الفصل 11 | من 11 فصل

الفصل الحادي عشر

المشاهدات
7
كلمة
5,504
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية لولا الغرام الجزء الحادي عشر 11 بقلم روز أمين لولا الغرامرواية لولا الغرام الحلقة الحادية عشر

مرت الأعوامُ وأنا أنسجُ تفاصيلَ القادم من حياتي، بتُّ أغزلها من دفء الليالي، وأشدُّ أوتارها بحمائل الأماني، مهدتُ طرقاتها بالحب والوعود الصادقة بالبقاء، رسمتها وبريشتي زخرفتها بأروع الألوان، واستودعتُ فيها أثمنَ وأجملَ أحلامي، لأستيقظَ فجأةً على انهيارٍ، ورحيلٍ مرٍّ، وغصةٍ ستبقى ساكنةً في الحلق مهما امتدَّ الزمانُ، بغتةً، تناثرتِ الألوانُ وتحولت إلى رمادٍ باهتٍ، تهشمتِ اللوحةُ وتبعثرت تفاصيلها، وتكسرتِ الأماني كزجاجٍ

حطمته قسوةُ واقعي المريرِ، وها أنا اليوم أقفُ وحيدةً وسط الركام، أتأرجحُ بأسى على أنقاض أوهامي، ما حدث لم يكن مجردَ انهدامٍ لحلمٍ عابرٍ، بل كان انطفاءًا لروحي، وكينونتي، وكياني، لقد خمدَ نداءُ الشغف الذي كان يحركني ويدفعني للأمامِ، والآن، أنظرُ إلى انعكاس حطامي وأتساءلُ بمرارةٍ: كيف لي أن أكملَ طريقي هكذا؟

وأنا جسدًا بلا روحٍ، وبيتًا بلا عمدانٍ؟ _لو خلا العالم من غيوم الحقد والكراهية، لما تذوقت القلوب مرارة الوجع، ولما تفرقت دروب الأحبة، ولكانت النفوس أصفى، والحياة أكثر سلاماً. اقتحم سامح المنزل والشرر يتطاير من عينيه، ليزلزل صوته المرتفع جدران المنزل، تردد صدى ندائه الغاضب على شقيقته في الأرجاء، لينشر الريبةَ في نفوس أفراد عائلته القابعين في غرفة المعيشة.

خرجت نهلة مسرعة، والاستغراب يسبق خطواتها، لتجده واقفاً بعيون يتطاير منها الشرر في مشهد لا يبشر بخيرًا أبداً، تملكها الرعب وهي تراه يقترب عليها وعروقه بارزة من فرط الانفعال، فسألته بصوت مرتجف: -في إيه يا سامح؟ مالك؟ بنبرة حادة كالسكين، أجابها بصوتٍ هادر: -إنتِ اللي هتقولي لي في إيه يا هانم. خرجت “راندا” مسرعة على إثر الأصوات، وجهت حديثها لابنها مستنكرة صوته العالي: -في إيه يا سامح؟ صوتك عالي ليه؟!

أشار إلى شقيقته بسخرية لاذعة، وصاح بكل ما أوتي من قوة في تهكمٍ مرير: -اسألي الهانم بنتك، خليها هي اللي تقول لنا فيه إيه. التفتت نحو ابنتها، وتطلعت إليها بنظرات حائرة متوجسة وهي تسأل: -في إيه يا نهلة؟ عملتي إيه لأخوكِ نرفزه بالشكل ده؟ هزت رأسها بعدم استيعابٍ، والدموع تكاد تفر من عينيها،وهي تقول بنبرة حائرة: -والله العظيم ما عملت له حاجة يا ماما، أنا ماعرفش هو ماله.

خرج باقي أفراد الأسرة على وقع الصياح، رائد، رفيق، تامر، وبرفقتهم مايا، وقفوا جميعاً في صف واحد، متعمقين بأبصارهم نحو المشهد كأنهم يتابعون عرضاً مسرحياً تراجيدياً يحبس الأنفاس. بينما فرد سامح ذراعيه باستعراضٍ درامي، وتابع والشرر يخرج من عينيه وهو يرمق شقيقته: -المحترمة بنتك عايشة لي قصة حب مع واحد زميلها في الجامعة.

نزلت الكلمات على رأس نهلة كالصاعقة، تجمدت الدماء في عروقها، وشعرت بغصة مريرة في حلقها سدت مجرى الهواء،لقد أزيح الستار عن سرها في غير ميعاده، تمنت لو انشقت الأرض وابتلعتها، قبل أن ترى هذه النظرات المحاصرة لها من كل الأعين. فركت مايا كفيها ببعضيهما في توترٍ واضح، بينما شهقت الأم من هول الصدمة واتسعت عيناها بذهول ٍ،ثم التفتت ببطءٍ نحو ابنتها، طالعتها بدهشة ثم سألتها باستهجانٍ ومرارة:

–الكلام اللي أخوكِ بيقوله ده حقيقي يا نهلة؟ انتِ، انتِ فعلاً بتحبي حد؟! ابتلعت ريقها بصعوبة، ورفعت عينيها المترجية نحو والدتها في استعطافٍ، والتزمت الصمت، لكن راندا لم تمنحها هذا الحق، أعادت عليها السؤال بنبرة حادة وشرارات الغضب تتطاير من عينيها وهي تهتف صائحة: -انتِ ساكتة ليه؟ ما تردي. اصيبت بربكة، واهتزت نظراتها وهي تهمس باستسلام: -هرد أقول إيه يا ماما؟ انفجرت الآخرى بصوتٍ جهوري هز أركان المكان:

-ردي ودافعي عن نفسك! قولي إن اللي سامح بيقوله ده غلط وما حصلش. وقفت تنتظر نفيًا يطفئ النار المشتعلة في صدرها، لكن الآخرى شاحت بوجهها بعيدًا، متهربة من نظرات والدتها الجالدة، فقدت راندا قدرتها على الصبر فصرخت مجددًا بجنونٍ وهياج: -ما تنطقي يا بنت، ساكتة ليه؟ ارتسمت ابتسامة ساخرة باردة على شفتي سامح ،ثم نظر إلى شقيقته بهجومٍ ضار وهو يتمتمُ بصوتٍ متهكم: -هتتكلم تقول إيه يا ماما؟ هي ليها عين ترد أصلاً؟

ثم تابع بحدة وانفعالٍ أشد وأقوى: -لا ولسة المفاجأة الكبيرة، لما تعرفي الهانم اختارت مين علشان يكون جوز بنت منير الخولي طالعتهُ راندا بأعين شاخصة مترقبة لحديثه بقوة، لتقاطعه زوجتهُ وهي تترجاهُ بنبرة متألمة ونظراتٍ مستعطفة، في محاولة بائسة منها لحماية صديقتها: -كفاية يا سامح، الكلام بالطريقة دي ما ينفعش وتابعت بنبرة رحيمة: -خد نهلة واتكلم معاها لوحدكم وافهم منها.

