الفصل 2 | من 2 فصل

الفصل الثاني

المشاهدات
12
كلمة
2,608
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رواية حرب باردة الجزء الثاني 2 بقلم فريدة علي حرب باردةرواية حرب باردة الحلقة الثانية “أنت خدرتني قبل كده؟ ******* مساء الفل يارب تكونوا كويسين الرواية دي تصنيفها نفسي ، ، غموض ، رومانسية مظلمة مفيهاش فراشات وجو ” أنتي بتاعتي وملكي واتنفسي بأذني ده ، بس فيها تضحية كبيرة يحيى قدمها شايف أنه قصادها روڨان من حقه ، وأن الغاية تبرر الوسيلة . للمرة الثانية لا تتعاطفوا مع حد ولا تكرهوا حد

فونت الخط معناه أننا في فلاش باك عشان لو حد تاه وأخيراً وأهم حاجة تذكير مهم: الانتحار مش حل، والأفكار السوداوية دي بتتحسن بالعلاج. في ناس مستعدة تسمعك وتساعدك من غير أحكام. مجرد إنك تتصل وتتكلم، دي أول خطوة شجاعة للخروج من الدايرة الصعبة اللي فيها. خط الأمان النفسي الموحد (للاستشارات النفسية والدعم الفوري –24 ساعة/7 أيام) : 16328 ***************** “لهذا أنا لست جديرة بالثقة، لأن جرحًا بالقلب يعني جرحًا بالعقل أيضًا.”

لويز جلوك –ترجمة ضي رحمي ******************** تابعت عينيها المنهكة انصراف طبيبها المزعوم ومن معه بتشتت كبير وتشوش هائل، يخيم على آخر ما حدث لها. ربما لا تتذكر لماذا أرادات إنهاء حياتها؟ ، ولكنها تتذكر ما حدث لأبيها؟ ، تتذكر أنه زوجها بطريقة غير مباشرة لهذا الرجل الذي لا تعرفه، الكامن معها بغرفة لا يوجد سواهما بها. رمشت بوهن تلتقط التفاصيل حولها، وهي لا تدري بمن تثق؟ ، أين عائلتها؟ ، أين رنيم؟

، رنيم لن تكذب أبدًا عليها؟ . التقطت أذنها دقات عقارب الساعة برتابة مرعبة، بينما تجوب عينيها تلك الغرفة التي لا تشبه المشفى كثيرًا؟ ، أين وضعها هذا الرجل المدعو زوجها؟ . وعلى ذكر سيرته، عادت عينيها له لتجده يحدق بها عن كثب بصمت. حاولت تفسير نظراته له، لم تستطع. تشعر أن رأسها يبدأ بالدوران وعينيها تتثاقل. بماذا حقنوها؟ ، هل خدرها مجددًا؟ “أنت خدرتني قبل كده؟

سألته مدفوعة بذكرى مشوشة لشجار عنيف، بينهما فوق أحد الأماكن المرتفعة للغاية. لا تتذكر أنه آذاها، لكنه ربما كاد يحطم ضلوعها وهو ينزلها من فوق تلك الحافة. تنهيدة بسيطة للغاية خرجت مصحوبة بصوت ناتج عن تفريقه لشفتيه ، لا تدري لماذا سمعته؟ ، ما الذي يجعل أذنها حساسة للغاية هكذا؟ ، وتلك العقارب المزعجة، أين مصدرها؟ ، أين تلك الساعة اللعينة؟ “أنتِ فاكرة إيه يا روڨان؟ ، فاكرة حاجة من اللي حصلت؟

ابتلعت تقابله النظرات بصمت، وهي لا تثق به بتاتًا. ربما تثق أنها ارتكبت أكثر الآثام جرًما، ولكنها لن تثق أنه بريء أبدًا. “اتخانقنا فوق مكان عالي أوي مش فاكراه، وبعدين فجأة كل حاجة ضلمت! ابتسم باقنضاب لها، وهذا لم يزده في نظرها سوى رعبًا، وتقدم يمسك بيدها السليمة برفق، هامسًا لها، وبداخله لم يعلم حقًا هل هي كاذبة أم تخبره بالحقيقة. ولكن نبرته تحايلها بطريقة مريبة تجعلها لا تثق به: “طب ارتاحي شوية، وأما تصحي نتكلم!

