رواية أربعيني في أحضان مراهقة الجزء الخامس 5 بقلم رحاب القاضي أربعيني في أحضان مراهقةرواية أربعيني في أحضان مراهقة الحلقة الخامسة “أمان” ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تُدهشني قُدرتكَ على قلبي، قلبي الذي أظُنه صلبًا في أغلب الأحيان، كيف يكون معكَ بكُل هذا اللين دائماً؟! _مي زياده °°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
_دلف اسلام لمنزل والدته وهو يحمل علي زراااعه لينا التي تصييح فيه بأن يتركها وشأنها ولكن غضبه اكبر من حديثها، وما إن رأته والدته حتي قالت بفزع.. وفاء في ايه… شايلها كده ليه؟ _لم يجيبها إسلام بل اخذ تلك الصغيره وذهب الي غرفته وانزلها علي فرااشه واقترب منها وقال بحده. اسلام اهدي احسنلك.. وقبل ان تدلف والدته للغرفه ذهب ووقف امامها وقال بجمود.. اسلام لحظه يا امي وهاااجي افهمك كل حاجه.. وفاء تفهمني ايه مالك ومالها يا ابني؟
اسلام بحده لو سمحتي يا امي انا هاجي وهفهمك كل حاجه.. _واغلق الباب بوجهها بقوه ونظر لـ لينا التي كانت تجلس علي السرير وهي تنظر له بخووف وقالت.. لينا انا همشي هكلم مامي تيجي تاخدني.. اقترب منها اسلام وقال انا هرووحلها وهكلمها وهفهما انك مراتي واني مش ناوي اطلقك.. امتلئت عيناها دموع وقالت هو بالعافيه انا مش عايزه اقعد معاك ولا عايزه اخلف منك.. اسلام بجمود نصيبك كده بقي.. ابتعدت عنه وهي تقف بعيداً وقالت
نصيبي ده انت اللي فرضته عليا، انا ما كنتش فااهمه حاجه انت اللي قربت مني وانت اللي قررت تتجوزني، وبعدين مش انا بنت مش كويسه واخلاقي مش كويسه، عايز تخلف مني ليه ما هو البيبي اللي هيجي ده انا هبقي مامته برضو.. اسلام بضيق انا مش قاادر اتكلم واتنااقش دلوقتي بس اللي اعرفه حاجه واحده بس، الطفل ده هيجي وانتي مش هتمشي ولا هتبعدي عني.. لينا لا مش من حقك تحكم عليا اعمل حاجه انا مش عايزاها مسح بيده علي وجهه وقال بحده
هو ايه اللي مش عايزاااه، خلاص بقيتي حامل واللي حصل حصل حرام اصلا تنزليه.. لينا بحده ومش حراام اللي انت عملته فيا، مش حرام كل اللي بيحصل فيا ده؟ اسلام مش ذنبي اللي بيحصل فيكي ده، اللي بيحصل ده حاسبي ابوكي وامك عليه، انا اتورطت فيكي بسببهم انا كمان، لو كانو عارفين يربووكي وياخدو بالهم منك ما كانش زمانك في حياتي دلوقتي.. هبطت دموعها بحزن وقالت طلقني وابعد عن حياتي ومش هخليك تشووفني تاني..
اقترب منها واشار بيده لموضع جنينه بداخلها وقال والطفل اللي جاي ده؟؟ دفعته بقوه بعيداً عنها وقالت قولتلك هنزله وخلصنا خلاص.. اسلام بجمود انا عايزه.. لينا بحده وانا مش عايزااه عشان منك انت.. اسلام مش بمزاجك انا اللي هقرر وانتي تنفذي كلامي وبس.. لينا بسخريه ومين قالك اني هسمع كلامك، انا ما حدش يقدر يمشي كلامه عليا.. رمقها بجمود وقال
انا مش ابووكي ولا امك، انا اسلام البحيري وجوزك يعني غصب عن اهلك هتسمعي كلامي، ومن النهارده انتي مرااتي وبس والكلمه اللي اقولها وما تتسمعش هحاسبك عليها، وهربيكي التربيه اللي اهلك ما عرفوووش يربوها ليكي.. أثار كلامه غضبها وردت عليه بانفعال وقالت بدل ما تعمل راجل عليا انا وتستغل اني لوحدي وما ليش حد، رووح اتشطر علي مراتك اللي غفلتك وضحكت عليك مش سنه ولا اتنين دول عشرين سنه واكتر..
_استشاااط غضباً من حديثها هي الاخري وبكل قووته صفعها علي وجهها وقبل ان تسقط علي الارض جذبها من خصلاتها وصااح فيها غاضباً.. اسلام تلمي لسااانك ده معايا، وقلة ادب مش عايز.. هبطت دموعها ونظرت له بخووف قائله ابعد عني.. _اقترب منها اكثر ومازالت يده تقبض علي خصلاتها وقال بجديه غاضبه.. اسلام خلاصة الكلام طلاق مش هطلق، وتعودي نفسك علي انك مراتي وهتفضلي تحت المسمي ده علي طول..
_انهي حديثه ودفعها بقوه علي سريره، فسقطت عليه وهي متألمه من طريقته العنيفه معاها، وتركها وذهب للخارج واغلق عليها باب الغرفه بالمفتااح، واقتربت منه والدته وقالت.. وفاء انت بتعمل ايه؟ اسلام عشان ما تخرجش ودي مجنونه ما اضمنش تصرفااتها.. وفاء يعني هتعمل ايه، ما تحبسهااش يا اسلام عيب كده.. تنهد بضيق وقال لينا حامل يا امي،وحاابسها عشاان عايزه تسيبني وترووح تنزله.. صُدمت وفاااء بقوه وقالت
اا انت بتتكلم بجد هي حامل، شووفت مش انا قولتلك والله من لما عرفت انك اتجوزتها وانا ليل نهار بدعي ربنا ان ربنا يعوضك علي ايديها.. جلس إسلام علي الاريكه وقال بحزن ياريتك ما دعيتي، انا مش عارف اعمل ايه يا امي… جلست وفاء بجواره وقالت وهي دي محتاجه كلام، انت هتطلق العقربه شااديه وخلاص لينا حلوه عليك، بس هات افتحلها الباب وانا هصالحها عشاان شكلك مزعلها اووي، وعقبال ما تملالك البيت عيال يا حبيبي.. اسلام
مش بالبساااطه دي، انتي عارفه يعني ايه النااس تعرف اني متجوز لينا بنت وليد الجندي اللي اصغر مني باكتر من عشرين سنه، وكل ده كووم وشااديه كووم تاني انا مش فااهم حاجه.. وفاء لا انت فااهم كويس هي كانت بتستغفلك لما اخدتك ورحتو للدكتور زمان وقالك انك ما بتخلفش، ما دورتش ليه انت علي نفسك واتعالجت.. اسلام عشاان وقتها الدكتور قالي ان مستحيل اخلف، وما حبتش اروووح لحد ما كنتش عايز ابان ضعيف ولا مكسوور قدام حد.. وفاء
اهو ربنا عوضك بس ما تخربش علاقتك بلينا دي لسه صغيره يعني واحده واحده تعودها عليك وعلي طبعك، هات المفتاح عشاان خاطري.. نهض اسلام وقال لا سبيها دلوقتي يا امي، خليها تتربي شويه علي طولة لساانها عليا دي، هي دي الشنطه بتاعتها.. اخدت وفاء حقيبة لينا من علي الطاوله وقالت ايوه وقعت منها وانت داخل بيها وموبيلها رن اكتر من مره.. _اخذ منها اسلام الحقيبه واخرج الهاتف الذي كان يرن برقم شقيقه مراد، فتنهد بنفاااذ صبر وقال.. اسلام
اتفضلي ابنك بيكلمها ليه؟ وفاء بهدوء هو قالي علي اللي كان ناوي يعمله وانا عقلته عشاانك وعشاان لينا برضو ، دي فضيحه مش سااهله، وهو متعاطف مع لينا تلاقيه بيكلمها يطمن عليها.. اجااب عليه اسلام وقال عايز ايه؟ مراد بهدوء لينا فين؟ اسلام بحده وانت مالك بيها، اقسم بالله يا مرااد لو ما بعدت عنها لاوريك الوش التاني انت فاهم ولا لا يالا؟ _لم يجيبه مرااد بل اغلق الهاتف في وجهه، ووفاء قالت بحزن.. وفاء
ممكن تهدي شويه، الامور ما تتحلش كده.. اسلام انا ماااشي ما حدش يقرب منها خالص.. وفاء طيب ورحمة ابووك هات المفتاح ما ينفعش تحبسها يا اسلام اسلام بجديه لو سمحتي يا امي انا مش نااقص، هي ما ينفعش معاها غير كده.. وفاء بحده
مش في بيتي ما تحبسهاش في بيتي، هات المفتاح وانا والله مش هخليها تخرج من البيت، ده انا اكتر واحده كان نفسي يبقالك حتت عيل، فمش هخليها تعمل حاجه في نفسها، بس البت صعباانه عليا حرااام عليك يا ابني ما تتعبنيش معاك انت كمان.. _اعطاها اسلام المفتاح وتركها وذهب خارج المنزل، وفتحت وفااء باب غرفته ووجدت لينا تجلس علي السرير متكوره علي ذااتها وتبكي بقوه وجسدها باكمله ينتفض، فاقتربت منها سريعاً وهي تحتضنها بحنان وقالت.. وفاء
يا قلبي يا حبيبتي، اهدي خلاص ما فيش حاجه.. لينا ببكاء انا عايزه امشي .. وفاء طيب اهدي وانا مش هخليه يعملك حاجه والله.. _ابتعدت عنها لينا قليلا واشارت الي وجهها الذي كان احمر بقوه وقالت ببكاء.. لينا شوفتي هو ضربني بالقلم وشدني من شعري ودي مش اول مره يعمل كده، انا محدش بيعمل فيا كده غير هو وفخري جوز ماما انا بكرهم اوووي.. مسحت وفاااء علي وجهها بهدوء وقالت
جاته كسر ايده ابن العبيطه ده، مش هخليه يمد ايده عليكي وهيعملك كل اللي انتي عايزاااه بس اهدي يا حبيبتي.. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ _وفي ذلك الوقت، كانت نيجار تجلس داخل غرفتها، تضم ساقيها إلى صدرها وهي تحدق بشرود في الفراغ أمامها، بينما كانت كلمات إمام الأخيرة تتردد داخل عقلها كأنها لم تُقال إلا منذ لحظات…
“لما أموت اعملي اللي عايزاه… ادعي بقى زي ما بتدعي في العادي إن ربنا ياخدني بسرعة.” _أغمضت عينيها بقوة وهي تشعر بانقباض مؤلم يعتصر قلبها، لكنها أيضًا لم تستطع يومًا أن تغفر له أو تتقبله، تشعر بالغضب منه… والخوف منه… والشفقة عليه في الوقت ذاته، وكأن قلبها يخوض حربًا لا تعرف كيف تنهيها، هبطت دمعة ساخنة فوق وجنتها، وقبل أن تسترسل في أفكارها، دوّى صوت والدتها من خارج الغرفة. فتحية يا نيجار… يا بنتي.