أشار لزوجته بحسمٍ، ورمقها بنظرة حادة كصقر يوشك على قنص فريسته، ثم هتف قائلاً بجفاء: -من فضلك يا مايا، بلاش تتدخلي في الموضوع ده،وخليكِ بعيد أفضل . تراجعت وابتلعت غصتها مرغمة، بعد أن اقتحمتها مشاعر الخجل والانكسار من طريقة زوجها الفظة أمام الجميع. في المقابل، وجد سامح دعمًا من شقيقه رائد، الذي تحدث بنبرة تشجيعية جامدة: -اتكلم وقول اللي عندك يا سامح، الموضوع مش شخصي علشان تتكلم فيه مع نهلة لوحدك. وتابع مبررًا باستفاضة:

-الإنسان اللي نهلة هترتبط بيه ده شخص هيدخل عيلتنا ويبقى محسوب علينا، فلازم نوافق عليه كلنا،وقبل كل ده،لازم يكون شخصية محترمة ومن عيلة مرموقة. توسعت ابتسامة ساخرة على ثغر سامح، الذي نطق بنبرة تقطر فوقية وكبرياءًا قفز من بين حروفه: -من جهة عيلته المرموقة، فهي مرموقة فعلاً. ثم تابع بازدراء وانكماشًا لملامح وجهه، مشيرًا بيداه باحتقار في طريقة مسرحية:

-الباشا اللي اختارته أختك، أبوه حتة موظف كحيان في هيئة حكومية متدنية، وأخوه الكبير حتة محاسب في شركة ما حدش سمع عنها قبل كده. واستطرد بتعالٍ أعمى وكأن عائلته خُلقت من طينة لا تشبه طينة البشر: -وأمه ست بيت بسيطة جدًا، وساكنين في حارة شعبية بيئة، شفت قد إيه النسب اللي أختك جيباهولنا يشرف يا سيادة المستشار؟

وقع الكلمات على راندا كان كالصاعقة، لُجم لسانها وتجمدت الدماء في عروقها، وكأن الصدمة شلت حواسها وأوقفت دورة حياتها بالكامل، عجزت عن الاستيعاب، وبدت وكأنها تنظر إلى ابنتها للمرة الأولى.

أما نهلة، فقد تملكتها حالة غريبة من الذهول، شعرت في تلك اللحظة وكأن الأرض تسحب من تحت قدميها، وجدران المكان برغم شساعته يضيق عليها ليخنقها، كانت دقات قلبها تقرع في أذنها كطبولٍ حرب، والكلمات القاسية التي ألقاها شقيقها كانت تنغرس في كرامتها وكبريائها كشظايا زجاجٍ مكسور، لم يكن الخوف وحده ما يشلها، بل ذلك الخذلان العارم من عائلتها التي تقيس البشر بالمظاهر الفارغة، وبلحظة خُلقت قوة مفاجئة من رحم هذا الانكسار لتنفض عنها رداء الخوف تمامًا، فقد أدركت أن الصمت لم يعد درعًا، بل بات اعترافًا بالذنب لسرًا لم ترتكب فيه خطأً.

لذا رفعت رأسها، وتلاقت عيناها بعيني شقيقها بتحدٍ صارخ، وهتفت بكل قوة جعلت الجميع في حالة من الذهول: -أنا ما يهمنيش مين أهله وبيشتغلوا إيه، مع إني شايفاهم ناس عادية جدًا زينا، ويمكن أحسن مننا كمان ذُهل الجميع وهم يطالعونها بدهشةٍ وازدراء، فتابعت بإيضاحٍ: -لأن بظروفهم البسيطة اللي أنتَ شايفها عيوب دي، قدروا يوصلوا ولادهم لكليات، كتير من أولاد الطبقة الغنية ما بيقدروش يوصلوا لها .

وتابعت معترفة بكبرياء وعزة هزت كيان الحاضرين، وعيناها تلمعان بدموع العشق الصادق: -أنا فعلاً بحب رشيد يا سامح، وهو السنة دي في رابعة هندسة القاهرة، قسم تعدين وبترول. واستطردت تبين لهم طبيعة وضعه الحالي: -رشيد طالب متفوق في دراسته، وإن شاء الله هيتخرج السنة دي كالعادة بتقدير امتياز، وهيبقى باشمهندس قد الدنيا. نظرت إلى والدتها ثم عادت والتفتت إلى سامح، وتحدثت بصدق نابع من أعماق قلبها بعدما جنبت خجلها:

-أنا ورشيد بنحب بعض يا سامح، وأنا ما كنتش مخبية علشان بعمل حاجة غلط أو حاسة إن رشيد أقل مننا وتابعت مؤكدة بفخرٍ: –بالعكس، أنا فخورة بيه وشايفاه أحسن راجل في الدنيا كلها. وأنهت حديثها بنبرة هادئة وواضحة تحت ذهول الجميع من جرأتها الغير معهودة: -أنا كنت مستنية لما رشيد يتخرج ويشتغل، وأخليه ييجي يقابل بابا،وده اللي اتفقنا عليه أنا وهو .

انطلقت ضحكات سخرية من حسام الذي بات يقهقه بقوة جعلتها تتطلع عليه باحتقارٍ، لسخربته منها وعدم احترامه لمشاعرها وتمسكها بحقها في الحياة، بينما هز رائد رأسه غير مستوعبًا لتدني تفكير شقيقته من وجهة نظره، ليتمتم وعلامات الدهشة ما زالت مسيطرة عليه: -انتِ أكيد اتجننتي، الولد ده ازاي قدر يلعب لك في دماغك ويغسلها لك بالشكل المهين ده؟! رفع قامته لأعلى وتابع مسترسلاً بكبرياءٍ مفرط: -فين نهلة الخولي؟!

، البنت الأرستقراطية وتفكيرها الراقي، من الجنان والكلام التافه اللي قاعدة تهرتليه ده ! طالعتهُ بازدراءٍ قبل أن تجيبه بتهكمٍ: -وهو أنا لازم ألغي مشاعري، وقلبي يتحول لحجر زيك علشان أليق بعيلة الخولي يا رائد بيه؟! هنا صرخت راندا بعدما استطاعت أن تتماسك وتخرج عن صمتها الذي فُرض عليها نتيجة الصدمة: -ياريتك تبقي ربعه مش زيه وهزت رأسها في استنكارٍ مميت: -أنا مش مصدقة اللي بسمعه بوداني، معقولة انتِ نهلة بنتي؟!

