رواية في حمى البدر الجزء الرابع 4 بقلم ليلة في حمى البدررواية في حمى البدر الحلقة الرابعة أفاق بدر من شروده، وأبعد يده سريعاً عنها وهربت عيناه إلى مكان آخر بالغرفة، محاولاً استعادة وقاره المفاجئ. لاحظت هي ارتباكه، فعدلت وقفتها سريعاً وتحدثت بهدوء مصطنع وهي تحاول التقاط أنفاسها: ”أنا.. أنا آسفة.” ”ولا يهمك.” أجابها بدر بنفس نبرتها الهادئة الحذرة، ثم أخذ الأشياء الطبية منها بجمود وخرج من غرفتها.
بمجرد أن أغلق باب غرفته، ترك الحقيبة الطبية سريعاً من يده، وسمح لنفسه أخيراً بإخراج أنفاسه العالية المحبوسة، وجعل يتحرك في الغرفة إياباً وذهاباً وهو يحدث نفسه بإنكار: ”إيه يا بدر؟! زي ما تكون أول مرة تشوف وحدة ست ف حياتك! حاول تهدئة أنفاسه المتسارعة، وتوجه لحمامه ليأخذ حماماً دافئاً علّه يطرد طيفها من عقله، ثم خلد للنوم. أما هي، فجلست على أرضية غرفتها، توبخ نفسها بصوت منخفض غاضب:
”ده أنتِ.. ده أنا هديكي ميت قلم على وشك دلوقتي! أنتِ فاكرة نفسك في مسلسل هندي ولا إيه؟! هيقول عليكي إيه دلوقتي هو؟! ظلت تجلد في ذاتها وتأنب عقلها حتى غلبها التعب والإرهاق الشديد، فتوجهت إلى سريرها ونامت من فورها. في الصباح.. أزعجها صوت صاخب وعالٍ يأتي من الخارج، انتفضت من على سريرها بفزع، وتوجهت إلى الأسفل لترى ماذا يجري في الدوار. كان أغلب رجال ونساء القرية واقفين أمام البوابة الكبيرة،
يلوحون بأيديهم ويهتفون بصوت عالٍ وغاضب، لقطت ليالي وسط الضجيج بعض الكلمات المفهومة: ”كيف بدر يعمل أكده؟! “أكيد هي السبب.. ده لؤم القهراوية وعمايلهم! “بدر بيه عمره ما طلع منه العيبة واصل! “دي غازية متنكرة في زي دكتورة! “إخص على البنات.. كيف تعمل أكده بس؟! “دي لازم تمشي من البلد حالاً!
انكمش حاجباها بعنف وضيق بعدما سمعت هذه الكلمات القاسية التي تطعن في شرفها. في تلك اللحظة، رأت الحاجة آمنة وحورية ودهب يتقدمون منها باستغراب وقلق، وأردفت آمنة بحيرة وخوف: ”هو فيه إيه على الصبح؟! نظرت لها ليالي بصدمة ولم يتحرك لها جفن، وفجأة ساد الصمت لثوانٍ عندما دوي صوت بدر العالي والجهوري وهو يتقدم نحو البوابة بغضب: ”ف الساحة هنه فيه إيه؟! حد يعمل اللي بتعملوه ده ع الصبح ف دواري؟! أجابه أحد رجال القرية بحدة:
”مش هنهدي يا كبير غير أما تطلع الغازية دي من دوارك، يا إما تتنازل عن منصبك.. إحنا منتشرفش إنك تكون كبيرنا وأنت كاسر الأصول! نظر له بدر بصدمة وغضب أعمى: ”غازية إيه؟! أنت بتقول إيه! تقدم شخص آخر ورفع ورقة أمامه بقوة، وكانت الصدمة.. صورة له هو وليالي في غرفتها بالأمس عندما وقعت في حضنه، لم تكن الصورة توضح أي تفاصيل سوى أنهما يبدوان كعاشقين لا أكثر!
التقطها منه بدر بسرعة والشرر يتطاير من عينيه، ثم رفع أعينه على الجميع ليجد أن كل الساحة معهم نفس الورقة وينظرون إليه بنظرات اتهام منتظرين إجابته، بينما بدأت تسمع بعض الهمهمات النسائية السامة من الخلف: “دي عاوزه الجتل وغسل العار! “كيف آمنة توافق على حاجة ماسخة زي أكده ف دارها؟! “المفروض نطلعوها بفضيحة تجرسها ف البلاد!
ضغطت يد بدر على الورقة بعصبية مفرطة حتى كادت تمزقها، والتفت بنظره لـ ليالي التي كانت تقف خلفه مباشرة، تبدو تائهة ومصدومة، تنظر إليهم بأعين دامعة ومكسورة من هول التهمة. أرجع بصره للجمهور وتحدث بهدوء غريب وثقة هزت الساحة: ”مش فاهم انتم مضايقين دلوك هو عيب ولا حرام إن الراجل يحضن مرته؟! وقع الكلام على الجميع كالصاعقة، وساد الصمت التام، حتى أمه الست آمنة شهقت بهدوء خافت.
