تحميل رواية «حرب باردة» PDF
بقلم فريدة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ حرب باردة بقلم فريدة علي.
رواية حرب باردة الفصل الأول 1 - بقلم فريدة علي
رواية حرب باردة الجزء الأول 1 بقلم فريدة علي
حرب باردةرواية حرب باردة الحلقة الأولى
” أن تحب أحدهم طويلاً يعني حضور ألف جنازة للنسخ التي كان عليها ”
ترجمة …ضي رحمي
**********************************
أغسطس 2023
الإسكندرية
تفقدها وهي غافية بفعل المهدئ الذي حقنه بوريدها في محاولة للسيطرة عليها بعد إنقاذها من محاولتي انتحار في نفس الوقت، دفن رأسه بين كفيه وفحمتيه مسلطة على وجهها الشاحب ولا يصدق أن كراهيتها له دفعتها لإنهاء حياتها بتناول حفنة من الحبوب المهدئة أتبعتها بمحاولتها القفز من الطابق الحادي عشر فقط كي تتأكد من حتمية موتها.
دقيقة واحدة كانت تفصله عن خسارتها للأبد، بماذا كانت ستفيد حياة بأكملها هي ليست بها معه، كل ما فعله من أجلها وكل ما هو على استعداد أن يفعله كي يحميها لن يتركها تضيعه هباءً فقط لأن عقلها يعاديها ويعاديه، بمكان ما داخلها يدرك أنها ستعرف من هو يوماً.
نهض يتجه للشرفة في رغبة لاستنشاق بعض الهواء ولكن حرارة آب الخانقة لا تزيد هذا الضيق بصدره سوى ثقلاً، العالم كله حتى الهواء يتفق على خنقه من دونها، تلاعب بمحبس زواجه منها وتساءل أن كانت رغبتها بالموت ستجعله يحررها من الحياة معه، أم أنه يستعد حقاً للذهاب إلى ما هو أبعد بكثير، أليس كل شيء في الحب والحرب مباح، ربما يعلم أن حدود حبه لها لا نهاية لها، ولكنه يتساءل أين تنتهي حدود الحرب الباردة بينهما؟
” أدخل ”
علم أنه أخيه من طرق الباب ليأذن له أن يدلف بعدما تأكد مجدداً من وضعية نومها ليدلف الأخير بملامح متعاطفة لا تظهر سوى لعائلته هامساً باهتمام:
” ها إيه الأخبار يا يحيى؟ طمني؟”
قطب الأخير حاجبيه يشير له برأسه:
” أهي نايمة أهي ومش هتصحى غير بكرة ”
مسح “يوسف” على ذقنه وحدثه في تعقل:
” طب يا معلم أخواتها قالبين الدنيا، سيبك من رامي راجل عاقل ومحترم عارفنا وعارف إنك جوزها، بس رنيم هتولع فيا وفيك لو عرفت إن أختها كانت هتنتحر!”
زفر بخنق وهو يرخي ربطة عنقه وأجابه بعدائية تجاه تلك المرأة التي تقف دوماً كالحائط أمامه بينه وبينها تحيل الوصول لكل ما يريده:
” هي يعني مسمعتهاش بتقول أول ما تسجن اللي قتل أبوها هتروحله!، ده كان موشح عايش فيه ليل نهار!”
توسعت عينا “يوسف” لبرهة قبل أن يردف بعدم تصديق:
” يعني أنت كنت عارف إنها هتنتحر أما القاتل يتمسك يا يحيى؟”
نظر له بشرود للحظة وبدا ضائعاً ثم أخبره:
” روڨان بتحب تتحداني طول عمرها، مش فاكر كانت بتعمل فيا إيه؟، متخيلتش لحظة إنها بتكرهني للدرجة دي!، ….إنها بقت كارهاني للدرجة دي، أنا عملتلها إيه لكل ده يا يوسف ”
اقترب الأخير من أخيه الذي يصغره بخمس أعوام يتفقده بشفقة لحاله ثم ربت على كتفه وقد ماثله تقريباً في الطول سوى تلك الإنشات القليلة التي يمتاز بها “يحيى” عنه:
” طب أهدى بس عشان نفكر صح، دلوقتي الدنيا لَبَش جامد، ومراتك محتاجة تتعالج، ولازم طريقة تعرف بيها الحقيقة حتى لو مشينا في طريق كلنا مش عايزينه يا يحيى، بس روڨان مش هينفع تكمل بالحقايق اللي في دماغها دي!”