، يا خسارة تعبي طول السنين وأنا بجهزك علشان تكوني سيادة المستشار نهلة الخولي صرخت بقوة بعدما شعرت أنها تقترب من عتبات الجنون: -وتليقي بإسم عيلتك وترفعي اسم بباكي واخواتك أكتر. قرر الشقيق الأصغر”تامر” التدخل لرفع وطأة الضغط عن شقيقته بعدما رأى تكالب الجميع عليها، لذا تمتم بهدوء محاولاً تلطيف تلك الأجواء المشحونة: -طب يا جماعة استنوا بس نفهم من نانا حيثيات الموضوع وتابع موجهًا حديثه لسقيقه الأكبر:

-مش يمكن الموضوع مش زي ما وصل لك يا سامح؟ اشتعلت عينا سامح بغضبٍ عارم وصاح مؤكدًا: -يا باشا انا جايلي اثباتات بكل الكلام ده،مكان شغل أبوه واخوه،وعنوان بيتهم، وصور المحروس اللي الهانم مش عاملة لنا أي اعتبار وماشية معاه. والتفت يرمق شقيقته بنظرة حادة وهو يتابع موضحًا:

-الشخص اللي جالي وبلغني بغراميات نانا هانم، شخص ذكي وعارف هو جاي لمين وممكن يحصل فيه ايه لو كان بيكذب عليا يا سيادة المستشار، علشان كده جالي ومعاه كل اللي يثبت كلامه. لملمت شجاعتها في مواجهة الجميع، وصاحت بصوتٍ هادر،خرج كصرخة اعتراضٍ في الدفاع عن حقها في الوجود: -انتوا مش من حقكم تحكموا على حياتي الشخصية،وانا من حقي أختار الانسان اللي هعيش معاه واكمل حياتي. قاطعها “رائد” بحدة وصب جم غضبه عليها موبخًا ،واصمًا

إياها بالجنون: -حقك ده لما تكوني إنسانة مسؤلة وبتختاري بعقل، لكن اللي سمعناه ده يأكد انك واحدة فاقدة للأهلية ومحتاجة للي يوجهك ويقومك من جديد، ده غير ان اختيار جنابك ده هيدمر سمعتنا ويقلل من مكانتنا في المجتمع وتابع يسألها متهكمًا بغطرسة: -تقدري تقولي لي شكلي هيبقى إيه قدام أهل خطيبتي لو عقولنا اختلت ووافقناكي على المصيبة اللي عاوزة تعمليها، أقدم عيلة خطيبك دي لوالد خطيبتي ازاي؟!

ولو سألني على منصبه، أرد اقول له إيه؟! وقفت كقطة ضعيفة، تحاصرها ذئابٍ كاسرة، تُنهش روحيًّا وجسديًّا بلا ذرة رحمة، مُحيت من وجوههم كل معاني الإنسانية، وتحولوا فجأة إلى قضاة وجلادين، وباتوا ينصبون لها مشنقة علنية،وكأنها تقبع في قفص اتهامٍ، راحت تبحث بين الملامح عن ثغرة نجاة أو نبضة تعاطف، لكنها لم تجد سوى سياط نظراتهم وأحكامهم الجائرة المحمومة،التي تجلد كبريائها وأنوثتها أمام الجميع.

وسط غيابات تيهها وضياعها،”ظهر” من خلف باب مكتبه، كان حضوره كنسمةٍ باردة في نهار صيفٍ شديد الحرارة، لينزل حضورهُ كقطرةِ ماءٍ لظمآنٍ، بلا تردد ركضت نحوه بلهفةٍ عارمة،تشبثت بكتفيه كغريقٍ تشبث بطوقِ نجاته الأخير ليعود إلى الحياة، صرخت باسمه كأنها تستنجد به: -بابا. ******

أصر صادق على بقاء والدته وشقيقاته في ضيافته لأسبوع كامل بعد الزفاف، واليوم هو اليوم الرابع، بينما غادر أشرف منذ الأمس عائدًا إلى المنصورة ليلتحق بجيشه،في ردهة المنزل، جلس صادق بجوار والدته وابنه ، يتابعون التلفاز في هدوء. أما المطبخ، فقد تحول إلى خلية نحل، فقد اجتمعت النساء يجهزن وجبة الغداء، وقفت فاطمة أمام الموقد تقلب البصل المفروم لإعداد خلطة المحشي، بينما جلست منى عند الطاولة تفرم الخضروات بعناية، التفتت إلى

ابنتها وقالت بنبرة هادئة: -اغسلي الرز بتاع المحشي لعمتك يا دليلة. خرج صوتها مهذبًا كالمعتاد: -حاضر يا ماما. أحضرت الفتاة مصفاة الأرز المخصصة، وحين شرعت في تنظيفه، استدارت فاطمة نحوها ورمقتها بنظرة اعتراض حادة،وسألتها: -إنتِ بتعملي إيه يا دليلة؟ ردت بهدوءٍ وتلقائية: -هغسل لك الرز يا طنط. ردت فاطمة بلهجة حملت وصاية غير مبررة: -شيلي الصفاية دي واغسليه في حلة عادية بدت الدهشة على وجه الفتاة التي تساءلت باستغراب:

-ليه يا طنط؟ علقت بجدية صارمة: -علشان ده الصح يا دليلة، المفروض تشتغلي بأقل الإمكانيات، افرضي إنك روحتي مكان مفيهوش صفاية، وأهل البيت طلبوا منك تغسلي لهم الرز، هتقولي لهم مبعرفش أغسله من غير صفاية؟! تدخلت منى مدافعة عن ابنتها في محاولة لتلطيف الأجواء : -وهي إيه بس اللي هيوديها بيوت الناس وتغسلهم الرز يا أبلة؟ لم تتراجع ، بل تابعت بعنادٍ كافر:

-المفروض تربي بنتك وتخليها تتكيف على أقل الظروف يا منى، دي بنت ولازم تتعلم كل حاجة على أصولها، افرضي اتجوزت في بيت وحماتها مكنش عندها صفاية للرز؟ ، إيه الحل بقى؟ ضحكت أماني محاولة تخفيف حدة النقاش وقالت: -أما انتِ ياعات بيبقى عليكِ تحكمات غريبة يا فيفي حاولت الفتاة إنهاء الموقف بمزاح بريء،وهي تقول: -ما تقلقيش يا طنط، ماما هتبقى تجيب لي صفاية في الجهاز، صح يا ماما؟

سؤالاً بريئًا وجهته الفتاة لوالدتها، بينما اكتفت منى بابتسامة خافتة تحمل ضيقًا مبطنًا، لكن فاطمة هتفت بإصرارٍ أشد وكأنها في حالة حرب: -وأنا قولت لك اغسلي الرز في الحلة يا دليلة. جاء صوت عايدة الذي كانت تقف أمام الحوض تنظف الأواني، لتلقي بكلماتها المتهكمة دون أن تتلفت خلفها: -يا سلام عليكِ يا فيفي لما تيجي في الهايفة وتتصدري.

