تحميل رواية «في حمى الهوارة» PDF
بقلم نور محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
الفصل الاول "أنا قولت مش هروح يعني مش هروح! إنتي عايزاني أسيب حياتي ودنيتي هنا وأروح حتة مقطوعة في الصعيد عشان شوية فلوس؟ أنا مش محتاجة حاجة من حد!" صرخت "ملك" بعنادها المعتاد، عيونها بتطق شرار وهي بتبص لأمها اللي واقفة قدامها ببرود. الأم بحدة: "هتروحي غصب عنك يا ملك! ده حقك وحقي من بعد ما أبوكي مات وسابنا، جدك أخيرًا افتكر إن له حفيدة وعايز يديكي حقك، هتروحي وتجيبي الفلوس دي! إنتي عارفة إن جوزي محتاج سيولة يمشّي بيها شغله، وإنتي كمان محتاجة تكملي مستوى الرفاهية اللي عايشة فيه." ملك بضحكة سخرية...
رواية في حمى الهوارة الفصل الأول 1 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل الاول
"أنا قولت مش هروح يعني مش هروح! إنتي عايزاني أسيب حياتي ودنيتي هنا وأروح حتة مقطوعة في الصعيد عشان شوية فلوس؟ أنا مش محتاجة حاجة من حد!"
صرخت "ملك" بعنادها المعتاد، عيونها بتطق شرار وهي بتبص لأمها اللي واقفة قدامها ببرود.
الأم بحدة: "هتروحي غصب عنك يا ملك! ده حقك وحقي من بعد ما أبوكي مات وسابنا، جدك أخيرًا افتكر إن له حفيدة وعايز يديكي حقك، هتروحي وتجيبي الفلوس دي! إنتي عارفة إن جوزي محتاج سيولة يمشّي بيها شغله، وإنتي كمان محتاجة تكملي مستوى الرفاهية اللي عايشة فيه."
ملك بضحكة سخرية ولسانها الطويل اللي متعودة عليه: "آه.. قولي كده بقى! عشان جوزك! أنا مش هبيع نفسي وأروح أتمرمط في الصعيد عشان خاطر عيون جوزك يا ماما! ناس أبويا دول أنا مشوفتش منهم غير الجفا، يوم ما مات محدش فيهم عبرنا ولا سأل فينا! ودلوقتي أروح لهم برجليا؟ أنا بكرههم وبكره الصعيد كله!"
الأم مسكت دراعها بقسوة: "هتروحي يا ملك، لو ماروحتيش وجبتي ميراث أبوكي لا إنتي بنتي ولا أعرفك! الناس دي أنا بكرههم أكتر منك، بس فلوسهم دي حقنا وهتتجاب.. هتسافري لوحدك بكرة الصبح، تخلصي الورق، تاخدي الفلوس وترجعي على طول، مش هتباتي هناك أصلاً!"
ملك سحبت إيدها بقوة، ورغم قهرتها من تحكم أمها فيها، إلا إنها وافقت في النهاية، مش عشان الفلوس، بس عشان تخلص من ضغط أمها اللي مابيرحمش، ومشاكل جوز أمها اللي مابتخلصش
بعد ساعات طويلة من السفر المُرهق، بتنزل ملك من القطر في محطة "سوهاج". شمس حامية، تراب، ودوشة.. ملامحها الجميلة المتعجبة من المكان متناقضة تماماً مع لبسها الكاجوال الغالي جداً، ونضارتها الشمسية اللي مدارية نص وشها. بتجر شنطتها بضيق وهي بتنفخ بملل
.
ملك بتكلم نفسها بضيق: "إيه القرف والحر ده؟ أنا إيه اللي جابني هنا بس يا ربي؟ قال عيلة الهواري قال!"
بقلم... نور محمد
وهي ماشية في الشارع الضيق بتدور على عربية توصلها لبيت جدها، فجأة عربية جيب ضخمة وسريعة جداً عدت من جنبها، ونتيجة لسرعتها طرطشت طين ومياه من الأرض على هدومها الغالیه.
ملك وقفت مكانها مصدومة، ثواني والدم غلى في عروقها، وصرخت بأعلى صوتها في الشارع:
يا متخلف! يا أعمى إنت ! إيه الغباء والهمجية دي؟ وقّف ياللي مبتشوفش!"
العربية فرملت فجأة بصوت عالي خلاها تتخض، ثواني ونزل منها شاب طويل عريض، ملامحه صعيدية أصيلة، قاسية وحادة زي الصقر، بشرته خمرية وعيونه سودة بتلمع بغضب أعمى. قفل باب العربية بقوة وخطى ناحيتها بخطوات ثابتة ومرعبة.
بصلها ببرود مستفز من فوق لتحت، واتكلم بنبرة صارمة خشنة: "بتعلي صوتك في الشارع على مين يا جليلة الحيا؟ إنتي مفكرة حالك ماشية في بيت أبوكي؟"
ملك رغم الرعب اللي حسيت بيه من نظرته ومن هيئته، إلا إنها كابرت ورفضت تبين ضعفها، ورفعت راسها بتحدي: "جليلة الحيا في عينك يا همجي! إنت مبتشوفش؟ بوظتلي هدومي بعربيتك الزبالة دي! إنت متعرفش أنا مين ولا هدومي دي بكام؟"
الشاب عروق رقبته برزت من الغضب، بيكره اللسان الطويل ومبيحبش حد يعلي صوته عليه أبداً، خلقه ضيق ومبيستحملش. مد إيده بسرعة وقبض على دراعها بقوة كأنها كماشة حديد، وقرب وشه منها مِفحّس ومخيف.
"لسانك ده لو متقصش هقطعهولك أنا وأرميه للكلاب! إنتي إزاي تتجرأي تتحدتي مع 'صقر' إكده؟ شكلك غريبة وماخابراش زين إنتي واقفه جصاد مين!"
ملك بتتوجع بس بتكابر وعيونها بتطق شرار: "سيب إيدي يا متخلف! صقر ولا غراب ميهمنيش! إنتوا ناس همج أصلا ومبتفهموش في الذوق، إبعد عني!"
صقر بصلها ببرود مميت، وساب إيدها بنترة خفت توقعها على الأرض، وقال بنبرة كلها احتقار:"غوري من وشي السعادي بدل ما أدفنك مكانك، وربنا في سماه لو لمحت خلقتك دي في طريقي تاني لكون معرّفك مقامك زين يا بت البندر."
سابها وركب عربيته واتحرك بسرعة وسط الغبار، وهي واقفة بتشتمه وتتوعدله، وبتنفض هدومها بقرف.
بعد نص ساعة، وصلت أخيراً قدام قصر كبير جداً ومبني على الطراز الصعيدي العريق.. "قصر الهواري". البوابين دخلوها بعد ما عرفوا هي مين. دخلت بهيبتها وغرورها، لحد ما وصلت للمندرة الكبيرة
.
كان قاعد على كرسي ضخم، راجل كبير في السن، ملامحه فيها قسوة السنين، ماسك عكازه وباصص قدامه بشموخ.. "الجد رضوان".
الجد بنبرة قوية بس خالية من المشاعر: "أهلاً ببت الغالي... نورتي بيت جدك يا بت ولدي."
ملك وقفت ببرود وردت من غير أي ود: "أهلاً بيك يا.. يا جدي. أنا مش جاية أعطلكم، أنا جاية أخلص الإجراءات الخاصة بميراث أبويا وأرجع القاهرة النهاردة، لأن قعدتي هنا مش مناسباني."
الجد ضحك بسخرية مكتومة وخبط بعكازه على الأرض: "خابر زين إنتي جاية ليه.. أمك بعتاكي عشان الفلوس، عيشتكم هناك كلت الأخضر واليابس. حق أبوكي محفوظ يا بتي.. بس شروطنا هنا في الصعيد غير البندر خالص."
ملك عقدت حواجبها باستغراب وتحدي: "شروط إيه؟ أنا حقي وهاخده، القانون بيقول كده، وأنا معايا توكيل من ماما."
الجد بنظرة صارمة مفيهاش نقاش: "قانون إيه يا بتي؟ هنا مفيش قانون غير قانون عيلة الهواري وبس. لحمنا وفلوسنا ميطلعوش للغريب، وأمك دي غريبة اتجوزت راجل غريب بعد ولدي. ورث أبوكي كله في أراضي ومصانع، وكل ده متسجل وممسوك في إيد ابن عمك كبير العيلة من بعدي.. وعشان تاخدي الفلوس دي وتمسكيها في إيدك..."
سكت الجد ثواني، وملك بصتله بترقب ولسانها جاهز للرد: "عشان إيه؟ اتكلم على طول!
الجد بحزم: "لازم تتجوزي ابن عمك وتبقى على ذمته.. مالنا وميراثنا مبيخرجش برة العيلة."
ملك اتسمرت مكانها، عيونها وسعت بصدمة، وبعدها انفجرت في الضحك بسخرية وعصبية:
"نعم؟! أتجوز مين؟ إنتوا أكيد اتجننتوا! أنا؟ أنا 'ملك' أتجوز واحد فلاح من هنا عشان شوية فلوس؟ ده أنا أرمي الفلوس دي في وشكم ولا إني أعيش دقيقة واحدة مع واحد جاهل منكم! أنا راجعة القاهرة فوراً، والفلوس دي هعرف أخدها منكم بالمحاكم!"
لفت ملك عشان تمشي، بس صوت الجد وقفها:"حسك ميعلاش في بيتي! خروج من الدوار ده مفيش! دخولك هنا مش زي خروجك، ورجلك مش هتخطي برة الباب ده إلا على بيت جوزك! يا صقر!! يا صقــــر!"
خطوات تقيلة وسريعة بدأت تقرب من الباب الخارجي للمندرة، صوت هيبة بيهز الأرض."أيوة يا جدي.. رايدني في حاجة؟"
ملك لفت ببطء ناحية الصوت اللي حست إنها سمعته من شوية، وبمجرد ما عيونها وقعت عليه، شهقت بصدمة، الدم هرب من وشها، ولسانها اللي كان بيرد زي الرصاص اتعقد.
كان هو.. نفس الشاب المتخلف المغرور اللي اتخانقت معاه في الشارع!!
صقر أول ما عينه جت عليها، ملامحه اتحولت لغضب صافي، عقد حواجبه وقال بصدمة ممزوجة باشمئزاز: "إنتي؟! بتعملي إيه هنا يا جليلة الحيا؟"
الجد خبط بعكازه مرة أخيرة وقال بكلمة قاطعة متتحملش النقاش: "اتكلم زين مع بت عمك ومرتك المستقبلية يا صقر... كتب كتابكم هيكون الليلة!"
الصدمة نزلت زي الصاعقة على الاتنين، نظرات شرسة، عناد من نار، ورفض قاطع في عيونهم هم الاتنين...
العلى صفحه روايات نور محمد
صمت مرعب سيطر على المندرة بعد جملة الجد "كتب كتابكم الليلة". عيون ملك وسعت بصدمة، بينما صقر كان بيبص لجدُه وكأنه سمع نكتة سخيفة، قبل ما ينفجر بغضب زلزل جدران القصر
صقر بصوت جهوري وعروقه نافرة: "كتب كتاب مين يا جدي؟ إنت واعي للحديت اللي بتجوله ده؟ أنا صقر الهواري أتجوز دي؟ حتة عيلة من البندر لسانها أطول منها وماخابراش الأصول ولا الحيا؟ ده على جثتي!"
ملك الدم غلى في عروقها وماقدرتش تسكت، وردت بصراخ: "إنت تطول أصلاً تبصلي يا متخلف إنت؟ ده أنا أتجوز غفير وماتجوزكش إنت يا همجي! جثتك دي أنا اللي هدوس عليها قبل ما أوافق أكون على ذمة واحد زيك!"
صقر هجم عليها زي الأسد، مسكها من دراعها بقسوة خلاها تصرخ بوجع مكتوم، وقرب وشه منها وعيونه بتطلع نار: "هجطعهولك.. جولتلك هجطع لسانك ده لو ماسكتيش! إنتي مفكرة حالك فين؟ هِنا الكلمة كلمتي، وأنا لو انطبجت السما على الأرض مهدخلش بيتي واحدة زيك!"
الجد رضوان خبط بعكازه على الأرض بكل قوته، صوته كان أقوى من صراخهم: "إخرس إنت وهي!! إنتوا هتكبروا وتعلو صوتكم والجد رضوان واجف؟ إيه، كبرتوا ومبجاش ليا حاجة عندكم؟"
صقر ساب دراع ملك بالعافية وهو بيتنفس بسرعة من الغضب، وبص لجدُه باحترام ممزوج بعتاب:"العفو يا جدي، إنت تاج الراس، بس الجوازة دي مش هتم. أنا مش هتجوز واحدة أمها ربتها على كرهنا، ولسانها بينقط سم.
الجد بحزم وصرامة: "هتتم يا صقر، وده أمر مش طلب. بنت عمك لحمنا، ومال ولدي مش هيطلع للغريبة وجوزها.. هتتجوزها الليلة، والكلمة دي مفيهاش رجوع. وإلا وعهد الله يا صقر، لا أنت كبير العيلة من بعدي، ولا ليك حكم على شبر أرض من أملاكنا، وهسحب توكيلاتك كلها!"
صقر اتصدم من تهديد جده.. الأراضي والمصانع دي حياته وتعب السنين، مستحيل يضيعهم عشان حتة بنت مغرورة. بلع ريقه بغضب، وبص لملك نظرة كلها حقد ووعيد، وكأنه بيحلف يدفعها تمن كل ده غالي، وساب المندرة وخرج رزع الباب وراه بقوة هزت المكان.
ملك واقفة بتترعش من الغضب والخوف اللي بتحاول تداريه. بصت لجدها بتحدي أخير
ملك: "أنا مستحيل أوافق. إنتوا خاطفيني هنا ولا إيه؟ أنا هكلم البوليس، هكلم ماما تيجي تاخدني.. الفلوس دي حقي غصب عنكم!"
الجد ببرود وهو بيلف عشان يخرج: "حسك عينك ترفعي صوتك تاني. التليفون معاكي، رني على أمك وشوفيها هاتجولك إيه. بس حطي في بالك، رجلك مش هتخطي برة القصر ده غير وإنتي على ذمة صقر. خدوها على أوضتها، ومحدش يفتح عليها الباب غير وقت كتب الكتاب."
خدامتين دخلوا وسحبوا ملك اللي كانت بتقاوم وتصرخ فيهم يبعدوا عنها، لحد ما دخلوها أوضة كبيرة ومقفولة وقفلوا الباب بالمفتاح.
في الأوضة
ملك فضلت رايحة جاية زي المِجنونة، طلعت تليفونها بسرعة وإيديها بتترعش، ورنت على أمها.
ملك بصوت باكي ومخنوق: "ألو.. ماما! الحقيني يا ماما، الناس دي مجانين! جدي حابسني هنا وبيقول مش هاخد الفلوس غير لما أتجوز ابن عمي الهمجي اللي اسمه صقر ده! تعالي خديني من هنا أنا بكرههم!"
الأم سكتت ثواني، وردت ببرود صدم ملك: "تتجوزيه؟ طب وفيها إيه يا ملك؟"
ملك بصدمة: "نعم؟! فيها إيه إزاي؟ إنتي بتهزري يا ماما؟ أتجوز واحد مبطيقوش ولا بيطيقني وصعيدي جاهل؟"
الأم بحدة: "اسمعي يا بت إنتي، إحنا محتاجين الفلوس دي، وجوزي لو مجبناش السيولة دي هيتسجن! وافقي على الجوازة، امضي الورق، وخدي الفلوس، وبعدين ابقي اطلبي الطلاق أو اخلعيه لما ترجعي القاهرة. إنتي هتمثلي إنك موافقة لحد ما الفلوس تبقى في إيدنا.. سلام دلوقتي عشان مشغولة!"
الخط قطع
ملك بصت للتليفون بذهول.. أمها باعتها عشان الفلوس وعشان جوزها؟ حست بكسرة قلب ووجع مايتوصفش، قعدت على الأرض وضمت رجليها لصدرها ودموعها نزلت لأول مرة، بس بسرعة مسحتها وعيونها قلبت بقسوة وعناد.
ملك لنفسها بتصميم: "ماشي يا ماما.. ماشي يا جدي.. ويا صقر الكلب إنت. عايز تتجوزني عشان الفلوس؟ أنا بقى هوريك بنت البندر هتعمل فيك إيه، هخليك إنت اللي تصرخ وتتحايل عليا عشان تخلص مني!"
بقلم.. نور محمد
بالليل.. وقت كتب الكتاب
باب الأوضة اتفتح، ودخلت الخدامة ومعاها الدفتر. ملك بصت للدفتر بكره، بس مسكت القلم ومضت، عيونها بتلمع بتحدي. مضت على وثيقة جوازها من صقر الهواري.
بعد ساعة
باب الأوضة اللي اتنقلت ليها (أوضة صقر) اتفتح ببطء. دخل صقر وقفل الباب وراه بالمفتاح ولفه مرتين.
كان لابس جلبية صعيدية سودة، وهيبته تملى المكان، ملامحه جامدة زي الحجر، وعيونه متركزة عليها زي الصقر اللي لقى فريسته.
ملك كانت واقفة في نص الأوضة، لابسة هدومها زي ما هي، مربعة إيديها، وباصاله ببرود واستفزاز يخفي وراه رعبها منه.
صقر بدأ يقلع العباية بتاعته ورماها على السرير ببطء، وبيقرب منها بخطوات هادية ومرعبة.
صقر بصوت خشن، هادي جداً بس يخوف: "إكده بجيتي على ذمتي.. وفي عِصمة صقر الهواري. خابرة ده معناه إيه يا بت عمي؟"
ملك رفعت راسها بتحدي ولسانها اللي مابيرحمش اشتغل: "معناه إننا مضينا ورقة ملهاش أي تلاتين لزمة عشان الفلوس. متفتكرش إنك بقيت جوزي بجد ولا إن ليك حكم عليا.. أنا هنام على السرير ده، وإنت تترزع على الكنبة دي، وبكرة الصبح كل واحد يروح لحاله، فاهم؟"
صقر ابتسم ابتسامة جانبية خبيثة، زادت من وسامته وقسوته في نفس الوقت. فجأة، وبحركة أسرع من البرق، كان محاصرها بين إيديه والحيطة، أنفاسه السخنة بتضرب في وشها، وعيونه بتخترق عيونها.
صقر فحيح مرعب جنب ودنها: "تترزع؟ كنبة؟ شكلك لسه متعلمتيش الأدب يا ملك.. الورقة اللي بتجولي عليها ملهاش لازمة دي، بتديني الحق أعمل فيكي اللي أنا رايده.. وأنا رايد اعلمك الادب وأجص لسانك ده الليلة.. عشان تعرفي إن اللي تتجوز صقر الهواري، لازمن توطي راسها للأرض!"
ملك قلبها دق بسرعة مرعبة، حاولت تزقه بكل قوتها بس كأنها بتزق جبل، مدت إيدها بسرعة وخطفت فازة أزاز من على الترابيزة اللي جنبها، ورفعتها في وشه!
ملك بصراخ وتحدي: "لو قربت مني خطوة كمان هكسرها على دماغك وأشرب من دمك يا متخلف إنت!"
صقر بص للفازة المرفوعة، وبص لعيونها اللي بتطق شرار، وضحك بصوت عالي رج الأوضة.. ضحكة قلقت ملك أكتر من غضبه!
رواية في حمى الهوارة الفصل الثاني 2 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل الثاني
ضحكة صقر سكتت فجأة، واتحولت ملامحه لجمود مخيف. بصلها وبص للفازة اللي بتترعش في إيدها، وبحركة خاطفة، أسرع من إن عينيها تلمحها، كان ماسك معصمها بقبضة حديدية، وعصر إيدها بقوة خليتها تصرخ بوجع وتطير الفازة من إيدها تتكسر ميت حتة على الأرض.
صقر وهو بيلوي دراعها ورا ضهرها بحركة سريعة، وبيقرب وشه من وشها لحد ما أنفاسه لفتها: "بتترفعي عليا السلاح يا بت عمي؟ إنتي مفكرة حالك بتلعبي مع عيل من عيال شوارعكم؟ أنا صقر الهواري، الكلمة اللي بتطلع من بوقي سيف على رقاب الكل، ومخلوق على وش الأرض ميتجرأش يرفع عينه فيا، مابالك بإيديه!"
ملك بتتوجع ودموعها لمعت في عينيها من شدة الألم، بس عنادها كان أقوى: "سيب إيدي يا حيوان! إنت مفكر إنك كده راجل يعني لما تستقوى على واحدة ست؟ إنتوا عيلة همجية ومريضة، وأنا مش هقعدلك فيها دقيقة واحدة!"
