تحميل رواية «أوار» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
_جنية الظلام __الفصل الأول _في تمام الساعة التاسعة مساءًا بأحد المناطق الأثرية كان يقف مجموعة من الأثريين والمنقبين عن الآثار والمرممين وعلى رأسهم المفتش العام لعملية الحفر والتنقيب هذه، وبعد انتهائهم من مسح المنطقة والتأكد من مكان التنقيب الصحيح، نظروا الحفارين المتخصصين للمفتش وقال أحدهم يأخذ الأذن ببدأ الحفر:_المكان هنا بظبط يادكتور فارس نبدأ الحفر ؟دقق فارس النظر في تلك البقعة التي يشير عليها ثم هز رأسه يرسل إشارته لهم بالموافقة، ومرت الدقائق وهم مستمرين بالحفر مع نظرات فارس الدقيقة لكل حركة...
رواية أوار الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود توفيق
_جنية الظلام __الفصل الأول _في تمام الساعة التاسعة مساءًا بأحد المناطق الأثرية كان يقف مجموعة من الأثريين والمنقبين عن الآثار والمرممين وعلى رأسهم المفتش العام لعملية الحفر والتنقيب هذه، وبعد انتهائهم من مسح المنطقة والتأكد من مكان التنقيب الصحيح، نظروا الحفارين المتخصصين للمفتش وقال أحدهم يأخذ الأذن ببدأ الحفر:_المكان هنا بظبط يادكتور فارس نبدأ الحفر ؟دقق فارس النظر في تلك البقعة التي يشير عليها ثم هز رأسه يرسل إشارته لهم بالموافقة، ومرت الدقائق وهم مستمرين بالحفر مع نظرات فارس الدقيقة لكل حركة تشكلها أيديهم، نظراته مضطربة ليست واثقة كعادته، يتلفت برأسه حوله يطمئن من أن كل شيء يسير على ما يرام.لاحظ صديقه الذي يعمل في قسم التنقيب عدم اتزانه الغريب فاقترب منه ومال عليه يهمس بتعجب:_مالك يافارس قلقان كدا ليه؟!رفع كفه ومسح على وجهه متأففًا ثم أجاب بصوت رخيم:_ لا مش قلقان، هو دكتور أمجد مشي ولا إيه؟_ايوة مشيساعات طويلة مرت وسط أعمال الحفر الشاقة من الحفارين والعمال، وقد جلس فارس بجوار صديقه &; عز &; على أحد المقاعد الخشبية الصغيرة وهم يتحدثون بأمور مختلفة حتى لامس الحديث طرف زوجته وراح يسأل عز باهتمام:_عامل إيه أنت وليلى لسا برضوا المشاكل متحلتشهز فارس رأسه بالنفي في حنق فتابع عز بأسى:_مش كفاية ولا إيه يافارس حلوا مشاكلكم قبل ما تخسروا بعضمال ثغر فارس للجانب في يأس وتمتم بانزعاج:_مش هتتحل ياعز هي خلصتأطلق عز تنهيدة حارة بحزن أما هو فاستقام واقفًا وقال بجدية:_أنا في حاجة مهمة نسيتها في المكتب هروح اجيبها وارجع وأنت تابع مع العمال والحفارين لغاية ما يخلصوا حفرتحرك بخطواته مبتعدًا عنهم حتى وصل لسيارته واستقل بمقعده ثم انطلق مسرعًا باتجاه مكتب عمله القريب من موقع التنقيب، أما &;عز&; فالتفت تجاه العمال الذي صاح واحد من بينهم هاتفًا:_وصلنا لباب المقبرةاستقام عز متحفزًا واتجه نحوهم يقول بنظرة لامعة وحماس لينتهوا من تلك العملية ويعود لمنزله ليستريح:_هايل افتحوا يلا الباب مستنين إيه!دار أحدهم بنظره حوله بحثًا عن فارس وسأل باهتمام:_طيب مش لما يكون دكتور فارس موجود عشان يتابع ويقولنا نتصرف إزايرد عز بنظرات حادة ونبرة غليظة:_دكتور فارس راح يجيب حاجة من المكتب وراجع وبعدين ما كلنا موجودين هيحصل إيه يعني، جرا إيه يارچالة هو احنا أول مرة نفتح مقابر ولا إيه، يلا اتوكلوا على اللهنقل العمال نظراتهم بين بعضهم البعض بعد كلمات عز الصارمة وانصاعوا للأوامر، وبدأوا في فتح الباب بطرقهم الخاصة وانتظروا لبعض الوقت حتى تم تنقية الهواء داخل المقبرة.خطت قدماهم اولى خطواتهم داخل المقبرة وهم يكتشفون محتوياتها التي كانت عبارة عن بعض التماثيل الفرعونية والحفاريات والنقوش على الحائط وبالمنتصف تابوت لأحد الملوك، كان عز على وشك أن يخطو أول خطوة له على درج النزول للمقبرة ليتفحص المحتويات الأثرية ويكمل مهتمه وعمله، لكن صراخ العمال المفزع بالأسفل جمد قدمه بأرضها بل وتراجع لا إراديًا للخلف وكذلك كان كل من يجاوره من الأثريين والحفارين الذين لما ينزلوا معهم.توقف فارس بسيارته بعد عودته ونزل بسرعة فور سماعه لصوت الصراخ وراح يحدق تجاه المقبرة بعينان جاحظتان، واندفع نحوهم مسرعًا وهو يصيح:_في إيه.. إيه اللي بيحصل؟!!رد أحد الحفارين برعب جلي في نظراته:_منعرفش العمال يدوب دخلوا المقبرة وصوت صراخهم طلعالتفت برأسه للأسفل وبأقدام ودون تردد اندفع ونزل أول درجتين من السلم ينوي النزول إلى العمال ليطمئن عليهم، لكن عز قبض على ذراعه بسرعة ليردعه وهو يقول بغضب:_أنت رايح فين عايز تنتحر.. متنزلش احنا منعرفش إيه اللي حصل تحت معاهمفارس بعينان مرعبة وانفعال هادر:_هيكون حصل إيه يعني، المومياء قامت من تابوتها مثلا!!، ابعد ياعز خليني اشوف الناس دي اللي أنا مسئول عنهمرفع فارس القناع المصنوع خصيصًا لعمليات التنقيب في المقابر للحماية من أي جراثيم ومكيروبات ونزل درجات السلم بحذر وهو يحاول إلقاء نظراته للداخل يتفقد الوضع قبل الدخول، لكنه تصلب بأرضه مندهشًا فور التقاط عيناه منظر العمال وهم ملقون على الأرض أموات ووجوههم شاحبة وعيناهم جاحظة ومتآكلة بطريقة مرعبة، ثم مال بنظره للجانب فرأى التابوت مفتوح والمومياء بداخله، قاد خطواته للداخل وراح يتفحص بعيناه كل جزء في المقبرة، ثم اقترب من ذلك التابوت ونظر بداخله فانبعثت منه رائحة كريهة ورأى حشرة سوادء صغيرة تخرج منه فتراجع على الفور حتى لا تلمسه، ثم مال على التابوت بوجهه يقرأ ما دون عليه باللغة الهيروغليفية، فكل ما قرأه واستخلصه أن هذا الملك استخدم السحر لحماية جسده.بتلك اللحظات كان عز والبقية قد نزلوا للمقبرة ودخلوا فنالوا نصيبهم من الصدمة بعد رؤيتهم لمنظر العمال البشع، صاح عز بذهول وارتيعاد:_إيه اللي حصلهم ده!!لم يجيب فارس وأكمل تدقيقه وفحصه في تلك الحادثة وانحنى على أحد العمال ينظر لعينيه ومنظر وجهه فوضحت الصورة أمام عينيه واستقام واقفًا يمسح على وجهه ويتأفف بغضب هاتفًا:_التابوت ده مكنش لازم يتفتح كدا لازم يتفتح بطريقة معينة، التابوت كان مليان ميكروبات وحشرات وطبعًا أول ما فتحوه طلعت عليهم وعملت فيهم كداثم صاح بعصبية هادرة:_مين اللي سمحلهم يدخلوا وحدهم المقبرة، كان لازم يكون في حد معاهم من المتخصصيناقترب عز من الدرج وجلس على إحدى درجاته وهتف بصوت يمزقه الندم وتأنيب الضمير:_أنا اللي قولتلهم يدخلوا، مكنتش متوقع ده يحصل يافارس احنا لينا سنين بنشتغل في التنقيب وياما فتحنا مقابر عمره مافي حاجة زي دي حصلت ولا شوفنا أن في تابوت يبقى فيه الكلام دهصرّ فارس على أسنانه مغتاظًا واقترب من صديقه ثم مال عليه وهتف بغضب :_الناس دي ذنبهم في رقبتي ورقبتكثم التفت للخلف وقال بصوت محتقن من فرط الاستياء:_اتصلوا بالأسعاف وانقلوا التابوت وكل اللي في المقبرة عشان يتنقل على قسم الفحص والترميمصعد درجات السلم واقترب من المقعد يجلس عليه ومال للأمام دافنًا رأسه بين راحتي يديه وضميره يعذبه لأنه تركهم وذهب رغم عدم ارتياحه منذ بداية وصولهم لهذا المكان، ظل جالسًا على المقعد حتى وصلت الإسعاف وحملت جثث العمال وكذلك المتخصيين انتهوا من نقل جميع القطع الأثرية.***داخل السيارة كان فارس يقود بسرعة هادئة في طريقه لمنزله، وذهنه شارد بما حدث بالمقبرة وتلك الأوراح البريئة التي فُقدت بسبب أهماله.. ليته لم يتركهم، ولكن بماذا يفيد الندم الآن بعد فوات الآوان.شروده جعله يسهى عن الطريق أمامه ولم يفق من سهوته سوى على ضوء كشاف سيارة نقل ضخمة متجهة نحوه وصوت بوق الإنذار الخاص بها صاخب وعالي، فانتفض في مقعده وجحظت عيناه بصدمة لا إراديًا بدافع حب البقاء الفطري والحفاظ على روحه، ضغط بقدمه على المكابح عدة مرات متتالية ولكن السيارة لا تتوقف والشاحنة تقترب منه أكثر، فاتجه للحل الاكثر خطورة وهو التغير المفاجئ في اتجاهه ليتفادى الصدام بها ولكنه اصطدم بسيارة أخرى صدامًا قويًا مما أفقد سائق السيارة وعيه وتسبب بأضرار وإصابات بليغة في جسده، أما فارس فكانت رأسه ملقية على المقعد والدماء تسيل من رأسه وبعض شظايا زجاج السيارة المحطم من شدة الصدمة اخترق صدره وذراعه، اصوات أبواق السيارات من حوله مرتفعة وحركة الناس واصواتهم، رغم أنه يسمع كل شيء لكن لا يمكنه التميز بين كل صوت وما الذي يسمعه بالضبط، حتى أنه لا يرى أمامه بوضوح الرؤية ضبابية والأنوار من حوله قوية، وكان آخر شيء سمعه بوضوح هو صوت رجل من الحشد المتجمعين حول الحادث والسيارتين بعدما فتح الرجل باب سيارة فارس واقترب منه يسأله:_يابشمهندس أنت كويس سامعنا طيب، الإسعاف جاي دلوقتي، يابشمهندس!!لكن فارس اغلق عينيه ببطء وفقد الوعي تمامًا&;***داخل أحد المنازل الرفيعة المشيدة على طراز كلاسيكي مميز، كانت تقف في المطبخ تقوم بتحضير كوب من العصير الطازج لها، مرتدية بنطال منزلي من القطن يعلوه كنزة بأكمام طويلة وتعقد شعرها الناعم ذيل حصان، حتى صك سمعها صوت رنين الباب فالتفتت برأسها للخلف غاضنة حاجبيها باستغراب.. تتساءل داخلها عن هوية ذلك الطارق الذي يدق في ليالي الشتاء المتأخرة هذه، خصوصًا لأن زوجها لا يطرق الباب مطلقًا بل يدخل على الفور بمفاتيحه الخاصة، لكنها رجحت أنه ربما يكون قد نسيها بالمنزل فخرجت من المطبخ بخطواتها الرقيقة متجهة إلى الباب ووقفت خلفه تسأل الطارق قبل أن تفتح:_مين؟وصلها صوت شقيق زوجها وهو يقول بنبرة صوت مريبة:_أنا يا ليلى افتحيضيقت عيناها بدهشة من قدومه بذلك الوقت وعلى الفور فتحت له الباب بعينان مضطربة وراحت تسأله عن حاله أولًا:_ماهر.. أهلا وسهلًا اخبارك إيه؟تنهد الصعداء وقال بنظرة ليست طبيعية وكأن بجعبته الكثير ليقوله:_الحمدلله بخيرهتفت ليلى بقلق حقيقي:_مالك ياماهر هو في حاجة ولا إيه اصل فارس مش موجود لسا مرجعش يعني من الشغلحك ذقنه بقلق ملحوظ وضيق وقال:_ما أنا جايلك بخصوص فارس ادخلي بس معلش البسي هدومك وأنا هفهمك كل حاجة في الطريقاتسعت عيناها بزعر وقالت بخوف:_تفهمني إيه هو فارس ماله؟ماهر بإيجاز محاولًا الحفاظ على هدوئه:_هفهمك في الطريق البسي انتي بس الأول عشان منتأخرشإجابته بغضب شبه منفعله من فرط توترها:_مش هلبس حاجة غير لما تفهمني ياماهرأطلق زفيرًا حارًا بعدم حيلة وقال في عبوس شديد:_فارس عمل حادثفغرت شفتيها وعيناها بصدمة وراحت تكتم بكفها على فمها بعينان تلألأت وامتلأت بالدموع ثم سألته بصوت مبحوح يغلبه البكاء:_ حادث إيه هو كويس؟؟ماهر بنبرة رخيمة:_كويس متقلقيش ماما وبابا معاه في المستشفى وقالولي أنه كويس دلوقتي الحمدللهتنفست الصعداء براحة ورددت خلفه &; الحمدلله &; ثم قالت بلهفة شديدة وقلق:_أنا هروح البس بسرعة وهرجعلك مش هتأخرهز رأسه لها بالموافقة بينما هي فاندفعت إلى غرفتها متلهفة وعيناها غارقة بالدموع خوفًا وحزنًا عليه، رغم كل ما يحدث بينهم لكنها لا تستطيع إنكار عشقها له.***داخل المستشفى بأحد الغرف الخاصة الذي تم حجزها له، كان متسطح على الفراش وعيناه مغلقة من التعب ورأسه ملتفة حولها شاش ابيض أما ذراعه اليسار فقد قام الطبيب بتجبيره بسبب الكسر الذي أصابه، وصدره ممتلئ باللاصق الطبي بعدما اخرجوا قطع الزجاج التي اخترقت جسده.فتح عيناه بوهن ونظر تجاه الباب عندما سمع صوته يفتح فوجد كل من والده ووالدته التي ركضت عليه تحتضنه باكية وتهتف برعب جلي:_حمدلله على سلامتك ياحبيبي كدا يافارس تعمل فينا كداظهر الألم على ملامحه وتقوست تعبيراته بوجع بعدما لمست أمه جروح صدره، لكنه أجاب بخفوت محاولًا تحمل الألم:_أنا بخير الحمدلله يا ماما متقلقيشابتعدت عنه بعدما لاحظت ألمه وهي تعتذر منه بقلق أما والده فقد اقترب منه ومسح على ذراعه ثم انحنى على رأسه يقبل شعره متمتمًا بحنو:_حمدلله على سلامتك يابني، الحمدلله أنك بخير وربنا سترهاابتسم لوالده بحب وأجاب:_الله يسلمك ياحج.. امال فين ماهر؟تبادلت أمه النظرات الغير راضية مع والده عندما سأل عن شقيقه ولم يسأل عن زوجته فردت أمه بضيق ملحوظ:_ماهر بس مفيش ليلى فين؟!مال فارس بوجهه للجهة الأخرى يتنهد بحنق دون أن يجيب على أمه أما والده فقد نهر الأم بحزم وقال بصوت غليظ:_مش وقته الكلام ده دلوقتي يا سحر وبعدينثم نظر لابنه وقال بنبرة طبيعية تمامًا بعدما اتجه وجلس على اقرب مقعد بجوار فراش ابنه:_ماهر راح يجيب ليلى من البيت عشان متعرفش ومحدش قالهالم يبدى عن أي ردة فعل والتزم الصمت تمامًا وهو يفكر في أمر زوجته ووضعهم الحالي الذي يقودهم إلى حافة النهاية التي هم قد وصلوا إليها بالفعل ولم يتبقى سوى وضع النقاط الأخيرة على الحروف ليصبح كل شيء ماضي وانتهى.في ذلك الأثناء دخل ماهر وتبعته ليلى التي اقتربت من فارس بخوف واهتمام ملحوظ ثم انحت عليه تعانقه وتهمس بقلق:_أنت كويس يافارس؟اجابها بنبرة ونظرة خالية من المشاعر:_كويس ياليلى متقلقيشلم تكن ساذجة وغبية حتى لا تفهم نقمه وغضبه الذي يظهر في تبلد مشاعره ونفوره منها، لكنه هو الذي تسبب في ذلك الشرخ بينهم، ابتعدت عنه بمعالم وجه متبدلة من الاهتمام واللهفة إلى الجمود والحنق وانتصبت في وقفتها ثم اقترب من سحر وعانقتها مرحبة بها ثم رحبت بوالده وجلست على طرف الفراش بجواره وهي تتجنب النظر لوجهه وهو كذلك&;***في اليوم التالي بتمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل فارس المكون من طابقين مبني ومزين بنقوش على الطراز الفرعوني من فرط هوسه بالحضارة الفرعونية وعشقه الفريد لعمله، كان أثاث المنزل كلاسيكي وفخم يجذب الأنظار بمجرد دخول المنزل، لكن رغم جمال هذا المنزل إلا أنه مسلوب الروح، تعيش به أجساد أرواحها منفصلة عن بعضهم البعض، زوجين رغم التحامهم جسديًا لكن الرياح القاسية فرقت أرواحهم فجعلت منهم غرباء يعيشون تحت سقف واحد.وقفت ليلى أمام الباب وفارس خلفها يطالعها بجمود ويتابعها وهي تفتح الباب، ثم دخلت هي أولًا ولحق بها بخطوات بطيئة متأثرًا بأصابته وذلك الحادث الأليم الذي تعرض له، لاحظت هي تعبه وسيره بصعوبة فاقتربت منه لا إراديًا لكي تعينه وتأخذ بيده، لكن ما أن لمست يده سحبها هو بعنف ونظر لها بانزعاج يهتف بقسوة:_شكرًا مش محتاج مساعدةمنذ ليلة أمس وهو يعاملها بتلك الطريقة المشينة التي لا تقبلها على نفسها، وقد طفح كيلها منه واشتعلت نيران صدرها غيظًا لتصيح به منفعلة:_أنا نفسي افهم مين اللي المفروض يعامل التاني بالطريقة دي.. يعني رغم كل أنت عملته وأنت كمان اللي مش طايقنيصرخ بصوت جهوري نفضها بأرضها:_أنا معملتش حاجة أنتي مشيتي ورا أوهامك وصدقتيها لغاية ما دمرتي كل حاجة بيناشاركته هي أيضًا الصياح هاتفة:_ياسلام بقيت أنا الغلطانة دلوقتي، وأنا اللي دمرت علاقتنا وجوازنا وأنت الملاك المظلوم في الحكاية اللي أنا ظلمتهرفع يده السليمة ومسح بكفه على وجهه متأففًا بنفاذ صبر من هذا الجدال العقيم الذي لا ينتهي أبدًا حتى بوقت كهذا بعد تعرضه لحادث كاد أن ينهي حياته، كل ما يهمها إظهاره مذنب والمتسبب الوحيد في إفساد علاقتهم.رد عليها بخنق وصوت محتقن:_لا أنتي المظلومة يا ليلى وأنا الراجل الزبالة الحقير اللي عمل كل حاجة بشعة في مراته.. ارتحتي كدا، ورغم الوضاعة والحقارة اللي أنا فيها تنازلت ووافقت على طلبك وهطلقك عايزة إيه تاني، خلينا بقى نقضي آخر كام يوم مع بعض في هدوء كأي اتنين متحضرين لو سمحتي عشان لما ننفصل يفضلنا حاجة حلوة نفتكرها لبعض احسن ما تبقى حتى ذرة الحب والود اللي متبقية بينا تنعدم ومنبقاش طايقين نبص في خلقة بعضلمعت عيناها وتلألأت بالعبرات وظلت تحدقه بخزي والم ثم قالت بصوت مبحوح:_عندك حق احنا أصلًا كل حاجة بينا انتهت فملوش داعي الكلام اللي هيخلينا نكره بعض اكتر دهانهت كلماتها واندفعت نحو الدرج تصعد مسرعة متجهة لغرفتها وتتركه يقف مكانه يراقب بعيناه اندفاعها بعيدًا عنه، لكنه للأسف لم يعي بها كثيرًا فبنظره هي التي دمرت كل ماهو جميل بينهم بعنادها وأوهامها وإصرارها والآن تعيش دور الضحية أمامه.هم بأن يتحرك يكمل طريقه لغرفته المنفصلة عنها لكي يرتاح لكن صوت رنين الباب أوقفه وجعله يلتفت برأسه للخلف متأففًا بحنق من ذلك الطارق الذي جاء في غير موعده إطلاقًا، تحرك ببطء تجاه الباب ثم مسك بالمقبض وفتحه ليرى أمام صديقته أو بالأحرى صديقة العائلة المقربة &; راندا &; كان يظهر على محياها اللهفة ودون أي إنذار اقتربت منه وعانقته متمتمة بحزن:_حمدلله على سلامتك يافارس أنا والله أول ما قالي عز جيت جري أشوفك واطمن أنك كويسابتسم لها بود ثم ربت على ظهرها برفق وسطحية شديدة متمتمًا:_أنا بخير الحمدلله ياراندا متشكر على سؤالك واهتمامكابتعدت عنه ونظرت في يده اليسار المكسورة ورأسه الملتف بشاش أبيض حتى وجهه ممتلئ بالخدوش والإصابات، فطالعته بأسى وخوف وعادت تسأله مجددًا برقة:_أنت بجد كويس مفيش حاجة تعباك!ضحك بخفة وقال مازحًا:_في إيه يا راندا اهدى، أنتي شايفني بطلع في الروح، ما أنا واقف قصادك أهو زي الفل، هو أنا لو مش كويس كنت هفتحلك الباب بنفسياخذت نفسًا عميق بارتياح ثم سألت بترقب:_صحيح امال ليلى فين مفتحتش الباب ليه أنت المفروض تكون في اوضتك عشان ترتاحرد عليها بعبوس وهو يشير بعيناه للأعلى:_طلعت في اوضتها فوقراندا بنظرة عابسة مثله:_اتخانقتوا طبعًا مش كدا؟هز رأسه بالإيجاب فقالت هي بغضب وانزعاج:_والله ليلى دي رأسها ناشفة وعنيدة ربنا يهديها، حتى وأنت في الوضع ده بتتخانق معاك بدل ما تقول الحمدلله أنك رجعتلها بالسلامةفارس بصوت رجولي غليظ:_اطلعي شوفيها واقعدي معاهاأجابت بالموافقة واهتمام ملحوظ وهي تقترب منه:_هشوفها بس هساعدك الأول لغاية الأوضة أنت أكيد تعبان ومش قادر تمشيرفض فارس بلباقة ونظرة جادة:_أنا كويس ياراندا متشغليش بالك بيا اطلعي أنتي شوفيها واطمني عليهالوت فمها بضيق عندما رفض طلبها لكنها حاولت عدم إظهار ذلك الضيق وابتسمت له وهي تهز رأسها بالموافقة ثم تستدير وتتجه للدرج قاصدة غرفة ليلى بالأعلى.***داخل غرفة ليلى، سمحت للطارق بالدخول عندما خيل لها أنه قد يكون هو وقد جاء ملتمسًا العذر ينوي مصالحتها، لكن انفتح الباب وتبخرت أحلامها في الهواء عندما رأت راندا التي دخلت وأغلقت الباب ثم اقتربت منها وعانقتها بحرارة هامسة:_عاملة إيه ياحبيبتي؟!ليلى بعبوس وحزن شديد:_اهو زي ما أنتي شايفة ياراندا دايمًا خناق، خلاص كل حاجة انتهت مفيش فرص تاني لينالوت راندا فمها بشجن ثم قالت بنظرة ثقة:_انتوا أصلًا مينفعش تكملوا مع بعض بعد كل المشاكل دي وكل اللي قولتوه لبعض، الصراحة يا ليلى الطلاق هو اسلم حل ليكمليلى بعينان دامعة وصوت يغلبه البكاء قالت:_أنا عارفة أن خلاص كل حاجة انتهت بينا والطلاق أمر مفروغ منه، بس على الأقل يحاول يتمسك بيا يخليني أحس أنه كان بيحبني ولو حاجة بسيطةراندا بصوت قوي ونظرة غاضبة:_هو مبيحبكيش هتخليه يحبك غصب، انتي كدا بتنقذي اللي متبقي من كرامتك وصدقيني ربنا هيعوضك بشخص افضل يكون بيحبك بجدمسحت ليلى عبراتها وكلمات راندا رغم قساوتها إلا أنها تذكرها بقرارها وأنها يجب أن تصر ولا تتنازل عنه، فهي ليست أمرأة تقبل العيش مع رجل لا يحبها حتى لو كان قلبها متيم به.بينما راندا فتابعت بحنو وهو تمسح على ذراعها:_يلا قومي اغسلي وشك وبلاش تبقى قدامه ضعيفة ومكسورة كدا خليكي قوية لغاية ما تاخدي اللي بتسعيلهابتسمت لها ليلى بحب صادق ونقي ثم اقتربت منها وعانقتها هامسة:_شكرًا بجد ياراندا، أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه ولا كنت هفوق من وهم حبي لفارس ده وأشوف حقيقته ازاي لولاكي، ربنا يخليكي ليامسحت على ظهرها بدفء وقالت ضاحكة:_بلاش عبط أنتي اختي حد بيشكر أخته يا ليلىهزت ليلى رأسها بتفهم ووجهها مازال يزينه ابتسامتها الناعمة، ثم استقامت واقفة واتجهت للحمام تاركة راندا بمفردها تتابعها وهي مبتسمة!!.***بصباح اليوم التالي&;&;.فتح فارس عيناه على أثر صوت زوجته وهي تهتف بصوت رقيق:_فارس قوم، عز ودكتور أمجد تحتاستقام واعتدل جالسًا وهو يمسح على وجهه بخمول ثم أجابها بصوت رجولي غليظ:_طيب يا ليلى هنزلهمراقبته بنظرات مطولة في ضيق ثم استدارت واتجهت لباب الغرفة لتنصرف وتتركه، رغم أنه هو المصاب والذي تعرض لحادث إلا أنه يفكر الآن بما سيبرر خطأه الفادح لـ أمجد أثناء فتح المقبرة وتلك الأرواح التي زهقت بسبب إهماله، أطلق تنهيدة حارة متأففًا بحنق ثم هب واقفًا واتجه للحمام، وبعد عشر دقائق تقريبًا خرج وقاد خطواته البطيئة لخارج غرفته ومنها للطابق الأرضي تحديدًا لغرفة مكتبه.دخل واقترب من أمجد الذي هب واقفًا ومد كفه للمصافحة ليهتفوفارس بترحيب واعتذار مهذب:_أهلًا وسهلًا يادكتور، بعتذر عن التأخير بس كنت نايمرد أمجد بجدية وابتسامة حازمة:_ولا يهمك يادكتور فارس، وحمدلله على سلامتكرد فارس بابتسامة خافتة بعدما لاحظ صرامته في الحديث:_الله يسلمكثم القى نظرة على صديقه يرحب به بطريقة مختلفة واتجه للمقعد المقابل له ليجلس عليه وهو يثبت نظره على أمجد صاحب التعبيرات المريبة، فقرر هو بدء الحديث بالاعتذار عن خطأه:_أنا معترف بالخطأ اللي ارتكبته يادكتور في المقبرة مكنش ينفع اسيب العمال والحفارين لوحدهم، ومستعد لأى عقاب تشوفه حضرتك أو الهيئة مناسبأجاب أمجد بنفس تعبيرات وجهه السابقة بل وازدادت حدة:_اللي فات مات زي ما بيقولوا يافارس والمرة دي مفيش عقاب أنت أول مرة تغلط وهعتبرها غلطة لا تحسب، وأنا مش جايلك عشان نتكلم في القديمعلت علامات الاستفهام صفحة وجهه بينما عز فكانت نظراته مرتبكة تنم عن معرفته لسبب قدومهم الحقيقي لزيارته، تابع أمجد حديثه بصوت أجشَّ:_في قرار من الهيئة أن في عملية تنقيب كبيرة عن آثار ومجموعة مقابر لملوك وملكات هنكتشفها ومكانها في الأقصر، والهيئة اختارتك أنت خصيصًا عشان تشرف على العملية ديسكن وظهرت علامات الارتباك على محياه مفكرًا في ذلك الكلام ثم قال محاولًا التحجج:_يادكتور بس دي عملية كبيرة ومسئولية أكبر، دي غير أن حضرتك شايف وضعي الصحي أنا لسا امبارح طالع من المستشفىهتف أمجد بغلظة وعينان تحمل نظراته غاضبة:_ده مش اختياري يافارس الهيئة اختارتك وأنت لازم هتنفذ، ثم أن أنت مش واثق في قدراتك ولا إيه هو انت لسا مبتدأ، ده غير أن هيكون في مكافآت مالية مجزية جدًا في العملية دي بعد ما تنتهيحاول فارس الاعتراض ثانية متمتمًا:_بس يادكتور اااا&;قاطعه ومنع استرساله لحديث أو سماعه لحججه واعتراضاته:_مفيش بس.. جهز نفسك عشان هنتحرك بكرا، ولو على وضعك الصحي متقلقش أنت مش هتعمل أي حاجة كل مهمتك أنك تؤدي وظيفتك وهي الأشراف وأنك توجه الحفارين والمنقبين وتدي الأوامرأدرك فارس أن لا مفر له وأن الموافقة إجبارية فقال بضيق ملحوظ:_مش بدري شوية بكرا دي يادكتورأمجد بكل بساطة وعدم اكتراث:_ما أنت عارف أن دي قرارات بتنزل من الهيئة مش مننا احنا وهما اللي حددوا المعادهز فارس رأسه مغلوبًا وأطلق زفيرًا حارًا بانزعاج أما أمجد فقد استقام واقفًا وقال مبتسمًا برسمية:_هستأذن أنا وحمدلله على السلامة مرة تانياستقام فارس واقفًا بدوره هو الآخر وصافح أمجد مودعًا أياه:_مع السلامة يادكتورألقى عليه تعليماته الحازمة قبل أن يترك يده وبنظرة قوية قال:_المرة دي أي غلطة بعقاب عسير يافارس مش عايز أي خطأ واعمل حسابك أن العملية دي ممكن تاخد اسبوعكان فارس يكتفي بهز رأسه في امتعاض دون أن يتفوه بكلمة واحدة تبدي عن عدم رضاه لاختيارهم له في تلك الظروف خصيصًا.
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الثاني 2 - بقلم ندى محمود توفيق
استقر بمقعده ومكانه دون حركة بعد رحيلهم وهو شارد الذهن يفكر في تلك المقابلة التي كانت بينه وبين رئيس عمله وهو يملي عليه تعليماته الصارمة أنه سينضم لتلك العملية سواء شاء أم أبى، لا يفهم ما الذى يحدث له ولماذا لا يريد الانضمام له، طالما دومًا كان مخلص لعمله ويحبه ومازال لكن الآن الأمر أكثر من مجرد حالة صحية يتحجج بها، بل كأن هناك قوى خفية بداخله تمعنه من السير في هذا الطريق وليته يفهم تلك القوى ويفسرها حتى يرتاح.
استقام واقفًا من مقعده واتجه نحو الأريكة يتسطح عليها واضعًا كفه فوق وجهه محاولًا الاسترخاء والهدوء، حتى سمع صوت خطوات ناعمة تقترب منه، لم يكن يحتاج الرؤية ليعرف هويتها فهو يحفظها عن ظهر قلب، جلست بجواره على حافة الأريكة تسأله بتعجب:
_عملية إيه اللي تطلعها وأنت في الحالة دي يافارس!!
رفع يده عن وجهه ونظر لها بقلة حيلة هاتفًا:
_هعمل إيه يعني حتى فرصة الاعتراض مش متوفرة ده قرار من هيئة الآثار نازل ولازم يتنفذ
هتفت بضيق وقلق:
_يعني هو معقول مفيش مفتشين آثار في البلد غيرك مثلًا
أصدر تنهيدة حارة بحنق واستقام جالسًا ثم أجاب:
_ملوش لزمة الكلام ده دلوقتي، السفر بكرا خلاص
اخذت نفسًا عميق ثم سألته باهتمام:
_طيب أنت هتقعد وحدك ازاي اسبوع هناك وأنت لسا تعبان ومحتاج عناية، يعني حتى مش هتقدر تعمل أكل لنفسك
رفع يده ومسح على وجهه وهو يزفر باستياء:
_هتصرف يا ليلى، متشليش هم.. مع أنه غريب أنك مهتمة لأمري يعني
لوت فمها بانزعاج من سخريته منها، ثم التزمت الصمت لبعض الوقت تفكر بعقلها الذي يعاني من هلاوسه وأوهامه التي لا نهاية لها، وهذه المرة كانت هلاوسها ممتزجة بغيرتها المتأججة في صدرها بعدما سلمت عقلها لأفكارها الشيطانية، خصوصًا وهو لا يبالي بوضعه الصحي وأنه كيف سيمكث اسبوع كامل في منزل بمفرده، من سيهتم به وهو لا يقوي على الوقوف على قدميه ولا حتى التحرك بطبيعية من فرط اللآلم التي يجتاح صدره.
نظرت في عينيه بثبات وقالت في هدوء مريب:
_خلاص أنا هروح اقعد معاك عشان متبقاش محتاج حاجة وأبقى مطمنة عليك
حدقها مطولًا بنظرة ثاقبة رافعًا حاجبه بازدراء من رغبتها في مرافقته وهي تهجره منذ شهور ولا تشاركه حتى نفس الغرفة.
ساذجة أن ظنته أحمق حتى لا يفهم سبب تلك الرغبة أو حتى النيران التي تندلع من عينيها من فرط الغيرة، ابتسم لها ببرود وقال بنظرة ملتهبة:
_تطمني عليا ولا تطمني نفسك أني مش بخونك ولا متجوز عليكي
مالت بوجهها للجانب تخفي تعبيرات وجهها الضجرة بعدما كشف نوياها كلها أما هو فأكمل بغضب حقيقي هذه المرة:
_بلاش تمثلي دور المهتمة يا ليلى عشان أنتي ميهمكيش أمري اطلاقًا ومبتفكريش غير في نفسك وبس
التفتت له وصرخت به منفعلة:
_أنت السبب.. أنت اللي وصلتني لكدا
هز رأسه بالموافقة واستقام واقفًا يقول بعدم اكتراث لأمرها ومتعمدًا إثارة جنونها أكثر:
_أيوة أنا السبب واقولك على حاجة كمان أيوة أنا فعلًا بخونك يا ليلى وزي ما أنتي بتفكري كدا بظبط هقعد معاها هناك وهي اللي هتاخد بالها مني يعني متقلقيش عليا
تلألأت العبرات في عينيها وهي تحدقه بذهول وعدم استيعاب لما يتفوه به، ثم استقامت واقفة ونظرت في عيناه بقهر هاتفة:
_أنت أكيد مش بتتكلم جد، وبتقول كدا عشان متعصب مني ومش طايقني صح؟
تأمل تعبيراتها المنكسرة وبحر دموعها الذي يسبح في محيط عيناها فأشفق عليها وشعر بالندم على ما تفوه به مدركًا أنه جرحها بشدة، فرفع كفه ومسح على ذراعها بلطف هاتفًا برد ليس له علاقة بنقاشهم تمامًا:
_أنا طالع ارتاح في الأوضة وأنتي كمان روحي ريحي يا ليلى
تابعته بنظرات مندهشة وهو يستدير ليبعتد عنها وينصرف ليتركها مع سهامه القاتلة التي أصابت قلبها دون حتى أن يؤكد ما قاله، بل تركها بين نيران الحقيقة والسراب التي ستأكلها رويدًا وتصبح رماد، جلست على الأريكة مجددًا وانفجرت في نوبة بكاء هيستيرية دون توقف.
أما هو فقد دخل لغرفته وجلس على فراشه عابس الوجه يفكر بها وبتلك الحالة التي تركها فيها، لكن لا يمكنه نسيان ما فعلته وقالته بحقه، أن كان هو جرحها مرة فهي فعلت ألف مرة ولهذا السبب لا يستطيع أن يسامحها.
***
داخل إحدى عيادات الأسنان الخاصة، كانت جميع المقاعد مشغولة بالمرضى المنتظرين دورهم للدخول للطبيب، بعضهم يجلس وهو ممسك بوجنته موضع الم أسنانه والبعض الآخر وجهه شاحب من ذلك الألم المميت الذي يجتاح أسنانه وهناك مجموعة أخرى تجلس بكل أريحية ولا يبدو عليها أي معالم الم أو تعب فقط تعاني من بعض المشاكل البسيطة وجاءت لتعالجها عند الطبيب.
ترجلت راندا من سيارتها ووقفت أمام باب العيادة ثم رفعت رأسها لأعلى إلى تلك اللافتة التي مدوّن عليها اسم الطبيب &; دكتور ماهر يوسف زين &; اخصائي طب وجراحة الفم والأسنان، اخذت نفسًا عميقًا ودخلت بخطواتها الواثقة ثم اتجهت إلى السكرتيرة الخاصة بالطبيب والموكلة بتحديد عدد المرضى وأرقامهم ودخولهم، نظرت لها السكرتيرة وقالت مبتسمة فور رؤيتها لها:
_أهلًا وسهلًا يا بشمهندسة راندا
بادلتها الابتسامة برقة وردت:
_أهلًا بيكي ياحبيبتي، دكتور ماهر موجود ؟
استقامت الفتاة واقفة وقالت بإيجاب:
_أه موجود لحظة هبلغه أنك موجودة
خطت الفتاة خطوتين مبتعدة عنها لكنها توقفت على صوت راندا الجاد بابتسامة هادئة:
_تمام بلغيه ولو في كشوفات ومرضى تعبانين مفيش مشكلة أنا ممكن استنى
هزت رأسها بالموافقة لها واندفعت نحو غرفة الطبيب بينما راندا فبقت واقفة مكانها تنتظرها وعيناها تتجول على المقاعد المشغولة بالمرضى المنتظرين دورهم ولم ينتشلها من تفحصها لوجوه المرضى سوى صوت السكرتيرة وهي تقول بلطف:
_استاذة راندا دكتور ماهر بيقول لحضرتك معلش انتظري خمس دقايق لغاية ما يخلص الحالة اللي معاه جوا
ابتسمت راندا بصدر رحب وهتفت:
_اوكي مفيش مشكلة
ثم ابتعدت عن مكتب السكرتيرة وتوجهت نحو أحد المقاعد الفارغة بجانب امرأة تحمل على قدمها طفلها الصغير الذي لا يتوقف عن الصراخ ولسوء الحظ أن المكان الوحيد الفارغ كان بجوارها هي، فجلست راندا وراحت تنظر للمرأة بابتسامة صفراء محاولة عدم إظهار انزعاجها من صراخ الطفل، ورفعت يدها تنظر لساعتها وهي تعد اللحظات والثواني منتظرة بفارغ الصبر أن ينتهي ماهر من كشفه الحالي لتدخل هي.
مرت الخمس دقائق وأصبحت عشرة يبدو أنه يقوم بجراحة في الداخل مع مريض، وأخيرًا بعد طول انتظار خرج ذلك المريض وهو ممسك بفمه ويضع قطنة داخله من الواضح أنه قام بخلع أحد أسنانه، وفورًا أشارت السكرتيرة لراندا التي استقامت واقفة وقادت خطواتها لغرفة ماهر.
طرقت برقة على الباب قبل أن تفتحه وتدخل ليقابلها ماهر الجالس على مقعده أمام مكتبه بابتسامة صافية وتبادله هي إياه، ثم يستقيم واقفًا عند إغلاقها الباب وأقترابها من مكتبه ليمد يده للمصافحة هاتفًا:
_ان شاء الله المرة دي مش جاية كشف
ردت عليه بعبوس متصنع تضمر خلفه ابتسامتها المرحة وهي تصافحه:
_كنت اتمنى والله ياماهر
زم شفتيه بيأس وهو يضحك ثم جلس على مقعده وجلست هي على المقعد المقابل له أمام المكتب مباشرة، ليسند هو ساعديه على سطح المكتب ويميل بجسده قليلًا للأمام هاتفًا بنظرة جادة وابتسامة تحمل قلة الحيلة:
_ طبعًا مسمعتيش كلامي ولا تنبهياتي في آخر كشف فالألم رجع تاني واكتر من الأول
مصمصمت شفتيها بإحراج وقالت ضاحكة:
_طيب أعمل إيه أنت عارف أني مقدرش اعيش من غير كوباية القهوة كل يوم الصبح
أجابها بحدة هذه المرة:
_مينفعش يا راندا أنا نبهت عليكي ممنوع أي حاجة سخنة أو باردة تتشرب لغاية ما نعالج الالتهاب اللي عندك
قالت مازحة بمرح وهي تضحك:
_طيب خلاص يادكتور متتعصبش كدا عليا آخر مرة وعد، ولو جيتلك المرة الجاية تاني بشتكي ابقى اطردني
هب واقفًا وقال بحزم امتزج بابتسامة الهادئة:
_ده اللي هيحصل فعلًا، يلا تعالي على الكرسي عشان نشوف الوضع وصل لفين
استقامت واقفة واتجهت إلى مقعد مجهز خصيصًا في عيادات الأسنان بالأجهزة الكاملة ليتمكن الطبيب من الكشف على الأسنان بدقة أكثر، جلست عليه وجلس هو بجوارها على مقعده المتحرك الصغير واقترب منها فنظرت له هي بخوف شديد ملحوظ في نظراتها ثم مالت برأسها للخلف على المقعد وأصبحت في حالة نصف استلقاء لتجده ينظر في أدواته الطبية التي بجوار المقعد يختار الأداة المناسبة ليستخدمها في الكشف وهي تراقبه بعينان مرتعدة ثم تقول:
_أنت عارف أنا ليا اسبوع بتعذب من الألم ومش بعرف أنام وخايفة ما اجيلك
ابتسم دون أن يجيبها وهو يلتقط إحدى أدواته فيسمعها تقول بخوف:
_ماهر بلاش البتاعة اللي بتستخدمها كل مرة دي بتوجع والله أوي
نظر لها بلطف وتحدث مبتسمًا محاولًا منع ضحكته وكأنه يتحدث لطفلة:
_متخافيش مش هتوجعك متركزيش فيها انتي بس وركزي معايا زي ما متعودة
ردت مغتاظة بتوتر شديد:
_مهو المشكلة فيك أنت أصلًا أنت مش شايف شكلك ازاي أنا حساك ماسك في ايدك شنيور وهتفتح بطني
قهقه بقوة واجابها من بين ضحكاته مازحًا:
_ماله شكلي ما أنا عادي أهو، بعدين في إيه يا راندا أنتي طفلة صغيرة ولا إيه ده أنا الأطفال مش بيعملوا كدا عندي، عيب تبقى واحدة بتنزل مقابر فرعونية وبلاوي زرقة وخايفة من دكتور الاسنان امال فين الشجاعة اللي بيحكي عنها فارس
هتفت بيأس وخوف:
_اهي البلاوي الزرقة دي أهون منك وبعدين شجاعة إيه وبتاع إيه كله كوم والأسنان كوم تاني
رفع حاجبه مستنكرًا خوفها المبالغ فيه منه وابتسم لها بقلة حيلة ففهمت نظرته وتنهدت بقلق ثم فتحت فمها وأغلقت عيناها بقوة حتى لا ترى أي شئ، أما هو فاقترب أكثر منها بمقعده حتى أصبح شبه لا يفصله عنها سوي سنتي مترات لا تحسب ومال بوجهه على وجهها ليتمكن من النظر داخل فمها جيدًا وثبت الأضاءة المثبتة في المقعد بالأعلى على فمها واسنانها تحديدًا ثم بدأ كشفه على أسنانها باستخدام أدواته الطبية الخاصة، لكنها أطلقت صرخة ألم وانتفضت عندما ضغط على موضع الألم، فابتعد عنها ونزع قفازاته هاتفًا:
_خلاص خلصت معلش كان لازم ادوس على السنان عشان احدد مكان الألم بالظبط
فتحت عيناها بعدما اعتدلت جالسة فرأى العبرات متلألأت فيهم من أثر الألم، فمد يده بمنديل ورقيًا لها وامسك يدها هاتفًا بابتسامة حانية:
_لسا حاسة بألم؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي ممسكة بأسنانها وعيناها بدأت تذرف الدموع فأشفق عليها وضغط على كف يدها برفق وهتف بحنو ضاحكًا:
_خلاص يا راندا أهدى أنا مقصدش اوجعك اعمل إيه ده شغلي وانتي لو بتسمعي الكلام بس من الأول كان زمانك خفيتي من بدري
انهارت باكية من الألم وقالت له بغضب:
_لا أنت دوست بالبتاعة دي جامد قولتلك بتوجعني
انطلقت منه ضحكة خفيفة وقال مبتسمًا بود:
_معلش حقك عليا خدي امسحي دموعك وقومي عشان اديكي مسكن يهدي الألم شوية واكتبلك العلاج
جذبت المنديل من يده وجففت عبراتها وهي تومئ له بالموافقة ثم استقامت واقفة ولحقت به لتجلس على مقعدها أمام مكتبه فتجده يمد يده لها بقرص دواء ليسكن اللآلم فأخذته منه وتناولته ثم نظرت له وراقبته وهو يكتب لها العلاج المناسب لحالته في ورقة العلاج ( روشتة ) وبعد انتهائه بدأ يتحدث معها ويشرح لها العلاج ويوجه تعليماته الطبية التي ستتبعها حتى تساعدها على الشفاء اسرع وتجنبها الشعور بالألم.
