الفصل 16 | من 20 فصل

الفصل السادس عشر

المشاهدات
3
كلمة
1,743
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

رواية حين يعاند القدر الجزء السادس عشر 16 بقلم إيمان حامد حين يعاند القدررواية حين يعاند القدر الحلقة السادسة عشر سارت شمس في ممر الكلية بخطوات هادئة، حاضنة كتبها إلى صدرها بضيق وكأنها تلتمس فيها الأمان. كان الصخب حولها يملأ المكان، وأصوات الطلبة تتداخل في جلبة مستمرة، لكنها كانت معزولة في عالم آخر خاص بها، يسكنه صمت غريب. ​قطع استغراقها صوت جهوري يناديها باحترام: “يا باشمهندسة شمس!

​التفتت بسرعة، لتجد دكتور المادة يقترب منها وعلى وجهه ابتسامة فخر حقيقية. قال بنبرة مشجعة: “أنا شوفت مشروعك… بصراحة مبهور. إنتِ من أذكى الطلبة اللي مروا عليّا.” ​اجتاحت الحمرة وجنتيها خجلًا، وخفضت عينيها وهي تجيب بنبرة خافتة: “شكرًا يا دكتور.” ​تابع الدكتور بجدية واعدة: “لو فضلتي بالنجاح ده.. هتبقي معيدة إن شاء الله.”

​انتفض قلبها بين ضلوعها ودق بسرعة واضحة، وشعرت بفرحة خاطفة غابت عنها منذ زمن. في الماضي، كانت هذه اللحظة كفيلة بأن تجعلها تركض بهاتفها لتكون أول مكالمة لمراد؛ لتحكي له بلهفة وتضحك صاخبة وتنتظر بملء جوارحها أن ترى نظرة الفخر في عينيه. لكنها الآن، لم تملك سوى ابتسامة هادئة وموجوعة، لتقول باقتضاب: “إن شاء الله يا دكتور.”

​بعدما غادر، وقفت مكانها لثوانٍ معدودة. حرك الهواء خمارها بخفة بينما كانت ترقب الطلبة من حولها؛ هذا يضحك، وتلك تناقش زميلها بحدة، وآخران يتبادلان نظرات الحب.. تنهدت بعمق وهي تشعر بأنها كبرت عشر سنوات دفعة واحدة، وكأن مخزون الشباب في قلبها قد نضب. ​قطع تأملها رنين هاتفها معلنًا اتصالًا من “ليلى”. ضغطت زر الرد بسرعة، فجاءها صوت الصغير ياسين وهو يتعثر في الحروف بطفولة: شوشو وحشتيني ​ضحكت شمس رغماً عنها، وأشرق

وجهها فجأة ببهجة حقيقية: “إنت اللي وحشتني يا قلب شموسة.” ​تناهت إليها ضحكة ليلى من خلفية الاتصال وهي تقول مازحة: “تعالي يا شمس، الواد رافض ياكل غير لما تيجي.” ​أغمضت شمس عينيها للحظة، وشعرت بدفء عائلي ينساب إلى أوصالها الجافة، فقالت: “جاية يا ليلى… نص ساعة وأكون عندكم.” ​ما إن دلفت شمس من باب الفيلا، حتى اندفع ياسين نحوها بأقصى سرعته صارخًا بمرَح: “شموسااااااا! ​هبطت على ركبتيها سريعًا قبل أن يصطدم بها، وتلقفته بين

ذراعيها تحضنه بقوة وشغف: “يا روح شموسة إنت! ​طوق ياسين عنقها بيديه الصغيرتين وقبل وجنتها بعفوية. تأملته لثوانٍ والابتسامة تتسع على ثغرها، ثم همست بنبرة حانية: “بحبك يا روح شمس.” ​في الصالون، كانت ليلى تجلس منشغلة بتقطيع الفاكهة، بينما كان عمار يجلس على الأرض يحاول جاهدًا تركيب لعبة معقدة لياسين، ويبدو عليه الفشل التام. ​علّقت شمس وهي تقترب بضحكة خفيفة: “إيه ده يا باشمهندس؟ دي عربية أطفال مش صاروخ نووي!

