تحميل رواية «على القلب سلطان» PDF
بقلم آية العربي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بنيتُ قلعتى وشيدتّها جيداً لكي لا أقعُ في شباكِ أحدهم. وبرغم كثرة أعدائي، إلا أني كنتُ واثقةً من نفسي ومن حصوني. تسللتُ أنت إلى جدار قلبي، لا أعلمُ كيف! وحين كدتٌ أن أكتب معاهدة السلام بين قلوبنا، وجدتُ نفسي داخل ساحة الحرب وأصبحتُ رهينة قلبك، وكنتَ أنتَ أقوى الأعداء. فأخرجتك من صميم قلبي إلى جداره، فباتَ " ". فلماذا إذاً يدّعون أنه ليس ؟ على ضفة نهر النيل وتحديداً على كورنيشه، ذلك المكان الذي يجمع القلوب ببعضها في نزهة شيقة. منها العاشق ومنها المبتلي ومنها المعتاد، ولكل قلبٍ حكايته. يجلس سلطان...
رواية على القلب سلطان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم آية العربي
استيقظت سيلين عند قروب الفجر على اهتزاز هاتف سلطان. فتحت عينيها وجدت نفسها مكبلة بذراع ذلك الذي ينام بعمق، ولما لا وهو الذي حصل على نصيبه من السعادة والمتعة في قربها.
تململت بهدوء من بين يده والتقطت الهاتف تنظر له بترقب، فوجدت اسم المتصل (أمي). انتابها القلق ونظرت لسلطان بتردد، ثم حسمت أمرها وبدأت ت แล้วـه بهدوء مردفة بنعومة:
"سلطان... سلطان."
فتح عينه يطالعها بنعاس مردفاً بقلق وتساؤل:
"نعم يا حبيبتي! انتي كويسة؟"
أومأت له وهي تناوله الهاتف مردفة بترقب:
"مامتك بتتصل يا سلطان."
انتفض يجلس على الفراش، ثم تناول منها الهاتف مسرعاً وأجاب بقلق:
"أمي! مالك فيكي ايه؟"
ردفت منيرة بتعب واجهاد:
"سلطان... حقك عليا يابني أنا عارفة إنك مشغول... بس رجلي هتموتني ومش قادرة أحركها ولا عارفة أعمل ايه أو أتصل بمين... لو تعرف تجيلي يا سلطان!"
قفز من على الفراش قبل أن تكمل كلامها وأردف بعدما انتهت:
"حاضر يا ماما، مسافة السكة وهبقى عندك."
اتجه للمرحاض يغتسل سريعاً، ثم خرج يرتدي ثيابه كاملةً.
ارتدي ثيابه وسيلين تتابعه بقلق متسائلة:
"سلطان! طمني ماما مالها."
تطلع عليها وأردف معتذراً:
"معلش يا حبيبتي... حقك عليا بس أنا لازم أروح أشوفها حالاً... بصي هرجعلك تاني... هجبلها دوا الخشونة وحقنة مسكنة وارجعلك... وانتي اقفلي على نفسك كويس وهكلم رأفت ييجي يقف تحت البيت... تمام."
وقفت تتجه لعنده واردفت وهي تقف قبالته تهدئه:
"تمام يا حبيبي متقلقش عليا... روح انت شوف مامتك وابقي طمني."
أمسك رأسها بكفيه وقبلها على جبينها بحب، ثم أردف مضطراً:
"مش هتأخر."
نزل مسرعاً وقد خرج من المبنى متعجلاً دون أن يرى هذا الذي يدخن بشراهة في سيارته. اتسعت عين آدم لا يصدق أنه غادر أخيراً، لقد ظنه لن يغادر أبداً.
غادر سلطان، بينما ابتسم آدم بمكر واردف وهو يطفئ سيجاره:
"وقته تماماً."
نزل من سيارته يتمايل يميناً ويساراً، إلا أن دلف من المبنى الذي ينام حارسه على مقعده. صعد للأعلى عبر الدرج بصعوبة بسبب سُكْره، إلا أن وصل إلى الطابق المنشود وبحث عن رقم الشقة فوجدها. بدأ يطرق الباب مما جعل القابعة في الداخل تنتفض برعب وتعجب، فسلطان لديه مفتاح!
وقفت تمشي ببطء وترقب وتحمل هاتفها بيد مرتعشة، بينما الآخر لن يكف عن طرق الباب. وقفت خلف الباب تضع عينيها من فتحة العين السحرية لترى من، فانصدمت بوجه آخر إنسان تريد رؤيته. ارتعبت شاهقة مما جعل الآخر يستشعر وجودها مردفاً بصوت شبه عالٍ:
"افتحي يا سيلين... أنا عارف إنك جوة... افتحي هنتكلم."
وضعت يدها على فمها تحبس أنفاسها وتهز رأسها بعنف. ظلت صامتة تستوعب أن ما يحدث ليس حقيقياً، ولكن الآخر لن يكل ولن يمل، بل ظل يطرق الباب بعنف ويصرخ طالباً إياها أن تفتح.
تحلت ببعض الجرأة وقررت أن تحادثه ليغادر، وإلا ربما استيقظ أحدهم وفُضح أمر زواجها. اقتربت من الباب ببطء وتصنتت، فاسترسل:
"افتحي يا سيلين بقولك وبلاش شوشرة."
أردفت من خلف الباب بجرأة كاذبة:
"امشي من هنا بدل ما أطلب لك البوليس."
ضحك ساخراً يردف:
"ولما البوليس ييجي هتقوليلوا ايه على اللي نزل من شوية! قولتلك افتحي بدل ما افضحك يا سيلين يا حلواني."
ارتعب داخلها، وبدون تفكير وبتصرف غبي منها وجسد خائف مرتعش اتجهت تفتح الباب، وما زال ذلك القفل ذو السلسلة يمنعه من الدخول، ناظرة له من خلف الباب تردف بتوتر وهي تطالعه بعيون مرعوبة:
"انت عرفت مكاني ازاي... وعايز مني ايه! ليه مش بتحل عني؟ ليييه؟"
نظر لها يبتسم ماكراً ويردف بخبث ووقاحة:
"افتحي وأنا هقولك عايز ايه."
بصقت على وجهه من خلال تلك الفتحة الواربة واردفت بكره واشمئزاز:
"حيوان."
كادت أن تغلقه، ولكن أسرع يدخل يده حاجزاً، بينما هي صرخت وحاولت نزع يده وإغلاق الباب، ولكنه استخدم قوته المضاعفة عنها وظل يدفع الباب. وعندما وجدت أن الأمر لن يجدي نفعاً، أسرعت تجري على غرفتها صارخة توصد الباب عليها بالمفتاح من الداخل، وقد أمسكت هاتفها وبيد مرتعشة ضغطت على زر الاتصال على منجدها الآدمي الوحيد بعد الله عز وجل سلطان.
كان في طريقه إلى الحارة في سيارة أجرة، بينما رن هاتفه برقمها فأجاب بترقب:
"أيوه يا سيلين."
أردفت صارخة ببكاء ورعب تستنجد به:
"سلطااااان الحقني آدم في الشقة... تعاااالي بسرعة."
ولأول مرة في حياته يتذوق سلطان طعم الرعب والخوف. ها هو عقله يهيئ له أبشع السيناريوهات. أردف بصدمة وروح تكاد تنسحب ببطء من رئتيه:
"جايلك حالاً."
أغلق الهاتف وصرخ في السائق بقوة:
"ارجع تاني حالاً."
رن هاتفه برقم والدته فأجاب يتألم معتذراً، وقد ظهرت دموعه حديثة الولادة في عينيه:
"أمي... هرجعلك في أسرع وقت... علشان خاطري اتحملي ساعة بالكتير وهكون عندك."
أردفت منيرة مطمئنة:
"متقلقش يا حبيبي أنا كويسة... خالتك سامية وجوزها سمعوني وأنا بنازع وجم خبطوا عليا وخدوني عندهم... وخالتك سامية اديت لي حقنة مسكنة."
أردف وقد نزلت دموعه على خده المتجمد:
"تمام."
أغلق معها ولم تعد الحيرة سبيله، بل الرعب على حبيبته فقط. صرخ في السائق بقوة:
"لو تعرف تطير... طيررر."
أسرع السائق خوفاً من هيأته، إلا أن وصل أمام المبنى ونزل كالاعصار المدمر لكل شيء أمامه، ثم صعد الدرج في ثوانٍ معدودة، إلا أن وصل فوجد باب شقته مفتوحاً. اندفع داخلها يصرخ بغل وغضب وهو يراه يحاول فسخ باب الغرفة عليها:
"ااااااادم... ابعد عن مراتى يا ابن ال****."
سمعت صوته من الداخل فتوقفت رعشة جسدها ومسحت دموعها بعنف، بينما في الخارج اقترب سلطان كالأسد الجائع من هذا الذي انتابه الرعب. أمسكه سلطان وباغته بلكمة قوية، حاول الآخر تفاديها ومبادلته اللكمات، ولكن سلطان كان له التحكم، فظل يلكمه والآخر يبادله بضعف، إلا أن قارب على فقدان وعيه وسلطان لم يعد يرى أمامه غير رعب وصوت حبيبته الذي تسبب به هذا الحيوان. وعندما هيأ له ما كاد يفعله، حمله بيد واحدة رافعاً جسده عن الأرض، ثم سقط به على الطاولة الخشبية بقوة مما جعلها تنقسم وينحني هو متألماً من ظهره.
فتحت سيلين غرفتها ونظرت من خلفها برعب، فوجدت سلطان يكاد يقتله، فصرخت برجاء باكية:
"سلطان سيبه هيمووووت... سيبه علشان خاطري."
توقف متحكماً في نفسه بعد عناء بسبب صوتها المرتعش. كان يريد قتله ولكنه توقف خوفاً عليها. ابتعد عنه فوجده غاب عن الوعي. بينما هي أسرعت صارخة تحتضنه بقوة منتفضة تبكي بهستيرية داخل ضلوعه التي أغلقها عليها، يردف متنهداً:
"خلاص اهدى... أنا جنبك... اهدى متخافيش."
ظل يهدأها وينظر لهذا الملقي أرضاً بقرف ووعيد، بينما ابتعد قليلاً يلتقط هاتفه يطلب أحدهم مردفاً:
"انت فين يا رأفت؟... يالا بسرعة."
نظر لسيلين المرتعبة واردف وهو يخلع جاكيته ويغطيها به:
"عملك حاجة؟"
هزت رأسها بعنف فاسترسل:
"يالا ننزل رأفت جاي تحت."
أومأت بخوف وخطت معه للخارج ثم إلى الأسفل، كان قد وصل رأفت وعندما رآهم تساؤل قلقاً:
"خير... سيلين هانم مالها."
صعدت سيلين بتعب ودموع في السيارة بمساعدة سلطان وصعد بجانبها يحتضنها بخوف وتملك مردفاً:
"اطلع يا رأفت الأول ع القصر."
غادر رأفت مسرعاً إلى القصر، بينما في الأعلى تململ آدم محاولاً الوقوف ولكن جسده ممتلئ بالكدمات. سعل بشدة يردف والدماء تتساقط من معالم وجه:
"مراتك! اتجوزتها يا كلب! أنا هعرفك انت وهي... اصبر عليا يا و****."
تسحب إلا أن خرج من الشقة ودخل المصعد وهو يحاول الوقوف بصعوبة، إلا أن استند على تلك اليد التي بالمصعد ونزل للأسفل ينادي على الحرس الذي كان يقضي حاجته مردفاً باستنجاد:
"الحقني... هات تليفونك بسرعة."
أردف الحارس مصدوماً من هيأته:
"مين اللي عمل فيك كدة؟"
صرخ آدم عليه بغضب مردفاً:
"هات تليفونك بقووولك."
ناوله الحارس هاتفه وطلب آدم رقم والده الذي أجاب بعد فترة بنعاس:
"الووو!"
أردف آدم بحدة وهو يتألم ويستند على مقعد الحارس:
"تعالالي حالا... أنا في *****."
أردف نبيل متعجباً بنعاس:
"آدم! خير فيه ايه؟"
صرخ الآخر بغضب وغل مردفاً:
"سيلين والكلب اللي انت اجرته يضحك عليها اتجوزوا... تعالى خدني مش هعرف أسوق."
وصل رأفت قصر الحلواني وقد أخبره سلطان ما حدث معهما، بينما سيلين متمسكة في سلطان بقوة تنام على كتفيه وهو يحتضنها بتملك وحنو ويردف على مسامعها كلمات السكينة والاطمئنان. ربت بحنو على ظهرها مردفاً:
"يالا ياحبيبتي وصلنا."
نزل هو والتفت ليفتح لها الباب ثم تناول يدها وأنزلها، ثم احتضنها بحنو إلا أن دلفا القصر سوياً. استقبلتهما علية مردفة بتساؤل وقلق:
"سيلين! مالك يا عمري؟"
أردفت سيلين مطمئنة بوهن:
"متقلقيش يا دادا أنا كويسة... هطلع بس ارتاح في اوضتي."
أومأت علية وسبقتهما لغرفتها وصعد سلطان خلفها بعدما قرر حمل سيلين حتى لا تجهد في الصعود، يكفيها ما عانته هذه الليلة. تعلقت هي في رقبته ومالت واضعة رأسها على صدره مستسلمة له بالكامل، إلا أن وصل وفتحت لهما علية الباب ودلفا فأغلقته عليهما وغادرت. اتجه للفراش يمددها عليه وتمدد هو الآخر بجانبها وما زالت هي مكبلة جسدها به، وقد بدأت عيناها تغلق، فظل يهدهدها إلا أن نامت كالطفلة.
أما هو فشرد يفكر في عواقب ما حدث وما يمكن أن يحدث. عليه أن يخبرها الحقيقة في أسرع وقت، ولكنه يخشى رد فعلها. يخشى منها وعليها. يعلم أنها ربما تفهمه بطريقة خاطئة أو ربما تراه خائن لها، ولكن من الأفضل أن يخبرها هو في أسرع وقت. أو ربما يعرفها أولاً على والدته حتى تطمئن قليلاً وتتقبل عذره.
بعد أن اطمئن على سيلين وأوصى عليها علية والحرس، غادر ليطمئن على والدته التي هاتفها وأخبرته أنها أصبحت بخير قليلاً.
اتجه نبيل إلى المكان الذي أخبره به آدم وأخذه وغادر مصدوماً من هيأته. يقود السيارة ويتطلع على جسد ابنه مردفاً بغضب:
"عرفت منين إنهم اتجوزا! الكلب كان بيشتغلني... وشرفي مانا سايبه... أنا هعرفه قيمته الزبالة... ده لاهف مني مليووون جنيه."
سعل آدم بشدة واردف مستنداً على باب السيارة:
"سيبهولي... ابعد انت... كله بسببك... بس أنا عايز أعرف عنوان خطيبته أو رقمها."
تعجب نبيل متسائلاً بترقب:
"ليه؟ ناوي على ايه؟"
ابتسم رغم كدماته مردفاً بخبث:
"هقولك... بس تسمع وتنفذ واتفرج عليا وأنا بخطط."
أردف نبيل بشك:
"ماشي... هحاول أجيبلك رقم خطيبته... بس الأول نشوف حد يعالج لك خلقتك دي."
في الحارة، وصل سلطان إلى منزله ودلف فوجد والدته تجلس براحة على الأريكة وتمدد قدماها وتجلس بجانبها جارتها الحاجة سامية تدردش معها في أمور عامة. اتجه لوالده يقبل يدها بحنو ومعالم الحزن والألم بادية على وجهه مردفاً بتساؤل:
"عاملة ايه الوقتي يا ست الناس؟"
أردفت منيرة وهي تربت على يده بحنو:
"الحمد لله يا حبيبي... لولا ستر ربنا ثم خالتك سامية الله يسترها."
تنهد ينظر لجارته مردفاً بامتنان:
"متشكرين يا خالة تعبناكي معانا."
أردفت سامية وهي تقف:
"متقولش كدة يا سلطان ده امك خيرها على الكل هنا... يالا هروح أنا عشان أشوف اللي ورايا."
غادرت الجارة واردف سلطان آمراً:
"يالا قومي عشان آخدك للدكتور."
اعترضت منيرة مردفة:
"لاء يابني أنا بقيت كويسة."
أردف بإصرار:
"يالا ياما هنروح للدكتور."
تنهدت مستسلمة ودلف هو يحضر عباءتها وغطاء رأسها ثم البسها إياهم وغادرا في إحدى سيارات الأجرة التي أوقفها سلطان.
بعد ساعتين عاد سلطان ومعه والدته إلى المنزل مردفاً براحة وهو يحمل أكياس طعام:
"الحمد لله ياما... الدكتور طمنا وقال ترتاحي انتي بس وتبطلي شغل البيت شوية وهتبقي زي الفل."
أردفت منيرة برضا:
"الحمد لله يابني... دانا قولت هيطلع عندي حاجة وحشة... ربنا كريم."
أومأ يجلسها ثم اتجه إلى المطبخ الصغير مردفاً:
"تاكلي الأول وبعدين تاخدي الدوا."
ابتسمت واردفت بحنو:
"ههههه هتعملي الأكل! اتغيرت يا سلطان."
تذكر حبيبته عندما كان يحضر معها الطعام فأردف بحنين:
"فعلاً يا أم سلطان... اتغيرت."
بعد نصف ساعة انتهى من إطعام والدته وأعطاها الدواء وقد قام بتشغيل التلفاز مردفاً بأسف:
"أما معلش... هروح الشغل وارجعلك تاني... زي ما انتي متعمليش أي حاجة... ولو احتجتي حاجة رني عليا وأنا مش هتأخر."
أومأت داعية:
"ماشي يا حبيبي... ربنا يجبرك دنيا وآخرة."
ابتسم يقبل رأسها وغادر متجهاً إلى القصر حيث مازالت تنام حبيبة قلبه بعمق. وصل لعندها ودلف غرفتها ليراها، فوجدها تحتضن الوسادة وشعرها الحريري مفرود خلفها، ولكن يبدو أنها باردة. تسحب يخلع حذاءه ثم صعد على الفراش يرفع الغطاء ويدثر نفسه بقربها، ثم قام بنزع الوسادة وألقاها بعيداً كأنه يغار منها ونام هو مكانها مستمتعاً بقربها يتنفس عطرها ويدمن ملامحها.
أما هي فتململت تفتح عينيها ببطء، فوجدته يبتسم لها بجاذبية وملامح رجولية وسيمة مردفاً:
"شوفتي؟ نمتي في حضني وصحيتي في حضني... حسيتي بغيابي؟"
ابتسمت له واردف بحب وهي تحتضنه بقوة:
"من أول لحظة بعدت عني وأنا حسيت بغيابك طبعاً... فيه فرق طبعاً بين حضنك وحضن المخدة."
ابتسم برضا وعشق وتنهد مردفاً:
"ياريت يا سيلين... ياريت أقدر آخدك وأخد أمي ونبعد عن كل الدوشة دي... ياريت أقدر أفضل في حضنك ده للأبد... هانت يا سيلين... أنا بس لولا تعب أمي كنت حكيت لها عن جوازنا بس خايف تزعل مني عايز أمهدلها الموضوع الأول."
أردفت سيلين بتفكير:
"طيب إيه رأيك يا سلطان لو عرفتني عليها الأول على اني مديرة الشركة مش مراتك!"
ضيق عيناه متسائلاً:
"ازاي؟"
استرسلت تكمل:
"يعني أتعرف عليها ونتكلم ومثلا تقولها إني نفسي أشوف أم الحارس الشخصي بتاعي وكدة."
أردف متسائلاً:
"يعني ينفع أجيبها الشركة تتعرف عليكي؟"
أردفت بقبول:
"آه طبعاً ينفع بس لو أنا أروحلها عشان متتعبش."
أردف بحدة مسرعاً:
"لأ مينفعش... احم أقصد يعني عشان تقتنع أكتر... خليني أجيبها الشركة."
أومأت مردفة بحذر:
"كده أمر جوازنا هيتعرف يا سلطان... آدم هيقول لعمي وعمي هيعرف الشركة كلها... هتعمل ايه؟"
أردف سلطان بتنهيدة:
"هنشف يا سيلين... هنشوف.... بس الأول لازم نقدم بلاغ في الكلب اللي اسمه آدم ده."
هزت رأسها معترضة:
"لأ يا سلطان... مش هبلغ عنه... كفاية عليه الضرب اللي أخده... أنا لو بلغت يا سلطان الصحافة والإعلام ما هيصدقوا يمسكوا حاجة على اسم الحلواني وده هيكون فيه خسارة للشركة... وأنا مستحيل خاطر بأسم بابا عشان خاطر إنسان زي ده."
أومأ بقبول مردفاً باستسلام:
"ماشي يا سيلين... على راحتك... بس بردو قليل عليه."
مد يده يفرد خصلاتها مردفاً بحزن:
"حبيبتي... أنا آسف يمكن مش هقدر أنام هنا... لازم أروح."
نظرت له بحزن وتسائلت:
"ليه يا سلطان؟"
أردف يشرح بصدق:
"مش حابب الوضع يا سيلين... مش حابب إني أكون جوز الهانم... هنا هتشاف كدة... وطبعاً مش هقدر آخدك على الشقة حالياً غير لما ءأمنها كويس... وكمان عشان أمي اتعشمت إني أروح لها النهاردة... بس أوعدك في أقرب وقت هظبط الدنيا كلها وهصلح كل حاجة... بس خلي عندك ثقة فيا."
اعتصرته بقوتها المحببة والناعمة بالنسبة له مردفة:
"موافقة... وطبعاً عندي ثقة كبيرة فيك يا سلطان."
قبلها بحب وظل معها يدردش قليلاً ثم تناولا سوياً وجبة أعدتها علية وبعدها غادر عائداً إلى حارته بعدما أوصى الجميع عليها.
ليلاً في الحارة، رن هاتف لمياء وهي تقف في شرفة منزلها تراقب مجيء سلطان. نظرت للرقم بتعجب وأجابت متسائلة:
"الو!"
أتاها صوت أحدهم مردفاً:
"الو! آنسة لمياء؟"
أردفت بترقب:
"أيوه أنا... مين معايا؟"
أردف آدم بخبث:
"أنا آدم الحلواني... أظن إنك عرفاني!"
ضيقت عينيها مردفة بتعجب:
"آدم الحلواني! خير يا آدم بيه؟ عايزني في ايه؟"
أردف آدم بمراوغة:
"عايزك في موضوع عن خطيبك سلطان... أو اللي كان خطيبك... يعني هنعمل مع بعض ديل حلو... إيه رأيك؟"
أردفت بصدمة وتساؤل:
"يعني ايه؟ وليه بتقول اللي كان خطيبك؟ مهو سلطان خطيبي يا باشا."
أردف بخبث:
"هو انتي متعرفيش إن هو وسيلين بنت عمي اتجوزوا؟!"
أردفت لمياء بصراخ وذهول وهي تضرب صدرها بكفها:
"اتجووووزواااا."
أردف مبتسماً كالثعلب:
"شوفتي... يعني ضحك عليكي انتي كمان... أنا شايف إننا نتقابل ونتكلم يا آنسة لمياء وصدقيني انتي الكسبانة... قولتي ايه؟"
شردت تفكر قليلاً ثم أردفت بغل وغضب:
"أقابلك فين يا باشا."
في اليوم التالي، خرج سلطان باكراً متجهاً إلى القصر ليوصل سيلين إلى الشركة بعدما أخبر والدته باصطحابها إلى الشركة ليعرفها على المديرة بناءً على رغبتها. ذهب للقصر واصطحب سيلين إلى الشركة واطمأن عليها بعدما صعدت وغادر ليأتي بوالدته بعدما أخبر سيلين.
صعدت سيلين فوجدت الأوضاع في الشركة طبيعية... يبدو أن لا أحد يعلم بالأمر بعد. دلفت إلى مكتب وداد التي وقفت ترحب بها مردفة:
"صباح الخير يا سيلين هانم."
تعجبت سيلين تردف بتساؤل:
"وداد! هو مافيش حاجة غريبة حصلت في الشركة النهاردة!"
تساءلت وداد:
"حاجة غريبة زي ايه؟ مافيش حاجة."
أومأت تتسائل:
"طب وعمي؟"
أردفت وداد:
"نبيل بيه لسة مجاش."
أومأت تتنهد بقلق، بينما دلفت مكتبها لتتابع عملها بتوتر وشعور سيء انتابها لما هو قادم.
بعد قليل حضر آدم أمام الشركة ومعه تلك التي ستدمر الأخضر واليابس. كاد أن يدلف لولا منعه الأمن مردفاً:
"آدم بيه حضرتك ممنوع تدخل."
أردف آمراً:
"اطلب بس سيلين هانم قولها إن آدم بيه تحت ومعاه خطيبة سلطان."
أومأ الأمن متعجباً، بينما تحدث عبر السماعة المتصلة بمكتب وداد مردفاً:
"أستاذة وداد ياريت تبلغي سيلين هانم إن آدم بيه هنا ومعاه خطيبة سلطان وعايزين يشوفوها."
انسحبت الدماء من وجه وداد مردفة بصدمة:
"مين؟ خطيبة مين؟ انت متأكد؟"
أردف الأمن بحيرة:
"هو قدامي ومعاه واحدة."
وضعت السماعة بحسرة، بينما وقفت تتجه إلى المكتب بقدم ثقيلة واستأذنت تنظر بحزن وصدمة لسيلين التي منكبة على مكتبها تباشر عملها. رفعت سيلين رأسها تطالعها بتعجب مردفة:
"خير يا وداد مالك!"
تلعثمت وداد واردفت وهي تشير للخارج:
"آدم... بيه... تحت وبيقول إن... إن معاه خطيبة سلطان وعايز يشوفك."
توقف تنفسها في نفس اللحظة ونظرت لها بتعجب مردفة بغضب وعدم تصديق:
"إيه التهريج ده؟ هو ليه عين أصلاً ييجي هنا إزاي... أنا هطلب له سلطان."
رفعت هاتفها ولكنها وضعته ثانياً خوفاً عليه، واردف وهي تقف:
"لأ.... ده زودها أوي."
قالتها وهي تغادر للاسفل ووداد خلفها ونزلتا في المصعد ومنه إلى بهو الشركة مردفة بصوت عالٍ حاد وهي تقف في وسط الشركة من الداخل وتراه يقف خارجاً يتابعها:
"آدم يا حلواني... امشي من هنا وخد اللي معاك وده تحذير ليك لآخر مرة وبعدها متلومش غير نفسك."
أردف آدم بصوت حاد وهو يحاول اختراق الأمن:
"انتي بتغلطي يا سيلين... أنا جاي أكشفلك الخطة اللي اتعملت عليكي من أبويا وسلطان."
انقبض داخلها خوفاً من تصديقه واردفت معنفة:
"ده آخر حل وصلتله يعني! هتفضل طول عمرك حقير وواطي."
أردف متجاهلاً ألفاظها:
"طب اسمعي خطيبته وشوفي معاها إيه.... صدقيني أنا مش بكذب... اتكلمي يا لمياء."
كادت لمياء أن تدلف ولكن منعها الأمن، فأردفت سيلين بثبات ظاهري ولكن داخلها مرعوب مختنق:
"سيبها... لما نشوف تخطيط آدم بيه المرة دي؟"
دلفت لمياء وبقى آدم في الخارج. أردفت لمياء وهي تقترب من سيلين وتتطالعها بغل وغضب:
"أيوه أنا خطيبة سلطان... وانتي بقى تبقي البنت الغنية اللي اتفقنا نعمل الحوار ده عليكي عشان نمضيكي على تنازل بأملاكك وناخد من عمك قرشين نتجوز بيهم أنا وسلطان... يعني كل ده مسلسل عملناه عليكي... سلطان وقعك في حبه عشان تأمنيله وساعتها يمضيكي وانتي مغمضة... بس حبيبة سلطان الحقيقية هي أنا... وكل ده عشان نتجوز..."
نظرت لها سيلين تبتسم بسخرية مردفة:
"واتجوزتوا؟"
أردفت لمياء بغل وحقد:
"لأ... طلع طماع وعايز يلهف كل حاجة لوحده... اتجوزك من ورايا وكدب عليا أنا كمان... ولو مش مصدقة أنا معايا اللي يثبت كلامي."
أخرجت هاتفها من حقيبتها وضغطت عليه وأظهرت صوراً لها ولسلطان وهما يجلسان على ضفة النيل كعادتهما سابقاً. أظهرتها لها أمام عينيها، فنظرت لها سيلين وقد اشتعل قلبها وكأن أحدهم يحرقها، أما عن روحها فبدأت تنسحب من صدرها، ولكنها ادعت الثبات مردفة:
"انتي كدابة... اطلعى برا... خدي الزبالة اللي مأجرك ده وامشي... الواطي اللي كان هيتهجم على بنت عمه... جاه وجايبك معاه يعمل حوار عشان خاطر ينتقم من سلطان."
هزت لمياء كتفيها واردفت وهي تنزل الهاتف من أمام عينيها:
"براحتك... أنا جيت قلت لك ع اللي فيها... وانتي حرة... بس لو منك أصدق... وتعالي عندنا الحارة واسألي الناس كلها أنا مين... هيقولوا لك مرات سلطان... أصلي اسمي مكتوب على اسمه من زمان."
وضعته في حقيبتها وكادت أن تغادر بخبث، ولكن توقفت عندما رأت سلطان ووالدته يأتيان من بعيد وهو ينظر لها كمن يرى شيطان رجيم، بينما أردفت منيرة بتعجب وهي لا تعي شيئاً:
"لمياء؟! انتي بتعملي إيه هنا؟!"
تلك الكلمة أوقفت الدماء في عروق تلك المسكينة وهي تراه يتقدم، بينما لمياء نظرت لهما بكره وغادرت كأنها لم تشعل ناراً منذ قليل. غمز لها آدم ووقف يتابع ما يحدث بتشفي.
كان قد اجتمع منذ زمن جميع موظفي الشركة يتابعون ما يحدث بانتباه، بينما سيلين نظرت لسلطان الذي يطالعها بصمت تام، عكس براكينه الداخلية وحسرته وصدمته من حدوث ما كان يخشاه وقد تيقن أنه تأخر... تأخر كثيراً وقد فات الأوان. أما هي فاقتربت منه وتسائلت بحذر وبطء شديد ورعب حقيقي لم تذق أمر منه:
"انت تعرفها؟"
رواية على القلب سلطان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم آية العربي
نظر لعيونها بعجز ولم يستطع الصمود أمام نظراتها، فنظر أرضاً يغمض عينيه، بينما تقف والدته لا تفهم شيئاً مما يحدث حولها.
صرخت سيلين حتى بُحّ صوتها، مردفة وهي تضربه بقبضتها على صدره بقوة:
_ ااااانطق... تعرفهاااا؟
أومأ وهو يتطلع أرضاً، لا يقوى على النظر لها، بينما هي جحظت عيناها وهي تبتعد عنه، مردفة بذهول وبطء مميت:
_ دي كانت خطة بينك وبين عمي؟ ... دي خطيبتك؟
رفع رأسه ببطء يطالعها بعيون نادمة زابلة تكاد تفقد رؤيتها، يردف بندم وقلبٍ يتمزق أشلاء:
_ سيلين... اسمعيني الأول... أنا هفهمك كل حاجة... أنا آسف... أنا...
صرخت تقاطعه وهي تقترب منه حد الالتصاق وتضع كفها على فمه أمام أعين الجميع المصدومة، مردفة بضحك هستيري:
_ آسف! ... ههههههه... آسف إيه بس استنى... بتتأسف على إيه! ... ههههههه... أنت معملتش حاجة تتأسف عليها.
ابتعدت عنه تنظر حولها، تتطلع لعيون الجميع بتشتت وضياع، مردفة بنبرة قوية تحمل من الألم ما يمزق الصخور:
_ آااااسف! ... لأ لأ لأ... أنا اللي غبية... أيوه... أنا اللي غبية... أنا اللي قال إيه حبيتك!
كانت تلتفت حولها بزهول غير مدركة ما يحدث، وكأنها في حالة جنون. توقفت أمامه تتطلع عليه ثانياً، مردفة بقهر ووجع:
_ ليه؟... ليه كدة! ... دانا قلت لك إن انت الوحيد اللي بثق فيه! ... قولت إن انت الوحيد اللي مختلف عن كل اللي حواليا... قولت الغريب أكيد أحسن من أهلي!
هزت رأسها بعنف وكأنها في حالة ضياع بين القوة والضعف، مسترسلة بصراخ:
_ لأ لأ لأ... أنت صح... أنا اللي غلطت غلطة كبيرة أوي... حبيت واحد لا ليه أصل ولا عيلة ولا أهل، ووثقت فيه وعليته واتجوزته وسلمته نفسي من غير أي ضمان.
كان يقف كالصنم، بينما داخله كالجدار الذي يحطمه أحدهم بمطرقة قوية شيئاً فشيئاً. أتت اللحظة التي خشاها، أتت أمام الجميع وأولهم والدته.
كان أدم يقف يتابع ما يحدث بعيون شامتة، بينما جميع الموظفين حزنوا عليها وانصدموا من خبر زواجها، كذلك والدة سلطان التي تقف مكبلة وكأنها عارية ولا تستطيع الاختباء من أفعال ابنها. أما وداد فتقف خلفها تبكي من مرارة ما يحدث مع رفيقتها.
أكملت سيلين بألم وصوت حاد عالٍ تكاد تفارقه الروح، وهي تقترب منه وتنظر لعيناه:
_ أنا المتأسفة الوحيدة في الحكاية دي... أنا اللي أمنت لواحد خاين حقير متفق مع عمي وعاملين علينا سيناريو عظيم زي ده علشان خاطر شوية أملاك... كنت ناوي تمضيني على أوراق تنازل صح؟ ... إمتى بقى! ... وأنا في حضنك ولا وأنا ببكي وبشتكيلك من أهلي اللي خدعوني؟
نظرت له بألم ودموع انسابت كأنها نار تحرق قلبه، وهي تعاتبه:
_ بتعملوا كدة إزاي؟ ... بتقدروا تمثلوا ببراعة كدة إزااااي.
اتسعت عيناها مسترسلة:
_ دانا حبيتك! ... ياااااه... دانت مش ممثل، دانت ساحر... أيوه ساحر عظيم... أقنعتني بالدور كويس أوي... ياااا... دانا فكرتك مختلف... قلت ابن بلد وجدع ومتربي كويس... بس أنت أثبت لي إنك تربية رخيصة فعلاً.
أكملت بوجع وصلابة مدعية القوة الزائفة:
_ تعرف... عمي مقدرش يكسرني... موت أهلي مكسرنيش... ولا أنت ولا مليون نسخة واطية منك هتقدروا تكسروا سيلين الحلواني...
أشارت بيدها مسترسلة بنار مشتعلة في صدرها:
_ هتاخد الست اللي معاك دي، اللي أكيد ليها دور عظيم في المسلسل ده، وتخرج بره الشركة وبره حياتي للأبد.
أما هو فلو كان أحدهم أحرق جسده حياً لكان أرحم له من ما يشعر به الآن. لأول مرة يُهان ولا يستطيع الرد، وليس هذا فقط، بل أُهينت والدته بسببه. أُهين من من هي أكثرهن قرباً لقلبه.
تحولت نظرة الحزن والخزلان من عيناه إلى غضب، وأردف بجمود وقسوة تحولت إليها:
_ لحد هنا واقفى... أمي لأ... تمام يا سيلين هانم... أمي لااااء... أملاكك عندك... ومافيش أي مليم نقص منها.
أردفت بصوت عالٍ وهي تطالعه بقهر ودموع:
_ برااا.
نظر لها نظرة أخيرة، ثم جر والدته التي تقف متجمدة تماماً، وخطى للخارج يريد الاختفاء والابتعاد إلى ما وراء الشمس.
أما هي، فأردفت صارخة من خلفه:
_ طلقني.
توقف عن المشي، وتوقف قلبه اللعين الذي ينبض لها. أردف وهو يواليـها ظهره حتى لا ترى عيناه ولكي لا يهان أكثر من ذلك:
_ أنتي طالق.
غادر هو ووالدته من أمام أعين أدم المبتسمة والمتشفية، بينما هي نظرت لأثره حتى اختفى، واختفى معه الأمل من حياتها. كأنه كان يربط روحها بيده، والآن سحبها معه. نظرت حولها للجميع بتشتت وتيه، ثم اندفعت للخارج ومنه إلى سيارتها، مردفة بنبرة لا تحمل نقاشاً:
_ متجيش ورايا لا أنت ولا الأمن.
أومأ رأفت بطاعة وحزن على حالتها، فالاعتراض ليس حلاً الآن، وركبت هي مكان القيادة وقادت بقوة وسرعة إلى المجهول.
أما هو، فابتعد قليلاً ثم توقف يلف جسد والدته المتيبس، مردفاً بعز وضياع وأسف:
_ أمي... أنا آسف.
قاطعته بصفعة قوية نزلت على خده من يدها، لاول مرة، مردفة بقهر وحزن:
_ إحنا معدلناش قعاد هنا... أنا هاخدك لجدك في الصعيد... هو اللي هيعرف يعيد تربيتك... لأن واضح إن بعد العمر ده كله معرفتش أربيك صح.
كان ينظر أرضاً عاجزاً تماماً عن فعل أي شيء. يريد أن يحطم الصخور بيده، ولكنه مكبل بسلاسل حديدية متينة. داخله نار إذا أطلقها أحرقَت ما هو مزدهر فجعلته صحراء قاحلة. غادرت والدته وتركته، فقرر الذهاب إلى مكان يستطيع الوقوف فيه دون رؤية بشر حتى يخرج تلك المرارة التي بداخله.
بدأت تلملم الشمس أشعتها، وتوقفت سيارة سيلين أمام المقابر حيث مدفن والدها ووالدتها. ترجلت ببطء ووجه ذابل وعيون حمراء من أثر البكاء. دلفت إلى المقابر، فقابلها ذلك المسؤول عن القبور، مردفاً بتعجب:
_ سيلين هانم! ... خير يا هانم إيه اللي جايبك هنا دلوقتي؟
أردفت وهي تتطلع على مقبرة والديها:
_ افتح المدفن وامشي أنت.