اعتدلت سريعًا ومسحت آثار دموعها ثم قالت بصوتٍ حاولت أن تجعله طبيعيًا. نيجار أيوه يا ماما. فتحية تعالي عايزاكي _تنهدت نيجار بإنهاك ثم خرجت من غرفتها، فوجدت والدتها تجلس في الصالة وتشير إليها أن تجلس بجوارها، فجلست نيجار في صمت، فربتت فتحية على يدها بحنان وقالت بهدوء… فتحية انتي بقالك فترة مش بتروحي، ودي آخر سنة ليكي. خفضت نيجار رأسها وقالت بصوتٍ باهت مخنوقة يا ماما… والله ماليش نفس أخرج من البيت ولا أشوف حد.
تنهدت فتحية بحزن وقالت مهما فضلتي حابسة نفسك كده مش هيغير حاجة يا بنتي، أنا عارفة إنك زعلانة من إمام، وعندك حق في حاجات كتير، بس ما تديله فرصة بجد، يمكن يتغير عشانك، يمكن حبك يخليه يبطل كل اللي بيعمله.. _ضحكت نيجار ضحكة ساخرة امتزجت بالألم، ثم قالت بانفعال… نيجار إنتوا ليه شايفين الموضوع عادي كده، ده مجرم يا ماما مجرم حياته كلها حرام في حرام، ودم، وسلاح وانتقام، هو الحب ده يمحي كل ده؟ فتحية بس يا بنتي…
قاطعتها نيجار وهي تكاد تبكي الواحد بيختار شريك حياته عشان يحس معاه بالأمان، قوليلي بالله عليكي أحس إزاي بالأمان مع واحد إيده مليانة بدم الناس، أنا بخاف منه من وأنا صغيرة، عمري ما حسيت وأنا واقفة قدامه إني مرتاحه ومتطمنه.. _ساد الصمت للحظات، ثم قالت فتحية بصوتٍ خافت… فتحية بس يمكن ربنا يهديه… هزت نيجار رأسها بعنف. وليه أنا اللي أبقى التجربة، وليه مطلوب مني أضحي بعمري كله عشان يمكن يتغير، هو أنا غلطانة عشان رفضاه؟
_ثم نهضت واقفة وهي تنظر إلى والدتها بعينين امتلأتا بالدموع. نيجار ليه كلكم شايفني أنا الغلط، رفضي ليه هو الصح، هو إنسان وحش، ومكانه السجن ما يستاهلش أي فرصة كويسة ولا يستاهل حد يغامر بعمره عشانه. _لم تنتظر رد والدتها، بل استدارت ودلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وما إن بقيت بمفردها حتى استندت بظهرها إلى الباب، وانهمرت دموعها بغزارة، وكانت تردد بين شهقاتها وكأنها تحاول إقناع قلبها قبل عقلها… نيجار
أنا صح… أنا صح… مستحيل أعيش مع واحد زيه مستحيل. لكن رغم كلماتها، كانت صورة إمام وهو ينظر إليها بانكسار، وكلماته الأخيرة وهو يتمنى الموت، تلاحقها بلا رحمة وضعت كفيها فوق أذنيها محاولة إسكات صوت قلبها الذي تعاطف معه رغمًا عنها، بينما كان عقلها يصرخ بكل قوته… “لا… هذا الطريق الصحيح.. مهما كان الوجع.” ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
_وليلاً، كان الصمت يخيّم على شقة ياسر، بينما جلس إسلام على الأريكة مطرق الرأس، شارد الذهن، وكأن العالم كله قد توقف حوله، أما ياسر فكان يراقبه منذ دقائق دون أن يتحدث، فقد كان يعلم أن صديقه لا يصمت بهذا الشكل إلا إذا كانت الدنيا قد انقلبت فوق رأسه، وأخيرًا قطع ياسر الصمت وقال بهدوء… ياسر مالك يا إسلام من ساعة ما دخلت وانت ولا نطقت بكلمة. ظل إسلام ينظر إلى الأرض للحظات، ثم أخرج من جيبه نتيجة التحليل وألقاها أمامه. إسلام
لينا حامل خد اقرأ كده وشووف انا عملت ايه، اتهمتها في شرفها عملت تحليل dna لابني عشاان اتأكد وطلعت فعلا حامل مني. _تناولها ياسر بعدم فهم، وما إن وقعت عيناه على النتيجة حتى اتسعت عيناه بصدمة، ونهض واقفًا وهو ينظر إليه بعدم تصديق. ياسر يعني… يعني إيه ده؟ رفع إسلام رأسه إليه وقال بصوتٍ خافت يعني لينا حامل… والطفل ابني. _ظل ياسر ينظر إليه عدة ثوانٍ كأنه لم يستوعب ما سمعه، ثم قال بانفعال… ياسر يا نهار أبيض… بجد؟!
هز إسلام رأسه بصمت وجلس ياسر مكانه مرة أخرى وهو يمرر يده في شعره بذهول. ياسر يعني… يعني بعد عشرين سنة؟ ابتسم إسلام ابتسامة باهتة مليئة بالمرارة. أنا نفسي مش مصدق، حاسس إني بحلم، لما الدكتور قال إن التحليل إيجابي، حسيت إن الدنيا كلها وقفت، أول مرة في حياتي أحس بالاحساس ده،فاهم يعني ايه ربنا اداني الحاجة اللي فضلت مستنيها عمري كله، بس في نفس اللحظة، حسيت بخوف عمره ما دخل قلبي قبل كده. عقد ياسر حاجبيه وقال خوف من إيه؟
إسلام من إنها تضيعه مني، دي بنت مراهقه ومش فاهمه حاجه ساد الصمت، بينما أكمل إسلام بصوتٍ مختنق البنت أول كلمة قالتها بعد ما عرفت النتيجة، إنها هتنزل الطفل، وأنا بقالي عشرين سنة مستني اللحظه دي، تقوم تيجي هي تقول بكل سهولة إنها هتخلص منه. تنهد ياسر بحزن وهو ينظر إليه حقها يا إسلام تزعل انت ضغطت عليها جامد باللي عملته ده. رد إسلام سريعًا وكأنه يدافع عن نفسه
أنا عارف وعارف إني غلطت في حقها كتير بس غصب عني، كل ما أبص عليها ألاقي نفسي مش فاهمها، مرة طفلة خايفة، ومرة عنيدة بشكل يجنن، ومرة تبقى واقفة قدامي بتعيط فأحس إني أوطى بني آدم في الدنيا زفر بقوة وهو يضغط على رأسه وقال أنا تايه يا ياسر لأول مرة في حياتي أبقى تايه. ربت ياسر على كتفه وقال بهدوء
اسمعني كويس أي حاجة في الدنيا تتعوض إلا الطفل ده، مهما حصل بينك وبين لينا، حافظ على ابنك أو بنتك، دي نعمة ربنا بعتها بعد سنين طويلة بلاش تضيعها بغلطاتك. هز إسلام رأسه وهو يقول بإصرار مستحيل أسمح لحد يأذيه، حتى لو هخسر الدنيا كلها. _وفي تلك اللحظة، رن هاتفه نظر إلى الشاشة، فظهر اسم شادية، ظل ينظر للاسم عدة ثوانٍ دون أن يجيب، وابتسم ياسر بسخرية وقال… ياسر
والهانم بترن، ناوي تعمل معاها إيه،بقيت باينه زي عين الشمس انها هي اللي خدعتك؟ _أغلق إسلام الهاتف دون أن يرد، ثم وضعه على الطاولة وقال بجمود… إسلام أريح موضوعي مع لينا الأول، وبعدها أبقى أشوف شادية، دلوقتي ما بقاش عندي أهم من لينا. نظر إليه ياسر متعجبًا فأكمل إسلام بهدوء في حتة مني عندها… ابني، دلوقتي ما عنديش حاجة أهم منه ولا أهم منها وهي شايله ابني. ابتسم ياسر ابتسامة خفيفة وقال.