اتسعت عينا ليالي ونظرت إليه غير مصدقة بالذي تفوه به للتو، وكادت أن تتقدم وتنفي كذبتها، ولكن يد حورية سبقتها وأمسكتها من الخلف وهي تهز رأسها باعتراض ورجاء أن تصمت. أكمل بدر حديثه بنفس نبرته الباردة الواثقة: ”ليالي كتبت عليها من أسبوع ف القاهرة، وهي نقلت شغلها هنه من يومين بس عشان تكون جريبه مني، وكنا لسه هنعلن للبلد كلها لما نعمل فرح وزفه الكل يتحاكي ويحكي بيه.. أظن الحديت خلص؟ نطقت إحدى النساء بريبة:
”هي اللي تجولنا الحديت ده بنفسها عشان نصدق! في ثانية، وجه الكل نظراته نحو ليالي، حتى بدر التفت إليها وضيق عينيه بنظرة حاسمة، شعرت من خلالها بأنه يقول لها أنه فعل أقصى ما يمكن يفعله لحمايتها، وأن الدور عليها الآن لتنقذ رقبتها. ضغطت حورية على يديها بهدوء تشجعها بأن تنطق. ابتلعت ليالي ريقها المر، وحاولت إخراج نبرتها العادية المتماسكة:
”أيوه.. أنا وبدر كاتبين كتابنا بس ولسه معملناش فرح، وأنا اللي قولتله ميعلنش للناس دلوقتي.” نطقت دهب باندفاع وغيظ أعمى وسط الحاضرين: ”كيف يعني؟! وإنتوا بتخبوا على البلد خبيتوا عننا إحنا أهل البيت وجرايبكم؟! كيف يدخل عقلنا ده؟! نظر لها بدر نظرة مميتة أخرستها، لكنها لم تهتم، فهي تشعر بأن أحلامها في الفوز بقلبه تنهار أمام عينيها الآن. هنا، نطقت حورية بصوت عالٍ محاولة الدفاع عن أخيها وحسم الموقف:
”لا يا دهب.. بدر مخباش عني ولا عن ماما، إحنا كنا عارفين بالحكاية من الأول وموافقين! ردت دهب بسخرية وغل: ”عارفين؟! ويا ترى كتب عليها جبل ما يتصاب ولا بعد ما دخل المستشفى يا بت عمي؟! نطق بدر ببرود قاتل: ”جبل يا دهب.. وأني اللي صممت إن اروح عندها المستوصف هنه ومروحش مستوصف المدينة الكبير، عشان خابر إن مرتي هي اللي هتعالجني وتصون جرحي.”
مع كلماته الحاسمة، بدأت الجموع تهدأ وتتراجع، وبعض الرجال بدأوا ينسحبون بهدوء بعدما تقدموا واعتذروا لبدر على سوء الفهم. تحول نظر بدر ببطء نحو النساء، وتحديداً المرأة التي صرخت منذ قليل وقالت “دي عاوزة الجتل” ونطق بنفس نبرته الباردة المخيفة: ”اطلعي حبي على راسها.. واعتذري ليها قدام الكل.” تقدمت المرأة بخطوات بطيئة وخجل شديد من ليالي، واحتضنتها بحرج: ”أني آسفة يا بنيتي.. حقك علينا.”
رغم أن ليالي أعجبها موقف هيبة بدر وحمايته لها بداخلها، إلا أن الغضب والضيق كانا يتملكان منها أكثر بسببه وبسبب هذه الورطة. خلا الدوار تماماً من الناس، وأغلق بدر البوابة الحديدية الضخمة وتنهد بتعب، ثم وجه نظره الحاد نحو دهب التي كانت تقف تنظر لـ ليالي بغيظ واضح وحقد دفين، أما ليالي فكانت تنظر له بعينين تشتعلان غضباً. اقترب بدر من ليالي ووقف بجانبها كحائط صد، ووجه نظره ونبرته المخيفة لدهب:
”من اليوم ورايح.. اللي يمس ليالي بكلمة أو حتى يبص ليها بَصة متعجبهاش، هيكون حسابه معايا أنا.. ومش هيهمني ساعتها إذا كان اللي غلط ده جريب أو غريب! تنفست دهب بغيظ كاد يخنقها، والتفتت وذهبت سريعاً للأعلى متوجهة لغرفتها وهي تخبط بقدميها الأرض. كانت تتابعها ليالي بأعينها حتى اختفى ظلها تماماً، ثم وجهت نظرها لبدر بحدة: ”أنت جيت تطلعني من مصيبة.. دخلتني في مصيبة أكبر! جواز إيه وكتب كتاب إيه اللي ألفته ده؟!
أنت وعيت للي قولته؟! ”كان عندك حل تاني للناس اللي واجفة برة دي؟! قاطعتهم الحاجة آمنة بوقار وهدوء وهي تقترب منهما: ”اللي عمله بدر هو الصوح يا بنيتي.. الناس مكنتش هتسيبك في حالك واصل وتنهش ف سيرتك، مع إني لحد دلوك مش فاهمة برضك كنتِ عتعملي إيه ف حضنه يا بنيتي؟ نزلت الكلمة كالجمر على وجه ليالي فقالت مدافعة عن نفسها: “أنا وقتها رجلي اتلوت ووقعت غصب عني، وبعدت بسرعة عنه والله!