***
بتمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل فارس الجندي&;&;
كان جالسًا داخل مكتبه الخاص الممتلئ بالتماثيل الفرعونية المقلدة ولوح البرديات المصنوعة صناعة يدوية وأمامه بعض الكتب الخاصة بعلم الآثار الفرعونية وبيده كتاب منهم يخص المقابر الفرعونية وأسرارها وعلومها الخفية يقرأه بتركيز شديد.
لكن فجأة انتفض من مكانه على أثر صرخة جلجلت المنزل منبعثة من زوجته فوثب واقفًا وصاح عليها بهلع:
_ليلى في إيه؟!!!
ترك ما بيده وهرول مسرعًا إليها رغم ألمه لكنه تحامل على نفسه واسرع في خطواته ليذهب لها ويطمئن عليها، صعد درجات السلم بتلهف وقاد خطواته إلى غرفتها ليفتح الباب ويدخل فيجدها في فراشها منكمشة كالطفل الصغير وتضم قدميها إلى صدرها محتضنة إياها بذراعيها تأخذ وضع الجنين وتبكي في حرقة، فاقترب منها بقلق وحرص ثم جلس بجوارها ومد يده يمسح على ظهرها بحنو متمتمًا:
_مالك يا ليلى حصل إيه؟
رفعت رأسها له وطالعته بوجه غارق في الدموع وعينان لا يتضح لونهم العسلي من كثرة دموعها، كانت نظراتها له كلها ارتيعاد وفزع، تتفحص تعبيراته بلهفة وخوف كأنها ستراه لآخر مرة وإذا بها دون تردد ترتمي بين ذراعيه تبكي بهستيريا وتهتف:
_كابوس بشع أوي يافارس أول مرة احلم بحاجة زي كدا
مسح على ظهرها بدفء وشدد من ضمه لها متمتمًا في صوت رجولي رخيم:
_اهدى طيب كابوس وعدى خلاص متفكريش فيه واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم
ابتعدت عنه ونظرت له بزعر ثم راحت تسرد له كابوسها بعينان زائغة وصوت مرتعش:
_شوفتك كنت واقف على سور البلكونة في الأوضة هنا وأنا كنت ماسكة سكينة وحطاها على رقبتي وببصلك وببتسم بطريقة غريبة وأنت بتبصلي بخوف وبتترجاني وتقولي نزلي السكينة يا ليلى وأنا بهز راسي بـ لا، وكانت في واحدة جمبي شكلها مرعب بتبصلك بشر وتضحك وبتهمس في ودني بتقولي اقولك تنط يا أما هقتل نفسي، وأنا من غير ما احس بقيت اصرخ واهددك لو منطيتش هقتل نفسي وفي النهاية أنت نطيت فعلًا، وصحيت من الحلم على صرختي لما أنت نطيت
طالعها باستغراب ومعالم وجه قلقة من ذلك الحلم الغريب لكنه حاول تجاهل الأمر وإقناع عقله أنه مجرد كابوس سخيف، كفكف دموعها برقة وهمس لها بصوت رزين وابتسامة حانية ليبث الطمأنينة لصدرها:
_متخافيش ده كابوس عادي وخلص خلاص انسي وقومي اغسلي وشك
هزت رأسها له بالموافقة وقبل أن تهم بالنهوض من الفراش نظرت له بعينان أرسلت إشارات فهمها جيدًا، كأنها تخشي أن تتركه وتبتعد عنه فيتحقق ذلك الكابوس، فابتسم هو لها بمحبة لكي تطمئن فيجدها تأخذ نفسًا عميقًا بقلة حيلة وتستقيم واقفة وتتجه للحمام.
لحظات قصيرة واستقام هو أيضًا واتجه للخارج يقصد غرفته لكي يضع هاتفه على الشاحن وبينما كان يبحث عن الشاحن رأى حقيبته فوق الفراش وبها ملابسه كلها.. لقد قامت بتجهيز حقيبة سفره له، تسمر بأرضه وثبت عيناه على الحقيبة بتفكير يتذكر ذلك الشجار العنيف الذي وقع بينهم بالصباح وكان سببه رغبتها في السفر معه ورفضه لطلبها معللًا لها بحجج واهية وكاذبة أنه يخونها، أما الآن فقد تسللت أشباح القلق وعدم الأطمئنان إلى اعشاشه الآمنة فجعلت روحه غير مستقرة، يفكر في ذلك الكابوس التي سردته له ورغم أنه لا يصدق في الأحلام ويراها مجرد أضغاث نابعة من العقل الباطن إلا أن ما سردته له للتو لمس اعمق نقطة في روحه، وحاسته السادسة التي لا تخطأ أبدًا تخبره أن هناك أمر خطير سيحدث.
التقطت عيناه شاحن الهاتف بجوار الحقيبة فجذبه ووضعه في الكهرباء وادخل هاتفه فيه ثم خرج عائدًا إليها في غرفتها فوجدها جالسة على الفراش وبيدها المنشفة تجفف وجهها وهي ساكنة تحدق في الفراغ بشرود، فانتشلها من بحر أفكارها بصوته الغليظ:
_قومي جهزي شنطتك عشان تسافري معايا بكرا
التفتت له وطالعته بدهشة ثم رسمت ابتسامة استهزاء وغيظ على معالمها بعدما تذكرت شجارهم بالصباح وآخر كلماته لها فقالت:
_وغيرت رأيك ليه مش على أساس متجوز عليا وهتروح تقعد مع مراتك هناك ومش محتاجني في حاجة
رفع يده ومسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقال بانزعاج شديد:
_ليلى بلاش الكلام ده دلوقتي مش حابب نتخانق تاني، أنتي كنتي عايزة تيجي معايا وأنا بقولك موافق، ولأن كمان مش هينفع اسيبك لوحدك في البيت اسبوع كامل
استقامت واقفة واقتربت منه لتقف أمامه مباشرة وتقول بتحدي ونظرة ثاقبة:
_بس أنا غيرت رأي ومش عايزة آجي معاك، كفاية أوي بنسبالي اللي قولته الصبح، أنا هقعد في البيت ولغاية ما ترجع تكون أوارق الطلاق جهزت
مال بوجهه للجهة الأخرى يحاول تمالك انفعالاته حتى لا يفقد أعصابه بسبب عنادها الطفولي، ثم عاد ينظر لها وصاح بعصبية بسيطة:
_وأنا بقول هتيجي معايا ولما نرجع نبقى نخلص ورق الطلاق اللي انتي مستعجلة عليه ده، واضح أن انتي اللي في حد تاني في حياتك مش أنا عـ&;&;
صاحت مقاطعة إيه في اهتياج شديد:
_كفاية متكملش اكتر من كدا، وصلت أنك بتشك فيا كمان
حدقها بنارية ثم رفع سبابته في وجهها وهتف محذرًا إياها بلهجة مرعبة:
_لهفتك على الطلاق هي اللي خلتني اشك، بس صدقيني يا ليلى لو طلع الكلام ده حقيقي مش هخليكي تنولي الطلاق ده إلا على جثتي
اطالت النظر إليه بذهول من كلماته وتهديداته الغريبة لكنها لم تكترث لأمره كثيرًا وتجاهلت ما قاله حتى لا تزعج نفسها أكثر بتلك الترهات، ما كان يزعجها حقًا هو أنهم لا يمكنهم إنهاء أي حديث بينهم بود وحب دون شجار.. دائمًا تصاحب أحاديثهم شجارات عنيفة تدمر جزء جديد في علاقتهم.
***
في صباح اليوم التالي داخل غرفته بعدما انتهي من ارتداء ملابسه مستعدًا لمغادرة المنزل والسفر، وقد أدرك أن لا فائدة من إجبارها على القدوم معه فقد تتفاقم الفجوة بينهم أكثر، رغم قلقه وعدم اطمئنانه أن يتركها وحدها في المنزل اسبوع كامل لكن ليس أمامه حل آخر سوى أن يستسلم لتلك العنيدة، فكر بأن يجعلها تذهب لتمكث في منزل أبيه مع والدته فهي تحبها ويتفاهمان كثيرًا مع بعضهم وهكذا لن يكون قلقًا عليها.
حمل حقيبته بيده السليمة وخرج من الغرفة متجهًا إلى الدرج، نزل درجاته بحذر حتى وصل إلى الطابق الأرضي ووقف بجوار الباب ثم وضع الحقيبة بجواره وصاح مناديًا عليها ليودعها قبل أن يرحل:
_ليلى أنا ماشي تعالي عايزك!!
ثواني معدودة ورآها تنزل الدرج وهي تحمل حقيبة سفرها بيدها ومرتدية ملابسها وجاهزة تمامًا، وصلت له ووقفت أمامه تقول بنظرة قوية:
_أنا جاية معاك
نظر لها متحفصًا إياها من أعلاها لاسفلها بابتسامة ازدراء ثم سلط نظره على عينيها وقال بخبث:
_بس أنا غيرت رأي!
فهمت أنه يحاول إثارة حنقها بنفس الرد اللي ردته عليه بالأمس، فابتسمت لا إراديًا له وقالت بثقة تامة:
_زي ما أنت غيرت رأيك ووافقت تاخدني معاك عشان تثبتلي أنك مش بتخوني أنا كمان وافقت اني آجي معاك عشان اثبتلك أن مفيش حد في حياتي تاني غيرك
تلاشت ابتسامته وظهر العبوس والامتعاض على محياه من كلماتها السخيفة، تلك الساذجة تظن أنه يأخذها معه فقط ليثبت لها عدم خيانته لها.. لا تدري فيما يفكر أو ما سببه الحقيقي.
كلاهما ينكر اهتمامه بالآخر ويخفي تلك المشاعر كأنها أثم عليهم، لا هو يأخذها معه لإثبات برائته ولا هي تذهب معه لإثبات ولائها وإخلاصها له.
سارت خلفه حتى وصلا للسيارة وتركته يضع حقائبهم في حقيبة السيارة واستقلت هي بمقعدها بجواره تفكر في حوارها من نفسها بالأمس بعد شجارهم، رغم كرامتها المجروحة من كلماته إلا أن قلبها لم يطاوعها على أن تتركه وحده بعد ما رأته في الحلم، فلن تكون مطمئنة عليه وهي ليست معه، تخشى أن يصبه مكروه فيتملكها الندم أنها لم تأخذ بيده ولم تكن معه لتملأ عيناها من النظر إليه أو لتروى ظمأ قلبها فى قربها منه.
فاقت من شرودها على صوته الرجولي يقول:
_هنعدي على بابا وماما الأول نسلم عليهم قبل ما نسافر
هزت رأسها بالموافقة دون أن تنطق بحرف واحد، وظلت تتابع الطريق من الزجاج بجوارها في سكون تام حتى توقفت السيارة أمام منزل والدي فارس، فتحت هي الباب أولًا وترجلت ثم هو.
سبقته بخطواتها السريعة إلى المنزل وطرقت الباب، وصل إليها ووقف بجوارها وكلاهما يقف منتظر الرد من الداخل، انفتح الباب من قبل والده الذي انفرجت شفتيها بابتسامة عريضة فور رؤيته لهم وهتف مرحبًا بهم:
_يا أهلًا وسهلًا إيه المفاجأة الحلوة دي ادخلوا ادخلوا
اقتربت ليلى من والد زوجها وعانقته بحب نقي متمتمة:
_عامل إيه يابابا؟
رد عليها بدفء وهو يربت على ظهرها برفق:
_الحمدلله يابنتي بخير
ابتعدت عنه وهي مازالت محتفظة بابتسامتها ثم تقدمت إلى الداخل متجهة إلى سحر والدة فارس وتركت زوجها مع والده الذي كان يسأله عن حاله ووضعه الصحي ويطمئن عليه.
بالداخل فور رؤية سحر لزوجة ابنها شهقت باندهاش وصاحت بفرحة وهي تفرد ذراعيها لها تحسها على الانضمام لحضنها:
_ليلى ياحبيبتي إيه المفاجأة دي تعالي تعالي
انضمت على الفور لحضنها ولبت النداء وهي تعانقها بكل حب وتهتف في عبوس:
_هتوحشيني والله ياماما
ابعدتها سحر عنها بحيرة ورمقتها بتساءل وقلق ثم سألت:
_هوحشك ليه يابت أنتي رايحة فين، اوعي تقولي موضوع الطلاق والكلام الفارغ ده
ابتسمت ليلى برقة وهزت رأسها بالنفي ثم تمتمت:
_لا مسافرين أنا وفارس وجينا نسلم عليكم
اتسعت عيني سحر بدهشة وسرعان ما لمعت بوميض مختلف كلها حماس وفرحة وراحت تهمس لها بخبث:
_فرحيني وقوليلي أنكم مسافرين إجازة تقضوا يومين مع بعض
زمت ليلى شفتيها بيأس وحزن على تلك السيدة الطيبة التي تسعى جاهدة لكي تصلح علاقتهم، قالت لها بخفوت:
_لا ياماما مسافرين شغل فارس جايله مهمة تنقيب من الهيئة وطالبينه بالاسم
تلاشت ابتسامتها تدريجيًا وارتفع العبوس واليأس على صفحة وجهها الذي سرعان ما تحول لغضب وهي تقول:
_شغل ايه ده دلوقتي وهو لسا طالع من عمليات وحادث من يومين
رفعت ليلى يدها ومسحت على ذراعها بلطف مبتسمة في نعومة ثم همست في صوت رزين لتطمئنها:
_مينفعش يرفض للأسف مجبور يروح، بس متقلقيش أنا عشان كدا روحت معاه عشان مسبهوش وحده
عادت البسمة لوجه سحر من جديد لكن هذه المرة كانت مغطاة برداء الحزن على حالهم وراحت تهتف داعية لهم بقلب صادق:
_ربنا يهدي سركم يابنتي ويبعد عنكم الشيطان ويصلح حالكم
بالخارج حيث يجلس كل من فارس ووالده الذي يهتف بضيق:
_مكنش ينفع تعتذر يعني يافارس
هز رأسه بالنفي في يأس:
_اللي فهمته أني لو كنت رفضت كنت ممكن اخسر شغلي يابابا فاضطريت اوافق
ربت والده على كتفه السليم برفق وقال في جدية:
_ربنا معاك يابني توكل على الله وأن شاء الله يعدي الاسبوع ده على خير، أنت هتاخد ليلى معاك صح؟
أجاب فارس بنظرة مضطربة:
_أه هتيجي معايا، معرفش ليه المرة دي قلبي مش مطمن اسيبها وحدها مش هبقى مرتاح غير لما تكون قصاد عيني
ضيق والده عيناه باستغراب وسأله:
_هو في حاجة حصلت ولا إيه يابني؟
ساه لثواني يتذكر ذلك الحلم الذي سردته له زوجته بالأمس ثم نظر لوالده وقال نافيًا:
_لا مفيش لما نرجع أن شاء الله على خير هبقى احكيلك
دخلت كل من ليلى وسحر التي اتجهت إلي ابنها وعانقته بحرارة وحب أمومي نقي هاتفة باهتمام:
_عامل إيه ياحبيبي بقيت احسن ولا لسا في حاجة تعباك
ابتسم لأمه بحنو وانحنى عليها يلثم وجنتيها بقبلة دافئة وسط همسه:
_أنا زي الفل الحمدلله ياست الكل اطمني متقلقيش
نظرت سحر لزوجها بعبوس وضيق شديد تشتكي له هاتفة:
_عاجبك اللي بيحصل ده ياجمال شغل إيه ده وهو في الحالة دي
أجابها جمال مبتسمًا بقلة حيلة:
_هنعمل إيه يعني ياسحر عايزاه يخسر شغله ادعيله ربنا يقويه ويحفظه
نظرت سحر لابنها بعينان دامعة وعادت تضمه لحضنها مرة أخرى وهي تدعو له بقلب الأم وحبها الصادق:
_ربنا يعينك ياحبيبي ويحفظك من كل شر خلي بالك من نفسك يافارس
ابعدها عنه برفق وابتسم في ود مردفًا:
_الله في إيه ياسوسو ده أسبوع متقلقيش عليا أهدى بقى
ابتسمت له من بين دموعها ثم التفتت برأسها للخلف تجاه ليلى وعادت تنظر لابنها من جديد وقد تحولت نظرتها من الحنو إلى الحزم وهي توصيه بهمس منخفض:
_خد بالك من مراتك، ومتخسرهاش يافارس صدقني هي بتحبك اوعى تطلقها
رفع نظراته المكدرة واستقرت على زوجته التي تتابعهم مبتسمة دون أن تدري ما الذي توصيه به أمه، فأخذ نفسًا عميقًا ونظر لكل من أمه وأبيه وهتف مودعًا إياهم:
_يلا بقى مع السلامة عشان متأخرش اكتر من كدا
انتهي الوداع بينهم بالعناق وادعية سحر التي لا تتوقف حتى غادروا المنزل واستقلوا بسيارتهم وانطلق بها فارس يشق الطرقات متجهًا لمدينة الأقصر&;.
***
بتمام الساعة الرابعة عصرًا فور وصولهم لمدينة الأقصر ترك فارس ليلى بالمنزل وخرج ليبدأ عمله، استقل بسيارته وانطلق متجهًا إلى الموقع الذي أرسله إليه صديقه &; عز &;، بعد تقريبًا أكثر من نصف ساعة وصل إلى ذلك الموقع الذي كان بالصحراء الكبيرة وعلى مسافة بعيدة نسبيًا عنهم توجد الآثار الفرعونية المشهورة.
نزل فارس من سيارته واتجه نحوهم بخطوات واثقة وهو يتلفت حوله يتفحص المكان بنظراته، لم يكن المكان بأكمله عبارة عن صحراء جرداء بل كان يحتوي على بعض الجدران الأثرية وكذلك الأبنية الصغيرة التي بدت وكأنها معابد مهدومة أو غير مكتملة أو ربما مازال نصفها لم يكتشف تحت الأرض.. كان موقع أثري بحت، وقف فارس بجوارهم بعدما رحب بكل من &; عز &; و &; راندا &; التي كانت كذلك تشاركهم تلك المهمة وكان &; أمجد &; موجود بالتأكيد
وبعض المنقبين الأثريين المختصين في التنقيب، وقف فارس يراقب وجوه الكل ويتفحص هيئة هذه الوجوه الجديدة التي يراها لأول مرة، حتى سمع صوت امجد وهو يبدأ في الحديث وأملاء تعليماته:
_طبعًا المفروض علماء الهيئة والآثار هيكونوا موجودين بكرا والشغل في التنقيب والحفر هيبدأ من بكرا بس النهاردة هيكون شغل خفيف وهو هنقب بلأجهزة عن أماكن المقابر والآثار عشان بكرا يبقى الحفر فورًا
ثم التفت تجاه فارس وأشار إليه مردفًا:
_وطبعا دكتور فارس هيكون هو المشرف عليكم طول المهمة دي والنهاردة هو هيكون معاكم خطوة بخطوة
هز فارس رأسه لأمجد يرسل له إشارات خفية من نظراته أن الأمر سيكون تحت سيطرته لا يقلق، فاقترب منه أمجد وهمس بجدية:
_أنا همشي دلوقتي يافارس عشان الهيئة اتصلت بيا وأنت خليك معاهم ودلهم على أماكن التنقيب الصحيحة أنت خبرتك غيرهم طبعًا وفاهم وعارف الأماكن اللي ممكن يبقى فيها المقابر والآثار
أجاب فارس بغلظة وهو يومئ بالموافقة:
_تمام يادكتور متقلقش
ربت أمجد على كتف فارس مبتسمًا ثم لوح لبقية المنقبين والرجال وانصرف وتركهم، اقترب كل من راندا وعز من فارس وكانت لراندا الأسبقية في التحدث حيث سألت فارس باهتمام:
_عامل إيه يافارس دلوقتي بقيت أحسن؟
أجابها مبتسمًا بصوت رخيم:
_الحمدلله يا راندا أفضل، يلا بينا عشان نبدأ ونلحق نخلص اللي نقدر عليه قبل الليل
همس عز لفارس فور ابتعاد راندا عنهم وانضمامها لبقية المنقبين:
_اوعى تقولي كمان أن حتى المرة دي أنت مش مرتاح، عايزين نرجع كلنا بيوتنا وفنادقنا بخير
قهقه فارس بقوة واجاب على صديقه مازحًا:
_ياجدع قوي قلبك كدا خايف من إيه سيبها على الله
ردد عز بهدوء:
_لا إله إلا الله
أشار له فارس أن يأتي معه ليبدأوا عملهم الذي استمر لأكثر من ساعتين وسط بحثهم وتنقيبهم بأجهزتهم المتطورة وما ساعدهم أكثر في اختصار الوقت هو ارشادات فارس إلى أماكن معينة كان يشك بوجود الآثار بها فكانوا طوال الوقت يسيرون خلف تعليماته وخبرته الوفيرة في ذلك المجال، أما راندا فكانت دومًا تلازم فارس لا تفترق عنه للحظة مما لفت انتباه &; عز &; لكنه لم يعقب عليها وتجاهل الأمر متعمدًا فـ لا الوقت ولا المكان مناسب للتركيز على شيء كهذا.
جلس الجميع على مقاعد خشبية ليستريحوا بعد انتهاء العمل وسط محادثات مرحة بينهم، لكن التفت فارس بمحض الصدفة على الأرض ليرى شيء غامض يسير اسفل الأرض ببطء.. لا يراه لكن يرى حركة الرمال الملحوظة، راقبه بنظراته فوجده يسير باتجاه مغاير وبعيد تمامًا عن منطقة عملهم، قاده فضوله لإتباع ذلك الشيء ومعرفة ماهو وإلى أين يتجه، وفور نهوضه من مقعده سأله عز:
_رايح فين؟
أجاب عليه بإيجاز وهو لا يحيد بنظره عن ذلك الشيء حتى لا يفقد أثره:
_هشوف حاجة سريعًا وراجع استناني هنا
تحرك بخطواته شبه السريعة خلف ذلك الشيء ليلحق به فاستقامت راندا وهمت أن تتبعه لكن أوقفها عز الذي قبض على ذراعها واجسلها مكانها مجددًا هاتفًا بنظرة حادة:
_خليكي يارندا هو قال استنوني هنا
تعجبت من نظرته ولهجته الحازمة معها لكن امتثلت له وجلست مكانها وظلت تتابع فارس الذي ابتعد لمسافة بعيدة جدًا عنهم.
توقف فارس بنفس النقطة التي توقف بها ذلك الشيء الغريب، التفت خلفه فوجدهم يجلسون بمكانهم لكنه ابتعد عنهم كثيرًا، تنهد الصعداء وعاد ينظر أسفل رجليه إلى ذلك الشيء، رغم عدم اطمئنانه وصوته الداخلي الذي يصرخ محاولًا إقناعه بالرجوع مجددًا ولا يكمل ما يفعله أو يتبع فضوله الذي سيقوده إلى الهاوية، لكنه تجاهل ذلك الصوت كالمغيب وانحني علي الأرض يفتش في الرمال عن ذلك الشيء فأذا به ينتفض واقفًا ويسحب يده فورًا عند شعوره بشيء حاد يجرحه في اصبعه، تفحص بعينيه أصبعه فوجد به جرح بسيط لكن الدماء بدأت تخرج منه وعند أول نقطة سقطت على الأرض، اتسعت عيناه بذهول وهو لا يفهم ما الذي يحدث حوله.. هبت عاصفة رملية عنيفة جعلت النهار ليلًا وحجبت الرؤية أمامه فرفع يده بسرعة ليخبئ عينيه بذراعه من الرمال حتى لا تؤذيه&;&;..
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الثالث 3 - بقلم ندى محمود توفيق
رفع ذراعه عن عينيه عندما أحس باهتزاز الأرض من تحته وسمع اصوات غريبة تشبه فتح بوابة لشيء ما، حاول النظر بين كل هذه الأتربة ورؤية ما الذي يحدث فرأي سلالم تنزل للأسفل تقود إلى بوابة مقبرة فرعونية، فغر شفتيه وعينيه بذهول وعدم استيعاب لما يراه أمام عينيه، حاول النظر خلفه لينظر لمن يعمل معهم فلم يرى شئ، التفت مجددًا إلى تلك المقبرة ونظر إليها بخوف بسيط وعدم ارتياح لكن حب الاستكشاف الذي لديه دفعه للدخول ومعرفة ما الذي تحتويه تلك المقبرة، قاد خطواته ببطء ينزل السلالم درجة درجة حتى وصل إلى البوابة التي كان يقف على جانبيها حارسين من الثماثيل الفرعونية، ضيق عينيه باستغراب أنها المرة الأولى التي يرى فيها مقبرة يقف على بابها تماثيل من الحراس، أخذ نفسًا عميقًا ووضع يده على أنفه قبل أن يخطو اولى خطواته إلى داخل المقبرة التي فور دخوله أغلق الباب عليه فالتفت خلفه مندهشًا وراح يتلفت حوله بزعر.
أما بالخارج فقد توقفت تلك العاصفة فور دخوله المقبرة واختفائها به، كان الجميع يسعل بقوة من رائحة الرمال والأتربة وعند ظهور النور والشمس مجددًا التفتت راندا حولها واستقرت عيناها على مكان فارس الذي رأته فيه آخر مرة فلم تجده، جحظت عيناها بصدمة وراحت تهتف بهلع:
_عز.. فارس فين كان واقف هناك أنا شفته قبل ما العاصفة تقوم
راح ينظر عز يتلفت حوله بحثًا عن صديقه ورغم القلق الذي تملكه إلا أنه حاول احتواء الموقف بذكاء حتى لا يزداد ارتيعادهم عليه وقال:
_يمكن استخبى ورا حاجة لغاية ما تخلص العاصفة هيكون راح فين يعني هيرجع دلوقتي استنى
نظرت له راندا وقالت بعصبية:
_أنت شايف في حاجة حوالينا يستخبي وراها احنا في صحراء بعدين ده اختفى فجأة
انفعل هو أيضًا عليها وكان واضح عليه ارتباكه لكنه يحاول الثبات أمامهم:
_هو ايه اللي اختفى فجأة هو احنا قاعدين فين أهدى يا راندا مالك!!
لم تهدأ بل بالعكس اهتياجها زاد أكثر وهتفت بشراسة:
_قولتلك اروح وراه أنت اللي منعتني
حدقها بنظرة نارية وهتف في صوت رجولي مرعب:
_وتروحي وراه ليه وبصفتك إيه أصلًا!
هتف أحد الزملاء من المنقبين معهم هاتفًا برزانة محاولًا تلطيف الأجواء المشحونة بالتوتر والغضب بينهم:
_اهدى ياراندا أنتي وعز خلاص أن شاء الله خير تعالوا نتفرق وندور عليه
كانت فكرة جيدة بالنسبة لهم ونفذوها فورًا حيث كل اثنين منهم تحرك في اتجاه مختلف يبحث عنه بين تلك الأعمدة والجدران الأثرية.
***
داخل المقبرة وقف فارس بأرضه دون حركة يتلفت حوله ويتفحص اجزاء المقبرة وسقفها المزخرف بنقوش غريبة بعضها فرعوني والآخر رموز لم يفهمها ولم يدرسها، كانت تحتوي على كنوز دسمة من الذهب والتماثيل الفرعونية والنقوش الفرعونية على الحوائط الأربعة وبمنتصف المقبرة كان يوجد تابوت الملك، فبدأ فارس يتحرك بخطواته الواثقة رغم القلق الذي في وجدانه وكان يلمس تلك الجدران والنقوش بأصابعه ليفحصها ويفك رموزها بعيناه ويقرأها فقد كانت كلها رموز فرعونية تتحدث عن الآلة وذلك الملك الفرعوني الراقد في تابوته، لكن توقفت يداه عند اسم الملك وهو يقرأه بتعجب فخلال دراسته وخبرته في مجال الآثار لم يصادف اسم ملك بهذا الاسم قط.. يقرأه لأول مرة في حياته الآن، حتى أن الذهب والتماثيل كان شكلها مختلف قليلًا عن تلك الكنوز التي يستخرجوها من المقابر.
بعد أن انتهى من فك رموز النقوش التي على الحوائط الأربعة اقترب من تابوت الملك وانحنى عليه يحاول قراءة ما كتب عليه لكن الرموز كانت نفسها التي دونت على السقف ليست فرعونية بل رموز غريبة ويبدو بعضها مرعب، وهنا تحدثت حاسته السادسة وأخبرته بأنه دخل مكان لا ينبغى عليه دخوله أبدًا وربما لن يخرج منه حيًا.. فما يراه أمامه أشبه برموز السحر، هب واقفًا واتجه إلى الباب مسرعًا يبحث عن مخرج أو طريقة يفتح بها ذلك الباب لكن توقف عن المحاولة عندما سمع صوت تدحرج زجاجة في الأرض خلفه ووقفت أسفل قدميه، فالتفت برأسه إليها ثم انحنى والتقطها فوجد داخلها مخطوطة صغيرة أشبه ببريدة فرعونية ملفوفة داخل الزجاجة، مد يده داخل الزجاجة ليخرج البردية علها تساعده في إيجاد المخرج، لكنها لم تكن المخرج بل كانت الجحيم الذي انطلق من العدم، بمجرد ما أن أصبحت البردية بين يديه اهتزت المقبرة كلها به وكأن زلزال مدمر اجتاحها وصط سمعه صوت ضحكات أنثوية مرعبة من الخلف، نظر لتلك البردية التي بيده ثم وضعها بجيب بنطاله وأخذ نفسًا عميقًا ثم التفت خلفه وهو مدركًا أن ربما ما سيراه لن يسره أبدًا، وما لبث أن التفت حتى انفجر في وجهه صراخ شيء مرعب لا يعرف هويته أو جنسه.. وليكون هذا هو آخر شيء تبصره عينيه التي أغلقت مع فقدانه لوعيه.
فتح عيناه ببطء والرؤية أمام عينيه مازالت مشوشة فرفع كفه ووضعه على رأسه متأوهًا بألم، وتدريجيًا بدأت الرؤية تتضح أمامه فكان أول شيء تبصره عيناه هو السماء المظلمة فوقه والنجوم اللامعة التي تزينها، شعر بملمس الرمال تحته فاستقام جالسًا لتجحظ عيناه بصدمة عندما وجد نفسه في الظلام الدامس في صحراء جرداء لا يوجد بها أي إنسان سواه ولا يسمع سوى صوت الذئاب والكلاب، فالتفت حوله بزعر بحثًا عن أثر لمنطقة عمله الذي كان يعمل بها لكن كل شيء اختفى، رفع يده على رأسه وأخذ يمسح على شعره ورأسه وهو فاغر شفتيه وعينيه بعدم استيعاب لما يحدث معه، من فرط غضبه واضطرابه كان يضغط على رأسه ويشد خصلات شعره بغيظ، لكن هدأت ثورته عندما تذكر تلك البردية التي وضعها في جيبه فراح يدس يده في جيبه بلهفة بحثًا عنها حتى وجدها وعندما اخرجها ابتسم بارتياح بسيط وراح يفتحها ظنًا منه أنه سيجد بها شيء يساعده لكنه لم يجد بها سوى بعض النقوش الفرعونية تشبه التي كانت مرسومة على الحوائط، صرّ على أسنانه ولا إراديًا أخذ لسانه يلطق السباب والألفاظ النابعة من أنفعاله صائحًا:
_أنا حتى مش عارف أنا فين!!
اخذ يدور حول نفسه محاولًا إيجاد طريق يمكنه السير منه عله يصل لأي شيء أو شخص يساعده على الخروج من تلك الصحراء لكن الاتجاهات الأربعة حوله لا يرى فيهم شئ سوى الظلام والرمال التي على مرمى البصر وأصوات الذئاب التي لا تتوقف، رفع رأسه للسماء ينظر لضوء القمر المحجوب بفعل الغيوم الكثيفة فتنهد بيأس ثم دس يده في جيبه بنطاله يخرج هاتفه لكن وجد بطاريته فارغة.
فجأة تصلب بأرضه عندما سمع خلفه صوت عواء ذئب اخترق أذنيه بلا هوادة، فتسارعت نبضات قلبه لا إراديًا لكنه تحلى بشجاعته ووقف شامخًا ثم التفت بهدوء للخلف، ليرى أمامه ذئب ضخم اسود اللون ينظر له بشر وفي عينيه الحمراء كالدماء ابتسامة شيطانية، نظرته كانت تشبه نظرات بشرية ليست حيوانية التي من المفترض أنها مندفعة بفطرتها في الفتك والانقضاض على فريستها، ومن الواضح أن هدفه لم يكن افتراسه فعينيه الحمراء التي أكدت له أنه ليس ذئب طبيعي كانت تنظر له وكأنها تخبره أنه حوله ولن يتركه.
رفع الذئب رأسه للسماء وأطلق عوائه المخيف ثم عاد وظل ينظر لفارس بنفس النظرات، أخذ فارس نفسًا عميقًا وقرر أن يوليه ظهره ويكمل سيره دون أن يلتفت له ليتأكد من شكوكه التي تنخر عقله، فالتفت وسار مسافة خمس خطوات ثم توقف وبعد ثلاث ثواني التفت برأسه للخلف ينظر له ليتأكد هل مازال واقفًا أم لا فلم يجده.. دار برأسه في اتجاهات الصحراء الأربعة حوله يبحث عنه لكن لا أثر له، ظهر من العدم واختفى كذلك، عاد يلتفت برأسه لطريقه أمامه لكي يكمل سيره ويخرج من تلك الصحراء التي من الواضح أنها ممتلئة بالأشباح، لكن بمجرد التفاته أمامه فزع وارتد للخلف لا إراديًا عندما وجد الذئب يقف أمامه.
جحظت عيني فارس عندما وجد الذئب يفتح فمه ويخرج منه صوت يتحدث معه كالبشر ويقول بنبرة مرعبة:
_لا تبحث عني يا فارس، أنا سألازمك طوال الوقت
كانت الصدمة قد لجمت لسانه من هول الموقف وما يراه أمامه حتى أن الخوف قد تبخر هو فقط يحاول إيجاد تفسير لما يحدث وكيف الذئب يتحدث معه، بل السؤال الأهم كيف سيلازمه دومًا؟!.
اخرج الذئب آخر كلماته متمتمًا:
_احذر قد يأتيك الخطر من العدم!
ثم اختفى من أمامه بلمح البصر فأخذ فارس يتلفت حوله كالمجنون يبحث عنه، مازال عقله لا يستوعب ما تراه عينيه وما سمعته أذنيه للتو، فلقد تحدث إليه ذئب ثم اختفى من أمامه، بقى متسمرًا بأرضه للحظات حتى فاق من صدمته وكان أول أمر يتلقاه من عقله هو الركض لينقذ روحه من خطر المجهول الذي لا يفهمه، استمر في الركض وسط رمال الصحراء القاسية وهو لا يدري في أي اتجاه يسير وإلى أين تأخذه قدميه، لكنه أدرك جيدًا أن بقائه في تلك الصحراء أكثر من هذا قد يفقده حياته.
استمر بالركض لمسافة طويلة ثم توقف وانحنى للأمام مستندًا بكفه على ركبتيه وهو يلهث ويلتقط أنفاسه المتسارعة، ثم رفع رأسه والتفت حوله ينظر إلى أين وصل لربما وصل لطريق عمومي تمر منه السيارات أو حتى إلى مكان به أي شكل من أشكال الحياة البشرية، لكن مازال الظلام الدامس يحفه من الجهات الأربعة ولا يرى سوى رمال الصحراء القاسية، حاول التقاط أنفاسه واستجماع قوة جسده الهزيلة بسبب حالته الصحية، حتى أن اللآمه وجروح صدره بدأت تشتد عليه وتنزف، تحامل ووقف على قدميه وأكمل ركضه لكن بسرعة ابطأ من السابق حتى توقف فجأة وهو لا يقوى على الوقوف أو التقاط أنفاسه وبدأ مداره من حوله يدور به وعيناها أصبحت الرؤية فيها ضبابية ومشوشة، فاخفض نظره لصدره وجد قميصه الأبيض ملطخ بدماء جروحه المفتوحة، فما هي إلا ثواني معدودة وكان قد فقد توازنه كاملًا وسقط على الرمال فاقدًا وعيه.
***
كانت ليلى بالمنزل بمفردها جالسة على الأريكة أمام شاشة التلفاز المغلقة وعيناها عالقة على ساعة الحائط التي تخطت الساعة الثالثة فجرًا، مزيج من القلق والغضب والغيرة كان مشتعل في صدرها، تحاول الاتصال به منذ آذان العشاء ولكن هاتفه مغلق.. وسؤال واحد كان يستمر عقلها في طرحه &; إلى أين ذهب وتركني منذ أول ليلة؟ &;، حتى أن محاولاتها للاتصال بـ &; عز &; أو &; راندا &; باتت بالفشل فكلاهما لا يجيبا على اتصالاتها وكأن العالم اجمعه اقسم على افقادها عقلها هذه الليلة، زوجها متغيب عن المنزل ولا تعرف أين ذهب وتركها وأصدقائه لا يجيبون على اتصالاتها حتى صديقتها المقربة لا تجيب.. ما الذى يحدث!!!.
توقفت وأخذت تجوب الصالة إيابًا وذهابًا وهي تفرك كفيها ببعضهم من فرط الغيظ، رغم سخطها الشديد إلا أنها أيضًا تقلق عليه بشدة مازالت حالته الصحية ليست جيدة، فماذا يفعل كل هذا الوقت خارج المنزل ولماذا هاتفه مغلق؟
هتفت تحدث نفسها بغيرة:
_مهو مش معقول يكون متجوز عليا فعلًا وإلا مكنش هيجبني معاه ويصرّ كمان ويغصبني أني آجي
ثم رفعت كفها برأسها تمسح على شعرها وتقول بضيق وقلق:
_وبعدين بقى طيب هو يقفل تلفونه ليه، ماشي يافارس بس ترجع البيت وحسابي معاك عسير، سايبني وحدي الليل كله في المكان الغريب ده
فقد كان موقع منزلهم بالقرب من الأماكن الأثرية ليكون قريبًا من عمله ولا يستغرق وقت في الوصول إلى عمله، كانت منطقة شبه مهجورة ولا يوجد بها سوى سكان معدودين.
عادت وجلست على الأريكة مجددًا وهي منخرطة في التفكير بأمره، حتى صك سمعها صوت رنين هاتفها فانتفضت واقفة وهرولت نحوه ظنًا منها أنه هو المتصل لكن قرأت اسم &;راندا&; ينير الشاشة، أجابت فورًا عليها بلهفة هاتفة:
_إيه ياراندا برن عليكي ليا قد إيه مكنتيش بتردي ليه
اجابتها راندا بصوت مريب وهي معلقة نظراتها على عز الجالس بجوارها:
_معلش يا ليلى الشغل كان كتير النهاردة ومعرفتش ارد عليكي، بقولك يا ليلى هو فارس في البيت؟
تجمدت تعبيرات وجهها وقالت بتعجب:
_ازاي يعني هو فارس مش معاكم ولا إيه، انتوا مش لسا في الشغل يا راندا؟!
