إستفاقت من قبله، لتجدُه لازال نائمًا جنبه المقابل لها عاري الصدر كعادته مستندًا على ذراعه العضلي، مسحت على وجهها و تذكرت ما حدث ليلة أمس .. إنهارت في بكاءٍ مُفجع، مجرد تذكر الأمر .. و إمكانية عِلم ريان و عودته لسابق حاله معها و شكُه بها مرة أخرى جعلها تجِن، هي لن تستطع تجمل أن يعاود كسابق عهده، لن تتحمل الأمر، بكائها رغم خفته إلا أنه أفاق ريان، الذي فرك عيناه و نهض يطالعها بعدم إدراك بعد، و من ثم أدىك بكاءها حتى قطب حاجبيه و زفر متضايقًا
يقول: -يا صباح النكد و الهرمونات! بتعيطي ليه يا نكَدو طالعته بضيقٍ و كادت تنهض من جواره إلا أنه قبض على رسغها و قبض بقسوةٍ يقول بحدة: -مية مرة أقولك لما أكون بكلمك تتزفتي و تترزعي مكانك! -سيبني لو سمحت! قالت و هي تحاول إبعاد رسغها فـ قال مُحتدًا: -أفهَم في إيه!!
نظرت له للحظات تفكر بها أتخبره أم تبقى بهذا القهر بمفردها، تبتلع ما حدث بالأمس و كأنه لم يحدث البتة، و كأنه لم يمسها بعد أن عاهدت لمسات جسدها من زوجها الذي تعشقُه إلى الحد الذي لا حد له، و لكن كيف تخبره و هو بالأساس يظن بها السوء، كيف تخبره و هو لا يطيق سيرة سيف و سيرتها في جملة واحدة، إكتفت بأنها توقفت عن البكاء و شردت للحظات قبل أن تقول بـ نبرة مُنكسرة لا حياة فيها: -أنا .. أنا بس حلمت بـ بابا و ماما!
نظر لها للحظات بشكِ، و لا يعلم لِمَ راوده شعور أنها تكذب، لكنه تنهد و أسند ظهره على الفراش يمد لها ذراعه الأيمن ناحيتها في دعوةٍ مُبطنة منه أن تتوسد صدره، سُرعان ما صرّح بقى يقول بنبرة خشِنة لكن مست بها الحنان: -تعالي طيب في حضني
فعلت و بلا تردد، كان هو ملجئها الوحيد من تلك الأفكار التي تتقافز برأسها. هي خائفة منه و عليه في آن، أغمضت عيناها و شعور بالراحة إختلجها إمتزج بشعور بالرعب من ردة فعلُه إذا علِم، إرتجفت فـ لاحظ هو .. مما جعله يربت على خصلاتها و يقول بحنو لمس قلبها: -وحشوكِ؟ أومأت و بكت، هي بالفعل إشتاقت لهما و هي متيقنة إن كانا على قيد الحياة لكانت هي في حالٍ أفضل الآن، حاوطت معدته و قالت بحُزنٍ:
-مش بس وحشوني .. ده أنا بتمنى لو كنت مُت معاهم معيشتش بعدهم دقيقة واحدة مسح على ظهرها يقول متضايقًا: -طب بس بلاش هبل .. كنتِ طفلة وقتها و بعدين أنا كنت باخد بالي من كل حاجة تخصك .. أكلك و شربك و نومك اللي كان بيبقى في حضني طول الوقت
علت بأنظراها لتحدق في عيناه التي سريعًا ما هربت من مرمى عيناها، أمسكت بذقنه و لفّت وجهه لها، فـ نظر لها مُرغمًا و حدث ما خاف منه طيلة حياته، أن يقع أسيرًا لعيناها، لم تكُن أعينها ذات لون فتّاك أو باللون السماوي، كانت أعين متوسطة الإتساع ذات لون عسليٌ خالص، و أهداب أحاطتها فـ رسمتها رسمًا، كل مرة تقع عيناه عليها ينتفض قلبه، بل و يدق بشكلٍ مُريع، يرتجف قلبه بشكلٍ يخجل منه، ها هي تُحدق به ولا تعلم مقدار ما تُحدث عيناها من جلبة، و زدات هي الطينُ بلّة عندما دفنت رأسها في عنقه و أخذت تهمس فـ
تضرب أنفاسها بشرته: -إنت عارف إن أنا لو مشيت .. مش هرجع تاني، و بردو بتزُقني بعيد عنك في كل مرة بقرّب! -إنتِ مش حاسة باللي جوايا! قالها بعدما نظّف حلقُه، و سحب نفسًا عميقًا مُبعدًا عيناه المُعذّبة عن عيناها مُعذِبته، مما جعلها تغمغم و هي تعتدل بجلستها لتنظر له و تبقى في مواجهته: -حاسة إننا بنعذب في بعض .. تيجي نبعد طيب؟ نمشي؟ إبتسم ساخرًا، هو لو كان يستطع الذهاب فـ ماذا يجبره على تحمُل ذلك الشعور و البقاء جوارها!