انطلقت ضحكات خفيفة في المطبخ، لكن أحدًا لم يدرك أن الأمر بالنسبة لفاطمة لم يكن مجرد نقاش عابر، بل تطور لأبعد من ذلك بكثير، تحولت نظراتها إلى الجمود ووجهت أمرًا قاطعًا لابنة أخيها: -اسمعي الكلام يا دليلة واغسلي الرز زي ما قولت لك. في تلك اللحظة، كان صادق يخطو داخل المطبخ ليجلب بعض الفاكهة لوالدته من المبرد، تزامنت خطوته مع نبرة دليلة المرتبكة وهي تحاول الدفاع عن موقفها أمام عمتها قائلة بقلة حيلة:

-مش هعرف اعمل كده يا طنط، الرز هيدلق مني في الحوض. (هذا المشهد حدث بالفعل، ولم نجد له تفسيراً منطقياً حتى الآن انا وبطلة القصة، ولا تزال شخصية (دليلة) الحقيقية عاجزة عن فهمه،برغم مرور كل هذه الاعوام.) وللمشهد بقية. *******

جلس الجميع في ردهة المنزل الشاسعة، بعد أن حسم منير الأمر بظهوره المفاجئ، مستدعيًا إياهم للداخل لمناقشة المسألة بهدوء حذر، كانت ملتصقة بوالدها، بينما ضم كفيها الصغيرتين بين يديه في احتواءٍ دافئ، لتتشبث به وكأنها تحتمي بوجوده من قسوة العالم. استمع إلى كل الأطراف بإنصات شديد، وعيناه تتنقلان بين أبنائه وبين تلك الباكية، قبل أن يلتفت إليها قائلًا بنبرة صوت حانية غُلفت بهدوءٍ مربح:

-اطلعي ارتاحي في أوضتك يا حبيبتي، ومتقلقيش، أنا بنفسي هشوف الموضوع ده، ولو فعلاً الولد طلع كويس ويستاهلك، ساعتها مش هيكون عندي أي مانع. وقع كلماته على أبنائه كالصاعقة، فتبادلوا نظرات حادة ومستنكرة، لكنهم التزموا الصمت التام احترامًا لهيبته وتأجيلًا للمواجهة، ريثما يجدون فرصة أخرى للاعتراض، في المقابل، رمقته زوجته بنظرة نارية تفيض غضبًا، وقالت باعتراض فج: -إيه اللي أنت بتقوله ده يا منير؟! نظر إليها بحذر شديد، وبلهجة

حاسمة لا تقبل الجدال أردف: -خلاص يا راندا، الكلام في الموضوع ده انتهى لحد ما أبحث فيه بنفسي، وأقرر هنعمل إيه. التفتت الفتاة إلى والدها وابتسمت له بامتنان، ورغم تعاطفه الواضح وكلماته المطمئنة، إلا أن غصة مرة سكنت قلبها، كان هناك شعورًا خفيًا مخيف يهمس لها بمرارة أن الحكاية قد انتهت بالفعل، لكنها فضلت التشبث بآخر حبال الأمل. عاد والدها يتأمل ملامحها المجهدة، وقال بنبرة تقطرُ حنانًا وعيناه تفيضان بالوعود:

-اطلعي ارتاحي يا حبيبتي وزي ما وعدتك، كل حاجة هتبقى بخير. نهضت من مكانها، علت شفتيها بسمةٌ ذابلة، وهي توديع والدها، ثم انسحبت بهدوء نحو الطابق العلوي، بجسدٍ منهك وروحٍ مضطربة، تاركة خلفها قلوبًا تشتعل غضبًا، والجميع يغلي كفوهة بركانٍ على وشك الانفجار. ****** كان الجميع يلتفون حول فاطمة، محاولين بكل السبل أن تعدل عن ذلك القرار الغريب ، لكنها وقفت كالجبل،وتملكها عنادٍ أعمى،وأصرت ألا تتراجع خطوة واحدة عن تنفيذه.

وسط هذا التشنج، حاول صادق أن يلطف الأجواء المشحونة، فوجه إليها حديثه بنبرة ضاحكة، مداعبًا إياها: -يعني إنتِ هتعملي عقلك بعقل عيلة يا أبلة؟ لم تتقبل المزاح، بل لمعت عيناها بحدة صارمة، ونطقت بتهديدٍ حاسم جعل الجميع يندهش : -يكون في علمك يا صادق، لو بنتك غسلت الرز في الصفاية ومشت كلامها عليا، أنا هطلع أوقف تاكسي وأرجع المنصورة حالاََ. تدخلت أماني لتهدأة الوضع:

-ما تصلي على النبي كده وتروقي يا فيفي، الموضوع مش مستاهل زعلك يا حبيبتي. هتفت بحدة لتجبر شقيقتها على التزام الصمت: -اسكتي انتِ يا أماني. بينما اتسعت عينا صادق بدهشة وصلت حد الذهول، وتطلع إلى شقيقته غير مستوعبًا أن يصل بها العناد والتحكم إلى هذا الحد، سألها متعجبًا: -إنتِ بتتكلمي بجد يا أبلة؟ أجابته بحدة أظهرت كم جديتها بالحديث: -أنا مبهزرش في الحاجات دي يا صادق، وأنت عارفني وتابعت بجدية:

-القصة مش قصة عِند، أنا بعلمها تتصرف بالإصول ، علشان لما تتجوز وتتحط في أي ظرف، تبقى ست بيت شاطرة وتسد. لم يجادلها لتيقنه أنها وصلت لذروة غضبها، حول نظراته نحو ابنته التي كانت تتابع الموقف بحذرٍ وترقب ،تنهد وتمتم مستسلمًا، إحترامًا لشقيقته: –اعملي اللي عمتك قالت لك عليه يا دليلة. اتسعت ابتسامة الفتاة لتسأله لعدم استيعابها لما وصلت به عمتها من عبث: -ده بجد يا بابا؟

أطبقت “منى” جفنيها بقوة، وخرجت تنهيدتها حارة من صدرها، بفضل تحكمات شقيقة زوجها الكُبرى، كان بإمكانها الاعتراض ووضع حدًا لتلك المتسلطة، لكنها ابتلعت غصتها إجلالاً لمكانة زوجها بقلبها، واحتراماً لأصول الضيافة التي نشأت عليها،لذا التفتت نحو ابنتها، ورسمت على وجهها ابتسامة باهتة لكنها متماسكة، ثم قالت بنبرة هادئة: -إعملي اللي عمتك وبابا قالوا لكِ عليه يا دليلة.