اتسعت عيني راندا بارتيعاد أكثر عندما فهمت أنه لم يعد للمنزل إلى الآن، كانت تفتح مكبر الصوت ليسمع &;عز&; بجوارها الذي بمجرد ما سمع رد &;ليلى&; أشار لـ &;راندا&; بحدة ينهيها ويحذرها من أن تخبرها بشيء، تنفست راندا الصعداء وحاولت الحفاظ على صوتها هادئًا لتجيب على ليلى بهدوء:
_لا احنا خلصنا شغل ورجعنا البيت بس أنا كنت بتصل بفارس وتلفونه مقفول عشان كدا اتصلت بيكي، متقلقيش هو أكيد مع دكتور أمجد في المكتب عشان كان بيقول أنه في شغل معاه هيخلصه ويرجع البيت
ليلى بشك ملحوظ في نبرة صوتها الحادة:
_شغل إيه اللي للساعة تلاتة ياراندا هو انا مش كنت شغالة برضوا فيه الشغل ده وعارفة كويس أوي أن دكتور أمجد ميقعدش أبدًا للوقت ده في المكتب، أنتي في حاجة مخبياها عني ولا إيه ومال صوتك كدا ؟
تنحنحت راندا بارتباك محاولة اخفاء نبرة صوتها المرتجفة والمرتعدة على فارس واجابتها بإيجاز:
_مليش انا تعبانة بس من الشغل يا ليلى، أنا هقفل بقى ولما يوصل فارس ابقى بلغيه خليه يتصل بيا عشان في كام حاجة تبع الشغل هبلغه بيها
لم تترك فرصة لـ &; ليلى &; حتى تجيب عليها حيث أغلقت الهاتف بسرعة وراحت تنظر في وجه عز بزعر وتهتف:
_شوفت مرجعش أنا قولتلك في حاجة حصلت معاه، الساعة تلاتة ياعز فارس عمره ما يقعد برا البيت للوقت ده
جز على أسنانه مغتاظًا وصاح بها:
_وأنتي ما شاء الله حافظة مواعيد رجوعه بيته يعني، متنرفزنيش يا راندا أنا قلقان اكتر منك عليه
استقامت واقفة وعقدت ذراعيها في خصرها وقالت بقلق:
_طيب هنفضل قاعدين كدا كتير يلا نروح نعمل بلاغ في القسم عن اختفائه
رد عز بنفاذ صبر من قلقها وحركتها المفرطة التي زادت من اضطرابه أكثر على صديقه:
_مفيش بلاغ في القسم غير بعد 48 ساعة، بعدين هنروح نقولهم ايه في القسم كان في عاصفة رملية في الصحراء وهو فص ملح وداب واختفى
عادت وجلست بجواره مجددًا تقول باهتمام وعينان شبه دامعة:
_طيب هنعمل إيه ياعز أنا قلقانة عليه أوي خايفة يكون جراله حاجة
دقق النظر في عيناها الغارقة بالدموع خوفًا على فارس وظهور تلهفها في صوتها، هو ليس أحمق حتى لا يفهم ما يراه أمامه، لكنه تمالك أعصابه وأطلق زفيرًا حارًا وأجاب بهدوء:
_مفيش غير تفسيرين، يا أما هو راح مكان ومش قايل لحد، يا أما بقى الموضوع ده فيه أنَ بجد وفي حاجة حصلتله، وأنا اتمنى أن التفسير الأول يكون هو الصح، بس في كلتا الحالتين مفيش في ايدنا حاجة غير أن نصبر للصبح لو مرجعش لغاية الصبح يبقى سعتها هتصرف
كانت قدمي راندا تهتز بعنف وهي تقرض أظافرها بأسنانها من فرط توترها بينما &; عز &; فزم شفتيه بحنق واستقام واقفًا يقول لها:
_أنا همشي كفاية كدا وأنتي نامي وارتاحي وأن شاء الله بكرا الصبح يكون رجع
لم تجيبه أو حتى تلتفت له فعاد يهتف بلهجة حازمة وصوت أعلى:
_راندا سمعاني أنا بقول إيه!!
ردت بصوت مبحوح دون أن تنظر له:
_سمعاك ياعز سمعاك.. سلام
هز رأسه بقلة حيلة ثم تركها واتجه لباب المنزل لينصرف ويتركها في ارتيعادها الهستيري والغير طبيعي على رجل من المفترض أنه صديق!، وقف عز أمام الباب بعد خروجه ورفع هاتفه ينظر في الساعة التي أوشكت على الرابعة فجرًا وراح يتساءل بقلق حقيقي على صديقه الوحيد:
_روحت فين بس يافارس، ربنا يستر وتكون بخير
***
بتمام الساعة السابعة صباحًا كانت شمس الصحراء ساطعة بأشعتها الحارة، فتح فارس عيناه ببطء فأحرقته الأشعة الحارة واغلق عيناه مجددًا ثم رفع يده يحجب الأشعة عن عينيه ليستطيع الرؤية ثم حاول الجلوس وهو يتأوه بألم، وبمجرد ما فتح عينيه بوضوح والتفت حوله يبصر المكان من حوله الذي من المفترض أنه صحراء جرداء لا يعرف اتجاهاتها الأربعة من اتساعها وكبرها، لكن ما رآه جعله يهب واقفًا بفزع رغم اللآمه عندما وجد نفسه قد عاد لمنطقة عمله التي بدأ عندها كل شيء بالأمس، ووجد نفسه واقفًا بنفس المكان الذي فتحت فيه المقبرة لكن لا يوجد أي أثر لأي مقبرة وكأنها سراب اختفى، أخذ يتلفت حوله كالمجنون وهو لا يفهم شيء مما يحدث معه، أين كان ليلة أمس وكيف عاد إلى هنا مجددًا، رفع يده ومسح على شعره وهو يشعر أنه سيفقد عقله وسيصبح متجولًا في الشوارع كالمجانين، التقطت عيناه سيارته تقف بنفس المكان الذي تركها به ليلة أمس فحمد ربه أن على الأقل سيارته موجودة ليستطيع العودة للمنزل، سار نحوها بخطوات متعثرة وبطيئة وهو يتأوه من اللآم المميتة التي تجتاح صدره وذراعه المكسور، وقف أمام باب السيارة ودس يده في جيبه بنطاله ليخرج مفاتيح السيارة ثم استقل بمقعده وانطلق بسيارته متجهًا لمنزله، وهو يحاول بقدر الإمكان توازن حركة يده على مقود السيارة حتى لا يفقد زمام القيادة ويتعرض لحادث جديد، حتى أن رؤيته كانت مشوشة من فرط تعبه بسبب النزيف الذي تعرض له وكذلك عطشه وعدم أكله لأي شيء منذ الأمس.
توقف أخيرًا بالسيارة أمام منزله ونزل منها ببطء ثم قاد خطواته البطيئة لداخل حديقة المنزل الصغيرة متجهًا للباب، ووقف أمام الباب يطرق بإيدي هزيلة لا تقوي على الطرق حتى.
وثبت ليلى جالسة بفزع مستيقظة من نومها على صوت ذلك الطرق فقد نامت مكانها على الأريكة ليلة أمس وهي تنتظره، هبت واقفة واسرعت للباب لكي تفتح له وهي تتوعد له أن هذه المرة سيكون شجارهم ليس عادي، فتحت الباب متحفزة بملامح وجه متقوسة بغضب لكن سرعان ما اختفى كل هذا وحل محله الصدمة عندما رأت حالته المزرية أمامها وهو لا يقوي على الوقوف وملابسه كلها متسخة بالأتربة وقميصه ملطخ بالدماء، شهقت بهلع واسرعت إليه تسنده قبل أن يسقط وهي تنظر له بزعر وخوف شديد تسأله بعدم استيعاب:
_فارس إيه اللي عمل فيك كدا.. كنت فين؟
لم يكن يستطيع حتى الرد عليها، فدخلت هي بين ذراعيه ولفت ذراعها حول خصرها وبالذراع الآخر كانت ممسكة بذراعه الذي يضعه فوق كتفها يسند عليها وسارت معه للداخل ببطء حتى وصلا للأريكة فأجلسته عليها ببطء ثم وضعت كفها أسفل رقبته والكف الآخر خلف ظهره وساعدته على النوم بحرص شديد، ثم جلست على الأرض بجوار الأريكة ورأسه مباشرة ثم مدت يدها تمسح عن وجهه الأتربة وتسأله بعينان دامعة من فرط ارتيعادها عليه:
_فارس رد عليا أنت كويس.. اتصل بالأسعاف طيب
خرج صوته ضعيفًا بالكاد سمعته وهو مغلق عينيه:
_مايه يا ليلى عطشان
استقامت واقفة فورًا وهرولت للمطبخ شبه ركضًا لتجلب له الماء ثم عادت وبيدها كأس ممتلئ بالماء وباليد الأخرى زجاجة ممتلئة، وضعت الزجاجة على الأرض بجوارها ثم ساعدته في رفع رأسه واسقته هي المياه، كان يشرب بشراهة لدرجة أنه شرب زجاجة الماء كلها، ثم عاد وألقى برأسه على الأريكة مجددًا، راحت هي تتحسس حرارة جسده فوجدتها مرتفعة جدًا وراحت تفتح ازرار قميصه لترى وضع جروحه فوجدتها ملتهبة وحمراء والدماء تملأ صدره، فقالت بهلع:
_لا أنا هتصل بالأسعاف.. جروحك ملتهبة وحرارتك عالية
استقامت واقفة تنوي الذهاب لهاتفها لكي تتصل بالأسعاف لكنه قبض على رسغها بضعف يوقفها وقد فتح عينيه أخيرًا وقال بصوت خافت:
_هبقى كويس متتصليش بالأسعاف، ساعدني بس اطلع الأوضة عشان اغير هدومي واخد دش وبعدين طهريلي الجروح دي ونضفيها
جلست على الأرض مجددًا بجواره وهتفت بغضب نابع من قلقها وقد بدأت عيناها تذرف الدموع:
_ومتصلش ليه أنت مين اللي عمل فيك كدا فهمني!
مد يده لوجهها يمسح دموعها ويتمتم بنظرة حانية:
_يا ليلى اسمعي الكلام ابوس ايدك واعملي زي ما بقولك متتعبنيش أنا مش قادر اتكلم، بعدين بتعيطي ليه أنا كويس قولتلك
ابتسمت بمرارة وسط دموعها وقالت ساخرة من رده:
_كويس إزاي وأنت بالمنظر ده، أنت مش شايف اللي أنا شيفاه
حاول النهوض جالسًا وراح يمزح وهو يبتسم بتعب:
_أنتي بس عامل فيكي كدا شكلي المتمرمط في التراب، لما استحمى وانضف هتهدي
قالت بنفاذ صبر وقلة حيلة منه:
_هو ده وقت هزار يعني يافارس
نظر لها بتعب حقيقي وقال بصوت خافت:
_لا مش وقته ممكن بقى تساعديني اطلع الأوضة عشان أنا تعبان فوق ما تتخيلي ومش شايف قدامي ومحتاج ارتاح
هزت رأسها بالموافقة ثم استقامت واقفة ودخلت بين ذراعيه كما فعلت للتو وسارت معه بحرص لغرفته بالأعلى وهي تسنده، حتى دخلوا الغرفة ولم تتركه حتى في الحمام بل دخلت معه لتساعده في الاستحمام فقد خافت عليه أن يسقط من شدة تعبه، خرجوا بعد دقائق طويلة نسبيًا وكان هو عاري الصدر وجروحه منظرها بقشر البدن من شدة التهابها، استلقى على السرير وجلست بجواره وراحت تعقم تلك الجروح وتطهرها له وسط تأوهاته المكتومة من الألم، ثم اغلقتها وغطتها بالغطاء الطبي وساعدته في ارتداء قميص قطني خفيف، ثم أعطته مسكن للألم وخافض للحرارة ودثرته بالغطاء وتركته لكي ينام ويرتاح.
لم يلبث دقيقتين حتى وجدته غط في ثبات عميق فبقت هي بجواره تتأمل ملامحه الذابلة والمتعبة، وتتساءل في قرارة نفسها ما الذي حدث معه، وصوت داخلي يحدثها أن هناك أمر خطير حدث فملامحه ليست كما اعتادت أن تراها حتى بعد الحادث لم تراه بهذه الحالة المزرية، مدت يدها لشعرها تمسح عليه برقة وتغلغل أصابعها بين خصلاته وهي تحدقه بأسى وخوف عليه، ثم انحنت وطبعت قبلة دافئة فوق جبهته لتبتعد بعدها عنه وتتركه وتغادر الغرفة بأكملها.
***
بعد ساعات طويلة بتمام الساعة الثالثة عصرًا، اتجهت ليلى لغرفة فارس لتطمئن عليه فهو منذ عودته نائم في فراشه لم يستيقظ، وصلت للغرفة وفتحت الباب ببطء شديد ثم دخلت وما أن سقطت عيناها عليه ابتسمت برقة وقالت له بعدما وجدته مستيقظ:
_كويس أنك صحيت أنا كنت جاية اصحيك عشان تتغدى وتاخد العلاج
هز رأسه بالرفض وهمس في حنق:
_لا مليش نفس ياليلى هاخد العلاج على كدا، وكمان عز جاي دلوقتي زمانه على وصول هتكلم معاه في حاجة مهمة
ظلت بأرضها ثابتة تحدق به بعدم ارتياح ثم تقدمت إليه وجلست بجواره تسأله بشك واهتمام:
_طيب سيبك من الأكل مش هتكلم فيه دلوقتي، ممكن بقى الأول تفهمني إيه اللي حصل معاك وكنت فين؟
رفع يده ومسح على وجهه وهو يزفر بضيق متذكرًا الأحداث المرعبة والغريبة التي تعرض لها ليلة أمس، ثم نظر في عيني زوجته بتفكير عميق، كم يود أن يشاركها ويسرد لها لكنها ستصر على أن ترافقه وتذهب معه لذلك المكان أن عرفت أي شيء وهو لا يستطيع أن يعرضها للخطر أو يخسرها، سيخفي عنها ما حدث معه حتى يجد تفسيرًا منطقيًا لهذه المقبرة.
أجابها فارس بثبات تام ونبرة صوت هادئة:
_ولا حاجة قامت عاصفة رملية في الصحراء شديدة وأنا كنت بعيد عنهم وتعبت جدًا فاغمى عليا ومفقتش غير الصبح
كانت تستمع لحكايته السخيفة التي يسردها عليها، والمتوقع منها أن تصدقه كطفلة صغيرة يلهيها والدها عن لعبتها المفضلة، ابتسمت له باستهزاء وقالت:
_فارس متستخفش بعقلي أنا مش عبيطة، عاصفة إيه اللي قامت ما أنا قاعدة هنا في البيت ومحستش بحاجة وأعتقد أن البيت مش بعيد أوي من منطقة الشغل اللي بتنقبوا فيها، وبعدين عاصفة إيه اللي تخليك يغمى عليك وجروحك تتفتح كدا
اخذ نفسًا عميقًا محاولًا تمالك انفعالاته ثم رمقها بحدة وقال بلهجة صارمة خرجت لا إراديًا منه:
_يعني أنا هكدب عليكي ليه يا ليلى في حاجة زي كدا، قولتلك قامت عاصفة وأنا كنت تعبان أصلًا فمستحملتش، أنتي حتى في ده هتشكي فيا
كادت أن تجيبه بانفعال معلنة عن بداية شجار جديد بينهم لكن صوت رنين جرس الباب أوقف الكلمات في حلقها، فاستقامت واقفة وهي ترمقه بغيظ ثم هتفت بنظرة كلها عتاب قبل أن تنصرف:
_اوكي براحتك يافارس، أنا الغلطانة أني شايلة همك وخايفة عليك
تابعها بنظراته البائسة وهي تندفع لخارج الغرفة ثائرة، ليتها تفهم تلك العنيدة أنه يحاول حمايتها من جحيم مجهول، بعد دقائق قصيرة دخل عز إليه متلهفًا وهو يهتف بقلق شديد:
_إيه يابني أنت كنت فين واختفيت فين فجأة!!
رفع فارس سبابته إلى فمه يشير لصديقه بالصمت في نظرات صارمة وتحذيرية، ثم همس له بصوت منخفض:
_وطي صوتك، اقفل الباب وتعالى
ضيق عز عينيه باستغراب، لكنه انصاع له وفعل كما طلب ثم اتجه إليه وجلس على المقعد المجاور لفراشه وراح يسأله بعدم فهم:
_في إيه يافارس وإيه وطي صوتك دي هو في حد في البيت غير مراتك
فارس بصوت غليظ:
_مهو أنا مش عايز ليلى تسمع ولا تعرف ايه حاجة يابني آدم
كان يتحدث معه بالألغاز وهو لا يفهم شيء، ما الذي يخفيه عن زوجته ولا يريدها أن تعرفه، سكت لبرهة من الوقت ثم قال مندهشًا بعدما جال بعقله تخمين:
_اوعى تكون اتجوزت عليها وكنت عند مراتك التانية
فارس بنفاذ صبر وغيظ شديد:
_هو أنا ناقصك أنت كمان مش كفاية هي، جواز إيه ما أنا قدامكم اختفيت وقت العاصفة
هتف عز بعدم فهم وضجر:
_طيب ما تخلص قول حصل إيه معاك فهمني
تنهد فارس الصعداء وأخرج نفسًا طويلًا ثم بدأ يسر لـ &; عز &; كل شيء حدث معه بالتفصيل بداية من رؤيتة لذلك الشيء الغامض الذي قاده لبوابة المقبرة نهاية باستيقاظه في اليوم التالي بنفس المكان بعد سلسلة من الأحداث المرعبة والغامضة التي حدثت معه بين ظلمات الصحراء القاحلة، كان &; عز &; يستمع إليه وهو فاغر شفتيه بذهول وعدم استيعاب لما تسمعه أذنيه من أحداث تبدو خيالية وخارقة للطبيعة، فابتسم لفارس بعد انتهائه بازدراء وقال غير مصدقًا:
_إيه ياعم شغل الأفلام الفانتازيا اللي بتحكيه ده، مقبرة إيه اللي تظهر فجأة وتختفي أول ما تدخلها وصحرا إيه اللي تلاقي نفسك فيها بعدين ولا ذئب كمان بيتكلم
استاء فارس من عدم تصديق عز له وقال بغضب:
_يعني أنا اتجننت مثلًا وبخرف ولا إيه!!
ابتسم عز وقال مازحًا:
_لا بعد الشر عليك يابشمهندس خرف إيه، بس مش جايز يكون أغمى عليك فعلًا وقت العاصفة زي ما قولت لليلى وكل ده كان حلم
حدقه فارس مغتاظًا بنظرة نارية، ثم التفت بجواره ودس يده أسفل وسادته ليخرج البردية التي أخذها من تلك المقبرة ورفعها أمام أعين عز هاتفًا:
_ودي جبتها معايا من الحلم مش كدا
تلاشت ابتسامة عز تدريجيًا معلقًا نظره على تلك البردية، فقد بدأ يتضح له الأمر أن ما سرده &; فارس&; للتو يبدو حقيقة حدثت بالفعل، جذب عز البردية من كف فارس وفتحها ينظر بها يتفحصها وهو يسأله بصدمة:
_البردية دي كانت في المقبرة اللي أول ما طلعتها أغمى عليك
هز فراس رأسه بالإيجاب وقال في ثقة:
_عشان كدا البردية دي هفضل محتفظ بيها لأن واضح أن وراها سر
أجاب عز وهذه المرة كان يتحدث بجدية عكس ما كان عليه منذ قليل:
_سر إيه دي بردية فرعونية عادية جدًا كلها شوية رسومات على رموز فين السر في كدا
فتح فارس فمه ليجيب عليه لكن فجأة دون أي سبب انفتح باب شرفة الغرفة على مصراعيه مصدرًا ضجيجًا قوى أصابهم بالفزع فالتفتوا كلاهما تجاه الشرفة ينظران باستغراب، كانت نظرات فارس دقيقة وكلها ثقة على عكس عز الذي ظهر القلق على محياه وقال مبتسمًا بمرح ليضيف جوًا لطيفًا على تلك الأجواء المريبة:
_ده أكيد الهوا مش كدا
ضحك فارس عليه مغلوبًا بينما عز فأعطاه البردية بنظرات مضطربة وهو يقول:
_امسك ياعم بردياتك دي الواحد جتته متلبشة وحدها
حدقه فارس بحزم وقال في ثقة وثبات تام:
_لازم ارجع المقبرة دي تاني عشان افهم ايه السر لأني مش مرتاح وحاسس بحاجة متطمنش أبدًا
هتف عز ساخرًا:
_وهترجع تدخلها ازاي بقى يابشمهندس دي مقبرة مش موجودة أصلًا زي ما بتقول
فارس بنظرة تلمع بوميض مريب:
_هنروح نفس المكان وننقب عنها وأهي تبقى اكتشاف مقبرة برضوا وهينسب لينا المرة دي وحدنا
ضحك عز وقال بلهجة كوميدية:
_ننقب!! .. قصدك تنقب عنها، أنت لو مستغني عن حياتك براحتك أنا لسا قدامي العمر طويل ان شاء الله وعايز افرح واتجوز وأشيل عيالي
كتم فارس ضحكاته بصعوبة وقال بهدوء ليقنعه كطفل صغير:
_تعال معايا وخلاص ياعز ووقت ما تظهر متقلقش مش هدخلك معايا أنا هدخل وحدي جوا
أجابه بلهجة فكاهية تحمل السخرية:
_أه عشان المرة دي تطلعلنا منها بعد أسبوع أن شاء الله، وأهو تبقى اكلت عيش وملح مع فخامة الملك الراقد في تابوته
انطلقت من فارس ضحكة قوية لا إرادية على خوف صديقه، لكن سرعان ما تحول مرح عز إلى لهجة صارمة وقلقة وهو يحذره:
_فارس بلاش جنان مينفعش ترجع المقبرة دي تاني أبدًا، لأن لو اللي حكيته ده حقيقي وبجد حصل يبقى ده خطر شديد وفي حاجة مش طبيعية فيها وممكن تتأذى وأنت بنفسك مدرك ده والدليل أنك مخبي على مراتك
هتف بنظرة قوية لا تحمل ذرة تردد أو خوف:
_صدقني الأذى الحقيقي اللي ممكن يحصل هو لو أنا مفهمتش إيه اللي حصل معايا امبارح، الذئب اللي أنا شفته واتكلم معايا مش صدفة ابدًا وكلامه ليه معنى، لازم ارجع لها تاني.. سواء أنت جيت معايا أو لا أنا كدا كدا هروح بيك أو من غيرك
طال عز التحديق في وجه صديقه فرأى إشارات الاصرار والعناد في عينيه ففهم أنه مهما حاول معه لن ينجح في جعله يحيد عن ذلك القرار، وهو ليس أمامه حل سوى أن يذعن لقراره ويرافقه إلى المجهول.. أو الجحيم.
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الرابع 4 - بقلم ندى محمود توفيق
الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل بنفس موقع الحادث العجيب الذى تعرض له فارس داخل المقبرة الفرعونية، كانت الشوارع هادئة وحركة السيارات قليلة حتى خطوات الناس شبه منعدمة، خصوصًا في منطقة أثرية وصحرواية كهذه، كان الظلام يحاوط الاتجاهات الأربعة في تلك الصحراء وهناك ضوء ضعيف منبعث من بدر السماء.
توقف فارس بسيارته ثم راح يتلفت بنظره حوله يتأكد من عدم وجود أحد، وكذلك عز الجالس بجواره الذي قال بقلق ملحوظ:
_كان لازم يعني نيجي في نص الليل يافارس ما الصباح رباح
اجابه فارس بصوت قوي دون أن يحيد بنظره عن المنطقة حوله يبحث عن مكان المقبرة بالضبط:
_نيجي الصبح عشان حد يشوفنا ونطرد أنا وأنت من الشغل، لازم نيجي دلوقتي عشان ناخد راحتنا
تنهد عز الصعداء بقلة حيلة وهتف:
_طيب يلا ننزل عشان نشوف المقبرة دي ونخلص ونمشي
فتح فارس باب السيارة ونزل ثم لحقه عز، وقفوا بجوار بعضهم أمام السيارة يتفحصوا المنطقة بعيناهم، كانت نظرات فارس متحدية كلها شجاعة وحماس عازمة على إيجاد ما جاء للبحث عنه، أما عز فكان القلق والخوف مهيمنان عليه ولا يشعر بالراحة أبدًا في وجوده في هذا المكان وبذلك الوقت المتأخر.
ابتعد فارس عن صديقه واتجه لحقيبة السيارة يفتحها ليخرج منها اجهزته ومعداته الخاصة بالتنقيب، مسك واحدة واعطى الثانية لـ &; عز &; الذي سأله بغلظة صوته الرجولي:
_فاكر مكانها فين بظبط ولا هننقب عنها عشوائي
لم يجيب فارس وراح يتجول بنظره حوله محاولًا تذكر المكان بالتحديد، يتذكر خطواته إلى أين قادته وأين توقف، أو أين استيقظ بالصباح حتى أشار بسبابته على بقعة بعيدة نسبيًا عنهم وقال:
_هناك، تعالى يلا
سار &; عز &; خلفه متلفتًا حوله ليطمئن من عدم وجود أي أنظار تراقبهم فأن اكتشف أحد ما يفعلوه لن تكون النتائج مرضية أبدًا، بعد السير لمسافة قليلة توقف فارس بنفس النقطة تحديدًا التي جرح فيها اصبعه ثم هبت العاصفة الترابية، سكن للحظات يستعيد ذكريات تلك الليلة كلها ثم نظر لصديقه وقال بجدية تامة:
_هنا ياعز بظبط، يلا هنبدأ
أخذ &; عز &; نفسًا طويلًا وأخرجه زفيرًا متهملًا، ثم بدأ كل منهما يستخدم الجهاز المتطور الذي بين يديه لينقب به ويبحث عن النقطة المحددة للمقبرة وبوابتها، لكن طال بحثهم ومحاولاتهم المتكررة في نفس النقطة وبكل مرة يفشل الجهاز في إعطاء أي إشارة، فهز فارس رأسه بالرفض الممتزج بسخطه:
_أكيد الجهاز في مشكلة أنا متأكد أن المقبرة تحت هنا وظهرت أول ما قامت العاصفة
تنهد عز وقال برازنة بعدما ترك الجهاز من يديه:
_الجهاز مفهوش أي مشكلة يافارس، المقبرة مش موجودة أصلا، ومش منطقي أن عاصفة ترابية مكنتش قوية جامد تظهر مقبرة كاملة مدفونة تحت الأرض
صاح فارس منفعلًا:
_ازاي يعني مش موجودة امال اللي حصل معايا ده كان إيه وأنا كنت فين طول الليل، اللي شفته كان حقيقي ياعز مش تهيؤات متعاملنيش معاملة المجانين!
اقترب عز منه وربت على كتفه برفق وقال في صوت رخيم محاولًا امتصاص غضبه:
_ أنا مقولتش كدا ياصاحبي، بس أنا ذات نفسي مش فاهم أنت اللي شفته واللي حصل معاك ده كان إيه ومش مستوعب أن في مقبرة بالشكل ده، ده غير أني مش مطمن أبدًا وفي حاجة مش مريحة في المكان وفي الموضوع كله، خلينا نمشي ياصاحبي وانسى اللي حصل ده نهائي كأنه محصلش، أنا خايف عليك والله
ظل فارس بأرضه جامدًا ونظراته كلها نقم وغيظ ينظر للأرض والمكان من حوله بتحدى، ثم اندفع عائدًا لسيارته وسط نظرات عز المستفهمة، فوجده يفتح حقيبة السيارة ويخرج منها مجرفة للحفر ثم يعود إليه وفي عيناه نظرة الأصرار، ثم غرز المجرفة بالأرض وبدأ يملأها بالتراب ويليقه بعيدًا.. يحفر متحديًا كل شيء وعازمًا على إيجاد تلك المقبرة الغامضة وفهم ما الذي حدث معه.. متجاهلًا الآم جسده وحالته الصحية التي لم تتحسن كليًا بعد، وسط نظرات عز المندهشة منه ثم اسرع إليه هاتفًا وهو يمسك بذراعه يحاول إيقافه:
_فارس بتعمل إيه بلاش جنان أنت إيه فهمك في الحفر وهتحفر عن إيه أصلًا عن حاجة مش موجودة، خلينا نمشي ياصاحبي ابوس ايدك قبل ما حد يشوفنا
رمقه فارس بنظرة نارية وقال في صوت رجولي مهيب:
_المقبرة موجودة ياعز قولتلك، أنا عارف أنا بقول إيه كويس وفاهم، ومش همشي غير لما افهم كل حاجة والاقيها
رفع &;عز&; كفه لرأسه وراح يمسح على شعره نزولًا إلى وجهه متأففًا بقلة حيلة من عناد صديقه، وعيناه تراقب المكان من حوله بقلق فقد كان يداهمه شعور غريب بأن هناك انفاس شخص ثالث معهم يراقبهم، تحلى بالثبات التام وتجاهل ذلك الشعور المريب وترك فارس ينفذ ما عزم عليه فهو لن يتمكن من ردعه مهما فعل.
كان فارس يحفر بغضب هستيري وعيناه لا ترى شيء أمامه سوى هدفه الذي عزم على الوصول إليه مهما كلفه الأمر، لكنه فجأة تصلب مكانه وتجمدت يده وجحظت عيناه بدهشة عندما سمع نفس ذلك الصوت الذي خرج من الذئب في الصحراء يهمس في أذنه بلهجة ساخرة:
_ألم أخبرك أن لا تبحث عني يافارس؟.. توقف!
انتصب في وقفته وراح يتلفت حوله كالمجنون يبحث عن صاحب ذلك الصوت ولكن لم يجد أمامه سوى جسد صديقه أمام الذي سأله بتعجب:
_في إيه مالك؟
للحظة شك قد تهيأ له أن ما سمعه كان صوت &; عز &; ليس ذلك الذئب فراح يسأله بعينان مرتابة:
_أنت اتكلمت وقولتلي حاجة دلوقتي
ضيق عز عينيه باستغراب وأجابه بالنفي:
_ لا مقولتش حاجة
أذا لم يكن يتهيأ وما سمعه لم يكن صوت صديقه بل صوت مجهول من العدم غير مرئي أخبره أو أمره بالمعنى الأدق أن يتوقف عن البحث، وقف بصدمة وراح يتلفت حوله برأسه محاولًا التقاط أي شيء ليكتشف هوية ذلك الشيء الذي تحدث إليه، لكن الفراغ كان هو الوحيد الذى التقتطه عيناه، أما &; عز &; فقد زاد إحساسه بالخطر بعد عبارة صديقه وتأكد أنهم ليس بمفردهم بالفعل، فاقترب من فارس وأمسك بذراعه يحثه على الرحيل:
_يلا يافارس قولتلك وجودنا هنا مش مطمن وخطر يلا بينا
ظل فارس بأرضه دون حركة وهو شارد الذهن يحاول تفسير ما حدث ومن الذى تحدث إليه، حتى فاق على صيحة صديقه الغاضب:
_يلا بقى يا فارس أنت واقف مستنى إيه، احنا مش ناقصين مصايب
ثم انحنى &; عز &; على الأرض والتقط المجرفة بيده والأخرى كان يحمل بها جهاز التنقيب وسار مع فارس تجاه السيارة، وضع الأدوات بالحقيبة ثم اتجه إلى باب المقعد المجاور لفارس واستقل به، انطلق فارس بالسيارة وعيناه عالقة على الطريق لكن عقله شارد بذلك الخطر المجهول، أتاه صوت &; عز &; يسأله بعدم فهم:
_هو حصل إيه؟!
قال فارس بعقل تائه:
_سمعت نفس الصوت في ودني أنا وبحفر بيقولي متدورش عليا يافارس
طالت نظرات عز له في عدم استيعاب ودهشة، ثم رفع أنامله يحك في ذقنه ولحيته الخفيفة محاولًا تمالك أعصابه حتى لا ينفعل ثم هتف بلهجة حازمة شبه آمرة:
_حلو اوي، اسمع بقى.. أنت روحت وأنا روحت معاك عشان نتأكد بنفسنا لو في مقبرة فعلًا ولا لا وملقيناش حاجة، وحتى لو في هنعتبرها مش موجودة ومش هتفتح السيرة دي تاني يافارس، بكرا هنبدأ شغل في المهمة اللي جايين عشانها وهنخلص شغلنا ونرجع البيت وننسى كل ده ونكمل حياتنا وشغلنا طبيعي خالص، تمام ؟
لم يجيبه فارس وفضل الصمت وهو يفكر بكل تلك الظواهر الغريبة التي تعرض لها منذ أمس، حتى سمع صوت &; عز &; بحدة وهو يؤكد عليه شبه تعليماته:
_رد عليا يافارس، تمام ولا لا هنقفل على الموضوع ده تمامًا ياصاحبي وننساه!
هتف فارس بنفاذ صبر وحنق:
_ماشي ياعز خلاص ياعم
صك سمعه صوت رنين هاتفه فالتقطه ونظر في شاشته التي انيرت باسم زوجته، فأجاب ووضع الهاتف على أذنه:
_ايوة يا ليلى
وصله صوتها القلق والمستاء:
_أنت فين يافارس لغاية دلوقتي وأنت لسا تعبان؟!
اجابها بصوت هادئ:
_أنا جاي دلوقتي متقلقيش
هزت رأسها براحة خلف شاشة الهاتف ثم هتفت بنبرة خافتة بعد تفكير من التردد:
_طيب خد بالك من نفسك
_حاضر يا ليلى سلام
أنهى معها الاتصال ثم نظر لصديقه الذي كان يرمقه بعدم رضا عن ما يفعله سواء في علاقته مع زوجته أو حتى إخفائه عنها ما يحدث معه وإصرار على السير إلى المجهول والجحيم بقدميه.
***
نصف ساعة مرت وهي تنتظره، فمنذ تلك الليلة التي غاب فيها عن المنزل واصابها هوس القلق والخوف الهستيري عليه، فالحالة التي جاء بها للمنزل في الصباح كانت كفيلة لجعلها تفقد عقلها.
كانت جالسة على الأريكة المقابلة للتلفاز وعيناها عالقة على الشاشة لكن ذهنها مشغول به، تفكر وتحلل سبب خروجه في منتصف الليل مع صديقه وهيئته الغريبة حتى نظراته وهو يغادر لم تكن طبيعية، إلى أين ذهبوا؟.. وماذا فعلوا؟.. والأهم من كل هذا ماذا يخفون عنها؟!!.
فاقت من دوامة تحليلها على صوت الباب فالتفتت فورًا بتلهف إليه لتجده يدخل ويغلق الباب خلفه بتعبيرات وجه مريبة مزيج بين الغضب والتيه، لدرجة أنه لم ينظر لها فقط قاد خطواته إلى غرفته بصمت دون أن يتفوه بحرف واحدة، وسط نظراتها المغتاظة والمندهشة من تصرفه أو تجاهله لها بالمعنى الأدق، وثبت واقفة بعد دقائق من الهدوء المزيف ومحاولاتها في تمالك زمام أعصابها لكنها فشلت فلحقت به إلى غرفته وفتحت الباب ودخلت لتجده جالس على الفراش دافن رأسه بين راحتي كفيه، كانت قد اتت إليه متحفزة ومشتعلة لكنها تجمدت بأرضها عندما رأته هكذا، وازدادت الشكوك في قلبها حول إخفائه عنها شيء خطير، فهو لا يكون بهذه الحالة أبدًا إلا أذا كان الأمر يستحق.
تقدمت إليه بخطى رقيقة ثم جلست بجواره وسألته بترقب وعينان حائرة:
_مالك يا فارس.. وكنت فين مع عز في الوقت ده وأنت تعبان اصلًا؟
أجابها بصوت خافت دون أن يرفع رأسه عن كفيه وينظر لها:
_روحنا نخلص شوية شغل قبل ما نبدأ في الحفر بكرا والتنقيب
هزت رأسها وهي تزم شفتيها بعدم اقتناع ثم همست له بلهجة مختلفة ليست رقيقة وناعمة كطبيعتها:
_فارس أنت مخبي عليا إيه؟!
رفع رأسه أخيرًا ونظر لها بنفاذ صبر وقال في حنق:
_لو بتلمحي على موضوع اني متجوز عليكي والهبل ده صدقيني أنا مش قادر اناهت معاكي أبدًا يا ليلى.. اجلي شكك فيا ده بعدين لو سمحتي.. ممكن؟
هتفت ليلى بغضب وحدة فور ذكره زواجه عليها:
_أنا مقولتش كدا ومجبتش سيرة حاجة ولا لمحت أنا بسألك سؤال واضح وصريح، أنت اللي مش طبيعي من وقت ما جينا هنا وأنا متأكدة أن في حاجة أنت مخبيها عني
مسح على وجهه بقلة حيلة وأخذ نفسًا عميقًا مخرجًا إياه بزفيرًا أشبه بتأفف وقال في جدية:
_هكون مخبي عليكي إيه يا ليلى، اللي حصل امبارح وغيابي عن البيت قولتلك سببه وأعتقد أن كان واضح عليا أصلا من اللي أنا كنت فيه أني مكنتش بكدب
هتفت ليلى بعصبية شديدة وقلق ملحوظ في نبرة صوتها:
_مهو المشكلة كلها في امبارح أنت شايفني ساذجة للدرجة دي عشان اصدق الكلام اللي قولته، أنت مكنش مغمى عليك يافارس وحصلت معاك حاجة مش عايز تحكهالي
اطال النظر في وجهها بصمت لا يعرف بماذا يجيبها فمهما قال هو يدرك جيدًا أن زوجته ليست حمقاء لتصدق تلك التراهات ولكنه كان يحاول اسكاتها بها فقط، لكن حتى محاولاته لاسكاتها فشلت، جملتها التالية كانت كافية لتضحكه من القلب وسط حالته المزرية والمصائب التي تتصارع عليه، حيث سألته بنظرات مهتمة وقلقة بعدما مالت بوجهها عليه واخفضت نبرة صوتها وهي تحدثه كدليل على جديتها:
_اتخانقت مع حد طيب شوية بلطجية يعني وهما اللي عملوا فيك كدا وضربوك؟
أجابها من بين ضحكه مازحًا وهو يرفع حاجبه بثقة:
_إيه يا ليلى أنتي نسيتي جوزك ولا إيه، هو أنا برضوا حد يقدر يثبتني نسيتي اللي عملته مع العيال اللي حاولوا يعكاسوكي ويقربوا منك وأنتي ماشية معايا أيام الخطوبة.. عيب لما تقولي كدا في وشي
سكنت بعد كلماته وسرحت متذكرة ذلك اليوم وعلى ثغرها ابتسامة مغرمة لا إراديًا، كانوا مازالوا في فترة الخطوبة وخرجت للتنزه معه وتأخر الوقت عليهم فاقترحت هي عليه أن يوصلها لمنزلها مشيًا.. معللة أن تحب السير معه كثيرًا فلم يرفض طلبها ولبى رغبتها على الفور بكل حب، وبينما كانوا يسيرون في طريق منزلها، كان هناك ثلاث شباب يسيرون في الاتجاه المعاكس لهم ولا يحيدون بنظراتهم الوقحة عنها التي تتفحصها بجرأة، فلاحظهم فارس وغلت الدماء في عروقه وكان سينقض عليهم لولا أنها أسرعت واحتضنت كفه الكبير بين كفها الناعم وهمست له بحب:
_بليز يا فارس أهدى سيبك منهم دول شوية شباب مش محترمة ميستحقوش
لمستها الجميلة جعلت أعصابه ترتخي كالسحر وتمالك انفعالاته حتى لا ينقض على هؤلاء السفلة لكنه لم يحرمهم من نظراته القاتلة يرسل من خلالها إشارات الإنذار أن ينزلوا تلك العيون عن فتاته وحبيبته قبل أن يفقدهم إياها تمامًا، لكن لا حياة لمن تنادى بل تمادوا إلى أن أحد منهم أثناء مروره بجانب ليلى همس لها بكلمة شنيعة وحاول لمسها، لا تذكر بعدها ما الذى حدث فقد كان فارس كأسد فتحوا له القفص وانطلق لاصطياد فريسته، دارت معركة عنيفة بينهم يتبادلون فيها اللكلمات والضرب وهي تقف في الزاوية مبتعدة تصرخ عليه وعيناها دامعة من فرط الخوف، كان المهين في تلك المعركة هو فارس بسبب قوته البدنية وجسده الرياضي مفتول العضلات نظرًا لمواظبته على النادي الرياضي والألعاب الرياضية يوميًا، وبعدما انتهى الشجار بينهم وابرحهم ضربًا لم يكتف بذلك بل أجرى اتصال بأحد أصدقائه من ضباط الشرطة وطلب منه أن يرسل سيارة شرطة ويأخذ هؤلاء الشباب.
فاقت من تلك الذكرى الجميلة وهي مازالت تبتسم وراحت تنظر لجسده الذي لم تتغير معالمه أبدًا فمازال كما هو محافظ على ليقاته البدنية وجسده الرياضي، رغم أنه لا يذهب للصالة الرياضية بالتزام كالسابق إلا أنه لم يفقد عضلات ذراعيه أو حتى صدره إلى الآن.
شعرت وكأنها ستفتن به من جديد كأول مرة بل وستنهار بين ذراعيه معلنة استسلامها وتراجعها عن ذلك القرار السخيف الخاص بطلاقهم معترفة بعشقها الجنوني له، لكنها فورًا تذكرت كل تلك الأحداث التي توالت في الحدوث معهم بداية من افشائه عن عدم رغبته في إنجاب الأطفال الآن التي أدت بدورها إلى تصدعات خطيرة في زواجهم لينتهي المطاف بهم على حافة الانفصال.
لاحظت نظراته المتعجبة من تأملها به فانزوت نظراتها المفتونة عنه وقالت بنظرة تحمل العتاب والحزن:
_صحيح احنا خلاص هننفصل وكل واحد فينا هيروح في طريق بس اعتقد اننا حتى لو أطلقنا هنفضل أصدقاء زي ما كنا يافارس قبل الجواز، فأنت معقول وصل الحال بينا إنك معندكش ثقة فيا تحكيلي إيه اللي بيحصل معاك؟
&; ما تلك التراهات التي تتفوه بها ومن الأصدقاء وثقة من؟ &; كان يهمس في عقله بتلك الكلمات وهو ينظر لها باستغراب، ليتها تفهم أن ما يخفيه عنها لمصلحتها ولخوفه عليها ليس انعدام ثقة كما تعتقد.
هتف فارس بنظرة تحمل معاني العتاب والعشق كلها بعدما استقام واقفًا:
_أنا بثق فيكي يا ليلى يمكن أحيانا اكتر من نفسي كمان ولو في حاجة أنا مخبيها عنك فـ اتأكدي أنك أول واحدة هتعرفي لو الأمر يستدعى إنك تعرفي، ثانيًا بقى والأهم احنا عمرنا ما كنا صحاب ولا عمرنا هنكون حتى بعد انفصالنا.. لو أنتي عندك القدرة إنك تبصيلي وتعامليني معاملة الصديق فأنا مش هعرف
أنهى كلماته وهم بأن ينصرف ويتركها لكنها قبضت على ذراعه توقفه عنوة وتهتف بعينان غارقة في الدموع:
_لما أنت لسا بتحبني خليتنا نوصل للنقطة دي ليه.. ليه مش عايزني اخلف ولا عايز أولاد مني طالما بتحبني ومش بتخوني زي ما بتقول
صاح بنبرة صوت ساخطة ومرتفعة:
_مش أنا اللي وصلتنا لكدا، أنتي اللي وصلتينا فاكرة ولا نسيتي اللي عملتيه
كادت أن تجيبه وتبدأ حلقة إلقاء التهم ولوم كل منهم الآخر كما اعتادوا لكن فجأة ضرب الهواء باب الشرفة بعنف فانفتح على مصراعيه وسقطت المزهرية الصغيرة على الأرض متناثرة إلى أجزاء صغيرة في كل مكان بفعل شدة الهواء، وبنفس اللحظة مع كل هذا انقطعت الكهرباء عن المنزل كله، وقفت ليلى مندهشة تتلفت حولها بعدم فهم وهي لا تبصر شيء سوى الظلام، أما فارس فكانت نظراته مختلفة عن ليلى كان يتجول بنظره في الظلام من حوله بانتظار أن يرى أي شيء يثبت له شكوكه، فهو لا يمكنه التغاضي عن شعوره بتلك الأنفاس التي تشاركهم الغرفة.
