الفصل 52 | من 83 فصل

في مدينة الإسكندرية الفصل الثاني وخمسون 52 - بقلم 𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

المشاهدات
74
كلمة
11,419
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

صلي على من قال أمتي أمتي ❤️

توقفت السيارة قريبًا من المشفى في حدود الساعة الثالثة فجرًا، وهذا بالطبع لم يكن يعجب يونس البتة فقد أصر حمزة على أن يذهب الآن إلى المشفى في هذا الوقت بالتحديد وجره هو خلفه متحججًا أنه لن يستطيع الدلوف إلى المشفى بدونه وهذا لأنه ضابط

-ها يلا ننزل

هتف بها حمزة بنبرة مغلفة بالهدوء فنظر إليه الآخر بعدم رضا ثم قال :

-هو حد يعمل كده؟! جاي الساعة تلاتة الفجر علشان تشوفها مش عارف تستنى للصبح، قتلك الشوق للدرجة دي؟!

-شوق ايه يا يونس؟ انا بس مش هقدر اشوفها الصبح لأن عمامها وأهلها هيبقوا موجودين وانا مش عايز اعملها مشاكل خاصةً وانا حاسس إني عمها اللي اسمه حسن ده ملاحظ نظراتي ليها، كل ما ابصلها في وجوده بلاقيه باصص ليا انا بالذات كأنه هيقوم ياكلني قلمين

رفع يونس إحدى حاجبيه بعدم تصديق البتة فقال الآخر زافرًا بإستسلام :

-ماشي انا مش عارف أنام كل ما اغمض بشوف شكلها لما كانت في الحجز بين الحياة والموت، بسمع صوتها وهي بتصرخ من الوجع يا يونس، عايز اشوفها عايز أطمن عليها، هبصلها من بعيد لبعيد مش هدخل الأوضة الموجودة فيها حتى

-طب لو حد من عمامها فوق هيبقى وضعك ايه؟؟

-محدش معاها غير بنت عمها براءة ومامتها، يوسف واخد شفت مسائي وقالي

هبط يونس من السيارة مستسلمًا للأمر فعلى الأرجح جن ابن عمه فهو لا يتصرف بشكل طبيعي منذ حادثة نور هذه، حتى من قبلها :

-أنزل يا عم الرومانسي والله هنروح في داهية بسببك، هندخل إزاي بس في وقت زي ده المستشفى!؟

هبط حمزة بعدما أطفأ السيارة ثم قال :

-انت هتدخل بصفتك ظابط وطبعًا نور دلوقتي متهمة فعايز تتأكد إن العساكر مراقبينها كويس

-طب وانت؟؟

-هدخل المستشفى من ناحية التانية لما تتكلم انت معاهم

لم يدع له فرصة للإجابة وتركه متجهًا إلى مدخل آخر للمشفى بينما حدق يونس في طيفه بغيظ :

-والله شكلنا هنروح في داهية

استدار ناحية البوابة وتأكد من وجود بطاقته معه ليقف حراس المشفى عندما وجدوا أن أحدهم قادم في إتجاههم، أما عند حمزة فقد دلف إلى المشفى بسهولة بسبب انشغال الحرس مع يونس، وهو كان مخطِطًا العودة مرة أخرى بالليل بعد رحيل جميع أقارب نور

لم يكن يبالغ عندما قال أنه لم يستطع النوم، فوالله لم يجافيه ولو لدقيقة كلما اغمض عينيه أتاه منظرها وهى ملقاة أرضًا كالجثة داخل حجز النساء


دلف إلى المشفى وفي هذه الساعة لم يكن أحدهم مسيقظًا لا أطباء ولا ممرضين ولا حتى مرضى فكان التحرك سهلًا بالنسبة إليه لكن... هو لا يذكر نور في أي غرفة؟ يبدو أنه سيذهب إلى يوسف أولًا حتى يعلم أين هى

انتفض بخفة على صراخ سرى بين الممرات بشكل واضح بسبب الصمت الذي يحل على المكان، يبدو أنه سيعلم أين هى دون اللجوء إلى يوسف فصوت الصراخ هذا صوتها

أما قبل دقائق وفي الغرفة القابعة بها نور كانت نائمة فوق الفراش ولكنها لا تغط في النوم فلتوها استيقظت منذ ساعة تقريبًا وكانت براءة نائمة في فراش آخر، وعلى الأرجح هي من باتت معها الليلة

حاولت الإعتدال على الفراش بعدما راودها شعور الذهاب إلى المرحاض ولكنها لم تستطع وبراءة لا تفيق فنومها ثقيل بشدة، حتى أنها حاولت أن تستدعي إحدى الممرضات من خلال الأزرار هذه لكنها لا تدري أي زر فهي لم تبات قبلًا في مشفى

حسنًا لا فائدة لا تستطيع التحمل، استندت على الفراش بذراعها السليم ودفعت جسدها للأعلى ثم أنزلت قدميها على الأرض ووقفت بعد معاناة، ساندت نفسها حتى تصل إلى براءة

ووصلت أخيرًا لها لتهزها بشئ من العنف منادية عليها والأخرى وكأنها مصابة بتخدير فكانت تهمهم دون فتح عينيها، وعندما يئست منها نور اتجهت للخارج وهي تستند على الحائط تسير ببطء شديد، ومن الجيد أنها أتت كثيرًا إلى هذا المشفى من قبل بحكم عمل براءة به لذا هي تعلم مكان المرحاض

سارت في الممر ولم تكن يبارح كفها الحائط فلا تستطيع السير حتى بسبب هذا الألم القوي في جنبها، نظرت حولها بحيرة هي لم تمر من قبل بهذا الممر، فلن تعلم إذًا أين هو المرحاض وهي لن تستطيع العودة مرة أخرى دون الذهاب إلى هناك فلا تستطيع التحمل

ظلت تسير ببطء وهي تحاول تذكر الممرات وكم كانت تشبه بعضها حتى شعرت أنها إن استمرت في السير فستفقد طريق العودة، توقفت في المنتصف لا تعلم أين تذهب وقد هلكها التعب بشدة فليس فقد جانبها هو من يؤلمها بل جميع عظامها تؤلمها

جلست بتعب شديد على مقاعد الإنتظار في منتصف الممر تتنفس بصوت مرتفع فعلى بالك كانت تركض
لأميال لا تسير ببطءٍ كسلحفاة داخل بعض الممرات، أدمعت عينيها بسبب ضعفها هذا وقد صدقت الحكمة التي تقول الصحة تاج على رؤوس الأصحاء

مسحت عينيها من الدموع وهي تنظر حولها لربما يكون هناك أحد يمر ويأخذها للمرحاض وعوضًا عن هذا اصطدمت عينيها بزجاج النافذة ولأن الجو ليل بالخارج وهناك ضوء بالداخل كان الزجاج كالمرآة ابصرت نفسها به بوضوح

كانت ترتدي ملابس المشفى المنقطة هذه وحجابها مربوط بإهمال حول وجهها، ذراعها في جبيرة بيضاء والتعب ظاهرًا بوضوح عليها، ولكن ما جعل الدموع تجري من عينيها هو وجهها المنتشر به بقع حمراء وبنفسجية لدرجة لم تعد ملامحها تظهر، ولو رأت صورة لها على هذه الشاكلة ما كانت لتعرف نفسها من شدة تشوه وجهها بالضرب


اختنقت بغصة في حلقها فأصبحت تشهق بقوة وكأن الأكسجين اختفى من حولها، حاولت أن تقف وتبتعد من أمام النافذة حتى لا تبصر نفسها بها هكذا، وما كانت النتيجة إلا أنها سقطت مجددًا على المقعد

لكن هذه المرة أصطدم جانبها المصاب بذراع المقعد فأطلقت صرخة متألمة دوى صداها في الممر وربما وصل للممرات الأخرى في هذا الليل الصامت

وضعت يدها على جنبها تبكي بقهر شديد على نفسها، وحيدة في هذا الليل لا تستطيع أن تقف وتعين نفسها وتذهب إلى المرحاض حتى، هل هناك ما هو أشد بؤسًا من هذا؟؟

ومن شدة بكائها لم تكن تدرك بحالها أنها تصرخ حتى جذبت لها الموجودين في المشفى فمن ناحية استيقظ الممرضين والطبيب الموجود في الدوام الليلي وهو يوسف، ومن الناحية الأخرى أتى حمزة وهو من أتاها أولًا

أما حمزة فظل يهرول في الممرات لا يدري من أين أتت تلك الصرخة ولكن ما إن علىٰ البكاء بصوت مسموع حتى اتبعه ليجدها أخيرًا تجلس على مقاعد الإنتظار ضاممة جسدها بذراعها السليم وتكاد تنتفطر من شدة بكائها

