رواية وتيد ضي الجزء الرابع عشر 14 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الرابعة عشر “خلايا النحل وأسرار الغرفة الحمراء” ***** حين تمر الأيام في ركض العُمر، تولد من رحم التعب أجمل الحكايات. على مدار شهرين كاملين، تحولت الدار إلى خلايا نحل لا تهدأ؛ بين مطارق العمال، وألوان الطلاء التي اختارتها ‘الضيّ’ لتمحو بها رماد الماضي، وبين سهر الليالي وجهد الرجال.
لم يكن ‘كريم الهواري’ مجرد عريس يترقب ليلته، بل كان صقراً يبني عشه بدم الروح، يقسم وقته بين نداء الواجب الوطني بالنهار وسهر التأسيس بالليل. وفي وسط غبار التجديد، تولد الضحكات، وتُصنع المقالب، وتتشابك العيون بنظراتٍ أولى تعدُ بحبٍ جديد يلوح
في الأفق حتى إذا ما فُرشت الدار، وخلا الحبيبان في لحظة مشاكسة عذبة خلف الأبواب المغلقة، نطق القلب بوعوده المؤجلة، ليعلن أن المعركة القادمة ليست حرباً، بل ملحمة عشقٍ تاريخية لا تعرف الدموع! ***** “ملحمة الفراش.. ومشاكسات الصقر” مرت الأسابيع والشهرين وكأنها لمح البصر، تحول فيها بيت والدة كريم إلى ورشة عمل لا تنام.
كان كريم يعيش فترة هي الأعنف في حياته؛ بالنهار يرتدي بدلته الميري ويباشر خطورة واجبه الوطني في جهاز المخابرات، وفي المساء يتحول إلى مشرف عام يقف على رؤوس العمال، يتابع تفوير السباكة القديمة، ويجدد شبكات الكهرباء من الصفر، لدرجة أن ياسمين كانت تزور والدته سميحة باستمرار، وتجلسان معاً تشرفان على العمال وتتبادلان الضحك والقلش على كريم الذي كان يظهر أحياناً بملابس العمل والتراب يغطي كفيه.
نفذ كريم كل رغبات ضيّ بالملّي؛ دهن الحيطان بالألوان الدافئة الهادئة التي اختارتها بنفسها، واختار ديكورات جبسية كلاسيكية راقية تليق برقتها، حتى أصبحت الشقة تحفة فنية جديدة ومحترمة تماماً لتستقبل ملكة قلبه. وفي الجانب الآخر، لم تقصر ياسمين بأمومتها الفياضة ذهبت رفقة ضيّ ونرمين إلى شقة والد ضيّ القديمة، وفتحت الخزائن والغرف، واستخرجت “جهاز العروسة” الذي كانت والدة ضيّ الراحلة قد جهزته لها قبل وفاتها بحب وعناية.
قعدت ياسمين تفرز الحاجه قطعة قطعة بعين خبيرة، وتكتب في دفترها الصغير النواقص: ـ”بصي يا ضيّ يا بنتي مامتك الله يرحمها كانت جايبة حاجات تشرّف، بس ناقصنا شوية أطقم صيني ورفايع للمطبخ، والستائر والسجاد لازم يتجددوا” بناءً على اتفاقهما، باعوا جزءاً من الذهب الذي تركته لها والدتها لتكملة بقية الجهاز بأفضل الخامات، واحتفظت ضيّ بالجزء الباقي كذكرى وأمان.
ولم تكتفِ ياسمين بذلك، بل فاجأت ضيّ بهديتها الشخصية؛ حيث اشترت لها الأجهزة الكهربائية كاملة من مالها الخاص كأنها ابنتها التي تزيّفها لبيت زوجها، وسط دموع ضيّ وعناقها الحار لياسمين التي كانت تردد: “أنتِ أول فرحتي يا ضيّ، ومفيش فرق بينك وبين نرمين” وجاء اليوم الموعود والمعهود يوم نقل العفش وفرشه في الشقة بعد أن انتهت أعمال التشطيب بالكامل.