أردف الرجل معترضاً:
_ مينفعش يا هانم دلوقتي.
قاطعته مردفة بقوة وكأنها تحولت إلى وحش:
_ افتح المدفن وامشي.
نظر لها قليلاً ثم أومأ واتجه يفتح لها المدفن، الذي دلفت إليه وأغلقت عليه. اتجهت تجلس القرفصاء بين قبري أهلها، ثم وضعت رأسها بين قدميها، واستكانت تماماً كالأموات.
أما سلطان، الذي غادر إلى أن وصل مكان شبه مجهول، والذي عبارة عن بيت تم هدمه ولم يبق منه إلا بعض الجدران المتآكلة. توقف أمام ذلك الجدار. يعيد كلماتها بعقل سلطان. تمت إهانته. كان ينظر للجدار وكأنه المتسبب في كل هذا. تذكر نعتها له بالحقير والرخيص، وقد استخدمت أكثر الكلمات ألماً حتى تطعنه بها. ماذا فعل! ماذا فعل غير أنه وافق على تلك الخطة اللعينة ثم أحبها. أحبها حد النخاع. أحب طيبتها وحنانها وضعفها. أما قسوتها... ويا لها من قسوة... فلم يرى لها مثيل. لقد ظن أن قسوتها ستنحدر من حنانها، ولكنها انحدرت من بركان مدمر. دمر قصتهما قبل أن تبدأ. دمر قلبها وقلبه. أما نظرة والدته... ويا لها من نظرة انكسار وخيبة وخجل لم يراهم طوال حياته.
هز رأسه بقوة، ثم ما لبث أن كور قبضته ولكم الجدار لكمة قوية، وكأنه بذلك يعاقب كل من تسبب في ذلك، ولكنه عاقب يده التي بدأت الدماء تندفع منها وهو لا يبالي تماماً. بل كان هذا الألم بالنسبة له هو العقاب.
ظل يلكم الجدار مرة تلو الأخرى، صارخاً بصوت رجولي قوي وحاد يكاد يحطم هذا الجدار، حتى بدأت قواه تخور، فباغته بضربة قوية من قدمه أدت إلى تساقط بعض قوالب الطوب منه. ثم خر هو ساقطاً معها على ركبتيه، يصرخ ويخرج ما بداخله. ااااااه... خرجت من أعماقه الممزقة. بكى ولاول مرة يبكي سلطان السوهاجي. بكى يغسل جراحه بتلك الدموع الساخنة حد الغليان. تنهد بقوة وأكمل في بكائه إلى أن جفت دموعه. ظل يتنهد بقوة وكأنه يركض في الرمال. نااار داخل صدره. نااارٌ لن تنطفئ وكأنها شعلة بترولية. بعد حوالي ساعة من التنهيد توقف. وها هي تتحول نظرته إلى السواد والقتامة، ثم قرر العودة. سيعود إلى والدته ويخبرها بكل شيء. سيحاول إصلاح ما أفسده. لن يبقى سلطان السوهاجي إن لم ينتقم من عائلة الحلواني بأكملها. إلا واحدة بينهم.
أما تلك المسكينة التي تبكي بصمت، مستكينة تماماً، تتحدث حديثاً صامتاً مع نفسها، وكأنها تخبر والديها به:
(لما! لما لم تأخذاني معكما! لما تركتوني في هذه الدنيا وحدي! أتريان أنني الآن بخير! ها أنا أنظرا إليّ كيف حالي! قلبي ينزف وروحي تحترق وعظامي تفرك كحبات الرمال. أنظرتما لما حدث معي! أتنامان براحة الآن! كنتما أخذتماني إلى تلك الرحلة حيث الذهاب بلا عودة. كنت حينها هنا معكم ولكن ليس كما أنا الآن. تركتاني وتركتا معي همٌ لا يحصى. لا أريد لا حياة ولا ثروة. أريد النوم في سلام. النوم إلى الأبد.)
ليلاً في منزل وداد، تجلس مع زوجها مصطفى تبكي، مردفة بعجز:
_ أعمل إيه يا مصطفى... تليفونها مقفول ومعرفش عنها أي حاجة ومش في القصر... أنا هتجنن راحت فين بس.
ربت مصطفى على ظهرها بحنو، مردفاً يهدأها:
_ اهدى يا وداد متقلقيش... هي أكيد حابة تريح عقلها شوية... اللي أنتِ بتحكيه مش سهل أبداً.
تطلعت بغضب مردفة:
_ كله من الكلب اللي اسمه سلطان... يالهوي عليه... إزاي قدر يعمل فيها كدة!
تنهد مصطفى مردفاً بشرود:
_ بس فيه حاجة مش فاهمها!
نظرت له متسائلة:
_ حاجة إيه يا مصطفى؟
أردف بتفكير:
_ أنتِ بتقولي إن خطيبته هي اللي جت وقالت الكلام ده وادم هو اللي جايبها... لما ده اتفاق بينهم، واكيد خطيبته عارفة وموافقة... يبقى ليه جت وقالت على الحوار من أوله... إلا إذا؟
أردفت بتساؤل وترقب:
_ إلا إذا إيه يا مصطفى ما تتكلم!
أردف بتعجب:
_ تفتكري ممكن يكون سلطان حب سيلين فعلاً! ... يعني أعتقد كدة... لأنه اتجوزها وكان يقدر يمضيها على الأوراق بسهولة وهو معملش كدة... وطبعاً خطيبته لما اكتشفت إنها طلعت من الحكاية خسرانة حبت تنتقم منه وجت حكت لسيلين على الخطة اللي بينه وبين عمها.
نظرت له وداد قليلاً ثم تابعت:
_ وليه متقولش إن أدم أغواها بقرشين وحكت عن الخطة!
ضحك مصطفى مردفاً بذكاء:
_ وتفتكري واحد زي أدم يعمل كدة ليه؟ ... مصلحته إيه؟ ... هو متأكد إن سلطان حب سيلين بجد وخاف لكل حاجة تروح من أيدهم... فكرك يعني إن أدم ميعرفش بالخطة دي من بدري! ... ده أدم الحلواني يا وداد... يعني أخُبث من أبوه... إحنا عارفينه كويس بس للأسف سلطان ميعرفوش... استهان بيه... أنا ده احساسي.
هزت رأسها مردفة بحدة:
_ لأ... لأ يا مصطفى... كان ممكن يصارح سيلين ويقولها كل حاجة ده لو حبها فعلاً... حتى لو خدع خطيبته فهو أكيد كان عايز يلهف كل حاجة لوحده... ده واحد حقير.
تنهد مصطفى مردفاً:
_ مش عارف بس أنا حاسس إن دي مؤامرة ضد سيلين وضد سلطان هو كمان... المهم دلوقتي هتعملي إيه وهتعرفي مكان سيلين إزاي؟
هزت رأسها مردفة بتشتت:
_ مش عارفة... مش عارفة يا مصطفى أعمل إيه.
أردف مصطفى بترقب:
_ أنا من رأيي كلمي سلطان... هو اللي هيقدر يعرف مكانها... ووقتها هتعرفي هو خاين ولا لأ.
اتسعت عيناها مردفة:
_ نعم! ... أنت بتقول إيه يا مصطفى! ... أكلمه أقوله إيه بعد كل ده؟
أردف مصطفى بتفهم:
_ يا وداد افهمي... سلطان هو الوحيد اللي يقدر يعرف مكانها... كلميه واسأليه... متنسيش إنه كان حارس شخصي ليها.
نظرت له بحيرة ثم أردفت:
_ طب كلمه أنت... أنا المهم عندي سيلين... كلمه أنت واسأله... مع إني متأكدة إن بعد كل ده مش هيهمه هي فين ولا حصلها إيه؟
وصل سلطان الحارة ويده ما زالت تنزف، ولكن نزيف روحه أقوى. رن هاتفه، فأخرجه بيده الأخرى، ينظر له بغضب وترقب. رقم غير مسجل، تعجب له وأخبره قلبه اللعين بالإجابة عليه. فتح الخط دون أن يتكلم وانتظر بترقب.
أتاه صوت مصطفى على الطرف الآخر، مردفاً:
_ الو! ... سلطان؟
أجاب بصوت صارم:
_ مين؟
أجاب مصطفى:
_ أنا مصطفى جوز وداد.
أردف سلطان بتساؤل قلق وصلابة:
_ خير؟
تحمحم مصطفى مردفاً وهو يتطلع إلى وداد بترقب:
_ بصراحة إحنا مش لاقيين سيلين... وتليفونها مقفول... ومروحتش القصر لحد دلوقتي... وأنت عارف إن هي ملهاش حد تروح له... لو تعرف يعني...؟
كان سلطان يستمع لكلامه بصمت تام، ولكن قلبه اللعين ما زال ينبض لها. لما لا يخبره أنه ليس له شأن بها بعد الآن! لما لا يعنفه ويغلق وتفعل ما تريد وتذهب إلى أي مكان، هذا ليس من شأنه! لما بعد كل تلك الإهانة ما زال يهتم لأمرها ويحمل مسؤوليتها!
أردف مصطفى متسائلاً بترقب:
_ سلطان! ... أنت معايا؟
أردف سلطان بعد وقت:
_ هكلمك تاني.
أغلق معه والتفت عائداً، يغادر الحارة ويعبث بهاتفه بترقب وتركيز، حتى أوقف سيارة أجرة مردفاً بصلابة:
_ اطلع ع مقابر **** يا سطا.
أومأ السائق وغادر بالفعل، بينما سلطان شرد يفكر وقلبه الذي انفطر لأجلها يتساءل بقلق:
(ماذا تفعل في المقابر في هذا الوقت!)
لولا برنامج المراقبة الخاص بال GBS المحمل على سيارتها والمتصل بهاتفه نظراً لأنه حارسها الشخصي لما عرف مكانها. نزل في العنوان المنشود فوجد سيارتها. أسرع إليه حارس القبور يسأله بترقب:
_ أنت مين؟
أردف سلطان بجمود:
_ سيلين الحلواني فين؟
أشار له الرجل مردفاً:
_ دخلت المدفن وقفلَت عليها يا باشا وأنا مش معايا أرقام حد أعرفه ييجي ياخدها بس أنا واقف هنا مردتش أمشي وأسيبها.
نظر له بصمت ثم خطى من جانبه ووصل لمدفن عائلتها. توقف أمام بوابته ونظر منها. اهتز داخله من هيأتها. كانت ساكنة تماماً تبدو في حالة تفطر الصخر لأجلها. نظر لها بألم يحرق روحه. هل يدلف إليها وينتشلها! يعلم أنه إن دلَف إليها ثم حملها وعانقها بقوة ضارباً بكل شيء عرض الحائط سيخسر كرامته التي حطمتها هي اليوم. يعلم أنها إن رأته الآن ربما تصرخ وتسئ حالتها ولن يجدي الأمر نفعاً. نعم حطمت جدار كرامته الصلب، ولكن قلبه يؤلمه لهيأتها. هي الآن في أسوأ حالاتها وهذا بسبب تلك الخطة اللعينة الذي كان هو بطلها. لذلك قرر الآتي.
ابتعد قليلاً وتناول هاتفه وتحدث مع مصطفى، مردفاً بلغة آمرة:
_ سيلين في المقابر... تعالى بسرعة أنت ومراتك... أنا مستنيك هنا.
أغلق الخط ووقف ينتظر مجيئهما، وقد قرر أنه لن يتزحزح بعيداً عنها. يقف أمام المدفن وهي في الداخل، لا يفصلهما إلا تلك البوابة، ولكن في الحقيقة المسافة بين قلبيهما المتألمة كالتي بين المشرق والمغرب.
في صعيد مصر، تحديداً في محافظة قنا، تجلس سهيلة تتحدث مع شقيقتها فاطمة عبر الهاتف بعدما نام أطفالها وتنتظر هي زوجها، مردفة بمرح:
_ ههههه أباي عليكي يا فاطمة... وعملتيها كيف دي يابت أبوي؟
أردف فاطمة ضاحكة:
_ أبداً... كيف الناس ياختي... بس بعدها حرم يحط عينه في عيني... أنا لو كان راجلي أهانه كان عرفه شغله بصحيح.
أردف سهيلة باعجاب:
_ والله براوة عليكي... بت أبوكي بصحيح.
فُتح بابها فجأة دون إذن ودلفت أم زوجها دليلة، تردف بحدة وغضب:
_ بتكلمي مين يا بت في نص الليل؟
انفزعت سهيلة ووقع منها الهاتف، فوقفت تردف بحدة:
_ انتي كيف تدخلي أكده من غير ما تخبطي؟ ... مش عيب أكده يا مرات عمي؟
أردفت دليلة بغضب وهي تقترب منها تكاد تضربها:
_ أيوه أيوه... اتحججي في دخلتي علشان تداري عملتلك المنيلة... انطقي يا فاجرة كنت بتكلمي مين؟ ... إني سمعاكي بوداني.
أردفت سهيلة وهي تبعدها بغضب:
_ فيه إيه! ... أكلم اللي أكلمه... عايزة مني إيه عاد؟
باغتها دليلة بصفعة قوية على وجهها جعلته يلتفت الجهة الأخرى، مما أشعل الغضب في قلب سهيلة، ونظرت لها مردفة بقوة وهي تدفعها من صدرها:
_ انتي بتضربيني! ... كيف تمدي يدك دي عليا!
وفجأة اندفع محروس الذي رأى المشهد الأخير بغضب، وأمسك سهيلة يبعدها عن أمه، مردفاً بغضب وهو يصفعها صفعات متتالية:
_ بتمدي يدك على أمي يا بت ال***.
ظل يصفعها ويلكزها بقدمه، وهي لا تستوعب ما يحدث ولا تقدر على الدفاع، بينما دليلة تقف تتابع بشماتة، مردفة بتمثيل:
_ خلاص يا ولدي سيبها بدل ما تموت في يدك.
ابتعد يلهث وهو يتطلع عليها متكورة على نفسها، ثم بصق عليها بقوة واندفع للخارج بغضب، تاركاً إياها في حالة يرثى لها. أما دليلة، فنظرت لها مردفة:
_ علشان بعد كده تعرفي زين كيف تتصرفي معايا... انتي هنا تحت أمري أنا وبس.
خرجت وتركبتها تجهش في بكاء وتلملم جسدها المكدوم بألم.
وصلت سيارة مصطفى أمام المقابر ونزل وتبعته وداد. دلفا للداخل باحثين عن سلطان الذي رآهما وأشار لهما. توقفا أمامه، فأردف بصلابة وهو ينظر لمصطفى متجاهلاً وداد:
_ هي جوة... خلي مراتك هي اللي تدخل تجبها... أنا همشي... الأحسن إنها متشوفنيش دلوقتي... خلي بالكوا منها.
غادر هو دون أن يسمع منهما أي حديث، ونظر مصطفى إلى وداد بحزن، بينما وداد أسرعت تمد يدها تفتح تلك البوابة من الداخل من خلال القضبان الحديدية، ثم اندفعت للداخل تنادي بصوت باكي متحشرج:
_ سيلين! ... سيلين يا حبيبتي!
وصلت لعندها ولمستها، فوجدت بشرتها باردة كالثلج. حزنت كثيراً ورفعت وجهها الباهت، فنظرت لها سيلين من بين دموعها وشحوب وجهها، ثم ارتمت في حضنها تكمل بكاءها الذي لم يتوقف. احتضنتها وداد بقوة وهي تربت على ظهرها بحنو. ظلتا مدة على حالتهما، وبعدها أوقفتها وداد وبدأت تسحبها للخارج، وسيلين تنقاد معها باستسلام تام، إلى أن وصلتا لعند مصطفى الذي ينتظرهما في الخارج، والذي اصطحبهما إلى سيارته.
ركبت سيلين في الخلف، ووداد بجانبها تحتضنها بأمومة، وسيلين في حالة سكون تام. بينما ركب مصطفى في الأمام وقاد يغادر إلى منزله، حيث قررت وداد اصطحابها معها وعدم تركها في تلك الحالة أبداً.
أما سلطان، فعاد إلى حارته ودلف منزله بعد عناء، وجده ساكناً تماماً، ولكنه علم بوجود والدته، حيث أن حذاؤها يصطف أمام الباب من الداخل. دلف ببطء وترقب ووقف أمام غرفتها يتنهد بعمق. فتح الباب ودلف ينظر لها، فوجدها تواليه ظهرها وتنام على الفراش، يغطى جسدها ذلك الغطاء الرقيق.
جلس على طرف الفراش، يردف مباشرة دون مقدمات:
_ هي كانت خطة حقيرة ودفعت تمنها غالي... كانت بدايتها خطة ياما... بس نهايتها عذااااب... عذااااب ووجع مدقتوش أبداً...
تنهد بألم مسترسلاً:
_ عارف إني خزلتك... وخيبت أملك فيا... بس أنا محتاج تسمعيني... أنا هحكيلك كل حاجة وبعدها اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه.
كانت ساكنة ولكنها تسمعه جيداً، حين استرسل:
_ أنا مش حقير ياما ولا واطي... أنا راجل وابن وصعب عليا أوي أشوفك كدة وأنا مش قادر أريحك... نفسي أعيشك زي ما أبويا كان بيعمل... نفسي أجيبلك كل وسائل الراحة ومش قادر... طلبتي مني أخطب لمياء... وخطبتها علشانك وعلشان أرضيكي وأفرح قلبك... بقالي سنتين خاطبها وكل شغلي والفلوس اللي أخدتها اتصرفت عليها وده برضاكي... ولما كنت اعترض تقوليلي إنها زي أي واحدة مخطوبة ونفسها في هدايا وشي وشويات... بقيت أرضى بكده بردو علشانك وعلشان أريحك... مع إني مكنتش حابب كده ولا حابب الوضع على بعضه...
تنهد يفكر ثم أكمل:
_ محسيتش معاها بأي حب ولا حسيت منها أي خوف عليا... بس قلت معلش يا سلطان أهي أمك بتحبها وهي من نفس حارتك وهترضي تعيش معاك ع الحلوة والمرة... بس لأ ياما... لمياء طماعة... دايماً عايزة...
أنا لما اتعرض عليا الخطة دي ياما أنا رفضت... أنا قلت لعم سيلين إني مش هعمل كده... أيوه عرض عليا فلوس خلت دماغي تلف والشيطان يلعب لعبته... بس أنا ابنك وكنت محتاج بس حد يقفلي... حد واحد بس يفوقني...
بس لما قولت للمياء هي بدل ما تفوقني غرقتني... فرحت وقالتلي وافق وأهو نتجوز وتعمل مشروع ونعيش... خلت الشيطان يلعب في دماغي وشوفتك وإنتي مرتاحة ومش متبهدلة... ووافقت إني أضحك على سيلين وآخد الفلوس وخلاص على كده... عارف إني وقتها كنت عيل وعملت كده وأنا مش راضي عن نفسي بس كملت... بس لما عرفت سيلين ياما واتقربت منها لقيتها عكس اللي عمها قالوا عنها خااالص... لقيتها طيبة وحنينة ومحتاجة حماية... كل يوم بيعدي كنت بقرب منها أكتر وبعرف عنها أكتر... عمها طلع خاين ونصاب وأولاده زيه وحتى أهل أمها مبيسألوش عنها... حسيتها شبهي ومني ياما وقلت لازم أحميها منهم... مفكرتش هحميها إزاي ولا رسمت خطة لده بس دخلت الطريق ده بقلبي... مشيت ورا قلبي المرة دي... قلت يمكن أقدر أعوضها... قلت يمكن أعرف أعمل حاجة حلوة تفرح قلبك بيا... كنت عايز أحميها علشان هي تستاهل وعلشان أخليكي فخورة بيا وعلشان أثبت لأهل أبويا إني زي أبويا.
اتجوزتها ياما... اتجوزتها من يومين بس... كنت ناوي أصارحها وأعرفك عليها... كنت ناوي أصلح كل حاجة... كنت ناوي أبدأ صح معاها وبيكي... بس ملحقتش أعمل أي حاجة... خزلتك وهنت نفسي وحرقت قلبها... وده عقاب ربنا لطمعي... ودرس قاسي أوي ليا يعلمني...
تنهد يكمل بضيق احتل صدره:
_ سامحيني ياما... سامحيني علشان أقدر أقف تاني... أنا دلوقتي حاسس إن ماليش أي قيمة... لا قدرت أحميها... ولا عرفت أحمي كرامتي... حقك عليا... حقك عليا ياما... صدقيني ياما كنت ناوي أصلح كل حاجة... اتجوزتها من وراكي عشان كنتي هترفضى عشان لمياء اللي محبتنيش... اتجوزتها لأني لقيت عندها راحتي وسعادتي... حقك عليا ياما غصب عني... صدقيني غصب عني أوي... كنت عايز أحميها وأعوضها... نسيت فلوسها وأملاكها... صدقيني كل أملاكها مهتمتنيش وقت اتجوزتها... ارجعي شوفييني زي الأول عشان متتكسريش أكتر من كده.
كانت منيرة تسمع له بدموع حزن على حاله وما وصل إليه. تصدقه وتعرف غايته، ولكنه أخطأ. أخطأ في حق نفسه أولاً ثم حق تلك اليتيمة المسكينة ثم حقها هي حينما كان السبب في إهانتها اليوم.
قاطع حالتهما تلك رنين هاتف سلطان. أخرجه بثقل وعيون يشوبها البكاء، ينظر له فوجده أيضاً رقماً غير مسجل. أجاب بترقب ظناً منه أن أمر خاص بها، فوجد المتحدثة تردف بصوت باكي:
_ سلطااان! ... أنا سهيلة أختك.
رواية على القلب سلطان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم آية العربي
تصلب جسده القوي مردفاً بتعجب:
_ أختي! .... سهيلة! ... أنتي كويسة؟
اردفت سهيلة بصوت حنون باكي:
_ كيفك يا خوي... اتوحشتج جوي... ومحتجالك جوي يا سلطان.
وقف على حاله يتطلع لوالدته التي التفتت له عندما علمت هوية المتصل، واردف بتساؤل وقلق:
_ طيب أنتي فين... وبتعيطي ليه؟ ... اكحيلي مالك وأنا معاكي متخافيش.
تنهدت سهيلة وبصوت متحشرج باكي بدأت تقص عليه كل ما حدث معها.
***
في اليوم التالي صباحاً، في شقة وداد.
تنام سيلين في وضع الجنين في غرفة الضيوف وعيناها ناظرة للغرفة بشرود. طرق الباب ودلفت لها وداد تحاول التحدث معها قليلاً، فليلة أمس لم يجدي حديثها نفعاً. دلفت حاملة لصنية وضعت عليها وجبة فطار خفيفة ووضعتها على منضدة قريبة من الفراش واتجهت تجلس بجوارها مردفة بترقب:
_ سيلين! ... أنتي صاحية؟ ... قومي يالا علشان تفطري.
لم ترد سيلين بل ظلت كما هي على نفس الوضعية والنظرة، فتنهدت وداد ومدت ذراعها تتملس شعر سيلين بحنو مردفة في محاولة منها للتخفيف عنها:
_ سيلين... أنا عارفة إن اللي حصل ده صعب أوي أوي عليكي... وعارفة إنك اتخدعتي بس يمكن سلطا****.
قاطعتها سيلين مردفة بصلابة:
_ ودااااد!
توقفت وداد عن الحديث، فاسترسلت سيلين بلغة آمرة:
_ ممنوع من هنا ورايح تجيبلي سيرة حد بالاسم ده... نهائي... تمام؟!
تنهدت وداد وأومأت ثم اردفت بهدوء:
_ طيب قومي علشان تفطري... أنتي من امبارح بالنهار مدوقتيش الأكل.
اردفت وهي تضع الغطاء على وجهها:
_ مش هاكل يا وداد... سيبيني لو سمحتي أنام.
تساءلت وداد:
_ يعني مش هنروح الشركة؟
هزت سيلين رأسها تردف بإصرار وقهر وقلبٍ متألم:
_ لأ يا وداد... مش راحة... مش هقدر أشوف في عيونهم نفس النظرة... أد إيه أنا كنت غبية وساذجة أوي... هروح إزاي وأبص في وش الموظفين وأنا انضحك عليا بالشكل ده؟
اردفت وداد مندفعة:
_ فيه إيه يا سيلين! ... مش سيلين الحلواني اللي تستسلم بسهولة كده! ... أنتي أقوى من كده... اجمدي واقفي من تاني علشان خاطر فلوسك وأملاكك.
انتفضت سيلين تجلس على الفراش تتطلع لوداد بحدة مردفة بقهر وألم ودموع:
_ لأ يا وداد لأ.... لأ يا وداد خبطتين في الراس بتوجع... بتوجع أوي... أنا ماكنتش قوية ولا عمري هكون... أنا طول عمري وهفضل ضعيفة ووحيدة وغبية... أنا كنت بس شارية قناع جديد اسمه قوة وتماسك زي أي فستان ولبسته شوية بس امبارح اتمزع واتعرّيت قدام الكل يا وداد...
زمان آدم ضحك عليا وخدعني وخاني وأنا كنت مصدقة حبه... بس قدرت أكشفه قبل ما نتجوز... وقتها بابا وماما كانوا موجودين ووقفوا معايا ومحستش بالوجع... فرحت إن ربنا كشفه على حقيقته قبل ما كنت أتجوزه.
تنهدت بألم واردفت بغصة مريرة في حلقها:
_ لكن دلوقتي! ... أنا اتجوزته... حبيته... حبيته أوي يا وداد... وثقت فيه... أمنته... سلمته نفسي برضا مني... قدر يحتل جزء مهم أوي جوايا... قدر يدخل لي من أقوى نقاط ضعفي... كان ظاهر قدامي إنه هو ده ونيسي ودليلي... إزاي قلبي يكون غبي للدرادي... إزاي مشاعري ترخصني وتضيعني كده! ... إزاي حكمت عليه بسرعة كده!
نظرت لوداد واردفت بتساؤل وضياع:
_ هعمل إيه يا وداد! ... هكمل إزاي اللي باقي من عمري... هستمر بوجعي وضعفي ده إزاي... هرجع الشركة قدام الناس بأي ملامح وأي قلب يا وداد قوليلي؟
اردفت وداد بعيون لامعة وتشجيع:
_ افتكري دايمًا ربنا... قربي منه أوي... قوى قلبك بيه... خليه هو ونيسك وسندك وبس... ومن هنا ورايح شغلي عقلك وبس... عيشي لشغلك وكفاية أوي كده.
نظرت لها سيلين بتأمل واردفت بشك:
_ أنتي شايفة كده؟
أومأت وداد مبتسمة، فاسترسلت سيلين بتقبل:
_ تمام يا وداد... مش هقدر أعالج الجرح اللي جوايا المرة دي بس هشتري قناع جديد ألبسه كعادتي... معنديش بديل يا وداد... هحاول أقف تاني مع إن المرة دي أنا غرقت فعلاً.
***
في شقة نبيل.
يجلس يعنف ابنه آدم مردفاً:
_ عملت اللي في دماغك! ... تقدر تقولي أنا استفدت إيه دلوقتي؟ ... الشركة كلها عرفت إني كنت متفق مع سلطان على بنت أخويا... ومش عارف أروح الشركة... ده غير الفلوس اللي لهفها الكلب ده مني.
ضحك آدم مردفاً بسعادة:
_ متقلقش يا نبيل بيه... كده كده مخسرتش كتير... سلطان مكانش هيمضي سيلين ع الأوراق... سلطان كان بيخطط على تقيل... ده غير إن سيلين من قبل كل ده متأكدة إنك بتكرهها... المهم دلوقتي إننا نكمل شغلنا.
ضيق نبيل عيناه متسائلاً:
_ ناوي على إيه؟
ابتسم آدم مردفاً بمكر:
_ ناوي أرجع ثقة سيلين فيا تاني... وأطيب جراحها... ههههه.
ضحك نبيل على ابنه بإعجاب وفخر وهو يتخيل حصوله على الثورة وقد أعمى الطمع والجشع عينه تماماً.
***
بعد يومين.
مرت الأحداث على أبطالنا بدون جديد يذكر من الألم والخزلان والجرح.
في محافظة قنا.
تقف سهيلة بوجه مكدوم تباشر عملها في الصباح الباكر وتقوم بتحضير الفطور لزوجها وأهله. تجلس دليلة وابنها وبناتها الاثنين في المندرة ينتظرون تلك البائسة التي تأخرت قليلاً، فأردفت دليلة بغل وغضب صارخة بصوت عالي أمام الصغار:
_ ما تنهضي يابت السوهاجي وكفياكي دلع ماسخ... موتانا من الجوع والرجال وراهم شغل... بجالج ياما بتحضري الوكل.
ثم التفتت تنظر لابنها محروس مردفة بحدة:
_ كله منك أنت... جبتلنا واحدة مدلعة ودمها بارد.
نظر لامه بصمت، بينما الأخرى جاءت من الداخل ووقفت عند حافة الباب تحمل صنية كبيرة عليها الكثير من الصحون التي لم تستطع سهيلة حملها بمفردها والمرور بها من خلال إطار الباب بسبب إصابة ذراعها نتيجة ضرب زوجها لها.
اردفت بصوت متألم:
_ محروس تعالى شيل معايا!
كاد أن يقف ولكن دليلة أسرعت تصرخ:
_ ما تهمي يا بت همت المية في زورك... الكلام ده حداكم هناك... أهنه ابني يجعد مكانه ميشتغلش شغل الحريم.
حاولت أن تشد همتها وتمر بسلام ولكن خانها ذراعها المتألم ومال ومالت معه تلك الصنية بما تحمله وسقطت جميع الصحون أرضاً كذلك الطعام أمام أعين الجميع. وقفوا جميعاً ينظرون لها بغضب ووقفت دليلة لتتجه إليها قاصدة تعنيفها وضربها، إلا أنها توقفت عندما أردف أحدهم:
_ سلام عليكم.
نظر الجميع لمصدر الصوت فوجدوا شاباً في عمر الثلاثين ذو هيبة ووقار تشبه ملامحه لدرجة كبيرة ملامح والد سهيلة. نظرت له سهيلة بفرحة من وسط خوفها وعيون غلفتها الدموع، ثم ما لبثت أن جرت عليه تحتضنه وتحتمي به مردفة بحب واشتياق:
_ أخوووي... سلطااان... وحشتني جوي يا نور عيني.
احتضنها سلطان بحنو وربت على ظهرها ثم أبعدها يحتضن وجهها بكفيه مردفاً بحنان:
_ حقك عليا اتأخرت عليكي.
هزت رأسها واردفت بدموع:
_ لأ يا نور عيني... كويس إنك جيت.
نظر لوجهها المكدوم بحزن واردف بلغة آمرة:
_ يالا اطلعى لمي هدومك وهاتي عيالك وتعالى... أنا مستنيكي.
نظرت له بدموع وكأنها تتأكد، فاسترسل هو:
_ يالا يا سهيلة.
فرت مسرعة إلى الداخل لتحضر ما قاله وتذهب من هذا المنزل الذي لم ترى فيه سوى الذل والإهانة... بينما صرخت دليلة بغضب وحدة:
_ أنت يا جدع أنت كيف تتحدت... ومين أنت أصلاً وجاي ليه... يالا من هنا... يالا امشي من أههنه مافيش حد جاي معاك.
نظر لها ثم تجاهلها ونظر لمحروس مردفاً بصلابة وقوة:
_ أظن أنت الذكر اللي اختي متجوزاه صح! ... يبقى كلامي معاك أنت لأني مبكلمش حريم... أنا هاخد اختي وعيالها وأمشي من هنا... وأظن إنك متأكد إني ابن الحاج إبراهيم السوهاجي... اللي لو كان عايش كان كسر ضلوعك ع اللي انت عملته في بنته... بس أنا علشان خاطر عيالك مش همد إيدي عليك.
اندفع محروس يردف بغضب وهو يقترب منه:
_ أنت بتجول إيه يا جدع أنت... اتجنيت ولا إيه! ... جاي أههنه في بلدي ووسط داري وبتهددني!
صرخت أمه من خلفه مردفة بشر وتحريض:
_ عرفه مجامه يا ولدي متسكتلوش عاد.
أطاعها محروس وكاد أن يلكمه، فابتعد سلطان بمهارة متفادياً ضربته ثم أمسك يده واردف بتهديد:
_ قلتلك مش عايز أضربك قدام عيالك... سبني آخد أختي وأمشي من غير غلط... ولما تبقى تسترجل وتعرف قيمتها وتحميها من حريمك دول ابقى تعالى خدها... غير كده ملكش عندنا بنات.
ثم أردف بنبرة صوت قوية أرعبتهم جميعاً:
_ يالا يا سهيلة.
جاءت سهيلة مسرعة تردف بفرحة وسعادة وكأنها تم الإفراج عنها من المؤبد:
_ حاضر يا اخوي جيت اهو... يالا يا عيال... يالا.
أحضرت أغراضها الذي اتجه سلطان يحملهم عنها وأمسكت بذراع طفليها وغادرت خلف شقيقها برأس مرفوعة أمام زوجها الذي وقف متصنماً لا يقوى على مواجهته، بينما أردفت دليلة بغضب وغل:
_ أنت واجف ليه يا محروس! ... روح عرفه مجامه ورجع عيالك ومرتك.
نظر محروس لأمه وشقيقاته اللتان تقفان تتابعان بصمت، بينما اندفع هو للداخل دون نطق حرف. نظرت هي لأثره بغضب ثم نظر للصحون المكسورة بزعر وعلمت أنها قد خسرت خادمتها الذليلة.
أما سهيلة التي تمشي بفخر لأول مرة، أردفت متسائلة:
_ هنروح على فين يا سلطان!
نظر لها بحنو مردفاً برتابة وتعقل:
_ هنروح على سوهاج... لو جدك اعترض هاخدك معايا ع القاهرة.
نظرت له بسعادة وابتسمت، بينما تساءل صغيرها الذي يبلغ من العمر ٨ أعوام:
_ ماما! .. هو ده يبجى خالي؟
أومأت له سهيلة، بينما أردفت ابنتها ذو الـ ١٠ أعوام:
_ يعني إحنا هنروح بيت جدي يا ماما؟
أومأت سهيلة أيضاً بسعادة، وانقادوا جميعاً إلا أن ركبوا جميعاً إحدى سيارات الأجرة التي ستنقلهم إلى محطة القطار الذاهب لسوهاج.
***
في القاهرة.
ذهبت سيلين إلى الشركة بعد غياب يومين منذ ما حدث برفقة وداد، حيث ظلت ضيفة عندها بعدما قرر مصطفى السفر للإسماعيلية لحضور جنازة إحدى قريباته وغاب ليومين. كما أنها هاتفت حارسها السابق محمد حتى يعود لعمله إن تحسنت حالته بعد تلك الإصابة ولبى طلبها على الفور وبالفعل عاد حارساً لها.
دلفت تخفي ملامحها وراء نظارة سوداء كبيرة، حيث أن الجميع كان يتطلع عليها بعيون متقنصة. حاولت التحلي بالقوة والثبات، ولكن ما إن دلفت بهو الشركة حتى تذكرته وتذكرت خيانته... رائحته... عيونه... ملامحه التي اشتاق لها قلبها الملعون... نزلت من تحت نظارتها دمعة خائنة، فاتجهت مسرعة حيث المصعد تختبئ به ووداد تلحقها، إلا أنها اختفت وراءه وصعدت إلى مكتبها تتنفس بعمق ووداد تحاول تهدئتها ودعمها مردفة:
_ سيلين! ... اهدى يا سيلين مش كده.
وضعت يدها على صدرها وحاولت سحب أنفاس القوة واستجماع الثبات، ثم أومأت لوداد ودلفت مكتبها لتحاول أن تباشر عملها علها تنجح في ذلك.
بعد حوالي ساعة رن هاتف مكتبها، فرفعته مجيبة بهدوء:
_ أيوه يا وداد.
اردفت وداد بترقب:
_ سيلين هانم... آدم تحت واقف على باب الشركة وعايز يشوفك... أنا كنت هرفض بس قلت أستأذنك الأول.
تنهدت تجيب بهدوء، فلم تعد لديها قوة الصد والهجوم، مردفة:
_ خليه ييجي يا وداد.
اردفت وداد بتعجب:
_ بجد!
اردفت سيلين بهدوء:
_ أيوه يا وداد... أنا مستنياه.
بعد قليل طرق مكتبها وتبعه دخول وداد وخلفها آدم الذي أردف بوجه ثعلبي ماكر:
_ سيلين! ... عاملة إيه؟
نظرت له ثم التفتت إلى وداد تردف بهدوء:
_ تمام يا وداد.. اتفضلي أنتِ.
نظرت لها وداد بشك، فأومأت سيلين مؤكدة، مما جعل وداد تغادر للخارج مستسلمة. نظرت سيلين إلى آدم بهدوء مردفة بترقب:
_ خير يا آدم.
اردف آدم بدهاء:
_ أبداً يا سيلين... أنا كنت جاي أطمن عليكي وأعتذرلك عن كل اللي حصل مني... أنا بجد ندمان يا سيلين.
نظرت له بهدوء ثم اردفت:
_ تمام... حاجة تانية؟
نظر لها بعمق واردف بتمثيل مضاعف:
_ أيوه يا سيلين... أنا وقت جيتلك الشقة مكانش قصدي أتهجم عليكي زي ما وصلك.
تنهد يدعي الحزن مردفاً وهي تطالعه بهدوء:
_ أنا كنت جاي أقولك الحقيقة اللي عرفتها وأنا براقب سلطان.
نظرت له تستشعر الكذب، فاردف بذكاء:
_ أنا كنت رايح لبابا شقته فشوفت سلطان وهو نازل من عنده بس هو مشافنيش... سألت نفسي إيه اللي جاب سلطان هنا! وإيه اللي ممكن يكون بينه وبين نبيل بيه! ... قررت أراقبه وسألت لحد ما عرفت عنه إنه خاطب بنت من حارته.