خرج صوت ليلى متعجبًا بعدما رأت من الشرفة الانوار في كل مكان بالخارج:
_هو النور قطع في شقتنا بس ولا إيه؟
فاق فارس من حالة الترقب المريبة التي هيمنت عليه وقال:
_هروح اشوف الكهرباء يمكن السكينة نزلت
تحسست ليلى على الفراش حتى وجدت هاتفها واضاءت كشافه ثم قالت لفارس بهدوء وعدم خوف وهي تجلس على الفراش:
_تمام روح شوف وأنا هستناك هنا
التفت وكان سيهم بتركها والذهاب ليفحص الكهرباء الخاصة بالمنزل، لكنه توقف عندما التقطتت عيناه لمعان قطع المزهرية المتناثرة في الأرض، فشعر بعدم الارتياح والخطر من مجهول لا يفهمه وعاد يلتفت لها مجددًا ليمسك بيدها ويجذبها معه هاتفًا:
_لا متقعديش وحدك تعالى معايا يلا
رمقته بحيرة وقالت في عدم فهم مازحة:
_في إيه يا فارس هو أنا عيلة صغيرة هخاف من الضلمة، مشغلة كشاف التلفون أهو والأوضة منورة
فارس بحدة ونظرة تحمل الخوف والاهتمام الحقيقي بأمرها:
_ليلى قولتلك متقعديش وحدك متعانديش بقى
ضيقت عيناها باستغراب شديد من أمره وسارت معه وهو مازال مقبض على كفها يحتضنه بقوة بين كفه الكبير، همست له بقوة:
_طيب ماسك ايدي كدا ليه ما أنا جاية معاك أساسا
نظر لها وابتسم بحب حتى لا يشعرها بارتيعاده وخوفه عليها من كائن مجهول يلاحقه ولا يفهم ماذا يريد منه، لف ذراعه حول كتفها وضمها إلى صدره يقول مازحًا:
_الاحتياط واجب برضوا يالؤلؤة
اتسعت عيناها بصدمة من تبدله الجذري معها بعدما كان يصيح ويتشاجر معها، وما زادها صدمة اكثر هو مناداته لها بـ &; لؤلؤة &; فهي حتى لا تذكر متى كانت المرة الأخيرة التي سمعته يناديها باسماء الدلع، بعد شجاراتهم المتكررة وقرار انفصالهم لم تعد تسمع من شفتيه سوى اسمها فقط حتى كلمة &; حبيبتي &; التي اعتاد عليها توقف عنها.
سارت معه للخارج وهي تتطلعه بتركيز شديد، تراقب تعبيرات وجهه الغريبة وهو يتلفت حوله ويضمها لصدره بإحكام شديد كأنه أن افلتها وخرجت من بين ذراعيه للحظة واحدة ستخطف ولن تعود له ثانية، كانت مدركة تمامًا لحالاته المريبة ومتأكدة من أنه يخفي عنها أمرًا خطيرًا يجعله بكل هذا الخوف، وصلوا أخيرًا إلى صندوق الكهرباء بالمنزل وتركها أخيرًا ليبدأ فحص الأسلاك والكهرباء وهي تنير له بكشاف هاتفها لتسمعه يقول بحنق شديد في نبرة صوته:
_الأسلاك والسكينة اتحرقت كويس أنها معملتش ماس كهربائي
ليلى بكل بساطة وهدوء:
_طيب خلاص أنت متعصب ليه بكرا أن شاء الله نجيب الكهربائي ويصلحها، مش مشكلة ننام الليلة في الضلمة والحمدلله أننا في الشتاء يعني والجو مش حر
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا قوي في حنق ثم رفع كفه ومسح على وجهه متأففًا وقال محدثًا إياها بقلة حيلة:
_انتي هتنامي دلوقتي ولا لسا هتقعدي صاحية شوية؟
ليلى بخمول وإرهاق:
_لا أنا عليا النوم جدًا هطلع انام وأنت كمان روح نام وارتاح عشان بكرا هتبدوا الحفر والشغل
هز رأسه لها بالموافقة في أعين تحمل نظرات لم تفهمها، خوف أم حب أم ماذا لكنها لم تكترث كثيرًا واستدارت تقود خطواتها متجهة لغرفتها المنفصلة عنه، وسط عيناه المترقبة والمهتمة التي تراقبها خطوة بخطوة، كم يود أن يمنعها ويجبرها على النوم معه في غرفته بتلك الليلة المرعبة التي لا يشعر فيها بالراحة ابدًا، لكنها سترفض وسيزداد شكها أكثر وستبدأ في طرح الاسئلة المختلفة عليه وهو غير مستعد الآن لإخبارها بشئ لم يفهمه بعد.
فتحت باب غرفتها وقبل أن تدخل توقفت على أثر صوته والتفتت برأسها له تتطلعه باستغراب وهو يقول:
_لو احتجتي أي حاجة أو حسيتي أنك مش مرتاحة أو خايفة اندهي عليا يا ليلى أنا قاعد صاحي
اطالت النظر في تعبيراته المضطربة وضيقت عيناها بعدم فهم، ثم تنهدت وهزت رأسها له بالموافقة ودخلت وهي تطرح الاف الأسئلة في عقلها أهمهم &; ياترى ماذا تخفي عني يافارس ؟ &;
أما هو فقد اتجه إلى المطبخ ليجلب شمعة وعاد ثم جلس على الأريكة ووضعها بجواره على المنضدة واشعلها، بقى ساكنًا وهو يفكر ويحلل يحاول إيجاد تفسير لما يحدث معه، حتى تذكر تلك المخطوطة فلمعت عيناه وهب واقفًا مندفعًا إلى غرفته بسرعة ليجلبها ويحاول دراستها جيدًا عله يجد أي ثغرة تمكنه من حل ذلك اللغز.
جلس على الأريكة مجددًا بعد عودته من الغرفة وفتح البردية على الطاولة أمامه وراح يتفحصها على ضوء الشمعة يقرأ كل رمز فيها ويفك شفرة كل رمز قرأه أكثر من عشر مرات وكل مرة تكون النتيجة واحدة لا جديد، لكن سقطت عيناه على رمز صغير جدًا في نهاية المخطوطة يمكن رؤيته بصعوبة، دقق النظر به محاولًا فك شفراته وترجمته لكن ذلك الرمز لم يكن رمز فرعوني أو أي من رموز اللغات الأخرى التي عرفها، اطال فارس النظر في الرمز بتفحص وتفكير عميق فإذا به ينتبه على شعلة الشمعة التي بدأت تتمايل وتتراقص يمينًا ويسارًا على الرغم من عدم وجود أي نسمة هواء حوله فجميع النوافذ مغلقة، ازداد تراقصها حتى انطفت فجأة فالتفت حوله بقلق بسيط وقد تأكد من وجود ذلك الكائن المجهول حوله.. هو لا يراه لكنه يشعر به، التقطت اذناه صوت خطوات مسموعة تسير باتجاه غرفة زوجته، ففغر شفتيه وعيناه بصدمة ووثب واقفًا مزعورًا وهرول ركضًا لغرفتها غير مباليًا بأي شيء، فتح الباب على مصراعيه وبحث عنها بلهفة فوجدها نائمة في فراشها بثبات، لكنه تصلب بأرضه مصدومًا عندما رأى المقعد الهزاز لزوجته الموضوع بجوار الشرفة يهتز ببطء، ظل جاحظًا عيناه مثبتهم على المعقد بعد استيعاب حتى توقف وحده فجأة، التفت برأسه تجاه ليلى واقترب منها بخطوات متعثرة من دهشته وارتيعاده عليها، جلس بجوارها على حافة الفراش وانحنى عليها يلثم شعرها ورأسها بقبلات طويلة ثم رجع للخلف سنتي مترات قليلة وهمس لها وهو يمسح على شعرها بحنو محاولًا السيطرة على نبضات قلبه:
_ليلى اصحى.. ليلى
ثم التفت برأسه تجاه المقعد فوجده ثابت ليعود إلى زوجته مجددًا يعيد همسه عليها لكن بنبرة أعلى قليلًا ففتحت عيناها هي بنعاس وردت بصوت ضعيف متعجبة من اقترابه الحميمي هكذا:
_فارس!!.. في إيه؟!
رد بصوت رجولي هادئ:
_مفيش حاجة تعالي معايا الأوضة نامي جمبي هناك
ضيقت عيناها بدهشة من طلبه وقد فر النوم من عينيها فقالت:
_أنام جمبك؟!!
فارس بضيق بسيط وجدية:
_ايوة فيها إيه غريب دي يا ليلى مراتي وعايزك تنامي جمبي، وهنا سرير اوضتك دي صغير مش هيسعنا فتعالي في اوضتي
هبت جالسة ونظرت له بحدة راحت تسأله صراحة بغيظ:
_أنت في إيه مالك النهاردة مش طبيعي كدا ليه، ايه اللي بيحصل فهمني؟
فارس بنفاذ صبر وهو يستقيم واقفًا:
_ايوة أنا مجنون ممكن بقى تاخديني على قد عقلي وتسمعي كلامي
ليلى بعناد وإصرار تام:
_لا مش هتحرك من مكاني غير لما تفهمني كل حاجة
استغفر ربه بعصبية ثم مسح على شعره وهو يتأفف وينظر لها بغيظ فإذا به ينحنى عليها فجأة ويحملها بين ذراعيه ويتجه بها لخارج غرفتها يسير نحو غرفته وسط صدمتها منه وصوتها الغاضب وهي تقول:
_أنت اتجننت رسمي بجد، بتعمل إيه نزلني يافارس بلاش جنان
لم يكترث لها وتجاهل طلبها وغضبها حتى وصلوا لغرفته فانزلها على الفراش ونظر مطولًا لها بدفء هذه المرة عكس ما كان منذ قليل ثم همس:
_أنا مش حابب أنك تنامي في اوضة وأنا في اوضة ياليلى عايزاك تكوني جمبي، يعني من هنا ورايح هتنامي جمبي مكانك هنا، تمام
اطالت التحديق به في نظرات مستفهمة لكنها تحكمت بانفعالاتها وحاولت التصرف بذكاء لتكتشف ما يخفيه عنها، حيث سألته بكل لطافة وهي تبدي عن انصياعها التام لأوامره:
_اوكي يافارس وأنا موافقة، بس ممكن افهم السبب؟
هتف بكل ثقة وثبات وهو مبتسمًا:
_هو اللي أنا قولته ده مش سبب كافي بنسبالك!!.. بقولك عايزك تكوني جمبي
حدقها لثواني بعد انتهاء عبارته يفحص تعبيراتها ويقرأ مشاعرها فوجد الصمت النابع من صدمتها وحيرتها هو المهيمن عليها، أخذ نفسًا عميقًا وابتعد عنها بخطواته يتجه نحو الخزانة ليخرج كشافًا كبيرًا كان قد قام بشرائه في زيارتهم السابقة لهنا، وضعه بزاوية مناسبة ليستطيع إنارة الغرفة بأكملها، ثم اقترب من فراشه ليتسطح عليه بجوارها لكنه تذكر المخطوطة التي تركها بالصالة وهرول مفزوعًا لزوجته، فنظر لـ ليلى وقال بلهجة رجولية قوية:
_أنا هروح الصالة اجيب حاجة نسيتها وراجع
هزت رأسها بالموافقة له بينما هو فأسرع في خطاه للخارج يتجه إلى المنضدة الموضوعة فوقها المخطوطة بتلهف خشية من أن تكون اختفت وقام ذلك الكائن بأخذها، لكنه تنفس الصعداء براحة عندما وجدها بمكانها فاتجه نحوها والتقطها ثم طواها ووضعها بجيبه.. قبل أن يخرج يده من جيبه صك سمعه صوت صفع باب غرفة نومه بقوة فالتفت برأسه للخلف وصاح مناديًا على زوجته بتعجب:
_لــيلــي انتي كويسة ؟
سمع صوتها المرتفع من الداخل تحدثه:
_كنت جاية ليك والباب قفل مرة واحدة يافارس ومش راضي يفتح
اتسعت عيناه بذهول وبسرعة ركض إلى غرفته وراح يحاول فتح الباب وليلى تقف خلف الباب من الداخل مباشرة تحاول هي أيضًا معه فتحه هاتفة:
_أنا مش عارفة ازاي قفل كدا!!
فارس بصوت مزعور:
_خليكي واقفة ورا الباب متتحركيش
طالت محاولاته البائسة في فتح الباب وهي انقطع صوتها تمامًا عنه فهتف يناديها باهتمام:
_ليلى أنتي فين؟
وصله صوتها الخائف على غير عادتها وهي تهمس له:
_الكشاف طفى والأوضة ضلمة أوي، هو في إيه يافارس أنا خايفة اتصرف وافتح الباب بسرعة عشان خاطري
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الخامس 5 - بقلم ندى محمود توفيق
تسارعت نبضات قلبه لهفة وارتيعاد عليها بعدما سمع صوتها الخائف وهي تستنجد به فاجابها بحنو محاولًا تهدأتها:
_اهدى متخافيش ياحبيبتي ده تلاقي هبطارية الكشاف خلصت، ارجعي أنتي بس خطوتين لورا كدا عشان هكسر الباب
امتثلت له فورًا وتقهقرت للخلف وهي تتلفت حولها بخوف، في العادة هي لا تخشى الظلام وخوفها الآن ليس طبيعيًا فقد كانت تشعر بأنفاس مجهولة تشاركها الغرفة في الظلام الدامس، ثم عادت تنظر للباب بارتيعاد وهي على أحر من الجمر تنتظر اللحظة التي سيفتح بها الباب ويدخل زوجها، مع كل دفعة من جسده للباب لكي يكسره كانت أنفاسها تتسارع رعبًا أكثر، أخيرًا بعد لحظات مرت كالساعات من حبس الأنفاس انفتح الباب على مصراعيه وظهر فارس وهي يبحث عنها بتلهف، اقتربت هي منه والقت بجسدها بين ذراعيه وعيناها تذرف الدموع الحارة على صدره بصمت، أخذ يمسح هو على ظهرها وشعرها بدفء وبشفتيه بقبل جبهتها، بينما هي فبرغم من انهيار أعصابها وخوفها كانت اذناها تسمع صوت دقات قلبه العنيفة فابتسمت بحب وهمست له بصوت مبحوح:
_أنا مش بخاف من الضلمة أنت عارف بس معرفش إيه اللي حصل دلوقتي كنت حاسة بحاجة غريبة وكأن في حد معايا في الأوضة
هتف بخفوت جميل وهو مازال يمسح على شعرها ليهدأ من روعها ويطرد عن ذهنها أي فكرة من هذه الأفكار التي لا يريدها أن تترسخ في عقلها:
_ده عشان انتي بس اتخضيتي مش اكتر، متفكريش خلاص موقف وعدى يا ليلى الحمدلله
ابتعدت عنه ورفعت أناملها تجفف عبراتها ثم نظرت له مبتسمة بخبث وقالت في رقة:
_واضح أنك أنت كمان اتخضيت عليا عشان كدا قلبك بيدق جامد
رفع حاجبه بتعجب من نظرتها وأسلوبها الجديد وهمس بعبث:
_مش عارف، بس جايز برضوا ليه لا
ابتسمت بنظرة ذات معنى تحمل من الود ما يكفي لإثبات حبها له، بينما هو فاقترب من الفراش وتسطح عليه وقام بتشغيل كشاف هاتفه ووضعه بجوار الفراش لينير الغرفة، تمددت هي بجواره وكلاهما نائمًا على ظهره يحدق في السقف بشرود أما هي فكانت تخطف النظرات خلسة إليه ونفسها تلح عليها لكي تأخذ الخطوة وتفعل ما يريده قلبها الآن.. لكن علاقتهم المذبذبة وظروفهم تمعنها، ظلت هكذا لدقيقتين وهي في صراع بين عقلها وقلبها فاختارت القلب بالنهاية ونظرت له على استحياء وهمست:
_فارس ممكن تاخدني في حضنك؟!
رمقها بدهشة وعدم استيعاب لما طلبته للتو، فقد كانت منذ قليل ترفض مشاركته الغرفة حتى.. والآن تطلب منه أن يضمها ويأخذها بين ذراعيه، ما الذى يحدث مع هذه المرأة اهي تحبه أم تبغضه.. تريده أم تنفر منه؟، ليته يفهم كيف يعمل عقلها.
بسط ذراعه على الفراش بالمنتصف بينهما ونظر لها مبتسمًا بحب يعطيها إشارته المرحبة بانضمامها لاحضانه، تهللت اساريرها واقتربت منه تضع رأسها فوق صدره فيغلق هو ذراعه عليها ويضمها إليه أكثر، ليهيمن الصمت عليهم منذ هذه اللحظة، هي شاردة بتلك اللحظة الجميلة التي حرمت منها منذ شهور وعادت تفكر وتسأل نفسها في أسى، هل أنا ظالمة وظلمته عندما اتهمته بالخيانة وعدم حبه لي؟.
بينما هو فقد كان عقله شارد بعالم آخر تمامّا تحديدًا بذلك العالم الذي دخل إليه ومنذ عودته لعالمه الخاص تغير كل شيء، أصبح هناك روح مجهولة تطارده ويخشى أن تؤذى زوجته، ولسوء الحظ أنه لا يعرف هوية هذه الروح ولا من أين أتت ولا حتى كيف يتخلص منها، والآن هو يضم ليلى بحضنه ليس تلبية لرغباتها بقدر ماهو خوفًا عليها ولأنها الطريقة الوحيدة التي ستجعله ينام مطمئن عندما تكون بين ذراعيه هكذا ويحكم قبضته ويضمها إليه بقوة حتى لا يفقدها.
***
بصباح اليوم التالي في القاهرة بمنزل والد فارس تحديدًا بغرفة أخيه ماهر، الذي كان يستعد ويرتدي ملابسه للذهاب إلى عيادته الخاصة فتذكر شقيقه الذي يحاول الاتصال به منذ يومين ولا يجيب، التقط هاتفه وجلس على اقرب مقعد وظل يعبث في هاتفه يبحث عن رقمه ثم ضغط على الاتصال ورفع الهاتف لأذنه يستمع لصوت الرنين الذي طال وعلى آخر لحظة أجاب فارس بصوت ناعس:
_الو
ماهر بقلق ونبرة غليظة:
_إيه يابني أنت فين، لينا يومين أنا وأمك وابوك بنحاول نوصلك ومش عارفين وحتى ليلى مش بترد على تلفونها
رفع فارس انامله لعيناه يفركهما بخمول ثم اخفض نظره إلى زوجته التي مازالت على وضعها نائمة في حضنه، وقد تسللت أشعة الشمس والضوء إلى الغرفة معلنة عن انتهاء ظلام تلك الليلة المرعبة، أجاب على أخيه بخفوت:
_خليك معايا طيب ثانية كدا يا ماهر
ترك فارس الهاتف على المنضدة بجوار الفراش كما كان وصب تركيزه على زوجته يبعدها عنه ببطء شديد وحرص حتى لا يوقظها، أسند رأسها على الوسادة بعدما سحب ذراعه من اسفلها وعاد يلتقط هاتفه ويقود خطواته الحذرة إلى خارج الغرفة ليجيب على أخيه بصوت قوي:
_أنا من ساعة ما جيت هنا وفي حجات غريبة بتحصل معايا ياماهر عشان كدا مش لاحق اتصل بيك ولا بـ ماما وبابا
اجابه ماهر مضيقًا عيناه بعدم فهم:
_حجات غريبة ازاي يعني؟
فارس بحنق وقلة حيلة:
_الموضوع ده مش هينفع يتحكي في التلفون لما ارجع القاهرة هبقى احكيلك، المهم أنت متجبش سيرة لبابا وماما وطمنهم عليا أنا شوية كدا لما أفضى هتصل بيهم
هتف ماهر بقلق ملحوظ في نبرته:
_طيب في إيه طمني أنت كويس وليلى كويسة؟
فارس بإيجاز:
_كويسين اطمن، هبقى احكيلك بعدين يلا بقى سلام قبل ما ليلى تصحى عشان أنا مش معرفها حاجة
أنهى الاتصال مع أخيه ودخل مجددًا لغرفته فوجدها مازالت نائمة، اتجه نحو الحمام ليأخذ حمامه الصباحي ويستعد للذهاب لعمله قبل أن يتأخر.
أما ماهر فقد كان عقله مشغول بأخيه ويستاءل بحيرة عن ذلك الأمر الغريب الذي لا يمكنه الحديث عنه بالهاتف، نبرته لم تكن طبيعية ومريبة مما يؤكد له خطورة الأمر، انفتح الباب ودخلت سحر وهي مبتسمة بإشراقة وجه تهتف:
_خلصت ياحبيبي يلا عشان الفطار جاهز
أجابها ماهر بابتسامة دافئة:
_خلصت ياست الكل دقيقتين وآجي وراكي، صحيح أنا كلمت فارس هو كويس اطمني وقالي شوية كدا هيبقى يتصل بيكم
ظهرت اللهفة في عيون الام واندفعت نحو ماهر تسأله بقلق:
_يعني اخوك كويس ياماهر بجد اوعى تكوني مخبي عني حاجة أنا قولتلك مش مرتاحة لغيبته دي عني، فارس كل يوم بيكلمني لما يكون مسافر
مد ماهر كفه لوجهها ومسح على وجنتها بحنو متمتمًا:
_صدقيني كويس وزي الفل بس قالي كان مشغول شوية في الشغل ومش لاقي وقت يكلمك
تنهدت الأم بتفهم وبعض الراحة سكنت في صدرها رغم أن مازال هناك شعور غريب لا تفهمه يهمين عليها لكنها قررت الاستماع لكلام ابنها الأكبر وهتفت بحنو أمومي:
_طيب ياحبيبي الحمدلله أنه كويس، يلا أنت خلص لبسك وتعالى عشان تفطر
هز رأسه لها بالموافقة وراقبها بنظراته وهي تسير إلى باب الغرفة حتى انصرفت، فأخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متمهلًا مفكرًا في أمر أخيه.
***
عودة إلى الأقصر.. تحديدًا بموقع العمل الخاص بفارس توقف بسيارته، وظل بالداخل لبرهة من الوقت دون أن ينزل يفكر في زوجته التي تركها نائمة بالمنزل، لكن ما يطمئنه أن تلك الظواهر الغريبة لا تحدث إلا ليلًا وتحديدًا بالظلام لذلك سيحرص على أن يعود لزوجته قبل غروب الشمس.
أخذ نفسًا عميقًا يحاول تصفية ذهنه والعودة لطبيعته العملية المتفانية في عملها والجادة التي لا ترى فيها سوى الثبات والقوة والثقة.
فتح باب سيارته ونزل وهو مرتديًا نظارته الشمسية السوداء المشابهة لبنطاله الأسود الذي يعلوه قميص من اللون الازرق وبإحدى كفيه هاتفه والآخر مفاتيحه الخاصة، القى نظرة على الموقع فوجد الجميع مجتمع ويبدو أنهم بانتظاره باستثناء أفراد هيئة الآثار لم يصلوا بعد وهم الذى سيؤدوا مهمة الإشراف التام على عملية التنقيب الأثري، تقدم نحوهم فارس بخطوات واثقة تعكس قوة شخصيته، من يراه بتلك الهيئة المهيبة يظن أن كل ما مر به في اليومين السابقين كان مجرد حلم.
كان كل من عز وراندا يجلسون على مقعدين بجوار بعض يتحدثون وفور انتباه راندا لوصوله هبت واقفة بلهفة وقالت بعينان لامعة:
_فارس
أجابهم مبتسمًا بثبات جذاب:
_صباح الخير امال فين الباقي محدش جه لسا ليه؟
لم تكترث راندا لسؤاله بل اقتربت منه باشتياق وبكل جراءة لفت ذراعيها حول رقبته وعانقته بقوة، فغضن هو حاجبيه مندهشًا من تصرفها وهي تضمه بكل هذه الحميمية وراح ينظر لصديقه &; عز &; الذي كان يقف خلف راندا وهز رأسه له بعدم فهم يسأله بنظراته عن ماذا حدث، فيزم &; عز &; شفتيه الامام بجهل وضيق ملحوظ على تعابيره، أما راندا فهمست لفارس بصوت ناعم وهي تعاتبه بحزن:
_كدا يافارس ده احنا كنا هنموت من القلق عليك في الليلة إياها، أنت كويس؟
مسح على ظهرها بسطحية تامة وهو مبتسمًا بود اخوي ثم ابعدها عنه برفق وقال:
_أنا كويس ياراندا الحمدلله متخافيش
راندا بصوت عابس وكله رقة:
_أنا كنت هيجيلك اطمن عليك في البيت أول ما عرفت أنك رجعت بس &; عز &; منعني
رفع فارس نظره لصديقه الذي كان يقف عاقدًا ذراعيه أمام صدره ويتابعهم بانزعاج ملحوظ، فخُلق شك في ثناياه حول &; عز &; لكنه قرر التريث حتى يتأكد، وعاد ينظر لراندا ويجيبها برزانة:
_كويس أنه منعك ملوش لزمة تتعبي نفسك أنا كويس أصلًا
هتفت راندا بتساءل وفضول:
_طيب هو إيه اللي حصل معاك بظبط فهمني عشان عز محكليش كل حاجة
نظر فارس لـ &; عز &; بحزم يرسل له اشاراته الغاضبة و يسأله من خلال نظراته&; هل أخبرتها ؟ &; ، فهم عز ما يريد فارس قوله وهو رأسه له بالنفي يطمئنه أنه لم يخبر أحد، فتنهد الصعداء براحة وراح &; عز &; يجيب هذه المرة على راندا بنبرة صارمة واضح عليه الحنق:
_أنا حكيتلك كل حاجة أنتي اللي مصممة أني مخبي عنك حاجة تاني ومش مصدقة اللي حكيته، اسأليه وشوفيه هيرد يقولك إيه
قال فارس مازحًا محاولًا تلطيف الأجواء بينهم حتى لا ينشد جدال عنيف الآن:
_اهدى يابشمهندس مالك خلاص، مكنتش ليلة دي اللي غبتها.. أنا كنت بشوف غلاوتي عندكم بس
مال &; عز &; بوجهه للجانب متأففًا بغيظ أما راندا فكانت في عالم آخر منشغلة بالتأمل في فارس الذي فور انتباهه لنظراتها المريبة اشاح بوجهه تجاه صديقه واتجه نحوه يلف ذراعه حول كتفه ويسحبه معه بعيدًا عن الجميع ويسأله باهتمام:
_مالك ياعز أنت مضايق مني في حاجة ولا إيه؟!
أطلق &; عز &; زفيرًا قوي وقال بهدوء:
_لا ياعم هضايق منك ليه، أنا بس مضغوط اليومين دول متشغلش بالك بيا، المهم أنت إيه الأخبار عندك طمني
انزل فارس ذراعه عن كتف صديقه ورفع كفه لوجهه يمسح عليه وهو يتأفف بضيق وغضب ويقول:
_شكلي كدا حررت حاجة في المقبرة دي مكنش ينفع تطلع
سأل عز بعدم فهم:
_حررت إيه وحاجة إيه بظبط أنا مش فاهم؟
فارس بتوضيح أكثر ونظرة قوية:
_روح يا &;عز &; حررت روح جن هكون حررت إيه يعني!
أجاب عز بعدم تصديق وجدية:
_إيه الكلام ده ياعم أنت بتجيبه من فين؟!!
هتف فارس بنظرة لا تبشر بالخير أبدًا :
_الليلة اللي عشتها امبارح ملهاش تفسير غير كدا، وعشان كدا لازم اوصل للمقبرة دي بأي تمن واتخلص من اللي بيطاردني ده قبل ما يأذيني ويأذي مراتي
شعر &; عز &; بخطورة الأمر حقًا بعد نبرة فارس المتوعدة وإصراره على الوصول لتلك المقبرة ثانية، فهتف يسأله باهتمام:
_طيب ما تفهمني حصل إيه امبارح خلاك كدا ؟
ربت فارس على كتفه بنظرة متجبرة وابتسامة شيطانية وقال:
_هقولك بعدين، بس يلا دلوقتي عشان نبدأ الشغل ونخلص بدري عشان مش هينفع اسيب ليلى وحدها بليل
***
بتمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل فارس وليلى، كان هو جالسًا بغرفة الصالون الصغيرة وأمامه مجموعة من كتب الحضارة المصرية الفرعونية، قد أخرج كل الكتب والمخطوطات والمقالات الخاصة بالآثار الفرعونية وملوك الفراعنة ووضعهم أمامه يفحصهم واحد تلو الآخر يبحث عن أي معلومات حول ذلك الملك المجهول صاحب المقبرة.
انفتح الباب ببطء ودخلت ليلى حاملة فوق يديها كوب الشاي الذى طلبه منها واقتربت منه حتى جلست بجواره على الأريكة ووضعت الكوب على الطاولة وراحت تتفحص بنظرها الغرفة المبعثرة من حوله بالكتب والورق فسألته باستغراب:
_إيه كل ده يافارس أنت بتعمل إيه؟
نظر لها واجاب بهدوء وهو يلتقط كوب الشاي ويرفعه لفمه يرتشف منه:
_شغل يا ليلى شغل
لفت نظرها المخطوطة الصغيرة وسط الكتب فمدت يدها تلتقطها وتنظر بها باستغراب ثم سألته:
_وإيه البردية دي؟
رفع نظرها له ورآه وهي ممسكة بالمخطوطة تتفحصها بتركيز فسحبها من يدها فورًا وقال بخفوت:
_روحي انتي يا ليلى اسمعي التلفزيون برا هتقعدي معايا تعملي إيه، اطلعي وأنا هخلص شغلي واجيلك
رفعت ليلى حاجبها وقالت بذكاء انثوي بعدما فهمت محاولاته لإخراجها:
_أنت بتطردني بس بشياكة مش كدا؟
حول فارس الأجواء للمرح حتى لا ينشغل بـ اسألتها وشكوكها وهتف:
_الصراحة آه، ما أنتي عارفة أنا مبعرفش اشتغل وحد جمبي
ابتسمت بتفهم واستقامت واقفة تقول له:
_اوكي أنت خلص شغلك وابقى تعالي أنا هقعد برا
راقبها بتركيز في خطواتها حتى غادرت الغرفة تمامًا فتنهد الصعداء وعاد يكمل مهمة بحثه عن ذلك الملك الذي حتى الآن كل محاولاته في العثور عليه يحتضنها الفشل واليأس.
جلست ليلى على الأريكة بالصالة أمام التلفاز وامسكت جهاز التحكم الخاص به بيدها ووجهته نحو التلفاز لتغير القناة، فوجدت قناة تعرض أحد المسلسلات الحديثة على مشهد رومانسي ودافئ بين زوجين، كانت الزوجة حامل في الشهور الأخيرة وبطنها مرتفعة أمامها وبجوارها زوجها يمد لها يده بصحن من الفاكهة وهم يتبادلون الحديث في مرح وضحك ثم وضع كفه فوق بطنها رغبة منه في الشعور بحركة طفله داخل رحم أمه.
شردت في ذلك المشهد أمامها بأسى وتذكرت مشاهدها هي المأساوية مع زوجها عندما أخبرته بحملها&;
كانت تنتظر عودته بفارغ الصبر في ذلك اليوم والغرفة لا تسع أجنحتها من فرط الفرحة، كل ثانية تذهب للشرفة تراقب الشارع هل وصل أم لا، وبأحدى مرات تفقدها للشارع رأت سيارته تصتف أمام البناية فتهللت اساريرها واتسعت بسمتها حتى كادت تشق طريقها لأذنيها، اخذت نفسًا عميقًا ودخلت للغرفة وجلست على الفراش تنتظره بحماس شديد وهي تحاول توقع ردة فعله حين تخبره بهذا الخبر.
دقائق معدودة وسمعت صوت باب المنزل يفتح ثم سمعت خطواته وهي تقترب من غرفتهم وفور دخوله استقامت واقفة وأخذت تحدقه بابتسامة عريضة وعينان لامعة بوميض مختلف، فتوقف هو مكانه ورمقها باستغراب لكنه ابتسم على ابتسامتها الجميلة وسألها بفضول:
_خير فرحيني معاكي في حاجة حصلت ولا إيه؟
هزت رأسها له بالإيجاب وهرولت إليه بتلهف وارتمت في حضنه تلف ذراعيها حول رقبته هاتفة:
_أنا حامل
ارتخت قبضة يده على ظهرها وتلاشت ابتسامته تدريجيًا حتى اختفت تمامًا، وظل متسمرًا بأرضه مندهشًا لا يصدق ما قالته للتو، ابتعدت هي عنه بعد لحظات في تشويق لترى تعابير وجهه ولكنها صدمت بجموده ونظراته القوية لها التي تبعها سؤاله المستفهم:
_حامل ازاي أنتي مش بتاخدي البرشام؟
تعجبت من لهجته ونظراته الجافة لكن أجابت بهدوء وهي مازالت تحاول الحفاظ على ابتسامتها وفرحتها:
_وقفته من فترة احنا لينا فترة طويلة متجوزين وأنا نفسي في طفل، أنا أتوقعت إنك هتفرح لما تعرف.. أنت مفرحتش ولا إيه يافارس؟
رفع يده إلى وجهه ومسح عليه بتوتر ملحوظ عليه ولا إراديًا صاح منفعلًا عليها:
_وتوقفيه من غير ما تقوليلي ازاي ياليلى؟!!
اختفت ابتسامتها فورًا بعد انفعاله الغير مبرر عليها وقالت بغضب بسيط:
_في إيه يافارس أنت متعصب كدا ليه هو أنا عملت جرم، ده بدل ما تفرح أن هيبقى عندنا طفل
ابتعد عنها وهو يمسح على شعره ويهمس بصوت محتقن بالضيق والخوف:
_افرح إيه ما أنتي مش فاهمة حاجة
ثم التفت لها وقال بسخط شديد غير واعيًا لقسوته عليها:
_هو احنا مش متفقين أننا هنأجل الخلفة دي دلوقتي ومتوقفيش البرشام نهائي، بتتصرفي من دماغك ليه من غير ما تقوليلي
اندفعت إليه ثائرة وصاحت:
_هو أنت في إيه مالك بالظبط.. لو مش عايز تجيب مني عيال قولها بدل اللف والدوران ده والعصبية اللي على الفاضي دي
ضيق عينيه بدهشة من طريقة تفكيرها وأجابها بسخرية:
_إيه الكلام ده الفارغ اللي بتقوليه ده!!!
صاحت ليلى بهياج قوي:
_أنا برضوا اللي بقوله فارغ ولا اللي أنت بتعمله اللي ملوش معنى غير كدا
فارس بصوت رجولي مرعب:
_ياسلام يعني ده معناه إني مش عايز عيال منك، ناقص كمان تقوليلي إني بخونك!
سكنت تمامًا وارتخت عضلات وجهها المتشنجة حتى قالت بعينان تحمل الشك الحقيقي:
_ليه لا، بعد اللي انت عملته ده دلوقتي مستبعدش أنك تكون بتخوني فعلًا وعشان كدا العصبية دي كلها لما عرفت أني حامل
فغر عيناه بذهول منا تفوهت به وقال ساخرًا بعدم استيعاب:
_واضح كدا أن اعصابك تعبانة ومش واعية للي أنتي بتقوليه، لما تفوقي وتهدي نبقى نتكلم ونشوف هنعمل إيه
ثم قاد خطواته لخارج الغرفة ليسمعها وهي تصيح عليه بتحدى وغضب هادر:
_مفيش حاجة هتتعمل الولد دي هيفضل في بطني غصب عنك يافارس سواء كنت عايزه أو لا.. ســـامـعــني
فاقت من بحر ذكرياتها المؤلم على صوته بعدما جلس بجوارها وسألها بهدوء:
_بتتفرجي إيه؟
استقرت عيناه على التلفاز وانتبه لذلك المشهد الذي تشاهده ثم التفت لها فرأى الدموع سابحة في عيناها، أدرك فورًا بما تفكر وماذا تذكرت فظهر العبوس على محياه وظل يتمعنها بحزن حتى سمع صوتها المبحوح في ألم:
_كأنه حس أن أبوه مش عايزه وهو بنفسه قرر ميجيش الدنيا
أنهت العبارة وأخذت نفسًا عميق قبل أن تكمل بابتسامة مريرة وقد انسابت دموعها على وجنتيها:
_أنت تعرف أنا موجعنيش أني اجهضت قد ما وجعتني أنت لما مشوفتش في عينك أي حزن عليه رغم أننا لينا سنين متجوزين وربنا مكرمناش بطفل ولما اخيرًا ربنا كرمنا أنت مفرحتش ولما نزل حتى مزعلتش بل بالعكس حسيتك ارتحت وفرحان، وقتها فعلًا أنا حسيت أننا مينفعش نكمل مع بعض ولازم نتطلق
لقد سأم وتعب من الظهور أمامها بمظهر المسخ والرجل عديم الشعور والحب، القاسي الذي لا يحبها ولا يريد أطفال منها، سيخبرها بكل شيء ويترك النتائج تأتي كما تأتي.
تنهد الصعداء بنظرة دافئة وفتح فمه يقول:
_ليلى أنتي مــ&;..
قاطعته بقسوة وقالت بثبات وهي تستقيم واقفة:
_أنا لسا مغيرتش رأى واعتقد أنت كمان زي، فـ أرجوك تخلص كل الأجراءات بسرعة عشان أول ما نرجع القاهرة نتطلق
ألقت سهامها القاسية التي لا ترحم واندفعت نحو الغرفة تاركة إياه بمكانه ثابتًا كالصنم والحنق والحزن يهيمن على ملامحه.
***
في القاهرة داخل إحدى المقاهي الراقية والهادئة كان ماهر جالسًا وأمامه كوب قهوته المفضل يحتسي منه ببطء وعيناه تتجول حوله على الطاولات الصغيرة فيجد حول كل طاولة مقعدين مقابلين لبعضهم البعض ويجلس رجل وامرأة بعضهم يتحدث أما بمرح أو جدية والبعض الآخر غارق في تفاصيل الهوى ويوجد البعض منهم الذي وجد الوقت والمكان المناسب للعتاب وتصفية الحسابات التي ربما قد تضع النهايات لتلك العلاقة.
انتفض فجأة في مقعده مفزوعًا على أثر صراخ امرأة، فترك الكوب من يده فورًا والتفت برأسه للخلف يبحث بنظره عن تلك المرأة فوجدها فتاة تجلس بجوار صديقتها على الأرض التي سقطت من على مقعده وانتابتها حالة تشنجات عنيفة، وثب واقفًا فورًا وهرول ركضًا إليهم وقد كانت الناس بالفعل تجمعت حولهم انحني على الفتاة التي لا تتوقف عن الصراخ خوفًا على صديقتها وهتف لها بثقة:
_اهدى اهدى هي بتعاني من التشنجات دي أو عندها مرض معين
قالت صديقتها وهي تبكي بهستيريا:
_لا دي أول مرة هي معندهاش حاجة
نظر ماهر للفتاة التي مازالت تتشنج في الأرض وتنظر له نظرات مريبة ليست طبيعية أبدًا، اقترب منها وحاول احتواء الحالة طبيًا إلى حين وصول الأسعاف التي شرع فورًا بالاتصال بها لكن الفتاة فقدت وعيها، فانهارت صديقتها أكثر وأخذت تصرخ وتبكي من الخوف فهتف ماهر بثبات ليطمئنها:
_اهدى هتبقى كويسة مفيش حاجة هي فقدت وعيها بس.. أنا دكتور والأسعاف جاي دلوقتي
ارتخت عضلاتها المتشجنة وظهر الاطمئنان قليلًا على محياها بعد معرفتها بوظيفة ماهر وأنه طبيب، وكانت دقائق معدودة ووصلت سيارة الأسعاف فحملت الفتاة وصعد كل من ماهر وصديقتها معها في السيارة.
فور وصولهم المستشفى قاموا بنقل الفتاة لغرفة خاصة بالفحوصات والتحاليل اللازمة التي سيقومون بإجرائها لها حتى يكتشفوا سبب تلك التشنجات التي اصابتها، دخل ماهر معها للغرفة ووقف ثابتًا لا يفعل شيء نظرًا لأنه ليس تخصصه، لكن دخلت طبيبة شابه تاركة العنان لشعرها الأسود وترتدي الزي الطبي وفور رؤيتها لماهر قالت باستغراب:
_أنت تعرفها ولا إيه ياماهر
هز رأسه بالنفي وأجابها بهدوء:
_لا كانت قاعدة معايا في نفس الكافيه وتعبت هناك فجبتها المستشفى
هزت رأسها له بالموافقة وهي تبتسم بود ثم اقترب من تلك الفتاة الفاقدة لوعيها وبدأت هي وطاقم الممرضين المساعدين معها بإجراء الفحوصات اللازمة لها وهو يقف يتابعهم وبعد برهة من الوقت بعد انتهائهم سأل ماهر بفضول:
_إيه ياسمر عندها إيه؟
هزت رأسها بالنفي في حيرة واجابته بنظرات تحمل علامات الاستفهام:
_مش واضح حالتها غريبة وكل مؤشراتها سليمة معندهاش أي حاجة بس هننتظر نتيجة التحاليل لما تطلع وهي هتكشف كل حاجة
رفع حاجبه باستغراب لكن هز رأسه بتفهم بينما سمر فغادرت الغرفة متجهة إلى معمل المستشفى وكذلك الممرضين لحقوا بها، أما ماهر فظل واقفًا بجوار فراش تلك الفتاة يحدق بها بقوة متذكرًا نظراتها المرعبة له قبل أن تفقد وعيها، تلك الفتاة بها شيء غريب لا يفهمه، ويشعر كأن قدماه مكبلة بالأرض لا يستطيع الحركة من جوار فراشها، لكنه حارب ذلك الشعور الغريب وفاق من شروده بها وكان على وشك أن يخطو اولى خطواته بعيدًا عنها، فتصلب مكانه عندما شعر بكفها يقبض على رسغه فالتفت برأسه للخلف فورًا مندهشًا ليجدها تنظر له بابتسامة شيطانية وعينان مخيفة تكاد تكون قد تجردت من بؤبؤيها وأصبحت بيضاء تمامًا، ثم خرج منها صوت شيطاني غليظ ومخيف وهي تلقي عليه تحذيراتها المميتة:
_اخبره أنه يتوقف عن محاولاته في الوصول إلي والتخلص مني وإلا سأقتل كل من يهتم بأمره وسأبدأ بك أنت ياماهر وخلفك ستكون زوجته
انتفض مزعورًا ودفع يدها بعيدًا عنه وهو يتقهقهر للخلف وينظر لها بذهول فاغرًا شفتيه وعينيه بالأخص بعدما رآه وهي تقف على قدميها وتقود خطواتها إلى خارج الغرفة بخطوات لا تشبه خطى انسان طبيعي أبدًا
وقف مذهولًا لا ينطق بحرف واحد حتى دخلت سمر التي نظرت على الفراش مكان الفتاة وراحت تسأل ماهر بتعجب:
_راحت فين البنت ياماهر؟
رمقها ماهر بصدمة وهو جاحظًا عيناه وهتف بصوت ليس طبيعيًا:
_أنتي مشوفتهاش وهي طالعة، دي لسا طالعة دلوقتي قبل ما أنتي تدخلي بثانية؟!!!
