تحميل رواية «متى تخضعين لقلبي» PDF
بقلم chimaa youssef
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اليوم هو يوم عطلتها..... استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتيًا من خارج غرفتها، تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها ألا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى فهو مقيم في المنزل ما يقارب الأربع وعشرون ساعة، وبالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يتسنى لجسدها الارتياح قليلًا ألا أنها تكرهها بسببه!!.... شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا!، كانت كل صرخة تخرج منه...
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الاول 1 - بقلم chimaa youssef
اليوم هو يوم عطلتها.....
استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتيًا من خارج غرفتها، تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها ألا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى فهو مقيم في المنزل ما يقارب الأربع وعشرون ساعة، وبالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يتسنى لجسدها الارتياح قليلًا ألا أنها تكرهها بسببه!!....
شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا!، كانت كل صرخة تخرج منه مقتحمة أُذنها تشعر بأنها مرت أولًا على قلبها تاركة به ندبة دائمة لا تزول... تنهدت بألم مرة أخرى تتمنى لو أن لها منزل خاص، لو تستيقظ ذات يوم فتجد كل تلك التقاليد العقيمة قد اختفت فجأة فتستطيع التحرر من قبضته والاستقلال بعيدًا عنه، التقطت أذنها اسمها يُلفظ من قبل والدتها فعلمت أن كل سخطه الأن سيتحول إليها، تنهدت بألم للمرة الثالثة على التوالي تستعد لاستقبال ما لا يسرها كالعادة، بينما تحدثت والدتها برجاء تستجديه :
-ماشى يا عبد السلام.. بس وطى صوتك شوية ملهوش لازمة زعيقك ده.. خلينا نتكلم بالراحة.. وبعدين حياة نايمة جوة سيبها تنام شوية النهاردة أجازتها..
صاح بها بصوت يرج أركان المنزل من قوته :
-متقوليييش وطي صوتك أنا حر اعمل اللي أنا عايزه.. اللي عايز ينام هينام في الطبل.. الساعة كام والهانم اللي أنتِ خايفة منها لسة نايمة!..
تنهدت آمنة يائسة تعلم أنه لا سبيل للنقاش معه بهدوء :
-أنت عايز منها إيه.. النهاردة أجازتها من الشغل وده اليوم اللي بتنام فيه سيبها ترتاح شوية!..
عقد عبد السلام حاجبيه معًا وهو لايزال محافظًا على نبرته الساخطة بصراخ :
-ايوة ياختي دلعيها مانتي عينوكى المحامي بتاعها.. وبعدين محدش قالها تشتغل.. هو أنا كنت مستفاد إيه من شغلها ده.. مبتصرفش عليا منه ومش بتحوش يبقى تقعد أحسن..
هزت آمنة رأسها بحزن قبل أن تجيبه ونبرة الضيق ظاهرة عليها :
-يا حول الله يارب.. أنت عايز منها إيه ماهي شايلة نفسها بنفسها ومبتطلبش منك حاجة وكل اللي عايزاه بتجيبه لنفسها ده غير دراستها مش مكلفاك حاجة.. وأي حاجة بتحتاجها بتجيبها على طول.. عايز إيه تاني ناقص تحاسبها على اللقمة اللى بتأكلهالها يا عبد السلام!!!..
اهتزت نبرته قليلًا ولكنه عاود الحديث بنفس السخط :
-أنا مش عاوز منها.. بس أنا خلاص الحمل تقل عليا.. أنا مش هفضل اصرف عليهم طول عمري.. وعشان يكون في علمك أنا مش هصرف على جوازة حد تاني.. اللي عايز يتجوز يحوش ويجوز نفسه كفاية عليا قاعدة لدلوقتي.. أنتِ أهلك رموكي عليا من وأنتِ عندك ١٨ سنة وبتك أهي عدت ال٢٥ ولسة قاعدالي!..
قالت آمنة باستحقار جلي :
-إيه اللي أنت بتقوله ده!!.. أنت بتعاير بنتك عشان لسة لحد دلوقتي متجوزتش يا عبد السلام!! وبعدين انت بتصرف علي مين؟!.. ما هي شايلة نفسها بنفسها والتانية متجوزة وبعيدة هي وجوزها حتى الولا شايل نفسه وأنا بشتغل!!.. أنت شكلك كبرت وخرفت.. عيب عليك لو حد سمع الكلام ده يقول إيه!.. وبعدين أنا أهلي مرمونيش على حد أنت اللي حفيت ورايا سنين وياريتني ما كنت وافقت!..
لم يجد ما يجيبها به بعد تلك الجملة فتحرك بنفاذ صبر للخارج مدعي العصبية صافقًا الباب خلفه بقوة.
بينما كانت حياه تستمع إلى كل ذلك الحديث شاعرة بأن كل حرف يتفوه به كالرصاص يستقر بقوة داخل قلبها ليحدث به ضرر دائم من أقرب رجل إليها، من بطلها الأول وسندها في تلك الحياة والدها!!....
مسحت دموعها بكف يدها قبل أن تقرر النهوض فأمامها يوم طويل عليها قضاءه، تحركت للخارج تُلقي تحية الصباح على والدتها بحب، فبرغم كرهها لكل ما يحدث في ذلك المنزل وأكثرهم ضعف والدتها وقلة حيلتها إلا أنها كانت الأقرب إليها، ابتسمت لها آمنة تسألها بحنان :
-حياة هتفطري ولا زي كل يوم ..
أجابتها حياة بقلب مثقل ف ذكرى كلمات والدها لازالت تترد داخل أذنها بقوة :
-لا يا ماما.. مليش نفس يادوب استغل اليوم في إني اروح الجامعة أستلم شهادة الماجستير ولقابل محمود واشترى شوية حاجات نقصاني وأحضر لاجتماع بكرة.. عندي إجتماع مهم جدًا في الشركة وعلى أساسه هتتقرر ترقيتي.. ادعيلى والنبي يا ماما ربنا يكرمني فيه واترقى..
عقدت والدتها حاجبيها معًا بقوة بعد دعواتها لها بالتوفيق فعلمت حياة مصدر قلقها، لذا سألتها بخفوت تعلم الإجابة مسبقًا :
-ها يا ماما.. في إيه بس..
اندفعت آمنة في الحديث فور سؤالها :
-أنتِ عارفة يا حياة في إيه كويس.. والله يابنتي لو عرف بموضوع محمود هيخرب الدنيا فوق دماغنا كلنا.. ما توافقي يا حياة وتريحي قلبي وتريحيه..
ثم اقتربت منها تمسح على شعرها بحنان وهي تُضيف :
-يابنتي من زمان قالولنا خدي اللي بيحبك.. وهو مش بس بيحبك ده بيموت في التراب اللي بتمشي عليه عايزة إيه تاني بقى؟!..
حدجتها حياة بنظرة استنكار قبل التعليق على حديثها :
-ماما حب إيه اللي بتتكلمى عليه!!.. أنتِ بجد مصدقة!!.. ده إنسان اتشال قلبه من مكانه من زمان واتحط بداله حجر وياريت حجر ده حتى الحجر ممكن يلين لكن ده لأ!! وكمان احنا مش قرينا فاتحة مع محمود امبارح وخلاص.. فاضل إيه تاني؟..
أجابتها آمنة بلهفة يشوبها الكثير من القلق :
-باقي أنه مش هيستخبى.. هيعرف يعني هيعرف ده جواز.. ومفيش جواز بيدارى.. ووقت ما يعرف هيهد الدنيا علينا.. ده كل ده مستنيكي يا حياة.. استناكي تكبرى وبعدها استناكي تتخرجي وأخر حاجة تخلصي الماجستير بتاعك وهو صابر علينا وساكت لو كان الموضوع فيه حد غيرك مكنش سكت كل ده أبدًا ولا كان استحمل دلعه عليه كده.. ميغركيش سكوته يا حياة أنا أدرى واحدة بيه لو صبره خلص هيحرقنا كلنا وأولهم محمود..
ارتعشت حياة داخليًا من حديث والدتها فهى تعلم جيدًا إنه لا ينتمى لعالم الإنسانية، هو فقط مخلوق بدون قلب، نسى مصطلح الرحمة منذ زمن طويل، ويبدو أن لا مجال لتذكرها مرة أخرى...
ولكنها لن تتزوجه، حتى لو كان أخر شخص على وجه الأرض لن تتزوجه فالموت أفضل لها من معاشرة إنسان دون قلب، لن تخرج من سجن والدها لتدخل سجن وحش لا يعرف معنى الرأفة!، حاولت طمأنة والدتها بشيء هي شخصيًا تفتقده :
-سبيها على ربنا وربنا يستر المهم بس ميعرفش حاجة وخلاص..
كانت على وشك توديع والدتها عندما رأتها تلتقط حقيبة يدها وتستعد للذهاب معها، فسألتها حياة مستنكرة :
-ماما! أنتِ رايحة فين؟..
تنهدت أمنه بنفاذ صبر :
-هكون رايحة فين يا حياة يعنى.. مانتِ عارفة!.
زفرت حياة بحنق مُبدية اعتراضها :
-يا ماما كفايه بقى.. الله يخليكي ابعدي عنه واقعدي وكفاية كده..
أجابتها آمنة في حدة :
-أقعد ازاي يا حياة!!.. مانتِ عارفة كويس اللي فيها!! عايزاني اسيبله الشغل عشان ينفذ تهديده ويسجن أبوكي!..
اجابتها حياة والكره يمليء نبرتها :
-أيوة سبيه.. أنتوا اللي بتدوله الفرصة يتحكم فيكم ويوصل للي هو عايزه لما بتوافقوا على ابتزازه ده.. لو كلكم بتفقوا قدامه وتقولوله لأ بعلو صوتكم مكنش عرف يتحكم فيكم بالشكل ده!..
قاطعتها آمنة بتأنيب واضح :
-أنتِ بتقولي كده بس عشان أبوكي ميهمكيش.. لو كان بيضغط عليكي بحد مهم كان زمان رأيك اختلف..
اطرقت حياة برأسها للأسفل خجلة تقر داخلها بصحة حديث والدتها حتى لو لم تعترف بذلك، فمن أكثر الأشياء التى تمد فريد رسلان بقوته هي قدرته على معرفة نقط ضعف من أمامه ثم استخدامها ضده دون رحمة حتى يخضع لطلباته، وهذا ما فعله مع والدتها فهو يعلم جيدًا أن حياة لن تهتم بما يصيب والدها لذلك تحول تهديده إلى من يهتم لأمره، اللعنة عليه لو فقط يعلم كم تمقتة وتحتقره.
*****************
تحركت حياة للخارج بجانب والدتها فرأت محمود واقفًا ينتظرها عند مقدمة الشارع، ابتسمت بخجل وهي تراه ينظر لها بأعجاب واضح...
فقد كانت حياة فتاة عادية قصيرة القامة ذو جسد ضئيل ولكن متناسق بشكل مغري، ذو بشرة حنطية ناعمه ووجه مستدير تزينه ملامح صغيرة بعيون سوداء فاحمة وأهداب طويلة للغاية، وشعر ناعم نسبيًا كثيف يماثلها في السواد...
وكانت أيضًا مثل جميع الفتيات تمتلك جمالها الخاص الذي يُميزها عن غيرها، وأهم ما كان يميز حياة إلي جانب شخصيتها الأنثوية الرقيقة للغاية والمتناقضة ما بين القوة والحساسية هي نظرة عينيها، فقد أنعم الله عليها بنظرة عين حالمة تجذب الجميع إليها، وكم سمعت عبارات كثيرة ما بين المتعجبة والحاسدة لتلك النظرة!....
تقدم منها محمود يلقى التحيه بأدب على والدتها أولًا ثم خصها بالحديث متسائلًا :
-حياة.. جاهزة؟..
اومأت له برأسها موافقة قبل ان تودع والدتها ويذهب كلَا في طريقه.....
كان محمود موظف شئون الطلبة في الجامعة التي تدرس بها يكبرها بأربع سنوات وذو شخصية حنونة مستقيمة وهذا بالظبط ما دفع حياة للقبول به، لم تكن علاقتهم مبنية على قصة حب، فقد اقتصر تعاملها معه على دراستها فقط حتى فوجئت به في إحدى الأيام يطلب منها موعد رسمي لمقابلة والدها وطلب يدها وبناءًا عليه وافقت، لم تدرى أهو عنادًا بوالدتها التى ارتعدت أوصالها بمجرد سماعها خبر طلب شخص أخر خطبتها، أو تحديًا لذلك المتجبر الذي يخشاه الجميع وينتظرها، أم عنادًا بشخصها...
كل ذلك ليس مهم، المهم أنها وافقت وأن محمود شخص جيد يعاملها بحنان افتقدته من بطلها الاول....
وصلا إلى حرم الجامعة فالتقت بصديقتها مريم تنتظرها بتأفف :
-إيه يابننننتى أتاخرتى لييه بقالي ساعة مستنياكي..
ثم التفت إلي محمود تلقى عليه التحية باقتضاب فانسحب من بينهم متمتمًا :
-حياة.. أنا هروح اخلصلك الشهادة وارجع على طول مش هتاخر..
اومأت برأسها له موافقة :
-تمام وأنا ومريم قاعدين هنا لحد ما تخلص..
تحرك على الفور يصعد الدرج عندما التفتت حياة تؤنب رفيقتها :
-يابنتي في إيه مالك؟.. مش طايقة محمود ليه؟..
أجابتها مريم بصدق :
-بصراحة يا حياة دمه تقيل.. وبعدين مش حاساه لايق عليكي خالص.. يابنتي ادى لنفسك فرصة تحبي وتتحبي.. ليه قافلة على نفسك كده؟.. حرام تتجوزي من غير حب ولا مشاعر..
نظرت إليها حياة بجفاء :
-مشاعر إيه وكلام فارغ إيه!! الحياه الواقعية مفيهاش الكلام ده.. وبعدين مش يمكن أحبه بعد الجواز؟!.. مادام هو شخص كويس ومتفاهم مش هحتاج أكتر من كده.. وبعدين يا فيلسوفة عصرك أنا مفطرتش لدلوقتي..ممكن تسيبك من نصايحك دي وتيجى نشوف أي حاجة اكلها..
هزت مريم رأسها بيأس وهي تدفعها للأمام :
-اتفضلي.. أنا مش عارفة أنتِ إيه!! إنسانة معدومة الأحساس!!..
ثم رفعت رأسها تنظر للسماء متمتمة بطريقة درامية :
-يارب البت دي توقع على رقبتها وتحب واحد وتيجى تعيطلي وتقولي مقدرش أعيش من غيره يا مريم.. وإنك يا مريم كان عندك حق وإن الحب ده أحلى حاجة في الدنيا يا مريم..
حدقتها حياة متهكمة :
-في أحلامك..
تفوهت بجملتها ثم ركضت أمامها تتبعها مريم، تدب بأرجلها فى الارض من شدة الغيظ..
*****************
التقط فريد هاتفه مجيبًا بنفاذ صبر ووقاحة معتادة :
-اتكلم!!..
صمت قليلًا يستمع باهتمام وعينيه تضيق بتركيز مع كل كلمة تخرج من الطرف الأخر ثم هب واقفًا يسأل بغضب :
-أنت متأكد من الكلام اللي قلته ده!!.. أقسم بالله لو طلع مش حقيقي لأدفنك مكانك..
صمت مرة أخرى ثم سأل وهو يتحرك من مقعده داخل المكتب يلتقط بيده الفارغة معطفه ومفاتيح سيارته :
-يعني هي في الكلية دلوقتي وهو معاها؟..
جاءته الإجابة من الطرف الأخر قبل أن يغلق هاتفه دون وداع وينطلق للخارج بوجه غاضب وجسد منتفض..
وبينما كانت حياة واقة مع زميلتها مريم شعرت بقبضة قوية داخل صدرها لم تدرى ما سببها ولكنها عندما رفعت رأسها علمت جيدًا لم شعرت بها، فهناك زوج من العيون النارية تحدق بها بقوة، فشهقت بفزع وهي تتمسك بمعصم مريم التي التفت فورًا على حركة صديقتها كي تسألها ما أصابها، بينما تمتمت حياة بكلمات غير مفهومة التقطت منها مريم اسم فريد فسألتها مستفسرة :
-ماله فريد يابنتي؟!..
همست حياة برعب غير قادرة عن تحريك عينيها من أمامه :
-فريد هنا..
شهقت مريم بدورها قبل أن ترفع رأسها للبحث عنه، وبالطبع لم تكن مهمة صعبة فها هو يقف باسترخاء وتفاخر على مقدمة سيارته يرتدى بذلته الفخمة ونظارته الشمسية عاقدًا كلا ذراعيه أمام قفصه الصدري بتأهب، سمعت حياة مريم تتمتم بأعجاب :
-واو.. ده حلو أوي يا حياة مكنتش متوقعة أن شكله حلو كده..
نهرتها حياة بعنف :
-أنا في إيه وأنتِ في إيه يا مريم.. إيه اللي جابه هنا دلوقتي بس!..
ثم شهقت بفزع :
-يانهار منيل!!.. محمود!!.. ده لو شافه هتبقى ليلتنا مش معدية..
ارتبكت مريم بدورها هي الأخرى، فكم سمعت من حياة عن ردات فعله المتسلطة إذا علم بأعجاب شخص آخر بها فمابالك بخطوبة!..
ورغم ذلك حاولت طمأنة صديقتها بهدوء بدأت تفقده :
-متخافيش أنا هروح دلوقتي أعطل محمود ومش هخليه ينزل وأنتِ حاولي تخرجي بيه برة الكلية.. واقلعى الخاتم ده بسرعة..
أطاعتها حياة على الفور وفي حركة ألية منها قامت بخلع محبسها ووضعه داخل جيب ردائها بسرية، أوشكت مريم على تركها ولكن أمتدت يد حياة تتمسك بها بكل قوة وهي تراه يترك سيارته ويتحرك في اتجاهها متمتمة :
-متسبنيش لوحدي ده جاي علينا!...
بدأ الذعر يدب داخل أوصالها بشدة وهي تراه يتقدم نحوها، لم تكن تخشاه لشخصه ولكن كانت تخشي قوته وجبروته وقدرته على إيلام أي شخص دون أدنى إحساس بالذنب....
راقبته وهو يتقدم منها ببطء لاوية فمها بسخرية فـ مريم محقة، إنه يبدو وسيم فعلًا ببذلته الأنيقة وساعته الرولكس وعضلاته البارزة وخطواته الواثقة، بحيث تعجب به أي فتاة من الوهلة الأولى، ولكن لا أحد يعلم أن خلف هذا المظهر الرائع إنسان مصنوع من الحجر، لا يتألم ولا يرحم ولا يحب، فقط يمتلك!..
وقف أمامها بطوله الفارغ يتفحصها عن قرب، فكتمت أنفاسها تعد بداخلها للعشرة في محاولة لاستعادة هدوءها، بينما لوى فمه بابتسامة جانبية قبل أن يوجه حديثه لها بتسلية :
-لو مكنتش أعرفك كويس كنت قلت النظرة اللي في عينيك دي نظرة أرنب مرعوب من مصيبة عملها وخايف حد يكتشفها..
رفعت عينيها تواجه نظراته بتحدي وكره دون حديث، ولكن ما سرعان ما استحوذ على نظرة عينيها شيء آخر، إنه محمود يهبط الدرج في أتجاهها...
يالله ألا يوجد مخرج من هذا المأزق، اتسعت عينيها بصدمة مفكرة، أيعقل أنه لديه علم بخطبتها البارحة؟ دعت ربها داخليًا أن تكون تلك هواجسها الخاصة، بينما وقف محمود أمامها بابتسامة عريضة كعادته وهو يمد يده ليعطيها شهادتها الدراسية متمتمًا في فخر :
-حياة اتفضلي الشهاده أهي.. ولو احتاجتي أي حاجة تاني مش محتاجة تيجي بلغيني بس وأنا هتصرف..
بالطبع من وقت وصوله أمامهم وقد استحوذ على انتباه فريد بالكامل وها هو الآن ينظر له شرزًا كأنه قط برى يستعد للهجوم نحو فأره في أي لحظة...
فكرت بيأس لو تظاهرت الآن بفقدانها للوعي هل ستتمكن من إنهاء هذا اللقاء؟!، أعادها من أفكارها صوت فريد القوى يسأل محمود متأهبًا :
-مين حضرتك بقى؟!..
أجابه محمود على عجل بتفاخر :
-أنا محمود خطيب حياة وزميلها..
الآن ستفقد وعيها حقًا وليس تظاهرًا، التفت فريد ينظر إليها بحاجب مرفوع يهز رأسه لها متوعدًا ببطء قبل أن يعود بنظره إلى محمود متأهبًا وهو يرفع كلتا يديه يستند بها على كتفه :
-خطيبها!! لأ مبروك.. بس يا خطيبها محدش قالك أنك مينفعش تخطب واحدة مخطوبة!!..
كان يضغط بقوة على كل حرف يخرج منه مما جعل حياة ترتجف داخليًا من القادم، بينما أجابه محمود مستنكرًا :
-خطيبها!!.. ازاي الكلام ده!..
ثم وجه باقي حديثه لحياة :
-حياة.. الكلام اللي بيقوله الأستاذ ده صحيح؟..
فتحت فمها تجيبه ولكن أوقفها نبره فريد الهادرة :
-لما أكون بتكلم معاك متوجهلهاش كلام.. لا أنت أصلًا متتكلمش معاها تاني لا وأنا موجود ولا مش موجود!..
ثم انقض عليه في اللحظة التالية يلكمه بكل ما أوتي من قوة حتى صرعه أرضًا غير آبهًا باحتجاجات حياة.
ولا بتجمهر العديد من الطلاب حولهم كي يشاهدوا ذلك الصراع الدامي بين زميلهم وهذا الشخص الغريب دون تحرك من أحدهم للتدخل لفض ذلك الاشتباك بما في ذلك حرس الجامعة!!..
كانت حياة تصرخ به بقوة متوسلة من بين دموعها المنهارة ليتركه ولكن دون جدوى، فجلست بجواره وهو لايزال يسدد لكماته لمحمود الذي أوشك على فقدان وعيه تتوسّله وهي تمسك بكتفه :
-سيبه.. هيموت في أيديك.. الله يخليك سيبه.. عشان خاطري كفاية..
نظر لها أولًا بغضب قبل أن يتحرك من فوق محمود الذي كانت الدماء تملأ وجهه وثيابه، اعتدل في وقفته وحاول إصلاح هيئته بغرور قبل أن يحدثها محذرًا :
-دى عينة صغيرة من اللي هعمله في أي حد يفكر يقربلك..
ثم تقدم عدة خطوات يقترب منها قبل أن يضيف :
-أنتِ بتاعتي أنا وبس.. حطي ده في دماغك عشان ترتاحي وتريحيني..
دفعته بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة صائحة في غضب :
-مش هتجوزك يا فريد.. صدقني لو أنت أخر راجل في الدنيا مش هتجوزك.. أنا أفضل إني أموت ألف مرة على إني أتجوز واحد زيك معندهوش لا قلب ولا إحساس..
التوى فمه بابتسامة تحدى ثم أجابها بثقة :
-هنشوف.. كلام مين اللي هيمشي..
ثم تركها واتجه نحو سيارته يصعد بها أولًا، ثم يقودها بجنون إلي الخارج، كانت لاتزال ترتجف من هول ما رأته عندما اقتربت منها مريم تحتضنها بقوة وتخبرها أن سيارة الإسعاف في الطريق لنقل محمود لأقرب مشفى.
***************
وقفت داخل أحد أروقة المشفى بجانب صديقتها مريم تنتظر خروج الطبيب من الداخل بتوتر، وصلت والدة محمود برفقته والده وأخواته تلهث وهي تقف أمام حياة تستفسر منها عما حدث معه، ولم تستطع حياة ألا قول الحقيقة كاملة لوالديه دون تحريف، انتفضت والدته تصرخ بها مع صدور اخر الكلمات من فمها :
-وأنتِ مستنية إيه!! لما يموت ابني عشان ترتاحي!..
حاولت مريم التدخل للمدافعة عن صديقتها ولكن أوقفتها يد حياة متمتمة في خجل :
-عندك حق.. انا آسفة وياريت تبلغي أسفي ده لمحمود وصدقيني مكنش قصدي أبدًا إني آذيه وبكرر اعتذاري لتاني مرة..
ثم وضعت يدها داخل جيب ردائها وأخرجت منه محبسها وأعطته لوالدته، ثم انصرفت دون كلمة أخرى.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثاني 2 - بقلم chimaa youssef
وقفت خارج أبواب المشفى تستنشق بعض الهواء النقي عل ذلك يُعدل من مزاجها ولو قليلًا، ثم استأذنت مريم في الذهاب إلى منزلها، بينما أصرت صديقتها على الذهاب معها ولكنها رفضت بشدة مصرة على السير بمفردها لتنقية أفكارها وإعادة ترتيبها...
تحركت نحو الشاطيء تجلس على إحدى المقاعد الخشبية الموضوعة هناك، ظلت فترة تنظر إلى مياه البحر وأمواجه المتلاطمة بصمت، أثر هذا المشهد علي نفسيتها بشكل كبير حتى فاضت جميع مكنونات قلبها ومشاعرها المكبوتة بداخلها...
كانت روحها هي التي بحاجة إلى الدموع لذلك تركتها تنساب بحرية، لم تكن تعلم لم كانت تبكي بكل تلك الحرقة، ربما لأنها غير مستعدة لرد فعل والدتها التي ما أن تعلم حقيقة ما حدث ستخبرها كم كانت محقة وكم نبهتها من طيشها وشدة عنادها معه!...
أو ربما لأن محمود كان يمثل لها الأمل بالهرب من ذلك السجن المسمى منزلها!، أو ربما لأنها هيأت نفسها للخروج من تحكم ذلك المسمى والدها الذي ربما لو اعتنى بحيوان أليف لكان اهتم لمشاعره أكثر من مشاعرها!!!...
أو لأنها خسرت معركتها أمام ذلك المتجبر واستطاع في النهاية تنفيذ ما يريده!..
فريد!!... ظل اسمه يتردد في ذهنها بقوة، فكرت بحسرة كم أن الحياة قاسية معها!، حتى الشخص الوحيد الذي اعتبرته صديقها المقرب سلبته منها الحياة ليتحول إلى إنسان دون قلب وتتحول مشاعرها معه ليصبح أكثر الناس بُغضًا لقلبها..
****************
بينما عاد هو إلى مكتبه والتقط هاتفه بغضب، عبث به قليلًا في عنف قبل أن يُخرج اسم شخصًا ما ويجري معه اتصالًا هاتفيًا :
-أنا قلت بما أنك مش بتسأل عليا اسأل أنا!..
ارتبك الرجل على الطرف الآخر من نبرته فتحدث مبررًا :
-فريد بيه.. صدقني مفيش حاجة مهمة تعرفها..
عقب على حديث الرجل بهدوء ساخر :
-لا يا راجل!.. أومال ترقية بكره دي إيه؟!.. وبعدين أنا هنا اللي يحدد إيه اللي مهم وإيه لأ..
تعلثم الرجل في نبرته قبل أن يجيبه بارتباك :
-هو حضرتك عرفت؟!..
أجابه فريد ساخرًا :
-لا قاعد نايم على وداني مستني لما أنت تقرر إيه مهم عشان أعرفه وإيه مش مهم..
تنحنح الرجل من الطرف الآخر محاولًا تنقية حنجرته ثم أجابه مبررًا :
-يا فريد بيه هي مجتهدة وموهوبة وتستحق الترقية.. وأنا قلت دي حاجة اكيد هتبسط حضرتك..
قاطعه فريد بحدة :
-أنا عينتها عندك بس عشان تكون تحت عيني.. وأنا اللي اقولك تعمل إيه معاها وأمتي وفين!.. وبعدين بكرة قبل الإجتماع تبلغها أنك استغنيت عن خدماتها..
تذمر الرجل معترضًا :
-بس يافريد بيه دي من أكفأ الموظفين عندي!!..
صاح به فريد ناهرًا :
-رؤوف!!!! متنسااش نفسك!!.. أنا اللي طلبت منك تعينها عندك وأظن أنك قبضت تمن ده وأكتر كمان.. ودلوقتي لما أقولك أرفدها تنفذ وأنت ساكت يا أما استثمار الشركة الفرنسية هيروح لحد تاني.. فاهمني؟!..
ارتبك الرجل على الهاتف ثم تمتم بخضوع :
-اللي حضرتك تؤمر بيه..
أغلق هاتفه وألقي به على المكتب دون وداع، ثم دفن رأسه في إحدى الملفات التي أمامه يحاول إلهاء عقله بها، وبعد قليل اندفع باب مكتبه بقوة مما أجبره على رفع رأسه ليرى من ذلك المتطفل الذي اقتحم غرفته وخصوصيته دون استئذان، لوى فمه متشدقَا وهو يرى والده يتقدم منه والغضب يملأ نظرته، سخر منه فريد :
-غريب بيه.. شكلك شايفني في كابوس من كوابيسك عشان كده داخل عليا دخلة السينما دي.. ولا يمكن جيهان هانم بخت شوية من سمها في ودانك كالعادة!!..
قال والده بحنق :
-بلاش قلة أدب وقولي.. أنت لسه ماشي ورا بت الخدامة دي!!..
انتفض فريد من مقعده يضرب سطح مكتبه في قوة :
-اسمها حياة.. فاهم ليها اسم تناديها بيه ده أولًا.. وبعدين ده شيء ميخصكش ثانيًا.. وثالثًا أنت لسه مخلي حد من كلابك يجبلك أخبارى؟!!..
لوى والده فمه متشدقًا :
-متهربش من سؤالي..
صمت قليلًا متفكرًا ثم أضاف في تشفى :
-التاريخ بيعيد نفسه.. والابن غصب عنه بيورث من جينات الأب.. واضح أن في حاجة في دمنا يتجذبنا للخدامات!!.. أنا برضه أمك كانت مجنناني كده وهي مستعصية عليا.. بس عمتًا لو عايزها أوي كده قولي وأنا هتصرف وأجوزهالك..
أجابه فريد والاشئمزاز باديًا في نظرته ونبرته :
-لا أنا مورثتش منك حاجة وده من حسن حظي لأني مش ناوى أموتها بأيدى.. ثم أن دي حاجة تخصني أنا لوحدي وأنا هتصرف فيها كفاية أنت بس تبعد أنت والعقربة وبنتها عن حياتي.. ولو عرضك خلص اتفضل روح مكتبك وسبني أكمل شغلي..
ارتبك والده وبدأ الأحمرار يغزو وجهه فاستدار للخارج يصفق الباب خلفه بعد أن ألقى نظرة حانقة على ابنه الذي ارتمى فوق مقعده مرة أخرى يسحب هاتفه بغضب ثم تحدث إلى شخص ما :
-اسمعني.. اللي اتفقنا عليه يتنفذ بكره.. وأقسم بالله لو حصل أي غلط ولو صغير هدفنك مكانك.. فاهم!..
صاح بكلمته الأخيرة قبل أن يغلق هاتفه، ثم تحرك بعصبية يلتقط معطفه ومفاتيحه ويتحرك للخارج كالعاصفة.
******************
دلف بعد فترة إلى منزله بهدوء يحاول الوصول إليه منذ الصباح، لامحًا مديرة منزله تمر من أمام الممر المؤدي لمكتبه فتوقف عن السير يلتفت إليها، ثم أمرها بعجرفته المعتادة :
-خلي دادة آمنة تحصلني على مكتبي دلوقتي حالًا..
أنهى أمره، ثم استدار مرة أخرى مكملاً طريقه حيث يقع مكتبه، وقام بخلع معطفه ورابطة عنقه، ثم جلس على كرسي مكتبه الفخم بهدوء يستند بذقنه على يديه المتشابكة ينتظر وصولها...
بينما دلفت آمنة إلى مكتبه بعد أن طرقت باب الغرفة وسمح لها بالدخول فور سماعه طرق الباب، تنظر إليه وإذا به يجلس شاردًا ويديه المتشابكة تسند رأسه بوقار...
لم يرفع رأسه ولم يتكبد عناء النظر إليها، بل تحدث على الفور وعينيه مازالت تنظر إلى الفراغ، يسألها بصوت ناعم كالفحيح :
-آمنة هانم.. تفتكري لو في حد كدب عليا المفروض أعمل معاه إيه؟!..
بدأت آمنة في التأكد من شكوكها التي تساورها منذ طلبه أن تلحق به إلى غرفه مكتبه، فازدردت ريقها بصعوبة وهي تنظر إليه برعب، ثم تنحنحت محاولة تنقية حنجرتها قبل أن تجيبه هامسة :
-على حسب يا فريد.. بيه..
رفع عينيه يلتقط نظراتها كالصقر بعدما شعر بتذبذب نبرتها :
-أيوة كملي على حسب إيه!..
أجابته على مضض تشعر وكأنها تسير داخل حقل ألغام، أي حركة خاطئة قد تودى بحياتها :
-على حسب هو كدب عليك في إيه بالظبط وهو بالنسبالك إيه..
لوى فمه بابتسامة ساخرة قبل أن يجيب بثبات جعل أوصالها ترتعد خوفًا من القادم :
-لا هو من جهة كدب عليا فهو كدب عليا في حاجة مهمة أوي.. تقدري تقولي كده أهم حاجة في حياتي ومكتفاش بالكدب بس.. ده حاول يستغفلني ويخليني زي العبيط مش حاسس بحاجة.. ها إيه رأيك بقى المفروض أعمل فيه إيه؟!..
نظرت إليه وإذا به يبتسم ابتسامة شرسة، فتنحنحت محاولة إخراج نبرتها طبيعية ثابتة قدر الإمكان :
-على حسب مكانته.. لو مهم عندك أو بتحبه هتسامحه..
هز رأسه موافقَا قبل أن يتحرك من مقعده ببطء ويضع كلا كفيه داخل جيوب بنطاله، ويسير في الغرفة ومن حولها على مهل :
-وياترى هو ده اللي اعتمدتي عليه أنتِ وحياة لما استغفلتوني واتخطبت لغيري؟!.. ولا فاكرين إني نايم على وداني ومش حاسس بحاجة من اللي بتحصل حواليا؟!..
شعرت بقلبها يهبط إلى قدمها، إذًا كل شكوكها كانت صحيحة، إنه يعلم، والله وحده يعلم رد فعله التالي، انتظر فريد خروج رد فعل منها ولكنها آثرت الصمت لذلك قاد هو دفة الحديث مرة أخرى :
-حياة لسه صغيرة وطايشة.. بتعاند ومش عارفة الصح من الغلط.. لكن المفروض أن أنتِ ست عاقلة وكبيرة وهتحافظ على عيلتها.. صح ولا إيه؟!..
ضغط على جملته الاخيرة بقوة وهو يبتسم لها ابتسامه ذات مخزى، بينما ضيقت آمنة عينيها عليه تحاول استيعاب ما نطق به للتو...
نعم يهددها بعائلتها، لم تخطئ في فهم رسالته المبطنة، اللعنة على حياة!، ستقضي عليهم جميعًا بسبب عنادها، اطرقت برأسها أرضًا قبل أن تُتمتم في خفوت محاولة تدارك الموقف وامتصاص جزء من غضبه :
-اللي أنت عايزه يا فريد بيه هيحصل متقلقش..
أومأت خاضعة، ثم استأذنته في الخروج هاربة منه، تحاول التفكير في حل للخروج من ذلك المأزق قبل فوات الاوان..
**************
لم يستطيع المكوث في منزله لأكثر من ذلك... فهو يشعر أن تلك الاثنا عشر ساعة القادمة لا تمضى وعقارب الساعة لا تتحرك لذلك التقط معطفه ومفاتيح سيارته واتجه نحو الخارج...
بعد قليل وصل إلى مكانه المعهود وجلس به دون أن يطلب اليوم شرابه المعتاد، فهو بحاجة إلى شيء أقوى، شيء يجعله يفقد وعيه بشدة حتى لا يستطيع التفكير بها!...
