رواية أربعيني في أحضان مراهقة الجزء السادس 6 بقلم رحاب القاضي أربعيني في أحضان مراهقةرواية أربعيني في أحضان مراهقة الحلقة السادسة “إنتقام” ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ”هناك دائماً تلك اللحظة الفاصلة في حياتنا، لحظة نقف فيها على حافة الهاوية، فإما أن نغفر ونعيش، أو ننتقم ونحترق.”
_دلفت شادية إلى داخل المنزل بخطوات سريعة، وعيناها تدوران في أنحاء المنزل بقلقٍ واضح، وكان مراد يقف أمامها وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة خبيثة لم تستطع هي تفسيرها، فتقدمت نحوه وهي تقول بتوتر… شادية إسلام هنا يا مراد ولا فين، أنا بكلمه من امبارح وتليفونه مقفول، وسكرتيرته قالتلي مختفي وما حدش عارف عنه حاجة، قولت ممكن يكون هنا او انتو تعرفو عنه حاجه.. _ابتسم مراد ابتسامة ساخرة، ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال وهو ببرود… مراد
يعني إنتي جاية البيت في الوقت ده ومش عارفة إنه هنا يا طنط شادية، اطمني إسلام موجود جوه مع… _وقبل أن يُكمل حديثه، انفتح باب غرفة إسلام بعنف، وخرج إسلام بخطوات سريعة، وكانت ملامحه قلقه بشدة، والقلق يملأ عينيه بعد أن ترك لينا داخل الغرفة، لكنه ما إن لمح شادية حتى تبدلت ملامحه إلى غضبٍ حاد، وتوقف مكانه وهو ينظر إليها بحدة وقال… إسلام إنتي بتعملي إيه هنا.
_تقدمت نحوه بخطوات مترددة وهي تحاول أن تبتسم رغم اضطرابها من تغيره المفاجپ وقالت…. شادية عرفت من الامن تحت انك هنا، ولما لقيتك مختفي ومش بترد عليا ولا بتيجي البيت خفت يكون حصلك حاجة، قولت أجي أطمن عليك بنفسي. _نظر إليها ببرودٍ شديد، ثم قال دون أي محاولة لإخفاء ضيقه… إسلام وأهو اطمنتي، اتفضلي امشي بقى. _تجمدت في مكانها من طريقته الجافة، ثم قالت باستنكار… شادية يعني إيه أمشي، هو أنا عملتلك إيه عشان تعاملني بالطريقة دي.
_تنهد بضيق شديد، ثم مرر يده فوق وجهه وقال بصوتٍ غاضب… إسلام أنا زهقت يا شادية، زهقت من كل حاجة، ومن العيشة معاكي، ومحتاج أبعد عنك شوية وأرتاح. _اتسعت عيناها بصدمة، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو، ثم قالت بصوتٍ مرتفع امتزج بالغضب… شادية إنت بتكلمني أنا بالطريقة دي يا إسلام، بعد كل السنين دي كلها دلوقتي بقي وجودي تقيل عليك.. نظر إليها بثبات، ثم قال بلهجة حاسمة
هو لما إنتي كنتي محتاجة تبعدي خدتي وقت براحتك وما حدش كلمك، يبقى أنا كمان من حقي آخد وقت أرتاح فيه منك ومن العيشة اللي بقت خانقاني معاكي. _في تلك اللحظة خرجت وفاء من غرفتها بعدما وصلتها الأصوات المرتفعة، وما إن رأت شادية حتى اشتعل الغضب داخلها، واتجهت لتقف بجوار ابنها وهي تقول باستهجان… وفاء تسلم يا ابني، هي لسه ليها عين تدخل البيت بعد كل اللي عملته.
_أغمض إسلام عينيه للحظة، ثم مال نحو والدته وقال بصوتٍ منخفض حتى لا تسمعه شادية… إسلام لو سمحتي يا أمي ادخلي عند لينا بسرعة، هي تعبانة ومحتاجة حد يكون جنبها. _اختفت ملامح الغضب من وجه وفاء في لحظة، وحل محلها القلق، فأسرعت نحو الغرفة دون أن تسأل عن شيء، بينما أعاد إسلام نظره إلى شادية وقال بجمود… إسلام أنا مش فاضي لأي نقاش دلوقتي، اتفضلي امشي. رفعت شادية رأسها بكبرياء وقالت
أنا مش هتحرك غير وإنت معايا، ولو رفضت هروح بيت أهلي، وساعتها الموضوع كله هيكبر ومش هيعجبك اللي هيحصل. ضحك إسلام بسخريه، ثم قال بانفعال اعملي اللي إنتي عايزاه، روحي لأهلك، روحي للدنيا كلها، اعملي اللي يريحك، في ستين داهية يا شااديه.
_ارتعشت شفتاها، وامتلأت عيناها بالدموع، وظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة، تنتظر أن يتراجع أو يلين، لكنه لم يتحرك من مكانه، ولم تتغير ملامحه، فأدركت أن وجودها لم يعد يعني له شيئًا، فاستدارت ببطء وغادرت المنزل وهي تحاول أن تخفي بكاءها. _وظل إسلام يتابعها بعينيه حتى اختفت تمامًا، ثم استدار فجأة نحو مراد الذي كان يقف يراقب كل ما حدث في صمت، وصاح فيه بعصبية… إسلام
إنت واقف متنح ليه، روح بسرعة على المستشفى اللي جنبنا وهات دكتورة، لينا تعبانة. _انتفض مراد بفزع، واتسعت عيناه وهو يقترب منه بسرعة وقال… مراد مالها لينا، إنت عملت فيها إيه؟ _وجاء ليدلف داخل غرفتها، ولكن دفعه إسلام بقوة من كتفه وهو يقول بحدة… إسلام غور يا مراد ونفذ اللي قولتلك عليه، مش وقت أسئلتك دي.
_لم يجادله مراد هذه المرة، فقد بدا الذعر واضحًا على وجه أخيه لأول مرة، فاندفع خارج المنزل بأقصى سرعة، واتجه نحو المستشفى القريبة منهم. _أما إسلام فاستدار مسرعًا، ودخل إلى غرفته، ليجد والدته تجلس بجوار لينا، وتحاول إفاقتها، وكانت تمرر زجاجة العطر أمام أنفها بين الحين والآخر، بينما بدأت لينا تستعيد وعيها ببطء شديد، وأنفاسها ما زالت مضطربة. رفعت وفاء رأسها فور دخوله وقالت بقلق
تلاقيها تعبت من قلة الأكل، البنت من ساعة ما دخلت البيت وهي رافضة تاكل حتى لقمة واحدة، وكل ما نقرب منها تبعد وتقول ما نفسهاش في حاجة. _تنهد إسلام بضيق، ثم اقترب منهما وهو يقول بعتاب… إسلام يا أمي مش قولتلك تخلي بالك منها، ينفع تفضل كل ده من غير أكل وهي بالحالة دي. نظرت إليه وفاء بحزن وقالت
والله يا ابني اتحايلت عليها أنا وعصمت، وعملنالها كل اللي نفسها فيه، وقعدنا نترجاها تاكل أي حاجة، وكانت بترفض وبتعيط، أعملها إيه أكتر من كده، بس أوعدك إني مش هسيبها لدماغها تاني. _اقترب إسلام من السرير ببطء، ثم جلس على طرفه، وكانت لينا قد فتحت عينيها قليلًا، لكنها بدت مرهقة للغاية، فمال نحوها، وأبعد خصلة صغيرة من شعرها برفق، وقال بصوتٍ هادئ امتلأ بحنانٍ صادق… إسلام
هتبقي كويسة يا لينا، متخافيش، الدكتورة جاية حالًا، ومش هيحصل لك حاجة. _حركت عينيها إليه بصعوبة، ثم أغمضتهما مرة أخرى دون أن تنطق، بينما بقي هو ينظر إليها وعجزٌ ثقيل يخنق صدره، قطعت وفاء الصمت وهي تنظر إلى ابنها بتردد وقالت… وفاء إنت قولت لشادية إنك متجوز وإن مراتك حامل، ولا لسه مخبي عليها الحقيقة. _أطرق إسلام برأسه، وزفر بضيق شديد، ثم قال بصوتٍ مرهق… إسلام
مش وقته يا أمي، والله العظيم مش وقته خالص، مش ناقص دلوقتي مشاكل جديدة، خليني أطمن على لينا الأول، وبعدها هتصرف مع شادية وأقولها كل حاجة بنفسي ما بقتش تفرق معايا، انا رزحت للدكتور اللي قالي اني نا بخلفش وعرفت منه بالطريقه ان الهانم كانت بتضحك عليا بجد ومغفلاني.
_نظرت إليه وفاء طويلًا، ثم أعادت بصرها إلى لينا، بينما خيم الصمت على الغرفة، ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس لينا المتقطعة، وصوت دقات قلب إسلام التي كانت تزداد قلقًا مع كل ثانية تمر في انتظار وصول الطبيبة.
_وبعد قليل جاءت الطبيبه، وساد الصمت أرجاء المنزل بعدما دخلت الطبيبة إلى غرفة لينا، بينما وقف إسلام أمام باب الغرفة وكانت يداه معقودتين بقوة خلف ظهره، وفكاه مشدودين، وعيناه لا تفارقان مقبض الباب، وكأنه يتمنى أن ينفتح في أي لحظة ليطمئن قلبه الذي لم يعرف الراحة منذ سقطت لينا أمام عينيه.