ركض إليها وقد سمع أصوات قادمة لا يعلم لمن تعود هل الممرضين أم الحرس ولكنه لم يبالي، وصل إليها ليجلس أرضًا أمامها يتفحصها بعينيه دون لمسها وكانت نبرته أكبر دليل على خوفه عليها في هذه اللحظة :

-مالك فيكي ايه؟ انتي برا بتعملي ايه أصلًا!؟

وكانت اجابتها متقطعة اختلطت بنشيج البكاء فلم يفهم منها سوى كلمات قليلة :

-وشي.... جنبي.... جسمي

أطلقت آه قوية هزته من الداخل فوقف بسرعة وامسك بذراعها السليم حتى تقف :

-طب قومي هاخدك عند يوسف أو الإستقبال قومي

لم يشعر في يوم بالتوتر والتخبط أكثر من هذه اللحظة، لا يدري ماذا يفعل والمشفى فارغ هكذا وهى تبكي دون توقف، فكر ألف مرة أن يحملها ويذهب بها إلى الإستقبال لكن هى لن تقبل بهذا

أتته النجدة من السماء عندما رأى يوسف ومعه براءة ووالدتها وممرضة أخرى قادمين من نهاية الممر فنظر حمزة إلى نور هاتفًا بطمأنة :

-اهدي خلاص جم

جعلها تجلس مرة أخرى تزامنًا مع اقتراب براءة والدتها منها، بل وقد حضر يونس ومعه العسكري المسؤول عن مراقبة نور وعلى الأرجح لم يكن متواجدًا أمام غرفتها فإن كان هناك فماذا تفعل نور هنا بمفردها

سحب يوسف عضده مذهولًا من وجوده في المشفى في مثل هذه الساعة :

-بتعمل ايه هنا يا حمزة!؟ دخلت إزاي أصلًا؟؟

ولم يكن بال الآخر معه بل مع نور التي ما إن حاوطتها والدتها تضمها إليها لكى تهدأ حتى زاد بكاء الأخرى وهى تقول :


-وشي يا ماما وشي، عملوا فيا ايـــــه

تحدث يوسف موجهًا حديثه لبراءة والممرضة الأخرى :

-خدوها أوضتها وانا جاي اكشف عليها

ختم حديثه وهو يسحب معه حمزة بعيدًا عن المكان وذهب به إلى غرفة الأطباء، وهناك جعله يجلس رغمًا عنه من ثم صاح به بعدم تصديق :

-انت عقلك راح فين يا حمزة مش معقول كده جاي في وقت زي ده وانت وهى بس في الممر

-انت بتقول ايه انت كمان؟؟ انت مكنتش شايف يعني وضعها عامل ازاي!؟

-شايف وعارف، مش عارف ايه خرجها في الوقت ده بس اللي عايز أعرفه يا حمزة انت بتعمل ايه في المستشفى؟!

صمت الآخر يضم يديه بقوة ولم يُجب فقال يوسف تزامنًا مع دخول يونس الي الغرفة واكتفى بالصمت ومتابعة ترقيع يوسف لحمزة :

-حمزة انا عارف إن عندك مشاعر ليها واتحركت أكتر من خوفك عليها بسبب اللي حصل، بس لازم تحط حاجة قدام عينيك إن نور صعيدية وعمامها وأبوها وعيلتها كلها هنا، وضعك كان هيبقى ايه لو مكنتش براءة والدتها هما اللي موجودين النهاردة وكان حد تاني وشايفها وهي تقريبًا في حضنك

اتسعت أعين الأخرى معترضًا على هذه المبالغة إذ هدر قائلًا :

-أعقل كلامك يا يوسف انا كنت بساعدها تقف، كنت ماسك دراعها مش واخدها في حضني!؟

-اشش وطي صوتك ده أولًا، ثانيًا انت حتى لو كنت بتساعدها من بعيد مكنش باين كده، والله انا أول ما شوفتكم كنت فاكر حاجة تاني، بقولك كده علشان تاخد بالك لأن لو حد من عمامها أو ابوها شاف وضعكم مكنتش أول حاجة ممكن تيجي على باله إنك بتساعدها تقف، كان ممكن تلبسها مصيبة تانية مع عيلتها فوق المصايب اللي عندها

استدار إلى يونس وقد أعطاه نصيبًا هو الآخر من الترقيع إذ قال :

-وانت كنت فين لما وافقت تخليه يجي في وقت زي ده؟؟ ما انت أكيد جاي معاه

رفع يونس إحدى حاجبيه بإعتراض ثم قال :

-انت بتزعقلي انا؟

وأجابه الآخر بنبرة أشد غضبًا :

-وهو ده اللي فارق؟! تاخد حمزة وترجعه ومتخليهوش يجي هنا تاني نظراته لوحدها فضحاه والناس دي لو حد بص لبناتهم مش بيعدوها بالساهل، فمال بالك بواحد واقف معاها لوحدهم في نص المستشفى في الفجر، ممكن تقلب جناية عندهم عادي

خرج وتركهما فنظر يونس إلى حمزة الذي كان يجلس ويستند بذراعه على فخذيه ولا يبدو الرضا أبدًا على وجهه وهذا واضح من حاجبيه المعقودين ووجهه المحتقن :

-معاه حق بصراحة انا أول ما دخلت الممر وشوفتك انت وهى أول حاجة جات في دماغي إنك اتهبلت ورايح تحضنها علشان تهديها


وصاح به الآخر بضيق شديد من لوم الجميع عليه :

-أهو التاني هو كمان بيقول هحضنها، انا عمري ما فكرت في نور بطريقة وحشة وعارف قد ايه هي محترمة ومتدينة وبتتنفض لو حد لمس ايدها أو وقف جنبها حتى، هاجي انا وابوظ شكلها قدامكم وتقولوا كنت حاضنها في نص المستشفى كده عادي، والله يا يونس كنت عايز اخليها تقوم علشان تروح الإستقبال علشان أعرف هتموت نفسها من العياط كده ليه

استند الآخر على الحائط بكتفه ملاحظًا إنفعال ابن عمه الواضح وهو يبرئها فقال متسائلًا :

-انت من امتى وانت بتحب البنت دي أوي كده لدرجة تخليك تتصرف من غير تفكير زي مجيتك في الفجر علشان تتطمن عليها بس، انا آه لاحظت من كام شهر نظرات إعجاب منك ليها، بس قولت عادي إعجاب وهيروح لما اترفضت، أمتى تحول كده؟ مع العلم أنت مكنتش بتتعامل معاها إلا نادرًا يمكن موقفين تلاتة اللي اتكلمتوا فيهم غير كده كانت هي بتصد أي كلام أو موقف يجمعكم

زفر حمزة بقوة وأعاد شعره للخلف ولديه مشاعر متخبطة بين كلام يوسف المنطقي، وخوفه ولهفته على نور الآن، وسؤال يونس المهم هذا

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

خرج يوسف بعد أن أجرى كشف عليها وتركها رفقة براءة ووالدتها بعد فترة من البكاء فلم يكن بها شئ غير انهيار عصبي وقد بدأ يزول عنها، خرج ليجد حمزة جالسًا في الخارج على مقاعد الإنتظار بينما يتكئ يونس بكتفه على الحائط

نظر إلى الإثنين بملامح معقودة ثم قال :

-انتوا لسه قاعدين ليه ممنوع أصلًا

اجابه يونس وهو يشير بعينيه إلى حمزة الجالس :

-رفض يمشي غير لما يتكلم معاها

زفر يوسف بتعب تبعه حديث حمزة وهو يستقيم من على المقعد :

-هتكلم معاها على أساس إن المحامي بتاعها يا يوسف كلها يومين بالكتير وتخرج من المستشفى، مش عايزها ترجع على الحجز تاني لازم أعمل حاجة وتخرج على ذمة القضية

نظر الآخر إلى العسكري الواقف أمام غرفة نور وكأنه يقول لهم وماذا عن هذا من ثم قال :

-مفيش زيارة في الوقت ده أصلًا وانا هتجازى بسببكم علشان الكاميرات صورتكم وانتوا رايحين جايين في المستشفى في قرآن الفجر

تقدم حمزة للأمام دافعًا إياه جانبًا حتى يدخل إذ قال :

-عديني انا وحل مشاكلك على جنب

استوقفه بسرعة العسكري ناظرًا إلى يونس والذي قال :

-سيبه يدخل ده المحامي بتاعها وعايز يتكلم معاها وانا نفسي هكون معاهم فلو عايز ترتاح شوية انت ارتاح

تراجع العسكري مسلمًا الأمر فهو مجرد عسكري بينما المتحدث ضابط برتبة نقيب، أمسك حمزة بمقبض الباب مترددًا فماذا إن كانت غفت؟!


