظرت لها سيلين بترقب، ثم اردفت بخجل:
_ أنا لقيت حل يا وداد.
ضيقت وداد عينيها مردفة بتساؤل:
_ حل إيه يا هانم؟
اردفت سيلين بترقب وصوت هادئ بطيء:
_ أنا وسلطان هنتجوز.
اتسعت عين وداد واردفت باستنكار:
_ آآآآه! تتجوزوا! إزاي؟
تعجبت سيلين واردفت بقناعة:
_ نتجوز زي الناس يا وداد، إيه اللي إزاي؟
تحمحمت وداد واردفت بتعجب:
_ أيوه بس إمتى؟ يعني يا سيلين هانم سلطان هو الحارس الشخصي بتاعك. مش شايفة إن الموضوع غريب شوية! لأ ده غريب أوي!
تنهد سيلين ثم اردفت بهدوء:
_ وداد... إحنا نكمل شغلنا دلوقتي. وبعد ما نخلص تيجي معايا القصر ونتكلم.
اردفت وداد بحيرة:
_ طيب بس آسر ومصطفى! طب ما تيجي عندي إنتي؟
اردفت سيلين بقبول:
_ تمام يا وداد. مع إن كده سلطان هيتأخر في الرجوع، بس أنا هكلمه. يلا نشوف اللي ورانا.
أومأت وداد تتطلع عليها بتعجب من حالتها. أتخشى عليه من العودة متأخراً، متى!
في صعيد مصر.
يجلس الحاج توفيق في غرفة المضيفة يرتشف من كوب الشاي الذي أحضرته له روايح، وها هي تجلس بجواره تترقب ذلك الحديث الذي أخبرها بأهميته.
اردف توفيق بترقب:
_ اسمعي يا روايح يا بتي... أنا كنت عايز أجيب سلطان يعيش ويانا إهنه. إني حاسس إن ابني زعلان مني وضميري واجعني أوي. هجيبه يعيش معانا ويكون سند لإخواته. جولتي إيه يا روايح؟
غلى الدم في عروقها واردفت بترقب:
_ وأمه؟
نظر لها توفيق بترقب ثم نظر أرضاً يردف بهدوء:
_ هتيجي معاه يا بتي، مهو ماهوش هيوافق ييجي من غيرها. وإنتي خابرة عاد إني حاولت قبل سابق مدخلهاش الصعيد أصل، بس هو مصمم تيجي معاه. وبصراحة إني مش غلطانة، هي أمه بردك.
امتلأت عيناها بالدموع واردفت وهي تلوّي طرحتها في يدها نادبة:
_ يا مرك يا رواااايح... عايز تجيب اللي قهرت جلبي تعيش معايا يا بوي! عايز تجيب اللي جَتلت ابنك وحرمت بناته منه تعيش وسطنا؟ دم ابنك رخيص جوي عندك أكده يا حاج توفيق!
ضرب توفيق بقبضة يده على اليد الخشبية للمقعد مردفاً بصرامة وقوة:
_ روايح اجفلي جاشمك عاد. دم ابني غالي جوي جوي. ولو هي اللي كانت السبب في موته يبقى هيتحاسب على يدي. وإني مش هعرف ده إلا لما تيجي وتعيش وسطنا إهنه. يبقى اعجلي يا روايح وفكري زين. أنا جادر أجيبه من الصبح وأحطك جدام الأمر الواقع، بس إني عامل حساب زعلك وشارى خاطرك. يبقى فكري زين وقرري.
نظرت له روايح بتوتر وقد جفت دموع التماسيح سريعاً عندما رأت تصميمه ووقفت تغادر مردفة:
_ عن إذنك يا بوي.
انتهى الدوام في شركة الحلواني واستعدت سيلين لتغادر كما أخبرت وداد أن تستعد أيضاً حتى تذهبا سوياً.
نزلت سيلين ومعها وداد إلى مخرج الشركة. رآها سلطان فاتجه إليها يأمنها إلى أن ركبت سيارتها ووداد التي ركبت بجانبها.
اردفت سيلين لسلطان وهو يغلق بابه:
_ سلطان... أنا هروح عند وداد شوية. ممكن توصلني وتروح؟ وأنا لما أخلص هكلمك أو ممكن أروح مع رأفت عادي، كدة كدة الحراسة التانية ورانا.
اردف سلطان بنبرة آمرة لا تقبل النقاش:
_ هستناكي.
نظرت وداد لسيلين تغمز بعينيها، بينما خجلت سيلين تلزها في قدمها مردفة بنعومة:
_ تمام.
غادرت السيارة إلى منزل وداد، وبعد قليل، ولكن أولاً ستمر على الروضة الخاصة بآسر ابن وداد كي تحضره.
بعد حوالي ربع ساعة توقفت السيارة أمام إحدى الروضات الخاصة، ونزلت وداد تحضر طفلها الذي عاد معها بحماس مردفاً عندما رأى السيارة:
_ عايز أركب جنب عمو.
قالها وهو يشير على سلطان، فأردفت وداد بحرج:
_ طب سلم على طنط سيلين الأول يا آسر. خليك شطور.
أطاعها الطفل ودلف السيارة يسلم على سيلين التي فرحت كثيراً وتناولت يده، ففاجأها بقبلة يطبعها على خدها مردفاً بطفولة:
_ ريحتك حلوة أوي.
ابتسمت له واردفت بحنو:
_ ميرسي يا آسر.
ابتعد يقفز من بين المقعدين الأماميين ويجلس بجانب سلطان مردفاً بحماس:
_ يلا يا عمو سوق.
أومأ رأفت، بينما لف الطفل رأسه ينظر إلى سلطان مردفاً ببراءة:
_ ازيك يا عمو. انت جوز طنط صح؟
ضيق سلطان عينيه يطالعه، ثم ابتسم بجاذبية مردفاً بقبول:
_ خلينا نقول صح. وانت آسر صح!
أومأ الطفل بسعادة، بينما ظل يتابع ما يحدث حوله بإعجاب.
نظرت وداد إلى سيلين مبتسمة، بينما سيلين ظلت صامتة بسعادة وراحة أخيراً حصلت عليها.
بعد قليل توقفت السيارة أمام منزل وداد. نزلت وداد ونزل رأفت يناولها آسر، بينما نزل سلطان يفتح باب السيارة حتى تنزل سيلين. ابتسمت له واردفت وهي تنزل من سيارتها بصوت لا يسمعه سواه:
_ ميرسي يا سلطاني.
نظر لعيناها بشرود، ثم ابتسم بحب وإعجاب للقبّه الجديد على مسامعه.
اردفت وهي تغادر للأعلى مع صديقتها:
_ مش هتأخر.
اردف بتيه وحنو:
_ براحتك.
غادرت للأعلى مع وداد، بينما هو ظل يتطلع لأثرها إلى أن غابت وأخذت قلبه معها. نعم، هي شقت ضلوعه وسحبت قلبه معها للأعلى. لا يعلم متى وكيف فعلت ذلك، ولكنه يقف ينتظر قلبه باستسلام تام لها.
بعد قليل في شقة وداد، تجلس سيلين بحرج، بينما وداد تعد وجبة طفلها مردفة باعتذار:
_ أنا آسفة جداً يا سيلين... بس ده معاد غداه وإلا هيفضل يبكي ويزن. ثواني وهجيلك.
أومأت سيلين مبتسمة تردف بحرج:
_ وداد، أنا اللي آسفة. واضح إني لخبطت الدنيا عندك. وجوزك أكيد جاي دلوقتي. أنا همشي.
قالتها وهي تقف تستعد للذهاب، فأردفت وداد تمنعها:
_ استني بس راحة فين! إنتي مش ماشية من هنا غير لما أعرف إيه اللي حصل بالظبط وإيه حكاية الجواز المفاجئ ده! وبعدين متقلقيش مصطفى عند مامته ومش جاي دلوقتي. يالا بقى احكي.
تنهدت سيلين بترقب، ثم اردفت بهدوء وخجل:
_ أنا يمكن حبيت سلطان يا وداد. وقبل ما تتعجبي، يمكن مش حب بس ارتحت معاه. يعني تلقائي بحس بالأمان لما بيكون جنبي، معرفش ليه!
ضيقت وداد عينيها ثم اردفت بتعجب:
_ أيوه يا سيلين، بس إنتي متعرفيش عنه حاجة! ده غير إن هو يعني من الطبقة المتوسطة أو أقل كمان من كده! يعني إنك تحبيه ده صعب شوية. ده غير إن المدة اللي تعرفوا بعض فيها قليلة جداً. يبقى ده كله حصل إمتى وإزاي؟
اردفت سيلين بتفهم:
_ بصي، كل اللي إنتي بتقوليه صح. أنا فاهماكي جداً. بس أنا مش عايزة أعيش قصة حب وعذاب، لأني جربت قبل كده ده مع آدم واتخدعت للأسف، أو كنت غبية ومعرفتهوش. وبردو مش عايزة أحب حد من المجتمع الراقي بتاعي ياخدني كاستثمار لصفقاته ويكون وقته كله للشغل وأنا آخر اهتماماته. ولا عايزة أعيش سنين لحد ما أكتشف إني بحب الإنسان ده أو بميزه. أنا عايزة حد أنام جنبه وأنا مطمنة. مش خايفة من بكرة ولا من لحظة غدر ممكن أحسها.
