رواية وتيد ضي الجزء الثالث عشر 13 بقلم ياسمين الهجرسي وتيد ضيرواية وتيد ضي الحلقة الثالثة عشر “موكب الصقر وزغاريد الضياء” ***** “شماريخ في العشق.. وعهد الرجال” ثمة رجال لا يطرقون الأبواب خُفية، بل يأتون كالمواكب التي تهتز لها الأرض، يحملون قلوبهم على أكفّهم كرايات نصر.
في تلك الليلة، لم يكن الرائد ‘كريم الهواري’ يسير في زحام شوارع القاهرة كعابر سبيل، بل كان يسوق خلفه أسطولاً من الهيبة والنخوة، مشعلاً ليل المدينة بلهيب الشماريخ الحمراء التي تشبه اشتعال قلبه. وحين يلتقي صقر المخابرات بـ’الضيّ’ على عتبة الدار، تذوب الهيبة في محراب الخجل، وتتكلم الغمازات بنبضٍ يعجز عنه البيان.
في صالون ‘أبو نرمين’، رُسمت معالم الرجولة الحقة؛ عهودٌ لا تُشترى بالمال بل بالتقوى، وفاتحةٌ كُتبت بمداد الوفاء، لتتحول الدار إلى ساحة فرحٍ صاخبة تجمع بين وقار الكبار وجنون الأصحاب! ***** المنطقة بأكملها كانت على صفيح ساخن من البهجة لم يكن مشهداً عادياً؛ بل كان إعلاناً رسمياً عن قدوم “الهواري”.
اصطفت السيارات الحديثة خلف سيارة كريم في طابور طويل هزّ سكون الحي، واشتعلت الأجواء فجأة بصوت صواريخ الألعاب النارية التي شقّت السماء، بينما انطلقت الشماريخ الحمراء لترسم دخاناً كثيفاً بلون الشغف والنار، غطى الشارع بأكمله في لوحة سينمائية مذهلة. أصحاب كريم من ضباط العمليات والوزارة كانوا في استقباله أسفل العقار، يشغلون كاسيت السيارات بأعلى صوت على الأغنية الشهيرة: “أنا جيلك على البيت وبقولك إني شاريك”
ارتجت المنطقة بالتصفيق والتهليل، بينما كان كريم ينزل من سيارته بكل هيبته، مرتدياً بدلة كلاسيكية سوداء كأنها نُحتت لأجله، وبجواره والدته السيدة سميحة بكامل أناقتها وبشاشتها، ويرافقه اثنان من كبار عائلته (خاله وعمه) ليكونوا سنداً له في طلب يد أميرته. في الأعلى، كانت نبضات قلب ضيّ تُسمع من وراء جدران غرفتها. وقفت ياسمين وبجوارها زوجها الأستاذ جلال (أبو نرمين) ، رجل وقور تظهر على وجهه طيبة أهل مصر وأصالتهم.
رنّ جرس الباب، ففتحه الأستاذ جلال بنفسه بابتسابة عريضة تليق بمقام الضيوف: “أهلاً وسهلاً يا ميت مرحب بسيادة الرائد وحبايبه، خطوة عزيزة يا فندم” دخل كريم، وكانت يداه محملتين بأفخر أنواع الهدايا والشوكولاتة، ه خاله وعمه بـ”بوكيهات” ورد ضخمة. سلم كريم على الأستاذ جلال بقوة واحترام، وقبّل يد والدته السيدة سميحة التي سبقتهم بالداخل وهي تتبادل العناق الحار جداً مع ياسمين.