تحولت الشقة إلى ظاهرة من الفرح والمرح، حيث حضر أصدقاء كريم من الضباط الشباب لمساعدته في حمل الأثاث وتعليق التابلوهات والستائر، بملابسهم الكاجوال وجدعنتهم المعهودة. كان الجو مليئاً بالقلش والضحك والمقالب التي لا تنتهي. وقفت نرمين وضيّ في المطبخ لعمل المشروبات والقهوة للشباب، فقالت نرمين بخبث وخفة دم: “بقولك إيه يا ضيّ العريس بتاعك ده مسيطر قوي وشغال يوزّع أوامر بره كأنه في طابور عرض إيه رأيك نعمل فيه مقلب محترم؟
ضحكت ضيّ بقلق: “بلاش يا نرمين، كريم عصبي وهيقلب الليلة بره” “سيبك منه، تعالي بس! وفعلاً، أعدت نرمين فنجان قهوة مخصوص لكريم، وضعت فيه كمية محترمة من الملح بدلاً من السكر. خرجت ضيّ بالصينية وهي تبتسم بمداراة، وقدمت الفنجان لكريم وسط زحام الأصحاب.
أخذ كريم رشفة قوية وهو يتحدث مع خاله عن مكان تعليق النجفة، وفجأة تجمدت ملامحه، وتغير لون وجهه، وكاد أن يبصق القهوة، لكنه تماسك بصعوبة ونظر نحو المطبخ ليجد نرمين تموت من الضحك خلف الباب وضيّ تخفي وجهها بخجل. نظر كريم ل فنجان القهوة ثم التفت ل رجاله وقال بنبرة جادة مرعبة: “مين الواد الجدع اللي دخل المطبخ وحط إيده في القهوة دي؟ انفجر الأصحاب بالضحك، وصاح صديقه المقرب الرائد “مازن” “والله ما أنا يا باشا!
بس شكلها جبهة الهواري اللي اتمسحت على عتبة المطبخ! في وسط هذه الهيصة، كان مازن وهو ظابط وسيم ومرح ذو عينين صقريتين حادتين يقف مع عمال التابلوهات، وفجأة التقت عيناه بعيني نرمين وهي تخرج من المطبخ حاملة أكواب العصير. تجمدت نرمين في مكانها لثانية تحت تأثير نظرته الجسورة والممتلئة بالإعجاب، وارتسمت على شفتي مازن ابتسامة خفيفة تلمح بالاهتمام.
تكررت اللفلفة بالعيون والنظرات المتبادلة بينهما طوال الساعات القادمة؛ كلما تحركت نرمين لتوجيه العمال في رص التحف، كان مازن يتابعها بنظراته، مما جعل نرمين المرتبكة تقلب الأمور ببعضها، حتى لقطتها ياسمين وغمزت لها بذكاء الأمومة، وبدأ عهد جديد من العشق يلوح في الأفق بين الظابط الشهم والمشاكسة نرمين.
بعد ساعات طويلة من التعب، انصرف الجميع؛ العمال، الأصحاب، والأمهات، ولم يتبقَ في الشقة سوى كريم وضيّ بعد أن فُرش العفش بالكامل وأصبحت الشقة عروساً تتلألأ بأضوائها وديكوراتها الفاخرة. وقفت ضيّ عند باب الشقة، تلملم خصلات شعرها المتمردة بتعب دافئ، ونظرت لكريم وقالت بنبرة حاسمة تحاول فيها إخفاء نبضات قلبها المتسارعة: “خلاص يا كريم كده كل
حاجة تمام وكل حاجة اتفرشت ورجعت مكانها اتفضل بقى انزل عشان ماعدش ينفع تدخل الشقة تاني غير يوم الفرح يلا يا بابا بره! ابتسم كريم ابتسامته الجذابة، وخطا نحوها خطوات بطيئة وثقيلة جعلتها تتراجع تلقائياً إلى الخلف، وقال بنبرة هادئة ومشاكسة: “أنزل فين يا سيادة العروسة؟ لا طبعاً أنا نسيت حاجة مهمة جداً في أوضة النوم ولازم أدخل أجيبها بنفسي”
