رواية لولا الغرام الجزء العاشر 10 بقلم روز أمين لولا الغرامرواية لولا الغرام الحلقة العاشرة «الخاطرة»
«خلفَ قناعِ الصداقةِ المزيفِ، حيث تُخبئُ العيونُ خناجرَ الغدرِ، يبتسمُ في الوجهِ وفي أعماقهِ بركانٌ يغلي بالغل والشرِ، هو صديقُ الأمس، الذي تحولَ اليومَ إلى خنجرٍ مسمومٍ يتربّصُ في الخفاءِ، فقد تجرّدَ من نُبلِ الفرسانِ، وأطلقَ العنانَ لدناءةِ نفسهِ تقودهُ نحو مستنقعِ الحقدِ والخيانةِ، لم يعد لهُ حلمٌ يسعى إليهِ سوى هدمِ أحلامِ منْ كانَ يظنهُ رفيقاً وسنداً، يتحركُ كظلٍّ أسودَ ليملأَ الممراتِ ضيقاً، يزرعُ الأشواك حيثما
داسَ الآخرُ، ويغزلُ من خيوطِ المكرِ شباكاً ليوقعهُ في الأسرِ، يراقبُ نجاحَهُ فيحترقُ حسداً، وبدلاً من أن يرتقي بنفسهِ، أتقنَ فنَّ الحفرِ، ليبنيَ مجدهُ على أنقاضِ أحلامِ صديقهِ وسرقةِ استقرارهِ ليتلذذَ بدموعهِ، أصبحت غايتهُ الوحيدةُ أن يُطفئَ النورَ في دربهِ وينشرَ الظلامَ، ساحباً إياهُ إلى قاعِ الدمارِ، فيا لهُ من عارٍ، أن يقضيَ المرءُ عمرهُ في نسجِ المؤامراتِ وتدبيرِ المكائدِ، وتخريبِ حياةِ منْ آمنهُ يوماً على
سِرّهِ، لكنّ التاريخَ يعلّمنا دائماً، أنّ بئرَ السوءِ لا يشربُ منهُ في النهايةِ إلا حافرهُ.»
بقلمي «روز أمين» _ضيقت راندا عينيها بشكٍ واستغراب، وقبل أن تهم بالحديث، انتفضت مايا من مقعدها بارتباكٍ واضح وتلعثمت قائلة لتدارك الموقف: -خليني أطلع له أنا يا طنط. أوقفتها بإشارة حاسمة من يدها لتلزم مكانها، وقالت ببرود جاف: -خليكِ مكانك يا “مايا”. ثم التفتت إلى الحارس، وتابعت بنبرة يملؤها الكبرياء والتعالي: -هو مين ده أصلاً علشان نتنازل ونطلع نقابله؟ اطلع قوله الهانم مش موجودة.
كررت مايا محاولتها بإلحاحٍ، والقلق ينهش صدرها بينما يدفعها الفضول لمعرفة هوية هذا الزائر: -خليني أطلع أشوفه مين ده وعاوز إيه. أشاحت راندا بوجهها معترضة، وقالت بضجرٍ واستعلاء: -هيكون مين يعني، تلاقيه واحد كحيان وعارف إن بابا نهلة غني، قال لنفسه أروح له وأطلب منه قرشين مساعدة. تابعت حديثها المستهزئ، بينما قفزت إلى مخيلتها تفاصيل ما حدث قبل عامًا من الآن:
-نفس اللي حصل من كام شهر، لما جت بنت وطلبت تقابل منير باشا، وبردوا قالت إنها صديقة نهلة بالكلية واسترسلت حديثها والنفور يبدو جلياً على محياها: –ولما دخلناها عملت علينا فيلم وقعدت تعيط وتحكي لنا عن قد إيه حياتها صعبة، وفي الآخر طلبت مساعدة. وحسمت الحديث بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش: -علشان كده مش لازم نفتح بابنا للناس دي خالص يا مايا، وإلا مش هنخلص من جو الشحاتة ده. ثم أشارت للحارس بطرف إصبعها في حركة متعالية متعجرفة:
-اطلع مشيه بسرعة قبل ما الباشا يوصل. خارج الأسوار، كان يقف مترقبًا، ما إن لمح الحارس يتقدم نحوه بخطواتٍ سريعة حتى سرت بداخله نشوة عارمة، واجتاحه شعورًا جارفًا بأن بينه وبين سحق أحلام غريمه والانتصار عليه خطوة، خطوة واحدة لا غير. لم ينتظر أن يأذن له الحارس بالعبور، بل بادر بخطواته نحو الداخل بقلبٍ تملؤه اللهفة، وقبل أن تطأ قدمه عتبة البوابة الحديدية للقصر، استوقفته يد الحارس، وبصوتٍ يملؤه الاستهجان هتف قائلاً:
-وقف يا جدع انتَ، أنت فاكرها وكالة من غير بواب ولا إيه؟ تسمر في مكانه ثم عقد حاجبيه بذهول شديد وهو ينظر إليه متسائلاً: -هي الهانم مش قالت لك تدخلني؟ لوح الرجل بيده في الهواء بلا مبالاة واضحة، وحرك رأسه تعبيرًا عن ضجره: -لا يا سيدي، الهانم مش موجودة أصلاً. -يعني إيه مش موجودة؟ أنت مش قايل لي بنفسك من شوية إنها جوه؟! تأفف الحارس في تبرمٍ واضح، بعد أن استنزف ذلك اللحوح ما تبقى لديه من صبرٍ:
-طلعت غلطان يا سيدي، الست خرجت وأنا كنت ناسي. تنهد يحيى في مرارة وقد تسلل الشك إلى وجدانه، فأدرك بدهائه أن المرأة لا ترغب في رؤيته، لكن الإستسلام لم يكن خيارًا مطروحًا لدى قاموسهُ، فالمعركة التي يخوضها تمس روحهُ، والتراجع الآن بات مستحيلاً، تمسك بآخر أمل لديه، وتحدث بنبرة يملؤها الرجاء والاستماتة: –أنا عارف إنها جوه ومش حابة تقابل حد، بس لو سمحت، قول لها إني عاوزها في موضوع مهم جداً، موضوع يخص مستقبل بنتها نهلة.
وكأنه كلماته لم تمر على مسامع الحارس، بل زادته حدة واستنكارًا، رغبةً منه في إنهاء الموقف سريعًا، خشيةً من غضب تلك الـ”راندا”،لذا صاح في وجهه بحدة: -إنتَ مابتفهمش يا جدع أنت؟! وتابع وهو يتلفت حوله بدهشةٍ واستنكار: –أقول له الست مش موجودة، يقول لي قول لها ماعرفش إيه.