أومأ له بينما عيناه متعلقة بها وحدثه:
” أنا هتصرف متقلقش، أبعد بس رنيم عن وشي يا يوسف عشان مزعلهاش!”
ابتسم ساخراً عليه وهو يدرك أنه لن يستطيع فعل شيء لها، وتجاهل أنه هو نفسه لن يترك أي شيء يحدث لها وحدثه وهو يتجه مجدداً نحو الباب:
” متقلقش هي مش عارفة أصلاً روڨان فين ”
**************************
زرعت مكتبه ذهاباً وإياباً والقلق يتآكلها وعقلها يقفز لأسوأ الاحتمالات خصيصاً بعدما رفض كل مكالماتها العشرين، عانقت أناملها خصلاتها البنية القصيرة تعيدها للخلف بينما جرى التوتر مجرى الدماء بعروقها ولا تعرف ماذا ستفعل إن لم تسمع خبراً من شقيقتها الصغرى التي اختفت منذ أن تم القبض على قاتل أبيها وزوجها وإثبات إدانته بجريمتي القتل لكليهما وكذلك الاعتداء على أختها، خارت قواها وهي لم تنم لأكثر من يومين على مقعد جانبي في مكتبه لعدة ثوانٍ قبل أن تشب واقفة بأدرينالين تدفق بجسدها عندما فتح الباب يطل عليها بنفس الملامح الجادة التي أنبأتها أنه يعلم أنها تنتظره هنا منذ ساعات:
” أختي فين يا يوسف؟ أخوك عمل فيها إيه؟”
كانت نبرتها هجومية كعادتها عندما يكون الموضوع يخص روڨان، تتحول من تلك المرأة الرقيقة لأخرى بمخالب قد تقتل أيًا من يقترب من شقيقتها، التف حول مكتبه يخرج سلاحه يضعه فوق المكتب بينما أتبعه بسترته وحدثها بهدوء متعمد:
” أختك مع جوزها يا رنيم، هيكون عمل فيها إيه يعني!”
عقدت ساعديها بتحفز تحضنها لجسدها الذي لا تزال لا تضع فوقه سوى اللون الأسود، بعد خسارتها المريرة لأبيها وزوجها في ليلة واحدة:
” قولي أنت، قولي أنت أخوك المفتري القادر ممكن يعمل فيها إيه، قالها حاجة؟، عرفت أي حاجة عن اللي حصل يا يوسف؟”
ارتمى على مقعده يحدثها بإرهاق:
” يا رنيم أرحميني شوية أنا منمتش بقالي يومين، يحيى عمره ما هيأذيها، أنا وأنتِ عارفين إنه روحه فيها …”
” لا أنا مش عارفة حاجة، أنا أختي تعبانة ومش حمالة شغل الجنان بتاع أخوك خالص”
قاطعته بهجوم ليتفقدها لوهلة من أسفل أهدابه بعينيه الفحميتين التي تلتهم كل تفاصيلها دون أن يجعلها تدرك ثم حدثها بثقة لا متناهية:
” طب ممكن تقعدي لو سمحتي!”
امتثلت بعصبية مفرطة وقدمها تطرق على الأرضية الخشبية لمكتبه بحذائها الرياضي الذي ماثل فستانها الأسود في اللون:
” أديني قعدت، أتفضل قولي هي فين بقى ”
طرد نفساً هادئاً قبل أن ينبس:
” في المستشفى، بس هتخرج النهارده…”
” إيه!!، مستشفى؟، ليه حصلها إيه، عملها إيه يدخلها المستشفى؟ كلمهولي حالاً يا يوسف هو هيرد عليك!، كلمهولي بدل ما والله العظيم هقلب الدنيا فوق دماغه…رامي لسة ميعرفش حاجة وفاكر أخوك لسة محل ثقة، أنا ممكن أكلم زياد على فكرة و….”