بمنتهى الهدوء نقلت الأرز ، وبدأت تغسله بطاعة ووداعة دون تذمر، لم تتمالك عايدة نفسها، فانفجرت ضاحكة وقالت متهكمة هي تهز رأسها باستنكارٍ واضح: -أول مرة أعرف إن عقلك صغير كده يا فيفي، ده الله يكون في عون الحاج عزام على كده. لم تكترث بكلمات عايدة ولا بنظرات اللوم التي تلقتها من أماني، فكل ما كان يشغل بالها في تلك اللحظة هو أن كلمتها فرضت على الجميع، فقد انتشى داخلها بلذة الانتصار وشعرت بزهوٍ غامر وهي ترى رغبتها تتحقق،

(وهذا ما ظهر على ملامحها وابتسامتها السعيدة حينذاك.) تنهدت براحة، ليقترب منها صادق وعينيه تفيض بحنانٍ جارف، وسألها متبسمًا: -ها، مرضية يا أبلة؟ اختفى الحزن عن وجهها، وحل مكانه ابتسامةً واسعة، ثم قالت بنبرة تقطر حنانًا وكأنها تحولت إلى إمرأةٍ آخرى: -ربنا يرضى عليك يا حبيبي، دايما مريح قلبي ومراضيني يا صادق.

إرتسمت على شفتيه إبتسامة خافتة، ثم التقط صَحن الفاكهة وغادر المطبخ متوجهًا إلى والدته، وما هي إلا دقائق حتى انتهت دليلة من مهمتها،تحركت متجهة نحو عمتها، وقالت بابتسامةٍ عذبة: -اتفضلي يا طنط، رز مغسول في الحلة أهو. مسحت على كتف الفتاة برفقٍ، وقالت بلهجةٍ مُوجهةٍ غمرها الرِضا: -شاطرة يا دليلة،اهو انا عوزاكِ كده دايمًا، مطيعة وقولة حاضر لازقة على لسانك. ابتسمت، وتمتمت بوجهٍ بشوش: -حاضر يا طنط.

_خرج الجميع من المطبخ بعد قليل، ولم يتبقَّ فيه سوى منى وأماني ليباشرا تسوية الطعام، التفتت أماني نحو زوجة أخيها، ونظرت إليها بنظرة تحمل أسفًا وهي تقول بلهجة معتذرة: -متزعليش من فيفي يا منى، هي تبان صعبة شوية ومتحكمة. صمتت للحظة وكأنها تبحث عن الأعذار لتهدئة الأجواء، ثم تابعت بحنانٍ وحديثٍ صادق : -بس والله غلبانة، وقلبها مفيش أبيض منه، بتصفى بسرعة وبتحب الخير للناس كلها، وعمر ما حد قصدها في خدمة وردته خالي أبدًا.

رسمت منى على شفتيها ابتسامة هادئة ، وردت بصوت يقطرُ صدقًا: -أنا عارفة الكلام ده كويس يا أماني، ومش زعلانة منها خالص. عادت بذاكرتها إلى أيامٍ مضت، ثم أكملت بنبرة حانية: -ده انا عمري ما انسى لها وقفتها مع صادق، وقت ما مامتك رفضت جوازنا لما صادق بلغكم إني مريضة. تنهدت أماني بعمقٍ، ثم تحدثت مدافعة عن موقف والدتها حينها:

-ماما كانت معذورة وقتها يا منى، حطي نفسك مكانها، تخيلي ابنك يجي يقول لك إنه اتعرف على بنت في الجامعة وحبها وعاوز يتقدم لها؟ لم تنتظر إجابة، بل أكملت لتوضح الصورة كاملة: -ماما وقتها فرحت جدًا علشان صادق كان طاير بيكِ، بس بعدها جه وقالها إن مامتك صارحته،وقالت له إنك مريضة سكر من وانتِ عندك تسع سنين. وتابعت حديثها بحرجٍ: -ماما خافت وقتها وقالت له دي مش هتقدر تخلف، ولو خلفت ممكن ولادك لا قدر الله يورثوا المرض منها.

اكتفت منى بابتسامة صامتة تحمل في طياتها الكثير من المشاعر المختلطة، راقبت أماني ملامح وجهها الهادئة، وحاولت تبديد أي أثرٍ للحزن، فقالت بنبرة حماسية سعيدة وصلت للآخرى: -وصادق وقتها اتمسك بيكِ ووقف قدام الدنيا كلها، وسانده الحاح عزام وفيفي، وأديكوا يا ستي اتجوزتوا وخلفتوا، وولادكم الله أكبر عليهم، ربنا يحميهم ويحافظ عليهم. رمقتها بنظرةٍ ممتنة من أعماق قلبها، ثم همست بابتسامة رقيقة: -تعرفي إنك جميلة أوي يا أماني؟

عندك سماحة ولين قلب مشفتهمش عند غيرك، وأحسن ما فيكِ إنك حقانية، مابتجامليش حد على حساب الحق، ولا بتهتمي بزعل حد طالما بتقولي كلمة ترضي بيها ربنا. تهللت أساريرُ الأخرى بسكينةٍ، وردت بهدوء تام ونبرة ممتنة: -الحمد لله يا منى، ربنا يجعلنا دايماً واقفين في صف الحق. هزت رأسها بموائمة، وهمست بقلب صادق: -اللهم آمين.

_إلتفوا جميعًا حول مائدة الطعام التي تفوح منها رائحة الدفء العائلي، التفت صادق صوب والدته ورمقها بابتسامة حانية،ثم التقط واحدة من الحمام الشهي، ووضعها في طبقها قائلًا بنبرة تقطرُ اهتمامًا: -اتفضلي يا ست الكل، الحمام المحشي فريك اللي بتحبيه أهو. ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، وهزت رأسها وهي تجيبه: -حمام إيه بقى يا صادق؟ كان زمان وجبر يا ابني، هو أنا عاد فيا سنان لأكل الحمام؟

، أنا آخري حتة فراخ مسلوقة ولا حتة لحمة مستوية بزيادة. اندفعت فاطمة لتخبرها بنبرة تشع حبًا واحترامًا، وعلقت لطمأنتها: -اللي في إيد صادق دي أنا مسوياها لك زيادة مخصوص يا ماما، مش هتغلبك في المضغ يا حبيبتي. تهللت أسارير العجوز، وتناولتها من يد ابنها وهي تنظر إليه بعينين تلمعان بالامتنان والدعاء: -تسلم إيدك يا حبيبي، ويبارك لي فيك وما يحرمنيش منك أبدًا. تعالت ضحكة خرجت من قلب فاطمة وقالت وهي تنظر للجميع :