ماذا كان سيجبرُه على الزواج منها بالأساس! ، وجدت في إبتسامته الساخرة إجابة، و كإنه لم يعترض لاسيما عندما صمت .. و شرَد! تابعت تشعر بغصة في حلقها: -لو إنت مش عايز تعمل كدا عشان أهلك ميزعلوش منك .. ممكن أنا أعمل الخطوة دي، و أقولهم إن أنا اللي مش عايزة! إعتدل في جلسته و نظر لها يوزع نظراته ما بين عيناها و يقول و قد شعر بضيقٍ فور أن إخترقته كلماتها: -إنتِ فعلًا مش عايزة؟
صمتت .. ولا تعلم من أين أتتها الدمعات تُغمغم بإرتجافةٍ و تحدق بأناملها: -أنا تعبت .. تعبت يا ريان وحاسة إني في ضغط طول الوقت، عايزة اعيش مرتاحة بقى! -هترتاحي لما نبعد مش كدا؟ قالها و هو يسترجي إجابة .. فـ إن قالت لا سيُعانقها، و إنت تمتمت بـ نعم سيشدد على عناقها، و لكن ماذا إن لم تُجيب في الأساس، أمسك بكفها الذي تمنى لو أن تحدق به مثلما تحدق به، أمسك بذقنها بكفُه الآخر و نظر لعيناها التائهة يقول بحنو: -عايزة تسيبيني؟
عذّبها أكثر بسؤاله، فـ شعرت ببرودة في أطرافها ولا تعلم من أين واتتها، شعر هو بها فـ أخذها في عناقٍ عميق حيث لفّها برفقٍ ليلتصق ظهرها في صدرُه، دفن أنفُه في خصلاتها مغمض العينين، يغمغم بهدوءٍ: -أنا حقيقي مش هقدر أبعد .. بس لو إنتِ قدرتي على ده .. هسيبك تعملي اللي إنتِ عايزاه! شددت على ذراعه الذي حاوط خصرها، و قالت برعشةٍ غمرت صوتها: -أنا .. حاسة إننا محتاجين ناخد بريك .. مثلًا! -بمعنى؟
قالتها مستندًا بذقنه على كتفها، فـ قالت بـ توتر أكبر: -يعني .. آآ نبعد شوية -ننفصل يعني؟ قال بغموضٍ و نبرة لم تفهمها، لتُردف بهدوء: -مش بالظبط .. مش هنعرف نعمل كدا هنا .. بس ممكن يعني مننامش على سرير واحد، ميحصلش بينا حاجة و منتكلمش مع بعض بردو كتير، عشان كل واحد ياخد مساحته في التفكير! لم يجيب للحظات، فـ زادت وتيرة حيرتها، كانت لتبتعد عنه لولا أنه شدد على خصرها، و غمغم بهدوءٍ: -خليكِ
نظفت حلقها و إنتظرت ردُه، وجدته يُرتب خصلاتها .. و يُقبل عنقها بـ قبلة عميقة إستغرقت عشر ثوانٍ، قبل أن يبتعد و يتركها قافزًا من فوق الفراش يدلف للمرحاض و يصفع الباب خلفه، وضعت رأسها بين كفيها ولا تعلم بأي مأزق أقحمت نفسها به، نهضت هي الأخرى تُرتب الفراش و تُخرج ثيابها لكي تحلس مع دليلة عوضًا عن المكوث هنا معه، أخرجت ثيابه أيضًا و وضعتها على الفراش، خرج بعد دقائق فـ مرت جواره تدلف هي، لكن إستوقفتها
كلماته عندما قال بهدوء: -مالوش لازمة تطلعيلي لبسي .. إحنا في بريك! لم تجيب .. و دلفت للمرحاض بهدوء، وضعت ثيابها جانبًا، و حاولت بكل قوتها ألا تبكي، فتحت المياه بعدما نزعت ثيابها و دلفت لحوض الإستحمام
بعدما إنتهت، إرتدت و خطت خارج المرحاض فـ لم تجد، وجظت فقط بواقي عطره منثورة في الهواء، إرتدت ثيابها و لملمت خصلاتها على هيئة ضفيرة تركتها على كتفها، و خرجت من الجناح تترجل بشرودٍ، حتى قفزت أمامها سُهير التي سُرعان ما سممت روحها بكلماتٍ شنيعةٍ: -إصبري عليا يا بنت محمد و نادية! و الله ما خد هيلطّمك و يدوّرك في الشوارع غيري أنا!