صقر زقها بعيد عنه بقرف، لحد ما خبطت في الكنبة ووقعت عليها. ربع إيديه قدام صدره وبصلها بنظرة احتقار حرقت دمها أكتر من الوجع.
صقر ببرود مستفز: "راجل غصب عنك وعن اللي خلفوكي. بس أنا مش هقربلك، مش عشان خايف من تهدیدك ولا من طول لسانك.. لا، عشان إنتي متلزمنيش. أنا أتجوز ست صاينة بيتي وعارفة الأصول، مش عيلة متدلعة ولسانها بينقط سم زيك. إنتي هنا مجرد ورقة اتمضت عشان نحافظ على مالنا، وجودك زي عدمه. نامي على الكنبة دي، وحسك عينك أسمع صوتك لحد الصبح، وإلا وعهد الله أرميكي في الحوش مع البهايم."
لف ضهره وراح نام على السرير العريض بتاعه، وسابها بتغلي.
ملك قعدت على الكنبة، ضمت رجليها لصدرها، وبدأت دموعها تنزل بصمت. كرامتها موجوعة، أمها باعتها، وهي دلوقتي محبوسة مع وحش مابيرحمش. بس مسحت دموعها بسرعة وهمست لنفسها بتوعد:"ماشي يا صقر.. ماشي يا جدي.. بكرة نشوف مين اللي هيقول حقي برقبتي."
في الصباح الباكر
أشعة الشمس دخلت من شباك الأوضة. صقر صحي من نومه بدري كعادته، لقى ملك نايمة على الكنبة وهي مكورة حوالين نفسها من البرد، هدومها متكرمشة وشكلها مرهق جداً. وقف ثواني يبصلها.. ملامحها وهي نايمة هادية وبريئة جداً، عكس اللسان الطويل والشر اللي بيطلع منها وهي صاحية. نفض الأفكار دي من دماغه بسرعة ودخل الحمام.
بعد شوية، ملك صحيت على صوت خبط قوي على باب الأوضة.
الخدامة من برة: "يا بيه.. الجد الكبير بيجولكم الفطور جاهز والكل مستنيكم تحت."
ملك قامت مفزوعة، جسمها كله مكسر من نومة الكنبة. بصت حواليها لقت صقر واقف قدام المراية بيلبس العباية بتاعته وبيلف العمة الصعيدي على راسه بهيبة تخطف العين، بس هي لوت بوزها بقرف.
صقر من غير ما يبصلها، وهو بيظبط هدومه: "خمس دقايق وتكوني جاهزة، جدي مابيحبش الانتظار."
ملك وقفت وربعت إيديها بعناد: "وأنا مش هنزل. ومش هفطر معاكم، أنا عايزة أمشي من هنا. ورقي خلص، وفلوسي هاخدها، يبقا مفيش داعي للتمثيلية دي."
صقر لف ببطء، بص لشنطتها اللي كانت مفتوحة على الأرض، وبعدها بصلها
صقر بصرامة: "أنا مبحبش أعيد كلامي مرتين. هتنزلي تفطري مع العيلة، وهتلبسي حاجة عدلة من الخلجات اللي في الدولاب دي، اللبس الماسخ بتاع البندر ده ميتلبسش في بيت الهواري."
ملك فتحت عينيها بصدمة ورفعت صوتها: "نعم يا أخويا؟ إنت هتتحكم فيا ألبس إيه ومالبسش إيه؟ ده لبسي وستايلي، ومش هغيره عشان أعجب البشوات! وإذا كان عاجبك!"
ملك فتحت شنطتها وطلعت بنطلون جينز ضيق جداً وتيشيرت قصير، وبصتله بتحدي.
صقر عروقه برزت، وقرب منها بخطوات مرعبة لحد ما وقف قدامها، وسحب الهدوم من إيدها ورماهم على الأرض وداس عليهم برجله.
ملك بصراخ: "إنت متخلف؟ بتبوظ هدومي ليه؟"
صقر بصوت فحيح يخوف: "لآخر مرة هجولها.. لبس العرايا ده تلبسيه في بيت أمك، مش في بيتي. هنا تلبسي اللي أقول عليه، فاهمة؟"
فتح الدولاب وطلع عباية سودا مطرزة، رماها في وشها وقال بحسم:"البسي دي واخلصي، بدل ما أقسم بالله أنزلك تحت من غير هدوم خالص وأخليكي فرجة للمركز كله."
ملك خافت من نظرة عيونه اللي مابتهزرش، أخدت العباية ودخلت الحمام ورزعت الباب وراها بقوة. لبست العباية وكانت واسعة عليها جداً، شكلها كان ضايع جواها، بس ملامحها كانت بتغلي من الغيظ.
بقلم.. نور محمد
تحت في المندرة الكبيرة
السفرة طويلة جداً، عليها كل ما لذ وطاب من أكل الصعيد. الجد رضوان قاعد على راس السفرة، وعلى يمينه ولاده، وعلى شماله الحريم.
من ضمن الحريم كانت "شوقية"، بنت عم صقر، اللي كانت بتحبه وبتتمنى تتجوزه، قاعدة بتبص ناحية السلم بغل وحقد مستنية تشوف "العروسة" اللي خطفت صقر منها.
نزل صقر، وماشي وراه ملك اللي بتجرجر في العباية بضيق وبتبص لكل حاجة في القصر باشمئزاز.
أول ما دخلوا، عيون الكل اتعلقت بملك.
الجد بابتسامة خفيفة: "صباحية مباركة يا عرسان. اجعدي يا بتي."
ملك قعدت على الكرسي ببرود، صقر قعد جنبها وعينه على كل حركة بتعملها.
شوقية بابتسامة صفرة ونبرة كلها سم: "مبروك يا صقر ولد عمي.. بس إيه العروسة الباهتة دي؟ لا حنة في إيديها، ولا حتى ريحة كحل في عينيها! باين عليها مبتاكلش زين في البندر لحد ما نشفت إكده."
ملك بصت لشوقية من فوق لتحت، ورفعت حاجبها باستهزاء.. لسانها اللي صقر حذرها منه مابيرحمش.
ملك ببرود وثقة: "وأحط حنة وكحل ليه؟ أنا طبيعية وحلوة من غير بوهية وصمغ على وشي. وبعدين أنا مش ناشفة يا حبيبتي، أنا رشيقة.. الرشاقة دي حاجة كده متعرفوهاش إنتوا هنا من كتر أكل السمنة البلدي والمحاشي اللي مخلياكم عاملين زي الدبابات."
السفرة كلها سكتت صمت مميت. شوقية وشها جاب ألوان من الإحراج والغضب. صقر ضغط على المعلقة في إيده لحد ما كانت هتتكسر، وبص لملك بنظرة مرعبة تخرس أي حد، بس هي كابرت وبادلته النظرة ببرود وكأنها بتنتقم منه في أهله.
الجد بخبطة خفيفة على الترابيزة لإنهاء المهزلة: "خلاص عاد! كلوا وإنتوا ساكتين. صقر، بعد الفطور تجيب مرتك وتجيني المكتب، عندنا حديت لازمن يخلص."
في مكتب الجد
الجد قاعد ورا مكتبه الفخم، وصقر وملك واقفين قدامه.
ملك بفراغ صبر: "أديني اتزفت.. قصدي اتجوزت. فين بقى الورق اللي همضيه عشان أخد فلوسي وأمشي؟ أنا عندي طيارة كمان كم يوم ولازم أرجع القاهرة."
الجد بص لصقر، وبعدها بص لملك وابتسم ابتسامة خبيثة ومستفزة جداً.
الجد ببرود: "فلوس إيه اللي هتاخديها وتمشي يا بتي؟ أنا جولتلك تتجوزي صقر عشان الفلوس متطلعش برة العيلة، مش عشان تاخديها وتهربي بيها على البندر لامك وجوزها يبعزجوها."
ملك عيونها وسعت بصدمة وقلبها وقع في رجليها: "نعم؟! إنت بتقول إيه؟ إنت قولتلي نتجوز وهاخد الفلوس!"
الجد وقف وسند على عكازه: "الجواز ده عشان يثبت حقك، بس عشان الفلوس دي تتكتب باسمك وتقدري تتصرفي فيها.. شرطي التاني إنك تعيشي هنا، في القصر ده، على ذمة صقر، لمدة ٦ شهور كاملين! ٦ شهور تتعلمي فيهم أصول عيلة الهواري، وتبقى صِعيدية بجد. لو فكرتي تهربي قبل الـ ٦ شهور ما يخلصوا، مليم أحمر من ورث أبوكي مش هتشوفيه، ولو أمك وجوزها ماتوا من الجوع."
ملك حست إن الدنيا بتلف بيها، ٦ شهور؟ مع الهمجي ده وفي السجن ده؟ التفتت لصقر اللي كان واقف ملامحه جامدة ومافيش أي رد فعل، كأنه كان عارف!
ملك بصراخ وانهيار موجه لصقر: "إنت كنت عارف؟! كنت متفق معاه تلعبوا بيا اللعبة القذرة دي يا غشاش إنت وهو؟!"
صقر مقدرش يستحمل إهانتها قدام جده، رفع إيده بكل غضب الدنيا، وملك أغمضت عينيها بقوة وكشت في مكانها مستنية الضربة اللي هتنزل على وشها، لكن فجأة...
سمعت صوت هبدة مرعبة هزت جدران المكتب! فتحت عينيها ببطء وبرعب، لقت إيد صقر مضروبة بكل قوتها في الحيطة اللي جنب وشها بالظبط، لدرجة إن مفاصل إيده نزفت. أنفاسه كانت بتضرب في وشها زي النار، وعيونه حمرا زي الدم.
صقر بصوت يشبه زئير الأسد المكتوم: "يمين بالله، يمين تحاسب عليه قدام ربنا.. لو لسانك ده نطق بكلمة عيبة في حجي أو حج جدي تاني، لكون دافنك مكانك ومحدش هيعرفلك طريج! إنتي مفكرة حالك مين؟ مفكرة إننا طمعانين فيكي؟ ده إنتي جيتي برجليكي لحد عندنا، وهتفضلي تحت طوعي وتحت جزمتي ٦ شهور، وتتمني إني أبصلك وأنا اللي هرميكي للكلاب!"
الجد رضوان قاعد ببرود وثبات، بيسند دقنه على عكازه: "سيبها يا صقر.. عيلة وماخابراش الأصول، وإنت اللي هتربيها من أول وجديد. خُد مرتك واطلعوا على أوضتكم، ومفيش خروج منها النهاردة لحد ما تتعلم إزاي تتكلم مع كبارات العيلة."
صقر مسك دراع ملك بقسوة كالعادة، وسحبها وراه زي العروسة اللعبة. ملك كانت مصدومة، مش بتنطق، الرعب من كتمة غضبه والضربة اللي جت في الحيطة لجمت لسانها لأول مرة.
فضل ساحبها لحد ما وصلوا الأوضة، زقها لجوا وقفل الباب بالمفتاح وشاله في جيبه.
صقر وهو بيمسح الدم من على مفاصل إيده ببرود: "قسماً عظماً يا ملك، لو ماسمعتي الكلام ونفذتي اللي بيتقالك بالحرف الواحد، لخليكي تشوفي أيام سودة عمرك ما شوفتيها في حياتك. من اللحظة دي، مفيش حاجة اسمها بنت البندر الدلوعة.. إنتي هنا مرتي، تاكلي اللي أقول عليه، تلبسي اللي أقول عليه، وتشتغلي مع الحريم تحت في البيت، فاهمة؟"
ملك رجعتلها روح التحدي تاني بعد ما بعد عنها، وصرخت بدموع محبوسة: "مستحيل! إنتوا عصابة! أنا هكلم أمي حالا، هي مستحيل ترضى باللي بيحصل ده، هخليها تجيبلي البوليس ياخدني من هنا!"
صقر ضحك بسخرية قاسية، قعد على الكرسي وحط رجل على رجل، وشاورلها بإيده: "اتفضلي.. التليفون معاكي، رني على أمك الحنينة، شوفيها هتيجي تاخدك ولا هتقولك إيه."
ملك طلعت تليفونها بسرعة وإيديها بتترعش، رنت على أمها مرة واتنين لحد ما ردت.
ملك بصوت باكي ومخنوق، انهارت فيه كل حصونها: "ألو.. ماما! ماما الحقيني أبوس إيدك، جدي وصقر طلعوا متفقين عليا، بيقولوا مش هاخد الفلوس غير لما أعيش مع صقر ٦ شهور كاملين! ماما دول بيموتوني بالبطيء، أنا متجوزة وحش مابيرحمش، تعالي خديني أنا مش عايزة فلوس.. أنا هشتغل وأصرف عليكي بس طلعيني من هنا!"
الصمت ساد على الخط ثواني، وملك قلبها بيدق بسرعة مستنية طوق النجاة من أمها.. لكن الرد نزل عليها زي خنجر مسموم.
الأم بعصبية وصوت حاد: "إنتي اتجننتي يا ملك؟ تشتغلي إيه وتصرفي إيه؟ إنتي مفكرة إننا محتاجين ملاليم؟ جوزي مديون بملايين ولو مسددش الشيكات اللي عليه هيدخل السجن بكرة الصبح! ٦ شهور إيه اللي بتعيطي عشانهم؟ استحملي واكتمي في قلبك، إنتي مش صغيرة! اقعدي الـ ٦ شهور دول، سايسيهم لحد ما نلهف الفلوس، وبعدها نبقى نخلعك منه. إياكي تمشي من هناك يا ملك، لو رجعتي من غير الفلوس، هعتبرك متي ولا إنتي بنتي ولا أعرفك!"
الخط قطع. التليفون وقع من إيد ملك على الأرض. حست إن الأرض بتتشق وتبلعها.
أمها اللي مفروض تكون ضهرها، باعتها للمرة التانية، ومش عشان خاطرها، عشان خاطر جوزها! الدموع اللي كانت بتحارب عشان تكتمها نزلت زي الشلال، قعدت على الأرض بانهيار تام، وضمت ركبها لصدرها وفضلت تعيط بشهقات عالية، وجع وكسرة قلب مايتوصفوش.
صقر كان قاعد بيراقبها. ملامحه القاسية هديت شوية لما شاف انهيارها وكسرتها الحقيقية. شاف فيها بنت ضعيفة ملهاش ضهر، أهلها باعوها ورموها في النار. حس بنغزة غريبة في قلبه، بس بسرعة نفض الإحساس ده، وقف وقرب منها.
صقر بنبرة هادية شوية بس لسة صارمة: "عرفتي إن محدش باقيلك؟ عرفتي إن اللي إنتي بتدافعي عنهم دول هما أول ناس باعوكي؟ اللي يبيعنا نبيعه يا بت عمي، إنتي دلوقتي في حماية صقر الهواري، وطول ما إنتي ماشية بما يرضي الله وبتسمعي الكلام، محدش هيقدر يمس شعرة منك."
ملك رفعت راسها بسرعة، عيونها حمرا مليانة غل وقهر، ومسحت دموعها بعنف: "أنا مش محتاجة حماية من حد! ولا منك ولا من غيرك! أنا بكرهكم كلكم، وبكره اليوم اللي جيت فيه هنا! أنا هوريك يا صقر إن أنا مش جارية عندكم، ومش هقعدلك في البيت ده دقيقة واحدة!"
قامت وقفت وراحت على السرير، عطته ضهرها واتغطت وعملت نفسها نايمة عشان تنهي الكلام. صقر بصلها بضيق، وساب الأوضة ودخل الحمام.
في نص الليل
السكون التام سيطر على قصر الهواري. صقر نايم على السرير بنومه التقيل بعد يوم طويل.
ملك فتحت عينيها ببطء، كانت صاحية بتراقب أنفاسه لحد ما اتأكدت إنه غطس في النوم. قامت بخفة شديدة زي القطة، مغيرتش هدومها، ومسكتش شنطة ولا أي حاجة عشان متعملش صوت. لفت طرحة سودا على راسها ووشها عشان محدش يلمحها في الضلمة.
اتسحبت ناحية الباب، لقت المفتاح في القفل.. صقر كان قفله ونسي يشيله. لفت المفتاح براحة جداً.. الباب اتفتح.
قلبها كان بيدق زي الطبول، مشيت في طرقة القصر الطويلة، كانت حافظة الطريق للباب الخلفي اللي بيطل على الجنينة الواسعة ومنها لسور القصر.
نزلت السلم على طراطيف صوابعها، لحد ما وصلت للباب الخلفي، فتحته وطلعت للبرودة القارسة بتاعت الليل.
ابتسمت بانتصار، خطوتين كمان وتوصل للسور، هتنط وتهرب بعيد عن الصعيد، عن أمها، وعن صقر، هتبدأ حياة جديدة لوحدها!
وهي بتجري في الضلمة وسط الشجر، حست إن في خيال ضخم بيتحرك وراها. وقفت مكانها والرعب شل حركتها.
فجأة.. إيد خشنة جداً وضخمة اتلفت حوالين وسطها من ورا، وإيد تانية كتمت بوقها بكل قوة قبل ما تطلع أي صوت!
بقلم..نور محمد
حاولت تصرخ، ترفس، تضرب الخيال ده، بس كان أقوى منها بمراحل، وكأنه كماشة حديد قفلت عليها.
قرب الخيال ده من ودنها، وهمس بصوت خشن ومرعب خلا الدم يهرب من عروقها:"على فين يا عروسة في أنصاص الليالي؟ مفكرة هروبك من قصر الهواري بالسهولة دي؟ ده أنا هدفنك مكانك والصبح يقروا عليكي الفاتحة!"
الملامح في الضلمة مكنتش واضحة.. بس الصوت ده مكنش صوت صقر أبداً!!
رواية في حمى الهوارة الفصل الثالث 3 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل الثالث
في العتمة وسط أشجار جنينة القصر، الرعب شل حركة ملك بالكامل. الإيد الخشنة اللي كاتمة نفسها، والصوت الغريب اللي بيهمس في ودنها، خلوها تحس إن نهايتها انكتبت الليلة دي.
المجهول بهمس لزج وأنفاس كريهة: "تؤ تؤ.. على فين يا حلوة؟ فاكرة دخول قصر الهواري زي خروجه؟ ده إنتي صيدة متتعوضش.. أعداء الهوارة كتير، ولما نكسر عين صقر في عروسته اللي هربت في أنصاص الليالي، هيبجى مكسور الرقبة جدام المركز كله!"
ملك بدأت تقاوم بكل ذرة قوة باقية فيها، بتضرب برجليها في الهوا، وبتحاول تخربش إيده اللي على بوقها، بس الراجل كان ضخم جداً.
في لحظة يأس، غرزت سنانها بكل غل في الإيد اللي كاتمة بوقها وعضته عضة خليته يصرخ صرخة مكتومة ويسيبها ثواني.
ملك بأعلى صوت قدرت تطلعه، صرخة شقت سكون الليل: "آآآآآه! الحقووووني!!"
الراجل اتجنن، رفع إيده وضربها بالقلم بكل وحشية على وشها، ضربة طيرتها على الأرض وخبطت راسها في جذع شجرة. الدنيا لفت بيها، والدم بدأ ينزل من شفايفها، بس قبل ما الراجل يقرب منها تاني عشان يسحبها، حصلت حاجة زلزلت المكان.
صوت طلقة رصاص شقت الهوا وعدت من جنب ودن الراجل بالظبط، ضربت في الشجرة اللي وراه!
الراجل اتسمر مكانه، وملك فتحت عينيها نص فتحة وسط دموعها، وشافت في الضلمة خيال مرعب بيقرب بسرعة البرق.
كان صقر!
طالع زي الوحش من العتمة، عيونه بتطق شرار حرفياً، لابس بنطلونه بس وصدره العريض مكشوف وبيتنفس بسرعة غضب أعمى، وفي إيده سلاحه.
صقر بصوت رج الجنينة كلها: "يا ولاد الكـ'ـلب!! بتمد إيدك على حريم الهواري يا كـ'ـلب المطاريد؟!"
الراجل طلع مطو*اة من جيبه وحاول يهجم على صقر، بس صقر كان أسرع وأشرس.
ضربه برجله في صدره وقعه على الأرض، ورمى السلاح من إيده، ونزل فوقه زي الوحش الكاسر.
ضربات متتالية بالبوكس في وشه، كل ضربة أقوى من اللي قبلها، صوت تكسير عضم الراجل كان مسموع في الجنينة.
صقر وهو بيضربه بجنون: "هجتلك.. هطفي نار قلبي فيك يا واكل ناسك! مين اللي باعتك؟ انطج!!"