_أما مراد فكان يجلس فوق الأريكة، لكنه لم يستطع الثبات في مكانه، يحرك ساقه بعصبية، ويرفع بصره إلى باب الغرفة كل عدة ثوانٍ، بينما جلس أدهم بجواره بعدما عاد لتوه من عمله، وقد فوجئ بما حدث فور دخوله المنزل، ونظر أدهم إلى شقيقه الأكبر، ثم قال بهدوء وهو يحاول تهدئته… أدهم ما تقلقش عليها يا إسلام، إن شاء الله خير، تلاقيها زي ما ماما قالت من ساعة ما جت وهي ما كلتش كويس، وجسمها ضعف من التعب والخضة، وربنا هيقومها بالسلامة.
_لكن إسلام لم يلتفت إليه، ولم يرد بكلمة، فقط ظل يحدق في الباب، بينما كان داخله يغلي بصراعٍ لم يشعر به أحد.
_كان عقله مشتتًا بين خوفه على لينا، وخوفه الأكبر على الجنين الذي أصبح يشعر أنه قطعة منه، وبين عجزه عن مواجهة شادية وإنهاء كل شيء معها، وبين نارٍ أخرى كانت تشتعل داخله كلما تذكر نظرات مراد إلى لينا، واهتمامه الزائد بها، وتساؤل مرير ظل ينهش قلبه، هل يمكن أن تكون لينا ارتاحت لمراد أكثر منه، وهل أصبح أخوه هو مصدر الأمان بالنسبة لها، بينما هو تحول إلى الوحش الذي تخشاه.
_قطع شروده صوت عصمت وهي تقترب منه تحمل فنجان قهوة ساخنًا، ثم وضعته فوق الطاولة الصغيرة بجواره وقالت بحنان… عصمت القهوة يا إسلام بيه، وربنا يطمن قلبك عليها وعلى اللي في بطنها، ويقومها بالسلامة. _هز رأسه دون أن ينظر إليها، وقال بصوتٍ خافت… إسلام تسلمي يا عصمت. _لكنه لم يمد يده إلى الفنجان، فقد كان عاجزًا حتى عن مجرد تذوق اي شئ قبل أن يطمئن عليها
_ومرت دقائق طويلة بدت وكأنها ساعات، حتى انفتح باب الغرفة أخيرًا، وخرجت الطبيبة، وخلفها وفاء التي كانت تبدو شديدة القلق، واندفع إسلام نحو الطبيبة بسرعة، بينما نهض مراد وأدهم في اللحظة نفسها. إسلام خير يا دكتورة، لينا عاملة إيه؟ _ابتسمت الطبيبة ابتسامة مطمئنة، ثم قالت بهدوء… الطبيبة
اطمن، هي دلوقتي أحسن، بس واضح جدًا إنها ضعيفة جدًا، وجسمها مرهق بشكل كبير، والحمل كمان في بدايته ولسه ضعيف، وده محتاج متابعة مستمرة مع دكتور نسا متخصص، وكمان لازم تهتموا بأكلها وتغذيتها، لأنها لو فضلت بالحالة دي هتتعب أكتر. وفاء بقلق يعني ما فيش خطر عليها يا دكتورة. الطبيبة
انا اديتها حقنة مهدأ لان اعصاابها كانت مشدوده وده خلي الضغط يوطي عليها وده مش كويس ليها، والخطر الحقيقي هيبقى لو فضلت رافضة الأكل أو حالتها النفسية فضلت سيئة، الحمل بيتأثر جدًا بالحالة النفسية، ولازم تبقى هادية ومبسوطة على قد ما تقدرو معاها _عقد مراد ذراعيه أمام صدره، ثم قال بنبرة مستفزة وهو ينظر مباشرة إلى إسلام… مراد ولو الحمل فيه خطر عليها، يبقى ينزل أحسن من إنها تضيع هي بسببه.
_تحولت كل الأنظار إليه وإسلام اشتعلت عيناه بغضبٍ مخيف، حتى بدت عروقه بارزة من شدة انفعاله، وكاد يندفع نحوه في اللحظة نفسها، تدخلت الطبيبة سريعًا وهي تقول… الطبيبة لا طبعًا، الموضوع مش بالشكل ده، أنا بقول إنها محتاجة راحة واهتمام وبس، ولو التزمت بالتغذية والمتابعة هتبقى هي والبيبي بخير إن شاء الله، أنا كتبت شوية فيتامينات، ومن بكرة لازم تبدأ متابعة مع دكتور متخصص، وأهم حاجة تبعدوا عنها أي ضغط نفسي. أدهم
أنا هوصل حضرتك بره يا دكتورة. الطبيبة شكرًا يا ابني. _خرج أدهم معها، وما إن اختفى من المكان، حتى استدار إسلام ببطء نحو مراد، وكانت نظراته تنذر بانفجارٍ وشيك، واقترب منه حتى أصبح يقف أمامه مباشرة، ثم قال بصوتٍ منخفض، لكنه مليء بالغضب… إسلام إنت مالك بيها، ومالك بحياتي أصلًا، قولتلك قبل كده وما فهمتش، ما تدخلش تاني بيني وبين مراتي. ابتسم مراد بسخرية مستفزة ثم قال
مراتك… هو إنت هتصدق نفسك بجد، مش مكسوف من نفسك وإنت بتدمر بنت قد عيالك عشان رغبتك وشهوتك. ثم ضحك باستهزاء وأضاف آه صح، عيالك إيه، إنت أصلًا ما عندكش عيال، ما ليكش غير شادية، لأنها الوحيدة اللي شبهك وتستحمل تعيش مع واحد زيك. _شهقت وفاء بصدمه من حديث ابنها الاصغر لشقيقه ثم صاحت فيه وقالت بحده… وفاء مراد، إوعى تكلم أخوك بالطريقة دي، مالكش دعوة بيه ولا بمراته، فاهم ولا لأ.
_لكن إسلام لم يعد يسمع شيئًا، وفي لحظة واحدة، رفع يده وصفع مراد بقوة على وجهه، حتى التفت رأسه من شدة الضربة، ثم صاح فيه بغضب وقال… إسلام لو فكرت تدخل تاني في أي حاجة تخص لينا، أقسم بالله هربيك من أول وجديد يا واطي. _استدار وجه مراد ببطء، وكانت عيناه تشتعلان غضبًا، ثم دفع إسلام بكل قوته حتى تراجع خطوة إلى الخلف، وصاح فيه… مراد ما تمدش إيدك عليا تاني. ابتسم إسلام ابتسامة باردة، وقال
أنا أمدها براحتي، وأعمل اللي أنا عايزه، ده أنا اللي عملتك يالا، ولولا إني كنت بصرف عليك وأربيك بعد موت أبويا، كان زمانك ما تسواش حاجة. _وفي تلك اللحظة عاد أدهم، وما إن رأى شقيقيه على تلك الحالة حتى اندفع بينهما سريعًا، وأبعد مراد للخلف وهو يقول بانفعال… أدهم خلاص بقى، عيب والله، إحنا إخوات، ينفع نبقى واقفين بناكل في بعض بالشكل ده، وقدام امك يا محترم منك ليه
_ظل مراد يحدق في إسلام بنظرات مليئة بالكراهية، بينما أمسك أدهم بذراعه بقوة وقال أدهم تعالى معايا يا مراد، كفاية لحد كده. _تركه مراد يقوده إلى غرفته، لكنه قبل أن يختفي التفت إلى إسلام، ورمقه بنظرة طويلة حملت وعدًا بأن الأمر لم ينته بعد ساد الصمت مجددًا، واقتربت وفاء من ابنها الأكبر، وربتت على كتفه بحزن، ثم قالت… وفاء حقك عليا يا إسلام، أنا عارفة إنه غلطان، بس برضه ما كانش ينفع تمد إيدك عليه، مهما حصل ده أخوك.
_أغمض إسلام عينيه لثوانٍ، ثم قال بجمود وقد بدا الإرهاق واضحًا فوق ملامحه… إسلام تصبحي على خير يا أمي. _ثم استدار دون أن ينتظر ردًا، واتجه نحو غرفته، وفتح الباب بهدوء،وكانت لينا نائمة فوق الفراش، وقد بدت ملامحها شاحبة، وأنفاسها هادئة بعد أن هدأ مفعول الدواء، وقف يتأملها طويلًا، لكن كلمات مراد كانت تتردد داخل رأسه بلا رحمة… “بتدمر بنت قد عيالك عشان رغبتك وشهوتك”
_أطبق على فكيه بقوة، ثم أشاح بوجهه عنها، واتجه إلى الأريكة الموجودة في طرف الغرفة، وجلس فوقها وهو يسند رأسه إلى الخلف، وظل يحدق في سقف الغرفة وقتًا طويلًا، بينما تتصارع داخله مشاعر الذنب، والخوف، والغضب، والغيرة، حتى أثقل الإرهاق جفنيه شيئًا فشيئًا، واستسلم للنوم مكانه، دون أن يشعر، بينما بقيت عيناه قبل أن تغلقا للمرة الأخيرة معلقتين على لينا، وكأن قلبه ظل ساهرًا لا يري غيرها، حتى بعد أن نام جسده. ـــــــــــــــــ
_الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
_في صباح اليوم التالي، كانت أجواء منزل عائلة شادية ساكنة ، إلا أن تلك السكينة كانت تخفي خلفها عاصفةً من التوتر، فقد جلست شادية فوق فراشها، ما زالت ترتدي ملابس الأمس، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء، بينما كانت تحدق في الفراغ بشرود، غير قادرة على استيعاب ما حدث بينها وبين إسلام في الليلة الماضية، كانت تشعر لأول مرة منذ زواجهما أن الأرض تهتز تحت قدميها، وأن الرجل الذي كرست له عمرها كله بدأ يبتعد عنها بالفعل.