عايزة بيت صغير وراجل يحبني ويحتويني وأبعد عن كل ده. بسبب الفلوس والشركات والمصانع أنا اتحرمت من أهلي يا وداد وأنا في عز احتياجي ليهم. ولولا اسم بابا وتعبه، أنا كنت اتنازلت لعمي عن كل ده وريحت دماغي. لكن أنا فعلاً مبقتش محتاجة غير إني أعيش في هدوووء وبس.
تنهدت تسترسل:
_ وده أنا لقيته مع سلطان. مش مجرد حارس شخصي. لأ، هو بيتعامل بطريقة بتدخل جوة قلبي وبحس بيها. بيقدر يلفت نظري لأقل حاجة بيعملها. يعني أنا محمد كان حارس شخصي بس كان بيتعامل برسمية معايا. بيعاملني على إني شغل. لكن سلطان عيونه كلها خوف بجد. اهتمام. حنون جداً معايا. يمكن محدش يفهمني، بس أنا محتاجة تعويض عن أهلي يا وداد. محتاجة حد يحتويني ويعاملني بلين. والحد ده هو سلطان.
تساءلت وداد بترقب وخوف:
_ طيب هو مش ممكن يكون طمعان يعني في فلوسك؟
نظرت لها سيلين بتفكير، ثم اردفت:
_ قلة الأصل مش موجودة في عيونه يا وداد. أنا شفت نظراته كويس. ملقتش فيهم غدر ولا قلة أصل.
تنهدت وداد تردف بتساؤل:
_ طيب يا سيلين. أنا يهمني راحتك طبعاً. بس بردو فكري. بلاش تستعجلي.
نظرت لها سيلين بترقب ثم اردفت مبتسمة بهدوء:
_ إحنا اتفقنا إن كتب كتابنا هيكون الأسبوع الجاي. ولعلمك سلطان رفض إنه يعيش معايا في القصر. هيأجر شقة لينا. وأنا وافقت فوراً. أنا نفسي عايزة أبعد شوية عن كل ده. وكمان هو طلب إن مافيش حد في الشركة يعرف بجوازنا ولا حتى عمي. لأنه مش هيتحمل نظراتهم ليه. وأنا وافقت وقلتله إن إنتي وجوزك ودادا عليا ورأفت السواق بس اللي هتكونوا موجودين وقتها، لأني مش بثق في حد غيركم. أتمنى تقفي جنبي يا وداد وتدعميني. أنا بجد محتاجة ده.
نظرت لها وداد بحنو، ثم تنهدت وهي تلتقط كفها بين يديها مردفة بطمأنينة:
_ أنا معاكي يا سيلين. معاكي وهدعمك في أي حاجة مادام فيها راحتك.
ابتسمت سيلين بعيون لامعة، ثم بادلتها عناق أخوي، ثم وقفت تردف باستئذان:
_ همشي أنا بقى. يلا سلام.
أومأت وداد مردفة بقبول:
_ مش همسك فيكي للغدا، لأني عارفة إن طول ما سلطان واقف تحت مش هتكوني مرتاحة.
ضحكت سيلين مردفة بمرح:
_ بدأتي تفهميني.
أومأت لها وهي توصلها عند باب المنزل وغادرت سيلين إلى الأسفل حيث يقف سلطان ينتظرها أمام الباب الرئيسي، إلا أن نزلت واردفت مبتسمة:
_ نمشي؟
نظر لها ببريق ظهر فجأة في عينيه حين رآها واردف برتابة:
_ نمشي.
في اليوم التالي، انقضى النهار سريعاً بدون أحداث تذكر، عدا تقرب سيلين من سلطان الذي يزيد يوماً بعد يوم.
عادت سيلين إلى القصر وغادر سلطان ينوي الذهاب لنبيل حتى يأخذ المبلغ المطلوب.
وصل سلطان لمكان حراسته القديم والذي يحتوي على أبراج شاهقة لأفراد المجتمع المرفهين والطبقات العالية.
اتجه إلى البرج السكني الموجود فيه شقة نبيل. قابل صديق عمله بدر الذي تعجب واردف بتفاجؤ:
_ سلطان! إزيك يا صاحبي. بقى كده تمشي من غير ما تسلم عليا؟ وأعرف من نبيل بيه إنك اشتغلت في الشركة عنده.
ربت سلطان على كتفه واردف معتذراً:
_ معلش يا بدر، حقك عليا. إنت أخبارك إيه؟
اردف بدر مبتسماً برضا:
_ الحمد لله عال. المهم إنت طمني عليك. وعملت إيه مع خطيبتك؟
نظر له سلطان بشرود، ثم اردف بذكاء:
_ هانت. هتجوز قريب. هبقى أعزمك.
أومأ بدر مردفاً بفرحة:
_ ألف مبروك يا سلطان. فرحتلك يا أخي.
اردف سلطان وهو ينظر لأعلى المبنى:
_ تسلم يا صاحبي. نبيل بيه فوق. هو عارف إني جايله.
أومأ بدر مردفاً:
_ أيوه فوق، اطلع له.
غادر سلطان مستعملاً المصعد، ثم وصل إلى شقة نبيل وطرق الباب، ففتح له نبيل مبتسماً يردف:
_ أهلاً يا سلطان، اتفضل.
دلف سلطان وتوقف في نصف الصالة يردف بترقب:
_ جهزت الأوراق والفلوس يا نبيل بيه؟
أومأ نبيل واردف وهو يخرج حقيبة من إحدى الغرف:
_ الفلوس أهي يا سلطان. ودي الأوراق. أربع أوراق أهميتهم تساوي حياتك. فاهمني.
نظر له سلطان بغموض، ثم اردف بصلابة:
_ حياتي في إيد اللي خلقها يا نبيل باشا. بلاش تستعمل معايا التهديد، لأنك أكيد عارف إن الطريقة دي مش سكتي. الورق هيتمضي عليه في أقرب وقت.
تساءل نبيل بقلق:
_ أيوه يعني إمتى وإزاي؟!
اردف سلطان بثبات:
_ إمتى قريب. لكن إزاي دي بتاعتي أنا. عن إذنك.
غادر سلطان يبتسم بسخرية. أما نبيل فنظر لأثره بغضب واردف:
_ ماشي يا ****. تسلمني بس الورق ده وأخلص من سيلين، ووقتها هفعصك برجلي.
بدأ سلطان من خلال عمله السابق ومعرفته بأصدقاء حراسة للمباني المرفهة في البحث عن شقة مناسبة لوضع سيلين، وقد كان.
فقط وجد إحدى الشقق في مكان مرموق وبعيد نسبياً. كان يجهز كل شيء بسعادة. حماسه جعله ينتهي من تحضيرات المنزل في أسرع وقت. كان يخبر سيلين بما يحدث معه أولاً بأول ويجعلها تختار ما تريده عبر الهاتف، وهي دائماً كانت تختار ما يناسب وضعه.
أخبرت سيلين السيدة علية بزواجها، وبرغم تفاجئها وخوفها، إلا أن سيلين أقنعتها بسلطان وأخبرتها أنها ستبتعد فترة عن القصر وعليها الاعتناء به. كما أخبرت هي وسلطان رأفت السائق الذي سعد كثيراً وهنأهما برغم تعجبه.
اليوم هو موعد كتب كتاب سلطان وسيلين. ولكي لا يلاحظ أحد ذلك، انقضى يوم العمل كغيره تماماً من الأيام.
حتى أن سلطان أخبر والدته أن لا تنتظره ليلاً، وذلك بعدما أقنعها بذهابه في رحلة عمل.
بعد ذلك عادت سيلين إلى القصر وقد تم تجهيزه لكتب الكتاب. ذهب معها سلطان كعادته، ولكنه اليوم لن يعود إلى منزله مع والدته، بل سيعود هو وزوجته إلى الشقة التي استأجرها.