التقط كأس الشراب ثم تجرعه مرة واحدة قبل أن يخفض الكأس ويضعه على طاولة البار ويطلب كأسَا جديد، اللعنة!.. حتى ذلك الشراب القوي لم يستطيع إخراجها من عقله، هذا ما فكر به بألم وهو يخرج صورتها من جيب ردائه ليتأملها، كم هي جميلة وبريئة!!، هل تعلم أنها تمتلك أجمل عيون رأها يومًا؟!!...
كم تبدو بعيدة وطاهرة بقدر ذنوبه وأخطائه، ها هي تقف أمامه في تلك الصورة التي التقطها لها منذ زمن بعيد بنظرتها الحالمة، هل تعلم أنه يحفظ جميع نظراتها عن ظهر قلب؟!، لا ولا يعتقد أن هناك أحد أخر يفعل ذلك حتى ذلك المدعو محمود!...
حتى أنه لا يعلم لم تذكر الآن ذلك السؤال الذي رمته به منذ سنوات عديدة عندما أعلنت لأول مرة عن كرهها الشديد له مستنكرة، في ذلك الوقت شعر بصدمة عارمة من مشاعر الكره التي أطلقتها نحوه وبقوة غير عابئة بإحساسه أو بما شعر به حينها لذلك لم يستطع الإجابة على سؤالها ولكنه تذكره الآن، هل حَقًّا يحبها أم إنه فقد يريد تملكها؟..
لقد تخطت مشاعره مصطلح الحب منذ أعوام، كان ذلك ما يشعر به في طفولتهم وكلما كبر عام كلما كبر حبها داخل قلبه حتى أصبح متغلغلًا داخل دمه وكيانه...
فكر بألم هل يؤلمه ذلك الحب؟...
إنه يسحق روحه، في كل مرة ترميه بنظرة كره يشعر وكأن شاحنة كبيرة مرت فوق قلبه وحولته إلى أشلاء تاركة به عاهة مستديمة لا يستطيع أحد مداواتها غير تلك المتسببة بها....
هل يسخط عليها؟!...
إن انتزاع قلبه بيده أهون عليه من أن يسخط عليها أو يتحول ذلك الحب إلى أي شيء آخر سوى الحب، وأيضًا حتى لو أراد انتزاع قلبه من داخله، فكيف سيقوى على إخراجه وهي تسكنه!، سينتظر كما انتظر دائمًا، وسيدعو الله كما يدعوه دائمًا عل يوم من الأيام يتغير قلبها لحبه أليست القلوب بيده يغيرها كيفما يشاء؟!...
إذًا سينتظر رحمة الله أن تشمله بغض النظر عن كل أخطائه التي تبعده عنه..
أعاده من أفكاره يد شخص ما حطت على كتفه بحنان، فتمتم بأمل ما بين الصحو والغفوة :
-حياة!!!..
لوت نجوى فمها بأحباط قبل أن تجيبه بغيظ :
-لا أنا مش ست الحسن بتاعتك.. أنا نجوى يا فريد.. نجوى..
رفع رأسه ينظر إليها في جمود، ثم حرك يده ليزيح كفها من فوق كتفه بضيق قبل أن يتمتم في نفاذ صبر :
-عايزة إيه يا نجوى أنا مش فايقلك..
أجابته راجية :
-عايزاك تسيب نفسك ليا شويه وتنسى البتاعة بتاعتك دي..
قبض بيده على معصمها بقوة متمتًا في تهديد :
-قلتلك مية مرة قبل كده متجبيش سيرتها على لسانك ال*** ده!!.. فاهمة ولا لأ..
شعرت نجوى بأنها تخسر في تلك المعركة للمرة الألف لذلك حاولت تغير مجرى الحديث، فاقتربت منه تحاول وضع يدها فوق صدره تتحسسه بأغراء متمتة :
-طب بقولك إيه الجو هنا خنيق أوى ما تيجى نكمل السهرة في الفيلا عندي.. كده كده بابي ومراته لسه مسافرين..
ابتعد فريد عنها وهو ينظر لها بأشمئزاز واضح :
-أنتِ هتفضلي سهلة كده لحد أمتى!!.. حرام عليكي أبوكي يا شيخة!!.. انضفى بقي شوية!..
صرخت به في غضب مجيبة :
-أنت عارف كويس إني بعمل كل ده ليك أنت بس عشان بحبك..
نظر لها فريد بأستهزاء قبل أن يضيف :
-أنتِ مبتزهقيش من الاسطوانة دي!! قلتلك مليون مرة وأنا مبحكيش.. خلي عندك كرامة بقي وحلي عني..
حاولت مسك ذراعه لمنعه من تركها والذهاب، الأمر الذي أغضبه كثيرًا ،فهو يكره أن يلمسه أحد أو أن يتعدى على مساحته الشخصية، وها هي قد فعلتها الليلة مرتين متتاليتين، اقبض على معصمها بقوه جعلتها تصرخ متألمة دون أن يُبالى، بل واصل ضغط يده فوق يدها بقوة أكثر جعلت وجهها يشحب من شدة الألم، وعندما أخرج صوته كان هادئًا ولكن مليئًا بالغضب :
-قلتلك مية مرة متلمسنيش.. زى ما قلتلك برضه قبل كده لعبتك الرخيصة دي تروحي تلعبيها على حد غيري.. مش على أخر الزمن واحدة **** هتضحك على فريد رسلان!!.. ولا أنتِ مش مكفيكي فلوس أبوكي دي كلها فقلتى اضحك عليه وأهو يبقى زيادة الخير خيرين!!!.. طلعيني من دماغك عشان أنا صبرى عليكي بدأ يخلص .. وأنتِ مش هتحبي تشوفي الوش التاني مني!..
أنهى حديثه بحزم، ثم نفض يده من فوقها باشمئزاز قبل أن يترك لها المكان بأكمله ويخرج عائدًا بتفكيره إلى تلك الحياة خاصته، من اختصها بحبه!..
*************
عاد عاد إلى منزله ثم توجه مباشرةً إلى غرفته، ثم ألقى بثقل جسده المتعب فوق الفراش، في الحقيقة لم يكن جسده هو المتعب بل روحه، أغمض عينيه بإرهاق سامحًا إلي سيل الذكريات بالتدفق بقوة داخل عقله وسحبه داخل دوامة من الألم والحسرة والكثير من الشوق للماضي، حاول نزع نفسه منها ولكن الأوان قد فات فيبدو أنها ستنتصر عليه كعادتها كل ليله دون حيلة منه، إذ ظهرت أمامه صورة والدته بوضوح وآثار الضرب المبرح واضحة عليها وهي تمسح على شعره بحب وتحدثه مازحه بنبرتها المليئة بالحنان :
-أنت بتحب حياة أكتر مني يا فريد.. أول ما بتفتح عيونك بتسألني عليها.. حتى قبل ما بتقولي صباح الخير..
أجابها بثقة وحزم يفتقده جميع أقرانه المماثلين له في العمر :
-لأ أنا بحبكم أنتوا الاتنين قد بعض.. أنتِ بابا بيكرهك وهي باباها بيكرهها.. وأنا لما أكبر هاخدكم أنتوا الاتنين واهرب بيكم ومحدش هيعرف يضايقكم تاني..
نظرت إليه والدته بانبهار من نظرة الإصرار التي رمقها بها فمنذ صغره، ورغم ضألة حجمه في ذلك الوقت ألا أنه كان يتمتع بإرادة قوية، ومع مرور الوقت تعلم كيف يطوع تلك الهبة حتى ينحني كل شيء يريده أمامها ببساطة، ابتسمت والدته إليه بحب قبل أن تقول له بعيون لامعة محاولة اخفاء الألم الكامن بداخلها :
-لو بتحبها أوي كده يا فريد لازم تحافظ عليها وتحميها من نفسك..
صمتت قليلًا تستجمع كلماتها، ثم اضافت كتقرير :
-أنا عارفة أنك لسه صغير على كلامي ده ويمكن متفهموش.. بس أنا خايفة مفضلش معاك لحد ما تكبر وتفهم اللي بقلهولك ده ..
صمتت مرة أخرى لتزدرد ريقها عدة مرات وتحاول السيطرة على دموعها التي أوشكت بالإعلان عن نفسها :
-اللي بيحب حد يا فريد مبيقدرش يعذبه.. ولو حبك ليها زي ما بتقول حقيقي يبقى عمرها ما هتهون عليك.....
أوعى يا فريد دم غريب اللي بيجرى فى شرايينك ده يسيطر عليك وتفكر في يوم من الأيام تأذيها بحجة أنك بتحبها..
هز راسه لها بقوة كأنه يحاول حفظ كلماتها داخل عقله حتى لو لم يستوعبها الأن..
زفر بقوة ثم مرر يده فوق وجهه قبل أن يفتح عينيه بمرارة.. لقد استوعب في اليوم التالي كلمات والدته له بأقسى طريقة ممكنة لطفل في عمره وعلى يد والده أيضًا، ومن ذلك اليوم أقسم على دفع حياته ثمن قبل أن يقوم بأذيتها فهي كل ما تبقت له من ذلك الماضُ البائس السحيق.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثالث 3 - بقلم chimaa youssef
استيقظت حياة في الصباح بقلب مثقل، مفكرة في يأس أن لا فرار من تلك المواجهة، خاصةً وقلبها يحدثها بأن والدتها على علم بكل ما حدث معها بالامس...
فمنذ المساء ووالدتها تحاول الوصول إليها هاتفيًا وبمجرد دخولها للمنزل اقتحمت غرفتها على الفور، ولكن الأخيرة تظاهرت بالنوم فور سماعها أقدام والدتها خارج غرفتها، تحركت حياة على مضض، ثم اتجهت إلى الحمام مباشرةً فلم تصادف أحد في طريقها وذلك لحسن حظها، ثم عادت مرة أخرى لغرفتها تستعد لارتداء ملابسها والخروج، وبعد قليل كانت قد انتهت من ارتداء جميع ملابسها وتمشيط شعرها، نظرت إلى المرآه بحزن، ففى ظروف أخرى كانت لتبدو سعيدة بأن كل مجهوداتها في الثلاث سنين الأخيرة توجت اخيرًا بالنجاح....
ولكن الأن كل ما تشعر به هو الحزن مع الكثير والكثير من تأنيب الضمير بسبب ما حدث مع محمود البارحة، وكل ذلك بسبب ذلك المدعو فريد وهوسه في التملك!.....
إعادتها والدتها من أفكارها باقتحامها غرفتها بحدة، فتنهدت حياة بأحباط، إذًا فكل شكوكها صحيحة! فملامح والدتها تبوح بكل ما يضج داخل رأسها دون حديث، لوت حياة فمها بأحباط قبل أن تأخذ مبادرة الحديث هاتفة :
-واضح إنك عرفتي باللي حصل امبارح..
أجابتها والدتها بجدية :
-مقالش تفاصيل..
تنهدت حياة بحزن قبل أن تقص عليها كل ما حدث معها البارحة وما فعله فريد بمحمود وحالته الصحية وأيضًا تركها له، شهقت والدتها برعب من بطشه فلم يكفيه ما فعله ولكن أيضًا قام بتهديدها!، أرادت بشدة لوم ابنتها على طيشها وعنادها الغير مبرر معه ولكنها تراجعت فور رؤيتها الدموع المتكونة داخل عيونها بوضوح، بينما تحركت حياة للخارج وتبعتها والدتها في صمت، مصادفة أخيها يستعد للخروج هو الأخر، فابتسم لها بعذوبة وهو يلقي عليها تحية الصباح، قبل أن يسألها بأهتمام :
-مالك؟!.. في حد قالك حاجة زعلتك؟!..
ثم أشار برأسه حيث غرفه والدهم، هزت حياة رأسها بالنفي قبل أن تقول في جمود :
-أنا عطيت محمود المحبس بتاعه..
عبس شقيقها قبل أن يسألها مستنكرًا :
-أنتِ لحقتي!!!.. ده مكملتيش يومين!!.. إيه السبب؟!..
حاولت حياة تغير مجرى الجرى فأجابته بنفاذ صبر :
-هحكيلك بعدين بس يلا عشان منتأخرش..
أخيها في إشفاق :
-طب يلا انا كمان نازل معاكي تعالي اوصلك..
بالفعل تحركا معًا للخارج، وفي الطريق سألته حياة بأهتمام :
-عامل إيه في الشغل وبعدين أنت نازل بدرى ليه مش ميعادك يعني؟!..
أجابها اخيها متذمرًا :
-حياة أنا خلاص قرفت.. ضغط شغل مش بيخلص والراجل المدير ده مش بيرحم كأنه اشتراني.. حتى النهارده طلب مني اروح بدرى عشان أخد فلوس وأوديهاله البنك مع أن ده مش من مهامي وأول مرة يعملها!..
عبست حياة قبل أن تفتح فمها لمواساته :
-معلش يا محمد اصبر عليا شويه كمان إن شاء الله هلاقي فرصة للسفر وهاخدك معايا أنا مش ساكتة ويمكن ربنا يكرم في آقرب فرصة..
هز لها اخيها رأسه مطيعًا قبل أن يضيف :
-طب أنا هسيبك هنا عشان متأخرش على الراجل ده والحق ميعاد البنك.. وأنتِ خلى بالك ولو أحتجتي أي حاجة قوليلي..
ابتسمت له حياة بحنان قبل أن تلوح له مودعة وتستمر فى طريقها...
كان محمد هو شقيقها الأصغر وبالرغم من ذلك كان يتعامل معها على إنه يكبرها بسنوات، كما كان حنون معها بطريقته الخاصة، فدائما ما أخذ صفها عند نوبات غضب والدها وفي المساء أثناء عودته يجلب لها نوع الشيكولا المفضل لديها ويحاول دائمًا أخراجها من حزنها، بالطبع لم يكن السند الذي تستطيع أخباره بمشاكلها وما يفعله معها فريد ولكنه كان يحاول حبها بكل ما يملك..
***************
وصلت حياة إلى مكتبها قبل ميعادها الرسمي بعشر دقائق تقريبًا، ثم بدأت فى تحضير ملف الاجتماع على الفور، وبعد حوالي ساعة تفاجئت برب عملها يدلف إلى غرفة مكتبها بعبوس، فما كان منها ألا أنها حييته باحترام قبل أن تسأله بأرتياب وهي تري ملامح وجهه المتجهمة أمامها :
-في حاجة اقدر اساعد حضرتك فيها يا مستر رؤوف؟؟!..
بدء الارتباك يظهر جليًا على ملامح وجهه، خاصةً وقد فتح فمه للتحدث ولكنه أغلقه مرة أخرى، بينما ظلت حياة تنظر له وقد اتنقل إليها توتره أليًا فملامح وجهه لا تُبشر بخير، تنحنح أخيرًا لتنقية حلقه أولًا قبل أن يتحدث إليها :
-حياة.. أنتِ عارفة إنك من احسن الموظفين اللي عندى.. وأنا فعلًا بعزك وبحترمك وبتمني كل الموظفين يكونوا في نشاطك وذكائك وخوفك على الشغل.. بس أنا آسف ومضطر أقولك أننا استغنينا عن خدماتك.. وكتعويض ليكي هنصرفلك ٣ شهور مكافأة..
نظرت له حياة بصدمة تحاول استيعاب ما تفوه به للتو، هل هذه مزحة سخيفه؟!، لا فملامح وجهه وارتباكه لا يدل إطلاقًا على إنه مزاح!، كما أنها ليست كذبة ابريل فنحن على أعتاب الشتاء!، صمتت قليلًا وأخفضت رأسها تحاول السيطرة على الدموع التي تجمعت داخل مقلتيها، ثم بعد قليل رفعت رأسها وهى تبتسم له وتقول :
-تمام.. قدر الله وماشاء الله فعل.. مفيش أي مشكلة وأنا اكيد سعيدة إني اتعرفت على حضرتك وأكيد اتعلمت من حضرتك حاجات هتنفعي في سيرتي الذاتية.. اسمحلى بس ألم حاجتي وأتحرك..
ارتبك وهو واقف أمامها ولم يدرك ما يجيبها به فقد أعجب بقوتها ورد فعلها الثابت، وفكر متعجبًا لماذا يفعل ذلك الملعون فريد كل ذلك معها، على كل حال هذا ليس من شأنه يكفيه ما تحصّل عليه منه منذ أن قام بتعيينها حتى الأن وذلك هو المهم.....
وعليه خرج من غرفتها بعد أن وضع مغلف أمامها وانصرف دون وداع، انتظرت حياة خروجه بفارغ الصبر حتى تستطيع الارتماء فوق المقعد والتفكير بتلك المفاجئة التي قلبت موازين يومها فبدلًا من استعدادها لتشغل منصب جديد وجدت نفسها خارج المؤسسة باكملها!، على كلًا....
حاولت مواساة نفسها ففي الأخير كل ذلك رزق من الله وهى لديها من الخبرة والمؤهلات ما يؤهلها للتعيين فى أي شركة أخرى بسهولة، بالطبع كانت تلك من أفضل شركات الملاحة في الأسكندريه ولكنها لن تجزع، ستجد فرصة أفضل إن شاء الله....
أخذت حاجياتها وهمت بالانصراف عندما أوقفها رنين هاتفها، نظرت به وإذا بوالدتها هى الطرف الاخر، تجاهلت اتصالها في المرة الأولى، ولكن والدتها كانت تعاود المحاوله دون انقطاع، التقطت هاتفها وأجابت بحزن متفاجئة بصوت والدتها تهتف باكية :
-حياة.. الحقي محمد اخوكي..
شعرت بالأرض تدور بها من شدة الفزع، حتى صوتها خرج هامسًا تستفسر :
-ماما!!!!.. حصله ايه!!!.. محمد حصله حاجة!!!.. ماما!!!..
إجابتها والدتها وهى لازالت على بكائها :
-هو كويس بس تعالي على شغله دلوقتى حالًا.. حالًا يا حياة.. اخوكي في مصيبة..
تحركت حياة تلقائيًا تركض نحو الخارج كأنها إنسان ألي دون روح، استقلت أول سيارة أجرة صادفتها في طريقها وصوت كلمات والدتها يتردد في أذنها بقوة، وقد ضرب ألف احتمال واحتمال رأسها في تلك المسافة من مقر عملها لعمله...
حاولت طمأنة نفسها، المهم إنه لم يصيبه مكروه، أى شيء آخر يمكن تفاديه، المهم الا يصيبه مكروه...
هذا ما فكرت به بيأس وهي تركض الدرج للأعلى حيث مقر الشركه التى يعمل بها، دفعت الباب بيد مرتعشة فالتقطت عينيها على الفور والدتها تجلس بعيون منتفخة من كثرة البكاء على إحدى الأرائك الموضوعة في مدخل الاستقبال، ويجلس إلى جوارها اخيها بملامح مرتعبة...
رفعت رأسها قليلًا وإذا بها ترى شخص تعرفه جيدًا يستند بكسل وملامح مسترخية على حافه أحد الأبواب وبجواره يقف مدير اخيها، لم يكن الامر يحتاج إلى الكثير من الذكاء لمعرفة من المتسبب بكل ذلك الذعر الذى تمر به عائلتها، فتمتمت بغضب توجه نظراتها المشتعلة إليه :
-أنت!!!..
هتفت حانقة بكلمتها ثم تحركت تركض حتى وصلت إليه وأخذت تلكمه فوق صدره بكل ما أوتيت من قوة وهى تصرخ به كأنها بذلك تفرغ جميع شحنات الغضب المكبونة بداخلها منذ البارحة :
-انطق عملت فيهم إيييه تاني!!!.. أنت إيه مش بتشبع تعذيب في الناس!!.. عملت إيه فى اخويا انطقققق..
كان فريد يقف امامها بثبات كأنها تسدد لكماتها للهواء، وتصرخ بشخص آخر وليس هو نفسه، وبعد قليل شعرت بقوتها تنهار فتوقفت عن لكمه لاهثة، بينما تحدث هو بصوت ثابت، عميق :
-لو خلصتي الدراما اللي عملتيها ياريت تفضلي معايا جوه..
لم تتحرك من مكانها فأضاف بنفاذ صبر لجذب انتباهها :
-عشان أخوكي..
التفت تنظر إلى والدتها بعيون حائرة فاومأت لها برأسها مشجعة، تحرك هو أولًا وتحركت حياة في أثره دون اعتراض أو حتى سؤال، فتح لها باب غرفة ما وتركها تتقدمه، فدلفت إليها أولًا تتفحصها، كانت الغرفه مؤثثة جيدًا وواسعة يبدو أنها غرفة المالك....
قاطع أفكارها صوت فريد الذي اغلق الباب فور دخوله يطلب منها الجلوس، رفضت على الفور، مفكرة في قلق ما الذى يمكن أن يجمعها به ويخص اخيها!، ولماذا تشعر بأنها كبش يُجر إلى الذبح!!...
استند فريد على حافة المكتب يراقب تعابير وجهها ونظراتها الحائرة بهيام، يالله كم يعشقها، هل تعلم كم هي جميلة ورقيقة، خاصةً وهي تقف أمامه الأن ترتدي جاكيت بذلة نسائية من اللون الاسود وبنطال من الجينز فتبدو كشابة قوية، بينما شعرها الفحمي الناعم مرفوع على هيئة ذيل حصان، فتبدو حقًا كمُهرة أصيلة متمردة حتى تلك اللحظة لم يستطيع ترويضها، لوى فمه بمرح مفكرَا ومن قال إنه يريدها مروضة!!! بل يريدها بكل عنفوانها وكبرها وتمنعها عليه، إعاده من تأملاته صوتها الرقيق تسأله بحده :
-هنفضل واقفين طول اليوم تبصلي كده!!!..
ابتسم بمرح قبل أن يجيبها :
-أنا شخصيًا معنديش أي مانع أفضل واقف سنين مش بس يوم اتأملك.. بس عندك حق الأيام جاية.. خلينا في المفيد..
نظرت برعب واضح نتج عن تلميحه المبطن، مقررة تجاهل ما يخبرها به عقلها قبل أن تتسائل بهدوء مصطنع يشوبه التحدي :
-سمعاك..
تنحنح فريد ثم تحدث مباشرةً :
-محمد..
سألته حياة بارتياب :
-ماله؟!...
أجابها ببرود يصدر فقط من إنسان ألي وليس إنسان يمتلك مضخة دم وشرايين! :
-ولا حاجة.. بس اختلس من الشركة ٥٠٠ ألف!! دولار!..
نظرت له حياة في استهزاء قبل أن تقول ساخرة :
- هزار.. أنت حد فاكر أن دمه خفيف فسايب أعماله وأشغاله وجايبني عشان تهزر!!..
حرك فريد رأسه لها ببطء متجاوبًا، ومصدرًا من فمه صوتًا ينم على الاستياء :
-غلط.. إجابة غلط.. المفروض الإجابة اللي اسمعها أنا موافقة إني اتجوزك يا فريد..
نظرت له حياة بصدمة واضحة دون أن تنبس ببنت شفة، بينما انتظر فريد صدور رد فعل منها لمدة دقيقة وعندما لم تفعل، اضاف بنفس بروده المعتاد بعد أن وضع إصبعه فوق فمه متفكرًا :
-اعذريني.. يمكن حماسي خلاني أنط للجزء ده قبل ما اسمعك باقي عرضي.. دلوقتى اخوكى محمد اختلس من الشركة اللي شغال فيها ٥٠٠ ألف دولار ، وطبعًا أنتِ ماخدتيش بالك أن في ناس واقفة بره شهود شافوه وهو بياخد الفلوس من الخزنة وبيحطها في شنطة وبعدين الشنطة بالفلوس اختفوا.. ها إيه رأيك محمد يتحبس ولا تتجوزيني!!..
تمتمت حياة بخفوت مقرة كأنها تتحدث لنفسها قبل أن تتحدث إليه وتحاول حل تلك الأحجية في رأسها :
-المدير اللي بره ده الكلب بتاعك مش محتاجة تفكير ..
صمتت لبُرهه ثم أضافت وهى تضيق عينيها فوقه :
-والفخ ده مترتبله من زمان عشان كده طلب منه أن يجي قبل ميعاده ويوصل الفلوس للبنك على غير العادة!..
ابتسم فريد بعمق قبل أن يرفع كلا كفيه يصفق لها بأسلوب درامي :
-ذكائك كل يوم بيزيد.. كنت خايف بُعدك عني السنين دي كلها يقلل منه بس بالعكس طمنتيني عليكي..
نظرت اليه بأشمئزاز قبل أن تقول مزدرية :
-أنت ازاي كده!!.. أنا بقرف منك وبكرهك.. فاهم يعني إيه بكرهك!!.. والموت أهون عندي من إنى اتجوزك..
وضع يده فوق قلبه بتمثيل قبل أن يجيبها ساخرًا :
-زوجتي المستقبلية.. كلامك جرح قلبى بس مش مهم هعتبره خجل منك برضه احنا يادوب لسه مخطوبين من ساعة وشويه وهتتعودى عليا..
صرخت به حياة في قوة، وقد بدءت تفقد أعصابها امام بروده :
-هلاقى حل.. السجن ارحملى.. هقول أن أنا اللي أخدتهم مش هو..
أجابها بثقة :
-الشهود ضده والكاميرا سجلت وهو بيفتح الخزنة وبياخدهم مش أنتِ..
صرخت به مرة اخرى في يأس :
-هتصرف وادفع المبلغ...
هز راسه لها رافضًا قبل أن يفتح فمه ويقول في هدوء يُثير الأعصاب :
-ومين قال أننا عايزين المبلغ هو عرض واحد.. جوازنا قدام سجنه....
شعرت باللعبة تضيق عليها من كل جانب وها هي على وشك الخسارة، فالتفتت حولها تبحث عن شيء ما تجلس عليه، ثم اتجهت إلى الأريكة الموضوعة بعناية وجلست عليها ثم انحنت ووضعت كلتا كفيها فوق رأسها وهي مغمضة العينين تحاول التفكير بهدوء أو إيجاد مخرج ما.....
فكرت بيأس، اللعنة!!... إلى من تلتجيء، ليس لديها أحد ما يحميها منه فوالدها يلومها على ما تفعله وما لا تفعله....
وبالطبع ينتظر اليوم الذي يتخلص به منها، فما بالك بشخص غني كفريد، والدتها أيضًا لن تسعفها، فهي لا حول لها ولا قوة!، أتترك أخاها للسجن وهي تعلم انه مظلوم، هل سيتعفن داخل جدرانه وينتهى مستقبله من أجل حربها مع فريد!!!....
لا لن تكون بتلك الأنانية، ثم أنها لا تفرط به، لن تستطيع حقًا.... شعرت بوخز الدموع يزداد داخل مقلتيها مفكرة في حزن، فقط لو أن لها قوة!....
حاولت السيطرة على دموعها المتجمعة فالقرار واضح، ستحمى اخاها حتى لو على حساب ربط ما تبقى من حياتها باسم رجل تبغضه، فكرت بأمل وهى تحرك راسها يمينًا ويسارًا من حولها، ستسايره في خطته حتى تُهرب شقيقها خارج البلاد وتحمى والدتها ثم تتركه وتهرب.....
نعم... هذا هو الحل الوحيد، لن تستسلم له ولكن ستنحنى للعاصفة، بالتأكيد، طمأنت نفسها داخليًا هذا كل ما ستقوم به، لن تنهزم.....
فقط ستنحنى حتى تتفادى تلك العاصفة الغير متوقعة، جائها صوته قريبًا منها يحدثها :
-قدامك نص ساعة وإلا البوليس هيكون جوه الشركة..
انتفضت من مقعدها تصرخ به :
-خلاااااص موافقة بس بشروط..
عقد حاجبيه معًا وهو يكتف كلتا ذراعيه فوق صدره ويسألها بتركيز :
-إيه هى شروطك؟!..
اجابته بثقة مزيفة، محاولة رفع رأسها بكبرياء :
-وصلات الأمانة اللي مضيت بابا عليهم وساومت ماما بيهم يتقطعوا قبل كتب الكتاب.. وطبعًا مش محتاجة اقول أن من بكرة ماما توقف شغل عندك..
راقبت رد فعله بهدوء بسيط اكتسبته من نظرته الحانية، حسنًا أن كان يريد المساومة فهى أيضًا ستساوم وتبدأ في تتفيذ خطتها منذ الأن!..
أومأ براسه لها موافقًا وهو يتمتم في اقتضاب :
-اللي أنتِ عايزاه..
اكملت حياة بثقه اكبر :
-الشرط التاني.. تكون ليا اوضه لوحدى خاصه بيا.. ومحدش معاه مفتاحها غيري وده من أول يوم جواز.. أنت في مكان وأنا فى مكان..
نظر لها مطولًا يتفحصها قبل أن تضيق عينيه عليها ويسألها في حنق :
-يعني إيه ؟؟ ..
اجابته مفسرة :
-يعنى اللي فهمته.. مفيش حد عنده كرامة ممكن يقرب من واحدة مش طايقاه..
دوت ضحكته عاليًا بشراسة داخل أنحاء الغرفة قبل أن يقول في شيء من العصبية :
-لا أنتِ بتهزري!!.. وهو أنا استنيت كل ده عشان اتجوزك وملمسكيش.. لا ومتوقعة مني اقبل كمان!!.. طبعًا شرطك مرفوض..
صرخت به حياة وهي تنظر فى اتجاه المكتب الواقف أمامه :
-وأنا قلتلك الموت أهون عليا من إنى اتجوز واحد زيك..
ثم تحركت مسرعه تلتقط ألة فتح المظروفات الحادة من فوق المكتب وتضعها فوق شريان رقبتها وتضيف في إصرار :
-أقسم بالله يا فريد هموت نفسي قدامك واريحهم وارتاح ومش هتقدر تهددهم بعد موتي..
شعرت في اللحظة التي نطق بها برفضه بأنها فقدت السيطرة على اعصابها تمامًا، حتى جسدها خرج عن نطاق سيطرتها فلم تستطيع توقيف ارتجافه، حاولت التوقف عن الصراخ ولكن دوى جدوى، فكل ما كانت تشعر به في تلك اللحظة هو رغبتها في الصراخ بكل قوتها حتى تُنفس عن كل ما شعرت به منذ البارحه :
-أنت إيييه!!.. إنسان مش بيرحم!!.. مش كفاية اللي عملته في محمود امبارح!!.. ومش كفاية اللي عملته قبله في أمي!!.. أنت عمال بتدمر حياة أي حد قريب مني لمجرد أنه يعرفني!..
أنا بكرهك وبكره اليوم اللي شفتك فيه والساعة اللى قدري وقعني فيها في طريقك.. أنا عايزة اموت عشان ارتاح من إنك دايمًا واقف في طريقى....
ظل فريد يراقبها وضغط يدها يزداد تدريجيًا فوق عنقها دون وعي منها، ثم تقدم خطوة للاقتراب منها ولكن صراخها الذى ازداد أوقفه:
-اوعى تقرب.. لو فكرت في يوم تقرب مني أو تجبرني هموت نفسي..
كان يرتعد داخليًا خوفًا عليها، اللعنة عليه!!.. ماذا فعل بصغيرته وحياته، إنها على وشك فقدان الوعى من شدة رعبها وتلف أعصابها، هل هذا ما يريده لها؟!، ولكن تلك فرصته الأخيرة حتى تصبح زوجته فمنذ سنوات وهو ينتظر موافقتها دون جدوى...
حسنًا سيكفيه أن تعيش تحت سقف بيته ويراها يوميًا، نظر إليها فوجد يدها تضغط بقوة أكثر على الألة الحادة حتى بدءت بعض الدماء تزحف نحو عنقها ببطء فصرخ بفزع :
-تماااام.. خلاص موافق بس اهدى وسيبي اللي في ايديك دي..
نظرت إليه بعدم تصديق، بينما يحاول هو الاقتراب منها، قبل أن يوقفه صراخها من جديد :
-قلتلك متقررربش مني..
توقف فريد عن السير وتراجع خطوة للوراء وهو يرفع كلتا يديه أمامه في استسلام ويتمتم بحزن :
-مش هقرب بس أنتِ اهدى وسيبي اللي في ايديك..
تمتمت حياة في انهيار :
-مش مصدقاك ..
أجابها فريد والألم يعتصر قلبه :
-والله ما هقرب منك ..
سألته حياة مستنكرة :
-احلف بأغلى حاجة عندك .. احلف برحمة ماما رحاب..
ازدرد فريد ريقه بصعوبة قبل أن يتمتم بحزن وصدق حقيقي :
-ورحمه أمي ما هقرب منك.. وحياتك عندي ما هقرب منك غصب عنك أبدًا..
أفلتت حياة الألة من بين يديها فسقطت على الارض الخشبية تدوى في صخب مكتوم وسقطت حياة بجوارها تشهق وتبكى بكل ما أوتيت من قوة، بينما تحرك فريد يجلس جوارها بصمت دون محاولة لمسها، بل اكتفى بالجلوس جوارها حتى هدئت تمامًا من نوبتها، ثم وقفت فجأه وتحركت في اتجاه المرحاض لتنظيف وجهها وعنقها....
وبعد فترة خرجت منه إنسانة أخرى بملامح هادئة وقوية، وبمجرد رؤيته يتحرك فى اتجاهها رفعت رأسها بكبرياء موجهة له نظرات نارية، فابتسم داخليًا في ارتياح من عودة متمردته مرة أخرى، ثم سألها باهتمام :
-محتاجة حاجة؟!..
هزت راسها نافية وناظرة إليه بازدراء، فلوى فمه بنصف ابتسامة جانبية التقطتها عيونها فسارعت تقول في غيظ :
-أنا بكرهك على فكرة..
تمتم فريد بمرح :
-مش مشكلة.. تكرهينى وأنتِ في بيتي وتحت عيني أحسن من إنك تكرهيني وأننِ بعيد عني..
صمت لبرهة ثم اضاف مازحًا :
-شفتي انا قنوع ازاى ؟!..
لم تعقب حياة على سخريته فقد كانت تفكر بخبث أن انتصاره ذلك مؤقت؛ لذلك فلتتركه يستمتع به قليلًا، وعليه تحركت في أتجاه الباب تهم بالخروج عندما أوقفها صوته العميق يضيف في هدوء :
-الفرح الخميس الجاي.. ده المهم إنك تعرفيه غير كده أنا هتولى باقي الأمور..
كانت على وشك الاعتراض ولكنها تراجعت، فكلما أسرعت في الزواج منه وبدء خطتها مبكرًا كلما تخلصت منه بشكل اسرع، لاحظ هو الصراع الداخلى الذى تمر به والباديًا بوضوح على قسمات وجهها فابتسم تلقائيًا عند تراجعها، مفكرًا في فخر أنه الوحيد الذي يحفظ تعابير صغيرته عن ظهر قلب..
*************
في الخارج نظرت حياة إلى والدتها التي استمعت إلى كل ما حدث مع ابنتها بالداخل ولكنها لم تستطيع التدخل فذلك هو التصرف الصحيح من أجل الجميع، تمتمت حياة بنبرة خالية لجميع من بالغرفة :
-الفرح أخر الاسبوع..
ثم التفتت تلقى نظرة أخيرة تطمئن بها على أخيها قبل أن تنصرف دون حديث.. فقد اكتفت....
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الرابع 4 - بقلم chimaa youssef
مرت الأيام سريعًا وجاء موعد عقد القران، لم تقم أو تهتم بأي شيء ولم يتركها فريد تنشغل بشيء، حتى فستان زفافها الذي أرتده بعد توسلات كثيرة من والدتها كان من اختياره...
تم عقد القران في الفيلا خاصته وسط حضور عدد بسيط من المدعوين، ولكن في النهاية كان كل شيء مثالي وراقي لأقصى حد تحلم به كل فتاة عداها، هذا ما فكرت به حياة وهي تنظر حولها متأملة، انتهت الحفلة سريعًا ولم يحاول فريد خلالها الاقتراب منها أو لمسها، حتى بعد عقد قرانهم اقترب منها يطبع قبلة بسيطة فوق جبهتها، ثم ابتعد فورًا عند شعوره بتململها تحت قبضته، انقضى الحفل وودعت حياة الجميع، ثم بعدها جاء وقت توديع والدتها التي بكت من أعماقها قبل أن تتمتم هامسة في أُذن حياة :
- أنا آسفة يا بنتي بس مكنش في حل تاني..
