رواية نبضات الصخر الجزء الخامس والعشرون 25 بقلم هاجر سلامة نبضات الصخررواية نبضات الصخر الحلقة الخامسة والعشرون عاش معاذ طوال الأيام الثلاثة الماضية في سباق حقي ومميت مع الزمن. كان الموت العاطفي والجفاء الذي يلقاه من نايا ينهش في جسده وروحه، ولم يكن مستعداً للخسارة مجدداً.
منذ لحظة سقوط الورقة التي أعلنت كذباً أبوة الطفل الرضيع، تحول القصر إلى مقبرة للصمت. نايا لم تعد تنظر إليه، والتوأم “شاكر” و”فريدة” صاروا الجسر الوحيد البارد بينهما. كانت تغلق باب الجناح في وجهه كل ليلة، وإذا اضطرت للحديث في شأن العمل أو الأولاد، يكون صوتها جافاً كالثلج.
معاذ لم ينم. لم يأكل. جلس في مكتبه بالشركة حتى الفجر، وعيناه حمراوان من السهر والغضب والقهر. كيف يسمح بأن تنهدم إمبراطوريته التي بناها على الصدق بيد امرأة حقودة وورقة مزورة؟ بمساعدة “سليم” ورجاله المحترفين، تم وضع معمل التحاليل الطبي تحت المراقبة اللصيقة بالثانية. سليم لم يكن مجرد حارس، كان ظل معاذ الذي لا ينام. بدأوا بتفريغ كاميرات المعمل، وتتبع كل شخص دخل غرفة سحب العينات في اليوم المشؤوم.
وبفضل ذكاء معاذ وحنكته، استطاع سليم التسلل إلى السيرفر الإلكتروني للمعمل وكشف حركة تحويلات مالية ضخمة ومشبوهة دخلت لحساب “الدكتور مدحت”.. الطبيب المسؤول عن كتابة نتيجة الـ (DNA) الخاصة بالرضيع. المبلغ لم يكن بسيطاً. كان يكفي لشراء فيلا. والأغرب أن التحويل جاء من حساب وسيط، لكن سليم بتتبعه الرقمي وصل إلى الأصل: حساب باسم مستعار تابع لـ “ميرفت هانم” من داخل السجن.
معاذ ضرب الطاولة بقبضته عندما رأى الإيميلات. كانت بين سيرين والدكتور مدحت. رسائل باردة تحسبها كتبها شيطان: “استبدل العينة. خذ عينة الطفل الحقي، وضع مكانها عينة معاذ التي سرقناها من كوب الماء في الشركة”. خطة قذرة، لكنها محكمة. في منتصف ليلة عاصفة والمطر يضرب زجاج القاهرة، اقتحم معاذ وسليم واثنان من رجال الأمن الأشداء المكتب الخاص للدكتور مدحت داخل المعمل. كان الطبيب وحده، يرتب أوراقاً ويرتجف.
صُعق الطبيب المرتشي وقف برعب يحاول إخفاء بعض الملفات، ولكن معاذ تقدم بخطواته الثابتة الحازمة كالفهد، وضغط بقبضته الحديدية على مكتبه وتحدث: “انتهت اللعبة يا دكتور مدحت. التحويل المالي اللي جالك من الحساب السري بتاع ميرفت هانم من جوة السجن، والإيميلات المتبادلة بينك وبين سيرين عشان تبدل عينات الدم والـ (DNA)
بتاعتي بعينة أبو الطفل الحقي.. كل ده معايا وموثق برقم الحساب. قدامك ثانية واحدة. تمضي على الاعتراف الرسمي ده وتطلع النتيجة الأصلية الموثقة بختمك، أو وحياة حرقة قلب مراتي لأخليك تخيس في السجن بقية عمرك بتهمة التزوير والجناية! كان صوت معاذ منخفضاً، لكنه أثقل من صراخ. عيناه لا ترحمان. سليم أغلق الباب. الرجلان خلف الطبيب منعوا أي هرب.
ارتجف الطبيب وسقطت هيبته، وأمسك بالقلم ووقع على الإقرار والاعتراف الكامل بالخديعة تحت التهديد، وأخرج من خزنته السرية التقرير الطبي الأصلي المعتمد: “والله العظيم أنا ماليش ذنب. سيرين وميرفت هما اللي طبخوا كل حاجة وهددوني، والطفل ده ابن شخص تاني خالص ومش ابن سيرين كمان وسيرين سجلته باسم معاذ بالتزوير. أهو التقرير الأصلي اللي بيثبت إن نسبة التطابق بينك وبين الطفل هي 0%. يعني مش ابنك!
معاذ لم يبتسم. لم ينتصر. فقط أخذ الأوراق بيد مرتجفة من الغضب. ثلاثة أيام وهو يموت. ثلاثة أيام ونايا تنظر له كغريب. الآن فقط فهم معنى أن تتنفس. أخذ معاذ الأوراق الأصلية والاعتراف الموثق بختم المعمل والدولة، وركب سيارته وقاد بسرعة جنونية نحو القصر الفاخر، وقلبه يكاد يطير من الفرحة والشوق العارم لاستعادة ملكته. كان المطر يغسل زجاج السيارة، وهو لا يرى الطريق بقدر ما يرى عيني نايا عندما تعرف الحقيقة.