جاء المأذون والذي أحضره رأفت السائق وجلس على يمينه سلطان ينظر إلى نقطة ما في الأرض بشرود. بعد قليل ستكون هي على اسمه. يعلم أنه مستغل لاحتياجها له وقد أخفى عنها أموراً كثيرة، ولكنه سيخبرها بها واحدة تلو الأخرى بعد ذلك. سيصارحها بكل شيء. أما عن لمياء، فهي لم تكن المرأة المناسبة له. سينهي معها الخطبة، ولكن عليه أولاً أن يضمن بقاء سيلين بجانبه، لأنه لا يضمن رد فعل لمياء إن علمت بالأمر. يخشى على سيلين، لذلك سينتظر قليلاً. أمور عدة تشتت رأسه وتقلقه من القادم، ولكن الأهم من كل هذا، أنه سيكون مع من تستحق حبه واهتمامه وحمايته. سيكون مع من نبض قلبه لأجلها.
كان مصطفى زوج وداد يجلس يتحدث مع رأفت في أمور عامة، بينما وداد وعلية في الأعلى مع سيلين الذي كانت ترتدي فستاناً أبيض ناعماً وهادئاً جداً بدون أي إضافات تذكر. تجملت ببعض الحمرة والحكل العربي وأطلقت شعرها للعنان مع وضع شال رقيق عليه.
نزلت لأسفل معهم ودلفت للغرفة بقدم متوترة. شعر بها تأتي من وسط زحام أفكاره، فرفع نظره يطالعها بعيون عاشقة وقد لمعت ببريقها الخاص. كانت جميلة ككل يوم. كانت في عينه أجمل نساء الدنيا. وقف على حاله يتقدم منها، بينما ابتعدتا عنها وداد وعلية وأردف هو بحنو وإعجاب:
_ قمر.
ابتسمت بخجل واردفت:
_ ميرسي.
اتجه اثناهما يجلسان حول المأذون، وتم فتح دفتره وقد بدأ في تلك الزيجة التي ستغير حياتهما تماماً.
بعد دقائق معدودة انتهى المأذون مردفاً جملته الشهيرة:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
وقف سلطان ينظر لها كالحلم البعيد الذي تحقق. اقترب منها وتناول كفها يوقفها مردفاً بلين وحنو:
_ مبروك يا حبيبتي.
ابتسمت بخجل وتوتر واردفت:
_ ميرسي.
ابتسم عليها ورفع كفها يقبله بحنو وبطء، أثار قشعريرة أسفل معدتها، وهي التي لأول مرة تجرب هذا الإحساس. لم تسمح أبداً لأحدهم بهذا القرب، ولكنه... زوجها!
يتبع...
رواية على القلب سلطان الفصل العاشر 10 - بقلم آية العربي
يجلس سلطان بجوار سيلين في سيارته، مطبقاً يده على كفها الصغير بحب.
بينما هي في عالمٍ آخرٍ تماماً، متوترة، خائفة، قلقة.
كان ينظر لها بحب وتعجب، بينما هي شاردة تتطلع من النافذة.
توقفت السيارة أمام إحدى المباني العالية.
أردف سلطان بهدوء وترقب: "سيلين!"
لفت نظرها ببطء، تتطلع عليه بتساؤل.
فاسترسل: "وصلنا."
نظرت حولها للمكان، وقد تسارعت نبضاتها وأصبحت حرارتها باردة.
شعر هو بها تحت لمسة يده، فأردف مطمئناً: "تحبي نرجع على القصر؟"
هزت رأسها بنفي، وأردفت بصوت ناعم: "لأ... أنا كويسة."
نظر لها بحب، ثم قبل راحة يدها بحنو.
وترجل يلتف إليها، ثم فتح الباب ومد يده لها، فناولته يدها وترجلت معه.
أردف وهو يميل على النافذة الأمامية: "شكراً يا رأفت."
أردف رأفت مبتسماً: "العفو... تصبحوا على خير."
غادرت السيارة، وتناول هو يدها وخطى بها إلى داخل المبنى، ومنه إلى المصعد، حيث كانت تمشي معه كالمنومة، لا تعي شيئاً.
وصلا أمام باب شقتهما.
مد سلطان يده في جيب بنطاله، وأخرج المفتاح وفتح الباب، يقدمها بيمناه، مردفاً بهدوء: "اتفضلي."
نظرت له بتوتر، ودلفت وهو خلفها، ثم أغلق الباب.
وقفت في نصف الصالة تتطلع على المكان من حولها، فهو كما كانت تتمنى حقاً، يبدو أنه اهتم كثيراً بما تريد.
توقف أمامها يطالعها بعيون لامعة، ثم رفع يده يحيط وجنتيها بكفيه، ثم مال على جبينها يقبله ببطء ونعومة، جعلت الرعشة تصيب أوتارها.
مردفاً بصدق وحنين وحب: "نورتي حياتي."
أحبت تلك الكلمة البسيطة التي تطبع بداخلها مشاعر مُوّتّدة له.
نظرت له مردفة بتوتر: "احم... هي الشنطة اللي رأفت جابها الصبح فين؟"
حك أنفه بسبابته، مردفاً بمرح: "احم رد مناسب... الشنطة جوه في الأوضة دي... ادخلي واقفلي عليكي الباب وبراحتك خالص... أنا هستناكي هنا عشان نتعشى."
أومأت له، وكأنه أفلت قيدها، فانطلقت إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها.
ولأول مرة يرى سيلين الخائفة والمتوترة، على عكس تماماً تلك التي ترتدي قناع القوة والصلابة أمام الجميع.
تنهد يهز رأسه متعجباً من أمر تلك الطفلة التي أحبها، ثم اتجه يبدل ثيابه في المرحاض الأساسي بأخرى كان قد ابتاعها.
خرج بعد قليل يرتدي بنطال رياضي وتي شيرت نصف كم قطني التصق عليه، فأبرز عضلاته بسخاء.
اتجه إلى المطبخ، وضع تلك الوجبة التي أحضرتها وداد مسبقاً في أطباق، ووضعها على طاولة ذات مقعدين فقط، تحتل جانب صغير من المطبخ، وخرج يجلس على الأريكة لينتظرها.
أما هي في الداخل، تتنهد بقوة إثر توترها.
أبدلت ثيابها بأخرى قطنية مريحة، واغتسلت، وها هي تذكر ربها وتدعو.
برغم قوتها المزعومة، إلا أن قلبها صغير لا يحتمل ما يحدث حقاً.
قررت التحلي ببعض الجرأة والخروج والتحدث معه قليلاً.
لفت مقبض الباب ببطء، وخرجت تفرك يديها ببعضهما.
وجدته يجلس على المقعد ينتظرها.
حينما رآها، وقف على حاله بهيئته الرجولية، مما جعلها تنتفض وتعود للخلف خطوة.
تعجب هو لها، وأردف: "سيلين! انتي خايفة مني؟"
تطلعت عليه بعيون متسعة، وأردفت بتوتر: "لأ... بس أصل... انت اتحركت فجأة."
تنهد، وأردف بتقبل: "تمام... أنا آسف... تعالي نتعشى."
أومأت له بتوتر، وخطت أمامه إلى المطبخ.
أخرج لها مقعداً، فجلست عليه، تردف بنعومة: "ميرسي."
أردف مبتسماً برتابة ورجولة: "العفو."
لف هو يجلس على المقعد الآخر، ونطق البسملة، ثم بدأ في تناول الطعام أمامها دون حرج، فأعطاها ذلك شعوراً بالراحة، وبدأت تقضم بعض اللقيمات البسيطة.
انتهى من طعامه، ونفض هو عن يده، مردفاً: "الحمد لله."
أردف وهو يقف ويتجه نحو الموقد: "تحبي أعملك شاي معايا؟"
تطلعت عليه بتعجب، هو يتصرف بتلقائية.
بدأ توترها يقل شيئاً فشيئاً.
هزت رأسها بلا، ووقفت تتطلع عليه وهو يحضر الشاي.
أردفت بتعجب وقد اندمجت في ما يفعله: "سلطان الكاتل موجود أسهلك."
هز رأسه، مردفاً بضيق: "لأ كاتل إيه بس... لو كوباية الشاي مغلّتش على النار ميبقاش ليها أي طعم."
ضحكت مردفة بإعجاب: "صعيدي بحق."
غمزها بطرف عينه، مردفاً وهو يتذوق الشاي: "زين جوي."
ابتسمت له، ثم اتجه يجلس بجوارها، وأردف متسائلاً: "قوليلي بقى... انتي أهل والدتك فين؟"
تنهدت مردفة بهدوء: "معرفش عنهم حاجة... مهاجرين أستراليا من زمان... الاتصالات بينا مقطوعة."
أومأ بتفهم، مسترسلاً بمرح: "أنا كمان أهل أبويا مهاجرين الصعيد من زمان والاتصالات بينا مقطوعة."
ضحكت عليه مردفة بتساؤل: "هو صحيح يا سلطان ليه بينكم مشاكل؟ يعني أنا أعرف إن أهل الصعيد ناس محافظة جداً، فإزاي بقى سايبينك انت ومامتك تبعدوا عنهم كده!"