شددت حياة من احتضانها لوالدتها مُتمتمة لها مطمئنة :
- عارفة وصدقيني مش مضايقة..
كانت حياة صادقة فيما تفوهت به فهي لا تشعر بالضيق نحو أي أحدًا منهم على الاطلاق فلقد اختارت حماية أخاها دون أدنى ضغط من أي طرف، وقرارها ذلك نابع من قلبها فقط ولو عاد الزمن لفعلت نفس الشيء مجددًا من آجله، ثم إنها لا تدرى لعل ذلك هو الخير، ربتت آمنة على شعرها وظهرها بحنان قبل أن تُقبل جبينها وترحل، بينما سألها فريد بنبرة خالية بعد رحيل الجميع :
-تحبي تدخلي دلوقتي؟!..
هزت رأسها له موافقة دون إضافة، ثم دلفت إلى الداخل وطلبت منه أن يُريها غرفتها فورًا فأكثر ما توده هو الخلاص من ذلك الرداء بأسرع ما يمكن، تقدمها نحو الدرج ليرشدها ثم توقف أمام غرفة ما في الطابق العلوي ويفتحها، دلفت حياة للداخل أولًا ثم تبعها فريد بهدوء، فقد كانت غرفة واسعة رائعة الجمال بألوانها الكريمية الهادئة مع أثاثها الخشبي المريح من الطابع الفيكتوري، وأول شيء استرعى انتباه حياة هو وجود بابين داخل الغرفة، فسألته بتوجس وهي تشير برأسها نحو الباب الآخر :
-إيه الباب ده؟!..
أجابها فريد بلامبالاة وقد وضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله :
-ده باب أوضتي، أو بمعنى أصح باقي جناحي..
شعرت حياة بالدم يتدفق بقوة داخل عروقها فأجابته بنبرة حادة :
-يعنى إيه الكلام ده!! وبعدين أنت وعدتني!...
نظر إليها فريد مطولًا حتى ظنت أنه لن يُجيبها قبل أن يقول في هدوء :
-وأنا لسه عند وعدى.. أنتِ طلبتي يبقي ليكي أوضة خاصة.. أهي أوضة خاصة بباب مقفول ومفتاحه معاكي..
ضربت الأرض بقدمها غيظًا صائحة في حنق :
-أوضة خاصة إزاى وأنا في نفس جناحك وبيني وبينك باب!!..
نظر إليها بتسلية قبل أن يجيبها قائلًا :
-الباب مقفول ومش هيتفتح إلا بإذنك.. وبعدين المرة الجاية أبقي حددى طلبك أكتر...
رمي الحديث في وجهها ثم تحرك دون انتظار الرد، يدير قبضة الباب بيده، ثم اختفى داخل غرفته، بينما نظرت حياة إلى أثره بغضب... وهى التي ظنت إنها ستقطن في طابق غير الذي يقطن به ولكن كل ما تحصلت عليه هو جناح واحد والفاصل بينهم هو باب مشترك!!..
اللعنة على هفوتها فالخطأ منها، كيف لم يخطر في عقلها أن فريد سيتلاعب بالكلمات كعادته ويستغلها لصالحه، تحركت بغضب نحو المرآة تقف أمامها لبرُهة قبل أن تحاول فك سحاب فستان زفافها تمهيدًا لخلعه...
زفافها!! يالها من كلمة كبيرة الآن!، تأملت نفسها بالمرأة قليلًا، حسنًا فلتكن واقعية إنّ ذلك الفستان الذي ترتديه غاية في الروعة تمامًا كالذي حدثت والدتها عنه أيامًا وأيامًا، كأنه خرج من مخيلتها وتجسد أمامها!...
رفعت يدها تتأمل ذلك المحبس الموضوع داخل إصبعها بعناية، قبل أن تلوي فمها في سخرية فأي فتاة أخرى كانت ستقفز فرحًا من فرط سعادتها لحصولها على زوج غنى ووسيم كفريد فالحقيقة أنه كان وسيمًا للغاية ببذلته الأنيقة وابتسامته الهادئة وعيونه العسلية التي تشع إصرار وقوة، ولكن ذلك لا يشفع عن طباعه المهلكة...
ربما هي أيضًا إذا حدث ما يحدث الآن منذ عشرة سنوات مضت أو يزيد كانت لتقفز فرحًا بفكرة زواجها من حاميها الأول ولكن الآن الوضع تغير... فها هي متزوجة فعليًا من صديق طفولتها ونقمة حياتها معًا!...
حتى أنه لم يُكلف نفسه عناء التعليق على مظهرها كأي عروس متألقة!، عنفت نفسها مستنكرة بقوة، أتنتظر منه مدح أو تعليق!!!، ليحل البؤس والشقاء على حياتها قبل أن تنتظر منه شيئًا بسيطًا كهذا!...
مقاطعًا أفكارها طرقات خفيفة على الباب المشترك فعلمت أنه هو، وعليه أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تُمسد على ثوبها الناعم وتتحرك لتواجهه، واضعة كفها فوق المقبض ثم حركته على مهل ووقفت تنظر إليه بهدوء منتظرة أن يدلو بما فى جعبته أولًا، فناظرها مطولًا بينما يضع يديه في جيويه مفكرًا في إعجاب، كم إنها صغيرة وجميلة!..
أميرته الخاصة، هل تعلم كم تبدو فاتنة بذلك الثوب الأبيض؟!، بل هل تعلم كم حلم وتمنى تلك اللحظه؟!، سنوات نسي حتى أحصاءها..
هل تعلم أنه طوال حياته لم يقترب من أي إمرأه أخرى فقط ينتظر إشارتها؟!، زفر في لوعة فمظهرها الرقيق بنظرة عينيها الحائرة التي تفصح عن أكثر بكثير مما تصمت عنه تجعله يفقد السيطرة على أعصابه ومنحنى تفكيره، وبعد لحظات تنحنح محاولًا تنقية حلقه قبل أن يقول بنبرة حانية :
-أنتِ جميلة أوي النهاردة.. لأ أنتِ جميلة كل يوم وأجمل في عيني يوم عن يوم بس النهاردة جمالك من نوع تاني...
شعرت حياة بالخجل من تفكيرها أيعقل أنه علم بما كانت تفكر به منذ قليل، تُرى هل يمتلك تلك الميزة حقًا!...
أسفلت بأهدابها للأسفل تهرب منه حتى لا يرى ارتباك نظرتها، ولم تدري بأنه ليس بحاجة إلى أن يراها ليعلم رد فعلها، هذا ما فكر به وهو ينظر إلى احمرار وجنتيها قبل أن يحرك يده داخل جيب بنطاله يلتقط شيئًا ما من داخلها، ثم مد يده بعد إخراجها في اتجاهها، عبست حياة في حيرة وهي ترى يده ممدودة أمامها بورقة تبدو كقطعة قماش مطوية بعناية، فرفعت رأسها تسأله وهي لازالت محافظة على تقطيبة الجبين :
-إيه ده؟!..
أجابها فريد في هدوء :
-ده الورق اللي يخص والدك وطلبتي مني أقطعه...
تمتمت حياة وقد تذكرت :
-آه أنا نسيت حكاية الورق ده خالص...
أجابها فريد في هوادة :
-بس أنا منستش.. أنا وعدتك أنى هنفذ اللي طلبتيه كله بس ملقتش فرصة أديهولك قبل كتب الكتاب لأنك كنتى بتتهربي من إنك تشوفيني...
شعرت بالخجل يزحف نحو وجنتيها مجددًا فهو محق في ملاحظته العابرة تلك، فطوال يومها حاولت الهروب من رؤيته أو مصادفته بأي شكلًا كان، بينما أضاف فريد بثبات وقد تبدلت ملامحه :
-عمتًا الورق قدامك أهو تقدرى تعملي فيه اللي أنتِ عايزاه...
مدت يدها ببطء تأخذ منه الأوراق مع قطعة القماش المطوية والمخفية أسفله تاركة له المجال ليعود إلي غرفته، ذلك قبل أن يتوقف مرة أخرى عائدًا إليها ومتحدثًا في هدوء :
-حياة .. لو حبيتي تاكلي هتلاقي العشا تحت جاهز .. أنا مطلبتش منهم يطلعوه هنا عشان متأكد إنك مش هتحبي تتعشي معايا وطبعًا مش منطقي من أول ليلة هطلب منهم يطلعوا عشا لكل حد فينا لوحده...
أنهى حديثه دون انتظاره تعقيبها بل مد يده يلتقط مقبض الباب المشترك بينهم ويغلقه، تاركها تشعر بالخجل للمرة الثالثة على التوالي من حديثه ولكن لا...
لن تنخدع بكل ذلك، ذكرت نفسها أنه هو من ابتزها ليتزوجها، إذًا فليتحمل شروطها وأسلوبها مهما كان فظ، ثم أنه لا يمتلك قلب مثل البشر ليشعر أو يتألم!..
زفرت ثم تحركت نحو المنضدة تضع الورق فوقها ثم منه إلى خزانة الملابس لتبديل ثيابها، وما أن فتحت الخزانه حتى شهقت في عدم تصديق، فهي تحتوي على الكثير والكثير من الملابس بألوانها وأقمشتها المفضلة لديها، يالله لقد وقعت في حبهم على الفور!، كيف استطاع معرفة ذوقها لذلك الحد؟!...
لا..... ذكرت نفسها للمرة الثانية بحزم، لن ترتدي من ملابسه ولن تنصاع لأغواءه الخفي، فهي قد أحضرت معها بالفعل جميع ملابسها التي كانت تدخرها لزواجها، ستستخدمها عوضًا عن تلك الملابس التي أبتاعها لها ولتبقي ثيابه له!...
التقطت إحدى البيجامات الناعمة من حقيبتها، ثم تحركت نحو الحمام لتغيير ملابسها... فقط للاحتياط...
وبعد قليل خرجت وقد بدلت ملابسها وأزالت آثار المكياج الذي غطى وجهها بعدما أخذت حمامًا سريعًا تُريح به أعصابها وربطت شعرها على هيئة كعكة بسيطة وجلست على حافة الفراش بجوار المنضدة في صمت تسحب الورق الذي أعطاه لها منذ قليل، فتحته ووجدت توقيع والدها يقبع هناك بهدوء، تنهدت في ارتياح ممزوج بالألم ثم قامت بتمزيقه إلى قصاصات صغيرة وألقته في سلة المهملات في اشمئزاز بجوار فراشها، وبعدها مدت يدها مرة أخرى تلتقط قطعة القماش المطوية وفتحتها على مضض متوجسة...
ثم سرعات ما شهقت في إعجاب فور وقوع عينيها على المحرمة الحريرية، ولم يكن ما أثار دهشتها الحسنة سوى منديل عقد قرانهم!، لمعت عينيها بانبهار صريح إذ كان تحفة فنية رائعة، وقد زُينت أطرافه في مهارة بالجُبير الرائع ونُقش بداخله يدويًا بخيوط من الذهب....
"قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي"
في بداية الأمر أرادت إلقائه مع باقي الأوراق في سلة المهملات ولكن براعة تنفيذه منعتها من ذلك، لذلك قامت بطيهِ بعناية مرةً أخرى، ثم وضعته بحرص داخل أحد أدراج الخزانة، ثم عادت إلى الفراش تستلقي فوقه في محاولة فاشلة منها للنوم...
تأففت بعد مدة تنظر في ساعتها وقد فشلت مساعيها، فوجدتها قد تجاوزت الواحدة صباحًا، حسنًا لن تستلقي هناك طيلة الليل فيبدو أن كل محاولاتها البائسة في النوم ذهبت جفاء، وعليه أضاءت مصباح الغرفة قبل أن تقرر استكشاف الشرفة، ففتحت النافذة ودلفت إليها وإذا بها تشهق في سعادة، فغرفتها مطلة تمامًا على البحر، ابتسمت بعمق وهي تتقدم إلى الأمام بداخلها حتى استندت على جدارها تستمع بذلك الهواء البارد الذي يلفح وجهها مُغلف برائحة اليود المنبعثة بقوة من رذاذ البحر، التفت يمينًا تنظر إلى الضوء المنبعث فتسمرت مكانها، إن شرفتها أيضًا مشتركة معه!....
لقد قام بعزل الغرفة ولكنه ترك الشرفة مشتركة كما هي، ارتبكت بشدة عندما سمعت وقع خطوات تقترب منها آتية من غرفته فعادت راكضة إلى غرفتها تُغلق نافذة الشرفة خلفها جيدًا وتندس داخل الفراش، وهي تفكر حانقة... اللعنة عليه أن غضبها منه يزداد مع مرور الوقت فكيف ستتحمل عشرته كل ذلك الوقت حتى يأتي يوم الخلاص؟!...
***********
فتحت عينيها في الصباح بثقل بعد نوم ليلة متقطعة لم تغفي سوى في أخرها، تناظر ما حولها وهي مستلقية فوق الفراش تحاول إجبار عقلها على تقبل ما مرت به منذ البارحة حتى تستطيع التعامل مع كل تلك التغييرات حديثة العهد، قبل أن تزفر بيأس فليس هناك أمل فى التظاهر بالنوم حتى يصبح كل شيء على ما يرام، حثت نفسها على القيام ومواجهة قدرها فليست "حياة" من تتهرب من عقبات حياتها، وبعد قليل كانت تقف أمام مرأة غرفتها تصفف شعرها جيدًا ثم عقدته للأعلى على هيئة كعكه بسيطة أبرزت نعومته، ثم لوت فمها بسخرية وهي تنظر في انعكاس صورتها تتفحص هيئتها البسيطة بهذا البنطال من الجينز الفاتح مع تيشرت قطني خفيف فكان مظهرها أبعد ما يكون عن عروس جديدة، تنهدت بثقل وقد عادت إليها تلك الأفكار التي تحاول الهرب منها منذ البارحة، كيف ستتعامل معه؟!... فبرغم تظاهرها بالقوة أمامه إلا إنها في الحقيقة تخشاه للغاية، أو بالأدق تخشى التواجد معه في نفس المنزل فهي لا تعلم أبدًا ردود أفعاله عن أي شيء إذ انقطعت علاقتها به منذ ما يقارب الخمسة عشر عامًا، وما تعلمه عنه في تعامله مع غيره لا يبشر بالخير على الإطلاق، هل سيفي بوعده لها أم هو فقط يجاريها؟!، هل سيستخدم العنف معها مثلما كان يفعل والده مع والدته؟!، كان هذا أكثر ما تخشاه وقد أصبحت الآن في عرينه بمفردها وليس لديها من يدافع عنها أو يحميها من بطشه...
تذكرت بأمل أن دائمًا لديها الله، لذلك تضرعت له بقلب مفعم بالرجاء أن يحميها من بطشه وقوته، ثم رفعت رأسها بكبرياء تستعد لاستقبال أول يوم في أسرها وأول شيء قررت القيام به هو استكشاف سجنها، وعليه فتحت باب غرفتها بهدوء تخشي إصدار أي صوت قد يُعلن عن وجودها فيذكره بها وكأنها ينساها!!...
التفتت يمينًا ويسارًا تبحث عنه فلم تلمح له أثر، تنهدت براحة ثم استأنفت طريقها للأسفل، وأول ما لفت انتباهها بمجرد وصولها للأسفل هو كل تلك الأجساد الضخمة التي تقف متأهبة داخل الحديقة وعلى أعتاب المنزل الداخلية!...
بالطبع لم يكن الأمر يحتاج لذكاء خارق لتدرك أن كل هؤلاء الرجال للحماية ولن تتفاجيء إذا علمت أن نصفهم للحرص على إبقائها داخل أسوار ذلك القفص، وأثناء تفحصها لهم استرعى انتباهها زوج من العيون يتأملها بحذر، فالتفتت تتقدم للأمام مدققة النظر فإذا بها ترى امرأة في منتصف الثلاثينيات على أقصى تقدير ذات قوام متناسق ووجه أبيض رائع الجمال ترتدي زي رسمي وتنظر إلي حياة بتفحص من رأسها حتى أخمص قدميها...
توقفت الأخيرة عن السير ولم تدرِ لمً لم تُعجبها نظرات تلك المرأة لها!!، على كل حال تجاهلت حدسها وسألتها بفضول :
-مين حضرتك؟؟!!!..
أجابتها المرأه بنبرة رسمية خالية من أي عاطفة :
-أنا عزة.. مديرة البيت هنا...
لوت حياة فمها بيأس فيبدو أن إقامتها هنا لن تكون سهلة على الإطلاق، على كلًا هزت كتفيها بعدم اهتمام ثم استأنفت طريقها عدة خطوات للأمام قبل أن تتوقف فجأة وتعقد حاجبيها معًا في عبوس وقد رأت إحدى زجاجات الخمر موضوعة فوق بار للمشروبات بعشوائية، وبالطبع لم تتخذ الكثير من الوقت قبل أن تقرر ما عليها فعله، لذا استدارت بجذعها للخلف مرةً أخرى توجه حديثها إلى تلك التي لحقت بها :
-مدام عزة لو سمحتي خدى الازايز دي بالكاسات بتاعتها أرميهم...
اجابتها مدبرة المنزل بكبرياء محافظة على نبرتها الجامدة معها :
-آسفة يا هانم.. دى حاجات فريد بيه ومقدرش أتصرف فيها غير بأمره هو...
رفعت حياة أحد حاجبيها باندهاش قبل أن تحرك راسها موافقة في سخرية، بينما تلوى طرف فمها بابتسامة هازئة قائلة في إصرار :
-طب تمام.. تقدري تندهيلي حد من الحرس اللي واقف بره دول.. بيتهيألى مش محتاجة إذن فريد بيه في حاجة زي دي صح؟!!...
نظرت إليها عزة بتشكك واضح قبل أن تتحرك نحو الحديقة، ثم اختفت لثوانِ عائدة بعد قليل وبصحبتها أحد الأفراد مرتديًا بذلة سوداء ويحمل أحد الأسلحة فوق خصره بوضوح، تشدقّت حياة حانقة وهي تنظر إلى مظهره المرعب تشعر وكأنها سقطت في إحدى دور المافيا الإيطالية!!،... تُرى هل كل ذلك حلم ستفيق منه بعد قليل؟!!...
كان ذلك اقصى أمانيها في الوقت الحالي، على كلًا أغمضت عينيها لبرهة قبل أن تفتحهم مرة أخرى وتطلب من الحارس بهدوء :
-لو سمحت ممكن تجيبلي صندوق خشب مقفول أو برميل؟!.. عايزة أي حاجة متسربش مياة...
حرك الحارس رأسه على الفور باحترام قبل أن يجيبها بالإيجاب :
-حالًا يافندم ويكون عند حضرتك...
ثم تحرك للخلف وهو لازال يعطيها وجهه حتى اختفى عن الأنظار، وقتها التفتت حياة مرةً أخرى بعد ذهابه تسأل من تصاحبها بنبرة متحدية :
-عايزة جوانتي.. أكيد عندك..
أومأت عزة لها برأسها قبل أن تختفى هي الأخرى لتحضر طلبها، بينما زفرت حياة حانقة وهى تفكر في تلك المرأة وطريقتها العدائية في التعامل معها.. ألا يكفيها ما تُلاقيه!..
أعادها من شرود أفكارها عودة الحارس حاملًا وعاد أزرق عميق فابتسمت له بسعادة، ثم طلبت منه وضعه أمامها والانصراف، فنفذ على الفور دون جدال، ثم بعد ذلك جاءتها مدبرة المنزل تحمل لها القفازات فارتدتها على الفور ، وعندما همت بإمساك الزجاجة الموضوعة فوق البار شعرت بعيون تحدق بها، فالتفتت نحوها متفاجئة بها لازالت واقفة مكانها تراقبها، زفرت حياة مطولًا ثم قالت في هدوء يشوبه الكثير والكثير من تمردها المعهود :
-على فكرة تقدرى تتفضلي أنا مش محتاجة حاجة..
أومأت لها مدبرة المنزل بنفاذ صبر قبل أن تتحرك للداخل بتردد وتتركها بمفردها تعلم جيدًا ما تنتوى الضيفة الجديدة فعله...
*************
كان فريد يجلس في غرفه مكتبه المطلة مباشرةً على البحر خلف مكتبه الواسع في مقعده الجلدي المريح يدقق في إحدى الملفات الموضوعة أمامه عندما تناهي لمسامعه أصوات تحطم قادمة من الخارج، أرهف سمعه فإذا بها أصوات تحطم زجاج، ركض على الفور نحو الخارج يتبع مصدر الصوت وقلبه ينتفض رعبًا عليها ظنًا منه أن أحد أعدائه قد تجرأ على مهاجمه المنزل، صرخً باسم أحد الحراس بقوة مما جعل حياة تنتفض قبل أن يتوقف مصدومًا أمام صغيرته التي تناظره بتحدي واضعة يدها فوق خصرها،بينما تزم شفتيها للأمام ويدها الأخرى تلقى بما تحمله من زجاجات الخمر في وعاء أزرق عميق واحدة تلو الأخرى دون إزاحة عدستاها بعيدًا عنه، جابت عينيه جسدها ونظرات الإعجاب ظاهرة عليه، كم سيسعده ترويضها!.. هذا إن استطاع التفريط بها أساسًا!، رفعت حياة رأسها على صوته العميق الغاضب :
-حياة!!! هتجرحي نفسك!!..
استعادت هدوئها ثم نظرت إليه بعيون متحدية تتفحصه وهو يقف أمامها يرتدى تيشرت أزرق يبرز عضلاته بقوة ويضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله، ثم رفعت حاجبيها مع نظرة مغيظة له قبل أن تتحرك نحو البار تلتقط آخر زجاجة موضوعه به، ثم رفعتها بتحدي أمام وجهه وتحركت بها حتى توقفت امام الوعاء مرة أخرى وقامت بإلقائها من ارتفاع عالي فأصدرت ضجيج قوى من ارتطامها ببقايا الزجاج الملقى بالداخل...
حاول جاهدًا كبت ضحكته ولم تلاحظ هي بريق التسلية في عينيه، قائلًا بعدما تنحنح لتنقيه حلقه وإخراج صوته حازمًا :
-على أساس إنك لما تكسريهم مش هعرف أجيب غيرهم تاني!!...
عقدت كلتا ذراعيها أمام صدرها في تأهب، ثم تحركت ببطء في خطوات ثابتة نحوه قبل أن تقف أمامه مباشرةً وترفع راسها بكبرياء حتى تصل لعينيه، ثم تحدثت بنبرة ثابتة قوية عكس ما تشعر بداخلها تمامًا وتقول :
-من اللحظة اللي أجبرتني فيها على إنى أكون مراتك ودخلتني بيتك وبقى اسمى مرتبط بأسمك والبيت ده بقى بيتي أنا كمان.. وأنا معنديش استعداد لحظة واحدة أقعد فى بيت بيتعصى فيه ربنا بالشكل ده.. وأوعى في يوم تفكر أن قبولى بيك معناه قبولى لشياطينك معاك.. البيت اللي هكون موجودة فيه لازم يكون نضيف...
صمتت قليلًا تطالع عرق خفيف بدء ينتفض في جانب صدغه ولكنها كانت تغلى غضبًا من كل ما حدث منذ البارحة ولن تستطيع التوقف الآن، أضافت محافظة على نفس نبرتها وتحديها :
-عايز تشرب هنا اتفضل.. بس ساعتها هتكون ملزم تجبلي بيت تانى أعيش فيه حتى لو أوضة واحدة.. وخليك متأكد إنى هحارب على طهارتها بروحي...
أنهت حديثها وصدرها يعلو ويهبط أمامها من شدة التوتر والغضب معًا، بينما ظل فريد ينظر إليها مطولًا دون أن ينبس ببنت شفة وهي أيضًا، لم تستطيع إزاحة عينيها من أمام عينيه فقد كانت مسألة إرادة بالنسبة لها وشعرت إنها لو حركتها بعيدًا عنه لأعلنت بذلك هزيمتها، وهي أبدًا لن تُهزم أمامه...
ظلا هكذا لمدة دقيقة أو يزيد، ينظر إليها بشرر يتطاير من عينيه قبل أن تلين نظراته وتتحول إلى شيء آخر يعلم أنه لن يستطيع تحقيقه ولو بعد حين، ولكن.... ليس بيده حيله فوقوفها أمامه الآن بكل ذلك التحدي يثيره إلى أقصى درجة ممكنة، مقاطعًا أفكاره دخول الحارس يسأله بقلق :
-فريد بيه.. في حاجة حصلت؟!.
صاح به فريد بغضب بعد أن حول نظره عن حياة وقد تبدلت ملامحه ونبرته :
-مين الحيوان اللي دخل البرميل ده هنا؟!.
هبت حياة تجيبه بشجاعة وهي تنظر للحارس نظرة ذات مغزى من وراء فريد قائلة :
-محدش جابه.. أنا اللى جبته لوحدي!..
التفت فريد ينظر إليها نظرة متشككة قبل أن يعود بغضبه للحارس :
-لما أسألك ترد علياااا!! .. مين اللي دخله هنا انطق!!! ..
فتح الحارس فمه ليجيب قبل أن يسكته صوت حياة الهاتف للمرة الثانية :
-أنا قلتلك إنى جبته لوحدي.. روحت الجنينة جبته ورجعت..
بالرغم من نبرتها القوية ونظرتها الثابتة فوقه ألا أنه استطاع أن يرى الخوف في عينيها، لانت نظرته أمام حيرة نظرتها وطول أهدابها فوقهم، مقاطعًا للمرة الثانية تأمله بها صوت مدبرة منزله تقول في وقار :
-فريد بيه.. الفطار جاهز ..
أجابها فريد دون أن يحول عينيه عن حياة التي التفتت تنظر إلى مصدر الصوت بتركيز بمجرد سماعه :
-تمام.. روحي أنتِ وأحنا هنحصلك...
شدد على حروف جملته الأخيرة بقوة مما جعل حياة تفكر في الرفض إغاظة له، ولكن كان لمعدتها رأيي آخر فهي لم تتناول شيء منذ صباح البارحة، لذا وعندما أشار فريد لها بيده نحو غرفة الطعام كي تتقدمه تحركت أمامه في صمت وكبرياء منتهزة الفرصة للهروب من الموقف، بينما التفت هو يحدث حارسه بنبرة متوعدة :
-حسابك معايا مخلصش بس خليه لبعدين...
أنهى جملته ثم استدار يكمل طريقه ويتبعها، دلفت حياة للغرفة فتفاجئت بعزة مدبرة منزله تقف خلف الطاولة في هدوء، فتوقفت الأخيرة تفكر بيأس كيف ستتمكن بتمرير الطعام داخل حلقها في ذلك الجو المتوتر المشحون، كانت غارقة في تلك الفكرة فلم تشعر بتحرك فريد خلفها يسحب لها إحدى مقاعد الطاولة للجلوس، اندهشت من فعلته تلك والحقيقة إنها أعُجبت بها فهي لم تتوقع أبدًا أن يصدر منه مثل ذلك الفعل تجهاها بعد ما حدث بينهم منذ قليل، ولكنها سرعان ما حذرت نفسها فهو يفعل ذلك فقط من أجل خداعها، تحركت تخفض جسدها قليلًا لتجلس غافلة عن نظرات الحقد التي تخترق ظهرها، وبمجرد جلوسهم أومأ فريد لمديرة منزله برأسه متمتمًا :
- تقدري ترجعي للمطبخ مش محتاجينك معانا..
لم يصدر منها أى رد فعل ولكنها سألته باهتمام :
-حضرتك تحب تطلب أو تضيف حاجة معينة للغدا النهاردة؟!..
نظر فريد باتجاه حياة ثم أجاب بنبرة حانية :
-لا .. تقدري تسألى حياة هانم.. ومن هنا ورايح تنسقي معاها كل يوم وتشوفي هي هتقولك إيه..
رفعت حياة رأسها لأعلى تنظر إليه باندهاش قبل أن تحول نظرتها نحو مدبرة المنزل وقد انقبضت معدتها من سهام النظرة القوية الجافة المنطلقة نحوها...
اللعنة!! ماذا يحدث هنا؟!!، لماذا توجه إليها تلك المرأة كل تلك النظرات الغير مريحة؟، تنهدت حياة بإحباط فقد ضاع أملها في أن يصبح لديها صديق داخل ذلك المنزل!، شردت في تلك الفكرة وهي تنظر إلى وجه عزة قبل أن يلفت انتباهها نظرة الأخيرة لفريد، لقد كانت النقيض لنظرتها له!، كان هو مستغرق في تناول طعامه ولم يعي تلك النظرة المبهورة الموجهه نحوه من مدبرة منزله....
وضعت حياة كفيها بأحباط فوق وجهها وهي تعود بظهرها إلى الوراء لتستند على ظهر المقعد، حسنًا ما الذي يحدث هنا الآن؟!، أيُعقل أنها عشيقته أو أي شيء من ذلك القبيل!!، إنها ليست غبية وتعرف نظرات الإعجاب جيدًا حين تراها!، جعدت جبينها بحزن وهي تفكر بقلق هذا ما كان ينقصها!، لا يكفيه ما سببه لها من تعقيدات حتى الآن ليجمعها مع عشيقته أو أيا كان مسماها تحت سقف واحد!...
هزت رأسها مستنكرة ماهذا الذى تفكر به!! إنها تتهم امرأة مثلها بالسوء فقط من أجل نظرة لاحظتها!، كيف تفعل ذلك!!!، ربما كل ذلك من وحي خيالها وربما هو مجرد إعجاب من طرف واحد لم يتعدى تلك النظرة، شعرت بالذنب من نفسها وقررت تجاهل الأمر بأكمله فذلك لا يعنيها...
لاحظ فريد صراع المشاعر المرسوم بدقة على وجهها ونظرتها ولاحظ أيضًا عدم تناولها للطعام، ففتح فمه ليتحدث إليها ولكنه أغلقه مرةً أخرى فهو يعرفها جيدًا ويعلم أنه إذا طلب منها تناول طعامها ستعانده، بينما حاولت هي دس أي شيء داخل فمها ولكن كان لحلقها رأيي آخر مخالف لها، فوضعت شوكتها بإحباط متراجعة،ثم نظرت له تسأله ولم تستطع في الأخير جمح ركاب فضولها لأكثر من ذلك، وعليه تحدثت بهدوء محاولة إخفاء فضولها بعد خروج مديرة المنزل :
-هي عزة شغاله هنا من زمان؟!..
أجابها بعدم اهتمام مرتشفًا قهوته دون النظر نحوها :
-مش فاكر.. يمكن ٣ سنين...
علمت من نبرته أنه لا يريد الاستمرار في ذلك الحديث، ولكنها لن تتركه حتى تحصل على أجوبتها فأضافت :
-مع أن شكلها صغير.. يمكن قدي أو أكبر شويه!...
رفع رأسه ينظر إليها بنظرة متشككة ثم أجاب بتركيز :
-لما أتوظفت هنا كان عمرها ٣٠..
شهقت حياة بصدمة دون وعى متمتمة :
-دي قدك تقريبًا!!!!!...
عقد حاجبيه معًا وضاقت عينيه فوقها يتأملها فأضافت مبررة بعد شعورها بشكه من كثرة أسئلتها :
-أصل أنا مستغربة أنها عرفتني بنفسها على إنها مديرة البيت في الوقت اللي ماما كانت فيه هنا!! يعنى ماما كان لازمتها إيه؟!...
نظر لها مطولًا وهو يعود بظهره ليسترخي فوق المقعد حتى شعرت أنه لن يجيب عن سؤالها ثم تحدث باقتضاب :
-كانت جنبي..
هزت رأسها فقد أدركت معنى إجابته قبل أن تزم شفتيها معًا للأمام في حركه طفولية، فتحرك من مقعده ليقف أمامها بنفاذ صبر ثم حدثها آمرًا في ضيق :
-متعمليش الحركة تاني...
أساءت فهم مقصده وظنت إنها تغضبه فعقدت النية في قرارة نفسها أن تفعلها أمامه كلما أتاحت لها الفرصة عنادًا به.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الخامس 5 - بقلم chimaa youssef
بعد انتهاء الفطور انسحب فريد مرة أخرى إلى غرفة مكتبه بينما قررت حياة استئناف اكتشافها للمنزل، فقبل مقابلة عزة المثيرة للأعصاب كانت تنتوي الدخول للمطبخ فهو يعد من إحدى هواياتها المفضلة، أما الآن فهى تعلم جيدًا أن وجودها بداخله غير مرحب به!...
زفرت في ضيق ثم اكملت جولتها بداخل المنزل ولم تملك ألا الإعجاب به حقيقةً فكل ركن به مفروش بعناية وذوق رفيع، ولم يتبقِ لها سوى المطبخ لدخوله، وفي الحقيقة كان ينتابها الكثير من الفضول لرؤيته ورؤيه تأثيثه وتجهيزاته بعد كل ما ادهشها من زوايا المنزل، لذلك وقفت مترددة تحاول الوصول لقرار، ثم رفعت رأسها بكبرياء وقررت زيارته فهو في الأخير منزلها هي ولن يمنعها أحد عنه، وما أن خطت بداخله حتى رأت ثلاثة أزواج من العيون تناظرها ما بين مهتم ومستنكر ، زوج منهم أصبحت تعرفه جيدًا، أما الآخرين فغريبان كليًا عنها...
تنحنحت حياة بحرج وهي تقف في مدخله مترددة، وعلى الفور تقدمت نحوها سيدة ممتلئة الجسد، في منتصف الخمسينات من عمرها تقريبًا، قصيرة القوام ذو ابتسامة دافئة آحبتها حياة على الفور فبادلتها ابتسامتها بأشراق....
تحدثت السيدة بنبرة أكثر دفئًا، بينما تمد يدها في اتجاه الواقفة كي تحتضن كلتا يديها بحب متسائلة :
-اكيد أنتِ بنت آمنة حياة.. قصدى حياة هانم...
هزت حياة رأسها لها بأيجاب ثم بالنفى وهي لازالت تحافظ على ابتسامتها الواسعة :
-لا طبعًا أنا اسمى حياة بس.. وآه أنا بنت آمنة حضرتك تعرفيها؟!..
مسحت المرأة على شعر محدثتها بحنان ونظرات الإعجاب تملؤها قائلة :
-ماشاء الله.. آمنة عرفت تربي.. ليه حق فريد.. جميلة خلقًا وخُلقًا..
أخفضت حياة رأسها بخجل والأحمرار يغزو وجنتها فأضافت السيدة متمتمة :
-صحيح نسيت أعرفك بنفسي.. أنا عفاف المسئولة عن الطبخ والمطبخ هنا...
ثم اشارت إلى رجل في مقتبل الستينات من عمره كان يجلس على الطاولة بهدوء يتناول طعامه ولكنه نهض بمجرد دخولها ورؤيتها :
-وده بقي عمك رضا.. جوزى والجنايني بتاع الفيلا...
أومأ الرجل الستيني برأسه لحياة يحييها باحترام ووقار متفاجئًا من رد فعلها، إذا تقدمت نحوه تمد يدها في اتجاهه متمتمة في حبور :
-أزي حضرتك ياعم رضا...
أجابها معجبًا بسلوكها الودود :
-بقيت أحسن لما شفتك يابنتي.. ربنا يباركله فيكي...
تمتمت حياة بخجل موجهه حديثها للسيدة عفاف :
- لو حضرتك مش هتضايقي ممكن أقعد معاكم شوية؟!..
اجابتها عفاف بترحاب لم تعهده حتى من والدتها :
-ياخبر أبيض!! أنتِ بتسأذنيني عشان تقعدى في بيتك!!.. ده المطبخ كله ينور...