غضنت سمر حاجبيها باستغراب وأجابت بالنفي:
_لا مفيش حد طلع من الأوضة أنا كنت واقفة أصلا برا من وقت بتكلم مع دكتور محمد
ضحك بسخرية وقال بعدم تصديق:
_ازاي يعني مشوفتيهاش انتي بتهزري امال انا كنت شايف إيه خيال مثلا، دي طلعت قدامي دلوقتي
اندفع لخارج الغرفة ثائرًا ووقف بمنتصف الردهة يتلفت حوله يمينًا ويسارًا بحثًا عنها لكن لا أثر لها وحتى صديقتها اختفت، خرجت سمر خلفه ووقفت بجواره وراحت تمسك كفه برقة لتهدأ من روعه وتسأله بحيرة وقلق:
_في إيه مالك ياماهر.. هو إيه اللي حصل طيب فهمني؟ ، هي فاقت ولقت نفسها كويسة وأصرت تمشي ولا إيه بظبط؟
نظر ماهر لها بعينان ضائعة واجاب بصوت خافت:
_معرفش ياسمر معرفش أنا مش فاهم اللي حصل اصلا ومين دي وراحت فين
ضغطت على كفه اكثر بدفء وقالت له مبتسمة:
_طب أهدى وتعالى معايا جوا في مكتبي نتكلم ونشرب حاجة وتحكيلي كل حاجة
ثم التفتت وصاحت على أحد أفراد الأمن وأخبرته أن ينظر للكاميرات ليعرفوا أين ذهبت تلك الفتاة وصديقتها، بينما ماهر فسار معها وكأنه مغيبًا يفكر فيما حدث ويتذكر كلمات تلك الفتاة وتحذيراتها المرعبة له.
***
داخل منزل فارس بالأقصر، كانت ليلى تقف بالمطبخ تقوم بتحضير كوب عصير طازج لها وعقلها شارد بزوجها وزواجهم الذي على حافة الانهيار، لا يمكنها إنكار حبها وعشقها له لكنها أيضًا لا تستطيع التغاضي عن كل ما مروا به وكأنه لم يحدث شيء.
وضعت كوب العصير على المنضدة بعدما انتهت من تحضيره والتفتت تجاه حوض الغسيل تولي ظهرها للمنضدة والكوب وإذا بها فجأة تنتفض مفزوعة على صوت تهشيم الكوب الزجاجي الي أشلاء على الأرض التي تلطخت كلها بالعصير، ففغرت شفتيها وفمها بذهول تحاول استيعاب كيف سقط ذلك الكوب وهي كانت تضعه بمنتصف المنضدة، اخذت نفسًا عميقًا واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم ثم جلست القرفصاء على الأرض وهي تستغفر وبدأت في جمع أشلاء الزجاج فإذا بزجاجة حادة تجرحها في اصبعها فاطلقت تأوهًا بسيطًا متألمة وهي تنظر لتلك الدماء التي بدأت في السيلاان من اصبعها وبنفس اللحظة بظبط سمعت صوت باب المنزل يفتح فضيقت عيناها باستغراب وصاحت على فارس الذي كانت تظنه نائم:
_فارس أنت طالع ولا إيه؟
لم تسمع أي رد منه فضغطت بأصبعها السليم على اصبعها المجروح حتى توقف نزيف الدماء واستقامت واقفة وغادرت المطبخ متجهة إلى باب المنزل لتعرف زوجها إلى ذاهب في هذا الوقت المتأخر من الليل، فرأته يخرج من المنزل.. صاحت منادية عليه بتعجب:
_فارس رايح فين؟
ولكنه لم يجب عليها حتى أنه لم يلتفت لها من الأساس فغضنت حاجبيها بحيرة وهرولت خلفه وهي مازالت تصيح عليه وقد انفعلت بشدة وهي تراه ينزل الدرج ولا يجيب عليها ولا يلتفت لها حتى متجاهلًا إياها وكأنه لا يسمعها&;..
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل السادس 6 - بقلم ندى محمود توفيق
توقفت بمنتصف الدرج وهي تلحق بزوجها الذي يتجاهلها ولا يجيب عليها عندما سمعت صوته خلفها أمام باب منزلهم وهو يهتف مناديًا عليها ويسألها:
_ليلى رايحة فين دلوقتي وطالعة ازاي باللبس ده كدا !!!
تسمرت مكانها فور سماعها صوته وكأن عقرب لدغتها التفتت بفزع خلفها تنظر في وجه فارس بصدمة ثم عادت ونظرت إلى الدرج مجددًا لترى من ذلك الرجل الذي كانت تلاحقه ولكنها لم ترى سوى سراب وظلام، وقفت تحدق في الفراغ بذهول ثم عادت تنظر لفارس ثانية وتسأله بصوت مرتعد:
_هو أنت مش طلعت دلوقتي وكنت نازل على السلم وأنا طلعت وراك وبنده عليك وأنت مش بترد عليا
حدقها فارس متعجبًا وهتف بعدم فهم:
_نازل على السلم ازاي وأنا واقف اهو قدامك أنا اصلا كنت نايم وصحيت اشرب ولقيت باب الشقة مفتوح
ظلت متسمرة بأرضها تحدق في الدرج بعدم استيعاب على أثر ذلك السراب الذي رأته للتو ثم هتفت بصوت مرتجف:
_كنت نايم ازاي امال اللي أنا شوفته ده كان مين؟!!
التزم فارس الصمت للحظات يتمعن في زوجته متعجبًا، وسرعان ما تحولت نظراته للحدة والاضطراب عندما فكر أن ربما ما رأته ليلى كان حقيقيًا ولم تكن تتوهم، لكن ذلك الرجل الذي رأته لم يكن هو بل كان تلك الروح التي تلاحقه، وما صابه بالذعر أكثر أنها بدأت تلاحق زوجته، من يعلم إلى أين كانت ستقود زوجته قبل قليل أن لم يتدخل في الوقت المناسب وينقذها.
أخذ نفسًا عميقًا وحاول إظهار ثباته الانفعالي حتى لا يفزعها أكثر واقترب منها ثم حاوط كتفيها بذراعه وضمها لصدره متمتمًا برزانة:
_اكيد اختلط عليكي يا ليلى أو هو كان حد شبهي وأنتي افتكرتيه أنا
نظرت له بغضب عندما أحست أنه لا يصدقها وقالت منفعلة:
_اختلط عليا إيه يافارس، ده كان طالع من بيتنا وفتح الباب وطلع.. هو في حد غيري أنا وأنت في البيت!!.. أنا مش مجنونة انا متأكدة أنه كان أنت
زاد اضطرابه وحنقه بعدما تأكد أن ذلك الشبح كان يقود زوجته للمجهول أو ربما للجحيم، لكنه بذكاء حاول احتواء الموقف وضمها لحضنه أكثر متمتمًا بحنو:
_بعد الشر عليكي ياحبيبتي من الجنان هو أنا قولت كدا برضوا، أهدى أنتي بس وتعالي ندخل البيت الأول أنتي مش ملاحظة إنك واقفة بقميص نوم على السلم
قال آخر عباراته بلهجة حازمة ونظرات غاضبه تنم عن غيرته وسخطه الحقيقي، فانزلت هي نظرها وتفحصت ملابسها وهيئتها وهي ترتدي تلك الملابس التي تظهر معالم أنوثتها بشكل مثير، فازدردت ريقها بإحراج وسارت معه لداخل المنزل دون أي نقاش لعلمها بأنه لديه الحق كله في الغضب.
اغلق فارس الباب ثم التفت خلفه بجسده كله فوجدها تقف أمامه مباشرة ومعالم الرعب تبدو على معالمها كلها حتى جسدها انكمش كالطفل الصغير وهي تحدقه بضعف وخوف هامسة:
_هو إيه اللي حصل ده يافارس، احنا في حجات غريبة بتحصل معانا من وقت ما جينا هنا وأنا مش فاهمة في إيه، لو مخبي عليا حاجة قولي أرجوك
حدقها صامتًا لا يعرف بماذا يجيبها حتى يطمئنها أو حتى كيف يكذب عليها أكثر، حتى سمعها تكمل بصوت محتقن بالدموع ونظرات مرتعدة كالأطفال:
_أنا خايفة أوي خلينا نرجع بيتنا ابوس ايدك
نظراتها وهي تستنجد به وكأنه طوق النجاة الوحيد لها ترسل له إشارات عشق بأنها ليس لديها أحد سواه وهو وحده ملجأها الآمن، جعلت حصونه تنهار وينسى كل شيء بينهم حتى شجارهم الليلة الذى انتهى بأنها أوضحت له عن إصرارها في قرار الانفصال وأنها لن تتراجع عنه، تلك المشاعر التي اجتاحته جعلته دون تردد يضمها لصدره يحتويها بكلتا ذراعيه في حب ويهتف بصوت رجولي قوي يلقي وعوده التي لن يخنثها مهما حدث:
_متخافيش طول ما أنا معاكي ياحبيبتي مفيش حاجة تقدر تمسك، أنا هفضل جمبك وعمري ما هسيبك ولا اتخلى عنك حتى لو أنتي اللي طلبتي
أغلقت عيناها باطمئنان وسكينة بين ذراعيه بعد سماعها لصوته الرجولي ووعوده بأنه لن يتركها وسيحميها، كانت منتشية داخل أحضانه وملاذها الآمن للحد الذي جعلها تسخر من نفسها كيف لها أن تكون بكل تلك مشاعر العشق والهيام به وبنفس ذات اللحظة تريد الانفصال عنه، كيف تريد هجره وكيف لها أن تسعد لمجرد سماعها وعوده أنه لن يتركها أو يتخلى عنها؟.. باتت لا تفهم ذاتها وأصبحت تتساءل في ثناياها بحيرة.. هل هي حقًا تريد الانفصال عنه أم لا؟.. والسؤال الأهم هو هل ستتمكن من مواصلة حياتها بطبيعية دونه، فهي لا تطيق الابتعاد عنه لبضع أيام، أذا كيف لها أن تتحمل فراق لبقية عمرها؟!!&;
***
داخل المستشفى بالقاهرة.. تحديدًا بغرفة الطبيبة سمر وكان معها ماهر يجلس بجوارها، ينظر لشاشة الحاسوب أمامه معها وهم يتفقدون كاميرات المراقبة بالمستشفى ليعرفوا إلى أين ذهبت تلك الفتاة وصديقتها، لكن جميع لقطات الكاميرا تم محوها تمامًا.
نظرت سمر لماهر وقالت بتعجب:
_مفيش أي مشاهد في الكاميرات من وقت ما دخلت البنت دي المستشفى ياماهر
هتف بانزعاج شديد وهو يبحث في شاشة الحاسوب بتركيز أكثر وقد تولى هو مهمة البحث عن أي مشاهد تظهر بها تلك الفتاة المريبة:
_مفيش ازاي يعني ياسمر امال العفاريت مسحت كاميرات المراقبة مثلًا ولا&;.
لم يكمل كلماته حيث ابتلع بقية حروفه في جوفه وقد تجمدت يداه على الحاسوب وجحظت عيناه هو وسمر وهم ينظرون للشاشة بعدما عثروا على إحدى مشاهد الكاميرا عندما كان ماهر مع تلك الفتاة بمفرده في الغرفة، ما صابهم بالصدمة والزعر هو أن كاميرات المراقبة لا تظهر سوى ماهر فقط وكان ينظر للفراش وذراعه ممتد أمامه وكأن هناك كيان خفي ممسك بيده وماهر وحده من يراه ويتحدث معه، انتهى المشهد بانتفاضة ماهر وهو ينتشل يده بارتيعاد من ذلك الكيان الغامض ويرتد للخلف ثم ينظر للباب يراقبه وهو يرحل.
حدقت سمر بماهر في ذهول وهمست بعدم استيعاب:
_إيه ده ياماهر؟!!
اخذ ماهر يحدق في الشاشة وعلامات الدهشة تحتل ملامحه لكنه كان ساكن تمامًا وهادئ على عكس المتوقع حتى أنه أجاب عليها بصوت رجولي غليظ ورخيم:
_كل حاجة وضحت البنت دي مش انسان دي جن، وبذات بعد كلامها ليا
اتسعت عيناه بذهول بعدما قاله متذكرًا تحذيراتها له وكلماتها وهي تهدده بوعيد شيطاني مرعب &; اخبره أنه يتوقف عن محاولاته في الوصول إلي والتخلص مني وإلا سأقتل كل من يهتم بأمره وسأبدأ بك أنت ياماهر وخلفك ستكون زوجته &;، وثبت ماهر واقفًا وهتف مرتعدًا على أخيه:
_فارس
التقط هاتفه بلهفة ليتصل بأخيه ويطمئن عليه ويحذره من ذلك الخطر الوشيك، لكن سمر أوقفته عندما قبضت على ذراعه بإحكام وقالت في اهتياج:
_كلمني الأول ياماهر وفهمني إيه اللي بيحصل وإيه الكلام اللي بتقوله ده؟!
نظر لها ماهر بكل هدوء وحاول امتصاص ثورانها بنظراته الدافئة متمتمًا:
_اهدى مفيش حاجة أنا هكلم فارس بس اطمن عليه وبعدين هفهمك
هتفت سمر ثائرة بصوت مبحوح:
_اهدى ازاي والتخاريف اللي بتقولها دي معناها إيه جن ومعرفش إيه
أصدر ماهر تأففًا حارًا وقال بلهجة رجولية صارمة:
_مش تخاريف ياسمر ما أنتي شوفتي قصاد عينك البنت مش ظاهرة في الكاميرات أنا بس اللي موجود، أصلًا اللي شفته جوا منها ملوش تفسير غير كدا، كانت بتهددني أنها هتقتلني وتأذي فارس ومراته وصوتها كان مرعب حتى عينها كانت كلها بيضا هي وبتكلمني
اطالت سمر النظر في وجهه فاغرة شفتيها وعيناها بذهول حتى أن يدها قبضت على يده بقوة أكثر وتطلعت إليه بعينان يسبحان بهم الرعب الحقيقي والصدمة ثم همست له بصوت يكاد لا يسمع:
_قولي أن الكلام ده مش حقيقي ومفيش حاجة زي كدا ابوس ايدك
رفع ماهر حاجبيها باستغراب وهتف مبتسمًا:
_انتي خايفة لا إيه؟!!
هتفت بغضب وصوت مرتعش:
_طبعا خايفة أنا كشفت عليها ياماهر البنت دي ولمستها، ازاي تطلع عفريت يعني وهي مالها باخوك وتهددك ليه، هو إيه اللي بيحصل أصلًا أنا مش فاهمة حاجة
لا إراديًا دون أن يشعر بعدما رأى خوفها الشديد ونظراتها العالقة عليه تطلب منه الآمان.. تذكر صداقتهم الطويلة معًا وكيف كانت دومًا تلوذ إليه عندما يواجهها أي مكروه وكانت تتطلع إليه بنفس النظرات، ابتسم لها بدفء رجولي ومد كفيه يحتضن كفيها بين كفيه هامسًا:
_صدقيني حتى أنا مش فاهم إيه علاقتها بفارس وليه بتهددنا وليه ظهرتلي أصلًا، بس اكيد فارس عنده الأجابة وعارف هي مين، فمتخافيش هي خلاص مش موجودة أصلا دلوقتي
تلفتت حولها بهلع وقالت:
_مش موجودة ازاي وإيه عرفك ماهي عفريتة ممكن تبقى معانا في الأوضة واحنا مش شايفنها
حدقها ماهر بنظرة ثاقبة وقال في صوت رزين وجميل:
_ياسمر مفيش حاجة ومفيش حد غيرنا في الأوضة أهدى أنا معاكي
سكتت للحظات قبل أن ترمقه بعينان تحمل الاهتمام والخوف الصادق عليه:
_هي ممكن تأذيك فعلًا ؟
تعجب من سؤالها ونظراتها التي تضمر خلفها مشاعر خفية هو لا يفهمها بشكل كامل، لكنه تجاهل شكوكه واجابها:
_ لا متقلقيش عليا مفيش حاجة تقدر تأذيني
هزت رأسها بالإيجاب في عينان تتحدث عن الكثير الذي لا يستطيع لسانها التفوه به، فقال هو بجدية:
_أنا همشي دلوقتي عشان اكلم فارس وافهم منه إيه اللي بيحصل وهبقى اكلمك تمام ؟
إجابته بتلقائية في ابتسامة هادئة:
_تمام، خد بالك من نفسك
حدقها بنظرة تحمل من المعاني الكثير بين حيرة وشك وود، لكنه اكتفى بهز رأسه بالموافقة وترك يدها واتجه لخارج الغرفة مغادرًا يتركها وحيدة وهي تقف تحدق في أثره بشرود، لكن سرعان ما عادت تتلفت حولها برعب بعدما تذكرت ما رأته في الحاسوب وما سرده لها عن تلك الفتاة فاندفعت لخارج الغرفة بسرعة خوفًا من البقاء وحدها&;
***
عودة لمنزل فارس بالأقصر كان جالسًا في الصالة على الأريكة ونظراته عالقة في اللاشيء يفكر في أحداث تلك الليلة، يبدو أن ذلك الكائن يستهدف زوجته ويحاول اذيتها، لكنه لن يسمح له بإلحاق الضرر بها.. هو الذي أخرجه من جحيمه والآن يقسم في ثناياه متحديًا كل شيء أنه سيعيده إلى جحيمه حتى لو كلفه ذلك حياته، لكن أولًا يجب عليه كشف هوية ذلك الكائن.
مال برأسه للجانب متمعنًا في زوجته النائمة بجواره، فقد رفضت بشدة الذهاب لغرفتها من خوفها متزعمة أنها لا تشعر بالنعاس، لكنها غفت بجواره بعدما اطمئنت بوجوده، ارتخت عضلات وجهه المتشنجة من الغضب وتحولت لأخرى دافئة ومال عليها يمد أنامله ويمسح على شعرها بحب ثم يهمس لها:
_مش هسمح أبدًا لحاجة أنها تأذيكي ياحبيبتي، متخافيش أنا معاكي وزي ما فتحت الباب للجحيم ده علينا هقفله تاني
دنى أكثر منها ليطبع قبلة حانية فوق جبهتها ولم يبتعد عنها ألا عندما صدح صوت رنين هاتفه فالتقطه وأجاب فورًا على المتصل الذي كان أخيه هاتفًا:
_الو.. ازيك ياماهر؟
هتف ماهر بصوت غليظ:
_ سيبك مني المهم أنت طمني أنت وليلى كويسين ؟!
غضن حاجبيه باستغراب من سؤاله ولهجته فأجابه بسؤال:
_كويسين في حاجة حصلت ولا إيه ؟!
ماهر بصوت قوي ومهتم:
_أنت كنت بتقولي أن في حجات غريبة حاصلة معاك ولما ترجع القاهرة هتحكيلي
تمام فارس بتأكيد متسائلًا:
_أه إيه اللي خلاك تفتح الموضوع تاني دلوقتي ومتصل مخصوص عشانه
وصله صوت أخيه الصلب وهو يتحدث بلهجة تظهر خطورة الأمر حقًا:
_أنا غالبًا عرفت إيه الحجات الغريبة اللي بتحصل معاك لأنها ظهرتلي النهاردة
اتسعت عين فارس بصدمة وألقى نظرة سريعة على زوجته النائمة وهب واقفًا مبتعدًا بخطواته عنها حتى لا تستقيظ وتسمع حديثه وراح يجيب على أخيه بقوة:
_هي إيه دي اللي ظهرتلك ياماهر؟!!
أجاب ماهر:
_اللي بتلاحقك وهددتني إنك لو موقفتش محاولاتك إنك تتخلص منها هتأذي ليلى وهتأذيني وهتأذي كل اللي حواليك
استحوذ الذهول على فارس وهو لا يستوعب ما يسمعه من أخيه، فقد تعدى الخطر زوجته بمراحل حتى أنه بدأ يدور حول عائلته بأكمله، خرج صوت فارس متحشرجًا من السخط والخوف هاتفًا:
_شوفتها ازاي ياماهر وعملتلك إيه احكيلي
تنهد ماهر الصعداء ثم بدأ يسرد لأخيه ما حدث معه بالضبط بداية من ظهورها له بالمقهى حتى اكتشافه حقيقة أنها ليست بشر بعد رؤيته لكاميرات المراقبة مع سمر، وانهى حديثه بسؤاله لفارس:
_مين دي وعايزة منك إيه؟
أخذ فارس نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا في حنق مجيبًا على أخيه:
_الموضوع كبير ومعقد أوي ياماهر، اللي حصل معايا مفيش عقل يستوعبه، دخلت مقبرة مكنش ينفع ادخلها والمقبرة دي وراها سر خطير أوي معرفش هي إيه وواضح أني لما دخلتها خرجت كيان شيطاني كان محبوس جواها وهي بالفعل حاولت اكتر من مرة تأذى ليلى وأنا الحمدلله كنت بلحقها
هتف ماهر بعدم فهم:
_مقبرة إيه وطالما أنت عارف ان السر في المقبرة ما تدخلها تاني يمكن تلاقي ثغرة ولا أي حاجة تخلصك من الشر ده
أجاب فارس ضاحكًا بسخرية:
_وهو أنا لو عارف اوصل للمقبرة تاني كنت هستنى ده كله ليه، المقبرة ملهاش وجود اختفت ومش عارف أوصلها تاني
_ إيه اللي انت بتقوله ده يافارس ازاي اختفت يعني ؟!!
قال فارس بنفس النبرة السابقة:
_هي ياريتها على كدا بس، الباقي مفيش عقل يستوعبه بقولك، عمومًا انا بكرا هكلمك احكيلك كل حاجة بالتفاصيل وأنت خد بالك من نفسك المهم
تمتم ماهر بهدوء رغم قلقه على أخيه وزوجته:
_ماشي يافارس وأنت خد بالك من ليلى
رد عليه بالإيجاب وانهى الاتصال لينظر في الفراغ بنظرات تحدي وغل، عازمًا النية على كشف هوية ذلك الكيان الليلة، لن يتركه يسعى خلف عائلته أكثر من ذلك.
اتجه نحو زوجته وانحنى عليها ليحملها ويتجه بها نحو غرفتهم لكنها انتفضت مفزوعة فور شعورها بيديه على جسدها وانكمشت في الأريكة بخوف، حدقها بحنان وقال في صوت انسدل كالحرير ناعمًا يملأه الحب:
_متخافيش ده أنا ياليلى!
ارتحت عضلاتها المتشنجة بعدما أدركت ملامح وجهه بوضوح وتأكدت أنه زوجها فراحت تسأله:
_كنت بتعمل إيه؟!
ابتسم بدفء وأجابها:
_كنت هشيلك واوديكي الأوضة
تنهدت بهدوء ولم تجيبه فقط نظرت له بسكون تام حتى وجدته يعود ينحني عليها مجددًا ويحملها بين ذراعيه فاطلقت شهقة مندهشة وهتفت بجدية:
_بتعمل إيه يافارس أنا صحيت خلاص هروح وحدي الأوضة بتشيلني ليه؟!!
همس عابثًا وهو ينظر لها بطرف عينه:
_مراتي وعايز ادلعها فيها مشكلة دي
حدقته بذهول وعينان متسعة من صراحته الصادمة، فقد كان ذلك هو آخر رد يمكنها توقعها منه لكنه دمر سقف توقعاتها بعبارته، جعلها تتمعن به في صمت قاتل وانعقد لسانها فلم تجد ما تجيبه وفضلت الصمت كأفضل رد في مثل تلك اللحظات، في عقلها ألف سؤال كلهم يدورون في حلقة مغلقة ليس لها بداية أو نهاية.. أهمهم هو ما سبب تحوله الجذري معها.. لماذا أصبح بكل هذه الحنية والمشاعر الجيَّاشة.. والأهم ماسبب شعور الخوف عليها الذي يلمع في عينيه وتراه دومًا بهم؟!.
وصل بها إلى غرفته ودخل ثم اتجه نحو الفراش فسمعها تهتف بتعجب:
_ليه جبتني اوضتك؟
أجاب فارس بكل هدوء وبساطة:
_عشان أنا سبق وقولتلك أن مفيش اوض منفصلة تاني و هتنامي جمبي
لا تعرف ما الذي يحدث بلسانها كلما يتحدث لماذا تفقد القدرة على الرد عليه أو مجادلته وعناده كما تفعل دومًا، لماذا منصاعة بطاعة تامة هكذا؟.. والآن هي بدت راضية تمامًا بل وكأنها كانت تتمنى أن يأخذها بجواره أيضًا الليلة كليلة أمس، لم تفق من شرودها إلا عندما وجدته يضعها على الفراش برفق ويستقيم واقفًا ينظر لها ويهتف بلطف:
_أنا هنزل تحت هخلص شغل وارجعلك
هم بالاستدارة لكنها أوقفته بصوتها الناعم وهي ترمقه بعينان أنثوية رقيقة تخر أمامها اقوى واعتى الرجال راكعة:
_لا خليك معايا لغاية ما أنام عشان خايفة
التفت لها وتمعنها مطولًا مبتسمًا ثم اقترب منها وجلس بجوارها على حافة الفراش وتمدد بنصف جسده، التزمت هي الصمت لدقيقتين وهي مازالت مستيقظة ثم هتفت فجأة بجدية:
_بس أنا متأكدة أن اللي شوفته كان أنت ومكنتش بتخيل
نظر لها وقال بلهجة رجولية منزعجة:
_وبعدين ياليلى مش قولنا خلاص انسي ومتفكريش في الموضوع ده تاني
جحظت عيناها باندهاش من رده الذي أثار جنونها وجعلها تثب جالسة وتنظر لها بعصبية هادرة صائحة:
_أنت ليه محسسني أن الموضوع تافه وعادي جدًا ، بقولك راجل كان طالع من البيت وكان أنت.. وأنا طلعت وراه وأنت تقولي متفكريش قال أنت هتجنني يافارس، مهو اللي حصل ده ملوش غير تفسير واحد أن الشقة دي مسكونة ودي حاجة وحدها تخليني اترعب ومقعدش في البيت ده لحظة واحدة
كان فارس يحدقها ويعاين انفعالها وثورانها اللطيف رغم كل هذا الصياح، حتى أن كلماتها كانت تدفعه للضحك ففشل هو في حجب ضحكاته وراح يجيبه وسط قهقهته:
_أنا بقولك متفكريش عشان متخافيش اكتر وتفضلي حاطة الموضوع في دماغك، بعدين إيه مسكونة دي ثم إن انتي مش امتى كنتي بتخافي بالشكل ده ياليلى ما احنا كنا دائما مع بعض في الشغل وكنا بنكون في مواقع هي بقى فعلًا مسكونة وبننزل مقابر في نص الليل
نظرت له بقوة وقالت مغتاظة:
_وكنت بعمل إيه في المواقع دي.. معقول نسيت؟!!
سكت وهو يتذكر كيف كانت تلازمه طوال الوقت ولا تفارقه للحظة واحدة من فرط خوفها، حتى أنها ترفض نزول المقابر وحدها سوى معه، كانوا في ذلك الوقت كلاهما يعلم بمشاعر الآخر لكن لم يعترف أي منهم، حتى وضع فلرس النقاط على الحروف وقرر إنهاء ذلك العبث الذي يحدث بينهم واعترف لها بحبه وعرض عليها الزواج فوافقت على الفور وبادلته هي أيضًا اعترافها بعشقها له.
فاق من ذكرياته الجميلة معها وابتسم لها بخبث وراح يغمز لها هاتفًا:
_كنتي بتبقى طول الحفر والتنقيب مش بتفارقيني قال يعني بتتناقشي معايا في الشغل و تفاصيل المقبرة وأنتي أصلا خايفة وبتحاولي تداري خوفك عن الكل عشان محدش يلاحظ
تحولت في لحظة للمرح ونست خوفها وغضبها واندمجت معه حيث قهقهت بقوة وقالت برقة:
_المشكلة أنك كنت قافشني وفاهم وعامل نفسك عبيط
عاد يغمز لها مجددًا لكن بلؤم أكثر ونظرات محبة:
_عشان كان عاجبني وعلى هوايا ولو كنت حسستك أني فاهم كنتي هتبعدي وأنا كنت حابب قربك
تمعنته مطولًا في صمت بعد رده ثم مال ثغرها للجانب واشاحت بوجهها عنه مبتسمة في خجل وغرام، واللحظة التالية فورًا وجدها تعود وتمدد جسدها على الفراش مكانها هامسة في نعومة تذيب القلب:
_وأنا كمان كنت بطمن وأنت جمبي وبحس بالآمان
فارس بنظرة ذات معنى رافعًا حاجبه بازدراء:
_كنتي؟!
فهمت سؤاله فضحكت وصححت عباراتها بهيام:
_ومازالت طبعًا أنت مش شايف الدليل قصادك!
فهم مقصدها أن دليلها أنها مازالت حتى الآن تأمن بوجوده ولذلك طلبت أن يبقى معها حتى تنام وتطمئن، فابتسم لها بعشق وكم تمنى في داخله أن يسرد لها كل شيء ويشاركها همومه ولكنه لا يستطيع أن يجعلها تعيش في هذا الرعب، نعيم الجهل أفضل لها.
بسط ذراعه على الوسادة بجواره وهمس لها غامزًا بمكر ومداعبة:
_طيب تعالى يالؤلؤتي في حضني عشان تتطمني كويس والعفاريت في الشقة المسكونة دي ميقدروش يقربولك
رمقته بغيظ وهتف معاتبة إياه بحدة وخوف بعد ذكره وتأكيده على أن تلك الشقة مسكونة بالأشباح:
_فــارس!!!
جذبها من خصرها فسقطت في حضنه وهو يضحك عليها ويقول:
_نامي بلاش هبل قال البيت مسكون
ابتسمت على سخريته منها وسكنت بين ذراعيه واطمئنت ثم أغلقت عيناها براحة تامة محاولة الانغماس في النوم، بينما هو فحدق أمامه في الفراغ جامدًا الوجه ويفكر في ثنايا عقله ماذا سيفعل بعد خلود زوجته للنوم وكيف سيظهر ذلك الكائن ويكشف هويته.
***
بمكان آخر داخل منزل راندا التي كانت جالسة على فراشها ممسكة بهاتفها وتقلب بين صور فارس تتأملها بعينان لامعة بوميض الحب رغم أن تعابير وجهها لا تظهر سوى العبوس والحزن لأنها لا تستطيع أن تجتمع به و لا تعرف هل سينفصل عن زوجته أم لا، ورغم جميع محاولاتها في التفرقة بينهم إلا أنهم مازالوا ملتصقين ببعضهم بطريقة غريبة كأنهم يحاولوا أخبارها أن لا شيء يمكن أن يفصلهم سوى الموت.
أخذت نفسًا عميقًا في عبوس ويأس وأغلقت هاتفها ثم القته بجوارها في عصبية، لكن جذب حواسها له مجددًا عندما سمعت رنينه فالتفتت بطرف عينها ولمحت اسم المتصل الذي كان &; عز &; تجاهلت رنينه في البداية وهي تلوى فمها بحنق لكنها تأففت بنفاذ صبر عندما وجدته يتصل بإصرار وقررت الرد عليه لمعرفة ماهو الأمر المهم الذي يدفعه للرنين المتكرر، ضغطت بأصبعها على شاشة الهاتف التي تعمل باللمس وأجابت على الاتصال ثم وضعت الهاتف على أذنها وأجابت عليه بصوت كئيب:
_الو ياعز
شعر بغرابة صوتها فكان أول سؤال يطرحه عليها هو:
_مال صوتك أنتي كويسة؟
تأففت بيأس وهتفت بخفوت وصوت رقيق:
_مليش مكتئبة وزهقانة شوية.. أنت في حاجة حصلت ولا إيه عشان بتتصل كتير كدا
أجابها عز بابتسامة خلف الشاشة لا تراها لكن صوته يظهر اهتمامه ولطفه الساحر:
_لا مفيش كنت بطمن عليكي وقلقت لما مردتيش.. أنتي بقى إيه اللي مزعلك ياقطة
تبدلت نبرتها فورًا من الرقة للغيظ مجيبة عليه:
_متقوليش ياقطة بتعصبني، وعشان قطة دي بقى ملكش دعوة بيا
قهقه عز عاليًا على انفعالها الطفولي وقال بكل دفء:
_لما مليش دعوة بيكي امال يبقى ليا دعوة بمين عيب الكلام ده ياراندا، عمومًا متزعليش ياستي إيه رأيك اجيلك دلوقتي ونطلع واعزمك على العشاء ونحاول نعالج الاكتئاب ده
سكتت للحظة وهي تفكر في عرضه المغري وقالت بنبرة ماكرة:
_امممم طيب هتعزمني فين؟
أجاب بصوته الضاحك في نبرة رجولية قوية:
_المكان اللي تحبيه ياقطة.. اليوم يومك
لمعت عيناها مندهشة وراحت تجيبه مازحة وقد نست أحزانها:
_إيه ياعز أنت طالع تحارب بكرا ولا إيه وبتودعني إيه الدلع ده كله!!
بادلها المزاح لكن بلهجة عتاب بسيطة:
_تصدقي إنك زي القطط فعلًا ناكرة للجميل، هو في حد مدلعك غيري اصلًا.. قال يعني أنا أول مرة اعزمك وادلعك كدا
لوت فمها بعبوس مزيف وقالت وهي تكبح ضحكتها:
_أنت هتزلني ولا إيه.. طب مش طالعة
وصلها صوته الرجولي الحازم وهو يلقي عليها أوامره:
_قومي البسي يلا بلاش كلام كتير أنا برا ومعايا نص ساعة بالكتير واوصل عندك
رفعت راندا نظرها لساعة الحائط التي أمامها معلقة على مرمي نظرها وقالت له بتردد:
_طيب أنت مش شايف أن الوقت متأخر شوية؟!
هتف عز بكل بساطة وصوت رجولي غليظ:
_إيه يعني متأخر هو أنتي طالعة مع بنت خالتك ما أنا معاكي
ضحكت بخفة واجابته متخطية ما قالته وما سمعته منه بعدم اهتمام:
_مكتش قصدي كدا طبعًا ياعز بس عموما أنا هقوم البس وأنت متتأخرش
أنهى الاتصال معها بعدما أجابها بالموافقة مؤكدًا أنه لن يتأخر، أما هي فظلت مكانها على الفراش تحدق في اللاشيء أمامها بشرود، للحظة ندمت أنها انصاعت له ووافقت على عرضه فهي ليست في مزاج يسمح لها بالتنزه، لكن ما باليد حيلة سترافقه الليلة لا محال، فقط تتأمل في ثناياها أن تلك الليلة تجدي نفعها وتنسيها همومها.
***
داخل منزل فارس تحديدًا بغرفة مكتبه الخاصة&;.
ترك ليلى بعدما تأكد من خلودها للنوم وجاء لغرفته ليبدأ في تنفيذ ما عزم عليه، اغلق الباب خلفه واتجه نحو اريكته المفضلة ليجلس عليها ويدور برأسه حوله وعيناه تتجول على كل ركن في الغرفة، أخرج تلك المخطوطة الملعونة ووضعها على الطاولة الصغيرة أمامه وكل شيء يخص بحثه عن تلك المقبرة وذلك الملك المجهول وراح بتمعن النظر بهم وكامل حواسه منتظرة التقاط إشارة محددة.
فجأة بدأت أضواء الغرفة تتلاعب بسرعة مرعبة فابتسم هو بخبث ونصر حتى وجد نفسه في الظلام الدامس بعد انطفاء الأضواء فاستقام واقفًا وأضاء كشاف هاتفه وهو يهتف بصوت رجولي يحمل من الشجاعة والقوة ما تليق به:
_مش كفاية لغاية كدا ولا إيه والوقت جه إنك تعرفيني بنفسك!
صك سمعه صوت قهقهة شيطانية مرعبة حوله وصوت مخيف يهتف:
_اعجبتني شجاعتك لكن احذر من أن تقودك للهاوية
اخذ يتلفت حوله بتلهف بحثًا عنها في الغرفة حوله حتى سقط ضوء هاتفه على كيان مرعب يقف بالزاوية يوليه ظهره ومرتديًا زيًا اسود اللون أشبه بفستان الزفاف وعلى رأسه طرحة زفاف سوداء شفافة تغطي وجهه&;&;..
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود توفيق
الفصل السابع _
اخذ يتلفت حوله بتلهف بحثًا عنها في الغرفة حوله حتى سقط ضوء هاتفه على كيان مرعب يقف بالزاوية يوليه ظهره ومرتديًا زيًا اسود اللون أشبه بفستان الزفاف وعلى رأسه طرحة زفاف سوداء شفافة تغطي وجهه، ظل بحدق في ذلك الشيء بتركيز شديد ورغم صدمته من ظهوره مباشرة أمامه إلا أن الخوف لم يعرف طريقه لقلبه، كان يقف ثابتًا بثقة وعينان من قوتها تكاد تخترق ذلك الشبح دون هوادة، ليخرج صوته الحاد وهو يسأله:
_أنتي مين ؟
استدارت ببطء شديد حتى أصبحت أمامه وجهًا لوجه، وكان الذهول من نصيب فارس الذي فغر شفتيه وجحظت عيناه مندهشًا عندما رأى أمامه امرأة فائقة الجمال، ملامح وجهها من شدة جمالها قد تفقدك عقلك ولديها نظرة في عيناها السوداء تحمل تعاويذ سحرية بإمكانها أن تطيح بك إلى الجحيم، ظل فارس يتمعن بها وهو مسلوب العقل كالمحسور تمامًا للدرجة التي جعلته ينسى أن تلك المرأة ماهي إلا جنية مرعبة في الحقيقة.
أجابت على سؤاله بصوت أنثوي يطلق سحره على الآذان مع ابتسامتها الجذابة التي تسلب العقول:
_ أوار .. اسمي أوار ألا تتذكرني يافارس فأنت الذي أنقذتني وحررتني من سجني الأبدي ؟!
كان صدى صوتها يقع على أذنيه كطلاسم السحر التي تزيد من حالته سوءًا وتجعله مسحورًا بها أكثر، انقعد لسانه ولم يجيبها لكنه وجدها تقترب منه بخطواتها الناعمة وهي تجر خلفها فستانها الأسود وتبتسم له حتى وقفت أمامه مباشرة وهمست له:
_لا أعرف كيف أشكرك يافارس على ما فعلته لأجلى، لكنني قررت أن اكافئك وتكون معي للأبد لأنني لا أنوي تركك بعد الآن
خرج صوت فارس أخيرًا ضعيف وبالكاد يسمع وهو يسألها:
_ أنتي عايزة إيه بظبط مني؟
رفعت يدها لمستوى نظره لتظهر في باطنها سكين اسود اللون وهمست مبتسمة بشيطانية مستخدمة سحرها الشيطاني للسيطرة على عقله:
_خذ السكين وضحي بروحك من أجلي لتتمكن من البقاء معي للأبد، فـ امرأة جميلة مثلي لن تستطيع أن تجد مثلها بالعالم كله
استغرق لحظات وهو يحدق بالسكين مترددًا حتى سمعها تكمل بصوتها الشيطاني:
_هيا يا فارس ماذا تنتظر، صدقني أنا لم اعطي هذه الفرصة لرجل غيرك وهذا لأنني احببتك
نظر فارس في عيناها فغرق في سحرها المميت وأصبح مسلوب العقل تمامًا، وكلماتها له كانت كالأوامر، فراح يلتقط السكين من يدها لا إراديًا ويرفعها ببطء لرقبته ينوي ذبح نفسه دون وعي، لكن لحسن الحظ أن باللحظة الأخيرة قبل أن تلمس السكين جلده فاق من تأثير ذلك السحر القاتل على صوت زوجته وهي تصيح منادية عليه تبحث عنه:
_فارس أنت فين؟!
رمش بعينيه مرتين ثم انتبه لتلك السكين التي بقبضته فالقاها على الأرض فورًا بفزع وهو غير مستوعب ما حدث معه، لا يصدق أنه كان على وشك قتل نفسه وأنه سقط تحت تأثير تلك الجنية التي اختفت فور سماعه لصوت زوجته، لم يلبث الوقت الكافي لاستيعاب كل هذا حتى وجد ليلى تقتحم عليه الغرفة وتنظر له باستغراب ثم سألته:
_أنت ليه لسا صاحي وبتعمل إيه هنا؟
اندفع نحوها بسرعة ولف ذراعه حول كتفيها يضمها لصدره ويبتسم لها بتعابير وجه مريبة محاولًا عدم إظهار أي شيء لها:
_كان ورايا شغل وقولت اخلصه قبل ما أنام، أنتي إيه اللي صحاكي
هزت كتفيها بجهل وتمتمت في خفوت:
_معرفش بس لما صحيت وملقتكش جمبي قلقت
انحني على رأسها وطبع قبلة دافئة هامسًا لها بحنو:
_طيب يلا يا لؤلؤتي نطلع ننام
كان فارس يضمها لحضنه باحتواء وامتلاك شديد يوضح مدى خوفه عليها من شيء هي تجهله والذي جعلها تحدق به في شك تام وقد عزمت النية على كشف الأمر بنفسها، أن لن يخبرها هو ستعرف وحدها ما الذي يخفيه عنها ويجعل القلق والخوف لا يفارقه.
أما فارس فقد كانت صورة أوار في ذهنه راسخة يتذكر كل كلمة وكل شيء حدث، فأدرك أنه استخف بها كثيرًا فإن وصلت لنقطة السيطرة عليه لقتل نفسه.. هذا يعني أن بإمكانها فعل ماهو افظع من ذلك، لكن السؤال الأهم هنا والذي يجول في عقله ولا يجد له إجابة &; لماذا كانت تريد روحه ؟ &;.
***
داخل منزل راندا كانت تقف أمام المرآة تظع اللمسات الأخيرة على مظهرها عندما صدح صوت رنين هاتفها فأسرعت إليه والتقطته لتجيب على &; عز &; الذي وصلها صوته الرجولي الجذاب بلهجته الحماسية هاتفًا:
_يلا ياقطة أنا واقف تحت العمارة
اقتربت من النافذة المجاورة لها التي تطل على الشارع الرئيسي واخرجت رأسها تنظر للأسفل فوجدته يقف مستندًا على السيارة بظهره مرتديًا بنطال اسود يعلوه قميص من نفس اللون وفوقه معطف طويل ويرفع رأسه للأعلى ينظر إلى نافذتها وكأنه يعلم أنها ستفعل وتنظر له منها فابتسمت له بقلة حيلة وأجابت عليه ضاحكة:
_انا نفسي افهم أنت مبسوط أوي كدا ليه يخربيت دماغك ياعز والله أنت مش طبيعي
رد عليها بعبث متصنع نفاذ الصبر:
_طيب يلا انزلي ولا هتسبيني ملطوع في التلج ده كتير
هزت رأسها له بالموافقة دون أن تجيب وهي مبتسمة فحصل على ردها من اماءة رأسها التي رآها من النافذة وانزل الهاتف ينهي الاتصال وهو يتمتم بغيظ:
_صدقيني وأنا نفسي تبطلي غباء وتشغلي دماغك شوية عشان تفهمي أنا مبسوط ليه!!
ظل واقفًا لأكثر من عشر دقائق منتظرًا إياها حتى رآها وهي تخرج من البناية مرتدية حذاء رياضي وبنطال جينز واسع حديث يتماشي مع الموضة يعلوه كنزة سوداء بحمالات رفيعة منحدرة بفتحة دائرية عند الصدر وفوقها معطف بني اللون متوسط الطول، وتاركة العنان لشعرها ينسدل على ظهرها بحرية.