ضرب على مكتبه بعنف أجفلها وأوقفها عن الكلام بينما اندفعت الكلمات منه دون وعي:
” نعم ياختي، زياد ده إيه ده اللي بتهدديني بيه؟، بقولك إيه؟، احمدي ربنا إنها جت على قد النقل، أنا حايش يحيى عنه بالعافية، شوفي بتقولي إيه يا رنيم متطلعيش عفاريتي على المسا…”
ابتلعت غير مصدقة نبرته وأنه قد يتحدث معها بتلك الطريقة ولم تجد سبباً لهذا الهجوم أبداً:
” أنت بتتكلم معايا كدة إزاي؟!، أنت فاكرني متهمة عندك يا يوسف؟، مش كفاية لاطعني كل ده وأنا ميتة من القلق عليها؟ كمان بتهددني!، هو إيه خلاص عشان واصلين يعني تفتروا على خلق ربنا أنت وأخوك ”
نهض مكوراً قبضته فوق مكتبه بهدوء تلك المرة ولانت نبرته ولكنها لم تتخلى عن الجدية:
” أنا عمري ما افتريت على حد يا رنيم وأنتِ عارفة، بس أنتِ كدة طول عمرك مبتشفيش قدامك لو الموضوع روڨان”
ابتسمت بسخرية وقد كانت أول ابتسامة تمنحه له منذ أن رآها اليوم وكم محتها سريعاً وهي تهتف
ولا نية لها في التنازل أبداً:
” يعني أنت مافترتش على حد، بس أخوك المحامي اللي بقى أشهر من النار على العلم بيفتري مش كدة؟”
أغمض عينيه بنفاذ صبر بينما اندفع اليأس داخلها لذروته وكادت أن تدمع وتحدثت بآخر أمل لديها:
” يوسف عشان خاطري أنا عايزة أطمن عليها، روڨان بنتي وأنا اللي مربياها زيها زي ديجا، أنا بجد هتجنن من القلق عليها!”
رق قلبه لها والتفت بخطواته الهادئة يحيط كتفيها يجلسها برفق بينما جلس على الطاولة أمامها، يحدثها بنبرة هادئة تخلى بها عن أي عناد أمام ملامحها الجميلة التي أضحت حزينة على الدوام:
” صدقيني يا رنيم هي كويسة، يحيى أداها منوم عشان جالها انهيار بعد المحاكمة مش أكتر”
هبطت دمعاتها وقد عادت مجدداً لواقعها المؤسف ليمد لها أحد المحارم الورقية:
” ممكن تهدي بقى لو سمحتي، أنا عارف إنك مبتحبيش يحيى بتاع دلوقتي، بس بعيداً عنه، عندك شك إني ممكن أسمح إن حاجة وحشة تحصل لأختك أم لسانين دي!”
ابتسمت رغماً عنها على تذكره هذا اللقب الذي التصق بشقيقتها منذ طفولتها وغفلت عن هذا السحر الذي ألقته ابتسامتها عليه ليبتسم وهو يتراجع للخلف قليلاً عن مساحتها وقد أسكرته أنفاسها القريبة الدافئة ورائحتها المنعشة كعادتها دائماً، بينما عادت عيناه لها من جديد عندما همست وهي شاردة بنقطة وهمية:
” أنا خايفة أوي يا يوسف، روڨان هتعرف كل حاجة في يوم وقلبي حاسس إن اليوم ده قرب أوي، بعد ماما وبابا وحسن، مش هقدر استحمل أخسرها ”
ابتلع بضيق عند ذكرها زوجها الراحل ،بينما التهمه تأنيب الضمير وهو لا يدري أيخبرها أن هذا اليوم جاء بالفعل أم يلتزم الصمت حتى يتأكد مما سيحدث عند استيقاظها، لعلها عادت لنقطة الصفر من جديد وتبقى كراهيتها الشديدة لأخيه هي أقل الأضرار في تلك الحرب التي يحيا الجميع بها:
” مش هتخسريها ولا حاجة متخافيش، صدقيني يحيى عنده استعداد يخسر أي حاجة بس هي هتكون كويسة، حتى لو فضلت تكرهه عمرها كله، عمره ما هيختار نفسه عليها يا رنيم، ثقي فيه شوية ”
نقلت عينيها التي صفا لونهما بين عينيه بعدم اقتناع وهمست بصدق:
” أنا مبقتش أعرف يحيى يا يوسف، ده مش يحيى اللي كان ممكن أثق فيه يبقى جوز أختي اللي ربتها…بص في عيني وقولي إنه متغيرش!”