ثم سحبتها بحنان لتجلس على أحد المقاعد الموجودة به وللحق كان وثيرًا وناعمًا مثل مقاعد الاستقبال في الخارج، ولم تعلم كم شعرت حياة بالسعادة من ذلك الاستقبال الحميمي فعلى الأقل شعرت أنها فازت بصديق في ذلك المنزل الكبير الجاف...
خرج عم رضا بعد قليل ولم يتبقِ سوى ثلاثتهم معًا، كانت السيدة عفاف تثرثر مع حياة دون توقف قبل أن تتوقف لتسألها بعبوس :
-شوفى أنا اكلت دماغك أزاي ونسيت أسألك!! تحبى أعملك حاجة مخصوص للغدا النهاردة؟!! .. اكيد مش هتحبي تأكلي أكل فريد بيه من أول يوم كده...
ضمت حياة حاجبيها معًا بتركيز مستفسرة :
-ليه مش هحب أكله؟!..
أجابتها عفاف مسترسلة في شرحها وهي تجعد أنفها وتهمس كأنه سر حربي خطير :
-مانتِ أكيد عارفة.. فريد بيه بيحافظ على صحته أزاي مش بيأكل غير أنواع أكل محددة كله خضار ومفيهوش ملح وحاجات غريبة كده وبعدها بيدخل الجيم ويقفل على نفسه مبيطلعش قبل ساعتين تقريبًا كل يوم وممنوع حد يدخله.. تقريبًا الجيم والمكتب محظورين أى حد يدخلهم وهو فيهم إلا لو هو طلب..
صمتت قليلًا لتزدرد ريقها وهي تتفحص حياة قبل أن تضيف بابتسامة واسعة :
-طبعًا الكلام ده مش ليكي أكيد فريد بيه هيحب تكوني جنبه على طول..
زمجرت مدبرة المنزل القابعة بهدوء على أحد المقاعد وتستمع لحديثهم دون المشاركة فيه :
-ست عفاف بيتهيألي كفاية كلام كده وتخلصي اللي وراكي ميعاد الغدا قرب..
حدجتها عفاف بنظرة حانقة قبل أن تجيبها قائلة :
-عزة.. أنا بتكلم أنا والهانم وأنا بشتغل وهي مش معطلاني.. روحي بس أنتِ شوفي وراكي إيه بدل مانتِ قاعدلنا كده!.
ضربت الأخيرة الأرض بقدمها غيظًا قبل أن تحدج حياة بنظرة غل وتتجه نحو الخارج، بينما أعادت عفاف تركيزها نحو حياة متسائلة:
-أحنا وقفنا لحد فين؟!.
-آه كنت بقولك أن فريد بيه محبش في الدنيا دي حد قدك.. أنا من ساعة ما جيت هنا وأنا مش بسمع غير عن حبه ليكي..
أرادت حياة فتح فمها للاعتراض وقول ملاحظة لاذعة ولكنها عدلت عن ذلك ففي النهايج لن تتحدث عنه أمام موظفته،لذا آثرت الصمت.
************
في تلك الأثناء كان فريد يجلس خلف مكتبه وعروق وجهه بارزة من شدة الغضب إذ كان يتحدث فى الهاتف في عصبية، صائحًا بمساعده :
-يعنى إيه يعلى علينا السعر هو لعب عياااااال...
تعلثم المساعد في نبرته يحاول تبرير الموقف:
-ما.. ما يا فندم.....
قاطعه فريد بغلظة قائلًا في سخرية :
-أنت لسه هتمئمئلى اخلللللص!...
نطق كلمته الأخيرة بصراخ جعلت الرجل على الطرف الأخر ينتفض فزعًا قبل أن يقول مسرعًا :
-يافريد بيه.. هو بيقول أن الشركة برة علت عليه وهو معندهوش استعداد يتحمل الخسارة...
جحظت عيناه للخارج ملتمعة في قسوة قبل أن يصمت قليلًا مفكرًا بعمق وقائلًا بعدها في توعد :
-الجنيدي بيلوى دراعى صح!!.. أنا عارف كويس أن مفيش حاجة من دي حصلت.. هو فاكر كده بيضربنى يعنى!!!!.. هو كده جاب آخره معايا.. بس ورحممممة أمممى أن ما كنت أفلسه مبقاش فريد!...
حك ذقنه بيديه ثم تابع بصيغة الأمر :
-أسمع.. قدامك أسبوع وتكون ظبطلى مع الشركة الألمانية اللى عطياه التوكيل وتبلغني...
أجابه مساعده برعب :
-بس يا فريد بيه أحنا كده بنعلن الحرب عليهم وعيلة الجنيدي مش قليلة في السوق...
صاح به فريد غاضبًا :
-نبيل!! اظبط معايا كده ولو بتخاف روح أقعد في بيتك...
سارع نبيل يجيبه مبررًا توجساته :
-يافندم أنا خايف على ساعتك مش أكتر...
أجابه فريد بينما يصر على أسنانه في شراسة :
-لسه متخلقش اللي يقف قدامي أو يلوي دراعي...
حرك كفه داخل فروة رأسه مفكرًا، ثم تابع بنفس صيغة الأمر التي نادرًا ما يتنازل عنها :
- ظبطلي بس أنت الشركة وأنا هقولك بعدها هنعمل إيه...
انتهى من إملاء أوامره ثم اغلق الهاتف بنفاذ صبر وألقاه بقوة فوق سطح مكتبه بينما فمه لا يتوقف عن التوعد لعائلة الجنيدي وخاصةً كبيرها.
*************
مضى الوقت وجاء موعد وجبة الغذاء سريعًا على عكس رغبتها، وعليه دلفت حياة غرفة الطعام على مضض تقدم ساق وتؤخر الأخرى فوجدته يجلس على قائمة الطاولة باسترخاء ينتظر قدومها وكأنه لم يكن يسبُ ويلعن مُذ قليل!، نظر إليها بتمعن يتأمل ملامحها المتجهمة فانفرجت تقاسيم وجهه على الفور، حتى وهي في تلك الحالة المتحفزة تستطيع تبديل مزاجه بنظرة واحدة منها!، لقد أصبحت كالمخدر بالنسبة إليه، مخدر جديد فريد من نوعه وخاص به وحده، من ذلك النوع الذي يجعل الزمن يتوقف عن الحركة وينسى معها ماضيه وما يخشاه من حاضره ومستقبله، هذا ما فكر به في حب، بينما قررت هى تجاهله والتصرف بلامبالاة في وجوده مثله!...
لذلك توجهت مباشرةً نحو أحد المقاعد البعيدة عنه نسبيًا لتجلس فوقه بهدوء متعمدة إثارة أعصابه، فنظر إليها مليًا نظرة خالية مطولة، قبل أن ينطق بجملته متشدقًا في سخرية :
-بصى كده كويسة هتلاقي إنى الحمدلله معنديش مرض معدي.. ولا أحنا في نص الشهر والقمر بدر فخايفة روح المستئذب اللي جوايا تخرج فاتحول وأقوم أعضك!!..
نظرت إليه بصدمة ممزوجة بالكثير من تعبير البلاهة قبل استيعابها حديثه، بينما أنتظر هو رد أي فعل منها دون فائدة تُرجي لذلك تمتم بنفاذ صبر قائلًا بتهديد ونبرة صارمة لا تحمل التشكيك :
-هتتفضلي تقعدي جنبي من نفسك ولا تحبي اجي اشيلك؟!...
قفزت من مقعدها على الفور بمجرد سماع جملته فكلًا من نبرته الخشنة ونظرته المتأهبة كانت توحى بجديته التامة، لذا جلست في المقعد المجاور له دون تردد، متجنبة رفع عيناها نحوه حتى لا ترى نظراته الباردة التي يرمقها بها منذ الصباح...
وفي تلك الأثناء دلفت السيدة عفاف داخل الغرفة تحمل الوعاء الخاص بالطعام بين يديها المجعدة، وبعدما وضعته فوق الطاولة وشرعت في بدء عملها وقتها تحركت حياة من مقعدها تتحدث إليها بود وتوقفها :
-متتعبيش نفسك يا دادة أنا هكمل...
قبض فريد على معصم يدها بقوة يمنعها من استئناف الحركة رافعًا نظره إليها بعدسات مشتعلة غاضبة أصابتها بالارتباك، ثم تحدث بنبرة خفيضة حادة، أقرب إلى فحيح الأفاعي :
-اقعدي مكانك.. أنا مش جايبك هنا تشتغلي...
فتحت فمها لتعارضه ونيران الغضب تستعر بداخل قسماتها تمردًا على تصرفه الفظ والوضع ككل، ولكن نظرته التحذيرية التالية التى رمقها بها مع زيادة ضغطه على معصمها جعلتها تتراجع، فعادت تجلس فوق مقعدها بغضب، قبل أن توجهه نظرة معتذرة في اتجاه السيدة عفاف، والتي بادلتها نظرتها بإيماءة خفيفة من رأسها وابتسامة متفهمة كأنها تطمأنها بطريقتها الخاصة، قبل أن تُشرع في استئناف عملها والخروج بهدوء من الغرفة بعد استئذان صاحبها...
أمسكت حياة بملعقتها كي تبدأ في تناول طعامها قبل أن تعقد حاجبيها معًا باشمئزاز!!! إن الحساء يحتوي على جميع المكونات التي تكرهها فعلًا!، دفعت الوعاء بعيدًا عنها قليلًا فهي لن تتناول ذلك الطعام تحت أي ظرفً كان، بينما ظل فريد يراقب ما تقوم به بتركيز تام وقد توقع رد فعلها ذلك، وعندما دفعت الوعاء من أمامها حدثها بنبره آمرة :
-حياة كملي أكلك أنتِ مش طفلة!!!!..
حدجته بنظرة غاضبة قبل أن تجيبه بحنق قائلة وهى تقلد نبرته :
-كويس أنك عارف إنى مش طفلة!.. ولا أقولك تعالى أكلني غصب عني زي ما اتجوزتني غصب...
شعرت بالانتصار عندما رأت أثر الصدمة واضحًا على ملامحه واهتزاز حدقتيه، ولكن سرعان ما تحولت نظرة انتصارها إلى قلق عندما وجدته يرفع إحدى حاجبيه بتحدي ويضع معلقته فوق الطاولة بترو شديد يستعد بفعلته تلك للتحرك وتنفيذ مقترحها، فشهقت برعب رافعة كفها في اتجاهه باستسلام لتوقف تحركه وهى تتمتم برعب :
-أوعى تقرب منى أنا مش هاكل أكل الناس العيانة ده...
اتسع فمه بابتسامة انتصار، ثم إلى تسلية وهو ينظر إلى ملامحها الغاضبة، فهو يعلم جيدًا أن مذاق الطعام لم يعجبها ولكنها أرادت اللعب معه وعدم الاعتراف، وعليه كل ما احتاجه هو الضغط عليها لسحب الاعتراف من فمها عنوة، بينما زمت هى شفتيها بحنق تشعر بالدماء تغلى داخل عروقها من شدة الغيظ، فقد خدعها ذلك المتحجر القاسي، إذًا عليها تجاوز خطأها وأن تكون أكثر يقظة عند التعامل معه في المستقبل، أعادها من أفكارها صوته العميق يسألها باهتمام ونبرة حانية :
-ليه مطلبتيش من المطبخ حاجة أنتِ بتحبيها؟!...
إجابته في حنق مهاجمة :
-وأنا أعرف منين يعني!!.. كنت بحسبك بتاكل زي الناس...
رمقها بنظره خالية قبل أن تعود إليه نظرته الباردة مرة أخرى، هاتفًا في سخرية لاذعة :
-الناس هي اللي مش بتاكل زيي!!!...
تمتمت في خفوت وصل إلى مسامعه الحادة بوضوح :
-مغرور...
-سمعتك!...
عقبت متشدقة في عدم اهتمام، بينما جبينها المجعد دلالة على عمق عبوسها ونفورها منه :
-ميهمنيش.. أنا كده كده بكرهك...
اهتزت نظرته قليلًا للمرة الثانية قبل أن يجيبها بصوت هادئ ونبرة تملؤها التهكم المرير :
-مسمعتهاش من امبارح...
ثم وضع المحرمة فوق الطاولة بعد أن مسح بها فمه وتركها خارجًا من الغرفة ككل.
**************
وبعد الغداء قررت حياة قضاء ما تبقى من يومها داخل غرفتها حتى تتجنب لقائه، وفى المساء أي وقت حلول موعد العشاء رفضت النزول بحجة إنها ليست جائعة حتى تجاوزت الساعة العاشرة بقليل، وقتها أعلنت معدتها العصيان الكامل عليها فهى لم تتناول شيئًا يُذكر منذ صباح البارحة، لذلك قررت التسلل إلى المطبخ بهدوء لعلها تُهدء من احتجاج معدتها قليلًا أو تتوصل معها لحل مُرضي، وأثناء تسللها لداخله صادفت السيدة عفاف التي كانت على وشك إنهاء عملها والذهاب لمخدعها، وعندما رأتها فهمت على الفور سبب هبوطها فابتسمت لها بتفهم، بينما تمتمت حياة بخجل تقول :
-دادة.. أنا جعانة...
استجابت السيدة لطلبها على الفور وقامت بوضع مائدة كاملة أمامها من كافة الأصناف الشهية، غير تلك التي يتناولها الإنسان الألي.. ذلك الذي تزوجته، هذا ما فكرت به وهي تتناول طعامها بهدوء، ثم بعدها جلست تتسامر قليلًا مع السيدة عفاف عندما شعرت بخيال شخص ما يقف عند مدخل المطبخ...
بالطبع علمت من هو من رائحة عطره المميزة، فالتفت على مضض تطالعه بهيئته الفوضوية، إذ كان يرتدى زى رياضي أسود يتناسب تمامًا مع عضلات جسده، ويضع منشفة صغيرة حول عنقه وتبدو على ملامحه الارهاق فعلمت إنه قد انتهى للتو من تمارينه الرياضية كما أخبرتها مساعدة المنزل في الصباح، قاطعًا هو الصمت الذي أطبق على المكان فور ظهوره يسأل بلهجته اللاذعة الحادة :
-بيتهيألى مش ناوية تقضي الليل كمان في المطبخ.. ولا إيه؟!..
لم ينتظر إجابتها التي علمها من تمرد نظرتها عليه، بل تحرك في اتجاهها بعد انتهاء جملته يُمسك بذراعها يجذبها نحوه ويتحرك بها للخارج دون كلمة أخرى، نفضت يدها من قبضته فور خروجهم من المطبخ ورفعت رأسها بكبرياء تسبقه للأعلى ترفض الاقتراب منه أو حتى السير بجواره، وعندما كانت على وشك دخول غرفتها أوقفها صوته يقول بأستهزاء :
-مكنتش أعرف أن القاعدة مع الخدامين والحرس حلوة كده!!.. الصبح حاولتي تحمي واحد وباقي اليوم قاعدة مع التانية!!...
التفتت وعادت بخطواتها للوراء قاطعة المسافة التي ابتعدتها عنه،حتى توقفت أمامه مباشرةً مرةً ثانية، ثم وضعت سبابتها فوق فمها بتفكير قبل أن تميل برأسها نحوه بطريقة درامية وكأنها تتفحصه، قائلة بثبات بينما عيونها تطلق شررًا نحوه :
-الخدامين دول أمي وأمك منهم يا فريد بيه يا أبن رحاب هانم...
شعرت بذلك العرق بجانب صدغه قد بدء فى البروز من كثره ضغطه فوق أسنانه، لذلك قررت الانسحاب على الفور ولكنه سرعان ما تدارك غضبه فأجابها بسخرية وصلت إلى مسامعها وهى تدير مقبض باب غرفتها حيث كانت تبغى فتحه والاختباء خلفه :
-حياة هانم طلعت عن شعورها وبتقول أمي وأمك!!.. واضح أن تعب رحاب هانم معاكي مجبش نتيجة للأسف!...
انهى جملته الأخيرة وهو يضغط علي كلماته بقوة وترو وكأنه يتلذذ بنطق كل حرف منها ويتذوقه، وقد فهمت هي مغزاها جيدًا، حتى أن يدها توقفت عن تدوير المقبض، ثم التفتت تحدجه بنظرات حانقة قائلة له بغيظ، إذ عجزت عن مجابهته في الرد فنطقت بأول شيء يخطر على تفكيرها :
-بكرهك...
لوى فمه بسخريه مجيبًا لها وهو مازال يقف أمام باب غرفته :
-عارفة إيه الناحية التانية للكره؟!.. خلى بالك تلاقي نفسك واقفة عندها من غير ما تحسى...
انهى جملته الأخيرة ثم دلف غرفته وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركها تشعر بالرعب مما هو قادم...
***************
دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها برفق، ثم استندت بثقل جسدها فوقه قبل أن تُغلق جفونها بحزن وتضع كلتا كفيها فوق وجهها لتخفى ملامحها من شدة الخزي، تُفكر بضيق يالله!! ماهذا الذى تفوهت به منذ قليل!!...
آيعقل إنها أقحمت أحب إنسانة إلى قلبها في صراعهم العقيم ونقاشهم الملغم!!، شعرت بوخز الدموع داخل مقلتيها بسبب شعورها المتزايد بالذنب، اللعنة على ذلك الفريد، كيف يستطيع إثارة غضبها وإخراجها عن شعورها بكلمة واحدة منه!....
انزلقت بجسدها إلى الارضية الخشبية تجلس فوقها وهي تضم ركبتيها إلى قفصها الصدرى وتحاوطهم بذراعيها بينما تستند بذقنها عليهم مُطلقة لدموعها الندمة العنان، فكرت بحزن أن كل ما وصلت إليه حتى الآن يعود فضله بعد الله إلى والدتها الثانية "رحاب" التي سخرت منها منذ قليل!..
فـفي الحقيقة كانت تعاملها بحنان أكثر من طفلها الوحيد، حتى عندما قرر السيد غريب زوجها ووالد فريد أن يعهد بتربيته إلى معلمة خاصة لتعليمه كافة أصول الاتيكيت متعللًا بأنه لايثق في خادمة لتنشئتة ولى عهده، أصرت أمامه السيدة رحاب أن تتلقى حياة نفس التنشئة كمقايضة، بل وتحضر معه كافة الدروس حتى تتعلم كيفية التصرف كسيدة مجتمع منذ صغرها كي لا تُلاقي نفس مصيرها ومصير والدتها في المستقبل، وبالطبع لم يكن فريد ليتركها فوافق والده مجبرًا...
وعندما حان موعد دراستها الأكاديمية أصرت على صديقة عمرها ووالد حياة إدخالها مدارس الراهبات لتتلقى أفضل تعليم للفتيات في ذلك الوقت، وقد تكفلت بكافة مصاريفها في مراحل تعليمها الأبتدائي، وحتى بعد وفاتها علمت حياة إنها أودعت مصاريف دراستها في وديعة خاصة بها حتى تتجاوز المرحلة الإعدادية بسلام...
وبعدها عندما انتقلت إلى المدارس الحكومية في المرحلة الثانوية كان قد حُفر داخل ذاكرتها كل ما تعلمته منذ صغرها فكان يُعجب بأخلاقها ورقتها وفطنتها في التعامل والتعاطي مع الأمور كل من يراها، باختصار.. كل ما تملكه كانت مُدينة لتلك الملاك به بعد خالقها سبحانه...
والآن هل هكذا يكون رد الجميل لها؟!، السخرية من ذكراها؟!، زفرت في ضيق فهي منذ وصولها إلى ذلك المنزل وهى تشعر بالغضب على الدوام، حتى إنها أصبحت لا تعرف نفسها عند النظر في المرآة فالطالما كانت هادئة ذات نفسية متوازنة لاتسمح لأحد بالتأثير على سلوكها حتى والدها، إذا متى تحولت إلى ذلك الحجر القاسي!...
حركت رأسها في عزيمة فهي أبدًا لن تسمح لفريد الآن بأن يحولها إلى شخص فظ مشابهه له!، هذا ما قررته وهى تجفف دموعها وتنطلق نحو الباب المشترك بينهم تنتوي بذلك تصحيح خطأها.
طرقت الباب عدة طرقات متتالية دون إجابة تصدر منه، فقررت فعلها للمرة الأخيرة كفرصة غير قابلة للتكرار قبل أن تعود بأدراجها وتتوجه نحو الحمام كي تبدل ملابسها، وقبل استدارتها وجدت الباب يفُتح ويقف هو قبالتها ولا يرتدى ما يستر جسده سوى منشفة بيضاء كبيرة على خصره واُخرى صغيرة فوق عنقه وشعره يبدو مبلللًا بالكامل، فشهقت خجلة من مظهره بينما الاحمرار يزحف نحو وجنتيها قبل أن تبدأ في مهاجمته متناسية كل ما ذكرت به نفسها منذ قليل :
-إيه ده!!!.. إيه قلة الأدب دي!.. أنت إزاى تفتحلي وأنت كده؟!..
نظر لها بحاجب مرفوع متعجبًا من هجومها الغير مبرر، دون تخليه عن استرخاء ملامحه قبل أن يجيبها متشدقًا :
-حياة.. أنتِ أكيد مخبطيش على الباب كل ده عشان تقوليلي إنى قليل الأدب!!...
ارتبكت من نبرته ومظهره العارى وعضلاته البارزة ففي كل الأحوال تلك هي مرتها الأولى التي تري أمامها رجل نصف عارى ولديه كل ذلك الكم من العضلات المصقولة، حسنة أخرها يمتلكها ذلك اللعين!..
انتظرها لتُفصح عن سبب زيارتها ولكن دون فائدة، لذلك أردف يُضيف بعد أن تبدلت ملامحه للاستمتاع وهو يرى ارتباكها فهتف باسمها يستجديها لاستئناف حديثها، أو ربما لزيادة الضغط على أعصابها المتذبذبة :
-حــيــاة..
إجابته مغيظة وهى ترفع رأسها نحوه بتحدي وثبات :
-فرييييييد!!...
التوى جانب فمه بابتسامة صغيرة قبل أن يُعقب بنبرة مشاكسة :
-عيون فريد!! أنا معنديش مشكلة أفضل واقف كده للصبح.. بس أنتِ اللي شويه وهيغمي عليكي من الكسوف.. فقولي عايزة إيه من غير كل التوتر ده!...
فركت باطن كفيها بتوتر قبل أن تقول بتعلثم شاعرة بحرارة جسدها تزاد تلقائيًا من فرط الإنفعال وكثرة الضغط :
-أنا بس كنت عايزة أقولك إني...
صمتت قليلًا محاولة استجماع شجاعتها فأخر ما كانت تتوقعه هو أن تقف أمامه هكذا كطالبة مُذنبة كي تطلب منه السماح، فسألها بنفاذ صبر يحثها على تكملة جملتها :
-ها كنتي عايزة تقولي إنك... ؟!..
رفعت نظرها إليه ثم تمتمت في خجل، بينما رأسها منكس للأسفل :
-كنت عايزة أقولك إنى أسفة على الكلام اللي قلته من شوية.. وأسفة إنى جبت سيرة ماما رحاب في كلامنا.. أنت أكتر حد عارف أنا بحبها قد إيه ومكنش ينفع أقول كده ابدًا...
هل لمعت عيونه للتو أم تخيلت ذلك؟!، لم تتلقي منه أى رد ولكنها رأت تبدل ملامحه تمامًا فقد تحولت من التجهم إلى شيء آخر لم تفهمه، ثم سريعًا ما عادت إلى الاسترخاء الأولي، حتى أنه في تلك اللحظات بدا لها أصغر سنًا، بينما وقف هو يناظرها مليًا يحاول تفسير ما حدث أمامه وما تفوهت به للتو، وقد أربكت باعتذارها حساباته وخالفت توقعاته!.. هل لذلك السبب يبدو عليها أثار البكاء؟!!..
يالله كم تبدو شهية بأنفها الأحمر ووجنتيها وعيونها الدامعة، إنها تثيره إلى أقصى درجة ممكنة دون أن تعلم ذلك حتى ودون أى جهد يُذكر منها، انتظرت حياة أي رد فعل منه ولكن دون جدوى لذلك قالت بتحدي وهى تعاود رفع رأسها في كبرياء، وقد تبدل مزاجها تمامًا :
-دورك على فكرة...
إعاده صوتها الرقيق من تأملاته بها فسألها بعدم فهم بصوته المتحشرج :
-دوري في إيه بالظبط...
إجابته في كبرياء، بينما عدستيها تلمع بإصرار :
-إنك تعتذر مني على اللي قلتهولي من شويه...
نظر إليها بصدمة كأنها تطلب منه المستحيل، لوت فمها بأحباط قبل أن تتحول نظرتها إلى خيبه الأمل، حسناً ما الذى كانت تنتظره منه؟!، أن يتخلي عن غروره ويعترف لها بخطئه، لو كانت تلك شخصيته ما كان أجبرها من الأساس على الزواج منه، التفتت تعود إلى غرفتها تجر معها ذيول خيباتها وإحباطها عندما اوقفها صوته العميق يقول بصوت ملئ بالعاطفة :
-حياة.. أنتِ أغلى عندي بكتير من أني أزعل على اللي قلتيه من شويه...
تنهد بحرارة قبل أن يكمل حديثه بصوته الأجش :
- وصدقيني أنتِ في عيني أكبر من إنك تعتذري لحد حتى لو ليا.. وحتى لو غلطتي أنا أعتذر عن غلطي وغلطك بدالك...
فاجأها اعتذاره وحديثه فالتفت تنظر إليه ودون وعى منها بابتسامة واسعة مشرقة وعيون تلمع بالرضا، بادلها ابتسامتها بواحدة حقيقية واسعة لم تزر شفتيه منذ زمن بعيد ولم تعلم أن بابتسامتها تلك قد اضاءت له ليلته المظلمة...
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السادس 6 - بقلم chimaa youssef
استيقظت حياة في صباح اليوم التالي والابتسامة تعلو ثغرها إذ عقدت النية على بدء خطتها الموضوعة بداية من اليوم فهي لم تنسى ولم تستسلم له، ولكن أول شيء عليها فعله عقد هدنة مع فريد، أو بالأدق ذلك ما سوف توهمه به، فهي لا تريد الاستمرار في معاملته على ذلك النحو الجاف حتى تنجح في صرف انتباهه عنها، فتجارب السنون الماضية علمتها جيدًا أنه كلما عاندت معه، كلما لفتت انتباهه أكثر وأكثر لها، وهذا أخر ما تود فعله تلك الأيام خاصةً وقد أصبحت تحت أنظاره دومًا....
فكرت أيضًا في البحث عن عمل حتى تستطيع الهرب من المنزل ومن صحبته أكبر وقت ممكن ولكنها تراجعت في أخر لحظة كي لا ترتبط بمسؤولية تمنعها من الهرب متى تحين لها الفرصة، وعليه قفزت من فراشها بسعادة بعدما نظمت داخل عقلها ما عليها فعله ورتبت كيفية فعله أيضًا، فقط يبقى التنفيذ...
وبعد قليل هبطت إلى الاسفل بمزاج رائق نوعًا ما عن الأيام السابقة، وكأن صفحة ماءُها عادت للهدوء بعد زوابع الأحداث الماضية، ثم توجهت مباشرةً نحو غرفة الطعام وكأنها تعرف جدوله لا إراديًا، فوجدته جالسًا ينتظرها دون حديث أو بدء طعامه دونها، أنه حقًا دقيق في مواعيده كالألة ولا يتأخر عنها ولو لثانية، هذا ما فكرت بِه حياة بتعجب وهي تطالع جلسته على رأس الطاولة التي لا يجلس عليها سواهم، مرتديًا بذلة رسمية سوداء تتناسب جيدًا مع تفاصيل جسده، بينما يُعبث بتركيز بأحد هواتفه الموضوعة أمامه وقد رفع نظره بمجرد وصولها الغرفة، إذ وصله عبيرها إليه قبلها، ثم بهدوء أومأ لها إيماءة خفيفة برأسه دون تعقيب، بل ظل يتأملها بردائها البسيط، حيث كانت ترتدي بنطال من الجينز مع قميص من نفس النوع واللون، فعكس الأزرق الداكن جمال بشرتها وأظهر تناسق قوامها الرفيع، بينما ارتبكت هي بنظرتها أمام نظراته المتفحصة لها دون قصد منه فحقًا أخر ما يود فعله هو إرباكها عن قصد أو إثارة شعور عدم الراحة بداخلها، اللعنة على ذلك التوتر الذي ينتابها في حضوره حتى إن لم يفعل شيء وكأنها طفلة تقف في حضرة مُعلمها!، إنها لا تخشاه في المجمل ولكن وجوده بجوارها يوترها كثيرًا دون وضع يدها على السبب الحقيقي لذلك الشعور المتزايد كلما مرت الدقائق في صحبته...
للحق أن حضوره بهيئته تلك ونظراته التي تُشبه نظرات الصقر ولا يفوتها حركة واحدة تستطيع إرباك أي شخص ولم تكن هي استثناء تلك القاعدة، على كلًا حييته تحية الصباح بأقتضاب، ثم جلست على مقعدها لتناول فطورها في صمت رتيب خانق، بالطبع كانت عزة هي من تشرف على تقديم الطعام الأمر الذي زاد من امتعاضها، فيبدو أن البارحة وعلى الغذاء كان وجود السيدة عفاف استثناء وسيحرص فريد جيدًا على ألا يتكرر ثانية، لذا قررت تجاهلها وتجاهل نظراتها هي الأخرى والشروع في تناول طعامها متجنبة كل المؤثرات الخارجية حولها، فأبدًا لن تسمح لهم بالضغط عليها أو إفساد تعاليمها بسبب سوء معشرهم كما قررت البارحة..
تناولا الطعام بصمت ففريد كان هادئًا بطبيعته ولا يتحدث كثيرًا منذ صغره وهذا ما أسعدها كثيرًا، ففي الحقيقة أخر شئ تود فعله هو مشاركته أية أحاديث ودية مهما كان تافهة أو بسيطة...
ك
ان هو أول من انتهى من تناول فطوره، ثم حدثها بنبرة منخفضة هادئة دائمًا ما كان ينتهجها ما لم يحدث ما يُثير غضبه، قائلًا وهو يتحرك من مقعده :
-حياة أنا في الشركة النهاردة لو احتجتي أي حاجة بلغيني...
انهي جملته ثم اقترب من مقعدها، وأخفض رأسه نحوها يبتغي بفعلته التلقائية تلك تقبيل شعرها ولكنها فاجئته بانتفاضها كالملسوعة، قبل أن تبتعد عنه في حدة غير عابئة بوجود مدبرة منزله التي تتابع المشهد بتركيز تام، فابتعد عنها في الحال بضيق ملاحظًا نظرة الرعب الواضحة التي كست قسماتها وعيناها، ثم هم بالخروج من الغرفة وقد بدأت علامات الغضب تظهر عليه، موقفًا سيره صوت مدبرة منزله تحدثه باحترام :
- فريد بيه لو حضرتك عندك وقت ممكن اتكلم معاك شويه...
أجابها بنبرة غاضبة لم يحاول حتى إخفائها :
-لو حاجة بخصوص البيت أنا قلتلك بعد كده ترتبيها مع حياة هانم...
هزت له رأسها نافية قبل أن تجيبه في تصميم :
-لا يا فندم حاجة ملهاش دخل بالبيت.. دى حاجة شخصية...
نظر بنفاذ صبر إلى ساعة يده، ثم قال بهدوء :
-معاكي عشر دقايق تقولي فيهم عايزة إيه...
هزت له رأسها موافقة دون تعقيب، فأضاف بصوته العميق :
- تقدري تحصليني على مكتبى...
نطق أمره المقتضب ثم تابع سيره دون النظر إلى الخلف، ولو فعل لرأي تلك الواقفة تتابع ذلك الحديث والفضول يتأكلها، فما هذا الشيء الخاص الذي يجمع بينهم؟!، هل شكوكها بشأنهم صحيحة أم ماذا؟، عنفت نفسها بقوة لإخراج تلك الأفكار من رأسها فذلك ليس من شأنها فهي بالفعل لديها أمور أهم تهتم بها..ألا وهي حريتها...
***********
في تلك الأثناء كانت تجلس كلًا من جيهان زوجة والده بجوار والده غريب على طاولة الطعام في فيلتهم الخاصة، قاطعة بسؤالها الصمت حين استفسرت بحقد واضح مع نبرتها المتعالية المعتادة :
-وعلى كده حلوة حبيبة قلب البيه ابنك؟!..
حدقها غريب بنظرة لوم قبل أن يجيبها بعدم اهتمام :
- مش مهم حلوة ولا وحشة المهم إنه كان عايزها ووصلها...
عقبت جيهان هاتفة في غيظ :
-طبعًا هو في حد مدلعه هنا غيرك!!.. وبعدين مالها نجوى يعني؟.. بنت حسب ونسب بس هقول إيه!!.. ذوقه بلدي شبهه أبوه.. بيحب الرمرمة...
سألها غريب بأستنكار لا يخلو من عتاب مبطن :
- ولازمته إيه الكلام ده دلوقتي يا جيهان؟!..
إجابته بحدة كأنها كانت تنتظر جملته لتبدأ الهجوم عليه :
-لازمته إنى عمري ما هنسى إنك في يوم جريت ورا حتة خدامة عشان تتجوزها عليا أنا.. جيهان هانم السكري...
انهت جملتها الأخيرة وهي تشير بأصبعها نحو نفسها بغرور وثقة، فقال لها غريب مبررًا فعلته يبغي رضاها كما اعتاد الفعل منذ سنوات :
- أنتِ عارفة كويس إنى عملت كده عشان أجيب ولد يحافظ على كل ثروتي دي بعد ما الدكتور أكد إنك استحالة تحملي تاني بعد نيرمين...
هاجمته على الفور بمجرد انتهاء جملته :
- أنت بتضحك عليا ولا على نفسك وعايزني اصدقك!!.. أنا عارفة كويس يا غريب أنك اخترت الخدامة بتاعتك عشان احلوت في عينيك وخصوصًا لما مقدرتش توصلها من غير جواز...
انهت جملتها وهي تُرميه بنظرات حانقة تكاد تلتهمه حيًا لو استطاعت، أما عن غريب فقد ظهر الارتباك جليًا فوق محياه ونبرته وهو يقاطع حديثها المهاجم له هاتفًا :
-جيهان!! أنتِ بتتكلمي في ماضي عدي عليه أكتر من عشرين سنة!!.. دي واحدة ميتة من سنين فاهمة!! سنين...
كررها مرتين ليؤكد ما غفلت هي عنه، بينما صاحت به وهي تتحرك من مقعدها متأهبة وكأن الجلوس قبالته يلسعها :
-أيوة بتكلم فيه وهفضل أتكلم فيه طول مانت مفضل ابن الخدامة دي عليا وعلى بنتك.. لحد ما في يوم هيكوش على كل حاجة ويرمينا في الشارع!...
صاح بها غريب مهددًا وضاربًا الطاولة بقبضة يده، فإلى وحيده وكفى :
-جيهان!! ابني ميعملش كده وبعدين هو اللي شايل الشركات كلها فوق كتافه والفلوس اللي عماله تدخل حسابك كل أول شهر وتزيد زي الرز دي من تعبه هو.. ومتفكريش إنى عشان سكتت على اللي عملتيه زمان ابقى نسيته.. ملكيش دعوة بفريد أنا بحذرك مش هسمحلك تأذي ابني تاني...
ارتبكت نظرتها قليلًا ولم تعقب بل اكتفت بالتوعد له داخليًا، فهي لن تكون جيهان السكري إن لم تُنهى عملها العالق منذ سنوات مضت.