التقطتت عيناه تلك الكنزة التي تظهر جزء صغير من صدرها وعلق بصره عليها بتعبيرات وجه منزعجة، فرأت هي حدة نظراته وتبدل حالته فجأة من المرح للحنق الشديد وضيقت عينيها بحيرة ووقفت أمامه تسأله باهتمام:
_مالك أنت اتعصبت عشان اتأخرت عليك ولا إيه؟
رد بصوت خشن دون أن يبدي على لين في تعابيره أو نبرته:
_لا مفيش حاجة يلا اركبي
هم بأن يستدير ليفتح باب السيارة ويستقل بها قبل أن يفقد أعصابه من فرط الغيظ وينفعل عليها، لكنها قبضت على رسغه لتوقفه وتسأله بإصرار وقلق حقيقي:
_ عز إيه اللي حصل قولي أنت وشك قلب كدا ليه أول ما شفتني؟!!
هبطت نظراته لا إراديًا على ملابسها وتحديدًا على جسدها العاري عند منطقة الصدر فأغلق عينياه مغتاظًا يحاول الحفاظ على ثباته الانفعالي ليجيبها بقوة:
_قولتلك مفيش يلا بينا
رفعت حاجبها بتعجب من حالته المريبة لكنها لم تضغط عليه أكثر من ذلك والتفت حول السيارة لتستقل بالمقعد المجاور له وهي تراقبه طول الطريق بعدم فهم، كان لا ينظر لها ومثبت نظره على الطريق أمامه ولا يتحدث معها، من شدة انشغالها وفضولها بأمره لم تسأله حتى إلى أين يأخذها، حتى توقفت السيارة أمام مطعم صغير أمام النيل مباشرة، ابتسمت عندما رأت ذلك المكان من شدة حبها له ونزلت من السيارة فورًا ولحق هو بها الذي ألقى نظرة على المطعم من الخارج فرآه مكتظ بالشباب، هنا فقد السيطرة على نفسه أكثر من ذلك فهو طول الطريق ساكنًا لا يستطيع أن يخبرها من انزعاجه من ملابسها وأن الغيرة تأكله أكل.
اتجه نحوها وأشرف عليها بهيئته الرجولية ينظر لها بحزم هاتفًا:
_اقفلي الجاكت ده الجو برد وهتبردي
هزت رأسها بالرفض وقالت ببساطة:
_أنا مش بردانة وكمان الجاكت مش بيتقفل مفهوش زراير
لوي فمه بغيظ وأطلق زفيرًا حارًا ثم خطف نظرة بطرف عيناه على كنزتها واشاح بوجهه عنها يهمس لها دون أن ينظر بأسلوب راقي ومهذب لكن نبرته لم تكن تشبه أسلوبه أبدًا بل كانت قاتلة وآمرة:
_طيب ارفعي البتاع اللي من تحت ده شوية لفوق
نظرت بسرعة لملابسها وجسدها بدهشة من كلماته فشعرت بالاستحياء الشديد ورفعت يدها تمسك بطرف الكنزة تجذبها للأعلى قدر الإمكان، بينما هو فأشار لها بعيناه لكي يتحركوا فسارت بجواره إلى الداخل حتى وصلوا أمام إحدى الطاولات، جلست على مقعدها المقابل له وعيناها لا تحيد عنه للحظة تتمعنه بفضول محاولة تخمين سبب انزعاجه وتبدل مزاجه لكنه قطع لحظات تأملها فيه بصوته وهو أخيرًا يبتسم:
_ياترى ايه السبب الجميل اللي مخليكي سرحانة فيا كدا
لوت فمها بحيرة وقالت بثغر مبتسم:
_لا متشغلش بالك المهم أنت فكيت خلاص وبقيت فريش ولا لسا متعصب؟
هتف عز بكل ثبات وبرود محاولًا عدم التركيز على ملابسها التي تثير جنونه:
_مين قالك أني متعصب؟!
ضحكت راندا بخفة وقالت ساخرة:
_أنت كدا مش متعصب يعني أمال لما تكون متعصب هتبقى ازاي، احنا لينا سنين طويلة مع بعض ياعز بقينا اكتر من مجرد زمايل شغل، فأكيد هكون فاهمة كويس الفرق بين لما تكون متعصب ولما تكون عادي
ابتسم وظهرت في عينيه نظرة سبحت في بحر الذكريات ثم قال وهو يستعيدها ضاحكًا:
_ فاكرة كانت علاقتنا إزاي في البداية، كنت مش طايقك وكنت بعاملك معاملة حقيرة
قهقهت بقوة فور تذكرها لأحد المواقف بينهم وقالت بين ضحكها:
_عمري ما انسى اليوم اللي من كتر ما كنت متغاظة منك ومن طريقتك معايا قفلت عليك باب المقبرة قصد واتحججت بأني لسا جديدة في الشغل ومخدتش بالي، والحفارين اخدوا وقت طويل بيحاولوا يفتحوا الباب وأنت جوا
رمقها عز بغيظ شديد وهتف وهو يجز على أسنانه:
_انت احمدي ربك أني معرفتش أنك عملتي العملة دي قاصدة غير بعد ما بقت علاقتنا كويسة
تابعت ضحكها الشديد مجيبة عليه:
_مهو أنت كنت تستاهل الصراحة، ده أنت كنت غلس بشكل ووصل بيك الحال انك عايز تمشيني من الشغل وكنت بتسخن فارس عليا، بس الحقيقة أنا ندمت بعد العملة دي وخوفت ليحصلك حاجة في المقبرة والأكسجين كمان قليل جدًا فكنت بحاول اساعد الحفارين بكل الطرق
غمز لها وقال مداعبًا بضحكة رجولية:
_ياقطة خوفتي عليا يعني؟!
راندا برفض تام ونظرة باردة:
_لا طبعًا خوفت لـ البس مصيبة بسببك بس!!
رفع حاجبه بصدمة من ردها القاسي لكنه لم يتمكن من حجب ضحكته من الانطلاق في النهاية، مرت دقائق طويلة يتبادلون الأحاديث المرحة، ووسط كلامهم كانت عيني عز لا تغفل عن العيون التي لا تنزل عن راندا.. كانت النظرات لرجل هيئته وشكله ونظراته مريبة كان يأكلها أكل بعيناه التي رغب عز بالانقضاض عليهم وخلعهم من مكانهم لكنه تمالك أعصابه بصعوبة حتى لا يفسد ليلتهم ومزاجه مرة أخرى، أما راندا فتوقفت وأخبرته بأنها ستذهب للحمام.. هز رأسه لها بالموافقة وانطلق فورًا برأسه ونظراته إلى ذلك الشاب يراقب تصرفاته أثناء سيرها في اتجاه الحمام فوجد عيناه تراقبها في خطواتها، يبدو أنه كان ينوي اللحاق بها لكنه تجمد مكانه عندما انتبه لنظرات عز القاتلة له.. الذي استقام واقفًا وقاد خطواته المتحفزة نحوه وسط نظرات ذلك الشاب التي بدأت شرانية.
***
بالقاهرة بمنزل عائلة فارس تحديدًا بغرفة ماهر كان ممدًا على فراشه يتصفح مواقع التواصل على هاتفه، الذي فجأة صدح صوته رنينه في يده وأنارت الشاشة باسم المتصل &; سمر &;، حدق في اسمها للحظات باستغراب ثم أجاب ووضع الهاتف على أذنه:
_الو
تنحنحت بإحراج بسيط فور سماعها لصوته الرجولي وارتبكت ثم قالت برقة:
_احم.. ازيك ياماهر؟
ضيق عيناه بحيرة لكنه رد بكل سلاسة ولطف:
_أنا كويس الحمدلله ياسمر وأنتي عاملة إيه؟
أجابت باستحياء ووصوت أنثوي ناعم:
_أنا الصراحة مقدرتش انام غير لما اتصل اكلمك اتطمن عليك وكمان تفهمني موضوع البنت دي
ابتسم ماهر بود وقال في صوت رجولي رخيم:
_أنا الحمدلله كويس اطمني عليا، أما موضوع البنت دي.. موضوع كبير أوي ياسمر مش هتستوعبيه في التلفون وكمان اخاف عليكي احسن متعرفيش تنامي لو حكيتلك
قال عبارته الأخيرة مازحًا قاصدًا مداعبتها فردت معاتبة إياه برقة:
_بقى كدا بتتريق عليا ياماهر ؟!
قهقه بقوة وقال في لطف:
_لاوااله أبدًا أنا بهزر بس معاكي عشان تنسي القلق والخوف من الموضوع ده، عمومًا أنا جاي المستشفى بكرا نبقى نقعد مع بعض واحكيلك وافهمك
لمعت عيناها بفرحة حماسية فور سماعها لعبارته التي يخبرها بقدومه غدًا أيضًا فاجابت عليه:
_اوكي منتظراك
تنحنح ماهر في الهاتف برجولة وقال في صوت رخيم:
_متشكر ياسمر على سؤالك عليا واهتمامك
ابتسمت باستحياء وقالت برقة أنثوية:
_بتشكرني على ايه ياماهر مفيش الكلام ده ما بينا احنا مش عشرة يوم ولا يومين
هو رأسه مؤيدًا لعباراتها:
_فعلًا عندك حق
استكملت هي بهدوء:
_يلا تصبح على خير معلش بقى ازعجتك في الليل
أجاب بنبرة رجولية دافئة:
_ ازعاج إيه بس براحتك في أي وقت
ابتسمت خلف شاشة الهاتف دون أن يراها وردت بصوت رزين:
_يلا سلام بقى واشوفك بكرا أن شاء الله
_ أن شاء الله.. سلام
انزل الهاتف من فوق أذنه بعد سماعه لصوت صافرة اغلاق الاتصال التي بادرت هي بإنهائه وظل يحدق في شاشة الهاتف شاردًا، يفكر في اتصالها واطمئنانها عليه ثم انتقل منه متذكرًا كيف تعرف عليها في الجامعة أول مرة، كيف كانت مرحة ولطيفة تقدم له المساعدة دون حتى أن يطلبها، تعينه على المذاكرة وتشجعه حتى أنهم كانوا يقضون الساعات في حرم الجامعة بعد انتهاء محاضراتهم يتشاركون المذاكرة معًا كل منهم يساعد الآخر في فهم المعلومات المعقدة، حتى انتهت سنوات الجامعة كل منهم تفرق وذهب بطريقه المنفصل ليشق طريقه في مسيرته المهنية والحياتية، ويشاء القدر أن يجمعهم من جديد من خلال العمل معًا مجددًا بنفس المستشفى رغم أنه اصبح لديه عيادته الخاصة لكنه ظل متمسكًا بعمله في المستشفى لشدة حبه لذلك المكان.
ابتسم لا اراديًا وهو يتذكر تعبيرات وجهها وتصرفها العفوي بصباح اليوم عندما أخبرها عن تلك الفتاة وأنها ليست بشرًا ورأت بعينيها اختفائها في كاميرات المراقبة رغم وجودها بالمكان، وكيف تشبثت بذراعه في رعب كطفلة صغيرة تطلب الآمان من أبيها.. كانت دومًا تخشى الأشباح والتحدث عنهم ورغم تقدمهم في السن ومرورهم بظروف ومواقف وتجارب كثيرة من المفترض أن تغيرهم إلا أنها لم تتغير ومازالت كما هي تلك الفتاة الرقيقة والناعمة التي تعرف عليها في الجامعة.
***
داخل المقهى بعدما هب عز واقفًا واتجه نحو ذلك الشاب متأهبًا وثائرًا، فتوقف الشاب هو الآخر متأهبًا عندما رأى هيئة عز ونظراته القاتلة وهو متجه نحوه، وقف عز أمامه وهمس له بصوت رجولي مرعب لم يسمعه سواهم:
_عينك لو لمحتها بتحوم تاني في المكان حواليا مش هيحصلك طيب فاهم ولا افهمك بطريقتي
ابتسم الشاب بسخرية وقال في لهجة فظة وأسلوب سفيه:
_ابص في المكان اللي احب ابص فيه مش أنت اللي هتقولي ابص فين يابرنس، ولما أنت محموق عليها أوي كدا غطيها الأول، يعني لموا نسوانكم وبعدين ابقوا اتكلموا
لم يتحمل عز الأهانة في رجولته التي وجهها له ذلك الوغد، بعد كلماته الدنيئة مثله ودون أدنى تفكير كان يوجه له لكمة مميتة ابرحته ارضًا وبدأ صوت عز الجهوري والمرعب يرتفع في المكان وهو يشتم ذلك الشاب بالألفاظ التي يستحقها، حتى اشتد القتال بينهم وسط محاولات الناس للتفرقة وتهدئة الأمور.
أما راندا فقد خرجت من الحمام مهرولة عند سماعها لصوت الصياح والضجيج المرتفع التي يتضمن نبرة صوت عز التي تعرفها جيدًا، وبالفعل وجدته في منتصف القتال مع ذلك الشاب والناس تفرق بينهم، لجمت الصدمة لسانها وقدميها وهي تراه في هذه الحالة والثوران المرعب، رغم كل السنوات التي عاشرته فيها أثناء العمل لم تراه يفقد أعصابه ويتحول لذلك الشخص أبدًا، بالأخص وهي لا تفهم سبب دخوله في ذلك الشجار، لم تلبث لتفق من صدمتها حتى وجدت مدير المقهى يتجه في سيره السريع نحوهم ليوقف تلك المهزلة ثم انحنى على عز وحدثه بثبات وبالطبع لم تسمع ما قيل لكن يبدو أنه دعاه للقدوم معه إلى مكتبه ليتحدثوا، فهز عز رأسه موافقًا وكان قد هدأت ثورته فور رؤية المدير بالتأكيد لانه صديقه ويعرفه معرفة وطيدة، لكنه قبل أن يتحرك معه التفت برأسه للخلف بحثًا عنها فوجدها تقف بعيدًا تتابع الموقف بذهول، اتجه نحوها بخطوات سريعة جعلتها تنتفض بأرضها خوفًا من مظهره ونظراته النارية لها، فجأة وجدته يقبض على ذراعه ويجذبها معه بل يجرها بالمعنى الحرفي خلفه وهو هائج، لم تتفوه بكلمة واحدة واختفت شخصيتها القوية بل وتحولت لقطة بالمعنى الحرفي كما يصفها ويدلعها، كانت تسير معه دون ادني اعتراض رغم عدم استيعابها وتساؤلها ما الذنب التي اقترفته هي.
توقفا أمام باب مكتب المدير والتفت لها يقول بنظرة دبت الرعب في أوصالها وبلهجة آمرة هتف:
_هدخل اتكلم مع يوسف دقيقتين وطالع متتحركيش من هنا ياراندا فاهمة ولا لا
هزت رأسها بالموافقة دون أي اعتراض هي حتى لم تتجرأ حتى الآن لتسأله عن سبب افتعاله ذلك الشجار، ظلت مكانها بالخارج تنتظر خروجه لدقائق حتى خرج أخيرًا وكما فعل قبل قليل قبض على رسغها مجددًا وجذبها معه، الاختلاف الوحيد أنه تفوه بكلمة واحدة هنا وهي &; يلا &; ، وصلوا إلى السيارة ففتح لها باب المقعد واستقلت هي فيه بصمت فأغلق الباب خلفه بقوة ثم التف من الجهة الأخرى ليستقل بمقعده المخصص للقيادة وفور جلوسه بمقعده طفح بركانه وثارت عواصفه مرة أخرى فراح يصيح بعصبية وهو يشير لملابسها:
_اللبس ده متطلعيش بيه تاني ومن هنا ورايح تلبسي لبس محترم ومقفول وواسع
ولا اراديًا منه دون وعي لما يفعله من فرط غيرته وانفعاله مد يده إلى ملابسها ينوي أن يرفع كنزتها ليخفي صدرها مكملًا صياحه:
_وداري صدرك ده إيه اللي لبساه ده!!!
مالت للخلف بأسلوب دفاعي وراحت تضع كفيها على صدرها لتمعنه من لمسها وهي تنظر له بصدمة من هياجه وتصرفاته المريبة، فهتفت وصاحت له بغضب حقيقي يحمل نبرة العتاب ونظرة الخزي:
_عز إيه اللي بتعمله ده فوق لنفسك، وبعدين إيه البسي لبس محترم ده قصدك إيه بظبط، لما أنت يابشمهندس شايفني مش محترمة طالع معايا ليه حد غضبك ولا أنا طلبت منك تطلع معايا، أنت حتى من وقت ما طلعنا وأنت قالب وشك فيا، عمومًا أنا الغلطانة اني وافقت اطلع معاك اصلًا انا اللي آسفة ليك ولنفسي أني سمحت أنها تسمع كلام فارغ زي ده منك
أنهت عباراتها والتفتت خلفها تفتح الباب وتنزل من السيارة مندفعة نحو الطريق لتعود للمنزل بمفردها سواء سيرًا أو حتى بسيارة أجرة، لم تفكر في الطريقة من فرط غيظها فاندفعت للطريق دون تفكير، أما هو فنزل خلفها مسرعًا ولحق بها يجذبها من ذراعها ويهتف باستياء:
_خدي هنا رايحة فين، اركبي عشان اوصلك
دفعت يده بعيدًا عنها وصاحت به بشراسة:
_مش هركب معاك ولا عايزة منك حاجة اتفضل امشي وملكش دعوة بيا
اخذ نفسًا عميقًا وحاول تمالك أعصابه فهو يدرك جيدًا أن العناد لن يجدي بنفع مع شخصية أعند منه فقال لها بصوت هدأت حدته وانخفضت نبرته العالية:
_بلاش عناد ياراندا واركبي متلميش الناس علينا، مش هتروحي وحدك وأنا مش هسمحلك، يلا اركبي واوعدك ياستي مش هفتح بوقي معاكي لغاية ما نوصل خلاص.. يلا اركبي
نظرت له بسخط وتردد لكنها أجبرت على الموافقة لمعرفتها بأنها لن تجد أي سيارة تأخذها لمنزلها في ذلك الوقت المتأخر، فاتجهت عائدة نحو سيارته واستقلت بالمقعد الخلفي عمدًا حتى لا تكون بجواره، نظر هو لها في انعكاس المرآة وهز رأسه في غيظ ثم اطلق زفيرًا حارًا وانطلق بالسيارة عائدًا إلى منزلها.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل فارس تحديدًا بغرفة نومه، استيقظ من النوم وفتح عيناه بتكاثل وراح يتمطى فاردًا ذراعيه، والتفت بجواره فلم يجد ليلى استقام جالسًا وهب واقفًا لكن قبل أن يخطو خطوة واحدة سمع همس في أذنه لم يكن ذلك الهمس سوى لتلك الجنية أوار، تخبره بنبرة شيطانية:
_زوجتك تحضر لك وجبة أفطار شهية، ربما ستكون الأخيرة لكم
وبلحظة بعد توقف صوت أوار في أذنه سمع صراخ زوجته وهي تستنجد به، فهرول مفزوعًا إليها يركض في زعر ليجدها تصرخ وتبكي بألم وهي ممسكة بيدها الحمراء كالدم، أمسك بيدها لكنها صرخت بصوت أعلى وهي تأن باكية:
_الزيت السخن اتكب علي ايدي يافارس ااااااه
نظر لها بذهول وهو مازال لا يستوعب ما يحدث، لكن منظرها وهي تتألم هكذا انفطر له قلبه فأسرع نحو غرفة مكتبه ليجلب مرهم الحروق الذي كان يحتفظ به وعاد لها ثم اجلسها على المقعد وجلس على المقعد الآخر أمامها ومسك بيدها وبدأ بتوزيع المرهم على مكان الأصابع برفق شديد وهي تبكي بشدة من شدة الألم وعدم تحملها للمسة أصابعه على بشرتها المحترقة، بعدما انتهى مال عليها وقبلها من رأسها ثم ضمها لصدره في دفء وشعوره بالذنب يقتله أنه هو المتسبب في كل هذا حتى الأذى التي تتعرض له هو السبب فيه، رأى أمام عينه على مسافة بعيدة أوار تقف بهيئتها الشيطانية والفرعونية تنظر له وتبتسم بانتقام وخبث، نظراتها كانت تعده بالأبشع وكأنها تخبره بأن ذلك لم يكن سوى البداية، نظر لها بغيظ وهو يتوعد داخله أن يقضي عليها ويعيدها لسجنها الذي حررها منه، راح يمسح على ظهر زوجته ويهمس لها بحب:
_دقايق والألم هيهدي ياليلى، لو عايزة نروح المستشفى ياحبيبتي يلا بينا
هزت رأسها بالنفي وقالت في ضيق بصوتها المبحوح:
_لا هبقى كويسة، أنا بس ملحقتش اكمل الفطار عشان تفطر قبل ما تطلع على الموقع
ابعدها عنه ونظر في عينيها مبتسمًا بمداعبة وقال في غرام:
_فطار إيه بس دلوقتي يالؤلؤتي اهم حاجة أنتي كفاية اصطبحت على الوش القمر ده
ابتسمت له بخجل ثم صمتت للحظات تفكر بخبث وراحت تسأله مباشرة مازحة لكن نبرتها كانت تبدو شرسة:
_أنت في إيه بظبط يافارس ايه الحنية والدلع ده كله لتكون اتجوزت عليا من قبل ما نتطلق حتى
رفع حاجبه مندهشًا من ردها الغير متوقع ثم راح يمسح على وجهه وهو يضحك مغلوبًا ويجيب:
_يعني نبقى وحشين تقولي أنت مش بتحبني وبتخوني نبقى حلوين وحنينين وبندلع ونطبطب تقولي أنت اتجوزت عليا، عمومًا متخافيش ياست البنات أنا مقدرش اعمل كدا اصلا وبعدين أنا في إيه ولا إيه دلوقتي
قالت بغيظ بعدما انتشرت داخلها طاقة النكد الأنثوية:
_أنت في إيه ولا إيه!!!.. معنى الكلام ده إنك لو مكنتش في إيه ولا إيه كنت ممكن تعملها عادي صح
مال ثغره في ابتسامة جذابة وقال غامزًا بلؤم:
_وأنتي غيرانة ليه مش بتقوليلي دايما أنك مش عايزاني وعايزة تطلقي مني، إيه اللي يضايقك لو اتجوزت فعلا طالما مبتحبنيش
الحوار بدأ بمزاح بسيط منها لكنه أخذ منعطف جدي جعل النيران تتأجج في صدرها ويشتعل فتيل الشك في قلبها، فتقوست معالمها الناعمة وأصبحت حادة وساخطة بشدة لتهتف:
_فارس الكلام ده مفهوش هزار.. أنت بتتكلم جد؟
أدرك غيرتها الشديدة وانفعالها المحبب لقلبه فأكمل راغبًا في استفزازها والاستماع بغيرتها أكثر:
_لو بتكلم جد هتعملي إيه؟!
اتسعت حدقتي عيناها بصدمة وتحولت لجمرة من النيران المشتعلة فمدت يدها إلى رخام المطبخ الذى تقف بجواره والتقطت السكين لا اداريًا ورفعتها مباشرة أمام وجهه وراحت تطلق تحذيراتها القاتلة له:
_لو الكلام ده بجد هقتلك، أنا مقبلش بالخيانة أبدًا
نظر للسكين بدهشة فآخر ردة فعل كان يتوقعه منها أن ترفع السكين وتهدده بالقتل، &; ليلى &; تكره الكلمة نفسها ولا تتحمل سماعها فكيف نطقتها، عندما دقق النظر في السكين وجدها نفس السكين التي اعطتها &; أوار &; له بالأمس وهي تحاول سحره ليقتل نفسه، رفع نظره لوجه &; ليلى &; فرأى في عيناها نظرات مريبة شيطانية كلها شر لا تشبه طبيعتها الرقيقة والناعمة مطلقًا.
رفع يده ببطء وانزل يد زوجته بكل رفق وسألها بنظرة ترقب وصوت جاد:
_أنتي جبتي السكينة دي من فين ياليلى؟
إجابته بضيق مازال يستحوذها:
_لقيتها في المطبخ معرفش يمكن احنا كنا جايبنا من زمان وسيبناها هنا
أخذ نفسًا عميقًا وقد تبدلت تعبيراته بلحظة للقوة والجدية وهتف وهو يحاول جذب السكين من يدها بهدوء:
_طيب هاتي السكين دي ياحبيبتي
رفضت رفض قاطع وقالت بانزعاج وهي تبعد يدها عن قبضته:
_لا عايز تاخدها ليه عجبني شكلها حلو أنت عارف أنا بحب الخزف اللي ماخد الشكل الفرعوني
حدقها مندهشًا من تمسكها العجيب بها وحاول أخذها منها بحدة وغضب:
_ليلى اسمعي الكلام قولتلك ادهاني أنا محتاجها
أبت وأصرت على عدم اعطائها له وبينما كان ممسكا بيدها يحاول أخذها منها، وجدها تضغط بالسكين على يده دون وعي منها وجرحته، فانتفض هو مبتعدًا عنها بألم وهو يرمقها بصدمة وينظر لباطن يده التي بدأت تنزف الدماء، أما &; ليلى &; فحدقت بزوجها في ذهول وأدركت ما فعلته بعينان جاحظة لتلقي السكين من يدها بزعر محاولة استيعاب كيف فعلت وجرحته.
أما فارس فلم يكن هناك وقت بالنسبة له للاندهاش الآن حيث انحنى على الأرض بسرعة والتقط السكين واسرع ووضعها بحوض المياه وفتح صنبور المياه حتى يغسلها من الدماء فهو لا يدري ربما وجود دمائه على تلك السكين يمثل خطر على حياته فكان الاحتياط كان واجب عليه بتلك اللحظة، وغسل يده بالماء كذلك رغم أنها لا تتوقف عن ذرف الدماء، ليجد &; ليلى &; تقف خلفه تهتف بصوت مرتجف مثل يدها التي تمدها له بالمعقم والشاش:
_هات ايدك يافارس
نظر لها فرأى الدموع في عيناها وشفتها ترتجف من الخوف والصدمة، دون أي اعتراض مد يده لها يتركها تضمد جرحه بيدها المرتعشة ودموعها التي تنساب بغزارة على وجنتيها، سحب يدها بعدما انتهت من تضميد الجرح وقال بحنو:
_ممكن متعيطيش!
دفنت وجهها بين راحتي كفيها وانهارت في البكاء وهي تجيبه:
_أنا معرفش جرحتك ازاي مش عارفة إيه اللي حصلي، أنا مش كويسة يافارس!
اقترب منها وضمها لصدره محاولًا تهدأتها بصوتها الرجولي الرحيم والمحب:
_ايه الكلام اللي بتقوليه ده، أولا ده جرح بسيط ثانيًا أنتي مكنش قصدك طبعا وأنا كنت ماسك السكينة غلط وهي حادة فطبيعي تجرحني، بلاش بقى الكلام البايخ ده ياليلى حصل خير ياحبيبتي أنا كويس الحمدلله
ابتعدت عنه ونظرت في وجهه بابتسامة دافئة كلها غرام ثم مالت عليه وطبعت قبلة حارة على وجنته بجانب ثغره وهي تهمس معتذرة له برقة:
_أنا آسفة ياحبيبي
مال ثغر فارس وافسح الطريق لابتسامة عريضة شقت طريقها على وجهه وراح يغازلها بمرح ليمحو تلك الطاقة الشيطانية التي سيطرت عليهم منذ الصباح:
_ايوة كدا هو ده الكلام الحلو، ولا يهمك ياقلب حبيبك عوريني كل يوم فداكي دمي كله
ضحكت بخفة وراحت تلكزه في صدره بدلع هامسة:
_بلاش رخامة بقى
انحنى عليها وطبع قبلة دافئة فوق رأسها وقال مبتسمًا لكن بنبرة جادة نابعة من قلقه وخوفه من أن يتركها بمفردها:
_أنا هروح البس وأروح الموقع عشان متأخرش.. إيه رأيك تيجي معايا بدل ما تقعدي وحدك اليوم كله
هزت رأسها بالنفي وقالت رافضة بعدم حماس:
_لا تعبانة النهاردة ومرهقة شوية خليني في البيت احسن مش حابة اروح
رغم أنه يصعب عليه بشدة تركها بمفردها خصوصًا بعد ما حدث للتو ، فالوضع يزداد خطورة وسوءًا مع الوقت أكثر، لكنه استسلم لرفضها ولم يضغط عليها واكتفى بأنه وجه له تعليماته الصارمة باهتمام وخوف حقيقي:
_طيب خلي بالك على نفسك وتلفونك يفضل دائما جمبك عشان لما اتصل بيكي اطمن عليكي تردي علطول
لماذا له بالموافقة في ابتسامة لطيفة فبادلها إياها هو ومد يده خلسة إلى الحوض ليلتقط السكين وأخذها دون أن تنتبه له وعاد إلى غرفته ليستعد ويرتدي ملابسه ويذهب للعمل.
***
وصل فارس إلى موقع العمل فتوقف بسيارته أمام النقطة التي ظهرت بها تلك المقبرة الملعونة والتفت برأسه على المقعد المجاور له ينظر إلى السكين بغيظ وعينان تنضج بالوعيد والشر فالتقطها وخرج من السيارة ثم تقدم بخطواته إلى نفس النقطة، وقف فوقها بالضبط وانحنى ثم ألقى بالسكين على الأرض وقام بإخراج ولاعته الصغيرة وقام بإشعال النار في السكين، انتصب واقفًا يحدق في السكين وهي تشتعل ويبتسم بوعيد هامسًا بصوت مسموع:
_هكون أنا سجّانك المرة دي يا أوار
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق
انتصب واقفًا يحدق في السكين وهي تشتعل ويبتسم بوعيد هامسًا بصوت مسموع:
_هكون أنا سجّانك المرة دي يا أوار
تلفت حوله وخلفه فورًا عندما جائه الرد منها في أذنه تهمس بنبرة شيطانية كلها شر:
_ما رأيك يافارس أن ترى بنفسك من بيننا يستطيع سجن الآخر
حاول الحركة من مكانه لكن قدماه تشنجت وتصلب بأرضه، وبلمح البصر وجد نفسه داخل المقبرة الملعونة للمرة الثانية لكن هذه المرة تقف أوار في مواجهته مباشرة مرتدية زيها الفرعوني المهيب وطوق ذهبي فرعوني يزين رأسها يحمل خرزة سوداء بالمنتصف ويتدلى من الجانبين عقود طويلة منقوشة بحروف فرعونية مريبة تشبه الطلاسم ليست الحروف الهروغليفية المعتادة، وحول عينيها الحمراء سواد مرعب ووجهها الشاحب كله ممتلئ بتلك الطلاسم الفرعونية، ثغرها يزينه ابتسامة مرعبة تنضج بالشر وهي تهمس له مع خطواتها التي تقترب منه:
_بإمكاني تركك هنا مسجون حتى تلفظ آخر أنفاسك
ابتسم لها بخبث بعدما رأى الإضاءة الخافتة جدًا في المقبرة وقال بثبات دون أي خوف:
_بس انتي مجبتنيش هنا عشان تسبيني أموت أنتي محتجاني ومتقدريش تأذيني، أنتي جبتيني هنا عشان نقطة ضعفك النور والضلمة بتديكي القوة
اختفت ابتسامتها واشتعلت نظراتها بوهيج مخيف وظهر صوتها خشن وشيطاني لا يشبه الصوت الأنثوي التي كانت تتحدث به للتو:
_لست بحاجة لك بل أنت الذي بحاجتي، أن لم تُسلم لي روحك طوعًا سأسلب روح كل من تكترث لأمرهم وفي مقدمتهم زوجتك الحبيبة
ظل فارس محافظًا على ابتسامته المتحدية والقوية غير متأثرًا بتهديداتها، ثم بدأ لسانه يلفظ آيات قرآنية بصوت مرتفع أمامها فاحتفت من أمامه فورًا ووجد نفسه عاد لموقعه حيث كان يقف قبل أن تأخذه للمقبرة، أخذ نفسًا عميقًا ثم التفت بجسده وعاد إلى سيارته، استقل بمقعده وأخرج هاتفه يجري اتصال بزوجته ليطمئن عليها.
أجابته ليلى بعد ثلاث رنات بصوت رقيق:
_الو يافارس
وصلها صوته الجاد والمهتم بسؤاله مباشرة:
_عاملة إيه يا ليلى أنتي كويسة؟
غضنت حاجبيها باستغراب من سؤاله المريب وقالت:
_كويسة الحمدلله، أنت متصل عشان كدا بس؟
فارس بكل صراحة ووضوح:
_آه بطمن عليكي ياحبيبتي، ابقي شغلي قرآن في البيت عشان متتخنقيش من القعدة وحدك لغاية ما آجي
هزت رأسها بالموافقة وردت بانصياع له:
_حاضر هشغل.. ابقى خد بالك من نفسك
أجاب بهدوء:
_ أن شاء الله.. وأنتي كمان
ودعته وأنهت الاتصال وراحت تحدق في شاشة الهاتف بتفكير عميق متعجبة من أسلوبه المثير للشكوك ونبرته القلقة، حتى طلبه المريب فهذه أول مرة منذ زواجهم يطلب منها تشغيل القرآن في غيابه، لكنها لم تكترث كثيرًا بأمره وتنشغل بالتفكير في طلبه حيث تركت الهاتف وذهبت للمطبخ مسرعة لتكمل تحضير طعامها وتطمئن على الطعام الذي وضعته فوق النيران ليستوي.
***
بمنطقة العمل الخاصة بالآثار، كان العمال يبشارون بالحفر في منطقة مختلفة عن السابقة ليستخرجوا آثار فرعونية أخرى.. بينما عز فكان حاليًا على مقعده الخشبي بالقرب من العمال وبيده فنجان قهوته الصباحي وعيناه عالقة على راندا التي تتجاهله تمامًا وتتجنب الالتقاء به أو البقاء بالقرب منه حتى، كانت تقف بجوار العمال وتُملي عليهم تعليمات ترشدهم بها نحو المكان الصحيح حتى لا يحيدوا عنه أثناء الحفر.
حاول هو الحفاظ على ثباته الانفعالي وجموده واستمراره في مراقبتها فقط دون أي ردة فعل منه أو محاولة لتلطيف الأجواء بينهم ومصالحتها لكنه فشل بكل سهولة وهب واقفًا متأهبًا بعدما انتهى من قهوته وتقدم بخطواته نحوها حتى وقف بجوارها تمامًا شبه ملتصق بها وهمس بالقرب من أذنها بنبرة مرحة:
_وآخرة الزعل والتجاهل ده إيه يابشمهندسة؟!
رمقته راندا بطرف عيناه في برود وقالت:
_مين قالك أني بتجاهلك أنا بشوف شغلي، مش فاضية يعني!
عز بابتسامة ماكرة ولهجة قوية:
_لا انتي مبتشوفيش شغلك لأن مفيش حاجة مستاهلة تقفي عليها الحفارين عارفين شغلهم كويس أوي ومش محتاجين توجيه منينا في الحفر بذات، أنتي بس اللي بتتهربي وواقفة معاهم عشان مش عايزة تقعدي جمبي
هتفت راندا بغيظ بعدما واجهها بالحقيقة ولم يترك لها مخرج أو حجة:
_طيب ياعز أنا مش عايز اقعد جمبك فيها حاجة دي!!
تقوست تعبيرات وجهه للجدية وقال بضيق منها:
_لا فيها وفيها كمان، أنتي عارفة كويس أنا اتصرفت كدا ليه امبارح
صاحت به منفعلة:
_ لا أنا مش عارفة حاجة وحتى لو عارفة هل اللي أنت عملته ده طبيعي!!.. أنت واضح أنك مكنتش حاسس بنفسك ولا شايف نفسك عملت إيه ولا قولت إيه ياعز
ظهرت نبرته الرجولية الغليظة الممزوجة بغيرته الحقيقية:
_المفروض اضحك يعني لما تكوني معايا والاقي الرجالة عينها مش بتتشال من عليكي وأنتي لابسة لبس مكشوف
صرخت به بعصبية هادرة:
_دي حاجة متخصكش البس إيه ولا ملبسش إيه أنت مالك ان شاء الله اطلع عريانة
خرجت صيحة هائجة منه واحتدمت نظراته بالحدة بعد كلمتها الأخيرة:
_رانــــدا فوقي للي بتقوليه
لم تكترث لصياحه بها ولا نظراته حتى بل مالت عليه بكل عدم مبالاة وثبات وقالت بنظرة متحدية متعمدة إثارة جنونه أكثر:
_ملكش دعوة بيا اعمل اللي أنا عايزاه
بتلك اللحظة كان فارس قد وصل وسمع صوته صياحهم وشجارهم من على بعد مسافة منهم حتى أنه رأى أن جميع من ب الموقع يقف يشاهد شجارهم بتعجب ووجوههم تطرح الكثير من الأسئلة، فاتجه فارس مسرعًا ووقف بجوار عز ينظر لراندا ولصديقه باستغراب ويسألهم بحزم:
_مالكم في إيه.. بتتخانقوا ليه إيه اللي حصل لكل ده؟!
نظرت راندا لفارس وقالت بقوة:
_مفيش حاجة يافارس مشكلة كدا بسيطة وصاحبك فهمني اعتقد خلاص
كان عز ينظر لها وهو يجز على أسنانه مغتاظًا، أما هي فقد تركتهم وابتعدت لينظر فارس لصديقه باهتمام وجدية يسأله:
_إيه ياعز مالكم فرجتوا عليكم الموقع كله
التفت عز حوله فوجد الجميع يحدق به بتدقيق استفزه فوجد نفسه لا إراديًا يصيح بالعمال منفعلًا:
_كل واحد يشوف شغله
اخفضوا رؤوسهم فورًا واكملوا عملهم، أما فارس فقد سحب عز من ذراعه واتجهوا إلى مقاعدهم وجلسوا ثم بدأ هو وأردف:
_قولي بقى إيه اللي حصل ؟
أطلق عز زفيرًا حارًا ثم بدأ يسرد لفارس أحداث الأمس وكيف انتهت، فرأى الابتسامة الخبيثة تزين ثغر فارس الذي قال بعد انتهائه:
_لما أنت كنت غيران أوي كدا عليها وبتحبها ما تقولها ياعم وريح نفسك
عز بنظرة صارمة وصوت غليظ:
_مش هينفع دلوقتي في حاجة الأول شاكك فيها لازم اتأكد منها
سأل فارس بفضول:
_حاجة إيه دي ؟!
عز باهتمام حقيقي ونظرات مفعمة بالحزم والجدية:
_سيبك مني دلوقتي وقولي عملت إيه وصلت لحاجة جديدة ولا لا ؟
سرد له فارس آخر الأحداث نهاية بما حدث قبل قليل وانهى سرده وهو يقول بخوف بسيط:
_هددتني أنا هتأذي كل اللي حواليا وأولهم ليلى لو مقدمتلهاش روحي
كانت عيناه عز جاحظة من الصدمة وراح يسأله بعدم فهم وقلق:
_وهي عايزة روحك ليه أصلًا ؟
أجاب فارس بحيرة وجهل:
_مهو ده اللي أنا مش فاهمه ولما هي عايزة روحي كدا ليه محاولتش تأذيني ليه لازم أنا اللي اعمل كدا
ابتسم عز بعيان لامعة وقال في نبرة ثقة:
_واضح أنها متقدرش تأذيك اللي خلاها تهددك بأذية كل أحبابك، مأذتكش أنت ليه ألا لو كان هي متقدرش تقربلك
مط فارس شفتيه بجهل وقال في نظرات متحدية:
_جايز برضوا، عمومًا أنا بحاول اكلم دكتور مدحت عالم الآثار القديم ده راجل موسوعة في التاريخ وفي اسرار العالم ده، يرد عليا بس وهروح أقابله فورًا وهو اكيد هيساعدني ويفهمني كل حاجة
قال عز بثبات دون تردد:
_تمام أول ما تاخد منه معاد قولي عشان هاجي معاك
اماء فارس رأسه بالموافقة دون كلام وبقى ساكنًا يحدق في اللاشئ بشرود يفكر كيف سيتصرف وكيف سيحمي زوجته من الأذى.
***
داخل منزل فارس تحديدًا بالمطبخ حيث كانت ليلى تقوم بتحضير الطعام وشاردة الذهن تفكر في علاقتها بزوجها كيف تحسنت بهذه السرعة، وحتى هو تبدل معاها تمامًا وعاد لطبيعته الحنونة التي اعتادت عليها حتى من قبل زواجهم، ربما يشغلها التفكير والفضول حول السبب لكن ذلك لا ينفي حقيقة سعادتها المطلقة، فهي مهما حاولت إقناع ذاتها أنها لا تريده وتكرهه كان الفشل يلاحقها بكل مرة وتكتشف أنها تحبه أكثر وأكثر.
وسط شرودها وابتسامتها المغرمة اقتحم أذنها همس غريب يقول بنبرة مرعبة:
_ليلى
التفتت خلفها مفزوعة وعيناها تدور حولها بارتيعاد تتساءل من أين سمعت ذلك الهمس في أذنها ولا يوجد غيرها بالمنزل، عندما ازدادت نبضات قلبها حاولت تهدئة نفسها معللة ذلك بأنه تهيؤات، وعادت تكمل تحضير الطعام ومازالت علامات الفزع تحتل ملامحها الرقيقة، ليأتيها الصوت مرة ثانية وهذه المرة يقول بنبرة لمست فيها المكر:
_لا تفتحي الباب للطارق
ولم تلبث لحظة واحدة من سماعها ذلك الصوت المجهول في أذنها حتى سمعت صوت طرق الباب، هنا ظهرت علامات الذهول والهلع الحقيقي على محياها فتسمرت بأرضها مرتعدة لا تقوى على الحركة، وصوت طرق الباب لا يتوقف بل يصبح اقوي واعنف كلما تتأخر عن الرد، ربطت على قلبها برباط الشجاعة المزيف وتحركت بخطوات متعثرة نحو الباب بعدما أصبح صوت الطرق مزعج، وقفت خلف الباب وخرج صوتها المضطرب تسأل:
_ مين ؟
انتظرت ثواني بعد سؤالها منتظرة الرد لكن صوت نبضات قلبها المرتعدة وانفاسها المتسارعة كانت هي فقط المسموعة، مدت يدها المرتجفة إلي الباب لتفتح وتكتشف بنفسها من ذلك الطارق المجهول وكأنها تريد إثبات أن كل ما يحدث ماهو إلا عبث وتهيؤات لا وجود لها في الحقيقة، لكن الصدمة كانت أنها لم تجد أحد وقابلت الفراغ تمامًا، فخرجت مفزوعة خارج المنزل تبحث بنظراتها عن الطارق تتفقد الدرج وهي تصيح بصوت مرتجف:
_!!مين اللي كان بيخبط ؟
المزيد من الصمت المرعب الذي لا تسمع سواه، بتلك اللحظة أدركت أن شيىًا مريبًا يحدث معها وزاد خوفها أضعافًا، فاستدارت بسرعة وبمجرد دخولها المنزل مرة أخرى وجذبت الباب لتغلقه ظهر من خلفه شخص لم يكن مجهول لها أبدًا لكنه لم يعد في عالمنا.. يبتسم لها بشر ويهمس:
_ مش قولتلك متفتحيش الباب ياليلى!