بقلم.. نور محمد
الراجل كان بيكح د*م ومش قادر يتكلم، لحد ما الحراس اتجمعوا على صوت الر*صاصة والضر*ب، وجريوا يمسكوا الراجل من تحت إيد صقر اللي كان هيمو*ته في إيده.
صقر وقف وهو بينهج، وبص للحراس بوعيد: "الكلب ده يتربط في المخزن تحت، ومحدش يمد إيده عليه ولا يديله شربة ماية لحد ما أفضاله وأعرف مين اللي جراأه يهوب ناحية حريمي!"
صقر لف ببطء ناحية ملك.. اللي كانت لسة واقعة على الأرض، ضامة نفسها وبترتعش زي الورقة في مهب الريح، بتبكي بصوت مكتوم، ووشها عليه أثر الضر*بة والد*م نازل من شفايفها.
الغضب اللي كان في عيون صقر اتحول لمزيج غريب من القسوة واللوم. خطى ناحيتها بخطوات تقيلة، نزل لمستواها، ومسك دراعها بقوة ووقفها على حيلها نترة واحدة.
صقر بصوت غاضب جنب ودنها: "عاجبك إكده؟ شفتي نتيجة دماغك الناشفة وعنادك؟ لو كنت اتأخرت دجيجة واحدة.. دجيجة واحدة بس، كان زمان شر*في وشر*ف عيلتي في الطين، وكان زمانك إنتي ميـ'ـتة أو متمنية المو*ت!"
ملك مقدرتش ترد، الصدمة والرعب كانوا لسة مسيطرين عليها، لأول مرة تحس إنها ضعيفة ومحتاجة تتحامى في حد. من غير ما تحس، مسكت في دراع صقر بقوة وكأنها بتستنجد بيه، وانهارت في العياط على صدره.
صقر اتخشب مكانه.. إيديها اللي ماسكة فيه، ودموعها اللي بتبل صدره، عملت زلزال جواه، بس كبريائه الصعيدي رفض يخليه يضعف. شالها بين إيديه بقوة وصرامة، وطلع بيها على الأوضة متجاهل كل نظرات الخدم اللي صحيوا على الدوشة.
في الأوضة
صقر رماها على السرير بحدة، وقفل الباب بالمفتاح كالعادة. جاب علبة الإسعافات وقعد قدامها.
صقر بجمود وهو بيمسح الد*م من على شفايفها بقطنة: "بكرة الصبح، حسابك معايا هيكون عسير يا بنت عمي. اللي حصل الليلة ده تمنه غالي، وغالي أوي."
ملك بصتله بدموع وانكسار، وصوتها بيترعش:"أنا.. أنا كنت عايزة أمشي.. أنا بخاف منكم.. أنا مش بتاعة مشاكل ود*م وسلا*ح.. سيبني أرجع لماما."
صقر ضغط على القطنة بقسوة خليتها تتوجع:"أمك اللي رمتك في النار؟ إنتي لسة مفهمتيش؟ مفيش رجوع! وإنتي الليلة أثبتيلي إن جعدة القصر دي مخلياكي فاكرة إنك في فندق. بس من بكرة.. أنا هعرفك إزاي تعيشي عيشة الهوارة بجد."
في الصباح الباكر
الجد رضوان كان قاعد في المندرة، بيشرب قهوته وعلامات الغضب على وشه بعد ما عرف اللي حصل بالليل. صقر نزل من على السلم، وساحب وراه ملك اللي كانت لابسة العباية السودا، ووشها شاحب جداً، وفي علامة زرقا مكان الضربة على خدها.
الجد بصرامة: "إيه اللي حوصل ده يا صقر؟ مين الكلب اللي اتجرأ ودخل حرمة القصر؟"
صقر بجمود وهو بيبص لملك: "حساب الكلب ده معايا أنا يا جدي، مسيره ينطج. بس المشكلة الحقيقية مش في الكلب، المشكلة في اللي فتحتله الباب بعنادها وغبائها."
الجد بص لملك بنظرة نارية. شوقية كانت واقفة بعيد بتبتسم بخبث وشماتة في ملك اللي شكلها مكسور.
صقر كمل كلامه بصوت قاطع: "عشان إكده يا جدي، أنا هاخد مرتي وهنروح (عزبة الجبل). القصر هنا مليان خدم وحشم، وهي محتاجة تتربى على الغالي، وتعرف إن اللقمة هنا بتيجي بعرق الجبين. هتقعد هناك معايا ٦ شهور، بعيد عن أي دلع."
ملك رفعت راسها بصدمة: "عزبة الجبل؟ إنت بتقول إيه؟ أنا مش هروح معاك في حتة مقطوعة! جدي، خليه يسيبني!"
الجد خبط عكازه بابتسامة رضا عن قرار حفيده:"عين العقل يا صقر. خد مرتك على العزبة، وعلمها الأصول. ومحدش من العيلة هيهوب ناحيتكم هناك غير للضرورة القصوى."
بعد ساعتين
في طريق صحراوي زراعي مقطوع تماماً، عربية صقر الجيب بتشق طريقها وسط الغبار. ملك قاعدة جنبه، ضامة نفسها وبتبص من الشباك برعب.. مفيش أي أثر للحياة، مجرد جبال من ناحية، وأراضي زراعية واسعة وفاضية من ناحية تانية.
العربية وقفت قدام بيت قديم جداً، مبني من الطوب اللبن والحجارة، سور قصير، وشكله يخوف . مكان معزول عن العالم.
صقر نزل من العربية، وفتح الباب ناحيتها، وشدها من دراعها تنزل.
صقر بابتسامة قاسية وهو بيشاور على البيت القديم: "نورتي بيتك الجديد يا عروسة. هنا بقى مفيش خدم، مفيش دلع، ومفيش هروب. هنا إنتي اللي هتطبخي، وتكنسي، وتعجني، وتخدِمي 'جوزك'.. ولو فكرتي تهربي من هنا، الديابة اللي في الجبل هتاكلك قبل ما حد يسمع صوتك."
ملك بصت للبيت الرعب ده، وبصت للجبل اللي وراه، حست إن روحها بتنسحب منها، ورجليها مش شايلاها، وقبل ما تنطق بكلمة، لقت الباب الخشب بتاع البيت بيزيق ويتفتح ببطء، وظهرت منه ست كبيرة في السن، ملامحها مرعبة، وعينها اليمين مقفولة تماماً، وماسكة في إيدها عصاية غليظة بتهش بيها كلاب حراسة ضخمة!
العلى صفحه روايات نور محمد
وقفت ملك متسمرة مكانها، عيونها متسعة برعب وهي بتبص للست العجوزة المخيفة اللي طالعة من البيت ، والكلاب الضخمة اللي بتنهش في الأرض وبتهوهو بشراسة كأنها مستنية إشارة عشان تاكلها
الست العجوزة بصوت أجش ومبحوح، وهي بتضرب بعصايتها في الأرض: "مين دي يا ولدي اللي جايبها في ديلك وعاملة زي العرسة المبلولة إكده؟"
الكلاب بدأت تقرب من ملك وهي بتكشر عن أنيابها. ملك من رعبها، وبدون وعي، لزقت في ضهر صقر ومسكت في جلابيته بقوة كأنها بتستخبى فيه من وحوش الجبل.
صقر بص للكلاب بنظرة مخيفه وبصوت جهوري زلزل المكان: "انكتم يا ديب إنت وهو!! غووور جوة!"
الكلاب كأنها فهمت كلامه، وطت راسها ورجعت لورا بخوف ودخلت الحوش. صقر لف راسه وبص لملك اللي ماسكة فيه وبتترعش، وابتسم ابتسامة سخرية مستفزة وهو بيسحب الجلابية من إيدها ببرود.
صقر: "إيه يا بت عمي؟ القطة كلت لسانك ولا رعبك من الديابة نساكي طول لسانك؟ (وبص للست العجوزة) دي مرتي يا خالة 'راضية'.. بت عمي اللي جدي أمرني أربيها من أول وجديد، وجبتهالك هنا عشان تعلميها شغل البيت، الغسيل، الخبيز، والطبيخ.. من النهاردة مفيش خدامين، هي اللي هتخدمنا."
راضية قربت من ملك ورفعت عينها السليمة تتفحصها من فوق لتحت باحتقار: "يا مري! دي مرتك يا صقر؟ دي ورقة شجر، نفخة هوا تطيرها! دي هتقدر على شيلة الحطب ولا عجين الفجرية؟ دي شكلها مابتعرفش تغسل خلجاتها حتة!"
ملك الدم غلى في عروقها، ورغم رعبها من المكان والست، عنادها غلبها ورفعت راسها بتحدي:"وإنتي مالك إنتي؟ إيه عر*سة مبلولة وورقة شجر دي؟ إنتي فاكرة نفسك مين عشان تتكلمي معايا كده؟ وبعدين حطب إيه وعجين إيه يا متخلفين إنتوا؟ أنا ملك الهواري، أنا مستحيل أمد إيدي في القرف ده!"
صقر عروقه برزت، مد إيده بسرعة وقبض على فكها بقسوة خليتها تتوجع، وقرب وشه منها وعيونه بتطلع نار: "حسك ميعلاش على الخالة راضية.. الست دي اللي ربتني، وجز*متها برقبتك ورقبة اللي خلفوكي! هتدخلي جوة زي الشاطره، تنضفي الدار، وتجهزي الوكل.. وإلا وعهد الله أربطك في الحوش مع الكلاب برة تباتي معاهم في برد الجبل."
زقها ناحية الباب، ملك دخلت وهي بتعيط من القهر. البيت من جوة كان ضلمه، تراب في كل مكان، مفيهوش أي ريحة للرفاهية، ولا تكييف ولا حتى مروحة عدلة، عفش قديم ومتهالك.
راضية دخلت وراها ورمت لها مقشة خشنة وجردل مية: "يلا يا حزينة، شوفي شغلك. الدار دي لازمن تبرق جبل ما الشمس تغيب، وبعدها تدخلي المطبخ تجهزي الغدا لجوزك صقر."
بعد ساعتين من العذاب
ملك كانت هتموت من التعب. إيديها اللي متعودة على الكريمات والمانيكير بقت كلها تراب وجروح خفيفة من المقشة الخشنة. العرق مالي وشها، والعباية السودا اللي لابساها بقت كلها طين.
قعدت على الأرض بتنهج وتعيط بانهيار، شتمت الصعيد وصقر وأمها في سرها ميت مرة.
صقر دخل البيت، شافها قاعدة على الأرض بتعيط ومنظرها متبهدل. حس بنغزة خفيفة في قلبه، بس كابر ولبس وش القسوة.
صقر ببرود: "إيه؟ خلصتي ولا لسة بتندبي حظك؟ الوكل جاهز ولا أطربق الدار دي على دماغك؟"
ملك وقفت وصرخت فيه بهيستريا: "حرام عليك بقى! إنت إيه؟ حجر؟ أنا مبعرفش أعمل حاجة من دي، مبعرفش أطبخ، مبعرفش أنضف! إنت جايبني هنا عشان تمو*تني بالبطيء؟ طلقني وسيبني أمشي!"
صقر قرب منها ببطء، صوته كان هادي بس يخوف أكتر من الزعيق: "مبعرفش دي كلمة الحريم الخايبة. مفيش حاجة اسمها مبعرفش، في حاجة اسمها هتعلم غصب عنك. قدامك نص ساعة والأكل يكون محطوط على الطبلية."
سابها ودخل الأوضة. ملك دخلت المطبخ اللي كان عبارة عن جحيم بالنسبة لها.. بوتاجاز قديم، وحلل ألومنيوم تقيلة. حاولت تولع عين البوتاجاز بالولاعة القديمة اللي لقيتها، بس إيديها كانت بتترعش، وفجأة..
النار هبت بقوة في وشها!
ملك بصراخ مرعب: "آآآآآه!"
صقر طلع يجري من الأوضة زي المجنون، دخل المطبخ لقى ملك واقعة على الأرض ماسكة إيدها وبتصرخ بوجع، والنار كانت هتمسك في كم العباية لولا إنها طفتها بسرعة.
قلبه وقع في رجليه، نسى كل القسوة وكل العناد، نزل على ركبه جنبها بلهفة واضحة وشد إيدها يبص عليها. كانت محروقة حرق سطحي بس أحمر جداً.
صقر بزعيق من خوفه عليها، بس صوته طالع بعصبية: "إنتي غبية؟ مش بتعرفي تولعي البوتاجاز بتهببي إيه؟ كنتي هتحرقي نفسك وتحرقي الدار!"
ملك بتعيط بوجع حقيقي وطفولي: "أنا قولتلك مبعرفش! قولتلك مبعرفش! إنت اللي جبرتني!"
صقر شالها من على الأرض بدون ما ينطق، دخلها الأوضة وقعدها على السرير. جاب مرهم حروق من علبة الإسعافات وقعد قدامها. مسك إيدها بحنية غريبة متتناقضش مع قسوة ملامحه، وبدأ يدهن لها المرهم براحة.
بقلم.. نور محمد
ملك كانت بتبصله بذهول وسط دموعها.. إزاي الراجل اللي كان من شوية وحش كاسر، دلوقتي لمسته أحن من لمسة أمها؟ رفعت عينيها وبصت لملامحه الرجولية القاسية، حست بشعور غريب لأول مرة يدخل قلبها، بس بسرعة سحبت إيدها أول ما خلص، وكشرت عشان تداري توترها.
صقر وقف ورجع لبروده، كأنه بيلبس الماسك تاني:"تتخمدي هنا لحد ما الحرق يروق. الخالة راضية هتعمل الوكل النهاردة."
وسابها وخرج قبل ما ترد.
في الليل..
عزبة الجبل بالليل عبارة عن مقبرة، هدوء مميت بيقطعه أصوات عواء الديابة من بعيد.
صقر جاله تليفون مهم، اضطر ينزل المركز عشان يخلص مشكلة كبيرة تبع أراضي العيلة.
صقر وهو بيمسك سلا*حه: "خالة راضية، أنا نازل المركز وهتأخر. خلي بالك من البت دي، ومحدش يفتح الباب مهما حوصل."
بعد ما صقر مشي، الخالة راضية دخلت أوضتها ونامت نوم تقيل.
ملك كانت في أوضتها لوحدها. اللمبة ضعيفة جداً، قاعدة على السرير بتترعش من البرد والخوف. الأوضة ليها شباك خشب قديم بيطل على ضهر العزبة ناحية الجبل.
فجأة.. سمعت صوت خربشة غريبة على قزاز الشباك من برة!
قلبها دق بسرعة، كتمت نفسها. الخربشة زادت، كأن حد بيحاول يفتح الشباك بآلة حادة.
قامت ببطء، مشيت على طراطيف صوابعها لحد الشباك، وبصت من الشق الصغير بتاع الخشب.
الدم نشف في عروقها.. لقت خيال راجل ضخم واقف برة، مغطي وشه بشال أسود، وماسك في إيده عتلة حديد بيكسر بيها قفل الشباك!
وقبل ما تصرخ، الراجل لمحها، رفع وشه وبصلها بعيون مرعبة، ورفع إيده التانية وحطها على الشباك.. إيده كانت كلها د*م!
وفجأة، الباب الخارجي للبيت تحت بدأ يتخبط عليه بقوة مرعبة هزت الجدران!!
رواية في حمى الهوارة الفصل الرابع 4 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل الرابع
الرعب شل كيان ملك بالكامل، الخيال اللي واقف برة الشباك وعينه بتطق شرار، وإيده المليانة د*م مخلية المشهد كأنه كابوس. وفي نفس اللحظة، الخبط على باب البيت تحت عامل زي زلزال بيهز الجدران!
ملك مقدرتش تصرخ من الصدمة، رجعت لورا بخطوات بطيئة وهي بتترعش، لحد ما ظهرها خبط في الدولاب. في اللحظة دي، الراجل اللي برة رفع العتلة الحد*يد وضرب بيها قزاز الشباك بكل عزم ما فيه!
القزاز اتكسر وتناثر في كل حتة في الأوضة. الراجل دخل نصه من الشباك، وعينه متركزة على ملك زي الفريسة.
المجهول بصوت أجش ومكتوم تحت الشال:"تعالي هنا يا حلوة.. داحنا هندفع فيكي دهب!"
بقلم.. نور محمد
ملك في اللحظة دي، غريزة البقاء عندها اشتغلت. العناد اللي فيها غلب الخوف. لمحت كرسي خشب تقيل جنب الدولاب، مسكته بكل قوتها، وقبل ما الراجل يرفع رجله التانية ويدخل الأوضة، صرخت بأعلى صوتها وضربت الكرسي بكل غل في راسه وكتفه!
الراجل بصرخة وجع: "آآآه يا بت الـ...!"
فقد توازنه، وإيده اللي كانت ماسكة في حافة الشباك فلتت، ووقع لورا على الأرض برة البيت.
في نفس الثانية، الخبط اللي على الباب تحت اتحول لصوت بينادي بوجع: "يا خالة راضية! افتحي الباب! افتحي!"
ملك فتحت عينيها بصدمة.. ده صوت صقر!!
طلعت تجري من الأوضة زي المجنونة، وهي بتصرخ: "خالة راضية! الحقينا! صقر برة وفي حد كان بيحاول يدخل من الشباك!"
الخالة راضية كانت طالعة من أوضتها تجري، ماسكة بند*قية خر*طوش في إيدها، ملامحها مرعبة وفيها شراسة السنين. أول ما سمعت كلام ملك وصوت صقر، نزلت السلم في ثواني، وملك وراها بتترعش.
راضية شالت المزلاج الحديد التقيل وفتحت الباب.
أول ما الباب اتفتح، صقر وقع بجسمه الضخم لجوة البيت. كان بينهج، وشه شاحب زي المو*تى، وجلابيته السودة غر*قانة د*م من ناحية جنبه الشمال!
ملك صرخت بهيستريا ونزلت على ركبها جنبه:"صقر!! إنت.. إنت بتنز*ف! إيه الد*م ده كله؟!"
راضية بصدمة بس متماسكة: "يا مري! ولدي! مين اللي عمل فيك إكده يا صقر؟"
صقر وهو بيكح د*م، وبيحاول يسند نفسه على الحيطة: "كمين.. عملولي كمين على طريج المركز.. الكلب اللي كان في القصر امبارح كان طُعم.. عشان يسحبوني من العزبة.. (وبص لملك بخوف حقيقي) حد هوب ناحيتكم؟ حد دخل الدار؟"
ملك وهي بتعيط وبتحاول تسنده معاهم: "كان.. كان في واحد بيحاول يدخل من الشباك بتاعي فوق.. بس أنا ضر*بته بالكرسي ووقع."
صقر رغم وجعه، ابتسم ابتسامة خفيفة أوي، كأنه فخور بيها إنها استرجلت وماوقفتش تعيط، وبعدها عينيه قلبت وفقد الوعي!
البقلم الكاتبه نور محمد
راضية بزعيق وهي بتسحب صقر لجوة): "فزي يا بت! فزي هاتيلي جردل ماية مغلية من المطبخ وقماشة نضيفة بسرعة! راجلك بيمو*ت!"
في أوضة صقر تحت
صقر نايم على السرير، غرقان في عرقه ود*مه. راضية شقت الجلابية بتاعته بالسـ'ـكينة، وظهر الجر*ح.. طعـ"ـنة خنـ"ـجر عميقة جداً في جنبه، الر*صاصة كانت سطـ'ـحية في كتفه، بس الطـ'ـعنة هي اللي بتصـ'ـفي د*مه.
ملك كانت واقفة جنب السرير، ماسكة الماية السخنة والقماش، إيديها بتترعش، ودموعها نازلة شلال. هي عمرها ما شافت د*م ولا عنف بالشكل ده، بس في اللحظة دي، نسيت كل كرهها ليه، نسيت قسوته وعناده، ومبقتش شايفة غير الراجل اللي كان بيحميها وبيدافع عنها ود*مه بيتصفى.
راضية وهي بتكوي الجر*ح بحد*يدة سخـ'ـنة عشان توقف النز*يف: "امسكي إيده يا بت! امسكي إيده جامد واكتمي صو*ته، مش عايزة المركز كله يعرف إن صقر الهواري مصا*ب!"
ملك مسكت إيد صقر الضخمة بكل قوتها. أول ما الحد*يدة السخـ'ـنة لمست جر*حه، صقر انتفض بعنف وصر*خ صر*خة مكتومة، قبض على إيد ملك لدرجة إنها حست إن عضـ'ـمها هيتـ'ـكسر، بس متكلمتش، فضلت تمسح على شعره المبلول بالعرق وتهمسله بدموع:"استحمل.. عشان خاطري استحمل، هتبقى كويس، والله هتبقى كويس."
