تحميل رواية «أوار» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
_جنية الظلام __الفصل الأول _في تمام الساعة التاسعة مساءًا بأحد المناطق الأثرية كان يقف مجموعة من الأثريين والمنقبين عن الآثار والمرممين وعلى رأسهم المفتش العام لعملية الحفر والتنقيب هذه، وبعد انتهائهم من مسح المنطقة والتأكد من مكان التنقيب الصحيح، نظروا الحفارين المتخصصين للمفتش وقال أحدهم يأخذ الأذن ببدأ الحفر:_المكان هنا بظبط يادكتور فارس نبدأ الحفر ؟دقق فارس النظر في تلك البقعة التي يشير عليها ثم هز رأسه يرسل إشارته لهم بالموافقة، ومرت الدقائق وهم مستمرين بالحفر مع نظرات فارس الدقيقة لكل حركة...
رواية أوار الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى محمود توفيق
خرج فارس من الحمام بعدما انتهي من حمامه الصباحي واتجه إلى خزانته ليخرج ملابسه ويرتديها بسرعة، كانت ليلى جالسة فوق الفراش شاردة الذهن تحدق في الفراغ بطريقة مريبة جعلته يتمعنها بتعجب وراح يسألها باهتمام بعدما لاحظ حالتها الغريبة:
_مالك ياليلى أنتي كويسة؟
ظلت عيناها عالقة على اللاشيء أمامها ولم تلتفت بنظرها حتى لفارس فضيق عيناه وهتف بصوت قوي ليجعلها تنتبه له وتجيب عليه:
_ليلى أنا بكلمك أنتي سمعاني !؟
فاقت أخيرًا على حدة صوته ورمقته بنظرة ضائعة لكنها أجابت بهدوء تام ومثير للشك أكثر:
_نعم يافارس
اقترب منها فارس وجلس بجوارها ثم راح يمسح على شعرها بحنو ويسألها بقلق:
_أنتي كويسة ياحبيبتي ؟
ابتسمت له برقة وهزت رأسها بالإيجاب متمتمة:
_أنا كويسة الحمدلله .. قوم يلا أنت البس عشان منتأخرش
اطال التمعن في تعابير وجهها بعدما تأكد أن زوجته بها شيء لا يعلمه، لكنه للأسف قرر تجاهل ذلك الأمر الآن وبعد زيارة دكتور سامي عالم الآثار هذا سيهتم بها ويعرف ماذا حدث معها.
استقام واقفًا وراح يكمل ارتداء ملابسه أما ليلى فعادت مجددًا شاردة الذهن في الفراغ، وبعد استعدادهم تمامًا غادروا المنزل واستقلزا بسيارة فارس متجهين إلى منزل سامي، كان ماهر يجلس بجوار أخيه في المقعد الأمامي وليلى تجلس بالمقعد الخلفي، بينما كان فارس منشغلًا بالقيادة كان ماهر عيناه من كل آن لآخر تختلس النظر إلى ليلى في المرآة العاكسة أمامه، بأول مرة كانت نظرته بمحض الصدفة تمامًا فرأى نظرات نارية في عيناها ترمقه بها، تعجب بشدة لكنه لم يكترث كثيرًا مبررًا أنه ربما تهيأ له، لكنه عاد ينظر ثانية واستقبل نفس النظرة يبدو أنها لا تحيد بنظرها عنه طوال الوقت، ومستمرة بالتحديق به بكل ذلك الغل منذ بداية طريقهم، أعاد الكرة مرة ثالثة ورابعة وهي ذاتها النظرة التي لا تشبه نظرات زوجة أخيه أبدًا، كانت نظراتها له كلها وعيد شيطاني مرعب وحقد، تمامًا كنظرة &; أوار &; له، لكنه تجاهل تلك الأفكار وانتزعها من عقله معللًا أنها تخاريف في ذهنه هو فقط وليست حقيقية .
***
داخل منزل الدكتور سامي.. هرولت سمر متلهفة إلى الباب بعدما سمعت صوت رنين الجرس، وفتحت الباب بابتسامتها الرقيقة فقابلت أمامها ماهر الذي ابتسم بدوره بعد رؤيته لابتسامتها، أما هي فاسحت لهم الطريق بسرعة علاقة بترحيب شديد:
_أهلًا وسهلًا اتفضلوا اتفضلوا
دخل ماهر أولًا على استحياء في أدب ولحق به فارس وآخرهم كانت ليلى، خرج سامي من غرفته فور دخولهم وهو يهتف مرحبًا بهم بوجه بشوش:
_يا أهلًا وسهلًا
اقترب من ماهر أولًا ومد يده يصافحه بحرارة هاتفًا في ود جميل:
_أخيرًا يادكتور نولت الشرف أشوفك نورتني والله
ابتسم له ماهر وقال بتهذيب في صوت رزين:
_الشرف ليا والله يادكتور سامي
مد يده مُرحبًا بفارس في احترام شديد ولهجة رجولية، فـ ربما تقمص دور الجدية أكثر مع فارس لأن هيئة فارس دومًا ما تعطي انطباعًا بالهيبة والقوة، هتف سامي :
_أهلًا بحضرتك يابشمهندس فارس نورتنا
أجاب فارس بصوت رجولي رخيم وابتسامة رزينة:
_منور بأهله يادكتور
أشار سامي لهم بيده نحو غرفة مكتبه الخاصة بعدما رحب بـ ليلى أيضًا هاتفًا:
_اتفضلوا
ساروا خلفه إلى داخل الغرفة وجلس كل من سامي وفارس على مقعدين مقابلين لبعضهم وليلى جلست بجوار ماهر على أريكة متوسطة الحجم، بدأوا حديثهم بأمور عامة تخص الحياة والعمل والسياحة والآثار حتى تطرق الآمر في النهاية إلى المقبرة الملعونة والبردية والسبب الرئيسي لزيارتهم له.
أخرج فارس البردية من جيبه واعطاها لسامي الذي التقطتها من يده ثم ارتدي نظارته الطبية وبدأ يتفحصها ويدرسها بنظراته يقرأ كل ما دون بها وسط نظرات ماهر وفارس المترقبة لرده وأخذ اي معلومة مفيدة، أما ليلى فكانت عيناها تطلق إنذار الشر وثابتة على سامي لا تحيد عنه للحظة، بتلك اللحظة دخلت سمر وهي تحمل صينية فوقها أكواب القهوة ومدت الصينية أمام كل واحد ليأخذ فنجانه، بينما سامي فقد استقام واقفًا واتجه نحو مكتبه الخاص وأخرج من أحد الإدراج كتاب أثري ضخم وراح يبحث بين صفحاته بتركيز شديد حتى توقفت أنامله وحركة أصابعه عند صفحة معينة وابتسم بحماس هاتفًا:
_لقيته ؟
هتف فارس بسرعة متلهفًا بعدما استقام مسرعًا وهروب نحوه يقف بجواره وينظر في الكتاب:
_إيه يادكتور لقيت التفسير للي بيحصل ده ؟
أجاب سامي بهدوء وهو ينظر في الكتاب ويستخلص منه المعلومات كما هي مدونة:
_الملك اللي أنت دخلت مقربته اسمه سح رع ملك مش معروف أبدًا ومفيش غير كتب نادرة جدًا اللي ذكرته وحكم مصر لفترة صغيرة جدًا بس كان معروف بظلمه، ومذكور أنه كان متجوز بس عنده عشيقة سرية اسمها أوار وكان مهووس بيها وقرر أنه يخلدها ويحبس روحها معاه فقتلها بأبشع الطرق واستخدم السحر الاسود لحبسها داخل مقبرته ومعاه لعن نفسه ومقبرته كلها
خرج صوت فارس مستفهمًا بفضول وعدم فهم:
_طيب لما هي المقبرة ملعونة وهو حبسها معاه أنا ازاي دخلت وازاي ظهرت ليا المقبرة دي
حدقه سامي للحظات بتفكير وجهل مشابه له ثم عاد يقلب بين صفحات الكتاب مجددًا عله يجد أي معلومة تخص تلك النقطة ،حتى توقف نظره على عبارة مكتوبة بالهيروغليفية فقرأها ونظر لفارس بقوة متمتمًا:
_ من شروط السحر اللي عمله الملك أن محدش يقدر يدخل المقبرة دي ولا يشوفها غير شخص من نسل الملك وهو كمان اللي يقدر يحرر أوار أو يرجعها لسجنها من تاني
التفت فارس لأخيه ونظر له مندهشًا وكان ماهر هو أيضًا يتابعهم بذهول أما سامي فتابع بنبرة رزينة يطمئنه:
_ومذكور كمان أن أوار متقدرش تأذي أي شخص من نسل الملك وإلا هيكون الهلاك نصيبها يعني هي متقدرش تأذيك يافارس
هتفت سمر بقلق وهي تنظر لماهر :
_بس ياخالو هي حاولت تأذي ماهر وبتهدده
أجابها ماهر بنبرة رجولية قوية:
_عشان أنا وفارس مش أخوات من نفس الأب فبتالي أنا مش نسل الملك
ابتعد فارس عن سامي وجلس على مقعده مجددًا ورفع يده يحك في ذقنه ويمسح على وجهه متأففًا بقلق وحنق ثم رفع رأسه ونظر لسامي يسأله بعدم فهم:
_طيب هي عايزة روحي ليه؟
أخذ سامي نفسًا عميقًا وقال وهو يتنهد بضيق:
_عشان المفروض أنه روح من نسل الملك هي اللي هتقدر ترجعها للحياة وتحررها وتخليها تتجسد في أي شكل وهيئه ، بس هي متقدرش تأذيك عشان كدا بتحاول تجبرك أنك تسلم روحك ليها طوعًا
كانت سمر تستمع لكل هذا والرعب والصدمة تستحوذ عليها أما ليلى فكان الثبات يمتلكها بشكل مرعب.. لا تبدي أي ردة فعل وتعبيرات وجهها جامدة تمامًا فقط تحدق في كل من سامي وماهر بوعيد شيطاني.
