رواية ناردين والغريب الجزء الخامس 5 بقلم بسمة هلوان ناردين والغريبرواية ناردين والغريب الحلقة الخامسة روّحت للبيت على الساعة 3، كان العصر قرّب يؤذن، وبمجرد ما دخلت قلت اسطوانتي المعتادة بصوت عالي وأنا بمثل العياط بطفولية وأنا بسند ضهري على باب الشقة بعد ما قلعت الكوتشي: ـ آه يا “سارة” ضهري وكتافي.. عاوزة آكــــــــــل!! ماعدتش ثواني لقيت “سارة” و”آلاء” طالعين من أوضة الضيوف، قلت باستغراب:
ـ كنتوا بتعملوا ايه في الأوضة؟ أنتوا ماحضرتوش الغداء؟ دا دور “سارة” النهاردة. كانت “سارة” بُقها مفتوح وهي بتضحك بإحراج و”آلاء” متجمدة من الإحراج ودي مش عادتهم.. ودّيت نظري ناحية أوضة الضيوف.. يا رب ما يكون اللي بفكر فيه صح!!! قمت من مكاني ورا الباب بسرعة لما لقيت “بسملة” طلعت من أوضة الضيوف، بصت لهم بصدمة وشفايفي بتتحرك مش عارفة أطلع جملة مفيدة من صدمة إنه سمعني! كان واقف على باب الأوضة وبيبتسم بإحراج وبيقول:
ـ ازيك يا آنسة “ناردين”؟ إحراج ايه؟ دا المفروض أنا اللي أتكسف من نفسي! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قعدنا في الأوضة وأنا قاعدة معتدلة وبفرك في إيدي ومش عارفة أفتح الكلام، كان “آلاء” و”سارة” خرجوا بحجة إنهم بيجيبوا حاجات من المطبخ وسابوني معاه ومع “بسملة”. كان ملاحظ ردّ فعلي وقال بيحاول يفتح موضوع: ـ كان المفروض ترتاحي النهاردة، بس واضح إنك كنتِ برة لمدة طويلة. حرَّكت راسي
وقلت وأنا في قمة ارتباكي: ـ أ.. اه، كان ورايا شغل مهم تاني. همهم بتفهم وبعدين شاور على “بسملة” اللي كانت قاعدة جنبه بهدوء: ـ كانت عاوزة تشوفك النهاردة، أصرّت إنها تيجي لك مخصوص. لما بصيت ليها ولاحظت هدوءها وهي مش سامعانا حبيت أدخلها في الحوار فبدأت أشاور لها وبقول بالإشارة: ـ كنتِ خايفة عليَّ؟ حرّكت راسها بـآه وهي بتشاور بضيق: ـ كان لازم تهتموا بنفسكم أكتر من كدا، ازاي الحرامية قدروا يخدعوكم؟ هو أنتم أطفال؟
كان “موسى” مش فاهم فسألني بنظراته باستفهام فقلت له وأنا فاتحة عيني بصدمة: ـ دي بتهزقنا! عقد حاجبيه باستغراب وبص لـ”بسملة” اللي كانت غضبانة وربّعت إيديها باستياء فهو كتم ابتسامته على رد فعلها وبعدين قال لي: ـ الحقيقة فيه موضوع تاني عاوزة أكلمك فيه. لما شفت جدّيته ركزت معاه.. وسمعت بانتباه كل كلمة قالها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بعد مرور 15 يوم..