تساءلت سيلين وقد بدأ عقلها يتشوش مردفة:
_ يعني عايز تفهمني إنك مكنتش تعرف إنها خطة بين عمي وهو! ... معقول! ... طب أنا أصدقك إزاي؟
انتابه سعادة لشكها واردف بذكاء:
_ ببساطة لأني مستحيل كنت أوافق بخطة زي دي... أنا لو كنت عايز أعمل كده كان فيه طرق تانية كتير غير إني أجيب واحد من حارة معرفش أصله ولا فصله وأخليه يعمل كده... سهل جداً إنه ينصب علينا احنا الاتنين... يعني بصراحة هي كانت خطة غبية أوي من أبويا.
نظرت له بحيرة واردفت بترقب:
_ وبعدين... كمل.
اردف آدم مستكملاً في خطته لكسب ثقتها وبدأ توقيع معاهدة سلام بينهما:
_ أبداً... بعدها كملت مراقبة لحد ما عرفت إنه بيجهز شقة بفلوس أخدها عربون من أبويا بس طبعًا واجهته إني هفضحه وهبلغك باللي عرفته بس انتي كنتي رافضة أي كلام مني... وهو كان ذكي جداً قدر يقنعني إنه هيبعد ومش هيكمل.
تنهد يدعي الحزن:
_ بس اكتشفت إنكوا اتجوزتوا وإنه كان بيضحك عليا... وقتها كان لازم أعرفك بس هو كان مانع ده تماماً... وفعلاً فضلت واقف تحت الشقة اللي هو اشتراها علشان أستنى فرصة أشوفك فيها وأبلغك بده برغم إنك كنتي دايماً بتصديني.
نظر لها بقوة مسترسلاً:
_ ولما لقيته نزل من عندك قلت بس هو ده الوقت المناسب وطلعت أبلغك بس انتي خوفتي مني وفكرتي إني جاي أتهجم عليكي... ولما هو جه وعرف إني عندك خاف جداً لأعرفك وضربني بالشكل اللي انتي شوفتيه ده علشان مفتحش بؤي.
كانت تستمع له بعقل مشتت ضائع حزين تحاول عدم تصديقه مردفة بشرود:
_ بس أنت كنت سكران يا آدم... وطريقتك كانت بتقول عكس كده.
اردف بمكر:
_ أنتي اللي كنتي خايفة مني يا سيلين علشان كده شوفتي الأسوأ مني... وأنا مش هلومك لأني مسبتش عندك أي ذكرى حلوة ليا... بس أنا فعلاً ندمان وعايز أفتح معاكي صفحة جديدة... وعارف إن ده صعب بس هحاول وأثبت لك ده في الأيام الجاية.
نظر لها بترقب، وجدها شاردة، فأردف وهو يقف:
_ عن إذنك... أنا همشي.
خطى ليغادر، ولكنها أوقفته، فابتسم بمكر والتفت إليها بتساؤل، فأردفت بترقب:
_ تقدر ترجع شغلك في الشركة؟
ابتسم لها مردفاً بتساؤل:
_ اعتبر ده إنك قبلتي أسفي؟
اردفت بنظرة تائهة:
_ لأ طبعًا يا آدم... حالياً معنديش ثقة في الكرسي اللي أنا قاعدة عليه... بس الأحسن إنك تبقى تحت عيني... لأني مبقتش عارفة الضربة هتجيني منين المرة الجاية.
ابتسم مردفاً بحماس:
_ وأنا هحاول على قد ما أقدر أثبتلك صدق نيتي وإخلاصي... هستنى اللحظة اللي تصدقيني فيها بفارغ الصبر.
غادر هو وتركها في صراع وتشتت وتفكير فيما حدث... هل وصل به الأمر لخداعها بهذا الشكل المخزي!؟ هل أبرح آدم ضرباً بسبب خوفه من انكشاف أمره وليس خوفاً عليها!؟ هل أخذ عربون خطته وكسرة قلبها من عمها ليتزوجها!؟ ياله من حقير... وهي التي صدقته كالبلهاء... آآآه يا داخلي المجرم الجبان... لقد ارتكبت في حق نفسي أبشع الجرائم.... آآآآه يا قلبي المستنزف بماذا أداويكَ!
دلفت وداد بعدما غادر تستأذن مردفة بترقب:
_ سيلين! ... أنتي كويسة؟
تطلعت عليها سيلين بدموع وتشتت تردف:
_ مش عارفة يا وداد... مش عارفة أستعيد قوتي أبداً... المرة دي جابت آخري يا وداد... تخيلي آخد من عمي عربون علشان يتجوزني بيه... أنتي متخيلة! .... أنتي مصدقة إن أنا يتعمل فيا كده! ... حد زي ده يخلي سيلين الحلواني مهزلة وسط الشركة والسوق.
اتجهت وداد تجلس أمامها مردفة بحزن وتعقل:
_ اسمعي يا سيلين... أنا معرفش غير حاجة واحدة من يوم ما اشتغلت هنا... إن عدوك الحقيقي هو عمك وابنه... وإنهم استغلوا احتياج واحد فقير علشان ينفذوا خطتهم... فياريت متصدقيش آدم ده خالص لأنه خبيث... أما بالنسبة لسلطان.
قاطعتها للمرة الثانية تنظر لها بضعف مردفة:
_ لو سمحتي يا وداد... متقوليش أي حاجة عنه... علشان خاطري... متخليش قلبي ينزف أكتر من كده.
تنهدت وداد تومئ باستسلام وخوفاً عليها من حالتها تلك.
***
عصراً في محافظة سوهاج.
في منزل السوهاجي العريق.
يجلس الحاج توفيق متكئاً على مقعده في بهو الصالة الواسعة حيث يرتشف الشاي مع ابنه محمود وزوجته بدرية وروايح وابنتها بهية التي أتت لزيارتهم ويتحدثون في أمور عدة. طرقات على الباب أنبهتهم بمجيء أحدهم، فوقف محمود يتجه إلى الباب ليفتحه بترقب، وإذا به يرى سلطان يقف بصلابة أمامه ويطالعه بعيون صقر مردفاً وهو يتمسك بحقيبة شقيقته:
_ سلام عليكم يا عمي.
انصدم محمود بسعادة واردف بترحاب:
_ سلطان! ... يا أهلاً بولد الغالي.
ثم تبع ترحيبه بعناق شديد تعجب سلطان له، ثم ابتعد يردف وهو يجره للداخل ولم يلاحظ حتى وجود سهيلة معه:
_ تعالى يا ولد الغالي ادخل بيتك.
دلف سلطان يتطلع للحضور، وخصوصاً لجده الذي منذ أن سمع اسمه انفطر قلبه لحفيده الذي يشبه والده المرحوم إلى حد كبير. نظر له سلطان بترقب، ثم ما لبث أن اتجه إليه ودنى يتناول كفه يقبله باحترام ثم أردف بترقب:
_ ازيك يا جدي؟
حن قلب توفيق ووقف يحتضنه بقوة ويربت على ظهره بيد صلبة مردفاً بإشتياق وحنين وسعادة دُفنت لسنوات:
_ أهلاً بولد الغالي... نورت مكانك.
كانت تتابع روايح ما يحدث بإشتعال وغل، ولكنها تنتظر الإفصاح عن سبب تلك الزيارة. وقف سلطان بعدها ينظر إلى شقيقته الكبرى التي لم يراها سوى مرتين في صغره مردفاً بتحفظ:
_ ازيك يا بهية.
ابتسمت له بهية بحنو واردفت بخوف من والدتها:
_ إني زينة يا خوي... أنت كيفك؟
اردف مبتسماً بحنو:
_ بخير الحمد لله.
التفت لجده يردف بترقب وثبات رجولي ورثه عن عائلته:
_ أنا جاي وجايب معايا أختي... سهيلة إبراهيم توفيق السوهاجي يا جدي اللي انضربت واتهانت في بيت جوزها من حماتها ومنه واللي المفروض تكون تاج على راسه لأن بنات السوهاجي ميتعملوش كده... هي واقفة برة وخايفة تدخل... وأنا احتراماً ليك يا جدي روحت جبتها وجيت على هنا... لو حضرتك هتستقبلها هي وعيالها في بيتك وتفضل هنا معززة مكرمة لحد ما يعرف قيمتها ويرجعها يبقى تدخل... لكن لو أنت هترجعها له مكسورة الخاطر زي قبل كده يبقى أنا كفيل بأختي وهاخدها معايا القاهرة... قولتي إيه يا جدي؟
نظر له توفيق بغموض... داخله سعيد وهو يرى نسخة مصغرة من ابنه المفقود... نظر له الجد مدعي الصلابة والغضب يردف:
_ وأنت إزاي تروح تجيبها من دار جوزها بدون علمي؟ ... هي اللي كلمتك؟
اردف سلطان بثبات:
_ أيوه كلمتني... ولما أختي تكلمني وتقولي إنها مضروبة ومتهانة من أهل جوزها يبقى كان لازم أتصرف... وبيتهيألي يا جدي إني اتصرفت زي ما أبويا الحاج إبراهيم الله يرحمه كان هيعمل بالظبط... أنا اتحكمت في نفسي بالعافية علشان مردلوش الضرب اللي ضربه لأختي قدام أهله وعياله... بس كان لازم أعمله درس مينساهوش أبدا.
أظهر الجد حنيته مردفاً بترحاب:
_ نادى على أختك يا ولدي... يا مرحب ببنت السوهاجي... نورت دارها... وحجها مردود.
فرح سلطان والتفت لينادي سهيلة، ولكن قاطعته روايح مردفة بغضب:
_ كيف ده يابوي... كيف تسمحله يخرب بيت خيته... ده واحد خس***.
قاطعها توفيق صارخاً ومردفاً بقوة لأول مرة:
_ اخرسي عاد يا روايح... ولما الرجالة تتحدت... يبجى الحريم تتكم.
ارتعبت واتسعت عيناها لا تصدق ما يحدث، بينما أردف سلطان بقوة أمام أنظار عمه الفرحة:
_ ادخلي يا سهيلة.
دلفت سهيلة هي وأطفالها بترقب، ولكن نظرات عمها وسلطان شجعتها... كان وجهها مليء بالكدمات مما أشعل الغضب في قلب محمود... اقتربت من جدها ودنت تقبل يده باحترام مردفة بهدوء:
_ كيفك يا جدي؟
ربت توفيق على يدها بحنو ورفعها ينظر لوجهها بحزن مردفاً بتساؤل:
_ هو اللي سوالك أكده؟
أومأت بحزن، فضيق عيناه واردف بوعيد:
_ زين جوي... جدرناه بس هو طلع عيل.. حسابه معاي إني.
تنهد سلطان براحة واردف وهو يكاد يغادر:
_ تمام يا جدي... أنا كده اطمنت عليها... همشي أنا بقى... عن إذنكم.
كاد يغادر، فأردف محمود بلهفة:
_ استنى يا سلطان... كيف تمشي أكده! ... ع الأجل اجعد معانا شوي يا ولدي ولا إيه يا بوي.
نظر سلطان لجده وكذلك محمود بترقب، فأردف الجد بقوة:
_ لأ يا محمود.... سيب سلطان يمشي.
أومأ سلطان بحزن وفرحت روايح وانتشط داخلها، بينما حزن محمود وسهيلة جداً لذلك، وكاد أن يعترض، ولكن استرسل توفيق حديثه بصلابة وقوة:
_ روح جيب والدتك يا ولدي وارجع... من أههنه ورايح مكانك هنا وسط أهلك... ومتتأخرش عاد.
نظر سلطان لجده بتعجب وصدمة ليتأكد، فأردف توفيق بسعادة أشعلت قلب روايح:
_ يالا عاد يا ولد إبراهيم... هستناك... متعوجش.
ابتسم سلطان لجده، فيبدو أن القدر يخطط مكانه... إنها دعوة أتت في وقتها تماماً... إنه بحاجتهم جداً الآن... لسببين... أولهما حماية من تملكت قلبه... أردف بحنو وفرحة:
_ تؤمر يا جدي.
رواية على القلب سلطان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم آية العربي
عاد سلطان إلى والدته وأخبرها بما حدث معه.
"يعني هنروح نعيش هناك فعلاً يا سلطان؟ ونسيب هنا؟ طب إزاي؟" سألت منيرة بحيرة بعدما قررت مسامحته.
"زي الناس يا ماما... كده أحسن لنا... لازم أبعد يا ماما... لازم أبعد عشان أعرف أكمل... هنا حاسس إن فيه حبل بيتلف على رقبتي... بعد اللي حصل صعب إني أكمل هنا." أجاب سلطان بشرود.
"طب وسيلين؟ هتسيبها بعد اللي حكتهولي ده؟" تساءلت بترقب.
نبض قلبه من نطق أحرف اسمها. شرد قليلاً ثم أجاب بغموض: "خلاص يا ماما الموضوع ده انتهى."
"أيوه يا سلطان بس يابني دي عايشة وسط ثعالب... هتسيبها إزاي وهي لسه على ذمتك؟ مش أنت أخدت عهد على نفسك تحميها!" قالت بحزن وحنان.
نظر لوالدته بعمق ثم قال وهو يقف ليغادر: "هطلقها يا ماما."
غادر حتى لا يفضح أمره، بينما منيرة حزنت على حال تلك الفتاة اليتيمة التي تود احتضانها بحنان.
أما هو فاتجه لنعمان في محل عمله وأخبره بإنهاء الخطبة بينه وبين ابنته، ثم غادر دون تفسير الأمر، مما جعل نعمان يقف مصدومًا مكانه.
رفع هاتفه وهاتف مصطفى الذي أجاب متسائلاً: "أيوه يا سلطان... إزيك؟"
"أنا كويس... إيه الأخبار؟" رد سلطان بترقب.
"تفتكر إيه يا سلطان! يعني اللي حصلها مش سهل." أجاب مصطفى بهدوء وتعقل.
ضربات عنيفة تضرب صدره، يبدو أن أحدهم يحطم قلبه. قال بصوت مختنق: "تمام... زي ما اتفقنا محدش يعرف إني بكلمك."
أغلق معه وأكمل طريقه إلى وجهته.
***
في اليوم التالي صباحًا، استعدا سلطان ووالدته للرحيل وقد وضبا أمتعتهما. طرقات على الباب عرف هو هويّة صاحبها. اتجه للباب يفتحه بثبات فوجدها تندفع للداخل تردف بغضب وحدة: "يعني إيه لغيت الخطوبة! أنت اتجننت؟"
نظر لها بكره، يريد أن ينقض عليها ولكن شخصيته تمنعه. من دمرت حياته بطمعها ومن حرقت قلب حبيبته. لم تجد منه جوابًا فأردفت صارخة: "رد علياااا... تفسخ خطوبتنا بعد سنتين والدنيا كلها عارفة إني مرات سلطان! لهو أنا أتحمل قرفك وفقرك وخيانتك ليا وتيجي تفسخ خطوبتنا... ده أنا أهد الدنيا."
كان يقف أمامها صامتًا، يربع يديه أمام صدره ويطالعها بكره واستحقار. أما هي فاستشاطت غضبًا من سكوته، ثم اتجهت لمنيرة التي تقف تتابع بحزن وأردفت بنبرة حقودة: "عاجبك اللي ابنك بيعمله يا خالتي... عايز يفسخ خطوبته مني! كل ده عشان كشفت الخطة للهانم بنت الأكابر!"
ثم التفتت تتطلع عليه مردفة بمكر ودهاء واستعطاف: "وأنا يعني عملت كده ليه يا سلطان... مش من حرقة قلبي لما عرفت إنك اتجوزتها فجأة؟ كنت مفكر إني هتحمل تبقى مع واحدة غيري وأسكت كده؟ طب إزاي؟"
ظل يتابعها بصمت ويتابع تمثيلها باشمئزاز. فتابعت وهى تقترب منه: "خلاص يا سلطان... هو الموضوع كان غلط من البداية... الناس الأغنية دول طرقهم متاهة... وكويس إننا خرجنا من وسطهم.... نتجوز بقى وننسى كل اللي حصل ده... ماشي؟ قولت إيه؟ مش أنت جهزت شقة وعفش! نتجوز فيهم ونبعد عن كل ده."
ابتسم ساخرًا يطالعها بكره مردفًا بهدوء: "خلصتي!؟"
ضيقت عينيها مردفة بتساؤل وترقب: "يعني إيه؟"
نظر لأمه يردف بقوة وصلابة وقسوة متجاهلاً وجودها: "يالا يا ماما سفرنا طويل... أنا هروح أجيب تاكسي وإنتي لمي الزبالة اللي في البيت عشان نرميها قبل ما نمشي."
غادر يحضر سيارة أجرة وتركها خلفه تنظر له بصدمة وعيون متسعة لا تصدق ما قاله، وقد علمت أنها خسرته. ولكن هل ستتنازل وترضخ؟
***
بعد ساعات طويلة وسفر، وصل سلطان ووالدته إلى محافظة سوهاج وتحديدًا أمام منزل السوهاجي. نظر لوالدته يردف باطمئنان: "تعالي يا ماما ماتقلقيش."
نظرت له بتوتر وأومأت تصعد معه. فُتح الباب من قبل شقيقته سهيلة التي جرت عليه تحتضنه مردفة بلهفة وترحاب: "يا أهلاً بالغالي... اتوحشتك جوي يا خويا."
بادلها سلطان بحب وثبات، بينما أسرعت تحتضن منيرة بحب مردفة: "إزيك يا خالة منيرة... كيف صحتك؟"
ابتسمت لها منيرة مردفة بهدوء: "الحمد لله يا بنتي بخير."
كان هذا يحدث أمام أنظار روايح المشتعلة بوعيد وكره لهذه المرأة وابنها منذ أول لحظة.
خطى سلطان مع والدته وسهيلة للداخل حيث يجلس توفيق ينتظرهما بحماس.
دنى سلطان من جده يقبل يده باحترام، وكذلك فعلت منيرة بترقب، بينما أردف توفيق مرحبًا: "نورتوا داركوا."
أومأت منيرة ببعض الراحة: "منورة بناسها يا حاج توفيق."
رحب بهم الجميع بسعادة باستثناء روايح، وقد تم تجهيز غرفة لمنيرة وغرفة أخرى خاصة بالحفيد الوحيد لعائلة السوهاجي سلطان.
جلست العائلة بعد ساعة حول مائدة الطعام لتناول الغداء، بينما لم تنضم روايح إليهم. كان الجميع سعيد بمجيء سلطان، وبالأكثر شقيقاته البنات اللاتي تسامرن معه بحنو، كذلك فعل هو أمام أعين جده التي أنارت ببريق الفرحة.
"بعد إذنك يا بوي... هاخد سلطان وننزل الأرض أفرجه عليها وأعرفه على شغلنا." قال محمود بعد الغداء.
أومأ توفيق بسعادة مردفًا: "تمام يا ولدي... زين."
وقف سلطان ليغادر مع عمه، ولكنه نظر لوالدته مردفًا ببر: "محتاجة حاجة يا ماما؟"
ابتسمت له بحنو وهي تجلس بجانب بدرية زوجة محمود مردفة: "تسلم يا ابني مع السلامة."
غادر هو مع عمه، وأثناء طريقهم أردف محمود بتساؤل دون مراوغة: "ينفع أتكلم معاك بصراحة يا ولد أخوي؟"
ضيق سلطان عينه وأردف بترقب: "خير يا عمي اتفضل؟"
تحمحم محمود مردفًا بذكاء: "اسمع يا ولدي... أنا خابر إنك متجوز."
انصدم سلطان ونظر لعمه بعيون ضيقة متعجبة، فاسترسل محمود: "وخابر إن مراتك تبقى مديرة شركة الحلواني..."
تساءل سلطان بذكاء: "انت كنت بتراقبني!؟"
أومأ محمود معترفًا: "أيوه يا ولدي... جدك كان عايز يعرف أخبارك ويطمن عليك من بعيد... وخلاني أشوف حد يراقبك ويعرفنا أخبارك أول بأول."
"انصدم سلطان وأردف: "يعني جدي عارف!؟"
نفى محمود مردفًا بصدق: "لاااا يا ولدي... إني مجولتش لبوي على قصة زواجك ولا أي حاجة من دي... أنا كنت ناوي أفهم الموضوع الأول... بس إني مش فاهم لحد دلوقتي حاجة واحدة بس... ليه عملت كده وليه سبتها فجأة..."
"يعني متعرفش؟" سأل سلطان مستفسرًا.
نفى محمود يكمل: "لأ يا ولدي... أنا عيوني كانت عليك انت مش عليها... وفيه حاجات ناقصة كتير وإني مش عارف أجمعها... وكنت ناوي أجلك القاهرة وأسألك عن كل ده بس أنت سبقتني."
شرد سلطان يفكر ثم أردف بتساؤل: "هو اللي كان بيراقبني ده حد تبعك!؟ يعني بتثق فيه؟"
أومأ محمود بتأكيد: "أيوه طبعًا يا ولدي... بثق فيه جدًا جدًا كمان."
أومأ سلطان مردفًا بغموض: "تمام... أنا عايز أكلمه."
ضيق محمود عينيه مستفسرًا، بينما أردف سلطان بثبات: "هحكيلك يا عمي... بس وإحنا ماشيين."
خطى الاثنان يتسامرون، وقد قص سلطان على عمه كل ما حدث بصدق، كذلك محمود الذي أخذه في رحلة لمشاهدة أملاك عائلة السوهاجي وأسطول الأراضي المتنوعة المحاصيل والثمار، كذلك عرفه على العمال الذين قابلوه بترحيب شديد، وقد ثبت من اليوم الأول عزيمته وإصراره على النجاح والمشي قدمًا في طريق الوصول إلى أحلامه... وأولها رد اعتباره أمامها.
***
أما سيلين، التي أصبحت سلبية في اتخاذ خطوة جدية لمستقبلها، حيث أنها باتت تهمل مصالحها، مما أزعج وداد والمحيطين بها الموثوق بهم.
في الشركة، تنهدت سيلين بضجر حين لم تستطع إكمال عملها المتماثل أمامها، ورفعت هاتفها تهاتف المحامي مردفة بإرهاق: "أستاذ ممدوح... ممكن تيجي مكتبي!؟"
أغلقت الهاتف بعدما أخذ موافقته وشردت تنتظره بحزن، تريد أن تنهي هذا العذاب، فهل ينتهي؟
طرق باب مكتبها فدلف المحامي متحمحمًا يردف بترقب: "صباح الخير يا سيلين هانم."
أردفت سيلين بهدوء: "أهلاً يا أستاذ ممدوح... اتفضل."
جلس ممدوح ينظر لها مردفًا بهدوء وتساؤل: "خير يا سيلين هانم!؟"
تنهدت ناظرة ليدها التي تفركها بتوتر، ثم رفعت نظرها إليه وأردفت بقوة مزعومة: "أنا عايزك تنهي موضوع جوازي ده... بأسرع وقت ومن غير أي شوشرة... شوف المطلوب إيه ونفذه... والأهم يا أستاذ ممدوح إن يكون بعيد عني يعني مش عايزة أعرف تفاصيل.... وياريت الموضوع يكون ودي من غير محاكم... فاهمة طبعًا؟"
أومأ ممدوح مردفًا بقبول: "تمام يا سيلين هانم... أنا هتواصل مع سلطان ونحل الموضوع بشكل ودي."
اهتز داخلها بقوة من نطق اسمه. ما زال بداخلها ضعف تجاهه، حتى بعد خيانته، حتى بعد عذابه.
تنهدت بعمق حتى تظهر الثبات مردفة: "تمام يا أستاذ ممدوح... اتفضل."
وقف ممدوح ليغادر، بينما هي تتبعت خروجه، ثم انهارت واضعة رأسها بين يديها على المكتب. لا تريد عمل... لا تريد أموال... لا تريد شركات... تريد استبدال كل هذا والحصول عليه فقط... سلطانها وكفى... هذا الذي لديه دفء والدها... هذا الذي يعاملها كالفراشة ويضمها كاحتضان الشمس للأرض... هذا الذي تزوجته ليومين فقط وكأنها تزوجته دهراً كاملاً. تريد سلطان الكاذب الحنون ولتعطيه الأموال ليستمر في كذبه عليها ولكن ليعود... ليعود ويأخذ ما يريد ويمدها بالقوة التي كانت عليها في حضوره.
رفعت رأسها تنظر للأمام مردفة تعنف نفسها: "مش هينفع كده يا سيلين... مش هينفع تكملي بالطريقة دي... لازم تنسيه يا سيلين... انسيه وكملي... هو محبكيش هو استغلك وبس."
ظلت تقنع نفسها بهذا الكلام حتى تقوى وتستطيع التركيز على العمل.
بينما في الخفاء يتم استغلال وضعها الذي تسرب بين أصحاب الشركات العملاقة لكي يوقع بها وباسم الحلواني.
***
مر شهر كامل. ساءت حالة سيلين نفسيًا وجسديًا. أهملت صحتها وباتت تهمل طعامها برغم محاولات وداد وعلية معها. بهتت ملامح وجهها الرقيق. كانت تذهب للعمل وتعود بدون حياة. أيقنت أنه أخذ حياتها معه. أيقنت أنه لم يكن محطة توقف بها قطار حياتها بل كان هو القضبان الحديدية. تلعن قلبها الذي تود لو أنها تخرجه وتكمل حياتها بدونه. ليت معها أحدًا يعينها على فراقه لكانت بخير وأقوى. ولكن ما يزيد ضعفها هو وحدتها، فلن يجد عقلها شيئًا آخر يفكر به إلا هو. للأسف تحبه بشدة لأن أفعاله الرجولية احتلت قلبها قبل خداعه.
أما سلطان، فلم يترك ثانية تمر إلا واستغلها جيدًا وأثبت كفاءته وصلابته في العمل. كسب ثقة جده وعمه وأخواته منذ اليوم الأول. حصل على فخر والدته مجددًا مما زاد حماسه للتقدم. وبرغم كل هذا إلا أن جانبه المخفي عن الأعين يصرخ باسمها. أنفاسه عبارة عن رائحتها. أفكاره عبارة عن حركاتها. نبضاته عبارة عن ضحكاتها. نعم أهانته. نعم هزت كرامته. ولكن ليس على قلبه سلطان! يعلم أنه سبب في ذلك. أحبها وماذا يفعل؟ سيعاقبها على إهانتها له بطريقته ويثبت لها ولجميع الحضور آنذاك أنه سلطان اسمًا وفعلًا. يعلم أنها فعلت هذا بسبب صدمتها ويعلم أنه حطم ثقتها به. ولكنه لن ينسى نظرات الجميع له. وخصوصًا نظرة والدته وذلك المدعو آدم. لن يتهاون معه أبدًا.
طوال هذه المدة ومنيرة تلتزم غرفتها تجنبًا لروايح ومنعًا لحدوث أي مشكلة، فهي على علم مسبق بها. بينما الأخرى تثور وتغلي منذ مجيئهما وتفكر في طريقة للخلاص منهما.
في آخر النهار يجلس سلطان مع جده وعمه يتحدثون عن العمل.
"براوة عليك يا ولدي... الأسبوع ده المكسب زين جوي ومضاعف عن سابق... ابن ابوك بصحيح.... علشان كده إني فتحتلك حساب باسمك وحطيت لك نصيبك فيه تقدر تصرفه كيف ما بدك." قال توفيق بسعادة وفخر.
"صح يا بوي... سلطان وهو سلطان بصحيح... لو تشوفه يا بوي كيف بيشتغل تجول ده في المهنة بجاله سنين." أيد محمود.
"متشكر جدًا يا جدي.... بس ممكن كمان نزود مكسبنا كمان عن كده يا جدي لو كان لينا شغلنا الخاص وبعدنا عن السماسرة." قال سلطان بهيبة وثبات كعادته.
ضيق توفيق عينيه مردفًا بتساؤل واهتمام: "كيف يا ولدي؟"
"بمعنى إن محاصيل الفواكه بتاعتنا مميزة وأنا شفت ده بنفسي... ف ليه مكسبها يروح معظمها لغيرنا! يعني ممكن نعمل لينا اسم ونصنع منتجاتنا بدل ما بنوردها للشركات عن طريق السماسرة." قال سلطان برتابة وغموض.
نظر توفيق لمحمود بتعجب مردفًا بتساؤل: "وه وه... يعني قصدك نعمل مصنع لينا! بس ده مش سهل يا ولدي... دي عايزة تخطيط ياما ودراسة جدوى ومحاميين وشغلانة."
ابتسم سلطان وأردف بذكاء: "وممكن نعمل كده بطريقة تانية وسهلة كتير عن كده يا جدي."
تعجب توفيق ومحمود أيضًا واردف بتساؤل: "فهمني كيف؟"
أومأ سلطان مردفًا بحماس: "هقولك يا جدي... هقولك بفكر في إيه بس قبلها لازم أسأل كويس عن الموضوع ده... وكمان أنا عايز أتكلم معاك في موضوع مهم عمي محمود يعرفه.... بس أوعدني إنك تتقبل كلامي."
أومأ توفيق مترقبًا يردف بتساؤل: "خير يا سلطان؟... جول اللي عندك."
***
في الصباح استيقظت سيلين على اتصال هاتفي من وداد. أجابت بكسل ونعاس: "أيوه يا وداد خير!"
"سيلين! أنت مشوفتيش الفيس بوك!؟" قالت وداد بحدة.
استفاقت سيلين تجلس منحنية على الفراش وتردف بتساؤل وتعجب: "لأ يا ود أنا لسه صاحية... فيه إيه على الفيس بوك لازم أشوفه؟"
"فيه مصيبة يا سيلين... للأسف فيه مصدر طلع إشاعة عن منتجات الشركة والعصائر المعلبة إنها منتهية الصلاحية وإن الفواكه المستخدمة في حالة تالفة وفيه فيديو متسرب من داخل مصنعنا اللي في العاشر وهو بيكشف للناس عن الفاكهة التالفة دي واكيد ده كله مكيدة مدبرة من حد قدر يستغل اللي حصل معاكي يا سيلين." قالت وداد بحسرة.
صدمة اعتلت ملامحها وهي تقف منتفضة وتدور في الغرفة بتيه وحيرة مردفة: "ازاااي... ازاااي ده حصل... المصنع ده تحت مسؤوليتي وأنا بباشر على منتجاته بنفسي... ازاااي الفواكه تالفة! ومين اللي عمل كده!؟"
"معرفش يا سيلين... بس الدنيا مقلوبة والناس بتتكلم بطريقة وحشة أوي عنك." قالت وداد بحزن وحيرة.
أغلقت سيلين بحزن وفتحت هاتفها تتصفح الفيس بوك بيدٍ مرتعشة وقد شاهدت الإشاعات والمقالات الكاذبة في حقها، فقد أصبح الفيس بوك محطة رائدة للإشاعات ونشر الفتن، وها هي تصيب في مقتل، فهناك من استغل الوضع ويقول إن أطفاله قد ذهبوا إلى المشفى بعد تناولهم منتجات الشركة، وآخر يحكي إنه أصابه ألم شديد في معدته بعد تناوله علبة من منتجات الشركة، وغيرها من مصادر أشعلت الفتنة وزادت من حقد المتابعين عليها.
كانت تتابع بصدمة وهي تضع كفها على فمها بعجز وتهز رأسها. هل حدث ما كانت تخشاه! هل تلوث اسم عائلتها واسم والدها الذي كان يظهر عاليًا وسط جبابرة السوق! هل أسقطت ثروة والدها وهل تصيد لها الأعداء أخيرًا!
كل هذا حدث بسببه... نعم... كانت قوية قبل معرفته... كانت صلبة ومتماسكة. كيف ستواجه الآن! هل يمكن أن يتخذ ضدها إجراء قانوني؟ عند هذه النقطة ولم تحتمل قررت تبديل ثيابها والذهاب للشركة لترى ما يمكن فعله. وأثناء ذلك اتصلت على محاميها الذي أجاب بحزن مردفًا: "أيوه يا سيلين هانم."
"أستاذ ممدوح... أنا راحة الشركة... قابلني هناك لو سمحت." قالت بعجز وتشتت.
بعد ساعة وصلت سيارة سيلين إلى مقر الشركة وقد رأت ما كانت تخشاه. فقد تجمع عدد ليس بالهين من الصحفيين أمام باب الشركة ينتظرانها لرمي التهم عليها دون شفقة أو رحمة.
ابتلعت لعابها بخوف وتوتر، وهي التي لم تتعرض لموقفٍ مشابهٍ طوال حياتها. "هنعمن إيه يا محمد؟" قالت بحيرة لمحمد الحارس.
"سيلين هانم... أنا هحاول أأمنك لحد ما تدخلي الشركة وإنتي حاولي متتكلميش معاهم خالص." أجاب محمد بمهارة.
أومأت ونزل هو بحذر فتجمهر بعضهم حوله ولكنه أبعدهم ومر يفتح باب سيلين بصعوبة من بينهم، ولكنه أفسح مجالًا لها بمساعدة أصدقائه حتى مرت واختفت داخل الشركة وبقي الأمن يمنعهم خارجًا.
صعدت للأعلى بتوتر من أنظار الجميع ودلفت مكتبها، فوقفت وداد تتجه إليها وتحاول التخفيف عنها: "سيلين هانم... اهدى وأكيد فيه حل."
هزت رأسها بعنف مردفة بخوف ورعب: "أهدى إزاي يا وداد! ده فيها حبس ليا... ده غير اسم بابا والشركة... ده مصنع من المصانع اللي تحت مسؤوليتي."
تنهدت وداد بحزن وصمت لا تعرف ماذا تقول، فسيلين محقة تمامًا. دلفت مكتبها بعدما حضر الأستاذ ممدوح ودلف خلفها.
جلسا فأردفت سيلين بتساؤل: "الوضع إيه يا أستاذ ممدوح في المصيبة دي؟"
شرد ممدوح يفكر ثم أردف: "المشكلة يا سيلين هانم إن مخزون الفاكهة الخاص بالمصنع كله تالف وده لأن التلاجات كلها اتعطلت بفعل فاعل ولما حاولنا ندقق الكاميرات لقيناها ممسوحة تمامًا وده بردو بفعل فاعل أكيد... وده حد خاين في المصنع عمل كده بأوامر من حد منافس استغل ثغرة لحضرتك ونفذ فورًا... لأنه أكيد كان بيخطط لده من زمان."
نظرت له بصدمة وعجز واردفت بتساؤل: "طيب والفواكه دي اتصنع منها منتجات فعلاً؟"
هز رأسه يردف: "لأ طبعًا... لأن فيه عندنا مراقبة جودة على المنتجات... بس طبعًا الإشاعات طلعت بأن الفواكه الفاسدة دي بيتصنع منها المعلبات دايمًا."
انقبض قلبها وقل تنفسها مردفة بعجز: "والعمل يا أستاذ ممدوح؟"
أردف ممدوح عاجزًا أيضًا: "للأسف حاليًا صعب... لأن أسهم الشركة انخفضت جدًا في البورصة من وقت ما ظهرت الإشاعات ومستحيل أي حد يقدم لنا دعم لأن أكيد فيه خسارة ليه... ده غير إن مافيش وقت نتعاقد مع أراضي محاصيل جديدة لأن الأغلبية محجوز..."
نظرت له بضعف وعجز مردفة: "يعني خلاص... مافيش حل! أنا كده ممكن أتسجن؟ هحاول أطلع في مؤتمر أو أتكلم مع الناس وأشرح الوضع... لازم ألاقي حل."
أردف ممدوح بعد تفكير: "هو فيه حل بس شبه مستحيل."
نظرت له ببريق أمل أضاء داخلها مردفة: "اللي هو إيه؟"
أردف ممدوح بترقب: "إننا نلاقي شريك لأسهمك... شريك جديد مالوش أسهم بحيث إنه ميخسرش وفي نفس الوقت يساندك... وكمان لو لقينا فواكه بديلة في أسرع وقت ممكن نبدلها قبل ما يصدر قرار بتفتيش المصنع."
ضاع أملها مردفة بعجز وحزن: "هنلاقي ده إزاي يا أستاذ ممدوح في الوقت القصير ده... أنا خلاص... ضعت وضيعت كل حاجة... أنا السبب."
حاول ممدوح تهدأتها مردفًا: "حاولي تتماسكي... وأكيد هنلاقي حل... بس المشكلة في الوقت... يعني في كام ساعة بس الأسهم انخفضت ولو استمر الوضع على كده هنخسر كتير... علشان كده أنا هحاول أعمل لقاء صحفي تطلعي تتكلمي فيه."
أومأت له بشرود وعجز أصابها، بينما وقف هو ليرى ما يمكن فعله.
***
عند نبيل، الذي يجلس على مكتبه بأريحية، فالأمر لا يعنيه ومن ستهلك هي سيلين وليس هو. نعم سيفقد الكثير من الثروة ولكن يكفي أن تبتعد عنه هذه الفتاة التي لا يطيق حتى وجودها في نفس المكان.
دلف عليه آدم مردفًا بغضب: "أنت قاعد ومش همك كل اللي بيحصل ده؟ دي مصيبة."
لف نبيل له ينظر ضاحكًا ويردف بهدوء: "ليه... وأنا مالي؟ المصنع خاص بسيلين وهي المسئولة عنه."
"أوعى يكون أنت اللي عملتها!؟" قال آدم بشك وتساؤل.
"لأ طبعًا... مجاش في بالي الخطة دي... لأن فيها خسارة لينا إحنا كمان... بس ده حد تقيل قوي وكان مخنوق قوي منها... لأنه مسبش وراه دليل... ده غير إنه لعب لعبة ذكية قوي." رد نبيل بانزعاج.
جلس آدم يردف بتساؤل وترقب: "أكيد سيلين هتلاقي مخرج... مش معقول هتسيب الدنيا تنهار صح؟"
ضحك نبيل مردفًا بشر: "توء... مفيش قدامها حل... هي خلاص بتغرق... وتقريبًا كلها أيام وتتسجن."
انصدم آدم مردفًا بتعجب: "تتسجن! ازاي؟ لاء... مينفعش."
"مينفعش! ليه؟" نظر له آدم واردف بشرود وتوتر.