​رفع عمار عينيه إليها متظاهرًا بالضيق والغضب: “تعالي ركبيها إنتِ يا بتاعة الامتياز.” ​راقبت ليلى مشهدهما بابتسامة ارتياح، وشعرت ببعض الطمأنينة وهي ترى طيف الحياة يعود لوجه شمس ولو قليلًا. جلست شمس على الأرض إلى جوار ياسين، وبدأت تشاركه تركيب المكعبات، وكان الصغير يضحك كلما انهارت البناية، لتشاركه ضحكات خفيفة بدت صادقة وعفوية. ​في تلك الأثناء، دلفت حنان وجلست معهم، ثم التفتت نحو شمس بملامح أمومية دافئة:

“إزيك يا شمس يا بنتي؟ عاملة إيه وأخبار كليتك إيه؟ “الحمد لله يا طنط كله تمام.” ​انساب الحديث بينهم هادئاً، حتى قطع ذلك الرنين المميز لهاتف حنان؛ كان اتصالًا مرئيًا (فيديو كول) من مراد. فتحت حنان الخط فورًا، وفي تلك اللحظة بالذات، ارتبكت شمس واضطربت دقات قلبها. تشتتت نظراتها ولم تعد تدري أتقوم وتغادر الغرفة أم تبقى في مكانها؟ ​تجمع الكل حول الهاتف يتبادلون معه التحايا والضحكات، حتى ياسين اقترب وصاح بحماس:

–“عمو أنا بحبك، تعال بقى عشان تلعب معايا.” ​كل هذا وشمس تستمع لصوته الرجولي الرخيم الذي يثير في نفسها عواصف من الحنين. لم يكن هناك من يلاحظ انفعالاتها المكتومة سوى عمار، الذي التفت ونظر إلى زوجته ليلى نظرة طويلة مغزاها: “انظري.. البنت تموت فيه عِشقًا.” ​بعد فترة وجيزة، استأذنت شمس واعتذرت برقة ثم غادرت عائدة إلى بيتها. ما إن انغلق الباب خلفها حتى التفت عمار إلى العائلة وقال بجدية واهتمام:

–“احنا لازم نجمع مراد وشمس.. لازم مراد يرجع من دبي. أنا حاسس بشمس، البنت بتحبه ومش قادرة تنسى، ومعرفش هو ماصبرش عليها ليه؟ مراد ده طول عمره قفل وعنيد! ​في تلك الأثناء، كان الليل يسدل ستاره النجمي على مدينة دبي، وأضواء الحاضرة تتلألأ وتنعكس على الواجهة الزجاجية الشاهقة لبرج الشركة.

​وقف مراد في قاعة الاجتماعات الكبرى؛ كان بكامل أناقته ببدلته الفحمية الفاخرة، وقد أرخى أزرار قميصه العلوية قليلًا، وتألقت ساعته السوداء في معصمه. كان يتحدث بثقة حادة ونبرة قوية لها هيبة أجبرت جميع المستثمرين على الإنصات باهتمام: “لو هنخش السوق الخليجي… لازم نتحرك أسرع من كدة.”

​أنهى كلماته الحاسمة، فبدأ الحضور يتبادلون نظرات الإعجاب والموافقة. بعد انفضاض الاجتماع، خرج مراد من القاعة وهو يفك رابطة عنقه بضيق مكتوم، ليلحق به “آدم”، شريكه وصديقه المقرب هناك. كان آدم شابًا هادئًا، طويل القامة، يتمتع بعينين ذكيتين وشخصية مرحة تكسر حدة مراد. ​ناوله آدم كوبًا من القهوة وهو يقول بابتسامة خفيفة: “بصراحة؟ إنت مرعب وإنت شغال.” ​أخذ مراد القهوة دون أن ترتسم على شفتيه أي ابتسامة، وأجاب باقتضاب:

“ده شغلي.. اتعودت على كدة من أيام ما كنت ضابط.” ​رفع آدم حاجبه مرطبًا النبرة وهو يراقبه عن كثب: “آه… بس حياتك بقت كلها شغل. الشركة دي بقت وسيلة هروب مش أكتر.” ​ساد الصمت بينهما. تحرك مراد بخطوات وئيدة نحو النافذة العملاقة المطلة على أضواء المدينة الساحرة، ثم قال بصوت خافت مجهد: “في ناس… لما تخسرها، بتحاول تدفن نفسك في أي حاجة.” ​فهم آدم مغزى الكلمات فورًا. تنهد بأسف وأسند كتفه على الزجاج متسائلًا: “لسه بتحبها؟