خرج صوت فارس بآخر سؤال في استفهام:
_طيب المقبرة دي اقدر افتحها ازاي تاني وازاي كمان احبس أوار من تاني
أطلق سامي زفيرًا بعبوس وقلة حيلة وقال:
_مهو ده بقى السر اللي مش موجود لا في البردية ولا في الكتاب للأسف، بس ممكن ابحث في كتب تاني واحاول اوصل بمعلومة مفيدة يعني اديني كان يوم كدا وارد عليك
ارتفع رنين هاتف ماهر في تلك اللحظة فاستقام واقفًا واستأذن بأدب ليغادر ويتحدث في الهاتف بالخارج، بينما ليلى فكانت تراقب كل خطوة يخطوها ماهر بترقب وانتظرت مغادرته الغرفة فهبت هي الأخرى واقفة ووجهت رأسها نحو سمر تسألها بلطف:
_هو الحمام فين ؟
استقامت سمر واقفة وسارت معها لترشدها إلى الحمام، ثم تركتها وعادت للغرفة حيث يجلس كل من فارس وحالها، أما ليلى فخرجت من الحمام في الحال ووقفت تتلفت حولها بحثًا عن ماهر حتى لمحته يقف في إحدى الزوايا أمام نافذة كبيرة يوليها ظهره ويتحدث في الهاتف، فابتسمت بشيطانية وتقدمت نحوه ببطء شديد تسير بكل حذر حتى لا يشعر بها حتى وقفت خلفه وأصبح لا يفصلها عنه سوى سنتي مترات قليلة، بتلك اللحظة صدح صوت أوار في أذنها وهي تذكرها بمهمتها وتجدد سحرها عليها أكثر هامسة:
_افعليها يا ليلى لا تترددي، وجود ماهر في حياتكم سيكون خطر شديد وستخسري زوجك بسببه
هزت ليلى رأسها بالموافقة بعدما استحوذت عليها بسحرها أكثر وتعشش الخوف والغضب في قلبها تجاه ماهر فمدت يدها في جيب بنطالها الفضفاض الذي ترتديه وأخرجت منه السكين التي أعطتها لها أوار في المنزل ورفعتها متأهبة لطعن ماهر من ظهره، لكن لحسن الحظ أنه التفت فجأة بجسده للخلف فانتفض مفزوعًا عندما وجدها تقف متسمرة خلفه هكذا وسرعان ما جحظت عينيه بذهول فور رؤيته لتلك السكين القابضة عليها بيدها وتوجهها نحوه، وعلى حين غرة دون أن تمهله اللحظة لاستيعاب ما يحدث دفعت يدها بالسكين نحوه لكنه تدارك الخطر على آخر لحظة وقبض على يدها قبل أن تغرز السكين في أعماق أحشائه وكان الجرح سطحي، ظل ماهر يحدقها بصدمة جاحظًا عيناه ويضع يده على جرحه محاولًا إيقاف دمائه من السيلان.
خرجت سمر من غرفة سامي لتتفقد ماهر لكنها تصلبت بأرضها فاغرة شفتيها وعيناها ولم تدم صدمتها لأكثر من ثلاث ثواني حيث أطلقت صرختها العالية باسمه وهرولت نحوه برعب، دفعت ليلى بعيدًا عنه بقوة واجلسته على أقرب مقعد وأبعدت يده عن جرحه لتتفقده وهي تهتف بصوت مرتجف:
_يلا بينا على المستشفى ياماهر
لم يكن هو يشعر بأي ألم من فرط صدمته حتى لا يسمع سمر ولا يراها، هو فقط يحدق في زوجة أخيه بعدم استيعاب لما فعلته ويراها تقف بيدها السكين الملطخة بدمائه وتنظر له بتيه وصدمة مماثلة له وكأنها جسد بلا روح، يدها كانت ترتعش وعيناها تلألأت بالعبرات.
خرج فارس وسامي من الغرفة بهلع على أثر صراخ سمر فركض فارس نحو أخيه بفزع عندما رآه هكذا وراح يسأله بعدم فهم:
_إيه اللي حصل ياماهر أنت كويس ؟
هز ماهر رأسه بالإيجاب دون أن يحيد بنظره عن ليلى وقال لأخيه بهدوء:
_أنا كويس الحمدلله بسيطة ، شوف ليلى
التفت فارس برأسه للخلف ينظر إلى زوجته وكانت الصدمة الأكبر من نصيبه هو حيث اتسعت عينيه بعدم استيعاب عندما رأى السكين الملطخة بدماء أخيه في يدها، فهب واقفًا واندفع نحوها غاضبًا يصيح:
_إيه اللي عملتيه ده ياليلي
نظرت له بعينان غارقة بالدموع وانسابت بغزارة على وجنتيها وراحت تهز رأسها بهيستريا في رعب وعدم تصديق تنفي ما فعلته وتقول باكية:
_أنا معملتش حاجة.. لا أنا معملتش كدا والله يافارس
جذب السكين من يدها وراح يسألها بقوة:
_جبتي السكينة دي من فين ؟!
خرج صوت ماهر المتألم في تلك اللحظة يوجه حديثه إلى أخيه بضيق:
_اهدي يافارس وبراحة عليها واضح انها مكنتش في وعيها مالك ؟
حدقت ليلى في السكين الملطخة بدماء ماهر واتسع لؤلؤي عيناها بارتيعاد وفي ظرف لحظة كانت تغلق عيناها وتسقط فاقدة الوعي لكن فارس التقطتها بسرعة قبل أن تلمس الأرض وضمها إليه وهو يضرب على خديها بقوة بسيطة ليوقظها في ملامح خوف وقلق شديد عليه:
_ليلى ليلى فوقي.. ليلى
خرج صوت سامي المضطرب وهو يحاول إنقاذ الموقف هاتفًا لفارس:
_شليها يابشمهندس فارس وتعالي معايا ندخل الأوضة نفوقها وترتاح شوية
حملها بلهفة على ذراعيه وقبل أن يخطو خطوة مبتعدًا التفت نحو أخيه بقلق فهتف سامي بنبرة ثابتة ليطمئنه:
_متقلقش عليه سمر معاه وواضح أنه جرح بسيط
هز ماهر رأسه له بدفء أخوي يرسل إشاراته أن يذهب ويطمئن على زوجته أولًا، فذهب بصحبة سامي الذي اخذه لإحدى الغرف التي تحتوي على فراش متوسط بالمنتصف ووضع فوقه ليلى برفق شديد.
***
بالخارج حيث كان يجلس ماهر وسمر تحاول إيقاف نزيف جرحه بيد مرتعشة وعيناها لامعة بالعبرات، فهتف لها في لطف مبتسمًا:
_اهدى ياسمر أنا كويس ده جرح بسيط الحمدلله
رمقته باهتمام وقلق حقيقي وقالت بتوسل:
_طيب يلا بينا على المستشفى ابوس إيدك عشان نطمن أكتر وهما يعملوا اللازم هناك
قال في جدية رافضًا رفض قاطع:
_مش مستاهلة وبعدين مينفعش مستشفى مش ناقصين سين وجيم ياسمر، هو أنتي مش دكتورة برضوا اتصرفي؟
هتفت بغيظ منه في قوة:
_أنا دكتور نساء مش دكتورة جراحة
اجاب مازحًا ليضيف بعض المرح على الأجواء المضطربة:
_طالما بتمسكي مشرط وبتخيطي يبقى احنا في السليم خشي بقلب جامد
رفعت حاجبها مستنكرة رده الساخر وهتفت بقلة حيلة وهي مبتسمة:
_بخيط!!.. طيب ياماهر يلا ندخل اوضة المكتب عند خالو
استقام واقفًا من مقعده ببطء شديد وهو يتألم مساعدته هي وحاوطت خصره بذراعيه لتسنده في سيره وهو بدور وضع ذراعه بلطف على كتفها ليتمكن من السير حتى الغرفة.
ساعدته بكل رفق وحرص ليتمدد بجسده على الأريكة الطويلة وهو مازال يغطي جرحه بكفه وبتلك القماشة التي أعطتها له ليضغط بها على جرحه حتى يوقف النزيف، ثم هبت واقفة واسرعت تجلب ادواتها الطبية اللازمة حتى تتمكن من تضميد جرحه، عندما عادت له وجدته يوجه رأسه تجاه السقف وعينيه مغلقة فانقبض قلبها هلعًا وهرولت إليه تجلس بجوار رأسه على الأرض وتهتف مرتعدة:
_ماهر أنت سامعني .. أنت كويس؟
فتح عينيه ونظر لها بهدوء ثم قال مبتسمًا لكن تعابير وجهه تظهر تعبه والمه الذي يحاول إخفائه عنها:
_أنا كويس بس حاسس نفسي دوخت شوية.. يلا بس أنتي ابدئي شغلك لأن الألم كل ماله بيزيد
هزت رأسها بالموافقة فورًا في قلق وتحركت حتى أصبحت بجوار موضع جرحه تمامًا وبدأت تعقم الجرح أولًا وهي تراقب تعابير وجهه التي تقوست من شدة الألم، ثم انتقلت لمرحلة المخدر وأخذت تضع ما يكفي من المخدر فوق الجرح قبل أن تبدأ بخياطته ثم نظرت له وقالت بأسف وحنو شديد:
_انا حطيت المخدر وهبدأ خياطة دلوقتي ياماهر معلش هو ممكن تحس بنغز بسيط فيه وأنا بخيط استحمل معلش أنا آسفة
اماء رأسه بالموافقة في ثبات تام وتمتم بهدوء يمنحها الأذن للبدء:
_ابدأي ياسمر ابدأي علطول
أخذت نفسًا عميقًا ونطقت البسملة قبل أن تبدأ في خياطة الجرح وهي تخطف نظرها إليه كل لحظة وأخرى تراقب تعابير وجهه هل يظهر عليها الألم أم لا يشعر بشيء&;
***
داخل الغرفة حيث توجد ليلى متسطحة على الفراش وبجوارها فارس يحاول ايقاظها من اغمائها.. حتى بدأت تفتح عيناها ببطء وتحرك بؤبؤي عينيها بالمكان من حولها حتى استقر بالنهاية على زوجها وسامي فاتسعت عينيها أكثر وتذكرت ما حدث قبل أن تفقد وعيها.. وثبت جالسة وهي تصرخ ومنكمشة على نفسها كطفل صغير وتنظر لفارس بعينان غارقة بالدموع تقسم بصدق وسط بكائها وانهيارها:
_أنا معملتش كدا في ماهر والله يافارس أنا لا يمكن افكر اقتل اخوك ولا أذيه يافارس صدقني
كان سامي يراقب حالتها باشفاق أما فارس فكان قلبه يتمزق أربًا عليها بل شعر بالندم حتى لأنه انفعل وصرخ بها قبل أن تفقد وعيها.