حاسس إنك ابتديت تتعلق بيها اكتر من الأول هز إسلام رأسه بالنفي سريعًا لا… متقولش كده، أنا كل اللي بفكر فيه دلوقتي الطفل غير كده مش قادر أفكر. تنهد ياسر وقال فكر بعقلك يا صاحبي وما تتسرعش العصبية دي هتخسرك كل حاجه، انت ناوي تعمل إيه؟ اعتدل إسلام في جلسته وقال بجدية ناوي أقابل دينا كمان شوية. ياسر أم لينا؟ إسلام لازم تعرف الحقيقة، لازم تعرف إن بنتها مراتي، وإنها حامل مني. ياسر ومتوقع رد فعلها؟
_أطلق إسلام ضحكة قصيرة خالية من أي فرحة وقال… إسلام ولا متوقع أي حاجة، دي أمها طبيعي تخاف عليها وطبيعي تكرهني ويمكن تقلب الدنيا عليا ابتسم ياسر رغم توتر الموقف وقال تستاهل. _ابتسم إسلام لأول مرة منذ بداية اليوم، لكنها كانت ابتسامة مرهقة، ثم قال وهو ينهض من مكانه… إسلام المهم عندي إنها تسمع مني، وبعدها اللي يحصل يحصل. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
وفي ذلك الوقت، كان الهدوء يملأ منزل عائلة البحيري، ولم يبقَ مستيقظًا سوى القليل. دلف أدهم إلى المنزل بعدما انتهى من عمله، وقد بدا عليه الإرهاق، فنزع سترته وألقاها فوق الأريكة، ثم اتجه مباشرةً إلى المطبخ، وفتح الثلاجة وأخذ بعض الطعام، ثم جلس أمام الطاولة وبدأ يتناول عشائه في هدوء، قبل أن تدخل وفاء وهي تحمل كوبًا من الشاي، وما إن رأته حتى ابتسمت وقالت. وفاء لسه راجع دلوقتي أدهم وهو يلتهم الطعام
والله يا أمي اليوم كان طويل بشكل يخلي الواحد ينسى اسمه، قولت حتى آكل لقمتين قبل ما أنام. _جلست أمامه وهي تراقبه للحظات، ثم قالت بهدوء. وفاء كنت مستنياك عايزة أكلمك شوية. رفع رأسه إليها وهو يمضغ الطعام وقال. خير يا ست الكل، شكلك شايلة هم. تنهدت وفاء بحيرة وقالت مش عارفة أفرح ولا أقلق من ساعة ما عرفت إن لينا حامل وأنا قلبي مبسوط عشان أخوك، لكن في نفس الوقت البنت صعبانة عليا بشكل مش طبيعي. أدهم
ليه بس هو صحيح اللي حصل بينهم ما كانش أحسن حاجة، لكن في الآخر دي مراته، ومع الوقت هتتعود عليه والدنيا هتهدى. هزت رأسها بالنفي وقالت. يا ابني الموضوع مش بالسهولة دي، دي بنت صغيرة أوي، بينه وبينها أكتر من عشرين سنة، غير فرق التفكير، غير اللي حصلها من أول يوم شافته فيه، ومن ساعة ما دخلت البيت وهي لا أكلت ولا شربت ولا حتى خرجت من الأوضة، وأنا كل ما أخبط عليها تقوللي سيبيني لوحدي. أدهم وقد خفتت ابتسامته وإسلام فين؟
وفاء بضيق من الصبح وهو مختفي، لا بيرد على تليفون ولا أعرف راح فين، وسايب البنت بالحالة دي، وأنا مش عارفة أعمل إيه معاهم. تنهد أدهم وهو يشرب قليلًا من الماء. هو أكيد دماغه هتنفجر من اللي عرفه، مرة واحدة يكتشف إنه هيبقى أب بعد عشرين سنة، ويكتشف إن شادية كانت ضاحكة عليه كل السنين دي… طبيعي يبقى تايه. وفاء عارفة… بس البنت ملهاش ذنب. كل ما أبص في وشها أحس إنها طفلة اتحدفت وسط نار مالهاش دعوة بيها. ادهم
لا نار ولا حاحه والله دي بس تفهم اسلام وهتعشقه،انتي مخلقه تلات حتت سكر يا فوفا.. _نظرت وفاء اليه بابتسامة خفيفة، تخفي خلفها قلقًا كبيرًا على تلك الفتاة الصغيرة التي تنام في الغرفة المجاورة، وعلى ابنها الذي انقلبت حياته كلها في يومٍ واحد. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
وفي ساعةٍ متأخرة من الليل، كان أحد المقاهي الهادئة يكاد يخلو من الزبائن، بينما جلس إسلام أمام دينا، وقد بدت ملامحه مرهقة على غير عادته، وكأن أعوامًا طويلة قد مرت عليه في يومٍ واحد. ظل ينظر إليها لثوانٍ صامتًا، ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال بهدوءٍ يخفي خلفه عاصفةً كاملة. إسلام
أنا قولتلك كل اللي حصل يا دينا، ويشهد ربنا إني ما كذبتش عليكي في كلمة واحدة، واللي حصل للينا كان غصب عنها وغصب عني أنا كمان، ويمكن لو الزمن رجع بيا كنت أتمنى حاجات كتير تتغير، لكن اللي حصل خلاص انتهى، ودلوقتي لينا مراتي رسمي، وحامل في ابني، وأنا مش ناوي أطلقها مهما حصل، وجيت أكلمك الأول لأنك أمها، وكنت متوقع إن أول واحدة تقف جنبها في اللي هي فيه تكوني إنتِ.
_ظلت دينا تنظر إليه ببرودٍ شديد، ثم أخذت رشفةً من فنجان القهوة الموضوع أمامها، وقالت وكأن الأمر لا يعنيها. دينا البنت دي تعبتني بما فيه الكفاية، وأبوها سابهالي واختفى، وأنا مش ناقصة قرفها ومشاكلها أكتر من كده. _انعقد حاجبا إسلام، وحدق بها غير مستوعبٍ ردها، ثم قال بامتعاض. إسلام إنتِ بتقولي إيه، دي بنتك، حتى لو غلطت ألف مرة فهي محتاجة أمها تقف جنبها، مش أول واحدة ترميها وهي في أصعب وقت في حياتها.
ابتسمت دينا بسخريةٍ باردة وقالت إنت مش فاهم حاجة يا إسلام، أنا بكره في حياتي البنت دي. تجمدت ملامحه، بينما أكملت بنفس البرود لأنها مش بنتي أصلًا. _ساد الصمت بينهما لثوانٍ طويلة، وكأن الكلمات توقفت عن الوجود، بينما ظل إسلام ينظر إليها غير قادرٍ على استيعاب ما سمعه. إسلام …إزاي يعني مش بنتك؟ _تنهدت دينا، وأسندت ظهرها إلى المقعد وقالت. دينا لأن لينا بنت وليد… وآسيا، مش بنتي أنا.
_لمعت الدهشة في عينيه، إلا أنها لم تكن دهشةً كاملة، وكأن داخله كان يتوقع وجود سرٍ أكبر مما يعرفه، لكنه لم يتخيل أن يكون بهذا الحجم. إسلام قصـدك إيه فهميني من الأول؟ أخفضت دينا بصرها للحظات، ثم قالت بهدوء أنا أصلًا ما بخلفش ووليد كان ابن عمي، وهو اللي حكالي كل حاجة بنفسه، وبعدها اتجوزني، وطلب مني أبقى أم للبنت دي قدام الناس. نظر إليها إسلام بجمود احكيلي كل الحقيقة، لينا دلوقتي مراتي، ومن حقي أعرف كل حاجة عنها.
_أخذت دينا نفسًا عميقًا، ثم بدأت الحديث مجددا وقالت.. دينا زمان بعد ما وليد وآسيا اتخرجوا من الجامعة على طول، اتجوزها في السر، لأن أهله كانوا رافضينها تمامًا بسبب انها مش من مستواهم، والجواز كان عرفي، وكان فاكر إن بعد الجواز كل حاجة هتتصلح… ابتسم اسلام بسخريه وقال يعني اسيا اتجوزت وليد في السر؟! دينا
ايوه.. لكن آسيا بعد الجواز اكتشفت إن وليد مش مجرد راجل غني، اكتشفت إنه ابن زعيم مافيا، وإن حياته كلها دم وسلاح وصفقات حرام، وخافت، وقررت تسيبه وتمشي، وليد وقتها ضغط عليها، وقالها لو سابته مش هيعترف أصلًا بالجواز، وهي وافقت تكمل على الورق، لكنها كانت رافضة حتى تقرب منه، وبعدها هو سافر وسابها. اسلام بفضول وبعدين… كملي يا دينا… دينا
كان بيحبها بشكل مرضي، ويمكن عمره ما حب واحدة غيرها، لكنه لما عرف بعد فترة إنها حامل منه، وإنها اتجوزت ابن عمها، وناوية تكتب البنت باسمه، الحب ده كله اتحول لكراهية. إسلام بحدة عرف منين؟ هزت كتفيها بلا مبالاة. ما أعرفش وليد كان بيعرف كل حاجة عنها ما اعرفش منين، المهم وقتها قال إنها كانت ناوية تحرمه من بنته، فقرر يعمل فيها نفس اللي كانت هتعمله فيه، وبعد ما ولدت بأقل من شهر، خد منها لينا، وفهمها إن بنتها ماتت.