تركها غريب منتفضًا من مقعده بغضب هو الأخر وقد ساء صباحه بحديثها، وأثناء استعداده للخروج من المنزل صادف فتاتان متقاربتان في العمر، إحدهما تُشبه والدتها وزوجته بشعرها البني وبياض بشرتها ونحالة خصرها، والأخرى بشعر أشقر ووجه رفيع، ارتمت الأولى بداخل أحضانه تقبله قبل أن تُلقى عليه تحية الصباح بدلال معتاد، بينما حياهم غريب على عجل، ثم توجهه مباشرةً نحو الخارج، وبمجرد وصولهم إلى المدخل تحركت جيهان لاستقبالهم وهي تُتمتم بحبور مرحبة بضيفة ابنتها :
-نجوى حبيبة قلبي.. إيه الجمال ده كله.. البيت نور طبعًا...
ثم وجهت حديثها لابنتها بعد التفاتها لها :
-ها يا نيرو يا حبيبة مامي.. قوليلي اتبسطتوا في النادي ولا إيه...
إجابتها نيرمين بدلال مصطنع :
-ننبسط إزاى يا مامي ونجوى عاملة مناحة من أول إمبارح.. أوف بجد زهقتني...
تحدثت نجوى على الفور مدافعة عن نفسها :
-يعني يرضيكي اللي حصل ده يا طنط!.. خلاص كده فريد اتجوز وراح من أيدي؟!...
ربتت جيهان على ذراعها بحنان تحثها بذلك على الجلوس :
-تعالي بس نقعد هنا ونتكلم بالراحة...
هتفت نجوى بضيق قائلة في اعتراض :
-اقعد إيه يا طنط أنا بقولك فريد اتجوز وأنتِ تقوليلي اقعد!!...
ابتسمت لها جيهان مشجعة وهي تقول بلؤم :
-تعالي بس واسمعي منى.. فريد مضاعش من إيديك ولا حاجة...
التمعت عيون نجوى بأمل وهي تسألها مستفسرة :
-قصدك إيه يا طنطي؟؟...
إجابتها جيهان بمكر مفسرة :
-قصدي إننا احنا التلاتة هنرتب سوا إزاي نطير بنت الخدامة دي من سكتنا.. أنتِ تتجوزي فريد حب حياتك وإحنا نطلع باللي إحنا عايزينه برضه...
هنا تدخلت ابنتها نيرمين قائلة وعيونها تلمع بشر يوازي ما بدواخل والدتها :
-والطالعة الأولى دي بقى سيبوها عليا...
سألتها والدتها مستفسرة بإعجاب :
- هتعملي إيه يعنى يا نيرو؟!...
إجابتها ابنتها بخبث وهي تغمز لهم بعيونها :
-هعمل زيارة لست الحسن واعرف مايتها إيه بالظبط.. عشان نعرف إحنا بنلعب مع مين...
وافقت والدتها فورًا على اقتراحها، بينما هزت نجوى رأسها بحماس موافقة على الحديث، عاقدة نوايا الغدر بداخلها، فبمجرد الحصول على فريد ستقوم بألقائهم جميعًا بالخارج...
**********
انتهزت حياة فرصة جلوسها بمفردها في الحديث إلى صديقتها مريم للاطمئنان عليها من جهة ومعرفة أخبار محمود الصحية من جهةً أخرى، فهي لازالت تشعر بالذنب تجاهه بسبب ما حدث له وإقحامه في مشاكلها الخاصة وتود الاطمئنان على أحواله، هذا أقل ما تستطيع فعله بعدما تركته دون حتى اعتذار، لذا أمسكت بهاتفها وتحدثت مع صديقتها التي كانت تمازحها عن زواجها برجل أعمال وعن زفافها الفخم رغم بساطته، جارتها حياة في مزاحها قليلًا قبل أن تسألها بقلق مستفسرة :
-مريم.. متعرفيش محمود عامل إيه دلوقتي؟!...
إجابتها مريم قائلة بغيظ، إذا كانت لا تستسيغه بأي طريقة ممكنة :
-ما تسيبك منه وتخليكي في جوزك!!.. عايزة إيه من سي محمود ده؟.. وبعدين أنا معرفش عنه حاجة من ساعة ما كنا سوا...
عنفتها حياة قائلة في حدة :
-مريم أنا مش بهزر!!...
ثم لانت نبرتها وهي تترجاها هامسة :
-مريم الله يخليكي حاولي تعرفي هو عامل إيه دلوقتي وتتطمني عليه وترجعي تطمنيني...
-حــيـــاة!!!...
صدح صوته من خلفها بقوة جعلها تتنفض فزعًا، حتى إن الهاتف سقط من يدها تلقائيًا فور سماعها صوته ورؤيتها شرارات غضبه، أرادت الركض من أمامه بكل ما تملك من عزيمة وقوة ولكن كان لقدميها رأي أخر مخالف كليًا لها، فقد تسمرت قدميها فوق الأرضية أسفلها، ولم تستطع التحرك قيد أنملة، يكاد لهاث أنفاسها مع دوي ضربات قلبها يصم أذنه قبل أن يصله فيشفق عليها!...
التفت تناظره بكليتها في رعب فلا مفر من المواجهة مهما تأخرت، فوجدته ينظر إليها بوجه لا يمكن تفسيره ولا تُريد تفسيره سلامةً لها!...
حسنًا أن كل تفكيرها الساذج على إنها لا تخشاه أصبح الآن مُحض هراء، إذ كان وجهه تلك اللحظة يكسوه الاحمرار من فرط الغضب والانفعال، بينما عيونه تُطلق سهام الشرر فتخترق نابضها وذلك العرق بجانب صدغه ينتفض بشكل متسارع وكأنه على وشك الانفجار، وبعد دقيقة من التحديق بها كأنه يؤجل قدر الإمكان حديثه، سألها بصوت أشبهه بالفحيح وهو يقترب منها على مهل :
-مين ده بالظبط اللي عايزة تطمني عليه!!!!...
ازدردت ريقها بصعوبة وهى تطالعه برعب احتل كل قسماتها حتى إنها عجزت عن إطلاق صوتها والرد، وعندما لم يتلقى منها إجابه أعاد سؤاله مرةً أخرى وهو يضغط على كل حرف يخرج من فمه :
-أنا سألتك سؤال ومحتاج رد.. مين ده اللي عايزة تطمني عليه يا حياة؟!.. انــطــقــى...
انهى كلمته الأخيرة بصراخ هادر جعلها تجفل وترتجف كورقة تصارع ريح ديسمبر بمفردها!..
وفي تلك اللحظة وهى تراه يتقدم منها بعيون جاحظة تدفق الأدرينالين داخل جسدها بقوة فتراجعت خطوة واحدة للوراء فى محاولة مبدئية للركض بعيدًا عنه، ولكنه أحبط محاولتها البائسة إذ كان يتحرك في اللحظة التالية فور استناجه نيتها، يقبض عليها بكل قوته، كمصارع تتوقف حياته على تكبيل غريمه وشل حركته..
ذراع واحدة تحاوط خصرها وتضغط فوقها بقوة، بينما ساقيه تحاوط ساقيها قبل أن تتشابك معًا لتكبيلها كشبكة عنكبوتية متداخلة....
ومن بين أنفاسها الشبهه محبوسة بداخل رئتيها رفعت يدها فوق ذراعيه لفك حصارها، وفي نفس الوقت حاولت دفع نفسها بعيدًا عنه فلن تكن هي إن لم تُصارع حتى في أسوأ مواقفها وأحلك لحظاتها!، ولكنه كان يضغط بعنف على مؤخرة ظهرها حتى شعرت إنها ستتأذى إذا حاولت أكثر، ورغم ذلك حافظت على مقاومتها مع محاولة عدم النظر في وجهه حتى لا ترى نظراته المرعبة، فاكتفت بخفض رأسها للأسفل وهى تتمتم أسمه بخفوت طالبة منه بصوت لا يكاد يزيد عن الهمهمة أن يتركها دون جدوى فغضبه كان في قمته، وبدلًا من تركها صاح بها هادرًا مع إزدياد ضغط قبضته على جسدها :
-أنتِ عايزة تجننيني صح!!.. لا وأقولك واتجنن ليه؟!.. أنا هريحك من حبيب القلب دلوقتي عشان متعرفيش توصليله أو تطمني عليه تاني...
انهى جملته وأخرج هاتفه بيده الفارغة، ثم أخذ يعبث به في عنف، فشعرت بضغط دمها ينخفض ونبضها يكاد من معصمها يختفي من شدة الرعب، آحقًا سيقدم على قتله!!.. ستُزهق روح بريئة بسبب تهورها وقسوته!! هتفت إليه متوسلة وهى تحرك يدها لتمسك يده وتمنعه قائلة في لهفة :
-فريد الله يخليك لا.. لا أنت بتعمل إيه.. هتموت إنسان بجد عشان بسأل عليه!.. أنا غلطانة مش هسأل عليه تاني والله بس سيبه.. فريـد..
تهدج صوتها أثناء نطق اسمه في المرة الأخيرة فخرج همسًا ضعيفًا وكأنها تستنجد به من نفسه، بل وكأن كل قواها قد خارت وتخلت عنها فجأة ولم يبقِ لها في لحظات الخطر ملجًأ سواه، ومع شعوره بكامل جسدها ينتفض تحت قبضته رغم محاولتها الضعيفة أن تبدو ثابتة في مواجهته، ضعف، ومتى لم يفعل في حضرتها!، فتوقف عن العبث بهاتفه قبل أن يحدثها بصياح يخرج من فم عاشق ذو قلب مُبتلى يائس يرجو من معذبته في صمت شرف القبول :
-عشان بتحبيه.. عرفتي ليه مش هخليه عايش.. عشان بتحبيه هو...
لم تعرف ما الذي يجب عليها فعله في تلك اللحظة فلو عاندته سيقتله وهي أبدًا لن تترك شخص يلقى حتفه بسبب غضبها منه ومعركتها السقيمة معه، إذًا عليها التحرك سريعًا وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فمواجهة الريح برأس مرفوع في بعض الأحيان هو قمة الحماقة، لذا هزت رأسها نافية تهادنه شبهه مغيبة وداخلها يرجو أن تُكلل محاولتها الهشة بالنجاح، أن تمتلك من التأثير عليه ما يُمكنها من الفوز، ثم وبعد أن سحبت نفسًا متقطعًا مراهنة على ارتجالها وحظها، رفعت كلتا يديها المرتجفتين تحيط وجهه المتشنج وتجبره على النظر إليها مُتمتة له بتوسل ورعب حقيقي :
-مش بحبه.. والله العظيم مش بحبه.. أنا عمري ما كدبت عليك ومش بكدب دلوقتي مش بحبه ومش هسأل عليه تاني.. مش هعمل أي حاجة تضايقك بس سيبه عشان خاطري...
لانت نظراته وهو يرى ارتجاف يدها الناعمة المحيطة بوجهه ونظرتها المتوسلة مع ملامحها الباهتة التي على وشك الإغماء من شدة رعبها، فأنزل يده على مضض ووضع هاتفه مرةً أخرى داخل جيب سترته الداخلية دون تعقيب، وبالرغم من ارتخاء قبضته من فوقها وتركه مساحة لها كي تتحرك بحرية ألا إنها لم تتزحزح من مكانها، وكأن الشيء الوحيد الذي يحول بينها وبين سقوطها أرضًا هو جسده الذي يحاوطها...
فهى تشعر وكأن قدميها كالهلام لا يقدران على حملها...
حاولت تهدئة ضربات قلبها والسيطرة على ارتعاشة جسدها بسحب عدة شهقات متتالية حتى تستطيع الهرب من أمامه ولكنها لم تكن تجاوزت بعد صدمة وضعها لمحمود في دائرة الخطر من جديد فسكنت!..
لقد اختبرت بتصرفه ذلك مرحلة جديدة كليًا من الرعب، فمنذ إصرار والدها على انتقالهم من القصر إلي ذلك الحي المتواضع الذي يقع به منزلهم قد اعتادت على الصراخ والعنف من جميع قاطنيه إلى جانب عنف والدها وصياحه المعتاد، ولكن غضب فريد شيء أخر، غضب يحرق كل ما يقع في طريقه من الأخضر واليابس ويجعلها تشفق كثيرًا حتى على أعدائه...
رفعت جفونها المسدلة تنظر إليه حتى تستطيع قراءة ما بداخلهما وإن كانت تلك مهمة مستحيلة، ولكنها إرادات التأكد إذا كان صّدق حديثها أم هو فقط يجاريها؟!...
بينما التقط هو نظرة العتب التي رمقته بها، نعم لم يُخطأ تفسير نظرتها، كانت عتاب خالص، زفر بضيق وهو يرى حالتها المُزرية تلك أمامه وبسببه هو...
لعن نفسه سرًا فقد تفوق عليها فقط وأرعبها بسبب قوته الجسدية لا أقل ولا أكثر، لوى فمه بسخرية وهو يفكر يائسًا هل استطاع حقًا التفوق عليها في أي شيء!!...
حتى قوته الجسدية تلك ونفوذه لا تُعطى له الافضلية، فالافضلية وحدها كانت ولازالت موجودة فقط داخل تلك النظرات التي تُصرعه أرضًا بنظرة توسل واحدة ترمقه بها...
تنهد في عجز ثم رفع كلا كفيه يحاوط رأسها ويطبع قبلة رقيقة فوق جبينها وكأنها اعتذار حاولت هي بكل قوتها تحاشيها قبل أن يتركها وينصرف.
***********
حركت قدميها ببطء بعد خروجه ترتمى على أقرب مقعد يقابلها تاركة لدموعها المحبوسة العنان، لقد تلقت منذ قليل هزيمتها الثانية على يد ذلك الرسلان وخضعت له في أقل من أسبوعان، وفي المرتان تنازلت من أجل أشخاص آخرين غيرها، فكرت بحزن فيبدو أنه يعلم جيدًا نقطة ضعفها وان أيامها التالية معه أبدًا لن تمر بسلام..
ظلت هكذا طوال يومها تقبع بهدوء فوق أحد المقاعد في صالة الاستقبال، ساهمة، شاردة لم تتناول شيء ولم تتحدث مع أحد فتلك كانت طبيعتها التي لا يعرفها الكثيرين عنها، كانت شديدة التأثر ومرهفة الحس حتى وإن حاولت إخفاء ذلك عن الجميع وإظهار الصلابة والقوة من خلال تعاملها المتمرد، ولكنها كانت تتأثر بأقل صراخ أو حركة عنف تحدث أمامها والفضل في ذلك يعود إلى والدها الذي كان يملئ المنزل يوميًا بصراخه عليها بمجرد رؤيتها أمامه حتى وأن لم تفعل شيء!...
حاولت السيدة عفاف إخراجها من حالتها تلك أو حثها على تناول الطعام ولكنها رفضت بشدة، وعند حلول المساء تفاجئت بامرأة تقارب فريد في السن بشعر بني ناعم وجسد رشيق طويل وعيون مشابهة للون عيناه تقتحم المنزل دون استئذان وتمشى بخطوات واثقة حتى توقفت أمام حياة تسألها بعجرفة واشمئزاز واضحين وهى تشير إليها بسبابتها :
-ها أنتِ بقى اللي اسمك حياة ولا في شغالة تانية هنا شبهك؟!...
نفضت حياة رأسها ثم نهضت من فوق مقعدها عاقدةحاجبيها معًا، بينما تكتف ذراعيها فوق صدرها في حركة معتادة منها عند الهجوم، ثم إجابتها قائلة بكبرياء :
-أيوة أنا حياة.. وبيتهيألي البيت ده له احترامه!!.. مش بندخل بيوت الناس كأننا حيوانات كده!!...
عقبت نيرمين مهاجمة ومتصنعة الضيق :
-يااااي.. حيوانات!!.. أيوه طبعًا ما أنا هستنى إيه من واحدة بنت خدامة وتربية خدامين...
لوت حياة فمها بسخرية قبل أن تجيبها بنبرة هادئة تُثير بها غضبها :
-ياما في ناس لابسة كويس بس تربيتها أقل بكتير من تربية الخدامين اللي مش عجباكي دي.. وأنا قدامي مثال حي على كلامي أهو...
شهقت نيرمين بصدمة وهى تضرب قدميها في الارض غيظًا قبل أن تقول لها :
-أنا مش هرد عليكي عشان أخلاقي متسمحليش.. أنا بس جاية اقولك إنك لو فاكرة أن كده كسبتي بجوازك من فريد وهتاخدى الجمل بما حمل تبقي غلطانة.. صدقيني على جثتي فلوسنا تطلع لابن الخدامة ومراته...
فتحت حياة فمها لتسألها من أنتِ ولكن اوقفها صوت فريد الذي دلف من الخارج يسأل بعبوس وتأهب ناظرًا نحو شقيقته :
-نيرمين!! أنتِ بتعملى إيه هنا في بيتي وأنا مش موجود؟!...
نظرت له أخته بغل قبل أن تجيبه قائلة بمرح تحاول تبديل ملامحها المتجهمة بخلق ابتسامة صفراء كاذبة :
-ولا حاجة.. كنت ببارك للهانم الجديدة على الجوازة الهنا دي.. مانت عارف أنت حتى مسمحتلناش نحضر الفرح فقلت أعرفها بأخت جوزها...
تقدم فريد في اتجاههم يضع جسده حائلًا بينهم، قبل أن يقول لها بعبوس وحدة :
-محدش طلب منك تتعبي نفسك وتعرفي نفسك لحد مش عايز يعرفك أصلًا!.. ودلوقتى لو خلصتي كلامك اتفضلي من غير مطرود...
حدجته بنظرة كره قبل أن تجيبه بعدم اهتمام :
- أنا كده كده كنت ماشية واللي عايزة أقوله خلص...
انهت جملتها ثم وجهت حديثها لحياة تسألها بتهديد مبطن :
- عايزة حاجة يا حياة هانم؟!.. متنسيش اللي قلته من شوية...
نظرت حياة إليها مطولًا قبل أن تقول وهي تشير إليها وإلى فريد بإصبعها :
- عايزاكي تاخدي أخوكي في طريقك وتحلوا عنى...
ثم تركتهم وتحركت نحو غرفتها دون النظر خلفها.
************
بعد عدة دقائق من ذلك اللقاء المُثير للأعصاب كانت حياة تجلس على طرف الفراش ويدها تتمسك بالشرشف تكاد تعتصره من فرط انفعالها، تنفست سريعًا عدة مرات متتالية، ثم استغفرت قليلًا مثلما اعتادت من والدتها في محاولة منها لتهدئة حنقها المتزايد من تلك العائلة التي يتسم جميع أفرادها بالوقاحة، قبل سماعها طرقات خفيفة متتالية فوق الباب المشترك بينهم، أرادت تجاهله وخصوصًا بعد ما حدث بينهم في الصباح ولكنها خشت أن يقتحم الغرفة عنوة إذا لم تجيبه، لذلك تحركت على مضض من جلستها واتجهت نحو الباب لتفتحه، ثم وقفت أمامه بهدوء لا يتناسب وغضبها الداخلي ترفع إحد حاجبيها بسؤال لم تفصح عنه، فالتوت شفتيه بنصف ابتسامة جانبية وهو يرى تأهبها أمامه فعلم بأستعدادها للهجوم في أي لحظة من الآن، ولأنه لايزال يحتفظ بجزء من غضبه منذ الصباح وزاده رؤيته تلك المسماة أخته سألها مباشرة دون مقدمات :
-كانت هنا ليه وعايزة إيه منك وقالتلك إيه بالظبط؟!...
إجابته بلامبالاة متعمدة إثارة حنقه :
-ولا حاجة.. شوية كلام تافه ملهوش لازمة...
رفع كلا حاجبيه معًا في استنكار، ثم كرر حديثها ببطء كأنه أُحجية يقوم بحلها :
-شوية كلام تافه ملهوش لازمة!!.. وأنتِ بقى وشك كده عشان كلام تافه ملهوش لازمة؟!...
هل يريد اللعب معها، أم عن غفلة منه رمى كرته في ملعبها؟!، حسنًا في كل الأحوال وبما أنه جاء إليها بقدمه إذًا لا ضير من التنفيس عن جزء من غضبها بوجهه، لذا إجابته بنبرة متهكمة تعمدت الضغط عليها :
-وأنت تفتكر إنى كده عشان كلامها؟!!...
علم جيدًا ما ترمى إليه بحديثها، فرعبها وإن حاولت إخفاءه مازال واضحًا في حركات جسدها ونظرتها...
رفع رأسه للأعلى محاولًا الاسترخاء، ثم زفر مطولًا بتعب قبل أن يعاود النظر إليها وقد تبدلت ملامحه إلى الرفق، ثم حدثها بنبرة مليئة بالحنان عكس ما كان منه في الصباح :
-حياة خليكي عارفة حاجة واحدة بس.. إنى مش هسمح لحد يأذيكي آياكان هو مين حتى لو كان أنا.. عشان كده كنت بسألك حصل إيه.. وعشان كده بلاش نظرة الخوف اللي في عيونك منى دي.. ده وعد منى..
حياتي قبل آذيتك...
ارتبكت نظرتها قليلًا وتوترت معها حركة جسدها، ولكنها سرعان ما تمالكت وإجابته أثناء التفاته بجسده عائدًا بعد تمام جملته إلى داخل غرفته، تقول بصوت ممتليء بالمرارة رغم هدوءه :
-فريد أنت إيه مفهومك عن الأذى؟!.. أنت متخيل أن الأذى يكون بالضرب بس؟!!...
توقف عن السير والتفت يناظرها مرة أخرى بملامح وجه مصدومه نوعًا ما، فأضافت مستطردة بعد أن ازدردت ريقها وبدأ صوتها في التحشرج :
-يعنى أنت فاكر إني أقعد هنا مقفول عليا باب ورا باب وعلى كل باب حارس مش أذى؟!.. أو أنك تهددني بأخويا الصغير مش أذى؟!!.. أنك تقف في طريق أي حد بيحبني أو يعرفني وتستغله عشان أعملك اللي أنت عايزه ده مش قمة الأذى؟!!.. اللي بيحب حد يا فريد مبيقدرش يأذيه ولا يعذبه...
صمتت بعد أن تغلبت الدموع عليها وتساقطت فوق وجنتيها بكثرة، أما عنه هو فوقف أمامها مصدومًا كالعاجز، لا يقوى على الحركة بعد سماعه جملتها الأخيرة التي اخترقت قلبه مباشرةً، فعندما نطقتها لم تتهادي لمسماعه بصوتها، بل سمعها بصوت والدته، وجاءه توسلها في تلك اللحظة مماثل لتوسل والدته له وهى توصيه بها خيرًا في تلك الليلة..
تراجع خطوات للوراء وهو لازال ينظر إليها كالأشباح التي لا روح فيها، بينما يده ارتفعت تلقائيًا نحو أزرار قميصه يحلها كالألة، ثم شرع في ارتداء بنطاله الرياضي بعد أن تركته هي وأغلقت الباب المشترك بينهم، يتوجه مباشرةً نحو متنفسه، صالته الرياضية الواقعة في الطابق الأرضي.
*************
دلف إلى صالته الرياضية كالإنسان الألي، ثم ارتدى قفازاته بنفس الألية بينما ذكريات تلك الليلة المشئومة بصورتها الكريهة تتدفق تباعًا داخل عقله بوضوح، توجهه نحو الكيس الرملي المعلق والخاص بالملاكمة، ثم صرخ بألم حتى شعر بأحباله الصوتية أوشكت على الانقطاع، قبل أن يبدأ في لكم ما أمامه بكل ما أوتي من قوة يحاول إفراغ شحنته السلبية من خلال المجهود المتواصل، ومع كل لكمة يسددها كانت تظهر صورة أمام عينيه من الماضي.
تذكر وهو ممدد تلك الليلة داخل فراشه برعب يترقب عودة والده من الخارج بأنفاس مكتومة، فهذا المساء المنتظر لقضاء ليلته بمنزلهم، مرهفًا سمعه فور سماعه وقع خطوات تقترب من باب غرفته، ثم ابتعدت مرة أخرى متوجهة إلى غرفه والدته، فعلم جيدًا صاحبها....
أغمض عينيه بقوة يحاول طرد تلك الفكرة التى تسيطر على عقله منذ الصباح، ثم طمأن نفسه داخليًا بعقلية طفل لم يتجاوز الثانية عشر من عمره بعد، لا لن لن يُصيبها مكروه، ظل يردد تلك الكلمات بداخله عل عقله يقتنع بها فيُرسل إشارات لباقي أجزاء جسده كي يهدأ، وبعد فترة من الصمت استعاد خلالها جزء قليل من هدوءه، بدأت بعض الهمهمات الغير مفهومة تصل إليه دون أن تلتقط أذنه منها شيء واضح...
حدث نفسه مطمئنًا إياها أن تلك الليلة ربما تمضى على خير، خصوصًا وإن أثار الضرب المبرح من الليلة التى تسبق البارحة مازالت تغطي وجه والدته وعنقها بأكملهم، إلى جانب النوبة القلبية التى أصابتها في الصباح فبالتأكيد سيشفق والده على حالها ويتركها وشأنها.. حرك رأسه مؤكدًا فكرته بسذاجة طفل لم يتخلى عنه أمله بعد..
قبل أن يتصاعد منحنى تلك الهمهات حتى أصبحت صراخ واضح من والده، قفز فريد من فراشه، ثم توجهه إلى باب غرفته يفتحه بهدوء ومنه إلى حيث غرفة والديه يقف أمام بابها المغلق في رعب، رغم أن وجوده لم ولن يفيدها ولكنه كان يشعر هنا حيث وقف ببعض الراحة، وكأنها حماية وهمية، مستمعًا بوضوح إلى توسلات والدته الباكية تطلب من والده في ضعف :
-غريب الله يخليك اديني علبة الدوا خليني اخدها مش قادرة اتنفس...
صرخ به والده قائلًا في حنق :
-يا ساهلة.. عايزة تاخديها وتخفى عشان تسبيني وتروحي جري على عشيقك صح؟!...
هزت رحاب رأسها نافية عدة مرات فزعة، تخبره من بين توسلاتها الملتاعة :
-مفيش حاجة من اللي في دماغك دي يا غريب.. متصدقش كلام جيهان.. أنا عمري ما خنتك ولا هخونك...
ازدردت لعابها في خوف، ثم أضافت في وهن من بين شهقاتها المتتالية مردفة :
-هخونك أزاي وأنا مش بطلع من البيت ومش بشوف حد خالص...
صرخ بها وقد جحظت عيناه إلى الخارج، ثم قال بشراسة وهو يقترب منها :
-مانا عارف عشان كده جبتيه يشتغل هنا مع الحراس بحجة أنه قريبك صح!!.. انطقي!...
شهقت بفزع مصدومة من أثر كلماته المجحفة، ثم قالت وقد بدأن ملامح وجهها في الشحوب من فرط توترها وخفوت حركة قلبها :
-كدب.. والله كدب.. قلتلك المرة اللي فاتت ده راجل قريبي غلبان عنده أولاد ومراته طلبت منى إنى أساعده.. دى كل الحكاية والله...
هز راسه نافيًا في شراسة يرفض تصديق حديثها، قائلًا بعد اقترابه منها في توعد :
-أنا هشرب من دمك وبعدين من دمه.. أنا غلطت أنى اتجوزت واحدة زيك ولازم أصلح غلطي ده دلوقتي...
ثم انقطعت بعد ذلك الأصوات ألا من صوت صفع والده لها، وبعدها صراخ شديد متقطع تستنجد به من لطماته التي تهوى فوق جسدها الضعيف دون رحمة، ظل فريد واقفًا أمام الباب يضع كفيه فوق أذنه محاولًا منع صراخ والدته من الوصول إليه، حتى اختفى الصوت تمامًا وخرج غريب بملامح مرتبكة وهو يلهث من شدة المجهود، ناظره فريد بملامح مرتعبة قبل أن يقول وهو يزدرد ريقه في خوف :
-أنا عايز اشوف مامي...
حدجه غريب بنظرة حانقة ارعبته، قبل أن يهتف بتهديد واضح :
-مفيش حاجة اسمها مامي.. فاهمممم!!!.. أنت إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟!!!.. يلا على اوضتك ومش عايز اسمعلك صوت أو اشوفك قدامي قبل الصبح.. يلااااااا...
لم يطعه فريد بل ركض من خلفه نحو غرفة والدته، ثم قفز على فراشها ليطمئن عليها فوجدها نائمة فوقه بلا حراك بوجه ابيض شاحب وشفاه زرقاء، هتف باسمها عدة مرات ولكن دون جدوى، هزها بقوة حتى تستفيق ولكن أيضًا دون جدوى، إذ كان جسدها مرخى تمامًا بين كفيه، توسل إليها بصوت باكي أن تجيبه ولم يتلق منها أي رد، حمله غريب عنوة بتوتر من خصره وذهب به نحو غرفته وهو يصرخ بِه يطالبه بان يظل بها وإلا سوف ينال جزاءه هو الاخر، دثره جيدًا بغطاء الفراش حتى أعلى رأسه،بينما ظل فريد هناك منتظراً بجسد مرتجف حلول الصباح حتى يطمئن على والدته التي لم يصدر منها أي صوت منذ وقت ليس بالقليل..
و صباحًا لم يعلم حتى متى غالبه النوم ولكنه استيقظ فزعًا على هرج ومرج وكثير من الأصوات المتداخلة، فقز من فراشه ركضًا إلى الخارج ليجد طبيب العائلة يقف مع والده وهناك ثلاثة أشخاص أخرين يحملون على حمالة طبية والدته التي كانت مغطاة من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها بغطاء أبيض ويتحركون بها نحو الدرج هبوطًا للطابق الأرضي وهم مطأطئين رؤوسهم وتبدو على ملامحهم علامات الأسف، فعلم أن أسوأ ما يخشاه قد تحقق على يد والده.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السابع 7 - بقلم chimaa youssef
مضت الايام التالية على كلًا من حياة وفريد على نفس المنوال، تجنبت هى لقائه وتعمد هو الخروج باكرًا والعودة بعد منتصف الليل، وبالتالي كانت تتناول وجباتها الثلاث يوميًا بمفردها، وتقضي ما تبقى من يومها بين البحث عن فرصة سفر مناسبة لأخيها لإخراجه من البلاد وما بين اكتشاف شيء جديد في المنزل...
وفي إحدى الأيام عندما لاحظت عفاف حالة الملل التى أصابتها نصحتها بالتوجه إلى مكتب السيد فريد إذا كانت من محبى القراءة فغرفة مكتبه تحتوي على كم هائل من الكتب، وبالفعل أبدت ترحاب شديد بتلك الفكرة وقررت اكتشافها على الفور...
دلفت داخل الغرفة بتوجس فمجرد تفكيرها أنها ملكية خاصة له ولا يستخدمها أحد غيره أربكتها كثيرًا، ولكن عفاف شجعتها على التقدم وأنه أبدًا لن يعارض على استخدامها هي بالذات لها، ورغم ذلك قررت الدخول فقط للبحث عن شيء ما تقرأه، ثم الخروج فورًا دون تلكأ...
رائحة عطره المميز تملئ المكان، هذا أول انطباع جال ببالها بمجرد دخولها، قبل أن تقع عيناها على محتويات الغرفة، فتحت عينيها بانبهار فالغرفة تجسيد حي للكمال والدفء بخشبها باهظ الثمن مع مكتب عصري، ومقعد جلدي مريح ووثير، مع الكثير من التحف العتيقة والأكسسورات الثمينة...
أما ما جعل حياة تشهق بأعجاب هي تلك المكتبة التي كانت تحتل أركان الغرفة، وتحاوط المكتب بنافذته، بل وتمتد حتى السقف حاوية مئات، بل آلالاف من الكتب المنظمة على حسب حقبتها الزمنية ونوعها وتراثها...
تقدمت أول شيء نحو رف الأدب العالمي، مبتغاها الأول دائمًا، فوجدته يحوي الكثير من الكتب الفرنسية!، زمت شفتيها معًا للأمام بتفكير وهي تلتقط أحد الكتب بتغليفها الجلدي العتيق بين يديها وتتأمله...
إذًا لقد أتقن الفرنسية فعلًا في النهاية!، لقد كانت تتذكر كم تذمر من كرهه لتلك اللغة وعدم قدرته على استيعابها، وكم من خلافات نشبت بينه وبين والده بسبب ذلك الأمر، ولكن غريب كان دائمًا يجبره على تلقى الدروس بحجة أن جميع تعاملاتهم مع شركات فرنسية وعلى ولي عهده أن يتقنها تمامًا كالعربية، حتى يستطيع التعامل معهم في المستقبل عند توليه إدارة الشركات...
هل يعلم إنها كرهت اللغة والبلد بأكملها من أجله!! ساذجة!...
فكم ألمها أن يكون صديقها المفضل مجبرًا في حياته، وبناءًا عليه رفضت هي الأخرى تلك اللغة، رغم اضطرارها آسفة تعملها بحكم دراستها، ورغم ذلك لم تستغيثها أبدًا فى طفولتها تضامنًا معه...
تنهدت بعمق من أثر تلك الذكرى وأعادت الكتاب القيم إلى موضعه الأصلي فوق الرف، قبل أن يرن هاتفها داخل جيب ردائها، فالتقطته تنظر به أولًا قبل أن تبتسم فرحة، فيبدو أن مساعيها خلال الأيام الفائتة قد أتى بثماره أخيرًا...
أجابت بحماس على الطرف الأخر، ثم استمعت له قليلًا قبل أن تجيبه بسعاده قائلة :
-أيوه يا فندم تمام.. بالظبط زي ما بعت لحضرتك كده.. وإن شاء الله الورق هيكون جاهز في أقرب وقت..
صمتت قليلًا ثم أجابته بحرص :
-طبعًا طبعًا.. إن شاء هينهي الأوراق ويسافر لحضرتك قريب..
انهت المكالمة وأغلقت هاتفها، ثم قفزت عدة مرات متتالية في سعادة وفرح، فاخيرًا استطاعت التحصل على فرصة خارج البلاد لأخيها بمعاونة صديقتها في الخارج، والتى ما أن علمت بالتحول الذي حدث في حياتها وزواجها من شخص ثري، حتى أسرعت في مساعدتها على الفور..
***********
وفي تلك الأثناء كان فريد يجلس خلف مكتبه بمقر عمله وشئ وحيد يستحوذ على تفكيره، حياة خاصته...
لقد اشتاق إليها كثيرًا فمنذ حديثهم الأخير سويًا وهو يتعمد عدم مواجهتها، أو الاحتكاك بها حتى يعيد ترتيب أموره ويمهلها بعض الوقت للاعتياد على فكرة زواجهم ووجوده بجانبها، فقد كان يقضى يومه كاملًا في العمل ويعود للمنزل فقط بعد حلول المساء عندما يتأكد من خلودها للنوم وبعد فترة يتسلل إلى غرفتها بهدوء دون علمها ليتأملها قليلًا قبل أن يخلد هو الأخر إلى نوم متقطع يظهر في أغلبيته مقتطفات من الماضِ الحزين...
قاطع تفكيره دخول والده العاصف لغرفته، فلوى فريد فمه متشدقًا قبل أن يقول بسخرية واضحة :
-مادام دخلت عليا دخلة المخبرين دى يبقى في مصيبة.. قول اللي عندك..
حدقه والده بنظرة غيظ قبل أن يقول بحنق واضح :
-نفسى تبطل قلة أدب وتحترمني شوية!!!..
لوى فريد فمه متأففًا قبل أن يجيبه بتهكم مرير :
-معلش أصل محدش ربانى وأنت عارف.. أمي ماتت وأنا صغير ومرات أبويا كان كل همها إزاي أحصلها..
ارتبكت ملامح غريب من تلميحات فريد قبل أن يقول بنفاذ صبر هاربًا من الصدام مع إبنه الوحيد :
-خلاص خلاص.. مش هي دي مشكلتنا دلوقتي.. أنت إيه اللي عملته ده مع عيلة الجنيدي..
أجابه فريد بغرور وهو يعود بجسده إلى ظهر مقعده ويجلس في تعالي واضح بوضع ساق فوق الأخرى :
-عملت اللي المفروض يتعمل معاهم من زمان..
هز غريب رأسه عدة مرات بأسف قبل أن يقول في غضب جلى :
-أنت بتستعبببط!!! مش هيسبوك بعد اللي عملته فيهم!!.. أنت مش خايف على نفسك؟..