حدجتها بنظرات ساخرة، ثم تركتها و ذهبت، لم تجد أحد مستيقظ، فـ خرجت لتجلس في الحديقة و عيناها تبحث عنه .. رغمًا عنها، لكنها جلست يائسة أن تراه بعدما شعرت أنه ذهب، لم تشعر بـ وقع خطوات خلفها، حتى إنتفضت عندما وجدت يد على كتفها، إنتفضت للدرجة التي جعلتها تقفز من فوق الأرجوحة، و تلتفت فـ تتقابل بـ وجهه الذي بات بغيض بالنسبة لها، تجده يقول بإبتسامة صفراء: -ينفع الطريقة الوحشة اللي إتعاملتي معايا بيها دي!
لم تستطع التحكم في صوتها الذي تعالى و لغة جسدها الحادة و هي تصيح به: -إياك تلمسني قسمًا بـ ربي أقطعلك إيدك! غمغم سيف ببرود: -تؤتؤتؤ .. كفاية تهديدات عشان بخاف أوي! -و أنا ممكن أخوفك أكتر .. بس مش بالتهديدات!!!
أتى صوتُه من خلفها، و في لحظة لا تعلم كيف كانت تقف خلفه بعدما جذبها بـ قوة لتتحامي بظهره، و في اللحظة الثانية كان يسدد له لكمة أوقعته أرضًا و جعلت جسد المسكينة ينتفض، ليس فقط لقوة اللكمة .. بل لحضوره في هذه اللحظة مما قد يجعله يعود ليشك بأمرها كادت تنهار مغشيًا عليا بعدما سبه بأفظع الشتائم و سحبها من ذراعها ليدلفا لمكتبه و التي كانت أقرب نقطة للحديقة، حمدت ربها أن ما من أحد بالبيت مستيقظ سواهم و سوى سهير التي لم
تنتبه لِمَ حدث، أدلفها المكتب و أغلق الباب، تصاعد صدرها و هبط من شدة خوفها تقسم أن الدماء قد هربت من جسدها، تجسدت أمامها تلك الذكريات التي لطالما جعلت هنالك شقّ في علاقتهما، تذكرت عندما سحبها بـ ذات الطريقة و إستمتع بذُلها أمامه، حاولت أن تفيق عقلها من تلك الذكريات السيئة و تدافع عن نفسها، ولكن لم تحسب حسبان أن تجهش بالبكاء و ترتجف كـ ورقة شجرة في مهبّ الرياح وسط حديثها و هي تجلس على ابمقعد يعدما شعرت أنها على وشَك
السقوط: -والله .. مـ كنت أعرف إنه هيعمل كدا! أنا إتـ ..فاجئت بيه! ريان أنا .. أنا معملتش والله .. حاجة أنا..
إنهارت في البكاء أكثر محدجة أسفلها و تمسح عيناها و وجهها كالأطفال .. مشفقة على ذاتها من حالة الرعب التي قد أوصلها لها، حتى وجدت من يحاوط أكتافها، وجدته يجذبها برفقٍ لتقف .. وقفت و توقفت عن البكاء .. نظرت له لتجد عيناها حمراء لكن هادئة، لمسته لأكتافها لم تكن بالقاسية بل على العكس، وجدته يرفع وجهها له بعدما حاوط وجنتيها، يقول بـ نبرة لمست بها الحنان: -إهدي .. أنا شوفت كل حاجة من عندي هنا، خلاص مافيش حاجة!