أنقذه من الإجابة عليها هاتفها الذي رن خلفه ليمد لها حقيبتها بينما تقدمت هي تنقي حنجرتها قبل أن تجيب على زوجة أخيها:
” أيوة يا هنا!، أنتو كويسين حد حصله حاجة!”
ابتسمت الأخيرة بتفهم لهذا القلق الذي أصبح يسيطر على شقيقة زوجها بانتظام ثم تحدثت بنبرة مرحة:
” كويسين يا رينو، أنا وديجا وزين وكارما كنا داخلين نعمل فشار وهنجيب فيلم نشوفه، كنا عايزين نعرف هتلحقي أغنية ديجا اللي بتحبها في الفيلم ولا نستناكي ”
مهدت لها قبل أن تضعها على مكبر الصوت فرفرفت “رنيم” أهدابها قبل أن تهتف بأكثر نبرة ثابتة تمتلكها:
” لا طبعاً هلحق، أنا خلاص أقل من ساعة وهبقى في البيت أهو ”
ابتسمت “هنا” لصغيريها وديجا قبل أن تتحدث لهم وهي تبتعد:
” يلا اتفقوا هنعمل فشار ب flavor إيه وأنا جاية ”
ابتعدت قليلاً ثم همست لها:
” أنتِ كويسة يا رنيم، صوتك معيط ليه، أخوه ده عملك حاجة ولا إيه، أبعتلك رامي!”
رفع يوسف واحداً من حاجبيه أمام ملامحها المحرجة بتعجب بينما همست هي بارتباك جعلها لذيذة للغاية في نظره:
” لا لا أنا كويسة وخلاص جاية أهو..يلا باي ”
بللت شفتيها وتحدثت بارتباك:
” هنا بتحب تبالغ شوية معلش ”
ابتسم بسخرية بينما أجابها:
” مش أنتِ اللي ماشية تلعني في أخويا يعني طول الوقت لدرجة إني بقيت أخوه ده دلوقتي يعني ! ”
تنهدت بهدوء تجيبه قبل أن تنهض:
” أنا مش عايزة أي حاجة غير إن كل ده يخلص يا يوسف…معلش عطلتك، لازم أمشي عشان ديجا مش هتنام غير وأنا في البيت ”
ابتسم بطيف من الحزن على هذا الشعور الذي لن يختبره أبداً ولوهلة أمتن أنها تزوجت من غيره وأنجبت كي لا تُحرم من أن يكون لها طفلاً من دمها يوماً، بينما نهض يعيد وضع سلاحه بحزام خصره ه سترته مرة أخرى وتحدث يرافقها للخارج:
” استني أوصلك، بلاش تسوقي وأنتِ معيطة كدة!”
توقفت أمامه تفرك كفيها في ارتباك، وبداخله ابتسم على مظهرها المتوتر الذي نافى تلك المرأة التي كادت تقتله في مكانه منذ قليل واستمع لها تحدثه:
” لا مش لازم، أنا كويسة بجد ”
” امشي قدامي يا رنيم، أنا كدة كدة مروح وبقالي يومين منمتش أصلاً”
**************************
ألقى بحفنة من الماء على وجهه مجدداً، علّه يستفيق من هذا الكابوس الذي طال تخييم ظله فوق حياته، ولكن لا فائدة. هو الآن لا يفعل شيئاً سوى حصد ما زرعه بصمته لسنوات طويلة؛ تلك الضريبة التي أرجأ دفعها طويلاً حتى تضخمت وأصبحت تهدد باقتلاع أغلى ما يملك.
استمع لطرقات أبيه على باب غرفتها بالمشفى ليغادر الحمام مجففاً وجهه، وما أن خرج حتى تفقده أبيه بضيق قبل أن يجذبه له في عناق يربت على ظهره بربتات متتالية داعمة، ليتنهد يحيى بثقل وهو يبادله العناق واستمع لسؤاله:
” عاملة إيه دلوقتي؟”
” نايمة!”
أومأ بتفهم ثم سحبه من ذراعه نحو أحد المقاعد يحدثه بلين:
” طب تعالى عايزك!”
سار معه بينما حدث أبيه أحد هؤلاء الرجال الكثيرين الذين يطوقون الطابق بأكمله من أجل حراستها:
” هاتلنا قهوة يا حبيبي لو سمحت!”