تنهد وسلم الأمر طارقًا على الباب بيد والأخرى على المقبض وعندما استمع إلى صوت براءة تسمح بالدخول دلف في الحال

عقدت براءة حاجبيها تبصر حمزة يقف على الباب بينما عينيه معلقة بنور الممددة على الفراش ووالدتها بجانبها، تستند بظهرها على الوسادة، تستمع إلى قرآن الفجر من خلال النافذة بأعين شاردة، ولم يبدو أنها انتبهت أن هناك من دلف

حمحمت براءة ناكزة إياها بخفة فانتبهت الأخرى وعندما انتبهت أن هناك من يقف على الباب حاولت الإعتدال فقال حمزة وهو يتقدم للأمام :

-لأ خليكي مرتاحة متقوميش

وقف أمام فراشها محدقًا في ملامحها المتعبة وعينيه تشرح حزنه عليها بينما هى عندما رأته يحدق بها لم تخفض نظرها كما العادة بل ظلت تنظر إليه بنظرات ضائعة شاردة، ثم قالت وهي توزع نظراتها بين حمزة ويونس الذي دلف واقفًا في أحد الأركان بهدوء شديد :

-هو انا كده لبست القضية و.... وخلاص هتحبس؟؟

نفى حمزة سريعًا يرى الرعب واضحًا داخل عينيها :

-لأ مش هيحصلك حاجة إن شاء الله انا معاكي وههتم بقضيتك لحد ما تخرجي براءة، هى القضية كده بقيت صعبة علشان كده جتلك في الوقت ده علشان انتي هادية حاليًا مش عليكي ضغط من عمامك أو من حد تاني

نظرت براءة ناحية يوسف الذي كان يستند على إطار الباب بكتفه لتشير ناحية يونس وحمزة قائلة :

-هو ازاي دول دخلوا هنا!؟ مش ده ممنوع؟؟

-مش عارف والله دخلوا إزاي بس اللي اعرفوا اننا هنتجازى بسببهم

-وليه حضرتك نون الجماعة انا مالي انا، انا هنا تدريب بس مش موظفة أساسية ثم انت الدكتور النبطشي هنا مش انا

قلب يوسف عينيه ضجرًا منها من ثم نظر إلى نور قائلًا :

-لو فيه حاجة هتنجدك من اللي انتي فيه ده احكيها ليونس وحمزة علشان يساعدوكِ، وانجزوا بقى قبل ما يطلع النهار

سحب حمزة مقعد حديدي وجلس في المقابل لها أمام الفراش ونور تتابعه بعينيها صامتة تنتظر أن يتحدث فقال الآخر :

-بصي زي ما قولتلك القضية مش سهلة ومحتاجة دليل قوي ضد دليل ابن سعيد علشان تاخدي على الأقل إفراج على ذمة القضية ومترجعيش الحجز تاني

أعادت الأخرى رأسها على الوسادة تحدق في السقف بأعين ملتمعة بالدموع :

-دليل ايه بس هيبقى بقوة الظلم اللي نزل على النت، انا مفيش شخص واحد دافع عني كله ضدي

تحدث حمزة بعملية وتركيز شديد فأي جملة تخرج منها سيحتاجها في هذه القضية :

- من البداية كده سليم سعيد غانم تعرفي عنه ايه؟ كان بيعمل ايه أثناء حصتك؟ لاحظتي عليه حاجة؟ أي حاجة مهمة حتى ولو قليلة في نظرك يا نور اتكلمي علشان أعرف أساعدك


نظرت نور أمامها تتذكر ما تعرفه عن سليم الطالب الفاشل صاحب السمعة السيئة ورغم هذا كان مشهور بسبب ثراء والده :

-سليم كان أكبر طالب في المدرسة عنده ١٨ سنة تقريبًا وده شيئ غريب فلما سألت قالوا إنه كان بيعيد كتير بياخد السنة اتنين تقريبًا حتى إنه دخل مدارس كتير بسبب إعادة السنة دي

قاطعتها براءة مذهولة من أن هناك طالب في الصف الثالث الإعدادي يمتلك من العمر ثمانية عشرَ عامًا :

-لحظة بس هو عنده ١٨ سنة!؟ على كده لو اتحبس مش هيروح الأحداث ده هيدخل السجن حدف

-والله شكلي انا اللي هدخل السجن حدف

هتفت بها نور ساخرة على حالها لتعتدل بسرعة متذكرة شيئًا فنظرت إلى حمزة سريعًا قائلة :

-هو انا لو اثبتّ إن سليم كان بيتحرش بالبنات في المدرسة زي ما قولت انت في القسم، والبنات دول شهدوا على كده، ده هيديني براءة

آماء حمزة سريعًا مركزًا فيما تقول جيدًا :

-ايوه طبعًا بس انتي تعرفي البنات دول؟ متأكدة من إنهم ممكن يشهدوا بحاجة زي دي

-مش... مش عارفة هيشهدوا ولا لأ بس ممكن نقنعوهم براءتي في ايديهم، ومش عارفة كل البنات بس لحظة.... رحمة ولؤي

هز حمزة رأسه لا يفهم لما شقيقته وابن عمه ذُكرا في الأمر :

-رحمة اختي؟! مالها رحمة بالموضوع أصلًا؟

-رحمة واحدة من اللي سليم كان بيضايقهم طول الوقت لدرجة وصلت بيه أنه يتحرش بيها، انا مش أول واحدة

تغيرت نظرات حمزة بشكل ملحوظ لذكر شقيقته في الموضوع ليقول بنبرة هادئة بذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة :

-لأ براحة كده وتقولي سليم قرب من رحمة إزاي، وانا فاكر كويس إني سألتك وسألتها وسألت ماما وكلكم قولتوا إنه كان تنمر

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

ولج إلى داخل فيلتهم الفسيحة بملامح تنطق بالغضب رغم صعوبة سيره وإستناده على سائقه، فلم يمر إلا أربع أيام على خروجه من العمليات وإخراج رصاصة من داخل جسده كادت تؤدي بحياته

لم يعد إلى منزله رغم محاولة والدته بل أراد الإنزواء في مكان بعيد بمفرده حتى يفكر في حياته بعد رفض شروق له ورؤية التغيير الملفت الذي تغيرت به طليقته عايدة

أراد فقط أن يفكر في هدوء ليأتيه خبر صادم بفيديو لأخيه وهو يُضرب بعنف من قبل معلمة، وهو يعلم جيدًا من هذه المعلمة ويتذكرها فهى من أخبرته أن شقيقه قد تحرش بفتاة في المدرسة

ولم يشك ولو 1% أنها تفتري عليه كما قرأ في التعليقات الهجومية عليها، بل يبدو أن أخيه الحقير هو من قام بفعل مصيبة أخرى، ويا ويله إن كانت مثل المصيبة الأولى


استقبلته الخادمة بإحترام وهى تقول :

-حمد الله على السلامة يا دكتور عاصم

نظر الآخر حوله ولم يبصر أي فرد من أفراد عائلته فقال بجدية مخيفة :

-بابا وماما فين؟؟ وسليم الزفت فين؟!

-الهانم والباشا فوق، والهانم الصغيرة في الجنينة برا هى والباشا الصغير

استدار عاصم حتى يخرج الي الحديقة ولا يزال مستند على السائق فهو يجد صعوبة في السير من جرح جانبه العميق، أبصر شقيقيه يجلسان على المقاعد الخارجية في الحديقة وأمامهما حاسوب محمول يحدقان به في تركيز شديد

انتفض سليم من مكانه عندما رأى شقيقه الكبير قادم وقد لمعت عينيه بخوف شديد من القادم منه، فمن النظرات الحارقة التي يرمقها به، إذًا هو ميت لا محال

وقفت هنا بسرعة عندما رأت أخيها قادم وأول ما فعلته هو أنها وقفت أمام سليم حتى لا ينهال عليه ضربًا، فأكثر ما يكرهه عاصم هو الخطأ وأكثر من مرة قال لوالديه أن يقسوا قليلًا على سليم ولكنهما افرطا في دلاله

ورغم أن عاصم مصاب ومتعب إلىٰ أن غضبه هو من كان يحركه، وبدفعة واحدة اسقطها على المقعد كما كانت ثم أمسك بخصلات سليم بقوة غير آبهة بجرح رأسه، صائحًا به بعنف :

-عملت ايه تاني يا سليم؟؟ ايه المصيبة الجديدة اللي عملتها؟

صاح الآخر متألمًا أسفل يده بينما استقامت أحلام مرة أخرى وحاولت جذب سليم بعيدًا عنه قائلة :