أردف سلطان بصدق ووضوح: "لأنني ابن الست اللي جدي رفض جوازها من أبويا... أبويا الله يرحمه كان متجوز بنت عمه... مكنش جواز حب... اتجوزها مجبر عشان خاطر جدي... خلف منها ٣ بنات... بس دايماً كان صوتها عالي عليه وبتعامله بطريقة تجرح كرامة أي راجل... هو كان بيتحمل عشان أخواتي البنات... بس في يوم جه القاهرة في شغل لصاحبه واتعرف على أخته اللي هي أمي... حبها واتقدم لها ولأن صاحبه كان عارف حكايته وافق... وكمان السبب اللي خلاه يوافق خوفه على أمي من بعده لأنه كان مريض... أبويا اتجوز أمي وعاشوا هنا في القاهرة في بيت جدي أبو أمي بعد ما دفع لها مهر يساوي حقه وزيادة... وخالي اتوفى بعدها بفترة وأمي حملت فيا... أبويا كان فرحان بيا جداً وكان دايماً بيحب يقعد عندنا."
تنهد يسترسل بألم: "بس جدي عرف وخيّره إما يطلق أمي وياخدني ونعيش في الصعيد، أو ميرجعش البلد خالص... وأبويا فعلاً بعد عن أهله فترة كبيرة لحد ما جدي مقدرش على بعده وسامحه ورجع أبويا، بس لكن إحنا لأ... وبرغم كل ده، إلا أن أبويا كان بيعاملني كويس جداً وكان نفسه إني أطلع ضابط... بس بعدين أبويا بدأ يتعب من غير سبب... وفي مرة وهو عندنا حصلت له أزمة، ولما وصلنا لأقرب مستشفى قالوا إنه اتوفى... كانت صدمة ليا طبعاً خصوصاً إن عمري كان ١٥ سنة... بعدها بقى جم أهلي أخدوا جثة أبويا واتحرم عليا من وقتها إني أشوفه أو حتى أودعه... واتقال إن أمي هي السبب في موته... بعدها جدي كلمني وطلب مني إني أروح أعيش معاهم وأسيب أمي تعيش هنا لوحدها... بس أنا رفضت... أمي قبلي... أمي اتعذبت كتير أوي وأنا نفسي أعوضها فعلاً عن كل ده... بس طبعاً ماقدرتش أحقق حلم أبويا في إني أكون ضابط لأن أمي مكنتش هتقدر على مصاريف الدراسة، فقررت أقدم في معهد معاوني أمن وأتدرب وآخد دورات لحد ما بقيت حارس أمن شخصي زي ما انتي شايفة... وبس يا ستي دي حكايتي."
نظرت له بعيون لامعة، وأردفت: "مامتك دي عظيمة أوي... وإن شاء الله تعوضيها عن كل العذاب اللي شافته."
ابتسم لها، ومد كفه يضعها حول وجنتها، مردفاً بحنو: "يالا ننام."
توترت مبتدعة، تردف بعيون حائرة: "ننام!"
تنهد مستغفراً، ثم جرها خلفه ببطء من كفها الصغير الذي ضاع في راحة يده الرجولية، مردفاً وهو يدلف غرفتهما: "ننام يا سيلين... نناااام."
دلفا سوياً، وهي تنقاد خلفه بزعر، ولكنه فاجأها بصعوده على الفراش، ساحباً إياها بجانبه، يضع ذراعه أسفل رأسها، والآخر يحيطها به بتملك.
أردف وهو يطالعها بحب وحنو: "نامي يا سيلين... نامي ومتخافيش مني مرة تانية."
نظرت له بحب وطمأنينة، تومئ بصمت، ثم دثرت رأسها في عنقه.
وفي لحظة، عادت بذكرياتها إلى طفولتها عندما كانت في الخامسة من عمرها، وكانت تنام في حضن والدها متذمرة على النوم بمفردها.
نعم، كان يشبه عناقه هذا، لا بل هو ذاته، نفس الرائحة الرجولية التي تطمئنها.
دثرت نفسها بتعمق أكثر بداخله.
رحب هو بها، وأفسح لها مجال ضلوعه، وحاوطها بكل حب وعاطفة وحنو، يعلم أنها بحاجتهم، وناما سوياً كأنهما لم يذيقا طعم النوم طوال حياتهما.
وهو تعمد فعل ذلك عندما رأى خوفها وتوترها، لقد أرادها مطمئنة، يريد كسب ثقتها بحق، وليس خطة، يريد امتلاك قلبها.
حل الصباح.
صباح مختلف تماماً عن أي صباح مر عليه في حياته.
صباح بطعم الحب، وبنكهة البراءة والجمال.
فُتح عينه على أجمل ملامح رآها، إنها زوجته المصون، تنام بعمق بين يديه، كأنها تعتاد على هذا الركن منذ زمن.
كان ينظر لها ولا يصدق أنها حقيقية، حتى النفس يخاف أن يأتي إليها، فتختفي من بين يديه كالسراب.
لقد كانت منذ شهر حلماً بعيداً بالنسبة له، وها هي اليوم بين يديه، حلاله، زوجته، نصيبه الحلو من هذه الدنيا الظالمة.
سيتناسى مؤقتاً تلك الخطة اللعينة ويستمتع معها.
لم يكن في خاطره أن هناك مشاعر بهذا الجمال إلا الآن.
قربها، عناقها، ثقتها، وأمانها في وجوده.
كل هذا يشعره بسلطانه ورجولته.
يعشقها، يعلم أن ربما ستنفتح بينهما فجوة عندما تعلم بحقيقة الأمر، ولكنه سيعالجها ويرممها، وهذا ظنه.
يكفي أن لا تبتعد عنه، يكفي أنها زوجته وتحت حمايته.
أمال على جبينها يقبله، فدثرت نفسها في عنقه مجدداً، كأنها ما زالت تعتقد أنه والدها.
تنام بعمق وراحة، كأنها كانت مستيقظة سنوات عدة.
ظل مستيقظاً يتطلع إليها دون أن يصدر صوتاً، حتى لا تستيقظ.
وبرغم أن ثباته على تلك الوضعية يحتاج طاقة قصوى، إلا أنه كان ثابتاً.
تململت بعد ساعة بين يديه، وفتحت عيناها بتكاسل، وهي تتطلع عليه، ثم تغلقهم ثانياً وتفتحهم حتى تتأكد.
إنه هو! ليس حلماً جميلاً، بل حقيقة!
نظرت له بتعجب، فأردف مبتسماً بوسامة الصباح على وجهه: "صباح الخير."
تحمحمت، وأردفت بصوت متحشرج، وهي تحاول الفكاك من قبضته بحرج: "احم... صباح النور."
أردف متسائلاً باهتمام: "نمّتي كويس؟"
ابتعدت قليلاً، وأردفت بخجل ونعومة: "جداً."
أردف مشاكساً وهو يقترب منها: "طب الحمد لله... ادعيلي بقى."
رفع رأسها، ووضعها فوق ذراعه مجدداً، ثم استرسل وهو يطالعها بتهيئة وعاطفة: "متبعديش عن حضني يا سيلين... لأنني محتاجة أكتر منك... يعني من هنا ورايح اعتبري حضني هو بيتك."
أومأت له، وأردفت بصدق: "أنا فعلاً كنت مرتاحة أوي امبارح ونمت كويس... سلطان انت حضنك فكرني بحضن بابا ليا وأنا طفلة صغيرة... يعني متقلقش مش هعرف أبعد عنه بعد كده."
ابتسم بحنو، مردفاً بترقب وقلق: "مهما حصل! هتفضلي جنبي مهما حصل يا سيلين؟"
نظرت له بحب، مردفة ببراءة متجاهلة مقصده: "تؤ تؤ... على فكرة... أنا عايزة أشكرك... لأنك حسيت خوفي وقلقي امبارح وقدرت إنك تبيده... يعني مقدرش أبعد عنك لأن أماني معاك انت."
تنهد ينظر لها بحب، وهناك حبل خفي (ضميره) يلتف حول عنقه يكاد يخنقه.
يريدها ويتحكم في نفسه بصعوبة حتى لا يندم.
تلك الخطة اللعينة تأرقه.
أخرجته من شروده، مردفة بترقب: "سلطان! إحنا لازم ننزل الشركة... عشان محدش ياخد باله."
التفت ينظر لسقف الغرفة، ويتنهد بضيق، مردفاً: "عارف... بس كنت بحاول أنسى الدنيا شوية."
نظر لها مسترسلاً بحنو: "قومي نفطر الأول وبعدين ننزل."
أومأت له، وقاما الاثنان يستعدا لبدء يوم جديد في حياتهما الجديدة.
انتهى من تحضير أنفسهما، وتناولا وجبة الفطار، ونزل الاثنان بعدما أخبرهما رأفت بمجيئه.
نزل سلطان يحتضن كف سيلين بتملك وحب.