اتسعت مقلتي عيناها بذهول ولا ادرايًا انطلقت صرخاتها العالية، فارتدت للخلف مبتعدة وهي تخفي وجهها بكفيها وتصرخ من فرط الرعب وتنتفض بقوة، لحظات معدودة وعندما كشفت وجهها ونظرت أمامها لم تجد أحد، فـ انسابت دموعها بغزارة على وجنتيها وأغلقت الباب بسرعة وركضت إلى الصالون تجلس على الأريكة تدفن وجهها بين كفيها تبكي بشدة وهي تنتفض بعنف، استمرت على هذا الحال دقائق طويلة حتى رفعت رأسها والتقطت هاتفها بيدها المرتعشة وأجرت اتصال بزوجها ونظراتها تتجول حولها برعب خوفًا من ظهور ذلك الشبح مجددًا، أجابها فارس بصوت هادئ :
_الو يا ليلى
ردت عليه بانهيار وسط بكائها:
_ أنا شوفت خالد يافارس
هتف فارس بعدم فهم محاولًا استيعاب ما تقوله:
_اهدي بس ياحبيبتي قوليلى انتي كويسة ولا لا ومين خالد ده ؟
كانت تجيبه بصوتها المبحوح من فرط البكاء:
_خالد اللي كان خطيبي يافارس
ظهر القلق على محياه بعد كلماتها، فذلك الرجل ميت منذ سنوات قبل زواجهم حتى، أخذ نفسًا عميقًا وحاول أخراجه ثابتًا ومستقرًا حتى لا يخيفها أكثر وقال:
_ طيب اهدي ياليلى وأنا جايلك دلوقتي
هتفت وهي تتوسله ببكاء وعيناها تدور حولها بارتيعاد:
_بسرعة يافارس أنا خايفة أوي
_حاضر مش هتأخر متخافيش مسافة السكة بس
أنهت الاتصال معه واستقامت واقفة وهرولت إلى التلفاز تفتحه على قناة القرآن الكريم وجلست بجواره وهي تفرك يديها ببعضهم في انتظار وصول زوجها، تلتقط شهيق طويل وتخرجه زفيرًا متهملًا في محاولة منها لتهدئة روعها والحفاظ على ثباتها بقدر الإمكان.
***
بالقاهرة داخل المستشفى&;.
كان ماهر يسير باتجاه غرفته الخاصة ويرد تحية الصباح على كل من يوجهها له من الممرضين والأطباء الزملاء، حتى وصل غرفته ودخل فنزع عنه سترته وعلقها ثم التقط البالطو الطبي خاصته وارتداه وجلس على مقعد مكتبه وبدأ يراجع حالات المرضى، مر ما يقارب من النصف ساعة وهو منشغل بمراجعة حالة كل مريض ونوع مرضه حتى عصفت بذهنه صورة سمر فشرد متذكرًا مكالمتهم بالأمس واتفاقهم بالالتقاء اليوم، أخذ نفسًا عميقًا وعاد بظهره للخلف على مقعده الدوار يفكر ويطرح الأسئلة هل يذهب لها أم يبقي حيث هو فربما تكون منشغلة ويزعجها ؟.. استمر تردده لدقائق طويل حتى عقد النية وحسم قراره، ثم استقام واقفًا وغادر غرفته متجهًا إلى غرفتها، وقف أمام الباب وطرقه بهدوء مرتين لكن لم يحصل على الرد وكرر الثالثة لكن نفس الرد ففتح الباب ببطء وأدخل رأسه فلم يجدها بالداخل، فتح الباب على آخره ودخل وعلقت عيناه على محتويات سطح مكتبها، لم يلبث لحظات حتى سمع صوتها من خلفها وهي تدخل غرفتها وتهتف مازحة:
_مش عيب برضوا تتعدي على خصوصية دكتور زميل يادكتور
التفت لها مبتسمًا وقال بود جميل :
_صباح الخير يادكتورة
أجابت سمر برقة تليق بها وابتسامتها مازالت تزين ثغرها:
_صباح النور تعرف أنا كنت لسا هجيلك بس أنت سبقتني
قال بلهجة مازحة لكنها تضمر معاني مختلفة:
_مش كل مرة هتبقى عليكي لازم مرة تبقى علينا كمان
حدقته بطرف عيناها مبتسمة في نعومة ثم جلست على مقعد حديدي مبطن أمام مكتبها وطلبت من ماهر الجلوس على المقعد المقابل لها، ففعل بهدوء تام وجلس فراحت هي تسأله بفضول شديد وعين تلمع من الحماس:
_ احكيلي بقى إيه الموضوع؟
انطلقت ضحكته الرجولية عالية على عفويتها وفضولها الشديد الأشبه بفضول طفل يسعي لكشف المجهول، ليجدها تضيق عيناها بتعجب من ضحكه وتسأله وهي تبتسم لا إراديًا على ضحكه:
_ !بتضحك ليه ياماهر؟
هز رأسه بالنفي وقال في رزانة رجولية وهو مازال محتفظ بابتسامته:
_لا ولا حاجة ، المهم أنتي متأكدة إنك عايزة تعرفي؟
اماءت له بالإيجاب في ثقة وتشويق فتنهد هو الصعداء ومال بجزعه للأمام وبدأ يسرد لها قصة فارس كاملة وهي تستمتع له بأعين جاحظة من فرط الذهول وفور انتهائه أول سؤال طرحته كان نابع من ارتيعادها الداخلي:
_يعني اللي أنا كشفت عليها دي كانت الجنية اللي خرجها أخوك من المقبرة !
أجاب ماهر بأسف وجدية:
_ للأسف أيوة ، هي كانت قاصدة تظهرلي أنا عشان تخوفني وتخليني اوقف فارس
شردت نظرات سمر في الفراغ وتعبيرات الصدمة بادية على وجهها، لم يكن الذهول فقط هو زائر وجهها بل الرعب اعتلى قمة المشاعر، أما ماهر فـ بكل حكمة وذكاء مد يده وقبض على كفها الأنثوي الناعم وهمس لها بثقة:
_متخافيش ياسمر مفيش حاجة هتقدر تأذيكي والموضوع ملوش أي علاقة بيكي
طالعته بعين كلها اهتمام وحب صادق:
_أنا مش خايفة على نفسي أنا خايفة عليك ياماهر، ممكن تأذيك أنت وأخوك لو الموضوع زي ما أنت حكتلي فده شر كبير أوي ومنقدرش نستهون بيه
ابتسم لها بثبات وقال في صوت رجولي رخيم:
_وماهم بضارين به من أحد إلا بإذن الله
أخذت سمر نفسًا عميقًا وقالت بإيمان وراحة بسيطة:
_ونعم بالله، فعلًا كله بإذن الله.. طيب أنت هتعمل ايه دلوقتي وفارس هيعمل إيه ؟
هتف ماهر بقلق ونبرة حاسمة:
_معرفش انا مكلمتش فارس تاني، بس أنا بفكر اسافر بكرا واروحله مش عايز اسيبه وحده قلقان عليه بس مش عارف هقول لماما وبابا إيه
أجابت فورًا دون تردد:
_قولهم مسافر مؤتمر تبع الشغل ياماهر وسافر متسيبش اخوك وحده في موقف زي ده
هز رأسه لها بالموافقة وهو مؤيد لفكرتها ومقتنع بحجتها القوية التي اقترحتها عليه ليخبر بها والديه دون أن يقلقهم على أخيه وزوجته، أما هي فظلت ساكنة للحظات طويلة تفكر بحيرة حتى جزمت قرارها وقالت له:
_أنا عايزة آجي معاك ممكن اقدر اساعدكم لأني عندي خالي عالم آثار كبير وقديم جدًا أكيد هيعرف يحل اللغز ده ويساعد اخوك فأنه يتخلص من الجنية دي
لمعت عين ماهر بفرحة وأمل لكن اختفت لمعة عيناه عندما فكر في الأمر من جهة الآمن وقال برفض قاطع:
_لا مينفعش ياسمر أنا مقدرش ادخلك في الموضوع ده مش آمان ليكي وأنا مقدرش احطك في وضع ممكن يأذيكي
حاولت إقناعه وفتحت فمها لتتحدث لكنه اسكتها بنبرته الحازمة:
_أنتي ممكن بس تديني عنوان خالك ورقمه واحنا هنتواصل معاه
تنفست الصعداء بقلة حيلة وقالت مبتسمة وهي تجرب فرصتها ثانية بنظرة كلها ثقة وآمان:
_أنت قلقان عليا ليه ما أنا هكون معاك مش هيحصلي حاجة يادكتور متقلقش، أنا هاجي معاك أنا حابة اقف جمبك
مال ثغره الجانب مبتسمًا بخبث على عبارتها الأخيرة وراح يسألها بنظرة تضمر خلفها ألف معنى:
_ليه حابة تقفي جمبي ؟
فهمت من نظرته إلى ما يرمي إليه فخجلت قليلًا لكنها تماسكت وأجابته مازحة لتضفي جو مختلف وتخفي توترها:
_عشان الصديق وقت الضيق
قهقه عاليًا بقوة على عبارتها التي هي عبارة عن مثل شعبي مشهور، قالته لتدس داخله حقيقة مشاعرها تجاهه التي تحاول إخفائها وهو يعرفها جيدًا، أما هي فتابعته وهو يضحك مبتسمة على ضحكته الجذابة.
***
وصل فارس لمنزله وفتح الباب متلهفًا ودخل بسرعة وهو يصيح مناديًا على زوجته بارتيعاد:
_ليلى أنتي فين أنا جيت
انتفضت هي واقفة بلهفة فور سماعها صوته الذي كان كطوق نجاة أرسله الله لها لينقذها من الموت، كان صوته وحده قوقعة آمان، ركضت نحوه مسرعة وارتمت بين ذراعيه تبكي بحرقة فضمها هو بشدة واحتواها بذراعيه هامسًا لها بصوت دافئ:
_اهدى ياحبيبتي خلاص أنا جيت أهو وجمبك متخافيش
راحت تتحدث بصوت متقطع من شدة بكائها تسرد له ما حدث بخوف:
_كان في حد بيهمس في ودني يافارس باسمي وبيقولي متفتحيش الباب ولما فتحت الباب ودخلت شوفته وكان شكله مرعب أوي ومشوه
ظل يمسح على ظهرها بحنو ليهدأ من روعها لكنه رأى أمامه &; أوار &; تقف بهيئتها الحقيقة المرعبة وهي تنظر له مبتسمة بشر وعينان تلمع بمتعة الأذى ثم رفعت أصابعها السوداء وباظافرها الطويلة وجهتها تجاه رأس ليلى وحركت أصبعها بطريقة مريبة ثم ضمته إلى بقية أصابعها وأغلقت كفها بقوة فانطلقت صرخات ليلى الهستيريا بين ذراعيه فجأة.
صابه الهلع وحدق بزوجته في ذهول ثم راح يحدق في أوار تارة بغضب وتارة إلى زوجته بقلق وهي تصرخ بكل قوتها وتتأوه، حتى سقطت على الأرض وصارت تنتفض بعنف فجلس على الأرض مفزوعًا وضمها لصدره يحاول إيقاف انتفاض جسدها وأمام عيناه تقف &; أوار &; تراقب حالة ليلى بسعادة شيطانية وابتسامة مرعبة ثم همست له بصوتها الشيطاني:
_ هل مازالت تكابر وترفض تقديم روحك لي يافارس
حدقها فارس بنظرة كلها وعيد ثم بدأ يسرد ما يحفظه من القرآن الكريم وهو ضامم زوجته التي هدأت انتفاضة جسدها بعد قرآته للقرآن، أما &; أوار &; فقد رمقته بغضب واختفت من أمامه، اهبط نظره إلى &; ليلى &; فوجدها لا حول لها ولا قوة بين ذراعيه فاقدة وعيها هز رأسها بخوف وصاح:
_ليلى فوقي انتي كويسة .. ليلى ردي عليا
رآها ترمش بجفونها تحاول فتح عيناها لكنها لا تقوي فتنهد الصعداء براحة واستقام واقفًا حاملًا إياها بين ذراعيه متجهًا بها نحو غرفتهم، دخل ووضعها على الفراش برفق ثم جلس بجوارها ومد كفه يمسح على شعرها بحب ثم انحنى عليها يطبع قبلة حانية على جبهتها وعيناه قد لمعت بالدموع، شعوره بالعجز والضعف يمزقه.. هو حتى لا يستطيع حمايتها من شر &; أوار &; .. صراخها كان يقتله بالبطئ وجسده هو يتألم مع كل صرخة تخرج منها.. ليتها تحاول أذيته هو بدلًا من زوجته، رفع رأسه للأعلى وانهمرت عباراته على وجنتيه وهو يهمس &; يــــارب &; .
اخرج هاتفه وقام بتشغيل القرآن الكريم ووضعه على المنضدة بجوار فراشهم ثم تمدد بجوارها وضمها لصدره بقوة كأنه يحاول حمايتها بأبسط الطرق أن يبقيها داخل أحضانه حتى لا تستطيع تلك الشيطانة أذيتها، وشفتيه ملتصقة بجبهتها توزع القبلات عليها حتى سمع همسها الضعيف باسمه، فانتبه له متلهفًا وأجابها:
_ليلى
أبعدت رأسها عن صدره ورفعت عيناها تنظر لوجهه وتسأله بتيهان:
_هو إيه اللي حصلي؟!!
ابتسم لها ابتسامة منطفئة حتى يطمئنها وقال بخفوت:
_ولا حاجة ياحبيبتي تعبتي شوية بس وأنا جبتك الاوضة عشان ترتاحي
سألته للمرة الثانية باستغراب:
_طيب أنت واخدني في حضنك جامد أوي كدا ليه
قرر أن يضفي روحًا مرحة وعاطفية على تلك الأجواء المرعبة وهتف:
_ولا حاجة وحشتيني بس شوية فقولت اخدك في حضني
ضحكت بصمت وغرام لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها وتبدلت تعبيراتها للرعب فور تذكرها ما حدث معها قبل وصوله وقالت له بارتياع:
_هو اللي أنا شفته ده خالد بجد يافارس؟ ولو هو فعلا ليه يظهرلي وعايز مني إيه!
مد أنامله وراح يعبث في خصلات شعرها بكل حنان ويهمس:
_مفيش الكلام ده ياحبيبتي، أنتي اعصابك تعبانة وأكيد أتخيلك حاجة زي كدا، وأنتي قولتي بنفسك هيظهرلك ليه وأنا على حد علمي أنه كان واحد كويس جدًا معاكي قبل ما يتوفى
حدقت في فارس باصرار وقد حسمت قرارها على كشف ما يخفيه عنها، فهناك أمر خطير لا تعلمه وهو يخفيه عنها وكلما تخبره عن الاشياء المرعبة التي تحدث لها يحاول الهائها بكلمة واحدة أنه يتهيأ لها كل هذه الأشياء وكأنها مجنونة وتعاني من هلاوس لا معنى لها.
***
بمكان آخر تمامًا داخل أحد المعابد المشهورة في الأقصر كان &; عز &; داخل مقبرة لأحد الملوك الفرعونية المشهورة يقوم بعمله وببعض أبحاثه الخاصة على ذلك الملك وبينما كان منشغل وتركيزه كله منصب على ترجمة النقوش الفرعونية التي على الحائط، انتفض فزعًا على إثر غلق باب المقبرة الحجري، كان بابا صغيرًا وضيقًا ليستطيع دخول المقبرة من خلاله يتوجب عليه الانحناء بنصف جسده وذلك الباب الصغير هو المنفذ الوحيد لدخول الأكسجين.
اسرع نحو الباب بقلق وحاول رفعه وفتحه لكن ذلك مستحيلًا فهو لا يفتح سوى من الخارج، تصلب مكانه واتسعت عيناه بذهول عند سماعه لصوت ضحكة أنثوية مرعبة خلفه، فاستدار بجسده ببطء لتقع عيناه على جنية مرتدية زي زفاف فرعوني اسود وعلى رأسها طرحة عروس من نفس اللون وتتحرك بخطوات بطيئة في حركة دائرية حوله وهي تضحك بصوت يشيب الرأس، كانت عين &; عز &; تدور معها وهي تحوم حوله كالثعبان حتى توقفت فجأة وكانت تلك اللحظة مرعبة أكثر من صوت ضحكتها والقادم لم يكن سوى أسوء، حيث التفتت له فجأة بوجهها المرعب وعيناها الحمراء وركضت نحوه بسرعة البرق مصدرة أصوات شيطانية توقف القلب وراحت تصرخ بوجهه بصوت كانت نغمته لا تحتمل، ثم نفخت أنفاسها في وجهه فراح فورًا يسعل بقوة وسقط على الأرض وهو يحاول التقاط أنفاسه ويسعل بقوة ممسكًا برقبته من شدة اختناقه وكأن يد خفية قابضة على رقبته عازمة على سلب روحه&;..
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود توفيق
وصلت راندا في ذلك الوقت حيث كانت تعمل بمكان قريب منه، وكانت في طريقها لأحد المناطق الأخرى داخل المعبد لتكمل هي أيضًا أبحاثها لكنها توقفت أمام المقبرة التي حُبس بها &; عز &; ورأت أدواته الخاصة بالخارج على الأرض، فضيقت عيناها باستغراب وتساءلت في نفسها عن سبب تركه لأدوات عمله الخاصة هنا.. وإلى أين ذهب؟ ، لكنها قررت عدم الاكتراث فغضبها الشديد منه مازال ملتهب في صدرها، فتحركت وأكملت طريقها مبتعدة عنه لكن فضولها أيضًا هزمها.. أو ربما لم يكن فضول بل كان حس داخلي ولم تكن تدركه حيث رأت أحد الموظفين مارًا بالردهة فاوقفته وسألته باهتمام حقيقي:
_متعرفش بشمهندس عز فين وليه سايب حاجته كدا قدام المقبرة
ألقى الشاب نظره على باب المقبرة وأدوات &; عز &; بحيرة وأجابها بنظرة تحمل القلق:
_أنا لسا من خمس دقايق كنت عنده وهو كان جوا المقبرة وكان بيخلص شغل وقالي أنه معاه وقت طويل لغاية ما يخلص، يمكن يكون خلص وطلع وقفل الباب
تجمدت الدماء في عروق راندا ولا تعرف السبب لكن نبضات قلبها تسارعت، فالتفت برأسها للخلف تنظر لأشيائه بتفكير محاولة إسكات تلك الوساوس التي تنهش علقها وتصر على طرح سؤال واحد يزيد من ارتيعادها وهو &; أذا انتهى من عمله وخرج لماذا ترك ادواته.. ربما لأنه لم يخرج من الأساس!!! &; .
هرولت واسرعت إلى المقبرة وهي تحاول فتح الباب وتهتف للشاب:
_ساعدني ازاي بتفتحوا الباب ده؟
أجابها بصوت مضطرب بعدما أدرك سبب رغبتها في فتح الباب:
_الباب مش بيفتح غير بشفرة ميعرفهاش غير المهندسين اللي شغالين فيها
التفتت له وحدقته بصدمة واستحوذ عليها الذهول للحظات حتى فاقت وراحت تضرب على الباب بكل قوتها وتصرخ منادية عليه:
_ عز أنت جوا .. عز رد عليا لو سامعني
كان &; عز &; بالداخل يصارع الموت وشبه يلفظ أنفاسه الأخيرة، وعندما سمع صوتها رجع له الأمل البسيط وحاول الزحف على الأرض حتى وصل للباب، فتح فمه يريد التحدث لكن حتى صوته لا يخرج وكأنه فقد النطق، فرفع يده وحاولت بكل ما تبقى لديه من قوة أن يضرب على الباب علهم يسمعوه، وبالفعل سمعت راندا صوت ضعيف جدًا فاتسعت عيناها برعب والهلع الحقيقي ظهر علي محياها فراحت تصرخ بالشاب منفعلة:
_اتصرف انده أي حد خليه يفتح الباب ده، &; عز &;جوا
اسرع الشاب راكضًا ليجد المساعدة من اي مسؤول في المعبد ليفتح الباب بينما راندا فأخذت تتحدث إليه بصوت مضطرب ومفزوع:
_عز أنت كويس ، هيجوا دلوقتي ويفتحوا الباب استحمل عشان خاطري، رد عليا طيب
دقاىق معدودة وكان قد وصل أحد المسؤولين بالمعبد فهتفت راندا له متوسلة:
_افتح الباب بسرعة ابوس ايدك مفيش اكسجين جوا وهو ليه وقت جوا
بدأ يستخدم الشفرة السرية لفتح الباب، بتلك الأثناء كان عز القى برأسه على الأرض يقاوم لأخر لحظة محاولًا البقاء حيًا ولكن أنفاسه انقطعت تمامًا واغلق عينيه مودعًا حياته، بنفس اللحظة التي اغلق فيها عينيه انفتح الباب ودخلت راندا أولهم تجلس بجواره وهي تصرخ بهلع:
_عـــز .. رد عليا عــز
جلس ذلك المسؤول بجواره من الجهة الأخرى وانحنى عليه ثم بدأ جلسة الانعاش الرئوي له محاولًا إنقاذه قبل فوات الآوان، أما راندا فقد تقهقهرت للخلف على الأرض بصدمة وعيناها تذرف الدموع دون توقف، لحظات مرت عليها كالسنين وكانت أنفاسها هي التي تنقطع كلما يحاول ذلك الرجل في انعاشه وهو لا يستيقظ.
أخيرًا بعد محاولات كادت تبات بالفشل ويفقدوا الأمل في إنقاذه فتح &; عز &; عينيه دفعة واحدة ورفع رأسه وهو يسعل بعنف ويلتقط أنفاسه بقوة، فلمعت عيني راندا بدهشة امتزجت بسعادتها الغامرة ولا إراديًا منها ارتمت عليه تعانقه بقوة وهي تبكي، رغم صدمته من الموقف وما يحدث إلا أنه لف ذراعه حولها وهو يتنفس بهدوء دون لفظ أي كلمة، فابتعدت هي عنه ونظرت في وجهه بقلق واهتمام حقيقي تسأله:
_أنت كويس ؟
هز رأسه بالإيجاب ليخرج صوته الضعيف أخيرًا هاتفًا:
_يلا نطلع من المكان ده الأول
هزت رأسها له فور بالطاعة وساعدته على النهوض والخروج من المقبرة، فنظر &; عز &; لذلك المسؤول الذي هتف مبتسمًا:
_حمدلله على سلامتك يابشمهندس الحمدلله ربنا ستر
ابتسم له &; عز &; وقال بامتنان يشكره:
_الله يسلمك يادكتور سامح متشكر جدًا ليك
سأله سامح باستغراب وجدية:
_هو الباب ازاي اتقفل هو مش أنت عارف ومتمكن ومتمرس وعارف ازاي بنفتح المقابر وبنحافظ على أن البيبان تفضل مفتوحة طول الوقت
شرد &; عز &; لثواني متذكرًا من حدث معه بالداخل وتلك الجنية التي كادت تسلب منه روحه، ثم فاق وقال لسامح متصنعًا الجهل:
_مش عارف ازاي ده حصل غالبًا أنا عملت حاجة غلط من غير ما أخد بالي والباب اتقفل عليا
كانت راندا تتمعنه بتدقيق حتى انتهى حواره مع سامح وتركهم وغادر فهتفت بعينان مازالت لامعة من آثار الدموع:
_إزاي تغلط غلطة زي دي ، أنت الحمدلله اتكتبلك عمر جديد ورجعت من الموت، أنت مكنش فيك نفس ياعز
لم يكترث لتوبيخها لها وغضبها فيكفيه سعادة بخوفها عليه واهتمامها به، ودموعها السابحة في عينيها كافية لتنسيه كل شيء حتى الفيلم الرعب الذي عاشه منذ قليل، ابتسم لها بغرام وقال غامزًا:
_لو اعرف أن الموت هيخليني اخد حضن قمر كدا كنت عملت نفسي ميت من زمان أوي
فغرت شفتيها وعيناها بدهشة من رده غير المتوقع وكلماته الجريئة، فراحت تلكزه في كتفه بغضب وهي تنهره بحدة:
_ما تحترم نفسك ياعز في إيه مالك، اتقي الله ده أنت كان زمانك بين ايدين ربك دلوقتي
قهقه بخفة وقال بعبث مكملًا مزاحه اللئيم:
_الحمدلله لسا ساعتي مجاتش، ثم أن ده بدل ما تقوليلي بعد الشر عليك وربنا يخليك ليا
رفعت حاجبها ساخرة من كلماته وقالت باستهزاء منه:
_لا ده أنت شكلك قلة الأكسجين طيرت نافوخك، أنا همشي يابشمهندس
قبض على ذراعها يوقفها وهو يضحك بقوة ويقول بين ضحكاته بجدية:
_خلاص هحترم نفسي واسكت أهو ، وصليني بقى على الأوضة بتاعتنا لاحسن أنا مش قادر اروح وحدي
أدركت أنه يدعي التعب أمامه فزمت شفتيها بقلة حيلة وقالت بغيظ منه:
_اولًا مسمهماش اوضتنا ايه اوضتنا دي أنت عايز تجبلنا شبهة.. اسمها مكتب المفتشين ، ثانيًا أنا عارفة أنك بتدعي التعب وأنت زي الجن بس أنا هروح معاك عشان جبر الخواطر على الله، ثالثا وده الأهم انا لسا مش بكلمك ومنسيتش اللي انت عملته امبارح فاللي حصل من شوية وهيحصل دلوقتي هو بدافع انساني مني مش اكتر
كبح ضحكته بصعوبة وقال يجاريها كما يجاري طفل صغير:
_ماشي ياسفيرة النوايا الحسنة يلا بينا
سارت أمامه وهي تبتسم ورغم قسوتها وحدتها معه إلا أنها في كامل سعادتها وراحتها أن ربنا حفظه ولم يفارقهم وهو بخير الآن ومعها&;
***
استيقظت ليلى وفتحت عيناها ببطء ثم رفعت نظرها لوجه فارس النائم وهو يحاوطها بذراعيه ضامًا إياها إلى أحضانه، اطالت التمعن به بمشاعر امتزجت بين القلق والإصرار، فأخذت نفسًا عميقًا وقررت استغلال لحظات نومه لكشف الاسرار التي يخفيها عنها، خلصت جسدها من حصاره بحذر شديد حتى لا توقظه وخرجت من الفراش ثم قادت خطواتها الحذرة إلى خارج الغرفة وسارت نحو غرفة مكتبه الخاصة بعمله.
دخلت الغرفة ووقفت بمنتصفها تتلفت حولها بتفكير كم أين ستبدأ البحث، وكان هدفها الأول مكتبه فأتجهت إليه وبدأت تبحث بالادراج وبين أوراقه الخاصة بالعمل، حتى وجدت البردية فالتقطتها ورفعتها ببطء وهي تتأملها ثم بدأت تقرأ الحروف الهيروغليفية وتترجمها، فهمت أنها تتحدث عن ملك فرعوني تسمع عن اسمه لأول مرة في حياتها، لكنها وقفت عند عبارة مكتوبة بخط غريب تشبه الطلاسم كانت ترجمتها &; لا تحاول ازعاجها فالخطر قد يأتيك من العدم &; ، ضيقت عيناها باستغراب وتساءلت ما الذي يقصده بـ &; ازعاجها &; ومن هي ؟.
سقط نظرها بالصدفة على رسغها فرأت نقطة دماء، ضيقت عيناها بتعجب وحيرة ولم تلبث لتتساءل من أين جاءت الدماء وما الذي جرحها، وجدت نقطة أخرى فوق رسغها سقطت هذه المرة من السقف فتجمدت دمائها في عروقها زعرًا، وتوالي تساقط الدماء بكثر وبشكل مرعب، جمعت شجاعتها بصعوبة ورفعت رأسها للأعلى بارتيعاد شديد، فرأت كائن شيطاني مرعب بأنياب فتاكة عالق بالسقف يقف على قدميه وذراعيه وتتساقط الدماء من أنيابه، ينظر لها مبتسمًا بابتسامة قادرة على إصابتها بنوبة قلبية تقتلها.
جحظت عينان ليلى من هول بشاعة المنظر الذي تراه أمامها وراحت تصرخ بقوة بعدما اشاحت بنظرها عن ذلك الكائن الشيطاني وسقطت في الأرض تخفي وجهها بين كفيها تبكي وتصرخ منادية:
_فـــــارس
استيقظ من النوم مفزوعًا على أثر صراخها وراح يتلفت حوله بحثًا عنها، حتى أدرك أن صوتها قادم من الخارج فوثب من الفراش وهرول نحوها يبحث عنها ويصبح:
_فينك يا ليلى؟
سمع صوتها بكائها ونحبيها العالي منبعث من غرفة مكتبه فركض إليها ودخل فوجدها تجلس على الأرض بجانب مكتبه تضم قدميها إلى صدرها وتخفي وجهها بين كفيها وتنتفض وسط بكائها، فأسرع إليها وجلس أمامها القرفصاء يهتف بقلق حقيقي عليها وهو يحاول جذب كفيها عن وجهها حتى يراها:
_حصل إيه ليا ليلى مالك؟
رفعت وجهها وراحت تنظر لرسغها بزعر شديد وهلع فلم تجد أي شيء، اتسعت عيناها بصدمة ورفعت رأسها للسقف فورًا فلم تجد أي وجود أو أثر لذلك الكائن، عادت تنظر لفارس ببرقة ووجهها ممتلئ بدموعها وصاحت بعدم استيعاب لما يحدث معها:
_كان في كائن غريب في السقف شكله مرعب بيبصلي ويضحك وفي بقه دم ونقط على أيدي كلها لغاية ما كانت كلها دم
اخفض فارس رأسه ليدها فيجدها نظيفة تمامًا لا يوجد بها أي شيء ورفع رأسه للسقف فلم يرى شيء، عاد ينظر لها بتعبيرات وجه كانت تحفظها عن ظهر قلب وتعرف ما الذي سيخرج من شفتيه بعدها فصاحت بانفعال هادر وهستيريا:
_أنا مش مجنونة ومش بتوهم يافارس وأنت عارف كدا كويس، وأنت في حاجة كبيرة مخبيها عليا وأنا لازم افهم إيه اللي بيحصل معانا ده
هي واقفة ثائرة والتقطت البردية ورفعتها أمام وجهه تصرخ بغضب:
_وإيه البردية دي وجبتها ازاي، البردية دي ملعونة يافارس؟
حدقها مندهشًا من كلماتها وسألها بعدم فهم:
_!عرفتي إزاي؟
قالت بنفس نبرتها الغاضبة واهتياجها:
_ده مش خط بردية طبيعية ولا دي الطريقة اللي البرديات بتتكتب بيها ولا دي حروف هيروغليفية طبيعية، أنت ازاي مخدتش بالك من حاجة زي كدا !؟
أخذ نفسًا عميقًا بقلة حيلة بعدما أدرك أنه وصل لطريق مسدود ولا مجال من الكذب عليها أكثر، فقد اكتشفت كل شيء دون حاجتها له، ولذلك كان يخفي عنها تلك البردية لأنه يدرك ذكائها وأنها كانت واحدة من أنجح وأمهر المنقبين عن الآثار وأذا رأت البردية وترجمتها ستدرك فورًا أنها ملعونة.
أجابها فارس بهدوء وثبات تام:
_أخدت بالي وعارف أنها ملعونة
فتحت عيناها بذهول من رده وقالت له بسخط شديد:
_عارف وجايب حاجة زي كدا وسايبها في البيت معانا يافارس، أنت عايز تأذينا ولا إيه
اقترب منها ومسح على ذراعها وشعرها بحنو هامسًا بصوت رخيم ليحاول تهدأتها:
_اهدي بس وتعالي نقعد وأنا هحكيلك كل حاجة من البداية طالما انتي اكتشفتي سر البردية دي خلاص مفيش مجال تاني أني اخبي عليكي اكتر من كدا
اتجهت ليلى معه وجلست على الأريكة بجواره ثم أعارته جميع حواسها وهو يسرد لها كل شيء حدث معه منذ وصولهم الأقصر، كانت تستمع له وتفاعلها يظهر على تعبيراتها المفزوعة.. جاحظة عيناها وفاغرة شفتيها بصدمة في عدم استيعاب، أما هو فانتهى من سرده بعد دقائق وهي كاتمة على فمها بكفها من هول ما يحكيه وهتفت في غضب تعاتبه:
_هو أنت أزاي مخبي عليا حاجة زي كدا، أنت مش واثق فيا ولا إيه يافارس
مط شفتيها بقلة حيلة منها وقال بحزم:
_إيه الهبل اللي بتقوليه ده، أنا خبيت عليكي عشان كنت خايف عليكي وعارف إنك بتخافي وممكن لما تعرفي الحقيقة يبقى وضعك اسوء من وانتي مش عارفة حاجة
أجابت ليلى بقوة:
_ده على أساس أني كدا مرتاحة مثلًا انتي مش شايف اللي بيحصل معايا
اختلس المسافة التي بينهم واقترب منها أكثر ثم التقط كفها واحتضنه بحميمية واهتمام شديد:
_أنا عايزك تاخدي بالك ياليلى واوعى تقعي في أي فخ تعمله ليكي ولا تسمحيلها أنها تسيطر عليكي
همست وهي تنظر له بخوف:
_سيبك مني أنا هعرف اتصرف أن شاء الله ، أنت هتعمل إيه يافارس دي ممكن تأذيك
فارس بثقة وثبات قوي يليق به:
_متقلقيش عليا مش هتقدر تأذيني لو كانت عايزة كانت آذتني من بدري
حدقته بعينان دامعة كلها حب وقلق واهتمام ثم مالت عليه ولفت ذراعيها حول رقبته تعانقه بقوة تحاول مده ببعض القوة الضعيفة من التي تملكها هاتفة بنبرة نابعة من أعماق قلبها:
_أنا معاك ومش هسيبك
ابتسم لها بغرام ولف ذراعه حول ظهرها ضامًا إياها إليه أكثر، لكن لم تدم لحظتهم لأكثر من خمس ثواني حتى ارتفع صوت رنين هاتف فارس واضاءت الشاشة باسم &; عز &; فابتعدت ليلى عنه والتقطت هاتفه وأعطته له متمتمة:
_ده عز شوفه يمكن محتاجك في حاجة
جذب الهاتف من يده وفتح الاتصال ثم وضعه على أذنه وأجاب هاتفًا:
_ايوة ياعز
وصله صوت عز مريبًا وغليظ:
_أنت فين يافارس؟
أجابه فارس مضيقًا عيناه بتعجب من نبرته:
_في البيت
اكمل عز بنفس نبرته السابقة:
_طيب تعالي لازم نتكلم ضروري
خرج صوت فارس رجوليًا قويًا يسأله باهتمام:
_في إيه ياعز حصل حاجة ولا إيه ومال صوتك غريب كدا ليه
ابتسم عز ببساطة وقال ساخرًا محاولًا الظهور غير مباليًا:
_مفيش دي أوار بس حاولت تقتلني ولولا أنهم لحقوني على آخر لحظة كان زمانك بتعزي فيا
فغرت فارس عينيه بصدمة وهتف باستياء بسيط ظنًا أنه يمزح معه:
_أنت بتهزر يا عز هو الكلام ده فيه هزار
عادت نبرة عز الجدية والرجولية الحازمة التي أثبتت لفارس أنه لا يمزح:
_لا مش بهزر تعالي وانا هفهمك كل حاجة، لازم تيجي عشان نشوف حل للعنة اللي أنت طلعتها دي وهتخلص علينا كلنا
هب فارس واقفًا ومتحفزًا بقلق بعدما أدرك جدية صديقه وأخبره بأنه سيأتي له فورًا، بينما ليلى فكانت تتابع تعبيراته وكلماته بهلع وقلق شديد وراحت تسأله باهتمام فور انتهائها من مكالمته:
_في إيه يافارس ماله عز ، حصل إيه؟
أجابها فارس مبتسمًا محاولًا التخفيف من قلقها حتى لا يفزعها وقال ببساطة:
_لا مفيش حاجة دي مشكلة بس في الشغل وهروح اشوفها
هزت رأسها بالموافقة وقد هدأت روعها قليلًا فاستدار هو وقاد خطواته مسرعًا لخارج الغرفة لكن قبل مغادرته توقف فجأة بعدما تذكر كلمات صديقه وهو يخبره أن &; أوار &; حاولت قتله فالتفت تجاه زوجته برأسه وقال لها بنبرة شبه آمرة:
_قومي البس وتعالي معايا متقعديش وحدك
ضيقت عيناها باستغراب وسألته:
_ليه في إيه، لو خايف تسيبني وحدي متقلقش يافارس أنا هعرف اتصرف وأن شاء الله مش هيحصل حاجة
هتف بإصرار وحدة:
_أنا مش هبقى مطمن اسمعي الكلام ياليلى الله يرضى عنك وقومي البسي يلا
أطلقت زفيرًا حارًا بقلة حيلة وأماءت له بالموافقة ثم استقامت واقفة واتجهت نحو غرفتها لترتدي ملابسها كما طلب لتذهب معه.
***
بمكان آخر كانت &; راندا &; جالسة بغرفة الموظفين الخاصة بهم تنتظر &;عز &; الذى خرج ليجري اتصال تليفوني بالخارج، وعالق بذهنها الكارثة البشعة التي حدثت.. وكيف بلحظة واحدة كانت ستفقد صديق عمرها، كلما تتذكر شعورها كيف كان بتلك اللحظة يتملكها شعور عجيب بأنها تريد معانقته مرة أخرى أو البقاء بجواره دومًا خوفًا من خسارته،وكأنه طوق النجاة الوحيد لها في الحياة للبقاء صامدة والذي يحميها من عواصف الحياة القاسية.
انفتح الباب ودخل &; عز &; وطالعها مبتسمًا بلطف ثم اقترب منها وجلس بجوارها، فوجدها تتمعن النظر به بتركيز شديد وبنظرات تثير الحيرة فرفع حاجبه وقال مازحًا بضحكة:
_إيه متخافيش ده مش عفريتي، ده أنا مالك مركزة كدا ليه
ابتسمت له برقة ثم اجفلت نظرها أرضًا وقالت بندم وأسف:
_أنا آسفة ياعز أنا عارفة أني كلمتك بأسلوب وحش جدًا وأنت كنت خايف عليا وعايز مصلحتي، بس بعد اللي حصل النهاردة ده حسيت أن مفيش حاجة تستاهل نزعل من بعض ونخسر بعض عشانها
لمعت عيناه بوميض غرامي جميل كله فرح وامتنان واتسعت بسمته المحبة على ثغره مع نظراته التي كانت تسبق لسانه في الكلمات، فأجابها بحنان يذيب القلب:
_وأنا كمان آسف لأني مهما كان مكنش ينفع اكلمك بالطريقة دي كان ممكن اعرفك غلطك وانصحك بأسلوب أفضل وكنت هتتقبلي مني بس أنا انفعلت غصب عني وقتها ومحستش بنفسي
اتسعت بسمتها ومالت عليه بكتفها وراحت تلزكه بكتفها في كتفه وتهتف بضحكة مرحة وهي مستهزئة:
_خلاص صافي يا لبن يابشمهندس، صدقني أنا لولا أني عارفة أنك خايف عليا فعلا كنت شكيت فيك وقولت إنك غيران عليا
اختفت بسمة &; عز &; بلمح البصر وحدقها بغيظ وتقوصت تعابير وجهه بقرف ليجيبها ساخرًا:
_كنتي هتشكي!!!.. مشكتيش أصلًا يعني، لا وأنتي ماشاء الله عليكي ياراندا لماحة أوي بتفهميها وهي طايرة
إجابته بثقة وغرور وهي تبتسم وترفع رأسها للأعلى كدليل قوي على التباهي:
_أمــال أنت فاكرني إيه !!
رمقها مغتاظًا وهو يجز على أسنانه محاولًا الحفاظ على ابتسامته الممتعضة ويقول:
_طبعًا أنتي قنبلة ذكاء متحركة
لم تكترث كثيرًا بعباراته وراحت تحكي له بعض الأحداث الحارة التي حدثت معها وتذكرتها للتو، كانت تسرد له التفاصيل بكل حماس.. لحظة تنفعل عندما تسرد شيء يستدعي الانفعال ويزعجها وتارة تضحك إما بسخرية أو باستمتاع وهي مستمرة في الكلام، وهو إما يتفاعل معاها بابتسامة بسيطة ويعيرها كامل اهتمامه في نظراته أو يرد عليها بكلمات بسيطة معبرًا عن رأيه فيما تسرد.
اندمجوا في الحديث مع بعضهم ولم يشعروا بالوقت الذي مر حتى وصل فارس وليلى، انفتح الباب وظهر فارس من خلفه مزعورًا وهو يبحث بنظره على صديقه فوجده يضحك بكل سعادة ومرح مع راندا، ضيق عينيه باستغراب ونظر له بحنق هاتفًا بلهجة غاضبة:
_امال جايبني على ملا وشي ليه لما الدنيا حلوة وفريش!!
التفت&; عز &; برأسه لفارس وحدقه باندهاش من هجومه عليه وكانت نظرات الاندهاش من نصيب ليلى وراندا أيضًا، لكن &;عز &; سرعان ما علت ابتسامته فوق صفحة وجهه وأشار لفارس بهدوء تام:
_تعالي بس باشمهندس اقعد وصلي على النبي مالك داخل علينا كدا ليه
تنفس فارس الصعداء بقلة حيلة ثم اتجه إلى أقرب مقعد وجلس عليه وجلست ليلى بجواره بعدما ألقت التحية على كل من راندا و&;عز &; ، بدأ الحديث يأخذ منعطف مختلف عن حادثة اليوم مع عز وتحدثوا في أمور عامة، وسط نظرات راندا ومتابعتها لفارس وليلى.. هذه المرة نظراتها كانت ليست كعادتها مفعمة بالحب لفارس بل نظرة تحمل ألف معنى والف سؤال في عقلها، أما ليلى فانحرف نظرها تلقائيًا تجاه زاوية بالغرفة كان يوجد بها كرسي متحرك فوجدته يهتز ببطء دققت النظر به ظنًا أنها تتوهم لكنه لا يتوقف فقررت إزاحة نظرها للجهة الأخرى نحو زوجها وصديقه وراندا، فضولها دفعها للنظر مجددًا بعد خمس ثواني بالضبط فأعادت عيناها للمقعد وليتها لم تفعل، حيث رأت &; أوار &; بنفسها جالسة فوق الفراش تنظر لها بابتسامتها الشيطانية وعيناها المرعبة، كان شكلها قادر على أن يفقد ليلى عقلها من فرط بشاعتها، لحسن الحظ أن الشجاعة تملكتها بتلك اللحظة وتمكنت من البقاء صامدة رغم نظراتها المفزوعة وتعبيراتها المرتعشة إلا أنها ظهرت بإثبات انفعالي غير متوقع.