“رنيم فين؟ سألته دون اهتمام بما قاله، فأجابها باعتيادية لم تترك لها فرصة للشك: “كانت هنا، بس روحت عشان خديجة! ، والزيارة أصلًا ليها مواعيد، كانت خلصت. لازم مرافق واحد بس اللي يستنى! أومأت له متظاهرة أنها صدقته، ولكنها تعلم أنه كاذب. يستحيل أن تتركها شقيقتها في المشفى بمفردها أبدًا، حتى لو اضطرت لهدمه وهدم قواعده بأكملها. وابتلعت وهو يخبرها ناهضًا: “أنا هروح أطمنهم عليكي، وهظبط كام حاجة في الشغل عشان أفضالك.”

من جديد هزت رأسها متغاضية عن كلماته الأخيرة التي بدت كتهديد، وتابعته يتركها في تلك الغرفة الخالية من أي إضاءة سوى التي فوق رأسها، وتشعرها وكأنها داخل قبر. وما أن أغلق الباب خلفه حتى عادت بداخلها للعشرة، قبل أن تخرج تلك الإبرة الوريدية التي لا تعلم ما الذي تضخه لجسدها من يدها، وأزاحت الشرشف تستند بكفيها على الفراش ليصيبها دوار هائل جعلها ترمي رأسها مجددًا على الوسادة بتعب، وقد زاغت رؤيتها.

عدة دقائق إضافية قبل أن تعاود النهوض، وتلك المرة أنزلت ساقيها على الأرضية الباردة. تبًا له، لم يترك لها حتى حذاء. بحثت بعينيها عن هاتف، وبالطبع لم تجد. ظلت ثواني تفكر قبل أن تنهض بحذر مستندة على الكومود، لتشعر بشيء يوخزها في صدرها. وما إن تحسسته حتى وجدت المزيد من الإبر، أخرجتها بسرعة دون الاهتمام بالألم الطفيف الناتج عن ذلك، وابتلعت متحاملة على هذا الدوار برأسها. ثم سحبت حامل محلولها الطبي كي تستند عليه، واتجهت للباب تفتحه بحذر. وما أن أطلت برأسها حتى وجدت الطابق بأكمله فارغًا. أين هي؟

، أين هذا الطبيب الذي لتوه رحل؟ ، ألم يعلم أحد أنها أخرجت كل تلك الإبر التي يحقنوها بها؟ ، ما اسم تلك المشفى؟ التفتت حولها تتفقد البهو شبه المضيء الخالي، وانتابها الرعب وهي لا تجد أي أحد سواها. كيف لمشفى كامل أن لا يتواجد به سواها؟ ، كيف يمكن لشخص حاول لتوه الانتحار أن يُترك بمفرده هكذا؟

توقفت بإدراك، وقد تذكرت ومضات من محاولتها الانتحار. لقد ابتلعت شريطًا كاملًا من حبوب لا تذكرها، ثم صعدت أعلى برج سكني كي تلقي بجسدها. مسحت بيدها الحرة على وجهها لتلاحظ هذا السوار حول معصمها الذي يُكتب عليه اسمها ملحق بكود لوني، ربما يُنص على عدم تركها بمفردها لأنها حاولت الانتحار. لم يدفع هذا سوى المزيد من الذكريات لرأسها: متى أول مرة التقت هذا الرجل الذي تركها بمفردها في هذا المكان المخيف؟ —ديسمبر 2022 الإسكندرية

مدت معصمها لحارس الأمن كي يمسح ضوئيًا دعوتها التي لم تكن سوى عبارة عن سوار ذهبي من الورق التف حول يدها، بينما عدلت شعرها المرفوع بفوضوية لائمت فستانها الأحمر الحريري عاري الأكتاف، أسفل معطفها المصنوع من الفرو الثقيل كي يقِيها من هذا البرد. أشار لها بالدخول بترحاب، فأومأت برأسها دون اهتمام من أسفل قناعها الذهبي الذي غطى نصف وجهها. ثم بدأت بالبحث عن أبيها الذي أجبرها على السفر من القاهرة إلى هنا لحضور حفل خيري غبي. تفحصت كل تلك الناس حولها أسفل أقنعتهم، وبدا لها كل هذا أبعد ما يكون عن حفل خيري.