_انفتح باب الغرفة بهدوء، ودلفت كوثر صلحبة ال65 عاماً، والقلق كان واضحًا فوق وجهها، اقتربت منها وجلست بجوارها، ثم قالت وهي تنظر إليها بهدوء.. كوثر قوليلي بقى إيه اللي حصل يخلي جوزك يطردك من بيته وش الفجر بالشكل ده، أنا عارفاكي كويس، وإنتي عمرك ما سيبتي بيتك إلا لو حصلت مصيبة لقدر الله _مسحت شادية دموعها سريعًا حتى لا تراها والدتها ضعيفة، ثم أجابت وهي تحاول التظاهر بالهدوء… شادية
ما حصلش حاجة يا ماما، أنا بس اتخنقت شوية وسيبته وجيت، وإسلام أصلًا مسافر ومضغوط في الشغل، أول ما يهدي هرجع. هزت كوثر رأسها بعدم اقتناع، ثم قالت أنا أصلًا كلمت وائل أخوكي من بدري، وقولتله اللي حصل، وهو قالي إنه هييجي يشوف الموضوع بنفسه. _انتفضت شادية من مكانها بعصبية، ونظرت إليها بغضب وقالت… شادية إنتي ليه تعملي كده، ليه تكبري الموضوع، أنا قولتلك مفيش حاجة تستاهل. كوثر
عشان يبقى عندك كرامة يا شادية، وغلي نفسك شوية، أنا عارفاكي من يوم يومك، بتجري وراه جري، ولو طلب عينك تقلعيهاله، ده إنتي كنتي بتيجي علينا احنا اهلك عشان خاطره، وكأن الدنيا كلها واقفة عليه وما فيهاش غيره _ارتجفت شفتا شادية وهي تحاول الدفاع عن نفسها، ثم قالت بصوتٍ اختلط فيه الحب بالضعف… شادية
أيوه وبعمل أكتر من كده كمان، عشان إسلام جوزي، وما لياش غيره في الدنيا، وبعدين هو بيحبني يا ماما، يمكن مضغوط بس، لكن عمره ما استغنى عني. _ضحكت كوثر بسخرية مؤلمة، ثم قالت وهي تنظر إليها بحزن… كوثر
بيحبك إيه يا بنتي، والله لو كانت المشكلة فيكي وإنتي اللي مبتخلفيش، كان زمانه من عشرين سنة رماكي واتجوز غيرك، إنتي اللي ضيعتي شبابك كله عشانه، كان زمان عندك عيال طولك دلوقتي يونسوكي ويشيلوا اسمك، لكن إنتي اخترتي تعيشي عمرك كله مستنية كلمة رضا منه. _اشتعل الغضب داخل شادية، وصاحت بصوتٍ مرتفع… شادية اخرجي بره يا ماما، مش عايزة أسمع الكلام ده، وسيبيني لوحدي، ولا أسيبلك البيت كله وأروح أقعد عند رحمة.
_تنهدت كوثر بحزن، ثم نهضت من مكانها وربتت على كتفها بحنان قبل أن تغادر الغرفة في صمت. _وما إن أُغلق الباب، حتى انفجرت شادية في البكاء من جديد، ومدت يدها نحو هاتفها في اللحظة التي بدأ فيها يرن، نظرت إلى الشاشة، لتجد اسم دينا، فمسحت دموعها سريعًا، ثم ردت بضيق وقالت… شادية أيوه يا دينا، في إيه، إنتي من امبارح بتتصلي بيا، خير. دينا
أنا بكلمك عشان أقولك إن ماليش ذنب في اللي بيحصل، ولينا أصلًا ما تهمنيش، إنتي صاحبتي وحبيبتي، ومستحيل أرضى حد يأذيكي. عقدت شادية حاجبيها باستغراب وقالت أنا مش فاهمة حاجه، مالها لينا بنتك، وإيه دخلها بيا أصلًا؟! _ابتسمت دينا ابتسامة خبيثة لم ترها شادية، ثم قالت بهدوء… دينا إنتي بجد ما تعرفيش إن إسلام جوزك متجوز لينا في السر، وإنها حامل منه كمان.
_توقفت أنفاس شادية للحظة، واتسعت عيناها بصورة مخيفة، بينما شحب وجهها بالكامل، وشعرت وكأن الهاتف أصبح أثقل من أن تحمله يدها، وبدأت دقات قلبها تتسارع بعنف وهمست بعدم تصديق… شادية إنتي… إنتي بتقولي إيه. دينا بقول الحقيقة. هزت شادية رأسها بعنف وهي تقول كدابة، مستحيل، إسلام عمره ما يعمل كده، إنتي بتكدبي عليا. قالت دينا بنبرة واثقة
خلينا نتقابل، وأنا هقولك كل حاجة بالتفصيل، إسلام بنفسه قابلني امبارح، وقالّي كل اللي بينه وبين لينا، وأنا قولت لازم تعرفي الحقيقة، عشان محدش يضحك عليكي. _ارتجف جسد شادية بالكامل، وشعرت بأن السر الذي أخفته طوال سنوات زواجها بدأ ينهار أمامها، وأن حياتها التي بنتها حول إسلام توشك أن تتحطم في لحظة واحدة، لكنها رفضت التصديق، وصرخت بانفعال… شادية
إنتي عايزاني آخد حقي من بنتك، إنتو بتعملوا فيا كده ليه، إزاي ترموا بنتكم على جوزي، مصلحتك إيه إنتي وجوزك في انكم تخرلو بيتي وحياتي دينا إنتي فاهمة غلط، والله العظيم لينا مش بنتي. _تجمدت ملامح شادية، ثم همست بصوتٍ خرج مرتعشًا… شادية إنتي اتجننتي ولا بتخرفي بتقولي إيه؟! دينا لينا بنت وليد وآسيا يا شاديه _اتسعت عينا شادية أكثر، وكأنها رأت شبحًا أمامها، واختنق صوتها وهي تردد الاسم الذي دفنته السنوات داخل ذاكرتها… شادية
آسيا. ثم صاحت بعصبية إيه اللي فتح سيرة آسيا الزفت دي تاني. قالت دينا بنبرة تحمل الكثير من الخبث لأن الحقيقة كلها مرتبطة بيها، وأنا مش هينفع أقولها في التليفون، نتقابل وأنا هفهمك كل حاجة من أولها لآخرها، وساعتها هتعرفي مين ظلمك ومين ضحك عليكي، وأنا كمان هساعدك تاخدي حقك. صمتت لحظة، ثم أردفت بصوتٍ أكثر ظلمة وأوعدك إن الطفل اللي في بطن لينا… مش هيلحق ييجي على وش الدنيا لو إنتي قررتي تاخدي حقك.
_ارتجفت يد شادية بقوة، وكادت تُسقط الهاتف من بين يدها، بينما اختلط داخلها الذهول بالغضب والخوف، وأصبحت تشعر أن حياتها كلها كانت مجرد كذبة كبيرة، وأن الحقيقة التي تستعد لسماعها قد تكون أقسى بكثير مما تستطيع احتماله. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
_وفي منزل عائلة اليحيري، كان ضوء الصباح يتسلل بهدوء عبر ستائر الغرفة، فيرسم خطوطًا ذهبية فوق الأرض، بينما ساد المكان صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت العصافير القادمة من الحديقه، وفتحت لينا عينيها ببطء شديد، وشعرت بثقل غريب في رأسها، فأخذت تتلفت حولها حتى وقع بصرها على باب الشرفة المفتوح قليلًا، وكان إسلام يجلس هناك فوق أحد المقاعد، مرتديًا بدلته الرسمية الأنيقة، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وبين أصابعه فنجان قهوة تصاعد منه
البخار، بينما كانت عيناه معلقتين في نقطة بعيدة، وكأن عقله غارق في آلاف الأفكار التي لم يجد لها مخرجًا، وظل على شروده حتى شعر بحركتها، فالتفت إليها بهدوء، وما إن وجدها مستيقظة حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خفيفة لم تستطع أن تخفي الإرهاق الواضح داخل عينيه، ووضع فنجان القهوة فوق الطاولة الصغيرة، ثم نهض واتجه إليها بخطوات هادئة
إسلام أخيرًا صحيتي يا لينا الكل صباح الفل عليكي _نظرت إليه بتوتر واضح، ثم اعتدلت في جلستها وهي تحاول أن تتذكر ما حدث وقالت لينا هو إيه اللي حصل امبارح أنا فاكرة إني كنت بتخانق معاك وبعدها، بعد كده مش فاكرة أي حاجة _اقترب منها وجلس على طرف الفراش، محافظًا على مسافة صغيرة بينهما حتى لا تخااف منه وقال إسلام
كنتي عايزة تشوفي غلاوتك عندي أول ما أغمي عليكي اتقلب البيت كله فوق دماغي جبتلك دكتورة في نص الليل وكشفت عليكي وادتك حقنة مهدئة علشان ترتاحي ونمتي بعدها على طول وامي قالت إن النوم الكتير ده طبيعي في أول الحمل _ظلت تنظر إليه للحظات، ثم قالت بصوت منخفض… لينا طنط شادية كانت هنا امبارح مش كده هو إيه اللي حصل؟ تنهد إسلام وهو يمرر يده فوق جبينه بإرهاق ما تشغليش بالك بأي حاجة تخص الموضوع ده أنا هحل كل حاجة فيه لوحدي.