بقلم.. نورمحمد
صقر في وسط غيبوبته وو*جعه، فتح عينه نص فتحة، شاف وشها الباكي، وشاف خو*فها الحقيقي عليه، همس بصوت متقطع وضعيف جداً:"ماتخافيش.. طول ما أنا بتنفس.. محدش.. هيقدر يمس شعرة منك.. يا ملك."
وقفل عينه تاني. الجملة دي نزلت على قلب ملك زي السحر، زلزلت كل حصونها اللي بانيتها ضده.
في الصباح الباكر
نور الشمس دخل من الشباك. صقر بدأ يفتح عينيه بتقل، حاسس بو*جع في جسـ'ـمه كله. لفت راسه ببطء، لقى ملك نايمة على الكرسي اللي جنبه، ساندة راسها على طرف السرير، وإيدها لسة ماسكة إيده!
شكلها كان مرهق جداً، عينيها منفخة من العياط، وهد*ومها متبهدلة.
صقر فضل باصصلها شوية، ملامحه القاسية هديت خالص. اتنهد تنهيدة طويلة، وبحركة لا إرادية رفع إيده السليمة ولمس شعرها براحة.
ملك حست بلمسته، فزت مرة واحدة وفتحت عينيها برعب، بس أول ما شافته صاحي وباصصلها، اتنهدت براحة، وبسرعة سحبت إيدها ورجعت لوش العناد بتاعها.
ملك بتبل ريقها وبتصطنع البرود: "إنت.. إنت فقت؟ أخيراً! أنا ظهري اتقطم من الكرسي ده، والست راضية دي مخلتنيش أنام دقيقة، تقولش أنا الممرضة بتاعتك!"
صقر ابتسم بو*جع وهو بيحاول يتعدل: "لسانك ده مبيفصلش أبداً؟ حتى وأنا بمو*ت جايبة في سيرتي؟"
ملك قربت بسرعة تسنده بخوف واضح ونسيت البرود: "ماتقومش! إنت متخلف؟ الجر*ح هيفتح تاني! خليك متلقح مكانك لحد ما تخف عشان أنا مش هعالجك تاني أنا بقر*ف من الد*م أصلا."
صقر وهو بيبصلها في عينيها بنظرة عميقة اخترقتها: "عشان بتقر*في من الد*م.. وقفتي تضر*بي راجل بكرسي وتدافعي عن نفسك؟ طلعتي بميه راجل يا بت عمي."
ملك (رفعت مناخيرها بغرور، بس من جواها كانت طايرة إنه مدحها): "أومال إنت فاكر إيه؟ أنا بس مبحبش أظهر قدراتي عشان محدش يحس بالنقص."
صقر ضحك بصوت عالي، بس الضحكة قلبت بكحة ووجع.
في اللحظة دي، الباب بتاع البيت برة اتخبط خبطتين جامدين.
صقر وملك بصوا لبعض بترقب. راضية راحت تفتح الباب، لقت عيل صغير من أهل البلد، رمى صندوق خشب مقفول وجري بسرعة.
راضية دخلت الصندوق الأوضة عند صقر.
راضية بشك: "عيل رماه وجري يا ولدي.. نفتحه؟"
صقر بملامح قلبت للغضب الصافي: "افتحيه يا خالة."
راضية فتحت الصندوق الخشب، وأول ما اتفتح، ملك شهقت وحطت إيدها على بوقها برعب!
جوة الصندوق كان في الشال الأسود اللي كان لابسه الراجل اللي هجم على شباك ملك، غر*قان د*م، وفوقيه ورقة مكتوب عليها:
"المرة دي خد*نا من د*مك يا صقر الهواري، المرة الجاية هناخد العروسة، وتمنها مدفوع مقدماً. جهز كفـ'ـنك.. أو طلقها!"
صقر قبض على الورقة لحد ما كرمشها، وعروق رقبته برزت من الغضب الأعمى، وبص لملك بنظرة مرعبة وهو بيجز على سنانه.
صقر: "ورحمة أبويا ما هسيبهم.. اللعب بجى على المكشوف!"
الروايه.. بقلم نور محمد
الصمت في الأوضة كان أتقل من الرصاص. صقر ضاغط على الورقة لحد ما عروق إيده كادت تنفجر، وعيونه بتلمع بشر*اسة وحش مجر*وح مستعد يحرق الأخضر واليابس. ملك واقفة مرعوبة، بتبص للصندوق وللشال الغر*قان د*م، وحاسة إن كابوس المو*ت بيقرب منها بخطوات سريعة.
صقر بصوت مرعب، وهو بيحاول يقوم من على السرير: "خالة راضية.. جهزيلي سلا*حي التاني، والخيل.. إحنا مش هنفضل في الدار دي دجيجة واحدة."
راضية بشهقة فزع وهي بتجري تسنده: "تجوم فين يا ولدي؟ إنت مجنون! جر*حك لسة بينز*ف، لو ركبت الخيل هتمو*ت جبل ما توصل الجبل!"
ملك بدموع ورعب حقيقي، قربت منه ومسكت دراعه من غير ما تحس: "إنت رايح فين؟ هتمشي وتسيبني هنا؟ إنت مش شايف شكلك عامل إزاي؟ إنت بتنز*ف يا متخلف!"
صقر بصلها، ونفض إيدها براحة بس بحزم، وملامحه اتحولت لجمود تام.
صقر بصرامة وهو بيلبس عبايته فوق كتفه السليم بو*جع بيكتمه: "ومين جالك إني هسيبك؟ إنتي جاية معايا. الدار دي انعرفت، ولو الكِلاب دول هجموا علينا هنا والليل مليل، مش هقدر أحميكي وأنا متصـ'ـاب إكده. هاتي عبايتك يا بت وحصلينا على الحوش.. يلا!!"
ملك من رعبها مجادلتش لأول مرة، طلعت تجري جابت عبايتها ولفت الطرحة على راسها ونزلت وراهم.
في الحوش الخلفي للعزبة
الليل كان كاحل، السما مفيهاش ولا نجمة. راضية جهزت حصانين أسود من بتوع صقر اللي متعودين على طلوع الجبل في الضلمة. صقر ركب حصانه بصعوبة شديدة ووشه شا*حب من الأ*لم، وشاور لملك تركب الحصان التاني.
ملك بترجع لورا بخوف: "إنت بتهزر صح؟ حصان إيه اللي أركبه في الضلمة دي؟ أنا عمري ما ركبت حصان، هقع وأمو*ت!"
صقر بصوت مكتوم من الوجع ونفاد الصبر: "يا بت إنجزي! مفيش وقت لدلعك ده، إما تركبي وتلحقيني، إما تفضلي هنا وتستني اللي باعتينلك الشال ياخدوكي معززة مكرمة!"
ملك بلعت ريقها برعب، وقربت من الحصان وهي بتترعش. صقر اتنهد بضيق، نزل من على حصانه بو*جع، مسكها من خصر*ها بقوة ورفعها على الحصان بتاعه، وركب هو وراها!
ملك اتصدمت من قربه، جسمه العريض كان محاوطها بالكامل، أنفاسه السخنة اللي بتنهج من الو*جع بتضرب في رقبتها، وإيده السليمة ماسكة اللجام ومحاوط وسطها.
صقر بهمس حاد جنب ودنها، خلاها تقشعر: "امسكي في السرج زين.. وحسك عينك تطلعي صوت مهما حوصل. خالة راضية، اقفلي الدار عليكي وماتفتحيش لمخلوق."
ضرب الحصان برجله، وانطلق بيهم في قلب الجبل، كأنهم دابوا في العتمة.
في طريق الجبل الوعر
الصمت مفيش غير صوت حوافر الحصان اللي بتضرب في الصخر. ملك كانت مرعوبة من الضلمة والمنحدرات، بس وجود ضهر صقر وراها كان مديها إحساس غريب بالأمان.. إحساس عمرها ما حسته في حضن أمها ولا في حياتها المرفهة في القاهرة.
فجأة.. صقر شد اللجام بقوة وقف الحصان.
ملك بهمس مرعوب: "وقفت ليه؟"
صقر بهمس حذر وعينه بتمسح الجبل زي الصقر : "في حد بيراجبنا.. ريحة غدر مالية الهوا."
وقبل ما يكمل جملته، رصاصة شقت سكون الليل وضربت في صخرة قريبة جداً منهم!
ملك صرخت، صقر بسرعة البرق وطى راسها لتحت صدره، وسحب سلاحه بإيده السليمة، وضرب طلقتين في اتجاه مصدر النار من غير ما يشوف حد، مجرد إحساسه بالمكان!
صقر بخوف: "امسكي اللجااااام!!"
ملك مسكت اللجام وإيديها بتترعش، وصقر بدأ يضرب نار على الخيالات اللي بدأت تظهر بين الصخور بيجروا وراهم. كان بيضرب بإيد واحدة، وهو بينز*ف، بس رصاصه مبيخيبش، كل طلقة بوقعة!
الروايه.. بقلم نور محمد
واحد من المطاريد طلع من ورا صخرة قريبة جداً، وكان موجه بندقيته ناحية صقر من ورا!
ملك لمحته بطرف عينها وصرخت بأعلى صوت: "صقر ورااااك!!"
وفي حركة سريعة، ملك رمت جسمها لورا على صدر صقر عشان تفاديه، الرصاصة عدت من جنب كتفها خدشت العباية! صقر بصلها بذهول لثانية إنها حاولت تفديه، وبسرعة لف إيده وضرب الراجل رصا*صة في نص جبهته وقعه قتـ'ـيل.
صقر وهو بيلهث وبيدفع الحصان لأقصى سرعة: "هانت.. جربنا نوصل."
بعد نص ساعة من المطاردة
وصلوا لبيت قديم جداً متداري في قلب حضن الجبل، مدخله متغطي ومحدش يقدر يلمحه أبداً.
صقر نزل من على الحصان بتقل، ووقع على ركبه في الأرض، مقدرش يصلب طوله أكتر من كده. الد*م كان مغر*ق جنبه بالكامل.
ملك نزلت بسرعة، ورمت نفسها جنبه على الأرض بتسنده وهي بتعيط بهيستريا.
ملك بدموع وصوت بيترعش: "صقر.. صقر إنت كويس؟ رد عليا والنبي ماتقفلش عينك! إحنا وصلنا، قوم ندخل جوة!"
صقر بصلها بابتسامة باهتة، ورفع إيده اللي بتترعش مسح دمعة من على خدها: "خايفة عليا يا بت عمي؟ ولا خايفة على نفسك؟"
ملك بصراخ وشهقات: "متبقاش مستفز بقى! خايفة عليك إنت يا غبي! قوم معايا أبوس إيدك!"
سندته بكل قوتها لحد ما دخلوا الكهف. كان جواه دكة خشب قديمة وبطاطين، كأنه مخبأ سري مجهز للطوارئ. صقر نام على الدكة وهو بيتنفس بصعوبة.
ملك جابت إزازة ماية من الخرج اللي كان على الحصان، وبدأت تمسح وشه وتشربه.
ملك بعياط وقهر: "هما مين دول يا صقر؟ وعايزين مني إيه؟ فلوس إيه اللي يخلي ناس تقـ'ـتل وتد*بح كده؟ أنا هتنازل عن كل حاجة، أنا مش عايزة فلوس.. بس نرجع سالمين."
صقر وهو بياخد نفسه بصعوبة، بص لعيونها اللي مليانة براءة ورعب، وقرر إنه لازم يكشفلها الحقيقة الصادمة اللي خباها هو وجده.
صقر بصوت متقطع ومؤلم: "فلوس إيه؟ إنتي مفكرة إن أمك بعتاكي عشان ورث أبوكي؟ مفكرة إن جدي غصب عليكي تتجو*زيني عشان الفلوس متطلعش برة؟"
ملك سكتت وعقدت حواجبها بعدم فهم، ودموعها متحجرة: "أومال إيه؟ ماما قالتلي..."
صقر قاطعها بضحكة سخرية مو*جوعة: "أمك باعتك! الراجل اللي أمك اتجوزته من سنة، اللي اسمه 'سالم النواوي'.. ده أكبر عدو لعيلة الهواري. بينا وبينه تا*ر ود*م من سنين. ووو
رواية في حمى الهوارة الفصل الخامس 5 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل الخامس
صقر قاطعها بضحكة سخرية موجوعة: "أمك باعتك! الراجل اللي أمك اتجوزته من سنة، اللي اسمه 'سالم النواوي'.. ده أكبر عدو لعيلة الهواري. بينا وبينه تار ودم من سنين. سالم مد*يون لطوب الأرض، ومفلس، وعشان ينتقم مننا ويسدد ديونه، خطط إنه يبعتك إنتي."
ملك حست إن الأكسجين انسحب من مكان، صوتها طلع بالعافية: "يبعتني.. إزاي؟"
صقر: "بعتك عشان تكوني الطُعم. كان خابر إن جدي لو عرف إنك بنت ولده، مش هيسيبك للغريب. سالم متفق مع المطاريد دول.. خطتهم كانت إنك تيجي، وتعملي مشاكل، وتهربي.. ولما تهربي، هما يخطفوكي، ويساوموا جدي بيكي.. يتنازل عن نص أراضي الهوارة في المركز، مقابل شر*فنا اللي هو إنتي، ويسدد ديونه!"
ملك رجعت لورا خطوتين، حطت إيدها على بوقها بتكتم صر*خة وجع قطعت نياط قلبها. أمها؟ أمها اللي من لحـ'ـمها ود*مها كانت عارفة؟ أمها رميتها للمو*ت وللخطف عشان تفدي جوزها؟
الرؤية ضببت قدام عينيها، حست إنها بتغرق في دوامة من الخيانة القذ*رة. كل ده كان كدب؟ وهي كانت مجرد عروسة لعبة في إيد أمها وجوزها؟
صقر كمل كلامه وهو بيقاوم الغيبوبة: "جدي عرف الملعوب ده أول ما وصلتي.. وعشان إكده أجبرك على الجواز مني، وأجبرني أنا كمان.. عشان تبجي على ذمة صقر الهواري، ومخلوق ميقدرش يمسك، ولا سالم يقدر يساوم جدي على شرف واحدة متجوزة وفي حماية جوزها.. جدي كان بيحميكي منهم، وأنا.. (كح جامد وطلع د*م) أنا اللي بدفع التمن."
ملك انهارت تماماً، رمت نفسها على الأرض بتصرخ بصوت مكتوم وبتبكي بكاء يقطع القلب. إزاي أمها تعمل فيها كده؟ إزاي الظالمين دول (صقر وجده) هما اللي طلعوا بيحموها، وأهلها هما اللي رمو*ها للكلاب؟
صقر بصلها بنظرة أخيرة مليانة شفقة وحزن، قبل ما عينيه تقفل تماماً والنز*يف يسيطر على جسمه ويفقد الو*عي.
ملك مسحت دموعها بعنف لما لقت صقر أغمى عليه، صرخت: "صقر!! لا يا صقر متسبنيش لوحدي!"
قامت بسرعة، مسكت قماشة وربطت جر*حه بكل قوتها وهي بتترعش، ومسكت السلا*ح بتاعه اللي كان واقع على الأرض، وضمت ركبها لصدرها وهي قاعدة جنبه، وعيونها على باب زي الاسد اللي بتحمي شبله. كأنها اتحولت من بنت دلوعة لواحدة تانية خالص.
الروايه..بقلم نور محمد
بعد ساعات من الصمت المرعب، والشمس بدأت تطلع ببطء
صقر لسة فاقد الو*عي. ملك قاعدة صاحية ومسكت السلا*ح بقوة، وفجأة...
سمعت صوت خطوات بتقرب من باب ببطء شديد. خطوات ثابتة وقوية.
قلبها دق بسرعة، رفعت السلا*ح ووجهته ناحية المدخل وهي بتترعش وكلها إصرار تقـ'ـتل أي حد يدخل.
صوت من برة اتكلم بنبرة هادية جداً، نبرة مألوفة ليها بشكل مخيف:"نزلي السلاح يا ملك.. أنا جيت أخدك ونرجع القاهرة، كفاية لعب لحد كده!"
تسمرت ملك في مكانها، عينيها متسعة بر*عب وعدم تصديق وهي بتبص للخيال اللي بيقرب ببطء من المدخل . النور الخفيف بتاع الفجر بدأ يكشف ملامحه.. راجل في أواخر الأربعينات، لابس بدلة غالية بس متبهدلة من تراب الجبل، وبيبصلها بابتسامة لزجة ومخيفة.
ملك بصوت مهزوز وشهقة صدمة: "سالم؟! جوز ماما؟! إنت.. إنت إيه اللي جابك هنا؟"
سالم وهو بيرفع إيديه الاتنين كأنه بيطمنها، وبيقرب خطوة: "أهدي يا حبيبتي، نزلي السلا*ح ده مبيتهزرش بيه. أنا جيت ألحقك وأخرجك من الجحيم ده. مامتك هتمو*ت من القلق عليكي، والناس دول مجر*مين وخاطفينك، يلا بينا قبل ما حد منهم يصحى أو يلحقنا، أنا مأمن طريق النزول للرجالة بتوعي برة."
في اللحظة دي، شريط الأحداث كله عدى قدام عين ملك. كلام أمها القاسي في التليفون..
المطاريد اللي هجموا عليهم.. د*م صقر اللي سا*يح على الأرض عشان يفديها.. وكلامه قبل ما يغيب عن الو*عي. كل حاجة ربطت ببعضها، والصورة وضحت قدامها زي الشمس.
ملك رفعت السلا*ح أكتر وثبتته ناحيته، وصرخت بوجع وغل: "اخرس يا كداب!! إياك تقرب خطوة كمان هفر*غ المسد*س ده في صد*رك! مجر*مين؟ إنت اللي مجر*م يا سالم إنت وأمي! أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنكم بايعيني للمطاريد عشان تسدد ديونك القذ*رة بيا! عرفت إنكم رميتو*ني عشان تساوموا عيلة الهواري عليا!"
سالم وقف مكانه، الابتسامة اللزجة اختفت تماماً من على وشه، واتحولت لملامح شيطان حقيقي. مابقاش في داعي للتمثيل، القناع وقع.
سالم بضحكة سخرية مستفزة: "يااااه.. البيه الصعيدي لحق يحكيلك الحكاية قبل ما يفطس؟ طب تصدقي وفر عليا شرح كتير؟ طالما عرفتي الليلة، يبقى توفري على نفسك وعليا المجهود وتطلعي معايا بالذوق يا حلوة. أمك باعتك وقبضت التمن، والورقة اللي مضيتي عليها مع البيه ده هخليكي تخلعيه منها في المحاكم. الجد رضوان هيدفع نص ثروته عشان يستر على فضيحتك لما ترجعي القاهرة معايا وتطلعي على كل القنوات تقولي إنهم خطفوكي وعذبوكي."
ملك بدموع القهر بتغسل وشها، بس صوتها كان قوي وصارم: "أنا أفضل أمو*ت هنا، ولا إني أرجع مع واحد زبالة زيك! الناس اللي إنت بتقول عليهم مجر*مين دول، حاموني بد*مهم من غد*ركم. صقر ده اللي إنتوا عايزين تكسروا عيلته، أنضف وأرجل من ميت واحد زيك!"
سالم وشه احمر من الغضب: "طولة لسانك دي هكسر*هالك لما نرجع القاهرة.. هاتي الز*فت ده من إيدك!"
سالم هجم عليها فجأة بسرعة مكنتش تتوقعها.
ملك صرخت وضغطت على الزناد.. الرصا*صة طلعت بس لأنها أول مرة تمسك سلا*ح، وإيديها بتتر*عش، الرصاصة جات في كتف سالم مجرد خد*ش سطحي بس خلاه يصرخ من الو*جع. قبل ما تضرب التانية، كان سالم انقض عليها، ضربها بالقلم بكل قوته طير المسد*س من إيدها، ووقعت على الأرض جنب صقر.
سالم بزعيق وهو بيمسكها من شعرها بقسوة: "يا بنت الـ...! بتضر*بي عليا نار؟ ده أنا هخلي أيامك اللي جاية أسود من الليل! قومي معايا!"
ملك صرخت وهي بتحاول تفلت منه وتضر*به برجليها، بس سالم كان بيسحبها لبرة بالقوة.
وفي اللحظة اللي ملك حست فيها إن النهاية خلاص جات، وإن سالم هينجح ياخدها...
إيد ضخمة، مليانة د*م، وملفوفة بصلابة الجبال، اتمدت من ورا سالم ومسكت في رقبته زي الكماشة الحديد!