طردت نفسًا حانقًا وهي تفتح حقيبتها الصغيرة تخرج هاتفها كي تهاتف والدها، ولكنها اصطدمت بالخطأ بأحدهم، مما أسقط كل متعلقاتها من يدها. وما أن رفعت رأسها كي تصرخ به، حتى تفاجأت بهالته التي أوجستها قليلًا، مع طوله الفارع وحلته السوداء، وخصلاته المجعدة متوسطة الطول، شابهت لحيته السوداء المهذبة، ثم قناعه الأسود الذي ماثل عينيه الفحميتين.

ابتلعت بتوتر من نظراته التي شعرت أنها تتذكرها من مكان ما، ولكنها لا تعرفه. ثم انحنى أمامها مما جعلها تتراجع خطوة خفيفة للخلف، وهو يأخذ ما أسقطه، ثم تحدث وهو يتفحص هاتفها يتأكد من عدم تضرره: “آسف، مخدتش بالي! مد لها ما بيده، بينما أسرتها نبرته المألوفة حتى أفقدتها التركيز على سخريته الواضحة، مما جعله يضيف بنبرة نبهتها لتحديقه بها: ” ؟ أنتِ بتتكلمي صح؟ ، ولا أنا حلو للدرجة دي ” مالت رأسها بحركة طفيفة لا تصدق

تلك الوقاحة، ثم أخذت أشيائها بعنف طفيف من يده، وهمست بعدما رطبت شفتيها: “حصل خير! ابتسم لها بود لم يعجبها، وحدثها من جديد قبل أن يتركها: “آسف تاني… ومنوراني!

تخطاها، لتلفت تتابعه وهو يحدث رجلاً قاربه في الطول سوى بإنشات قليلة أقل. بدا لها مألوفًا أكثر منه، وكأنها تعرف تلك الهيئة من سنوات مضت. ولم تستطع الابتعاد بعينيها عنهما، حتى عندما نظر لها الرجل الثاني وكأنه يستمع لما حدث للتو. انتفض كتفيها بخفة عندما رن هاتفها بيدها، مما جعلها تحيد بعينيها عنهما أخيرًا وتجيب الهاتف بنبرة معتدلة: “أيوة يا زياد، أنا وصلت أهو. لسة داخلة وبدور على بابا.” جاءها صوته الحنون وهو يقلب

عدة أوراق يتفحص ما بها: “مكلمتنيش ليه يا حبيبتي أما وصلتوا أمبارح؟ حمحمت تقلب خاتم خطبتهما بتوتر قبل أن تجيبه صادقة: “معلش، وصلنا الأوتيل ونمت على طول. أنت عارف أنا مكنتش عايزة أجي أصلًا، وحاسة بخنقة من ساعة ما سبنا القاهرة! ترك ما بيده واعتدل جالسًا خلف مكتبه يسألها بنبرة أكثر اهتمامًا: “مالك يا حبيبتي، أنتِ كويسة؟ ، عايزاني أجيلك؟ ابتسمت على هذا الاهتمام الذي يغرقها بها منذ خطبتهما من ثلاثة أشهر، وهزت رأسها

نافية تجيبه باستنكار: “يا سلام ،هتسيب الإدارة والقضايا وتيجي لحد هنا يا سيادة المقدم؟ صمت لوهلة قبل أن يجيبها بنبرة أكثر حزمًا: “روڨان، أنا بتكلم بجد. لو مش حابة تكوني هناك، هجيلك دلوقتي. ومش مهم، باباكي هو كده كده مش طايقني! اعترضت قائلة، وهي تبحث بعينيها عن أبيها فور أن دخلت من بوابة البيت، تتفقد هذا البهو الذي يصرخ بالثراء بكل ركن به، وتحدثت تتجاهل هذا الشعور بالاختناق الذي يزداد كلما تقدمت خطوة داخل