تنهد يحيى بعمق، وأدرك أن هذا الباب قد أُغلق تمامًا في وجهه، وأن ذلك الحارس الأحمق لن يسمح له بالمرور خطوة واحدة للأمام، فتراجع معلنًا انسحابه المؤقت، لكن شرارات التحدي في عينيه كانت توحي بنهايةً آخرى، سيرحل الآن، لكنه سيعود حتمًا لاستكمال ما بدأه، فلن يترك ذلك الرشيد يتنعمُ في عشق تلك الثرية،ويغرق في ثروة عائلتها الطائلة. _مرّ أسبوعها الأول في المدرسة بسلام، كانت تجلس بصفها، حتى صدح صوت الإعلان عن الاستراحة
(جرس الفسحة) ، اندفعت برفقة صديقتها “ندى” نحو سورًا قصيرًا يقع في زاوية الفناء، جلستا معًا وبدأتا في تناول شطائرهما بهدوءٍ وتبادل الأحاديث الشيقة. التفتت ندى إليها وقالت بنبرة هادئة: -تعرفي إن أنا كمان كنت في السعودية أنا وأهلي. اتسعت عيناها دهشةً ممتزجةً بلهفة حارة وهي تسألها: -بجد؟! هزت رأسها بابتسامة مؤكدة، ثم استرسلت وعيناها تتآملان الغيوم في السماء:
-بس إحنا نزلنا وانا في أولى إعدادي، أصل بابا من النوع اللي مبيقدرش يبعد عن تراب بلده ارتسمت ابتسامة طفيفة على جانب شفتها،وتابعت مسترسلة: -هو دايمًا يقول لنا كده، ده غير إنه بيحب تيتا جداً ومستحملش يبعد عنها غير أربع سنين، ورجعنا على طول.
قطع حبل حديثهما الناعم مرور “فاتن” برفقة فتاتين من زميلاتها، لم يكن مرور فاتن سالمًا،فقد رمت دليلة بنظرة حادة مغلفة بغلٍ غامض، جعل الفتاة تشعر بغصة في حلقها فابتلعت ريقها بصعوبة،هي تكره المواجهات وتلوذ بالسلام دائمًا، لاحظت ندى هذا الارتباك، فسألتها بفضول واهتمام: -فاتن عملت لك حاجة امبارح وأنا غايبة؟ هزت رأسها نفيًا، وحاولت تغيير مجرى الحوار بسؤالٍ سريع: –هو انتِ غيبتي ليه امبارح؟ ردت وهي تقطم شطيرتها بعفوية:
-خالتو كانت تعبانة وماما راحت معاها عند الدكتور، وطلبت مني أغيب علشان أعمل الغدا لبابا واخواتي. تفهمت وتابعتا حديثهما،ومع نهاية اليوم الدراسي، عادت إلى بيتها برفقة والدها، لتجد والدتها “منى” قد عادت من العمل وقامت بتجهيز غداءًا شهي، جلسوا جميعًا حول المائدة، وبدأوا بتناول الطعام بهدوء، قبل أن تتحدث منى إلى ابنتها: -بعد ما تاكلي إلحقي نامي لك شوية، علشان هنخرج قبل المغرب نشتري لك فستان لفرح بنت عمك.
انتفض قلب الفتاة إبتهاجًا كطفلة، ولمعت عيناها وهي تسأل بلهفة: -هي “لبنى” هتتجوز امتى يا ماما؟ أجابتها برتابة: -الخميس الجاي إن شاءالله. صفقت بيديها كطفلةٍ في السابعة من عمرها، وخرجت حروفها راقصة من شدة سعادتها: -يعني هنسافر المنصورة الأسبوع الجاي. قاطعها والدها ليصوب لها المعلومة قائلاً: -الفرح هيتعمل في فندق في القاهرة يا دليلة. تسلل الإحباط إلى ملامحها وزالت ابتسامتها،ليقطع ذلك الصمت شقيقها قائلًا بتذمر:
-وأنا عاوز بدلة للفرح يا بابا. ردت عليه منى بنبرة عملية: -بدلتك بتاعت فرح “علي” لسه جديدة يا أحمد. حرك كتفيه بضيق وهو ينظر إلى شقيقته وقال باعتراض: -طب ما دليلة هي كمان عندها فستان فرح علي التفتت الأم نحو ابنتها، وتأملت بعينين حانيتين معالمَ الأنوثة النامية التي بدأت تشكل جسدها، ثم قالت بهدوءٍ يفيض بالسكينة: -البنت غير الولد يا حبيبي، البدل كلها زي بعض، لكن الفساتين ألوان وأشكال كتير، وبعدين فستان فرح”علي” صغر عليها.
ثم نظرت إلى زوجها وتابعت برجاء لطيف: -عاوزين نبقى ناخدها في يوم ونشتري لها لبس بدل اللي صغر عليها يا صادق. أومأ برأسه ليجيبها بصوته الرخيم: -حاضر يا حبيبتي، سيبيني بس لحد ما فرح بنت محمد يعدي على خير، وبعدها هعمل لك كل اللي انتِ عاوزاه.
_جلس الثلاثة في ركنٍ هادئ من الكافتيريا، تنتشر من حولهم رائحة القهوة الزكية،كانت تتوسط حبيبها وصديقهما سامر، يتبادلون أطراف الحديث في تناغم تام،وفجأة.دخل يحيى المكان، وألقى عليهم نظرة مليئةً بالغضب والحقد لينشر التوتر بمجرد ظهوره، ثم انصرف ليجلس وحيداً على طاولة أخرى، متجرعاً قهوته بمفرده بعد أن نبذه الجميع بسبب تصرفاته السابقة.لاحظت نهلة نظرات يحيى المليئة بالغل تجاه رشيد، تنهدت وسألته:
-هو اللي اسمه يحيى ده بيبص لك كده ليه؟ لم يعره اهتماماً ورد بلا مبالاة: -سيبك منه. التفتت نهلة إليهما، ثم سألتهما بفضولٍ بدا واضحًا في عينيها: -مش ناويين تقولوا لي إيه اللي حصل في الغردقة؟ وليه سيبتوا الشغل كلكم ونزلتوا؟ رد سامر متصنعاً الهدوء: -ولا حصل أي حاجة، ما ارتاحناش في الشغل ونظامه ما عجبناش. رفعت كتفيها مستسلمةً، ثم رمقت ساعتها بنظرةٍ خاطفة وقالت بعجلة: -أنا لازم أتحرك حالاً، عندي محاضرة مهمة وضروري أحضرها.
التفتت إلى رشيد واستطردت: -هشوفك بعد الكلية يا رشيد. هز رأسه نافياً: -مش هينفع يا نهلة، ماما مستنياني في البيت عشان أوديها عند خالتي. تأثر وجهها بالإحباط، ثم قالت: -خلاص، هستنى مكالمتك بالليل. ثم أردفت مبتسمةً، ونظرات الغرام تلوح في عينيها: -على ميعادنا. ابتسم رغم الهموم التي تثقل كاهله، وبادلها النظرات بعشق مماثل،وهو يقول مؤكدًا: -على ميعادنا.