خرج صوت سامي الرخيم راغبًا في تركهم وحدهم ليحاول زوجها تهدأتها بالطريقة التي يراها مناسبة:
_أنا هنزل اطمن على ماهر يابشمهندس
هز فارس رأسه بالموافقة له دون أن ينظر له في تعابير وجه مهمومة.. فـ لا يستطيع ترك زوجته بهذه الحالة والاطمئنان على أخيه، يحب أن يحتوي زوجته أولًا ثم يذهب لأخيه.
فور انصراف سامي اقترب فارس من ليلى وضمها لصدره بحنو وأخذ يلثم شعرها ويهتف بصوت دافيء ليهدأ من روعها قليلًا:
_عارف ياحبيبتي أنك معملتيش كدا.. اهدي بس عشان خاطري
ابتعدت عنه بسرعة في فرحة وعينان لمعت بوميض الأمل وقالت في ضعف:
_يعني أنت مصدقني يافارس
ابتسم لها بحب ومد يده يمسح عباراتها عن وجنتيها بحنان محدقًا بها بنظرة مفعمة بالثقة وأردف وهوويهز رأسها بالإيجاب:
_مصدقك طبعًا يالؤلؤتي وكلنا عارفين أنه مكنش أنتي.. بس احكيلي إيه اللي حصل معاكي وخلاكي تفكري تعملي كدا والسكينة دي جبتيها من فين ؟
سكتت لبرهة من الوقت تحاول استعادة ذاكرتها لكن كان عقلها مشوش والأحداث متضاربة في بعضها فلا تتذكرها بوضوح وبعضها لا تتذكره من الأساس، لكنها فتحت فمها ونظرت له وقالت بصوت مبحوح تحكي له ما تتذكره:
_ مش فاكرة حاجة غير أني كنت بلبس وواقفة قدام المراية وأنت دخلت الحمام وفجأة ظهرت أوار شفتها في انعكاس المراية ورايا وكان شكلها جميل أوي ولابسة فستان فرح وآخر حاجة فكراها أني حاولت اقرأ قرآن أول ما شفتها وبعدها مش فاكرة أي حاجة تاني
هز رأسه فارس بتفهم ومعالم وجه تتحدث نيابة عن لسانه، فما سردته له كان فقط تأكيدًا على شكوكه وتوقعه، أما هي فتلألأت العبرات في مقلتيها مجددًا وهتفت بخوف:
_هي اللي خلتني أعمل كدا يافارس.. أنا كنت حاسة أن في مصايب جاية بسببها قولتلك منستهونش بيها لأنها خطيرة فعلًا وممكن تأذينا كلنا
رفع كفه يمسح على شعرها بلين وهمس في نظرة متحدية وقوية:
_بعد المعلومات اللي عرفناها من دكتور سامي بقى هلاكها مسألة وقت بس وهعرف سر المخطوطة وسر المقبرة وهرجعها سجنها من تاني، أنا بس عايزك تكوني قوية وأياكي تخافي منها أو تسمحيلها تسيطر عليكي تاني
اماءت ليلى بالموافقة في تعبيرات رغم رهبتها إلا أنها عازمة على البقاء صامدة بجوار زوجها حتى يتخلصوا من تلك الجنية، أما فارس فانحني عليها وطبع قبلة مغرمة على وجنتها وهمس في لطف:
_تعالي يلا ننزل نطمن على ماهر تحت
سألت برعب وهلع فور تذكرها ماهر:
_هو جرح عميق وخطير ؟
قال نافيًا بهدوء:
_لا الحمدلله ربنا ستر والجرح بسيط وسطحي.. يلا بينا نشوفه
استقام فارس واقفًا وقبض على ذراعها يجذبها لتنهض وتذهب معه لكنها تسمرت مكانها على الفراش وتطلعت به في اضطراب وخزي من نفسها وربما حتى خوف من ردة فعله:
_بلاش أنا مش هقدر اشوفه وأكيد هو مش طايق يشوفني بعد اللي عملته
ابتسم فارس وانتم برزانة:
_ماهر قبلنا كلنا كان عارف انك مكنتيش في وعيك وكان بيهديني عليكي تحت بعد ما جرحتيه، وبعدين أنتي مش دايمًا بتقولي أنه زي اخوكي الكبير تعالي يلا اطمني عليه
أخذت نفسًا عميقًا بارتباك وضيق من نفسها ثم استقامت واقفة وتحركت مع زوجها بخطى ثقيلة، لا تريد أن تصل إليه بسرعة، وهي لا تعرف حتى ماذا ستقول له بعدما حاولت قتله، أي كلمات ستبرر ذنبها حتى لو لم تكن بوعيها لكن ذنبها أعظم من أي كلمات.
***
داخل أحد المعابد الأثرية كانت راندا تقوم بالإشراف على عمليات الترميم للقطع الأثرية التي تم التنقيب عنها واكتشافها واستخراجها، من المفترض أن يشاركها كل من عز وفارس الذي أخذ أذن أجازة اليوم وعز لم يصل بعد.
كانت تقوم بعملها لكن عقلها منشغل بـ &; عز &; تتذكر ليلة أمس واعترافاته لها ونهاية ذلك الحوار المؤسف بشجارهم وربما خسارته للأبد، لكنها لن تسمح له بتركها وستحاول جاهدة إصلاح ما دمرته، هي بكل لحظة تستنكر غبائها الذي اوصلها لمرحلة العمى.. كيف حبها وهوسها المرضى بفارس جعلها تفقد بصيرتها في رؤية من يحبها بصدق.. بل وزدات الأمر سوءًا بغبائها وهي تستدعيه لبيتها لتشكي له من عذاب حبها لرجل آخر، ليتها أدركت كل شيء قبل فوات الآوان ولم تفقده.. هي لم تفقد مجرد حبيب بل فقد صديق كان يقوم بدور الأخ والأب والصديق والحبيب الذي لم تفهمه إلا بعدما خسرته.
بتلك اللحظات التي كانت ملتهية في التفكير به، وصل والقى التحية على الجميع ولم يكلف نفسه عناء الالتفات لها بل انخرط في العمل فورًا متجاهلًا إياها تمامًا، شعرت وكأنه طعنها بسكينًا حادة في أعمق نقطة بقلبها بتصرفه القاسي هذا، ورغم ضيقها وحزنها منه إلا أنها لا تستطيع لومه أو حتى معاتبته فلديه الحق فيما يفعله، أخذت أنفاسها بصعوبة محاولة منع عبراتها المتجمعة في عيناها من السقوط وراحت تكمل عملها وهي تنوي مواجهته بعد انتهاء عملهم.
مرت ثلاث ساعات تقريبًا وهم منشغلين بالعمل باجتهاد وتركيز، حتى جاء وقت الاستراحة وذهب الجميع لتناول وجبة الغذاء باستثناء &; عز &; الذي ذهب لغرفتهم المخصصة لهم هما الثلاثة وجلس على الأريكة وراح يحدق في فراغ بشرود يفكر براندا التي اقتحمت عليه الغرفة دون سابق إنذار ودخلت ثم أغلقت الباب ثانية وتقدمت نحوه ببطء حتى جلست بجواره على الأريكة مثبتة نظرها عليها بقوة في حين أنه يتعمد عدم النظر في وجهها، فتنسفت هي الصعداء بأسى وسألته طلبها بخفوت:
_ممكن نتكلم شوية؟
ابتسم بحسرة وأجابها دون أن ينظر لها:
_هتقولي إيه تاني الكلام كله خلص امبارح!
قالت بحزم موضحة أنها مازالت تحمل جبعتها الكثير:
_لسا في كلام كتير متقالش ولازم تسمعه
أخذ نفسًا عميقًا بحنق وهب واقفًا يجيبمنهيًا الحوار قبل أن يبدأ:
_وأنا مش عايز اسمع ياراندا كفاية أوي اللي سمعته، خلينا على الأقل محافظين على زمالتنا واحترامنا لبعض
وقفت هي بسرعة وقبضت على رسغه توقفه وتهتف برجاء في حزن تظهر لمعته الحقيقية في عينيها:
_وأنا بقولك لازم تسمعني ياعز مش هسمحلك تطلع من الأوضة دي غير بعد ما تسمعني، اقعد بقى بعد أذنك
التفت لها برأسه وحدقها مطولًا في تردد لكن نظراتها المتوسلة اضعفته وافقدته ثباته فانصاع لها وعاد يجلس مجددًا على الأريكة بقلة حيلة ويهتف في ضيق:
_اتفضلي عايزة تقولي إيه
أخذت نفسًا براحة وسعادة داخلية أنها نجحت في أولى خطواتها وجعلته يستمع لها، ثم التزمت الصمت لثواني تحاول ترتيب كلماتها واختيار الكلمات المناسبة التي ستبدأ بها، لتتنهد بقوة ثم تهمس بخفوت وندم:
_أنا عارفة أن حقك تزعل وحقك كمان تكرهني وتحتقرني، بس صدقني أنا مكنش عندي شك ولو واحد في المئة أن أنت ممكن تكون بتكنلي مشاعر في قلبك.. كنت دايمًا بشوفك أعز صديق ليا وأب وأخ ليا ويمكن ده اللي خلاني اقولك الكلام ده امبارح&;
قاطعها وهو يبتسم بلوعة مرددًا كلمتها المؤلمة:
_أخ !!!