وصل لأسفل، واتجه يركبا سوياً السيارة.
صعدت هي في الخلف، وصعد سلطان في الأمام، حتى لا يلاحظ العاملين في الشركة أي وضع غريب.
غادر رأفت بعدها، وابتعدت السيارة.
وخرج هذا الذي كان يراقب السائق من خلف المبنى، بعدما رآها، يردف بصدمة وتوعد: "تؤ تؤ تؤ... سيلين الحلواني بجلالة قدرها، قدر الحارس ده يوقعها ويضحك عليها... ههه وعاملالي فيها شريفة وبريئة... صحيح مطلعتيش سهل يا سلطان... بس حلو... كله ربح لينا... بعدها استلقي وعدك مني أنا بقى يا حلوة... عشان تبقى ترفضيني وتقللي مني قدام الشركة كلها."
غادر مبتسماً بعدما عزم أمره على النيل منها أثناء تواجدها هنا وحدها.
في الطريق، أردف سلطان باعتذار: "سيلين... معلش يا حبيبتي أنا هوصلك الشركة وأروح أطمّن على أمي... بس متقلقيش عربية الحرس في طريقها للشركة وهما هيفتحوا عينهم كويس... هروح وأرجعلك بسرعة."
ابتسمت بحب، وأردفت بقبول: "روح يا سلطان اطمن وطمني ومتقلقش عليا... خليك معاها شوية وهستناك نروح سوا."
التفت ينظر لها، ثم غمز بطرف عينه، مردفاً بمشاكسة: "وتشربي شاي صعيدي؟"
تحمحم رأفت، مردفاً بتنبيه: "احم... نحن هنا."
ضحك سلطان عليه، بينما ابتسمت سيلين بخجل وفضلت الصمت.
وصلا أمام مقر الشركة، فنزل وأنزلها، ودلف معها للداخل، ومنه إلى المصعد أمام أعين الجميع المتسائلة، فالوضع زائداً قليلاً عن المعتاد.
بينما هو أوصلها حتى مكتب وداد، التي وقفت متعجبة، تردف بتساؤل: "سيلين! انتي جيتي ليه بس؟"
أجاب سلطان بدلاً عنها بحب: "معلش يا وداد سبيها على راحتها."
نظر لها يردف وهو شبه ملتصق فيها: "يالا ادخلي شوفي شغلك وأنا هرجعلك بسرعة... خدي بالك من نفسك."
ثم أكمل وهو يطالع وداد: "وداد سيلين أمانة عندك لحد ما أرجع."
أومأت مبتسمة، تطالع سيلين بخبث، وتردف: "أكيد يا سلطان في عيني."
قرصها في وجنتها بحنو، ثم غادر بعدها، وسحب معه الهواء من رئتيها، فتنهدت بعمق تنظر لأثره مبتسمة وشاردة، بينما وداد أردفت متحمحمة: "احم... نحن هنا."
نظرت لها سيلين بغيظ، ثم خطت إلى مكتبها وأغلقت الباب خلفها بقوة، ثم اتجهت تباشر عملها.
أما هو، فنزل لأسفل، ومنه إلى الخارج، حيث استقل سيارة أجرة وغادر إلى حارته.
في الحارة.
تقف منيرة في منزلها ترتب أغراضه قليلاً، ثم تتوقف، واضعة يدها على صدرها، تتنفس بتعب وإجهاد، ثم تكمل ما تفعله.
طرق عنيف على باب المنزل جعلها تنتفض، مردفة وهي تبصق داخل قميصها، مردفة: "بسم الله الرحمن الرحيم... مين؟"
أردفت لمياء بصوت حاد: "أنا يا خالتي افتحيلي."
تعجبت منيرة، واتجهت تفتح الباب، فإذا بلمياء تندفع داخل المنزل، تنظر بعينيها، مردفة بغضب: "هو فين يا خالتي؟ هو هنا؟"
أردفت منيرة بتعجب: "إيه فيه إيه يا لمياء... حد يدخل على الناس كده! سلطان مش هنا يا بنتي... بايت برة في شغل."
اتسعت عيناها، مردفة بتعنيف: "بايت برة! إزاي وفين؟ وليه مقاليش! ومش بيرد عليا!"
تنهدت منيرة بضيق، مردفة: "يأ بنتي مش كده... بطلي بقى عمايلك دي... سلطان مبيحبش كده... كنتي بتعملي كده قبل ما تتخطبوا وكنت بقول معلش بتحبه ونفسها تتخطب له... ودلوقتي مخطوبين وقربتوا تتجوزوا... اهدّي شوية الراجل مبيحبش الست اللي تخنقه وتحسسه إنها مش واثقة فيه."
أردفت لمياء ساخرة: "لأ معلش يا خالتي الأسلوب ده استعمليه انتي ده كده الراجل يركب ويدلدل رجليه... لازم تراقبيه وتعرفي كل خطوة وإلا هيفلت من إيدك."
صوت حاد من خلفها تساءل، مردفاً: "هو مين اللي هيركب ويدلدل رجليه يا لمياء... مش سلطان السوهاجي اللي يتقال عليه كده يا بنت الأصول."
التفتت لمياء تطالعه، مردفة بتوتر وندم ماكر: "سلطان! أنا... حقك عليا أنا مقصدش بس من قلقي عليك... انت كنت فين... خالتي منيرة بتقول إنك كنت بايت برة."
نظر لأمه بعتب، بينما اتجه يجلس على الأريكة، مردفاً بثبات: "انتي عارفة إني في شغلي... وعارفة إن بحكم الشغل ممكن أسافر في أي وقت... يعني مالوش لزوم وجودك هنا."
تركتهما منيرة، ودلفت غرفتها وأغلقت عليها كي تعطي لهما بعض الخصوصية، بينما لمياء اتجهت تجلس جواره، مردفة بدلال وعتب: "كده يا سلطان! وأنا اللي قلقلت عليك... وانت عارف إني لما بقلق عليك بتصرف بعصبية."
أردف بنبرة صارمة: "يبقى تتعصبي بعيد عن أمي يا لمياء... أوعي مرة تانية تتكلمي معاها كده."
أومأت تقلب عينيها، ثم أردفت بتساؤل: "ماشي... بس قولي وصلت لفين؟ قدرت تخلي البت دي تمضي على الورق؟"
نظر لها بغضب وعقله يعمل بجهد. كيف كان سيتزوج من هذه! هي التي سمحت أن يقترب من غيرها فقط ليحصل على المال. كيف كان يراها! الفرق بينها وبين سيلين كالفرق بين السماء والأرض. هذا إن وجد فرق أساساً.
فكر قليلاً، ثم أردف بمراوغة: "اسمعي يابنت الناس... انتي دخلتيني في طريق... سبيني أكمله لآخره... ولما أخلص هتعرفي... متبقيش بقى كل شوية تعملي دوشة وشوشرة وانتي عارفة إن أمي متعرفش بالحوار ده كله... تمام؟"
تنهدت بضيق، ثم أردفت باقتناع: "تمام يا سلطان."
شردت تفكر، ثم استرسلت تفاجئه: "مش أنا عيد ميلادي الأسبوع الجاي."
تنهد يردف بثبات وجمود: "كل سنة وانتي طيبة."
أردفت بسعادة وطمع: "وانت طيب... قولي بقى هتجيبلي إيه؟ عايزة منك هدية حلوة كده."
صمت قليلاً، ثم أردف وهو يتطلع إلى ساعة يده: "لمياء.... الأحسن تروحي... أنا جاي أغير هدومي وراجع الشغل تاني."
تنهدت بضيق، وململت، ثم وقفت تردف مغادرة: "مااااشي... يلا سلام."
غادرت، ومسح هو على وجهه بيديه، مردفاً بضيق: "استغفر الله العظيم."
خرجت منيرة بعدها، بعدما سمعت صوت إغلاق الباب، تردف ناظرة له: "سلطان!"
رفع نظره إليها، فاتجهت تجلس بجواره، مردفة وهي تتطلع على ملامحه بقلق: "مالك يا حبيبي؟"
تمدد على قدميها، يضم ركبتيه كالطفل، مردفاً باختناق: "تعبت ياما... نفسي آخدك ونمشي من هنا في أسرع وقت."
تعجبت منيرة، وهي تملس على فروة رأسه، متسائلة: "يعني إيه يا سلطان! هنروح فين؟ وخطيبتك يابني؟"
شرد يفكر، ثم أردف بترقب: "هحكيلك يا ماما كل حاجة بس أنا دلوقتي لازم أرجع على الشغل... يمكن بردو أبات برة النهاردة... متقلقيش عليا وخذي بالك من نفسك... ولو احتجتي أي حاجة كلميني."
وقف يقبل يدها، فأردفت بحنو: "مش هتاكل يا سلطان!"