ارتمى على المقعد يحك خصلاته الطويلة نسبياً من الخلف بينما حدث أبيه بتعب:
” بابا لو سمحت، أنا مش قادر لأي كلام عن اللي حصل ولا عن إنك حذرتني وكنت عارف إننا هنوصل لهنا ”
جلس بجانبه يتفقده بلين بملامح شابهته وزادها الكبر وسامة بينما حدثه:
” أنا ولا جاي أديك مواعظ ولا حكم، أنات خلاص كبرت وبقيت راجل كبير مسؤول عن تصرفاته، بس أنا عايز أعرف هتعمل إيه يا يحيى مع مراتك!”
التفت له مستنداً على كفه ونظر له بشرود:
” هستناها تفوق وأشوفها فاكرة إيه؟ ونسيت إيه؟”
خفت صوته بخوف دفين عند نهاية جملته ليرمقه أبيه في تفهم وسأله بالقليل من المنطق:
” روڨان خدت صدمة تانية يا يحيى، حط نفسك مكانها وشوف لو صحيت في يوم لقيت نفسك كل اللي تعرفه عن حياتك كذبة هتعمل إيه ”
ابتسم ساخراً واكتفى بالصمت، لن يفهم أحد أنه دفع ثمن كل ما صدقته هي لسنوات طويلة، وابتلع دفعة كل تلك الآلام التي تذكره بمرارة الماضي وكل ما فقده واختار الصمت وقد يئس من أي كلمات قد تعبر عما يعتليه من يأس في حياة كاملة لم يرد بها سواها:
” أنا عارف، متقلقش، متقلقوش كلكم لو مش فاكرة مش هفكرها ”
أومأ له في تفهم ثم سأله بصراحة مطلقة اعتاد كلاهما عليها:
” طب وفي الحالتين لازم تطمن إنها مش هتحاول تنتحر تاني، روڨان لازم تتعرض على دكتور نفسي شاطر أوي يا يحيى، ولازم رقابة عليها 24 ساعة، فهمني يا
حبيبي هتعمل ده إزاي وسط كل اللي أنت فيه، والقضية اللي شغالة، مش معقول هتعيش عينك في وسط راسك كدة!”
هز رأسه في تفهم وبداخله يعلم أنه محق إن أراد حمايتها مما حولهما لن يستطيع حمايتها من نفسها والأصعب أنه لا يستطيع حمايتها من نفسه، ليت كل شيء بقى كما كان، ليتهما ظلا حبيسين في ذكرياتها بلا رجعة للأبد ولكن دائماً ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ثم خرج صوته أخيراً بما لا يصدقه كليهما:
” أنا هتصرف يا بابا، متقلقش…كل حاجة هتبقى كويسة!”
*********************
توقفت سيارته أمام منزل عائلتها الذي اختلف عن المنزل القديم لتبتسم له بامتنان وهي تحل حزامها قائلة:
” هتطمني عليها وتخليها تكلمني صح!”
أومأ لها وأصبح ذنب عدم إخبارها بما حدث يحاصره من كل اتجاه ولكن لا جدوى من معرفتها على أي حال، لن يتسبب سوى بالمزيد من القلق، بينما بان عدم اقتناعها في عينيها همست وهي تترجل نحو بيتها:
” تصبح على خير يا يوسف!”
راقبها تبتعد خلف بيتها حتى غابت خلف البوابة فتحرك بسيارته وهو يعلم أن أحداً ه منذ أن خرجا سوياً من مكتبه
****************
” كنتي فين يا رنيم!”
انتبهت لنبرة أخيها المتحفزة بينما نظرت لـ”هنا” التي تحدثت سريعاً في محاولة لتهدئة الأجواء وهي تتلمس ذراعه:
” الولاد ناموا، يلا عشان نتعشى سوا!”
ابتلعت تتقدم منه وهي تدرك هذا العبء الذي أصبح يحمله بعد موت والدهما والذي جعله رجلاً آخر غير أخيها الهادئ الحنون، وتحدثت وهي تلقي مفاتيحها على طاولة جانبية:
” كنت مع يوسف، بشوف أختك فين، من يوم ما اتحكم في القضية وهي مبتردش عليا، ولا عارفة أوصلها، وسي يحيى اللي كلكم واثقين فيه ده باعدها عني وقافل عليها مية باب من يوم ما اتجوزها ”
” يحيى جوزها يا رنيم، وللمرة المليون بقولك بطلي تتعاملي معاه بالطريقة دي ”
ارتفع صوته ليرتفع صوتها وهي تتقدم نحوه و”هنا” تطالع كلاهما بترقب قلق:
” إيه الثقة دي مش فاهمة، أنت مشفتوش من إمتى؟، ولا نسيت اللي حصل من عشر سنين وخلانا نسيب كل حاجة هنا وننقل القاهرة…بابا لو كان موجود كان…”
” بابا هو اللي وصى إنها تتجوزه!”