"لأ... مفيش... أصلي استغربت يعني." قال آدم.
دلف وليد مكتب عمه مقاطعًا إياهما يردف بغضب: "عمي الحق سيلين... أنت عرفت اللي حصل؟"
نظر له نبيل بضجر مردفًا: "أهلاً بالاستاذ اللي مش سائل عن أي حاجة من زمان... خير؟"
جلس وليد يردف بتوتر: "الدنيا مقلوبة ومصنع العاشر هيتقفل وسيلين ممكن تتسجن."
ضحك نبيل مردفًا بتأكيد: "لأ مش ممكن... هي هتتسجن فعلًا... أنت زعلان ليه؟"
نظر له وليد بصدمة واردف بصدق: "أيوه بس دي بنت عمنا... وبنت أخوك."
غضب نبيل منه مردفًا بحدة وتعصب: "أنا ماليش أخوات غير أبوك... ومات... والبنت دي بالذات أنا مش معترف بيها... ولا أنت ولا أختك ليكوا دعوة باللي بيحصل أحسن لكم... أنت فاهم."
نظر له وليد بصمت ثم أومأ بضعف، فليس بيده شيء يفعله من أجلها، لقد أصبح سلبيًا بطريقة مضاعفة.
***
دلت وداد على سيلين تردف بذعر وتلعثم: "سيلين أنت لازم تمشي بسرعة... الدنيا مقلوبة عليكي وفيه ناس جايين على هنا.. وبيقولوا إنك بتسممي أولادهم متعمدة ده... وده بسبب الإشاعات اللي ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي... فلازم تمشي حالاً."
نظرت لها سيلين برعب وهي تهز رأسها بعدم تصديق. أهكذا ستكون نهايتها وهي التي عرفت بالنزاهة والضمير طوال رحلتها المهنية مع والدها وحتى بمفردها.
صرخت وداد مردفة: "يالا يا سيلين بسرررعة."
وقفت سيلين لا تعلم أين تذهب وماذا تفعل. دلف محمد الحارس أيضًا يردف بعجلة: "سيلين هانم لازم نمشي بسرعة... فيه ناس اتجمعت تحت وعاملين شوشرة."
وقفت تتطلع عليه مردفة بخوف حقيقي وحيرة: "طيب ممكن أتكلم معاهم!؟"
أردفت وداد بحدة وهي تدفعها للخارج: "تتكلمي مع مين... دول جايين وناويين أذية... يالا يا سيلين محمد هيطلعك من باب الطوارئ."
مشت خلفهم سيلين بتخدر، وأمامها تمر مراحل عمرها المهني وبدأت تبكي، وقد زال الأمل واستحل مكانه الضعف والاستسلام.
وصلت للباب الخلفي الخاص بالطوارئ، فاوقفها محمد مردفًا: "خليكي هنا لما أراقب الأوضاع."
خرج محمد بحذر وعاد بعد قليل مردفًا بلغة آمرة: "يالا بسرعة."
خرجت معه وظلت وداد مردفة عندما رأت الخوف في عينيها: "متقلقيش... كله هيبقى تمام... وأنا هفضل هنا أغطي مكانك."
نظرت لها بحزن ثم أومأت وغادرت خلف محمد الذي كان يراقب بحذر، إلى أن وصلت لسيارة سوداء تنتظرها في الخلف. فتح محمد الباب الخلفي واردف: "اركب يا هانم."
تعجبت سيلين واردفت بتساؤل: "دي مش عربيتنا... عربية مين دي؟"
نظر لها بتوتر واردف: "اركب يا هانم متقلقيش."
نظرت له قليلاً ثم ركبت في الخلف وأغلق الباب عليها وانطلقت السيارة بدونه مسرعة بعدما أوصدت أبوابها، على تلك التي صرخت مردفة عندما رأت رجلين في الأمام لم تتعرف على هويتهما: "انتوووو مين... واخدني على فييين؟"
رواية على القلب سلطان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم آية العربي
نعم أحبك.. وسيظل قلبي ينبض بحبك
وإن فرقتنا دروب الحياة
سيبقى وريدي طريقاً لدربك
وأعترف بأنك كل الحياة
وإن اشتياقي قطرة في حبك
ولو خيروني بعمري وبعدك
لاخترت موتي فداءً لقربك
&&&&&&&&&&&
ظلت تصرخ وتحاول فتح الأبواب برعب مردفة بجسد مرتعش خائف:
_ أنتو مين؟ عاوزين مني إيه؟
أردف أحدهم باحترام:
_ يا سيلين هانم اهدئي وصدقيني إحنا مش هنأذيكي.. إحنا بس بنحاول نبعدك عن أي مكان ممكن يكون فيه خطر على حياتك.
استكانت قليلاً تردف بتعجب:
_ طب أنتو تبع مين ومين قالكم تعملوا كدة؟
أردف نفس الشخص دون النظر إليها:
_ اهدئي وهتعرفي كل حاجة.. بس الأول لازم نبعد عن هنا.
استسلمت لهم.. فلم يحدث معها أسوأ مما حدث.
بينما نظر الرجل الذي تحدث لزميله الذي يقود، نظرات ذات مغزى وهي تتطلع عليهما بقلب مرتعب خائف مستسلم تماماً.
بعد حوالي ساعة ونصف أو أكثر قليلاً، حيث أصبحت السيارة خارج حدود القاهرة وسيلين تضع رأسها على النافذة بضياع وعيناها ذابلة تردف باستسلام:
_ قولولي أنتو مين.. تبع مين؟ عايزين تقتلوني صح؟ أنتو تبع عمي؟ ولا تبع رضوان المالكي؟ ولا تبع اللي عمل في مصنعي كدة؟ اقتلوني وريحوني.. أنا خلاص تعبت.. مش هقاوم ولا هعترض.. بس قوليلي أنتو تبع مين.
كانت عيناها قد بدأت تغمض بإرهاق واستسلام.
وبالفعل بعد دقائق غفت سيلين بسكون وهدوء تام.
بينما توقفت السيارة عند نقطة ما ونزل منها الرجلان يبدلان مع أحدهم الذي ركب هو متوليًا القيادة.
ولكن قبل التحرك، تطلع على القابعة في الخلف باشتياق وقلبٍ ينبض بحبها، وقد خلع جاكيته وألقاه عليها بهدوء مردفًا بحب وحنان:
_ متقلقيش يا حبيبتي.. أنا معاكي.
وكأنها استمعت لصوتٍ تمنته وتمنت رؤيته حتى وإن كابرت.. فرسمت شبه ابتسامة على ثغرها وأكملت نومها.
بينما الآخر نظر لها نظرة أخيرة والتفت يقود بشرود ويتنهد بعمق مردفًا بصوت هادئ متوعدًا:
_ كل اللي اتسبب في خوفك هيدفع التمن غالي.. هحميكي وأرد لك حقك.. بس هعاقبك بطريقتي على إهانتك لأمي وليا.
أحضر زجاجة صغيرة من جيبه ورش القليل منها في الخلف حتى يتأكد من نومها بشكل جيد، فهو يخشى إيقاظها وتوترها حين تراه.
ثم أكمل سيره إلى بلده سوهاج.
&&&&&&&&&
في الشركة، تجمع أناس كثيرة أمام بابها.
أردف الأستاذ ممدوح وهو يقف على بابها برتابة يحاول استعطافهم:
_ يا جماعة الأمور مش هتتحل كدة.. سيلين هانم مش هنا.. وسيلين هانم هتطلع في مؤتمر رسمي وهتشرح كل اللي حصل بالأدلة.. بس اعطوها فرصة لأن كل ده مكيدة مدبرة ضدها.. وأكيد معظمكم عارف تاريخ شركة الحلواني ومنتجاتنا بتتنافس مع المنتجات المستوردة من حيث الجودة.. فياريت بلاش تنساقوا وراء الإشاعات اللي ظهرت على السوشيال ميديا وتستنوا تفسير سيلين هانم.
أردف أحدهم بغضب:
_ الكلام ده تضحكوا علي غيرنا بيه.. إحنا شفنا الفيديوهات واتأكدنا إنها من جوة مصنعكم.. انتوا بتموتوا أطفالنا وبتسمموهم يا كفرة.
عم الغضب ثانياً بسببه وتدخل الأمن لفض الاشتباكات، بينما أصبح الوضع معقداً أكثر.
ونبيل في الأعلى يتابع من نافذته بتشفي مردفًا:
_ وريني هتخرجي منها إزاي يا سيلين هانم!
&&&&&&&&&&
بعد حوالي ثلاث ساعات، وصلت السيارة في محافظة سوهاج وتحديدًا أمام منزل فاطمة شقيقة سلطان.
نزل سلطان من السيارة بهيئته الرجولية وقميصه الأبيض الناصع ينظر لشقيقته التي تنتظره أمام بابها مردفة بترحاب وحب:
_ أهلاً بالغالي.. فين مرت أخوي؟
ابتسم لها مردفًا بمشاكسة:
_ مرت أخوكي لسه متعرفش إن أخوكي هو اللي خطفها ولو عرفت هتولعلك في الدار.
ضحكت فاطمة مردفة بحنان:
_ ههههه وماله.. فداها الدار وصاحبته دي مرت الغالي.
ربت على كتفيها بحنو مردفًا بامتنان:
_ تسلمي يا فاطمة.. قوليلي.. حضرتي الأوضة زي ما طلبت؟
أومات تردف بحماس:
_ كله جاهز زي ما أنت عاوز.. ومتجلقيش عليها دي في عيوني.
أومأ مردفًا بثبات وتأكيد:
_ مش قلقان يا فاطمة وإلا ما كنتش جبتها هنا.. أنا بس عايزها تهدى الأول وبعد كدة هاخدها بيت العيلة.. مش عايزها تتجنن قدام جدي.
أومأت بتفهم مردفة:
_ ماشي يا عمري.. متجلقيش واصل.. يلا هاتها وتعالي.
اتجه يفتح الباب الخلفي بحذر وحمل تلك التي تنام بعمق وكأنها تهرب من مصير توقعته محتومًا.
حملها بحنو واشتياق.. كان يشدد من احتضانه لها دون ملاحظة وهو يتجه خلف شقيقته إلى داخل منزلها.
تتبع أخته حتى وصل إلى غرفة تم تجهيزها مسبقًا لها.
أدخلته فاطمة مردفة بهدوء:
_ نيمها أهنه يا أخوي.
قالتها وهي تشير على الفراش المرتب.
فاتجه سلطان يضع عليه سيلين بهدوء وحنو وهو ينظر إلى ملامحها باشتياق وحزن فقد لاحظ بهتانها.
ابتعد قليلاً يردف محدثًا وهو يطالعها:
_ خدي بالك منها كويس يا فاطمة.. هي أكيد هتفوق كمان شوية حاولي تهديها وتطمنيها بس بلاش تجيبي سيرتي.
أومأت فاطمة مردفة باطمئنان:
_ حاضر يا خوي متجلقش عليها ده في عيوني.. وإني مش هجيب سيرتك واصل لحد ما تعاود.
أومأ لها وخرج مجبرًا خارج الغرفة وتبعته فاطمة بعدما أغلقت الباب بالمفتاح مردفة بتساؤل:
_ هتتأخر يا سلطان؟
أردف سلطان وهو يطالعها:
_ لأ يا فاطمة مسافة السكة.. بس لازم أسافر شرم الشيخ حالا.
فاطمة! سيلين ممنوع تتحرك برة البيت وممنوع تعرف هي فين.. تليفونها معايا عشان محدش يعرف مكانها.. ولو فيه أي حاجة حصلت كلميني.. وأنا موقف رجلين برة احتياطي.. تمام!
أومأت فاطمة بتأكيد:
_ تمام يا خوي.. اتكل أنت على الله.. ترجع بالسلامة.
أومأ لها وغادر على عجلة متجهًا إلى أراضي عائلة السوهاجي ليقضي أمرًا ثم بعدها يذهب إلى شرم الشيخ.
ركب سيارته وانطلق يهاتف الأستاذ ممدوح الذي أجاب بعدما علم هوية المتصل مردفًا بتساؤل:
_ سلطان! خير؟
أردف سلطان وهو يقود بترقب:
_ أستاذ ممدوح ازيك.. سمعت إنكم محتاجين محصول بدل المحصول اللي تلف.. صح؟
أردف ممدوح بتعجب:
_ عرفت إزاي؟
أردف سلطان بذكاء وثبات:
_ مش وقت أسئلة يا أستاذ ممدوح.. المهم نلحق نبدله قبل ما الموضوع يوصل للشرطة.
أومأ ممدوح مجبرًا تحت ضغط ما يحدث مردفًا:
_ تمام يا سلطان.. إحنا فعلاً محتاجين محاصيل فورًا بس ده شبه مستحيل.
أردف سلطان بصلابة وثبات:
_ جهز أنت عربيات النقل وفضي التلاجات من الفاكهة التالفة وأنا هبعتلك المحصول النهاردة بليل.. والكلام ده بينا.. ممنوع مخلوق جوة الشركة يعرف.
أردف ممدوح بفرحة:
_ تمام.
أغلق معه وهاتف وداد مردفًا بآمر:
_ وداد.. خلي محمد يزود الحراسة ع المصنع.. وخلي بالك كويس من نبيل لأنه تعلب ممكن يعرف أي معلومة.
أردفت وداد متسائلة:
_ طيب يا سلطان سيلين كويسة؟
أومأ مردفًا باطمئنان:
_ كويسة.. متقلقيش.
أغلق معها وشرد يفكر فيما قد يمكن أن يحدث لولا مراقبته لها ومعرفته بأمورها من خلال الرجل الذي أخبره عمه محمود عنه.
لقد كان ينقل له أخبارها كاملة ويطمئنه عليها ولكنه علم بطرقه ما حدث في المصنع وأخبر سلطان الذي تصفح هاتفه وعلم بالأمر كاملاً من خلال الفيديوهات والإشاعات المنتقلة بين الناس.
وقد هاتف وداد التي اعترضت في البداية على سماعه ولكن تأتي حماية سيلين في المقام الأول لذلك وافقت على مساعدته وأخبرته بالتفاصيل كاملة وكذلك الحل الوحيد الذي قاله ممدوح.
مما جعله يتصرف بذكاء ويرسل سيارة برجلين من أتباعه ليأتي بها في حصنه الآمن.. وحتى لا يعرف مكانها أي مدبر وماكر متربص لها.
توقفت سيارته أمام أراضي عائلة السوهاجي.. نزل بهيئته وملامحه الرجولية يتجه لعمّه محمود مردفًا بتساؤل:
_ ها يا عمي.. عملت إيه؟
أردف محمود بحماس:
_ كله تمام يا ولد أخوي.. العمال بيجمعوا محصول الفاكهة اللي المصنع محتاجه وهنحمله ونوصله في المعاد.. متجلقش.
ربت على كتف عمه بامتنان وسعادة مردفًا:
_ مش عارف من غيرك كنت عملت إيه.. تسلم يا عمي.
أردف محمود بسعادة وفخر:
_ متجولش أكده يا ولد الغالي.. أنت من أهنه ورايح ولدي يا سلطان.. واللي يريحك يريحني.. وبعدين ده خير وهيعم ع الكل وهنجدر نلحق مرت ابني من اللي عايزين يسجنوها.
أومأ باطمئنان مردفًا براحة:
_ الحمد لله.. هذا من فضل ربي.
نظر إلى عمه مسترسلاً:
_ تمام يا عمي.. أنا لازم أسافر شرم الشيخ حالاً وهرجع بسرعة..
أومأ محمود مطمئنًا:
_ روح يا ولدي ومتجلقش.. ربنا معاك.
غادر سلطان بعدها متجهًا فورًا إلى مطار سوهاج الداخلي.
&&&&&&&&&&&
بعد ساعة في منزل فاطمة.
استيقظت سيلين بتعب وقد تملك الدوار رأسها فضغطت بيدها على رأسها تردف بأنين وبكاء:
_ آآآه.
فتحت عيناها تنظر حولها بعيون ذابلة فوجدت نفسها داخل غرفة لا تستطيع معرفتها.
أردفت متسائلة بتعب:
_ أنا فين؟
قامت من مكانها ببطء وتمايل إلى أن وصلت لعند الباب وحاولت فتحه ولكنها وجدته مغلقًا.
طرقت بعنف عليه مردفة بصراخ وبكاء:
_ أنتو ياللي براااا.. افتحولي.. أنتو مين وجبتوني على فيييين.
فُتح الباب وظهرت أمامها فاطمة بوجهها البشوش الذي يشبه سلطان كثيراً مردفة بهدوء وطمأنينة:
_ اطمني يا غالية.. انتي أهنه في أمان متجلقيش.. بس بلاش تبكي يا عمري.. اهدئي وأنا هعملك لقمة تاكليها وارجعلك.
نظرت لها سيلين بتعجب وصدمة من ملامحها التي أرسلت مشاعر مطمئنة داخلها وأردفت بتساؤل وإرهاق:
_ انتي مين؟ وأنا فين وبعمل إيه هنا؟ أنا عايزة أمشي حالا.. وعايزة تليفوني.
أردفت فاطمة بترقب وهدوء:
_ حاضر يا عمري.. كل اللي انتي رايداه هيحصل.. بس اهدئي واطمني انتي أهنه في أمان.. هرجعلك تاني.
أغلقت فاطمة الباب ثانياً تحت أنظارها المتعجبة ولكنها في حالة من التعب والإرهاق لا تسمح لها بالتفكير في أمر من شغلها.. بل عليها أن تفكر في مخرج لوضعها.
في الخارج اتجهت فاطمة إلى مطبخها تحضر ما لذ وطاب لزوجة شقيقها الغالي بسعادة.
دَلفت عليها ابنتها دعاء مردفة بتساؤل:
_ بتعملي إيه يا ماما؟
أردفت فاطمة بسعادة:
_ بحضر الأكل لمرت خالك سلطان يا دعاء.. روحي انتي رتبي الدار.
أردفت دعاء بترقب وتساؤل:
_ طب ليه حبساها عاد؟ وليه خالي جابها أهنه؟ وإزاي تعملي أكدة أصلاً! مخوفتيش من ستي روايح؟
نظرت لها فاطمة بغضب مردفة بحدة:
_ بت يا دعاء.. لو فتحتي بؤك وجولتي إن خالك جاب مرته عندينا هطير رجبتك.. انتي سامعة يابت.. ولا كأنها هنا لحد ما هو اللي يجول.
أومأت دعاء مردفة بطاعة:
_ حاضر يا أما مش هجول.
غادرت تكمل عملها بينما نظرت فاطمة لها وهزت رأسها بقلة حيلة ثم أكملت ما تفعله.
بعد دقائق أعدت فاطمة وجبة وحملتها واتجهت حيث الغرفة ثم فتحتها بعدما أسندت الصينية على طاولة قريبة ثم دلفت تنظر للقابعة على الفراش تردف بحماس:
_ يلا يا نور عيني عشان تاكلي لقمة.. انتي أكيد جوعانة.
رفعت سيلين رأسها من بين أرجلها تنظر لها بتشوش مردفة بتعب وهي تتمسك برأسها:
_ عندي صداع هيموتني.. لو عندك أقراص مسكنة لو سمحتي.. مش عايزة أكل.
أردفت فاطمة بإصرار وحنو:
_ لا مينفعش الكلام ده.. لازم تاكلي الأول وبعدين هجبلك المسكن من عيوني.. يلا تعالي ومتجلقيش.
نظرت لها بشرود ثم أردفت بشك:
_ طيب انتي مين؟ وأنا بعمل إيه هنا؟ فهيميني وأنا مش هعترض.
اتجهت فاطمة تجلس بجوارها مردفة بحنو وهدوء:
_ إني عرفاكي بس انتي متعرفنيش.. واللي جابك أهنه جالي مجولكش أي حاجة لحد ما هو يعاود.. بس اطمني انتي أهنه في أأمن مكان.. يلا تعالي كلي بجى.
نظرت لها سيلين بحيرة ثم أردفت باستسلام:
_ تمام.
أحضرت فاطمة صينية الطعام ووضعتها أمام سيلين التي تنظر لها بتعجب ثم أردفت وهي تناوله إحدى اللقيمات بحماس:
_ يلا دوقي دي من يدي.
تناولتها سيلين بتعجب.. فهي بحاجة إلى الطعام حقاً ولكن لما تشعر وكأنها تنتمي لهذه السيدة الحنونة وكأنها تعرفها منذ زمن.. لما تطمئن معها!
أردفت بصوت داخلي معنفة نفسها:
_ أما زلتي تثقين في الأغراب أيتها الحمقاء!
بعد قليل تناولت فيهما سيلين القليل جداً تحت ضغط فاطمة عليها ثم ناولتها قرص مسكن ومددتها على الفراش.
وللعجب هي لم تعترض أو تصرخ بل كانت مستسلمة لها تماماً.
&&&&&&&&
في الشركة لاحظ نبيل عدم وجود سيلين.
أردف بغضب وصدمة:
_ راحت فين دي! وخرجت إمتى؟
دلف عليه منتصر يردف بترقب:
_ نبيل بيه.. هنعمل إيه مع الناس اللي تحت دي! أنا شايف إن حضرتك تخرج تتكلم معاهم.. لأن واضح إنهم مش ناويين يمشوا إلا إذا حد خرج لهم.
نظر له بغضب مردفًا بحدة:
_ نعم! وأنا مالي أخرج ليه.. هي هربت وأنا هلبسها ولا إيه؟ شوف حد غيري.
أردف منتصر بهدوء:
_ يا نبيل بيه حضرتك عضو من أعضاء مجلس الإدارة وشريك في الشركة وبما إن سيلين هانم مش موجودة يبقى الأفضل إن حضرتك تخرج تتكلم معاهم لأن كدة ممكن يهجموا ع الشركة ويدخلوا.
كان يتنفس بغل وتوعد مردفًا وهو يقف ليغادر:
_ ماشي.. ماشي يا سيلين.. حسابك تقل قوي عندي.
نزل لأسفل ثم وقف عند باب الشركة يحتمي في رجال الأمن مردفًا بصوت عالٍ ونبرة ماكرة:
_ يا جماعة مينفعش كدة.. المصنع اللي ظهر في الفيديوهات ده المسؤول عنه سيلين بنت أخويا وهي بنفسها بتباشر الجودة بس هي الفترة اللي فاتت كانت أعصابها تعبانة شوية يعني لازم نعذر بعض وإحنا مستعدين لأي تعويض وأي خسائر أكيد سيلين مش هتقصر مع حد.. فياريت تمشوا دلوقتي لما نشوف هنعمل إيه؟
أردف كلماته ليورطها أكثر ولكنّه بذلك أثار غضب الجموع أكثر، فخلع أحدهم حذاءه وألقاه عليه مباشرة مستهدفاً جبهته يردف بغضب:
_ يا أولاد ال****.
ارتد جسد نبيل واتسعت عينه بصدمة أثر الضربة التي تلقاها ودلف يختبئ مسرعًا في الداخل برأس مشوشة ويلتفت حوله مما جعل الموظفين يكتمون ضحكاتهم على هيئته التي تشبه الفأر المذعور.
أما وداد التي كانت تتابع ما يحدث من مكتبها من خلال الكاميرات انفجرت ضاحكة تردف بشماتة:
_ ههههههههه أحسن.. يا أحقر الأعمام..
ثم شردت تفكر مردفة بدعاء:
_ ياااارب يا سلطان تلحق تتصرف فعلاً وسيلين ماتتطورش في الحكاية دي.
&&&&&&&&&&&
في آخر النهار وصل سلطان مطار شرم الشيخ ونزل مسرعًا يتجه للخارج حيث أوقف سيارة أجرة وركبها واردف يحدث سائقها:
_ اطلع ياسطى على مصنع الحلواني بسرعة.
غادر السائق وبالفعل وصل سلطان إلى المصنع في وقت قياسي ونزل ثم طلب أحداً بالاسم، فخرج العامل المسن ذلك الرجل الطيب المدعو حميد الذي عرفه على الفور مردفًا بترحاب:
_ يا أهلاً يا باشا.. اتفضل.
أردف سلطان بهيبة وصلابة:
_ اسمعني كويس يا عم حميد.. سيلين هانم واقعة في مشكلة كبيرة وطبعاً دي مكيدة وأنا جيت عشان أصور المصنع وأصور العمال ويحكوا اللي حصل معاهم واللي سيلين عملته من فترة هنا.. قولت إيه؟
رحب العم حميد مردفًا وهو يدفعه للداخل:
_ طبعاً يا باشا اتفضل.. سيلين هانم نخدمها بعيوننا.. كفاية إنها اشترت حياتنا وخاطرنا.
دلف سلطان معه المصنع فوجد ترحيب من جميع العاملين وبالفعل بدأ يصور المصنع كاملاً ويصور الآلات الحديثة بهاتفه التي تم استبدالها منذ أيام.
أردف العم حميد وسلطان يصوره:
_ سيلين هانم أنقى من إن هي تدبر أو تؤذي بشر.. دي أول ما طلبناها جتلنا فوراً من القاهرة وشافت طلباتنا.. مع إن المصنع ده المسؤول عنه هو نبيل بيه عمها بس هو عمره ما اهتم بطلباتنا.. ولما حصل حالة وفاة نتيجة إصابة عمل وطلبناها.. هي جت فوراً ونفذت طلباتنا بنفس راضية وحزنت جداً على الحالة اللي المصنع كان عليها.
أردف آخر من العمال بصدق:
_ سيلين هانم انهارت أول ما شافت حالنا وتاني يوم الصبح لقينا المعدات الجديدة وصلت ده غير إنها زودت مرتباتنا كلنا ربنا يعمر بيتها زي ما عمرت بيوتنا.
أردف رجل آخر:
_ ومش كدة وبس.. دي كمان راحت لأسرة زميلنا اللي اتوفى وراضتهم وطيبت خاطرهم واتكفلت بيهم طول العمر.
أردفوا جميعاً أمام كاميرا الهاتف الخاص بسلطان:
_ سيلين هانم بريئة ومتعملش كدة أبداً.
كان سلطان يصور هذه المقاطع بسعادة وفخر بحبيبة قلبه التي لا يعلم كيف ستعود إلى عناقه مجدداً.
أغلق الكاميرا بعدما رصد كل شيء واردف محدثاً العمال:
_ افتحوا الشير يا رجالة.. هبعتلكم الفيديو ده وكل واحد فيكم هينزله على صفحته ع الفيس بوك.
تم ذلك ثم اصطحب العم حميد واتجه إلى بيت الرجل المتوفي وطرق الباب ففتحت سيدته مردفة باحترام:
_ مرحب يا عم حميد.. اتفضل.
أردف حميد بترقب:
_ إزيك يا أم عبده.. الباشا جاي بخصوص مشكلة خاصة بسيلين هانم وناس عايزين يوقعوها.. فلو تحبي تقولي حاجة يعني يبقى كتر خيرك.
أردفت السيدة بشكر وعرفان:
_ طبعاً هقول.. هقول ربنا يعمر بيتها زي ما عملت معانا.. صور يا باشا.. صور بيتنا وصورني وأنا هقول كل حاجة عملتها معايا ومع عيالي.. دي ملاك مش بشر.. والناس كلها هنا عارفة إن ده كله من خير سيلين هانم.. بدعيلها يابني وبخلي أي حد أحكيله يدعيلها.
ابتسم سلطان برضا وبالفعل بدأ عبده ذلك الصبي الذي هاجمها سابقاً بتصوير منزلهم بهاتفه وصور والدته التي تحدثت بشكر وامتنان ومدح لهذه المخلوقة التي ساعدتهم بنفسٍ راضية كما أخبرهم الصبي عن ما قامت به لأجله ثم رفع بعد ذلك الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي كما أخبره سلطان.
وفى لمح البصر تم تداول الفيديوهات بين الجموع الذين شاهدوا بأعينهم مدى نقاء وحنو تلك التي قالوا عنها قاتلة لأطفالهم.
عاد سلطان مع العم حميد وفي طريقهم أردف حميد متعجبًا:
_ متأخذنيش يابني.. هو انت تقرب لسيلين هانم؟
أردف سلطان بفخر وسعادة:
_ سيلين مراتي يا عم حميد.
ابتسم الرجل واردف بذكاء:
_ كنت حاسس من عيونك.
ثم استرسل متسائلاً:
_ طب ليه يابني منزلتش انت الفيديوهات أحسن؟
أردف سلطان بدهاء:
_ لأن لو نزلت ده بنفسي كان ممكن يطلع حد من اللي بيعمل فتنة ويقول إن جوزها بيعمل كدة وده حوار عاملينه على الناس وإننا بنشتري الناس لصالحنا.. بس لما كل عامل ينزله بنفسه وقتها الناس هتصدق يا عم حميد وهيتعاطفوا مع سيلين.. وبعدين أنا مش حابب أظهر في الصورة.. المهم إنها تخرج من الورطة دي على خير يا عم حميد.
أومأ الرجل مردفًا بإعجاب:
_ يا بختكوا ببعض يابني.
أوصله سلطان وغادر عائدًا إلى المطار على الفور ليذهب إلى من أهلكت قلبه ويطمئن عليها بعدما اطمأن على وضعها.
&&&&&&&&&
في القاهرة تحديداً في مصنع العاشر.
يقف الأستاذ ممدوح أمام المصنع ومعه محمد الحارس ومجموعة من الحرس المشدد يباشرون نقل الفواكه الطازجة الذي أرسلها محمود عبر الناقلات إلى الثلاجات الخاصة بالمصنع بعدما تم إخلاؤها من التالفة.
أردف ممدوح مشدداً على الحرس:
_ خلوا بالكوا كويس أوي يا رجالة من أي حركة غريبة تحصل.. وطبعاً ممنوع أي حد يعرف باللي حصل.. وممنوع حد غيركوا مهما كانت سلطته يدخل المصنع.. مفهوم.. والكاميرات شغلوها تاني بعد ما نخلص.
أردف الرجال بصلابة وعلى رأسهم محمد:
_ تمام يا أستاذ ممدوح.
&&&&&&&&
مساءاً.
عاد سلطان إلى سوهاج واتجه فورًا إلى منزل شقيقته فاطمة التي تنتظره.
دلف المنزل بعدما فتحت له فاطمة مردفًا بتساؤل:
_ هي كويسة؟
ابتسمت فاطمة واردفت بحنو:
_ زينة زي الفل.. صحيح أكلت لقمة صغيرة بس إني دخلتلها من هبابة ولجتها زينة.
ابتسم مردفًا بامتنان:
_ متشكر أوي يا فاطمة.. تعبتك معايا.
أردفت معاتبة:
_ أكدة يا ولد أبوي!.. دانت ومرتك في عيوني.. وبعدين انت عارف إن زوجي مش أهنه.. داني كان نفسي أدخل أدردش معاها جوي بس مسكت نفسي بالعافية.. يا روحي عليها زي الجمر.. بس حزينة يا سلطان.. حزينة جوي يا خوي.
أومأ لها بهدوء مردفًا بصوت حزين:
_ ماشي يا فاطمة.. أنا هدخل أشوفها.. هي صاحية؟
أومأت فاطمة مردفة:
_ أيوه كانت صاحية وفتحتلها التليفزيون يسليها شوية.
أومأ لها واتجه بحذر إلى الغرفة المتواجدة بها.. وقف أمام الباب فقط هو يفصله بين عينيها التي اشتاق إليها جداً.
يعلم أن المواجهة ستكون مؤلمة لكليهما ولكنها أمر محتوم.
ارتدى قناع القسوة والجمود وظهرت ملامحه القاسية وعيناه الحادة ثم لف المفتاح وفتح الباب ودلف بحذر وهدوء و بترقب.
يتبع...
رواية على القلب سلطان الفصل السادس عشر 16 - بقلم آية العربي
دلف سلطان بهدوء شديد، ولو أن أحداً وضعه على جهاز رسم القلب لوجد نبضاته عبارة عن اسمها فقط.
كانت هي جالسة القرفصاء على الفراش، وواضعة رأسها بين أرجلها، تحاوط نفسها وتحتمي بذراعيها. رق قلبه لهيئتها، أين قوتها التي كانت تظهرها؟ أين كبرياؤها المزعوم؟ أين تلك التي أهانته وحطمت قلبه أمام شركتها.
لم تلاحظ وجوده، فتحمحم بهدوء جعلها ترفع رأسها تنظر له بعمق، وكأنها كانت تتوقعه وتعلم أنه الفاعل. سكون تام في الغرفة، أغلق هو بابها، بينما النظرات في عتاب يصيب القلوب مباشرة.
"اشتقت له بشدة... هل ما زال حضنك بيتي كما أخبرتني؟ أولم تقل أنت هذا؟" عيناها متألمة ضائعة.
كان سيتحدث، ولكن يبدو أن لسانه يثقل في حضورها، عيناها تصمته لا إرادياً. تحركت هي ببطء من على الفراش ونزلت تتجه إليه بهدوء وترقب، وقفت أمامه تناظره بعمق.
بدأت تظهر غيمة دموع لعينة، حاولت إخفاءها عندما أردفت بصوت متألم حزين:
"لسه كتير!"
نظر لها بتعجب، أولم تصرخ وتثور؟ عن ماذا تتحدث هكذا بكل هدوء؟ لم يفهم مقصدها، فاسترسلت بقلب متألم محترق:
"أنا فكرت أن الحكاية انتهت لما عرفت الحقيقة! بس واضح إنكم مخططين لبعيد عن كده... صح؟"
بدأ يفهم مغزى حديثها، بدأ يحترق هو الآخر، أنها لم تعد تلك القوية تماماً، بل هي هشة ضائعة مشتتة. صمت لتكمل، فاسترسلت بعدما أخذت نفساً عميقاً تحرر به صدرها المختنق:
"ناوي على إيه المرة دي يا سلطان؟"
واااه من اسمه الذي يعشق أحرفه من بين شفتيها، حتى برغم نبرتها المتألمة، حتى في تلك الحالة يظل نطق اسمه من بين أحرفها مميزاً وله مذاق خاص. أبعد نظره عنها، ثم تقدم خطوتين حتى توقف خلفها، لا يقوى على التحدث أمام عينيها، ثم أردف بقوة وثبات حاول جاهداً الحصول عليهما:
"الخطة اللي بتتكلمي عنها خلصت من وقت ما قولتي إنك بتثقي فيا، وأنا جايبك هنا النهاردة عشان أقول اللي عندي."
لفت تنظر لظهره مردفة بهدوء وروح متألمة:
"اللي هو إيه؟"
لف نظره إليها يدعي الثبات مردفاً:
"أنا فعلاً اتفقت مع عمك إني أوقعك، وأخليكي تثقي فيا. خالفت ضميري وخالفت اللي زرعته أمي جوايا وخالفت اللي علمهولي أبويا وقبلت بعرضه عشان كنت ضعيف أوي وقتها وسمعت شيطاني، وخصوصاً إنه قالي إن انتي اللي آخدة حقوقهم وبتكرهيهم. ده كمان عرف إني بجهز لجوازى وكنت محتاج أي فلوس عشان أتجوز البنت اللي خاطبها بقالي سنتين وضغط عليا بالحتة دي."
تنهد يلف نظره مجدداً، فالحديث أمام عينيها مجهد جداً. استعاد طاقته والتفت يكمل بصدق وصلابة:
"دخلت في الحكاية دي متردد، وحاسس إني بخالف كل حاجة جوايا بس مضطر أكمل. لما شفتك على باب الشركة أول مرة كنت عايز أهرب ومكملش، لأني لقيت إن انتي البنت اللي قابلتها صدفة على النيل وكانت بتبكي على فراق أهلها. حسيت إنك غير ما عمك قال عنك."
تطلع عليها بقوة يكمل بصدق:
"كنت كل لحظة بأنب نفسي وعايز أتراجع، بس لقيت حاجات بتربطني بيكي أكتر. حاولت أفهم الحكاية وأعيد ترتيب الصورة ولقيت إن انتي أبر وأطهر من إنك تاخدي حق غيرك. لقيتك محتاجة حماية وظهير قوي تستندي عليه، خصوصاً بعد سفرية شرم الشيخ اللي حسمت أمري وأكدتلي إن عمك نبيل هو الواطي والحقير في الحكاية دي كلها. لما قولتيلي يومها إنك بتثقي فيا مفرحتش، بالعكس، أنا استحقرت نفسي أوي. ولما طلبتي نتجوز! كنت عايز أهرب من الصوت اللي جوايا، بس لقيت إن مسؤوليتك وحمايتك فرض عليا بعد ثقتك. أنا فكرت كويس وطلبت اتجوزك لأني كنت وقتها قادر أحميكي من عمك واللي حواليه. برغم خطوبتي من واحدة تانية بس اخترت أبقى معاكي انتي عشان أحميكي. مضحكتش عليكي وكنت هحكيلك الحقيقة كلها بس خوفي عليكي من رد فعلك منعني."
تنهد يكمل بثبات:
"يعني يا بنت الناس أنا مديون ليكي بس بأني خبيت عنك الخطة دي، لكن غير كده لأ، لأني مكنتش ناوي لا أمضيكي على أوراق ولا آخد منك مليم واحد. الحاجة الوحيدة اللي اعتبرتها دين في رقبتي هي الفلوس اللي أخدتها من عمك وقت جوازنا."
أردف بقوة وصلابة وهو يوالي ظهره:
"والدين ده سديته النهاردة. المشكلة اللي كانت عندك اتحلت، الفاكهة التالفة اتبدلت ومبقاش ليها وجود، والكلام اللي طلع على الفيس بوك اتكذب واعتبارك اتردلك. وبكده أكون سديت ديني ودفعت حق الذنب اللي ارتكبته."
كانت ساكنة تماماً تستمع له بعجز، كان ينتظر حديثها، ولكن حين طال انتظاره لف يطالعها، فوجدها تنظر له بعيون متألمة أصابت قلبه فوراً.
أردفت بعد صمت طويل وبصوت معذب ضائع تساءلت:
"طب وقلبي!"