-مش كده يا عاصم ومش علشانه انا عارفة إنه واطي ويستاهل، بس علشانك انت تعبان وجرحك لسه جديد

نظر لها الآخر بنظرة اخافتها ثم قال :

-طالما هو واطي يبقى انتي عارفة المصيبة اللي عملها، واكيد انتوا وراء نشر الفيديو ده ما انا عارف إن صاحب الصفحة اللي نشرت الفيديو في كل حتة من معارف ابوكي سعيد باشا اللي بيخبي فضايح الفاشل ده

ختم حديثه دافعًا سليم على الأرض العشبية بعنف فتأوه الآخر بصوت مرتفع من آلام جسده، ورغم صراخ عاصم عليه حتى يعلم ماذا فعل إلىٰ أنه رفض فتح فمه بكلمة فإن علم أنه تحرش بالمعلمة سيدفنه حي مكانه

حضر سعيد وزوجته على الأصوات الحادة القادمة من أسفل نافذة غرفتهما لتركض والدة عاصم عليه بلهفة قائلة :

-عاصم يا حبيبي انت جيت أمتى؟! وواقف كده ليه ده انت تعبان

اسندته سريعًا وقد ألقى الآخر بحمله على المقعد فقد شعر بتعب للمجهود الذي فعله، انتقلت نظراته الحارقة من على سليم إلى والده ثم قال بصوت مرتفع غير آبهة بأنه يتحدث مع والده :

-ها يا سعيد باشا ابنك الصايع الضايع عمل ايه تاني!؟ ايه الفضيحة الجديدة اللي نزلت راسنا كلنا من وراء راسه؟


-ملكش دخل يا عاصم انا هحلها

نطق بها بهدوء استفز كل خلية بداخله فصاح قائلًا :

-هى دي الجملة اللي ضيعته، ملكش دخل يا عاصم، ده ابني انا وهربيه زي ما انا عايز يا عاصم، وأدي النتيجة فضحنا في كل حتة مبقاش فيه حد في البلد مشافش الفيديو

وأجابه الآخر بنفس النبرة الهادئة بالتزامن مع جلوسه على المقعد المقابل له وهو يضع قدمًا فوق الأخرى بجبروته المعتاد :

-ابني متفضحش هى اللي اتفضحت والقضية هتلبسها هى، شكلك مشوفتش الفيديو كويس

ضحك عاصم ضحكة ساخرة مجيبًا عليه بحدة :

-هو انت فاكرني واحد من بتوع السوشيال ميديا وتضحك عليه بالكلمتين دول؟! طب الناس دي ميعرفوش ابنك ووساخته أما أنا أعرف كويس الواطي دي بيعمل ايه

ركل سليم بعنف في جانبه ثم صاح قائلًا :

-عملت ايه يا سليم قـــول

وصاحت والدته بالجميع بنبرة مقهورة على ما يحدث لعائلتها والمشاكل التي حلت على رؤوسهم بين ليلة وضحاها :

-كفاية بقى بدال ما بتقطعوا في بعض نشوف حل للمصيبة دي، تحقيق النيابة النهاردة هتعملوا ايه؟!

-لأ التحقيق مش النهاردة بعد يومين علشان البنت...

نطق بها هنا مجيبة على والدتها، ولكنها ابتلعت باقي كلامها عندما رأت نظرات والدها التحذيرية، وعندما أبصر عاصم هذا أستقام بسرعة أمام شقيقته هاتفًا بتوجس :

-علشان البنت ايه؟! عملتوا في المُدرسة ايه؟؟

ختم حديثه ونظر إلى والده الذي التزم الصمت فعاد بنظره إلى شقيقته صارخًا بها :

-انـطـقــــي

وانتفضت الأخرى في مكانها على هديره القوي، مجيبة عليها بالأخبار التي وصلتها من المحامي :

-علشان فيه ستات ضربوها في الحجز وانتقلت المستشفى فالتحقيق اتأجل

شهقت والدتها بذهول فلم تكن تعلم بالذي حدث للفتاة ولو كانت تعلم لما سمحت بحدوثه، وقف عاصم أمام والده مباشرةً هاتفًا بقوة :

-انت اللي عملت كده صح؟!

ولم ينفي سعيد بل أجابه بصراحة يحسد عليها :

-آه علشان تتنازل عن المحضر وابني ميروحش في داهية، حاولنا معاها بالفلوس بس نشفت دماغها نجرب القوة ودي بتفلح أكتر مع بتوع الشرف وأخد الحق بالقانون

اتسعت أعين عاصم بذهول مما يسمعه بينما صرخت به زوجته لا تصدق الجبروت الذي وصل إليه زوجها :

-ليه كده يا سعيد لـــيـه؟؟ حرام عليك البنت ذنبها ايه؟ كنت سبتني اتكلم معاها والله كنت هعرف أقنعها بس مش بالطريقة دي


صاح بها الآخر وهو يشير إلى ابنه الجالس أرضًا يتابع ما يحدث بصمت إجباري :

-علشان أخرج ابنك من المصيبة دي لازم ادوس على الطرف التاني، لو كانت خدت فلوس وسكتت مكنش حصل ده، وعامةً هى عايشة مماتتش ولو مغيرتش أقوالها في النيابة واتنازلت تبقى تلوم نفسها لما تتحدى اللي أكبر منها، جاتكم القرف كلكم مش واخد منكم غير المصايب

ختم حديثه وتركهم جميعًا وذهب فقال عاصم وهو يجلس مكانه بتعب شديد غير قادر على فعل شئ فقد وقعت المصيبة على رؤوس للجميع وهى تكبر الآن :

-دعوة المظلوم مستجابة وهى مظلومة، هتروحوا فين من الدنيا وهى سلف ودين، ده كله هيتردلنا ويا خوفي يترد في بنتي في يوم من الأيام

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

مر يومين عليها في المشفى بين زيارات أعمامها ومكثوت والدتها معها طوال الوقت والتفكير الزائد الذي أصبحت تعيش به، فقد أصر والدها وأعمامها على استكمال القضية وألا يضيعوا حقها

خسرت الكثير من الوزن وأصبحت شاحبة بشدة ومتعبة وجسدها هامد، كانت خائفة من القادم ومن يوم التحقيق وأكثر ما يقلقها أنها لم ترى حمزة، حتى حين اخذوها من المشفى لكي يتم التحقيق معها من النائب العام، لم يكن موجود

تنفست بصعوبة وهي تنظر من خلف زجاج السيارة إلى المبنى الذي يقع به مكتب النائب العام حيث سيتم التحقيق معها للمرة الثانية، ففي المرة الأولى تم التحقيق معها في القسم لأن الدليل كان قوي ألا وهو التسجيلات التي قلبت الناس عليها

لا تدري ماذا سوف تقول، أخبرها حمزة عندما كان معها في المشفى من يومين أن تطمئن وأنه سيتصرف بما أنه أصبح المحامي الخاص بها الآن

ورغم أن أبيها وأعمامها رفضوا أن يكون حمزة هو المحامي الذي سيدافع عنها بسبب صغر سنه وقلة خبرته بالتأكيد، لكن حمزة أكد لهم أنه قادر على إخراجها من هذه القضية

تدرك جيدًا أن حمزة يحبها ولديه مشاعر لها وهي لا تترك له فرصة أبدًا ليعبر عن هذا ولن تدع له فرصة أبدًا وعليها الآن التوقف عن التفكير بالأمر فلديها كارثة يجب أن تخرج منها

فتح لها والدها السيارة فخرجت وهي تستند عليه نظرًا للطعنة النافذة التي بجانبها لا تساعدها على الوقوف بإعتدال حتى الآن، ساندها من الناحية الأخرى عمها الأصغر حسن فقالت نور وهي تنظر إلى من أتى معها ولم ترى لا والدتها ولا واحدة من الفتيات فقالت :

-هى ماما مجاتش ليه؟!