قالت بسرعة في صوت بدأت تظهر بحته وحزنه:
_اسمعني للآخر ابوس ايدك، بعيدًا عن أي حاجة قولتها يمكن أنت متعرفش معزتك عندي إزاي ياعز وازاي بحبك، أنا دلوقتي آه الحمدلله تعافيت من المشاعر المريضة اللي كانت جوايا لفارس ومبقيش يفرق معايا بس صدقني أنا حتى لما كنت في عز حبي ليه كنت مقدرش استغني عنك وكان عندي استعداد اخسره هو ولا أني اخسرك أنت، فهل أنت متوقع أني دلوقتي ممكن اسمح أني اخسرك بسبب غبائي، أنا عارفة أني كلامي اللي قولته جرحك وكان قاسي بس أعذرني أني مكنتش اعرف حاجة ومتخلنيش اخسرك، أنا مليش غيرك ياعز بعد ما ماما وبابا سابوني وأنت عارف كدا كويس
تنهد &; عز &; بشجن وتمعنها مطولًا بألم ورغم صعوبة ما سينطقه وتخليه عنها إلا أن كان هذا هو القرار الصحيح في نظره،حيث استقام واقفًا مجددًا وقال بجفاء يتصنعه حتى يخفي عذاب عشقه لها:
_أنت مش هتخسريني ياراندا بل في أي وقت تحتاجيني في أي حاجة أتأكدي أني مش هتأخر عليكي بس للأسف أنا مش هقدر ارجع زي الأول معاكي لأن باختصار أنا مش هقدر اعاملك كصديق وأخ أكتر من كدا وخصوصًا بعد ما اعترفتلك والمؤسف أن ولا أنتي كمان هتقدري تبصيلي بالنظرة اللي بتمناها، فالمسافات والحدود بينا هي أفضل حل
انهي كلماته القاسية وانصرف وتركها للمرة الثانية تتخبط في يأسها وإحباطها وحدها، تعاني من الآلام مضاعفة في قلبها وعقلها، فقد دمرت كل شيء بنفسها وانتهي بها المطاف وحيدة مجددًا دون أن تحصل على أي شيء&;
***
دخل كل من فارس وليلى وسامي لماهر بعدما انتهت سمر من خياطة جرحه وتضميده، فاقترب فارس من أخيه وجلس بجواره على الأريكة يهتف باهتمام وقلق:
_عامل إيه دلوقتي يا ماهر أنت كويس؟
أجاب ماهر بصوت رخيم يطمئن أخيه:
_كويس الحمدلله.. البركة في الدكتورة
قال عبارته الأخيرة وهو ينظر تجاه سمر مبتسمًا بامتنان فابتسمت هي بدورها لكن بخجل بسيط بينما فارس فهمس بصوت خافت لأخيه يعاتبه بلطف:
_مش لو كنت سمعت كلامي من الأول ورجعت القاهرة مكنش كل ده حصل.. مش عايز اسمع منك أي اعتراض تاني ياماهر أول ما تكون كويس وقادر تقف على رجلك وتمشي هترجع القاهرة
حدق ماهر في وجه فارس بجدية وقال في صوت رجولي غليظ يكشف عن رفضه التام المغمور وسط كلماته:
_مش وقته دلوقتي يافارس الكلام ده
أشاح فارس بوجهه للجهة الأخرى وهو يطلق زفيرًا حارًا بنفاذ صبر من عناد أخيه، أما ماهر فسقط نظره على ليلى التي تقف بجوار الباب على استحياء واضطراب وتفرح كفيها ببعضهم وتنظر لهم بصمت تام، أرسل لها ماهر ابتسامة دافئة وهتف مازحًا:
_أنا مش مضايقني منك ياليلى غير أنك طعنتيني بسكينة مجهولة المصدر
مال ثغرها للجانب في ابتسامة تكاد لا ترى ثم تقدمت نحوه وجلست على اقرب مقعد بجواره ودفنت نظرها بالأرض تعتذر منه بصوت مبحوح يغلبه البكاء:
_سامحني ياماهر أنا معرفش عملت كدا إزاي والله.. أنا مكنتش حاسة بنفسي
مسح على ظهر كفها بلطف وهو يجيبها بدفء أخوي ومحب:
_عارف من غير ما تقولي لأني كنت شايفها في عينكي ونظراتك ليا من وقت ما طلعنا من البيت كانت نظرات شر متطلعش منك أبدًا، متلوميش نفسك وتحسي بالذنب وأنا الحمدلله كويس قدامك أهو
ابتسمت ليلى براحة بعدما استمعت لكلماته وتأكدت من مسامحته لها وتفهمه الوضع، وراحت تنظر لفارس في عينان تتحدث عن سعادتها فابتسم لها بحب ثم استقام واقفًا وهتف بجدية:
_طيب نستأذن احنا بقى ومتأسفين على الازعاج اللي سببناه ليكم
هتف سامي بود مبتسمًا:
_ازعاج إيه بس أنا بعد اللي شفته ده النهاردة اصراري زاد على أني اوصل لسر المقبرة دي
ربت فارس على كتف سامي مبتسمًا ويشكره بامتنان صادق:
_حقيقي مش عارف اشكرك ازاي يادكتور سامي ووقفتك جمبي مش هنساها أبدًا
أجاب سامي:
_اشكرني بعد ما تنهي أوار وتتخلص منها للأبد
استقام ماهر واقفًا ببطء وهو يقاوم ألمه يستعد ليذهب مع أخيه لكن اوقف سامي بحزم وقال برزانة:
_رايح فين أنت مينفعش تمشي بالحالة دي ياماهر، خليك معانا الليلة على الأقل وسمر كمان تغيرلك على الجرح بما أنك رافض تروح مستشفى
هم كل من فارس وماهر بالاعتراض لكن ليلى قبضت على ذراع فارس وهمست باهتمام وحكمة:
_أنا شايفة أن ده أفضل يافارس كل ما كان بعيد عنك وعني كان آمان ليه اكتر
استمع فارس لعبارتها وسكت يفكر فيما قالته فوجد أن الحق معها.. فكلما كان ماهر بعيدًا عنه كان في مأمن أكثر، فاقترب من أخيه وهمس له بصوت رجولي رخيم لم يسمعه سواهم:
_خليك هنا الليلة ياماهر أفضل أنا مش ضامن اللي حصل يحصل تاني ولا لا، يمكن أوار تحاول تسيطر على ليلى تاني
تنهد ماهر الصعداء بقلة حيلة وهمس يوصيه بقلق وحزم:
_طيب خلي بالك من نفسك ومنها، أكيد دلوقتي أواخر هتكون عدوانية ومؤذية اكتر بعد ما شافتنا بنقرب أوي
ابتسم فارس بخبث وقال متوعدًا بعينان تنضج بالشر:
_مش يمكن أنا اللي أذيها
حدقه ماهر بعدم فهم لكن فارس لم يمهله الفرصة ليجيب حيث ابتعد عنه وودع سامي وسمر وأخذ ليلى وذهب، بتلك اللحظة وصل لسامي اتصال تلفونيًا فغادر الغرفة ليتحدث في الخارج، أما ماهر فالتفت بطرف عينه على سمر التي كانت تحدثه مبتسمة بعينان تلمع بسرور شديد فضحك بخفة وقال بلؤم:
_حاسس أن في حد فرحان أوي بقعادي هنا
اتسعت ابتسامتها حتى افترت عن أسنانها وقالت على استحياء:
_هو واضح أوي كدا ولا إيه؟!
زم ماهر شفتيه وقال عابثًا بود:
_فوق ما تتصوري
تنحنحت بإحراج وهمست بابتسامة خجلة وصوت ناعم:
_منورنا يادكتور والله.. تعالي بقى اوريك اوضتك عشان ترتاح شوية والجرح ميشدش ألمه عليك
أجاب ماهر بلهجة جادة ورجولية:
_طيب استني لما يرجع خالك ميصحش ياسمر اقوم واتجول في البيت كدا على هوايا
أطلقت زفيرًا مغلوبة منه ولم تجادله لعلمها بأنها ستخرج من النقاش خاسرة، فجلست بجواره صامتة منتظرة أمناء خالها مكالمته الهاتفية&;
***
بتمام الساعة العاشرة مساءًا داخل منزل الدكتور سامي.. خرجت سمر من غرفتها وقادت خطواتها الهادئة نحو غرفة خالها لتطمئن عليه وتتحدث معه عن أحداث الصباح، وقفت أمام باب غرفته وطرقت على الباب بهدوء وانتظرت سماع صوته وهو يسمح لها بالدخول لكنها لم تحصل على أي رد، أعادت الطرق للمرة الثانية والثالثة والأجابة واحدة هي الصمت، فضيقت عيناها باستغراب بعد خمنت أنه خلد للنوم فهو لا ينام بذلك التوقيت أبدًا.
مدت يدها وامسكت بمقبض الباب تديره وتدفع الباب ببطء وتهتف بصوت رقيق وهي تدخل:
_خالو أنت صاحي؟
دخلت وهي تبحث بنظراتها عنه لكن رأت ما جعلها تتجمد في أرضها وهي تفغر شفتيها بذهول وعيناها جاحظة برعب وصدمة، ولم يمزق ذلك الصمت المرعب سوى صراخها الذي ارتفع وهز أركان المنزل بأكمله وجعل ماهر الذي كان متسطح على الفراش في غرفته يثب من مكانه مفزوعًا&;..
