رواية في حمى البدر الجزء الثالث 3 بقلم ليلة في حمى البدررواية في حمى البدر الحلقة الثالثة لم يكن بدر في كامل وعيه عندما نطقها بنبرة عميقة أزاحت وقاره لثوانٍ، أما هي فرمشت بعدة مرات متتالية، تحاول استيعاب ما قاله. تنحنحت بحرج، وقالت بنبرة حاولتها جادة: “يعني.. ربنا يسترك والله! عقد بدر حاجبيه باستغراب وضيق من ردها البدائي: “الله يسترني؟! ”أيوة.. واسترلي نفسك أنت كمان والبس هدومك دي!
قالتها بسرعة مفرطة وخطت بجسدها تفر من الغرفة هرباً من حصار عينيه. بمجرد أن خرجت للممر، واجهت دهب الواقفة أمامها، فنظرت إليها دهب بتفحص ونظرات شك لم تعجب ليالي. سألتها دهب بجفاء: “هو إيه اللي بيجري هنه؟ ”إيه اللي بيحصل؟! ” سألت ليالي بتوتر حاولت إخفاءه. ”كنت نايمة وصحيت على حس خبط ورزع وضرب نار مين جتل مين؟! رفعت ليالي حاجبها بذهول: “يا ما شاء الله! أنتِ لسه فاكرة تسألي؟!
ولا أنتوا من كُتر ما بتضربوا نار في البلد بقى صوته زي صوت حماقي ونانسي بالنسبالكم؟! نظرت لها دهب باستغراب وضيق، ثم اقتربت منها بهدوء وضعت يدها في خصرها وضيقت عينيها بنظرة تهديد صريحة: “بدر خط أحمر يا دكتورة.. ده ولد عمي وجوزي بإذن الله مستقبلياً، لو لمحتك عتعملي شغل القهراوية وتتمايعي هنه.. مش عيحصلك طيب ، سامعة؟ اتسعت عينا ليالي بصدمة من جرأتها: “هو أنتِ فاكرة إن بدر ده ممكن أفكر فيه؟!
ده لو آخر راجل في الدنيا والملجأ الوحيد من انقراض البشرية مش هبص له برضه.. جاتكم نيلة،وسعي كده من قدامي! قالتها بقوة ودفعتها بكتفها وذهبت لغرفتها الحالية، لتجدها خالية تماماً من مهران وفهد ورجاله بعد أن تم نقل المصاب للمندرة السفلية. جلست على السرير محاولة بكل الطرق مسح تلك الجملة من عقلها: (عينك حلوة يا دكتورة) رددتها في نفسها عدة مرات، ولم تشعر إلا بابتسامة غبية ترتسم على شفتيها. انتفضت ليالي فجأة وتعنّف
نفسها بعنف: “آه يا مهزأة! .. عمالة تقولي بدر ده لو آخر راجل مش هفكر فيه وقاعدة تعيدي في كلامه وتبتسمي زي الهبلة؟! فوقي يا ماما فوقي.” تمددت على السرير وفردت جسدها بالتعب، وتحدثت بحيرة: “بس غريبة.. مش حاسة بخوف إن حد يتهجم عليا تاني زي أول ليلة، عشان موجود جمبي وهيلحقني ولا إيه؟ أغلقت عيناها بقوة وسحبت نفساً طويلاً محاولة استجداء النوم. أما عند بدر..
كان واقفاً في شرفة غرفته في عتمة الفجر، ينفث سيجارته بهدوء يحسد عليه، على عكس العاصفة الهوجاء التي تضرب صدره. كلما أغمض عينيه، يتذكر وجه ليالي القريب منه.. شرد في لون عينيها وتفاصيل وجهها العنيد التي جذبته منذ اللحظة الأولى. نفض رماد سيجارته وتمتم بخشونة محدثاً نفسه: “لاه يا بدر.. اللي أنت بتفكر فيه ده مش توبك، ومش هينفع يبقي بتاعك..”
أجبر عقله على العودة لهدفه الأساسي؛ “بيت غريب”، وتحديداً غريب نفسه الذي تجرأ على حرمة بيته. في الصباح.. نزلت ليالي بملل إلى المندرة الواسعة حيث يجتمع أهل البيت. رأت الحاجة آمنة والدة بدر، ودهب وهند اللتان ما إن رأياها حتى رمياها بنظرات حاقدة، إلا أن فتاة ثالثة كانت تجلس بجوارهما، لم تتعرف عليها ليالي بعد. اقتربت ليالي وقالت بهدوء: “صباح الخير.” ردت الحاجة آمنة بوجه بشوش واحترام:
“صباح النور يا بنيتي.. كيفك وكيف مطرحك انهارده؟ ابتسمت ليالي وجلست بجوارها: “بخير الحمد لله.” ”مرتاحة في دوارنا ولا المستوصف كان أحسن؟ تذكرت ليالي رعب البارحة وقالت بعفوية وسخريه معا: “لا مستوصف إيه! هو أنا كل يوم هيدخل عليا مجرمين يثبتوني؟! لا طبعاً هنا أرحم.” وضعت آمنة يدها على صدرها وشهقت بصدمة: “وه؟! مجرمين كيف يعني وف دوارنا؟! ”أيوة في دواركم وبلكونتي كمان!