فضلت على تعليمي لـ”بسملة”، وكان فيه درس إضافي كمان، “موسى” طلب مني إني أدرَّبها على الحفلة اللي هي هتقدمها في سنتها التانية في المدرسة، كنت مبسوطة إن فيه مدرسة بتقدر الموهبة حتى بالرغم إن “بسملة” بكماء. وأخيرا موعد الحفل كان بكرة الصبح، قلت لـ”بسملة” بالإشارة: ـ خلصنا التدريب، جاهزة تقفي على المسرح؟ كانت في قمة حماسها وهي بتحرك إيديها وبتشاور وبتحكي لي بسرعة عن اللي هي هتعمله، ابتسمت غصب عني على حماستها، لحد ما قالت:
ـ عاوزاكِ تيجي معايا. آجي معاها؟ للمدرسة؟ حسيت بالارتباك من مجرد الفكرة، بس هديت وأنا بحاول أقنعها بابتسامة: ـ مش هينفع، ورايا شغل تاني، بابا هيبقى يروح معاكِ. لقيتها متضايقة وهي بتبص لي وبتشاور برجاء: ـ الشغل أهم مني؟ لازم تيجي معانا. ارتباكي زاد وأنا مش عارفة أرد عليها أقول ايه، سمعت صوت فجأة: ـ كلامها صح، لازم تيجي معانا. لفيت راسي بفزع بس هديت لما لقيته “موسى” واقف بهدوء، رحت رديت عليه وقلت:
ـ بس ورايا شغل وماقولتهمش إني هغيب بكرة. قعد يفكّر وبعدين قال: ـ كلميهم دلوقتي وشوفي ردهم ولو ماوافقوش هحاول أقنعهم. ارتبكت بس استسلمت لطلبهم وفتحت الفون، رنيت على “نورين” وفتحت الاسبيكر وقلت: ـ ازيك يا “نور” عاملة ايه؟ ـ الحمد لله يا قلبي، فيه حاجة نسيتيها في الشغل ولا ايه؟ نفيت وأنا بقول بسرعة وببص لـ”موسى”: ـ لا مفيش حاجة، كنت بس عاوزة أستأذنك في بكرة، مش هقدر آجي. ـ ليه يا “ناردي”؟ خير؟ حصلت حاجة؟ وضحت لها
الموضوع علشان ماتفهمش غلط: ـ فاكرة “بسملة” اللي حكيت لك عنها؟ هروح معاها ومع أستاذ موسى لحفلة تبع مدرستها.. ماكملتش كلامي رحت لقتها بتتكلم بسرعة ودهشة: ـ “موسى” اللي وقع في المياه ومسكتِ إيده؟ روحي معاه، هو الموضوع اتطور؟ أستنى دعوة الفرح ولا ايه؟
كانت بتقول الجملة الأخيرة بخبث وأنا رفعت وشي بسرعة أبص على “موسى” اللي لفّ جسمه كله بسرعة علشان ماشوفش رد فعله، كنت هموت من الكسوف وقفلت الاسبيكر وكلمتها والكلام بيخرج بالعافية من كتر ما قلبي بيدق: ـ طب سلام سلام. قفلت في وشها ووشي احمرّ واحنا كل واحد فينا باصص في ناحية، و”بسملة” في النص مش فاهمة حاجة، حطيت إيدي على وشي اللي سخن بصورة غير طبيعية. وكنت مرتبكة فلما لفيت لقيته لفّ برضه في نفس الوقت وكان الموضوع كالآتي:
ـ أمم! ـ ااا.. ـ خلاص قول أنت الأول.. ـ لا قولي أنتِ الأول.. اتفضلي. عدلت من حجابي بارتباك وكنت حاطة نظري في الأرض وقلت: ـ أ.. أنا لازم أمشي دلوقتي. وافق براسه بسرعة وهو بيقول بيكبت ارتباكه: ـ مع السلامة. يا أرض انشقي وابلعيني! أنا لو مُت النهاردة هكون راضية تمام الرضا إن ربنا نجدني!
خرجت بسرعة من الشقة ووقفت تاكسي النهاردة لأني مش حِمل تعب المواصلات، قلبي ماوقفش دقّ بسرعة من ساعة ما ركبت التاكسي، هدّيت تنفسي ورنيت تاني على “نورين” علشان أهزقها على اللي عملته! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ جِه يوم الحفلة، لبست أحلى حاجة عندي، كان فُورمال بس أنيق في نفس الوقت، أنا عادةً مش بحب الفساتين والأڤورة فلبسي كله فورمال.