_أغمض إسلام عينيه بقوة، وشعر بقشعريرةٍ تسري في جسده، بينما قالت دينا بكل برود. دينا وبعدها بفترة اتجوزني، وقال للناس إن لينا بنتي، وأنا وافقت بصراحة، وليد الجندي وقتها كان الراجل اللي ألف واحدة تتمناه، وأنا كنت بنت عمه، والجوازة دي كانت بالنسبالي مكسب. _فتح إسلام عينيه ببطء، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهه، وقال بصوتٍ منخفض لكنه يحمل غضبًا هائلًا. إسلام
وليد ده شيطان، دمر حياة آسيا، وحرمها من بنتها وهي عايشة، ودمر حياة بنته وهي لسه طفله ده إنسان ما يعرفش يعني إيه رحمة. _ارتشفت دينا ما تبقى من قهوتها، ثم قالت بلا اهتمام.. دينا كل ده ما يهمنيش، اللي يهمني إن البنت دي مش بنتي، ومش عايزة يبقى ليا أي علاقة بيها. _حدق بها إسلام طويلًا، وشعر للمرة الأولى أنه بدأ يفهم لماذا كانت لينا تشعر دائمًا بأنها غير مرغوبٍ فيها داخل منزل والدتها، ثم قال بجمود. إسلام
لينا ما ينفعش تعرف أي كلمة من اللي قولتيها دلوقتي. دينا ليه؟ إسلام لأن نفسيتها أصلًا منهارة، ولسه بتحاول تستوعب اللي حصلها، ولو عرفت الحقيقة دي دلوقتي هتنهار أكتر، وأنا مش مستعد أخاطر بيها ولا بابني. _ثم مال بجسده للأمام، وحدق بعينيها مباشرةً وقال بنبرةٍ حاسمة. إسلام
من النهارده تنفذي اللي هقوله وبس، ومش عايزك تقربي منها ولا تكلميها في أي حاجة تخص الماضي، ولا تلميحلها بكلمة واحدة من الحقيقة دي، ولحد ما أنا أقرر الوقت المناسب، هتفضلي بعيدة عنها تمامًا. ابتسمت دينا ببرود. ما تقلقش ده أصلًا اللي أنا كنت عايزاه.
_نهض إسلام من مقعده ببطء، وألقى على الطاولة ثمن المشروبات، ثم نظر إليها نظرةً أخيرة، وقد تبدلت نظرته لها تمامًا، فلم يعد يرى أمامه أمًا قاسية فحسب، بل امرأةً قبلت أن تعيش سنواتٍ كاملة بجوار طفلةٍ بريئة دون أن تمنحها يومًا واحدًا من دفء الأمومة، أما داخله، فقد كان يغلي بالغضب من وليد الجندي، لكنه أقسم في تلك اللحظة أن لينا لن تُحرم مرةً أخرى من حقها في الأمان، ولو اضطر أن يقف في وجه العالم كله من أجلها ومن أجل طفله القادم.
ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ وفي منزل عزت السيوفي، كان الليل قد أوشك على الانتهاء، ولم يتبقَ على أذان الفجر سوى دقائق قليلة، بينما جلس سُهيل داخل غرفة الضيوف بعدما انتهى الطبيب من تضميد جرح ذراعه كان الألم لا يزال ينهش جسده، لكنه لم يكن بنفس قسوة التفكير في المهمة التي جاء من أجلها، فأخرج هاتفه وأجرى اتصالًا سريعًا. رمزي
الحمد لله إنك رديت، والله العظيم كنا هنتجنن عليك، إمام وابوك فضلوا يتصلوا بيك من ساعة اللي حصل. سُهيل وهو يخفض صوته طمنهم عليا وقولهم أنا كويس، الرصاصة خدت لحمة من دراعي بس، والدكتور شالها والدنيا تمام، والأهم من كل ده إن الخطة نجحت، وأنا دلوقتي جوه بيت عزت السيوفي، ومن اللي شوفته لحد دلوقتي أقدر أقول إن أول خطوة عدت على خير. رمزي
الحمد لله وإمام كمان خلص العملية اللي كان داخلها، بس نفسيته وحشة أوي، ومن ساعة ما رجع وهو ساكت، وشكله متأثر بسبب نيجار ابتسم سُهيل ابتسامة خفيفة وقال سيبه يخلص اللي هو فيه دلوقتي، وأنا عندي طريقة هتخلي نيجار توافق عليه وبرضاها كمان. رمزي بحماس. والنبي قول ما تعلقنيش كده، إيه هي الطريقة؟
_وقبل أن ينطق سُهيل بحرف، التقطت أذناه صوت حركةٍ خافتة خارج الغرفة، وكأن أحدهم يقف ملاصقًا للباب، تبدلت ملامحه في لحظة، وأغلق الهاتف سريعًا وهو يقول لرمزي سُهيل هكلمك بعدين. _ألقى الهاتف فوق الفراش، ثم اقترب من الباب بخطوات هادئة، ووضع يده على المقبض، وبحركةٍ سريعة فتحه، واتسعت عيناه بدهشة فقد كانت هي نفس الفتاة التي طالما رآها تقف خلف نافذة الطابق العلوي، تراقبه في صمت.
_وقفت أمامه متجمدة، واتسعت عيناها البنيتبن بخوفٍ واضح، بينما أخذ قلبه يخفق بسرعة لم يفهم سببها، لم تكن مجرد فتاة جميلة بل كان في ملامحها شيء نقي، هادئ، أقرب إلى الأطفال منه إلى الكبار، أما هي، فكانت حالتها أصعب بكثير لأول مرة تقف بهذا القرب من شخصٍ غريب، دون أن يفصل بينهما زجاج نافذة أو جدران، ارتبكت واستدارت سريعًا لتغادر، لكنه أمسك معصمها برفق، وسحبها إلى الداخل، ثم أغلق الباب، نظر إليها بجمود وقال. سُهيل
كنتي واقفة بره بتعملي إيه، وسمعتي إيه من كلامي؟ _حدقت فيه بخوفٍ وعدم فهم، فكرر سؤاله بنبرةٍ أكثر حدة. سُهيل بقولك سمعتي إيه؟ ارتجفت شفتاها، ثم قالت بصوتٍ خافت. أنا… أنا مش سمعاك عقد حاجبيه وقال يعني إيه مش سمعاني؟ أشارت بإصبعها المرتجف إلى الأرض. السماعة… وقعت مني.
_خفض بصره، فوجد بالفعل سماعة أذن صغيرة ملقاة بجوار الباب، انحنى والتقطها، ثم اقترب منها حتى أصبح على بعد خطوة واحدة، ومد يده إليها، فارتجفت أصابعها وهي تأخذ السماعة منه، ثم وضعتها في أذنها بسرعة، وقال بهدوء هذه المرة. سُهيل دلوقتي سمعاني؟ هزت رأسها بابتسامةٍ صغيرة وقالت اه… دلوقتي بسمعك. ابتسم بتلقائيه طيب جاوبي كنتي واقفة ليه؟ رفعت رأسها إليه بخجل، ثم قالت ببراءة.
كنت جاية أطمن عليك، أنا خوفت عليك أوي لما شوفتهم شايلينك والدم كان على هدومك، وفضلت مستنية لحد ما الدكتور خرج، وبعدها نزلت أشوفك. _نظر إليها طويلًا، غير مصدق أن كل هذا القلق كان من أجله ثم قالت فجأة وهي تبتسم. : هو… هو إنت كنت بتشوفني صح، يعني وأنا واقفة في الشباك كنت بتبصلي وتضحك، ولا أنا كان بيتهيألي؟ ابتسم سُهيل وقال. لأ ما كانش بيتهيألك، إحنا كلنا كنا بنشوفك، وكل يوم تقريبًا كنت بلاقيكي واقفة في نفس المكان.
اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وقالت بحيرة غريبة بابا ودادا ناهد بيقولولي إن محدش بيشوفني، وإن محدش يقدر يشوفني أصلًا. ضحك بسخريه وقال ليه يعني هو إنتِ عفريتة؟ تغيرت ملامحها فورًا وقالت بحزن أنا… عفريتة؟ انتبه لما قاله، ولوح بيده السليمه وقال لا لا… بهزر، ما قصدتش، وبعدين هو فيه عفريتة تبقى قمر كده؟ _احمر وجهها بخجل، وضحكت ضحكةً صغيرة خرجت بعفوية جعلته يبتسم دون إرادة، وقالت وهي تنظر نحو الباب.
: أنا لازم أطلع فوق مينفعش أخرج من أوضتي وإنت هنا. سُهيل وليه يعني؟ قالت ببساطة شديدة عشان بابا قالي الناس وحشة، وما ينفعش أتعامل معاهم، ولا حد يشوفني. هز رأسه ساخرًا، ثم قال. يا نهار أبيض ده إنتِ روبانزل أوي. أضاءت عيناها فجأة، وضحكت بحماس آه… وأنا أصلًا بحب روبانزل جدًا. ثم أشارت إليه بإصبعها وقالت وإنت يوجين. سُهيل نعم يا أختي؟ ضحكت أكثر وقالت
أصل أول ما شوفتك افتكرت يوجين، وأنا كل ما أتفرج على الفيلم أحس إني شبه روبانزل، قاعدة فوق لوحدي، وببص من الشباك على الناس عشان كده سميتك يوجين. قهقه سُهيل وقال والله أول مرة حد يسميني يوجين. ابتسمت بخجل وقالت حلو الاسم عليك. نظر إليها مبتسمًا، ثم قال بهدوء. طيب اطلعي دلوقتي قبل ما حد يشوفك وتحصلنا مشكلة. _هزت رأسها بالموافقة، ثم وقفت عند الباب، واستدارت إليه مرةً أخيرة.
: إنت مش هتمشي صح يعني هتفضل هنا، وأنا هفضل أشوفك من الشباك كل يوم؟ وللمرة الثانية خلال دقائق، شعر أن قلبه يخفق بعنفٍ غريب، لم يعرف له تفسيرًا، فابتسم رغمًا عنه وقال. سُهيل حاضر مش همشي. _اتسعت ابتسامتها كطفلةٍ حصلت على لعبتها المفضلة، ثم خرجت تركض بخفةٍ نحو الدرج، أما هو، فظل واقفًا مكانه، ينظر إلى الباب الذي أغلقته خلفها، وكأن جزءًا من روحه خرج معها.