وأجابها والدها بإستنكار قائلًا :

-وليه تيجي عمامك كلهم هنا وجوز عمتك وولد عمتك جاي في الطريق هو والمحامي

توقفت نور تنظر إليه بقلق وخوف :

-هو حمزة مفيش فوق؟ اومال انا هدخل لوحدى!؟


اجابها حسن يحاول أن يهدئها :

-اهدي وتعالي ندخل الوقفة هتتعبك كده

ساندها الاثنين للدخول إلى المبني ثم جعلاها تجلس على مقاعد الإنتظار إلى أن ينادي العسكري على اسمها من أجل أن تدلف إلى وكيل النيابة، وقد ظلت تنتظر لربع ساعة ولم يأتي حمزة حتى الآن فنظرت إلى أعمامها قلِقة ثم قالت :

-هو محدش جِه ليه؟! انا مش عايزة ادخل لوحدي

تحدث عمها عبد الجواد وهو يُدخل هاتفه في جيبه بعد أن اتصل على إسماعيل وأخبره أنهم قادمين في الطريق :

-اتصلت على إسماعيل وقال إنهم جايين وجايبين شاهدة تشهد على الواد دِه

اتسعت عيني الأخرى بذهول لتقول بشكل عفوي دون الإدارك لما تقول :

-هيجيب رحمة أخته تشهد زي ما قالي؟! أكيد لأ مش هيخليها تقول حاجة عن نفسها زي كده

عقد عمها حاجبيه ليسألها بنبرة مريبة متوجسة قائلًا :

-وهو قالك كده امتى؟ انتي في المستشفى بقالك يومين وهو مشفكيش خالص في اليومين دول

فكرت نور بسرعة في كذبة تختلقها، أجل هي لا تحب الكذب بل لا تطيقه لكن لن تخبرهم أنه أتى في وقت الفجر منذ يومين من أجل أن يتحدث معها :

-هو جه قبل كده مع ولد عمه يونس واتكلم معايا بخصوص الواد ده وعن تصرفاته في المدرسة حتى براءة كانت موجودة معايا يومها هى وماما

آماء الآخر وصمت فقال حسن وهو يربت على يدها قائلًا :

-حاسة بتعب ولا حاجة من القعدة تحبي تتمشى شوية؟؟

نفت الأخرى برأسها ثم اضافت :

-مش حاسة بتعب كَد ما انا خايفة

-متخافيش حاسس إن المحامي ده هيطلعك من القضية

نطق بها حسن بثقة رغم أنه لا يطيق حمزة هذا بسبب نظراته المباشرة والواضحة لابنة أخيه، لكن عندما طلب أن يكون هو المحامي الخاص بها وافقه في هذا لأنه رأي في عينيه أنه سيفعل المستحيل من أجل أن يبرئ نور من هذه القضية

استدارت الأعين إلى ناحية معينة وعندما أدرات نور رأسها ابصرت سليم يسير وأمامه والده ومحامي غزى الشيب رأسه دليلًا على تقدمه في العمر، توقفوا بالقرب من نور وأعمامها بينما ذهب المحامي لينهي بعض الأشياء بخصوص دلوف سليم إلى وكيل النيابة

كانت هناك حرب باردة مشتعلة في الأعين خاصةً من أعمام نور الذين ودو لو يهبطوا بالضرب المبرح على سليم هذا ويكسروا عظامه هو وأبيه لما فعلاه بابنة أخيهم سواءً التحرش بها أو تحريض النساء في الحجز على ضربها بهذه الوحشية

بينما نور كانت لا تحيد بنظراتها عن سليم ولم تكن نظراتها غاضبة بقدر ما كانت متحسرة لتنطق بما في خلدها ناظرةً إلى عينيه بعمق :


-هترتاح لما تدخل السجن وتضيع مستقبلك علشان لمسات لا زادت ولا قلت في نفسك المريضة، نصحتك مرة وحذرتك التانية، والتالتة لما اتمدت عليا عملتلك فيها تمزق في الاربطة واديك هتتحبس أهو

نظر سليم إلى والده لا يدري بما يجيب فهو هنا معتمد إعتماد كلي على والده وذلك المحامي وما سيطلب منه قوله سيقوله دون تفكير

وقد أجابها سعيد غانم بنفسه هذه المرة قائلًا :

-لأ انا ابني لا هيدخل السجن ولا مستقبله هيضيع وهتشوفي

ابتسم له عبد الجواد متقدمًا بقوة وهيبة تمثلت في نظراته وكلامه القوي الخشن :

-ما إحنا هنشوفوا وكله هيتشاف بس الصبر وحق بنت اخويا هنجيبه حتى لو مش بالقانون

اقترب منه المحامي الخاص بسليم قائلًا بمراوغة :

-علفكرة الكلام ده غلط عليك وعلى بنت اخوك وممكن يتقيد ضدها

اقترب محفوظ من عبد الجواد فكلام ذلك المحامي صحيح، لكن عبد الجواد قبل أن يتحرك نظر إلى سليم ذو الوجه المكدوم والكف المصاب الملفوف بالشاش الأبيض ليعلو صوته ببسمة مفتخرة :

-بنت ابوكي يا نورهان وتسلم ايديكي على اللي عملتيه في العيل ده، صدقيني فرحان كَد ايه علشان وريتي الناس كلها مش بناتنا اللي تتمد الايدين ليهم بالغلط وترجع سليمة

وهذا الحديث لم يعجب سعيد وكاد أن يأخذ رد فعل لولا أن العسكري نادى على ابنه فتحرك مع المحامي وخلفهم سليم مطأطأ الرأس

بينما استدار عبد الجواد إلى نور مضيفًا على حديثه :

-بس انا بعاتب عليكي في حاجة طالما ضربتيه واتصورتي والموضوع انتشر كنتي كسرتي ايديه الأتنين ورجليه بالمرة، قليل اللي عملتيه فيه دِه

ابتسمت نور بسمة صغيرة لعمها رغم أنه ثار في البداية لكنها تعلم أن هذا من خوفه عليها، فعمها عبد الجواد ورغم عصبيته إلىٰ أنه لا يترك حق عائلته ويأتي به ولو كانت جميع الظروف منقلبة ضده :

-معلش يا عمي اللي قدرت عليه بقى

-أهو حمزة جه أهو

نطق بها محفوظ فتحركت الأعين بإتجاه حمزة الذي كان يأتي مسرعًا من نهاية الممر وخلفه يونس وإسماعيل وبرفقتهم لؤي ورحمة، توقف حمزة أمامهم وعينيه تبحث عن نور لكنه لم يراها بينما قال محفوظ متسائلًا :

-اتأخرتوا كده ليه؟؟

-معلش حاولنا تاني مع الستات اللي في الحجز نخليهم يعترفوا إن حد حرضهم على ضرب نور بس ولا واحدة فيهم راضية تتكلم، واضح إني مدفوع كتير ليهم علشان يسكتوا، هي فين نور؟؟

-اهِه

نطق بها علي مشيرًا إلى ابنته التي تجلس بينه وبين حسن لكنها لم تظهر بسبب جسد عبد الجواد الواقف أمامها، نظر حمزة إلى نور وللحظات كانت عينيه تظهر بها الاشتياق والخوف فهو لم يراها منذ يومين ولكن أخفى هذا سريعًا نظرًا لأن جميع أعمامها موجدين ويحدقون به لذا قال بشكل عفوي :


-عاملة ايه دلوقتي؟؟

واتته الإجابة ساخرة من حسن يحدق به بشرار :

-تعبانة ومكسورة وخايفة زي ما انت شايف، معلش ربنا ما يكتبها عليك وتقعد قعدتها متهم في قضية وداخل لوكيل النيابة بعد شوية

رمقته نور بنظرة مصدومة من هذا الحديث القاسي من وجهة نظرها لتقول :

-هو انت بتعايرني يا حسن؟؟ انت بترش على جروحي ملح بكلامك ده

ربت حسن على كتفها بحنو قائلًا :

-انا بجاوب على سؤاله عملت ايه يعني؟؟

-وهو كلمة الحمد لله وحشة قلبت على البت المواجع قوم

هتف بها علي بحدة فقام الآخر متذمرًا ووقف بجانب أخيه ماهر بينما جلس حمزة على المقعد المقابل لنور تمامًا متحدثًا بجدية شديدة :

-بصي هندخل جوا هتحكي كل حاجة تعرفيها عن سليم وكل اللي عمله في أول مرة وتانية مرة معاكي انتي، مش عايزك تخافي أي سؤال يتوجه ليكي مش عارفة اجابته انا هجاوب مكانك

-طب وبالنسبة للستات اللي ضربوني احكي برضو

تنهد حمزة ثم قال :

-هتحكيه بس للأسف مش معانا دليل إن سعيد عمل كده، مفيش ولا واحدة من الستات اللي عملوا كده فيكي راضية تعترف

تحدث ماهر بنبرة غاضبة قائلًا :

-مش راضين يعترفوا يعني ايه؟ ما تجربوا أي حاجة إن شاء الله تدوهم علقة

واتته الإجابة من يونس هذه المرة بنبرة مستهزئة :

-علقة أشد من اللي خدوها من الستات اللي وزِّيتهم عليهم؟؟ معتقدش، دول أكيد اخدوا فلوس أكتر من اللي اخدوها في الأول علشان يسكتوا وميفتحوش بوقهم بحاجة

نظر إلى رحمة ولؤي وبالتحديد إلى رحمة ليقول :

-بس مش مهم على الأقل عندك شاهدة تشهد معاكي ضد الكلب اللي دخل ده

اقتربت رحمة من حمزة ووقفت بجانبه محدقة في نور بحزن على حالها هذا فقالت الأخرى مبتسمة بسمة حزينة :

-شكلي مش اللي هو صح؟! أكيد بتقولي مين دي؟؟

-هما اللي عملوا فيكي كده؟!