هذه المدينة وهذا البيت: “يا زياد، متقولش كده. بابا بيحبك، هو بس مش عارفك كويس زي ما أنا عارفاك. وأنت عارف إنه بيخاف عليا شويتين، وقد إيه إحنا قريبين لبعض أكتر حتى من رامي ورنيم. صدقني هو مش عايز غير إني أكون مبسوطة وكويسة.” “وأنتِ مبسوطة وكويسة معايا؟ هل هي حقًا؟ ، هل هو من يسعدها؟ ، أم أنه وجوده يثبت أنها تستطيع النجاح بعلاقة دون أن تكون مدللة أو أنانية؟

، هل تريد أن تكون كـ”هنا” زوجة أخيها، التي تركت عملها كي تتفرغ لبيتها بالكامل، حتى وإن كان زواجها من رامي زواجًا تقليديًا نتج عنه حبها الشديد له؟ حكت جبينها، وهي لا تعرف بماذا تشعر. لطالما صاحبها هذا الشتات الذي يجعلها أحيانًا تشعر وكأنها تختبر كل ما حولها بعين مسافرة، وكأنها ليست حياتها وليس جسدها. ثم ضبطت وضع قناعها وهي تجيبه بنبرة حاولت جعلها حيوية:

“أكيد يا زياد، مبسوطة معاك. مبسوطة جدًا. تفتكر يعني وافقت أتجوزك ليه؟ اتسعت ابتسامته اللطيفة التي شعرت بها، وهو يهتف لها بنبرة عاشقة: “ربنا يقدرني وأسعدك يا حبيبتي. طمنيني عشان خاطري يا روڨان لما توصلي الأوتيل بعد الحفلة. تصبحي على خير… بحبك! عضت شفتيها تقلب خاتم خطبتها بتوتر قبل أن تتحدث: “أكيد هطمنك، متقلقش. وأنت من أهله… باي.”

مسدت رقبتها تحرك وضع قلادة والدتها الراحلة، وهي تكافح الرغبة في العدو بعيدًا عن هذا البيت. ثم أشارت لواحد من النادلين الذين يمرون بين الحضور بالعديد من المشروبات، لتأخذ منه كأسًا من الماء عله يساعدها ، شكرته، بينما تجوب بحدقتيها البيت وهي تتناول الماء، حتى سقطت عيناها على درج رئيسي يتفرع لدرجين فور أن تصعد أول عشر سَلَمَات. تصاعدت تلك الغصة بقلبها لدرجة أخنقتها. ورغمًا عنها، قادتها قدماها نحوه. وكلما اقتربت، كلما

شعرت بالأصوات خلفها تتلاشى. لم يتبق سوى صوت كعبها العالي وثوبها الحريري الذي يحتك بجسدها كلما تحركت، حتى صعدت أول ثلاث درجات. لترفع رأسها للأعلى وأنفاسها تتعالى. انتابها ألم غريب أعلى يمين بطنها، وهي تشعر أنها سقطت من أعلى هذا الدرج سابقًا. كل شيء مألوف لدرجة مرعبة. رغبت في الصعود لأعلى بشدة، وما أن همت بفعلها حتى جاء صوت أبيها يناديها، مما جعلها ترتجف فزعًا، وكادت تسقط كأس الماء لتسكبه على ملابسها عوضًا

عن تركه يسقط: “بتعملي إيه يا روڨان عندك؟ ، ممنوع حد من الحفلة يطلع فوق! ابتلعت، تركض الدرجات التي صعدتها هبوطًا، ممتنة لأبيها الذي أخرجها من تلك الحالة الغريبة، ثم تحدثت بتوتر شديد: “مكنتش عارفة. أنا بس حسيت إني كنت هنا قبل كده.” صمت لوهلة يتفقدها بتعبير ثابت من خلف قناعه، بينما حمحمت هي دون أن تنتبه له، وحدثته وهي تشير لنادل آخر تضع الكوب بجانب ما يحمله: “أنا هروح أظبط هدومي عشان الماية دي، وهجيلك على طول.”