أردف بحب: "حقك عليا يا ست الناس... أنا فاطر في الشغل من بدري... يلا سلام."
أومأت برضا، مردفة: "ماشي يا عمري... ربنا يريح قلبك يابني يارب."
غادر هو، بينما عقله يحدثه داخلياً. ربما تتقبل والدته أمر زواجه. هي كل ما يهمها أولاً وأخيراً راحته. إنها ترى أن راحته ليست مع لمياء. يعلم أنها ستتقبل الوضع وستحب سيلين، ولكن أولاً عليه أن يريها أن علاقته بلمياء كانت وستظل علاقة فاشلة ليست صحيحة.
انتهى يوم العمل، ونزلت سيلين بعدما أخبرها سلطان أنه ينتظرها في الأسفل.
وصلت لعنده، وكان كلاهما يرتدي نظارته، ولكن كلاهما يعلم نظرات الآخر له.
أومأت له، واتجهت تصعد في الخلف، وهو بجانب السائق، وغادرا إلى منزلهما.
وصلا بعد حوالي ٤٠ دقيقة أمام شقتهما.
غادرت السيارة، وصعدا معاً.
دلفت سيلين هذه المرة، تردف بمرح غير معتاد: "سلطان أنا هروح أبدل هدومي وأحضر أنا الأكل."
اقترب منها حد الالتصاق، ثم رفع يمناه يلمس وجنتها ببطء، أثارها وأرعش قلبها الهش، مردفاً بحب: "هنحضره سوا."
دنا فجأة يقبل وجنتها بهدوء شديد، كانت ستبتعد، ولكن عندما لامست شفتاه بشرتها، يبدو أنها التصقت به.
تخشى الابتعاد أو حتى التنفس.
لم تتوقع فعلته.
أغمضت عيناها، وقاربت وجنتها أكثر منه، مستمتعة بتلك المشاعر التي تتزاحم داخلها لأول مرة.
وما يريحها أنه حلالها.
أمال قليلاً يسير بشفتاه، إلا أن وصل إلى رقبتها، فقبلها قبلة ناعمة هزت خلاياها النائمة وخلاياه أيضاً.
امتدت يده تحاوط خصرها بتملك، محتضناً إياها بقوة وحنو، يستنشق رائحتها التي عشقها مؤخراً.
فليلة أمس كانت تلك الرائحة تراوده في أحلامه.
رائحة اللافندر المنعشة التي تستخدمها مع كل شاور.
إنها رائعة بكل ما فيها.
تنهد مبتعداً، ينظر لعيناها المغلقة بعشق، مردفاً بصوت متحشرج وتنفس بطيء أثر مشاعره: "سيلين أنا بحبك."
فتحت عيناها تنظر له بدموع.
نعم، تبكي لأنها كانت قد فقدت الأمل في العودة لبر الأمان.
كانت أيقنت أنها قاربت على الغرق على يد أقاربها.
ولكن جاء هو، وكان زورق نجاتها.
انتشلها من المحيط إلى يابسة قوية متينة، بل والمزهرة أيضاً.
إنه مأمنها الذي حقاً شعرت معه بالراحة والألفة، كأنها تعرفه منذ زمن.
أردفت بصدق ونعومة وعيون دامعة: "وأنا كمان يا سلطان... أنا كمان بحبك أوي."
مد ذراعه يضعها في جيب جاكيته، وأخرج منه منديلاً ورقياً، ورفعه أمام عينيها، مردفاً بمشاكسة كي يضحكها: "المناديل يا هانم... واضح إني هعمل معاكي صفقة مناديل قريب."
ابتسمت، والتقطته منه، ووضعت رأسها على صدره، تردف وهي تجفف دموعها: "عملتها خلاص... بقيت انت الوحيد اللي بتمسح دموعي."
ربت على ظهرها بحنو، وقبل رأسها، مردفاً: "طب يلا بقى نتغدا... أنا جعان جداً."
ابتعدت تردف بتساؤل: "مامتك عاملة إيه؟"
ابتسم لها بحنو، يردف: "كويسة جداً."
أومأت له، ودلفت غرفتها تبدل ثيابها، بينما هو اتجه للمرحاض الآخر أيضاً يبدل ثيابه.
خرجت من غرفتها بعدما ارتدت تي شيرت ذو حمالات رفيعة ضيق أظهر الكثير مما كانت تخفيه، وبنطال ضيق، ووضعت عطرها الفواح، ولفت شعرها كعكة فوضوية، واتجهت إليه في المطبخ، مردفة بتساؤل: "بتعمل إيه يا سلطان... مش قولنا هنعمله سوا."
تطلع إليها ولم يزحزح ناظره.
يا إلهي كل هذا الجمال والرقة والبراءة والأنوثة ملكي! حلالي! زوجتي!
ويل لك يا رجل... ستهلك لا محالة.
توترت من نظراته، وابتعدت تشغل نفسها في توضيب الأطباق، بينما هو انتبه على حاله، وعاد يستكمل ما كان يفعله برأس مشوشة في هيأتها الحابسة للأنفاس.
وضعا الأطباق سوياً، وجلس يتناولان الطعام، والأفواه مغلقة، ولكن العيون تتحدث.
انتهى من الطعام الصامت هذا.
وقف هو يجمع الأطباق، بينما هي أردفت متعذرة: "سلطان معلش هقوم أخلص حاجة خاصة بالشغل على اللاب... يعني ربع ساعة بس."
أومأ، مردفاً وهو يحضر الشاي: "تمام... وأنا هشرب الشاي لحد ما تخلصي."
اتجهت تحضر جهاز اللاب توب الخاص بها، وجلست على الأريكة تحتضن بعض الوسائد، وقد بدأت تندمج في العمل.
بينما هو أحضر كوب الشاي، واتجه يجلس بجوارها، يتابع التلفاز بعينه، ولكن قلبه وعقله ومشاعره مع تلك الجالسة بجواره، ولا تبالي.
انتهى من الشاي، وانتهى المسلسل الدرامي أيضاً، ولم تنتهِ هي من عملها.
تغلغلت رائحة اللافندر خاصتها إلى أنفه الشامخة، فأشعلت رغبته بها، ولما لا، وهو المتيم بها.
معها ينسى كل الحواجز.
يصبح مغامر ومتسلق لجبال عالية ربما تتسبب في هلاكه، ولكنها رغبة بداخله تجبره على الكمال.
ولما لا، فحلاله تجلس بجانبه بهذه الهيئة التي تذيب جليد القطب الشمالي بأكمله.
تزحزح من مكانه، يقترب منها ببطء، علها تلاحظ، ولكن يبدو أن تركيزها كاملاً على هذا الحاسوب.
ظل يتزحزح ببطء، إلا أن التصق بها، فلف يده حول عنقها، يقربها منه بحب، مردفاً بتساؤل، وهو يتطلع على الجهاز: "احم... خلصتي."
أومأت، وهي تضغط أزراره باحترافية: "أيوه قربت خالص."
أمال بوجه مقترباً من وجهها، وقرب شفتيه من أذنها ببطء، يردف بهمس، وقد تحركت مشاعره القوية بداخله: "اتأخرتي."
اهتزت داخلياً وخارجياً، وللمرة المليون تأتيها الرعشة أسفل معدتها، مما جعلها تغلق عيناها، فأغلق هو الجهاز بيده الأخرى، مطبقاً صفحاته على بعضها، وقد اندمجا اثنانهما في مشاعر تجريبية لاول مرة.
أردفت هي ببطء هامسة بنعومة: "سلطان!"
أردف كالمغيب، وهو يقبلها قبلة ناعمة على ملامحها البريئة: "عيونه وقلبه."
تنهدت بقوة، وكأنها حبيسة النفس، وهو يستمر في ما يفعله بعناية واهتمام، إلا أن وصل لشفتيها، فالتهمهما في قبلة ناعمة شغوفة رجولية، جعلتها تستسلم لبركان مشاعره.
انشغلا معاً في عالم خاص بهما، جديد عليهما، وسلطان الذي يتقن عمله جيداً في فنون الحب والحنان والعاطفة، بينما هي كانت بين يديه ناعمة وساكنة تماماً، مستمتعة بما تشعر به لأول مرة وحصرياً له.
مد يده يحملها، وحتى أنها لم تشعر بذلك، وخطى بها إلى غرفتهما، وهي بين ذراعيه، وهو يقبلها، ثم توقف ينزلها أرضاً، يبتعد مجبراً بمشاعر متضاربة، حاول إيقافها جاهداً، ولكنه لم يستطع، فهو عاشقها لأعلى درجات الوصول.
وهي كانت كالمخدرة، مستسلمة له قلباً وقالباً وبكل جوارحها.
أردف بتوكل: "نصلي الأول!"
هدأت قلبها الثائر، وأومأت بصمت، ووجه يكسوه الحمرة.