سيسقط، ستسقط قوته إن ظل يتطلع إليها. لف نظره سريعاً قبل أن تخونه ذراعيه فيحتضنها شوقاً ويضرب بكل شيء عرض الحائط، فليسقط قانون أي شيء وكل شيء ولتبقى هي داخل ضلوعه. ولكن كرامته تمنعه، كلماتها المؤلمة لم ينساها بعد.
اتجهت تقف قبالته على الناحية الأخرى مردفة وقد احتد صوتها:
"دين إيه اللي أنت بتتكلم عنه! أنا حقي هيفضل متعلق في رقبتك ليوم الدين، أنت مهما عملت ومهما حاولت مش هتقدر تسدد اللي عليك. أنت لعبت بمشاعري، وجعت قلبي. الحكاية كانت بالنسبالك شوية فلوس وبعدين قلبت بضمير صحي."
نظرت لعينيه وأردفت بصدق وضعف مستكملة:
"بس كانت بالنسبالي قصة حب، أمان، ثقة، حماية. كانت بالنسبالي حاجات كتير أوي. وأنا مش مسامحة ولا عمري هسامحك مهما عملت. معرفش حليت مشكلتي إزاي بس أنا عندي أتسجن ولا إن واحد زيك يحاول يريح ضميره على حساب وجع قلبي."
كان يعلم أنها عنيدة، ويبدو أن حديثه القوي لن يجدي معها نفعاً، لذا عليه أن يكون ليناً قليلاً دون أن يتخلى عن جديته. أردف بنبرة أكثر هدوءاً ولكن نبرته تحمل عتاباً:
"اسمعي يا بنت الناس... حقك وصل لما هنتيني قدام موظفينك وشركتك. حقك رجع لما قللتي مني قدام أمي وقولتي عليها ممثلة وهي ملهاش في الحوار ده كله."
تنهد يكمل بحنو:
"أنتي لسه على ذمتي، يعني أنا ليا حقوق عليكي. الموضوع انتهى، وعلشان يكون عندك علم مش أنا اللي حليت مشكلتك، اللي حلها هو جدي، الحاج توفيق السوهاجي."
نظرت له بصدمة مردفة بتساؤل وتجاهل لبقية حديثه:
"على ذمتك إزاي! مش أنت طلقتني!"
ابتسم ساخراً يردف:
"طلقة واحدة يا سيلين هانم ورديتك تاني، يعني انتي لسه مراتي، وأنا مش ناوي أطلقك. وخطوبتي فسختها يومها، يعني فضيت لك. عشان كده اعقلي وابعدي فكرة الطلاق دي عن دماغك."
استعادت قوتها واتجهت تقف قباله مردفة بغضب:
"يعني إيه مش ناوي تطلقني! هو بمزاجك! أنت هتطلقني غصب عنك."
تملكته الصلابة والطباع الرجولية مردفاً بهدوء ووعيد:
"يابنتي ماتختبريش صبري."
أردفت بغضب وحدة وقوة مزعومة:
"هو إيه ده! هو بالعافية! خلاص أنت خدعتني وكدبت عليا وأنا وجعتك بالكلام، انتهينا."
تطلع إليها بقوة مردفاً بثبات ظاهر:
"لو عليا كان الأمر اتحل من يومها، بس المشكلة في جدي، عشان كده للأسف مش هينفع نطلق."
ضيقت عينيها مردفة بتساؤل:
"نعم! المشكلة في جدك! وأنا مالي بمشاكلك بقى إن شاء الله؟"
أردف باستفزاز وخبث:
"مالك إنك مراتي، وأنا جدي راجل كبير ومريض وما صدقت إنه رضى عني. هو كان بيراقبني وعرف إني اتجوزتك عشان كده مش هينفع أطلقك دلوقتي. خصوصاً إن هو اللي حلالك مشكلتك وبعتلك المحصول كله من أراضي السوهاجي وكل ده عشان انتي مرات حفيده. يعني الموضوع خارج عن إرادتي."
كانت تتطلع عليه ببلاهة لا تستوعب حديثه، فاسترسل:
"جهزي نفسك عشان هاخدك أعرفك على جدي. وبالمرة تشكريه على وقفته معاكي."
ضحكت ساخرة لا إرادياً تردف بزهول:
"لا ده جنان رسمي. أنا عايزة موبايلي حالاً ولازم أمشي من هنا. والمحصول بتاع جدك أنا هرجعه وأتسجن عادي مبقاش يهمني."
مسح على وجه مستغفراً يردف بضجر:
"استغفر الله العظيم. يابنتي قلتلك متختبريش صبري عليكي. زمان البوليس رايح يعاين المصنع ومش هتلحقي أصلاً ترجعي المحصول. يبقى تعقلي كده وتيجي معايا على إنك مراتي والأمور بينا تمام، وإلا يا سيلين هوريكي وشي التاني اللي انتي متتمنيش تشوفيه."
هل أنا سعيدة؟ هل أشعر ببعض الراحة التي لا أعلم مصدرها؟ هل هذا ما أتمناه؟ نعم، ولكن سأنكر. أردفت بعد تفكير عميق بكبرياء أنثى:
"تمام... هاجي معاك لجدك... وهشكره على وقفته معايا... وهمثل إني مراتك وإنه إد إيه مبسوطين سوا... بس عندي طلب."
كان يعلم أنها آخر الأشخاص ليونة. أردف متسائلاً بقلق وملامح ثابتة:
"إيه هو؟"
تقدمت أمامه مباشرة حتى كادت تلتصق به، مما جعل جسده يهتز من قربها. ذراعيه تريد التحرر من حكمه وأخذها لعنده بقوة. أنفه الشامخة تريد الغوص في منحنى رقبتها الشامخ هذا لتشم رائحتها الرائعة التي يعشقها. يريد تجربة مشاعره معها مجدداً والاستمتاع بحلاله للمرة الثانية.
تبدلت نظرته القوية ونظر لها باشتياق، فأردفت وهي تطالعه بترقب:
"وقت ما أقولك طلقني هتطلقني فوراً من غير أي شوشرة. وتاني مرة متهددنيش بوشك التاني لأن شفته خلاص."
نظر لها بعمق مردفاً بثقة وهو يبتعد قليلاً حتى يتحكم في صوته:
"موافق... نمشي؟"
ابتعدت قليلاً تمد يدها مردفة:
"موبايلي الأول."
مد يده داخل جيب جاكيته وأخرج هاتفها يناولها إياه مردفاً بهدوء:
"اتفضلي."
أخذته منه بقوة ثم تخطته وفتحت الباب متجهة للخارج، فقابلت فاطمة شقيقته التي أردفت بسعادة متسائلة:
"ها... اتصالحوا؟"
نظرت لها بتعجب ثم نظرت للذي خرج خلفها يبتسم ويمد ذراعه يضعها على كتفها مردفاً يغمز لها:
"أيوه يا فاطمة كله تمام... أنا وسيلين بقينا زي السمنة ع العسل."
أردفت فاطمة بسعادة:
"كنت حاسة... باين عليها بت حلال وبتحبك يا خوي... بس متزعلهاش تاني واصل."
اتجهت تحتضنها فجأة مردفة بحنو:
"كان نفسي تجعدي معايا شوية بس إني خابرة إن أخوي مش هيوافق... ده كان متوحشك جوي. يلا يا عمري روحي وياه وأنا هاجيلكم الصبح أطمن عليكي."
كانت سيلين في حالة زهول من هذه السيدة الحنونة، ولكنها أحبتها حقاً. أردفت سيلين بهدوء ونعومة:
"أنا متشكرة على ضيافتك... واتشرفت بمعرفتك."
أردفت فاطمة بإعجاب:
"ياختي عسل... دانتي في عيني وعلى راسي يا مرت الغالي. بس جوليلي... انتي كنتي عارفة إني أخت سلطان؟"
نظرت سيلين إلى سلطان بحرج، ثم أعادت نظرها إلى فاطمة تومئ بهدوء وصمت، بينما أردف سلطان وهو يشدد من احتضان رأسها إلى صدره بحب مستغلاً وجود شقيقته:
"أكيد عرفتك من الشبه يا فاطمة... أنا وإنتي فينا شبه كبير من بعض... ولا إيه يا سولي؟"
نظرت له بغيظ وحاولت التحرر من قبضته، ولكنه ثبتها فأردفت تضغط على أسنانها بتوعد:
"آه طبعا."
ابتسم بخبث ونظر لشقيقته يردف مودعاً:
"يلا يا فطوم نمشي إحنا بقى... الوقت اتأخر."
أومأت فاطمة وهي تتجه معهما لعند الباب:
"ماشي يا خوي مع الف سلامة."
خرج سلطان الذي ما زال يحتفظ بجسد سيلين واتجه لسيارته التي اشتراها مؤخراً بناءً على تعليمات جده. أركبها في الأمام ولف يصعد خلف طارة القيادة وبدأ يسوق متجهاً إلى منزل عائلته التي تنتظره هو وزوجته.
عاد نبيل إلى منزله بعدما خرج بصعوبة من الشركة. يجلس يتحسس جبهته المجروحة وحوله ابنته بدور تردف بغضب:
"يعني إيه محدش يعرف مكانها! أومال هتكون راحت فين دي؟"
أردف نبيل بوعيد:
"هتخرج... ملهاش حد يسندها ومش هتقدر تتحمى في حد."
أردفت شمس بغرور وهي تضع ساق فوق الأخرى:
"تستاهل كل اللي يحصلها... عشان تبقى تتنكي علينا أوي... كأننا بنشحت منها."
أردفت بدور بتهكم ساخرة:
"حرام يا شمس... ابقي تعالي نزورها في السجن وناخدلها bread and sweet ههههههه."
ضحكتا الاثنتان ونظر لهما نبيل بملل، بينما رن جرس الباب فأتجهت بدور تفتح بتأفف. دلفت وتبعها آدم ووليد. تقدم آدم وجلس قرب والده مردفاً بترقب:
"شفت الفيديوهات اللي نازلة ع النت؟"
تطلع نبيل له مردفاً بتساؤل مبتسماً:
"فيديوهات إيه تاني! قالوا عنها حاجة تانية؟"
أردف آدم ساخراً:
"لااا وانت الصادق قالوا عنك انت... فيه فيديوهات متصورة من مصنع شرم الشيخ والعمال كلهم بيشكروا في سيلين وإنها غيرتلهم الآلات وحافظت على حياتهم اللي أنت مهتمتش بيها... وكمان فيديوهات من بيت العامل اللي اتوفى وهما بيمدحوا فيها وأد إيه هي ملاك في وسط شياطين."
أردف وليد بشرود:
"هي فعلاً سيلين طيبة أوي."
نظر له نبيل بغضب وأردف بحقد وكره:
"انت تخرس خالص... انت وأختك وبنتي حطين إيديكم في مية باردة ولا سائلين عن أي حاجة... عايشين بتاكلوا وتشربوا وتلبسوا وتركبوا أحسن عربيات وتمسكوا أحدث موبايلات وتسهروا في أفخم الأماكن... حيكم إيه بقى من كل ده... سيلين اللي انت بتقول عليها طيبة دي ناهبة كل حاجة على قدها. هي وأمها كانوا شايفين إننا شحاتين وطمعانين في سمير. سمير اللي كان ع الحجر وأنا وأبوكم أولاد كلب. سمير اللي مبيغلطش واللي بيسمع الكلام. سمير اللي اشتغل وكبر الشغل وأنا وأبوكم اللي ضيعناه. أنتو متعرفوش أي حاجة يبقى تخرسوا خالص. البت دي أنا بكرهها وبكره المكان اللي بتمشي فيه. والخير اللي هي عايشة فيه ده حقي أنا... حقي دفعته في مقارنة وتفضيل واحتقار من أمي وأبويا ليا. وأنا هاخد حقي من نن عينها ومش هسيب لها مليم واحد تعيش منه حتى."
وقف ينظر لابنه مردفاً بغضب:
"شوف حل في الفيديوهات اللي طلعت دي... احذفها كذبها ولع فيها بس شوف حل. عرفت تستعطف الناس بس هنشوف هتعمل إيه لما البوليس يروح المصنع. ده غير الأسهم اللي وقعت... سيلين وقعت ومش بسهولة كده هتقدر تقوم."
دلف غرفته وأغلق الباب بعنف، أما البقية فتطلعوا على بعضهم بصمت وترقب من حديث نبيل الذي ينم عن كره عظيم وأحداث قادمة لا تبشر بخير.
توقفت سيارة سلطان أمام منزل عائلة السوهاجي. نظر لها واردف بترقب قبل أن ينزل:
"سيلين!"
ابتلعت لعابها بتوتر واردفت وهي تتطلع للأمام مدعية الثبات:
"أفندم؟"
تنهد يردف بمكر وكذب:
"زي ما قولتلك... جدي راجل كبير وتعبان ومش هيتحمل زعل. حاولي تعدي اليومين دول على خير وبعدها أنا هقنعه إن عندك شغل ولازم تسافري. يعني زي ما قولتلك إحنا قدام الكل مفيش بينا أي حاجة... تمام!"
نظرت له بغضب مردفة:
"قولنا تمام."
ثم اندفعت تفتح باب السيارة وتقف خارجها تنتظره، بينما هو نزل يستغفر ويهز رأسه بقلة حيلة منها، ثم أردف وهو يشير لها بيده:
"اتفضلي."
تقدمت منه وصعدا الاثنان درجات السلم القليلة، ثم طرق الباب ففتح له محمود يبتسم بترحاب مردفاً:
"يا أهلاً وسهلاً اتفضلوا... الدار نورت."
ابتسم سلطان لعمه مردفاً وهو يسحب سيلين للداخل:
"بنورك يا عمي."
أردف محمود مرحباً:
"يا أهلاً بمرت الغالي... كلنا هنا مستنيينك من بدري... تعالي اتفضلي الحاج توفيق مستنيكي جوه."
ابتسمت له بهدوء وانساقت مع سلطان حيث المضيفة التي يجلس توفيق على رأسها. دلف سلطان وهو يتمسك بكفها لعند جده، ثم تركها قليلاً واتجه يقبل يد جده باحترام مردفاً:
"عامل إيه يا جدي."
أردف توفيق بصلابة:
"زين يا ولدي طول مانت زين."
ثم نظر لسيلين التي تقف تطالعه برهبة مردفاً بوجه مبتسم:
"أهلاً بعروستنا... نورتي دارك يا بنتي... تعالي واقفة بعيد ليه! انتي خايفة مني ولا إيه!"
اقتربت بحذر لعنده، ثم فعلت مثل سلطان وتناولت كفه وقبلته مردفة باحترام وتواضع:
"إزي حضرتك."
ربت على يدها مردفاً بحنو:
"زين يا بنتي زين... اتفضلي."
جلست بجانبه ببعض الراحة، بينما كاد سلطان أن يجلس فاعترض جده يردف معنفاً:
"استنى عندك انت هتجعد حدانا ولا إيه! إني رايد أجعد مع سيلين لحالنا. يلا خد عمك محمود واجعدوا برا."
توتر سلطان ونظر لسيلين بحذر، بينما الأخرى ابتسمت بخبث وتجاهلته مردفة بحماس:
"فعلاً يا جدي أنا كمان عايزة أتكلم معاك."
ابتسم توفيق كالاطفال وأردف بعجلة:
"يلا يا سلطان خد عمك واخرج عاد."
استسلم سلطان لأمر جده وخطى للخارج هو وعمه الذي أردف ليطمئنه:
"متجلجش... جدك ذكي وعارف هيجول إيه."
أومأ سلطان وجلس ينظر للغرفة بترقب، بينما غادر محمود متجهاً إلى غرفته ليستريح قليلاً.
في الداخل أردف توفيق بتساؤل وترقب:
"جوليلي يا بنتي... انتي بتحبي حفيدي بصحيح؟"
نظرت له سيلين بعمق واردفت بعد تفكير بصدق:
"بحبه أوي."
ابتسم توفيق يردف بفخر:
"كنت واثق من أكده. تعرفي يابنتي... سلطان كل طباعه لابوه. ابني إبراهيم الله يرحمه كان جدع وشهم وحنين جوي. كان مطيع وييجي على نفسه علشاني. إني ظلمته وجبرته يتجوز بنت أخوي وهو رضي لجل خاطري. المدة الجليلة اللي سلطان جعدها هنا عرفتني إني كنت غلطان إني حرمته من حقه وأهله وناسه. إني اكتشفت إني محتاج سلطان أكتر ماهو محتاجني."
تنهد يسترسل:
"إني عارف إن انتي ليكي حق عليا وليكي مصالحك وشركتك في القاهرة. بس حاولي متبعديش حفيدي عني. وكمان أو إوعي تبعدي عني واصل. لأنه بيحبك جوي."
كانت تستمع له وداخلها يريد الصراخ. تتحدث داخلياً مردفة (آه يا جدي، ليتني أستطيع إخبارَك ماذا فعل بي حفيدك. تخلى عن شهامته وحنانه وكسر خاطري وقلبي وكياني وحطم قوتي المزعومة فبت لا أستطيع حتى التظاهر بها. لقد طُعنت من أقاربي واستطعت أن أعالج حرجي وأتعافى، ولكن طعنة حفيدك أودت بي إلى الهاوية. يظنني سأسامحه! يظنني سأنسى ما جعلني أعيشه بتلك المبررات التي قالها! مستحيل... ولكن هذه المرة سأفعل مثله يا جدي... سأستغل ما فعله لصالحي وأخرج من مأزقي هذا وبعدها سأقود مسرعة ولن ألتفت خلفي. نعم أحبه ولن أحب غيره ولكن طعنة الحبيب أقوى وأقسى من طعنة العدو. نعم أعشق حتى رائحته ولكن أعشق كرامتي أكثر. ولدت سيلين كوجه القمر ولن أنطفئ ما دمت أتنفس).
كان هذا الحديث مع نفسها، بينما في الظاهر تومئ للجد بابتسامة تداري بها ما تنوي فعله.
أما في الخارج فعندما طال انتظار سلطان قرر الذهاب لغرفة والدته والاطمئنان عليها. اتجه لعندها وطرق الباب ففتحت له بعد قليل تردف بحنو:
"تعالى يا حبيبي."
دلف سلطان يقبل رأس والدته ويردف بعتاب وهو يرى حالتها:
"برضه ياما هتفضلي حابسة نفسك في الأوضة هنا ومش هتخرجي!"
أردفت منيرة بهدوء:
"كده أحسن يا سلطان... منعاً للمشاكل يابني... أنا مش عايزة جدك يضايق من وجودي أو أكون سبب كلام يحصل هنا... أنا كده مرتاحة يا سلطان... المهم إنك رجعت لأهلك وحقك رجعلك... متشغلش دماغك بيا."
أردف معارضاً:
"لأ طبعاً يا ست الناس... راحتك قبل راحتي ولو انتي مش هترتاحي هنا أنا هاخدك ونرجع القاهرة. وبعدين جدي أكيد شاف بنفسه وفهم مين الصادق ومين اللي خدعه طول السنين اللي فاتت دي. أنا عايزك تخرجي ودايماً تكوني قريبة من جدي وتحاولي تشغلي نفسك بدل قاعدتك لوحدك معظم الوقت دي. وبعدين الست بدرية مرات عمك بتحبك أوي وعايزاكي معاها طول الوقت."
أومأت تردف بهدوء:
"ربنا يسهل يابني... ويقدم اللي فيه الخير. طمني.. عملت إيه مع مراتك؟"
ابتسم بحب مردفاً وهو يميل على أذنها:
"جبتها معايا... هي قاعدة مع جدي دلوقتي بيتكلموا."
اتسعت عين منيرة تردف بخوف:
"ياني يا سلطان... لتقوله على الحكاية ديا يابني."
أومأ مهدئاً يردف برتابة:
"متقلقيش خالص ياست الناس... أنا وسيلين عملنا اتفاق سوا وهي وافقت عليه... وحكاية الطلاق دي هنأجلها شوية."
أردفت منيرة بفرحة:
"صحيح يا سلطان! كويس أوي.... ياريت يابني تصرفوا نظر عنها خالص..... أنا كنت خايفة عليها وقلقانة من عمها ده ليأذيها... خليك جنبها يا سلطان ومتسبهاش يابني... ده ضعيفة ووحيدة ولجأت لك... رجع ثقتها فيك يابني وخليك راجلها وسندها بس أوعى تقبل منها مليم يا سلطان... الراجل يابني يقوى ويكبر في عين مراته طول ماهو مكفيها وبيحترمها واعمى عن قرشها."
حاول رأس والدته بكفيه يميل عليها يقبل جبينها مردفة بحب وفخر:
"هيحصل يا ست الناس... هيحصل كل اللي قولتي عليه."
خرج الجد توفيق ومعه سيلين يردف بصلابة:
"سلطااااان."
خرج سلطان من غرفة والدته واتجه إليهما يردف بترقب:
"نعم يا جدي!"
نظر الجد إلى سيلين بحنو مردفاً:
"خد مراتك يا ولدي واطلع أوضتكوا يالا ارتاحوا."
أومأ سلطان يتطلع إلى سيلين التي تنظر له بغموض واردف:
"حاضر يا جدي... عن إذنك."
تناول كفها وسحبها معه بحنو وصعد الدرج ومنه إلى غرفته. دلفا الغرفة وأغلق سلطان بابها ثم ترك يد سيلين واردف بثبات ولا مبالاة ظاهرة:
"ادخلي غيري هدومك جوة... هتلاقي هدوم تنفعك في الدولاب."
ابتسمت ساخرة واردفت بترقب:
"ده أنت مرتب لكل حاجة بقى."
نظر لها قليلاً ثم أردف وهو يبعد ناظره بقوة ظاهرة:
"أكيد مش هسيب فرصة لحد من البيت هنا يسألوا."
تقدمت تقف أمامه حتى أصبح بينهما ممر هوائي ضيق وتتطلعت عليه تردف بغموض وتبتسم بخبث:
"متقلقش... محدش هيسأل وراك... لأنك ممثل بارع."
تركته واتجهت إلى باب جانبي يبدو أنه المرحاض وأغلقت خلفها بقوة، فتنهد يسحب شهيقاً طويلاً ثم أردف يعنف نفسه بصوت هادئ متعجب من حالته:
"مالك يا سلطان مش على بعضك ليه! مش قلت هتعاقبها؟ مش كنت ناوي تقسى عليها وتتعامل معاها ببرود! إيه الحاجات اللي بتحصلك دي؟ فوق كده واضبط اتجاهك عيب عليك."
أما في الداخل فاستندت هي على الباب تفتح هاتفها الذي أغلقه سلطان ثم قامت بالاتصال على وداد التي أجابت على الفور مردفة بلهفة:
"سيلين!"
أردفت سيلين بهدوء متسائلة:
"أنا كويسة يا وداد... طمنيني حصل جديد؟"
أردفت وداد بسعادة وحماس:
"أيوه يا سيلين... الموضوع يعتبر اتحل... الشرطة وفريق الصحة كانوا في المصنع دلوقتي واستاذ ممدوح قال إنهم كشفوا عن الآلات وحالة المصنع والثلاجات والمحصول وكل حاجة وكانوا مبسوطين أوي من الوضع وخصوصاً المحصول... يعني أكيد التقرير هيطلع لصالحنا... ده غير الكلام اللي العمال قالينه عنك واللي غير رأي الناس وبعد ما كانوا بيشتموكي بقوا دلوقتي بيشتموا عمك... هههههه ده غير اللي حصل قدام الشركة."
كانت تستمع لها بسعادة وراحة استحوذت عليها بعدما حُلت أزمتها واردفت متسائلة:
"حصله إيه؟"
أردفت وداد ضاحكة:
"ههههه واحد حدفه بالشوز راحت راشقة في راسه هههههههه."
تعجبت سيلين واردفت:
"معقول الأمور وصلت لكده!"
أردفت وداد ممتنة:
"بصراحة... كويس جداً إن سلطان قدر يبعدك عن الدوشة دي كلها... وكمان عرف يتصرف وحل موضوع الفاكهة ده... بصراحة يا سيلين شكلي هغير رأيي فيه... لأنه واضح إنه بيحبك."
ابتسمت سيلين مردفة بحزن وقلب متألم:
"لأ يا وداد اطمني... هو بس حاول يريح ضميره بسبب الخطة العظيمة اللي رسموها عليا... لكن حب وكلام من ده مستحيل."
تابعت بألم وانكسار تردف:
"أنا اللي زيي يا وداد مش بيتحب... أنا بينضحك عليا بس."
تنهدت تستجمع ثباتها مردفة:
"بكرة إن شاء الله هتكلم مع جد سلطان وأشوف هسددله حساب المحصول ده إزاي وبعدها هرجع ع القاهرة."
أغلقت معها بعد قليل واغتسلت، ثم خرجت تنظر بترقب فوجدته يفرش أرضاً وينام مربعاً ذراعيه على رأسه. وقفت تتطلع عليه بشرود. قلبها يحبه جداً، عقلها مستاء منه جداً. صراع داخلها يهلك روحها التي تريد الاختباء في أحضانه الدافئة.
اتجهت تتمدد على الفراش ثم شرعت في فرد الغطاء على جسدها نظراً لبرودة الجو، ثم فكرت (ولكنه ينام دون غطاء! يمكن أن يمرض فالجو حقاً بارد... ويبدو أن لا يوجد غيره هنا). انتظرت قليلاً ثم حركتها مشاعرها العاشقة إلى طرف الفراش من الجهة الأخرى التي ينام هو أسفلها، ثم قامت بطرح نصف الفراش عليه والنصف الآخر عليها فأصبح مشتركاً بينهما، مما جعلها تشعر بالدفء وتنام بعد قليل.
أما هو ففتح عينه التي كان يغلقها متظاهراً بالنوم ورفع نظره لأعلى قليلاً يتطلع إلى وجهها بعشق وعذاب وجسد حاول بصعوبة التحكم فيه حتى لا يتجه لعندها ولتعلم أنه بحاجتها أكثر منها بكثير. أردف بصوت داخلي قبل أن تغلق عيناه:
"بعد هذا اليوم! محرمٌ عليّ النوم... إلا أمام وجهكِ... حبيبتي."
رواية على القلب سلطان الفصل السابع عشر 17 - بقلم آية العربي
فى الصباح استيقظت سيلين بتكاسل. فهي منذ أن ابتعدت عن سلطان، جفاها النوم. بالأمس فقط نامت بعمق.
فتحت عيناها وجدت نفسها ملتفة في الغطاء بالكامل، فتعجبت. مالت قليلاً تنظر أرضاً، فلم تجد سلطان، يبدو أنه استيقظ منذ قليل.
قامت بعدما تنهدت، ونزلت من على الفراش تتجه لخزانة الملابس. فتحتها بهدوء، فوجدت داخلها بعض قطع الملابس التي أرضت ذوقها الراقي. ابتسمت ساخرة على أفعاله. هو يؤدي دوره على أكمل وجه. اختارت إحدى الأطقم المحتشمة ووضعته على الفراش، ودلفت المرحاض.
في الأسفل، يقف سلطان مع عمه محمود يتناجيان سويًا. فخرجت روايح من المطبخ تنظر لهما بحقد، مردفة بصوت عالٍ:
"بدل الحديت الخبيث دي، جدموا ع الوكل."
نظر لها سلطان نظرة قوية، بينما أردف محمود بحدة:
"عيب يا روايح، ميصحش إكدة."
خرج توفيق من غرفته، يردف بهيبة وتساؤل:
"خير ع الصبح، انتو لسة عيال ولا إيه؟"
أردفت روايح بحدة وهي تتطلع على سلطان:
"أسأل حفيدك يا بوي، من وجت ما نزل وهو وعمه حديثهم مخفي، كنهم بيدبروا مصيبة."
صمت سلطان احترامًا لجده، بينما أردف توفيق برتابة وهدوء:
"ملكيش صالح بيهم، نادى ع البجية ويالا ع الفطار."
ثم نظر لسلطان واسترسل:
"وانت يا سلطان، نادى على مرتك يا ولدي."
أومأ سلطان وخطى ليصعد، ولكن سيلين أردفت وهي تنزل الدرج بهدوء:
"أنا جيت يا جدي."
نظر لها الجد بحنو، مردفًا:
"صباح الخير يابتي، يالا تعالي."
نزلت أمام أنظار ذلك الذي ينظر لها بشرود. ها هي عادت قوية كما رآها أول مرة، جميلة وناعمة تسحب أنفاسه مع خطواتها.
أفاق على صريخ زوجة أبيه التي أردفت بغضب:
"وه وه وه يا مري، هي مرتك متبرجة! إزاي يا بوي ده يحصل إهنا في بيت الحج توفيق السوهاجي؟ الناس تجول عننا إيه؟"
نظر لها توفيق بصمت، بينما تتطلع على سيلين التي توقفت مكانها بصدمة. أردف:
"في دي معاها حج يا بنتي، المفروض إنك تتحجبي. إنتي مرت حفيد عيلتنا الوحيد ولازم تكوني زي حريمنا كلهم."
نظرت له بتيه وصدمة، بينما لفت نظرها إلى سلطان الذي أردف بقوة وثبات وهو يتجه إليها:
"محدش معاه حق هنا يا جدي. الوحيد المسؤول عن سيلين هنا هو أنا. وبعد إذنك، أنا مراتي تلبس اللي يريحها طول ما هو محتشم وواسع. طبعًا الحجاب فرض ومافيش جدال على كدة. بس مقدرش أغصبها على حاجة. وقت ما تحب تتحجب هتتحجب عن طيب خاطر مش غصب. وياريت يا ست روايح بدل ما تهتمي بأموري، تروحي تشوفي سهيلة اللي محتاجة وقفتك جنبها اليومين دول."
اتسعت عين روايح تنتظر غضب توفيق الذي طال. فتطلعت عليه وجدته ينظر لسلطان بصمت، ثم غادر إلى حيث مائدة الإفطار. أما سلطان، فأمسك كف سيلين وغادر خلف جده، كذلك تبعه محمود، بينما وقفت هي تغلي حقداً وغلاً.
أما سيلين، فتعجبت من دفاعه عنها أمام عائلته وصلابته أمام جده، بالرغم من احترامه الشديد له. هل هذا جزء من اللعبة المتفق عليها أم ماذا؟ لا تعلم، ولكنها أحبت قوته تلك.
بدأ الإفطار بعدما حضرت منيرة وسهيلة وبدرية، ورحبن جميعهن بسيلين التي بادلتهن الترحيب بود.
بعد الانتهاء من الطعام، أردفت سيلين باحترام وهي تتطلع للجد توفيق، متجاهلة سلطان الذي يجلس بجانبها تمامًا:
"جدي لو سمحت، أنا محتاجة أتكلم معاك."
نظر لها توفيق بصمت، ثم نظر لحفيده الذي ينظر أرضًا بانزعاج من تجاهلها له أمام الجميع، وأردف بصلابة:
"خير يابنتي؟"
أردفت وهي تتطلع على الجميع بحرج:
"ياريت يبقى لوحدنا لو سمحت."
أومأ توفيق ووقف، مردفًا وهو يغادر:
"تعالى ورايا."
وقفت سيلين تسرع خلفه حيث غادروا إلى غرفة أخرى ليتسنى لهم الحديث. أما سلطان، فرفع نظره يفكر بشرود، ماذا يمكن أن يكون عندها لتخبره لجده.
داخل الغرفة، أردف توفيق بترقب:
"خير يا بنتي، جولي اللي عندك."
تحمحمت سيلين وأردفت بتوتر:
"احم... كنت عايزة أعرف منك تكلفة المحصول اللي حضرتك بعثته لمصنعى. وكنت عايزة أشكرك على وقفتك جنبي في مشكلتي اللي كنت فعلاً ممكن أتسجن بسببها. أنا مديونة ليك دين كبير أوي."
أومأ توفيق مردفًا بتعقل وحكمة:
"اسمعي يابتي، إنتي مرت حفيدي الوحيد. حفيدي اللي إني ظلمته وسبته يعيش لحاله هو وأمه، وبعدته عن حجه سنين بسبب خوفي على مشاعر بت أخوي. إني اللي مديون لسلطان دين كبير جوي جدام ربنا. وعشان كنت أخلي حفيدي يسامحني، كنت لازم أدخله من نقطة ضعفه، اللي هو إنتي يابتي. سلطان بيحبك وده اللي إني متأكد منه، ولما تبصي في عيونه هتفهمي ده كويس جوي. يعني دينك مش ليا إني. لو حابة تسددي دينك يبجى دي حاجة بينك وبين جوزك. ده جزء من حجه عليا."
نظرت له بتعجب وصمت طال، قطعه رنين هاتفها برقم محاميها الأستاذ ممدوح. فأردفت مستأذنة:
"أسفة يا جدي، مضطرة أرد على التليفون ده. بعد إذنك."
خرجت بعدما أذن لها، واتجهت لخارج المنزل تقف في مندرته. تردف بتساؤل:
"أستاذ ممدوح، خير؟"
تنهد ممدوح مردفًا بضيق:
"للأسف يا سيلين هانم مش خير. الشركة الصينية اللي كنا بنورد لها منتجات باعتة فاكس وعايزة تلغي التعاقد معانا لأن اتسرب لها معلومات عن اللي حصل."
انصدمت سيلين وأردفت بزهول:
"اتسرب لها معلومات إزاي! دي مشكلة واتحلت. يعني إيه تلغي التعاقد والشحنة أصلاً باقي عليها يومين وتتشحن لهم. دي فيها خسارة جامدة للشركة."
أردف ممدوح بعجز:
"للأسف حاولت أتواصل معاهم ونطلب هدنة، بس هما مصممين على قرارهم."
وضعت كفها على جبينها، تردف بعجز وعقل تائه:
"يعني إيه مصممين؟ هو لعب عيال! يعني خلاص كده، شركة الحلواني وقعت!"
أردف ممدوح بترقب:
"سيلين هانم، هو ممكن إنتي تسافري تتكلمي معاهم بطريقة مباشرة وتحاولي تقنعيهم؟"
أردفت سيلين بتعجب متسائلة:
"أسافر الصين؟"
أردف ممدوح بعجز:
"للأسف ده الحل الوحيد اللي متاح قدامنا."
شردت قليلاً تفكر في عواقب قرارها، ولكن يبقى اسم والدها مسئولية على عاتقها وعليها الحفاظ عليه. أردفت تحسم أمرها:
"هسافر يا أستاذ ممدوح. أنا هتكلم مع وداد وهسافر في أقرب وقت. جهز لي لو سمحت أوراق السفر وبلغني."
أردف ممدوح باقتناع:
"تمام يا سيلين هانم. وأرجو إن حضرتك تاخدي حذرك كويس أوي، لأن طبعًا فيه فيروس جديد ظهر في الصين، أكيد سمعتي عنه."
أومأت مردفة بيأس:
"تمام يا أستاذ ممدوح."
أغلقت معه وهاتفت وداد التي أجابت متسائلة:
"سيلين! أستاذ ممدوح كلمك؟"
تنهدت مردفة بحزن:
"أيوه يا وداد. كلمني وهسافر الصين في أقرب وقت. ياريت تبعتي فاكس للشركة الصينية إني هسافر لهم."
اتسعت عين وداد وأردفت معنفة:
"تسافري الصين إزاي يا سيلين! إنتي مش سمعتي عن فيروس كورونا اللي ظهر عندهم جديد؟ مينفعش تسافري خالص."
أردفت سيلين بعجز وقوة ونبرة لا تحمل النقاش:
"مافيش قدامي بديل يا وداد. هسافر الصين في أقرب وقت. ولو سلطان عرف يا وداد هيكون ده آخر ما بيني وبينك."
صمتت وداد قليلاً، ثم أردفت مستسلمة بحزن:
"اللي تشوفيه يا سيلين. بس أنا خايفة عليكي. الصين دلوقتي مكان خطر، ويمكن الرحلات بينا وبينهم تتلغي في أقرب وقت."
أردفت سيلين بحزن:
"يبقى أتكلمي مع أستاذ ممدوح وخلصوا الموضوع في أسرع وقت وبلغيني. أنا هقفل معاكي. سلام."
أغلقت معها عندما لاحظت خروج أحدهم إليها، وكانت هذه سهيلة شقيقة سلطان، التي تطلعت عليها بحب وترقب مردفة:
"كيفك يا مرت أخوي؟"
نظرت لها سيلين بهدوء وأردفت بابتسامة هادئة:
"كويسة جدًا. ميرسي."
أردفت سهيلة بهدوء وترقب:
"إني بجى أخت سلطان الصغيرة، بس إني أكبر منه بسنتين. وعندي بنت وولد. بس متجوزة في قنا. وبحب سلطان جوي. وبحبك جوي إنتي كمان."
ابتسمت سيلين مردفة بتعجب:
"بتحبيني!"
أومأت سهيلة مردفة بصدق وحماس:
"جدااا. حبيتك من حديت أخوي عنك. وكان نفسي أشوفك جوي."
تعجبت سيلين واعتدلت في وقفتها، مردفة بتساؤل:
"وسلطان كان بيقول إيه عني؟"
ضحكت سهيلة وأردفت بحب:
"أول حاجة كانت عينه بتلمع لما سيرتك بتيجي. طول الشهر اللي فات كنت كل يوم إني وهو نجعد نتحدت عنك. كان بيجول إنك طيبة وحنينة جوي. ده كمان جال..."
قاطع حديثها خروج سلطان إليهما، مردفًا بحذر وهو يلكز سهيلة في ذراعها:
"احم... سهيلة! جدي عايزك."
فهمت سهيلة مردفة بحرج وهي تغادر:
"آه... طيب عن إذنكم. نبجى نتكلم وقت تاني يا مرت أخوي."
غادرت هي ووقف سلطان قبالة سيلين، يردف وهو يطالعها بعيون عاشقة تخفي لمعتها وراء ملامح وجهه الصلبة:
"كنتي عايزة جدي في إيه؟"
نظرت له بعمق وأردفت صادقة بهدوء:
"كنت بسأله عن ديني. وقال إن التعامل هيكون بينا أنا وانت. تنهدت تسترسل بترقب: سلطان!"