استدارت لترحل، وفي طريقها نحو الباب، التقت عيناها بذلك الذي كان يتابع خطواتها بابتسامة ساخرة، واجهت تهكمه بنظرة حادة كالنصل، ومضت في طريقها. لمح سامر علامات الهم ترتسم على وجه صديقه،فسأله باهتمامٍ: -مالك يا رشيد؟ زفر بضيق وأجابه والغضب يقفزُ من عيناه: -متضايق يا سامر، مش طايق أشوف الواد ده قدامي، حاسس إني ما أخدتش حقي منه بالصورة اللي ترضيني. ربت على كتفه بحنوٍ محاولاً امتصاص غضبه، وقال:
-سيبك منه، اللي اسمه يحيى ده بني آدم حقير وما بيجيش من وراه إلا المشاكل والخراب. ثم تابع بنبرة تفيض تفاؤلاً، ساعياً إلى بث السكينةً في قلب صديقه المتعب: -إحنا فاضل لنا سنة ما فيش غيرها يا رشيد، خلينا نكملها على خير عشان نطلع نشوف مستقبلنا،ونفرح قلوب اهالينا بحصاد تعبهم وشقاهم اللي صرفوه علينا. استوعب كلمات صديقه وأدرك صواب رأيه، فأجابه بنبرة هادئة:
-أنت صح، إحنا فعلا لازم نبص لـ مستقبلنا ونسيبنا من أي حاجة ممكن تعطلنا عن الوصول لـ حلمنا. _مر الإسبوع سريعًا، وجاء موعد الزفاف
داخل إحدى قاعات الأفراح المتواجدة بمحافظة القاهرة، حيث زفاف إبنة الدكتور”محمد بدران”، حضرت جميع العائلة من المنصورة لحضور الحفل، كانت تلك الجميلة تتحرك بين الجميع منطلقة بثوبها الأبيض المنفوش وكأنها سندريلا، صوبت جميع النظرات باتجاهها منبهرة،فقد كبرت الفتاة وأصبحت شابة فائقة الجمال،حتى أن المعظم لم يتعرف عليها بباديء الأمر لتغيير ملامحها الطفولية،من يراها للوهلة الاولى يعتقدها شابة بالثامنة عشر من عمرها لا بالرابعة عشر،فقد ظهرت عليها علامات الإنوثة وأصبحت جميلة حقًا،وكل هذا حدث بشهران فقط
وقفت بجوار والدها وعمها وهما يتحدثان في بعض الأمور المتعلقة بهما كشقيقان، انضم إليهما”علي”وتحدث إليهما لبعض الوقت، ثم حول بصره وتطلع على تلك الصغيرة التي تحولت لشابة بين ليلةً وضحاها،ملس على شعر رأسها وحدثها كعادته معها بملاطفة: -إيه الجمال ده كله يا”دليلة”،دا احنا كبرنا أهو وبقينا عرايس ما شاءالله. لطالما رأته شقيقها الأكبر بل في مقام والدها، تبسمت وهي تطالعهُ بدلالٍ لتقول: -ميرسي يا أبيه،عيونك اللي حلوة.
-الدور عليك يا” صادق”،يلا شد حيلك…جملة نطقها” محمد”ممازحًا شقيقه ،مشيرًا برأسه قاصدًا الصغيرة، طالعها والدها بفخرٍ وسعادة،ثم جذبها عليه وشدد من ضمتها مغمغمًا بانتشاء: -لسه بدري على الكلام ده يا “محمد”،”دليلة” مشوارها لسه طويل مع التعليم، إن شاءالله هتدخل كلية الطب وتبقى الدكتورة “دليلة صادق بدران” تعمق بنظراته داخل عينيها العسليتين وسألها مؤكدًا: -مش كدا ولا إيه يا دكتورة “دليلة”
-إن شاءالله يا بابا…قالتها برقة ثم استدارت إلى “علي” لتسألهُ: -هي أبلة “داليا” فين يا أبيه؟ ، دورت عليها كتير ملقتهاش دار بعينيه داخل القاعة ليلمحها تقف بجوار بعض نساء وفتيات العائلة، ليشير إليها وهو يقول: -واقفة هناك مع بنات العيلة،تعالي نروح لها مع بعض -إتقل يا ابني متبقاش خفيف كدا…جملة نطقها “صادق”لاطف بها ابن شقيقته،ليرد معلقًا بابتسامة مشرقة: -عريس جديد ولسه المشاعر جياشة بقى يا خالي
تعالت ضحكات الرجلين في أرجاء المكان، قبل أن يقطعها” محمد” بنبرة مشاكسة وغمزة من عينه قائلاً: -بكرة يخلص شهر العسل وتفوق من غفوة المشاعر يا حبيبي، وساعتها هتدخل في الصف جنب اخواتك البؤساء. تعالت ضحكاته إثر دعابات خاله، ثم خطى برفقة ابنة خاله، انتبهت داليا لقدومهما، فاستأذنت من فتيات العائلة لتستقبلهما، واحتضنت الفتاة بحفاوة بالغة متذكرة لقاءهما الوحيد في حفل زفافهما قبل شهرين، نظرت إلى حسنها ونطقت باندهاشٍ:
-إيه الجمال ده كله يا “دليلة”،لحقتي تتغيري بالسرعة دي إمتى يا بنتي؟ لتتابع مسترسلة بابتسامة لطيفة: -بقيتي قمر وأنسة تخطف العين. تبسمت على استحياء، بينما تحدث “علي”بحماسٍ زائد: -لسه قايل لها نفس الكلام ده حالاً يا حبيبتي وتابع غامرًا الفتاة بلطفهِ: –ماشاء الله كبرت واتغيرت كتير في شهرين. تفاقم شعورها بالحياء حتى تلونت وجنتاها بحمرة الخجل، وارتجف جسدها حين جذب” علي” عروسه، ثم طوق خصرها بذراعه مائلاً برأسه
ليهمس لها بنبرة دافئة: -وحشتيني الحبة دول. انسحبت سريعًا دون أن تنبس ببنت شفة،تاركةً للعروسين مساحة يتبادلان فيها كلمات الغزل والهيام.
استمرت أجواء الحفل وافتتحت مائدة الطعام، فالتف المدعوون حولها ينتقون ما يشتهون من أصنافٍ شهية، ملأت صحنها ببعض المأكولات، ثم اتجهت نحو الطاولة العائلية التي جمعت والديها، عماتها، جدتها لأبيها، وعمها الوحيد، لتجلس بينهم وتشاركهم الطعام، بدأت تتناول طعامها بتلذذٍ واستماع بدا جليًا على ملامحها الرقيقة. طالعتها” فاطمة”، ثم غمغمت بنبرة حملت الرجاء، خشية أن ينفد الطعام قبل وصول نجلها الأقرب إلى قلبها:
-معلش يا” دليلة” يا حبيبتي، بعد اذنك تقومي تعملي لي طبق لـ “أشرف”، خايفة للبوفية يخلص قبل ما ييجي وما يتعشاش يا قلب أمه. قاطعها شقيقها”محمد ” ليقول برزانة: -خلي البنت تاكل يا فيفي، وأنا هخلي الويتر يعمل له طبق محترم. نهضت الفتاة بقامتها الممشوقة، وغمغمت بخجلٍ زادها عذوبة وجاذبية: -لا يا عمو أنا شبعت خلاص، هروح أعمل الطبق حالاً انصرفت نحو البوفية لينطق الرجل بلومٍ وهو يتطلعُ إلى شقيقته:
-كده كسفتي البنت يا “فيفي”، أهي سابت طبقها وقامت من غير ما تكمل أكلها -ما تقلقش يا”محمد”، لما ترجع هخليها تكمل طبقها.