ولأول مرة منذ سنوات، شعر أن كل ما يحمله بداخله من قسوةٍ وغضب قد تراجع أمام ابتسامةٍ بريئة كتلك، كيف يمكن لملاكٍ بهذا القدر من النقاء أن تكون ابنة عزت السيوفي؟ كيف لعينين لا تعرفان سوى البراءة أن تنتميا إلى رجلٍ امتلأت يداه بدماء الأبرياء، بدت له وكأنها زهرةٌ نبتت خطأً وسط صحراءٍ قاحلة، أو حمامةٌ بيضاء حُبست داخل قفصٍ صنعه ذئب.
وفي تلك اللحظة أدرك سُهيل أن مهمته داخل هذا المنزل لم تعد كما كانت، وأن تلك الفتاة الغريبة، التي لم يعرف من الدنيا سوى نافذتها الصغيرة، بدأت تحتل مكانًا داخل قلبه دون أن تستأذن. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
_دلف إسلام إلى منزل عائلته بعد منتصف الليل، وكانت أرجاء المنزل غارقة في هدوءٍ تام، لا يُسمع فيه سوى صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط، فخلع سترته ببطء وألقاها فوق الأريكة، ثم جلس للحظات واضعًا مرفقيه فوق ركبتيه، بينما أخفى وجهه بين كفيه، وكأن العالم بأكمله سقط فوق رأسه في يومٍ واحد.
كانت كلمات دينا ما زالت تتردد داخل رأسه بلا رحمة، حقيقة لينا، حقيقة آسيا، وكل ما اكتشفه في ساعات قليلة قلب حياته رأسًا على عقب، وأشد ما كان ينهش ضميره، تلك الصفعة التي هوت على وجه لينا منذ ساعات. أغمض عينيه بقوة، ثم همس لنفسه بحزن إيه اللي انا عملته ده هي كانت ناقصه مني قسوه كمان…
_تنهد تنهيدة طويلة، ثم نهض متثاقل الخطوات، واتجه نحو غرفته، إلا أنه توقف أمام الباب لثوانٍ طويلة، وكأن يده أصبحت عاجزة عن الإمساك بالمقبض، لأول مرة يخشى أن يواجه تلك العنيده، بل انها فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، وهو من يقف امام محكمه مليئه بالاشخاص المهمين ويتحدث بثقه سواء كان علي حق ام لا..
فتح الباب بهدوء شديد حتى لا يوقظها، فوجدها نائمة فوق سريره، تضم جسدها الصغير إلى نفسها، وكأنها تحاول أن تحتمي من الدنيا بأكملها، حتى وهي غارقة في النوم كانت ملامحها شاحبة، وآثار البكاء ما زالت مرسومة فوق وجنتيها، وحاجباها معقودان وكأن الحزن يطاردها حتى في أحلامها.
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم اقترب منها بخطوات بطيئة، وجلس على طرف الفراش وظل يتأمل وجهها طويلًا، وجهها، ملامحها، عيناها المغلقتان، حتى خُيل إليه أنه عاد أكثر من عشرين عامًا إلى الوراء. رأى آسيا أمامه، نفس البراءة، نفس الرقة تشبهها كثيراً.. _امتلأت عيناه بالدموع رغماً عنه، وهمس بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيه… اسلام بحزن ليه تبقي بنتها يا لينا، ليه اتحط في الاختبار ده بالذات؟
_ظل ينظر إليها للحظات، ثم نهض واتجه إلى خزانته، وبدل ثيابه في صمت، وعاد مرة أخرى وهو ينوي النوم على الأريكة وقف أمامها قليلًا، ثم نظر إلى الاريكه، ثم عاد ينظر إليها، وفي النهاية استسلم لما شعر به واقترب من الفراش، واستلقى بجوارها بحذر شديد، تاركًا بينهما مسافة، بينما بقيت عيناه معلقتين بوجهها.
مد يده ببطء شديد، وأمسك بكفها الصغير وكانت يدها تكاد تختفي داخل كفه ونظر إليها طويلًا، ثم رفع يدها إلى شفتيه وقبّلها قبلة هادئة، وكأنه يعتذر دون كلمات، وأغمض عينيه وهو يهمس بنبره هادئه أسلام أقسم بالله مهما حصل مش هبقى سبب في دموعك تاني حتى لو الدنيا كلها وقفت ضدي هعوضك عن كل وجع شوفتيه يا لينا _وظل ينظر لها حتي غلبه النوم دون أن يشعر.
_ومع أول خيوط الصباح، كانت لينا أول من استيقظ، فتحت عينيها ببطء، وما إن اعتدلت قليلًا حتى تجمدت مكانها عندما وجدته نائمًا بجوارها، اتسعت عيناها بصدمة، وانقبض قلبها بقوة، وسرعان ما نظرت إلى يدها التي كانت ما تزال داخل يده، فسحبتها بهدوء شديد، حتى لا توقظه، ثم هبطت من فوق الفراش بحذر، وارتدت حذاءها الرياضي بسرعة، ونظرت نحو الباب، وكأن كل ما تتمناه الآن هو الهروب، وسارت بخطوات مترددة حتى وصلت إليه، ومدت يدها إلى المقبض، لكنها توقفت عندما سمعت صوته الهادئ يأتي من خلفها…
اسلام ما تتعبيش نفسك الباب مقفول بالمفتاح. _انتفضت مكانها، واستدارت إليه كان قد استيقظ، ويجلس فوق الفراش ينظر إليها بهدوءٍ، نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ ملئ بالحزن… لينا أنا زعلانة منك أوي، وزعل عمري ما هينتهي، ومش عايزة أقعد هنا دقيقة واحدة، افتحلي الباب لو سمحت. _ظل ينظر إليها دون أن يقاطعها، فأكملت والدموع تلمع داخل عينيها… لينا
أنا لازم أمشي مامي أكيد قالبه الدنيا عليا، وأهلي لازم يعرفوا الحقيقة، مينفعش أفضل مستخبية هنا كأني عملت جريمة. _خفض إسلام بصره للحظات، ثم رفع عينيه إليها مرة أخرى، لكن هذه المرة كان داخله صراع لا يظهر منه شيء على ملامحه، وظلت هي واقفة أمام الباب، تنتظر منه أن يفتح الباب، بينما كان يعلم أن اللحظة القادمة قد تغيّر كل شيء، ثم أخرج هاتفها من درج الكمودينو ومده إليها بهدوء، وهو يقول بنبرة خافتة… اسلام
موبيلك كنت أخدته امبارح، وبالمناسبة أنا قابلت والدتك بالليل وفهمتها كل حاجة حصلت، وهي عارفة إنك هنا، وما عندهاش أي مانع إنك تفضلي معايا. _رفعت لينا رأسها إليه بصدمة، ثم انتزعت الهاتف من يده بعصبية وقالت بانفعال… لينا كداب مستحيل مامي توافق تسيبني هنا معاك، أكيد قولتلها كلام غير الحقيقة أو ضحكت عليها زي ما ضحكت عليا.
_لم يرد عليها، بل ظل واقفًا ينظر إليها بهدوء أما هي، فأسرعت تبحث عن اسم والدتها، وما إن ضغطت على الاتصال حتى بدأت أنفاسها تتلاحق من شدة التوتر، وبعد لحظات، جاءها صوت دينا البارد وهي تقول دينا خير يا لينا في إيه؟ _اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت بصوتٍ مرتجف يكاد يبكي صاحبه… لينا مامي تعالي خديني بالله عليكي الراجل ده حابسني عنده ومش راضي يسيبني أمشي، أنا مش عايزة أفضل هنا ثانية واحدة. تنهدت دينا بضيق شديد، ثم قالت بحدة
هو أنا ناقصة قرف ومشاكل، انتي كل يوم تورطيني في مصيبة شكل، اتحملي بقى نتيجة اللي عملتيه. _اتسعت عينا لينا بعدم تصديق، وقالت وهي تبكي بحرقة… لينا أنا معملتش حاجة يا مامي، والله العظيم مظلومة، اللي حصل ده كله غصب عني، بسبب فخري لما بعتني المكان المشبوه ده، أنا حياتي كلها اتقلبت ومبقاش ليا غيرك ارجوكي تعالي خديني أنا تعبانة أوي ومحتجالك انتي وبس. دينا ببرود
لما أبوكي يرجع ابقي خليه هو يحل مشاكلك، إنما أنا مش فاضية أدور وراكي كل شوية، وإسلام قال إنه هيتصرف ومسؤول عنك، وده كفاية بالنسبالي ومتتصليش بيا تاني، ولما أحب أطمن عليكي أنا اللي هكلمك. لينا ببكاء مامي… استني بس…
_لكن الخط انقطع، أنزلت الهاتف ببطء شديد، وظلت تحدق في شاشته للحظات، قبل أن تنخفض يدها إلى جوار جسدها، واحتلت الدموع وجهها في صمتٍ موجع، بينما انحنت رأسها إلى الأرض، وكأنها تخجل حتى من ضعفها، راقبها إسلام بصمت، ثم اقترب منها حتى توقف أمامها مباشرة، وقال بنبرة هادئة لأول مرة… اسلام بصيلي يا لينا. لم ترفع عينيها فأكمل بهدوء أكبر
أنا عارف إن اللي حصل دلوقتي وجعك، بس الحقيقة اللي لازم تعرفيها إنك مبقاش ليكي غيري، وأنا مش هتخلى عنك مهما حصل. _رفعت عينيها إليه ببطء، والدموع ما زالت تملؤهما، فقال وهو ينظر إليها بثبات… اسلام
أنا هفضل أدور على وليد لحد ما ألاقيه، وهعرفه كل اللي حصل، لكن حتى لو رجع هتفضلي معايا برضو، لأنك مراتي وأم ابني وده واقع مش هيتغير، وفي أقرب وقت هرتب كل حاجة وهعلن جوازنا قدام الناس كلها، وهعملك فرح يليق بيكي، وابننا هييجي للدنيا بشكل رسمي وطبيعي، وكل اللي بطلبه منك إنك تسمعي كلامي، وساعتها أوعدك إني مش هسيب حد يزعلك طول ما أنا عايش. _مسحت دموعها بطرف كفها، لكنها لم تنظر إليه، وقالت بصوتٍ خافت… لينا أنا عايزة أنام.