تطلع عليها متسائلاً، فتابعت:
"أنا لازم أروح القاهرة في أسرع وقت. فيه عقود لازم أوقعها وكمان الشركة مينفعش تفضل من غيري مدة طويلة."
تطلع عليها قليلاً، ثم أردف بترقب:
"تمام. يومين كمان وهرجعك. بس حاليًا فيه شوشرة حوالى الشركة بسبب عمايل عمك. الأحسن تكوني بعيدة اليومين دول."
تنهدت تفكر. هي بالأساس أمامها بضعة أيام لتحصل على أوراق سفرها إلى الصين. فلما لا تقضيهم هنا وسط هذه العائلة المترابطة. هي تعلم أن بعد تلك السفرة مؤكد أن سلطان لم يعد يقبل بها زوجة، فهي ستغادر البلاد دون علمه وبهذا فهي تسقط حق قوامته عليها ولن يقبل هو بذلك. تعلم أنها يمكن أن تخسره. فلتستمتع بقربه قليلاً. لتستمتع بقرب عائلته التي أحبتها ليومان، وبعدها لتغادر بلا عودة ولتعود لوحدتها مجددًا كما اعتادت.
أردفت بمعالم وجه حزينة ضائعة:
"تمام. موافقة. بس مافيش داعي تيجي معايا القاهرة. بعد يومين أنا هسافر لوحدي. وياريت متعترضش لأنني مصممة."
نظر لها بغموض، ثم أومأ مردفًا بقبول:
"تمام."
استرسل بحنو وهو يكاد يغادر:
"أنا رايح شغلي. ياريت تطلعي فوق لأن الجو هنا برد. وأنا هحاول أرجع بسرعة."
أومأت وهي تنظر أرضًا، وبالفعل غادرت مسرعة للداخل، ومنه للأعلى حيث غرفتها لتبكي دون أن يراها أحد. فداخلها يتمزق إلى قطع صغيرة. تريده ولا تريده، وهذا الإحساس يهلكها بقوة. أما هو، فغادر مجبرًا إلى عمله، ولكنه سيعود في أسرع وقت.
***
عصرًا، في غرفة سيلين، تجلس تتصفح هاتفها. كانت ترى آخر المستجدات حول ذلك الفيروس الذي يهاجم الصين. كذلك تشاهد الفيديوهات التي شاركها عمال مصنع شرم الشيخ وهم يتحدثون عنها بفخر وامتنان، وذلك الصبي ابن العامل المتوفي الذي نشر فيديو أبكى متابعين كثر وشاهده الملايين من رواد التواصل الاجتماعي.
طرقات على الباب جعلتها تنتبه، مردفة بترقب:
"اتفضل!"
دلفت منيرة تنظر لها بحذر، مردفة بتساؤل:
"ممكن أدخل؟"
أعدلت سيلين في جلستها وأردفت بهدوء واحترام:
"آه طبعًا اتفضلي."
دلفت منيرة وأغلقت الباب خلفها، واتجهت تجلس جوارها، مردفة بحنو وتساؤل من هيأتها:
"إنتي كنتي بتعيطي!"
ضحكت سيلين بوجع تهرب من نظارتها، مردفة:
"لا ابدااا. أنا بس عيوني بتدمع لما بتابع الفون لوقت طويل."
أردفت منيرة بحنو:
"أنا جايه أعتذر لك على اللي ابني عمله. عارفة إن اعتذاري مش هيداوى جرحك، وعارفة إنك بتحبي ابني علشان كده مجروحة منه أوي. بس أنا عايزة أقولك إنه هو كمان بيحبك أوي أوي. يمكن أضعاف حبك ليه كمان."
ابتسمت سيلين تردف بتهكم وعدم تصديق:
"حضرتك مش محتاجة تخففي عني بالكلام ده. أنا تقبلت حقيقة إني متحبش. عرفت إني إنسانة بتستغل وبس. أنا كنت خطة ابنك وعمي رسموها سوا. مقدرش ألوم على سلطان وعمي هو المخطط. أنا بس موجوعة لأني كنت ساذجة أوي. موجوعة أوي لأني..."
صمتت تبكي لا إراديًا، فأكملت منيرة بحزن لحالها:
"لأني حبيته صح؟"
أومأت معترفة وقد زادت دموعها، مما جعل منيرة تلف ذراعيها حول جسدها بتملك وتحتضنها بحنو وتشدد من عناقها بحماية، وتردف على مسامعها:
"أوعي تعيطي، متزعليش يا عمري. ربنا ليه حكمة من كل ده. ابني اتعلم درسه كويس. صحيح جرح قلب عصفورة زيك، بس هو اتجرح أكتر منك بكتير. واتعاقب على اللي عمله صدقيني. ابني غلط في حقك أوي ودفع غلطته دي بعذابه في بعدك عنه."
كانت سيلين ساكنة في أحضانها تستمع. فاسترسلت منيرة بصدق وحنو وهي تربت على ظهرها:
"ابني كان مستحيل يغفر لحد الكلام اللي إنتي قولتيه في الشركة عندك. برغم الاتفاق اللي حصل، بس سلطان مكنش ناوي أبداً إنه يعمل كده. سلطان اتجوزك علشان يحميكي ولأنه لقى إنك طيبة وبريئة من اللي عمك قاله. ابني حبك بجد."
تنهدت سيلين وهي داخل عناقها، ثم ابتعدت قليلاً تردف بندم:
"أنا آسفة إني اتهمتك زيه، وقلت عنك إنك ممثلة. وقتها أنا كنت موجوعة أوي. سامحيني."
مسحت منيرة دموعها، مردفة بحنو وحزن لأجلها:
"لا يا عمري، متتأسفيش. أنا اللي آسفة عن الوجع اللي جواكي. واللي أنا متأكدة إن سلطان هيداويه."
أومأت سيلين بصمت وشرود، وحاولت لملم شتاتها، مردفة بهدوء:
"محدش عارف بكرة مخبي إيه. يمكن محتاجين وقت علشان نداوي جراحنا لأنها لسة بتنزف."
طرقات على الباب أنبهتهما، تبعها دخول سلطان يتطلع عليهما بترقب. وقفت منيرة تردف بتخفٍ كي لا يلاحظ أمرهما:
"أهلاً يا سلطان. إنت جيت بدري يعني."
نظر سلطان للتي تختبئ خلف جسدها وتخفض وجهها عنه، مردفًا بتساؤل:
"فيه حاجة ولا إيه؟"
أردفت منيرة وهي تنظر إلى سيلين بهدوء:
"لا أبداً. أنا وسيلين كنا بنتكلم شوية. يالا أنا هسيبكم مع بعض."
غادرت منيرة وأغلقت الباب خلفها، فتقدم هو بضع خطوات، مردفًا بترقب وهو يطالعها:
"إنتي كنتي بتعيطي؟"
هزت رأسها بلا وهي تخفضها كالأطفال. وقف قليلاً يتطلع إليها، ثم تقدم وجلس على الفراش أمامها، يرفع وجهها بيده بحنو، مردفًا بنبرة لينة حنونة من هيأتها التي هدمت حصون قوته:
"أومال العيون دي حمرا ليه؟"
نظرت له بصمت وقد تجمعت غيمة جديدة داخل عينيها. حاولت إبعاد نظرها عنه وإبعاد يده، ولكنه فاجأها بابعاد يده مع أسفل ذقنها ووضعها على مؤخرة رأسها، يدفعها لعنده بقوة، آخذًا إياها داخل ضلوعه، يشدد عليها بذراعيه الاثنان، مردفًا بحنو ضاربًا بقسوته المزعومة عرض الحائط:
"خلاص اهدى. أنا آآآسف."
رفعت ذراعيها لا إراديًا تلفهما حول جسده بضعف، وقد خارت قواها أيضًا أمام فيضان حنانه، وبدأت تبكي وتجهش في بكاء شديد، تخرج به مرارة أخفتها عن الجميع. كان يشدد من عناقه، تاركًا إياها تخرج كل تلك الآلام والأوجاع في عناقه الحنون هذا. يضع رأسها داخل صدره بتملك، ويتنهد بعمق رائحتها المحببة. يتنهد بحزن بسبب شهقاتها العالية التي تحرق روحه. يحبها بقوة، ولا ولن يحب غيرها. لا ولن يتحمل دمعة واحدة من عينيها. لتسقط قوته وصلابته التي تمنعه عن مواساة حبيبة قلبه. إن كان حبها بحرًا، فهو الغريق. وإن كان حبها نارًا، فهو المشتعل. وإن كان حبها سحرًا، فهو المسحور بها.
ظلا هكذا إلى أكثر من حوالي ربع ساعة في بكاء مستمر، وهي تخرج ما بداخلها حتى هدأت قليلاً واستكانت على صدره. نظر لها فوجد أن قميصه قد أُغرق بدموعها، فأردف مشاكساً حتى يخفف عنها ويهدئ حالتها:
"اسكتي بقى يا ليني، مش معايا مناديل المرة دي. والقميص غرق."
حاولت الابتعاد قليلاً، فسحبها مجددًا يردف بصدق:
"متبعديش يا سيلين، متبعديش عني تاني."
تنهدت بعمق، تردف بعدما توقفت دموعها بصوت واهن:
"ياريتني عارفة."
أردف هو بحب بعدما سقطت أقنعة الجمود والصلابة:
"سيلين، أنا مش هقدر أعيش من غيرك ومش هعرف. تعالي نفتح صفحة جديدة. تعالي نتعرف على بعض من أول وجديد. ننسى كل اللي حصل. ننسى جرحنا لبعض ونبدأ من الليلة دي. عارف إني خزلتك وخونت ثقتك، بس ربي وحده يعلم إني مكنتش ناوي أكمل. بالعكس، أنا حبيتك أوي. حبيت سيلين الملاك ولقيت نفسي مسئول عنك وعن حمايتك. صدقيني أنا لو كنت كملت، كنت خونت نفسي أكتر منك. أنا عرفت ذنبي واتعاقبت على غلطتي لما بعدت عنك. خلينا نبدأ كأننا لسه بنتعرف على بعض. أنا آسف يا حبيبتي."
كانت ساكنة في حضنه تستمع له بشرود. هل يمكن أن يحدث هذا! هل يمكن أن تعطيه ولنفسها فرصة جديدة! هل تنسى كل ما مر بها. ولكنه حماها. حل لها مشكلة كانت ستتسبب في سجنها. سافر ليثبت براءتها ويرصد أحداثًا وأقوالًا تمدحها وتزين جبهتها. ردها لعصمته برغم استعادة ماله وعائلته! وماذا عن قرار سفرها هذا؟
تسائل بقلق عندما وجدها شاردة:
"سيلين! قولتي إيه؟"
ابتعدت عنه قليلاً تتطلع عليه بعيون عاشقة، تردف بصدق وتشتت:
"مش عارفة. خايفة من اللي جاي."
تنهدت تطالعه بضعف، مردفة في لحظة اعتراف ربما لن تتكرر، وقد قررت البوح بما في داخلها:
"أنا وجودي من غيرك معريني قدام الناس. أنا حتى بعد كل اللي حصلي منك مش عارفة أكمل من غيرك. أنا محتاجة ليك جدًا في حياتي. لقوتك. لحضنك. لحنيتك. لحمايتك. كل حاجة أنا مفتقداها لقيتها عندك. بغض النظر عن عمي وعن اللي حصل بينك وبينه، بس أنا مش عارفة أعيش حياتي بشكل طبيعي من غيرك. حتى بعد كل اللي حصل قلبي بيقولي إني ممكن أثق فيك تاني، وإن اللي حصل فتنة منهم علشان يفرقوا بينا. معرفش آخر ده إيه. ولا أعرف الأيام اللي جايه هتكون شكلها إيه. كل اللي أعرفه إنك شيء أساسي في حياتي."
نظر لها بعيون راقصة، مردفًا بسعادة ورضا:
"يبقى منفكرش في اللي جاي. ولا نفكر في اللي راح. خلينا في لحظتنا دي. خليني أعوضك وأثبت لك حبي وأحميكي منهم."
نظرت له بقلق، ثم أومأت بهدوء، فاحتضنها بسعادة مجددًا وكأنه حصل على جائزة عالمية. دُفن رأسه في تجويف عنقها، وبدأ يستنشق رائحة اللافندر التي يعشقها وهو مغمض العينين، يستمتع باستردادها إليه، بينما تملكته مشاعر غريزية خاصة بها وحدها، أُحييت بعودتها، وقد بدأت تتحكم في جسده، مما جعله يشدد من احتضانه ويزمجر بأنفاس ساخنة تستهدف بشرتها الناعمة، فانتابتها قشعريرة بين يديه، مما زاد رغبته بها، وبدأ يقبل عنقها باشتياق، مما أثار داخلها مشاعر نائمة خاصة به وحده من بين رجال الكون. هو زوجها وحلالها.
بدأت تتململ بين يديه، فابعد وجهه عن عنقها ونظر لها بعيون مشتاقة، ثم مال على وجنتها يقبلها بحب وشوق، يسحب شفتيه بهدوء حتى وصل لشفتيها، فبدأ يقبلها بنعومة واشتياق، مستمتعًا بلحظته وزوجته التي يعشقها، والتي تتعامل مع مشاعره بخجل لذيذ زاد من متعته.
بعد دقائق، ابتعد يخلع جاكيته، ثم بدأ يفك أزرار قميصه الأبيض. فنظرت له بخجل وأردفت بضعف:
"سلطان!"
أردف مشاكساً بنبرة راغبة:
"إيه يا روحي! دموعك غرقت القميص وممكن آخد برد كده."
انسجما الاثنان سويًا، وقد تفوق حبهما على عنادهما، وأصبح كل منهما قطعة أساسية من الآخر.
***
في الأسفل، تجمعت العائلة حول مائدة الطعام، فأردف الجد متسائلاً:
"هو سلطان ومرته مش نازلين ولا إيه؟"
أردفت منيرة باحترام وحرج تداري خلفهما:
"بعد إذنك يا با الحج، هما قالوا هيتغدوا سوا فوق."
ابتسم توفيق مردفًا برتابة:
"ومالوا، حجهم. لسه عرسان بردك."
نظرت لها روايح بكره، بينما ابتسم البقية بخبث، أما منيرة فتجاهلت نظرات روايح لها وأكملت طعامها وسط سعادة الجميع بعودة ثنائي الحب مجددًا.
***
مساءًا، استيقظ سلطان يشعر بالراحة والسعادة والكمال في حضورها. تنام بين يديه بعمق وطمأنينة. يضمها بتملك ويطالعها بعشق. مال على جبينها يقبله عدة قبلات بطيئة وهو يعيد خصلاتها الحريرية إلى الوراء.
أردف بهدوء وحنو بجانب أذنها:
"ليني."
تمتمت بنعومة بين يديه وهو ما زالت مغمضة:
"امم."
ابتسم عليها وأردف بمرح وسعادة:
"فوق يا بطل علشان حبيبك وقع من الجوع."
فتحت عيناها تطالعه بخجل، وأردفت بنعومة وهي تتململ من بين يده وتداري أنظارها:
"أنا كمان جوعت أوي."
ضحك عليها وشدد من احتضانه، يردف بحنو:
"لاء كده عيبة في حقي لما مرات سلطان السوهاجي تجوع. لازم البطل يتغذى كويس مقابل مجهوده."
خجلت من كلماته الجريئة، وأردفت محذرة:
"سلطان، احترم نفسك بقى."
ضحك عليها بقوة وأردف بجدية:
"حاضر. أنا هقوم آخد شاور وأنزل أجيب الأكل ناكل هنا سوا."
أومأت بسعادة، وبالفعل قام مضطرًا من جانبها بصعوبة واتجه للمرحاض، وشردت هي تفكر في استسلام مشاعرها له. تلك المشاعر الرائعة التي تختبرها معه فقط دون غيره. فكرت في ضعفها تجاهه، وهل ستنتهي معاناتها وتكمل معه باقي حياتها وتنعم بأمانه وحمايته، أم أن هناك أمورًا سوف تعكر حياتهما، وأحدها هو أمر تلك السفرية التي لا تعلم ماذا عليها أن تفعل بشأنها.
***
مر يومان على الزوجين العاشقين. كانا بالنسبة لهما الراحة والسعادة التي لم يتذوقاها طوال حياتهما. استعادت سيلين كامل قوتها في قربه وحنانه الذي غمرها بهما، فلم يسمح حتى لنسمات الهواء أن تحزنها. عوضها الكثير من الحب والحنان التي محت من ذاكرتها ما فعله في السابق.
أخذها في رحلة معه إلى أراضي عائلته، وكم استمتعت بالمناظر الطبيعية الرائعة، وأحبت هيبته وقوته في العمل ووسط العمال، حتى أنها شعرت بالكمال والرضا والفخر كونه زوجها.
اقتربت من شقيقاته ووالدته التي أحبتهن جدًا، كذلك الجد توفيق الذي ظهرت ملامح السعادة على وجهه في تجمع عائلته حوله.
قررت أن تخبره بسفريتها إلى الصين، حيث ستحاول إقناعه ثم الذهاب والعودة في أسرع وقت. تعلم أن الأمر سيكون مجهدًا في إقناعه، ربما شبه مستحيل، ولكن إن اضطر الأمر ستنتظره حتى ينهي أوراقه ويذهب معها.
كما قررت مفاجأته بشيءٍ آخر اليوم. خرج من المرحاض بعدما أخذ حمامًا دافئًا، ينظر لجسدها الملتف حول الغطاء الدافئ بنعومة. ارتدى ثيابه التي عبارة عن جلباب صعيدي اعتاده مؤخرًا، فجعله هالة من الهيبة والرجولة، وأكمل هيأته بلفة الرأس الخاصة بالصعيد (عمة) ثم نظر لهيأته بفخر.
اتجه إليها ودنى يقبل جبينها بحب، مردفًا بهدوء:
"إيه يا ليني، مش كفاية نوم بقى؟ يالا قومي علشان ننزل. الجماعة تحت أكيد مستنيينا على الفطار."
تمتمت بنعومة وهي تدعي النوم:
"حاضر يا سلطان. شوية كمان وهنزل."
تحسس جبينها مردفًا بقلق وتساؤل:
"إنتي تعبانة!"
هزت رأسها تردف باطمئنان:
"لاء يا حبيبي. أنا كويسة جدًا. انزل إنت وأنا هاخد شاور وأحصلك."
تعجب يضيق عيناه، ثم لوى فمه مردفًا:
"تمام. على راحتك."
وقف يغادر خارج الغرفة، فانتظرت إلى أن أغلق الباب، وقامت من فراشها بحماس، ثم اتجهت للمرحاض وأخذت حمامًا سريعًا، ثم خرجت ترتدي ملابسها التي أوصت سهيلة أمس بشرائها.
ارتدت الزي الذي عبارة عن دريس طويل لونه أوف وايت، وأخرجت تلك القطعة التي نظرت لها بحماس، مردفة وهي تضعها على رأسها بعدما جففت خصلاتها:
"الله عليكي يا سهيلة. لونه تحفة."
ارتدت الحجاب بلون الكشمير الهادئ، وبرغم الصعوبة التي واجهتها في لفه، إلا أنها في النهاية ظهرت بشكل جميل وملامح ناعمة بريئة ووجه أشرق بجمال الهي.
تطلعت لهيأتها في المرآة بسعادة، واستعدت للنزول بحماس، ولكن أوقفها رنين هاتفها، فتطلعت عليه وجدتها وداد. جلست على طرف الفراش تردف بترقب:
"وداد! وحشتيني."
أردفت وداد بحنو:
"وإنتي كمان يا سيلين. ناوية تيجي إمتى؟ أستاذ ممدوح بيقول يومين والتأشيرة تكون جاهزة."
توترت قليلاً وأردفت بهدوء:
"تمام يا وداد. بس أنا نويت أقول لسلطان."
فرحت وداد مردفة بسعادة:
"عين العقل يا سيلين. كده أحسن. ده غير إن عمك عرف بحكاية الصين دي وإنتي عارفة إنه شراني. الأحسن سلطان يكون عنده علم، ويا ريت لو جه معاكي."
تنهدت سيلين تردف بشرود:
"أنا فعلًا فكرت في كده. أنا وسلطان قررنا نعطي لعلاقتنا فرصة تانية يا وداد، وعلشان كده مينفعش أخبي عنه حاجة زي دي."
أردفت وداد مؤيدة:
"أيوه بقي يا سولي، خلينا نفرح. برافو عليكي، إنتي كده ماشية صح. اتكلمي معاه وعرفيني عملتي إيه. تمام!"
أردفت سيلين براحة وسعادة:
"حاضر. متشكرة أوي يا وداد. متشكرة إنك فهماني."
أردفت وداد معاتبة:
"إنتي غالية أوي عندي يا سيلين. بلاش تشكريني على واجبي تجاهك."
أغلقت معها بعدما ودعتها، ووقفت تستعد للنزول بحماس. بينما في الأسفل، تجمعت العائلة حول مائدة الإفطار، بينما أردف الجد توفيق يسأل حفيده:
"مرتك فين يا ولدي؟"
أردف سلطان بترقب:
"نازلة حالا يا جدي."
تنهد الجد فهو لا يحب خلف مواعيد الطعام، بينما استغلت روايح هذا واردفت بحدة:
"كيف ده يا بوي؟ عيب جوي لما كبير العيلة يجعد يستنى الست هانم مرت حفيده لما تنزل."
أردفت سلطان مدافعاً بقوة متجاهلاً لها:
"حقك عليا يا جدي، دي غلطتي أنا. أنا اللي صحيت سيلين متأخر وهي بتجهز ونازلة حالاً."
أومأ توفيق، بينما قاطع حديثهم دخول سيلين تردف بحرج، متحمحمة:
"احم... أنا بعتذر لتأخيري، بس مكنتش عارفة ألف الحجاب."
التفت سلطان يتطلع إليها بزهول وهو يراها ترتدي حجابًا جعل منها ملكة متوجة على عرش قلبه. أما الحاج توفيق، فابتسم بسعادة وأردف:
"الله ينور عليكي يابتي، زي الجمر."
بينما أردفت سهيلة بسعادة:
"والله معاك حق يا جدي."
أما منيرة وبدرية، فابتسمتا تباركان لها، بينما محمود نظر لسلطان الذي يطالعها بحب وفخر وقد عقد لسانه.
اقتربت سيلين منه ببطء حتى وقفت أمامه، وأردفت بخجل من نظراته:
"إيه رأيك يا سلطان؟"
أفاق على حاله وأردف بسعادة وابتسامة واسعة متسائلاً:
"مقتنعة بيه؟"
أردفت بتأكيد وسعادة:
"جدااا."
أردف بحب:
"يبقى روووعة."
ابتسمت برضا وجلست بجواره تتناول الفطور وسط العائلة بسعادة، بينما عيناه لم تكف عن النظر إليها كل ثانية، فلم يشبع من ملامحها الجميلة بعد.
انتهى الفطور، ووقفا سلطان ليغادر إلى عمله، يردف وهو يتطلع إليها بحب:
"أنا هروح شغلي. وإنتي لو احتجتي حاجة كلميني."
أومأت له بخجل، بينما تطلع إلى والدته يردف بحنو:
"محتاجة حاجة يا ست الناس."
ابتسمت منيرة برضا داعية له بصلاح الحال، ثم انطلق مع عمه بعدما ودع جده أيضًا. وقف ليفتح باب المنزل، ثم ما لبث أن فتحه، فوجد آخر شخصين يود رؤيتهما أمامه.
رواية على القلب سلطان الفصل الثامن عشر 18 - بقلم آية العربي
تصنم جسد سلطان حينما رآهما أمامه، ثم أردف بغضب وانزعاج:
خير! جايين ليه هنا؟
أردف نعمان بقليل من الجرأة:
جايين نقابل الحاج توفيق.
نظر له سلطان بغضب، بينما تقدم محمود منهما يردف بتعقل:
خير يا حاج، عايز الحاج توفيق في إيه؟
نظر نعمان لسلطان بغموض يردف بخبث:
نقول يا سلطان ولا تقول أنت!
عض سلطان على شفتيه بغضب واستغفر سراً، ثم أردف بصلابة وحدة:
خد بنتك يا حاج نعمان واتكل على الله، انتو مش مرحب بيكوا هنا.
نظر نعمان لابنته التي نظرت لسلطان بغضب، ثم صاحت بصوت عالٍ نبه الجميع:
يعني إيه! إحنا مش ماشيين من هنا غير لما نشوف الحاج توفيق، يا حااااج توفيق، يا حااااج توفيق.
خرج توفيق على أثر الصوت يردف بتساؤل وصلابة:
خير! انتو مين وعايزين إيه؟
دلفت لمياء بجرأة متخطية جسد سلطان المتشنج وتبعها والدها، ثم توقفا في بهو المنزل واردفت لمياء بحزن ماكر:
أنا جيالك وطمعانة في عدلك يا حاج، وإن كان يرضيك اللي حصلي هاخد بعضي وأمشي ولا كأنك شوفتني.
صرخ سلطان بحدة أرعبتها وخرج على أثرها سيلين والنسوة حينما أردف:
لميااااااء!
نظرت له برعب، ثم اتجهت تقف قبالة الحاج توفيق تردف بتمثيل مبالغ فيه:
يا جدي أنا هنا في حمايتك، أنا عايزة حقي.
كاد أن يعنفها، ولكن صرخة جده الصلبة وصوته الحاد أوقفاه حينما أردف:
وإنت كمان عندك إيه يا ولد، وإنتي قوليلي إنتي مين وجاية هنا ليه!
أردفت لمياء بدموع كاذبة:
أنا خطيبة حفيدك يا جدي، حفيدك اللي فضل خاطبني سنتين ووعدني بالجواز وكان يا دوب باقي على فرحنا شهر. والحارة كلها عارفة إني بتاعة سلطان ومحدش يقدر يقرب مني. فجأة كدة اتعرف على بنت الأكابر واتجوزها وسابني ولقيته بلغ أبويا إنه فسخ خطوبتي. أنا انهرت وجالي اكتئاب بس قلت براحته، كله إلا كرامتي. لكن لما لقيت كلام الناس زاد عليا والناس بتسب شرفي جيتلك يا حج تحكم بالعدل، وتقولي أتصرف إزاي في الورطة اللي أنا فيها دي.
ثم اتجه والدها يقف أمامه يكمل العرض التمثيلي مردفاً بحزن ماكر:
أنا عايز حق بنتي يا حج، حفيدك غدر بينا بعد ما وعدني إنه يتجوز بنتي، فجأة اتجوز غيرها وفسخ خطوبته من غير أي ذنب أو سبب.
رفع الجد نظره بغضب يتطلع لسلطان وقد اشتدت ملامحه الصارمة حينما تساءل:
الحديث ده صحيح؟
تنهد سلطان بضيق ونظر لسيلين التي تقف زاهلة، بينما نظر لوالدته التي تطالعه بحزن ولا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
صرخ توفيق بعنف يعيد سؤاله مردفاً:
انطق يا ولد إبراهيم، الحديث ده صوح؟
هز سلطان رأسه وأردف بعجز:
مش دي الحقيقة يا جدي.
اتسعت عين توفيق واردف بغضب:
اومال إيه الحقيقة؟
تنهد سلطان بضيق، بينما تقدم محمود يردف مدافعاً:
اسمعني يا بوي، اللي ح…
صرخ توفيق يقاطع ابنه مردفاً بغضب:
إنت متتكلمش خالص، حسابك معايا بعدين. دلوجتي أنا بسأل سؤال واضح، البنت دي كانت خطيبتك فعلاً وانت واعدها بجواز؟
أومأ سلطان بعجز مردفاً يحاول استجماع قوته:
كنت خاطبها يا جدي، كنا مخطوبين زي أي اتنين مخطوبين ومحصلش نصيب.
صرخت لمياء تردف بحدة ودموع واستعراض رائع أمام عين توفيق:
إزااااي يا سلطان! دي الحارة كلها كانت بتناديلي يا مرات سلطان. إنت خليت الناس تجيب في سيرتي لما سبتني فجأة، ولا عشان إحنا غلابة يعني دورت على بنت الأكابر واتجوزتها ومهامكش سمعتي وشرفي.
غضب توفيق من حديثها الذي لا يقبله أبداً مردفاً بحدة:
خلاص يا بتي، لو ليكي حق هيرجعلك، ولو حفيدي وعدك بجواز يبقى وعده دين عليه.
نظر سلطان إلى جده مردفاً بدهشة وقوة واندفاع:
نعم! يعني إيه الكلام ده يا جدي؟ أنا متجوز فعلاً وبحب مراتي ومستحيل أتجوز غيرها، دي خطوبة واتفسخت وخلصنا.
نظر له جده بغضب واردف بتساؤل:
وسمعة البت دي يا ولدي؟ لو اللي بتجوله ده صوح يبقى الحل إيه؟ ذنبها إيه تدفع تمن وثوقها فيك؟ دي بنت يا ولدي وسمعتها هتفضل متعلقة في رقبتك ليوم الدين.
هز رأسه معترضاً عن كل ما يحدث، بينما لف نظره يتطلع إلى سيلين التي تنظر لعينيه بألم. احترق قلبه لنظرتها ولف نظره لجده يردف بقوة وصلابة:
القلب وما يريد يا جدي، محبتهاش ولا هي حبتني، خطوبتنا كانت غلطة من البداية وكان لازم نصلحها. أنا اخترت اللي قلبي حبها واللي راحتي معاها. وبالنسبة للمياء فأنا مستعد لأي تعويض هي تقبله، وأكيد هنتفاهم من الناحية دي كويس، ولا إيه يا لمياء؟
نظرت له بخبث، هي تأكدت أن جده لم يعلم بأمر الخطة التي رسموها على سيلين. اندفعت تصرخ بغضب وتدعي البكاء والحسرة مردفة:
تعويض عن إيه! عن شرفي وسمعتي؟ إنت يرضيك الكلام ده يا حاج توفيق؟
أردف توفيق بقوة ونبرة صارمة:
خلاص يا بتي، تعويضك إن سلطان يكتب عليكي، وأكيد حقك يكون رجع.
نظر سلطان إلى جده بذهول، بينما روايح تتابع بتشفٍ ومنيرة تقف صامتة تماماً تتابع بحزن وعجز.
ضحك سلطان ساخراً يتطلع إلى جده بغضب ثم أردف بنبرة حادة جنونية يستخدمها لأول مرة أمامه:
إنت كده حكمت يعني! وأنا هنفذ طلبك صح؟ مانت اشتريتني بشوية فلوس بقى، هتعمل معايا زي ما عملت مع أبويا زمان وتغصبني أتجوز من واحدة مش بحبها. بس أنا مش زي أبويا، أنا مش هنفذ أوامرك على حساب راحتي وقلبي. البني آدمة دي خطوبتي منها كانت استغلال، كانت بتستغلني وعمرها ما حبتني، وجاية هنا النهاردة عشان تكمل استغلالها لما عرفت إني رجعت لعيلتي. بس أنا مش هقبل بكده وهاخد أمي ومراتي وأرجع على بيتي. هعيش زي ما كنت عايش الأول من غير عيلة ولا أهل.
كاد أن يغادر وينفذ تهديده فاستوقفته سيلين تردف بيأس وانكسار:
و… وسمعتها!
توقف متصنماً ينظر لها بغضب واستفهام، فتقدمت منه حتى وقفت أمامه تطالعه بنظرات ضائعة تسترسل:
سمعتها اللي الكل بيتكلم عنها بالسوء دي، مش بسببك! خطبتها سنتين ووعدتها بالجواز وغلطت أكبر غلطة في عمرك عشان خاطر تتجوزها. جاي دلوقتي تقول إنها بتستغلك! اكتشفت ده فجأة ولا إنت بس مش بتفكر غير في نفسك؟
هز رأسه بعنف لا يصدق أنها تراه هكذا يردف بزهول متسائلاً:
إنتي شايفاني كده!
أردفت وهي تبعد نظرها عنه حتى لا يفضح أمرها وتتجه للجد توفيق مردفة بصوت متألم:
أنا شايفة إن جدي معاه حق، لازم تتحمل نتيجة أفعالك، وزي ما خليت الناس تجيب في سيرتها تردلها كرامتها واعتبارها. حتى لو كانت هي استغلالية إنت مش لازم تتخلى عن مروءتك ورجولتك.
أغمض عينيه يشعر بالألم وعصرة قلبه تكاد تقتله. فتحهما ثانياً ثم نظر للمياء بغضب ووعيد، بينما لف نظره لسيلين يردف بتساؤل وترقب وخوف وانكسار لا يخشى ظهوره أمامها:
لو عملت كده هتفضلي على ذمتي؟ مهتبعديش عني! هتقدري تصبري وتتحملي؟
أغمضت عيناها هي أيضاً تداري تلك الغصة المريرة التي تكونت في حلقها واحتمت بذيليها تلتف بهما حتى تداري اهتزاز جسدها. فتحت عيناها ونظرت إليه بقوة مزعومة واردفت بكذب:
موافقة.
لا لا لا… هي كاذبة. نظر لها بشك، يعلم نظرتها الكاذبة تلك. هي تخفي وراءها شيئاً مهلكاً لهما. كاد أن يتحدث صارخاً فاردف توفيق بهدوء:
عين العجل يا بتي، هو ده الصح. عشان سمعة البنية دي تتردلها، هو يكتب عليها وياخدها ويرجع ع الحارة وهي مرته ويخرس لسان الناس وبعد كده كل واحد يروح لحاله.
مسح سلطان على وجهه بغضب، بينما تقف سيلين تطلع على ملامحه التي ستشتاق إليها أو التي بالفعل اشتاقت إليها منذ هذه اللحظة، وقد قررت أن تكمل ما كانت تنوي فعله مسبقاً. فيبدو أن القدر لا يريد جمعهما سوياً.
أردف توفيق مستكملاً بصلابة إلى نعمان الذي يقف بجانب ابنته وتظهر معالم الفرحة على وجه:
إنت وبنتك يا ولدي ضيوف عندينا لحد ما الموضوع ينتهي وكل واحد يروح لحاله.
أما سلطان فتاه في عيون سيلين التي تحاول النظر لأي شيء عداه، وأما منيرة فكانت مشتتة بين حزن ابنها وعذابه هو وزوجته وبين سمعة تلك الفتاة التي للأسف أصابت هدفها جيداً وحصلت على استعطاف الجميع عدا سلطان الذي يفهمها جيداً.
غادر سلطان بغضب وصمت بعدها تاركاً المكان الذي يطبق جدرانه على أنفاسه، وتبعه محمود عمه الذي حاول تهدئته وهو يسرع خطواته ليلحقه مردفاً:
سلطان، اهدى يا ولدي، اهدى وكل شيء له حل.
توقف سلطان يشد من خصلات شعره مردفاً بغضب وزهول:
إزاي يحصل كده! إزاي يا عمي! لحد الصبح بس كانت كل حاجة تمام أوي، إزاي تيجي حية زي دي تتلون وتعمل كده! والمصيبة إن الكل صدقها.
أردف محمود بتعقل ورتابة:
يا ولدي، لو فعلاً حكاية سيرتها دي مش صح فأنت تقدر تتكلم معاها وتجمعها بأي مبلغ وتاخده وتبعد. إنما لو فيها سمعة بنت يبقى لازم تكتب عليها يا سلطان.
شرد سلطان يفكر في كلام عمه قليلاً ثم أردف باقتناع:
إنت صح يا عمي، معاك حق. أنا هتكلم معاها وأشوف تاخد كام وتبعد. وأنا متأكد إننا هنتفق.
أكملا سيرهما وبقي عقل سلطان منشغلاً بتلك التي أصابته في مقتل بكلماتها له. يعلم أن وجعها مضاعف الآن لذا عليه أن يهدأ قليلاً ثم يعود إليها ليتحدثا سوياً بهدوء ويقنعها بتعقل.
أما سيلين التي صعدت مسرعة إلى غرفتها تغلقها خلفها وتحتمي بها، ثم خطت معنفة نفسها بقوة يردف قلبها بانزعاج وتألم:
غبيه… إنتي غبية… إزاي تتنازلي عنه بسهولة كده! إزاي بعد ما لقيتيه تسيبيه يروح لغيرك!
أردف عقلها يرد عليه:
كان لازم أعمل كده. سلطان كان هيبعد عن عيلته تاني، كان هيعاند قدام جده ويرجع من غير أهل تاني، كان هيضعف قدامي تاني وأنا مش هسمح بكده.
تحدث قلبها بألم وضعف مجدداً:
وهتسمحي تشوفيه مع واحدة تانية؟
صرخ عقلها مردفاً بضياع:
لاء… الموت عندي أهون… مش هقبل ومش هقدر… حتى لو كان الغرض سمعتها غصب عني مش هقدر… عشان كده همشي… ده أحسن حل… مينفعش سلطان يبعد عن عيلته تاني بعد ما لقاهم… سلطان مش هيقبل إنه يعيش معايا وهو حاسس إني أعلى منه… علاقتنا من أولها فيها مطبات كتير… الأحسن ليه إني أبعد.
تنهد قلبها مستسلماً لعقلها هذه المرة ثم تحدث الاثنان بتعب وإجهاد ظهر على معالم وجهها:
يمكن للقدر رأي تاني، يمكن البعد يقربنا ويقوينا أكتر، يمكن لو بعدت شوية يلاقي حل ونرجع تاني! هو ده الحل… الحل إني أسافر الفترة دي مش هقدر أشوفه مع غيري ولا هقدر أبعده عن عيلته.
رفعت هاتفها بعدما أخذت نفساً عميقاً وأخرجته بألم ثم هاتفت وداد التي أجابت متسائلة:
سيلين! إنتي كويسة؟
أردفت سيلين بصوت حاولت جعله طبيعياً:
وداد… أنا راجعة الصبح… لوحدي… وهسافر الصين من غير ما سلطان يعرف.
انصدمت وداد واردفت بحزن:
ليه بس كده! إيه اللي حصل تاني؟
أغمضت عيناها واردفت بألم روحي:
سلطان هيتجوز البت اللي كان خاطبها.