طالعته مذهولة، صمتت لثواني تتأكد من تعبيرات وجهه أنه لا يمزح، لا يستدرجها لأمرٍ خبيث مثله .. لكن وجدته جدي يتحدث بنبرة ثابتة أقرب إلى الحنان، حتى أن تعابير وجهه قد رقّت عن تلك المتشنجة المشدودة قبل دقائق، حاول هو بدوره تهدئة رجفتها تلك، فـ قرب ذراعها منه ليضمها لصدره مغمغمًا برفقٍ: -بتترعشي ليه؟ إهدي!
كانت جملته كالإشاءة الخضراء التي سمحت لشهقاتٍ باكية حارقة تندفع من بين شفتيها، مما جعلها تبكي و هي تتوسد صدره بفعل كفه الذي قرّبها منه ضاغطّا ضد ظهرها، بكت و تشبثت في قميصُه تشعر بروحها ستغادر جسدها، و بعدما كانت في قمة القُرب منه، باتت في أبعد نقطة عنه بعدما دفعته فـ إبتعد لعدم توقعه حركتها، بينما وقفت هي تحدج بها بعنفٍ و أعين حمراء لا تنم سوى عن غضبها منه و قلبها المُشتعل، إبتعدت عنه تصرخ و هي تضرب على سطح مكتبه بكفها الأيمن
ولازالت تواجهه بجسدها: -أنــا بـكـرهـك .. فـاهـم يـعنـي إيــه!! أنـا كـرهـتـك و كـرهـت خوفي منك و كرهت العيشة معاك! إنـت تعـبتني! أنا إتبهدلت بسببك! إتبهدلت أوي و مكانش ليا ذنب! على نحو السرعة كان يقترب منها ضاربًا بإعتراضها عرض الحائط، محاوطًا وجهها و ممسدًا وجهها المتعرق، فـ تابعت هي بصوتٍ مبحوحٍ: -أنا معملتش حاجة غير إني حبيتك .. و إستحملتك!
إستحملت معاملة زبالة و قلة أدب و قلة كرامة .. إستحملت إنك تيجي عليا و تشك فيا و تظلمني و تسمم بدني بكلامك و طريقتك!
أنا .. أنا عُمري م هنسى القلم اللي خدته منك بعد م الحيوان اللي برا ده دخل عليا الأوضة .. عُمري م هنسى إحساسي و أنا بقرب منك عشان أحضنك .. أستغيث بيك .. أقولك إلحقني .. أقولك خبيني .. ألاقيك بتضربني بالقلم .. بتشدني من شعري بتشتم و تهين براحتك عشان عارف إني ماليش حد .. و إن محدش هيُقفلك، أنا بقيت بخاف منك و بخاف من ردة فعلك و بترعش بس لما أحس إني إتحطيت في موقف ممكن لما تشوفني فيه تشُك فيا
كانت تتحدث بصوت لان له قلبه و حواسه و هو يراها بالكاد تتنفس وسط كلماتها، حتى أنه حاوط وجنتيها و رفع وجهها لأعلى علّها تلتقط الأكسجين بشكلٍ صحيح، و في لحظة وجدها تتراخى بين يداه و تسقط فـ يتلقاها هو في أحضانه .. يضمها لصدره الذي تشنج جاعلًا من عضلة قلبه تنقبض و يكاد يقسم أن لم تنبسط، حملها بين يداها .. وضعها على أريكة مكتبه و إلتقط كوب مياه وُضع جوار دَورق، سكب المياه فوق باطن كفُه و نثرها على وجهها متمتمًا:
-ليل .. سامعاني؟ بدأت بوادر الإستفاقة تظهر على وجهها، فـ مسح على خصلاتها هامسًا جوار أذنها و هو يلتقط رأسها جوار قلبه بعدما جلس على ركبتيه جوارها: -متقوميش .. خليكِ في حُضني شوية إبتعدت عنه و مسحت على خصلاتها و هي تعتدل و تجلس، ترتجف غضبًا و هي تنظر لنقطة وهمية بالفراغ: -طلّقني .. أنا عايزة أتطلق!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!