بس بدر لحقني الحمد لله.. هو أنتوا إزاي مسمعتوش صوت الرصاصة اللي ضربها بدر؟! تنهدت آمنة بتعب: “يا بنيتي إحنا في الطابق اللي فوقيكم، والمسافات والمساحة كبيرة زي ما إنتِ شايفة.. وكمان إحنا ما صدقنا نمنا لما اطمنا على بدر ولدي! هزت ليالي رأسها بتفهم، ثم التفتت للفتاة الثالثة التي كانت تنظر إليها بفضول وابتسامة: “أنا متعرفتش بيكي؟ اتسعت ابتسامة الفتاة وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال: “أنا حورية.. أخت بدر.”
بادلتها ليالي الابتسامة، ثم حولت نظرها لهند ودهب ببرود: “دهب عرفت إنها بنت عمكم.. وأنتِ يا هند؟ ”ملكيش صالح عاد! نطقتها هند بسخرية ملوية فمها، وضحكت دهب بشماتة. نظرت لهما آمنة بتحذير حازم، فتوقفتا، وأجابت هند بجفاء: “بت عمه برضك.. ودهب خيتي.” رفعت ليالي حاجبها الأيسر بسخرية “آه.. ما أنا قولت برضه، فيكم قلة أدب من بعض! كتمت الحاجة آمنة ابتسامتها بصعوبة، بينما انفجرت حورية ضاحكة، ونظرت دهب لزوجة عمها بغضب:
“إنتِ عتضحكي يا مرت عمي؟! ده بدل ما تقولي لها تحترم نفسها وتعرف هي عتتكلم مع مين ف دوارنا؟! في هذه اللحظة، اقتحمت رائحة عطر رجالي قوي ومميز المكان، معلنة عن وصول “الكبير”. نزل بدر من على السلم بخطوات ثابتة وواثقة، ووزع نظراته الحادة على الجميع، حتى استقرت عيناه على ليالي وتفحص هيئتها.
كانت ترتدي بيجامة بيت سوداء فضفاضة تعكس بياض بشرتها، ورابطة شعرها البني بإهمال لتتساقط بعض الخصلات على وجهها النقي.. ورغم خلو وجهها من أي مساحيق تجميل عكس دهب وهند، إلا أنها كانت تبدو أجمل منهما بمراحل في عينيه. حمحم بدر ليشتت صمته وتقدم من والدته: “صباح الخير يا أمي.” ابتسمت له آمنة بحنان: “صباح العسل يا ولدي.. يلا بينا على السُفرة جهزتلك الفطور بنفسي.”
تحرك الجميع نحو السُفرة، وجلس بدر على رأسها، وعن يمينه أمه وحورية وليالي، وعن يساره دهب وهند. بدأ بدر يضع السكر في الشاي، وسأل بنبرة جافة: “عمي فين يا دهب؟ نظرت له دهب سريعاً بابتسامة متلهفة: “خرج من بدري هو وفهد.. وأمي راحت الـ..” قاطعها بدر ببرود أطاح بلهفتها: “متكتريش ف الحديت.” أنزلت عينيها بإحراج شديد، ولم تستطع ليالي كتم ابتسامة شماتة واضحة، لاحظها بدر فوراً، فالتفت إليها وقال:
“وإنتِ يا دكتورة.. معديتيش عليا ليه الصبح عشان تطمني على جرحي؟ مش ده شغلك برضه؟ ردت ليالي وهي تمضغ طعامها ببرود: “ما أنت صحتك بومب وأحسن مني اهو وعمال تقصف في جبهات.. عاوز إيه تاني؟ ضحكت حورية على طريقتها، لكن نظرة حادة من بدر ألجمتها، وتابع هو وهو ينظر لليالي: “وإنتِ هنه عشان تهتمي بيا وبصحتي.” انحنت ليالي وهمست بصوت منخفض جداً لم تسمعه سوى حورية بجانبها:
“لو كنت أعرف إني هقابلك وأشوف وشك مكنتش عديت من سنة أولى طب أصلاً! كتمت حورية ضحكتها بصعوبة، بينما ضيق بدر عينيه وقال: “سمعيني همساتك يا دكتورة؟ نظرت له ليالي بابتسامة مستفزة بريئة: “أكيد طبعاً بقولهم أنا هنا عشان راحتك وأوامرك.. أومال إيه؟ تجاهلها بدر وأنهى إفطاره سريعاً وخرج لمتابعة أعماله وعماله في الأراضي. ذهبت ليالي لغرفتها وتبعتها حورية التي استأذنت بلطف: “ممكن أقعد معاكي؟ “أكيد طبعاً، تنوري.”