صقر بصوت حشرجة موت وغضب مرعب:"شرف.. الهواري.. مابيند*اسش.. يا كلب!!"
سالم ساب شعر ملك وهو بيشهق ومخضو*ض، وحاول يلف عشان يضرب صقر، بس صقر، ورغم إنه كان بيمو*ت حرفياً، سحب سالم لتحت ووقعوا هما الاتنين على الأرض.
بدأ صراع حياة أو موت بين وحش جر*يح بيفدي عر*ضه برو*حه، وبين شيطان غادر. سالم كان بيضرب صقر في جر*حه المفتوح بكل خسة، وصقر بيصرخ صرخة مكتومة بس مابيسيبش رقبة سالم.
سالم وهو بيحاول يخنق صقر وبيضر*به في جنبه: "مو*ت بقى يا أخي! مو*ت وريحنا!"
ملك شافت صقر بيفقد آخر ذرة طاقة عنده، وعيونه بتبدأ تقفل، وسالم بيخـ'ـنقه. اتحولت من البنت الكيوت الضعيفة نمرة شر*سة. لمحت خنـ'ـجر صقر اللي كان واقع على الأرض من بالليل.
سحبت الخنـ'ـجر بسرعة، وبدون تفكير، وبكل الغل والقهر اللي جواها، هجمت على سالم من وراه وضربته بالخنـ'ـجر في كتفه ضربة عميقة!
سالم صر*خ صر*خة زلزلت المكان، وساب صقر، ووقع على الأرض بيمسك كتفه وبيتد*حرج من الوجع.
ملك رمت الخنـ'ـجر، ونزلت على الأرض جنب صقر، سحبت راسه لحضنها وهي بتصر*خ بهيستريا:"صقر!! صقر رد عليا أبوس إيدك!! إنت شجاع وقوي ماتسيبنيش دلوقتي! أنا ماليش حد غيرك والله.. أنا مش هسيبك! صقر!!"
صقر فتح عيونه بتقل شديد، بص لوشها المليان دموع وخوف عشانه. رفع إيده المرتعشة، حطها على خدها، وابتسم ابتسامة باهتة جداً، ملامحه كلها كانت سلام عجيب.
صقر بهمس متقطع بالكاد يتسمع: "أنا.. خابر زين.. إنك بـ ١٠٠ راجل.. يا بت.. عمي.."
إيده وقعت من على خدها، وعيونه قفلت تماماً، وجسمه الضخم ارتخى بين إيديها.
ملك بصر*خة شقت قلب الجبل:"صقـــــــــــــــــــر!!!!"
في نفس اللحظة اللي صر*خت فيها ملك، ظهرت أنوار كشافات قوية جداً عند المدخل ، وصوت خطوات كتير بتجري، ورجالة بالسلا*ح.
"المكان إهنه!! لقيناهم يا بيه! يا كبير!!"
دخل الجد رضوان المند*فع رغم كبر سنه، ومعاه رجالة العيلة وحر*اسهم. المشهد اللي قدامهم صدم الكل وجمدهم مكانهم.
المكان غر*قان د*م.. سالم النواوي مرمي على الأرض بينز*ف وبيأن، وملك قاعدة على الأرض، هدو*مها كلها د*م، ضامة صقر اللي قاطع النفس لحضنها، وبتبصله ومبترمشش.
البقلم نور محمد
الجد رضوان نزل على ركبه جنب حفيده، وصوته اتهز لأول مرة: "صقر!! ولدي! عملوا فيك إيه يا ضنايا؟!"
الرجالة كتفوا سالم وشالوه، والجد أمرهم يشيلوا صقر بسرعة على العربيات عشان يطيروا بيه على مستشفى المركز.
حراس الجد حاولوا يقوموا ملك عشان يخر*جوها، بس هي كانت متبتة في هدوم صقر ومش راضية تسيبه أبداً.
ملك بزعيق وانهيار للحراس: "محدش يقربلي! أنا هروح معاه! ده جوزي، ومش هسيبه دقيقة واحدة!"
الجد رضوان بصلها بنظرة غريبة.. نظرة فيها فخر وتعجب. البنت البندرية اللي كانت من يومين بتشتـ'ـمهم وبتقر*ف منهم، دلوقتي رافضة تسيب حفيدهم وبتعلن إنها مراته قدام الكل، ووشها وإيديها غرقا*نين بد*مه.
في المستشفى - بعد مرور ٤ ساعات
ملك قاعدة على الأرض قدام أوضة العمليات، مش راضية تقعد على الكراسي. رافضة تغسل إيدها ووشها من د*م صقر. الجد رضوان واقف ساند على عكازه، وعيونه مليانة قلق على كبير العيلة وسندها.
وفجأة، باب العمليات اتفتح، وخرج الدكتور وشه مليان عرق، وبيبص للجد رضوان بأسف.
الكل جري عليه، وملك وقفت فجأة كأن روحها متعلقة بكلمة منه.
الجد بصوت جهوري بيحاول يداري رعب قلبه:"طمني يا حكيم.. ولدي عامل إيه؟"
الدكتور بياخد نفس عميق وبيمسح عرقه: "صقر بيه.. قلبه وقف لمدة دقيقتين في العمليات... بس الحمد لله، العناية الإلهية وقوة بنيانه أنقذوه. إحنا قدرنا نوقف النز*يف ونعمله نقل د*م، بس هو حالياً دخل في غيبوبة. الـ ٤٨ ساعة الجايين حر*جين جداً، لو عداهم على خير نقدر نقول إنه رجعلنا.. ادعوله."
الروايه في حمى الهواره بقلمي نور محمد
ملك أول ما سمعت إنه لسة عايش، مقدرتش تصلب طولها أكتر من كده، ركبتها سابت ووقعت على الأرض سجدت لربنا وهي بتبكي بصوت عالي، دموع شكر وراحة إن سندها لسة بيتنفس.
الجد رضوان خبط بعكازه على الأرض بقوة كأنه بيستمد منها الصلابة، وغمض عينيه بيحمد ربنا في سره.
ملك قامت وقفت بسرعة، ومسكت في بالطو الدكتور بلهفة: "أنا عايزة أشوفه.. أبوس إيدك دخلني ليه دقيقة واحدة، هو لو سمع صوتي هيقوم والله، أنا متأكدة!"
الدكتور بشفقة على حالتها وهدومها الغرقانة د*م: "يا مدام ممنوع، هو في العناية المركزة ومحتاج تعقيم تام، وحالتك دي..."
الجد رضوان قاطعه بصوت جهوري مفيش فيه نقاش: "مرت الغالي هتدخل لراجِلها يا حكيم. عقمو*ها ولبسوها لبس المستشفى، ومخلوق ميعترض طريقها."
الدكتور مقدرش يكسر كلمة رضوان الهواري، ووافق.
في العناية المركزة
ملك دخلت بعد ما غيرت هدومها ولبست اللبس المعقم. الأوضة باردة، وصوت أجهزة القلب هو اللي مسيطر. صقر نايم على السرير، وشه أصفر زي الليمون، متوصل بخر*اطيم وأجهزة كتير، وملامحه القاسية اللي كانت بتر*عبها بقت هادية ومسالمة بشكل يوجع القلب.
قربت منه ببطء، خطواتها تقيلة، لحد ما وقفت جنب السرير. مدت إيدها المرتعشة ومسكت إيده الضخمة اللي كانت دايماً بتسحبها بقوة، دلوقتي دافية وساكنة بين كفوفها.
دموعها نزلت غسلت وشها، وميلت راسها على إيده وباستها بعمق لأول مرة.
ملك بهمس باكي طالع من أعماق قلبها المكسور:"إنت وحش الصعيد.. صح؟ الو*حوش مابتمو*تش بالساهل يا صقر. إنت وعدتني إن طول ما إنت بتتنفس محدش هيمس شعرة مني.. إنت هتقوم وتوفي بوعدك. أنا مش هقدر أعيش في الدنيا دي لوحدي من غيرك.. أنا اكتشفت إنك الأمان الوحيد اللي عرفته في حياتي. وحياتي عندك ما تسبني.. أنا محتاجالك."
فضلت تعيط وتتكلم معاه، كأنها بتطلع كل القهر اللي عاشته في يومين، لحد ما الممرضة دخلت وطلبت منها تخرج عشان الزيارة انتهت.
برة في الطرقة
بمجرد ما ملك خرجت، لقت المستشفى مقلوبة. حريم العيلة كلهم وصلوا، وعلى رأسهم "شوقية" اللي كانت بتلطم وتصوت وتمثل القهر على ابن عمها.
شوقية أول ما شافت ملك، عينيها طلعت نار، وجريت عليها زي الحية: "إنتي يا بومة! يا وش الخر*اب! من يوم ما خطيتي دارنا والمصايب بتنزل على راسنا! صقر نايم جوة بيمو*ت بسببك إنتي، لو كان اتجوزني أنا كان زمانه متهني، إنما إنتي جيبتيله المو*ت لحد عنده!"
رفعت شوقية إيدها عشان تضرب ملك بالقلم في وسط المستشفى!
لكن قبل ما إيدها تلمس وش ملك، ملك رفعت إيدها بسرعة ومسكت معصم شوقية بقوة وغل محدش توقعه منها، ورمت إيدها لتحت بنترة قوية!
ملك بنظرة شرسة وعيون بتطق شرار، صوتها كان واطي بس بيقطع زي السيف: "إياكي تفكري ترفعي إيدك دي عليا تاني لأكسرهالك يا شوقية! اللي جوة ده جوزي أنا، وأنا اللي دافعت عنه في الجبل، وأنا اللي هفضل على ذمته وتاج راسه. لمي نفسك، لأن ملك الدلوعة العبيطة ما*تت في الجبل، واللي واقفة قدامك دي ملك الهواري.. مرت صقر الهواري، واللي هيقرب من جوزي أو يقل أدبه معايا، هنسفه من على وش الأرض!"
شوقية اتصدمت من التحول المرعب في شخصية ملك، ورجعت لورا بخوف. الجد رضوان كان واقف بيراقب الموقف، وابتسامة فخر خفيفة اترسمت على شفايفه. أثبتتله إنها تستحق تحمل اسم العيلة بجد.
في مكتب مدير المستشفى - اللي خده الجد رضوان كاستراحة
واحد من رجالة صقر الموثوقين (عساف) دخل بسرعة على الجد وملك اللي كانت قاعدة معاه.
عساف باحترام: "جدي.. إحنا حطينا سالم الكلب في المخزن تحت حراسة مشددة زي ما أمرت.. بس تليفونه مابيبطلش رن، واسم المتصل 'سُهى'.. أم المدام."
ملك أول ما سمعت اسم أمها، جسمها اتنفض، وعينيها اتحولت لبركة من الجليد القاسي.
ملك وقفت ومدت إيدها لعساف بجمود: "هات التليفون يا عساف."
الجد هز راسه لعساف يديها التليفون. ملك فتحت الخط وفتحت مكبر الصوت (الاسبيكر) عشان الجد يسمع.
سهى بلهفة وطمع واضحين في صوتها: "ألو! سالم حبيبي طمني! عملت إيه؟ خطفت البت؟ المساومة هتم امتى عشان ناخد الفلوس ونسدد الشيكات اللي علينا؟ أنا قاعدة على أعصابي من امبارح!"
الجد رضوان غمض عينيه بقرف من بشاعة الأم، بس ملك ملامحها متهزتش، وردت بصوت بارد
ملك: "سالم مش هيرد عليكي يا مدام سهى.. سالم مرمي زي الكلب الأجر*ب في مخازن الهوارة، ود*مه مهدور."
سهى شهقت بصدمة ورعب: "مـ.. ملك؟! إنتي بتقولي إيه؟ سالم فين؟ وإنتي إزاي معاه؟"
ملك بصوت بيقطر كره واحتقار: "أنا مش معاه.. أنا في المستشفى جنب جوزي، صقر الهواري اللي كل رصا*صة وخنـ'ـجر خدهم كانوا فدايا من خيا*نتك وقذ*ارتك إنتي وجوزك. إنتي بعتيني عشان الفلوس؟ بعتي لحمك ود*مك للمطاريد وللموت؟"
الروايه بقلم.. نور محمد
سهى بتحاول ترقع الموقف برعب: "يا ملك افهمي.. أنا كنت مضطرة.. جوزي كان هيتسجن.. وبعدين هما مكنوش هيأذ*وكي، دي كانت مجرد مساومة وهترجعيلي!"
ملك بصرخة وجع مكتومة: "اخرسي!! إنتي أحقر إنسانة على وش الأرض! اسمعيني كويس وافهمي كل كلمة.. أنا مليش أم في الدنيا دي. أمي ما*تت واندفنت في نظري. أنا ملك الهواري، وجدّي وعيلتي وجوزي هنا في الصعيد.. إياكي تفكري تتصلي بيا أو تحاولي توصليلي تاني، لأن يوم ما هشوف وشك، أنا اللي هسلمك وجوزك بإيدي لعشماوي! سلام يا.. يا مدام!"
قفلت السكة في وشها، ورمت التليفون على المكتب وانهارت على الكرسي تعيط بصمت، بتودع آخر خيط بيربطها بماضيها. الجد رضوان قام ببطء، وراح حط إيده على راسها بحنية أب لأول مرة.
الجد: "من الليلة دي، إنتي بتي المتربية في حجري. ومخلوق في الدنيا دي ما هيقدر يمسك بكلمة طول ما أنا عايش."
بعد مرور يومين - ٤٨ ساعة مرت كأنها ٤٨ سنة
ملك مسبتش المستشفى، نايمة على كرسي قدام الأوضة ومبتا*كلش غير لقمة تسند بيها طولها.
الدكتور دخل يطمن على صقر، وطلع بعد شوية والابتسامة على وشه.
الدكتور: "الحمد لله.. صقر بيه عدى مرحلة الخطر، أجهزة جسمه كلها استقرت، وهو بدأ يدي علامات إفاقة.. تقدروا تدخلوله بس بلاش إرهاق."
ملك طارت من الفرحة، محستش بنفسها غير وهي بتجري تلبس التعقيم وتدخل الأوضة.
أول ما دخلت، لقت صقر فاتح عينيه بضعف، بيبص للسقف، بيحاول يستوعب هو فين.
ملك بلهفة ودموع الفرحة بتسبقها: "صقر!! إنت فقت؟ إنت سامعني؟"
صقر لف راسه ببطء شديد ناحيتها. عيونه كانت دبلانة، بس أول ما شافها، لمعة خفيفة ظهرت فيهم.
صقر بصوت مبحوح جداً وضعيف: "عيطتي تاني؟... مش جولتلك... العياط بيبوظ عيونك... يا بت عمي؟"
ملك ضحكت وسط دموعها، وقربت منه ومسكت إيده بحنية: "كنت خايفة أوي يا صقر.. خفت تروح مني."
صقر ضغط على إيدها بضعف، بس فجأة ملامحه قلبت لجدية ، وطلب منها تقرب راسها منه عشان صوته كان واطي جداً. ملك ميلت راسها ناحيته عشان تسمعه.
صقر بهمس حاد، كأنه بيفجر قنبلة في الأوضة:"ملك... اسمعيني زين وماتبينيش حاجة لحد... سالم مش بس باعك للمطاريد... سالم الكلب ده.. هو اللي دبر حاد*ثة العربية اللي ما*ت فيها عمي.. أبوكي..!"
ملك جسمها كله اتخشب، عينيها وسعت بصدمة شلت تفكيرها، حست إن الأوضة بتدور بيها!
أبوها؟ أبوها اللي مات في حادثة ومامتها قالتلها إنه قضاء وقدر... مقتو*ل؟! ومقتو*ل بإيد سالم؟!
رواية في حمى الهوارة الفصل السادس 6 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل السادس
في غرفة العناية المركزة، الكلمات اللي همس بيها صقر نزلت على ملك زي صاعقة زلزلت كيانها، حست إن الهوا اتسحب من الأوضة، وإن جدران المستشفى بتطبق على صدرها. عينيها اتسعت برعب، وجسمها كله بدأ يترعش بعنف.
ملك بصوت مخنوق وتكاد تكون بتنهج: "إنت.. إنت بتقول إيه يا صقر؟ أبويا؟ أبويا ما*ت في حادثة عربية على الطريق الصحراوي.. ماما قالتلي إن الفرامل سابت.. سالم ماله؟ سالم وقتها مكنش حتى جوزها!"
صقر وهو بياخد نفسه بصعوبة، بس عيونه مليانة يقين وقسوة وانتقام: "سالم الكلب.. وهو بيخنجرني في الجبل، كان مفكر إني خلاص بمو*ت، وكان بيتباهى بانتصاره. جالي نصاً بلسانه: (أنا خلصت على أبوها وخدت شقاه، والنهاردة هخلص عليك وهاخدها هي كمان). سالم هو اللي لعب في فرامل عربية عمي.. سالم هو اللي قتله."
ملك رجعت لورا خطوتين، حطت إيديها الاتنين على ودنها كأنها بترفض تسمع، وشهقات العياط بتشق صدرها.
كل ذكرياتها مع أبوها الحنين اللي كان كل دنيتها، ومو*ته المفاجئ اللي كسر ضهرها، كل ده طلع كدبة؟ ومين اللي قتـ*ـله؟ الراجل اللي أمها دخلته بيتهم ونامت في فرشه؟
صقر مقدرش يتحمل يشوف انهيارها، ورغم الأجهزة والخراطيم اللي متوصلة بيه، حاول يتعدل وشد إيدها بقوة.
بقلم.. نور محمد
صقر بصوت حاسم، نبرته فيها وعيد يهز الجبال: "دموعك دي غالية عندي يا ملك.. ومبجاش وجت للبكاء! د*م أبوكي مجاش الأرض، ده ديّته عندي أنا. وعهد الله، وعهد يحاسبني عليه ربنا.. لأخلي سالم يتمنى المو*ت في الدجيجة ألف مرة وميطولوش، ليدفع تمن كل قطرة د*م نزلت من عمي، وكل دمعة نزلت من عينيكي!"
ملك بصت لعينين صقر اللي بتطق شرار، حست إنها بتستمد قوتها منه. مسحت دموعها بعنف غريب، وملامحها اتحولت لحجر قاسي.
ملك بنبرة مرعبة مفيهاش ذرة رحمة: "سالم مش هيمو*ت يا صقر.. المو*ت بالنسبة له راحة. أنا عايزاه يتعذب.. عايزاه يشوف جهنم وهو على وش الأرض."
بعد مرور أسبوع
صقر، بعناده الصعيدي وجبروته، رفض يكمل في المستشفى رغم تحذ*يرات الدكاترة. أجبرهم يخرجوه على مسؤوليته ورجع "قصر الهواري"، متجهزاله أوضة طبية كاملة تحت إشراف دكتور خاص.
في الأسبوع ده، ملك مسبتش صقر دقيقة. بقت هي الممرضة، والزوجة، والضهر. بتأكله، وتديله الدوا، وتغيرله على جر*حه من غير ما تقر*ف ولا تشتكي. العلاقة بينهم اتحولت من عناد وكره، لرباط قوي جداً، نظراتهم بقت بتتكلم، وكل لمسة إيد بتطمن قلوبهم المليانة جر*وح.
في إحدى الليالي، بعد ما صقر نام من تأثير المسكنات
ملك اتسحبت من الأوضة بهدوء، ونزلت تحت في القصر. دورت على "عساف" ذراع صقر اليمين.
ملك بجمود وصرامة: "عساف.. خدني المخزن اللي حابسين فيه سالم النواوي."
عساف بارتباك: "يا ست هانم، صقر بيه مانع حد يهوب ناحية المخزن، ده أوامره صارمة، ولو عرف إني نزلتك..."
ملك قاطعته بنظرة حادة اتعلمتها من صقر: "صقر نايم.. وأنا مرت صقر الهواري، وكلمتي تمشي زيه. خدني المخزن يا عساف، وصدقني صقر مش هيحاسبك، ده تا*ري أنا."
عساف مقدرش يرفض قدام إصرارها، وأخدها ونزلوا للبدروم المعزول تحت الأرض.
فتح الباب الحديد الثقيل. ريحة العفو*نة والدم مالية المكان. سالم كان مر*بوط في كرسي خشب بجنازير، وشه متشوه من الضر*ب، وهدومه متقطعة، وعطشان وجعان لحد ما بقى شبه الهيكل العظمي.
أول ما سالم رفع وشه وشاف ملك، عينيه اتسعت بخوف مخلوط برجاء.
سالم بصوت مبحوح ومكسور: "ملك.. ملك ابوس إيدك ارحميني.. خلي جوزك يسيبني أمشي، أنا بمو*ت هنا.. أنا معملتش حاجة، مامتك هي اللي..."