آماءت نور بصمت فقال حمزة وهو يضم أخته بذراعه :

-رحمة عارفة هتقولي ايه جوا صح؟؟

هزت الأخرى رأسها بسرعة بينما قالت نور وهي ترمق رحمة بدهشة :

-كنتي خايفة تقولي لاخواتك وأمك عن اللي عملوا، هتقولي ده دلوقتي قدام حد غريب!؟

وهذه المرة رمقها حمزة بلوم ثم أضاف :

-كنتي غلطانة لما خبيتي حاجة زي كده، انا سألتك تلات مرات ومكنتيش بتقولي الحقيقة، يمكن لو كنتي قولتي وقتها وكنت كسرت عضمه على اللي عملوا لأختي مكنش رفع راسه في واحدة أبدًا


طأطأت نور رأسها أرضًا ربما معه حق لم يكن عليها أن تخفي شيئًا كهذا لكن رحمة أوصتها ألا تفعل وهي لم ترد أن تكسر بخاطرها، ربت والدها عليها مخبرًا إياها أن هذا قدر ومكتوب بينما قال حمزة وهو ينظر إليها بتركيز :

-انا كتبت فيه محضر قبل ما نيجي هنا وزي ما هجيبلك حقك هجيبلك حقها ولؤي هيشهد باللي حصل يومها صح يا لؤي؟؟

آماء لؤي بإيجاب لتنظر إليهم نور بشكر حقيقي وهناك أمل بدأ يشع بداخلها ليضيف حمزة يزيد شعورها بالأمل أكثر :

-ومش بس دول الشهود اللي هيشهدوا، زي ما خلوا الرأي العام يتقلب عليكي بالفيديوهات اللي نزلوها هخليه يجي في صفك لما الطلاب في المدرسة يشهدوا ليكي باللي كنتي بتعمليه معاهم وإنك مش مفترية ولا حاجة

-كنت بعمل ايه؟؟

تساءلت بها نور لا تتذكر شيئًا مما كانت تفعل فقالت رحمة مُذكرة إياها :

-كنتي بتعملي ايه؟ انتي بجد مش فاكرة؟! مش فاكرة تاليا لما جاتلها Period في حصة الرياضة والكل قعد يضحك وانتي حطيتي شال عليها وهزأتيهم كلهم علشان ضحكوا، مش فاكرة تامر أنه كان بيقعد طول فترة الاستراحة في الفصل علشان خايف ينزل الاولاد يتنمروا عليه وانتي جبتيله حقه لا واديتي أدهم درس في الأخلاق وعلمتيه التنمر وحش قد ايه، مش فاكرة رقىٰ لما جاتلك تعيط وقالتلك في واحد اتحرش بيها وانتي جبتلها حقها، مش فاكرة ولا مرة لما كنتي بتدخلي احتياطي وبتعلمينا عن الأخلاق والصلاة والألفاظ والأفعال الغلط المنتشرة في الزمن ده

ابتسم حمزة للسعادة التي تلتمع في عيني نور بوضوح فأكمل هو :

-دول كلهم هيشهدوا معاكي يوم المحاكمة وكمان هيطلعوا لايفات علشان يقولوا اللي كنتي بتعمليه معاهم على السوشيال ميديا

-إزاي دي هتروحوا لدول كلهم أمتى؟؟

ضحك يونس عليها ثم قال :

-ازاي؟ بقى حد يعرف رقية ويقول ازاي ينشر خبر على السوشيال في دقايق، دي رقية من صباح ربنا اخدت البنات وبتنزل لايفات للعيال دي هي وأهاليهم على المواقع كلها مش بس موقع جريدتها، بس مش هتشوفي اللايفات دي دلوقتي لما تدخلي جوا

ابتسمت نور بشدة وودت لو تبكي من الأمل الذي كبر في داخلها، منذ يومين كانت بائسة وفي أشد حالات اليأس والآن اعطوها أمل في أن تخرج براءة، بل وتصبح أمام الناس امرأة طيبة وليست متوحشة متسلطة كما أظهروها :

-ده كله عملتوا في اليومين اللي فاتوا؟؟

وأجابتها رحمة بنبرة ضاحكة إذ قالت :

-ده حمزة منامش بقاله يومين، لا نام ولا خلى حد ينام

حك حمزة خصلات شعره بشئ من الحرج وهو ينظر إلى نور، بينما الأخرى ابتسمت بسمة خجولة وابعدت عينيها عن ناظريه لينتفض كلاهما على صوت حسن والذي هتف بتهكم :


-ومنمتش ليه يا مِتر لازم تنام لأحسن قلة النوم تجيب هلاوس، ولا قدر الله يوم المحاكمة تجيب للبت إعدام بدال ما تطلعها من القضية

وصاح به أخيه حسين وهو ينكزه في جانبه بقوة حتى يصمت عن الصراخ ككلب أجرب داست عليه شاحنة :

-اسكت وحط لسانك في بوقك انت عمال تفول على البت

حمحمت نور لتحاول الوقوف من على المقعد محدثة رحمة إذ قالت :

-رحمة معلش اسنديني ادخل الحمام

سارعت رحمة في مساعدتها لتسير معها نور بخطى بطيئة تبعتها نظرات حمزة القلقة مغلفة باللهفة الواضحة فهمس له يونس بخفوت وتحذير وهو يجلس إلى جانبه :

-شيل عينيك بقى فضحتنا، عمامها كلهم موجودين حتى ابوها تلاقيه اخد باله منك

اخفض حمزة رأسه أرضًا يفرقع أصابعه بينما يرد ليونس بنفس الهمس الخافت :

-مش عارف بجد، وحشاني أوي وخايف عليها رغم إن القضية حلها في جيبي، بقالي يومين مطبق بسببها ومسمعتش صوتها فيهم حتى

نكزه إسماعيل دون أن ينتبه أحد لكن بالطبع الجميع يلاحظ همسهما الغريب هذا :

-طب واقع ماشي بس مش كده يا حمزة اتقل شوية

صمت حمزة ماسحًا على ذقنه النابتة، محدقًا أمامه في نقطة وهمية يراجع جملة إسماعيل في عقله

عن أي ثقلٍ يتحدث وهو سيجن من ثقلها هي، لا تترك له فرصة ليتحدث معها وتتهرب منه دائمًا، أجل يعلم بتدينها وحياءها الشديد لكنه كان يريد منها فرصة للتحدث معها ولكن الأخرى كانت تقول له بتهربها الدائم منه أن لا فرصة للتقرب منها إلا بالحلال

فعل ورفضه والدها، وهو لم يكن ينتوي لها أي شئ سئ بل كان فقط لا يريد التسرع مثل ما فعله مع خطيبته السابقة، كان يريد أن يعلم عنها أكثر، يراها أمامه، يتحدث معها ولكن لم يتلقى من نور في أغلب الوقت إلا الصد

يقول في أغلب الوقت لأنها احيانًا كانت تتبسم له من حين إلى آخر أو تختطف له بعض النظرات، متأكد من أنها تُكِّن شيئًا له كما هو يفعل لكن الفرق بينهما أنها تجاهد في ألا تُظهر هذا وتخفي وتمنع نفسها دائمًا من الوقوف معه أو مبادلته أي حديث

وهو على النقيض تظهر لهفته ومشاعره لها بوضوح خاصةً في الآونة الأخيرة

لاحظ نظرات والدها له فلم يبعد عينيه عنه، لم يراه كثيرًا هذان اليومين بسبب إنشغاله ولأول مرة ينظر له بتركيز فكم كان يشبه نور إلى حد كبير حتى نفس العينين التي تخطفه، الفرق أنه رجل وهى فتاة

عادت نور بعد قليل مع رحمة وجلست إلى جانب والدها كما كانت وقد توعكت معدتها لشدة توترها من الموقف

-نورهان علي صفوان

انتفض جسدها بخفة عندما نادى العسكري باسمها فنظرت بتلقائية ناحية حمزة والذي بدوره استقام من فوق المقعد وقد كان هادئًا عكسها تمامًا، وقف أمامها معيدًا ما قاله عليها بنبرة حانية بشدة :