قال فريد وهو مازال محافظًا على نبرته الواثقة وهدوئه :
-أعلى ما في خيلهم يركبوه.. يبقوا يورونى يقدروا على إيه وروحهم في إيدى دلوقتي..
قال غريب متوسلًا :
-يابني لو أنت مش خايف على نفسك أنا خايف عليك.. بلاش عند مع ناس زي دي!!..
قفز فريد من مقعده بغضب، ثم توجه نحو والده يقف أمامه بشموخ، وهو يضع يديه في جيوب بنطاله قائلًا في شراسة :
-خلي خوفك لنفسك.. وبعدين أنا حلفت برحمة أغلى حاجة عندى... لازم ادفعه تمن اللي عمله قديم وجديد.. كفاية أندحسابه اتأخر لدلوقتي بسببك..
انهى جملته، ثم التفت بجسده يتجه نحو النافذة ينظر من وراءها بجسد متصلب، بينما وصله صوت والده يتنهد بيأس قبل أن يقول منهيًا ذلك الحديث :
-خلاص اللي أنت تشوفه اعمله.. بس على الأقل زود عدد الحراسة معاك شويه.. آه واعمل حسابك الأسبوع الجاى حفلة التجديد السنوى مع الشركة الفرنسية.. والحفلة هتكون على شرفك أنت ومراتك عشان يتعرفوا عليها..
أدار فريد جسده نحو والده بهدوء، ثم رفع إحدى حاجبيه مستنكرًا قبل أن يعقب في برود :
-لا مش عايز..
صاح به غريب وقد سأم من تصرفات إبنه اللامبالية تجاهه :
-هو إيه اللي مش عايز!!.. ده شغل ومستقبل شركات أنت المسئول عنها!!.. الخميس الجاى الحفلة في الفيلا.. تكون موجود أنت ومراتك ومش عايز اعتراض..
انهى أمره ثم استدار وانصرف صافقًا الباب خلفه في قوة..
**********
انتظرت حياة حتى المساء وعودة أخيها للمنزل كي تضمن تركيزه معها الكامل، قبل أن تقرر الاتصال بِه، وعليه جلست في غرفتها فوق حافة فراشها، ثم أمسكت هاتفها وانتظرت أن يأتيها الرد من الطرف الآخر، وحينما كانت على وشك خوض كافة التفاصيل معه تهادى إليها وقع خطوات قريبة من عتبة بابها، فلم تود المجازفة بأي حديث قد يفسد مخططها لذلك آثرت كبح لجام حماسها فقالت لأخيها في نبرة خفيضة :
-بص الكلام مش هينفع في التليفون.. أنا لازم أشوفك بكره.. فضى نفسك وقابلني في البيت..
في تلك اللحظة فُتح باب غرفتها بقوة ورأته يقف أمامها يسألها بوجه عابس وعيون مكفهرة بالغضب :
-أنتِ بتكلمي مين؟!..
انتفضت من جلستها على صوت اقتحامه الغرفة، ثم وضعت يدها فوق قلبها برعب قبل أن تمد يدها الممسكة بالهاتف نحوه متمتمة في رعب:
- محمد أخويا.. خد اتاكد بنفسك..
ارتبكت نظرته قليلًا وظهر التوتر على قسمات جسده، قبل أن تلين تلك النظرات ويدير جسده المتصلب لها هاربًا من المكان بأكمله.
بينما تنفست هي الصعداء بعد خروجه وأغلقت الهاتف متعجلة، ثم أخذت تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا في توتر، قبل أن تحرك رأسها في إصرار، ستذهب لتخبره ولن تتهاون في حريتها، بل وستقاتل من أجلها فعهد تحكم والدها انتهى وأبدًا لن تعيد التجربة معه، فوالدها كان يمنعها من الخروج بمفردها إلا من أجل الدراسة والعمل.. بالطبع بسبب العائد المادى للأخير حتى يرتاح من طلباتها، أما عن خروجها كـ مثيلتها من الفتيات فكان من الممنوعات، ففي منطقه.. البنت ذات الدين والُخلق الجيد مكانها فقط في المنزل وخلف جدرانه!
على كلًا تظل شاكرة لسماحه لها بإكمال دراستها دون تعنتات، ولكن الآن ولى عهد التحكمات، ولن تسمح لأحد آخر تسيير حياتها بدلًا عنها.
**********
بعد قليل هبطت إلى الطابق الأرضي بعدما استجمعت شجاعتها واستعدت للمواحهة، تبحث بعينيها عنه إلى أن لمحت فى الاسفل مدبرة منزله تخرج من غرفة مكتبه ممسكة بفنجان قهوة فارغط فعلمت أنه بداخلها لذلك توجهت على الفور تجاه الغرفه، ثم توقفت أمامها تسألها بهدوء :
- فريد جوه؟؟!!!..
أجابتها عزة بجفاء :
-أها فريد بيه في المكتب..
هزت حياة رأسها عدة مرات وكل تركيزها منصب على مواجهتهم القادمة، وعندما نفضت رأسها في تحدي ممسكة بقبضة الباب بينما تهم برفع الأخرى كي تطرقه، أوقفها صوت عزة مرة اخرى تقول في نبرة خالية:
-فريد بيه طلب محدش يزعجه..
نظرت إليها حياة من فوق كتفها وهي لازالت ممسكة بمقبض الباب، ثم رفعت إحدى حاجبيها متحدية، قبل أن تديرها وتدلف إلى الغرفة دون حتى استئذان، ثم وبابتسامة مغيظة دخلت وصفقت الباب في وجهها متعمدة
بينما كان فريد يجلس خلف مكتبه عاقدًا حاجبيه معًا بشدة أثناء نظره بتركيز في شاشة كمبيوتره المحمول عندما سمع باب غرفته يُفتح ويُغلق دون استئذان، فانتفض من مقعده يصيح ناهرًا:
-مين اللي بي...
ابتلع باقي جملته داخله بمجرد رؤيته لها تدلف الغرفة في ارتباك، فلانت ملامحه المتجهمة على الفور، قبل أن يتحرك في اتجاهها يسألها قلقًا :
-حياة!! في حاجة حصلت؟!...
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبرر دخولها الهمجي ذلك :
-مفيش وأنا عارفة أنى دخلت من غير ما أخبط على الباب.. بس هما قالولى برة أنك مش عايز حد يزعجك.. وأنا كنت هقولك حاجة واطلع على طول مش هعطلك..
تبدلت ملامحه، ثم اضاف بنبرة حانية وهو يتأمل نظرتها المرتبكة رغم حركات جسدها المتصلبة :
-حياة.. أنا قصدي محدش يزعجني منهم..
اطرقت برأسها للأسفل في محاوله منها لكتم ابتسامة انتصار خفيفة كادت تهدد بالظهور على شفتيها من أثر ذلك الانتصار الصغير، ولكنها سيطرت عليها بالأخير، ثم تنحنحت عدة مرات قبل أن تقول بنبرة هجوميه استعدادًا لما هو آت :
- أنا عايزة أروح لماما بكره أزورها.. وعلى فكرة ده مش..........
قاطعها فريد قبل أن تكمل جملتها بنبرة هادئة :
-مفيش مشكلة شوفي عايزة تنزلي الساعة كام وبلغي السواق قبلها..
فتحت فمها دهشة، وهي من كانت تعد نفسها لرفضه!، فسألته مستنكرة :
-إيه ده يعني أنت موافق إنى أروح بسهولة كده؟!!...
ارتسمت ابتسامة أعجاب فوق ثغره من سؤالها الطفولي ذاك، ثم عقب قائلًا في مرونة :
-مفيش مشكلة زي ما قلتلك السواق هيوصلك وقت ما تحبي.. وأنا بليل بنفسي هاجى أوصلك..
عقدت حاجبيها معًا، ثم قالت معترضة :
-بس أنا مش عايزة حد يوصلنى!! أنا بعرف أمشى على فكرة ولوحدي..
وضع فريد يديه في جيوب بنطاله قائلاً بلا مبالاته المعتادة بينما تحولت نظراته من اللين إلى التحذير :
-حياااة.. مش عايز مناقشة كتير.. ده آخر كلام عندى.. والقرار قرارك يا حد يكون معاكي يا لاء من الأساس.. اختاري؟!!..
التفت بجسدها في حدة مبتعدة عنه، ثم واتجهت نحو الباب وهى تضرب الأرض بقدمها غيظًا وتتمتم بكلمات حانقة لم تلتقط أذنه منها شيء، ولكنه ابتسم لا إرادايًا من مظهرها الطفولي الغاضب، تنحنح محاوله تنقية حلقه والسيطرة على رغبته في احتضانها، ثم قال في نبرة آمرة يوقفها بينما هي على أعتاب الخروج :
-اعملى حسابك الخميس الجاي في حفلة للشركة على شرفنا.. حضري نفسك..
التفت تناظره بعيون غاضبة قبل أن ترفع رأسها في تمرد وتقول :
-مش هروح.. اتفضل احضرها مع نفسك..
رأت التسلية واضحة في بريق عينيه، قبل ان يعقب بنبرة تهديد منخفضة :
-تمااام براحتك.. اهي فرصة برضة البسك بأيدي وأشيلك لحد هناك..
شهقت بفزع وفرغ فاها مندهشة من وقاحته معها، ثم قالت بنبره حادة مرتبكة، بينما حمرة الخجل تزحف نحو وجنتها :
-أنت.. أنت إنسان مغرور.. ووو.. وقليل ذوق وأناااااا.......
قاطعها بمرح مقلدًا نبرتها وهو يلوي فمه بنصف ابتسامه ويتقدم منها حتى أصبح على بُعد خطوة واحدة منها :
-بتكرهيني عارف..
تشدقّت بحنق قائلة بأشمئزاز :
-كويس إنك عارف إني بكرهك وجدًا كمان..
ومضت عينيه ببريق غريب وهو ينظر لداخل عينيها مباشرةً، ثم قال وهو يمد كلتا ذراعيه يستند بهم فوق الجدار ليحكم حصارها ويمنع يدها من الامتداد لفتح الباب والخروج، قائلًا بصوت أجش وعينيه تضيق فوق وجهها :
-عارفه يا حياة إيه اللى مصبرني على كل اللي بتعمليه ده؟!...
لم تجيبه بل أغمضت عينيها بقوة تضغط على جفنيها محاولة بذلك تجاوز ذلك الشعور الذي بدأ يتسلل إليها بسبب أنفاسه الحارة الواقعة عليها، محركة رأسها ببطء نافية وهي تبتلع لعابها بصعوبة بالغة، فأضاف وهو يقترب بوجهه منها أكثر عن ذي قبل :
-عشان العيون دي اللي في كل مرة بتشوفني فيها بتقولي حاجة واحدة بس" محتجالك يا فريد ".. وأنا وعدتهم من زمان أن عمري ما هتخلى عنهم..
فتحت عيناها مصدومة، قبل أن تشرد بنظرها نحو الفراغ ويشحب وجهها، بينما انتهز هو فرصة صمتها واقترب منها يطبع قبلة حانيه فوق وجنتها، فانتفضت بفزع من أثر قبلته المباغتة لها، وقد إعادتها لمسته للحياة، ثم فجأة دفعته بكلتا يديها وهي تصرخ به بقوة قائلة :
-متلمسنييييييش.. أنت فاهم أوعى تقرب مني أو تلمسني تاني..
ثم استدارت برعب لتفتح الباب بيد مرتعشة وتركض نحو الخارج بجسد منتفض، تاركة فريد غارقًا في صدمته من رد فعلها الغير مفهوم.
************
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت آمنة تجلس فوق الطاولة الصغيرة وتقوم بتحضير أشهى المأكولات وهى تدندن أغنية قديمة في سعادة، خرج عبد السلام من غرفتهم يناظرها شرزًا، قبل أن يتشدق جملته في غيظ :
- أيوة ياختي حضري ما هي ست الحسن بتاعتك جاية النهاردة..
حركت آمنة رأسها يمينًا ويسارًا في حنق، ثم استغفرت ربها وآثرت الصمت، ولكنه تعمد استفزازها مضيفًا سمومه :
- إيـه مش عاجبك الكلام ولا بتكلم غلط.. ولا يمكن كلامي دلوقتي مبقاش جاي على هواكي بعد ما ناسبتى الباشا..
زفرت آمنة بضيق وهي تلوى فمها قبل أن تجيبه قائلة :
-يا حول الله يارب.. أنا عايزة أعرف أنت إيه!.. عايز تجر الشكل وخلاص!.. ما تسيب البت في حالها مش كفاية من ساعة ما اتجوزت محدش عبرها ولا سأل عليها!..
قاطعها وقد بدأت نوبة صياحه المعتادة صارخًا بصوت يصم الآذان :
-مالها ياختي.. ما هى قاعدة في فيلا والخدم تحت رجليها هتعوز إيه تاني.. أنا بقول بس بدل مانتي مهتمة بيها والأكل الحلو مظهرش غير بقدومها.. كنتي تعملي حاجة لأبني الغلبان الشقيان ده هو أولى..
قالت آمنة بنفاذ صبر معترضة :
-وهي مش بنتك يا راجل.. وكمان لو كنت نسيت أفكرك.. مين اللي أنقذ أبنك الغلبان ده..
قاطعها بصوته الجمهورى قائلًا في غل؛
-وهو مين اللي كان هيضيع أبني غير الست بنتك وعمايلها؟!..
أجابته آمنة بحنق :
-طب والوصولات اللي كانت عليك.. مين أنقذك منها يا عبد السلام.. ياخي اتقي الله بقي وكفاية كد ..
مر كفه داخل شعره يحكه بتفكير، ثم تمتم بخفوت :
-عندك حق بس المرة دي البت وقعت واقفة بجد.. شكلنا اتسرعنا المرة اللي فاتت بس الحمدلله إنها باظت..
صاحت به آمنة وهى تحدقه بنظرات اشمئزاز واضحة :
-عبد السلاااااام.. قفل ع السيرة الهباب دي لمصلحتك.. وتوكل على الله شوفْلك حاجة تعملها خليني أكمل شغلي..
رمقها بنظرات حانقة قبل أن يقول بغيظ :
-أديني سايبهالك وماشي.. هروح أقعد ع القهوة..
تمتمت آمنة بخفوت قائلة من خلفه :
-في ستـيــن....
ثم عادت للتركيز على ما كانت تقوم به قبل جدالها العقيم معه..
*********
انقضى يوم حياة سريعًا مع والدتها التي اهتمت بسؤالها عن أدق تفاصيل حياتها، فحاولت حياة قدر المستطاع إعطائها إجابات منطقية مختصرة دون التطرق إلى أي مواضيع جانبية، فظنت آمنة أن ابنتها تتجنب الحديث معها فيما يخص زواجها خجلًا منها...
أما عن حياة فقد تنهدت براحة عندما توقفت والدتها عن طرح سيل الاسئلة التي أغدقتها بها منذ وصولها، وبعدما صمتت قليلًا سألتها مستفسرة وهى تلكز في مرفقها بمرح :
-صحيح قوليلي.. عجبتك الهدوم اللي اخترنهالك؟!..
قطبت حياة حاجبيها معًا بتركيز قبل أن تسألها مستفسرة :
-هدوم إيه؟!.
أجابتها والدتها بحماس بينما الابتسامة تعلو ثغرها فخرًا :
-الهدوم بتاعتك اللي هناك في الفيلا..
ازدردت ريقها بعجالة، ثم أضافت مفسرة :
-فريد حب يعملهالك مفاجأة.. كلمني وقالي أقابله واختار معاه كل اللي بتحبيه عشان أنا أدرى بذوقك يعنى.. حتى فستان الفرح سألني لو بتحب حاجة معينة وافتكرت ساعتها الفستان اللي كنتي كل شوية تدوشيني بشكله وتوريني صور شبهه.. وخلانى أقابل واحدة مصممة كده.. آه ده أسمها.. ووصفتلها على قد ما أقدر.. بس الحق يا حياة أن الفستان طلع أحلى من اللي كنتي بتوصيفه.. أنا مرضتش احرقلك المفاجأة ساعتها بس دلوقتي أقدر اتكلم براحتي..
هزت حياة رأسها ببطء فقد حلت لغز تلك الملابس الرائعة القابعة في خزانتها، وحتى الآن ترفض ارتدائها بسببه، معيدها من شرود تفكيرها صوت أخيها يدلف المنزل، فقفزت على الفور تستقبله بسعادة وحماس، ثم تمتمت لوالدتها بعجالة :
-ماما أحنا فى الأوضة جوة.. متخليش حد يدخل علينا..
ثم جذبت أخيها من مرفقه تدفعه نحو الغرفة، وفي الداخل قصت عليه كافة تفاصيل تلك السفرية المنتظرة، بينما أطرق هو برأسه فى حزن متسائلًا :
-ماشى يا حياة بس أنا هجيب مصاريف السفر دي منين؟!.. أنتِ عارفة أن الشغل يادوب..
ربتت على كفه بحنو قبل أن تجيبه بنبرة مطمئنة :
-متشغلش بالك بكل ده أنت عارف إنى كنت محوشة شوية فلوس من شغلي وأنا هتكفل بكل حاجة..
ثم مدت يدها داخل إحدى جيوب بنطالها وأخرجت بطاقة إلكترونية وضعتها في كفه قبل أن تضيف :
-دى الفيزا بتاعتي إن شاء فيها اللي يكفي كل المصاريف.. خدها استخدمها وأتوكل على الله.. بس بالله عليك يا محمد في أسرع وقت أنا ما صدقت الفرصة دي تجيلي..
هز رأسه لها متفهمًا قبل أن يحتضنها ويطبع قبلة حانية على جبهتها ويقول :
-مش عارف أقولك إيه ع اللي بتعمليه معايا.. بس إن شاء الله هردلك كل فلوسك دي وزيادة..
ربتت بأصبعها فوق وجنته برفق معقبة في مرح :
-يا واد أنت هتكبر عليا.. يلا قوم شوف وراك إيه تعمله معندناش وقت..
قفز أخيها على الفور في حماس متمتمًا بسعادة غامرة :
-حاضر يا أجدع أخت في الدنيا..
ابتسمت حياة لرؤيتها سعادته واضحة فوق ملامحه، ثم أوقفته بصوتها الناعم ترجوه قائلة :
-محمد متنساش أنت وعدتني.. محدش يعرف حاجة لحد ما تسافر..
هز رأسه لها مؤكدًا قبل أن يخرج من غرفتها ويتركها تزفر براحة من تحقيقها أول خطوة في سبيل حريتها.
وفي المساء..
هاتف فريد حياة يطلب منها الاستعداد للخروج فهو على وشك الوصول إليها، وعليه ودعت والدتها التي قالت حزنة :
-ملحقتش اشبع منك يا حياة كنتي خليكي شويه كمان معانا..
قالت حياة وهي تربت على كتفها بحنان معتذرة :
-معلش يا ماما فريد كلمني و قالي أنه خلاص في الطريق.. وإن شاء الله هبقى أجيلك تاني.. وأنتِ كمان أبقى تعالي زوريني بلاش تسبيني لوحدي هناك..
وبينما كانت آمنة على وشك أجابتها، قطع حديثهم صوت والدها الساخر، إذ كان يقف على عتبه المنزل ويستمع لحديثهم :
-سبيها تروح لجوزها.. دلوقتي بقى فريد اللي كانت عاملة دوشة ١٠ سنين وهي تقول مش عايزاه مش عايزاه.. دلوقتي مش قادرة على بعده..
التفت حياة بحدة تنظر إليه وعلامات الحنق منه تبدو ظاهرة على كافة ملامحها، مقررة إثارة غيظه وذلك بقولها ساخرة، بينما ساقيها تتحرك في اتجاهه حتى وقفت على مقربة منه :
-طب وأنت زعلان ليه كده يا بابا.. يمكن عشان المرة دي معرفتش تطلع غير بوصولات الأمانة.. فالموضوع بالنسبالك خسران؟!..
صُدم عبد السلام من ردها، فتلك المرة الأولى التي تقف فيها إبنته أمامه وتتجرأ على الرد، وعليه صدح صوته بقوة يرج أركان المنزل :
-أنتِ قليلة أدب بنت ***.. وشكلك افتكرتي إنك اتجوزتي ومحدش هيقدر عليكي..
رفع كفه لأعلى استعدادًا لصفعها، بينما انكمشت هي على نفسها، قبل أن يوقفه صوت فريد الهادر وقد سارع بإمساك يده المرفوعة، قائلًا وعلامات الغضب تملأ محياه :
-عبد السلام بيييييه.. أنا مراتى متربية أحسن تربية..
ظل يضغط بكل ما أوتي من قوة على كف والدها المرفوع حتى شعر بالاحمرار قد بدأ يغزو وجه غريمه من شدة الألم، ثم أضاف بنبرة غاضبه منخفضة :
-ثم أن مش مرات فريد رسلان اللي حد يفكر يمد أيده عليها حتى لو كان أبوها فاهم..
نفض يده في عنف متعمدًا استخدام قوته المفرطة، حتى شعر والدها بذراعه على وشك الخروج من مفصله، بينما تحرك فريد من أمام الباب يحتضن يد حياة التي وقفت خلف والدتها مصدومة مما كان والدها على وشك فعله، ومن رد فعل فريد، ثم سحبها نحو الخارج وهو يقول بنبرته الآمرة :
-دادا آمنة.. لو عايزة تشوفى حياة هتلاقيها في بيتي..
قال جملته ثم سار بها للخارج نحو السياره دون النظر خلفهم...
دلفت حياة داخل السيارة بهدوء دون إبداء أي رد فعل، بينما صفق فريد الباب خلفها في عدائية، ثم استدار ليحتل المقعد المجاور لها ويأمر سائقه بالتحرك ولازال ذلك العرق بجانب صدغه ينبض دون هوادة من شدة الغضب، زفر بقوه عدة مرات في محاولة منه لاستعادة جزء من هدوئه، قبل هتافه اسمها بنبرة حاول قدر الإمكان إخراجها طبيعية وهو يمد يده ليحتضن كفها في توجس متأهبًا لرفضها، ولكنها فاجأته بتقبل يده بهدوء غير معتاد، هتف اسمها مرة أخرى بنفاذ صبر، ولكن أيضًا لم يصدر عنها أي إجابة، فقط ضغطة خفيفة على يده المحتضنة كفها، ثم استندت برأسها فوق النافذة سامح لذكرياتها بالعودة بها إلى سن السادسه..
" تذكرت ذلك اليوم في قصر غريب، عندما كانت تتلوى تحت قبضة والدتها وهي تمشط لها شعرها قائلة بطفولية :
-يا ماما يلا بسرعة عشان الحق أروح لفريد قبل الدرس ما يبدأ..
ضحكت آمنة وهي تحاول جاهدة إتمام مهمتها مع قلة صبر طفلتها قائلة بمرح :
-ايوه يا ست حياة.. كأن الدنيا دي مفيهاش غير فريد.. ليل ونهار عايزة تجرى عليه.. اتفضلي يا ستي روحيله أديني خلصت..
ركضت حياة على الفور في اتجاه الباب المؤدى إلى الحديقة قبل أن توقفها يد والدها الغليظة، وتسحبها للداخل مرة أخرى ويجرها خلفه بقسوة قائلًا :
-مفيش حاجة اسمها فريد تاني..
ثم توجه بحديثه لوالدتها :
-أنتِ يا ست آمنة معندكيش نخوة ولا إحساس.. بتشجعى البت على قلة الأدب!!.. عايزاها تحط رأسنا في الطين!...
سألته آمنة مستنكرة من بين حاجبيها المعقودان معًا :
-قلة أدب إيه دي يا عبد السلام اللي بتتكلم عليها؟!..
هدر يجيبها وهو لازال ممسكًا بذراع حياة التي كانت تحاول جاهدة الافلات من قبضته المؤلمة :
-أيوة قلة أدب.. ليل ونهار سيباها قاعدة لوحدها مع ابن الباشا ومحدش عارف بيعملوا إيه.. بتك دي مش هترتاح غير لما تجبلي العار وتخلي ناسي في البلد يعايروني بيها..
شهقت آمنة مصدومة، تحاول استيعاب حديث زوجها الغير متزن، ثم قالت بمزيج من الاستنكار والاشمئزاز :
-عار إيه يا راجل.. دول عيال!.. أنت بتتكلم على بنتك اللي مكملتش ٦ سنين.. أكيد جرى لمخك حاجة..
صاح بها بصوت جهوري افزع كلًا من حياة التي بدأت تبكي من شدة الألم ووالدتها :
-أيوة هو ده اللي عندي.. واعملي حسابك تلمي هدومك.. أنا خلاص جبت شقة إيجار ومن بكرة هنتنقل ليها.. وأقسم بالله لو بوقك اتفتح أو اعترضتي لارمي عليكي اليمين دلوقتى.. وارميكى في الشارع أنتِ وعيالك..
ازدرد ريقه بقوة قبل أن يضيف متوعدًا :
-ومن بكرة الحال المايل ده هيتعدل.. وهشوف البت دي اللى عايشة عيشة البشوات هتتربي إزاي..
ثم نفض ذراع حياة من قبضته وخرج صافقًا باب الملحق خلفه في عنف، انتظرت حياة خروجه، ثم ركضت نحو الحديقة وهي لازالت تبكى حتى وجدت فريد يجلس بهدوء تحت شجرته المفضلة، هتفت اسمه بصوت باكِ تشتكى له من والدها قائلة من بين شهقاتها المتلاحقة :
- فريد . بابا زعقلي.. وقـال.. قالـي إني هجيبله العار.. ووو.. وإنه هيخليني امشي وكمان بكرة.. هنـروح.. هنروح بيت جديد..
قاطعها صوت فريد الطفولي يهدهدها وهو يمسح فوق شعرها بحنان قائلًا في إصرار :
-متخافيش يا حياة.. أنا هحميكى منه ومش هخليه يعملك حاجة وبعدين أنا دلوقتي هكبر وهتجوزك واخليكي تعيشي معايا أنا وأنتِ وماما بس.. بعيد عنه وعن بابا..
طمأنتها نبرته ووعوده فهزت رأسها له بحماس موافقة بعدما مسحت بكف يدها دموعها المنسابة، فهي تثق به وتعلم أنه بطلها وحاميها الأوحد...
تنهدت بعمق مفكرة.. فيبدو أن قوة ذلك الصغير لم تكفى لردع والدها عما انتوى القيام بِه، وبالفعل في اليوم التالي انفصلت حياة عن فريد دون حتى وداع..
ا
فاقت من شرودها على توقف محرك السيارة وصوت فريد العميق يحثها على النزول، دلفت إلى الداخل فوجدت الهدوء يعم أرجاء المنزل فاستنتجت أن ساعات العمل قد انتهت وذهب كل موظفيه إلى مخدعهم، راقب فريد ردود أفعالها الهادئة بقلق، فشخصيًا يفضل حياة الثائرة عن تلك التي لا يصدر منها أي رد فعل، رفع رأسه للأعلى ثم تنهد بتعب ممررًا يده داخل خصلات شعره، قبل أن يقول آمراً بنبرة خرجت حادة دون وعى منه :
-حياة.. مفيش روح لهناك تاني.. فاهمه..
التفت تنظر إليه وعيونها تنطق بالشرر، قبل أن تنفجر وتصرخ به بقوة، بينما كلتا يديها يدفعانه للخلف :
-ملكش دعوووووووة.. أنت بالذات ملكش دعوة.. مش عايزة منك حاجة.. فاهم يعنى إيه مش عايزة منك حاجة.. متجيش دلوقتي تديني أوامر.. روح واختفى زي ما اختفيت زمان.. حياة كبرت ومش محتاجالك سامع.. أنا قادرة ادافع عن نفسي لوحدى متعملش فيها بطل ليا.. كنت فين زماااان.. ها!.. كنت فين وأنا عندي ١٤ سنه؟.. كنت فين وهو.............
ابتعلت ما بقي من الكلمات بداخلها، وقد خانها جسدها وصار يرتجف من شده الغضب، بينما ظل فريد ينظر إليها بصدمة يحاول استيعاب حديثها وسبب ذلك الهجوم الغير مبرر، ثم تقدم خطوة منها يمد كلتا يديه ويحاول احتضانها، ولكنه تفاجئ بها تلكمه فوق صدره صارخة بأستياء :
-متقربش مــنـي.. قلتلك مية مرة متقربش مني.. ابعد عني متقربش .. مش عايزة حد يلمسني.. سيبوني في حالي.. وأنت ارجع مكان ما كنت مختفي مش عايزاك في حياتي..
قاوم فريد لكماتها المتتالية وانهيارها وهو يشدد من احتضانه لها حتى استكانت وهدأت بين ذراعيه، ثم قامت بمسح عبراتها المنهمرة بكثرة قبل أن تدفعه برفق وهي تُتمتم بنبرة منهكة :
-أنا كويسة لو سمحت سبني..
فك حصارها من بين ذراعيه وتركها تتجه نحو الدرج، بينما ملامح وجهه يكسوها الصدمة يحاول عقله استيعاب كلماتها وما تفوهت به للتو.
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل الثامن 8 - بقلم chimaa youssef
صباح الخير عليكم يا احلى بنات 😍😍 ..
معلش عايزه انوه على كام حاجة كده استحملونى 😂😂..
اولاً لكل اللى متابعنى من روايه عشقى الابدى انا لسه بيجيلى اسئله عن ميعاد نزولها فحبيت أنبهكم انها هتنزل بعد ما دى تخلص على طول وهتنزل على جروبى الاول فلو حابين تتابعوها ادخلوا الجروب هتلاقوا اللينك فى التعريف بتاعى واتمنى تشرفونى فيه 🙈🙈 .. ولو حابين تحملوا الروايه هنزلكم اللينك pdf
ثانيا للمره العشرين على التوالى 😂😂😂 مواعيد النشر اتنين وخميس ده الاساس ولو البارت خلص بدرى بنزله على طول بس لو انتوا مش حابين كده هثبت النشر اتنين وخميس ف كل الاحوال ..
اما بالنسبه لطلبات تزويد الايام النشر وطول البارت فانا بحاول جاهده اعوضكم ببارت طويل ، يعنى بارت طويل مرتين ف الاسبوع هو هو بارت صغير يوم ويوم وف الاخير القرار برضه يرجعلكم 😍😍 ..
رابعااااااااااااًً البارت ده طويل جدا فقسمته على جزئين واحد هينزل دلوقتى والتانى بليل او بكره على حسب حماسكم والفووووووت 🔥
اخيرا اسيبكم مع البارت ♥️🙈🙈🙈 وهستنى ارائكم متكسلوووووووش تعملوا فوت وكومنت 😂😂😂😂😂
ودومتم ذواقيين 😍😘😘😘😘
********
مرت الأيام التالية على فريد كالجحيم فترتيبات عمله من جهة وكلمات حياة التي كانت تطن داخل أذنه دون توقف من جهةً أخرى...
أما أسوأهم فهو اضطراره إلى التعامل مع نوبات غضبها المتواصلة، والتي في الحقيقة لم تدخر جهد لأثارة غضبه بكل الطرق الممكنة، الأمر الذي تطلب منه أقصى درجات ضبط النفس حتى لا يصب جام غضبه عليها، حيث كانت تتعمد استفزازه ومعاندته في أبسط المواقف والأمور، لذلك قرر أن أفضل حل هو تجاهلها وعدم الاحتكاك بها حتى يتخلص من اعباء عمله وعقوده التي تتطلب التجديد قبل أن يتفرغ لها، فهو عاقد النية وبقوة على معرفة ما لمحت إليه من كلمات خلال حديثهم الاخير، أما غضبه ويأسه المتزايد فكان يتخلص منه من خلال موظفيه المساكين، أو داخل صالته الرياضية، أو الأسوء من خلال ذلك المشروب الذي اصبح يلازمه بكثرة خلال لياليه.
استيقظ في صباح اليوم السابق لحفلة التجديد بأرهاق، فرك وجهه بقوة فلديه يوم عمل حافل وشاق، اتجه أولًا نحو الحمام ليأخذ دشًا سريعًا يعيد إليه نشاطه، ثم هبط فورًا إلى غرفة مكتبه مقررًا على غير العادة ترتيب أوراق اجتماعه، والذهاب إلى مقر الشركة قبل الموعد مباشرةً
أما عن حياة فقد ندمت على ما تفوهت به تلك الليلة، فهى تعلم فريد وتعلم أنه لن يمر ما تفوهت به مرور الكرام لذلك آثرت الهرب، عن طريق المكوث داخل غرفتها والخروج بعد التأكد من خروجه للعمل، أو بمهاجمته وإثارة حنقه إذا حدث بالخطأ وصادفته...
وبعد منتصف الظهيرة انتهى فريد من تدقيق أوراق اليوم، ثم تمطى في تعب، قبل أن يقرر جمع أوراقه والتحرك، وفي تلك الأثناء نظرت حياة في ساعة يدها فوجدتها تجاوزت الثانية عشر ظهرًا والهدوء يعم المكان وعلى ذلك تستطيع التحرك بحرية في غيابه...
وعليه ارتدت زيها الرياضي، ثم توجهت مباشرةً نحو الدرج، فصادفها فريد عند مدخل الخروج والذي تسمرت نظرته ما أن رآها، فقد كانت ترتدي لباس رياضي رائع، بمزيج من اللونين الأبيض والأسود يحتضن خصرها ويتناسب تمامًا مع انحناءات جسدها، وقد رفعت شعرها المموج لأعلى على هيئة ذيل حصان، ثم تركته ينساب بنعومة فوق كتفيها، وفورًا شعر بحرارة جسده تزداد من ذلك المظهر العفوي والمثير لأعصابه، بينما توقفت هي في منتصف الدرج بارتباك، لا تعلم ما الذي يجب عليها فعله فلقد رأها وقضي الأمر، وليس هناك أي سبيل للهروب أو الركض لأعلى مرةً أخرى، لذلك قررت استئناف طريقها وكأنها لا تراه...
رفعت رأسها بكبرياء وهي تمر من جواره دون حديث، بينما زفر هو مطولًا عدة مرات للتخلص من كم المشاعر التي اجتاحته دفعة واحدة، مزيج غريب من الغضب والإرهاق والإثارة، قبل أن يوقفها صوته متسائلًا في نبرة جدية خفيضة بعدما تجاوزته :
-حياة أنتِ رايحة فين؟!..
توقفت عن سيرها بعنفوان، ثم عادت خطوتين للخلف حتى تقف أمامه، مجيبة بتحدى بحاجبين مرفوعين لأعلى :
-رايحة اتمشى شوية في مانع؟!..
ضغط على شفتيه بقوة وأغمض عينيه لبُرهة، قبل أن يفتحها ويجيبها محاولًا الحفاظ على هدوئه النسبي :
-لا مفيش.. بس خدي حد من الحرس معاكي وأنتِ خارجة..
بالطبع تعمد تجاهل التعليق على لباسها إلى وقت لاحق، وبعد نطقه بجملته، هم بالخروج بعدما نظر في ساعة يده فلديه يوم مشحون، وقتها أوقفه صوتها معترضة :
-أنا مطلبتش حد يجي معايا.. أنا عايزة اتمشى لوحدى مش حاجة عويصة والله..
توقف عن سيره وأطرق رأسه للأسفل، قبل أن يهزها عدة مرات بشراسة ويمرر كفه داخل خصلات شعره، ثم استدار لها بجسد متصلب قائلًا بنبرة لا تحمل أي معنى للمزاح :
-حياة.. صدقينى الجدال النهاردة بالذات مش في مصلحتك خالص.. يا تاخدي حرس معاكي وأنتِ برة.. يا تستخدمي أوضة الجيم جوة.. انتهى.
انهى جملته ثم ابتعد فورًا وتركها تحدق بغضب في خياله، بينما تحرك هو نحو الحديقة، ثم استدعى رئيس الحرس ينبهه بنبرتة الآمرة :
-حياة متطلعش من الفيلا لوحدها سامع.. لو عرفت إنها خطت خطوة واحدة برة الفيلا لوحدها.. هيكون آخر يوم ليك بكل اللي معاك..