-شوفوا الست وكلامها اللي يغيظ، أقول لها أنا اللي مسوياها كويس علشانك، تقوم تدعي لصادق. انفجر الجميع ضاحكين في تناغمٍ وسعادة، بينما أردفت أماني وهي تبتسم برقة: -وإيه الجديد يا فيفي، ما هو صادق من يومه وهو مالك قلب الست رقية ومتربع فيه. نظرت رقية إليه بنظرة فخر، وقالت بقلب يفيض بالرضا:

-طول عمره وهو مراضيني ودايماً شاري خاطري ، ربنا يرضى عليه ويبارك له في ولاده، ويبعد عنهم كل ردي، ويكفيهم ويكفيك شر ولاد الحرام يا صادق يا ابني. علقت منى بتأثر وصوت يحمل مشاعرًا رقيقة: -أحلى وأجمل دعوة والله يا طنط، ربنا يستجيب منك. بدأ صادق بتوزيع الطعام في أطباق إخوته باهتمامٍ، وعيناه تلمعان ببريق من الحماس وهو يوجه حديثه إليهم: -كلوا كويس، علشان هخرجكم بعد المغرب، هحجز لكم يخت في النيل نقضي فيه سهرة حلوة مع بعض.

صفقت الفتاة بفرحة عارمة، وعلت صيحات السعادة من شقيقها الصغير، كانت عايدة تتناول طعامها، فنظرت إلى صادق بامتنان كبير قائلة: -ربنا يسعدك ويراضيك زي ما أنت مراضي الكل ومفرحهم يا حبيبي. كانت دليلة تجلس بجانب شقيقها ، سحبت طبقه إليها برقة وبدأت تفصص له قطع اللحم بعناية وصبر. رصدت عايدة المشهد، فتدخلت بنبرة جادة تنم عن اتباعها طابع التربية الحازمة: -انتِ بتفصصي له الحمام ليه يا دليلة؟ هو صغير يا حبيبتي؟ ثم تابعت بنظرة

استنكار وهي تنظر للفتى: -ده الله أكبر راجل عنده عشر سنين، سيبيه يا بت يعتمد على نفسه ويخدم نفسه بنفسه. رفع أحمد عينيه الصغيرتين نحو عايدة، وقال بجدية: -أنا بحبها تفصص لي الأكل يا طنط، هي بتعرف تنضفه كويس هو والسمك. نطقت الفتاة بنبرة حنون: -انا بحب أعمل له كل حاجة يا طنط، حتى المذاكرة، انا اللي بذاكر له تدخلت الجدة في الحوار بصوتها الدافئ ، ومسحت على رأس دليلة بحنان وهي تقول بحكمة اكتسبتها من الزمان:

-وماله لما تفصص لأخوها؟ جدعة يا دليلة، خليكِ دايماً حنينة على أخوكِ، أنتوا في الآخر مالكوش غير بعض في الدنيا دي. ابتسم الفتى بهدوءٍ وشعر بزهوٍ داخلي،ثم أشار لشقيقته مطالبًا لاستحقاقية عالية: -هاتي لي بقى محشي بتنجان وواحدة ممبار يا دليلة. تركت ما في يدها سريعا بابتسامة مطيعة تعكس فيض حنانها، وقالت بنبرة عذبة: -حاضر يا حمادة، من عيوني.

كانت أعين فاطمة تراقب الفتاة بصمتٍ، وعلامات الاستحسان والرضا ترتسم على ملامحها، وهي ترى في حنان الفتاة بذرة لامرأة صالحة ستغمر بيتها المستقبلي بالدفء والحب. ****** العودة مرةً أخرى لقصر الخولي. بمجرد أن توارت خطوات الفتاة خلف درج الطابق العلوي، تبدد ذلك الهدوء الزائف الذي فرضه وجودها، انفجرت راندا كقنبلة موقوتة، حيث إلتفت نحو زوجها وعيناها تطاير منهما الشرار، وقالت بنبرة حادة تشتعل غضباً:

-ممكن بقى تفهمني إيه اللي عملته ده يا منير؟ إنت إزاي تديها أمل إن مهزلة زي دي ممكن تحصل أصلاً؟ وتابعت وهي ترمقهُ بلومٍ عارم: -إنت عاوز تضيع مستقبل بنتك وتدمر سُمعة باقي ولادك،علشان شوية مشاعر تافهة ؟! أيدها “رفيق”، الابن الثاني، وقد ارتسمت معالم الاعتراض الشديد على وجهه وهو يوجه حديثه لوالده: كلام ماما صح يا بابا، الظاهر إن الولد ده طمعان في ثروة حضرتك، وللأسف، قدر يلعب بعقل بنت عديمة خبرة وساذجة زي نانا.

حافظ “منير” على وقاره وثباته الانفعالي وبنظرة ثابتة رمقهم بملامح ساكنة، قبل أن ينساب صوته الرخيم حازماً، يحمل في طياته نبرة الآمر الناهي: -أنا لسه ما قولتش رأيي النهائي يا رفيق، وأظن كلكم سمعتوني وأنا بقول لاختكم إني هسأل بنفسي وأشوف الموضوع. تدخل “سامح ” الابن الأكبر، وبرغم أن كلماته كانت تحمل اعتراضاً، إلا أنه غلفها بذكاء بكثير من الاحترام والتبجيل لوالده:

-حضرتك عارف إحنا قد إيه بنحبك وبنحترم كلمتك ونقدرها، وأنا شخصيًا معنديش أدنى شك في حكمة وحنكة جنابك في إدارة أي أمر. ثم استطرد بتخوفٍ حقيقي ظهر بين حروفه: -لكن اسمح لي، مع نهلة الوضع دايماً بيختلف، بحس إن منير الخولي رجل الأعمال الصارم، اللي راعب كل رجال سوق المال، بيتحول فجأة وتفكيره كله بيبقى عن طريق القلب. أدار “منير” دفة المناقشة بينه وبين نجله الأكبر في إطار من الرقي والاحترام المتبادل، وقال بنبرة هادئة مطمئنة:

-أنا فاهم تخوفك ومقدره يا سامح، ومش عاوزك تقلق، أنا قولت هسأل على الولد، وأكيد لو طلع مش مناسب لينا هو أو عيلته هيترفض، أنا مش هضر بنتي ولا هرضى لكم الضرر. قاطعت “راندا” حديثهما بقلة صبر، وهتفت بصوتٍ متهدجٍ من فرط الغضب: -ولزمتها إيه اللفة دي كلها وتضييع الوقت يا منير؟ إذا كان ابنك بيقول لك إن الولد اللي راح له قدم له كل العناوين والأدلة اللي تثبت كلامه. التفت إليها ورفع حاجبيه متسائلاً:

-وهل سامح اتأكد بنفسه من كلام المرسل ده يا راندا؟ مش يمكن حد حقود على الولد وكارهه وعاوز يشوه صورته قدامنا؟ ثم تابع وعاطفة الأب تغلبه، محركًا رأسه باستنكارٍ لتصرفات الجميع: -وبعدين ما ينفعش نحكم في موضوع مصيري يخص بنتك بالقسوة دي، بنتك بتحبه يا راندا. وتابع بازدراءٍ:

–معجبنيش أبدًا شكلكم وانتم ملمومين عليها ونازلين جلد فيها، الأمور ما تتاخدش كده يا حضرات المستشارين، دي مش متهمة واقفة قدامكم في ساحة محكمة، دي أختكم، ولازم حنيتكم عليها تسبق ردود أفعالكم وأحكامكم. قررت “مايا” التدخل بعد صمتٍ طويل قضته كمستمعة تراقب الأجواء لتخبر بها نهلة بوقتٍ لاحق، فقالت بصوت حماسي وعينين تلمعان بالإعجاب:

-برافو عليك يا عمو، حضرتك بجد مثال للأب الحنون، ونانا محظوظة إن ليها أب عظيم زيك، بيفكر بقلبه وعقله مع بعض. رمقها “سامح ” بنظرة حادة كي تلتزم الصمت، فتلاشتها، بذكاء مدعية عدم الانتباه. في حين وقفت “راندا” بكبرياء، ورمقت زوجها بنظرة تحدٍ صارمة،قبل أن تقول باعتراضٍ شديد اللهجة:

-اسأل براحتك واعمل اللي أنت عاوزه يا منير، بس يكون في معلومك، الجوازة دي مش هتتم طول ما أنا عايشة وموجودة في البيت ده، ولو حصلت، قبل ما نانا تطلع على بيت عريس الغفلة، هتكون خطوتي سبقاها. اتسعت عينا “منير” بذهولٍ، وهتف بصوتٍ حاد بث الرعب في أوصالها: -هي وصلت بيكِ الجرأة إنك تهدديني وتلوي دراعي قدام ولادي يا راندا؟! ازدردت لعابها بصعوبة حينما شعرت أنها تخطت حدودها معه، فتراجعت خطوة للخلف وقالت بنبرة حاولت جعلها هادئة:

-ده مش تهديد يا منير، ده حقي في الدفاع عن ولادي اللي تعبت وضيعت عمري عليهم، علشان أطلعهم بالصورة اللي كل الناس بتحسدك عليها دلوقتي. لم يكن يوماً جاحداً أو ناكراً للجميل، لذا ابتلع غضبه تدريجياً، وحلّ السكون في ملامحه وهو يرد بنبرة هادئة ورصينة:

-وأنا عمري ما أنكرت ده، ولا بخست حقك في تربيتك ليهم، وعارف إنك السبب في المراكز اللي وصلوا لها، حتى “نهلة” لما عارضتي رغبتها وصممتي على إنها تدخل حقوق، برغم إن كان نفسها تدخل تجارة علشان تساعدني في إدارة الشركات،وبرغم اني كنت محتاجها جنبي،لكن احترمت وجهة نظرك وقتها وسيبت لك القرار. صمت للحظة، ثم تابع وعيناه تحملان عتاباً عميقاً:

-من صغرهم وأنا سايب لك حرية التعامل معاهم لأني وبكل بساطة كنت بثق في عقلك، وعارف إنك دايمًا بتختاري لهم الأفضل، لكن لما ألاقي بنتي الوحيدة تعيسة ومقهورة في قلب بيتها ، وكلكم بتفكروا في نفسكم وفي شكلكم الاجتماعي وتولع هي ومشاعرها، يبقى هنا لازم أتدخل يا راندا. وتابع بصرامة: -لازم يكون لي رد فعل قوي ومساند ليها، على الأقل علشان ما تحسش بالغربة وهي في وسط عيلتها.

طالعته راندا بحزنٍ وعتاب، وعدم الاقتناع يرتسم على كل إنش في وجهها، لكنها سرعان ما رفعت رأسها بكبرياءٍ كعادتها. قرر “رفيق” التدخل، محاولاً تهدئة الأجواء المشحونة، وقال بصوتٍ رزين: -خلاص يا باشا، سيب لنا موضوع الولد ده، وإحنا هنجيب لجنابك كل المعلومات عنه. لم ترق له الفكرة، فهو يعلم جيداً أن أولاده لن يتعاملوا بضميرٍ في أمر يتعارض تماماً مع أهوائهم وأهواء والدتهم،لذا رمقهم بنظرة صارمة أخرست الجميع، وهتف بحسمٍ أغلق

به النقاش في هذا الامر: -أنا قولت أنا اللي هتصرف يا رفيق، الكلام انتهى في الموضوع خلاص، ولحد ما أجمع معلوماتي بنفسي، وأرجع أبلغكم بقراري النهائي،مش عاوز مخلوق منكم يتدخل. نهض واتجه نحو مكتبه بخطوات واسعة، تاركاً خلفه الجميع في حالة من التذمر الساخط، أسندت “راندا”رأسها للخلف بقلة حيلة، ليهمس “سامح “بيأسٍ وسخطٍ ظهرا على محياه: -أنا من الأول عارف إن انهيار الإمبراطورية اللي بنيناها مع بعض، هتبقى على إيد الهانم.

تنهد الجميع والغضب تملك من قلوبهم،باستثناء “مايا”التي لمحت بارقة أملٍ تلوح في الأفق، واصل الحاضرون مناقشتهم بوجوه واجمة وعقول يملؤها القلق من قرار” منير”المترقب. ******

ولجت غرفتها والتوتر ينهش داخلها، وراحت تجوب الغرفة ذهاباً وإياباً، تهاوت بجسدها فوق الفراش واستسلمت لنحيب مرير زلزل كيانها، فقد كان يسكنها شعور جارف بأن حلمها يقترب من الانهيار، ولم تفلح كلمات والدها المطمئنة في اقتلاع جذور الألم، أو محو تلك النهاية التي باتت راسخة في وجدانها.

قاومت ضعفها، نهضت ومسحت عبراتها، ثم التقطت هاتفها المحمول، قررت الاتصال برشيد، رغم علمها أن عقارب الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا، وهو وقت قد لا يكون فيه متاحًا أو متواجدًا بالمنزل، غير أن وطأة الوحدة والخوف دفعتاها لخوض التجربة، كانت تتوق لكلمة منه تطمأن داخلها، وتمدها بالقوة التي تفتقر إليها.

طلبت رقم منزله، وعلقت بصرها بالسماء تهمس بدعوات خفية أن يكون هو من يجيب، بعد لحظات من الانتظار، جاءها صوت أنثوي عرفت على الفور أنه لشقيقته، من نبرتها ومن حكايات رشيد المستمرة عنها، تعالت نبرات الفتاة عبر الهاتف متسائلة: -ألو،ألو لم تجب نهلة،بل أغلقت عينيها بألمٍ، وتركت لدموعها العنان وهي تغلق الخط بصمت.