ملك قربت منه بخطوات بطيئة، سحبت كرسي وقعدت قدامه بالظبط، وحطت رجل على رجل ببرود مرعب:"أمي هي إيه يا سالم؟ كمل. بس قبل ما تكمل، أحب أقولك إني عرفت كل حاجة.. عرفت إنك قتـ'ـلت أبويا ولعبت في فر*امل عربيته. وأنا جاية النهاردة مش عشان أرحمك، أنا جاية أسمع تفاصيل مو*ته بودني، عشان أعرف هحر*ق قلبك إزاي."
سالم اتصدم إنها عرفت، وبدأ يترعش ويبكي بانهيار: "والله ما كنت لوحدي! أنا مليش دعوة لوحدي! أمك هي اللي خططت لكل ده! أمك كانت على علا*قة بيا من ور*ا أبوكي، وكانت طمعانة في فلوس التأمين على حياته ونصيبها في الشركة!"
ملك حست إن في سكينة بتند*بح بيها للمرة الألف، بس كابرت وحافظت على جمودها: "بتتبلى عليها عشان تنقذ نفسك؟"
سالم بصراخ هيستيري: "لا مابتبلاش! اسأليها! اسأليها مين اللي حط المخد*ر لأبوكي في القهوة قبل ما ينزل شغله الصبح عشان ميعرفش يسيطر على العربية لما الفرامل تسيب! أمك اللي حطتله المخد*ر بإيدها! إحنا قتلـ'ـناه سوا، وعشان كده هي وافقت تبعتك وتبيعك ليا للمطاريد عشان كانت خايفة أفضحها قدام جِدك لو مسد*دتش الديون!"
الصدمة دي كانت أقوى من إن ملك تتحملها. أمها؟ أمها حطت المخدر لأبوها؟ أمها شريكة في قتـ'ـله وخيا*نته؟!
ملك وقفت ببطء، عينيها بقت خالية من أي تعبير.. مجرد فراغ مرعب. لفت ضهرها وسابت سالم بيصر*خ ويتر*جاها، وطلعت من المخزن وهي حاسة إن روحها ما*تت تماماً.
في صباح اليوم التالي
صقر صحي من نومه، حاسس بتحسن كبير. بص جنبه ملقاش ملك. قلبه انقبض، نادى عليها مفيش رد. قام بصعوبة، سند على الحيطة وخرج من الأوضة، لقى الجد رضوان طالع على السلم ووشه مكفهر وغضبان جداً.
صقر: "جدي.. في إيه؟ فين ملك؟"
الجد بغضب بيحاول يكتمه عشان صحة صقر: "مرتك تحت يا ولدي.. بس الدار مجلوبة جِلبة سودة. البوليس برة جِدّام بوابات القصر!"
صقر عقد حواجبه بصدمة: "بوليس؟ بوليس إيه اللي يهوب ناحية قصر الهواري؟"
الجد خبط عكازه في الأرض: "حماتك يا صقر.. سُهى هانم جابت البوليس من البندر، وعاملة محضر رسمي بخـ'ـطف بنتها وجوزها، والظابط واجف برة معاه أمر تفتيش للقصر كله!"
صقر عيونه طلعت نار، الغضب خلاه ينسى وجع جرحه تماماً. نزل السلم بسرعة متجاهل نداءات الجد له بالراحة.
في البهو الرئيسي للقصر
الظابط واقف مع قوة من الشرطة. وسُهى (أم ملك) واقفة بتعيط دمو*ع تماسيح، وعاملة فيها الأم المقهورة.
ملك كانت واقفة في وسط البهو، لابسة عباية صعيدية سودا بتطريز دهبي، رافعة راسها بشموخ، ملامحها باردة كالثلج، بتبص لأمها بنظرة رعبت سُهى نفسها.
الأم جريت ناحية ملك بتمثيل: "ملك حبيبتي! إنتي كويسة؟ المجر*مين دول عملوا فيكي إيه؟ فين جوزي يا ملك؟"
ملك رفعت إيدها في وش أمها بحدة وقفتها مكانها: "متلمسينيش! وماتنطقيش اسمي على لسانك!"
الظابط بتدخل رسمي: "مدام ملك.. والدتك مقدمة بلاغ إن رضوان بيه الهواري وحفيده خطفوكي إنتي وزوج والدتك الأستاذ سالم. وإحنا هنا عشان نقبض على الجناة ونفتش المكان للبحث عن الأستاذ سالم. هل فعلاً تم اختطافك؟ وهل الأستاذ سالم موجود هنا؟"
في اللحظة دي، نزل صقر من على السلم بهيبته الطاغية رغم مر*ضه، عيونه مركزة على ملك، مستني يشوف رد فعلها. وشوقية وباقي العيلة واقفين بيراقبوا بشماتة وتوتر، متوقعين إن ملك هتفضحهم وتنهي عيلة الهواري دلوقتي.
ملك بصت للظابط، وبعدها بصت لأمها نظرة احتقار طويلة، وبعدها لفت عينها لصقر اللي واقف على السلم ساند بإيده على درابزين السلم بيبصلها بثبات.
ملك بصوت قوي، هادي، وثابت جداً بيتردد في جدران القصر:"خطف إيه يا فندم؟ الست دي بتتبلى على عيلة الهواري. أنا 'ملك صقر الهواري'.. دي عيلتي، وده بيت جوزي اللي أنا قاعدة فيه بكامل إرادتي."
الأم بصدمة وزعيق: "كدابة! البوليس لازم يفتش القصر، سالم جوزي هنا أنا متأكدة! هما خاطفينه وحابسينه ومهد*دينها!"
الظابط بص لملك بشك: "الكلام ده صحيح يا مدام؟ الأستاذ سالم موجود هنا؟ لو خايفة من حاجة تقدري تتكلمي وإحنا هنحميكي."
ملك ابتسمت ابتسامة جانبية باردة جداً، وقربت من الظابط خطوة:"سالم النواوي؟ الست دي ملهاش جوز بالاسم ده يا فندم. سالم النواوي هربان من ديو*نه من أسبوعين، وسايبها، وهي جاية تتبلى علينا عشان تبتز جوزي صقر بيه الهواري وتاخد منه فلوس. تقدروا تفتشوا القصر كله لو معاكوا إذن، بس لو ملقيتوش حاجة، أنا اللي هرفع قضية تشهير وإزعاج سلطات على الست دي!"
الكل اتصدم من قوة ورد ملك، حتى صقر والجد رضوان بصولها بذهول!
الأم اتجننت: "فتشوا القصر! فتشوا البدروم هتلاقوه!"
الظابط أمر القوة تفتش القصر بناءً على الإذن اللي معاهم. نزلوا البدروم، ودخلوا المخازن، والكل واقف حابس أنفاسه (لأن سالم كان فعلاً مربوط في المخزن!)
بعد نص ساعة، القوة رجعت للظابط.
العسكري: "يا فندم، فتشنا القصر بالكامل، والمخازن والبدروم.. مفيش أي أثر للأستاذ سالم، مفيش حد هنا غير أهل البيت!"
روايه في حمى الهواره بقلمي نور محمد
حالة من الذهول سيطرت على بهو قصر الهواري.
الظابط واقف مصدوم بعد ما العسكري بلغه إن القصر خالي تماماً ومفيش أي أثر لسالم النواوي.
سُهى عينيها جحظت، وجسمها كله بيترعش وهي بتبص لملك اللي واقفة بثبات مرعب.
الظابط بحدة وهو بيبص لسُهى: "إنتي بتلعبي بينا يا مدام؟ إنتي عارفة عقوبة البلاغ الكاذب وإزعاج السلطات إيه؟ إحنا قلبنا القصر حتة حتة زي ما طلبتي ومفيش حاجة!"
سهى بصراخ هيستيري: "والله العظيم كان هنا! بنتي كد*ابة ومخطو*فة ومغسول دماغها! هما أكيد خفوه في حتة تانية! فتشوا الجنينة، فتشوا المزارع!"
الظابط بصرامة: "كفاية كده! إحنا معانا إذن تفتيش للقصر ونفذناه. اعتذارنا ليك يا رضوان بيه، والست دي هتتفضل معانا على البوكس بتهمة البلاغ الكاذب!"
سُهى صرخت وحاولت تقاوم العساكر اللي مسكوها. ملك في اللحظة دي رفعت إيدها، وبصت للظابط بهدوء.
ملك: "لحظة واحدة يا حضرة الظابط.. أنا هتنازل عن المحضر. دي مهما كان والدتي، وأنا مش هرضى إنها تتبهدل في الأقسام، هي بس أعصابها تعبانة بسبب هروب جوزها وتراكم الديون عليها. سيبوها تمشي."
الظابط استغرب هدوئها، بس احترم رغبتها، وأمر العساكر يسيبوها. انسحبت قوة الشرطة بالكامل من القصر.
أول ما الباب اتقفل وراهم، سُهى بصت لملك نظرة كلها حقد، وكانت لسة هتفتح بوقها عشان تشتمها.. لكن ملك قطعت المسافة اللي بينهم في خطوتين، وقفت قدامها بالظبط، وعيونها كانت سواد كاحل مفيش فيه ذرة رحمة.
ملك بصوت واطي جداً بيوصل لودن سُهى بس: "فاكرة إني رحمتك عشان خايفة عليكي؟ تؤ.. أنا بس مش عايزة البوليس يتدخل في اللي هعمله فيكي وفي جوزك. أنا عرفت كل حاجة يا سُهى هانم.. عرفت مين اللي حط المخدر في القهوة لأبويا عشان يمو*ت في الحادثة.. عرفت إن إيديكي الاتنين غر*قانين بد*م الراجل اللي صانك."
سُهى الد*م هرب من وشها بالكامل، شفايفها بقت بيضا، وركبتها خبطت في بعضها من الرعب.
ملك كملت بنفس النبرة المرعبة: "لو لمحت طيفك بيهوب ناحية الصعيد أو ناحيتي تاني.. أنا اللي هقدم التسجيلات جوزك اللي يوديكي حبل المشـ*ـنقة. غوري من وشي.. واعتبري إن بنتك ما*تت مع أبوها في نفس اليوم!"
سُهى لفت ضهرها وطلعت تجري برة القصر زي المجنونة، بتتعثر في خطواتها من الرعب والصدمة.
بعد خروج سُهى
الصمت لف القصر. الجد رضوان خبط بعكازه على الأرض وبص لملك بنظرة فخر ممزوجة بتساؤل.
صقر اللي كان واقف على السلم ساند على الدرابزين وبيتألم في صمت، نزل ببطء لحد ما وقف قدامها.
صقر بعيون حادة بتخترقها، وصوت جهوري:"وديتي الكلب فين يا ملك؟"
ملك بصت لصقر، وبعدها لفت وشها لـ "عساف" ذراع صقر اليمين اللي كان واقف بعيد منزل راسه في الأرض.
ملك: "عساف.. قول لصقر بيه إحنا عملنا إيه الفجر."
صقر نقل نظره لعساف بغضب: "انطج يا عساف! عملتوا إيه من ورا ضهري؟"
عساف بارتباك شديد: "العفو يا كبير.. بس الست هانم أمر*تني جبل الفجر بساعة. جالتلي أمها هتجيب الحكومة القصر الصبح، ولازمن ننجل سالم من المخزن فوراً."
صقر (بزعيق): "ونجلتوه فين من غير ما أدرى؟"
عساف: "نجلناه 'مغارة الجبل المحروق' يا كبير.. ومتبت عليه زين، ومحدش يعرف طريجه غيري أنا والست ملك."
الجد رضوان ضحك بصوت عالي فجأة، ضحكة هزت القصر.
الجد رضوان بفخر: "عفارم عليكي يا بت الهواري! عقل يوزن بلد.. سبجتي بخطوة وجريتي نية أمك الخاينة، وحميتي بيتنا من فضيحة الحكومة. (وبص لصقر) مرتك مجابتش الغلط يا صقر، دي أنقذت رقبتك ورقبتنا كلنا."
صقر رغم إعجابه الشديد بذكائها وقوتها، إلا إن غروره الرجولي والصعيدي كان واجعه إنها اتصرفت في أمر يخصه من وراه. مسكها من دراعها (بس المرادي مسكة حنينة مش قاسية)، وسحبها وراه وطالع بيها على السلم.
صقر بحزم: "عساف، تقفل بوابات القصر دي، ومخلوق ميدخلش ولا يخرج من غير إذني."
في جناح صقر وملك
صقر دخل وقفل الباب وراهم. ساب دراعها وقعد على طرف السرير بتعب ونهج، جر*حه كان بيألمه بشدة من المجهود اللي عمله ووقفته على السلم.
ملك قلبها وجعها عليه، جريت بسرعة جابت المسكن وكوباية الماية، وقعدت جنبه تديله الدوا.
ملك بلهفة وعتاب رقيق: "إنت إيه اللي نزلك من السرير؟ الدكتور قال متتحركش خالص الجرح ممكن يفتح تاني! إنت مبتفهمش؟"
صقر شرب الدوا، وبصلها بعمق شديد: "كنتي ريدياني أفضل نايم زي الحريم ومرتي واجفة تحت في وش الحكومة وأمها بتنهش فيها؟"
ملك ارتبكت من نظرته ووطت راسها: "أنا كنت متأكدة إنها هتعمل كده. لما قفلت السكة في وشها امبارح، عرفت إنها مش هتسكت وهتلعب كارت البوليس. كان لازم أخفي سالم قبل ما النهار يطلع."
صقر مد إيده الخشنة ورفع دقنها ببطء عشان تبصله في عينيه.
صقر بصوت دافي ومليان رجولة: "من الليلة دي.. إنتي مش مجرد ورجة ممضية في دفتر مأذون.. إنتي بقيتي حتة من عيلة الهواري، ضهر وسند. بس إياكي.. إياكي تتصرفي من ورا ضهري تاني، أو تحطي نفسك في خطر وأنا بتنفس."
ملك بدموع بتلمع في عينيها: "أنا مش خايفة من الخطر.. أنا خايفة عليك إنت. أنا خسرت أبويا بخيانة، ومش مستعدة أخسرك إنت كمان. سالم ده تا*ري يا صقر.. أنا اللي هحاسبه."
صقر سحبها لحضنه، وضمها بقوة رغم وجع جر*حه، كأنه بيخبيها جوه ضلوعه من قسوة الدنيا.
صقر بهمس جنب ودنها: "تار*ك هو تار*ي.. وحج أبوكي هيرجعلك لحد تحت رجليكي."
في الجانب الآخر من المدينة - في مكان مظلم ومشبوه
سُهى وصلت لمخزن كبير في أطراف القاهرة، مكان ريحته كلها مو*ت وسلا*ح ومخد*رات. الحراس دخلوها بالعافية بعد ما فضلت تصرخ إنها جايبة أخبار تهم "المعلم غول".
الروايه بقلم.. نور محمد
قعدت قدام راجل ضخم جداً، وشه مليان ند*بات، وبيد*خن شيشة ببرود. (المعلم غول.. أكبر تا*جر سلا*ح ومخد*رات، وصاحب الدين الأساسي اللي على سالم.
الغول بصوت يخوف: "جيتي برجليكي يا سُهى؟ فين الفلوس اللي جوزك كلها عليا وهرب؟ ٥ مليون جنيه لو مدفعوش النهاردة، هخلي رجالتي يقطعو*كي حتت ويرمو*كي للكلاب."
سُهى بترتعش وبتبكي: "أبوس إيدك يا معلم اسمعني! سالم مهربش بفلوسك! سالم خطفوه! عيلة الهواري في سوهاج خطفوه وحابسینه عندهم، وهما اللي خدوا الفلوس بتاعته كلها عشان يكسر*وه! بنتي متجوزة كبيرهم 'صقر الهواري'، وهما رافضين يرجعوا سالم أو يدفعوا قرش، وطردوني النهارده من القصر!"
الغول عينه وسعت، ونفخ الدخان بغضب أعمى.
الغول: "الهوارة؟ كبرات سوهاج بيلعبوا معايا أنا وبياكلوا فلوسي؟"
وقف فجأة، وضرب الترابيزة برجله كسرها نصين، وصرخ بأعلى صوته لرجالته اللي برة:
"جهزوا العربيات والسلا*ح!! كل رجالة المنطقة تتجمع وتتسلح الليلة! إحنا طالعين على سوهاج، وهنحرق قصر الهواري باللي فيه، ونجيب لحمـ'ـهم متقـ'ـطع في شكاير!"
في منتصف الليل - قصر الهواري
الهدوء بيسيطر على القصر، صقر نايم في سريره، وملك قاعدة جنبه ماسكة إيده وغطت في النوم هي كمان.
فجأة.. صوت رصا*ص كثيف جداً شق سكون الليل! رصاص آلي كأنه مطر بينزل على بوابات القصر وعلى القزاز بتاع الشبابيك!
صوت صراخ الحراس، وصوت انفجار ضخم هز أسوار القصر الخارجيه!
صقر فتح عينيه مفزوع، ونسي الجر*ح ونط من على السرير وسحب سلاحه من تحت المخدة في ثانية، وملك صرخت بخوف وهي بتغطي ودنها من صوت الر*صاص المتواصل.
الباب خبط بقوة، وعساف دخل وهو بينزف من كتفه!
عساف بنهجان ورعب: "إلحقنا يا كبير!! القصر بيتهاجم! رجالة مسـ'ـلحة بالميات طوقوا القصر من كل حتة وبيضر*بوا نار .. شكلنا الليلة هنتصـ'ـفى كلنا!!"
رواية في حمى الهوارة الفصل السابع 7 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل السابع
رائحة البا*رود زحفت لداخل جناح صقر، وأصوات الر*صاص اللي بيمطر القصر من كل اتجاه كانت كفيلة تو*قف قلب أي حد من الر*عب.
عساف واقف بينز*ف وبيسند على الباب، وملك ضامة نفسها وبتر*تعش وعيونها متسعة بصدمة.
صقر الخوف محى كل ذرة وجع من جسمه، واتحول لغول حقيقي. سحب سلا*حه من الدولاب، وراح ناحية ملك، مسكها من كتافها بقوة وثبات: "اسمعيني زين! مفيش وجت للخوف دلوقتي! الدموع والرجفة دي تخفيها خالص."
ملك بصوت بيتقطع وعياط: "أنا خايفة عليك.. إنت بتنز*ف وجر*حك لسة ملـ'ـمش، هتمو*ت يا صقر لو نزلتلهم!"
صقر سحب مسد*س صغير من درج الكومودينو، وعمر*ه، وحطه في إيد ملك اللي بتترعش، وقفل كفوفها عليه.
صقر بهمس حاد وعيونه بتخترق روحها: "أنا مابمو*تش بالساهل. هتدخلي الأوضة المخبية اللي ورا الدولاب دي إنتي وحريم القصر. حسك عينك تطلعي منها مهما سمعتي أصوات برة. والمسد*س ده.. (بصلها بصرامة) أي حد يهوب ناحيتك وميكونش أنا أو جدي.. تفرغي الر*صاص في جثـ'ـته من غير تفكير.. فاهمة؟"
ملك بدموع بتبلل وشها، مسكت في ياقة جلابيته بقوة: "مش هسيبك! والنبي يا صقر متسبنيش، أنا مليش غيرك!"
صقر مقدرش يقاوم دموعها، سحبها لحضنه في ثانية، باس راسها بقوة كأنه بيودعها، وبعدها بعد عنها فجأة، ولف لعساف.
صقر: "لم الحريم في المخبأ يا عساف، وحط عليهم حراسة من رجالتنا الموثوقين. والليلة دي.. إما نعيش كبارات، إما نمو*ت كبارات!"
الروايه بقلم.. نور محمد
في ساحة القصر الخارجية
الليل اتحول لنهار من كتر وميض الر*صاص. رجالة الغول كانوا بالمئات، محاوطين القصر بعربيات د*فع ربا*عي، وبيضر*بوا نا*ر على الأسوار والشبابيك.
الجد رضوان كان واقف في البلكونة الكبيرة اللي بتطل على الحوش، لابس عبايته وماسك بند*قيته الخر*طوش القديمة، ثابت زي الجبل مابيهزوش الر*صاص اللي بيطير حواليه.
صقر وصل للساحة، واتمركز ورا أحد الأعمدة الرخامية، وبدأ يرد الضر*ب بمهارة قـ'ـناص، كل رصا*صة طالعة من سلا*حه بتوقع راجل من رجالة الغول.
فجأة، صوت ميكروفون عالي جداً شق دوشة الر*صاص من برة الأسوار.