نظرت إليه بترقب وقالت هتطلقها يعني ولا هتعمل إيه؟؟ _ظهرت ابتسامة صغيرة علي شفتيه وهو يطالعها بخبث وقال.. إسلام هو انتي عايزاني أطلقها؟ هزت كتفيها بلا مبالاة وقالت وأنا مالي دي حياتك وإنت حر فيها _مد يده وأمسك يدها برفق، ثم قال وهو ينظر داخل عينيها بهدوء.. إسلام اسمها حياتنا يا لينا ، حياتي دي انتي بقيتي شريكة فيها وأي قرار يخصني أو يخصك المفروض ناخده سوا
_نظرت إلى يده الممسكة بيدها، ثم سحبتها بسرعة وكأن لمسته أحرقتها وقالت بنفور لينا قوم من جنبي لو سمحت أغمض عينيه للحظة، ثم زفر بضيق وقال اتقبليني يا لينا علشان نعرف نعيش مع بعض بدل العِند اللي إحنا فيه ده لينا اتقبلك ليه، مين قالك أصلًا إني عايزة أعيش معاك؟ _ساد الصمت بينهما لثوانٍ، ةكلماتها أصابت شيئًا عميقًا داخله، ثم قال بصوت حاول أن يجعله هادئًا إسلام ده نصيبك ونصيبي يا لينا نعمل إيه يعني نهرب من اللي ربنا كتبه
_حاولت أن تنهض من فوق الفراش، لكن الدوار باغتها فجأة، فمال جسدها قليلًا، انتفض إسلام بسرعة وأمسك ذراعها قبل أن تسقط وقال إسلام بالراحة يا لينا بلاش الحركة المفاجئة دي افهمي بقى إنك حامل وكل خطوة وكل حركة محسوبين عليكي _ابتعدت عنه بسرعة وكأنها ترفض حتى مساعدته وقالت لينا
بطل تعمل نفسك خايف عليا إنت كل اللي يهمك إن ابنك يفضل كويس وبس، تمام أنا هفضل معاك لحد ما أولد وبعدها هاخد نفسي وأمشي وأسيبلك ابنك ومالكش دعوة بيا بعد كده _نظر إليها طويلًا، ثم ضحك ضحكة ساخرة خافتة وقال إسلام هتسيبي ابنك وتمشي؟! رفعت رأسها بثبات مؤلم وقالت آه ده ابنك إنت أنا مش عايزاه ومش عايزة أي حاجة في الدنيا تفضل تفكرني بيك _ثم استدارت إلى الجهة الأخرى، وأغلقت عينيها وقالت بنبره حزينه. لينا سيبني بقى عايزة أنام
_ظل ينظر إليها للحظات، وكان يعلم أنها لا تدرك معنى الكلمات التي تنطق بها، وأن طفولتها وخوفها وغضبها هم من يتحدثون الآن، نهض ببطء، وعدل ياقة سترته، ثم قال بهدوء إسلام عصمت هتجيبلك الفطار دلوقتي وهتاكلي الامل اللي تجيبهولك كله ، ولما ألاقيكي بقيتي بتسمعي الكلام ومهتمة بنفسك هسمحلك تنزلي وتخرجي وتعيشي حياتك بشكل طبيعي
_امتلأت عيناها بالدموع فور سماعها كلمة “هسمحلك”، وشعرت وكأنها سجينة تنتظر صاحب السجن أن يمنحها الإذن بالتنفس، استدارت إلى الجهة الأخرى سريعًا، ومسحت دموعها حتى لا يراها، أما هو فاكتفى بتنهد طويل، ثم خرج من الغرفة بهدوء _في الخارج كانت وفاء تجلس إلى طاولة الطعام، بعدما انتهى مراد وأدهم من الإفطار وخرجا كلٌ إلى شأنه وما إن رأته حتى ابتسمت بحنان وقالت وفاء صباح الخير يا حبيبي تعالى افطر معايا أخواتك لسه قايمين من شوية
إسلام لا يا أمي شربت قهوة من شوية ومليش نفس للأكل ثم أضاف وهو يتجه نحوها خلي عصمت تجهز فطار للينا بسرعة ومتخليهاش تنام تاني علشان ما تتعبش وفاء بحمااس من عيني يا حبيبي ده أنا هعملها الفطار بإيدي وهقعد أأكلها كمان ثم نظرت إليه بحنان بس إنت لسه زعلان من اللي حصل امبارح والله مراد غبي ومش بيفكر قبل ما يتكلم _جلس بجوارها بتعب واضح، ثم قال وهو ينظر أمامه إسلام
الهانم بتقول هتخلف وترميلي ابني وتمشي لا عايزاني ولا حتى عايزة ابنها وفاء بهدوء دي لسه صغيرة يا ابني ومش فاهمة يعني إيه تبقى أم مفيش أم في الدنيا تقدر تسيب ابنها أول،عارف هي اول ما تحس بحركته جواها هتشوفها بتبيع الدنيا كلها علشانه ثم وضعت يدها فوق كتفه وقالت بس إنت خليك هادي معاها اكسبها لصفك بدل ما تخسرها وخليها تحبك زي ما إنت… قاطعها سريعًا وهو يبتسم بإحراج أنا إيه يا ست الكل صلي على النبي كده ضحكت وفاء بهدوء
أنا أمك يا حبيبي وبافهمك من نظرة عينك متحاولش تخبي عليا ، إنت حبيتها والموضوع عمره ما كان علشان الحمل وبس، إنت من اول ما زهرت لينا في حياتك وانت ما بقاش ورااك غيرها هي وبس والدليل انك ما كلقتهاش من اول غلطه وكبرت دماغك، وما بتشوفش نفسك وإنت بتبصلها ولا بتخاف عليها ولا بتجري عليها أول ما تتعب
_انخفضت عيناه إلى الأرض، ولم يجد ما يقوله، وفي تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة، وخرجت لينا بخطوات بطيئة، وما إن وقع بصرها على إسلام حتى توقفت مكانها، ثم استدارت سريعًا لتعود إلى الداخل لكن صوته أوقفها عندما قال بجمود.. إسلام تعالي يا ستي أنا ماشي خلاص وسيبهالك
_نظر إليها بابتسامة ساخرة خفيفة، ثم حمل مفاتيحه واتجه نحو باب المنزل، وقبل أن يغادر، التقت عيناه بعينيها للحظة قصيرة، لحظة حملت داخلها ألف كلمة لم يستطع أي منهما أن يقولها، هو كان يلومها على رفضها المستمر لع، وعلى كل مرة يدفعه خوفها بعيدًا عنها، وهي كانت تلومه على كل دمعة تسبب فيها، وعلى كل مرة رفع يده عليها، وعلى الحياة التي فرضها عليها دون أن يمنحها حق الاختيار، ظل كل منهما ينظر إلى الآخر حتى فتح الباب وغادر، لكن قلبه بقي خلفه داخل ذلك البيت… وبالتحديد مع تلك المراهقه الصغيره.
_تنهدت وفاء بحزن وهي تراقب الباب الذي خرج منه ابنها، ثم التفتت إلى لينا وابتسمت بحنان وقالت وفاء تعالي يا حبيبتي اقعدي جنبي أكيد جعانة اقتربت لينا وجلست بجوارها بهدوء آه جعانة شوية بس نفسي في حاجة خفيفة علشان بطني وجعاني يا فوفا ربتت وفاء على يدها بحنان وقالت من عيني يا قلب فوفا هعملك فطار خفيف ولذيذ ومش هيتعب معدتك خالص ابتسمت لينا ابتسامة صغيرة وقالت طيب أجي أساعدك وفاء
لا يا حبيبتي إنتي تقعدي مكانك وما تعمليش أي مجهود خالص ، الدكتوره امبارح قالت الحمل لسه محتاج راحة لحد ما يثبت كويس
_ثم دخلت إلى المطبخ وهي تردد بعض الأدعية لها وللجنين، أما لينا، فبقيت وحدها في الصالة، أنزلت يدها ببطء فوق بطنها، وكأنها تحاول أن تستوعب لأول مرة أن هناك روحًا صغيرة تنمو بداخلها، ارتجفت أناملها فوق موضع الجنين، وتسارعت دقات قلبها بشدة، لم تكن خائفة من الحمل فقط، بل كانت خائفة من المستقبل كله، خائفة من الطفل الذي لم تطلبه، ومن الحياة التي فُرضت عليها، ومن الرجل الذي يقف قلبها حائرًا بين أن يراه سبب مأساتها… أو الملجأ الوحيد الذي لم يعد لديها غيره.
ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ _وبمنزل عزت السيوفي، كان سُهيل يقف أمام النافذة ينظر إلى الحديقة الواسعة الممتدة أمامه، وعيناه شاردتان في أفكاره، ثم أخرج هاتفه من جيبه وضغط على أحد الأرقام، ولم تمر سوى لحظات حتى جاءه صوت إمام من الطرف الآخر وقال له إمام خير يا سُهيل طمني وصلت لحاجة ولا لسه؟ تنهد سُهيل ببطء، ثم قال بنبرة هادئة
المهمة هتطول شوية يا إمام الموضوع مش سهل زي ما كنا متخيلين عزت السيوفي مش بيثق في أي حد بسهولة وكل خطوة لازم تتعمل بحساب جاءه صوت إمام حادًا ومشحونًا بالغضب لا أنجز يا سُهيل الورق اللي عنده ده ممكن يبقى مالوش أي قيمة لو ما استخدمناهوش في أقرب وقت إحنا كل يوم بنتأخر فيه بندي عزت فرصة ييبقي اعلي مننا مرر سُهيل يده بين خصلات شعره بضيق وقال
وأنا أعمل إيه يعني ادخل عليه المكتب وأسرق الملفات قدامه الراجل بدأ يثق فيا بس لسه محتاج وقت أكتر إمام طيب يا سُهيل قولي صحيح أخبار بنت عزت إيه؟ _تجمدت ملامح سُهيل في لحظة، وشعر بانقباض غريب داخل صدره وقال سُهيل إنت بتسأل عليها ليه؟ ضحك إمام ضحكة باردة وقال عادي يعني الناس كلها بتقول إن عزت مخبيها عن الدنيا كلها، لا حد شافها ولا حد يعرف عنها حاجة ثم أكمل بصوت امتلأ بالحقد
عارف يا سُهيل لو وصلت للبنت دي يبقى خلاص ساعتها هحس إني أخدت حق أمي اتسعت عينا سُهيل بصدمة، وقال بسرعة والبنت ذنبها إيه إحنا عداوتنا مع أبوها مش معاها إمام بعصبية ذنبها إنها بنته مفيش حاجة هتكسر عزت السيوفي غير بنته وأنا مش هرتاح غير لما أدوقه نفس الوجع اللي دوقهولنا اللي عمله في أمي هعمله في بنته
_شعر سُهيل وكأن أحدًا قبض على قلبه بقوة، فظهرت أمام عينيه ابتسامة دانا البريئة، وملامحها الطفولية وهي تضحك بلا خوف، ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال وهو يحاول إخفاء توتره سُهيل أنا أصلًا ما شوفتهاش وما أعرفش عنها أي حاجة إمام يبقى اعرف دور عليها بأي طريقة أي معلومة عنها هتقربنا من عزت أكتر _ظل سُهيل صامتًا للحظات، ثم قال محاولًا تغيير الحديث سُهيل حاضر هحاول وسكت قليلًا قبل أن يبتسم بخفة وقال
المهم بقى سيبك من كل ده بعد كام يوم عيد ميلاد نيجار ناوي تجيبلها إيه رد إمام باستغراب إنت مالك ضحك سُهيل وقال هبعتلك فلوس وأقولك على هدية تجيبهالها وتقولها دي مني أنا وإنت بقى قولي ناوي تجيب إيه؟ زفر إمام بضيق إنت بني آدم مستفز ـ ثم أغلق الهاتف في وجهه، ونظر سُهيل إلى شاشة الهاتف، ثم انفجر ضاحكًا بخفة، لكن تلك الضحكة اختفت سريعًا، وحل محلها خوف عميق، خفض رأسه وهمس لنفسه بصوت يكاد لا يُسمع سُهيل
هي ذنبها إيه تدفع تمن جرايم أبوها أغمض عينيه وهو يتذكر كلمات إمام مش هخليك تكرر اللي حصل في أمنا مع البنت الغلبانة دي يا إمام ، والله لو شوفتها وعرفت هي عايشة إزاي قلبك نفسه هيتقطع عليها _وفجأة، قطع أفكاره صوت صراخ مرتفع قادم من الخارج
فتح باب الغرفة بسرعة، واتجه نحو مصدر الصوت، ليجد ناهد، مربية دانا، تقف أمامها وهي تصرخ بعنف، بينما كانت دانا تجلس مطأطئة رأسها، تضم يديها إلى صدرها، وعيناها تمتلئان بالخوف، لكن ما إن رفعت رأسها ورأت سُهيل حتى تبدلت ملامحها تمامًا، وارتسمت فوق شفتيها ابتسامة واسعة مليئة بالارتياح، اقترب منها سُهيل، ثم نظر إلى ناهد بجمود وقال سُهيل بتزعقيلها ليه؟ رمقته ناهد بنظرة مستفزة وقالا وإنت مالك بتدخل في شغلي ليه
_عقد سُهيل ذراعيه أمام صدره وقال بهدوء يحمل تهديدًا واضحاً سُهيل هو عزت بيه مشغلك علشان تربي بنته ولا علشان تزعقيلها وتخوفيها ناهد الهانم مش راضية تاكل من الصبح نظر سُهيل إلى دانا بابتسامة هادئة وقال ممكن تاكلي يا دانا _نظرت إليه لثوانٍ، ثم هزت رأسها في هدوء، وأمسكت الملعقة وبدأت تأكل فورًا، ابتسم سُهيل وهو ينظر إلى ناهد وقال سُهيل شايفة أكلت من غير ما تجعري في وشها زي الحمار ثم أضاف وهو يجلس بجوار دانا
بقولك إيه هاتيلي طبق كمان أنا هاكل معاها اشتعل وجه ناهد غضبًا وقالت هو إنت… _لكنها لم تكمل كلامها، إذ قاطعها سُهيل بنبرة صارمة.. سُهيل يلا يا ولية بدل ما أكلم عزت بيه وأقوله إنك بتسرقي أكل من المطبخ وحاجات تانية كتير وإنت ماشية اتسعت عينا ناهد بفزع وقالت إنت عرفت منين؟ ابتسم سُهيل بثقة أنا عارف كل حاجة بتحصل هنا ثم أشار بيده نحو الخارج غوري يلا
_لم تنطق بكلمة أخرى، بل استدارت وغادرت مسرعة وهي تخفي ارتباكها، وما إن اختفت حتى انفجرت دانا ضاحكة وقالت دانا إنت قوي أوي خوفتها خالص أنا بخاف منها ضحك سُهيل وهو ينظر إليها لما تخوفك تاني تعالي قوليلي وأنا هخليها تبقى عاملة زي الكتكوت المبلول _ضحكت مرة أخرى، حتى احمر وجهها من شدة الضحك ثم نظرت إليه بخجل وقالت دانا أنا مبسوطة إنك قاعد معانا _نظر إليها بابتسامة دافئة، لكنها سألته فجأة بقلق واضح دانا
إنت هتفضل قاعد معانا على طول نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء مش همشي دلوقتي هفضل لحد ما كل حاجة تبقى تمام ابتسمت براحة، ثم قالت بعفوية شديدة أنا مش عايزاك تمشي خالص _توقفت أنفاسه للحظة وظل ينظر إليها، وكأن كلماتها البسيطة أصابت قلبه في أضعف مكان داخله ثم ابتسم دون أن يشعر وقال سُهيل والله ولا أنا عايز أمشي وأسيبك كده أنا عمري ما شوفت براءة زي براءتك في حياتي رمشت بعينيها بعدم فهم يعني إيه سُهيل ولا حاجة
ثم أشار إلى الطعام وقال يلا هاتي بقى هاكل معاكي ولا عندك مانع ابتسمت بسرعة، ثم دفعت الطبق كله أمامه لا طبعًا أنا محدش بيحب ياكل معايا إنت أول واحد يقعد ياكل معايا نظر إليها بحنان لم يشعر به من قبل يبقى من النهارده طول ما أنا هنا هناكل مع بعض كل يوم _أشرقت ملامحها بسعادة طفلة حصلت أخيرًا على ما كانت تتمناه دانا اتفقنا يا يوجين _وضع يده على جبهته وهو يضحك رغمًا عنه وقال… سُهيل اسمي سُه..محمود يا دانا اسمي محمود
هزت رأسها بسرعة وقالت حاضر يا…محمود
قالتها بصعوبة، فضحك مرة أخرى، ثم بدأ يأكل معها، بينما كانت هي تراقبه بين كل لقمة وأخرى بابتسامة لا تفارق وجهها، أما هو، فكان قلبه يخفق كلما التقت عيناه بعينيها، قلبه كان يقترب منها دون استئذان، ويرى فيها حياة هادئة لم يعرفها يومًا، لكن عقله كان يصرخ في وجهه بقسوة، يذكره بسبب وجوده داخل هذا المنزل، وبأنها ابنة الرجل الذي أقسم أن ينتقم منه، ليجد نفسه للمرة الأولى واقفًا بين طريقين لا يعرف أيهما سيكون أكثر قسوة عليه، طريق الانتقام… أم طريق القلب الذي بدأ يختارها دون أن يستأذنه.
ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
حلَّ المساء على منزل البحيري، واجتمعت العائلة حول مائدة العشاء في أجواء بدت هادئة من الخارج، لكنها كانت تخفي الكثير من التوترات والمشاعر المتضاربة داخل كل قلب جالس حولها، وجلست لينا إلى جوار وفاء، تتناول طعامها ببطء شديد وكأنها تجبر نفسها على كل لقمة، بينما كان إسلام يراقبها من الجهة المقابلة بصمت ثقيل، يتابع حركاتها الصغيرة دون أن تشعر، وفي تلك اللحظة، فُتح باب المنزل ودخل مراد، وما إن وقعت عيناه على لينا حتى ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة تلقائية لم يستطع إخفاءها، وجلس علي المائده معهم بجوار ادهم وقال
مراد إزيك يا لينا عاملة إيه النهارده، بقيتي أحسن ولا لسه تعبانة؟ _رفعت رأسها إليه، وابتسمت ابتسامة خفيفة سرعان ما اختفت. لينا الحمد لله أحسن شوية مراد الحمد لله، أنا طول اليوم بفكر فيكي وبقول يا رب تكوني بقيتي كويسة وما حصلكيش حاجة _اشتدت قبضة إسلام على الملعقة بين يديه دون أن يشعر، وشعر بشيء حاد يتحرك داخله كلما رأى اهتمام شقيقه الزائد بها. لينا أنا كويسة الحمد لله، بس لسه بتعب شوية مراد
طبيعي، المهم تاكلي كويس وتسمعي كلام الدكاترة عشان إنتي دلوقتي مسؤولة عن اتنين مش نفسك بس وفاء وإن شاء الله هتبقى أحسن يوم بعد يوم، دي لسه في البداية بس مراد يا رب _وظل يتحدث معها وكأن الطاولة لا تضم أحدًا غيرهما، الأمر الذي بدأ يثير ضيق إسلام بشكل واضح. وفاء إنت اتأخرت ليه النهارده يا مراد مراد شغل يا ماما.. إسلام
بقولك يا امي انا النهلرده شوفت الشقة اللي قصادنا، وقررت من بكرة أجيب ناس يروقوها وينضفوها عشان أقعد فيها أنا ومراتي لوحدمنا ونسيبكم براحتكم وفاء اللي يريحك يا حبيبي _تنهدت لينا بضيق ولكنها لن تستطيع ان ترفض او تعترض علي قراراته بشأن زواجهم، فحين نظر لها مرتد بحزن وهو يعلم قلة حيلتها، ومدت لينا يدها نحو طبق الشطة بعفوية، لكن وفاء أسرعت تمسك يدها بحنان وقالت وفاء
لا يا حبيبتي بلاش شطة دلوقتي، إنتي حامل وما ينفعش تاكلي حاجات تضر البيبي _تنهدت لينا بضيق وهي تنظر إلى الطعام أمامها وقالت.. لينا بس أنا ما بعرفش آكل من غير شطة، نفسي مسدودة أصلًا. جاء صوت إسلام حازمًا أكثر مما ينبغي وقال يبقى تسمعي الكلام ومدام أمي قالت ما ينفعش يبقى خلاص التفتت إليه بضيق واضح وقالت إنت بتزعقلي ليه، حتى الأكل بقيتوا متحكمين فيه، أنا أصلًا بالعافية بعرف آكل
_شعر إسلام أنه أخطأ في نبرته الغاضبه معها ، لكنه عرف كيف يتراجع بسهولة وقال بنبىه هادئه إسلام أنا مش بزعق، بس الشطة ممكن تضر الطفل وإنتي عارفة كده لينا حبه صغيره مش هتضره يعني، ولا هوكلامك قوانين لازم انفذها وخلاص توتر الجميت من حديثهم وقال إسلام بجمود أيوه لو الحاجة فيها مصلحتك ومصلحة ابننا يبقي تنفذي وانتي سااكته هزت رأسها بعناد طفولي أغضبه وقالت لا، أنا هاكل براحتي إسلام بحده ما تعصبنيش يا لينا بقى
_تركت الملعقة من يدها فجأة ونهضت من مكانها بعصبية، بينما احتقن وجهها من شدة الغضب وقالت لينا خلاص مش واكلة خالص، ارتحت كده _وغادرت المائدة سريعًا قبل أن يرى أحد الدموع التي بدأت تتجمع داخل عينيها، وساد الصمت للحظات، ثم انفلت ادهم ضحكاً دون إرادة منه، والتفت الجميع إليه باستغراب بينما كان يحاول كتم ضحكته. أدهم والله معلش، بس البنت دي عسل أوي وكيوت بطريقة غريبة
_ابتسم مراد رغماً عنه، ونظر إليه إسلام فورًا بنظرة حادة وقال.. إسلام ما تلم نفسك شوية، واسمها لينا تحترم نفسك وانت بتتكلم عليها وفاء ما تتلم يا سي ادهم انت كمان. أدهم حقك عليا يا اسلام والله مقصدتش حاجة
_نهض إسلام من مكانه دون أن يكمل طعامه، واتجه إلى غرفته بخطوات سريعة، بينما كانت لينا تقف أمام النافذة تضم ذراعيها حول نفسها، محاولة مقاومة شعور الاختناق الذي يلازمها كلما شعرت أن حياتها لم تعد ملكها، اقترب منها اسلام وقال إسلام أنا ما كنتش اقصد أزعقلك لم تلتفت إليه ولم ترد فقال هو أنا بس خايف عليكي وعلى ابني، وكل ما بشوفك بتتعبي بحس إني هتجنن _ظلت صامتة، فتنهد بضيق وحاول تغيير الحديث وقال بهدوء إسلام
طيب إيه رأيك نخرج شوية مع بعض ونتعشي بره و في أي مكان تحبيه؟! نظرت له اخيراً وقالت بجمود أخرج بإيه وأنا أصلًا ما عنديش هدوم هنا، كل حاجتي عند مامي ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خبيثة وقال طيب سهلة، نغير كل حاجة النهارده، واعتبري إن معاكي حساب مفتوح وهاتي اللي نفسك فيه كله لينا أنا مش عايزة منك حاجة _اقترب خطوة صغيرة منها، وكانت عيناه تحملان شيئًا أقرب للاعتذار الذي لا يعرف كيف يقوله. إسلام
عارف إنك زعلانة مني، اعتبريني بصالحك بالطريقة دي لينا أنا مش عيلة صغيرة عشان تضحك عليا بالطريقه دي إسلام بضيق براحتك يا لينا صمت لحظة ثم قال بهدوء هبعت السواق يجيبلك كل حاجتك من عند والدتك _رفعت رأسها بسرعة وكأنها تمسكت بأمل صغير وقالت لينا أنا عايزة أشوف مامي وأتكلم معاها اختفت ملامح اللين من وجهه فورًا وقال بجديه لينا ليه إسلام عشان مفيش خروج من البيت دلوقتي، ومش هتروحي هناك غير بعد ما تولدي، وهتبقي رجلي علي رجلك
_شعرت لينا مجظدا بتقيده لها، وامتئت عيناها بالدموع، وهخلي عصمت تجيبلك اللي نفسك فيه، المهم تاكلي كويس وما تتعبيش _لم ترد عليه، فاستدار وغادر الغرفة وهو يشعر أن كل كلمة يقولها تزيد المسافة بينهما بدلًا من أن تقربها، دخل مكتبه محاولًا الهروب من أفكاره، لكن صورة لينا وهي تنظر إليه بذلك الحزن ظلت تطارده مهما حاول الانشغال، ورن هاتفه بعد فترة، فالتقطه سريعًا عندما رأى اسم ياسر. إسلام ها يا ياسر ياسر
وصلت للمعلومة اللي كنت عايزها اعتدل إسلام في جلسته فورًا وقال عرفت آسيا فين وحيبتلي عنوانها؟ ياسر آه، متجوزة ابن عمها وعايشة في منطقة شعبية، وشغالة مُدرسة ابتدائي في مدرسة حكومي إسلام ابعتلي العنوان بالتفصيل حالًا ياسر اعتبره وصلك _أنهى المكالمة وبقي ينظر إلى الهاتف طويلًا، بينما بدأت ذكريات قديمة كان يظن أنه دفنها بداخله تعود إليه من جديد، وبعد ساعات، خرج من المكتب ليجد عصمت ترتب الصالة. إسلام لينا أكلت؟ عصمت
أكلت شوية صغيرين، بس رجعت كل اللي أكلته، شكلها تعبانة أوي أغمض عينيه بضيق شديد وقال ماشي يا عصمت _دخل غرفته بهدوء، فوجدها مستلقية على الأريكة تقلب هاتفها بلا تركيز، بينما بدت شاحبة ومتعبة بشكل أثار قلقه أكثر. إسلام الساعة داخلة على 12، مش هتنامي لينا هنام على الكنبة اقترب منها وهو يحاول الحفاظ على هدوئه أنا وعدتك إني مش هقربلك، بس ما ينفعش تنامي على الكنبة وإنتي حامل لينا أنا مش واثقة فيك إسلام ابتسم رغماً عنه وقال