أومأ لها، لترفع جسدها قليلًا تقبل وجنته هاتفة: “أنا كويسة، متقلقش. أنت عارف إني دايماً حاسة إن الحاجات حصلتلي قبل كده.” أومأ لها موافقًا وحدثها بلين: “ماشي يا حبيبتي، أنا هستناكي جوه. متتأخريش!

—خلعت قناعها تتفقد صورتها في المرآة بأعين مهتزة. لا تدري ما العلة بها، لِمَ عقلها وجسدها لا يتفقان معًا. ثم امتثلت لتلك الرغبة بقرص أعلى معدتها، فخلعت معطفها بسرعة، ثم رفعت فستانها لأعلى تتفقد تلك الندبة الطفيفة بسبب عمليتها الجراحية منذ سنوات، وقرصتها عدة مرات متحاملة على هذا الألم الذي يتلاشى في خضم رجوع عقلها بالشعور أنها هنا، حاضرة في هذا الموقف وليست مجرد مشاهدة.

تركت فستانها ينسدل مجددًا فوق جسدها قبل أن تبلل وجهها ورقبتها وعنقها بالمياه، وتجاهلت تفقد هذا المرحاض الذي يبدو أنها كانت به في حياتها الأخرى على الأرجح، قبل أن تعيد ضبط زينتها وقناعها، وخرجت حيث يتواجد أبيها. —“إيه يا حبيبي، بدأوا؟

سألته وهي تعلق معطفها فوق أحد الكراسي، ثم جلست بجانبه تتابع هذا الرجل الذي بدأ حفله الخيري موجهًا الشكر لـ”يحيى علام” مستضيف الحفل، لتجد من جديد عينيها تتابعه وهو ينهض وسط الحضور يلقي كلمته الافتتاحية بلباقة شديدة. بينما مالت على أذن أبيها سائلة بهمس: “مين يحيى علام ده يا بابا؟ مال برأسها لها يجيبها بهدوء صادق:

“محامي مشهور، كسب قضية كبيرة بعد ما اتخرج بكام شهر، ومن ساعتها وهو بيكسب كل قضاياه، وعنده أكبر مكتب محاماه في مصر. عنده فرع هنا وفرع في القاهرة.” رفعت حاجبيها، وضمت شفتيها بإعجاب، ثم سألته بسخرية: “وأما هو جامد أوي كده، عامل الحفلة دي في بيت الرعب بتاعه ده ليه؟ “البيت مش عاجبك؟ سألها فجأة وكأنه لم يستمع لكل ما قالته، لتبتلع قائلة: “حلو، بس خانقني أوي. من ساعة ما دخلته وأنا حاسة إني مرهقة وجسمي واجعني.”

تحامل على هذا الشعور بداخله وتمسك بيدها قائلًا: “معلش يا روڨي، كلها ساعتين ونمشي. بصي بقى يا ستي، والده فخري علام كان مستشار قانوني كبير، وليه أخوه الكبير يوسف علام وكيل نيابة شرق إسكندرية، وهو نفسه داخل انتخابات الدايرة بعد والده.” همهمت، وهي تعود بعينيها له، وقد انتهى من كلمته يرفع كأسه لأعلى. ولكنها استطاعت رؤية عينيه الثاقبة تنظر لها وهو يومئ برأسه، لتهز رأسها له بدورها تجبر ابتسامة باهتة على شفتيها،

ثم عادت تمازح أبيها قائلة: “بس عادي يعني، ما أنا لو مكنتش اتخرجت وقت كورونا ومسكت أول قضية ليا، كان زماني مقعداه في البيت. بنتك مش سهلة بردو! ضحك أبيها بخفة يرمقها بفخر دائمًا ما يشعرها به، رغم أنها لا زالت لم تحقق شيئًا يذكر. وربت على كفها، ثم عاد لمتابعة الحفل من جديد، بينما حاولت هي التركيز مع ما يحدث حولها، ولكن قطع تركيزها صوت دقة ساعة عالية جعلها تلتفت برأسها نحو مصدر الصوت.