الغول بصوت أجش ومستفز: "يا كبارات الصعيد! يا هوارة! أنا المعلم غول.. والليلة دي قصركم هيكون مقبر*تكم لو ماسمعتوش الكلام! سالم النواوي كل عليا ٥ مليون جنيه واستخبى عندكم! سلموني سالم والفلوس، أسحب رجالتي وأسيبكم تعيشوا.. هتكابروا؟ هحر*ق القصر باللي فيه، وهاخد حر*يمكم سبايا!"
الكلمة دي كانت كفيلة تخلي الد*م يغلي في عروق صقر لدرجة الغليان. الجر*ح في جنبه بدأ ينز*ف من تاني وبقع الجلا*بية بالد*م، بس هو ولا حاسس.
صقر بصوت مرعب، وهو بيعمر سلا*حه: "رجالة الهوارة مابتهد*دش يا كلب البندر! سالم مش عندنا، وحريمنا دونهم رجابنا ورجابكم! اضربووووا!"
صقر ورجالته فتحوا نار على عربيات الغول، المعركة اتحولت لمجزرة حقيقية.
في المخبأ السري داخل القصر
الضلمة مسيطرة، وصوت الر*صاص والانفجا*رات برة بيهز الجدران. ملك قاعدة على الأرض، ماسكة المسد*س بإيد*ين بتتر*عش، وجنبها الخالة راضية، وشوقية اللي كانت منهارة تماماً وبتصرخ.
شوقية بصراخ ولطم: "هنمو*ت! كلنا هنتد*بح الليلة بسببك يا وش المصايب! أمك هي اللي بعتت المجر*مين دول عشان تنتقم مننا وتاخد الملايين! إنتي السبب! أنا هطلع أسلمك ليهم عشان يسيبونا نعيش!"
شوقية قامت بانهيار وكانت بتجري ناحية الباب عشان تفتحه وتخرج!
روايه في حمى الهواره بقلمي نور محمد
ملك، اللي الخوف كان شاللها من ثواني، اتحولت فجأة. قامت بسرعة البر*ق، ومسكت شوقية من شعرها وجذبتها لورا بقوة رمتها على الأرض!
ملك بز*عيق وعيون حمرا زي الد*م: "اخرسي يا متخلفة!! لو فتحتي الباب ده هيقتلو*نا كلنا! إنتي فاكرة المجر*مين دول بيعرفوا تفاهم؟ اللي هتقوم من مكانها هفرغ المسد*س ده في دما*غها قبل ما حد من برة يدخلنا!"
شوقية بصت لملك برعب، الخالة راضية ابتسمت في الضلمة بفخر وهي شايفة قوة ملك اللي بتظهر في وقت الشدة.
راضية: "عين العقل يا بت الغالي.. خليكي سبع، اللي ينكسر في الليلة دي ينداس."
برة في القصر
رجالة الغول استخدموا لغم متفـ'ـجر، وحطوه على البوابة الخشبية الضخمة للقصر.
انفجار مر*عب طير البوابة، الدخان والتراب غطوا المكان. رجالة الغول اقتحموا بهو القصر الداخلي زي الجراد.
رجالة صقر كانوا بيقعوا واحد ورا التاني من الكثرة العددية لرجال الغول.
صقر كان واقف على أول السلم، بيضر*ب نا*ر لحد ما رصا*ص سلا*حه خلص. رمى السلا*ح، وسحب خنـ'ـجره من حز*امه، وهو بينهج ود*مه بيسيل على الأرض.
الغول دخل القصر وند*بات وشه، ماشي بثقة وماسك مسد*سه، وراه عشرات الرجالة موجهين سلا*حهم لصقر والجد رضوان اللي نزل وقف جنب حفيده
الغول بضحكة خبيثة وهو بيبص لصقر: "إنت بقى صقر الهواري؟ الغراب اللي عامل فيها صقر؟ شكلك بتمو*ت خلقة من غير ما أمد إيدي عليك."
صقر بشموخ وهو بيمسح الد*م من على بوقه: "هفضل صقر كاسر عينك وعين اللي خلفو*ك يا غول. خطوتك جوة قصري دي تمنها روحك."
الغول رفع مسد*سه ووجهه لراس صقر: "تؤ تؤ.. تمنها رو*حك إنت يا بطل. هقتـ*ـلك، وهقـ*ـتل جدك، وهقلب القصر ده طوبة طوبة لحد ما ألاقي فلوسي وسالم."
في اللحظة دي، وقبل ما الغول يضغط على الز*ناد، سمعوا صوت سحب أجز*اء سلا*ح من فوق السلم.
الكل رفع راسه لفوق.
كانت ملك.
طلعت من المخبأ بعد ما حست إن الضر*ب هدي وإن صقر في خطر. لقت سلا*ح واقع من أحد الحراس المقتو*لين على السلم. شالته رغم تقله، ووقفت في نص السلم، موجهة السلا*ح مباشرة لراس الغول. ملامحها مفهاش ذرة خوف، وشها مغطى بتراب ، وعيونها بتلمع بتصميم مرعب.
ملك بصوت عالي وثابت رج أركان القصر: "لو رفعت صباعك على الزناد.. هطير دما*غك وأخليها تتنا*ثر على سجاد القصر اللي إنت وسخـ'ـته برجلك دي!"
الغول اتفاجئ، بس فجأة انفجر في الضحك بسخرية:"ومين القطة المبلولة دي؟ مراتك يا صقر؟ بتلعب بالسلا*ح يا حلوة؟ ده إنتي إيديكي بتتر*عش ومش هتعرفي تضغطي..."
وقبل ما الغول يكمل جملته، وبدون أي تردد أو تفكير.
ملك ضغطت على الزناد، رصاصة واحدة خرجت من السلاح، عدت من جنب ودن الغول بالمللي، قطعت حتة من ود*نه وضربت في الفازة اللي وراه كسرتها ميت حتة!
الغول صرخ وحط إيده على ودنه اللي بتنز*ف، ورجالته اتوتروا ووجهوا أسلحتهم لملك!
صقر بزعيق مرعب خوفاً عليها: "ملـــــــــك! ارجعي ورا!!"
ملك بصراخ للغول وعيونها بتطق شرار الجنون: "الرصا*صة الجاية في نص جبـ'ـهتك! سالم مش هنا! سالم أنا اللي خفيته، والـ ٥ مليون بتوعك دول ثمن د*مه اللي أنا هشر*به! لو ممشتش برجالتك حالا، قسماً بعزة جلال الله لهنـ'ـسف القصر ده كله بينا وبيكم! أنا معنديش حاجة أبكي عليها!"
الغول بص لملك بصدمة من الجنون اللي في عينيها. البنت دي مش بتهزر، ومستعدة تقـ'ـتل وتتـ'ـقتل.
بس الغول تا*جر سلا*ح، مابيرجعش في كلمته. رفع مسد*سه بسرعة ناحية ملك عشان يخلص منها!
في كسر من الثانية، صقر نط من مكانه زي النمر الجر*يح عشان يفادي ملك، وفي نفس اللحظة.. الجد رضوان، اللي شاف الغول بيو*جه السلا*ح لحفيده ومراته، أخد خطوة سريعة ووقف بجسمه سد منيع قدامهم.
صوت رصا*صة غادرة طلعت من مسد*س الغول.
الزمن كأنه وقف. الصمت نزل فجأة يقطع الأنفاس.
صقر عيونه وسعت بصدمة شلت روحه، وملك صرخت صرخة قطعت نياط القلب، والسلاح وقع من إيدها.
الجد رضوان.. الجبل اللي مابيهتزش.. حط إيده على صدره اللي اتلو*ن بالد*م، وبص لصقر بابتسامة رضا أخيرة، وركبه سابت.. ووقع على الأرض بين إيدين صقر.
صقر بصرخة زلزلت سوهاج كلها، صرخة وحش اتدبح قلبه: "جديييييييييييييييييييييي!!!"
الروايه بقلم.. نور محمد
دوي صرخة صقر شقت سماء سوهاج، صرخة فيها وجع الجبال وكسرة الضهر. الزمن كأنه اتجمد، ورصا*ص الغول وقف فجأة لما أدرك حجم الكارثة اللي عملها.
رضوان الهواري.. كبير كبارات الصعيد.. واقع على الأرض غر*قان في د*مه بين إيدين حفيده.
الغول وشه جاب ألوان، والرعب دَب في قلبه لأول مرة، صرخ في رجالته بهيستريا: "انسحبووووا!! ارجعوا على العربيات فوراً!! اللي هيقف دقيقة هيتد*بح!"
الغول كان عارف إن قتل رضوان الهواري معناه إن الصعيد كله هيقوم ومش هيقعد غير لما يشر*ب من د*مه. رجالة الغول طلعوا يجروا زي الفيران وانسحبوا بعربياتهم في ثواني، وسابوا القصر غر*قان في د*مه وخر*ابه.
ملك نزلت السلم جري زي المجنونة، السلا*ح وقع من إيدها، ورمت نفسها على الأرض جنب صقر والجد. هدومها اتلطـ'ـخت بد*م الجد، ودموعها نازلة شلال مابيقفش.
صقر بصوت بيترعش لأول مرة في حياته، وهو بيكـ'ـتم جر*ح جده بإيديه الاتنين اللي بتنز*ف: "جدي! لا يا جدي ماتغمضش عينك! الإسعاف.. يا عساااااف هاتوا الإسعاف بسرعة!!"
الجد رضوان بيكح د*م، وابتسامة رضا باهتة مرسومة على شفايفه. رفع إيده المرتعشة، ومسك إيد صقر اللي بتضغط على جر*حه: "وفر.. وفر يا ولدي.. خلاص.. الأمانة.. بترجع لصاحبها."
صقر بدموع حارقة نزلت على وش جده: "أمانة إيه يا تاج راسي؟ إنت الجبل اللي ساندنا، هتمو*ت وتكسر*ني يا جدي؟ الجر*ح ده فدايا أنا، الرصا*صة دي كانت ليا أنا!"
الجد حرك عينه بضعف، وبص لملك اللي كانت بتشهق من العياط وماسكة إيده التانية بتبوسها.
الجد رضوان بصوت متقطع وحشرجة المو*ت: "بت الغالي.. لحمنا ود*منا.. مسكتي السلا*ح.. عشان تحمي راجلك ودارك.. عفارم عليكي يا بت الهواري.. إنتي.. إنتي زينة حريمنا."
ملك ببكاء يقطع القلب: "سامحني يا جدي! أنا السبب.. أنا اللي جبتلكم الخراب والد*م! والنبي ما تمو*ت وتوجع قلبه، صقر ملوش غيرك!"
الجد رجع بص لصقر، وشد على إيده بآخر ذرة قوة عنده، وملامحه قلبت لجدية كبارات الصعيد في اللحظات الأخيرة.
الجد: "وصيتي يا صقر.. عيلة الهواري في رجبتك.. ومرتك في حمايتك.. إياك.. إياك الد*م يعمي عنيك وتضيع اللي باجي.. تا*ر رضوان الهواري يتجاب بالعقل.. مش بالتهو*ر يا ولدي.. خليك.. صقر.. "
الكلمة الأخيرة خرجت مع آخر نفس، وعيونه ثبتت، وجسمه ارتخى تماماً. الجبل وقع.
صقر همس بعدم تصديق: "جدي؟.. يا جدي رد عليا!"
ملك غطت وشها بإيديها وصر*خت صر*خة رنت في جدران القصر. صقر مقدرش يصر*خ، صدمته كانت أكبر من أي صوت. قفل عيون جده ببطء شديد، ووطى باس جبينه، وفضل باصص لوشه دقايق كأن رو*حه هي كمان بتنسحب منه.
لما صقر رفع راسه، ملك شافت حاجة رعبتها. عيون صقر مكنتش بتبكي.. عيونه كانت فاضية تماماً، سو*اد مرعب خالي من أي حياة، كأنه أتحول لجـ'ـثة بتتنفس. قام وقف ببطء، الجر'ح اللي في جنبه نز*ف أكتر وبقع الجلابية، بس هو ولا حاسس.
صقر بصوت هادي هدوء الموت، مفيش فيه أي نبرة، بيكلم عساف اللي كان واقف بيبكي: "عساف.. غسلوا جدي.. وجهزوا الد*فنة قبل ما الشمس تطلع."
سابهم ومشي بخطوات تقيلة ناحية باب القصر.
ملك قامت جريت وراه ومسكت في دراعه برعب: "صقر إنت رايح فين؟ جر*حك بينز*ف! إنت محتاج دكتور فوراً!"
نفض إيدها براحة، بس من غير ما يبصلها، وخرج للضلمة.
في الصباح
الشمس طلعت باهتة كأنها حزينة على كسر الهوارة. الصعيد كله اتجمع، آلاف من الرجالة بالجلابيب السودة والعِمم، ماشيين ورا نعـ'ـش رضوان الهواري.
صقر كان ماشي في أول الصفوف. لابس أسود في أسود، ولف على راسه (عمة سودا)، وده في عرف الصعيد معناه حاجة واحدة: (الد*م بالد*م.. والتار ماباتش.
طول الجنا*زة والعز*ا، صقر منطقش بكلمة واحدة. مشر*بش بو*ق ماية. مابيبصش لحد. كأنه آلة للا*نتقام بيتم تجهيزها.
في قصر حريم الهواري، السواد كاسي المكان.
الحريم بيصر*خوا ويلطـ'ـموا، بس ملك كانت قاعدة في ركن لوحدها، لابسة أسود، عينيها منفخة من العياط، بس مش بتصو*ت زيهم. حاسة بذ*نب بياكل في رو*حها.. هي السبب في كل ده. أمها، جوز أمها، الفلوس.. كل ده جاب المو*ت للراجل اللي حماها.
بعد منتصف الليل
المعزيين مشيوا. القصر غرق في صمت المقا*بر. ملك دخلت جنا*حهم ببطء، لقت صقر واقف في البلكونة، الضلمة محاوطاه، وماسك في إيده مسبحة جده.
قربت منه بخوف، حطت إيدها على كتفه براحة.
ملكبصوت مبحو*ح من البكاء: "صقر.."
صقر ملفش وشه، بس اتكلم بصوت خشن ومجروح.
صقر: "جدي ما*ت يا ملك.. الراجل اللي رباني، واللي كان ضهري في الدنيا دي.. راح."
ملك دموعها نزلت وحضنته من ضهره بقوة: "أنا السبب! والله العظيم أنا السبب! عاقبني أنا، اقتـ*ـلني لو ده هير*يح نا*رك، بس متسكتش كده، سكوتك ده بيمو*تني أكتر من المو*ت نفسه!"
صقر لف ببطء، بصلها وعيونه فيها مزيج من العذاب والعشق الغريب اللي اتولد في وسط الد*م.
رفع إيديه الاتنين وحاوط وشها، ومسح دموعها بصباعه.
صقر: "جدي فداكي برو*حه عشان شاف فيكي الهوارية اللي تستحق تحمل اسمنا. إنتي مش السبب.. الطمع والخيسة هما السبب. والليلة دي.. أنا هطفي نار*ي ونا*ر جدي."
ملك بخوف: "هتعمل إيه؟"
صقر بعد عنها، وراح ناحية الدولاب طلع شنطة سلا*ح ضخمة مليانة رصا*ص وقنا*بل يد*وية: "أنا نازل البندر.. نازل القاهرة. الغول وسالم النواوي وكل كلب شارك في الليلة دي، هجيبهم متقطـ*ـعين في شكا*ير، وهعلق جثـ*ـثهم على باب القصر."
ملك جريت مسكت فيه: "لا! مش هتروح لوحدك! القاهرة دي منطقتهم هما وأنا عارفاها! خدني معاك، أنا ليا تا*ر عند سالم أكتر منك!"
صقر بحدة وصرامة مرعبة: "إنتي اتجننتي؟ عايزاني أخد مرتي معايا في تا*ر وضر*ب نار؟ القصر ده ميتسابش. إنتي من الليلة دي الكبيرة هنا.. عساف ورجالتنا كلهم تحت إمرتك. حسك عينك تخطي برة باب القصر، لحد ما أرجعلك بتا*رنا.. أو يرجعولك جثـ*ـتي."
ملك بصراخ وعنادها القديم رجع بس بدافع الحب: "لو مـ" ـت أنا همو*ت وراك يا صقر! أنا مش هقعد هنا أستنى خبرك! إنت جوزي ومسئول مني زي ما أنا مسئولة منك!"
صقر محتملش يسمع كلمة المو*ت منها. شدها لحضنه بقسوة ولهفة مفيهاش أي مقدمات، كتم كل صراخها وكلامها، كأنه بيثبت لنفسه ولها إنه لسة عايش.
بعد دقايق، بصلها بعيون مليانة نا*ر التا*ر.
صقر فحيح حاسم: "لو ليا عمر، هطول سالم وأجيبهو*لك لحد تحت رجليكي عشان تاخدي تا*ر أبوكي بإيدك.. اقفلي على نفسك، وماتفتحيش لحد."
سابها صقر، وشال شنطة السلا*ح، ونزل من البلكونة مباشرة بخفة نمر متجاهل جر*حه المفتوح، واختفى في عتمة الليل، متوجه القاهرة.
ملك وقفت في البلكونة بتبص على الفراغ، ومسحت دموعها بعنف.
ملك لنفسها بجمود مرعب: "مفكر إني هقعد أحط إيدي على خدي أستناك تمو*ت هناك؟ عساف!! يا عساف!
في القاهرة - فيلا الغول
الغول قاعد بيشرب ووشه ملفوف بشاش مكان الرصا*صة اللي ضر*بتها ملك. سالم النواوي متربط في زاوية الأوضة ز*ي الكلب، بعد ما رجالة الغول لقوه وهربوه وقت انشغال عيلة الهواري في عزاء.
الغول بيضحك بشر: "رضوان الهواري ما*ت.. الصعيد كله هيقع في بعضه دلوقتي. وأنا هاخد الفلوس والسلا*ح براحتي."
سالم بترجي: "طب سيبني أمشي بقى يا معلم! أنا مليش دعوة باللي حصل!"
وفجأة.. النور قطع في الفيلا كلها.
صوت كتم أنفاس، وأصوات حر*اس برة بتقع على الأرض من غير ولا رصا*صة واحدة!
الغول سحب سلا*حه ووقف بر*عب، وسالم كش في مكانه.
الباب الضخم بتاع مكتب الغول اتفتح برجل كسرت الكالون.
ال.. بقلم نور محمد
في وسط العتمة، ظهر خيال ضخم جداً، ماسك سلا*حين في إيديه، وعيونه بتلمع في الضلمة زي عيون الو*حوش.
صقر بصوت مرعب ومخيف: "عزر*ائيل وصل يا كلاب البندر.. جهزوا رجبـ*ـكم!"
رواية في حمى الهوارة الفصل الثامن 8 - بقلم نور محمد
رواية في حمى الهوارة الفصل الثامن والاخير
الظلام كاحل في فيلا الغول، مفيش غير ضوء القمر الباهت اللي داخل من الشباك المكسور. صقر واقف على الباب، السلا*حين في إيد*يه، وصدره بيعلو ويهبط ببطء مر*عب. صمت قاتل بيسبق العاصفة.
الغول بر*عب حاول يداريه ورا ز*عيقه: "بتضر*ب نا*ر في بيتي يا صعيدي؟ مفكر نفسك هتعرف تخرج من هنا حي؟ رجالتي برة بالميات!"
صقر بصوت أجش، بيتردد في الحيطان: "رجالتك اللي برة نايمين نو*مة مفيهاش صحيان. الليلة مفيش غيري أنا وإنت.. والكـ'ـلب اللي مستخبي وراك ده."
الغول رفع مسد*سه وبدأ يضرب نا*ر بهيستريا في الضلمة ناحية الصوت، بس صقر كان أسرع من لمح البصر، دحرج نفسه على الأرض ورا كنبة ضخمة، وفي اقل من الثانية، طلع وضر*ب رصا*صة واحدة بس!
.... آآآه!
الغول صر*خ ووقع على ركبه، الرصا*صة اختر*قت ركبته اليمين . السلا*ح وقع من إيده.
صقر قام ووقف بكامل طوله، خطى ناحية الغول بخطوات بطيئة، صوت حذائه على الأرض بيتردد زي دقات الإعد*ام. سالم النواوي كان بيز*حف على بطنه ناحية الباب الخلفي بيحاول يهرب وهو بيترعش لدرجة إن ماية نز*لت منه من الر*عب.
الروايه.. بقلم نور محمد
صقر داس ببو*ذه الثقيل على إيد سالم اللي بيزحف بيها، كـ'ـسر صو*ابعه خلاه يصر*خ صر*خة مكتومة.