طيب نامي إنتي على السرير وأنا هنام على الكنبة _نظرت إليه للحظات، ثم ظهرت فوق شفتيها ابتسامة صغيرة وقالت لينا إذا كان كده، أوكي، تصبح على خير _وذهبت واستلقت فوق السرير أخيرًا، بينما تمدد هو على الأريكة المقابلة، وعيناه لا تفارقانها. إسلام ما تتعوديش على إني أسيبلك السرير كل يوم ثم ابتسم وأردف بخبث خفيف. اتعودي عليا عادي مش هاكلك يعني لو نمت جنبك _حاولت إخفاء ابتسامتها وأدارت وجهها سريعًا. لينا نام بقى، ده إنت رغاي أوي
_ضحك بخفوت، وكانت ضحكتها الصغيرة كافية لتخفف شيئًا من الثقل الذي كان جاثمًا فوق صدره طوال اليوم وقال.. إسلام شوفت الضحكة على فكرة
_أغلقت عينيها وهي تشعر بخجل لم تفهم سببه، بينما استند هو إلى ظهر الأريكة، وخيم الصمت على الغرفة بعدها، لكنه لم يكن الصمت البارد المعتاد، بل كان يحمل شيئًا مختلفًا، شيئًا يشبه بداية هدنة صغيرة بين قلبين ما زالا يتألمان من بعضهما، لكنهما رغم كل شيء لم يعودا قادرين على تجاهل وجودهم سوياً فيما هو قاادم. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
_مرت عدة أيام ثقيلة على لينا، وكانت الساعات تتشابه أمامها بصورة مؤلمة، حتى أصبحت تشعر أن جدران المنزل تضيق عليها شيئًا فشيئًا، وكأنها تعيش داخل قفص لا يُفتح بابه مهما حاولت أن تقنع نفسها بالصبر
_وفي احد الايام جلست على الأريكة في صالة المنزل، تنظر من النافذة إلى الشارع البعيد، تتابع الناس وهم يمرون بحرية، بينما بقيت هي حبيسة المكان، لا تملك حتى حق الخروج إلى الحديقة إلا بإذن، وقد بدأت ملامح الضيق والإرهاق النفسي تظهر فوق وجهها الصغير بوضوح، وفي تلك اللحظة، فُتح باب المنزل، ودخل مراد وهو يحمل مفاتيح سيارته بيده، وما إن لمحها جالسة بذلك الوجه الشاحب حتى تبدلت ملامحه بالقلق، واقترب منها بهدوء وهو يخلع سترته
مراد إيه يا لينا قاعدة لوحدك كده ليه وشك أصفر أوي؟ _رفعت رأسها إليه بسرعة، وكأنها وجدت أخيرًا من قد يسمع شكواها لينا مراد هو ممكن تطلعني أشم هوا شوية توقف مكانه وهو يحدق فيها باستغراب أطلعك برع الشارع يعني؟ لينا آه والله أنا زهقت، بقيت حاسة إني مخنوقة، البيت بقى كأنه بيطبق عليا، انا مش متعوده علي قعدت البيت بالشكل ده وما فيش حاجه اعملها كل حاجه ممله
_اهتز قلب مراد وهو يرى الدموع تتجمع داخل عينيها، فقد بدت أمامه كطفلة صغيرة سُلبت منها حريتها دون أن تفهم لماذا يحدث لها كل ذلك مراد إنتي بتعيطي ليه دلوقتي طيب؟ _مسحت دمعة هربت من عينها بسرعة وهي تحاول أن تبدو قوية لينا أنا بجد تعبت، والله ما بقيتش قادرة أقعد هنا، حتى نفسيتي بقت وحشة أوي نظر حوله يبحث عن والدته ماما فين لينا راحت هي وأدهم عند خالك من شوية هز رأسه وهو يفكر للحظات ثم قال طيب… وإسلام فين؟ لينا
معرفش، خرج من بدري وقال عنده شغل ظل صامتًا لثوانٍ قبل أن يحسم أمره طيب تعالي نظرت إليه بعدم فهم على فين _ابتسم لها ابتسامة هادئة أراد بها أن يخفف عنها…. مراد هنتمشى بالعربية شوية لحد ما الكل يرجع، مش هنروح بعيد ولا هننزل حتى، بس تغيري جو وتشوفي الناس بدل القعدة دي _اتسعت عيناها بلهفة طفلة سُمح لها أخيرًا بالخروج لينا بجد مراد آه بجد، يلا بسرعة قبل ما اغير رأيي نهضت من مكانها بسرعة وقالت بحمااس استنى بس أجيب موبايلي
مراد ماشي هستناكي تحت _وركضت بخطوات خفيفة نحو غرفتها، بينما كان قلبها يخفق بحماس لمجرد فكرة أنها سترى الشارع مرة أخرى، حتى وإن كانت دقائق قليلة _وبعد لحظات، نزل الاثنان إلى السيارة، وجلست لينا بجوار النافذة تراقب الطريق بعينين تمتلئان بالحياة شيئًا فشيئًا، وكأن الهواء الذي تسلل إليها أعاد إليها جزءًا من روحها التي كانت تختنق داخل المنزل ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
_في تلك الأثناء، عاد إسلام إلى المنزل بعد يوم عمل طويل، وكان أول ما خطر بباله أن يطمئن عليها كعادته، حتى قبل أن يبدل ملابسه،فذهب إلى غرفته وفتح الباب، لكنه توقف فجأة عندما وجد الغرفة خالية تمامًا، تجهمت ملامحه، وبدأ يبحث عنها بعينيه داخل المكان، ثم خرج بخطوات متسارعة إلى الصالة إسلام عصمت خرجت عصمت من المطبخ بسرعة أفندم يا إسلام بيه إسلام لينا فين؟ عصمت خرجت من حوالي ربع ساعة كده مع مراد بيه
_ساد الصمت لثانية واحدة فقط، لكنها كانت كافية حتى يتغير وجه إسلام بالكامل، وتجمدت ملامحه بصورة أخافت عصمت نفسها إسلام خرجت مع مين؟ عصمت مع مراد بيه، خدها يتمشوا شوية بالعربية، أصلها كانت مخنوقة أوي
_شعر وكأن أحدهم أشعل النار داخل صدره دفعة واحدة، ولم يعد يسمع بقية كلماتها، فقد بدأت عشرات الأفكار السوداء تتسابق داخل رأسه بلا رحمة، وعاد إليه حديث مراد القديم، ونظراته الدائمة إلى لينا، واهتمامه الزائد بها، وعناد لينا معه، وكل تلك التفاصيل التي حاول طوال الأيام الماضية إقناع نفسه بأنها مجرد أوهام، أخرج هاتفه بسرعة واتصل بها، رن الهاتف مرة… واثنتين… وثلاثًا، لكنها لم تجب، ازدادت أنفاسه اضطرابًا، وأعاد الاتصال مرة أخرى ولكنها لم تجيب عليه
_قبض على الهاتف بقوة حتى كادت أصابعه تحطمه، بينما أخذ قلبه يدق بعنف وهناك الم لم يشعر بهِ في حيااته إسلام ردي يا لينا… ردي
_أعاد الاتصال للمرة التي لا يعلم عددها، لكن التاجهل ظل هو الإجابة الوحيدة، مرر يده المرتجفة فوق وجهه بعصبية، ثم فتح تطبيق التتبع الذي كان قد فعله على هاتفها منذ أيام، بعدما سيطر عليه خوفه من أن تهرب أو تؤذي نفسها أو تحاول التخلص من الطفل، ظهرت النقطة الصغيرة على الخريطة تتحرك في أحد شوارع المدينة، ثبت نظره عليها لثوانٍ، ثم قبض على مفاتيح سيارته بقوة..
_وكانت الغيرة تنهش قلبه نهشًا، والخوف يلتهم ما تبقى من هدوئه، حتى لم يعد يفرق بين أيهما أقوى داخله، خوفه على زوجته وطفله… أم غيرته انها الان مع رجل غيره حتي وإن كان شقيقهُ..
_اندفع خارج المنزل بخطوات سريعة، ثم استقل سيارته وأدار المحرك بعنف، وانطلقت السيارة كالسهم في اتجاه الموقع الذي ظهر أمامه، وفي الطريق، لم يكن يرى السيارات ولا الإشارات، بل كان يرى بعقله عشرات الصور المرعبة التي يصنعها خوفه بنفسه، وكل صورة كانت أشد قسوة من التي قبلها، حتى أصبحت يداه تقبضان على المقود بقوة، بينما لم يفارق اسم لينا شفتيه طوال الطريق إسلام استني بس يا لينا… استني لما أوصلك. ـــــــــــــــــ _الكاتبه
_رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ _الشارع أسفل منزل نيجار يكاد يخلو من المارة، بينما وقفت سيارة إمام على جانب الطريق منذ عدة دقائق، وهو يجلس بداخلها يراقب باب البناية في انتظار أن تظهر، وقلبه يخفق بطريقة لم يعهدها في أي معركة خاضها، وكأن مواجهة تلك فتاة كانت أصعب عليه من مواجهة الدنيا بأكملها.