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى محمود توفيق
خرج ماهر من غرفته واسرع يقود خطواته الأشبه بالركض متجاهلًا جرحه وألمه، فقد كان يتبع صوت سمر ويصيح مناديًا عليها مزعورًا:
_سمر أنت فين؟
لم يحصل على رد منها فقط صوت صراخها الذي امتزج ببكائها وصل أخيرًا إليها ودخل الغرفة وهو لا يعرف لمن تلك الغرفة لها أم لخالها أم فارغة، لكن لم تدم تساؤلاته لأكثر من ثانية حيت تسمر بأرضه مصدومًا وهو يرى سامي معلقًا من السقف بحبل ملتف حول رقبته وميتًا، تدارك ماهر الموقف بسرعة البرق فلم يكن الوقت المناسب أبدًا لصدمته وتلك المسكينة بجواره في حالة انهيار وصراخ هيستيري، فراح يضمها لصدره بسرعة محاوطًا إياها بذراعيه في قوة من ظهرها ويخفي وجهها بين ثنايا صدره حتى لا ترى ذلك المنظر الصعب أكثر، استمرت في بكائها العالي وهي تصرخ ثم فجأة دفعت ماهر بعيدًا عنها وهرولت باتجاه سامي تمسكه من قدمه المعلقة في الهواء وتصرخ ببكاء هاتفة:
_خالو لا فتح عينك وبصلي، عملت كدا ليييييه
اسرع ماهر نحوها وجذبها بقوة وجعلها تلتفت له وتنظر في وجهه وهو يهتف لها بقلق:
_اهدي ياسمر اهدي مينفعش كدا.. تعالي برا تعالي
ارتمت بين ذراعيه تبكي وسقطت على الأرض من هوان قدميه التي لا تحملها بينما ماهر فظل يحتويها بين ذراعيه وبينما كان وشك أن يحملها بين ذراعيه ويخرج بها حتى لا تبقى بجوار خالها وتستمر برؤيته وهو ميت بتلك الطريقة السيئة.. وجد صوت بكائها توقف فجأة وصوت أنفاسها المرتفعة انعدم فأبعد رأسها عن صدره بارتيعاد ليطمئن عليها فوجدها فقدت وعيها ولم يلبث لحظة يحاول افاقتها حتى رأي &; أوار &; تقف بجوار جسد سامي وتنظر لماهر تارة ولسامي مرة مبتسمة هاتفة بشيطانية:
_لقد كان ضعيف الشخصية واستسلم فورًا لسحري، ليت فارس يستسلم مثله بسهولة هكذا ويقدم لي روحه
ثم ثبتت نظراتها المرعبة على ماهر أكثر وقالت بشر وصوت شيطاني مهيب:
_أنت وفارس تسببتوا بموته، جعلتوه يتدخل في أمور لا تعنيه.. وكل ما سيتدخل مثله سيجد نفس المصير وأنت ضمنهم ياماهر لقد حالفك الحظ اليوم لكن المرة القادمة أعدك أنه لن يحالفك
ارتفع صوت ماهر بسخط وراح يقرأ آيات من القرآن الكريم بصوت عالي مما جعلها تختفي فورًا، ثم حمل سمر بين ذراعيه وغادر الغرفة واتجه بها لغرفته فهي الغرفة الوحيدة التي يعرفها جيدًا في ذلك المنزل، وضعها على الفراش بحرص شديد ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصاله الأول بالأسعاف والثاني كان بفارس&;
***
كان فارس وليلى بالكاد وصلوا لمنزلهم ودخلت ليلى إلى غرفتها تجلس على الفراش وانفجرت في نوبة بكاء عنيفة، لحق بها فارس ووقف عند باب الغرفة يرمقها بشجن.. عيناه تتحدث عن شعور العجز والندم واللوم أنه هو المتسبب في كل ما يصيب أحبابه، لكن لم يدم وقوفه وتمعنه لحالتها المزرية وهي منخرطة في بكائها لأكثر من خمس ثواني حيث تقدم منها وجلس بجوارها ثم فرد ذراعه ولفه حولها ليضمها لصدره بحنان ويلثم شعرها بعدة قبلات دافئة هامسًا:
_متعمليش في نفسك كدا ياليلى أنتي ملكيش ذنب ومكنتيش في وعيك
تشبثت بقميصه وازداد نحيبها أكثر وهي تجيبه بصوتها المتقطع:
_أنا مش قادرة أصدق أني كنت ممكن أذي ماهر
ثم ابتعدت عنه ونظرت في عينيه بذهول من نفسها وهتفت:
_ أنت متخيل أنا كنت ممكن اقتله يافارس
مسح على شعرها ووجنتها بحب وهمس في صوت هاديء محاولًا تهدئة روعها:
_محصلش الحمدلله ومكنش هيحصل بلاش تفكري التفكير اللي هيأذيكي نفسيًا ده ياحبيبتي
شردت للحظة مع سكوت مريب ثم راحت تحدقه برعب جلي وقالت في عينان دامعة وهي تبتعد عنه بنفور نابع من خوفها:
_اللي خلاها تقدر تسيطر عليا مرة ممكن تقدر تاني كمان ويمكن المرة الجاية تخليني اقتلك أنت، يعني أنا بقيت خطر على كل اللي حواليا، أنت لازم تبعد عني يافارس أنا خايفة عليك مني خايفة أوي
حاول احتوائها وتهدئتها وضمها لكنها كانت مستمرة في الكلام دون توقف وكلما يحاول الاقتراب منها تنفر يده بعيدًا عنها بقوة، بالمرة الأخيرة ظهر الاستياء على معالمه وتحول من محاولات الظهور برزانة أمامها إلى القوة والحزم وهو يجذبها نحوه ويحاوط وجهها بكفيه هاتفًا بصوت رجولي غليظ ليوقظها من حالة الصدمة والرعب التي تستحوذها:
_ليلى فوقي وبصيلي.. لـــيــلى أنا بكلمك بصيلي هنا
انتبهت له أخيرًا وحدثت في عينيه بضعف وانكسار فارتخت عضلات وجهه قليلًا وظهر اللين على معالمه وراح يحدثها بعتاب وضيق ممزوج بجديته وقوته:
_أنتي مستوعبة أنتي قولتي إيه دلوقتي، إزاي تفكري في حاجة زي كدا وتنطقيها اصلًا.. يعني إيه أبعد عنك.. معقول عايزة تسبيني في اللي أنا فيه ده، أنا لو لسا واقف على رجلي فده بسبب وجودك جنبي أنا بستقوي بيكي، أنا كل همي أني احميكي واتخلص من الشر ده عشانك وعشان كل اللي حواليا وبحبهم، صدقيني لو وصلتي لمرحلة أنك تعملي معايا زي ما عملتي ما ماهر بنسبالي أنا راضي طول ما أنتي هتكوني بخير بس.. أنا بحبك ومقدرش اتخيل حياتي لو أنتي مش معايا أو حصلك حاجة بسببي
انهمرت دموعها على وجنتيها بصمت وهي تتمعنه بغرام وأسى، وسرعان ما ارتمت بين ذراعيه وهي تلف ذراعيها حول رقبته وتعانقه بحرارة هاتفية بصوت مبحوح:
_وأنا كمان بحبك أوي.. خليك جنبي واوعي تسيبني يافارس
مسح على شعرها نزولًا لظهرها وهو مستمر في توزيع قبلاته على رقبتها وشعرها هامسًا لها بعشق يمتزج بجديته التي تظهر في نصائحه:
_مش هسيبك يالؤلؤتي متخافيش، أنا بس عايزك تكوني قوية ومتستسلميش لخوفك أبدًا وتخليها تسيطر عليكي .. أنا محتاجك جمبي قوية عشان نقدر نعدي مع بعض
هزت رأسها له بالموافقة مجيبة في قوة:
_أوعدك أني هكون قوية ومش هسمحلها تسيطر عليا تاني وأن شاء الله هنتخلص منها قريب
أكمل وصلة قبلاتها الدافئة والمحبة لها وهو يوزعها على وجهها كله حتى ارتفع صوت رنين هاتفه فابتعد عنها والتفت له ينظر في شاشته فيقرأ اسم ماهر، التقطه واجاب فورًا على أخيه باهتمام:
_أيوة ياهر عامل إيه دلوقتي؟
وصله صوت ماهر المفزوع والخشن وهو يدخل في صميم الموضوع فورًا:
_تعالي يافارس دلوقتي حالًا دكتور سامي انتحر
اتسعت عيني فارس والتفت لزوجته يحدقها بصدمة و انعقد لسانه حتى أنه لا يتمكن من الرد على أخيه فقط أنزل الهاتف من فوق وأذنه وانهي الاتصال وهو يحدث في اللآشي بعدم استيعاب، أما ليلى فراحت تهز في زوجها بهلع تسأله بخوف وقلق:
_مالك يافارس إيه اللي حصل.. ماهر قالك إيه؟
نظر لها فارس بنظرة مذهولة وهتف:
_دكتور سامي انتحر
شهقت ليلى وهي تكتم على فمها بكفها وعيناها متسعة بصدمة ممتزجة بالارتيعاد، بينما فارس فهب واقفًا فورًا وذهب يرتدي حذائه فلحقت هي به وقالت بصوت قلق:
_آجي معاك طيب يافارس
أجابها بصوت رجولية قوي وهو منشغل بارتداء الحذاء:
_أيوة طبعًا هتيجي معايا مش هسيبك وحدك
عادت لغرفتهم بسرعة تلتقط هاتفها وحقيبتها وتخرج له ثانية ليغادروا المنزل متلهفين وسط ذهولهم هم الاثنين المغلف بقلقهم الواضح على ملامحهم وكلاهما يعرف أن &; أوار &; المتسببة في موته&;
***
توقف &;عز &; بسيارته أمام ذلك المقهي الذي شهد على ليلة صاخبة بينه وبينها عندما قرر يأخذها في عشاء هاديء أقرب للرومانسي لكنه انتهي بشجار عنيف بينهم سببه غيرته عليها.