​خرجت من صدر مراد ضحكة قصيرة جافة خالية من الروح، وتابع وعيناه معلقتان بالأفق: “أنا سافرت آلاف الكيلومترات عشان أنساها… وبنام كل يوم أصحى عليها.” ​أخرج هاتفه من جيبه بشكل تلقائي لا واعي، وفتح صورتها مرر إبهامه على الشاشة بلمسة حانية تحمل وجع الفراق الشديد، وهمس داخله: “شمسي”. ثم أغلق الهاتف فجأة وكأنما يخشى أن تغلبه العاطفة، لكنه بعد ثوانٍ قليلة عاد وفتحه مرة أخرى، مستسلمًا لعشق لم يزد البعد نيرانه إلا اتقادًا.

​دخل عمار إلى الجناح الخاص بهما بعد يوم عمل شاق وطويل. كانت رابطة عنقه مرخية، وجسده يطالب بالراحة. لكن بمجرد أن فتح الباب، تلاشت كل أفكاره عن التعب؛ استقبلته الشموع المضاءة بنعومة على الكومود، وتلك الرائحة الساحرة التي تميز زوجته.. ريحة ليلى.

​كانت تقف في منتصف الغرفة، متألقة ببدلة رقص شرقي من الشيفون الأسود الشفاف عند الخصر والظهر، ومطرزة بترتر فضي دقيق يعكس الضوء مع كل حركة وخطوة. انْسَدل شعرها البني على كتفيها بنعومة، وزين كاحلها خلخال ذهبي رفيع يصدر رنينًا عذبًا، وعلى خصرها حزام مطرز يهمس بصوت “شخللة” يأسر الحواس.

​ما إن رأته، حتى افتر ثغرها عن تلك الابتسامة الدالة، النظرة التي تخبره بوضوح أنها ملكه وحده. قالت بدلال غنج وهي تبدأ بالتمايل ببطء على نغمات الموسيقى “اتأخرت يا عموري ​ألقى عمار بمفاتيحه وجاكت بدله على الأرض دون أن يطرف له جفن، فعيناه تيبستا عليها وعليها فقط. أربع سنوات من الزواج، ولا تزال هذه المرأة قادرة على قلب كيانه وخطف أنفاسه بحركة واحدة. ​همس بصوت منخفض وهو يفك أزرار قميصه ببطء، وعيناه تلتهمان تفاصيلها:

“مجنونة… كل ده عشاني؟ ​دارت حول نفسها بخفة ليتطاير شعرها وينعكس بريق الترتر الفضي، وقالت بضحكة ناعمة: “أمال عشان مين؟ جوزي حبيبي راجع تعبان… ولازم أدلعه.” ​بدأت تتمايل وتركع وتنهض بخطوات مدروسة متناغمة مع اللحن، رقصة منسوجة له وحده، خصرها يتحرك بانسيابية تذيب الجمود، وحزامها يصدر نغمات متلاحقة تشعل الحماس في عروقه، بينما الخلخال يضبط إيقاع نبضاته المتسارعة.

​لم يعد عمار قادرًا على دور المتفرج الصامت؛ تخلص من قميصه، وتبعه بحزامه وسراويله، ومع انتهاء لفتها الأولى، كان يقف قبالتها بملابسه الداخلية فقط، صدره العريض يرتفع وينخفض بأنفاس متلاحقة، وعضلاته المشدودة تعكس رغبة عارمة تفوقت على أي تعب.

​اقتربت منه بدلال وثقة، ولما أصبحت أمام صدره تمامًا، هبطت بجسدها إلى ركبتيها بنعومة وهي ترفع عينيها الشغوفتين إليه، ممررة كفيها على ساقيه من الأسفل إلى الأعلى ببطء وتؤدة. ارتطم حزامها المطرز بالأرض محدثًا صوتًا خافتًا، ورن الخلخال رنة رقيقة جعلت عمار يغمض عينيه بقوة، ويبتلع ريقه بصعوبة بالغة. ​صاحب ذلك همس منه باسمها بنبرة مبحوحة، تحمل في طياتها مزيجًا من التحذير والرجاء: “ليلى…”