عادت الفتاة وهي تحمل بين كفيها صحنًا كبيرًا محملاً بجميع الأصناف المتواجدة فوق المائدة،جلست تُكمل طعامها بعد إصرار عمتها ووالدها، وأخيرًا حضر” أشرف”،أطل بهيئته التي تخطف الأنفاس، وقف بقامته الفارهة يتلفت بعينيه الخضراوين الساحرتين بحثاً عن عائلته، تنفس الصعداء بارتياح حين وقعت عيناه على مكانهم، فتحرك صوب المائدة بخطى واثقة، ألقى التحية على الجميع وبدأ يصافحهم واحداً تلو الآخر، حتى تجمد مكانة وانتفض قلبه بشدة، اتسعت عيناه بذهول وهو يمعن النظر فيما يراه، غير مستوعبٍ للمفاجأة، أهذه الفتاة الساحرة، المكتملة الأنوثة، هي”دليلة” ذاتها؟
تلك الطفلة التي كانت بالأمس القريب تركض حوله بضفائرها المجدولة! تنهد واسترسل في مناجاة نفسه، وعيناه لا تزالان معلقتين بها بنظرات يملؤها الذهول والانبهار: –يا لكِ من ساحرة مُبهرة يا فتاة،من أين لك كل هذا السحر والدلال؟! ، ومتى اكتمل قمركِ لتصبحي مهلكة بهذا الشكل الطاغي ! ثم تحمحم ليجلي بحة ذهوله، وتحدث بنبرة دافئة كشفت دون قصد عن مكنون قلبه: -إزيك يا “دليلة” رفعت عينيها لتنطق بابتسامة برغم برائتها
إلا أنها أسرت بها فؤاده: -الحمدلله يا “أشرف”. -إقعد كُل يا حبيبي، دي “دليلة” لسة جايبة لك طبق الأكل بتاعك حالاً… قالتها والدته لينظر هو إليها وينطق بنبرة أظهرت كم ارتباكه الممتزج بنظرات الإعجاب: -تسلم اديها ارتبكت الفتاة من نظرات إبن عمتها الذي طالما رأتهُ شقيقها الأكبر، جلس مجاورًا لها لينطق هامسًا بجانب أذنها: -على فكرة يا “دليلة” طالعته لتنتظر تكملة حديثهُ، ليتابع هو بحديثٍ حُلو جعل من جسدها منتفضًا:
-إنتِ إحلويتي أوي. تحمحمت بخجلٍ ليتابع هو مسترسلاً بوميض عينيه: -لدرجة إن أنا معرفتكيش أول ما شوفتك وتابع هامسًا بنبرة تقطرُ إعجابًا: -بقيتي أجمل بنت في العيلة كلها. -ميرسي يا “أشرف”… قالتها بارتباكٍ وهي تشيحُ بنظراتها بعيدًا عن نظراته، انقذتها كلمات عمتها حين تحدثت إليها: -ماتعملي لي طبق حلويات يا” دليلة”، حاسة إن السكر نازل في جسمي
-حاضر يا طنط… هبت واقفة وتحركت سريعًا تحت نظرات ذاك الذي رافقها بعينيه، وقفت أمام الطاولة لتنتقي بعض أصناف الحلوى المفضلة لدى عمتها فوجدت ذلك الذي لحق بها متعللاً بتحضير صحنًا من الحلوى له هو الأخر، نطق بصوت هاديء: -عاملة إية في دراستك؟ أجابته بلا مبالاة: -الحمدلله كويسة. سألها من جديد ليفسح مجالاً بخلق حديثًا بينهما: -قدرتي تتأقلمي مع مدرستك وعلى العيشة في مصر؟ ولا لسه اجواء السعودية مسيطرة عليكِ؟ ابتسمت لتجيبهُ
بمرحها المعهود: -إتأقلمت طبعًا، وبعدين انا مكنتش مرتاحة في السعودية أصلاً، العيشة هناك خنيقة وطول الوقت حبسة في البيت، مكنتش بخرج تقريباً غير للمدرسة -كده زعلتيني على فكرة…نطقها بحزنٍ مصطنع لتقطب جبينها وتسألهُ متعجبة: -وانتَ إيه اللي يزعلك ؟ نطق مفسرًا كلماته: -اصلي مقرر أول ما أخلص جيش هسافر السعودية وهستقر هناك ضيقت بين عينيها وتابعت بكثيرًا من الاستغراب:
-مش فاهمة،أنا مالي بحاجة زي كده، وإيه اللي يزعلك في إني أرتاح في العيشة جوة بلدي؟! -خلي كل حاجة في وقتها يا “دليلة”، كل شيء في وقته حلو.
لم تفهم مقصده وما يعنيه لشدة برائتها وصغر سنها، وكيف لقلبها الغارق في البراءة أن يُدرك مكنون تلميحاته العميقة، تبسمت وهي تهز رأسها بهدوء، ثم تركته وتحركت عائدة للطاولة تحت تشييعهُ لرحيلها بقلبٍ مهتاجًا بمشاعره الفياضة، بعد قليل تحرك العروسان إلى ساحة الرقص المخصصة، لتبدأ رقصتهما الأولى معًا بسعادة غمرت روحيهما، لتسعد قلوب الجميع لأجليهما، التفوا حولهما يصفقون ويراقبون سعادتهما بقلوبٍ ترفرفُ من شدة الفرح، انتهت الرقصة
لتبدأ أخرى وقد اصطحب كل زوجًا زوجته كي يتشارك الرقصة، وقف يصفق بيداه بينما عينيه تراقب جميلته التي استطاعت خطف لُبهِ بجمالها الأسر، كانت تضحك بسعادة وتصفق تشجيعًا للعروس، وأثناء تجولها لما حولها لمحت عينيه المثبتة عليها بتركيزٍ وتمعنًا شديد، ارتبكت وارتجف جسدها لتهرب سريعًا بعينيها وتثبتهما فوق العروس،لم يمضي وقتًا كبير حتى استمعت إلى
همسه بعدما جاورها الوقوف: -عقبالك -ميرسي…قالتها برقة متهربة بعينيها ليهمس مرةً أخرى بما جعل رجفة الخوف تسري بكامل جسدها: -هتبقي أجمل عروسة يا” دليلة”،و يومها هبقى أسعد إنسان على وجه الأرض. طالعته بعدم استيعاب لجملته الأخيرة، بينما كان هو غارقاً في تأملها، فلطالما كنّ لتلك الصغيرة في أعماق قلبه مشاعر لم يدرك يوماً مصدرها، لكنه تيقن الآن أنها لم تكن سوى بوادر عشق يوشك أن يكون جارفاً.
وقبل أن تفيق من دهشتها وتسأله عن مقصده، فاجأهما حضور والدتها التي كانت تبحث عنها بقلق وسط الزحام، ونطقت بنبرة مستاءة يغلفها الخوف على صغيرتها: -إنتِ فين يا “دليلة”، عمالة أتلفت عليكِ مش لاقياكي إتسعت ابتسامتها الجميلة وغمغمت برقة: -أنا واقفة بتفرج على العروسة أمسكت بكفها لتقول: -طب يلا إقعدي معايا على التربيزة علشان بابا ميقلقش عليكِ
راقب حديث زوجة خاله بقلبٍ ينتفض رعبًا لمغادرتها وتركه وحيدًا دون طلتها المهلكة، هتف قبل أن تتحرك الفتاة بجوار أمها،بصوتٍ متحشرج غلفته اللهفة: -خليها يا طنط وأنا هاخد بالي منها طالعته قبل أن تنطق بتوجسٍ: -خايفة عليها من الزحمة يا” أشرف”، إنتِ عارف “دليلة”، طول عمرها عايشة برة مصر ومش واخدة على زحمة الأماكن، خايفة تطلع برة الفندق وتتوه
-عمرها ما هتوه وهي معايا… جملة تشعُ غرامًا نطقها متعمقًا في عسليتاي تلك الصغيرة التي استحوذت على كيانه بالكامل منذ أن رأها اليوم،ثم عاد لوعيه لينظر إلى المرأة،ليحمد الله أنها لم ترى تلك المشاعر لانشغالها بمراقبة صغيرها الجالس بجوار والده، تحمحم سريعًا وهو يقول كي لا يلفت انتباهها لفيض مشاعره: -اطمني حضرتك وروحي ارتاحي جنب خالو.