لا يعرف مالذي أتى به إلى هنا الآن لكنه وجد نفسه لا شعوريًا يقود سيارته باتجاه ذلك المقهي، ربما شوقه لها دفعه للبحث عن أي ذكري تذكره بها، ظل جالسًا في سيارته لوقت طويل ويسند رأسه على ظهر مقعده للخلف ويحدق في سقف السيارة بعبوس وشرود، يأخذ نفسيًا عميقًا ويخرجه زفيرًا متهملًا في حنق، أخيرًا فتح باب السيارة ونزل منها وقاد خطواته لداخل المقهي، لكن قابله ما جعله يتجمد بأرضه فور دخوله، حيث رأي راندا وهي تجلس على نفس الطاولة التي كانوا يجلسون عليها في تلك الليلة.
وقف مكانه متسمرًا يحدقها بحيرة ودهشة بينما هي فكانت تتلفت حولها بالصدفة وسقطت نظراتها عليه فصابها من الدهشة ما صابه، مرت لحظات طويلة وهم مستمرين في التحديق ببعضهم في صمت وكلاهما يفكر بماذا سيبرر وجوده بنفس المكان مجددًا، وبالأخص هي كيف ستبرر جلوسها على تلك الطاولة، تنهد &; عز &; الصعداء بقوة واطلقه زفيرًا حارًا ثم تحرك يقود خطواته باتجاه إحدى الطاولات الصغيرة مقررًا تجاهلها وعدم الجلوس معها، راقبته وهو يبتعد عنها ويجلس على طاولة أخرى وأمتلأت عيناها بالعبرات، ثم أشاحت بوجهها فورًا للجهة الأخرى تجفف دموعها التي سالت دون أذن منها من فرط قهرها، رغم اعترافها له بأنها تحبه كصديق وأخ فقط لكن الألم الذي ينهش قلبها كلما تراه يتجاهلها ويبتعد عنها أكثر يجعلها تتساءل بحيرة عن سببه، لا تفهم حتى رغبتها الشديدة في البقاء بجواره ومحادثته وربما معانقته، بل واشتاقت له كثيرًا.. اشتاقت لمحادثتهم وضحكهم ومزاحهم وحتى شجارهم الدائم.
كان هو يختلس النظر إليها خلسة وداخل عقله يجوب ألف سؤال أهمهم.. هل التقائهم مجرد صدفة لا معنى لها ووجودها بنفس المكان الذي يجمع ذكري مميزة بينهم وجلوسها على نفس الطاولة مجرد صدفة أيضًا أم هناك سبب آخر يشبه سبب قدومه إلى هنا؟! .. رغم قلبه الذي يصرخ عليه بالنهوض والذهاب لها إلا أنه كان يحاربه بكل قوة لديه محاولًا البقاء صامدًا ولا ينهار أمام عشقه لها، فيكفيه ما ناله من عشقه لها وهي تحب صديقه ولا تحبه، لكن كل محاولاته الصارمة تلك ضربت عرض الحائط وانهارت عندما رآها تقف تنوي الرحيل لكن فور وقوفها اختل توازنها وكادت أن تسقط فتمسكت بالطاولة بسرعة قبل سقوطها.
وثب واقفًا بهلع واسرع نحوها يمسكها من ذراعيها يسندها ويهمس لها بقلق يظهر في نبرته الحانية:
_أنتي كويسة؟
حاولت تفادي النظر لوجهه حتى لا يرى عيناها المتلألأة بالدموع وقالت في خفوت:
_كويسة ياعز كويسة.. عايزة امشي بس عشان الوقت أتأخر
جذب المقعد خلفها مباشرة ووجه لها تعليماته الحازمة في اهتمام:
_اقعدي الأول وريحي بس وهطلبلك حاجة تشريبها
هزت رأسها بالرفض هاتفة:
_لا مش عايزة اشرب شكرًا أنا بس عايز اروح بجد ياعز
هتف برجولية وضيق من عنادها:
_متعانديش ياراندا واسمعي الكلام قولتلك اقعدي
امتثلت لأوامره مغلوبة وجلست على المقعد وراحت ترفع أناملها تمسح آثار الدموع من عيناها، لاحظ هو حركتها فجذب المقعد المقابل لها وجلس عليه وراح يسألها بدفء:
_بتعيطي ليه؟
اخترعت كذبة سخيفة وقالت بارتباك ملحوظ:
_مش بعيط.. عيني بس دخل فيها رمش ودمعت
أخذ نفسًا عميقًا غير مصدقًا تلك الكذبة لكنه هتف باهتمام:
_طيب أنتي اكلتي امتى آخر مرة؟
سكتت ولم تجيبه خوفًا من ردة فعله أو ضغطه عليها إذا علم بينما هو فعاد يسألها ثانية لكن بلهجة صارمة:
_ردي عليا ياراندا اكلتي حاجة النهاردة ولا لا ؟
هزت رأسها بالنفي دون أن تنظر له فاماء هو برأسه في غيظ منها رغم توقعه قبل أجابتها، فقال بحزم:
_طيب يلا قومي هنروح أي مطعم وتاكلي
رفضت رفض قاطع وهي تقول:
_ لا لا مطعم إيه أنا يدوب اروح أصلًا.. لما اروح البيت هاكل
هتف عز برفض واستياء بسيط:
_مش هتروحي بالمنظر ده لازم تاكلي الأول وبعدين ملكيش دعوة بالوقت ما أنا معاكي أهو وهوصلك
أدركت أن لا مفر لها خصوصًا عندما رأت غضبه منها فقالت بهدوء محاولة إقناعه بحل بديل:
_طيب بص هنا في حجات بسيطة أكل حلويات يعني.. هطلب أي حاجة بسيطة هنا ولما اروح البيت هاكل والله كويس ياعز
تنهد الصعداء بنفاذ صبر منها وهتف مستسلمًا لاقتراحها:
_طيب واحنا وماشين هشتري ليكي أكل جاهز وتاكليه أول ما تروحي
هزت رأسها له بالموافقة وهي مبتسمة بحب بينما هو فأشار للنادل واملى عليه طلباتهم، ثم بقى كلاهما صامتًا في انتظار وصول الطعام وبين كل آن والآخر يختلس كل منهما نظرة خاطفة إلى الآخر&;
***
داخل منزل الدكتور سامي.. كان المنزل مكتظ بضباط الشرطة والعساكر للتحقيق في موت &; سامي &; والتأكد ما إذا كان حالة انتحار بالفعل أم جريمة قتل بعدما تم نقله بسيارة الأسعاف إلى المشرحة، كان الضابط يقف مع ماهر ويقوم بالتحقيق مع وأخذ إفادته باللحظة التي وصل بها كل من فارس وليلى، فنظر ماهر لليلى وطلب منها بقلق حقيقي يظهر في نبرة صوته:
_اطلعي لسمر يا ليلى فوق شوفيها خليكي معاها لغاية ما نخلص
اماءت له بالموافقة وتحركت باتجاه الدرج تصعد متجهة إلى غرفة ماهر حيث توجد سمر بعدما وصف لها طريق الغرفة،بينما فارس فوقف بجوار أخيه ودار الحديث بين ثلاثتهم في حين أن الشرطة مازالت تقوم بتحقيقاتها داخل غرفة سامي، استمرت التحقيقات لأكثر من ساعة تقريبًا أوشكت على الساعتين وبعد انتهائهم وتأكدهم من أنه محاولة انتحار بالفعل أدوا واجب العزاء ورحلوا.
وفورًا انتشر الخبر وبدأ اصدقاء سامي بالوفود على المنزل وكذلك أقاربهم من الرجال والنساء التي صعدت لسمر لتواسيها وتهدئها.
اقترب ماهر من أخيه وهتف له بصوت رجولي غليظ:
_أنا هروح المشرحة عشان اخلص الأجراءات هناك معاهم وبعد كدا نطلع الدفنة وأنت خليك هنا يافارس متسيبش ليلى وسمر وحدهم
تنهد فارس الصعداء بضيق وأجاب على أخيه وهو يربت على كتفه يطمئنه:
_طيب روح متقلقش أنا موجود وخلي بالك من نفسك
غادر ماهر وترك فارس بالمنزل بعد رحيل الرجال لحضور الدفن في المقابر، كان فارس يجلس في غرفة مكتب سامي حيث التقى به آخر مرة والحزن يستحوذ على قلبه، شعور الذنب ينهشه نهشًا وهو يتهم نفسه أنه هو المتسبب الأول والأخير في موته وليس أوار.. ليته لم يطلب مساعدته.. ليته لم يتبع فضوله الذي قاده الجحيم وأدخله تلك المقبرة، لكن بماذا يفيد الندم الآن.
بينما كان منشغل بالتفكير في تلك المصائب التي تتوالي في السقوط فوق رأسه بسبب تلك الشيطانة، وقعت عيناه على &; أوار &; التي تقف أمامه بهيئتها الحقيقية المرعبة وتبتسم بشر، فاستقام واقفًا وحدقها بوعيد وغضب ثم هتف يحدثها بشجاعة:
_لو فاكرة أن باللي بتعمليه ده هتخوفيني وتخليني استسلم تبقى غلطانة أنا كدا بصمم اكتر على أني اوصل للسر اللي هيخليني احبسك في سجنك للأبد
اختفت ابتسامتها وظهر محلها الغضب الشيطاني وراحت تلقي عليه تهديداتها الحقيقية:
_توقف عن محاولاتك البائسة في البحث عن طريقة للتخلص مني وسلم لي روحك طوعًا وإلا سأجعل حياتك جحيمًا وسأخذ روح كل من تكترث لأمرهم، وستجد نفسك بنهاية المطاف وحدك وحينها ستسلم لي روحك لأنك ستدرك أن لا قيمة لروحك بعد فقدانك لأحبابك كلهم
ابتسم فارس بسخرية وقال في وعيد خبيث قاصدًا إثارة جنونها:
_مش هتلحقي تعملي كل ده لأني هكون كتبت نهايتك للأبد
خرج صوتها الشيطاني بوعيد حقيقي ووجهها أصبح رعبًا من ذي قبل:
_تذكر أنه كان اختيارك وكما تسببت بموت سامي اليوم ستتسبب في موت الجميع، وربما تسمع خبر أحد آخر في الساعات القادمة
ألقت تهديداتها واختفت من أمامه فبقى فارس مكانه يفكر في آخر كلماتها وقد احتل القلق والخوف تعبيراته، وراح يدعي ربه أن يحفظ جميع أحبابه من الأذى.