نظر إليها باستغراب وقال انتي لسه صاحيه من شوية هتنامي تاني؟ التفتت إليه بضيق وقالت هو أنا نايمة فوق راسك، أنام ولا أصحى دي حاجة تخصني أنا.
_ثم استدارت، واتجهت نحو الفراش، واستلقت فوقه وهي تعطيه ظهرها، وبمجرد أن أغمضت عينيها انهمرت دموعها فوق الوسادة في صمت، وظل إسلام ينظر إليها للحظات، ثم دخل إلى الحمام، وبعد دقائق خرج مرتديًا ملابس أخرى، واتجه نحو الباب،و لكنه قبل أن يغادر، عاد إليها مرة أخرى، ووقف بجوار الفراش، وقال بهدوء… اسلام متزعليش عشان زعلك هيتعبك وهيتعب اللي في بطنك. لم يصله منها أي رد فاكتفى بالتنهد، ثم قال
وعشان مصلحتك أنا مانع خروجك من البيت الفترة دي، ومنبه على الأمن محدش يفتحلك البوابة لو حاولتي تمشي لما الدنيا تهدى نبقى نتكلم في أي حاجة، لكن دلوقتي خروجك مستحيل.
_ظلت ساكنة مكانها لم تلتفت إليه ولم تجبه فعلم أنها لا تريد حتي سماع صوته، فخرج من الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه دون أن يقفله هذه المرة، وما إن دلف للخارج حتى وجد والدته تجلس في الصالة، وبجوارها مراد، الذي رفع رأسه إليه فور دخوله الصاله، بينما كانت ملامحه متجهمة، وكأن مواجهة جديدة على وشك أن تبدأ، بينما والدته كانت الابتسامة لا تفارق وجهها منذ أن عاد ابنها الأصغر ليقيم معهم من جديد، وما إن رأته حتى نهضت من مكانها بحماس واضح، وقالت وهي تنظر بين ولديها بسعادة…
وفاء الحمد لله أخيرًا البيت رجع فيه روح تاني، مراد رجع وهيعيش معانا، وربنا يتمها على خير بقى أنا نفسي أشوفكم قاعدين مع بعض زي زمان، لا خناق ولا زعل ولا خصام. _نظر إليها إسلام بصمت، بينما اكتفى مراد بإبعاد بصره عنه، اقتربت وفاء منهما وربتت على كتف كل واحدٍ منهما بحنان، ثم قالت… وفاء
اقعدوا اتكلموا مع بعض وافهموا بعض، اللي بين الأخوات ما ينفعش يفضل كده، وأنا هدخل أنا وعصمت نحضر الفطار، ولما أخرج ألاقيكم ضحكتوا في وش بعض، وقبل أن تتحرك، التفتت إلى إسلام وسألته باهتمام… وفاء ولينا عاملة إيه، صحيت ولا لسه؟ أجابها بهدوء لسه نايمة. ابتسمت وفاء بحنان وقالت خليها براحتها، شكلها تعبانة أوي امبارح، ولما تصحى أنا هروح أفطرها بإيدي.
_هز رأسه بهدوء فابتسمت له مرة أخرى، ثم اتجهت إلى المطبخ وهي تنادي على عصمت، بينما بقي الشقيقان وحدهما ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكسره مراد وهو ينظر إلى إسلام بغضب واضح… مراد مبسوط باللي بتعمله في لينا ده؟ أغمض إسلام عينيه للحظة، ثم زفر بضيق وقال تعالى ورايا المكتب عايز أتكلم معاك بعيد عن أمي.
_رمقه مراد بجمود، ثم تبعه دون أن ينطق دلف الاثنان إلى المكتب، كان ذلك المكتب يحمل هيبة صاحبه القديم، مكتب والدهم ذلك المحامي صااحب السمعه الطييه، الرجل الذي رحل منذ سنوات، لكنه ترك حضوره في كل زاوية من المكان..
_مكتب خشبي ضخم يحتل منتصف الغرفة، وخلفه مكتبة كبيرة تمتلئ بالملفات القديمة وصور العائلة، وعلى الجدار المقابل صورة كبيرة للأب الراحل، ينظر منها بعينين يملؤهما الوقار ومنذ وفاته، أصبح ذلك المكتب ملكًا لإسلام، جلس فوق مقعد والده، وأصبح هو رب الأسرة، والمسؤول الأول عن والدته وإخوته، يحمل الحمل الذي تركه الأب على كتفيه وحده، أما مراد، فظل واقفًا في مكانه، رافضًا حتى أن يجلس، ورفع إسلام رأسه إليه وقال بهدوء… اسلام
مش ناوي تعقل بقى وتبطل اللي بتعمله في نفسك، كل يوم بتدخل نفسك في مشاكل أكبر من اللي قبلها، وأنا كل مرة بلاقي نفسي بجري وراك عشان أخرجك منها. ابتسم مراد بسخرية، ثم قال مالكش دعوة بيا، وده أصلًا مش موضوعنا، أنا جاي أسألك على لينا، ماما قالتلي إنك جبتها هنا غصب عنها، وعرفت كمان موضوع الحمل، وأنا عايز أشوفها وأطمن عليها. _اعتدل إسلام في جلسته، وتحولت ملامحه إلى الجدية، ثم قال بنبرة حاسمة… اسلام
لينا مراتي ومالكش أي دعوة بيها، ومن النهارده تبعد عنها خالص، لا كلام ولا مقابلات ولا حتى سؤال عليها، وأنا مش هكرر كلامي مرتين. اشتعل الغضب داخل مراد، وقال بحدة… مراد يبقى مفيش بينا أي كلام بعد كده، لأنك طول عمرك فاكر إن الناس كلها ملكك، حتى البنت دي عايز تتحكم فيها وفي حياتها. نظر إليه إسلام طويلًا، ثم قال بهدوء
أنت بالطريقة دي بتدمر نفسك، ولو عرفت أحميك النهارده، بكرة ممكن مقدرش، الدنيا اللي أنت داخلها دي نهايتها وحشة يا مراد. _قهقه مراد بسخرية مريرة، ثم اقترب منه خطوة وقال بعصبية… مراد تحميني.. أنا مش عايز حمايتك أصلًا، ده أنت وكل الفاسدين اللي زيك هما اللي المفروض يخافوا على نفسهم، لأن يوم الحساب جاي، وكل واحد فيكم هيدفع تمن اللي عمله. ثم أكمل وهو يرمقه باحتقار
وعلى فكرة أنا ساكت قدام ماما ومقولتش الحقيقة كلها عشان خايف عليها هي، لكن متفكرش لحظة إن كرهي ليك هيقل أو يتغير ده بيزيد كل يوم. _تغيرت ملامح إسلام للحزن، ونظر إليه بعينين امتلأتا بالألم، ثم قال بصوتٍ خافت… اسلام كرهك ليا، ده أنت لما أبوك مات، وكنت لسه عيل صغير، كنت بتجري عليا وتنام في حضني،كنت فاكر إنك شايفني سندك انت واخوك _ساد الصمت للحظات لكن مراد لم يتأثر، بل نظر إليه بعينين تملؤهما المرارة وقال… مراد
كنت مثلي الأعلى في كل حاجة، كنت وأنا صغير بحكي لكل صحابي عنك، وأقولهم إن أخويا أحسن راجل في الدنيا، وساعات كتير كنت بقول إنك أبويا مش أخويا كنت بتمنى أبقى زيك في كل حاجه، لحد ما وصلتني لمرحلة إني بقيت أتكسف أقول إني أعرفك أصلًا. _سقطت الكلمات فوق قلب إسلام كالرصاص، أما مراد فاستدار دون أن ينتظر ردًا، واتجه نحو الباب وقبل أن يخرج، قال دون أن يلتفت إليه… مراد
وفر كلامك ونصايحك لنفسك لأن أكتر واحد محتاج يتغير في البيت ده هو أنت.
_ثم خرج وأغلق الباب خلفه بقي إسلام وحده داخل المكتب، وظل ينظر إلى الباب الذي خرج منه شقيقه، ثم رفع بصره إلى صورة والده المعلقة على الحائط، وزفر تنهيدة طويلة خرجت محملة بكل ما بداخله من إرهاق وحزن، وفتح درج المكتب ببطء، وأخرج منه مجموعة من الملفات والأوراق المهمة، ثم أغلقه مرة أخرى وألقى نظرة أخيرة على صورة والده، وحمل أوراقه وغادر المكتب متجهًا إلى عمله، بينما كان يشعر أن المسافة بينه وبين شقيقه أصبحت أبعد بكثير من أن تختصرها الكلمات.
ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ _بمنزل عزت السيوفي دلف عزت الي غرفة سُهيل، ووقف لحظة يتأمل سُهيل بنظرة طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما يدور خلف تلك الملامح الهادئة، بينما ظل سُهيل ينظر إليه بثبات يخفي خلفه نيرانًا لا يعلم عنها عزت شيئًا، اقترب عزت منه قليلًا وقال بصوت هادئ على غير عادته.. عزت
خليك مرتاح يا ابني، الدكتور قالي إن الرصاصة كانت سطحية، وإن كام يوم وترجع واقف على رجليك أحسن من الأول. رفع سُهيل عينيه إليه وأجابه بهدوء الحمد لله دي إصابة بسيطة. _بينما كان يتحدث، عاد إلى ذهنه صوت إمام وهو يقول له… “عزت السيوفي بنفسه هو اللي دبح امي قدامنا بعد ما اعتدي عليها قدامنا واحنا صغيرين يا سُهيل” _اشتدت قبضة سُهيل فوق الغطاء دون أن يشعر، ونظراته تجمدت للحظات، لاحظ عزت شروده فقال باستغراب.. عزت
مالك يا ابني سرحت في إيه شكلك لسه تعبان. _انتبه سُهيل سريعًا، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة مصطنعة وقال.. سُهيل لا… العلاج بس مخليني دايخ شوية ومش مركز. _هز عزت رأسه بتفهم، ثم جلس على المقعد المقابل لسريره وأطلق زفرة طويلة. عزت
اسمع يا محمود انت اسمك محمود مش كده،المهم أنا في حياتي شوفت رجالة كتير دخلتهم بيتي عشاان يحموني، وكلهم أول ما يشوفوا الرصاص بيستخبوا ويسيبوك لوحدك، لكن أول مرة أشوف واحد يرمي نفسه قدام الموت علشاني بالشكل ده. _ظل سُهيل صامتًا، فأكمل عزت وهو ينظر إليه بإعجاب واضح.. عزت
إنت يمكن كلامك قليل وهادي زيادة عن اللزوم، لكن الموقف اللي عملته يومها كبرك في عيني جدًا، أنا كنت خلاص هقع، وإنت ضحيت بنفسك رغم إنك مصاب، وفضلت واقف تدافع عني، المواقف دي ما تتنسيش. خفض سُهيل رأسه قليلًا وقال بهدوء أنا كنت بعمل شغلي وبس. ابتسم عزت ابتسامة خافتة لا ده مش شغل، الشغل ليه حدود، لكن اللي عملته اسمه وفا، ومن النهارده إنت مش مجرد فرد أمن عندي، إنت هتبقى راجل من رجالتي اللي بثق فيهم.
_ارتسمت على شفتي سُهيل ابتسامة باهتة وهو يقول.. سُهيل دي شهادة كبيرة يا عزت بيه نظر إليه عزت مطولًا، ثم قال بنبرة جادة أول ما تخف عندي مهمة تقيلة جدًا، ومش هسلمها غير لحد أنا واثق فيه. رفع سُهيل حاجبيه باهتمام وقال مهمة إيه؟ تنهد عزت ببطء، وكأن الحديث ثقيل على قلبه الموضوع مالوش علاقة بشغلي ولا بالناس اللي حواليا الموضوع يخص بنتي. _تظاهر سُهيل بالدهشة، بينما خفق قلبه بقوة، عزت أكمل بصوت هادئ.. عزت
دانا هي بنتي الوحيدة أمها كانت إيطالية أول ما خلفتها سابتنا ومشيت، ومن يومها وأنا بقيت الأب والأم ليها، أنا طول عمري خايف عليها بسبب شغلي، وبسبب الناس اللي ليا عداوات معاهم واكترهم فاروق الجندي وابنه أمام اكيد تعرفهم.. سُهيل ببرود اسمع عنهم.. فاروق حصل بيني وبينهم مشكله قديمه، عشان كده حبستها عن الدنيا كلها، وافتكرت إني بحميها بسبب خوفي عليها منهم، مش عايز حد منهم يشووفها حتي لو صدفه
_خفض رأسه وهو يكمل بحزن لأول مرة يظهر على ملامحه. عزت لكن اللي عملته دمرها، البنت حالتها النفسية بقت صعبة جدًا، وعندها مشكلة في السمع، وده خلاها منطوية أكتر، وحاولت تنتحر أكتر من مرة، والدكتور النفسي قالي إن استمرارها جوه البيت بالشكل ده هيضيعها. _شعر سُهيل بوخزة في قلبه، لكنه ظل محتفظًا بجموده وعزت تابع حديثه قائلا عزت قال لازم تنزل تشوف الناس تتعامل مع الدنيا حتى لو من بعيد وأنا مقدرش أسيبها مع أي حد.
سأله سُهيل بهدوء ومطلوب مني إيه؟ نظر إليه عزت بثقة وقال عايزك تبقى مسئول عنها، تاخدها بالعربية تتمشوا شوية، تقعدوا في كافيه، تلفوا أي حتة وترجعها، كل ده وإنت تحت عيني هنا في البيت، لحد ما أطمن عليها. _ساد الصمت لثوانٍ أما داخل سُهيل، فكانت الفرحة تكاد تقفز من بين ضلوعه، لكنه أخفى كل ذلك وقال بثبات.. سُهيل لو ده هيريحها فأنا موافق. ابتسم عزت لأول مرة براحة حقيقية
كنت عارف إن اختياري ليك صح ارتاح دلوقتي وأول ما تقوم بالسلامة نبدأ. _نهض عزت من مكانه واتجه نحو الباب، ثم التفت إليه مرة أخيرة. عزت شد حيلك يا محمود أنا معتمد عليك. أومأ له سُهيل بهدوء إن شاء الله. _خرج عزت من الغرفة وأغلق الباب خلفه، وبمجرد أن اختفى صوته، زالت تلك الملامح الهادئة عن وجه سُهيل، واتسعت ابتسامته دون أن يشعر، وجلس على طرف السرير وهو يمرر يده فوق موضع إصابته، ثم همس لنفسه بصوت منخفض.. سُهيل
الحمد لله الخطة ماشية أحسن مما كنت متخيل. _ثم أغمض عينيه، فظهرت أمامه ابتسامتها البريئة وهي تقول له… “أيوه… وإنت يوجين.” فضحك رغماً عنه، وهمس بابتسامة دافئة حتى اسمك مختلف… دانا.
_ساد الصمت داخل الغرفة، بينما أخذ يفكر فيها للمرة الألف، ولم يستطع أن يمنع نفسه من التساؤل، كيف يمكن لملاكٍ بهذه البراءة، وهذه الروح الطفولية، أن يكون ابنة ذلك الرجل الذي تلطخت يداه بدماء الأبرياء، كان كل شيء فيها يناقض والدها، ابتسامتها، خوفها، حديثها، وحتى نظرتها للحياة، وكأن القدر أخطأ حين وضع زهرةً رقيقة وسط غابةٍ مليئة بالوحوش. ـــــــــــــــــ _الكاتبه _رحاب _القاضي ــــــــــــــــــ
_بمنزل عائلة البحيري كانت لينا جالسه تشااهد إحدى القنوات الأجنبيه، ولكن ذهنها شارداً بما تمر به من صعوبات بعد ان تخلي عنها الجميع واصبحت رغماً عنها زوجه رسميه لذلك الرجل الذي فرض نفسه عليها منذ أن رأته.. _وفي ذلك الوقت خرج مراد من غرفته وابتسم بهدوء ما إن وجدها تجلس بمفردها، وذهب سريعا وجلس بجوارها وقال.. مراد قاعده لوحدك ليه؟ تفاجئت من وجوده وقالت انت هنا؟ مراد
جيت الصبح وخلاص مش همشي هقعد هنا ما هو ده بيت اهلي برضو.. لينا طيب كويس اهو علي الاقل تونسني انت وفوفا لان شكلي مطوله هنا معاكم.. مراد بضيق انا مش عارف بجد اقولك ايه، بس كان الله في عونك فكل اللي بيحصل ده.. لينا بدموع عادي اللي يحصل يحصل بقي مش فارقه.. مراد قولتلك قبل كده وهقولك تاني لو عايزااني اسااعدك ما عنديش مشكله.. ابتسمت لينا بسخريه وقالت انت اخر واحد هطلب منه يسااعدني يا مراد.. تعجب من ردها وقال ليه؟
.. انتي مش واثقه فيا؟! لينا مش حكاية ثقه، بس انا مشكلتي مع اخووك وانتو بينكم مشااكل كتير اصلا فحراام عليا ازود مشاكلكم دي.. مراد من الناحيه دي اتطمني، انا ما بكرهش في حيااتي قد اسلام، واكيد انتي كده برضو، ده بني ادم يتكره وبس ما يتحبش.. _تذكرت لينا افعال اسلام مؤخراً معها، وطريقته العنيفه التي اصبح يتعامل معها بها، فتنهدت بحزن وقالت.. لينا هو كان كويس، بس اتغير ما اعرفش ليه.. اقترب منها مراد وقال
عشان هو كده، بيحب يرسم صوره كدااابه قداام الناااس عنه، لكن من جواااه هو حيوان بني ادم معدووم الضمير، هو مخليكي هنا وهيعلن جوازه منك بس عشااان ليه مصلحه عندك.. لينا بدموع مش عايزه اسمع حااجه عنه، مش عايزه نتكلم عنه.. ابتسم مراد بهدوء وقال خلاص شووفي عايزه نتكلم في ايه ونتكلم، انا بحب الكلام معاكي جدا علي فكره.. _ضحكت بهدوء ووضعت زراعها علي طرف الاريكه واتكأت عليه برأسها وقالت وهي يبدو عليها النعاااس.. لينا
انت فتحت قنااه جديده صح؟ مراد بهدوء ايوه.. لينا بحمااس عندي فضول اعرف جيبت البنت البلوجر اللي كانت فضيحتها مع ياسر السويسي ازاي؟ مراد هحكيلك بس يبقي سر بينا.. لينا اكيد طبعا قول..
_بدأ مراد يتحدث معها حول عمله وهي منتبهه له حتي غلبها النوم واغلقت عيناها ونامت بهدوء، فضحك هو رغماً عنه علي براءتها وكأنها طفله امامه، وتلقائياً شرد بملامحها فهي حقاً جميله جدا حد الفتنه بملامحها البريئه وانوثتها الطاغيه، اقسم في ذلك الوقت إنه لن يري امرأه في جمالها، ورفع يده ليزيح خصلاتها من علي وجهها..