قاطعها في حسم لتلتمع عيناها بالدموع وهي تتذكر وقع ذلك على شقيقتها وقتها، بينما أردف هو متجاهلاً كل ما يشعر به وعبراتها التي تؤلمه:
” ورايح محدش في البيت ده يتحرك منه من غير ما يكون معاه حراسة وأنا عارف هو رايح فين؟، وللمرة المليون روڨان مع جوزها وبقت كبيرة مش محتاجاكي تجري وراها في كل حاجة!”
” رامي!”
همست “هنا” تهدئه بينما أومأت شقيقته بحزن قبل أن تتجه لأعلى حيث غرفتها لتتحدث الأولى بعتاب:
” ليه كدة يا رامي، ما أنت عارف إنها بتعتبرها بنتها، حرام عليك دي هتموت من القلق ”
زفر بغضب مما فعله ولكنه تمسك بما يخشى حدوثه وهتف مجيباً بنبرة لاذعة:
” أنا مش هستنى أشوف حد منكوا تاني يجيله حاجة، يحيى يقدر يحمي روڨان كويس، بس الهانم اللي فوق دي اللي مش مدركة لسة إن أبوها وجوزها اتقتلوا في ليلة واحدة أعمل إيه لو حصلها حاجة!”
تقدمت تعانقه وهي تربت على ظهره بتفهم وتدرك كم كل شيء بالغ الصعوبة عليه وشعرت به يبادلها العناق يستمع لها تهدئه:
” متقلقش يا حبيبي، إن شاء الله محدش هيحصله حاجة، أهدى أنت بس وكلنا هنكون كويسين!”
*******************************
اندمجت أناملها في الطين الرطب تتحرك بخفة ومهارة فوق عجلة الفخار الدوارة، تعيد تشكيل شيئاً ما لا تتذكر ما هو، ولكن تتذكر أنه تحدٍ ربما! لا تعرف، لا تتيقن سوى من تلك السعادة التي تملأها وهي تشعر بلمسات مألوفة على يديها الملطختين بالطين، لمسات دافئة كانت تحيط كفيها من الخلف، ترشدها لضبط زوايا القطعة التي تصنعها، وصوت هامس خلف أذنها يطمئنها بأن كل شيء سيكون بخير، وللصدفة البحتة تزامنت كلماته مع انتشار موجة من الألم ارتكزت على جانب جذعها العلوي، وفجأة تلاشى صاحب الصوت الدافئ وتلاشى إحساسها بيديه، حتى أن جدران تلك الغرفة التي بدت كقطعة من الجنة بدأت في الانتقاض حتى حل محلها بيت شعرت أنها عاشت به طوال عمرها ومع ذلك لا تعرف عنه شيئاً، سحبتها قدماها نحو البهو الواسع الذي يكسوه التراب في كل انحائه متبوعاً بظلام ينبئ عن كونه مهجور، لتلتفت حولها في رعب وكل ما أرادته أن تصرخ مستغيثة بأي أحد ولكن صوتها لم يخرج حتى اصطدمت قدماها بجثة هامدة لجسد امرأة مهشمة أسفل درج ملتوي، ثم رفعت عينيها لأعلى الدرج لتصطدم بعينيه المرتعبة ولم تعرف كيف استقرت بين ذراعيه بلا حركة وعيناها تزوغان والألم بجانبها العلوي لا يتوقف عن الازدياد كما أن هناك اختناقاً برئتيها وكأنها على مشارف الانفجار بينما ربتاته العنيفة على وجهها متبوعة بعبراته التي بللت جبهتها وهو يأمرها:
” بصيلي!، خلي عينيكي عليا!”
تلاشى صوته في أثر صدى صوت رصاصة استقرت بجسدها بينما غرق جسدها بالظلام قبل أن تشهق فاتحة عينيها من هذا الكابوس برعب وصرخة عالية شقت صمت الغرفة وهي تنادي:
” يحيى!”
…..