***
بعد مرور ثلاث ساعات تقريبًا عاد ماهر للمنزل بعد انتهائهم من دفن سامي وقاد خطواته أولًا إلى سمر بالأعلى ليطمئن عليها، كانت النساء تركوها ولم يتبقى معها سوى ليلى وبعد وصوله تركتها ليلى وذهبت لفارس ليتحدث هو معها براحة.
وقف ماهر بجوار الباب يحدق بها بحزن على حالها عندما رآها تجلس على الفراش تضم ساقيها لصدرها كالطفل الصغير وتدفن رأسها بين قدميها وساكنة سكون مقلق، أخذ نفسًا عميقًا وهو يتذكر ليلى عندما أخبرته أنها كانت طوال الوقت تسأل عنك وتريدك.. كانت ترفض وجود أي أحد بجوارها لمواستها وتستمر بالسؤال عنك، تارة تبكي على فراق خالها وتخبرها أن تريد رؤية خالها وتارة تبحث عنك.
تقدم نحوها بهدوء ثم جلس على الفراش بجوارها ومد يده يمسح على شعرها بدفء هامسًا لها بصوت انسدل كالحرير ناعمًا على قلبها:
_سمر أنا جيت
رفعت رأسها فورًا بلهفة ونظرت له بعينان كلها انكسار وقهر والقت بجسدها بين ذراعيه وهي تنفجر في البكاء بشدة وتهتف:
_خالو ياماهر.. ليه عمل كدا ليه سابني أنا مليش غيره إزاي يعمل كدا
مسح على شعرها وظهرها بحنو متمتمًا:
_ادعيله بالرحمة ياسمر هو بين ايدين ربنا دلوقتي ومحتاج الدعاء
ازداد بكائها أكثر وهي تكمل وسط بكائها بصوتها المرتجف:
_مش قادرة انسى منظره.. أنا وحشني أوي من دلوقتي ازاي هعيش من غيره وهعمل إيه من غيره أنا مليش حد غيره
أبعدها عنها برفق وحاوط وجهها بكفيه وتطلع في عينيها بثبات قوي وهمس بنبرة رجولية تبعث الآمان والسكينة في الروح:
_أنا موجود ياسمر معاكي مش هسيبك
رغم الانهيار والألم الذي يمزق قلبها على موت خالها إلا أن عيناها كانت تتحدث بكل ما في قلبها من مشاعر تجاهه بعد عباراته، بينما هو فاحتضن كفيها بين كفيه بحنو وهتف بابتسامة بالكاد تظهر على ثغره:
_قومي يلا انزلي تحت مع الستات واقرأي ليه قرآن وادعيله هو ده اللي هيفيده دلوقتي متقعديش وحدك هنا
هزت رأسها له بالموافقة فاستقام هو واقفًا ومد يده لها ليساعدها على الوقوف والنزول معه للأسفل، كانت تسير بجواره وهي ممسكة بيده تستند عليه ودموعها لا تتوقف عن الانهمار فوق وجنتيها&;
***
توقف &;عز &; بسيارته أمام البناية التي تسكن بها راندا ونظر لها على المقعد المجاور لها ثم هتف بحزم وهو يناولها كيس الطعام الذي اشتراه لها:
_أول ما تطلعي فوق تاكلي الأكل ده
أماءت له بالموافقة في ابتسامة خفيفة، والتقطت الكيس من يده وبقت ساكنة مكانها لثوان لم تنزل ثم التفتت له برأسها وسألته بخفوت:
_ممكن أسألك سؤال؟
أماء رأسه لها بالإيجاب بوجه خال من التعبيرات فتنحنحت بإحراج بسيط وسألت في عينان تلمع بوميض الأمل:
_أنت إيه اللي وداك الكافيه ؟
حدقها مطولًا بقوة ثم أجاب على سؤالها بسؤال أكثر ذكاء يحاصرها به:
_أنا اللي المفروض اسألك السؤال ده خصوصًا أنك كنتي قاعدة على نفس الترابيزة اللي كنا قاعدين عليها
أخذت نفسًا عميقًا بتردد وتوتر بسيط لكنها قررت الاعتراف بالحقيقة له حتى لو كانت ستكون فضح لمشاعرها التي لا تفهمها جيدًا حتى الآن.. تمتمت بهدوء وهي تدفن نظرها أرضًا:
_معرفش حسيت نفسي عايزة اروح هناك وأول ما روحت لقيت نفسي بروح على الترابيزة دي، يمكن لأنك وحشتني ووحشني كلامنا وضحكنا وحتى خناقنا فروحت لآخر مكان كان لينا ذكري فيه مع بعض
رغم سعادته من الداخل أنها ذهبت لنفس السبب الذي جعله يذهب إلي هناك، لكنه لم يسمح لسعادته بإعطائه أمل في سراب وراح يجيب عليها بقسوة وحزن ملحوظ في نبرته:
_متضحكيش على نفسك وعليا ياراندا أنا موحشتكيش ، أنتي وحشك اهتمامي بيكي وشعور الحب اللي كنت بديهولك من دون مقابل
كلماته القاسية أصابتها في الصميم وجعلت قلبها ينزف ألمًا فجتمعت العبرات في عيناها وقالت له بصوت مبحوح:
_أنا عارفة أني مهما أقول مش هتصدقني وهتفضل شايفني بالصورة اللي رسمتها عني في عقلك، بس اتمني أن يجي يوم وتصدقني وتصدق فعلًا أني ندمت واتغيرت ومفتقدة وجودك في حياتي جدًا
أنهت عباراتها التي كانت النهاية ربما لكل شيء وفتحت باب السيارة ونزلت واسرعت شبه ركضًا لداخل البناية ودموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة بينما هو فنزل أيضًا من السيارة ووقف يحدق على أثرها بشرود وأسى، ظل واقفًا مترددًا في أرضه يقاوم بين شعور كبريائه وعشقه لها ورغبته في الركض خلفها وأخذها بين ذراعيه وأخبارها بمدى حبه لها، وبنهاية ذلك الصراخ كان قلبه هو المنتصر واتخذ قراره بمسامحتها واعطائها فرصة ثانية لعل تلك الفرصة تكون هي الحياة وبداية عشقهم، قاد خطواته مسرعًا ومتلهفًا يلحق بها للأعلى إلى شقتها لكنه تصلب بأرضه عند أول درجة من السلم عندما سمع صوت صراخها المرتفع الذي تبعه صمت قاتل ومرعب&;.
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى محمود توفيق
_ الفصل الثالث عشر _
أنهت عباراتها التي كانت النهاية ربما لكل شيء وفتحت باب السيارة ونزلت واسرعت شبه ركضًا لداخل البناية ودموعها تنهمر فوق وجنتيها بغزارة بينما هو فنزل أيضًا من السيارة ووقف يحدق على أثرها بشرود وأسى، ظل واقفًا مترددًا في أرضه يقاوم بين شعور كبريائه وعشقه لها ورغبته في الركض خلفها وأخذها بين ذراعيه وأخبارها بمدى حبه لها، وبنهاية ذلك الصراخ كان قلبه هو المنتصر واتخذ قراره بمسامحتها واعطائها فرصة ثانية لعل تلك الفرصة تكون هي الحياة وبداية عشقهم، قاد خطواته مسرعًا ومتلهفًا يلحق بها للأعلى إلى شقتها لكنه تصلب بأرضه عند أول درجة من السلم عندما سمع صوت صراخها المرتفع الذي تبعه صمت قاتل ومرعب، فركض وهو يقفز على السلم درجتين مع بعضهم ليصل بسرعة لها وهو مفزوع، وصل إلى طابق شقتها فوجدها ملقية على الأرض أسفل الدرج وفاقدة الوعي فهرول نحوها في ارتيعاد وجثى على الأرض بجوارها يضع كفه أسفل رأسها ويرفعها بحذر يهتف في صوت مرتجف من فرط الخوف:
_راندا افتحي عينك أنتي سمعاني.. راندا ابوس ايدك ردي عليا
كانت راندا قد غابت بعالم آخر لا تشعر فيه بأي شيء ربما حتى بحياتها التي قد تفقدها، أما هو فاستقام واقفًا وهو يلهث بعنف من فرط التوتر وباللحظة التي انحنى بجزعه للأسفل ليحملها بين ذراعيه ويذهب بها للمستشفى، حاول تحريك ذراعيه لكن صابه شلل جعل كل أطرافه تتصلب وتتجمد ولا يستطيع تحريكها، رفع نظره أمامه عندما رأى طرف رداء أسود اللون فرأى &; أوار &; أمامه في هيئتها الحقيقية ويزين ثغرها ابتسامتها الشيطانية المرعبة واسنانها سوادء ممتلئة بسائل اسود غريب وكذلك عينيها سوداء يسيل منها نفس السائل ووجهها كله ممتلئ بنقوش فرعونية وطلاسم شيطانية وشعرها الأسود الطويل ينساب على ظهرها وجانبي كتفيها يعلوه طرحة زفافها السوداء المماثلة لردائها.