انهى تهديده، ثم تركه واتجه نحو سيارته ليصعد إليها ويصفق الباب خلفه بقوة غضبًا
بالطبع انتهزت حياة فرصة خروجه من المنزل، قبل أن تقرر الاستمرار في عنادها، وعندما كانت على وشك الاقتراب من الباب الخارجي للفيلا، أوقفها أحد الحراس بجسده الضخم يسألها مستفسرًا في احترام :
-حياة هانم حضرتك رايحة فين؟!..
رمقته حياة بنظرة متشككة، قبل أن تجيبه على مهل قائلة :
-رايحة أتمشي!!..
أومأ الحارس لها بخنوع قبل أن يقول وهو يمد كفه للأمام :
-تمام يا فندم اتفضلي حضرتك قدامي..
سألته حياة وهي تزفر بنفاد صبر :
-يلا فين!.. أنا بقولك عايزة اتمشى.. لوحددددى..
هز الحارس رأسه لها ثانية في احترام جم، ثم قال معقبًا على حديثها :
-معلش يا فندم معندناش أوامر إنك تخرجي لوحدك..
زفرت حياة مرة أخرى مطولًا وهي تضع يديها في منتصف خصرها وتنظر حولها متأملة، ثم بعد فترة قالت بتفكير :
-خلاص خلاص مش عايزة حاجة هقعد في الجنينة شوية..
اخفض الحارس رأسه للمرة الثالثة يحييها في صمت، قبل أن يعاود أدراجه إلى موقعه الأصلي دون أن يستدير بظهره لها....
بينما سارت حياة قليلًا على مهل متظاهرة بتأمل الحديقه وأزهارها وبداخلها هدف واحد، وبعد قليل من البحث والتفتيش لمحت سُلم خشبي طويل ملقى بأهمال في أحد الأركان الجانبية، وفورًا لمعت فكرة ما داخل رأسها، فشرعت في تنفيذها متمتمة من بين أسنانها في تحدي :
-أبقى ورينى يا سي فريد بيه.. هتمنعني ازاي..
ثم صفقت يديها معًا بسعادة قبل أن تحاول تحريك السلم ورفعه نحو السور، وبعد جهد ليس بقليل أتمت مهمتها على أكمل وجه، ثم نفضت يديها بزهو، وبدأت في تسلقه فعليًا، قبل شعورها بيد ما تقبض على قدميها من الأسفل..
*****
في مقر شركته....
كان فريد يجلس خلف مكتبه العريض يراجع بتركيز التعديلات ما قبل الأخيرة لتوقيع الغد، عندما صدع رنين هاتفه فالتقطه بهدوء ينظر في شاشته أولًا، ثم سرعان ما انعقد حاجباه معًا وهو يجيب في جمود :
-اتمنى تكون حاجة مهمة عشان تشغلني بيها..
صمت قليلًا يستمع بتركيز إلى الطرف الآخر بينما وجهه يزداد عبوس مع مرور الوقت، ثم أردف قائلًا بنبره آمرة :
-خليها عندك اوعى تخليها تخرج لحد ما اجيلك..
رفع كفه ليفرك جبهته بأصبعه في إرهاق مضيفًا بنبرة تحذير خطيرة :
-تمنعها من غير ما حد يلمسها فاهم.. لو عرفت أن حد لمسها أقسم بالله هيكون آخر يوم في عمره سامعني..
انهى مكالمته، ثم انتفض من مقعده ملتقطًا مفاتيح سيارته وهو ينفخ في ضيق وقد بدأ غضبه يتصاعد وصبره ينفد من أعمالها الطفولية، ثم خطى بخطوات واسعة نحو الخارج متمتمًا في عصبية وحنق :
-آه يا حياااة.. هشتغل ناظر مدرسة على آخر الزمن..
وصل فريد بعد دقائق فمقر عمله لا يبعد كثيرًا عن منزله وهذا أهم ما يميزه، ثم اندفع بسيارته مسرعًا عبر بوابة الفيلا الرئيسية بعد أن فتحها له متعجلًا حارس الأمن الخاص بها، وولج إلى الداخل بغضب ساحقًا الممر الحجرى تحت إطارات سيارته، ثم أوقفها فجأة فأصدرت فراملها صرير قوى، جعل حياة التي كانت تقف على قرابة من المدخل تحاول الخروج، تنتبه بكامل حواسها لقدومه...
ترجل فريد من سيارته برشاقة وسرعه الفهد، قبل أن يصفق باب السيارة الأمامي خلفه في حدة، تاركًا محركها لازال هادرًا...
وبنفس العصبية توجهه نحوها على الفور وقبض بكفه على مرفقها يجرها نحو الداخل دون أن ينظر في وجهها، هاتفًا من بين أسنانه بصوت مكتوم :
-تعالي..
تلوت حياة بجسدها بين يديه تحاول الافلات منه وتحرير نفسها، قائلة في حنق :
-سيب.. آاه أيدي.. بقولك سيب..
استمر في طريقه يجرها خلفه دون اهتمام باعتراضها، فاضافت وهي تزفر بضيق وعصبية :
-آه فريد.. بقولك سيب بتوجعني..
توقف عن السير بمجرد سماعه لجملتها، ثم ابعد قبضته عن ذراعها دون أن تلين ملامحه، أو تحيد نظرته عن الطريق، أو حتى يحاول النظر إليها، بينما انتهزت هي فرصة تركه لها وركضت من خلفه نحو الخارج مرة أخرى، فصدح صوت عاليًا لظلها حتى وصل إلى الطيور في أوكارها :
-برافو حياة.. حقيقي برافو!.. هجري وراكي كمان في سننا ده..
وخلال خطوتين قطعهما بساقيه استطاع القبض عليها، ثم مال بجذعه للأمام نحوها، وحاوط ركبتها بذراعه، قبل أن يحملها فوق كتفه بغضب، ويتحرك بها نحو الباب الداخلي للمنزل، ثم قام بقرع جرس الباب وهو يركله بقدمه في قوة، فركضت مدبرة منزله بخوف تُسرع في فتح الباب لمخدومها...
اتسعت عينيها بصدمة وهي تراه يحمل زوجته على ذلك النحو دون الاكتراث بوجود أشخاص حولهم، بينما تجاوزها فريد نحو الداخل مباشرةً ومنها إلى الدرج ليتسلقه..
أما عن حياة.. فكانت تركل بقدميها في الهواء في محاوله يائسة من طرفها للتخلص منه، ثم صاحت معترضة بحنق عندما فشلت في القفز من فوقه :
-نزلنى .. فريــــد بقولك نزلــنـى..
صدح صوته الجهوري داخل أرجاء المنزل بنبرة تهديد عالية :
-حياااااااااااة!!!!!..
اخذ نفسًا عميقًا لم يهدئ من غضبه، ثم أردف بنبرة تهديد منخفضة :
-بلاش النهاردة احسنلك.. بلاش النهاردة عشان إحنا الاتنين منندمش..
توقفت عن الحركة واستكانت فوق كتفه بهدوء، فنبرة التهديد في صوته لا تدع أي مجال للمزاح أبدًا، بينما التوى فمه بابتسامة رضا رغمًا عنه عندما توقفت عن محاولاتها في مقاومته.
ووقفت عزه تراقب ما يحدث بينهم بوجه عابس والغيره تأكلها داخليًا، فكرت بحقد ما الذى ينقصها عنها حتى يكن لها كل ذلك الحب!!!... فعلى العكس حياة ليست بنصف مقدار جمالها، كما إنها تطيعه منذ قدومها للمنزل وتسعى دائمًا لراحته، وضعت يدها داخل جيب ردائها لتخرج منه هاتفها المحمول بعدما اتخذت قرارها النهائي وطلبت رقم ما، ثم تحدثت بمجرد سماعها الطرف الأخر يجيب قائلة بتصميم :
-أيوه يا بيه.. أنا موافقة اعمل اللي قلت عليه خلاص..
ثم اغلقت هاتفها وهي تتوعد لحياة .
وصل فريد إلى الطابق العلوى وتحديدًا أمام غرفتها، ثم دلف لداخلها وهو لايزال يحملها فوق كتفه حتى وصل إلى الفراش، ثم القاها فوقه بلا مبالاة، قبل أن يعيد ترتيب ملابسه ويمرر يده داخل خصلات شعره قائلاً بتهديد وهو يشير بأصبعه :
-متتحركيش من هنا لحد ما ارجعلك فاهمة!..
انتفضت هي من الفراش بعصبية، ثم تحركت حتى وقفت أمامه وقالت تتحداه :
- لا مش فاهمة أنا من حقي.............
حرك كلا كفيه ليحاصر وجهها ويمنعها من الحركة، ثم قطع جملتها بطبع قبلة قوية فوق شفتيها، ثم تركها وانصرف على الفور بعد أن أوصد الباب خلفه بالمفتاح من الخارج
تسمرت حياة في مكانها من رد فعله الغير متوقع، ولم يعيدها للواقع سوى صوت تكات المفتاح من الخارج، فركضت في اتجاهه تحاول تحرير نفسها رغم علمها جيدًا بعدم جدوى محاولتها، قبل أن تطرق عليه بعنف هاتفة اسمه في غضب :
-فريد افتح الباب ده!!.. أنت بتهــزر!. أنت بجد هتحبسنى!!.. فريـــد!!!..
لم تتلقى أي إجابة منه، لذلك توقفت قليلاً تلتقط انفاسها المتلاحقة، قبل أن تركض نحو الباب المشترك بينهم ومنه إلى باب غرفته لفتحه والخروج منه ولكن هيهات، فقد سبقها بتفكيره وأغلقه هو الأخر، ووقف يبتسم بانتصار، ثم ركض إلى الاسفل مرة أخرى على عُجالة، مصادفًا عفاف في طريقه للخارج، فتوقف يقول لها بنبرته الآمرة المعتادة :
-محدش يفتح لحياة لحد ما ارجع فاهمين..
اؤمأت له برأسها موافقة على مضض، قبل أن يختفى هو من أمامها مستأنفًا طريقه نحو الخارج.
************
في المساء عاد فريد إلى المنزل وهو يتنفس الصعداء وقد انتهت جميع أعماله المتراكمة، ثم تحرك فورًا إلى غرفته لتبديل ملابسه وأخذ حمامًا سريعًا، قبل أن يتوجه نحو غرفة حياة...
طرق باب الغرفة المشترك بينهم وكان هو الوحيد الذي يستخدمه، لذلك كانت تعلم حياة هوية الطارق، وعليه تحركت متأهبة نحو الباب تفتحه على مصرعيه تاركة له المجال في الدخول، ثم استدارت عائدة كي تقف بجوار قائم الفراش، بينما نظراتها المحملة بسهام الغضب تتراشق نحوه
ظل فريد ينظر إليها متأملًا دون حديث مما أثار حفيظتها، فتحدثت قائلة رغمًا عنها وقد عاهدت نفسها في الصباح على تجاهله تمامًا :
- مفيش حاجة مهمة هنا عشان تفضل واقف باصصلها كده!..
التوت شفتيه بنصف ابتسامة، ثم تحرك نحو خزانة الأدراج يتكأ بجسده عليها قائلًا في تسلية :
-يمكن بالنسبالك مفيش.. بس بالنسبالى أنا حياتى كلها واقفة قدامي..
لوت فمها بأستهزاء، قبل ان تأخذ نفسًا عميقًا وتعقد ذراعيها أمام صدرها في تشنج قائلة بنبرة عتاب حزينة :
-فعلًا حياتك!.. وعشان كده حبستني زى القطط من غير ما تفكر مرة واحدة أن ممكن احتاج اخرج طول الساعات دي!.. أو الاسوأ أن تحصلي حاجة جوة ومحدش يعرف عني حاجة أو حتى يوصلي!.. طبيعي ما هو ده فريد.. حاجة استعصت عليه فحارب لحد ما ضمها لمجموعته وبقت بتاعته.. حب امتلاك مش أكتر!..
توترت عضلات جسده وارتبكت ملامحه لبرهة، فأستقام في وقفته وأخرج يده من جيوب بنطاله وبدأ يتقدم نحوها في خطوات بطيئة واثقة، تراجعت هي على أثرها حتى وجدت جسدها يرتطم بالحائط، بينما واصل تقدمه منها حتى حاصرها، ثم انحنى برأسه نحوها فحال بذلك دون فرارها، ثم أردف قائلًا في حنان :
-عارفة المشكلة فين؟!!.. المشكلة كلها هنا..
قال جملته، ثم مد إحدى يديه واحتضن كفها بنعومة، فرمقته بنظرة متوجسة، تتابع حائرة رفعه لكفها حيث موضع قلبه، مستطردًا هو حديثه بنبرة حانية، ومحافظًا على وضع كفه فوق كفها :
-ده اختارك من ساعة ما وصف حالته وأنتِ جنبه باسمك.. حياة كاملة بيعشها بنظرة أو كلمة واحدة تقوليها.. عايزة تشوفي ده تملك شوفيه.. بس أنا متاكد أنه حب وحب خالص كمان.. وبالنسبالي كل حاجة متاحة في الحب والحرب.. حتى لو أنتِ رفضتي تعترفي بده..
ختم جملته برفع كفها نحو فمه، يقبل باطنه عدة قبلات رقيقة ناعمة ضاعت معها حروف كلماتها، بل وحاولت الرد عليه عندما فتحت فمها وأغلقته عدة مرات بعدما ازدردت لعابها بصعوبة بالغة، ولكنها فشلت في كل مرة، إذ كانت تهرب منها الكلمات، فلم تجد الجواب المناسب سوى اخفاض رأسها لأسفل، والضغط على عينيها بقوة محاولة بذلك نفض أثر كلماته من رأسها، ثم سحبت يدها من يده بهدوء، قبل أن ينقذها بضع طرقات فوق الباب، فتسائل فريد بصوت مكتوم وهو يضغط على شفتيه :
-أيوه..
اجابته مدبرة منزله بهدوء قائلة :
-فريد بيه العشا جاهز..
أجابها وهو يرفع إصبعه ليضعه فوق ذقن حياة رافعًا رأسها إليه بذلك، كي يستطيع النظر داخل عينيها مباشرةً، قائلاً بصوت أجش :
-تمام أحنا نازلين..
اوشكت حياة على الاعتراض ولكنها تراجعت في أخر لحظة، إذا أرادت التخلص من وجوده بداخل حجرتها بأسرع وقت ممكن، بينما تحرك هو أولًا يفتح الباب قبل أن يتكأ بجسده علي حافته تاركًا لها حيز صغير للخروج منه، فتوقفت أمام الباب تطلب منه في عجز :
-ممكن توعى عشان انزل؟!..
رفع أحد حاجبيه مستنكرًا قبل أن يعقب في مرح :
-ما تعدى وأنا مانعك؟!..
زفرت مطولًا، ثم قالت بنفاذ صبر :
-هعدى ازاي وأنت واقف كده مفيش مساحة اعدى منها!..
التوت زاوية فمه بنصف ابتسامة، ثم اضاف يمازحها :
-والله المكان واسع وتقدري تعدى ألا لو أنتِ محرجة تعترفي أنك طخينة والمكان مش مكفيكى!..
نظرت له شرزًا قبل أن ترفع رأسها بتحدى وتمر من خلال الباب محاولة بكل طاقتها عدم الاحتكاك به أثناء مرورها، كي تُثبت له عدم صحة حديثه بالطبع، وقد وقعت بذلك في فخه، إذا انتهز الفرصة ومدد جسده للأمام يضيق الفراغ أكثر بينهم، فأحتك كامل جسدها بجسده، شهقت حياة مصدومة من تصرفه الوقح، ثم رفعت رأسها تحدقه بنظرات مغتاظة، متفاجئة بابتسامته العريضة العابثة التي تستفزتها تملأ وجهه، تمتمت بسخط واضح :
-أنت قليل الأدب على فكرة عشان أنت متعمد...
دوت ضحكته حولها عاليًا، قبل أن يضيف بسعادة :
-امممممم في تقدم.. ع الاقل مسمعتش بكرهك من كام يوم..
ضربت حياة الارض بقدميها غيظًا، ثم ركضت نحو الدرج للأسفل متمتمة بعدة كلمات غير مفهومة، لم تلتقط أذنه منها سوى كلمة مغرور مما جعل ابتسامته تزاد اتساعًا وهو يتحرك في اثرها.
************
في صباح اليوم التالي، استيقظت حياة وهي تبتسم بانتصار من امتثال فريد لرغبتها، فاليوم هو ميعاد تلك الحفلة المزعومة ولم يأتِ على ذكرها مرة أخرى، ولم يقم بأي تحضيرات استثنائية لذلك هي بأمان، تمطت بكسل، ثم قفزت من فوق الفراش بسعادة واغتسلت جيداً لبدأ يومها بنشاط، وبينما كانت على وشك الخروج سمعت طرقات خفيفة فوق باب غرفتها الخارجي، فأجابت الطارق بنبرة ناعمة :
-اتفضل الباب مفتوح..
تفاجأت حياة بعزة تدلف الغرفة بملامح جامدة، حاملة بكلتا يديها صندوق كبير مغلف بطريقة رائعة يعتليه صندوق أصغر منه من نفس نوعية التغليف، توجهت نحو الفراش مباشرةً لتضع ما تحمله فوقه بحرص، ثم تحدثت إلى حياة بنبرة رسمية جافة :
-فريد بيه بعت دول عشان حضرتك.. وبيفكرك أنه هيتحرك الساعة ٧ فتكوني جاهزة قبلها..
هزت رأسها عدة مرات في عصبية دون تعقيب، بينما خرجت الأخيرة وظلت حياة داخل غرفتها تجلس بهدوء فوق أحد المقاعد دون حراك...
مر الوقت عليها سريعًا وهي لازالت جالسة داخل غرفتها تضع ساق فوق الأخرى بكبرياء وتعبث بخصلات شعرها، عاقدة النية تمامًا على مخالفة آمره، وفي تمام الخامسة سمعت طرقة أخرى فوق الباب فظنت أنها مدبرة منزله مرة أخرى فقالت بهدوء :
-ادخلي يا عزة..
فُتح الباب وطل فريد من خلفه ينظر إليها مطولًا، قبل أن يقول بفم متقوس :
-امممم.. كنت متوقع..
انتفضت حياة من مجلسها بارتباك ولكن سرعان ما تمالكت نفسها ورفعت رأسها في تحدى منتظرة رد فعله التالي، تقدم فريد نحوها ببطء وهو يبتسم ابتسامة عابثة حتى توقف أمامها، ثم انحنى بجذعه فجأة ووضع ذراعه خلف ركبتها والأخرى خلف خصرها ليحملها في أقل من ثانية...
لم تعى حياة ما قام به ألا بعد أن وجدت نفسها داخل أحضانه، فشهقت مصدومة وهي تحاول التخلص منه وتعترض عن فعلته بذهول قائلة:
-فريد!.. أنت بتعمل ايه نزلني..
أجابها بمرح وهو يتحرك بها نحو غرفته :
-ولا حاجة مش أنا قلتلك فرصة البسك بأيدي.. وأنا راجل مبعرفش افوت فرصة تيجي قدامي وخصوصًا لو زي كده..
ركلت حياة بقدميها في الهواء محاولة التخلص من أسره، فحدثها فريد :
-لو فضلتي تتحركي كده كتير هسيبك تقعي على فكرة..
لم تهتم بتهديده، بل ظلت تركل بقدمها فأرخي قبضته من حولها فبدأ جسدها ينزلق للأسفل، شهقت حياة برعب وهي تلف كلتا ذراعيها حول عنقه لتتشبث به وتدفن رأسها داخل تجويف عنقه متمتة برعب:
-فريد الحقني هقع..
دوت ضحكته عاليًا ثم انزلها على قدميها وهي لاتزال متشبثة به، تنهد بحرارة وهو ينظر إليها مطولًا وقد تبدلت ملامحه كليًا ثم أجابها بصوت أجش وعيون داكنة:
-عمري.. طول مانا جنبك عمرى ما اسيبك تقعي..
شعرت بحرارة جسدها تزداد من شدة توترها فهي لا تصدق أنها هي من تمسكت به فابتعدت عنه على الفور قائلة بخنوع للهروب من ذلك الموقف المحرج:
-ممكن تسيبني بقى عشان اروح البس..
هز رأسه لها موافقًا وهو لا يزال يبتسم لها بعمق فمنذ أعوام طويلة يشعر أن هناك أمل..
عادت حياة إلى غرفتها مرة أخرى وقامت بفتح ذلك المُغلف الموضوع فوق فراشها بعناية ثم شهقت باعجاب وهي تقوم بإخراج ذلك الفستان الرائع بقماشه المخملى الناعم من اللون الأحمر
رفعته ووضعته فوق جسدها وظلت تدور به عدة مرات برشاقة وانبهار تام ثم سارعت في ارتدائه.
بينما انتهى فريد من ارتداء ملابسه ونزل إلى الأسفل ليقوم بإجراء عدة مكالمات هاتفية أخيرة قبل انطلاقه، انهى حديثه وظل ينظر نحو الدرج بتأفف منتظرًا قدومها فالساعة اوشكت على السابعة، بعد قليل شعر برائحتها الخلابة تغزو المكان من حوله، رفع رأسه لاعلى وقد تسمرت نظرته واتسعت عينيه بأنبهار وتسارعت انفاسه بسبب الشعور الذى اجتاحه من رؤيتها ، كانت تهبط الدرج بكل ثقه وهى ترتدى ذلك الفستان الحريرى الذى يتلائم تماماً وبشده مع تقاسيم جسدها المغريه ثم ينساب من فوق خصرها بنعومه واتساع إلى الاسفل وحذاء قطيفى اسود اللون يماثله فى النعومه والجمال ، كان كل ذلك من اختيار فريد ولكنه لم يتوقع ان تهرب منه كلماته عند رؤيتها بتلك الصوره المدمره امامه ، أنها تبدو كالفاكهه المحرمة بالنسبة إليه فقط لا يستطيع سوى النظر إليها ولكن دون لمسها، تحركت هي حتى وقفت أمامه وتمتمت برقة قائلة:
-أنا جاهزة لو خلاص ممكن نتحرك..
لم يكن ينقصه سوى هذا التحول الكامل فى صوتها وسلوكها أيضاً حتى تنهار دفاعاته ، رفع رأسه للاعلى حتى برزت تفاحه ادم خاصته بشكل قوى ثم تنهد بحراره بعد ان ازدرد ريقه بصعوبه بالغه قائلاً بصوت مكتوم من شده الإثارة :
-طب اعمل ايه دلوقتى ؟!.. ياريتنى ما كنت صممت عليه ..
سألته حياة مستفسره :
-فريد فى حاجه ؟!..
تنحنح عده مرات محاولاً السيطره على مشاعره قبل ان يجيبها قائلاً :
-لا مفيش .. يلا نتحرك عشان منتأخرش ..
حرك يده ليحتضن كفها ولكنها تراجعت للخلف قليلاً بأرتباك فتراجع هو عن حركته وأشار لها بيده لتتقدمه فى الخروج ثم سار بجوارها كلاً غارقاً فى تفكير مختلف عن الاخر .
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل التاسع 9 - بقلم chimaa youssef
الجزء التانى من البارت زى ما وعدتكم اهو 🙈🙈
الجزئين سوا معدين ال٥٠٠٠ كلمه يعنى اقل من ٣٠٠ فوت وكومنت مفيش بارت الاتنين وانتوا حريين بقى 👊👊💔😂😂😂
اسيبكم مع الجزء التانى وهابى ويك اند ان شاء الله ♥️♥️♥️😘 ..
بعد قليل كانت السياره تتوقف امام فيلا غريب رسلان ، ترجلت حياة من السياره اولاً بعدما قام احد حراس فريد الخاص بفتح الباب لها ، تنفست بضيق فهى لم تحب فكره وجودها فى ذلك المكان وخصوصاً بعد المقابله الوحيده والاخيره مع اخت فريد غير الشقيقه ، افاقت من شرود افكارها على يد فريد التى تسللت نحو ذراعه ليتأبطه بتملك واضح ، ثم احنى رأسه فى اتجاه اذنها قائلاً بنبره منخفضة :
-حياة كل ده عشان مظهر الشركه فياريت على قد ما نقدر نحافظ عليه ..
اومأت برأسها موافقه دون حديث فهى كانت فى مجال الاعمال أيضاً وتعلم اهميه تلك اللحظات لنجاح الشركات الكبرى مثل شركته ، اخذت نفساً عميقاً ثم زفرته ببطء للخارج قبل ان ترفع رأسها للاعلى فى كبرياء وهى تتحرك بجواره نحو الداخل ، تحركت كل العيون تنظر فى اتجاههم بمجرد وصولهم إلى الحديقه ، لوت حياة فمها بسخريه فبالطبع السيد فريد هو نجم تلك الامسيه وكل الأمسيات ان صح التعبير ، تحرك والده نحوهم فور رؤيته لهم لاستقبالهم وتحركت بجواره امرأه فى الخمسينات من العمر رائعه الجمال علمت حياة بمجرد رؤيتها انها زوجه والده جيهان ، او رأس الافعى كما تلقبها والدتها ، استقبله والدهم بحبور اما عن زوجه ابيه فقد اكتفت بأيماءه خفيفه براسها لفريد ونظره احتقار جليه لحياة ، اصطحبهم والده على الفور نحو شركائهم الفرنسيين للتعريف بحياة ، انتهى التعريف سريعاً بعد العديد من المجاملات التى قيلت بالعبارات الفرنسيه فى جمال حياة الشرقى الخالص والتغزل قليلاً فى عيونها ونظرتها ، فهمت حياة ما يقال بينهم ولكنها اثرت الصمت ، زفر فريد بنفاذ صبر وشتم عده مرات بخفوت عندما امسك رجل ما بكف حياة ثم قام بتقبيلها على حين غره منها ، سحبت هى يدها على الفور ولكن الاوان قد فات فقد بدء الغضب يظهر على فريد ، تدارك والده الامر سريعاً فأضاف موضحاً للجميع ان زوجة ابنه من طبقه محافظه لا تحبذ تلك الأفعال وبناءاً عليه لم يتجرء احد على لمس يدها مره اخرى
**********
مرت الساعات الاولى على حياة وهى تتحرك برشاقة وتبتسم بمجامله وترحاب لكل من صادفته حتى شعرت بعضلات وجهها بدءت تتيبس من كثره الابتسام ، الامر الذى فاجئ فريد كثيراً فقد كان يتوقع بركان ثائر يمشى على قدمين وليست زوجه رجل اعمال محنكه تتعامل مع الجميع بفنطه وذكاء ولكن فى نفس الوقت كان يشعر بالسعاده والفخر نحوها ، خلال الامسيه كانت كلاً من زوجه والده وابنتها نيرمين و نجوى يتابعان بحقد تحركات حياة وفريد سوياً وهمهمات الرضا عن ذلك الكوبل الرائع والسعيد ، فتباينت المشاعر بينهم ما بين من يشعر بالرعب على مكانته التى بدءت تتضائل ومن يشعر بالحقد لعدم حصوله على فرصه مماثلة وكلاً منهم ينتوي التحرك قبل ضياع كل شئ .
***********
فى منتصف الحفل بدء جميع المدعوين من تلك الطبقه الراقيه فى التهافت على طاولات المشروب التى كانت تحوى جميع انواع الخمور الغاليه والعتيقه ، شعرت حياة بأنقباضه قويه داخل صدرها من ذلك المشهد الغير محبب لنفسها ، تنفست عده مرات فى محاوله منها لتهدئه ذلك التوتر الذى بدء يزحف بداخلها من تلك الأجواء ، اطرقت راسها للأسفل فالحل الاسلم لتجاوز تلك الامسيه ومواجهه مخاوفها هو عدم التركيز معهم والتفكير بأى شئ سعيد يشتت انتباهها لذلك اثرت الانسحاب فى احد الأركان حتى تصبح بعيده عن الأنظار .
فى تلك الأثناء التفت فريد الذى كان يقف بالقرب من طاوله الشراب على يد ما تمسك به من الخلف ، لوى فمه بأحتقار ثم تشدق بجملته قائلاً :
-انتى ابوكى ازاى سايبك كده وايه القرف اللى انتى لبساه ده ؟!.. روحى شوفيلك كوبايه قهوه اشربيها بدل مانتى سكرانه طينه كده !...
ترنحت نجوى من شده ثمالتها ثم اجابته بكلمات متعلثمه :
-لابسه كده عشانك .. وشربت كده عشانك برضه !! .. مانا مش قادره استحمل اشوفك معاها وانا لاء .
زفر فريد بضيق جلى قبل ان يجيبها بنبره حاده وقد بدءت علامات الغضب تغزو ملامحه :
-قلتلك كام مره متجبيش سيرتها على لسانك ده !!
صرخت نجوى بحقد تساله :
-تفرق عنى فى ايه !!! تفضلها عليا ليه ؟!..
تقوس فم فريد بوضوح ثم اقترب منها وهو يرد عليها بتجهم مشيراً بأصبعه نحو حياة التى تقف مذعوره قائلاً :
-بصى كده عليها .. شايفه هى نضيفه ازاى ؟!..
صمت قليلاً ثم اضاف بنفس نبرته بعد ان حول نظره نحو نجوى يتفحصها بضيق :
-وبصى على نفسك كده .. على قد ماهى نضيفه على قد مانتى و***
انهى جملته ثم تركها وانصرف مبتعداً نحو طاوله حياة ..
صرخت بِه نجوى مهدده بحقد قبل ان يبتلع صوتها تلك الموسيقى الصاخبه فلم تصل إلى مسامع فريد :
-انا هوريها .. وحياة ابويا لريحك منها عشان تعرف تحب فيها كويس .
***********
اما عن حياة فقد بدءت الزعر يدب داخل أوصالها بقوه ، اغمضت عينيها بيأس وضغطت عليهما بشده محاوله طرد تلك الصوره التى بدءت تتجمع داخل عقلها بوضوح ، بدءت تشعر بوخز الدموع داخل مقلتيها مع ازدياد حاد فى ضربات قلبها ، فتحت عينيها مسرعه حتى لا تسمح لتلك الصوره فى الظهور امامها ، ارمشت بعينيها عده مرات فى محاوله جاده منها لصرف تلك الدموع التى اوشكت بالإفصاح عن نفسها ثم حدثت نفسها داخلياً :
-متخافيش انت كبيره وقويه .. انتى غير حياة زمان ..
جالت بنظرها نحو الخارج فى محاوله اخيره لصرف تفكيرها عن اى شئ مخيف عندما استحوذ على انتباهها رجل ما فى منتصف السبعينات يغزو الشيب ملامحه ، كان يترنح بشده وهو فى طريقه نحو حياة ، فى تلك اللحظه كان فريد يتقدم نحوها وهو ممسكاً فى يده احدى كاسات المشروب ، سألها فريد بنبره قلقه وقد لاحظ شحوب وجهها ونظرتها نحو الفراغ :
-حياة انتى كويسه ؟!..
شحب وجهها اكثر وعينيها تتابع ذلك العجوز الذى كان يقترب من طاولتها ببطء ، انتفضت حياة من سؤال فريد ومن ذلك العجوز الذى تجاوزها للتو متوجهاً نحو طاولته خلفها ، وضعت يدها فوق قلبها برعب ثم تراجعت خطوه للخلف تنظر بخوف نحو فريد قبل ان تلتقط عينيها ذلك الكأس البغيض داخل كفه ، اجابته بنبره حاده :
-انا عايزه امشى .. انا مش عايزه اقعد هنا ..
انهت جملتها وانحنت للأمام تمسك طرفى ردائها بيدها لترفعه ويحول دون تعثرها قبل ان تركض نحو الخارج دون انتظار اجابته ، ركض فريد خلفها مستنكراً من تلك الحاله الغريبه التى اصابتها فهى كانت على ما يرام عند بدايه الحفل ، لحق بها على الفور ثم أشار لأحد حراسه بالتحرك ، بعد عده ثوان كانت حياة تستقل السياره وفريد يجلس بجوارها قبل ان تشق طريقها نحو الخارج
جلست حياة فى مقعدها بأنكماش وزعر وهى تحتضن جسدها بذراعيها ورائحه الكحول المنبعثة من فريد تغزو انفها بقوه فتصيبها بالغثيان ، اغمضت عينيها مره اخرى فى محاوله منها للبحث عن جزء بسيط من شجاعتها الزائفه ، ومضت صوره اخرى بوضوح عن تلك الغرفه الكريهه التى ظلت حبيستها لايام دون الخروج منها ، بدء جسدها فى الارتجاف وهى تتذكر مشهده وهو يحمل تلك الزجاجه اللعينه فى يده ويرتشف منها بشراهة تاركاً ذلك المشروب الردئ ينسكب فوق ردائه وفمه وهو يتقدم بأتجاهها ، انها تكرهه وتكره والدها وابداً لن تسامحه على ما فعله بها ، كان فريد يراقب كل ردود فعلها عن كثب بعدم استيعاب ، سألها بهدوء :
-حياة انتى كويسه ؟!..
لم تجيبه فيبدو جلياً لمن يراها انها فى عالم اخر ، عالم لا ينتمى للأحياء ، كرر سؤاله مره اخرى وهو يمد إصبعه ليلتمس بشرتها العاريه :
-انتفض جسدها من اثر لمسته وانكمشت اكتر على نفسها قبل ان تقول له بنبره حاده :
-متلمسنيش .. متلمسنيش .. مش عايزه حد يلمسنى ..
شعر انها على وشك الإغماء لذلك لم يستطيع الضغط عليها اكثر فتركها وشأنها رغم انه كان داخلياً يحترق لمعرفه ما الذى حدث معها ، سيطر الصمت على رحلتهم حتى دلفت السياره من البوابه الخارجيه للفيلا ، صرخت حياة فى السائق بحده طالبه منه ان يتوقف ، توقفت السياره على الفور وخرجت هى منها بعد ان قامت بخلع حذائها لتركض نحو الداخل ، لم يستطع فريد السيطره على اعصابه لأكثر من ذلك فهو لن يتركها قبل ان بعلم ما الذى حدث لها وما هذا الشئ اللعين الذى تمر به ، ركض خلفها وأمسك بذراعها بقوه صارخاً بها بعصبيه :
-حياااااااة .. اقفى كلمينى فهمينى بتعملى كده ليه !!!!!!! ..
حاولت التخلص من قبضته وهى تنظر إليه برعب وبعد مجهود منها أرخى قبضته عنها تاركاً لها المجال بالعوده إلى داخل المنزل ، ألمه مظهرها فقرر اللحاق بها إلى الداخل أيضاً ، هتف بأسمها مره اخرى وهو يمسك بخصرها من الخلف ليوقفها ويمنعها من التقدم اكثر ، صرخت بِه بقوه وقد بدءت الارتجاف يسيطر على جسدها بالكامل قائله :
-سيبنى .. انا بكرهك .. سيبنى متقربليش .. مش عايزه حد يقربلى انا بكرهك وبكرهه وبكرهكم كلكم .. انت زيه !! انت كمان بتغصبنى على كل حاجه .. انت زى بابا و زى غريب .. كلكم عينه واحده .. انت شبهه فى كل حاجه !! انا مش عايزه حد منكم فى حياتى .. انت فاهم انت زى ابوك وأبويا وعشان كده انا بكرهك ..