_وبعد لحظات، انفتح باب البناية، وخرجت نيجار ترتدي فستانًا رماديًا طويلًا ينسدل برقة حولها، يعلوه حجابها الذي زادها وقارًا وجمالًا، هبط هو من سيارته، وما إن وقع بصرها عليه حتى ارتجف شيء داخلها، لكن كبرياءها المعتاد أسرع يخفي كل ذلك خلف ملامح جامدة ونظرة متحفظة، واقتربت منه بخطوات هادئة، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت نيجار أهو نزلت زي ما طلبت خير بقى عايز إيه؟
_ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة دون أن يجيب، وكأنه يحاول أن يحفظ ملامحها داخل قلبه قبل عينيه، ثم استدار نحو سيارته وفتح الباب، وأخرج علبة صغيرة مغلفة بعناية ومدها إليها. إمام كل سنة وإنتي طيبة يا نيجار ، ابتديتي سنة جديدة من عمرك وربنا يجعل كل أيامك فرح وسعادة حتى لو أنا مش هكون موجود فيها _نظرت إلى الهدية ثم إليه، وأخذتها على استحياء وقالت.. نيجار شكرًا بس أنا أصلًا ما بحبش أعياد الميلاد ولا بحب آخد هدايا من حد
_ابتسم ابتسامة هادئة امتزجت بالحزن، وكأن كلماتها لم تعد تؤلمه كما كانت من قبل. إمام تعرفي يا نيجار إنتي الوحيدة في الدنيا اللي مهما توجعيني بكلامك ولا بتصرفاتك بقول معلش وبضحك كمان وبقنع نفسي إنك كنتي بتطبطبي عليا عشان ما أزعلش منك _اهتز قلبها رغمًا عنها، لكنها تماسكت وهي تخفض عينيها حتى لا يرى ضعفها. نيجار ايه الموضوع اللي نزلتني عشانه، لو الهديه خلاص اديني اخدتها ممكن اطلع فووق بقي ولا في حاجه تاني؟
أشار إلى الهدية بابتسامة صغيرة. افتحيها الأول وشوفي عجبتك ولا لأ؟ _نزعت الغلاف ببطء، ثم فتحت العلبة، فتجمدت ملامحها للحظة وهي ترى عروسًا صغيرة ترتدي فستانًا أبيض يقف بجوارها عريس، وبينهما علبة خاتم ألماس صغيرة، خرجت منها ابتسامة لم تستطع السيطرة عليها، لكنها سرعان ما حاولت إخفاءها، ولاحظ إمام تلك الابتسامة، فشعر وكأن الدنيا كلها ابتسمت له معها، واقترب منها وقال بهدوء إمام
وافقي يا نيجار بس وافقي وإنتي مرتاحة أنا بحبك والله وعمري ما هأذيكي ولا هكسر قلبك اختفت ابتسامتها، وحل محلها حزن ثقيل بطل الشغل اللي إنت فيه، وابعد عن الدم والسلاح وابقى بني آدم محترم بيخاف ربنا ، وساعتها أنا اللي هاجي أقولك موافقة تنهد ببطء، وكأنها طلبت منه المستحيل. ما ينفعش نيجار ينفع إنت مش طفل ، وخالي مهما كان مش هيعرف يجبرك تعمل حاجة إنت مش عايزها _أطرق برأسه للحظات، ثم رفع عينيه إليها وقد غلبهما الألم وقال
إمام وحق أمي يا نيجار مين هياخده مين هيجيبلي حقها. ابتسمت بسخرية حزينة وقالت وإنت عارف آخر سكة الانتقام دي إيه يا تموت يا تدخل السجن وفي الحالتين هتضيع نفسك بإيدك، وانا مش هرمي نفسي لـ واحد كده كده ميت رمقها بحزن وقال وجالك قلب تقوليها.. _لم تجيبه فحين امتلئت عينااه بالدموع واقترب منها كثيراً وقال بنبره هامسه مليئه بالالم والحزن.. إمام هو لو موت… هتزعلي عليا يا نيجار؟!
_انتفض قلبها بخوووف، وبقيت هي صامتة، عاجزة عن الكذب وعاجزة عن الاعتراف، بينما هو انتظر منها كلمة… نظرة… أي شيء، لكن الصمت وحده كان حاضرًا، أغلق عينيه للحظة، ثم ابتسم ابتسامة باهتة تخفي وراءها قلبًا ينزف حزناً وقال إمام خلاص… ردك وصل _مد يده فجأة، وأخذ الهدية منها، ثم ألقاها بقوة على الأرض حتى تهشمت. إمام اعتبريني ما قولتش حاجة أصلًا اطلعي فوق يا نيجار
_اتسعت عيناها بصدمة، ثم انحنت بسرعة والتقطت العروس الصغيرة من الأرض بعدما انكسر جزء منها، بينما رفعت الخاتم من داخل العلبة ومدته إليه. نيجار الخاتم خدوه _أخذ الخاتم بصمت، بينما ضمت هي العروس الصغيرة بين يديها، واستدارت لتعطيه ظهرها، وما إن ابتعدت عنه خطوات حتى انهمرت دموعها بصمت، فقد كانت تعرف أنه لن يغادر قبل أن يراها تدخل البناية ويطمئن عليها كعادته.
_وقبل أن تصل إلى الباب، دوى صوت رصاصة شق سكون الشارع، تجمد جسدها بالكامل، ثم تبعتها الثانية…ثم الثالثة… _استدارت بفزع فرأت إمام يتراجع إلى الخلف، وقد اخترقت الرصاصات جسده، بينما بدأت الدماء تغرق قميصه شيئًا فشيئًا، اتسعت عيناها حتى كادتا تخرجان من محجريهما، وتجمدت أنفاسها وهي تتذكر سؤاله منذ لحظات. “هو لو موت… هتزعلي عليا” _انهار كل ما كانت تتظاهر به من قوة في لحظة واحدة صرخت بكل ما تملك من رعب. نيجار إمااااااااام
_اندفعت نحوه بجنون، بينما كانت قدماها ترتجفان، وقلبها ينهار مع كل قطرة دم تسقط منه على الأرض. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ وفي الوقت نفسه… كان فاروق الجندي نائمًا داخل منزله، قبل أن يقطع سكون الليل صوت هاتفه الذي أخذ يرن بإلحاح، فتح عينيه بضيق، ثم التقط الهاتف، وما إن رأى اسم عزت حتى انعقد حاجباه و رد بجمود وقال فاروق عايز إيه يا عزت جاءه صوت عزت باردًا بصورة مرعبة ردي وصلك يا فاروق
اعتدل فاروق في جلسته فجأة. رد إيه… أنا مش فاهم ضحك عزت بسخرية. ابنك بعت ناس تضرب عليا نار والحركة دي ما تطلعش غير منكم وأنا أخدت حقي بطريقتي ثم صمت لحظة قبل أن يقول ببرود أشد. اترحم على ابنك بقى يا أبو المرحوم إمام تجمد الدم داخل عروق فاروق. إنت بتقول إيه عزت اللي سمعته صرخ فاروق بغضب هائل. والله لو ابني جراله حاجة المرة دي لأقتلك بإيدي يا عزت
_لكن الخط كان قد أُغلق بالفعل، ظل الهاتف في يده، بينما راحت أنفاسه تتسارع بصورة مخيفة، ثم ضغط سريعًا على اسم سهيل. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ في تلك اللحظة…
كان سهيل يقف داخل الحديقة الخلفية للقصر، يراقب دانا وهي تجلس أمام البيانو تعزف لحنًا هادئًا، بينما كانت ابتسامتها البريئة تنشر حولها حياة لم يعرفها منذ سنوات خاليه من الانتقام والعنف وجرائم المافيا، كان يشعر معها بأن العالم توقف ولا يووحد به اي شئ سئ.. _وقف ينظر إليها مبتسمًا دون أن يشعر، وكأن صوت البيانو كان يهدئ كل الفوضى التي تسكن داخله وفجأة رن هاتفه، أجاب وهو ما يزال ينظر إليها. سهيل ألو جاءه صوت والده مختنقًا.
سيب كل اللي في إيدك وتعالى حالًا سهيل في إيه صرخ فاروق من الطرف الآخر. عزت السيوفي قتل أخوك _ساد الصمت واختفت الابتسامة من وجه سُهيل كأنها لم تكن موجودة أصلًا، وتحولت ملامحه في لحظة إلى قناع من الغضب والصدمة، بينما ارتجفت أنفاسه بعنف، وعادت إلى رأسه كل سنوات القهر والانتقام التي عاشها وهو عاجزاً عن الانتقام لوالدته من ذلك الرجل، والان فقد شقيقه علي يد نفس ذلك الرجل
_رفع عينيه ببطء نحو دانا، كانت ما تزال تعزف، تبتسم للحن الذي يخرج من بين أصابعها، لا تعلم أن عالمًا كاملًا ينهار في تلك اللحظة، تبدلت نظراته إليها، واختلط داخلها الألم بالغضب والضياع، ثم تحركت يده ببطء نحو السلاح المعلق عند خصره، وبقيت عيناه معلقتين بها، بينما كان عقله يغرق في حرب قاسية بين وعد قطعه لنفسه بحمايتها… ورغبة سوداء في الانتقام من الرجل الذي سرق منه كل شيء. _فماذا سيفعل سهيل؟
“مات امام كده الروايه بدأت بالنسبالي اللي عدي كله كان كلام فااضي 😂😂☺️” …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!