على الجانب الآخر، كانت والدة رشيد تخرج من المطبخ حاملةً بين يديها صينية معكرونة بمعجون “البشاميل”، تنضح بسخونة الفرن ورائحتها الشهية تنتشر في أرجاء المنزل. اتجهت نحو المائدة وسألت ابنتها باهتمام: -مين اللي كان على التليفون يا بسمة؟ ردت بلا مبالاة وهي تهز كتفيها: -مش عارفة يا ماما، فضلت أقول ألو ألو، بس يظهر صوتي معجبش اللي بيتصل، فقفل السكة في وشي. أومأت الأم وقالت وهي تضع الصينية بعناية:

-طب ادخلي هاتي البانيه وباقي الأكل من جوة، ويلا اندهي لأخواتك وأبوكي. خرج رشيد من غرفته على وقع أصواتهم، فجذبته الرائحة الذكية، اقترب من والدته وانحنى فوق الصينية يستنشق عبيرها بانتشاء، قائلاً بمزاحٍ: -الله الله الله،ده إيه الجمال ده كله يا سمسم؟ ريحة المكرونة بتاعتك جايبة لآخر الشارع. طالعته بابتسامة حانية لتهمس: -أنا قلت بمناسبة نجاحك وإنك طلعت من الأوائل، أعملك الأكل اللي بتحبه. سألها بملاطفة:

-أفهم من كده إن الأكل ده معمول على شرف حضرتي؟ لم تستوعب حديثه فاجابته: -اسم الله عليك وعلى شرفك يا حبيبي. تعالت ضحكات رشيد وبسمة التي كانت تقترب حاملة صحنًا من لحم الدجاج المقلي، فراحت تهز الطبق بمداعبة أمام عينيه وهي تقول: -وادي كمان يا سيدي البانيه اللي بتحبه، ولسه لما تعرف المفاجأة الكبرى. اتسعت ابتسامته وقال بحماس: -إشجيني. تابعت بغمزةٍ عين: -ماما مجهزة لك فرخة محشية رز بالكبد، يعني عاملة لك وليمة كاملة متكاملة.

عدل من ياقة قميصه بغرورٍ زائف وهو يقول: -طبعًا يا بنتي، هو أي نجاح؟ دول جايزتين، جايزة للطالب المثالي، والتانية لسعادة رئيس اتحاد الطلبة. رصت الأم الأطباق، ثم اقتربت منه وتلمست كتفه بحنان غامر: -ألف مبروك يا حبيبي، يا رب دايماً ناجح ومن الأوائل على طول يا رشيد، عقبال ما ما تتخرج آخر السنة وتشتغل وأشوفك باشمهندس قد الدنيا. التقط يدها وطبع عليها قبلة امتنان عميقة: -في حياتك يا سمسم. ثم لمعت عيناه بفيض

من الشجن والحنين وهو يضيف: -كان نفسي تبقي معايا امبارح وتشوفيني وأنا بتكرم، وكان نفسي أديكي وسام التكريم ده ليكِ إنتِ وتابع بصدقٍ تجلى بنظراته: -لأنك أحق بيه مني يا أمي، إنتِ اللي تعبتي وسهرتي وحطيتي القرش على القرش عشان توصلينا للي احنا فيه ده دلوقت. ابتسمت له وعلقت بنبرة هادئة: -ما أنت عارفني يا رشيد، أنا لا بتاعة طلوع برة ولا بحب الدوشة، كفاية إن أنت كنت مبسوط، وده عندي بالدنيا.

طوقها بذراعيه في عناق دافئ وهمس مبتسمًا: -هفوتها لك المرة دي، بس خلي بالك، في حفلة التخرج لازم تكوني معايا، أنا بقولها لك من دلوقتي عشان تبقي عاملة حسابك. أومأت له والسعادة تملأ قلبها: -إن شاء الله يا حبيبي. ثم التفتت إلى ابنتها وقالت على عجل: -يلا يا نسمة، ادخلي اندهي لأبوكِ وأخوكِ من أوضتهم قبل الأكل ما يبرد. *******

مر يومان على نهلة، قضتهما حبيسة غرفتها بأوامر صارمة من والدتها ، التي لم تكتفي بالحجر عليها، بل انتزعت منها هاتفها عنوةً، لتقطع عنها أي سبيل للتواصل مع ذلك الشاب، بزعم انها في انتظار قرار حاسم من والدها، وبناءً عليه ستُحدد إن كانت ستسمح لها بالحديث معه مجددًا أم ستضع حدًا للأمر برمته.

لم يكن الأمر هينًا على رشيد أيضًا،فكان يعيش جحيمًا من القلق عليها، لم يتحمل غيابها المفاجئ، فتوجه إلى الكلية يبحث عنها بقلبٍ متوجس، تعقب خطواتها حتى عثر على صديقتها المقربة، وسألها بلهفة ، لتجيبه الفتاة بحيرة: -والله يا رشيد ما أعرفش عنها حاجة، بس هي بخير ما تقلقش. وتابعت موضحة: –أنا اتصلت على تليفونها ومامتها اللي ردت عليا، وقالت لي إنها واخدة دور برد شديد وهتقعد في البيت اليومين دول لحد ما تخف خالص.

برغم كلماتها المطمئنة، إلا أن الخوف تسلل إلى قلبه واستقر ، وبدأ عقله ينسج سيناريوهات مرعبة، تملكه شعورًا سئء بالعجز، فلم يجد خيطًا واحدًا يوصله إليها. فكر مرارًا أن يتصل برقمها، لكن فكرة أن تجيب والدتها عليه شلت تفكيره وجعلته يتراجع ، فماذا سيقول لها حينها؟ وكيف سيبرر اتصاله؟ لقد كان يكره الخداع، ولم يعتد طيلة حياته على الكذب أو مواراة الحقائق، لذا فقد عدل عن الفكرة.

بمنزل منير الخولي، عاد من عمله يحمل في جعبته قرارًا طال انتظاره، جمع أفراد العائلة جميعًا في غرفة المعيشة، حيث ساد صمتٍ مريب حبس معه الانفاس. استدار بجسده، وثبت نظراته الثاقبة والمحملة بالجدية صوب نهلة، ثم قال بصوتٍ رخيم قطع ذلك السكون:…… ترى، أي طريقٍ سيختار “منير”؟ هل ينتصر لأبوته ويقف بجانب ابنته ليزوجها بمن تحب، أم يلوذ بالفرار ويتخلى عنها ليصطف مع الجميع في خندق الطبقية البغيض؟ …..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...