صقر بجمود وهو باصص للغول اللي بيتلو*ى على الأرض: "فاكر لما جولتلك خطوتك في قصري تمنها رو*حك؟ رضوان الهواري د*مه أغلى من الدنيا باللي فيها.. بس أنا مش هجتلك برصاصة واحدة.. ده لعب عيال."
الغول وهو بيكح د*م وبيلهث: "هديك اللي إنت عايزه! ملايين.. أراضي.. سلا*ح! سيبني أعيش يا صقر وهبقى تحت طوعك!"
صقر ابتسم ابتسامة مرعبه، ووطى لمستواه: "فلوسك دي أشتري بيها كفـ*ـنك. جدي ما*ت راجل، وإنت هتمو*ت زي الخنزير."
صقر رفع سلا*حه، وضرب تلات رصا*صات متتالية، واحدة في كتف الغول اليمين، والتانية في الشمال، والتالتة في بطـ*ـنه. سابه يغر*ق في د*مه ويتلوى في سكر*ات المو*ت البطيء، وهو بيبصله باحتقار لحد ما الغول قـ"ـطع النفس تماماً وراسه وقعت على الأرض.
صقر لف وشه لسالم، اللي كان بيبكي زي الأطفال وبيبوس جزمة صقر.
— سالم: "أبوس رجلك ارحمني! والله ما أنا اللي ضر*بت جدك! الغول هو اللي ضر*به! أنا مجرد عبد مأمور!"
صقر مسكه من ياقة قميصه المتقطع ورفعه من على الأرض بإيد واحدة، وعيونه بتطلع نار: "إنت حسابك مش معايا.. أنا وعدت مرتي إني هجيبك لحد تحت رجليها عشان تاخد تا*ر أبوها. ولو عليا أنا؟ كنت قطعـ" ـتك حتت ور*ميتك لكلاب الجبل.. بس وعد الحُر دَين."
صقر ضرب سالم بو*كس في وشه خلاه يفقد الوعي، وكتفه بحبل غليظ، وشاله على كتفه السليم كأنه شايل شوال، وخرج بيه من الفيلا.
خارج الفيلا_روايه في حمى الحواره بقلم نور محمد
صقر خرج من باب الفيلا، الجر*ح بتاعه اتفتح من المجهود والد*م مغر*ق هدو*مه، بس أول ما خطى برة البوابة، اتصمر مكانه!
المكان مكنش فاضي زي ما سابه. عشرات العربيات المليانة برجالة الغول (اللي كانوا برة المنطقة وسمعوا الضر*ب) وصلوا، ومحاوطين الفيلا من كل اتجاه. أكتر من ٥٠ راجل مو*جهين سلا*حهم ناحية صقر.
صقر رمى سالم المغمى عليه على الأرض، وسحب سلا*حه، وبص للرجالة بابتسامة تحدي، كأنه بيستقبل المو*ت بصدر مفتوح.
صقر بهمس لنفسه: "إكده بجت مو*تة كبارات بحج وحجيجي.. سامحيني يا ملك.. مكنتش رايد أسيبك."
وقبل ما رجالة الغول يضر*بوا أول رصا*صة..
الأرض زلزلت تحت رجليهم! صوت فرامل عربيات ضخمة جداً جاية بأقصى سرعة من أول الشارع.
أربع عربيات دفع رباعي سودا مصفحة، دخلوا الشارع زي الصو*اريخ، وداسوا على عربيتين من بتوع رجالة الغول وطير*وهم في الهوا!
الرجالة اتشتتوا وبدأوا يضر*بوا نا*ر على العربيات المصفحة، بس العربيات دي فتحت نا*ر عليهم من الشبابيك والأسقف.
عساف ورجالة الهوارة نزلوا من العربيات بيضر*بوا نا*ر بمهارة مش موجودة غير في الصعيد، ووقعوا نص رجالة الغول في ثواني!
صقر واقف مصدوم.. إزاي رجالتو وصلوا القاهرة بالسرعة دي؟ مين اللي أمرهم يسيبوا القصر؟
باب العربية المصفحة اللي في النص اتفتح.. ونزلت منها ملك!
لابسة بنطلون أسود وجاكيت جلد طويل، شعرها طاير وراها، وماسكة في إيدها المسد*س اللي صقر سابهولها. ملامحها مفيهاش أي خوف، ماشية وسط الرصا*ص اللي بيضر*ب كأنها ماشية في بيتها، وعساف بيغطيها من وراها.
صقر أول ما شافها، الغضب والخوف عليها خلوا عرو*قه تنفر، جري ناحيتها وسط الضر*ب، وشدها ورا عربية مصفحة.
صقر بزعيق هز الشارع: "إنتي مجنونة؟! إيه اللي جابك إهنه؟! مش جولتلك الدار مابتتسابش؟ إنتي عايزة تمو*تيني بحسرتي عليكي؟!"
ملك بتبصله بدموع وعناد، ومسكت في ياقة جلابيته بقوة: "وأنا قولتلك مش هستنى خبرك! إنت مفكر إنك هتمو*ت بطل وتسيبني أرملة بتعيط في القصر؟ إحنا اتجوزنا في الد*م، وهنعيش أو نمو*ت في الدم سوا!"
صقر بصلها بذهول.. البنت البندرية اللي كانت بتخاف من ضلها، بقت بـ ١٠٠ راجل، وجاية في قلب المعر*كة عشانه. مقد*رش يمسك نفسه، وسط الرصا*ص والمو*ت، شد*ها لحضنه بقوة مرعبة وباس راسها وكأنه بيستمد منها الحياة.
صقر وهو بيلهث: "ورحمة جدي.. لو طلعنا من الليلة دي سلام.. لوريكي البندرية اللي بتكسر كلام كبيرها دي عقابها إيه!"
ملك ابتسمت وسط دموعها: "لما نطلع الأول نبقى نشوف مين هيعاقب مين."
عساف جه بيجري: "يا كبير! الرجالة اتصفو*ا، واللي فضل منهم هر*ب! الطريق أمان!"
صقر أمر عساف يشيل سالم اللي مرمي على الأرض ويرميه في العربية. ركبوا العربيات بسرعة، وطاروا برة القاهرة راجعين على الصعيد قبل ما الحكومة تشم خبر وتتدخل.
في طريق العودة - الفجر
في العربية المصفحة، صقر ساند راسه لورا وبيغمض عينيه من التعب ونز*يف الجر*ح. ملك قاعدة جنبه، ضاغطة على جر*حه بقماشة عشان تو*قف الد*م، وعينيها مانزلتش من عليه.
ملك بصوت واطي: "إنت قتـ'ـلت الغول؟"
صقر من غير ما يفتح عيني: "د*م رضوان الهواري اتغسل الليلة. بس تار*ك إنتي لسة في الشنطة ورا."
ملك ملامحها جمدت: "سالم هيتمنى المو*ت. بس قبل ما يمو*ت، لازم أعرف منه أمي فين وإيه دورها بالظبط."
بعد ساعات - قصر الهواري
وصلوا القصر اللي كانت أثاره لسة مد*مرة من الهجو*م. الحريم كانوا في حالة ر*عب، بس أول ما شافوا صقر داخل على رجليه، الزغاريد طلعت مكتومة حزناً على الجد، بس فرحاً برجوع كبيرهم.
صقر أمر الرجالة يرموا سالم في المندرة الكبيرة قدام الكل.
سالم اترمي على الأرض زي الشوال، متكـ*ـتف وبينز*ف، وأول ما فتح عينيه، لقى صقر قاعد على كرسي جده رضوان، وملك واقفة جنبه، وعيونها بتطق شرار.
ملك قربت من سالم ببطء، ووقفت فوق راسه: "نورت الصعيد يا سالم بيه.. مفكرتش إن الدار دي هتكون آخر مكان تشوفه عينك؟"
سالم بانهيار تام وعياط: "ملك! إنتي بنتي اللي ربيتها! أنا مكنتش عايز أعمل كده، أمك هي السبب! أمك هي اللي خططت لقـ'ـتل أبوكي عشان فلوس التأمين، وهي اللي باعتك للغول عشان تحمي نفسها وتسدد ديوني!"
ملك مسكته من شعره ورفعت راسه لفوق بقسوة.
ملك: "بتكذب عشان تنقذ رقبـ'ـتك! أمي حقير*ة وماد*ية، بس مستحيل تقـ'ـتل أبويا!"
سالم بصراخ مرعب كأنه بيطلع آخر ورقة كسبانة عنده: "والله ما بكذب! أبوكي مكنش مجرد مهندس شغال في شركة المقاولات زي ما إنتي فاكرة! أبوكي كان شريك في الباطن في إمبراطورية الغول لغسـ*ـيل الأمو*ال! أبوكي كان معاه أوراق تثبت إن نص ثروة الغول دي بتاعته، ولما حب ينسحب ويتو*ب، أمك خافت الفلوس تضيع، واتفقت معايا ومع الغول نخلص منه وناخد إحنا الورق والفلوس!"
الصدمة نزلت زي الصاعقة على ملك وصقر والكل!
أبوها؟ أبوها الطيب الحنين، كان شريك الغول في غسـ*ـيل الأمو*ال؟! والأهم..
صقر وقف فجأة وعيونه اتسعت بشك: "أوراق إيه يا كلب اللي بتتحدت عنها؟ انطج!"
سالم وهو بينهج وبيترعش: "أوراق ومستندات وأصول أراضي بمئات الملايين.. أبوها سابها متسجلة باسم 'ملك' ومخفية في مكان محدش يعرفه غير أمها! أمك لسة بتدور على الورق ده، وعشان كده كانت عايزاكي ترجعي معاها القاهرة حية أو ميتة عشان تبصميها على التنازل!"
ملك رجعت لورا خطوتين، حاسة إن الدنيا بتسو*د قدام عينيها. كل حياتها طلعت كدبة؟ أبوها مجر*م؟ أمها قا*تلة؟ وهي وريثة لإمبراطورية د*م؟!
وفي عز الصدمة، باب المندرة اتفتح فجأة، ودخلت (شوقية) بتجري وشها مخطوف، وبتنهج بصوت عالي
شوقية: "إلحج يا صقر!! إلحج يا كبير! في ست غريبة برة معاها بو*ليس من العاصمة، ومعاها محامين كتير، وبتجول إنها جاية تاخد بتها بالقوة الجبر*ية، ومعاها ورج يثبت إن جوازك من ملك باطل !!"
ملك لفت بسرعة ناحية الباب، وصقر حط إيده على سلا*حه.
الست دي مكنتش غير "سُهى".. أم ملك، جاية ومعاها جيش من المحا*مين والشر*طة عشان تسترد بنتها وتسترد الملايين اللي باسمها!
الروايه بقلم نور محمد
حالة من الترقب المشحون بالتوتر سادت المندرة.
الباب الخارجي للقصر اتفتح بقوة، ودخلت "سُهى" بخطوات متعجرفة، وراها محاميين ببدل رسمية، وقوة من الشرطة على رأسها رتبة كبيرة من العاصمة. سُهى عينيها بتدور في المكان بانتصار، لحد ما وقعت على ملك وصقر.
سُهى بصوت عالي وثقة مزيفة: "أدي بنتي يا حضرة اللواء! مخطو*فة ومحبو*سة في الصعيد، والجوازة دي تمت تحت التهد*يد السلا*ح! أنا متأكده إن بنتي كان مغسو*ل دما*غها، وإن صقر الهواري استغلها عشان يورث أملاك ابوها اللي متسجلة باسمها!"
المحامي بيطلع ورق من شنطته: "بناءً على المادة كذا.. الزواج اللي بيتم تحت الإكراه باطل بقوة القانون. وإحنا بنطالب باسترداد الآنسة ملك، والتحفظ على ممتلكاتها!"
الظابط بص لصقر اللي كان قاعد على كرسي الكبير بهيبته، رغم جر*حه وتعب وشه، إلا إن عيونه كانت ثاقبة زي الصقر الحقيقي.
الظابط: "يا صقر بيه، الكلام ده خطير. مدام سهى مقدمة بلاغ رسمي في النيابة العامة. لو الآنسة ملك ماتكلمتش بحر*يتها دلوقتي، أنا مضطر أخدها معايا القوة، وأقبض عليك بتهمة الخـ*ـطف والإكراه."
ملك كانت واقفة، بتبص لأمها.. الست اللي شالتها في بطنها، واللي طلعت في النهاية شيطانة، قتـ*ـلت جوزها وباعت بنتها عشان الفلوس الملو*ثة بالد*م.
أخدت نفس عميق، ورفعت راسها بشموخ، وخطت خطوتين وقفت قدام الظابط، وفي ظهرها صقر.
ملك بصوت هادي، قوي، مفيش فيه ذرة رعشة: "الست دي كدابة يا حضرة اللواء. أنا ملك صقر الهواري.. زوجة شرعية برضايا الكامل، ومفيش قوة على الأرض تقدر تخرجني من بيت جوزي إلا على قبر*ي."
سُهى بزعيق: "مغسول دماغها! متهد*دة! البت دي مجنونة ومش عارفة مصلحتها! امسكوها!"
ملك قاطعتها بصرخة زلزلت القصر: "اخرســـي!! إنتي إيه؟ شيطا*نة؟ جاية تدوري على فلوس مغسو*لة بد*م أبويا؟ فاكرة إني هبصملك على تنازل عشان تاخدي ملايين الغول وتعيشي ولا كأنك دبحـ*ـتينا؟"
الظابط عقد حواجبه بعدم فهم: "د*م أبوكي؟ وملايين إيه؟"
ملك لفت وشاورت لعساف. عساف سحب "سالم النواوي" من على الأرض ورماه قدام رجلين الظابط. سالم كان منهار تماماً، بيبكي وبيترعش.
سالم بصراخ وهو بيمسك في رجل الظابط: "اقبض عليا يا باشا! اقبض عليا وخلصني منهم! أنا هعترف بكل حاجة.. الغول ما*ت، بس الست دي (بيشاور على سُهى) هي الكارثة الحقيقية! هي اللي حطت المخد*ر لجوزها، المهندس اللي كان شر*يك الغول، وأنا لعبت في فر*امل العربية عشان يمو*ت وناخد ثروته اللي متسجلة باسم بنته.. وهي اللي باعت بنتها عشان تسدد ديوني! أنا معايا تسجيلات ليها على تليفوني القديم في شقتي تثبت كل كلمة!"
سُهى وشها جاب ألوان، وبدأت ترجع لورا بر*عب وهي بتهز راسها: "كداب! كداب! بيتبلى عليا عشان ينجي نفسه!"
ملك بدموع القهر بتنزل بصمت، بس ملامحها قاسية: "التسجيلات موجودة.. والفلوس اللي إنتي جاية تلهثي وراها دي، أنا عرفت مكان الورق بتاعها. فاكرة الخزنة اللي في البنك اللي أبويا سابلي مفتاحها قبل ما يمو*ت بيوم ومحدش كان عارف فيها إيه؟ أنا كلمت المحامي بتاعي في القاهرة الفجر.. وبلغته يسلم الخزنة كلها للنيابة العامة، وتنازلت عن كل مليم فيها للدولة. مفيش فلوس يا سُهى.. مفيش غير حبل المشـ*ـنقة اللي مستنيكي."
سُهى اتجننت، صرخت بهيستريا وهجمت على ملك عشان تضربها: "يا بنت الـ... ضيعتي الملايين! ضيعتي تعبي السنين دي كلها!"
بس قبل ما إيدها تلمس ملك، صقر كان أسرع من لمح البصر، وقف قدام ملك زي الجبل، وضرب سُهى بقوة خفيفة زقتها لورا وقعت على الأرض.
صقر بصوت رعدي: "إياكي تفكري ترفعي عينك فيها.. دي حرم صقر الهواري، وتاج راسك إنتي واللي يتشددلك!"
الظابط أمر العساكر فوراً: "كلبشوا الست دي، وهاتوا المتهم التاني! هتتحولوا للنيابة العامة بتهمة القتـ*ـل العمد مع سبق الإصرار والترصد!"
سُهى فضلت تصرخ وتلطم، وسالم بيعيط، والشرطة سحبتهم لبرة القصر، وقفلوا الباب وراهم.
الهدوء رجع للقصر، بس هدوء محمل بوجع السنين. ملك مقدرتش تتصنع القوة أكتر من كده، ركبتها سابت، وكانت هتقع على الأرض، بس دراعات صقر كانت سريعة جداً، لفتها وحضنتها بقوة كتمت كل شهقا*تها. فضلت تعيط في حضنه كأنها طفلة يتيمة لقت ملجأها الوحيد، وهو فضل يمسح على شعرها بحنية أب وزوج وعاشق، بيهمس لها إن كل الكوابيس خلصت.
بعد مرور ٦ أشهر
الصعيد اتغير، وقصر الهواري رجعله الروح. صقر بقى كبير الهوارة رسمياً، بحكمة جده رضوان، وقوته هو. جر*حه خف تماماً، وبقى أقوى من الأول.
في الجناح الخاص بملك وصقر
الليل نزل، والقمر منور سماء سوهاج. الأوضة كانت مترتبة بشكل رومانسي جداً، شموع في كل مكان، وورد أحمر بلدي مالي السرير والأرض.
ملك واقفة قدام المراية.. البنت البندرية الدلوعة اختفت. اللي واقفة دلوقتي "ملكة" بجد. لابسة عباية صعيدية سودا مجسمة عليها تطريز دهبي بيبرز أنو*ثتها الطاغية، شعرها الأسود الطويل مفرود على ضهرها، وعينيها متكحلة بكحل صعيدي أصيل زادها سحر وجمال.
باب الجناح اتفتح براحة. دخل صقر، لابس الجلابية البيضا والعباية، هيبته تملى المكان. أول ما عينه وقعت عليها، خطوته وقفت، وكأن أنفاسه اتسرقت منه. ملامحه القاسية دابت تماماً، واتحولت لعشق صافي بيفضح كل اللي جواه.
قرب منها بخطوات هادية، وقف وراها وبص لانعكاسهم في المراية. ضخم وعريض محاوطها، وهي رقيقة وجبارة في نفس الوقت.
لف إيديه حوالين خصرها بحنية سحبت روحها، ودفن وشه في رقبتها بيستنشق عطرها اللي بقى إدمانه الوحيد.
صقر بهمس رجولي دافي بيدوب القلوب: "إكده كتير على جلب الصقر يا بت الهواري.. إنتي حالفة تجنيني بيكي كل ليلة؟"
ملك ابتسمت بخجل، ولفت في حضنه عشان تبصله، ورفعت إيديها حوطت رقبته: "أنا مبقتش بت البندر خلاص؟"
صقر بص لعيونها بعشق مجنون، ومسح على خدها برقة: "إنتي زينة بنات الدنيا كلها. البندرية اللي جت عشان تجص جناحاتي، خلتني أطير بيها في السما. إنتي عوض ربنا ليا عن جدي، وعن كل وجع شوفته. إنتي مش بس مرتي يا ملك.. إنتي وتيني."
ملك قلبها دق بسرعة لدرجة إنها حست إنه هيسمعه. الدموع لمعت في عينيها بس دي دموع الفرحة والسند الحقيقي.
ملك بصوت مليان حنان وحب: "وإنت سندي.. إنت الجبل اللي اتحاميت فيه من غدر أقرب الناس ليا. يوم ما شوفتك في الشارع وقولت عليك همجي.. مكنتش أعرف إني بشوف الراجل اللي هيخطف قلبي ويحسسني بالأمان اللي عمري ما عرفته. أنا بعشقك يا صقر.. بعشق جبروتك وحنيتك اللي محدش يعرفها غيري."
صقر مقدرش يتحمل يسمع اعترافها ده ويفضل ثابت. شالها من على الأرض فجأة بين إيديه زي الريشة، وهي ضحكت بصوت رنان ودفنت وشها في صدره العريض.
مشي بيها ناحية السرير المتزين بالورد، ونزلها براحة كأنها حتة ألماظ خايف عليها تتكسر.
بصلها بنظرة كلها ر*غبة وعشق ما بينتهيش، وهمس بكلمات دابت في هدوء الليل
صقر: "النهارده بس.. هعاقبك على لسانك الطويل بتاع أول يوم.. بس عقاب الهوارة.. مختلف شوية."
ملك بضحكة خبيثة ودلع: "أنا مبخافش من الصقور على فكرة."
صقر وهو بيقرب منها أكتر وتلتحم أنفاسهم:"هنشوف يا مجننة الصقر.. هنشوف."
(وسكتت الكلمات، لتتحدث لغة القلوب والعشق الذي ولد من رحم النار والدماء، ليثبت أن الحب الحقيقي هو الذي يصمد أمام العواصف، وأن العناد ما هو إلا بداية لعشق لا ينتهي).