لطالما كانت جوهرتهما الثمينة هي وأبيها ، لذا لم يحصل وأن جازفت لتركها وحيدة تواجه المخاطر،لذا أكدت عليه كي يطمئن قلبها: -خلي بالك منها يا” أشرف”، دي أمانة. -وأنا قدها يا طنط…سرى صوته الحماسي في أوصالها فبث في قلبها البهجة، لتندفع هاتفة بكلمات الشكر، بينما السعادة تفيض من عينيها إثر اضطرار والدتها للمغادرة: -ميرسي بجد يا “أشرف”، كنت خايفة لماما تاخدني تقعدني جنبها، وأنا عاوزة اتفرج على العروسة ورقصها.
باغتها بسؤالاً اربكها وجعل الدهشة تصيبها وهي تراه للمرة الأولى بهذه الجرأة،سرعان ما سيطر عليها الخجل واتخذ مكان الدهشة: –بتعرفي ترقصي زيها؟
ابتعدت بعينيها سريعًا عنه لتسلطها على العروس متجاهلة سؤاله الغير لائق والذي تعدى به كل حدود الأدب والأخلاق واللباقة، اعتراهُ شعورًا بالندم لتسرعه بهذا السؤال، حزن وما زاد من لعنته لحاله هو نفورها وابتعادها عنه، لتنضم إلى بعض فتيات العائلة من بنات عماتها اللواتي أنضموا إلى دائرة العروس للتو، ظل يراقبها وهي تتحدث معهن وتضحك برقة ممتزجة بحماسٍ وانبهار بتلك الأجواء التي حُرمت عليها في السعودية وابتعادها عن الأجواء الأسرية.
وبلحظة اشتعل قلبه من وهج الغيرة بعدما رأى “شهاب” يتقرب منها ويهمس لها، ما زاد من وهج ناره هي ضحكاتها التي جعلت منها ايقونة في الجمال، تنافرت عروق جسده بالكامل وتملكت منه الغيرة على صغيرته،ما كان منه سوى الانسياق خلف مشاعره،تحرك إليها وجذبها بعنفٍ خارج عن إرادته،ارتعب داخلها وهي تراه يقبض على رسغها بقوة هاتفًا بصوتٍ مرتفع ممتلئًا بالحدة: -يلا علشان طنط بتنده عليكِ.
شبت بعنقها تتفقد مكان والدتها للتأكد فبادر بحدة وهو يرى نظرات “شهاب”المعجبة إليها : -يلااااا. انقادت معه دون اعتراض،أعمت الغيرة بصيرته حتى أنه لم ينتبه لقبضة كفه العنيفة حيث اوجعتها، لتهتف وهي تجذب رسغها في محاولة للفكاك من براثن ذاك الغاضب: -حوش إيدك عني، إنتَ بتوجعني. استعاد وعيه منتبهًا وقد اعتصر قلبهُ ألمًا حين رأى اكفهرار وجهها من جراء قبضته الحديدية، أرخى كفه سريعًا وتحدث متلهفًا: -أنا آسف، والله ما اخدت بالي
طالعته بحدة وأعين يقفز منهما شرارات الغضب لتهتف موبخة: -إنتِ بني أدم سخيف. انطلقت باتجاه والديها غاضبة بعدما ألقت عليه جملتها التي جعلته يغضب من حاله قبلها،تنهد مستسلمًا لتجاور هي والدها بوجهٍ عابس، وقد ربعت ساعديها فوق صدرها بحنقٍ ليسألها متعجبًا: -مالك يا حبيبتي، فيه حد ضايقك؟ تطلعت على ذلك السخيف الذي مازال مثبتًا نظراته عليها ليميل برأسه معتذرًا بعينيه عما فعلهُ دون قصد،
تتيقن جيدًا مدى احترام وحب والدها لابن عمتها وما يكنه له داخل قلبه من حب شديد، لذا هتفت نافيةً لتفادي وقوع أي مشاجرة بسببها: -مفيش يا بابا حاوط كتفها بذراعه وسألها بابتسامة حنون: -طب مكشرة ليه ؟ زفرت قبل أن تقول: -مفيش، زهقت وعاوزة أروح. مال على جبهتها واضعًا قبلة حنون وهو يقول بملاطفة: -كلها نص ساعة والفرح هيخلص ونروح بيتنا. أومأت بهدوء لتستمع إلى صوت عمتها” فاطمة” التي أرادت مشاكستها:
-مالك يا “دليلة”، إوعي تكوني زعلانة علشان هنبات عندكم ونزحم لكم البيت. بلحظة تناست ما أحزنها، لتهتف بسعادة تجلت بنظراتها: -دي أحلى حاجة بسطتني من الفرح كله يا طنط عقبت” عايدة” مستنكرة: -يادي طنط اللي طالعة لنا فيها يا بنت “صادق”، مش قولنا لك ألف مرة بلاش كلمة طنط وقولي يا عمتو؟ حولت بصرها إلى والدتها مستنجدة لتنطق الأم معترضة بطريقة مهذبة:
-إنتِ قديمة أوي يا” عايدة”، الناس بطلت كلمة عمتو دي من التمانينات، وانتِ لسه ماسكة لنا فيها. رمقتها والدة زوجها “رُقية” بازدراءٍ لتهتف مستنكرة بحدة: -سيبنا التمدن والاتيكيت ليكِ انتِ وسلفتك يا حبيبتي،خليكِ في تربيتك بتاعت مصر وسيبي بنتنا في حالها، وخليها تنطق زي أهل أبوها. وتابعت بطريقة فظة خالية من الود: -عماتها ومش عاجبهم كلمة طنط،هما أحرار يا ستي،على أخر الزمن هتمشي كلامك علينا ؟!