في تلك اللحظة، خرجت “ضيّ” من غرفتها كالحورية، ترتدي فستاناً رقيقاً بلون كريمي هادئ يُبرز جمالها الفطري. ما إن وقعت عينا كريم عليها، حتى تسمّر في مكانه؛ تلاشت هيبة الضابط الصارم، وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة أظهرت غمازاته الرجولية الجذابة، بينما غمزت له والدته بطرف عينها غمزات خفيفة كأنها تقول: “شُفت بقى اختيار أمك؟
تقدمت ضيّ بخطوات مرتجفة وهي تحمل صينية القهوة، وعيناها معلقتان بالأرض من فرط الخجل، لكنها لمحت بريق عينيه الذي يلاحقها بلوعة وشغف. اقتربت منه وقدمت له الفنجان، فهمس بصوت منخفض وعميق لم يسمعه غيرها: “مبروك عليا أنتِ يا ضيّ من انهاردة مفيش خوف” احمرّت وجنتاها بشدة، ونظرت إليه بنظرة خاطفة مشحونة برومانسية عذبة، ثم تراجعت لتجلس بجوار ياسمين وهي تتنفس بصعوبة.
بعد ترحيب حار وكلمات الود المتبادلة، تنحنح عم كريم وبدأ في الحديث الرسمي لطلب يد ضيّ. التفت الأستاذ جلال (أبو نرمين) نحو كريم، ونظر إليه بنظرة تقدير حقيقية وقال بنبرة صوت ممتلئة بالوقار والرجولة: “بص يا سيادة الرائد إحنا هنا في البيت ده بنشتري راجل، وعمرنا ما هننسى الموقف البطل اللي عملته مع بنتنا ضيّ أنت رجعت لها حقها، ووقفت جوز أمها الزفت ده عند حده وحميت عرضها.
وعشان كده، إحنا مالناش أي طلبات مادية لا بنتكلم في شبكة بكام، ولا مؤخر بكام طلبنا الوحيد والأساسي إنك تتقي الله فيها” التفتت ياسمين نحو ضيّ، وعيناها تلمعان بدموع الأمومة الصادقة، وتابعت كلام زوجها موجهة حديثها لكريم بنبرة حازمة لكنها دافئة:
ـ”أنا مش عايزة لضيّ أي حاجة في الدنيا قد ما تكون سعيدة ومبسوطة في حياتها معاك عايزك تتقي ربنا فيها وما تظلمهاش يا ابني ويوم ما تحس إن الحياة بقت مستحالة ما بينكم، أو زعلتها ولا قدر الله ده مش هيحصل تيجي تقولي أنا وتجيبها لي لحد هنا دي الغالية بنت الغالية” نظر كريم للأستاذ جلال ثم لياسمين، ووضع يده على صدره بكل شموخ وثقة وقال بصوت رجولي قاطع:
“حقكم عليا يا فندم، وكلمتكم دي فوق راسي من فوق ضيّ في عيني وفي قلبي، وأنا راجل مبظلمش، واللي يدخل حمايا بيموت دونها اعتبروا كأن كتابها اتكتب من اللحظة دي” ابتسم الأستاذ جلال بارتياح وقال: “على بركة الله.. نقرأ الفاتحة” ارتفعت الأيادي، وساد الصمت بخشوع تام في الصالون بينما كانت القلوب تتلو آيات الفاتحة بنية البركة والجمع.
ضيّ وكريم كانا يتبادلان النظرات طوال القراءة؛ عيناه كانت تقسمان لها بالأمان، وعيناها كانت تبوحان ببدء الانتماء. بمجرد إتمام القراءة، لم تنتظر نرمين ثانية واحدة؛ بدأت تسقف بحماس وخفة دم شديدة وهي تصيح بضحكتها المعهودة: “لولولولويييي! مبروك يا عريس مبروك يا ست البنات! أخيراً هفضى بالأوضة لوحدي! ضحك الجميع على قفشات نرمين وفي تلك اللحظة، فاجأ كريم الجميع وأخرج من جيب جاكيت البدلة علبة قطيفة فاخرة، وفتحها ليظهر طقم
دبل وخواتم كان قد أحضرها مسبقاً بثقته الصقرية. اقتربت السيدة سميحة من ضيّ، وأمسكت يدها بحنان، ثم نظرت لضيّ وقالت بنبرة ضاحكة وملاطفة: “بصي بقى يا حبيبتي يوم ما الواد كريم ده يزعلك بس، تيجي تقولي لي أنا فوراً وأنا بنفسي هملص لك ودانه دي! اعتبريني من انهاردة أمك وحبيبتك وأختك أنا لسه مش كبيرة في السن يعني ومفياش عجز، ما يغرّكيش شحططة الواد كريم وطوله ده! انفجر كريم بالضحك وهز رأسه قائلاً:
“ماشي يا أمي بقى بتبيعينى من أول دقيقة عشان خاطرها؟ ردت سميحة بانتصار: “طبعاً دي ضيّ الغالية! ما إن أُعلنت قراءة الفاتحة رسمياً حتى تحولت الشقة الضيقة فجأة إلى ساحة مهرجان صاخب! اقتحم الغرفة خمس أو ست بنات من زميلات ضيّ ونرمين المقربات (منة، رنا، سارة، مها، وهدير) واللواتي كنّ ينتظرن الإشارة خلف الباب.