كانت سُوت لونها رمادي مع قميص أبيض وجيبة واسعة رمادي، مع طرحة بيج. وصلت للعمارة كانوا بيقولوا مستنييني تحت في العربية، “بسملة” و”موسى”.. ركبت أنا و”بسملة” ورَا زي آخر مرة ركبت فيها العربية، وأنا تقريبا اتعافيت من موقف امبارح! تقريبا. عدى الطريق من غير ولا كلمة، لحد ما وصلنا المكان، كان فيه أولياء أمور كتير، وقبل ما تروح “بسملة” المسرح علشان تجهز لتقديم المسرحية شاورت لها بدعم وابتسامة وأنا بنزّل نفسي لمستواها:
ـ عاوزاكِ تبقي في أحلى حالاتك، هصوَّرك. لقيتها ضحكت لي وبعدين قالت بثقة: ـ أنا دايما حلوة. ضحكت وبعدين سابتني ومشيت، وأنا اتحركت بارتباك ورا “موسى”، كنت ملاحظة إن ناس كتير بتبص له وفيه أطفال خايفين، للدرجة دي؟ علشان مختلف؟ ليه الناس بيخافوا من كل ما هو مختلف؟ يعني فقد إيده وضحى بنفسه، وفي الآخر دا اللي يلاقيه من الناس؟ نظرات الخوف والاستغراب اللي بيتحول لاشمئزاز؟
كنت متضايقة من نظراتهم، بس في النهاية قعدنا في المقاعد بتاعتنا قدام المسرح، المقعدين كانوا جنب بعض بس علشان كُبار ففيه فاصل كويس ما بينهم. قعدنا واستنينا بداية العرض. بعد دقايق كانت “بسملة” أول واحدة خرجت، وبدأت تتكلم بلغة الإشارة، كان فيه شاشة وراها بتكتب الكلام اللي هي بتقولُه للناس التانية، بس أنا كان
نظري كله عليها.. ومبتسمة بنظرة حب، نظرة فرحة إن دا نتيجة تعليمي.. اتشجعت وبقى لها لغة تتواصل بيها مباشرة مع الناس اللي يفهموها. كانت مبتسمة بثقة لدرجة خلتني أستغرب، أنا لحد الآن مش متعودة على ذكاءها أو ثقافتها، كأنها كبرت قبل أوانها بكتير، بس لا زال فيها سمات الطفولة.. أكيد مش زي براءة الأطفال التانية، ولا بإزعاجهم.
وصلت لآخر فقرة لتقديم المسرح وهي بتشكر اللي دعموها، كانت باصَّة لي وهي بتشاور بكلمة خارجة عن النص المكتوب في الشاشة.. كلمة علمتها لها بكل حب.. (إيكادولّي) .. واللي معناها (بحبك) اتأثرت وأنا ببلع ريقي والكل بدأ يسقَّف لها، سقفت لها وأنا بنادي باسمها بفرحة، وبصيت جنبي لـ”موسى” اللي كان قابض على إيده بقوة كأنه بيعذب نفسه، فهمت ليه بيعمل كدا.. علشان حاسس إنه عاجز.. عاجز حتى إنه يسقف لبنته على اللي عملته النهاردة بشجاعة.
بصيت ليه وهمست بكلام ماحدش سمعه غيره وأنا ببتسم: ـ السقفة مش الحاجة الوحيدة اللي هتوصل لها بيها فرحتك، بطّل تحسس نفسك إنك عاجز. كملت ضحكتي وأنا ببص لـ”بسملة”، ومالاحظتش نظرته ليّ بعد ما قلت كلامي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أخيرا الحفلة خلصت، وكان دا آخر يوم مُتفق عليه في تعليم “بسملة”، والمفروض إني مش هروح لها تاني خلاص بعد ما أروح النهاردة، لما وصلنا لمكان الشقة حضنتها جامد وبعدين شاورت لها بحب: ـ ابقي تواصلي معايا على الواتس بقى، هتوحشيني. مسكت طرف الجيبة وهي بتوقفني علشان مامشيش بعيد عنها، لاحظت على عينيها الحزن وهي بتبص لي بعدم رضا، وكأنها مش متقبلة إني همشي، ولا أنا كمان! الشهر اللي فات قعدت معاها أكتر ما قعدت مع صحابي حتى،
شاورت لي: ـ مش هتيجي تاني؟ طبطبت على راسها وقلت بعد ما لعبت في شعرها: ـ هبقى أزورك في المدرسة أكيد. ابتسمت لي برضا المرة دي وهي بتوافق بسرعة، اتعدلت في وقفتي وبعدين قلت لـ”موسى”: ـ مع السلامة يا أستاذ “موسى”، ماتنساش تنقل سلامي لأم عاطف. كان هادي وهو بيبص لي، ماردش على كلامي غير بهزة راس خفيفة، الموبايل بتاعي رنّ فجأة، ففتحته وأنا بلف وشي وبرد على “سارة” بابتسامة: ـ أيوة يا “سارة”؟ أنا جاية في الطريق أهو.
ماتوقعتش نبرة الصوت المرعوبة وهي بتقول بعياط: ـ “ناردين” الحقيني! .. الشقة بتولَّع و”آلاء” لسة جوة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!