اتسعت عين وداد واردفت بصدمة:
نعم! إزاااي؟
تنهدت بضيق ثم أردفت بصوت مختنق وألم يعتصر قلبها:
أبدا يا وداد… جت هنا هي وباباها وبتقول إن سلطان كان خاطبها وواعدها بالجواز وباقي على خطوبتهم أيام وفجأة سابها من غير مبررات… والناس في الحارة بيتكلموا في حقها كلام مش حلو… وهي جاية ترد على جد سلطان إذا كان يقبل بكده أو لأ.
شهقت وداد بذهول مردفة بتعجب:
يخربيتها… معقول! والكلام ده حقيقي؟ وهي محكتش عن اللي عملته هنا في الشركة؟
هزت سيلين رأسها بضياع تردف:
لاء مقالتش… أصلاً جد سلطان ميعرفش حاجة عن الموضوع ده… ولو عرف الوضع هيسؤ أكتر… المشكلة إن فعلاً سلطان سابها فجأة يا وداد… ولا أنا ولا جد سلطان ولا أي حد ضميره هيسمح له إنها تتظلم حتى لو كانت ظالمة… حتى لو هي مش كويسة أو استغلالية بس دي سمعة بنت يا وداد.
تنهدت وداد بضيق تردف بحيرة:
أنا فاهمة يا سيلين… إنتي معاكي حق… بس إنتي ذنبك إيه في وجع القلب ده كله… وسلطان رأيه إيه؟
تلمعت عيناها بالدموع عندما تذكرت نظرته واردفت:
مش راضي طبعاً… موجوع ومخنوق بس لازم يصلح غلطه يا وداد… كل ده بسبب عمي… حسبي الله ونعم الوكيل فيه…. قلبي وجعني أوي.
تنهدت تسترسل:
كلمي الأستاذ ممدوح يسرع في إجراءات السفر يا وداد… أنا خلاص أخدت قراري… هبعد شوية لما الموضوع ده يتحل… مش متحملة ضغط نفسي تاني… وأنا هكلم رأفت يجيلي.
أغلقت معها دون نقاش وهاتفت رأفت السائق الذي أجاب باحترام:
سيلين هانم! أؤمريني؟
سحبت الهواء تردف بشرود:
رأفت… هبعتلك موقعي تجيلي قبل الفجر… تقف بعيد شوية عن المكان وأنا هنزلك… تمام؟
أومأ رأفت بهدوء:
تمام يا سيلين هانم.
أغلقت معه وشردت للبعيد فطرق الباب يخرجها من أفكارها. قامت تتجه إليه وفتحته فوجدتها سهيلة التي أردفت بترقب:
ممكن أدخل.
أفسحت لها المجال تؤمئ بصمت فدخلت سهيلة وأغلقت سيلين الباب وتبعتها. جلست سهيلة على الفراش واردفت بتساؤل وتعجب:
ليه وافقتي جدي على حديته؟ ليه معترضتيش؟ أنا وإنتي عارفين إن البت دي هي اللي زنت على أخوي عشان يوافق ياخدك… هي اللي أقنعته واستغلت حاجته للجواز وضعفه وضغطت عليه… البت دي محبتش أخوي يا سيلين…. البت دي كانت رايدة ورثه وشكله… وإلا مستحيل كان قبل بخطة عمك خالص.
أومأت سيلين واردفت باقتناع:
لو كنت اعترضت يا سهيلة كان سلطان عاند جدك أكتر وحصل بينهم خلاف… كان فعلاً هياخدني وياخد أمه ويمشي ومش هيقبل بحكم جدك… كنت هشيل ذنبه وهحرمه من عيلته وورثه تاني بعد ما رجعلكم… إنتوا محتاجين سلطان وهو كمان محتاج ليكم جداً…. محتاج لحنية هيلاقيها فيكوا… ومحتاج لصديق وظهر هيلاقيهم في عمه… ومحتاج لقوة وسلطة هيلاقيهم في جده… العيلة هي القوة يا سهيلة… هي الوتد… وأنا أكتر واحدة عارفة ده… ولا يمكن أحرمه من عيلته.
تنهدت تسترسل بألم:
تعرفي إن الثروة العظيمة اللي الناس بتحسدني عليها دي لعنة بالنسبالي… سبب في عذابي كله… وبرغم كده لازم أحافظ عليها عشان اسم بابا وسمعته… أنا كان نفسي أكون واحدة عادية جداً أعيش مع اللي بحبه من غير أي ضغوط…. هو يشتغل ويرجع تعبان أنا أقابله بحب ونقعد نتكلم سوا عن يومنا كان إزاي… أحس بحنانه وخوفه عليا وآخر الليل أنام في حضنه وأنسى تعب يومي كله بيه… سلطان مش هيقبل يكون أقل مني يا سهيلة ولا أنا هرضى بكده.
نظرت لها سهيلة بحزن واردفت عاجزة:
مش عارفة أقولك إيه يا مرت أخوي…. يمكن معاكي حق… سلطان أخوي إحنا فعلاً محتاجينه جوي حوالينا… إني لما جوزي ضربني ملقتش قدامي غيره… ولاول مرة أحس إن كرامتي محفوظة بيه لما جه وخدني من وسطيهم… وهو دلوقتي عايز يرجعني بأي طريقة بس سلطان وإني مش قابلين غير لما يجيب لي بيت لحالي… المهم… يمكن إنتي صح… سلطان كان ممكن يعاند جدي ويمشي… بس إني واثقة إنه هيلاقي حل.
نظرت لها سيلين بعمق وقد تأكدت من قرارها التي اتخذته. تنهدت بضيق ثم أردفت تداري حزنها:
هو إنتي جوزك ضربك يا سهيلة؟ ليه! وإزاي يعمل كده؟
أومأت سهيلة تردف بحزن مفضفضة:
مشكلة جوزي إن شخصيته ضعيفة جوي… هو ولد وحيد ع البنات وأمه دلعته دلع ماسخ فشاف نفسه وفكر إن حواء اتخلقت عشان تسجدله… ومخابرش إن ربنا سبحانه وتعالى خلقنا من ضلعهم عشان نكون سند وونس ليهم…. أمه ربته على إن الحرمة عبدة عندي… حاولت معاه إني أغيره للأحسن وجولت عشان خاطر عيالي وأهو أحسن من عيشة أمي بس للأسف هو مجدرش خدمتي ليه ولا لأمه ولا لخواته… هانني وضربني من غير حتى ما يسمعني… ومش أول مرة… بس المرة دي كنت جبت آخري معاه… واتصلت ع سلطان أخوي وجبتها حجة عشان أشوفه وأسمع صوته… جولّت أجرب وأنا وحظي… بس هو مستناش وجالي علطول وخدني من وسطيهم كيف الأسد… وجيت هنا رافعة راسي ومحمية في ضهره… ربنا يخليه لينا ويطول بعمره.
أردفت سيلين بدموع أثر حديث سهيلة تأمن خلفها:
أميين يارب.
ربتت سهيلة على قدمها بحنو مردفة وهي تقف:
هجوم أنزل أنا… وإنتي ارتاحي ومتفكريش… كله هيكون زين.
ابتسمت لها سيلين بهدوء، بينما غادرت سهيلة وتركتها تفكر بشرود في ما نوت فعله.
***
مساءاً في القاهرة.
عند نبيل الذي يجلس في منزله حيث لم يستطع الذهاب للشركة بسبب الشوشرة التي أصابته. طرق بابه ابنه آدم الذي انتهى من دوام عمله للتو. قام نبيل وفتح الباب ينظر له يغيظ مردفاً وهو يعود وآدم خلفه:
خير! جاي ليه؟ مش إنت بقيت ملتزم ومهتم بالشركة وبمال سيلين هانم!
جلس آدم يردف بشرود:
هي فين سيلين… محدش عارف مكانها.
سحب نفساً يردف بتساؤل:
مش عارف… أنا هتجنن… أكيد مختفية في حتة كده ولا كده… بس هتظهر… بما إن الشركة الصينية بعتت فاكس تلغي العقود يبقى هتظهر قريب أوي.
نظر له آدم بصمت ثم أردف بترقب:
مفكرتش هتعمل إيه في إلغاء التعاقد بينا وبينهم… كده خسارة جامدة لينا كلنا.
أردف نبيل وهو يضع ساق على الأخرى بخبث:
فكرت… ولقيت إن ليه نتعب نفسنا… هي هتتصرف وتحل الموضوع… زي كل مرة… خليها تتعب شوية.
نظر له آدم بغموض ثم أومأ وهو يقف مردفاً:
تمام… أنا همشي.
تعجب نبيل واردف متسائلاً:
تمشي! اومال كنت جاي في إيه؟
أردف آدم وهو يطالعه بملل:
اتخنقت… عايز أمشي… سلام.
غادر آدم فوراً، بينما ظل نبيل ينظر له بدهشة وتعجب من أمره الغير مفهوم هذا.
***
عاد سلطان بعد تفكير طوال وقد حسم أمره أن يحدث جده أولاً ثم تلك الطامعة ويسوي الأمر معها لتغادر. فهو لم ولن يقبل بأن يجرح قلب حبيبته مجدداً. يعلم أن الهدف من هذا الحدث كله هو النقود وليس سمعتها كما ادعت. ولكن ما يقيده هو خوفه من معرفة جده بحقيقة أمر الخطة الذي أحاكها مع عم سيلين. يعلم أنه إن علم سيسقط من نظره في الحال وهو لن يحتمل ذلك لذا يصمت مجبراً.
دلف المنزل يتطلع للأعلى حيث غرفة حبيبة روحه. تقدم للأمام قليلاً لعند جده الذي يجلس ينتظره. دنا من يده يقبلها يردف بأسف:
أنا آسف يا جدي على الطريقة اللي اتكلمت بيها معاك… أنا بس كنت حاسس إنك بتجبرني على حاجة مش عايز أعملها ومش هرتاح لو عملتها.
أومأ جده يشير له بأن يجلس. جلس سلطان يتنهد ثم استرسل حديثه:
أنا راحتي مع سيلين وبس يا جدي ومش عايز غيرها.
أومأ توفيق مردفاً بحكمة وتعقل:
افهمني يا ولدي… دي بنت وانت خطبتها سنتين بحالهم والحارة كلها عرفت إنكم لبعض… واتحدت مع أبوها إنك تشهل وتتجوزوا بعد شهرين. وبعدين فات شهر وهما فرحوا وقالوا في الحارة إن الفرح جرب وبجيله شهر. جيت إنت فجأة واتجوزت المديرة اللي اشتغلت عنديها. إني مش عارف كل ده حصل إزاي بس الغلط من عمك محمود هو اللي كنت كل ما أسأله عنيك يجولي زين زين وميخبرنيش تفاصيل مهمة زي دي.
تنهد يسترسل:
دلوقتي بعد ما اتجوزت اللي إنت بتحبها أو اللي قلبك مالها جومت فجأة فسخت خطوبتك ع البنية دي من غير أي عذر… وسبتها ومشيت… طب إزاي! مفكرتش في كسرة خاطرها يا ولدي! مفكرتش في الحديث الماسخ اللي هتسمعه من أهل الحارة اللي هي عايشة فيها! دانّي جولت عليك عادل وحكيم زي أبوك… يبجى إنت تعمل كده؟ متوجعتهاش منك يا ولدي.
نظر سلطان أرضاً بخجل. فجده يعريه أمامه. هو لم يكن هذا مقصده. كل ما في الأمر أنه اكتشف خطأه وعالجه بفسخ عقد خطبته من تلك الفتاة الطامعة التي لم تحبه قدر مثقال ذرة.
تنهد سلطان ورفع رأسه ينظر لجده مردفاً بهدوء:
أنا مش كده يا جدي… أنا مش اللي إنت بتتكلم عنه… أنا يمكن ظروفي اللي مكنت الشيطان مني في تشويش عقلي بس أنا ابن الحاج إبراهيم السوهاجي اللي زرع جوايا الأصول والحق… إنت اللي بعدتني عنك… أنا آسف إني أقولك إن إنت كنت سبب في اللي حصل النهاردة ده…. أنا كان نفسي في عيلة تعترف وتفخر بيا وتحتويني بعد موت أبويا… بس إنت خيرتني بينكوا وبين أمي… وطبعاً كفة أمي كانت لازم توزن لإنّي ابن ابنك… لإنّي راجل يا جدي.
تنهد توفيق يومئ بخزي مردفاً بندم:
إنت صح يا ولدي… إني ظلمتك وظلمت أمك ومصنتش وصية ولدي الغالي… إني خوفت أحرج جلب بنت أخوي زيادة… بنت أخوي اللي جواز أبوك عذبها وحرج جلبها جدام عيني… كانت بتموت من القهر… خوفت أجيب ضرتها تعيش معاها هنا أكون بظلمها… بس إني دايماً ضميري كان واجعني عليك… إنت خابر أبوك مات كيف… وجتها الشيطان شاككني في أمك… وكنت ناوي أتّقم بس ربك عادل وظهر معدن أمك في تربيتك… عمك محمود كان بيحكيلي عن قد إيه أبوك كان بيحبها وبيرتاح معاها… وإني لما قعدت معاها إني كمان حبيتها… وعرفت إن ولدي الغالي كان معاه حق… سامحني يا ولدي… سامحني.
أومأ سلطان يقبل رأسه باحترام مردفاً:
اللي فات مات يا جدي… خلينا في اللي جاي.
ربت توفيق على قدم سلطان مردفاً بحكمة:
معاك حق… عشان كده يبقى إنت تصلح وتكفر عن ذنبك في حق البنية دي وتعرف أهل حتتها إنها مراتك وبعد كده تنفصلوا بالمعروف… إني مش هيهون عليا زعل مراتك هي كمان… مراتك طيبة وحنينة وأنا حبيتها… فاهمها الوضع زين عشان متنقهرش.
نظر سلطان لجده بصمت ثم أومأ يردف وهو يقف بغموض:
تمام يا جدي… أنا هعمل اللي تشوفه عليا… عن إذنك.
أردف توفيق بحنو:
إذنك معاك يا ولدي.
صعد سلطان الدرج وعقله يفكر في أمر تلك الخبيثة الذي عليه التحدث معها سريعاً وليرى كم ستأخذ وتبتعد عنه ولكنه لن يقبل بهذه الزيجة وبأن تصبح هكذا إنسانة مستغلة طامعة اسمها على اسمه أبداً. وقف أمام غرفته يتنهد بعمق ثم طرق الباب ودلف يبحث بعينه العاشقة عنها. طال بحثه فلم يجدها. دلف وأغلق الباب خلفه ينادي بهدوء ونبرة عاشقة:
سيلين!
خرجت له من المرحاض تبتسم بحب وترتدي ملابس قطنية قصيرة ورائحة الأفندر المنعشة تفوح منها مردفة بعيون لامعة ونعومة أنثوية وهي تطالعه:
نعم يا حبيبي أنا هنا.
انشرح فؤاده من كلمتها وهيئتها المدمرة لبقايا حزنه واتجه يقف قبالتها يردف بابتسامة تعشقها:
حبيبي!
أومأت بحب ونظرة عاشقة تخفي وراءها قلباً متألماً حزين وهي تقترب منه حتى التصقت به ورفعت كفيها الصغيرة تضعها على صدره الذي ينبض خلفه قلب عنيف ونبضات صاخبة أثر لمستها وبدأت تردف بهمس:
أيوه حبيبي… حبيبي ونور عيوني… اللي حبه دخل قلبي من غير أي جهد وقدر يحتل كل حتة فيا… حبيبي اللي تمنيته ومتمنتش غيره رغم عذابه ليا ورغم وجعي منه… حبيبي اللي نسيت بيه ومعاه كل تعب أو وحدة أو خوف… حبيت عيوبه قبل مميزاته…. حبيبي اللي لقائنا كان غلطة وخدعة بس حكمة ربنا إنهم يتحولوا جوايا لإدمان ومعرفش ابعد عنك بعدها أبداًاا… وحتى لو هتعالج من إدماني ده عايزة أتعالج بيك برضو…. مش عايزة غيرك في حياتي وفي قلبي وفي كل خلية جوايا… إنت وبس يا سلطان.
عروقه ترتعش من كلماتها التي أذابت وفتت أي ذرة صلابة أو ثبات داخله. يطالعها بزهول ودهشة. جرعة السعادة هذه تكاد تودي بحياته. كثيرة جداً على قلبه الذي ظنه كبيراً. قلبه الذي يعشقها ولا يرى سواها امرأته. مشاعره تتدفق داخله بقوة حين تساءل:
الكلام ده ليا أنا؟ ولا أنا بحلم ولا إيه؟
نظرت مبتسمة لعينيه ثم رفعت نفسها ووقفت على أطرافها ثم طبعت قبلة ناعمة قرب فمه. أغمض على أثرها عينيه يتنهد بعمق ويحاول تهدئة مشاعره المتدفقة. ابتعدت قليلاً ببطء فثبتها بذراعيه الذي لفهما حول جسدها يرفعها لعنده حتى لم تعد قدماها تلامس الأرض ولم يعد قلبها مكانه بل يحلق في سماء العشق. نظر لها نظرة عشق صافية مردفاً بصوت متحشرج من قوة مشاعره:
سيلين… أنا أكتر راجل محظوظ على الأرض… أنا فعلاً أخدت جايزة كبيرة أووووي عليا… لازم أعيش عمري كله أشكر ربنا عليها… إنتي وكفى يا ليني من بين نساء الدنيا كلهم.
دفنت رأسها في عنقه تتنهد بحب وسعادة وعذاب وألم. تريد أن تحيا معه ولينتهي كل شيء. ليتهما يسكنان المريخ سوياً بمفردهما. ليته لهما منزلاً على سطح القمر لا يعلم عنوانه بشر. ليته ينتهي عذابها في أسرع وقت وليعودا معاً للأبد.
أما هو فحاوطها بقوة يعتصرها لعنده يريد أن يصبحا شخصاً واحداً. وبرغم قوة عناقه إلا أنه كان حنون دافئ. أنزلها أرضاً ببطء ورفع وجهها بيده ينظر لها بعيون عاشقة ثم تنهد واردف بترقب:
عايز أقولك على حاجة.
وضعت سبابتها على فمه تمنعه مردفة بخوف من حديثه:
لاء… متقولش… خليني النهاردة أنام في حضنك وبس… من غير أي كلام.
نظر لها بعمق ثم عانقها مجدداً واتجه سوياً حيث الفراش. تمدد وهى بين ذراعيه. لف ليمينه واحتضنها وهي دثرت نفسها داخله كقطة ناعمة في ليلة شتاءٍ قارص تحتمي بقطعة وثيرة من قماش الفرو الناعم والدافئ. كانت تستمع بحضنه الذي ربما ستغيب عنه لفترة لا تعلم نهايتها.
ملس على شعرها بحنو واستمتاع وهو يشد من أحضانه. تنهد يشتم رائحتها التي يعشقها. تململت بين يده بنعومة وأنوثة حركت مشاعره. رفع وجهها ينظر لها بعيون عاشقة لامعة محبة ثم مال عليها يقبلها على شفتيها بحبٍ وتمهل واستمتاع بلحظته المفضلة وفاكهته النادرة جعلها تبادله بنفس المشاعر. تاه معها في عشقه الأبدي ولحظته الممتعة ولم يخطر على عقله ما تنوي هي فعله.
رواية على القلب سلطان الفصل التاسع عشر 19 - بقلم آية العربي
فى الغرفة التى خصصها الجد لنعمان وابنته لمياء ..
تجلس على فراش صغير تردف بترقب : تفتكر سلطان هيوافق بسهولة كده يابا ؟
اردف نعمان بضجر وهو يجلس على فراش آخر : مافيش قدامه حل تاني ... ده حكم جده ... وبيتهيألي مش هيسيب العز ده كله ويرجع تاني للفقر ... دي تمثيلية بيعملها علشان يخلع من الجوازة .
شردت لمياء تردف بغل : أيوه يابا بس شكله حب البت الغنية دي أوي ... انت مشوفتوش بيقول إيه !.
اردف نعمان بحدة ساخراً : سلطان يحب ! ... هو حب فلوسها وبس ... وانتي علشان عبيطة خدعك وسابك ... هيعوز منك إيه ... هو إحنا حيلتنا حاجة ! ... بس لازم يدفع تمن طمعه ويتجوزك ..
اردفت بترقب متسائلة : طب لو عرض علينا مبلغ يعني رأيك إيه ؟
نظر لابنته بغضب واردف : مبلغ إيه يا غبية ... هو يتجوزك ويكتبلك مهر ومؤخر علشان لو حب يطلق يبقى بالسلامة وحقك مضمون ... بس تاخدي مبلغ ونمشي كده شكلنا وحش أوي قدامهم وهيبقى معاهم حق .... إنما بقى لو بقيتي مراته حتى لو اطلقتي نعرف بعدها ناخد منه أي مبلغ نحتاجه ... اسمعي كلامي هتكسبي .
أومأت تفكر فى الأحداث التي تنسجها في عقلها لمستقبلها مع سلطان التي تمنته زوجاً لها منذ زمن .
فى الثانية صباحاً .
تململت سيلين التي لم تغفو ببطءٍ شديد من بين يدي سلطان الذي ينام بعمق وراحة وقد نجحت في الابتعاد عنه .
نزلت من على الفراش بهدوء وتطلعت عليه بأسف واشتياق لملامحه التي تعشقها .
دلت المرحاض وأغلقت خلفها بهدوء....
بعد ربع ساعة خرجت ترتدي ملابس أخرى وحجاب يغطي رأسها وتناولت حقيبتها ثم أخرجت منها جواب كانت أعدته مسبقاً ووضعته على الطاولة تغطي طرفه بتلك المزهرية ثم تطلعت عليه نظرة أخيرة وكأنها تغادر روحها .
ثم تسللت بهدوء تخرج من الغرفة التي أغلقت بابها دون إصدار أي صوت ..
نزلت لأسفل بهدوء حيث الجميع نيام ... استمرت إلى أن وصلت للخارج ومنه إلى الطريق الذي ينتظرها في آخره رأفت .
كان هناك غفير يحرس المكان ولكن بسبب البرد الشديد غلبه النوم ولم يشعر بتسحبها هذا .
وصلت لعند رأفت الذي يقف لها أمام السيارة ينظر لها بشفقة بسبب هيئتها وملامحها الحزينة .
ركبت السيارة وغادرت تاركة خلفها وجع وجرح فتحته ربما لم يلتئم بسهولة .
انطلقت السيارة في طريق طويل وأسندت هي رأسها للخلف تظن بذلك أنها حابسة لتلك الدموع الحارقة ولكن هيهات فهي تتساقط كالشلالات على بعدها عنه مجبرة ... أمامها خياران وكلاهما مميتان ... إما أن تبقى وترى وهو يُخير بين الزواج أو عائلته ... أو أن تغادر وتسافر دون علمه وقد قررت الأسهل بينهما ...
أما عن سلطان ... فسلطان النوم يسحبه ... ينام بعمق وهو يراها أمامه في أحلامه ... يستمتع بكلماتها التي خدرت عقله وأعضاؤه فلم يشعر بشيء من حوله ... وكيف يشعر وهو الذي حصل على نصيبه من السعادة لأيام وأيام ...
بعد سفر دام لساعات حل الصباح .
ووصلت السيارة إلى قصر سيلين .
فأردف رأفت بترقب : سيلين هانم ! ... وصلنا .
كانت هي مستيقظة تستند برأسها على النافذة وتتطلع بعيون زابلة تماماً دون أي صوت .
أغمضت عينيها تتنهد بعمق ثم ابتعدت عن الزجاج وفتحت الباب وترجلت بهدوء ودلفت إلى القصر تجر قدماها بصعوبة وكأنها فقدت النطق والروح أيضاً ..
كانت لا تزال علية نائمة فصعدت إلى أن وصلت إلى غرفتها التي دلفتها وأغلقت خلفها واتجهت تلقي بجسدها على الفراش مستسلمة للنوم تماماً ... تظن بذلك أنها هاربة ! .
في نفس اللحظة استيقظ سلطان للتو بتكاسل يبتسم بسعادة من أثر ليلته وكلماتها التي ما زالت تتردد على مسامعه ..
ما زالت عيناه مغمضة ولكنه فتحهما عندما لم يشعر بثقلها على ذراعه ... وعندما لم يشم رائحتها .
نظر جانبه فوجد الفراش خالياً ... تعجب لذلك فهو الذي يستيقظ أولاً منذ أن تصالحا وأردف متسائلاً ينادي بحب : سيلين ! .
لم يأتيه رد فقام من مكانه متجهاً إلى المرحاض يطرق بابه ويردف بترقب : سيلين أنتي جوه ! .
لا رد أيضاً ففتح الباب ينظر للداخل فلم يجدها ... شرد يفكر هل يمكن أن تكون في الأسفل ! ... لا .... لا يمكن نزولها بدونه .
تصنم جسده وضيق عينه حينما رأى ذلك المظروف الأبيض الموضوع على الطاولة ... هل ذهبت ! .
خطى ناحيته ببطء وخوف وكأنه لغم سينفجر ... تناوله بيد متصلبة وفتحه ينظر لمحتواه ..
قرأ عقله وفمه صامت يترقب كباقي أعضائه حينما خطت :
( سلطان ... سلطاني ... سلطان قلبي وزماني ... ربيع قلبي ووجداني ... تعلم أني أحبك ولن أحب سواك وأعجز عن وصف مشاعري الآن وأنا في تلك الحالة ولكن هناك شيئاً واحداً أود أن تعلمه .
أنني اتسمت بصفات عدة إلا الأنانية ... لم أعرف لها طريقاً يوماً إلا عندما وقعت في حبالك ... بتُ أنانية بشدة في حبي لك ... أريدك لي وحدي ... أريدك غطائي وعالمي دون غيري ... لذلك سأرحل الآن وأعود حين تنتهي من هذا العقد ... لا أتحمل البقاء .... لقد جربت جميع أنواع العذاب وتحملتها إلا أن أراك مع غيري ... لن أتحملها ... لذا سأرحل ... إن أخبرتك بأمري فلن تتزوج ... ووقتها ستفقد فخر عائلتك وخصوصاً جدك الذي يراك دائماً كوالدك ... لن أسمح بأن تبتعد مجدداً عن عائلتك ... لقد رأيت السعادة في عينك حينما رددت إليهم ... أعلم أنهم مصدر قوتك وصلابتك ... لذا عليك بتنفيذ مهمتك والانتهاء في أسرع وقت ... حينها ستجدني في انتظارك ... لا تأتي خلفي ... لا تحاول ... أحبك ... سأنتظرك ... سأفتقدك ...
إمضاء : طفلتك )
طبق المكتوب بين قبضته واردف بزهول وعدم استيعاب يحدث حاله بقلب متألم : ليييه ... لييه عملتي كده ليييه ؟ .
دخل المرحاض مسرعاً ثم خرج بعد دقائق يبدل ثيابه ثم أسرع إلى الأسفل حيث استيقظ الجميع .
رآه جده الذي ناداه متسائلاً عندما رأى حالته وهو يسرع للخارج : سلطان ... رايح فين يا ولدي .
أردف وهو يغادر دون أن يعير أي أحد اهتمام : هجيب سيلين وراجع يا جدي .
خرج وترك خلفه تساؤلات الجميع .
ركب سيارته التي تصطف أمام المنزل وبدأ يقود بسرعة ويتمنى بداخله لو أن المسافة بين سوهاج والقاهرة كتلك المسافة التي كانت بينهما أمس .. كتلك الليلة التي لن يمحوها من ذاكرته شيء أو قوة ... الليلة التي رأى وشعر بعشقها له ... هل كانت تودعه !... أهكذا يا روح فؤادي ! ... كيف هان عليكِ قلبي ! ... هل ظننتِ أن بعد كلماتكِ سأحيا بدونكِ ! ... ف حرامٌ عليا العيش إلا في حُضنكِ ... وحرامٌ عليا النوم إلا في ثنايا عنقكِ ... وحرامٌ عليا الراحة إلا برؤية وجهكِ ... فأنا اليتيم بدونكِ .
أما عند منزل عائلته فأردف جده متسائلاً بتعجب : وه ... وهي مرته وين عاد ! ...
اردفت منيرة بقلق وحزن : معرفش يا عمي ... محدش شافها من امبارح ..
أما سهيلة فنظرت بشرود واردفت : جيب العواجب سليمة يارب .
أما عن لمياء ووالدها اللذان سمعا الخبر تطلعا لبعضهما بخبث يبتسمان بمكر وتشفي بينما روايح تتابعهما بترقب وصمت خبيث .
عند سيلين التي استيقظت على رنين هاتف وداد تسحبت تلتقطه مردفة بحزن واستسلام : أيوه يا وداد ... الأوراق جاهزة !.
اردفت وداد بحزن وقلة حيلة : جاهزة يا سيلين ... والطيارة قدامها ساعتين .
أومأت سيلين بهدوء وهي تقف مردفة : تمام يا وداد ... أنا تقريباً جاهزة ... ابعتيلي الأوراق مع رأفت .
أغلقت معها واتجهت تبدل ثيابها ولكن طرقات الباب أوقفتها فاتجهت تفتح الباب بترقب فإذا بعلية تردف بحنو : سيلين يا حبيبتي ... جيتي إمتى ! ... أنتي كويسة ؟
أومأت سيلين بهدوء : كويسة يا دادا ... جيت من شوية صغيرين ... لإنني مسافرة الصين كمان شوية .
تعجبت علية مردفة بترقب : الصين ! ... خير يا بنتي ؟ ... وسلطان فين ؟
تنهدت سيلين بعذاب حين سمعت اسمه واردفت بعجز : ما يعرفش يا دادا ... أنا هسافر لوحدي وهرجع كمان أسبوع بالكتير ... الموضوع خاص بالشغل .
تنهدت علية بقلة حيلة واردفت : طيب يا بنتي ... آدم ابن عمك تحت وعرف إنك جيتي وعايزك .
تعجبت مردفة بتساؤل وقلق : آدم ! ... جاي ليه ده يا دادا ! ... هما الحرس تحت صح ؟ .
أومأت علية فتابعت سيلين بقلق وخوف : طيب يا دادا ... قوليله إني نازلة ... بس خلي الحرس قريبين مني .
دلت تبدل ثيابها وبعد دقائق كانت تنزل من أعلى الدرج تحمل حقيبة صغيرة بها بعض الملابس والمتعلقات .
نزلت لأسفل فوجدت آدم يجلس مطأطأ الرأس ينتظرها ... نظرت له بقلق واردفت بترقب وهي على مسافة مناسبة منه كي تؤمن نفسها : خير يا آدم ... جاي ليه ! وعرفت إن أنا هنا إزاي ؟
رفع آدم نظره يتطلع عليها فوجدت عيناه دامعة فتعجبت بصمت ... وقف هو واردف وهو يطالعها : كنت في الشركة وكنت رايح أسأل وداد عنك سمعتها وهي بتكلمك وعرفت إنك جاية في الطريق ع القصر .... أنتي مسافرة الصين فعلاً !
نظرت له بقلق وأومأت بصمت فتابع وهو يمد لها بعض الأوراق : أنا كمان كنت مسافر من غير ما أعرف إنك هتسافري ... كنت رايح أتكلم مع الشركة الصينية وأقنعهم ما يلغوش التعاقد .
نظرت له بشك ثم تناولت منه الأوراق ونظرت بها فوجدتها تذكرة سفرة والجواز الخاص به .
هزت رأسها بعدم تصديق واردفت ساخرة : تسافر تقنعهم ما يلغوش العقود إزاي ! ... أنت يا آدم ! ... إيه اللي يخليك تعمل حاجة زي دي ؟... دي حاجة هتخسرني أنا مش انتوا ... يعني متقلقش ومافيش داعي تتصرف ... أنا هسافر وأتكلم معاهم .
تنهد آدم يردف بألم وإرهاق ظاهر على معالمه : لنفس السبب أنا كنت هسافر ... يعني بحاول أكفر عن ذنوبي اللي ارتكبتها في حقك ..
وقف يطالعها ويتابع بندم وصدق : صدقيني يا سيلين أنا بحاول أعمل حاجة صح في حياتي ... أنا عارف إني غلطت في حقك كتير أوي ... أنا وأبويا وكلنا غلطتنا معاكي كتير أوي ... أبويا اللي للأسف رباني ع الطمع والغدر ... أبويا اللي ظلمك وظلمني وظلم كل اللي حواليه بطمعه وجشعه ..
تطلع إليها يتابع بأسف : كنت قلتلك إن سلطان عمل كده عشان ما كشفوش على حقيقته ... أنا كذبت عليكي ... سلطان ما كانش يعرف ... هو ضربني لأنه كان خايف عليكي مني ... لأنه كان بيحميكي فعلاً .
نظرت له بتعجب ... شبكت يديها أمام صدرها متسائلة بتهكم : عايز تقنعني إن فجأة كده ضميرك صحي ! ... ولا دي خطة جديدة عاملها أنت وأبوك عليا ! .
أومأ ودنى من مقعده يلتقط إحدى الملفات ثم ناولها إياه مردفاً بنبرة متألمة نادمة : شوفي ده وانتِ هتعرفي .
تطلعت عليه لدقيقة ثم تناولت منه الملف بتعجب وفتحته تتطلع على محتواه بترقب ثم ما لبثت أن اتسعت عيناها مردفة وهي تهز رأسها بعدم تصديق : مش معقووول ! .... آدم ؟ ... إزاي ومن إمتى ؟
اردف آدم بحزن شديد : من كام يوم بس ... أنا قبلها تعبت وصحيت من النوم لقيت بقع دم ع المخدة ... روحت عملت تحاليل وأشعة وطلع اللي كنت خايف منه ... أنا عندي كانسر ع الرئة وفي مرحلة تانية ... وده بسبب المشروب ... يعني أنا بعيش آخر أيامي ... عرفتي ليه عايز أعمل حاجة كويسة ! ... يمكن وقتها تخفف عذابي شوية .
أدمعت عيناها تطالعه بحزن وشفقة وهي تهز رأسها مردفة : لا أكيد في حل ... أكيد في علاج ... طيب عمي رأيه إيه ؟
هز رأسه بعنف يردف : محدش يعرف غيرك ... ومحدش هيعرف يا سيلين ... أنا بس قلتلك لإنك أكتر حد أنا ظلمته ... عشان تتأكدي إن ربنا عادل ... هو ده جزائي ... أما عن أبويا بيتهيألي مش هيهمه أموت أو أعيش ... هو كل همه الفلوس وبس ...
كانت تبكي حزناً وشفقةً عليه ثم اردفت زاهلة لا تصدق أن آدم الجبروت هو هذا الذي أمامها : ما تقولش كده يا آدم ... عمي بيحبك أنت وأختك ... عمي مهما كان قاسي فده معايا أنا .... لازم يعرف ولازم يكون جنبك في الوقت ده .... أنت محتاجه .
هز رأسه يردف معترضاً : لأ ... مش هيعرف عني أي حاجة ... مش محتاج منه أي عطف أو شفقة ... أقولك حاجة ... مش اللي معروف في العيلة إن أمي انتحرت بسبب تعبها النفسي ... لأ ... الحقيقة إن أمي ولعت في نفسها بسبب أبويا ... أنا شفت كل حاجة وقتها ... فضل يضرب فيها ويعذبها وما كانش راضي يطلقها وبيتهمها إنها خاينة ... هي للأسف متحملتش وفضلت تموت ربنا غضبان عليها عن إنها تعيش معاه ... ماتت محروقة قدام عيني وبتصرخ وأنا مش قادر أعملها حاجة .... عمري ما هسامحه أبداً ... أبداًاا .. عشان كده محدش هيعرف غيرك ...
كانت تطالعه بعجز وحزن وزهول من هذا العم ... هل يوجد بشر هكذا ! ...
استرسل ليخرجها من حزنها الذي رآه فيها ولم يراه في غيرها : يلا عشان نلحق الطيارة ... أنا هاجي معاكي .
نظرت له تطالعه بقلق وتفكر بحيرة ... كيف لها أن تسافر معه !!!! .
بعد ساعة ونصف تجلس سيلين في المقعد على متن الطائرة المغادرة للصين بشرود تفكر فيما آلت إليه الأمور وكيف ستكون ردة فعل سلطان على فعلتها تلك .... تعلم أنها مخطئة ... وربما هذه المرة ستكون العواقب وخيمة . تعلم أنها هذه المرة هي المخادعة ... لقد هيأت له من الرماد حياة وجعلته يعيش ليلة تمناها واعترفت له بكل ما بداخلها ثم غادرت فجأة ...
نعم مخطئة ... ولكن ليس أمامها خيار .
أقلعت الطائرة ولم يعد للرجوع سبيل بينما طيلة هذا الوقت وسلطان يحاول الاتصال بها أثناء قيادته ولكنها بالطبع لا تجيب ..
مرت ساعة أخرى .
وصل سلطان إلى قصر الحلواني أخيراً بعدما أحس أنه يقود لسنوات .
نزل متجهاً إلى الباب وبدأ يطرقه بحدة .
فتحت علية تطالعه بتعجب ولكنه لم يعطيها فرصة الحديث حيث أردف مسرعاً وهو يتطلع للداخل : سيلين فين ! .
تطلعت عليه بصمت فاحتدت ملامحه وتخطاها يولج وينادي بصوت عالٍ : سيليييين ... سيليييين أطلعي نتكلم .
أوقفته علية مردفة : سيلين مش هنا يا سلطان .
وقف متعجباً يتساءل بترقب : اومال فين ! ... راحت عند وداد ؟
هزت رأسها تردف بترقب : سيلين سافرت الصين هي وآدم ابن عمها من حوالي ساعتين .
ضيق عيناه يردف باستفهام وعدم تصديق : إيه ! ... الصين ؟ ... ومع آدم ! ... مستحيل طبعاً ... مين اللي كدب عليكي وقال لك كده ؟
اردفت بتفهم : يابني محدش كدب عليا ... سيلين جت الصبح وقالت إنها مسافرة الصين لموضوع خاص بالشغل والشركة ... وجه آدم قالها إنه كان مسافر هو كمان وإنه هيروح معاها .