انطلقت من أفواههن زغاريد مصرية حارة ومتتالية هزت جدران الشقة، وقامت الفتيات بتشغيل أغاني الفرح وبدأن في الرقص والتهيص حول ضيّ التي كانت تضحك من قلبها لأول مرة منذ سنوات. وفي تمام الساعة الثامنة والنصف، صعد أصحاب كريم من الضباط إلى الشقة بعد أن انتهت الجلسة الرسمية للكبار. امتلأ الصالون برجال العمليات الخاصة والمخابرات، وتحول الجو الوعر إلى بهجة رجولية عارمة.
وقف الأصحاب يصفقون بحماس، وشاركوا كريم الرقص على الأنغام الشعبية والشبابية، وسط أجواء من الضحك والهزار القوي بين كريم ورجاله الذين رددوا: “وقع الصقر ومحدش سمّى عليه! وسط هذه الهيصة، تم الاتفاق النهائي بين الأستاذ جلال وكريم على أن يكون كتب الكتاب والفرح في نفس اليوم، تماماً بعد شهرين من الآن، ليعطوا أنفسهم فرصة لتجهيز عش الزوجية الفاخر الذي يليق بملكة قلب الهواري.
انسحب كريم وضيّ قليلاً نحو الشرفة تحت حراسة نظرات نرمين المضحكة التي كانت تراقبهم وتغمز لهم. نظر كريم إلى ضيّ، وعيناه تلمعان بالشغف تحت أضواء الشماريخ التي ما زالت تضيء الشارع أسفلهم، وقال بنبرة شاعرية عميقة تليق بروح روايتنا: “بعد شهرين يا ضيّ هتقفلي وراكِ باب بيتي، ومن اللحظة دي أنا مش بس هكون جوزك، أنا هكون جيشك اللي بيحارب الدنيا عشان ضحكتك دي تدوم”
ابتسمت ضيّ، ولمعت عيناها بدموع الفرحة، وأدركت أن ليل الخوف قد انقضى، وأن فجر “الهواري” قد أشرق على عمرها للأبد. ***** وفي الجانب الآخر من العاصمة، حيث تسكن العقول الفارغة وتتحطم كبرياء النفوس المريضة، ساد صمتٌ خانق في صالون فيلا “مي” كانت تجلس بجوار والدتها وأبيها، وتمسك هاتفها بملل وعجرفة، تُقلّب في صفحات التواصل الاجتماعي كعادتها.
فجأة، تسمرت أصابعها، واتسعت عيناها بذهول جاحظ، وحُبست الأنفاس في صدرها وهي تطالع منشوراً رُفع تواً على الصفحة الرسمية لـ “كريم الهواري” كان المنشور يحمل صوراً حية من ليلة قراءة الفاتحة؛ صوراً تضج بالبهجة، والدخان الأحمر يلف المكان، وكريم يبتسم بغمازتيه الساحرتين وهو ينظر إلى “ضيّ” الحورية التي خطفت الأنظار برقتها وحشمتها الكريمة.