​نهضت ببطء شديد متمسحة بجسده، صاعدة برأسها حتى غدا وجهها مواجهًا لوجهه تمامًا. اختلطت أنفاسهما، وضاعت مقاومته أمام دفء جسدها ورائحة عطرها الأخاذ كان الموقف أكبر من قدرته على الصبر. ​لم يحتمل أكثر؛ امتدت يده القوية لتطوق ظهرها وتثبتها إليه، بينما تغلغلت يده الأخرى في خصلات شعرها البني، وهبط بشفتيه على شفتيها في قبلة عميقة وحارة.. قبلة لم تكن مجرد تلاقٍ، بل كانت فيضًا من نيران الشوق لزوجة يعشقها ب جنون

​استسلمت ليلى لقبلته الطاغية، وأطلقت تنهيدة خافتة بين شفتيه، بينما ارتفعت يداها لتتشبث بكتفيه العريضين وظهره، وتغرز أظافرها برقة ولوعة، متجاوبة معه بشوق امرأة تعرف تفاصيل رجلها وتحبه بكل جوارحها.

​وفي لحظة خاطفة، رفعها عمار عن الأرض لتلف ساقيها حول خصره بعفوية الصوت وسط أنفاسهما المتلاحقة. أسند ظهرها إلى الحائط برفق دون أن يفصل شفتيه عن خاصتها، واستكشفت يداه تفاصيل جسدها بشغف متجدد كأنه يلمسها للمرة الأولى، لتجيبه هي بلمسات دافئة مماثلة، حتى غمرت حرارة الرغبة والاشتياق أركان الجناح بالكامل. ​همست ليلى بين القبلة والأخرى وهي تدفن وجهها في عنقه مستنشقة رائحته: “بحبك… بحبك يا عموري.” ​رد عليها وهو يستشعر نعومتها

ويتحرك بها نحو فراشهما: “وإنتي جناني… وكل يوم بتثبتيلي إنك أحلى نعمة في دنيتي يا لولي.” تحرك عمار بها نحو الفراش، وهبط بجسده فوقها برفق شديد، كأنه يخشى أن يؤذي رقتها، بينما ظلت يدا ليلى ملتفتين حول عنقه، وعيناها تشعان ببريق دافئ يعكس عمق تسليمها له. ​انحنى يوزع قبلاته الشغوفة على وجنتيها وعنقها بنبضات

متسارعة، بينما كانت يداه تتحركان بنعومة لتزيح ما تبقى من تفاصيل رداء الرقص، ليتخلى كلاهما عن كل ما يحول بينهما، وتلتقي أجسادهما في تلاحم دافئ ألغى أي شعور بالتعب أو الإرهاق. كانت لمساته تحمل مزيجًا من الرغبة الجارفة والحنان المتدفق، يعبر بها عن سنوات حبهما واكتفائه بها.

​ومع كل لمسة حانية، كانت ليلى تجيبه بتنهيدات خافتة وأنفاس متلاحقة، ممررة كفيها على ظهره المشدود، لتعلن له عن كامل شوقها وتجاوبها. وفي تلك اللحظات الدافئة، امتزجت أنفاسهما الخارقة في إيقاع واحد متناغم، وعاشا معًا تفاصيل ليلة خاصة امتدت حتى ساعات الفجر الأولى، محاطين بدفء الشموع ووعود الحب التي لا تنتهي.تراجع عمار بظهره قليلًا وهو متكئ على يديه، يتأمل ملامحها المستسلمة تحت ضوء الشموع الخافت. كان يبحث في عينيها عن ذلك الرضا الذي يغذّي رجولته، ولم يجد سوى الشوق والنظرة الدافئة التي تجمعهما منذ سنوات.

​انحنى مجددًا ليقبل جبينها برقة، ثم مرر كفه على طول ذراعها وصولًا ليدها، ليتشابكا معًا بأصابع محكمة. همس بجانب أذنها بصوت منخفض ودافع: –“مش هزهق منك أبدًا يا لولي.. كل مرة كأنها أول مرة.” ​ابتسمت ليلى وضمت يده أكثر، بينما كانت أنفاسهما تهدأ تدريجيًا وتتحول إلى زفير طويل يحمل معه كل تعب اليوم الضائع. سحب عمار الغطاء الوثير ليحيطهما معًا، وجذبها إلى صدره لتستند برأسها فوق دقات قلبه المنتظمة.

​ظل يمسح على شعرها البني بنعومة، وعيناه معلقتان بالسقف، يستشعر الدفء والسكينة التي لا يجدها إلا في هذا الجناح، ووسط هذه التفاصيل الهادئة التي تخصهما وحدهما.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...