هز رأسه يرفض سماعها ... مؤكد أن زوجته لن تفعل أمراً هكذا مستحيل ... مؤكد أن هناك سوء تفاهم ... يبدو أن سيلين كذبت عليها لتخفي عنه مكانها ...
اندفع يغادر بغضب بعدها قرر الذهاب للشركة الذي أخذ عهداً على نفسه بعدم الذهاب إلى هناك ولكن للضرورة أحكام .
وصل الشركة في وقت قياسي ونزل فوجد الحرس ينظرون إليه بتعجب ... تجاهل نظراتهم وخطى للداخل ولكن ما أدهشه هو عدم منعه من الدخول ... هو كان يتوقع حدوث شجار يخرج به غضبه وناره التي تحرق ألسنتها قلبه ..
اتجه للمصعد وصعد إلى مكتب سيلين ... توقف المصعد وخرج بهيئته الرجولية الصلبة التي لا تبشر بخير بل ترعب كل من يتطلع عليه .
دلف مكتب وداد وجدها منكبة على العمل فأردف بصوت انتفضت على أثره : سيلين فين ! .
وقفت وداد مذعورة من هيئته ولم تجيب فتساءل صارخاً بغضب : قلت سيلييين فين ؟
هزت رأسها بخوف واردفت بتوتر : سيلين مش هنا ... هي سافرت الصين في رحلة عمل وهترجع كمان أسبوع .
تألم قلبه لسفرها المفاجئ دون علمه ... سفرها المفاجئ ! ... ضيق عيناه وتسائل بترقب وفحيح وهو يقترب منها : سافرت !... لوحدها ؟
ولأول مرة ترتعب وداد من هيئته مما جعلها تردف بتلعثم : لأ ... مم .. مش لوحدها ... معاها آدم .
بركان يغلي في نظراته قابل للانفجار ... يود حرق كل ما أمامه في تلك اللحظة ... كيف تفعلها ! ... متى وأين ولماذا وكل أدوات الاستفهام تدور في رأسه .... لما فعلتها ! ... أ بعدما حلّقته في السماء وفوق السحاب ... تركت يده ليسقط في سابع أرض بمنتهى القسوة والعنف ؟
لما فعلتيها يا قلبي وعذابي ؟ ... هل استحق هذا ! ... هل هذا عقابكِ لي على خداعي ؟ ... أولم تسامحيني ؟ ... أولم نعد بعضنا بالبداية مجدداً ! ... إذا لما ؟ ... عقلي سيجن حتماً ... أفكاري تتسارع بجنون ... أخبريني السبب ثم غادري ... لا تتركيني هكذا .
نظر لوداد بقوة ثم اندفع يغادر قبل أن يرتكب شيئاً يندم عليه ... نزل لأسفل وركب سيارته ورحل لمكان ما خالي من المارة ... توقف ينظر للأمام ويهز رأسه بعدم استيعاب ... ظل يلكم في طارتها ويصرخ بألم وغضب باسمها حتى كاد أن يخلعها من مكانها ... كانت صرخته صرخة رجل عاشق حد النخاع ... متألم حد الموت ... غيووور حد التآكل .
وضع رأسه على الطارة التي كادت أن تبكي لأجله ... آثر الصداع الذي راوده بسبب شتات أفكاره .... ظل لفترة لا يعلمها يجلس بسيارته أمام الشركة ... ربما غفل أو غاب عقله عن التفكير لا يعلم .... قلبه يستنزف جرحاً عميقاً هي سببته ... كيف أسامح هذه المرة يا طفلتي كيف ! .
مساءاً وصلت سيلين إلى العاصمة الصينية بكين .
نزلت من الطائرة تجر حقيبتها خلفها ويجرها الحزن والألم والندم ... تعلم خطأها ... تنهدت تسحب نفساً بارداً لتبرد به نارها .
خطت للداخل وأتمت إجراءات السفر وبعدها انطلقت إلى حيث الفندق الذي تم حجز غرفة مسبقة لها من خلال الشركة الصينية بعدما علموا بمجيئها .
وصلت الفندق وصعدت غرفتها .... جلست على الفراش وتناولت هاتفها ثم أخرجت منه شريحة الهاتف المصرية وبدلتها بأخرى صينية كانت قد ابتاعتها من المطار .
أعادت تشغيله وهاتفت وداد التي علمت هوية المتصل وأجابت على الفور تردف بترقب : سيلين ! ... وصلتي بالسلامة ؟ .. عاملة إيه ؟
تنهدت سيلين بقوة ثم اردفت : كويسة يا وداد ... كويسة .
اردفت وداد بحذر : سيلين ... سلطان جه الشركة وعرف إنك سافرتي مع آدم .
انقبض قلبها بشدة وتملكها اليأس والألم ... أغرورقت عيناها بالدموع فلم تستطع الحديث لذا أغلقت الهاتف وبدأت في بكاء مرير علها تخفف به ذاك الحمل الموضوع على صدرها وهي تعود بذاكرتها لما حدث قبل مجيئها ..
فلاش باك
في سيارة سيلين التي يقودها رأفت ويجلس آدم جواره يميل رأسه بألم وحزن وسيلين في الخلف .
اردفت هي بتصميم : آدم إحنا مش هنسافر مع بعض .
لف نظره لها بتعجب وأردف متسائلاً : اومال إيه !
اردفت وهي تطالعه : أنت هتروح المستشفى تتعالج .
هز رأسه برفض يردف بإصرار : لأ يا سيلين ... مافيش علاج ... أنا في المرحلة التانية .
نظرت له بغضب معنفة : بطل بقى أسلوبك ده وخلي عندك ثقة في ربنا ... أنت هتروح المستشفى تتعالج ومافيش أي حد هيعرف ... وأنا هبلغ وداد إنك مسافر معايا عشان توصل الخبر لعمي ... وما تقلقش في مستشفى خاصة مديرها صاحب بابا الله يرحمه وهو هيحللنا الموضوع ... أنا هوصلك لهناك وبعد كده هروح ع المطار .
نظر لها بحيرة فأسترسلت باطمئنان : اعمل اللي عليك والباقي على ربنا .
نكس رأسه يومئ بهدوء بينما أكملوا طريقهما للمشفى حيث اصطحبته لهناك ..
صف رأفت السيارة وترجلت سيلين مع آدم للداخل .
اتجهت لغرفة مدير المستشفى تطرق بابها وهو خلفها فسُمح لها بالدخول ..
دلت تتطلع بترقب مردفة : ازيك يا أونكل ! .
رفع الطبيب نظره ثم أردف بتفاجؤ وفرحة : أهلاًااا سيلين ... اتفضلي .
دلت هي وتبعها آدم وجلسا سوياً فأردف سيلين بود : ازيك يا عمو مصطفى ... عامل إيه ؟
أردف مصطفى بإعجاب : أنا كويس جداً ... أنتي اتحجبتي إمتى ؟
اردفت بهدوء مبتسمة : من كام يوم ... معلش أنا مسافرة الصين حالاً وكنت جيالك في طلب سريع .
أومأ يتسائل : طبعاً اتفضلي .
نظرت لآدم واردفت : ده آدم ابن عمي ... للأسف عنده كانسر ع الرئة في المرحلة الأخيرة وما كانش يعرف ... أنا عايزاه يفضل هنا تحت إشراف حضرتك ويتلقى العلاج المناسب ... بس من غير ما أي حد يعرف ... قولت إيه يا عمو ! .
نظر الطبيب لآدم مردفاً بتساؤل : وأنت عملت الفحوصات اللي أكدتلك ده ؟
أومأ آدم ومد يده للطبيب يناوله الملف الذي التقطته منه وفتحه ينظر بدقة ثم أغلقه واردف متنهداً : تمام يا سيلين ... إحنا هنعمل اللي علينا والباقي على ربنا ... والأهم الأستاذ آدم يكون عنده أمل وتشجيع للعلاج ... وطبعاً أكيد محدش هيعرف طول ما هو حابب كده .
نظرت للطبيب بشكر مردفة على استعجال : شكراً جدا يا عمو ... وبالنسبة للفلوس هتوصل على حساب المستشفى في أسرع وقت .
أردف الطبيب مشاكساً : من قبل ما تسافري لازم تدفعي ... يابنت الغالي .
ابتسمت سيلين مردفة بامتنان : متشكرة أوي يا عمو .
ثم نظرت لآدم وتابعت : آدم ... أنا همشي ... وهخلي رأفت يجبلك كل اللي هتحتاجه هنا ... ولو احتجت حاجة معينة اطلبها منه ... وما تقلقش سرك في بير .
نظر لها آدم بخزي مردفاً بألم : شكراً يا سيلين ... شكراً .
ابتسمت له بطيبة ثم أسرعت للخارج حيث السيارة التي صعدتها وأسرع رأفت يوصلها للمطار قبل أن يفوتها موعد الطائرة ..
انتهى الفلاش باك ونامت سيلين ودموعها على وجنتيها ..
في ساعات الليل وصل سلطان إلى سوهاج وتحديداً إلى منزله حيث قضى اليوم خارجاً حتى يخرج غضبه وألمه بعيداً عن بشر ..
دلف وجد الجميع نيام ... صعد لغرفته ودلف وأغلقها واتجه يتمدد على الفراش الذي يحمل رائحتها ... نام حابساً بداخله عذاب وعبء ثقيل ... ربما لن يسامحها أبداًاا ... هذه المرة ما فعلته زعزع علاقتهم وهز عرش كرامته ... وأشعل نار غيرته .
أغمض عينه ربما غفلت هي ولكن عقله لم ينم ولن ينم دونها لحظة واحدة ... هذا عهده الذي قطعه على نفسه .... لو كان باستطاعته لذهب إلى الصين في الحال ولكن المعاملات الرسمية تقيده .
صباحاً استيقظت سيلين وقد عزمت أمرها على تكملة ما جاءت من أجله والعودة سريعاً حتى ترى ما يمكن أن تفعل ..
وضبت حالها وأدت فرضها كما أخبرتها بوصلة هاتفها ثم ارتدت ملابس مرتبة محتشمة وارتدت حجابها بشكل مرتب هادئ ونزلت لأسفل بعدما أخذت حقيبتها وبعض الأوراق .
طلبت قهوة وشطيرة وجلست في بهو الفندق تتناولهما بشرود ... انتهت ووقفت مغادرة في الحال حيث أرسلت لها الشركة سيارة خاصة لتذهب بها ..
كانت تتطلع من النافذة على هذا الزحام الشديد والجميع على قدم وساق حتى الأطفال .
المباني شاهقة جداً بشكل يحبس الأنفاس وجميعها عبارة عن لوح زجاج ... أخذت نفساً عميقاً ثم تابعت الطريق تفكر في سلطانها الذي تراه على كل بناء وعلى وجه كل المارة جميعهم ... يبدو أنه احتلال أبدي لن يزول إلا بزوالها وهذا ما تريده وترحب به بكل حب ..
رواية على القلب سلطان الفصل العشرون 20 - بقلم آية العربي
كم انتى قاسية ايتها الحياة
ليتنا نحلق فوق السحاب او عبر الغيوم او ننتقل بين المجرات وحدنا
حطام قلبك وقلبي المتناثر لن يوقف عشقنا ولا قصتنا
مكائد الكره والنفوس المريضة لن تنزع وتد محبتنا
نحن اثنان دخلنا العشق لنصبح واحد
سنحزن
سنفترق
سنحترق
وسنعود
عند سلطان الذى فتح عينه على صورتها مجدداً
يغلقهما يراها
يفتحهما يراها
لم ولن يرى سواها تلك المتمردة الغدارة
وقف على حاله
يشعر ان قيوده حديدية صلبة
يريد ان يذهب اليها فى الحال ويعاقبها ويؤنبها ثم يعود بها الى هنا ويحميها فى حصنه
ولكنه سيبتعد عنها
سيبتعد لانها اهانته وجعلت منه اضحوكة
ولكنها تبقى فى الغرب وهو ف الشرق
يتمنى لو انه فى تلك اللحظة يمتلك طائرة خاصة لكان الوضع اسهل بكثير
نزل للاسفل حيث تتجمع العائلة حول المائدة
دلف يلقى التحية واردف وهو يقف على حافة الباب
صباح الخير
انا نازل الشغل يا عمي
خلص براحتك وتعالى
نظر له جده مردفاً بنظرة متفحصة
مرتك وين يا سلطان
نظر له سلطان بترقب ثم لف نظره الى الجميع واردف بثبات ظاهرى
عندها شغل مهم فى القاهرة يا جدى
تعجب توفيق واردف متسائلاً
شغل مهم كيف عاد
فجأة إكدة
اكيد واخدة على خاطرها علشان موضوع جوازك
فهمتها اللى جولتهولك يا ولدي
اومأ سلطان بهدوء يتذكر لحظته معها عندما كاد يخبرها فاوقفته وجرته معها الى مشاعر ممتعة تناسى بها لمياء وجده ونفسه والعالم اجمع
اردف بهدوء وداخله يعتصر
متقلقش يا جدي
اللازم هيتم
وسيلين مش هتعترض
عن اذنكوا
اوقفته منيرة مردفة بحنان وحزن فهى الوحيدة التى تفهم نظرته
طب تعالى افطر يا ضنايا
متمشيش كدة
نظر لها وجد الحزن فى عيناها فاتجه يقبل يدها ثم تناول تلك اللقمة التى كانت تحملها واردف بحنو
الف هنا يا ست الناس
بس همشي علشان ورايا شغل كتير
عن اذنكوا
غادر هو مسرعاً وترك خلفه تساؤلات من جده وعمه وبدرية وحزن وحنو من والدته وشقيقته سهيلة
بينما هناك نفوس شامتة ك روايح ولمياء ووالدها
اما هو فقرر عدم اخبار احداً بأمر سفرها
سينتظرها تعود ويحادثها وليكن هذا حديثهما الاخير
كرامته لن تقبل فعلتها ابداً
الا اذا اتت بسببٍ عظيم
وقتها سيتخده حجة بكل حب حتى يضمها
نعم يعشقها وليس على قلبه سلطان
وصلت سيلين امام باب الشركة الصينية ونزلت من السيارة متجهة للداخل
حيث وجدت سيدة ترحب بها باللغة العربية تردف
مرحباً بكِ سيدتى
اومات سيلين مبتسمة بمجاملة ثم تبعتها الى الداخل ومنه الى غرفة الاجتماعات حيث ينتظرها اعضاء هيئة ادارة الشركة
وصلت سيلين بصحبة تلك السيدة الى غرفة الاجتماعات التى دلفتها ووجدت ٥ رجال وسيدتين وقفوا جميعاً يرحبوا بها بالطريقة الصينية
ثم جلست وجلس الجميع حول تلك الطاولة المنمقة
رحبت بهم ايضاً واردف احدهم متسائلاً
هل كانت رحلتكِ سعيدة آنستى
اومات سيلين التى فهمت عليه فهى تتقن الصينية جيداً حين اردفت بمهارة
نعم سيد شي يونج
لقد سعدتُ كثيراً برحلتى الى هنا
واود ان اعود سعيدةً ايضا
فهل لي ان اعرف اسباب الغائكم للتعاقد مع شركتى
اردف ذلك المدعو شي يونج بعملية
سيدة سيلين
لقد وصلتنا معلومات ان منتجاتكم قد ساءت فى الاونة الاخيرة
وهناك بعض الفيديوهات المسربة من داخل مصنعكم تفيد بأن المادة المستخدمة غير صالحة
كذلك سمعنا عن اهمالك فى الادارة الذى لوحظ خلال الشهر الماضي وهذا يجبرنا على الغاء التعاقد
فأنتِ تعلمين ان صحة مواطنينا تهمنا
كذلك علينا ان نكون حذرين فى هذا الخصوص
ابتسمت سيلين بهدوء واردفت بذكاء
انا حقاً مندهشة من حكمك المسبق هذا سيد شي يونج وانت رجل اعمال وتعلم جيداً بالمكائد التى تحيك من خلفنا
فنحن نتملك من الاعداد ما يوازن نقودنا وعليك ان تفهم ان ما حدث كان تدبير ماكر وتم حل الامر بشكل مرضي
ولأضيف ان التعامل بيننا ليس اليوم فقط بل هو منذ سنوات وكان ابي رحمة الله عليه نزيه جداا معكم والمنتجات التى تصل لكم من اجود منتجاتنا
فكيف تصدقون تلك الاشاعات الرائجة وتودون الغاء العقد
الا تعلمون ان هناك شرطٌ جزائي لهذا
اردف السيد شي يونج بشكل احترافي
لا سيدة سيلين
فالشرط الجزائي غير قائم فى حدوث اي خلل فى المنتجات او سوء التصنيع
اومأت مردفة بفصاحة
اعلم ذلك جيداً
وسأثبت لكم ان ما حدث هو فتنة ومكيدة لا اكثر
وان منتجاتنا حاصلة على شهادة الجودة العالمية
كما جئت لكم بأوراق تنص عن ان المادة الخام لدينا صالحة وجيدة بنسبة ٩٩ %
وهذا ال ١% فقد حتى لا ابالغ
ارجو اعادة النظر فى الامر والتأكد جيداً قبل اتلاف العقود
هناك شحنة فى طريقها اليكم وتستطيعون فحصها جيداً
فأنتم لديكم امهر المحللين
نظر السيد شي يونج لشركاؤه الذين اومأوا له
تطلع للاوراق التى احضرتها سيلين ولتلك التقارير ثم اردف بترقب
حسنناً سيدة سيلين
فلنرى الشحنة القادمة ولنفحصها
ونرجو منكِ ان تبقي ضيفتنا الى ان نرى وبعدها سوف نقول كلمتنا الاخيرة
ان وجدنا بها اخطاء فسوف تتحملين انتِ التكلفة كاملة
اومات سيلين تردف بتأييد وثقة
حسننا سيد شي يونج
وهذا ما كنت انوى فعله حقاً
فالشحنة امامها يومين وسأنتظر وبعدها سأحصل على موافقتكم واعود
ابتسم لها شي يونج الذى اعجب بها مردفاً
اوو
احب كثيراً تلك الثقة
واعجبت بشخصيتكِ حقاً تشبهين السيد سمير والدكى
ابتسمت بفخر مردفة ببعض الراحة
مؤكد ساشبه
ان لم اشبه من سأشبه
بعد تلك المقابلة التى انتهت بالتفاوض وترك القرار بعد معاينة الشحنة حاولت سيلين الاندماج قليلاً فى العمل ولكن هيهات
فسلطان لن يتركها فى حالها ابداً
لقد تغلغل فى اعماقها وتجذر بقوة
اما عند سلطان
فقد تحولت ايامه لعمل فقط
يعود ويذهب للعمل يضيع وقته الملل هناك
نعم فقدَ التحكم فى اعصابه مراتٍ كثيرة
افتعل مشاكل حلها عمه محمود الذى يقف سنداً له ويعلم سبب سوء حالته
ولكنه لا يستطيع التغلب على نفسه وعلى غضبه
يخرج طاقته بشكل سئ في اي شخص يعارضه لمجرد القاء رأي
فضل الصمت التام برغم تساؤلات عمه وشقيقته سهيلة الملحة لمعرفة ما الامر ولكنه تكتم على الخبر حتى تعود ويحادثها
ليس بيده حيلة
فهو ليس هذا الشخص دائما يتميز بالثبات الانفعالي ولكن يبدو ان ذهابها افقده تركيزه واخرج وحشه السرش
حدد جده توفيق موعد كتب الكتاب بعد اربع أيام من الآن حتى ينتهى هذا الوضع الذى طال فيبدو ان هذا سبب غياب سيلين
فلينتهوا من هذا الحوار بأكمله ولينفصلا في هدوء
لم يجد سلطان مفر للرجوع امام اصرار الجميع وضعف افكاره حالياً فوافق على قرار جده
ها هم يجلسون جميعاً حول مائدة الغداء وسلطان يجلس كعادته مؤخراً شارداً يتناول بعض اللقيمات بعد الحاح والدته عليه وروايح تنظر له بخبث وتشفي
طرقات على باب المنزل نبهتهم
وقفت سهيلة لترى الطارق فأوقفها سلطان بثبات مردفاً بحنو
كملي اكلك انتى يا سهيلة انا هشوف مين
وقف يتجه ليفتح الباب فوجده محروس زوج سهيلة ينظر لسلطان بخزى
نظر له سلطان بتساؤل مردفاً
اهلاً
خير
تحمحم محروس واردف بترقب
انى جاي اجابلك انت والحاج توفيج
انى عايز ارجع مرتى
بزيداها عاد بُعد
وعيالي وحشونى جوي
نظر له سلطان بترقب ثم افسح له الطريق ليمر
دلف محروس يردف بترقب
سلام عليكم جميعاً
ردوا السلام جميعهم بينما نظرت له سهيلة بحزن وعيون لامعة بادلها هو مطأطأً رأسه بخزى
اردف الجد توفيق برتابة
تعالى يا محروس اجعد اتغدى ويانا
اردف محروس معتذراً
متشكر يا جدي
انى هستناك جوة
دلف مع سلطان الى غرفة الاستقبال وانتظر حتى ينتهى الجد من طعامه
اما سلطان فجلس بجواره يطالعه بغضب فهو لم ولن ينسى هيئة شقيقته عندما احضرها من هناك
بعد دقائق انتهى الجميع من طعامهم ودلفا الجد وابنه للداخل حيث سلطان ومحروس
جلس الجد توفيق مردفاً بترقب
خير يا محروس
جول اللى عندك يا ولدى
تحمحم محروس مردفاً
انى جاي ارجع مرتى وعيالي يا حج توفيج
وعرفت غلطى زين
انى حاولت جبل سابج اتكلم مع سلطان وارجعها بس هو رافض
فأنى جولت اجي لكبيرنا وهو يحكم
نظر الجد لسلطان وجده يطأطأ راسه يستمع بصمت وترقب بينما محمود يصمت احتراماً لجده الذى اردف
سلطان رافض يرجعهالك لانك ضربتها ومديت يدك عليها
وانى شيعتهالك جبل سابج وجولت محروس راجل وهيحافظ عليها بس انت اتصرفت معاها كنها ملهاش اهل واصل
وانت خابر زين انها بنت السوهاجى ولو غلطت يبجى تيجي واحنا نجبلك حجك لاكن متمدش يدك عليها واصل
اردف محروس مدافعاً
يا حج توفيج انى لما لجيتها بتضرب امى دمى غلي
وبعدين يعنى انا مش اول راجل يضرب مرته
وجاي النهاردة وبجولك انى عرفت غلطتى اهو وعايز ارجعها
وعلى فكرة امى اللى جالتلى روح يا ولدى هات مرتك
يعنى امى طيبة ومجصدهاش حاجة
اومأ توفيق وكاد ان يتحدث فتحدث سلطان بدلاً عنه مردفاً بنبرة صارمة وقوة وعروق بارزة من شدة غضبه
معندناش بنات ليك هنا
اختى مش راجعة معاك
لا هي ولا عيالها
انا للحظة كنت هصدق انك جاي وعارف غلطك بس انت كلامك كشفك
الاحسن تقوم تلحق علشان تروح بلدك قبل ما الدنيا تعتم
غضب توفيق واردف معارضاً
سلطاااان
عيب يا ولدى حديتك ده
ده جوز اختك بردك
وبعدين هو جاي يراضيها
وقف سلطان على حاله يردف بغضب وقد تجمعت افكاره المتزاحمة الان
بعد اذنك يا جدى
ده واحد جاي يرجع الخدامة اللى كانت بتخدمهم
مش يرجع اختى ويردلها اعتبارها
وانا مش هبعت اختى مع واحد زي ده
وقف محروس يردف بغضب وتساؤل
عاجبك الحديت ده يا حج توفيج
اردف سلطان بقوة وغضب
ملكش دعوة بالحج توفيق
الحج توفيق مكانته اعلى من انه يتكلم مع واحد ناقص زيك
اشتعل محروس غضبا واردف بغل
بتجول ايه يا جدع انت
انت فاكر ان حياتى هتجف على اختك ولا ايه
انا اجيب بدالها حرمة واتنين وعشرة ولا تهمنى
والكلام اللى انت جولته ده هتتحاسب عليه
اندفع للخارج مغادراً ولكن اوقفته روايح التى اردفت غاضبة
استنى عنديك يا محروس
وقف محروس مكانه يتطلع عليها بينما خرج سلطان وعمه والجد بترقب
اتجهت روايح لعند سلطان تردف بكره وحقد
انت مالك ومال بناتى يا ابن منيرة
عايز تخرب بيوتهم ليه
ملكش صالح ببناتى احسنلك وابعد عنيهم
احنا كنا عايشين زين جبل ما تيجي انت وامك
نزلت سهيلة من اعلى الدرج تردف مدافعة
بزياداك عاد ياما
اخوي معاه حج فى اللى يجوله
اخوي اللى معرفنيش ولا عاشرنى واول ما طلبته جاني جري
١٢ سنة وانا عايشة مع محروس عيشة مر وبتحمل لان عيشتك امر
١٢ سنة وهو بيعاملنى على انى حرمة ياخد غرضه منها وتكون خدامة لاهله وخلاص على اكدة
محبنيش ولا احترمنى
وجاي دلوجيت يردى علشان اهله بردو وانى متأكدة من اكدة
عايزة تبعيني بالرخيص بردك وتبعتيني وبتجولي انه خراب بيوت
وهو ربنا جال اكدة
جال ان اعيش فى جهر وحرقة جلب علشان اعمر بيتي واحافظ على عيالي
دانا عيالي تعبوا ونفسيتهم بجت زفت بسببه هو واهله
انى مش راجعة ياما
مش راجعة يا جدى
واللى سلطان يجول عليه هو اللى هعمله
مش هرجع اعيش مع واحد زي ده
نظر لها الجميع بصدمة وحزن بينما اندفع محروس اليها يردف بغضب وحدة
بتجولي ايه يا روح امك
واحد زي ده
كاد ان يمد يده فأسرع سلطان يمسكها ثم يثنيها خلف ظهره مردفاً بغضب وعيون مشتعلة
دانة اتجننت بقى
انت فاكر نفسك هتقدر تضربها
نظر له محروس بغل وغضب واردف
ماشي
انى هعرفك مين هو محروس القناوى
افلت يده واندفع يغادر بينما سلطان اتجه عند شقيقته يحتضنها بحنو مردفاً بثقة وقد لانت ملامحه
متخافيش
طول مانتى هنا متخافيش من اي حاجة
اسرعت روايح تصرخ وتولول مردفة
ياااااامرررك يا روايح
بيت بنتك اتخرب
خربه ابن منيرة وارتاااح
اردف توفيق بغضب وحدة
اخرصي عاد يا روايح
روحى على اوضتك
نظرت له بغضب مردفة
اروح على اوضتى
هو ده حكمك يا كبير
سبت عيل زى ده يتحكم فينا
اندفع سلطان يقف امامها ويردف بغضب وفحيح محاولاً بكل قوته تمالك اعصابه
العيل ده اللى انتى سلمتيه بنتك
انما انا راجل وابن راجل
علشان كدة هعديلك اهانتك دى يا مرات ابويا
غادر بعدها تاركاً المنزل مندفعاً للخارج بغضب بينما تبعه محمود ليهون عليه كعادته
اما توفيق اتجه لعند روايح واردف بفحيح وغضب
كل مرة بتثبتيلي انى غلط غلطة عمرى لما بعدت حفيدي وامه عنى طول الفترة دي يا بنت اخوي
لو جولتى كلمة عفشة لسلطان او امه تانى
خافي مني
قالها وغادر وتركها تغلي وتستشيط غضباً بينما سهيلة اسرعت الى منيرة تسحبها لغرفتها حتى لا تسمعها روايح اي كلمة
اما لمياء ووالدها اللذان يتابعان بصمت وترقب نظرا لبعضهما واتجها لغرفتهما بخبث وشماتة
بينما فى الخارج لحق محمود سلطان الذى يمشي كأنه يسابق الريح
وصل لعنده ومد يده يوضعها على كتفه مردفاً بحزن
هدى يا ولدى
هدي يا سلطان وهون على حالك مش اكدة يا ولدي
توقف سلطان ينظر لعمه مردفاً بألم داخلي
غصب عنى يا عمى
كله متكوّم فوق ظهرى
من ناحية اختى اللى امها عايزة تضيعها بحجة بيتها وعيالها
ومن ناحية تانية
سكت سلطان فأكمل محمود بترقب
مرتك يا ولدي صوح
جولي يا ولدي
مخبي ايه عنى
هى زعلانة علشان جوازك مش اكدة
طيب خلاص متتجوزش عاد
هز سلطان رأسه مردفاً بثبات
لاء يا عمى
سيلين قررت انها تبعد
وجدى قرر انى اصلح ذنبي مع البنت اللى كنت خطيبها محدش فيهم سألنى عن قرارى
فخليني مكمل في اللى هما عايزينه
نظر له محمود بعجز واردف بقلة حيلة
مش عارف اجولك ايه يا ولدي
ربنا يصلح الاحوال
وسواء اتجوزتها او لاء انا خابر زين ان ربك هيدبرها
يعنى انى متأكد انك هترجع مرتك
نظر له سلطان بصمت بينما داخله صرخات تريد ان تخرج للعلن
ااااه يا عمى
لو تعلم ماذا فعلت بي
لقد اتخذت من عدونا خليلاً وسافرت معه الى البعيد حيث لا استطيع الوصول اليها
لقد قيدتنى بسلاسل صلبة واشعلت النار بجسدى حياً
هل لي ان انسى
هل لي ان اغفر
لا اعلم يا عمى
حقا وضعى ميؤوس منه
فى منزل سلطان
تحديداً فى غرفة لمياء ووالدها
تجلس على فراشها تردف بغيظ
ياااه كان نفسي اللى اسمها سهيلة دى تغور من هنا
دى وقفالي زى اللقمة فى الزور
اردف نعمان بشرود
شوفتى سلطان عمل ايه يا لمياء
انا بدأت اقلق منه
سلطان استقوي لما رجع لعيلته ومبقاش سهل زي الاول
اردفت لمياء بخبث
ايوة شفت يابا
بس متقلقش
اتجوزه انا بس وانا هخليه زي الخاتم فى صوابعي
انا عارفة مداخل سلطان فين
ضحك نعمان مستهزئاً يردف بترقب
يا خوفي لهو اللى يعلم عليكي زي اللى اسمه ادم الحلوانى ده ما ضحك عليكي ومدلكيش ولا مليم
اغتاظت لمياء من حديثه واردفت مدافعة
جرا ايه يابا
هو انت معايا ولا معاه
انا كان ممكن اخد منه اللى انا عايزاه بس انا راسمة على تقيل اوى
فلوس سلطان تسد عين الشمس يابا
اللى اسمه ادم ده كان هيديني شوية ملاليم
لكن سلطان لما اتجوزه هتنغنغ ياما
اردف نعمان وهو يجلس
لما نشوف
امتى بقى الحكاية دى تخلص ونرجع
امك مبطلتش زن عليا
عيزانا نرجع وبتقول ان اخوكى مش عارف يشغل المحل
اردفت بغضب
يوووه
قولها تصبر شوية هانت اهو
كلها كام يوم وسلطان يبقى ليا
هو حقي انا من الاول
لولا خطافة الرجالة اللى لهفته
وانا مش هسيب حقي حد تانى غيري ياخده
اومأ نعمان يردف باعجاب
ان جيتي للحق
القاعدة هنا حلوة
ولا شيل مسئولية ولا هم
قاعدين واكلين وشاربين ونايمين ببلاش
نظرت له بتهكم مردفة بحدة
وانت عايز تعيش كدة علطول
انت فكرك انهم يعنى هيخيل عليهم الحركات دى
الراجل اللى اسمه توفيق ده مش سهل
انا بس اتجوز سلطان وبعدها انفذ خططى زى مانا راسمة
فى المشفى حيث يجلس ادم يتلقى العلاج بعناية على يد متخصصين
يتابع هاتفه بملل ويبتسم ساخراً ويردف محدثاً نفسه
هه
مكلفتش نفسك وفكرت تتصل يا نبيل بيه
يا ترى بتخطط لايه
دلف عليه الطبيب مطفي يردف بترقب
ها يا ادم
عامل ايه النهاردة
اومأ ادم مردفاً بيأس
زى مانت شايف يا دكتور
شعرى بدأ يقع
وجسمي بدأ يتحرق
بس انا عارف انى استاهل
حزن الطبيب لاجله مردفاً بترقب
ليه اليأس ده
خلى نفسيتك احسن من كدة علشان العلاج يكون اسرع واقوى
نظر له ادم بغموض واردف بحزن واستسلام
مين قالك انى عايز اتعالج
انا عايز افضل كدة لحد ما اموت
انا ذنوبي كتير ولو فضلت ف الدنيا دى هشيل ذنوب اكتر
انا اخدت جزائي
بس انا نفسي انتقم من حد قبل ما اموت
نفسي اوجعه اوى
نظر له الطبيب بتعجب وشفقة واردف وهو يقف
بلاش التفكير العدوانى ده يا استاذ ادم
صدقنى الافضل ليك ولحالتك انك تفكر بشكل ايجابي
العلاج لوحده مش كفاية
ولو انت عايز تكفر عن الذنوب اللى ارتكبتها يبقى تتعالج وتصلح اخطاءك مع اللى غلطت فى حقهم
خرج الطبيب وشرد ادم يفكر فى امر والده الذى لم يكلف نفسه السؤال على ابنه
بينما على الجهة الأخرى يجلس نبيل فى مكتبه يتابع انخفاض الاسهم الخاصة بسيلين مؤخراً
فمنذ تلك الحادثة وهناك اشخاص يحفرون خلفها
مؤكد ان الطلقة التى لا تسيب تترك خلفها شوشرة وهذا ما حدث
فبرغم اثبات براءتها وحسن تعالمها مع العمال الا ان بضاعتها لحقها الضرر قليلاً
اردف نبيل بغل وحقد وهو يتابع عبر الشاشة
كوشتى على كل حاجة
واتمتعتى لوحدك بكل العز ده
بس مش كتير يا بنت اخويا
انا هسحبه من تحت رجلك واحدة واحدة لحد ما يبقاش حيلتك ولا مليم
مهو لو مكانش ليا
مش هيكون ليكي
مرت الايام ووصلت الشحنة الى الصين
تم فحصها جيداً على يدي خبراء وكان ذلك فى حضور سيلين التى تقف واثقة وكذلك اعضاء الشركة الصينية
جاء التقرير بصلاحية المنتج بدرجة ممتازة وبناءاً عليه تم التراجع عن فكرة الغاء التعاقد بينهما
اراد السيد شي يونج ان يقدم اعتذاره لسيلين والذى عبارة عن استضافة فى منزله ليومان ولكنها اعتذرت بهدوء تقنعه ان عليها العودة الى مصر غداً للضرورة
فقد اشتاقت اليها كثيرا
اشتاقت اليها لدرجة تجعلها تحلق بدلاً عن الطائرة
اشتاقت الى كل شبرٍ بها
الى تفاصيلها وملامحها وعيونها
اشتاقت لعناقها ودفء صدرها واحتوائها
ولولا حجز الطائرة غداً لكانت هناك فى لحظتها تلك
ستصلح ما افسدته بينها وبين مصر الحبيبة
ستحاول جاهدة لتنعم بعناق وطنها الآمن مجددا
عادت الى الفندق حتى تنام لتستعد غداً لرحلة العودة
وصلت الفندق وتناولت وجبة طلبتها من الفندق ودلفت لتأخذ حماماً دافئاً وقد احست بحرارة جسدها وصعوبة تنفسها الذى بدأ يزداد
يبدو ان اصابها دور بردٍ شديد
خرجت تحاول السيطرة على الصداع وقد تناولت قرص مسكن واتجت تتمدد على الفراش وتنام مستسلمة لهذا الخمول الذى راودها
استيقظت صباحاً بارهاق وقد بدأت حرارتها تزيد وجسدها يرتعش ولكنها تحاملت على نفسها للعودة
نعم راودتها افكار سيئة عن حالتها التى تتمنى ان تكون عكس ما يهيئ لها
نزلت بعدما طلبت احداً يساعدها فى حمل الحقيبة التى لم تستطع حملها
ركبت السيارة واتجت الى المطار على الفور وهناك كان يعاملها الافراد بحذر عندما رآوا حالتها
كانت تشعر بالضيق والحزن لابتعادهم عنها وكانها شيئاً ملوثاً
تم صعودها على متن الطائرة فى كرسي منفصل بعيداً عن الركاب وقد بدأت مخاوفها تزداد وشكها يكبر داخلها
اقلعت الطائرة ونامت هى بعمق وقد ارتدت تلك الكمامة التى حصلت عليها فى المطار والتى لاول مرة ترتديها لذلك كانت تشعر بالحرج والحزن والوحدة
بعد اكثر من تسع ساعات وصلت الطائرة الى مطار القاهرة الدولي ونزلت سيلين بصعوبة شديدة بعدما ابتعد عنها جميع الركاب
نزلت بمفردها وقد لاقت هجوم فى المطار من بعض العاملين وقد جاء الاطباء يرتدون بذلات جلدية مانعة للعدوى وفجاة وجدت الجميع يعاملها بحذر ويأخذونها فى سيارة مجهزة الى مستشفي عازلة حيث سيتم فحصها وهى تنقاد خلفهم بعقل مشوش ضائع لا تعلم ماذا عليها ان تفعل
بعد ساعات قضتها هى في فحص واشعة تم التأكد من حالتها التى كانت حاملة لفيرس كورونا
اتجه الطبيب اليها يرتدى تلك البدلة الجلدية يردف بحذر وهو على مسافة مناسبة
سيلين هانم
للاسف حضرتك مصابة بفيرس كورونا اللى بيهاجم معظم البلاد حالياً
ووجودك وسط الناس فيه خطر كبير ونقل للعدوي
علشان كدة حضرتك لازم تتلقي العلاج المناسب وتفضلي تحت ملاحظتنا هنا بعيد عن اي اختلاط
انتابها شعور اليأس والوحدة والحزن بجانب شعور الألم والتعب واردفت
فيرس كورونا
يعنى هموت
هموت وحيدة