في ذات الوقت، كان الصالون السفلي للقصر مشحوناً بالتوتر. كانت سيرين تجلس بغرور وتضع رجلاً فوق الأخرى، وتطالب شاكر بيه بنقل ملكية جناح نايا باسمها لتقيم فيه مع رضيعها المزيف. كانت تتحدث كأنها صاحبة القصر بالفعل: “أنا أم وريث عيلة الشاكر من حقي أسكن هنا، ومن حق ابني يتربى بينكم.”
وكانت نايا تجلس على مقعد قريب، تبدو كالملكة الحزينة المنكسرة، تضم ابنها “شاكر” لكيانها بدموع صامتة وجفاء يقتل روحها. لم ترد على سيرين. لم يعد لها طاقة. قلبها مات من يوم رأت الورقة. شاكر بيه كان صامتاً، وجهه حجر. لا يصدق سيرين، ولا يستطيع تكذيب ورق رسمي بختم الدولة.
وفجأة، انشق الرواق عن دخول عاصف وقوي لمعاذ ومعه سليم. المطر كان يقطر من معطف معاذ. لم يتحدث معاذ، بل تقدم نحو سيرين وبكل حسم وقوة، سحب الرضيع من يدها برفق وسلمه للممرضة التي كانت واقفة مصدومة، ثم رشق ملف الاعترافات والتقرير الطبي الأصلي على الطاولة أمام عيون نايا وشاكر بيه وصاح بصوت جهوري مرعب زلزل أركان القصر: “اللعبة باظت يا سيرين! والأفعى الكبيرة ميرفت مش هتنفعك من جوة سجنها!
الدكتور مدحت اعترف بكل حاجة والشرطة برة مستنياكي بتهمة التزوير، وانتحال الصفة، وابتزاز عيلة الشاكر! الصالة كلها تجمدت. شاكر بيه فتح المغلف بيدين ترتجفان. قرأ. ثم رفع عينيه إلى معاذ. لم ينطق. فقط أومأ برأسه. براءة. صعقت سيرين وشحب وجهها لدرجة الموت، وتراجعت للخلف وهي تتلعثم برعب: “لأ.. لأ مش ممكن! أنت عرفت إزاي.. أنا..” لم تكمل.
ركض سليم ورجال الشرطة الذين كانوا ينتظرون خارج البوابة بأمر من معاذ، وقيدوا سيرين وتم سحبها برة القصر تماماً للفضيحة والسجن المؤبد. كانت تصرخ وهي تُسحب: “مؤامرة! أنتم كلكم ضدي! ” لكن أحداً لم ينظر إليها. ساد صمت ثقيل لثواني. ثم انفجرت نايا.
ارتمت نايا في أحضانه بقوة وعنف جارف، ودفنت رأسها في عنقه وظلت تبكي فرحاً وأماناً استعادته بالكامل. كانت تبكي على الأيام الثلاثة التي ماتت فيها، على الشك الذي كسرها، على الخوف من أن تخسره. ضمها معاذ إلى صدره العريض بكل ما أوتي من قوة وثبات، وظل يقبل رأسها وعينها وشفتيها بفيض من الشوق العارم الذي لم ينطفئ يوماً. كان يهمس باسمها فقط: “نايا.. نايا.. أنا عمري ما خنتك. والله ما خنتك.”
شاهد شاكر بيه الموقف بابتسامة حنونة وفخر، وأخذ التوأم الصغير وصعد بهما ليعطي العشاق فرصة للاحتفال بانتصار حبهم الأسطوري. حمل معاذ نايا بين ذراعيه برفق وصعد بها إلى جناحهما الملكي، وأغلق الباب ليعود الأمان الكامل والبهجة. الجناح كان بارداً من الغياب، لكنه الآن امتلأ بدفئهما. جلس بجانبها على السرير، ومسح دموعها بإبهامه،
وتحدث: “عادت الملكة لعرش قلبي.. وانتهت كل عواصف الماضي للأبد يا نايا. بكرة مستشفى ثريا الخيري هيتفتح، وهنبدأ عصر جديد مع أولادنا مبني على الصدق والعشق الصافي الذي لا يهتز بأي ريح.” نايا رفعت وجهها إليه. كانت عيناها متورمتان، لكن فيها نور لم تره منذ أيام. وضعت يدها على صدره حيث ينبض قلبه بجنون، وقالت بصوت مبحوح: “أنا آسفة.. شكيت فيك. الخوف خلاني أصدق إنك ممكن تبعد.”
معاذ أمسك يدها وقبلها: “الخوف طبيعي بعد كل اللي شفناه. بس أنا درعك. وعد. ومفيش ورقة في الدنيا تهز وعد راجل بيحب مراته لروحه.” انحنى معاذ وقبل شفتيها قبلة طويلة ومفعمة بالحب الأبدي، قبلة فيها اعتذار، فيها شكر، فيها وعد أن لا يترك يدها أبداً. ضمها لصدره بقوة حتى غطت في نوم عميق وآمن على صدره، لأول مرة منذ ثلاثة أيام.
خارج الجناح، كان القصر يتنفس من جديد. التوأم يضحكان مع جدهما. الحراس يتبدلون وردياتهم بهدوء. والمطر توقف. انتهت ليلة المؤامرة، وبدأ فجر الغفران. غداً سيفتح مستشفى ثريا أبوابه، وغداً ستبدأ عائلة الشاكر فصلاً جديداً لا يحكمه إلا الحب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!