-جرى إيه يا ماما، “منى” مغلطتش لكلام حضرتك ده كله…كلمات دافع بها “صادق” عن رفيقة دربه المهذبة لتسانده شقيقته الكبرى”فاطمة” كما تفعل دومًا وهي تقول: -ملناش دعوة يا ماما، “منى” من حقها تربي ولادها بالطريقة اللي هي شيفاها صح. واستطردت في حديثها ملتفتة نحو الفتاة التي انزوت بحزن شديد، بعد أن نهشها شعور الذنب إثر الشجار العائلي الذي اندلع بسببها:
-وبعدين “دليلة” تقول اللي هي عوزاه، أي حاجة بتطلع من بقها عسل، وبتحلي أي كلام لم ينل حديثها رضا “رقية”التي لوت فاهها متبرمة من حديث نجلتها، بينما اتسعت ابتسامت الفتاة، شكر” صادق” شقيقته بعينيه على مساندتها وتلطيف الأجواء،مالت “فاطمة” على شقيقتها الصغرى لتهمس بغيظ: -بطلي تولعي الدنيا بين ماما ومرات أخوكِ بكلامك ده يا “عايدة”،من غير حاجة ماما مبتطقش لا ” منى”ولا سوزان،فبلاش تيجي منك. عقبت متبرمة باستهجان:
-وانا كنت اتكلمت ولا فتحت بقي يا فيفي. انتهى حفل الزفاف وانتقلت والدة وشقيقات “صادق” وأنجالهم إلى منزله بذلك الحي الراقي، بينما غادر أزواجهن ليعودوا إلى مدينة المنصورة. بينما كانت تجلب لها دورقاً من المياه من المطبخ لتصعد به إلى غرفتها، لم تكد تخطو درجتين من السلم حتى تجمدت مكانها إثر صوتٍ هادئ استوقفها: -“دليلة” زفرت بحدة قبل أن تلتفت إليه وهي تقول بعصبية مفرطة، تعود لمعاملته القاسية معها والغير مبررة: -افندم
-أنا آسف…قالها بأعين يقفز الندم من بينهما ليتابع مسترسلاً بنبراتٍ ناعمة حد الهيام: -والله العظيم كان غصب عني. بسرعة البرق تغيرت ملامحها من غاضبة حادة لهادئة مبتسمة بفضل نقاء قلبها البريء وصغر سنها، غمغمت بنبرة حنون: -خلاص أنا مسمحاك وأشارت محذرة بلطافة: –بس اودعدني متعملش كده تاني. -اللي هو إيه؟! .. نطقها بلؤمٍ لتجيبه ببرائة: -إنك تمسك ايدي وتوجعني بالشكل ده
-حاضر… قالها بوداعة لتنطق بابتسامة جعلت من قلبه يتراقصُ فرحًا: -تصبح على خير يا “أشرف” نطقت جملتها ثم صعدت الدرج سريعًا غير مبالية بما فعلت ابتسامتها البريئة في قلب ذلك الذي إلتزم الصمت حتى غابت عن عينيه،ليهمس لحاله بولهٍ أشعل لهيب صدره وزاد من هيام قلبه المغرم: -وانتِ من أهله يا نور عيون “أشرف”
_في الحديقة الخارجية، كان الهدوء يهم المكان، جلست رقية محاطة ببناتها، فاطمة، وعايدة، وأماني، وجاورها “صادق”، اتجهت الأنظار إلى منى التي خرجت من باب المنزل الداخلي، تتقدم بخطواتها المتزنة وتحمل بين يديها صينية حافلة بفناجين القهوة الساخنة التي تفوح رائحتها، ما إن اقتربت منهن، حتى تحاملت رقية على نفسها، واستندت إلى ذراعي المقعد لتنهض بتثاقلٍ، ثم التفتت نحو ابنتها قائلة:
-تعالي يا فاطمة وصليني الأوضة اللي هنام فيها، جسمي كله مدغدغ . وضعت منى الصينية على الطاولة برفق، ونظرت إليها بملامح تكسوها الدهشة: -رايحة فين يا طنط؟ ده أنا عاملة حسابك في القهوة. أجابتها بوهن وصوتٍ خفيض: -لا قهوة إيه، القهوة تسهرني طول الليل، وأنا جسمي واجعني وعاوزة أنام، دانا من الصبح ما قعدتش ولا فردت ضهري دقيقة واحدة. نهض صادق واقترب يحاوط كتفيها بذراعه، وسندها بحنو وهو يقول:
-تعالي يا حبيبتي أنا هوصلك لحد أوضتك بنفسي. والتفت لشقيقته متابعًا: -خليكِ مرتاحة إنتِ يا أبلة. تحركت رقية معه بخطوات بطيئة حتى اختفيا داخل المنزل، بدأت منى بتقديم الفناجين إليهن بابتسامة بشوشة، وقالت بنبرة رقيقة: -فيه حد جعان يا جماعة؟ في جِبن جوه ولانشون وبيض وبسطرمة، لو تحبوا أجهز لكم عشا سريع؟ لوحت فاطمة بيدها وهي تتكئ بظهرها للخلف: -أنا عن نفسي مش قادرة آكل أي حاجة خالص وتابعت باستحسان:
–بصراحة الأكل كان حلو أوي في الأوتيل وأكلت لما شبعت. أيدت أماني كلماتها برأسها، بينما لم تفوت عايدة الفرصة لتطلق ضحكة خفيفة علقت بها: –أنا بصراحة ما كنتش فاكرة الأكل هيبقى حلو ونضيف كده، أنا قلت محمد أخويا هيكروتنا في الأكل وهيسترخص. ضحكت فاطمة من قلبها وغمزت لها قائلة بتهكمٍ مرح: -ما هو الفرح على العريس يا ذكية، لولا كده كانت سوزان عملت لنا سندوتشات جبنة رومي وحتة جاتوه من عربية الحلواني اللي على ناصية شارع أمها.
انطلقت ضحكاتهن الصاخبة لتكسر صمت الليل، حتى منى ضحكت على استحياء بفضل حديثهن. عاد صادق بعد قليل، وجاورهن الجلوس من جديد، تطلع حوله وقال مستفسرًا بنظراته: -أمال علي وداليا فين؟ مش باينين يعني. أشارت منى بسبابتها نحو الطابق الثاني، ذلك الجزء المنفصل بسلالم خارجية بعيدة عن مدخل البيت الرئيسي، وقالت: -علي خد مراته وطلعوا يناموا فوق. عقد حاجبيه وتحدث بابتسامة مستغربة: -هينام بدري كده ليه؟
ما ينزلوا يسهروا معانا شوية، دي السهرة لسه في أولها. أجابت فاطمة بنبرة تلتمس فيها العذر لنجلها: -أصلهم هيسافروا بدري يا حبيبي، عندهم شغل ومضطرين يمشوا مع الفجر. تنهدت أماني ودعت لهما بقلب صادق: -ربنا يقويهم ويديهم الصحة يا أبله. سألهم صادق مجددًا: –وأشرف فين؟ أشارت والدته نحو زاوية معتمة بجوار سور الحديقة، حيث كان يجلس وحيدًا، مستغرقًا في عالمه الخاص، يمسك بجهاز تسجيلٍ صغير جدًا، تنبعث منه ألحان أغانيه الدافئة،
وقالت باستفاضة: -عندك قاعد جنب السور في الضلمة هناك أهو،بيسمع أغاني ومش دريان بالدنيا. نظرت عايدة نحو تلك الزاوية، ولمعت عيناها بفضولٍ، ثم التفتت إلى فاطمة وقالت بخبث ممتزج بمرح: -الواد ابنك ده شكله بيحب يا فيفي. ضحكت بحنو أموي ، ودافعت عن ولدها قائلة بنفيٍ: -هيحب امتى بس يا قلب أمه؟ ده مسحول في الجيش بقاله تلات سنين،ده بييجي الأجازة بيقضيها كلها نوم، لا بيلحق يشوف حد ولا حد بيشوفه. رفعت عايدة حاجبها الأيسر بتحدٍ
وقالت بتأكيد: -طب بكرة تشوفي يا فيفي، إن ما كان بيحب وحاطط عينه على واحدة، وهيجي لك قريب ويقول لك “أنا عاوز أخطبها”، ما بقاش أنا عايدة بدران. انفجر صادق ضاحكًا، وتابع بشهامته المعهودة: –وماله؟ طب بس يشاور على أجدعها واحدة في البلد، وأنا بنفسي هروح أخطبها له، وأساعد في جهازه كمان . امتلأت عيناي فاطمة بالسعادة والامتنان، ونظرت إلى شقيقها ورددت بحبٍ جارف:
–ربنا يخليك ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منك أبدًا، طول عمرك صاحب واجب وسند. شعر برغبة في تدليل شقيقاته وإكرامهن، فنهض قائلًا بنبرة يملؤها الحماس: -طب أنا هطلع أجيب لكم عشا من بره يا بنات، شوفوا حابين تاكلوا إيه وفي ثواني هيكون عندكم. قاطعته أماني بنظراتٍ تشعُ حبًا، وقالت بنبرة ممتنة: -لسه منى عازمة علينا حالاً، وبجد مش قادرين يا صادق، الحمدلله يا حبيبي، أكلنا وشبعنا في الفرح. أصر عليهن قائلاً:
-يا بنتي المحلات بره كتير ولسه فاتحة،يعني مش هلف ولا هتعب في حاجة، شوفوا بس حابين تاكلوا إيه. ربتت فاطمة على يده بحنان ، وقالت لتنهي إصراره: –تسلم ويبارك لنا فيك يا حبيبي، صدقني لو جعانين كنا بنفسنا طلبنا منك تجيب الأكل. استسلم لرفضهن، ثم التفت نحو زوجته، وطلب منها بابتسامة دافئة: -طب قومي يا منمن افرشي لنا الترابيزة دي بشوية تسالي نقزقز فيهم وإحنا قاعدين. اتسعت ابتسامتها لتنطق قائلة بطاعة: : بس كده، من عنيا يا صادق.