جلست حورية معها في الشرفة، وقالت بمرح: “على فكرة أنا أول ما شوفتك حسيتك طيبة ودمك خفيف.. والنهاردة اتأكدت! ابتسمت لها ليالي، ولاحظت شيئاً: “هو أنتِ ليه مش بتتكلمي صعيدي زيهم كده؟ ضحكت حورية: “عشان أنا جامعتي في القاهرة وبقضي أغلب وقتي هناك فـ اتعودت على لهجة القهراوية! هزت ليالي رأسها بتفهم: “يعني أنتِ أصغر من بدر بقا؟
”أيوة.. بدر ده أخويا وأبويا وأمي في نفس الوقت.. بحبه جداً وهو عمره ما زعلني، حتى لما ماما رفضت أكمل تعليمي في مصر، هو وقف قصادهم وقال سيبوها تكمل حاجة هي عاوزاها لو عكس عاداتنا.. عشان كده دهب هتموت عليه ومستعدة تعمل أي حاجة عشان بس يديلها نظرة.. بس هو مش في دماغه خالص.” سألت ليالي بفضول غير مقصود: “آه.. طب وهي ليه مش في دماغه؟
”عشان ببساطة مش ذوقه.. بدر ميحبش البنات المتلونة من بره ومن جوه.. وكمان هو عارف إنها هتموت عليه، فـ الحاجة السهلة مش بتشغل باله! ابتسمت ليالي ونظرت للحراس بالأسفل، وقضت بقية اليوم في ضحك وحكايات مع حورية. في المساء.. عاد بدر وبصحبته عمه عدنان، وجلسوا على السفرة يتناولون العشاء ويتحدثون في مصالحهم بجدية، حتى انتهى اليوم وصعد كل شخص لغرفته مستعداً لنوم عميق. في غرفته..
كان بدر يخلع جلبابه، ولاحظ بقعة دم صغيرة بدأت تتشرب في الشاش مكان الجرح . تحسسه ببطء فـ انكمشت حاجباه بألم. تناول علبة الإسعافات الأولية، وخرج متوجهاً لغرفة ليالي.. طرق الباب بأصول، وعندما سمحت له بالدخول، دلف وجلس على طرف سريرها ومد يده بالعلبة: “اتفضلي.. شوفي شغلك اللي أهملتيه.” نظرت له ليالي بغيظ واضح وأخذت العلبة بعنف من يده: “لو مش عاجبك شغلي مشيني.. مشيني ياخويا! ارتسمت على شفتيه ابتسامة مستفزة غامضة،
وقال بصوت منخفض: “لا.. عجباني.” تسمرت ليالي في مكانها، وتوقفت يدها عن الحركة وهي تخرج القطن والمطهر. شعرت بانقباضة مفاجئة في قلبها وضخ دماء سريع بسبب جملته التي ألقاها هكذا دون حساب لقلبها المسكين! حاولت تجاهل دقات قلبها العنيفة، واقتربت منه تمد يدها للجرح.. وفجأة حاصرتها رائحته الرجولية الطاغية الممزوجة بالتبغ وعطره الفاخر. بلعت ريقها وهي تذكر نفسها: (ركزي في الجرح يا ليالي.. ركزي وبلاش هبل)
أما هو.. فكان يتفحص ملامحها بهدوء شديد، يدرس تفاصيل وجهها القريب منه، لم يعد يهمه ألم الجرح بقدر ما شغلته خصلات شعرها البنية وعيناها اللتان تتحركان بتركيز شديد فوق جسده. ومن فرط توترها وقربها منه، لوت ليالي قدمها تحتها دون قصد، لتختل حركتها وتهوي بجسدها بالكامل بشهقة رعب.. لتجد نفسها في أحضان بدر! تلاقت أعينهما في مسافة انعدمت فيها الأنفاس، وكان بدر قد طوق خصرها تلقائياً بيده ليسندها ويتحكم في وقوعها..
انتفض جسد بدر بالكامل عندما مست يده خصرها وهي مستسلمة في حضنه.. موقف لم يمر به طوال حياته الواقرة، وشعر بشيء غريب يجتاح حصونه شيء يشبه الإعجاب بهيئتها وهي مستكينة بين يديه. ولم يكن الاثنان يعلمان.. أنه خلف زجاج النافذة في الظلام الشديد.. كان هناك ظل أسود يراقب المشهد بصمت قاتل، يرفع كاميرا هاتفه ويبتسم بخبث ممزوج بشر وهو يلتقط لهما عدة صور في هذا الوضع.. …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!