_ولكن من سوووء حظه أن اسلام عاد في ذلك الوقت وما ان دلف للداخل حتي وجد شقيقه يقترب من زوجته بل وانه يود ملامستها، فقال بنبره غاضبه.. اسلام مراااد.. _انتفض مراد وابتعد سريعا عن لينا وهب واقفاً من جوارها وهي مازلت نائمه، وقال بتوتر وهو يبرر ما رآه شقيقه.. مراد هي كانت قااعده معايا ونامت.. اقترب منه اسلام وقال بجمود ما لكش دعوه بيها وما تتكلمش معاها تاني.. مراد ببرود لما هي تقولي ابطل اتكلم معاها هبقي ابطل اتكلم معاها…
اسلام دي مراتي وانت مالكش كلام معاها لاي سبب مدام انا مش عايز.. مراد بغيظ انت مبسووط بنفسك باللي بتعمله فيها ده، البنت بتكرهك ومش طيقااك هي قالتلي كده.. دفعه اسلام بقوه وقال بنبره غاضبه وانت مالك، غوور من وشي انت بتعمل ايه هنا ما ترجع مكان ما كنت.. مراد بحده ده مش بيتك ده بيت ابويا واقعد فيه براحتي.. _وقبل ان يجيبه اسلام استيقظت لينا علي صوتهم، ونظرت لهم بقلق وقالت.. لينا في ايه مالكم؟
اقترب منها اسلام وامسك بيدها بتملك وقال ما فيش حاجه تعالي ناامي جوه.. لينا بخوف لا انا هبات في اوضة الضيووف، فوفا خلت الشغاله تنضفهالي. اسلام بغيظ انا مش قولت تقولي حااضر وبس.. _جاء مراد ليتدخل بينهم ويخلصها من سيطرته، ولكن صااح فيه اسلام غاضباً وقال اسلام ايااك تدخل والا همسح بكراامتك الارض..
_صمت مراد فبرغم عصبيته الا انه يخشي غضب شقيقه الاكبر، وجذب اسلام لينا خلفه بقوه دااخل غرفته واغلق الباب بوجه مرااد الذي كان ينظر له بغضب وعصبيه، ونظر لـ لينا بجمود وقال.. اسلام بتكرهيني ومش طيقااني بتقولي لاخويا كده ليه عايزه توصلي لايه يا لينا؟ لينا بدموع وخوف انا ما قولتلوش حاجه، وسيبني اخرج ما تصدقش نفسك اني مراتك وهتعامل معاك عادي..
_وضع يده خلف ظهرها وجذبها له حتي التصقت به، وتلاشت المسافات من بينهم وانتفض جسدها بين يديه وهي تنظر له بخوف ورفض تاام وقال هو بجمود.. اسلام قولتلك انا اعمل اللي عايزه، وغصب عنك وعن الدنيا كلها انتي مراتي وام ابني..
_تحولت نظراتها من الرفض لـ اللين وهي تقترب منه اكثر، جعلته كالعاده يقع تحت تأثير اقترابها الذي يجعله ينخدع فيها، وبكل قوه دفعته بعيداً عنها وذهبت وامسكت المزهريه التي كانت علي الطاوله والقتها عليه، فأنحني سريعا وارتطمت تلك المزهريه بالحائط وقال بصدمه.. اسلام بتعملي ايه يا مجنونه انتي؟!!! امسكت باخري وقالت بتحذير
لو ما فتحتش الباب ده دلوقتي هكسر الاوضه دي كلها فووق دمااغك، انا عندي اموت ولا اني ابقي معاك دقيقه واحده تاني.. _نظر لها ببررود وذهب باتجاااه الباب، وظنت هي بأنه سيفتح لها الباب لتغادر غرفته، ولكنها صُدمت بقوه وتحولت ملامحها للخوف مجدداً عندما وجدته يغلق الباب جيدا بالمفتاح ونظر لها بتسليه وخبث وقال.. اسلام اللي عندك اعمليه بقي، ووريني مين فينا هيمشي كلامه علي التاني..
_نظر إليها إسلام بهدوءٍ غريب، بينما كانت هي تتراجع خطوةً بعد الأخرى حتى اصطدم ظهرها بالحائط، ولم يعد أمامها طريقٌ آخر للهرب، فأحاطها الخوف من كل اتجاه، وارتجف جسدها بالكامل وهي تراه يقترب منها ببطءٍ دون أن ينطق بكلمة. كان كلما اقترب خطوة، ابتعدت هي بعينيها عنه أكثر، حتى أغمضتهما بقوة وكأنها تحاول أن تختفي من أمامه، ثم قالت بصوت مرتعش.. لينا ببكاء
بلييز ما تقربش مني، أنا مش فاكرة أي حاجة حصلت بينا، وإنت بالنسبالي راجل غريب، لحد دلوقتي مش مستوعبة إزاي بقيت مراتك، ولا إزاي حامل وأنا حتى مش فاهمة اللي حصل أنا خايفة والله خايفة منك. _توقفت قدما إسلام للحظة، وشعر بشيءٍ يعتصر قلبه وهو يرى الرعب الحقيقي داخل ملامحها، فلم تكن تتصنع خوفها، بل كانت ترتجف وكأنها تقف أمام شخصٍ لا تعرفه، تنهد ببطء، ثم قال بصوتٍ خافت لأول مرة… إسلام بصيلي يا لينا افتحي عيونك الأول.
_هزت رأسها بالنفي وهي ما زالت مغمضة العينين، فأعاد حديثه بنبرة أكثر هدوءًا. إسلام أنا مش هعملك حاجة اسمعيني بس، وبعدها لو عايزة تزعقي فيا أو تكرهيني براحتك. _فتحت عينيها ببطء، وما إن وجدته واقفًا أمامها حتى عادت دموعها للانهمار. إسلام بهدوء
أنا عايزك معايا هنا علشان تبقي شريكة حياتي وعمري كله وأم ابني، إنما اللي في دماغك ده أنا مش حيوان علشان أعمله غصب عنك، واللي حصل قبل والله انا ما كنت فوعيي ولا كنت عارف اسيطر علي نفسي _حدقت فيه بعدم تصديق، بينما ظل ينظر إليها بعينين امتلأتا بندم لم يره أحد فيه من قبل سواها هي.. لينا بصوتٍ مكسور أنا مش عارفة أصدقك، كل مرة بخاف منك أكتر من اللي قبلها.
_هبطت دمعة فوق خدها، فشعر وكأنها سقطت فوق قلبه هو، واقترب منها خطوةً أخيرة، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافةٍ صغيرة، لكنه لم يلمسها، بل ظل ينظر إليها فقط، وكأنه يخشى أن ترتعب أكثر، ثم رفع يده ببطءٍ شديد حتى لا يفزعها، ووضعها برفق فوق رأسها، وقبّل جبينها قبلةً هادئة، امتلأت بكل ما عجز عن قوله، فارتجف جسدها، لكنها لم تدفعه هذه المرة، وابتعد عنها قليلًا، وقال بصوتٍ خافت خرج من أعماق قلبه… إسلام
أقسم بالله طول ما إنتِ مش عايزة، عمري ما هقربلك، ما تخافيش يا لينا مهما حصل، مش هلمسك غصب عنك. _نظرت إليه طويلاً، ودموعها ما زالت تنساب فوق وجنتيها، بينما كانت كلماته تصطدم بخوفها، فلا تعرف أيهما تصدّق، أما هو، فشعر لأول مرة أنه يواجه فتاةً مكسورة أكثر مما هي عنيدة، استدار بهدوء، وأعطاها ظهره حتى يمنحها شيئًا من الأمان، ثم قال وهو يتجه ناحية الباب… إسلام اهدي وأنا هسيبك ترتا…
ولكنه لم يُكمل كلمته فقد دوّى خلفه صوت ارتطامٍ قوي بالأرض، التفت بفزع، واتسعت عيناه وهو يراها ملقاةً فوق الأرض بلا حراك. إسلام بفزع لينا…! _ركض إليها بسرعة، وجثا على ركبتيه وهو يرفع رأسها بين ذراعيه، وربت على وجنتها بخفة. إسلام بقلق لينا… افتحي عيونك… يا لينا.. _ولكنها لم تجبه ازدادت أنفاسه اضطرابًا، وحملها بسرعة بين ذراعيه ووضعها علي سريره…
وفي الخارج كان مراد يجلس في الصالة شاردًا، يحدق في الفراغ أمامه، بينما تتصارع داخله عشرات المشاعر، كان غاضبًا من إسلام حزينًا على لينا، وضائعًا بين كرهه لأخيه، وتعاطفه مع تلك الفتاة التي وجدها فجأة سجينةً في حياةٍ لم تختارها، زفر بضيق، ثم مرر يده بين خصلات شعره وهو يتمتم لنفسه… مراد والله ما عارف أعمل إيه، دي مهما كانت مراته تقعد معاه في اوضته ولا جهنم انا مالي..
_وفي تلك اللحظة، قُطع شروده بصوت جرس الباب، نهض ببطء، واتجه نحو الباب، وما إن فتحه حتى انعقدت الدهشة فوق ملامحه، وكانت شادية تقف أمامه، تبدو متوترة، وعيناها تدوران بقلق. شادية إسلام فين يا مراد، أنا بكلمه من امبارح ومش بيرد عليا، وحتى سكرتيرته قالتلي إنه مختفي، إنتوا تعرفوا عنه حاجة؟
_ظل مراد ينظر إليها لثوانٍ، ثم ارتسمت فوق شفتيه ابتسامة خبيثة، وكأن القدر أرسل إليه الفرصة التي كان ينتظرها، ثم تنحى جانبًا وهو يقول بابتسامة ذات مغزى… مراد جيتي في وقتك يا مرات الغالي، اتفضلي جوا مفاجآت كتير مستنياكي. _تفتكرو بقي هيحصل ايه؟ …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!