وبالفعل شرعا الاثنان في الوضوء، وأديا ركعتين لبدء حياتهما سوياً.
ولنتركهما على راحتهما، ونذهب لأسفل، حيث يقف أدم يراقب المكان، وقد علم من حارس العقار، الذي أعطاه القليل من المال، وأبلغه برقم الشقة والدور المنشود.
ظل يراقب وهو في سيارته بعيون ماكرة لعينة، وينتظر خروج سلطان في أي لحظة لينفذ خطته.
في الطريق، أردف سلطان باعتذار: "سيلين... معلش يا حبيبتي أنا هوصلك الشركة وأروح أطمّن على أمي... بس متقلقيش عربية الحرس في طريقها للشركة وهما هيفتحوا عينهم كويس... هروح وأرجعلك بسرعة."
ابتسمت بحب، وأردفت بقبول: "روح يا سلطان اطمن وطمني ومتقلقش عليا... خليك معاها شوية وهستناك نروح سوا."
التفت ينظر لها، ثم غمز بطرف عينه، مردفاً بمشاكسة: "وتشربي شاي صعيدي؟"
تحمحم رأفت، مردفاً بتنبيه: "احم... نحن هنا."
ضحك سلطان عليه، بينما ابتسمت سيلين بخجل وفضلت الصمت.
وصلا أمام مقر الشركة، فنزل وأنزلها، ودلف معها للداخل، ومنه إلى المصعد أمام أعين الجميع المتسائلة، فالوضع زائداً قليلاً عن المعتاد.
بينما هو أوصلها حتى مكتب وداد، التي وقفت متعجبة، تردف بتساؤل: "سيلين! انتي جيتي ليه بس؟"
أجاب سلطان بدلاً عنها بحب: "معلش يا وداد سبيها على راحتها."
نظر لها يردف وهو شبه ملتصق فيها: "يالا ادخلي شوفي شغلك وأنا هرجعلك بسرعة... خدي بالك من نفسك."
ثم أكمل وهو يطالع وداد: "وداد سيلين أمانة عندك لحد ما أرجع."
أومأت مبتسمة، تطالع سيلين بخبث، وتردف: "أكيد يا سلطان في عيني."
قرصها في وجنتها بحنو، ثم غادر بعدها، وسحب معه الهواء من رئتيها، فتنهدت بعمق تنظر لأثره مبتسمة وشاردة، بينما وداد أردفت متحمحمة: "احم... نحن هنا."
نظرت لها سيلين بغيظ، ثم خطت إلى مكتبها وأغلقت الباب خلفها بقوة، ثم اتجهت تباشر عملها.
أما هو، فنزل لأسفل، ومنه إلى الخارج، حيث استقل سيارة أجرة وغادر إلى حارته.
في الحارة.
تقف منيرة في منزلها ترتب أغراضه قليلاً، ثم تتوقف، واضعة يدها على صدرها، تتنفس بتعب وإجهاد، ثم تكمل ما تفعله.
طرق عنيف على باب المنزل جعلها تنتفض، مردفة وهي تبصق داخل قميصها، مردفة: "بسم الله الرحمن الرحيم... مين؟"
أردفت لمياء بصوت حاد: "أنا يا خالتي افتحيلي."
تعجبت منيرة، واتجهت تفتح الباب، فإذا بلمياء تندفع داخل المنزل، تنظر بعينيها، مردفة بغضب: "هو فين يا خالتي؟ هو هنا؟"
أردفت منيرة بتعجب: "إيه فيه إيه يا لمياء... حد يدخل على الناس كده! سلطان مش هنا يا بنتي... بايت برة في شغل."
اتسعت عيناها، مردفة بتعنيف: "بايت برة! إزاي وفين؟ وليه مقاليش! ومش بيرد عليا!"
تنهدت منيرة بضيق، مردفة: "يأ بنتي مش كده... بطلي بقى عمايلك دي... سلطان مبيحبش كده... كنتي بتعملي كده قبل ما تتخطبوا وكنت بقول معلش بتحبه ونفسها تتخطب له... ودلوقتي مخطوبين وقربتوا تتجوزوا... اهدّي شوية الراجل مبيحبش الست اللي تخنقه وتحسسه إنها مش واثقة فيه."
أردفت لمياء ساخرة: "لأ معلش يا خالتي الأسلوب ده استعمليه انتي ده كده الراجل يركب ويدلدل رجليه... لازم تراقبيه وتعرفي كل خطوة وإلا هيفلت من إيدك."
صوت حاد من خلفها تساءل، مردفاً: "هو مين اللي هيركب ويدلدل رجليه يا لمياء... مش سلطان السوهاجي اللي يتقال عليه كده يا بنت الأصول."
التفتت لمياء تطالعه، مردفة بتوتر وندم ماكر: "سلطان! أنا... حقك عليا أنا مقصدش بس من قلقي عليك... انت كنت فين... خالتي منيرة بتقول إنك كنت بايت برة."
نظر لأمه بعتب، بينما اتجه يجلس على الأريكة، مردفاً بثبات: "انتي عارفة إني في شغلي... وعارفة إن بحكم الشغل ممكن أسافر في أي وقت... يعني مالوش لزوم وجودك هنا."
تركتهما منيرة، ودلفت غرفتها وأغلقت عليها كي تعطي لهما بعض الخصوصية، بينما لمياء اتجهت تجلس جواره، مردفة بدلال وعتب: "كده يا سلطان! وأنا اللي قلقلت عليك... وانت عارف إني لما بقلق عليك بتصرف بعصبية."
أردف بنبرة صارمة: "يبقى تتعصبي بعيد عن أمي يا لمياء... أوعي مرة تانية تتكلمي معاها كده."
أومأت تقلب عينيها، ثم أردفت بتساؤل: "ماشي... بس قولي وصلت لفين؟ قدرت تخلي البت دي تمضي على الورق؟"
نظر لها بغضب وعقله يعمل بجهد. كيف كان سيتزوج من هذه! هي التي سمحت أن يقترب من غيرها فقط ليحصل على المال. كيف كان يراها! الفرق بينها وبين سيلين كالفرق بين السماء والأرض. هذا إن وجد فرق أساساً.
فكر قليلاً، ثم أردف بمراوغة: "اسمعي يابنت الناس... انتي دخلتيني في طريق... سبيني أكمله لآخره... ولما أخلص هتعرفي... متبقيش بقى كل شوية تعملي دوشة وشوشرة وانتي عارفة إن أمي متعرفش بالحوار ده كله... تمام؟"
تنهدت بضيق، ثم أردفت باقتناع: "تمام يا سلطان."
شردت تفكر، ثم استرسلت تفاجئه: "مش أنا عيد ميلادي الأسبوع الجاي."
تنهد يردف بثبات وجمود: "كل سنة وانتي طيبة."
أردفت بسعادة وطمع: "وانت طيب... قولي بقى هتجيبلي إيه؟ عايزة منك هدية حلوة كده."
صمت قليلاً، ثم أردف وهو يتطلع إلى ساعة يده: "لمياء.... الأحسن تروحي... أنا جاي أغير هدومي وراجع الشغل تاني."
تنهدت بضيق، وململت، ثم وقفت تردف مغادرة: "مااااشي... يلا سلام."
غادرت، ومسح هو على وجهه بيديه، مردفاً بضيق: "استغفر الله العظيم."
خرجت منيرة بعدها، بعدما سمعت صوت إغلاق الباب، تردف ناظرة له: "سلطان!"
رفع نظره إليها، فاتجهت تجلس بجواره، مردفة وهي تتطلع على ملامحه بقلق: "مالك يا حبيبي؟"
تمدد على قدميها، يضم ركبتيه كالطفل، مردفاً باختناق: "تعبت ياما... نفسي آخدك ونمشي من هنا في أسرع وقت."
تعجبت منيرة، وهي تملس على فروة رأسه، متسائلة: "يعني إيه يا سلطان! هنروح فين؟ وخطيبتك يابني؟"
شرد يفكر، ثم أردف بترقب: "هحكيلك يا ماما كل حاجة بس أنا دلوقتي لازم أرجع على الشغل... يمكن بردو أبات برة النهاردة... متقلقيش عليا وخذي بالك من نفسك... ولو احتجتي أي حاجة كلميني."
وقف يقبل يدها، فأردفت بحنو: "مش هتاكل يا سلطان!"
أردف بحب: "حقك عليا يا ست الناس... أنا فاطر في الشغل من بدري... يلا سلام."
أومأت برضا، مردفة: "ماشي يا عمري... ربنا يريح قلبك يابني يارب."
غادر هو، بينما عقله يحدثه داخلياً. ربما تتقبل والدته أمر زواجه. هي كل ما يهمها أولاً وأخيراً راحته. إنها ترى أن راحته ليست مع لمياء. يعلم أنها ستتقبل الوضع وستحب سيلين، ولكن أولاً عليه أن يريها أن علاقته بلمياء كانت وستظل علاقة فاشلة ليست صحيحة.