-متخافيش أبدًا انا معاكي عايزك تقولي كل اللي حصل ماشي

وآماءت له نور مستعدة للدخول إلى النائب وما إن خرج سليم والمحامي الخاص به حتى دلفت هى رفقة حمزة متحاشية النظر إلى سليم فلن تفيد النظرات بشئ، أصابتها الرهبة من الموقف حيث جلست هنا نفس الجلسة لكن في القسم وتوالت عليها الإتهامات دون رحمة بأشياء لم ترتكبها

ازدرقت لعابها بتوتر عندما دفعها حمزة للأمام بخفة فتقدمت وجلست على المقعد الأمامي للمكتب وجلس حمزة في المقعد المقابل، بدأ النائب اسألته إذ هتف بجدية :

-نورهان علي صفوان انتي متهمة بضرب شاب بطريقة وحشية في المدرسة قدام الطلاب والمعلمين وتم تصوريك وانتي بتعملي كده، ما هى أقوالك فيما نُسب إليكِ؟

تنفست نور بهدوء ثم قالت بينما تقبض بكفيها المتعرقين على ملابسها :

-حصل وعملت كده فعلًا علشان سليم أتحرش بيا وانا ضربته فعلًا منكرش، رد فعل طبيعي من أي واحدة اتحرش بيها حد، بس مكنتش أعرف إني بتصور

-كانت ايه علاقتك بسليم؟؟

-مفيش علاقة أصلًا مجرد طالب وانا المُدرسة وسبق وحصل موضوع التحرش ده مع أكتر من طالبة وانا نصحته وحذرته وهو متعظش لدرجة انه اتحرش بيا انا

نظر النائب إلى الكاتب بجانبه حيث كان يسجل كل ما يُقال، ثم عاد ونظر إلى نور وسألها :

-بس سليم أنكر إنه عمل كده

وهذه المرة تحدث حمزة بدلًا عنها قائلًا :

-بس هو حصل فعلًا وفيه شهود على إن سليم متحرش ومش أول مرة يتحرش بواحدة

-مين؟؟

-رحمة عثمان هواري ولؤي محفوظ هواري طلاب في المدرسة اللي كان فيها سليم قبل ما بتنقل المدرسة اللي حصلت فيها الحادثة وهما برا دلوقتي

استدعى النائب العسكري الذي يقف في الخارج طالبًا منه إحضار رحمة ولؤي هذان ليدلفا الاثنين وعندما سألهما النائب عن شهادتهم تحدث لؤي أولًا :

-انا اعرف سليم من لما كنت في تانية إعدادي كان هو لسه منقول جديد مدرستنا وكان أكبر من الكل عنده ١٧ سنة تقريبًا علشان كان بيسقط ويعيد، وبصراحة كانت سمعته مش أحسن حاجة طالب فاشل العيال حواليه علشان فلوس أبوه وكان بيكلم بنات سواءً في المدرسة أو السنتر وانا كنت عارف انه مش تمام بس مشوفتش عليه حاجة عن التحرش غير في يوم كده

أدلى لؤي بما رآه يوم تحرش سليم برحمة فنظر النائب موجهًا حديثه إلى رحمة قائلًا :

-سليم اتحرش بيكي ازاي؟

نظرت رحمة إلى أخيها بقلق والآخر ابتسم مشجعًا إياها رغم أنه يعلم أن ما سيسمعه لن يعجبه أبدًا، ابتعلت الأخرى لعابها بتوتر ثم تحدثت عن ذلك اليوم البشع :


-كنت يومها في حمام المدرسة ولما خرجت منه كان سليم واقف جنب الباب وحط رجله علشان يوقعني وانا اتكعبلت بس هو مسكني قبل ما أقع... مسك دراعي بايد وايده التاني كان... يعني

ارتعش جسدها وادمعت عينيها لتذكرها هذه الذكريات السيئة فقال النائب مراعيًا حالتها :

-خلاص تمام امضوا على أقوالكم وتقدروا تتفضلوا

فعل الاثنين ما قاله وخرجا بينما تنفس حمزة بقوة قابضًا على كفه وكان أشبه بمن يجلس على جمر، ووالله لولا أن أي فعل قد يرتكبه في سليم سيجعل موقف نور سئ لخرج الآن وحطم رأس ذلك الحقير على ما فعله بشقيقته الصغيرة

انتبه للنائب عندنا وجه حديثه إلى نور قائلًا :

-آنسة نور عايز أعرف ايه اللي حصل من سليم بالظبط، انتي بتقولي مش أول مرة يعملها عايزك تتكلمي وتقولي كل مرة عمل ايه؟ وقولتيله ايه؟ ولما تحرش بيكي حصل ايه بالتفصيل

آماءت الأخرى برأسها مستعدة للبوح بالأمر للمرة الثانية بينما في الخارج وعندما خرج لؤي ورحمة استقبلهما محفوظ وعثمان يسألانهما عما حدث بينما سحب عثمان ابنته بعيدًا وجعلها تقف امامه ثم هتف بجدية :

-رحمة انا وامك واخواتك سألناكِ سليم ده عملك ايه ليه مقولتيش الحقيقة وقولتي اتنمر عليا؟؟

طأطأت الأخرى رأسها مجيبة عليه بنبرة خافتة يكسوها الندم :

-كنت خايفة يا بابا

وضع الآخر يده على كتفها متحدثًا بغضب مكتوم :

-كنتي خايفة من ايه؟! واحد حيوان زي ده يتحرش بيكي وإحنا منعرفش؟!

-انا آسفة

زفر عثمان بضيق وهو ينظر إليها بتأنيب ثم عاد وجلس في مكانه في إنتظار خروج نور من الداخل، وأثناء الانتظار ظهرت شروق وعائشة لتقف شروق بسرعة أمامهم ملتقطة أنفاسها وهى تنظر حولها بحثًا عن نور :

-نور فين؟؟

وقف حسين والدها أمامها هاتفًا بتساؤل :

-انتوا اللي جايين منين؟!

رفعت شروق أمامه هاتفها حيث علىٰ فيديو لفتاة تبرئ نور وتتحدث عن كم كانت معلمة جيدة وخلوقة ومحترمة وسط الجميع، ابتسم يونس مفتخرًا بما فعلت شقيقته :

-لا رقية شكلها عملت إنجاز

آماءت عائشة يإيجاب وبالكاد تلتقط أنفاسها بسبب ركضهم :

-عملت إنجاز فعلًا بالجريدة اللي شغالة فيها، اقنعنا كذا واحد وواحدة بالموضوع وناس كتير تعاطفت مع نور بعد الفيديوهات دي والبركة في مس ناهد وهاجر جابوا عنوانين الطلاب من إدارة المدرسة وسبنا رقية وبراءة وهاجر يكملوا وجينا إحنا على هنا


-هى نور دخلت؟؟

تساءلت بها شروق وهى تبحث عن نور بعينيها فقال ياسر وهو يشير إلى مكتب النائب العام :

-دخلت من عشر دقايق وإن شاء الله خير بإذن الله

آماءت عائشة تدعو لأختها في نفسها ثم قالت ببعض الحرج :

-طب انا عايزة ادخل الحمام، فيه حمام هنا؟؟

-في الدور اللي تحت

نطق بها يونس فحملت عائشة نفسها وذهبت وقد لحقت بها شروق كذلك وعندما هبطا إلى الطابق الأرضي ابصرا والد سليم المدعو سعيد غانم يتحدث رفقة رجل آخر فنظرت له عائشة بحنق وودت لو تغرز اظافرها في وجهه لكنها اتقت الشر ولم تفعل

اتجه كلاهما إلى المرحاض تزامنًا مع خروج سليم من مرحاض الرجال وقد اصطدم كتفه بكتف عائشة فقال بإعتذار دون أن ينظر :

-لا مواخذة

وكانت إجابة الأخرى ضائقة حتى أنها لم تتعرف إليه لكونه مخفضًا رأسه :

-يا عم روح هى ناقصاك انت كمان

استدار سليم إليها وقد شعر بغضب من حديثها ليقول بحدة :

-احترمي نفسك ما قولت لا مواخذة اوطي على جزمتك يعني ابوسها

وقفت شروق وعائشة يحدقان به بدهشة لكونه ذلك الفاسد سليم، والآخر لم يتعرف عليهما فهو لا يعلم غير نور ولم يرى أقارب لها سوى المعلمة ناهد، ابتسمت عائشة بشر وهى تضع حقيبتها على جنب :

-لأ قاصد وانا هخليك فعلًا توطي على جذمتي تبوسها

ضحك الآخر بسخرية شديدة ليدفع عائشة في كتفها قائلًا :

-طب بس يا شاطرة العبي بعيد

نظرت عائشة إلى كتفها في موضع دفعته وبكل قوتها دفعته هى بيديها فسقط سليم على ظهره من عنصر المفاجأة ثم هتفت شروق وهى تهم بخلع حذائها :

-احنا نوروك دلوقتي الجذمة وهى بتنزل على راسك يا متحرش يا زبالة

أما بالأعلى خرجت نور مع حمزة وهى مبتسمة بإتساع فقال علي مستبشرًا من بسمتها :

-خير عملتوا ايه؟؟

واجابته الأخرى بسعادة وهى تحتضنه بقوة قائلة :

-اخدت إفراج لحالتي الصحية والأدلة مع حفظ القضية ليوم الأربعاء

-يعني ايه مش فاهم؟؟

وهذه المرة أجابه حمزة مبتسمًا لسعادة نور الواضحة منتظرًا سعادتها الكبرى عندما يبرئها تمامًا مما اتهموها به :

-يعني مش هترجع القسم هترجع معانا ويوم الأربعاء إن شاء الله هتكون المحاكمة

اندهش يونس لهذه السرعة إذ قال :


-ايه السرعة دي؟ يوم الأربعاء بعد يومين؟!