انهت صراخها ثم ركضت بكل قوتها نحو الدرج ومنه إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها جيداً من الداخل بالمفتاح
ظل فريد مكانه يحاول استعياب ما تفوهت هى به للتو !! لقد قارنته بقاتل والدته !!! كل محاولاته خلال تلك السنوات فى ان لايصبح مثل والده ذهبت هباءاً منثوراً عندما حكمت حياة عليه بجمله واحده انه يشبهه ، تحرك نحو الخارج وذلك العرق بجانب صدغه ينتفض بشده من قوه غضبه ، استقل سيارته واتجهه نحو مكانه المعتاد ، جلس فى مقعده خلف طاوله البار وطلب من النادل اقوى شراب لديهم ، ظل بتحسى بشراهه وكلماتها تطن داخل اذنه حتى شعر بقدميه لا تقدران على حمله ، انهى حسابه وترجل نحو الخارج بجسد مثقل ولكن بعقل يقظ يتذكر كلماتها واشمئزازها منه بوضوح
دلف إلى المنزل والغضب يتصاعد بداخله من اثر تشبيهها وكرهها له صعد إلى غرفته بشعر مشعث وعيون مكفهره وتوجهه مباشرةً نحو خزانته ، اخرج منها ذلك المفتاح الاحتياطى لبابهم المشترك الذى كان يخفيه للطوارئ ثم ادار المقبض وفتح الباب على مصرعيه واقتحم غرفتها وهو لايزال يترنح ، كانت حياة تجلس على حافه الفراش ولازالت ترتدى ذلك الفستان وتستند بمرفقيها على ركبتيها وتضع كفيها فوق اذنها محاوله طرد تلك الذكريات المؤلمه من رأسها ، انتفضت على حركه الباب ثم اقتحامه للغرفه التى تاكدت بنفسها من اوصاده بأحكام ، نظرت إليه برعب وهى تسأله وحاله السكر تبدو جليه على حركته :
-انت دخلت هنا ازاى ؟!..
جحظت عينيها للخارج ثم اضافت بتوجس قائله :
-انت عامل مفتاح تانى تدخل بيه صح ؟!.. حتى فى دى طلعت كداب !! انت ايه .. عايز منى ايه ؟!...
اقترب منها ثم جذب ذراعها بعنف قائلاً بتهديد وهو يضغط على اسنانه بشراسه :
-هقولك انا عايز منك ايه .. مش انا شبهه غريب ؟!.. هوريكى غريب كان بيعمل مع مراته ايه ..
انهى جملته ثم قام بدفعها بقوه نحو الفراش قبل ان يقفز فوقه هو الاخر بعد ان خلع معطفه وبدء فى فك آزار قميصه ، صرخت حياة بقوه وهى تراه يتقدم منها وعيونه تومض بالرغبة والعنف ، استعانت بمرفقها وقامت بالزحف إلى اخر الفراش قبل ان يمد يده ليسحبها من قدمها ويعيدها إليه مره اخرى صرخت حياة ثانيه وهى تركله بقدمها الحره فى محاوله لإصابته والتخلص منه ولكن دون جدوى فقد اقبض بكلتا يديه على قدميها ليكبلها ويمنعها تماماً من الحركه ثم ثبتهما بيد واحده واستعان بالأخرى فى خلع قميصه ثم قفز فوقها بادئاً فى تقبيلها بقوه
صرخت حياة بكل ما أوتيت من قوه وهى تقاومه وتدفع وجهه عنها بكفها ولكن الفارق البدنى بينهم جعل التفوق من نصيبه ، مد يده وقام بشق ردائها بحيوانيه قبل ان يبدء فى تقبيل جسدها برغبه وعنف ، بدءت حياة تتوسّله بصوت باكى بعدما شعرت بقوتها تنهار تحت ضغط جسده الثقيل قائله :
-فريد متعملش فينا كده .. فريد انا حياة .. انت وعدتنى مش هتأذينى وانا صدقتك .. فوق يا فريد عشان خاطرى .. سيبنى متعملش فيا كده
لم يعير لتوسلاتها اى انتباه او اهميه بل واصل ما كان يقوم به من تقبيل جسدها بعنف بدءت تشهق بقوه اكثر وهى تضربه بكف مرتعش فوق كتفه وتقول بتوسل من بين شهقاتها :
-فريد فوق .. فريد متموتش كل حاجه باللى بتعمله ده انا عمرى ما هسامحك ابداً ..
رفع رأسه ينظر إلى دموعها الباكيه قبل ان يخفضها مره اخرى ويبدء فى تقبيل وجنتها وعنقها ، شعرت بالادرينالين يتدفق داخل جسدها بقوه من اثر قبلته وتذكرت ذلك العجوز القذر بلمسته فشعرت بقوتها تعود إليها مره اخرى ،فبدءت تصرخ وتلكمه بكل ما أوتيت من قوه وتركل بقدمها اى الهواء وهى تقول :
-يا ماما الحقينى .. يا ماما تعالى خدينى من هنا .. خدينى من عند الراجل ده ..
بدء فريد يستوعب حالتها ، رفع رأسه لينظر إليها فوجدها تنظر إلى الفراغ بعيون جاحظه وهى لا تزال على صراخها قائله بتوسل :
-يا ماما انتى فين .. فريد انت فين الحقنى .. فريد تعالى خدنى من هنا .. فرييييد متسبنيش .. فريد انقذنى من الراجل ده ..
تسمرت حركته وازدرد ريقه بصعوبه وهو يراها تصرخ وتلكم بكل ما أوتيت من قوه ووجهها شاحب كالأموات ، بدء عقله بأستيعاب انها ليست بوعيها وانها بعالم اخر تماماً ، هتفت بأسمها متوسلاً :
-حياة انا هنا .. حبيبتى متخافيش انا معاكى .. محدش هيقدر يأذيكى انا اسف ..
ظلت تلكمه وهى تضغط على عينيها بشده رافضه ان تعود للواقع وهى تصرخ حتى بُح صوتها :
-فريد تعالى طلعتى من هنا انا مش عايزااااه ..
شعر بألالم ينتزع قلبه من كلماتها فأضاف هو بنبره باكيه وهو لايزال يتوسلها :
-حياة فوقى انتى هنا .. حبيبتى انتى معايا متخافيش .. مفيش حد معانا افتحى عينيك مش هعملك حاجه صدقينى .. افتحى عينيك وبصيلى انا هنا ..
بدءت شهقاتها فى الانخفاض وتوقفت عن لكمه ومقاومته فقد خارت قواها تماماً ثم فتحت عينيها الحمراء ببطء وهى تنظر إليه برعب جلى ، نظر إليها ملياً قبل ان يرتمى بجسده مره اخرى فوق جسدها ويدفن راسه فى تجويف عنقها ، رفعت كفيها المرتجفتين لتدفعه عندما شعرت بجسده يهتز فوق جسدها بقوه ثم بدءت تشعر بدموعه الساخنه تجرى فوق عنقها بشده ، تمتم من بين شهقاته وصوته المكتوم قائلاً بندم :
-انا اسف .. انا اسف ..
سقط كفيها المرفوعين لدفعه فوق ظهره بوهن ثم تحركا بتلقائيه نحو عنقه وكتفه تتلمسه برقه وبعد عده دقائق شعرت بأرتخاء جسده فوق جسدها وانتظام انفاسه التى تقع فوق عنقها ، اردات دفعه من فوق جسدها والهروب من الغرفه بأكملها لكنها خشيت اذا أصدرت اى حركه ان يستيقظ مره اخرى وهو لايزال مخموراً لذلك اثرت الهدوء تاركه لدموعها العنان ولجسده يسحق جسدها ، وعلى عكس ما توقعت فلقد تسللت حراره جسده إلى جسدها وسرعان ما ذهبت فى نوم عميق ودموعها لازالت فوق وجهها ، مثل حالته .
رواية متى تخضعين لقلبي الفصل العاشر 10 - بقلم chimaa youssef
مضت الايام الثلاث التاليه على فريد فى محاولات مميته للاعتذار من حياة ولكن ذهبت جميع محاولاته ادراج الرياح فقد تحولت إلى حياة اخرى لا يعرفها ، حياة خاضعه ، كانت تشاركه جميع وجباته وتستمع إلى جميع اوامره بصمت ، وكان اقصى رد فعل يصدر منها رداً على اعتذاره او حديثه هو ايماءه خفيفه من رأسها او نظره عتب ممزوجه بالكثير من الحزن ثم تمضى فى طريقها كأنها مُغيبه ، شعر كأنه يحارب على ثلاث جبهات ، شعوره المضنى بالذنب عما بدر منه فى تلك الليله ، وحزنه الشديد على حالتها التى اوشكت على دفعه للجنون ، اما اسوئهم فكان ذلك البركان الذى يشتعل بداخله عندما يتذكر ما تفوهت به اثناء رعبها منه ، كانت كلماتها واضحه لا تحتاج إلى تفسير ، كان يحترق بناره كطائر العنقاء ويتحول إلى رماد قبل ان ينبعث مره اخرى من رماده ليعيد الكره ، مئات الاسئله التى تدور فى عقله يومياً دون اجابه ، ما الذى فعلوه بها اثناء غيابه !! اقسم لنفسه بكل ما يملك وما لا يملك اذا كانت شكوكه صحيحه سيقوم بحرق من أذاها حياً حتى يهدء تلك النار التى تستعر بصدره ولكن اولاً ينتظر خروجها من تلك الحاله اللعينه ويضع حلاً لذلك اللغز ثم ليأتى وقت الحساب .
*********
فى احد الايام كانت حياة وكعادتها فى الايام السابقه تستغل فرصه خروج فريد وعودته متأخراً فى استخدام غرفه مكتبه للقرءاه ولم تدرى سبب شعورها بالراحه بداخلها ولكنها كانت تفضل المكوث بها عن غرفتها ، جلست فوق الاريكه الوثيره الموضوعه بعنايه فى جانب الغرفه وأشغلت ضوء المصباح الخافت و سرحت داخل تفاصيل تلك القصه التى تتحدث عن بطل يحاول بشتى الطرق اكتشاف نفسه بعد ان قضى نصف حياته مع زوجه لا تفهمه ووظيفه تقتل شغفه ، تثابئت عده مرات قبل ان تذهب فى نوم عميق وهى تحتضن الروايه بين ذراعيها كأنها كنز ثمين .
عاد فريد فى وقت متأخر من الليل وتوجهه مباشرة نحو غرفه مكتبه ليضع بخزنته بعد الاوراق الهامه ، دلف إلى داخل الغرفه وتفاجئ بنور خفيض يأتى من احد أركانها ، رمش بعينه عده مرات قبل ان يستوعب وجود حياة تنام منكمشه داخل الاريكه وهى تحتضن كتاب ما بين ذراعيها ، وضع حافظه اوراقه فوق مكتبه بهدوء ثم توجهه نحوها وانحنى بجزعه فوقها يزيح احدى خصلات شعرها حتى يتسنى له رؤيه قسمات وجهها الناعم ، كانت مستلقيه هناك بهدوء تمثل كل ما لديه من احلام ، عدل من وضع جسده ثم جلس على ركبتيه حتى يصبح فى نفس مستواها ويمتع عينيه برؤيتها ، زفر مطولاً وهو يفكر كم يتمنى لو كان بديلاً لذلك الكتاب الذى يقبع هناك قريياً جداً من قلبها ويستمع إلى دقاته ، فليس من العدل ان ينعم ذلك الكتاب بدفء جسدها بينما هو يظل وحيداً يعصف به الشوق والغيره من مجرد جماد ، تنهد بألم ثم مد كفه ببطء يتلمس برقه وجنتها ثم انزلقت يده نحو شفتيها الناعمه يتحسسها بشغف قبل ان يهتف بأسمها هامساً بنبره حانيه وهو يهز جسدها بنعومه:
-حياة ..
حركت جفونها ببطء تفتحها وهى تنظر إليه بعدم استيعاب ثم انتفضت من مقعدها برعب وهى تحتضن جسدها بكلتا ذراعيها وتقف فى مواجهته بملامح ناعسه ، حاول فريد طمأنتها فتحدث مسرعاً وهو يرفع كلتا يديه فى وجهها باستسلام قائلاً بصوت أجش ناعم لا يزيد عن الهمس :
-متخافيش .. انا بس دخلت الاوضه لقيتك نايمه هنا قلت اصحيكى ..
تنهدت براحه ثم لانت قسمات وجهها قبل ان تتحدث بصوت هادئ مبرره تصرفها :
-انا كنت قاعده هنا بقرا كتاب وبعدين محستش بنفسى ومعرفش ازاى نمت ..
هز رأسه لها عده مرات وهو يحرك جسده بتوتر واضعاً يده داخل جيوب بنطاله ، تحركت بجسدها بهدوء فى اتجاه الباب عندما اوقفها صوته يسألها قائلاً بحزن :
-حياة !!! ..
التفت بجسدها تنظر إليه ببطء ثم شاحت بنظرها بعيداً عنه ، تنهد هو مطولاً وتقوس فمه ثم اضاف بأحباط متسائلاً :
- انتى هتفضلى ساكته كده لامتى ؟!..
لوت فمها بتهكم مرير ولم تعقب على حديثه وهى تحرك راسها جانباً وتخفض نظرها ، تنهد هو بألم ثم استطرد حديثه قائلاً بيأس :
-انا عارف انك زعلانه منى ومفيش كلام ممكن ادافع بيه عن نفسى بس على الاقل قولى اى حاجه .. اصرخى .. زعقى ..
رفعت رأسها مره اخرى تنظر إليه ثم أبعدتها عنه مره اخرى ، رفع رأسه لاعلى قليلاً وزفر عده مرات قبل ان يضيف بنبره شبهه حاده مملؤءه باليأس قائلاً :
-حياة !! انا عمرى ما شفتك كده !! قولى اى حاجه !! مش دى حياة اللى انا اعرفها !!!..
اقتربت منه ببطء وهدوء وهى تنظر إليه بعيون لامعه حتى توقفت امامه ثم سألته بصوت منكسر :
-انت عايز حياة ازاى ؟! ..
أجابها بأندفاع وقد بدءت تتجاوب معه :
-عايز حياة اللى اعرفها !! اللى بتعاند معايا !! اللى بتصمم تعمل اللى هى عايزاه .. اللى زى موج البحر قويه وبتاخد اى حاجه فى طريقها ..
أصدرت صوت من فمها ينم عن السخريه وهى تلوى فمها بسخريه ثم اجابته بعدما ازدرت لعابها وحاولت السيطره على ارتجاف شفتها السفليه وصوتها الملئ بالدموع :
-حياة خلاص انت عرفتها مقامها وقوتها كويس .. عرفت انها مهما كانت قويه بحركه واحده منك تقدر تغلبها ..
رفعت كلتا ذراعيها تلوح بهم فى الهواء وهى تضيف بمراره :
-عشان كده انا قدامك .. بسمع كل الكلام .. باكل زى ما تحب .. وبنام وقت مانت تحب .. ومش بتحرك غير لما انت تحب .. بأختصار كده بعمل كل حاجه زى مانت عايزها !!
صمتت قليلاً بسبب دموعها التى اوشكت على الانهيار ثم اضافت بصوت متحشرج :
-فاضل حاجه واحده بس اعملها عشان ابقى الزوجه المطيعة المثاليه .. نكمل اللى انت بدءته يوم الخميس .. ومتخفش المره دى مش هيطلعلى حتى صوت ..
انهت جملتها وبدءت تحل آزار قميصها وهى تبكى بصمت
صرخ بها فريد بقوه وهو يمد كفه يغلق آزار ردائها قائلاً :
-حياة !! حيااااة متعمليش كده !! قلتلك انى اسف !! اعمل ايه عشان تسامحينى !! انا كنت شارب ومش حاسس بحاجه !! وعد مش هشرب تانى بس متعمليش كده !.. فوقى بقى حرام عليكى !!..
ابتلعت لعابها بقوه ثم اجابته من بين دموعها قائله:
-عارف المشكله كلها فين ؟!.. انى كل ما افرد جناحى عشان أطير يجى حد يقصه .. لحد ما صدقنى كرهت الطيران .. فاطمن انا بقيت هنا تحت طوعك ..
انهت جملتها ثم تحركت بخطوات ثقيله بإكتاف متهدله نحو الخارج .
************
فى الصباح التالى كانت نجوى تجلس فى احد الكافيهات تتحدث هاتفياً إلى رجل ما ، سألته بترقب قائله :
-ها خلصت معاها ؟!!..
أجابها الرجل بثقه :
-ايوه يا هانم اتفقت وكله تمام ..
سألته نجوى مره اخرى بقلق :
-متأكد انها هتعرف تنفذ ولا هتلخبط وتبوظ كل ترتيبى ؟!
أجابها الرجل بنبره فخر :
-اطمنى يا سيرين هانم كله تحت السيطره .. شكلها كده كانت واقعه وما صدقت ..
صمت الرجل قليلاً ثم اضاف متسائلاً :
-بس حضرتك مقلتليش وقعتى عليها ازاى دى ؟!..
اجابتها نجوى بحده :
-مش شغلك المهم انك اتفقت معاها وهتعمل اللى انا عايزاه غير كده ملكش ..
اجابها الرجل مسرعاً :
-خلاص يا هانم ميبقاش خلقك ضيق كده .. انا مليش فيه المهم انى هقبض ..
لوت نجوى فمها بضيق ثم اجابته بحنق :
-متخافش هتاخد نص فلوسك قبل ما تنفذ والنص التانى بعد التنفيذ على طول ..
سألها الرجل بتلهف :
-يعنى هشوف حضرتك امتى ؟؟!..
اجابته نجوى بخبث :
-لا يا حلووو متفقناش على كده .. هبعتلك حد يسلمك ولا عايز لو الدنيا خربت رجلى تتجاب !!!
اجابها الرجل بثقه وثبات :
-متخافيش يا سيرين هانم كل حاجه هتبقى تمام وهشرفك ..
اجابته نجوى بنفاذ صبر :
-لما نشوف ..وزى ما نبهتك مش عايزه موووت .. عايزاها قرصه ودن وبس فاهمنى ؟!!..
اجابها الرجل بأعتراض :
-لييييه بس يا هانم ؟!!! ما تخلينا نخلص مره واحده ..
اتسعت عينى نجوى وهى تجيبه بشراسه قائله :
-اسمع اللى بقولك عليه وتنفذ وبس ..عايزاها قرصه ودن بس تكون تقيله .. حاجه حلوه كده .. والباقى هيجى فى وقته ..
اجابها الرجل موافقاً على مضض :
-اللى حضرتك تؤمرى بيه يمشى .. انا المهم عندى الفلوس ..
اجابته نجوى بنفاذ صبر :
-مفهوم مفهوم .. اقفل وهكلمك تانى نتفق على ميعاد التسليم والتنفيذ ..
اغلقت الهاتف وهى تبتسم بشراسه وتقول بحقد :
-نبقى نشوف يا فريد بيه هتعمل ايه مع ست الحسن بتاعتك ..
***********
فى الصباح التالى ورد إلى فريد اتصال هاتقى متعلق بالعمل يضطره إلى السفر بأقصى سرعه لذلك طلب من السيده عفاف بتحضير حقيبه سفره من اجله وكان يعهد إليها دائماً بتلك المهمه دون غيرها ، انتهى سريعاً من جميع الترتيبات وتبقى لديه مهمه اخبار حياة مع علمه جيداً بعدم اهتمامها بتلك المعلومه ولكنه داخلياً كان يتخذها حجه للتحدث معها ، لذلك توجه نحو باب غرفتها الرئيسيه وطرق فوق الباب طرقاً خفيفاً ، جاءه صوتها الناعم يطلبه بالدخول ، دلف ببطء وتوجس فتلك المره الاولى اللى يدخل غرفتها منذ تلك الليله ، تفاجئت هى بوجوده وتعجبت من عدم استخدامه للباب المشترك بينهم ولكنها اثرت الصمت وعدم التعليق وانتظرت ان يبدء حديثه ، تنحنح هو قائلاً :
-احم .. حياة انا عندى سفر هغيب فيه كذا يوم ..
صمت قليلاً وتقوس فمه بأحباط ثم اضاف بتهكم مرير :
-انا عارف طبعا انه مش مهم بالنسبالك بس كان لازم أبلغك .. وياريت لو سمحتى مش تحكم لو حبيتى تخرجى يكون معاكى الحرس .. ده لامانك ..
انهى جملته ثم توجهه نحو المنضده الموضوعه فى احد أركان الغرفه وانحنى بجذعه يضع شئ ما فضى يلمع بخفوت بعدما اخرجه من احد جيوب بنطاله ، رفعت حياة احدى حاجبيها بأستنكار ثم سألته بنبره حاده قائله :
-ايه ده بالظبط ؟!!..
اجابها بأبتسامه خافته :
-ده مفتاح الاحتياطى اللى كان معايا.......
ابتلع ما تبقى من جملته داخل فمه وأشار بنظره بعيداً عنها ، تحركت هى بعنف نحو المفتاح والتقطته بحده ثم توجهت نحو النافذه وقامت بألقاءه من اعلى ثم عادت تنظر إليه شرزاً وهى تعقد ذراعيها امام قفصها الصدرى وتتقدم نحوه بثبات قائله بحنق:
-على اساس انه ده هيمنعك !!! ولا المطلوب منى دلوقتى انى اسقفلك على تضحياتك البطوليه دى !!! ..
انهت جملتها وصدرها يعلو ويهبط من شده الغضب وترميه بشرر ، اتسعت ابتسامته وهو ينظر إليها إذاً لقد عادت فرسته لتمردها ، تقدم منها بضع خطوات ورفع كفيه ليحيطا براسها ويمنعها من المقاومه ثم تمتم بسعاده قائلاً :
-وحشتينى ..
انهى كلمته وهو يطبع قبله حنونه فوق شعرها وانصرف فى طريقه تاركها تشعر بالغضب والارتباك من تصرفه ..
**********
مضت الايام التاليه على حياة بسلام وسعاده نسبيه فقد تمت إجراءات سفر اخيها على خير وقامت بتوديعه بمشاعر ممزقه ما بين الراحه من ابعاده عن الحرب القائمه بينها وبين فريد وبين الحزن من حرمانها من حضن كان ينشر بعض الدفء فى حياتها البارده ، اما ما تبقى من ايامها فكانت هادئه إلى حد الملل فى بعض الأحيان وفقط من باب الفضول كانت تتسائل عن موعد عودته وهذا فقط بسبب فضولها المتزايد وأخذ احتياطاتها وليس الا ولكنها كانت تتراجع ففى النهايه لن تسأل موظفيه عند موعد عودته .
دلفت حياة إلى المطبخ فتعثرت فى عزه التى كانت تخرج منه على عجل وتظهرعلى ملامح وجهها الارتباك ، نظرت إليها بأستنكار وهى تمد شفتيها من تصرفها الغير مفهوم ثم سألت السيده عفاف بفضول وهى تجلس فوق احد المقاعد قائله :
-هى مالها ؟!..
اجابتها عفاف وتركيزها منصب على ترتيب بعض الصحون امامها وهى تهز كتفيها بعدم اهتمام قائله :
-مش عارفه .. تلاقى طليقها عمل حاجه جديده ..
سألتها حياة بأندهاش :
-طليقها ؟!!..
استحوذت حياة بسؤالها ذلك على انتباه عفاف الكامل فتركت ما كانت تقوم به ورفعت رأسها تنظر إليها بأستنكار مكرره :
-ايوه طليقها !!.. هو فريد بيه مقالكيش ؟!..
حاولت حياة اخفاء ارتباكها وقالت بنبره حاولت قدر الإمكان إظهارها طبيعيه :
-لا فريد مش بيحب يتكلم عن حياة الناس الخاصه كتير ..
هزت عفاف رأسها بأستحسان ثم بدءت تسرد حكايتها بحماس كأنه سر من اسرار الدوله :
-اصل طليق عزه اصلا كان شغال عند فريد بيه فى الشركه وكان بيضربها علقه موت لحد ما فى يوم ضربها وبهدل وشها خالص وراحت تزوره فى شغله وعملتله مشكله صادفت خروج فريد بيه ساعتها من الشغل وسمع اللى حصل بينهم .. اتجنن ورفده على طول وعالجها على حساب الشركه وجابها هنا تشتغل بعد ما سألها عايزه تكمل معاه ولا تنفصل وصممت تسيبه .. ومن ساعتها فريد بيه اصدر قرار فى كل شركاته لو اكتشف ان اى حد بيضرب مراته هيترفد فوراً وكل مستحقاته هتروح للزوجه ..
فغر فاه حياة بأندهاش مما سمعته للتو ثم سألتها بأستنكار حسن قائله :
-فريد عمل كده فعلاً ؟!..
اجابتها عفاف بأعجاب وحماسه :
-اه والله انتى مش متخيله الستات بتدعيله قد ايه .. بس من ساعتها وعزه ماشيه تقول ده عمل كل ده عشانى ..
لوت حياة فمها بسخريه وهى تمتم لنفسها قائله :
-لا هو عمل كده عشان ماما رحاب ..
سألتها عفاف مستفسره :
-حضرتك بتقولى حاجه مسمعتش ؟!...
اجابتها حياة بعدم تركيز :
-لا مفيش حاجه .. بقولك ايه يا دادا بما ان مفيش غيرى خدوا النهارده اجازه كلكم وغيروا جو ..
وافقت عفاف على مضض وهى تسالها باهتمام :
-طب هعمل لحضرتك الغدا الاول وامشى ..
اجابتها حياة معترضه :
-لا مش مشكله هطلب من عزه تعملى اوردر من بره وبعد كده تروح هى كمان .. اتفضلى انتى ومتشغليش بالك ..
ابتسمت لها عفاف بحب وهى تتحرك نحو الخارج وتدعوا لها بالسعاده وصلاح البال .
بعد حوالى ساعه خرجت عزه من الباب الخارجى للفيلا وقامت بإخراج هاتفها الجوال بعدما ابتعدت قليلاً عن مجال كاميرات المراقبه ثم تحدثت للطرف الاخر مسرعه :
-ايوه يا بيه .. اسمعنى حضرتك .. النهارده الهانم عطت للبيت كله اجازه وطلبت منى اطلبها اكل جاهز .. دى فرصتنا عشان ننفذ ..
صمتت قليلاً ثم استطردت حديثها قائله بلهفه :
-ايوه انا طلبتلها من مكان ***** اتصرف بقى وخلى بالك الفيلا حواليها كاميرات .. انا كده عملت اللى عليا هظبطلك الدنيا وانت عليك تكمل الباقى ..
بعد اقل ما يقارب الساعه اقترب عامل التوصيل بأرتباك جلى من احد حراس الفيلا الداخليين وقام بأعطائه اكياس الطعام ثم انهى حسابه وانصرف ، ترجل من الفيلا على عجل ثم قام بأتصال هاتفى بعدما قام بتبديل زى المطعم المشهور الذى تنكر به ، اجابه الرجل على الطرف الاخر بلهفه قائلاً :
-ها خلاص خلصت ؟!!..
اجابه الراجل ٢:
-ايوه يا بيه كل حاجه زى ما طلبت بالظبط .. استنيت الولد بتاع الدليفرى واتعاملت معاه على انى من عمال الفيلا وحاسبته بزياده وبعدها غيرت هدومى ودخلت سلمتهم الاكل بعد ما حطيت فيه السم زى ما حضرتك طلبت ..
أنصت الرجل ١ جيداً يستمع إلى حديثه ثم اجابه بسعاده :
-برافو عليك با واد يا على .. تطير بقى علي المكان بتاعنا عشان تستلم باقى حسابك ..
ابتسم على بسعاده وهو يجيبه :
-هوا يا باشا وأكون عندك ..
انهى الرجل ١ محادثته ثم عبث بهاتفه ليجرى مكالمه اخرى :
-ايوه با سيرين هانم .. كل حاجه تمت زى ما طلبتى وزمانها دلوقتى بدءت تاكل منه وربنا يتولاها بقى ..
اجابته نجوى بتشفى قائله :
-انت متأكد ؟!.. طب واهم حاجه زى ما نبهت عليك ميكنش بيموت مش دلوقتى عايزه عاهه بس ..
اجابها الرجل بثقه :
-ايوه يا هانم متخافيش .. انا اخترت حاجه بتاعه فران خفيفه كده تعمل كل اللى قلتى عليه بس من غير ما تموت ..
اجابته نجوى بحقد :
-برافو عليك .. باقى حسابك هبعتهولك دلوقتى زى المره اللى فاتت وزى ما اتفقنا لا انا اعرفك ولا انت كلمتنى ..
اجابها الرجل بحماس :
-مفهوم مفهوم .. كل اللى حضرتك تؤمرى بيه ..
اغلقت الهاتف معه وهى تبتسم بشراسه ثم اخرجت بطاقه الاتصال من هاتفها وقامت بتحطيمها بعدما أرسلت رساله نصيه اخيره وهى تردد بخبث :
-وكده لو اتكشفت ولا هتعرف توصلى ..
**********
انهت حياة تناول طعامها وبعد قليل بدءت تشعر بوخز قوى داخل معدتها ارجعت ذلك إلى بدء تغيير الفصول وبروده الجو لذلك قررت الصعود إلى غرفتها وارتداء ملابس ثقيله نوعاً ما ، بدلت ملابسها بتيشرت اخر واستلقت فوق الفراش بتعب ولم تدرى متى غلبها النوم
استيقظت بعد عده ساعات وهى تشعر بصداع نصفى مع دوار شديد وألم مزمن داخل معدتها ، حاولت التحرك من الفراش والذهاب إلى المرحاض ولكنها شعرت بتشنج قوى داخل ساقيها يمنعاها من الحركه .
فى تلك الأثناء كان فريد ينهى إجراءات خروجه من المطار ، اخذ اوراقه وشنطة ملابسه ثم تحرك نحو الخارج حيث وجد سائقه فى استقباله ، ركض السائق نحوه يأخذ منه حقيبته ليضعها بداخل صندوق السياره ثم سأله بأحترام بعدما صعد إلىها مستفسراً :
-فريد بيه حضرتك تحب تروح على البيت ولا الشركه ؟!..
فرك فريد جبهته بأصبعه من شده الارهاق ثم اجابه متمتاً بتعب :
-خلينا نطلع على الشركه الاول أمضى الاوراق المتأخرة دى وبعدها نطلع على البيت ..
اومأ السائق رأسه موافقاً بهدوء ثم شرع فى طريقه ..
فى منتصف الطريق تذكر فريد انه لم يعيد تشغيل جواله منذ هبوطه من الطائره لذلك اخرجه من جيب قميصه بنفاذ صبر ثم قام باعاده تشغيله عندها رن هاتفه عده مرات معلناً عن وصول عده رسائل جديده ، فتحه فريد ليقرء عدد من الرسائل النصيه قبل ان تقع عينه على رساله قصيره مفادها كالاتى ..
"فريد بيه .. لما توصل بيتك بالسلامه هتلاقى هديه صغيره عشان جوازاك .. معلش هى متأخره شويه بس احسن من مفيش "
ثم انتهت الرساله بوجهه ضاحك بغمزه .
اتقبض صدر فريد بقوه وصاح بسائقه يأمره بالتوجهه إلى منزله بأسرع وقت ممكن ، عبث بهاتفه وحاول الاتصال بحياة ولكن دون جدوى ، انهى المكالمه بنفاذ صبر وقد بدء قلقه يزداد ، حاول الاتصال بمن معها فى المنزل فكان هاتف عزه مغلق وعفاف لا تجيب ، قام بأتصال هاتفى اخر لكبير حراسه يسأله بلهفه :
-حياة هانم فين ؟!..
اجابه الحارس بهدوء :
-حياة هانم فى الفيلا جوه ..
اجابه فريد بعصبيه قائلاً :
-ادخل شوفهالى وانا معاك على الخط ..
تحرك الحارس يفعل ما يأمره به رئيسه وظل يطرق على الباب ويقرع الجرس ولكن دون اجابه ، كان فريد يستمع إلى محاولاته والرعب يزداد بداخله ، صرخ به بيأس متسائلاً :
-فين الناس اللى جوه راحوا فين ؟!..
اجابه الحارس بخنوع :
-يا فندم مفيش حد حياة هانم عطتهم كلهم اجازه النهارده ومفيش حد غيرها جوه ..
صمت الحارس قليلاً ثم استطرد حديثه قائلاً وقد شعر بقلق رئيسه :
-لو حضرتك حابب انا ممكن اكسر الباب واطمنك ..
كان هذا اكثر ما يريده فريد فى تلك اللحظه ولكنه خشى ان يقتحم عليها شخص غريب خلوتها اذا كانت بخير لذلك تراجع قائلاً بعصبيه :
-متعملش حاجه بس خليك مركز وانا ربع ساعه وأكون عندك ..
اغلق هاتفه ثم صاح بسائقه بتوتر طالباً منه ان يوصله بأقصى سرعه ممكنه .
شعرت حياة بتشنجات قويه فى كافه أنحاء جسدها وأصبحت الرؤيه ضبابيه امامها مع جفاف تمام فى حلقها ، مدت يدها بيأس تتلمس الطاوله الموضوعه بجانب الفراش لتصل لهاتفها وتحاول طلب المساعده ولم تجده ، تذكرت بعده عده دقائق من محاولاتها البطيئة لإيجاده انها تركته فى الاسفل فوق طاوله الطعام ، اذا لم يكن امامها حل سوى ان تتحرك للأسفل لإيجاده او لطلب المساعده ممن هم فى الخارج ، حاولت بعد عده محاولات فاشله بسبب تشنجات جسدها وساقيها النزول من فوق الفراش والتحرك نحو الخارج ، استندت بيدها على احد الكراسى الموضوع تتلمس طريقها للخارج فالرؤية مع مرور الوقت تصبح ضبابيه اكثر فإكثر وتشعر معها بصعوبه بالغه فى الحركه والتنفس ، استغرق الوقت منها اكثر من ربع ساعه للوصول إلى خارج الغرفه بسبب تشنجات يدها وساقيها ، حاولت دعم ثقل جسدها الذى أوشك على الانهيار بالاستناد على الحائط الخارجى للباب والتحرك ببطء نحو الدرج لتتمسك به ، وصلت إلى منتصف درابزين الدرج المقابل لجناحهم بعد عناء كبير وتمسكت به بقوه عندها شعرت بسائل ما ثقيل و لزج يخرج من فتحه انفها اليسرى مدت يدها تتلمسه ثم رفعتها قريب من وجهها لترى سائل احمر اللون يملئ كفها ، اغمضت عينيها قليلاً تحاول السيطره على دموعها التى كانت تنهمر من شده ألمها وإحساسها بالعجز ، هاجمها دوار اخر اقوى وأشد لذلك اخذت نفس عميق لمحاربه احساسها بفقدان الوعى .
**************
وصل فريد إلى داخل الحديقه وترجل من السياره راكضاً نحو الباب الداخلى للمنزل ومنه إلى الداخل ، صرخ بإسمها عده مرات وهو يركض ويبحث عنها بعينيه قبل ان يرفع راسه ويقع نظره عليها تقف فى الاعلى متمسكه بدرابزين الدرج وجسدها منحنى فوقه ، اتقبض صدره وتعالت دقات قلبه فمظهرها لا يبشر بخير، ركض إلى الاعلى وهو لا يزال يهتف بأسمها بلهفه وذعر ، جاءها صوته بعيداً فظنت انها تتخيل رجوعه ، هزت رأسها بوهن عده مرات رافضه ثم فتحت عينيها مره اخرى تحاول استكمال طريقها عندما لمحت جسد ما يتحرك نحوها وهو يهتف بأسمها برعب ، مدت يدها فى محاوله ضعيفه منها للإمساك به وهى تتمتم بأسمه هامسه :
-فريد !!!!
وصل إليها وأمسك بيدها الممدودة بقوه وهو يسالها برعب جلى :
-حياة !!! حبيبتى انتى كويسه ..
تركت يدها الدرابزين وحركت جسدها المتعب وهى تترنح بشده لتقف امامه ثم رفعت رأسها تنظر إليه قائله بخفوت ووجهها شاحب كالأموات :
-فريد انت هنا ؟!! انت جيت صح ..
انهت سؤالها ولم تحظ بفرصه للاجابه فقد اغمضت عينيها وارتمت بجسدها فوق جسده غائبه عن الوعى وعن العالم ..
********
نهايه البارت 💔😂😂
قولوا انكم بتحبونى وصوتوا ب٢٥٠ فوت وانا انزل البارت الجديد على طول 😈😈😈😈
Go ahead 😂😂😂😂😂