تحركت بخفة ونشاط نحو الداخل، لتخرج بعد دقائق محملة بكل ما في المنزل من خيرات، أطباق التسالي، الفاكهة الطازجة، والحلويات، وراحت تفرشها أمامهن بحفاوة بالغة، وذلك لاحترامها البالغ لشقيقات زوجها الغاليات. _تحررت “دليلة” من ثوب الحفل، وبدلته إلى بيجامة صيفية ناعمة بنصف كم، ثم فردت شعرها بحركة عفوية لتتركه منثوراً على ظهرها
خرجت إلى شرفة غرفتها، ورفعت وجهها للسماء وهي تغمض عينيها وتستنشق الهواء في زفير وشهيق منتظم، لحقت بها ابنتا عمتيها “شهيرة” و”هالة”، على الجانب الآخر، أسفل الشرفة مباشرة، كان يجلس متكئاً وعيناه تراقبان شرفتها، وحين ظهرت شعر بانتفاضة عارمة هزت كيانه،لم يرى من الشرفة غيرها، كأن العالم قد خلا من البشر إلا منها.
ولجتا الفتاتين للداخل بعدما شعرا بالانهاك وحاجتهما للنوم، وتركاها وحيدة بالشرفة، خرج صوت المطربة “حنان” من مسجل الكاست الصغير بأغنيتها الشهيرة في ذاك الوقت، فبدأ يحرك شفتيه ويدندن معها بهمسٍ مسموع، وعيناه معلقتان بملامح تلك الفاتنة. تستاهل تستاهل ماكنت قاعد يا قلبي فاضي لابيك هموم ولا بيك جروح تستاهل تستاهل عملت نفسك في الحب قاضي وقلت نفسك في يوم تروح تستاهل تستاهل ماكنت قاعد يا قلبي فاضي لابيك هموم ولا بيك جروح
دلوقتي جي في عينيك دموع مفيش رجوع ده مفيش رجوع دلوقتي جي في عينيك دموع مفيش رجوع ده مفيش رجوع تستاهل ايه اللي نابك من الحب قولي غير الاهات عينيك تبات وشوق ساعات … تستاهل وخوف ساعات … تستاهل ايه اللي نابك من الحب قولي غير الاهات عينيك تبات وشوق ساعات … تستاهل وخوف ساعات … تستاهل دلوقتي جي في عينيك دموع مفيش رجوع ده مفيش رجوع
تنهد بولهٍ واستسلم قلبه لسحرها، بات يتطلعُ عليها بقلبٍ ينتفض ويثور عليه، بينما كانت صغيرته غائبة عن الواقع، شاردة في ملكوتٍ خاص بها وهي تنظر إلى النجوم، غير آبهة ببركان العشق الذي يتأجج في صدره لأجلها.
_أشرقت شمس يومًا جديد لتعلن عن واحدة من أهم المحطات في مسيرته الدراسية، إنه يوم الحفل السنوي لتكريم أوائل الجامعة والطلاب المتفوقين، كانت قاعة الاحتفالات الكبرى تتزين بالأضواء والمقاعد المخملية التي امتلأت بالطلاب وأسرهم، والجميع يترقب اللحظة التي يُتوج فيها حصاد عامًا ماضي من السهر والاجتهاد.
وسط هؤلاء المتميزين، كان يجلس،ليس كطالبًا متفوق فقط،بل بصفتة رئيسًا لاتحاد الطلاب أيضًا، جاء هذا التكريم تتويجًا للإنجازات والخدمات الهائلة التي قدمها لزملائه طوال العام الماضي، بدءًا من الأنشطة الترفيهية ورحلات السفر، وصولًا إلى المبادرات الأكاديمية التي طورت من مستواهم الدراسي وأفادتهم . جلس في الصفوف الأولى وعلامات الترقب والفخر تكسو ملامحه، يتأمل منصة التكريم الفخمة حيث يجلس رئيس الجامعة والعمداء
أعتدل رئيس الجامعة أمام مكبر الصوت، ليتحدث بنبرة وقورة هزت أرجاء القاعة قائلاً: -يسعدنا اليوم تكريم نخبة من أولادنا المتفوقين، بس قبل ما نبدأ بتوزيع الجوائز، حابب أتوجه بشكر خاص لرئيس اتحاد الطلبة على تفانيه وإخلاصه، ولما قدمه من مبادرات وأنشطة أفادت الطلبة وتطلع إلى رشيد وقال: -الطالب المتفوق،”رشيد عبدالرحمن المسيري”، اتفضل يا رشيد.
التفتت الأنظار نحوه، وانطلقت عاصفة من التصفيق الحار من زملائه، تقدم بخطوات ثابتة وواثقة نحو المنصة، واعتلى درجاتها، صافح رئيس الجامعة بحرارة وابتسامة وقورة، ثم اقترب من الميكروفون ليلقي كلمته بنبرة يملؤها الحماس: -شكراً جداً لحضرتك يا فندم، ده شرف كبير ليا، والفضل كله يرجع لتشجيع حضرتك ودكاترتي، ودعم زملائي الكبير ومساندتهم ليا.
كانت نهلة تجلسُ بين الحضور، عيناها تلمعان ببريقٍ جارف من الفخر والهيام بهذا الرجل التي ما رأت عينيها غيره، ما إن أشار رئيس الجامعة له بالصعود، حتى انطلقت يداها تصفقان بحماس شديد وعاطفة لم تستطع إخفاءها، لم يكن تفاعلها وحيدًا، إذ اشتعلت القاعة بتصفيق “سامر” وبقية الأصدقاء الذين أطلقوا صيحات الابتهاج وصافرات الإعجاب تهنئةً لصديقهم الذي تابع حديثه الموجه إلى أساتذتهُ، مسترسلاً بنبرة يملؤها التواضع:
-أنا سعيد جداً إني واقف قدام حضراتكم النهاردة وبتكرم، بس حابب أقول إني معملتش أي حاجة لوحدي، كل فريق اتحاد الطلبة يستاهل التكريم ده أكتر مني.