التفتت نحو إنذار المصعد الذي فتح أبوابه، بينما كان فارغًا. لتلتفت تتخطاه نحو مكتب الاستقبال تنادي أي أحد تعرف منه أين هي، ولكنها لم تجد. بدا الطابق بأكمله مهجورًا، حتى أنها استطاعت سماع صدى صوتها يتردد حولها. جلست بتعب فوق واحد من الكراسي خلف مكتب التمريض تتفقد أي شيء حولها يخبرها أين هي. حتى الوقت اللعين لا تعلمه، في أي يوم هي؟ ، لماذا لم تسأله كم يوم نامت؟

، لا هاتف، لا جريدة، لا تقويم، لا أنترنت ، حتى الحاسوب يشير إلى أنها تحيا في حقبة قبل عشر أعوام من الآن. تركت العامود، تمسح على وجهها بعنف تفرك عينيها بقوة قبل أن ينبهها صوت المصعد مجددًا. ربما عاد زوجها؟ ، ظلت تنتظر سماع خطواته التي حتمًا ستظهر في وسط هذا السكون القاتل حولها، ولكن لا شيء. من بالمصعد إذن؟ كتمت أنفاسها، وهي تبحث عن أي شيء تدافع به عن ذاتها حولها، لم تجد. لتخرج نبرتها مرتعشة تناديه: “يحيى!

لا إجابة، سوى صدى صوتها. على ما تتذكر، منذ عدة ساعات لم ترغب سوى بالموت. لماذا يخيفها الآن هذا الخطر على حياتها؟

. نهضت على حذر من خلف المكتب تتفقد الرواق، تنظر من أسفل أعقاب الأبواب القليلة التي لا شيء يمر من أسفلها سوى الظلام. ولازال المصعد مفتوحًا. حسبت عدد الخطوات التي تلزمها لقطع تلك المسافة ركضًا حتى تصل وتخرج من هذا الطابق اللعين، ولكن وجدتها أكثر بكثير مما يحتمل جسدها مع هذا المجهود المضاعف. ولكنها ستفعلها على أي حال.

سحبت المقعد المكتبي ذا العجل المتحرك الذي كانت جالسة عليه لتوها، تجره خلفها بتعب حتى وصلت للمصعد. وما أن رأت أزراره حتى دمعت عيناها بيأس، وهي لا تفهم كيف لمشفى أن يكون مكونًا من طابق واحد فقط!

ارتعشت يداها تحاول الضغط على أي شيء، ولكن لا نتيجة. لا نتيجة، سوى أنها على مشارف الجنون، أو أنها جنت بالفعل، أو أنه حقنها بشيء ما يجعلها لا تدرك الواقع. هذا الوغد اللعين الذي لا تتذكر سوى كرهها له، دائمًا ما يدفعها للشك فيما تراه وتعرفه. يشن عليها حربًا خبيثة ضد عقلها الذي لا يملكه سواها. ولكنه أحمق إن خُيل إليه أنه يمكنه التلاعب بها. خرجت من هذا المصعد تضع بين بابيه المقعد الذي جرته كي لا يمكنه التحرك بعد الآن، وهي تعلم أنه يشوشها لا غير.

ثم سارت تستند على عصا محلولها من جديد في الرواق الطويل، تفتح كل باب يقابلها، لتجد جميع الأبواب مغلقة. تملّكها اليأس كلما اتقدمت وكلما قل عدد الأبواب المتبقية، حتى وصلت لباب أخير، فتحته بترقب لتشهق بخفة ما أن رأت ما يقبع خلفه .

فتحت باب قصره، تنسل بجسدها للخارج حيث الحديقة الخلفية، لتضربها برودة الجو التي جعلتها تعانق ذراعيها بعدما نسيت معطفها بالداخل. ولكنها لن تعود لهذا الحفل الممل. ربما ينعشها بعض الهواء البارد. سارت باتزان في كعبها العالي وهي شاردة، حتى لم تنتبه لتلك المساحة الشاسعة لبيته، حتى توقفت أمام بيت يماثل خاصته في الشكل والمساحة، مظلم بطريقة قبضت روحها. لم تعرف كم بقيت تتطلع للبيت أمامها، حتى خرجت منها صرخة فزع حينما سمعت

صوته خلفها يقول بهدوء: “صحابه سابوه من عشر سنين ومشيوا.” —…..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...