وقبل أن تمنعه، تجاوزها بخفة ودخل إلى غرفة النوم الرئيسية التي تفوح برائحة الخشب الجديد والبارفان الفاخر. تبعته ضيّ بسرعة وهي تصيح: “كريم! استنى هنا رايح فين؟ فتح كريم ضلفة الدولاب الكبيرة بجرأة، وفجأة وقعت عيناه على رص الملابس، فمد يده وسحب شماعة معلق عليها لانجري بلون أحمر ناري مثير ومولع، ورفعه في الهواء ونظر إليه بذهول وإعجاب شديد، ثم التفت ل ضيّ وقال بصوت عالي ضاحك: “الله! حلو الأحمر ده قوي
يا ضيّ إيه الشغل العالي ده؟ تسمرت ضيّ في مكانها، واشتعلت وجنتاها بحمرة قانية تجاوزت لون اللانجري نفسه من شدة الخجل الكاسح. اندفعت نحوه كالإعصار، وخطفت الشماعة من يده بعنف، وأعادت تعليقها في الدولاب بسرية، ثم أغلقته بقوة وصاحت بصوت مخنوق من الكسوف: “اطلع بره! أنت قليل الأدب بجد اطلع بره حالا! راحت تدفعه بيديها الصغيرتين في صدره العريض ليخرج، لكنه كان كالجبل الصامد لا يتزحزح، بل نظر إلى رص الهدوم في الدولاب
وقال بخبث وهو يقلد صوتها: “أطلع بره إيه بس؟ استني هنا بصي كده على هدومي وهدومك في الدولاب أنتِ رصّة هدومي وحش قوي وراصة هدومك أنتِ حلوة ومنسقة أنا بقول نعيد ترتيب الدولاب ده سوا من أول وجديد ونفرز قطعة قطعة! ضربته ضيّ بخفة على صدره وهي تكاد تموت خجلاً وقالت بصوت حاد متوتر: “اطلع بره يا خفيف! ده طنط سميحة مامتك هي اللي رصاهم بنفسها يعني الهدوم مرصوصة كويس جداً ومش محتاجة تاتش بتاعك يلا بره بقى!
ضحك كريم بصوت رجولي عالي هز الغرفة، وغمز لها قائلاً بلوعة وشغف: “بس بصراحة البتاع الأحمر المولع ده خطف عيني وأنا شفت ألوان تانية حلوة جوه أزرق وأسود ما تخليكِ كريمة وتفرّجيني عليه! غطت ضيّ وجهها بكفيها، وقالت بنبرة مستعطفة ممزوجة بالبكاء من فرط الكسوف: “أنا هعيط يا كريم منك بجد لو ما طلعتش دلوقتي حالا هقعد أعيط!
تقدم كريم منها، وأمسك كفيها بهدوء وأنزلهما عن وجهها المحتقن بالخجل، ونظر في عينيها بنظرة عميقة، حنونة، تقطر عشقاً ورومانسية بالغة، وقال بنبرة صوت دافئة ومنخفضة اخترقت شغاف قلبها: “لا.. لا يا ضيّ، إياكِ والعياط أنا عايزك تجمدي كده وتستعدي، مفيش عياط بعد انهاردة خلاص.. إحنا داخلين على ملحمة تاريخية، ملحمة مفيش فيها دموع ولا خوف فيها حب، وسعادة، ولاف لاف، وفيها أسرار كتير جداً هبقى أقولك عليها بعدين في وقتها”
ثم مال عليها قليلاً، وضحك بصوت عالي ممتلئ بالرجولة والمشاكسة وقال بخبث: “أقولك ليه نقول ونحكي؟ ما تيجي نطبق الكلام ده عملي دلوقتي إيه رأيك أشرح لك شوية من الأسرار دي؟ صرخت ضيّ بصوت عالي من الصدمة والكسوف: “كرييييييم! انفجر كريم بالضحك، وتراجع سريعاً وخرج يجري بره الشقة وهو يلوح لها بيده بانتصار ومحبة جارفة. وقفت ضيّ في وسط الشقة، تستمع إلى صوت الباب وهو يُغلق خلفه.
تنفست الصعداء، ووضعت يدها على قلبها الذي كان يدق كطبول الحرب، ونظرت حولها إلى أركان بيتها الجديد شقتها المحترمة، ألوانها، عَفشها، وأمانها الذي صُنِع بيدي هذا الصقر. ارتسمت على وجهها ابتسامة سعادة عريضة، واجتاحتها فرحة غامرة جعلتها تدور حول نفسها بحرية، مدركة أن أيام العذاب قد طويت، وأن ملحمتها التاريخية مع كريم الهواري ستكون أجمل فصول عمرها القادم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!