لاحظ فارس تعبيرات وجه زوجته المفزوعة ونظراتها نحو إحدى زوايا الغرفة، فالتفت فورًا برأسه ينظر إلى من تنظر نحوه فلم يجد شيء، عاد ينظر لها ويقبض على كفها في حنو هامسًا لها بقلق:
_مالك ياليلى أنتي كويسة ياحبيبتي؟
فاقت من صدمتها على صوته فنظرت له بسرعة وأطالت النظر في وجهه وعيناه بتيهان ثم ردت بثبات ليس طبيعي:
_كويسة متقلقش
كانت راندا تتابع تلك اللحظات بتركيز شديد، لاحظت اهتمامه بها وخوفه عليها حتى احتضانه لكفها بكل حنية ونظرته التي لها تتحدث عن بحور العشق الذي تسري في عروقه، عبس وجهها وهي تري ذلك المشهد الدافئ بين زوجين رغم عواصف الحياة القاسية التي أقسمت على تفريقهم إلا أنهم حاربوا كل شيء ومازالوا في طريقهم ممسكين بإيدي بعضهم البعض متحدين كل الظروف التي أرادت تدمير حبهم.
لم يكن عبوسها أمام ذلك المشهد نابع من حقد أو غيرتها بل لأول مرة يكون نابع من حزنها على نفسها وسخريتها من ذاتها الساذجة التي صدقت أوهام وانصاعت خلفها دون عقل، متناسية مبادئها وأخلاقها التي لا تسمح لها بحب رجل متزوج.. وليتها اكتفت بحبه فقط بل كانت تحاول التفريق بينهم ببخ سمها في أذن كل منهم، كانت تنظر لهم وتتساءل في قرارة نفسها بعدم استيعاب &; كيف فعلت وكيف صدقت ؟..والأهم ما تلك السخافة التي فعلتها بنفسي &; .
فاقت من أعماق تأنيبها وتعنفيها لذاتها على صوت فارس وهو يوجه حديث لعز بحزم متمتمًا:
_تعالي ياعز نطلع برا ونتكلم
هز رأسه بالموافقة واستقام واقفًا وسار خلف فارس للخارج حتى يتحدثوا براحة تامة عن ما حدث ويفكروا مليًا في حل لتلك اللعنة التي اُطلقت عليهم.
أما بالداخل فاكنت ليلى تنظر بتشتت حولها في عينان ليست مطمئنة وراحت ليلى تفتح حوار بدأته بسؤالها في ابتسامة لطيفة:
_عاملة إيه ياليلى أنتي وفارس، شايفة أن علاقتكم الحمدلله اتحسنت شوية صح ولا إيه ؟
هزت ليلى رأسها بالإيجار مؤكدة على كلماتها وقالت براحة وسط تعبيراتها الفاقدة للآمان:
_أه الحمدلله رجعنا زي الأول تقريبًا
ابتسمت راندا وقالت باهتمام ونظرة كانت تحمل حسن النية الصادقة:
_يعني خلاص تراجعتوا عن فكرة الطلاق دي
هتفت ليلى بعينان مبتسمة بدلًا من ثغرها وفي ثقة:
_لا مفيش طلاق أن شاء الله احنا الحمدلله بقيت علاقتنا كويسة أوي
اماءت راندا رأسها بتفهم وقالت بود حقيقي:
_الحمدلله، بلاش بقى تفكري في الكلام ده تاني لأن فارس بيحبك فعلا بجد ولو خسرتيه مش هتلاقي راجل زيه أبدًا
غضنت ليلى حاجبيها بحيرة وابتسمت بعدم فهم مجيبة:
_غريبة يعني أنك أنتي اللي بتقولي الكلام ده، دايما بتقوليلى أن فارس مبيحبنيش واني استاهل حد أفضل منه يقدرني ويحبني بجد
أجابتها راندا بكل ثقة وصوت حكيم:
_مكتتش شايفة حبه ليكي بس النهاردة شوفت حبه بجد في عينيه
شردت ليلى في كلماتها تفكر وعلى ثغرها ابتسامة تكشف سعادتها وعشقها له، كان يعصف بعقلها ألف ذكرى وألف مشهد والف كلمة تذكرها به، كيف جمعتهم الظروف الجميلة وكيف أحالت بهم عواصف الحياة إلى الخلافات التي كادت تنهي كل شيء بينهم، أما الآن فقد زاد تعقلها به أضعافًا فمعرفتها بالخطر الذي أصبح يحفظهم من جميع الجوانب يشعرها بمسئولية المحب تجاه حبيبه وهي الوقوف صامدًا معه في وجه أشرس الظروف.
***
بالطريق الصحراوي المؤدي لمدينة الأقصر كان ماهر يقود سيارته وبجواره سمر على المقعد المجاور له، تنظر من الزجاج تراقب الصحراء والرمال الصفراء لكن عقلها شارد، لاحظ ماهر شرودها الطويل فسألها باهتمام وصوت رحولي رخيم:
_سرحانة في إيه كل ده، في حاجة مضيقاكي بتفكري فيها ؟
انتبهت لصوته والتفتت له تنظر مبتسمة بحزن وتجيب على سؤاله:
_لا افتكرت بابا بس الله يرحمه كان بيحب الأقصر جدًا وكان دايما ياخدني معاه أنا وماما ونتفسح فيها
تمتم بهدوء وهو يحيد بنظره عن الطريق لثواني يرمقها بدفء مواسيًا إياها:
_ربنا يرحمه، هو أكيد فخور بيكي ومبسوط أنا فاكر كان نفسه أوي يشوفك وأنتي دكتورة دلوقتي بقيتي دكتورة قد الدنيا ماشاء الله
آماءت له بالإيجاب ثم نظرت له مطولة بابتسامة تخفي الكثير في ثناياها ثم همست بنبرة بلوعة :
_كان بيحبك أوي ياماهر، كان بيطمن عليا لما يعرف انك معايا في أي مكان ودايمًا كان يشكر فيك
ابتسم بود وقال في أسى بصدق:
_والله حتى انا ربنا يعلم معزته عندي ازاي، ربنا يرحمه يارب
رددت خلفه &; يارب &; داعية لأبيها بالرحمة أما هو فأكمل بلهجة مرحة:
_لما نوصل هنقعد في مكان الأول نتغدى مع بعض وبعدين هبقى اوصلك عند خالك
مال ثغرها للجانب ولمعت عيناها بنظرة محبة ثم قالت مهتمة:
_طيب وأنت هتروح تقعد مع فارس ولا هتروح فين
ماهر بحيرة:
_مش عارف والله لما اروح له بس الأول واشوفه بعدين ابقى اشوف بقى هقعد فينلأن كمان ليلى هتكون قاعدة في البيت وحدها لما فارس يطلع فمينفعش اقعد معاها بس دي مش معضلة يعني عادي حتى لو قعدت في فندق، أنا هتصرف متقلقيش
ردت بسرعة في تلقائية وحماس نابع من رغبتها الشديدة في بقائه بجوارها:
_لا طبعًا فندق إيه تيجي تقعد معايا أنا وخالو أنت عارف محدش في البيت غيرنا بيقعد وخالو مش بقى بيطلع من البيت غير قليل بعد التقاعد
رمقها متعجبًا رافعًا حاجبيه ويجيب مبتسم:
_اقعد معاكم!!!.. لا صعب ياسمر ومينفعش طبعًا
هتفت موضحة له الأمر بكل بساطة وهي تلح:
_مينفعش ليه أصلًا خالو هيزعل جدًا لما يعرف أنك جيت معايا ومروحتش تسلم عليه
قهقه بخفة وقال بنبرة رجولية قوية:
_ازاي بقى أكيد هروح اسلم عليه وبعدين ما أنتي عارفة احنا جايين مخصوص عشان خالك وعشان يساعدنا في موضوع فارس
هزت رأسها بتفهم ورمقته بطرف عينها متمتمة بابتسامة مشاكسة:
_ماشي مش هضغط عليك دلوقتي هسيبك تروح تطمن على فارس الأول
مال ثغر ماهر في ابتسامة دافئة وهو معلق نظره على الطريق أما هي فتمعنته للحظات في أعين هائمة، لكن سرعان ما أشاحت بنظرها بعيدًا في إحراج عندما التقت عيناه بعيناها فجأة عندما التفت نحوها، أعاد نظره للطريق مجددًا وهو يبتسم بساحرية مدركًا تمامًا مشاعرها الدفينة&;
***
عودة لمقر عمل فارس داخل غرفتهم الخاصة حيث كانت تجلس كل من ليلى رواندا بعدما غادروا الرجال ليتحدثوا بالخارج، ظلت ليلى بمفردها في الغرفة بعدما تركتها راندا وذهبت للحمام، كانت ممسكة بهاتفها تتفحصه بضجر حتى احست بأنفاس تشاركها الغرفة وحركة بطيئة حولها، رفعت نظرها عن الهاتف وأخذت تتلفت حولها بارتيعاد لكنها حاولت الحفاظ على ثباتها الانفعالي، فمنذ قليل ظهرت لها مباشرة على المقعد ونجحت في السيطرة على انفعالاتهاأمام زوجها.
كانت تتلفت حولها ولا ترى شيء حتى تطور الموقف وأصبح همسات مرعبة في أذنها ليست مجرد أنفاس، فاستقامت واقفة فورًا وراحت تدور حول نفسها بحثًا عنها بكل مكان لكن لا أثر لها، فتحركت ليلى باتجاه باب الغرفة وفتحته وغادرت متجهة إلى زوجها، فلم تعد تستطيع البقاء بتلك الغرفة ومواجهة خوفها أكثر من ذلك، رأت فارس يجلس بجوار عز بالخارج كل منهم على مقعد خشبي وثير فاقتربت منهم بتعابير وجه مضطربة.. مهما حاولت إخفائها أمام فارس لا تنجح حيث سألها هو باهتمام وقلق فور رؤيته لوجهها بتلك الملامح:
_!مالك ياليلى في إيه ؟
كان قد استقام واقفًا من مقعده واقترب منه ليقف أمامها مباشرة وينظر في عينيها بقلق فهمست هي برهبة واضحة في صوتها:
_ظهرتلي وشوفتها وبقيت حاسة بوجودها حواليا فمقدرتش اقعد وحدي
حاوطها فارسها بذراعيه فورًا في هلع وهتف يسألها يطمئن عليها:
_أذتك ولا عملتلك حاجة أنتي كويسة؟
هزت ليلى رأسها بالنفي وقالت في هدوء:
_لا أنا كويسة متقلقش أنا بس خايفة اقعد وحدي متسبنيش وحدي يافارس
ضمها لصدره وراح يلثم شعرها بقبلات مغرمة ودافئة هامسًا بصوت رحولي يبعث الآن في نفسها الرقيقة:
_حاضر ياحبيبتي مش هسيبك أبدًا، اوعدك هخلص من أوار للأبد وهقفل باب الشر ده زي ما فتحته
***
توقف ماهر بسيارته أمام منزل شقيقه بالأقصر بتمام الساعة العاشرة مساءًا ونزل منها ثم قام خطواته للداخل نحو الباب وهو متحمسًا برؤية أخيه ومفاجأته بقدومه.
وصل أمام الباب ووضع حقيبة ملابسه على الأرض بجواره ثم رفع يده وراح يضغط على جرس الباب، وانتظر لدقيقة تقريبًا على الباب حتى انفتح الباب وظهر من خلفه فارس الذي ابتسم بدهشة فور رؤيته له!!&;&;.
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل العاشر 10 - بقلم ندى محمود توفيق
_الفصل العاشر _
وصل أمام الباب ووضع حقيبة ملابسه على الأرض بجواره ثم رفع يده وراح يضغط على جرس الباب، وانتظر لدقيقة تقريبًا على الباب حتى انفتح الباب وظهر من خلفه فارس الذي ابتسم بدهشة فور رؤيته له وهتف بعدم استيعاب:
_ ! إيه ده انت بتعمل إيه هنا فجأة كدا
أجابه ماهر مازحًا مزاحه المعتاد مع أخيه:
_!إيه امشي يعني ولا إيه ياعم؟
قهقه فارس بخفة وقال بفرحة صادقة وهو يفرد ذراعيه داعيًا إياه لمعانقته:
_لا تمشي إيه يادكتور ادخل ادخل بيت أخوك نورتنا
لبى ماهر الدعوة وراح يعانق أخيه بشوق بالغ وهو يربت على ظهره متمتمًا براحة:
_والله ارتحت لما شوفتك يافارس الحمدلله أنك بخير
ابتعد فارس عنه وتمتم بمرح:
_متقلقش عليا أخوك مش سهل برضوا.. ادخل بس نقعد جوا وقولي جيت امتى وليه مبلغتنيش إنك جاي
تقدم ماهر للداخل متجهًا نحو الصالون ليجلس على الأريكة بعدما ترك حقيبته بجوار الباب، أما فارس فبقى واقفًا مكانه يحدق في ماهر بابتسامة مرعبة وعينان شرانية تلمع بوميض شيطاني، ثم اتجه إليه حتى جلس على المقعد المقابل له واستمر في التحديق به بنفس النظرات، فغضن ماهر حاجبيه باستغراب وسأله بتعجب:
_مالك بتبصلي كدا ليه، في إيه؟!
خرج صوت فارس لكن بنبرة غليظة لا تشبه صوته الطبيعي حتى أن ملامح وجهه تبدلت لتصبح أقرب لجسد ميت بلا روح.. جسد جفت دمائه وأصبح جلده شاحب:
_هو أنت مش جيت مع دكتورة سمر برضوا عشان تساعدوني اتخلص من لعنة أوار
تجمدت الدماء في عروق ماهر وجحظت عيناه بصدمة التي بدورها لجمت لسانه وجعلته يفقد القدرة على النطق لمدة نصف دقيقة تقريبًا وهو يتواصل بصريًا مع أخيه أو ربما كيان شيطاني لم يرى هيئته الحقيقية، خرج صوت ماهر أخيرًا هادئًا ومترقبًا للإجابة:
_أنت عرفت ازاي أنا جاي ليه وتعرف سمر من فين.. أنا عمري ما حكيتلك عنها قبل كدا !!؟
خرجت قهقه من فارس أكدت لماهر أنه ليس أخيه ثم أعقب ضحكته صوته المخيف وكلماته الأكثر رعبًا:
_أزاي اعرفها من فين أنا منسيتش أنها هي اللي كشفت عليا في المستشفى
كان ماهر في حالة ذهول وخوف مهما حاول إخفائه لا يستطيع فقد تأكد الآن أنها الجنية التي تلاحق أخيه وتحاول أذيته والآن هي تجسدت له في شكله لتخدعه، وجدها تهب واقفة فجأة وتتقدم نحوه فاستقام هو أيضًا وظل مثبتًا نظراته القوية عليها دون أن يحيد بنظراته عنها، كانت مازالت تتخذ جسد أخيه قناع تخفي به شكلها الحقيقي عنه، وقفت أمامه وهمست أخيرًا بصوتها الحقيقي ولغتها الفصحى ليست العامية التي كانت تستخدمها للتو:
_أنا لا انسى لكن يبدو أنك نسيت تحذيري لك، فاستعد لأن القادم سيكون هلاكك على يدي
علقت عينيه على عيناها التي أخذت لونها الأحمر الطبيعي ولم ينتشله من ذلك الرعب سوى صوت باب المنزل وهو ينفتح ويدخل منه كل من فارس وزوجته وهم يتحدثون ويضحكون، واول من انتبه لوجود ماهر كانت ليلى التي تسمرت بأرضها بذهول وراحت تقبض على ذراع زوجها لتوقفه عن الكلام وتجعله ينظر إلى حيث تنظر.. لينال نصيبه من الذهول وهو يرى أخيه أمامه في منزله.. لا يدري متى وكيف دخل ؟!.
أما ماهر فقد عاد ينظر أمامه مجددًا إلى حيث كانت تقف أوار فلم يجدها، راح يتطلع بأخيه مرة أخرى في هيئة تصف كل شيء، تقدم فارس بخطواته الهادئة نحو ماهر يحدثه بعدم فهم متسائلًا:
_ماهر أنت امتى جيت وازاي دخلت ؟
نقل ماهر نظره بين فارس وبين ليلى في تيه لا يدري ماذا يقول وكيف يصف، لكنه بعد تفكير حكيم دام لخمس ثواني قبض على ذراعه أخيه وهتف محدثًا إياه بحزم:
_تعالي هنتكلم في المكتب جوا
اعترت ليلى طريقهم بصرامة وقالت بغضب وإصرار:
_اللي هيتقال في الاوضة جوا يتقال قدامي هنا مفيش حاجة هتتخبى عليا أكتر من كدا، أنا كمان من حقي أفهم إيه اللي بيحصل
نقل فارس نظره بين أخيه الذي في حالة لا تبشر بالخير ملطقًا وبين زوجته المصرة على مشاركتهم الحديث، فنظر لها بدفء وقال برفق:
_ليلى ياحبيبتي مش هنخبي عليكي حاجة متخافيش، بس خلينا نتكلم وحدنا الأول وبعدين هقولك كل حاجة تمام
حدقت في وجه ماهر المريب وفي وجه زوجها الذي يبتسم لها بحنو فتنهدت الصعداء ذاعنة له وافسحت لهم الطريق ليمروا ويتجهوا إلى غرفة فارس الخاصة بالعمل&;.
***
داخل غرفة فارس جلس بجوار أخيه الذي كان القلق هو التعبير الوحيد المستحوذ على صورة وجهه فراح فارس يسأله بعدم فهم وقلق مماثل له:
_اتكلم ياماهر وفهمني إيه اللي حصل معاك وازاي دخلت البيت واحنا مش موجودين
تنهد ماهر الصعداء محاولًا إخماد عواصف عقله وأعصابه الهائجة وبدأ يسرد له كل شيء حدث، وسط ذهول فارس واتساع حدقتي عينيه وبعد انتهاء ماهر من الكلام لم يلبث ليجيب فارس على أخيه حتى وجدوا الباب ينفتح بقوة وتقتحم ليلى الغرفة التي يبدو أنها كانت تتصنت خلف الأبواب لتفهم كل شيء.
دخلت عليهم وثائرة وتهتف بغضب:
_انتوا ناوين تستنوا إيه تاني، دلوقتي نروح لدكتور الآثار ده يمكن يساعدنا
استقام فارس واقفًا وتقدم نحوها هاتفًا بجدية:
_اهدي ياليلى دلوقتي إيه اللي نروح واحنا في آخر الليل بكرا أن شاء الله نروحله ونتكلم معاه
انهارت أعصابها وأخذت تصيح باكية برعب شديد:
_اهدى ده إيه، أنت مسمعتش أخوك بيحكيلك إيه.. دي اتجسدت في شكلك وخدعته ولولا أنها قصدت تكشفله نفسها مكنش هيعرفها وكانت هتأذيه ده غير أنها هددته
اقترب منها أكثر حتى لف ذراعيه حولها وضمها لصدره بكل حنية وهو يلثم شعرها بحب ويهمس:
_بلاش تعملي كدا يا ليلى أبوس ايدك عشان خاطري، خليكي قوية عشان نقدر نعدي المحنة دي ياحبيبتي سوا
خرت بين ذراعيه بضعف وسط بكائها الشديد وهي تهتف بخوف حقيقي:
_مش قادرة اكون قوية يافارس، أنا خايفة أوي من اللي جاي، خايفة عليك وعلى كل اللي بنحبهم.. مش مطمنة وحاسة أن اللي جاي هيكون بشع
تطلع فارس لماهر في أسى على حالة زوجته فبادله ماهر الحزن ثم استقام واقفًا واقترب منهم يهمس لزوجة أخيه وهي مازالت بين أحضان زوجها تبكي وتنتفض:
_ليلى متخافيش واجمدي أنتي بالمنظر ده هتكوني أسهل فريسة بنسبالها، واحنا أن شاء الله في اسرع وقت هنفهم كل حاجة ونخلص منها
تمتم فارس بصوت دافيء وهو مازال يمسح على شعرها وظهرها بلطف ويلثم رأسها بقبلاته:
_تعالي ياحبيبتي نطلع الأوضة وارتاحي
كانت في حالة انهيار تام لا تقوي على مجادلته أو الرد بكلمة، بينما فارس فنظر لأخيه وهمس له بصوت رخيم:
_نبقى نكمل كلامنا بعدين وأنت البيت بيتك مش غريب ادخل أي أوضة تعجبك وريح ونام ياماهر باين عليك أنك مرهق من كل اللي بيحصل ده
ربنا ماهر على كتف فارس في رزانة وتمتم بجدية:
_ماشي متشيلش همي روح أنت بس خليك جمب مراتك، أنا مش غريب زي ما قولت والصبح نتكلم
أماء فارس برأسه موافقًا وحاوط ليلى بذراعيه جيدًا وسار معها نحو غرفتهم، فور دخولهم اتجهت هي إلى فراشها وتسطحت عليهم مغمضة عينيها تهرب إلى النوم من الواقع المرعب، بينما هو ففهم ما تحاول فعله جيدًا.. فزم شفتيه بضيق وانضم لها في الفراش ثم بسط ذراعه على الوسادة بجواره وهمس لها بخفوت يدعوها بكل عشق:
_تعالي نامي في حضني يالؤلؤتي
فتحت عيناها على أثر صوته وعبارته وعلى الرغم من حالتها إلا أنه نجح في جعل البسمة تشق طريقها لثغرها الجميل، وبلحظة واحدة كانت تلبي دعوته وتدخل بين ذراعيه تسكن رأسها فوق صدره لتغلق عيناها بآمان وغرام في ملاذها الوحيد الآمن، أما هو فلف ذراعه حولها يحكم قبضته عليها جيدًا ويضمها إليه بقوة.. ربما أن استطاع أن يخفيها بين اضلعه ليحميها من أي شر ويكون مطمئن عليها لفعل!!.. ظل محدقًا في سقف الغرفة شاردًا يفكر في كل الحلول الممكنة التي ستمكنه من التخلص من تلك الجنية وكيف سيحمي زوجته واحبائه منها، فقد حاولت قتل صديقه اليوم وربما غدًا ستحاول قتل شخص آخر.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل راندا تحديدًا بغرفتها، كانت جالسة فوق مقعدها الهزاز في شرفة الغرفة وعيناها عالقة على الأشجار وحركة السيارات في الشارع بعقل شارد ووجه مهموم، ليلة الأمس مرت عليها بصعوبة كادت أن تخنقها حتى النوم لم تذقه.. لازمت مقعدها الليل كله مستيقظة، وأكثر ما كان يؤرقها هو وحدتها، ربما تكون اعتادت الوحدة لكنها لم تعتاد شعور انعدام الحب أبدًا، شعورها بأنها ليست مرغوبة حتى من أقرب ما يكون لها وهم والديها.. يمزقها أربًا كل ليلة وهي تقضي لياليها وحيدة في فراشها، ربما شعورها الظالم بالنقص والاحتياج هو ما جعلها تندفع بمشاعر سامة قادتها لحب رجل متزوج يحب زوجته، بل اتخذت دور الأشرار في حكايات الحب وحاولت التفريق بينهم وإقناع كل منهم أن الطلاق هو الحل الأسلم لهم، لا تدري متى وكيف أصبحت بهذا السوء لتستغل ثقة صديقتها وتحاول تفريقها عن زوجها فقط لأنها كانت تريده لنفسها.
تلألأت العبرات في عينيها بوهن ثم بدأت تسقط دمعة تلو الأخرى حتى انهارت باكية، فقد أصبحت غير قادرة على كتمان ذلك العبء في قلبها، ربما أن أخرجته ستتخلص منه للأبد وترتاح وينتهي كل شيء، فجأة وسط حالة الهوان تلك التي تعتريها ارتفع صوت رنين هاتفها فالتقطته ونظرت لشاشته فقرأت اسم عز، لا تدري لماذا ازداد بكائها أكثر عندما رأت اتصاله.. ربما لأنها شعرت بأنها في أمس احتياجها له، فهي ليس لديها أحد سواه الآن.
قبل أن يتوقف الهاتف عن الرنين وجدت نفسها تجيب عليه لا إراديًا وتضع الهاتف فوق أذنها دون أن تتفوه ببنت شفة فقط صوت بكائها هو المسموع، فوصلها صوته المفزوع وهو يسألها بقلق:
_راندا مالك أنتي كويسة بتعيطي ليه كدا حصل معاكي حاجة؟!!
لم يسمع منها أي رد فقط البكاء الذي لا يتوقف مما أصابه بالجنون أكثر فهتف بلهجة رجولية حادة ومرتعدة:
_راندا ردي عليا إيه اللي حصل؟
خرج صوتها أخيرًا لكنه كان مبحوحًا وبالكاد فهم كلماتها من وسط بكائها:
_أنا في البيت ياعز
أجابها متلهفًا وهو يثب واقفًا يترك العمل الذي بيده:
_طيب أنا جايلك مسافة السكة وأكون عندك
انزلت الهاتف من فوق أذنها واستمرت في نوبة بكائها العنيفة، التي حتمًا نابعة من أعباء وتراكمات اعتادت على كتمها داخل قلبها الرقيق، مر الوقت سريعًا ولا تدري كم المدة التي مرت لكنها ليست طويلة تقريبًا حتى سمعت صوت جرس الباب يرتفع في أنحاء الشقة بأكملها، فاستقامت واقفة واتجهت إلى الباب بخطوات متعثرة ثم مدت يدها وامسكت بالقبض لتنزل به الأسفل وتجذب الباب نحوها فينفتح ويظهر من خلفه عز الذي يتطلعها بتعبيرات وجه متلهفة وانفاس لاهثة، يبدو أنه صعد خمس طوابق على الدرج ركضًا من فرط قلقه عليها، تقدم خطوة للداخل وهو مازال يحدق في وجهها بعدم فهم فإذا به يجدها ترتمي بين ذراعيه في حضنه وتبكي بقوة، صابته الصدمة لثانيتين فقط ثم تدارك الموقف ورفع ذراعيه يلفهم حولها ويضمها إليه بحنو هامسًا بصوت قلق:
_اهدي طيب بس أبوس إيدك وفهميني إيه اللي حصل
رفعت رأسها عن صدره ونظرت في وجهه بعينها الغارقة بالدموع وراحت تسأله بانكسار:
_هو أنا متحبش ياعز ؟
ضيق عينيه باستغراب لكنه لا إراديًا احتضن وجهها بين كفيها وهمس بعينان تنضج بالغرام:
_إيه الكلام الفارغ ده مين اللي فهمك كدا، لما أنتي متتحبيش امال مين اللي يتحب
سالت دموعها مجددًا وأكملت بأسى على نفسها:
_حتى ماما وبابا مش بيحبوني ومش بيسألوا فيا كل واحد فيهم سافر وعاش حياته بعيد عني ونسيوا أن عندهم بنت
ارتفعت معالم الحنق على وجه &;عز&; فور ذكرها لوالديها الذي يستحقرهم، ولف ذراعه حول كتفيها ودخل معاها للداخل بعد أن أغلق الباب هاتفًا:
_تعالي بس نقعد الأول واهدي وبعدين كملي براحتك
وصلوا إلى الأريكة وأجلسها ثم ذهب هو للمطبخ وجلس لها كوب ماء بارد وأعطاها إياه وهتف يسألها باهتمام:
_هااا هديتي شوية؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي تمسح دموعها بمنديل ورقي صغير وسمعته يقول بانزعاج شديد:
_مش عايز اسمعك بتقولي الكلام ده تاني، وبخصوص أمك وأبوكي صدقيني هما اللي ميستاهلوش أن يكون عندهم بنت زيك، وأنا متأكد أنهم لو موجودين معاكي حياتك كانت هتبقى جحيم لأن أب وأم زيهم مستحيل يعرفوا يسعدوا بنتهم هما مش بيفكروا غير في نفسهم بس
اطرقت رأسها أرضًا بوهن وقد قررت الاعتراف له بكل شيء والتخلص من ذلك العبء فرفعت رأسها ونظرت له بندم وهتفت:
_أنا لوحدي من سنين طويلة أوي، متخيل أني بصحي وبنام كل يوم وحدي.. باكل واتفرج على التلفزيون وحدي.. بخرج وحدي وبعمل كل حاجة وحدي.. حتى لما بتعب أحيانًا مبلاقيش حد يهتم بيا.. يمكن أنا هنزل من نظرك بعد اللي هقوله ده دلوقتي بس صدقني أنا مش قادرة اتحمله اكتر من كدا أنا حاسة أنه بيخنقني بالبطيء كل ما اكتمه اكتر
التزم الصمت وظل يتمعنها بتركيز ينتظرها أن تكمل لتخرج كل ما في جوفها وترتاح، فتابعت هي بعينان تدفنها في الأرض من فرط خجلها من نفسها:
_فارس من قبل ما يتجوز ليلى وأنا كنت معجبة بيه ولما لقيت أن في قصة حب بينهم بدأت حاولت اسحب نفسي واشيله من تفكيري وبالفعل نجحت لفترة بس رجعت تاني وللأسف لما رجعت تاني كانوا اتجوزوا حاولت كتير افوق من الغلط ده معرفتش، لدرجة أنه وصل بيا أني كنت مستنية طلاقهم في الفترة الأخيرة على أمل أنهم لو اتطلقوا ممكن يكون في فرصة ليا معاه، لغاية من فترة قريبة أوي بدأت مشاعري تجاهه تختفي الحمدلله، بس انهرت واحتقرت نفسي أوي امبارح لما ليلى جات مع فارس وشوفت حبه ليها وحبها ليه، بقيت اقول أنا ازاي عملت كدا وازاي كنت السوء ده.. ليلى صحبتي معقول ابص على جوزها وابقى بالحقارة دي، ازاي قبلت على نفسي إني اتعلق براجل متجوز وعمره ما هيشوفني حتى لو مراته مكنتش موجودة في حياته
رفعت رأسها ونظرت لعز فرأت في وجه تعبيرات جعلتها تبتلع أي حرف آخر، كانت نظرات مرعبة وقسمات وجهه جامدة لا تظهر أي تفاعل مع كلماتها أو ربما هو يتعمد عدم إظهار مشاعره الحقيقة التي كانت مزيج من الغضب والخزي، وعقله قد اتخذ قراره بالفعل فهو لن يقبل على ذاته أن يستمر في حبها وهي تهوي صديقه المتزوج وتعيش على أمل انتظار انفصاله عن زوجته لتأخذه، لكنها تركها تكمل وتفرغ كل شيء داخلها ولم يتفوه بكلمة واحدة، أما هي فهتفت محاولة الدفاع عن نفسها وتبرير فعلتها بعدما رأت نظراته لها:
_أنا عارفة أنت بتفكر فيا إزاي دلوقتي، بس صدقني حتى أنا محتقرة نفسي أوي ومش عارفة إزاي اتعلقت بيه كدا، يمكن لأني طول عمري فاقدة للحب والحنان وكان نفسي ولو لمرة واحدة في عمري احس إني مرغوب فيا فكنت بحاول ادور على أي مكان وأي شخص الاقي فيه اللي اتحرمت منه حتى لو كان اختيار غلط بس كنت ساذجة وغبية وخليت ضعفي ووحدتي يسيطروا عليا ويخلوني ارتكب خطأ هندم عليه عمري كله
ابتسم عز بنظرة ممتلئة بالخزي والألم وهتف أخيرًا لكنه تحدث معترفًا لأول وآخر مرة:
_أنتي عمرك ما كنتي مش مرغوبة لو كنتي بصيتي حواليكي شوية وفتحتي عينك المعمية دي كنتي هتشوفي اللي بيحبك بجد وعايزك لكن سذاجتك زي ما قولتي على نفسك خلتك تدوري في المكان الغلط لا وكمان عايشة ومستنية فراق فارس وليلى أو يمكن كنتي بتحاولي كمان تفرقي بينهم عشان تفوزي بيه بعدين، ووسط كل ده عمرك ما شوفتيني ولو لمرة واحدة ولا حسيتي بيا لأنك طبعا كنتي مشغولة بهدفك وأنا كنت مشغول بهدفي اللي هو أنتي بس اكتشفت دلوقتي إني كنت بعيد أووووي، عمرك ما حسيتي بحبي ليكي مشوفتيش اهتمامي بيكي ولا خوفي عليكي ولا حنيتي عليكي لأنك أصلًا مكنتيش شيفاني، وجاية تبرري ليا دلوقتي وتقوليلي أن احساسك أنك مش مرغوبة هو اللي خلاكي تحبيه لا متضحكيش على نفسك لأن صدقيني انتي لو كنتي عايزة تشوفيني وتحسي بيا كنتي هتشوفيني بس انتي اخترتيه هو وأنتي عارفة أنه مستحيل يكون ليكي
جفت دموع راندا في عيناها وفقدت القدرة على النطق من فرط صدمتها مما تسمعه أذنيها، فكأن دلو من الماء المثلج سكب فوق رأسها لتصبح بين سراب الحقيقة والوهم، أما هو فأكمل باستهزاء ولوعة مبتسمًا بعدما استقام واقفًا:
_دلوقتي أنتي جيباني هنا كمان عشان تشكيلي من الم حبك لفارس والمفروض أنا اخفف عنك واواسيكي، أنا آسف بقى مش هقدر اعمل كدا سامحيني، بس تعرفي أنا اللي كنت عايش الوهم الحقيقي مش أنتي
أنهى عباراته واستدار وسار مبتعدًا عنها متجهًا إلى الباب ليفتحه ويغادر ويتركها وحيدة وسط ذهولها وعدم استيعابها لما حدث للتو، للحظة توهمت بأنها تحلم وأن ما سمعته ليس حقيقي.. لكن هيهات!!!&;&;.
***
داخل منزل فارس تحديدًا بغرفة ماهر التي قضى بها ليلة أمس، لم تذق عيناه النوم هذه الليلة أبدًا.. ظل مستيقظًا يفكر فيما حدث معه، لا يكترث لأمر نفسه بقدر اكتراثه بأخيه وزوجة أخيه وحتى والديه نهاية بسمر التي جعلها تشاركه تلك الرحلة المرعبة، بقى عقله مشغولًا طوال الليل يحاول إيجاد حلول لمساعدة أخيه في التخلص من ذلك الشر الشيطاني وبنفس الوقت لا يستطيع تجاهل سمر فقد كان قلبه يمزقه قلقًا عليها ولا يعرف كيف يحميها، بالأخص بعد تهديد &; أوار &; الصريح له بالأمس وذكرها لاسمها.
استقام واقفًا من فراشه نقررًا إنهاء تلك الوساوس التي تنهش عقله ويتصل بها يطمئن عليها فاتجه نحو هاتفه والتقطته وأجرى اتصال بها، فجائه الرد بصوتها الناعم تجيب:
_صباح الخير يادكتور
ابتسم براحة لسماعه صوتها بهذه الراحة وأجابها بود:
_صباح الفل يادكتورة عاملة إيه أنتي كويسة؟
ردت برقة وابتسامة محبة تخفيها خلف شاشة الهاتف:
_الحمدلله بخير، أنت قضيت الليلة امبارح عند فارس ؟
أجاب ماهر بالإيجاب في هدوء:
_أه أنا عنده، أنا حبيت بس اتصل اطمن عليكي وأسألك الدكتور سامي فاضي النهاردة ولا لا عشان عايزين أنا وفارس نيجي نزوره ونتكلم معاه
قالت بترحيب شديد ولهجة حماسية:
_فاضي طبعًا ومستنيكم من امبارح ده هو فرح جدًا لما عرف أنك جيت معايا، اتفضلوا في أي وقت تحبوه
وصلها صوته الرجولي الرزين لكنه ممزوج بلهجة جادة ومهتمة:
_تمام أن شاء الله، بس أنا عايزك تاخدي بالك من نفسك ياسمر عشان خاطري
ضيقت عينيها باستغراب رغم سعادتها من اهتمامه بها وراحت تسأله بفضول:
_حاضر بس هو في حاجة حصلت معاك ولا إيه ؟
كذب برده مخترعًا حجة أخرى يبرر بها خوفه عليها حتى لا يخبرها بالحقيقة المرعبة:
_لا مفيش أنتي عارفة أني قلقان ومكنتش حابب ادخلك معايا في الموضوع ده عشان كدا بقولك خدي بالك من نفسك
آماءت برأسها متفهمة وقالت بصوت أنثوي ساحر:
_حاضر متقلقش عليا، مستنياك متتأخرش بقى
رفع حاجبه مبتسمًا بخبث وعلق متعمدًا إحراجها:
_مستنياني!!؟
: تنحنحت بخجل وأجابت فورًا معدلة عبارته
_أقصد مستنينكم أنا وخالو يعني
قرر التجاهل والتصرف بسذاجة وكأنه صدق حتى لا يحرجها أكثر رغم ضحكه الواضح في نبرته وهو يجيبها:
_أه طبعًا بلغي الدكتور بقى سلامي لغاية ما اجيله
اكتفت بهمهمتها ولم تخرج أي حرف آخر من جوفها من شدة خجلها منها وبسرعة أغلقت الاتصال وهي تعنف ذاتها على حماقتها وعدم تحكمها بمشاعرها التي سببت لها فضيحة، أما ماهر فقد انزل الهاتف من على أذنه مبتسمًا وبتلك اللحظات قد نسى كل شيء لوهلة لكن سرعان ما انتشله صوت طرق الباب الذي وصل خلفه صوت فارس يهتف:
_ماهر أنت صحيت ؟
أجاب ماهر بقوة:
_ادخل يافارس
فتح فارس الباب ودخل واغلقه خلفه ثانية ثم اقترب من أخيه يجلس على الفراش بجواره ليسبقه ماهر هاتفًا بصوت ووجه مرهق:
_أنا منمتش ليلة امبارح نهائي
زم فارس شفتيه بحنق وأجاب بنفس الرد:
_ولا أنا فضلت الليل كله صاحي جمب ليلى معرفتش أنام من القلق
خرج صوت ماهر رجولي وحازم وهو يقول:
_طيب لو معكش حاجة دلوقتي قوم بينا نلبس ونروح لدكتور الآثار ده يمكن يعرف يساعدنا
ابتسم فارس لأخيه بشبه سخرية وراح يربت على ذراعه بلطف ويهتف في حدة ونبرة صارمة:
_لا نلبس إيه أنت مش هتروح معايا مكان، أنت هترجع تاني القاهرة وملكش دعوة بالموضوع ده خالص
رفع ماهر حاجبيه باستعجاب وظهرت البسمة القوية على ثغره مجيبًا:
_ومين قالك أني هرجع، لو قلقان عليا عشان اللي حصل امبارح فمتخفش مش هتقدر تعملي حاجة
صاح فارس منفعلًا عليه من فرط خوفه وضغطه النفسي الذي يعاني منذ أيام:
_مين قالك مش هتقدر كانت هتقتل &; عز &; امبارح لولا أن الحمدلله لحقوه على آخر لحظة، كفاية إني دخلت عز وليلى معايا في المصيبة دي وللأسف خلاص مفيش مجال للرجعة..فمش هسمحلك أنت كمان تدخل معايا خصوصًا بعد اللي حصل إمبارح
أجاب ماهر بثبات انفعالي تام غير مباليًا بثوران أخيه ومصرّ على قراره:
_وأنا قولتلك مش هسيبك وحدك يافارس متحاولش في الموضوع ده نهائي
حاول فارس كظم غيظه والتحكم في انفعالاته حتى يقنعه بالعودة وقال:
_ماهر بلاش عند عشان خاطري ياخويا أنا خايف عليك الموضوع ده مفهوش هزار، هي مش قادرة تأذيني لأنها محتجاني وعايزاني اقدملها روحي بنفسي فمش هتقدر تقربلي وأنا فاهم كويس أوي أنها بتستخدم ليلى كأداة ضغط عليا عشان تخليني أخضع ليها يعني حتى ليلى مش هتقدر تأذيها أذى يوصل للموت
فقد ماهر اعصابه ولم يتمكن من السيطرة عليها أكثر وراح يصيح بأخيه الأصغر في حدة:
_أنت طبيعي وواعي للي بتطلبه، هو احنا امتى سيبنا بعض في محنة وموقفناش جمب بعض.. أنت خايف خاف براحتك ياعم لكن أنا مش خايف، وقفل على السيرة دي نهائي يافارس وقوم يلا البس عشان نروح للراجل ونشوف حل
انهي ماهر عباراته واستقام واقفًا واتجه نحو حقيبة ملابسه يفتحها ويخرج منها ملابس نظيفة ليرتديها ويستعد للخروج تاركًا فارس يراقبه بنفاذ صبر ويأس منه، بعدما أدرك أنه مهما حاول ردع أخيه لن يستطيع فقد اتخذ قراره ولا يمكن أن يتخلف عنه، هب فارس هو أيضًا واقفًا وغادر الغرفة باستياء&;
***
داخل غرفة فارس وليلى.. كانت تتجهز وترتدي ملابسها بعدما أصرّت على الذهاب معهم ومشاركتهم كل شيء رافضة البقاء في المنزل واتخاذ دور الجاهل الذي لا يدري أي شيء، فلم يعترض فارس ووافق فورًا بسبب رغبته في عدم تركها وحدها بالمنزل.
بينما كان بالحمام يأخذ حمامه الصباحي لكي يرتدي ملابسه بعده وينطلقوا إلى دكتور الآثار، كانت ليلى تجلس على مقعدها أمام المرآة تضع مكياجها وتجهز نفسها، التقطت أحمر الشفاة ورفعته لفمها وبدأت ترسم شفتيها به لكن فجأة توقفت يدها وتجمدت وجحظت عيناها بذهول عندما رآت انعكاس أوار خلفها في المرآة وهي تبتسم لها بشيطانية، وربما لسوء الحظ أنها لم تظهر لها بهيئتها الحقيقية المرعبة بل ظهرت لها بوجه امرأة جميلة مرتدية فستان زفاف أسود وجرحى سوداء فوق رأسها، وعلى رغم جمالها إلا أن ليلى كانت مدركة تمامًا حقيقتها وأنها شر خطير لا يمكن التهاون به، بينما أوار فكانت محتفظة بابتسامتها المرعبة وهمست لليلى:
_ لا تخافي يا ليلى أنا لست هنا لأذيكِ، بل أنا هنا لحمايتك أنتي وفارس
التفتت لها ليلى بشجاعة غريبة تملكتها ونظرت في عيني أوار بتحدي وغضب وراحت تفتح فمها تنطق أول حرف تنوي قراءة آيات من القرآن لكن انعقد لسانها فجأة وكأنها فقدت النطق فظلت تحدق في أوار بصدمة وهي تحاول التحدث لكن كل محاولاتها باتت بالفشل، وأكبر خطأ ارتكتبه هو أنها نظرت في عينها، الأمر الذي مكنها من ممارسة سحرها المميت عليها وبدأ وجهها يتحول لهيئته الطبيعية والمرعبة وعيناها أخذت لونها الأحمر وهي تحدق بـ ليلى في شر وتهمس لها تلقي عليها تعليمات شيطانية:
_كما أخبرتك أنا هنا لمساعدتك، هل ستسمحين لماهر بقتل زوجك، لقد جاء لزيارتكم لأنه يريد قتلك أنت وفارس
اتسعت عيني ليلى بمزيج من الرعب والصدمة بعدما سقطت داخل تعويذة سحرها الشيطاني، بينما أوار فأخرجت سكين ووضعته بكف ليلى وهي تكمل ليلى بصوت مخيف تلقي أوامرها عليها مستخدمة سحرها:
_انقذي نفسك وزوجك بتلك السكين وتخلصي من الخطر الذي يحوم حولكم
اغلقت ليلى على السكين في كفها وراحت تهز رأسها لها بالموافقة دون وعي وهي منصاعة لأوامرها متأثرة بسحرها الشيطاني الذي مارسته عليها للتو&;.
الوسوم روايات ندى محمود توفيق