انتهى يوم العمل، ونزلت سيلين بعدما أخبرها سلطان أنه ينتظرها في الأسفل.
وصلت لعنده، وكان كلاهما يرتدي نظارته، ولكن كلاهما يعلم نظرات الآخر له.
أومأت له، واتجهت تصعد في الخلف، وهو بجانب السائق، وغادرا إلى منزلهما.
وصلا بعد حوالي ٤٠ دقيقة أمام شقتهما.
غادرت السيارة، وصعدا معاً.
دلت سيلين هذه المرة، تردف بمرح غير معتاد: "سلطان أنا هروح أبدل هدومي وأحضر أنا الأكل."
اقترب منها حد الالتصاق، ثم رفع يمناه يلمس وجنتها ببطء، أثارها وأرعش قلبها الهش، مردفاً بحب: "هنحضره سوا."
دنا فجأة يقبل وجنتها بهدوء شديد، كانت ستبتعد، ولكن عندما لامست شفتاه بشرتها، يبدو أنها التصقت به.
تخشى الابتعاد أو حتى التنفس.
لم تتوقع فعلته.
أغمضت عيناها، وقاربت وجنتها أكثر منه، مستمتعة بتلك المشاعر التي تتزاحم داخلها لأول مرة.
وما يريحها أنه حلالها.
أمال قليلاً يسير بشفتاه، إلا أن وصل إلى رقبتها، فقبلها قبلة ناعمة هزت خلاياها النائمة وخلاياه أيضاً.
امتدت يده تحاوط خصرها بتملك، محتضناً إياها بقوة وحنو، يستنشق رائحتها التي عشقها مؤخراً.
فليلة أمس كانت تلك الرائحة تراوده في أحلامه.
رائحة اللافندر المنعشة التي تستخدمها مع كل شاور.
إنها رائعة بكل ما فيها.
تنهد مبتعداً، ينظر لعيناها المغلقة بعشق، مردفاً بصوت متحشرج وتنفس بطيء أثر مشاعره: "سيلين أنا بحبك."
فتحت عيناها تنظر له بدموع.
نعم، تبكي لأنها كانت قد فقدت الأمل في العودة لبر الأمان.
كانت أيقنت أنها قاربت على الغرق على يد أقاربها.
ولكن جاء هو، وكان زورق نجاتها.
انتشلها من المحيط إلى يابسة قوية متينة، بل والمزهرة أيضاً.
إنه مأمنها الذي حقاً شعرت معه بالراحة والألفة، كأنها تعرفه منذ زمن.
أردفت بصدق ونعومة وعيون دامعة: "وأنا كمان يا سلطان... أنا كمان بحبك أوي."
مد ذراعه يضعها في جيب جاكيته، وأخرج منه منديلاً ورقياً، ورفعه أمام عينيها، مردفاً بمشاكسة كي يضحكها: "المناديل يا هانم... واضح إني هعمل معاكي صفقة مناديل قريب."
ابتسمت، والتقطته منه، ووضعت رأسها على صدره، تردف وهي تجفف دموعها: "عملتها خلاص... بقيت انت الوحيد اللي بتمسح دموعي."
ربت على ظهرها بحنو، وقبل رأسها، مردفاً: "طب يلا بقى نتغدا... أنا جعان جداً."
ابتعدت تردف بتساؤل: "مامتك عاملة إيه؟"
ابتسم لها بحنو، يردف: "كويسة جداً."
أومأت له، ودلفت غرفتها تبدل ثيابها، بينما هو اتجه للمرحاض الآخر أيضاً يبدل ثيابه.
خرجت من غرفتها بعدما ارتدت تي شيرت ذو حمالات رفيعة ضيق أظهر الكثير مما كانت تخفيه، وبنطال ضيق، ووضعت عطرها الفواح، ولفت شعرها كعكة فوضوية، واتجهت إليه في المطبخ، مردفة بتساؤل: "بتعمل إيه يا سلطان... مش قولنا هنعمله سوا."
تطلع إليها ولم يزحزح ناظره.
يا إلهي كل هذا الجمال والرقة والبراءة والأنوثة ملكي! حلالي! زوجتي!
ويل لك يا رجل... ستهلك لا محالة.
توترت من نظراته، وابتعدت تشغل نفسها في توضيب الأطباق، بينما هو انتبه على حاله، وعاد يستكمل ما كان يفعله برأس مشوشة في هيأتها الحابسة للأنفاس.
وضعا الأطباق سوياً، وجلس يتناولان الطعام، والأفواه مغلقة، ولكن العيون تتحدث.
انتهى من الطعام الصامت هذا.
وقف هو يجمع الأطباق، بينما هي أردفت متعذرة: "سلطان معلش هقوم أخلص حاجة خاصة بالشغل على اللاب... يعني ربع ساعة بس."
أومأ، مردفاً وهو يحضر الشاي: "تمام... وأنا هشرب الشاي لحد ما تخلصي."
اتجهت تحضر جهاز اللاب توب الخاص بها، وجلست على الأريكة تحتضن بعض الوسائد، وقد بدأت تندمج في العمل.
بينما هو أحضر كوب الشاي، واتجه يجلس بجوارها، يتابع التلفاز بعينه، ولكن قلبه وعقله ومشاعره مع تلك الجالسة بجواره، ولا تبالي.
انتهى من الشاي، وانتهى المسلسل الدرامي أيضاً، ولم تنتهِ هي من عملها.
تغلغلت رائحة اللافندر خاصتها إلى أنفه الشامخة، فأشعلت رغبته بها، ولما لا، وهو المتيم بها.
معها ينسى كل الحواجز.
يصبح مغامر ومتسلق لجبال عالية ربما تتسبب في هلاكه، ولكنها رغبة بداخله تجبره على الكمال.
ولما لا، فحلاله تجلس بجانبه بهذه الهيئة التي تذيب جليد القطب الشمالي بأكمله.
تزحزح من مكانه، يقترب منها ببطء، علها تلاحظ، ولكن يبدو أن تركيزها كاملاً على هذا الحاسوب.
ظل يتزحزح ببطء، إلا أن التصق بها، فلف يده حول عنقها، يقربها منه بحب، مردفاً بتساؤل، وهو يتطلع على الجهاز: "احم... خلصتي."
أومأت، وهي تضغط أزراره باحترافية: "أيوه قربت خالص."
أمال بوجه مقترباً من وجهها، وقرب شفتيه من أذنها ببطء، يردف بهمس، وقد تحركت مشاعره القوية بداخله: "اتأخرتي."
اهتزت داخلياً وخارجياً، وللمرة المليون تأتيها الرعشة أسفل معدتها، مما جعلها تغلق عيناها، فأغلق هو الجهاز بيده الأخرى، مطبقاً صفحاته على بعضها، وقد اندمجا اثنانهما في مشاعر تجريبية لاول مرة.
أردفت هي ببطء هامسة بنعومة: "سلطان!"
أردف كالمغيب، وهو يقبلها قبلة ناعمة على ملامحها البريئة: "عيونه وقلبه."
تنهدت بقوة، وكأنها حبيسة النفس، وهو يستمر في ما يفعله بعناية واهتمام، إلا أن وصل لشفتيها، فالتهمهما في قبلة ناعمة شغوفة رجولية، جعلتها تستسلم لبركان مشاعره.
انشغلا معاً في عالم خاص بهما، جديد عليهما، وسلطان الذي يتقن عمله جيداً في فنون الحب والحنان والعاطفة، بينما هي كانت بين يديه ناعمة وساكنة تماماً، مستمتعة بما تشعر به لأول مرة وحصرياً له.
مد يده يحملها، وحتى أنها لم تشعر بذلك، وخطى بها إلى غرفتهما، وهي بين ذراعيه، وهو يقبلها، ثم توقف ينزلها أرضاً، يبتعد مجبراً بمشاعر متضاربة، حاول إيقافها جاهداً، ولكنه لم يستطع، فهو عاشقها لأعلى درجات الوصول.
وهي كانت كالمخدرة، مستسلمة له قلباً وقالباً وبكل جوارحها.
أردف بتوكل: "نصلي الأول!"
هدأت قلبها الثائر، وأومأت بصمت، ووجه يكسوه الحمرة.
وبالفعل شرعا الاثنان في الوضوء، وأديا ركعتين لبدء حياتهما سوياً.
ولنتركهما على راحتهما، ونذهب لأسفل، حيث يقف أدم يراقب المكان، وقد علم من حارس العقار، الذي أعطاه القليل من المال، وأبلغه برقم الشقة والدور المنشود.
ظل يراقب وهو في سيارته بعيون ماكرة لعينة، وينتظر خروج سلطان في أي لحظة لينفذ خطته.