-ايوه طبعًا متنساش إن القضية رأي عام علشان كده لازم تخلص بسرعة وإن شاء الله هتطلع براءة انا مستبشر خير

ختم حديثه ناظرًا إلى نور بتلك النظرات التي تجعلها تخجل وقد جاهدت على كبت ابتسامتها هذه المرة لكون والدها يقف الآن، استمع الجميع إلى أصوات مرتفعة قادمة من الأسفل فقال حسن بقلق :

-هما مش البنات تحت

هبط بسرعة هو واخوته فقال حمزة وهو ينظر إلى إسماعيل :

-بنات مين؟؟

-شروق وعائشة مش عارف فيه ايه اتمنى الموضوع ميكونش له علاقة بيهم

تحركت نور من مكانها عندما سمعت اسم شقيقتها وابنة عمها لتهبط ببطء بسبب جرحها إلى الأسفل وقد لحق بها حمزة وقبل أن تنهي الدرج كانت تقف مذهولة مما ترى

شروق وعائشة يمسكان سليم كل واحدة من جهة، واحدة تعض والأخرى تضرب وسعيد يصرخ في الجميع وهو يحاول إنجاد ابنه من أسفل يديهما

بينما اعمامها يقفون دون تدخل متشفين في سليم، وبصعوبة ابعدوا شروق وعائشة ليصرخ المحامي الخاص بسليم ناظرًا إلى اعمامها قائلًا :

-انا هقدم محضر باللي حصل ده ومش هسكت أبدًا

وبهدوء نظر عبد الجواد إلى ابنتي اخويه قائلًا :

-عملكم ايه؟؟

-اتحرش بينا

نطقا بها في نفسٍ واحد فصرخ سليم مدافعًا عن نفسه :

-والله ما حصل انا معملتش كده

وبنفس صراخه قالت شروق وهى تهبط بحذائها فوق رأسه :

-لا عملت كده يا كداب يا ابن الكدابة هنتبلى عليك يعني

وبدأت المشاجرة مرة أخرى وعلت الأصوات بينما قال حمزة بخفوت لنور :

-واضح إنهم بيتبلوا عليه فعلًا ومعملش كده علشان مستحيل يعملها في المكان ده بالذات وهو لابس في قضية تحرش، بس شكل بنت عمك واختك شافوه فادوه علقة وده مجرد مبرر، شكل عرق الجنان ده في عيلتكم كلها

نظرت إليه نور رافعة حاجبيها وقد ساعد انعكاس الشمس من النوافذ في بروز لون عينيها الخضراء لتقول :

-يعني احنا غلطانين اننا بندافع عن نفسنا؟!

-لأ طبعًا ده انا مبسوط إنه ادوه علقة كنت هموت وادهاله بس يلا سبقوني

ازدرقت نور لعابها بتوتر تريد أن تسأله نفس السؤال الذي سألته له في المشفى عن عدد السنوات التي قد تحكم عليها إن لم تُبرأ من القضية :

-حمزة

-قلبه

وقلبها هى من دق لكلمته لتشيح بوجهها الناحية الأخرى مدعية الغضب رغم ابتسامتها التي تعافر للخروج :


-اهو جينا للكلام اللي ملوش لازمة

-انتي شايفة إن كلامي ومشاعري ملهومش لازمة؟؟

نطق بها معاتبًا بينما عينيه لا تحيد عن عينيها التي رفعتها له لجزء من الثانية ثم اخفضتها مرة أخرى من ثم قالت :

-انا اقصد كلامك معايا بالطريقة دي من غير أي حاجة رسمية بينا حرام

-انا مستني اخلصك من القضية دي وهتقدملك تاني، مستعد والله اتقدملك دلوقتي بس مش وقته

رفعت الأخرى عينيها له بحزن لتقول بنبرة بائسة :

-حمزة اهلي مش هيوافقوا متعلقش نفسك بحبال دايبة وتعلقني معاك، ومتسألش حبال دايبة يعني ايه، يعني حبال هتتقطع في أي لحظة

ابتسم الآخر مردفًا بثقة :

-حبي ليكي مش حبال دايبة يا نور مستعد أعمل اي حاجة علشان تبقي مراتي

قلبت الأخرى عينيها كاتمة بسمتها بكل ما أوتيت من قوة ثم تساءلت :

-هتعرف تطلعني براءة من القضية؟؟

-وإن مطلعتش حبيبتي براءة مين اللي هطلعه؟!

ضربت نور كفها على فخذها مديرة رأسها الناحية الأخرى بعدما فشلت في كبت بسمتها لترتسم بإتساع على ثغرها تزامنًا مع قولها :

-لا إله إلا الله يا ابني حرام ركبتنا ذنوب، انا ماشية

هبطت آخر درجات السلم متجهة إلى اعمامها ووالدها الذين كانوا يشحنون الشجار الذي احتد فنادى حمزة عليها وعندما استدارت إليه هتف بصدق ودون حرج كعادته وكأنه لا يزال غير مدرك أن ما يفعله لا يجوز :

-عينيكي حلوة بتخطف القلب وانا في حضرتهم قلبي خفيف بيتخطف بسهولة، جهزي نفسك ليوم الأربعاء وانا في ضهرك وكوني واثقة في ده

لم تجعله يكمل كلامه واستدارت عاضضة شفتيها بقوة من خجلها، ويلي لولا أن اعمامها منشغلين بالمشاجرة بعد تصريح شروق الكاذب بأن سليم تحرش بهما والأصوات مرتفعة لماتت خجلًا من حديثه

وقفت بجانب ياسر بينما هبط حمزة الدرجات المتبقية متجهًا بخطى واثقة ناحية المحامي الخاص بسليم والذي كان يقسم أنه سيفعل الأفاعيل بسبب ضربهم لسليم، وقف أمامه مباشرةً ناظرًا له بحدة رغم هدوء نبرته :

-اهدى على نفسك يا متر بدال ما انا اطلع للنائب دلوقتي وارفع قضية تحرش زيادة غير اللي هتوصلك من البنات اللي اتحرش بيهم سليم في المدرسة والسنتر، اصل انا مقولتلكش البنات دول كلهم هيشهدوا معانا ضد الزبالة ده فنصيحة مني بلاش تكمل في القضية دي علشان هتخسرها وهتبقى وحشة في تاريخك الطويل علشان انا اقسم بالله وقسم على قسمك لأحبسه

صاح الآخر غاضبًا من تهديده هذا إذ قال :

-سليم قال إنه معملش حاجة وده يبقى افتراء

ضحك الآخر بسخرية ثم قال مشيرًا إلى سليم خلف والده :

-افتراء ايه يا باشا محسسني إنه الشيخ البخاري ده لابس في قضايا تحرش؟! بس وماله قضية بقضية ونطلع سوا نقدمهم في بعض بس معتقدش إن واحد متقدم فيها محاضر تحرش هيتصدق إنه بنتين بيتبلوا عليه إنه اتحرش بيهم

تابعت نور حديثه بإنبهار بذكائه وسرعة تفكيره فبالرغم من أنه يعلم أن شروق وعائشة كاذبتان إلىٰ أنه قلب الأمر على سليم بكل سهولة، يبدو أنه محامي ذكي بشدة ويتعامل مع الأمور بمكر

ابتسمت بسمة متسعة وهى تراقبه عن كثب لأول مرة بل ولأول مرة تنظر إليه علانيةً بإعجاب صريح....

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

𝐒𝐀𝐁𝐑𝐄𝐄𝐍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...