لم تبدُ آمنة مقتنعة تماماً بالحجة، لكنها هزت رأسها بتفهم للأمر الواقع، ثم أردفت بجدية: ”البلد دلوك عتستني الفرح والزفة بفارغ الصبر يا ولدي.” ”طب ما أنا هعمله فعلاً.” نطق بدر بحزم وثبات وهو ينظر لـ ليالي التي تجمدت مكانها، وتابع: ”جهزي نفسك.. أسبوع بالظبط وهكتب عليكي رسمي، وبعد أربع أشهر أو تلاتة تمشي من هنه وكل واحد يروح لحاله.” لم تستوعب ليالي كلامه، ونظرت له بصدمة ذهول: ”هتكتب إيه؟! أنت اتجننت؟!
أنا عندي أهل وقرايب في القاهرة، أنا مش مقطوعة من شجرة عشان تقرر وتجوزني لنفسك كده! ”وأنا مستعد أكلم أهلك وأجابلهم بنفسي.” ”وهتقولهم إيه بقى إن شاء الله؟! معلش والله أصل بنتكم اتصورت في حضني وللأسف المفروض اتجوزها عشان نداري على الفضيحة بالصعيد؟! ”لاه.. هقولهم إني وقعت في حبك! كانت الكلمات تخرج من داخله بشيء من الصدق والنبرة الدافئة التي هزت ثباتها لثوانٍ! نظرت له هي بحيرة وتلعثم، حتى تحدثت حورية مقنعة إياها:
”وافقي يا ليالي.. وافقي عشان تقدري تعيشي هنه ف أمان وتكملي حياتك المهنية ف المستوصف.. وافقي عشان سمعتك .” ”بس في الآخر هكون مُطلقة! نطق بدر بخشونة: “أحسن بكتير من مفضوحة وسيرتها ع اللسان! نظرت له بكراهية وضيق، ثم تحركت وتحدثت بقلة حيلة: ”سيبوني أفكر! قاطعها بدر بصرامة: “معندناش وقت للفكير.. هاتي رقم والدك دلوك.” ”أنا اللي همهدلهم الموضوع الأول.” قالتها وذهبت مسرعة لغرفتها وهي تتنفس بسرعة وتحدث نفسها بذهول:
”يا عيني عليكي يا ليالي.. بقيتي عروسة في يوم وليلة بسبب وقعة غبية! عروسة من غير أهلك ومن غير فستان حتى! ياما نفسي أشوف ابن المؤذية اللي صابك يا بدر وخلاك تيجي المستشفى من الأول.. ده أنا هشرب من دمه!
تواصلت فوراً مع صديقتها المقربة شمس وأخبرتها بكل ما حدث، ولم تخلُ المكالمة من شهقات شمس المتتالية بصدمة وذهول مما تسمع. بعدها، أخذت نفساً عميقاً وتواصلت مع والدها، وأخبرته عن أحوالها وعن جزء من إصابة بدر واضطرارها للذهاب معه في البيت لحمايته غصباً عنها، حتى وصلت للموضوع الأساسي.. ”بابا..” نطقتها بتردد وتوجس، فأتى صوت والدها الحنون والمطمئن عبر الهاتف: ”يا عيون بابا.. سامعك يا حبيبتي.” ابتسمت ليالي بامتنان، ثم
أكملت بهدوء ومحاولة تماسك: ”بدر.. عاوز يتواصل معاك ويقابلك.” ”ليه يا حبيبة بابا؟ فيه حاجة؟ لم تنطق ليالي بحرف وعجز لسانها عن الشرح، فأتى صمتها ليفهمه والدها الذكي، وابتسم بهدوء مكملاً: ”بس مش ده بدري شوية يا ليالي؟ لم تجبه ليالي وأغلقت عيناها بندم وأسف داخلي، ليردف الأب الحنون مجدداً: ”على العموم يا حبيبتي خليه يجيلي هنا القاهرة ونتكلم سوا، ولو فيه خير ليكي ربنا يسهل الأمور ويقدم اللي فيه الصالح.”
ابتسمت في سرها على طيبة والدها وحبه الجارف لها وتفهمه الدائم؛ فقد توفت والدتها منذ أن كانت صغيرة، فتولى هو تربيتها هي وأخوها الذي أصبح في سن الخامسة والعشرين الآن، كان لهما الأب والأم معاً ولم يقصر معهما في شيء طوال حياته. خرجت من غرفتها وتقدمت من غرفة بدر وهي تسحب نفساً بهدوء لتستجمع شجاعتها، طرق الباب بخفة فأتاها صوته الرخيم من الداخل: ”اتفضل.” تقدمت منه وتكلمت بهدوء شديد عكس العاصفة والاضطراب الذي يملأ جوفها:
”بابا عاوزك تروح تقابله في القاهرة.. ومستنيك.” نظر لها بدر بعمق، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وواثقة: ”موافق.” …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!