انتفضت مي من مكانها كالملسوعة، وجُن جنونها، وألقت بالهاتف على الطاولة بعنف وهي تصرخ بأعلى صوتها، وتخبط يداً بيد، وعيناها تطقا شراراً وغيرة: “شُفتوا؟! شُفتوا اللي أنا شُفته؟! أهو أعلنها رسمي وقرأ فاتحته عليها انهاردة! أنا قولت لكم! أنا قولت لكم من الأول إن في بينهم حاجة ومحدش صدقني! أنتم ما سمعتوش كلامي أنتم ضيعتوني أنتم السبب في كل اللي حصل لي!
التفتت نحو والدتها وراحت تصرخ في وجهها بنبرة حادة تخلو من كل احترام، وتلومها على خسارة كريم. هنا لم يعد للأب الوقار الصامت مكان وقف والد “مي” بكل حزم، وسار نحوها بخطوات سريعة وصارمة بعد أن طفح به الكيل من جنونها المستمر. قبل أن تكمل صراخها، قبّض على ذراعها بقوة وعنف أوقف حركتها وتشتتها، ونظر في عينيها بنظرة حادة كالسيف، وقال بصوت جهوري هزّ أركان المكان: “اسمعيني هنا كويس واخرسي خالص! أنتِ اللي دلوعة، وأنتِ اللي
مش متربية! الراجل لقى في “ضيّ” اللي ملقاهوش فيكِ، شوفي الفرق بنفسك بين فرحته الليلة دي وبين وشه يوم ما خطبك وقرأ فاتحتك! كان داخل على جنازة لأنك واحدة نكدية، وتحكمية، وفاكرة بجنانك وقلة أدبك هتكسبي الرجال! حاولت مي أن تقاطعه باكية، فشدد على ذراعها بقوة وقال بصرامة أشد: “أنتِ خسرتِ شاب زي كريم شاب بمليون راجل، وعمرك في حياتك ما هتقدري تعوضيه تاني! الظاهر إني كبرت في السن وما بقتش قادر أربيكِ،
أو انشغلت بشغلي وفلوسي وسبتك للمظاهر الكدابة! فوقي لنفسك واحترمي نفسك، وانسي كريم ده خالص من قاموسك أنتِ اللي خسرتيه بإيديكِ وعمايلك فهمتِ ولا لأ؟! ترك ذراعها بقوة جعلتها تتراجع للخلف خطوة وهي تبكي بقهر وانكسار، ثم التفت الأب نحو زوجته والدة مي ونظر إليها بوعيد واشمئزاز، وقال:
“عقّلي بنتك دي وشوفي لها صرفة لأن الراجل والشاب المحترم ما بيجريش ورا واحدة كل همها تروح النايت كلوب، وتلبس لبس مبتذل وعريان، وصوتها دايماً عالي في الرايحة والجاية، وتحاول دايماً تفرد سيطرتها عليه وتلغي شخصيته وكأنه ملوش كلمة! أخذ الأب نفساً عميقاً وعيناه تملؤهما حسرة على حال ابنته، وتابع بكلمات تضرب في مقتل وتلخص حقيقة كريم: “بنتك غبية والبنت الغبية بس هي اللي تستغل إن الراجل اللي قصادها أو شريك
حياتها بيستحي، وخجول، ومتربي بزيادة فمش عايز يهينها أو يكسر بخاطرها قدام الناس! كريم مكنش ضعيف، كريم كان راجل بيخجل من نفسه ومن رجولته إنه يهين ستاته أو يقلل من البنت اللي شايلة اسمه وبنتك ما قدرتش النعمة دي وافتكرت أدبه ضعف! جاتكم القرف انتوا سديتوا نفسي! استدار الأب بكل عصبية، وتحرك بخطوات ثقيلة غاضبة، ودخل إلى مكتبه وأغلق الباب خلفه بعنف، تاركاً مي ووالدتها في صدمة الصمت والندم الذي لن ينفع صاحبه بعد فوات الأوان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!