تعالت الهتافات مجددًا وزادت حرارة التصفيق، وامتلأت الأجواء بسعادة غامرة تليق بذلك النبيل، وعلى النقيض من تلك الأرواح النقية التي احتفت به، انزوت في عتمة المكان نظراتٍ حاقدة ترصده بدقة، وتتربص به في الخفاء، إنه “يحيى”، ذلك الذي استهلكت الغيرة قلبه، وكرس حياته لكراهية شخص لم يؤذه قط، شخص كل خطيئته أنه ناجحًا، محبوبًا، وفاز بقلب فتاة جميلة كـ” نهلة”، رمقه يحيى بنظرات مسمومة، ومرر أصابعه على ذقنه ببطء، مفكرًا في مكيدة تطفئ هذا البريق قبل أن تُطفئ نار قلبه المستعرة.
أما رشيد فكان يغمر قلبهُ دفء حقيقي يسري في أوصاله وهو يرى نظرات نهلة الفخورة به، كانت عيناها تقولان ما يعجز لسانها عن النطق به وسط هذا الحشد،استلم جائزته وحين هم بالنزول من فوق المنصة، تقدمت نحوه بخطوات سريعة، والابتسامة تزين وجهها الرقيق، وقالت بنبرة خافتة تحمل مشاعرًا جياشة: -مبروك يا رشيد. اتسعت ابتسامته، ونظر في عينيها مباشرة، متجاهلاً جميع الأعين المحيطة بهما، ورد بصوت واثقًا ممتليء بالحياة:
-الله يبارك فيكِ يا نهلة، فرحتك اللي شايفها جوة عيونك دي عندي بالدنيا كلها، وهي دي التكريم الحقيقي بالنسبة لي.
توردت وجنتيها من شدة السعادة، تراجعت خطوة للخلف حين اقترب بقية الأصدقاء يلتفون حوله، راحوا يرفعون درع التكريم، ويمزحون معه بصخب وعفوية، بينما وقف يحيى مستندًا إلى الجدار، يتابع المشهد بأكمله وعروق يده تنقبض غيظًا وهو يرى هذا التلاحم بين غريمه وحبيبته، ضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تتحطم، وهمس لنفسه بنبرة تقطر سمًا: -افرح لأخر مرة في حياتك يا رشيد، وافتكر إنك خلاص كده وصلت وأخدت كل حاجة. وابتسم ليكمل بشرٍ
ظهر على محياه: -بس وحياتك عندي، كل اللي بنيته ده ههده فوق دماغك، ونهلة دي مش هتكون ليك ولو على جثتي. استدار مغادرًا القاعة بخطواتٍ سريعة وغاضبة، تاركًا خلفه أصوات الضحكات والتصفيق التي كانت تخترق مسامعه كنصالٍ حادة، بينما عقله يدور في حلقة مفرغة من الخطط الشيطانية لإنهاء أسطورة “رشيد المسيري”.
انفضت مراسم الحفل الرسمي، ومازال الأصدقاء يلتفون حوله في فناء الجامعة، يغمرونه بتهانيهم الحارة وضحكاتهم الصاخبة، والكل يتسابق لالتقاط الصور التذكارية معه ومشاركة هذه اللحظة الاستثنائية. إقتربت نهلة بخطواتها الرقيقة لتقف إلى جواره من جديد، ولم تبالِ بعيون الحاضرين حين امتدت يدها لتتشبث بيده في حركة عفوية نابعة من فرط سعادتها، نظرت إلى عينيه بملامح يملؤها الفخر والشغف، وقالت بنبرة يقفز منها الصدق:
-أنا فخورة بيك جداً يا رشيد، وحاسة إنك هتبقى حاجة كبيرة أوي في المستقبل. توقفت الأرض عن الدوران في عينيه، وتلاشت أصوات المتواجدين من حوله، لم يعد يرى أو يسمع سوى من سكنت فؤاده واستوطنت حنايا القلب. تطلع إلى عينيها الملتمعتين بالغرام، وشعر بأن سعادة الكون بأسره سكنت صدره، فرد عليها بصوت دافئ يفيض بالغرام والوعود: -أنا هكبر بيكِ ومعاكِ يا نهلة وتابع باصرارٍ وأعين تفيض عشقًا:
–وطول ما إحنا مع بعض، هنوصل لكل اللي بنتمناه، ومفيش حاجة في الدنيا هتقدر تقف في طريقنا. اقتربت منه خطوة ، وتلاقت نظراتهما في لحظة دافئة اختصرت كل المشاعر المتراكمة بداخلهما، ثم همست بصوت خافت لم يتجاوز حدود مسامعه، صوتًا محملاً بوعود الهوى: -بحبك، بحبك يا رشيد. تسارعت دقات قلبه، واشتدت قبضته على يدها برفق وكأنه يخبئها داخل روحه، وأجابها بنبرة تفيض عشقًا: -وأنا بموت فيكِ يا قلب رشيد من جوه.
_أقسم يحيى في أعماق نفسه ألا يستسلم أبدًا، وأن يذيق رشيد من كأس المرار ذاته، لذا تحرك بخبثٍ نحو خطة انتقامٍ محكمة، وفي اليوم التالي، انتقى ملابسه بعناية واتجه مباشرة إلى مقر النيابة العامة، كان هدفه محددًا، حيث سأل عن مكتب وكيل النائب العام، المستشار “حسام منير الخولي”.
لم يكن العثور عليه صعبًا،لكونه كان صديقًا مقربًا من رشيد وعلم أدق تفاصيل حياته، ويعرف كل صغيرةٍ وكبيرةٍ عن عائلة “نهلة”، ومن بينهم شقيقها الأكبر حسام. كان يجلس خلف مكتبه الخشبي المهيب، يعلوه لوح زجاجي يبرز اسمه ووظيفته بخط مُذهب، “وكيل النائب العام / حسام منير الخولي”، كان غارقًا بين أوراق القضايا، مشغولاً بمسؤوليات عمله الصارم، حتى قطع انشغاله صوت طرقات خفيفة على الباب.
دلف حارس المكتب بخطوات هادئة، ووقف باحترام قائلًا: -في واحد بره بيسأل على حضرتك يا سيادة المستشار، وعاوز يقابلك ضروري. رفع حسام عينيه الحادتين عن الأوراق، ونظر إلى الحارس بدهاءٍ وتركيز، قبل أن يسأله بنبرة هادئة ورزينة: -مين ده يا بيومي؟ ومقالش عايز إيه؟ أجاب الحارس بوقار: -بيقول إنه زميل أخت سيادتك في الكلية، وجاي في موضوع مهم وضروري يخصها .
ضاقت عيناه بشك وريبة، واستشعر خلف الكلمات أمرًا غير مألوف، فاعتدل في جلسته وأشار بيده قائلاً بصرامة ممتزجة بالفضول: -خليه يدخل يا بيومي.
بعد حوالي ساعة كاملة من انتهاء زيارة ذاك الحاقد له، وهي المدة التي استغرقها ليقطع الطريق إلى المنزل، حيث انتفض من مكتبه تاركًا خلفه عمله وكل القضايا، وكل شيء، ليقود سيارته بجنون، ضاغطًا على دواسة الوقود بسرعة جنونية تخطت الحد المسموح به بكثير، لم يكن يبصر أمامه سوى صورة شقيقته، لم يهتم بالمارة، ولا بقوانين المرور، ولا بأي شيء سوى أن يصل إلى المنزل في أسرع وقت ممكن، وما إن وطأت ساقاه عتبة المنزل، ودفع الباب بقوة وعنف، حتى صرخ بملء صوته، بنبرة غاضبة هادرة
هزت جدران المنزل وهو يقول: -نهلــــــــــة. …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!