اتسعت عيني &; عز &; بذهول امتزج بارتيعاده من مظهرها المرعب ولم يلبث ثواني حتى وجد صوت شيطاني غليظ يخرج منها وهي تسأله بخبث:
_ألا تتذكرني يا عز ؟!
حاول الحركة لكن أطرافه كلها كانت في حالة شلل تام فقرر أن يفتح فمه يقرأ ما يحفظه من القرآن الكريم لكن فور فتحه لفمه وجد نفسه يرتفع للأعلى بجسده كله وأصبح معلق في الهواء وفمه مازال مفتوح لكنه لا يستطيع التحدث وجحظت عينيه بصدمة وخوف وهو يحدق بها وهي تقترب منه ثم وقفت أمامه وفتحت فمها فرأى شيء أسود اللون أشبه برياح يخرج منها ويستقر في جوفه ، مع صوت صراخها الذي كاد يفقده سمعه من قوته، ثم اختفت من أمامه ووجد نفسه يسقط من هذا الارتفاع على الأرض فيصدر هو تأوهات مرتفعة متألمًا من أثر اصطدامه الشديد بالأرض وظل لحظات طويل على الأرض يتألم لا يستطيع النهوض ويسعل بقوة للدرجة التي جعلته يشعر أن روحه ستخرج من شدة سعاله وعدم تمكنه من أخذ أنفاسه جيدًا، استمر سعاله لدقائق طويلة وهو يحاول أخذ أنفاسه حتى هدأ أخيرًا قليلًا وسقط نظره على &; راندا &; التي مازالت فاقدة وعيها فاستقام واقفًا متحاملًا على نفسه متجاهلا الآم جسده وسعاله وحملها بين ذراعيه ونزل بها الدرج متجهًا لسيارته يضعها بالمقعد الخلفي ويستقر هو بمقعده الامامي لينطلق بالسيارة يشق بها الطرق مسرعًا متجهًا إلى أقرب مستشفى.
***
داخل المستشفى&;.
كان عز جالسًا على أحد المقاعد الحديدية في طرقة المستشفى أمام غرفة الفحص الطبي منتظر خروج الطبيب ليطمئنه على وضع راندا، بجواره زجاجة ماء كبيرة يشرب منها محاولًا السيطرة على سعاله الشديد أو تهدئته حتى لكن دون جدوى، بعد وقت طويل نسبيًا من الفحص الطبي خرج الطبيب من الغرفة فهرول &;عز &; نحوه وسأله بقلق:
_خير يادكتور طمني فاقت ؟
سأله الطبيب بصوت رخيم واهتمام:
_حضرتك جوزها؟
اماء &; عز &; بالإيجاب دون تردد أو تفكير مؤكدًا على معلومة أنه زوجها فأجابه الطبيب بعبوس:
_للأسف المدام حصلها نزيف شديد في المخ واحنا الحمدلله قدرنا نسيطر على الوضع ونوقفه حاليًا بس النزيف كان شديد جدًا وسببلها غيبوبة ودلوقتي هننقلها على غرفة العناية المركزة، هتفضل تحت العناية الطبية والملاحظة لأن حالتها مش مستقرة ابدّا وفي خطر على حياتها في أي لحظة
وقع أثر الكلمات على أذنيه كوقع الرعد في الأذن والصدمة احتلت تعابير وجهه ممتزجة بحزنه الشديد الذي جعله يرغب في الصراخ بكل ما تبقى لديه من قوة لكنه تماسك أمام الطبيب وسأله بثبات مزيف:
_طيب الغيبوبة دي ممكن تفوق منها امتى ؟
زم الطبيب شفتيه بحزن وقال في يأس:
_للأسف مقدرش احدد لأن ممكن تطول شوية لو حالتها مستقرتش ووضعها زي ما قولت لحضرتك صعب جدًا بس أنت ادعيلها وان شاء الله تقوم بالسلامة ربنا قادر على كل شيء
هز رأسه متفهمًا ولما يقوى على التفوه سوى بكلمة &; شكرًا &; للطبيب وظل متسمرًا بأرضه للحظات في حالة بين الذهول والندم أنه المتسبب فيما حدث لها، فجلس على أقرب مقعد وجده أمامه ودفن رأسه بين راحتي كفيه محاولًا التحكم في زمام دموعه حتى لا تنهار فوق وجنتيه كالشلال، ثم أخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصال بـ &; فارس &; الذي كان حاليًا بمنزل سامي مع أخيه يخططون لحل وطريقة للتخلص من &; أوار &;، فالتقط هاتفه وأجاب على صديقه الذي وصله صوته ليس طبيعيًا منتزج بصوت سعاله القوى:
_أنت فين يافارس ؟
أجاب فارس بهدوء وهو يتنهد الصعداء بضيق:
_أنا في بيت الدكتور سامي .. اتوفي النهاردة
غضن &; عز &; حاجبيه بدهشة وسأله بتعجب:
_!مات ازاي ؟
هتف فارس بإيجاز وعبوس:
_موضوع طويل ده ياعز لما اشوفك هحكيلك
انقطع صوت عز للحظات ولم يسمع سوى صوت سعاله الشديد ثم تحدث وقال مبتسمًا بأسى وسخرية:
_موضوع طويل ليه أكيد &; أوار&; قتلته
ساله فارس باستغراب وقلق بسيط:
_أنت تعبان ولا إيه مال صوتك غريب وليه بتكح جامد كدا؟
خرج صوت يحمل بحة ألم وحزن:
_انا في المستشفى راندا جالها نزيف في المخ ودخلت في غيبوبة وأنا في حاجة غريبة دخلت جسمي الله اعلم هتنهي عليا امتى
جحظ فارس عينيه بصدمة وهتف بهلع:
_إيه اللي بتقوله ده انا مش فاهم حاجة .. قولي انتوا في مستشفى إيه وأنا جايلك
أخبره باسم المستشفى فهب واقفًا متحفزًا في هلع وماهر بدوره ظهر الفزع عليه وسأله ماذا حدث فأخبره ما قاله &; عز &; لتظهر تعابير جامدة على صفحة وجه ماهر تنم عن فهمه كيف راندا صابها النزيف، تنفس الصعداء بضيق شديد ورتب على كتف أخيه يحاول التخفيف عنه متمتمًا:
_هانت يافارس هنخلص منها أن شاء الله وراندا وعز هيكونوا كويسين، روح اطمن عليه وافهم منه التفاصيل كويس
مسح فارس على وجهه وهو يتأفف بحنق وللحظة شعر بأنه سينهار باكيًا لكنه تماسك وأخذ نفسًا طويلًا بقوة ثم نظر لأخيه وأخبره بجدية:
_متقولش لـ ليلى حاجة أعصابها هتتعب اكتر وأنا ما صدقت أنها هديت شوية.. لو سألت عليا قولها أي حاجة لغاية ما أرجع
اماء ماهر بالموافقة بينما فارس فاستدار بجسده ينوي الرحيل لكنه تسمر عندما رأى ليلى تقف أعلى الدرج وتحدق به بعينان دامعة ووجه كله إحباط وحسرة ويبدو أنها سمعت حديثهم فلا تحتاج لأحد لكي يخفي عنها الحقائق، اطال هو أيضًا النظر في وجهها بأسف وشعور بالخزي من نفسه أنه لا يستطيع حماية أحبائه، نزلت هي درجات السلم بهدوء ثم أسرعت في خطواتها نحوه وهذه المرة لم ترتمي هي بين ذراعيه كعادتها بل ضمته هو وحاوطت رأسه بكفيها وهي تضمه ليدفن هو رأسه بين خصلات شعرها في رقبتها يتنفس عبقها الجميل ليسمع همسها الجميل وسط بكائها محاولة امداده ببعض القوة التي هي في أمس الحاجة لها:
_أنا جمبك يافارس.. خليك قوي عشان نقدر نحمي بعض، ومتقلقش راندا وعز هيبقوا كويسين
مال بوجهه نحو رقبتها أكثر وطبع قبلة مغرمة كانت قبلته تتحدث عن ما في قلبه دون الحاجة للشرح بلسانه وابتعد عنها و راح يطبع قبلة أخرى فوق جبهتها هامسًا باهتمام ودفء:
_اوعي تطلعي من البيت هنا لغاية ما ارجع تمام
هزت رأسها بالموافقة وقالت في حنو:
_مش محتاجني معاك طيب آجي معاك
ابتسم فارس وقال في شجن وحب:
_أنا في أشد الحاجة ليكي يا ليلى والله بس خليكي هنا هكون مطمن عليكي اكتر وماهر قاعد كمان معاكي لغاية ما ارجع
اخذت نفسًا عميقًا وهتفت بقلة حيلة منصاعة لرغبته:
_حاضر ولما توصل ابقى طمني عليهم وخد بالك من نفسك
اماء لها بالموافقة ثم استدار وغادر وبقت هي مكانها تحدق في أثره بقلق، حتى وقعت عيناها على ماهر الذي كان جالسًا على مقعده لم يتحرك فاستقر نظرها عليه تتمعنه بشرود غريب وإذا بها تسمع تلك الوساوس الشيطانية في أذنها مجددًا محاولة السيطرة عليها وتحثها على أذيته مجددًا، فاخفضت رأسها ارضًا وحاوطتها بكفيها تضغط عليها بكل عنف محاولة إسكات ذلك الصوت صارخة تهتف:
_كفاية بقى ابعدي عــــنــي
هب ماهر واقفًا بفزع واسرع نحوها وحاول جذب كفيها من حول رأسها ليُهدأ اعصابها المتشنجة لكنها ازدادت انفعال أكثر ودفعت يديه بعيدًا عنها بشراسة ثم تطلعت بوجهه وتحولت نظراتها البريئة والناعمة لأخرى مرعبة وشيطانية وهي تبتسم له بشر ثم فتحت فمها وتحدثت بصوت غليظ ليس صوتها وهتفت:
_ليلى هي اضعفكم ولذلك ستكون ورقتي الرابحة ولن يستطيع أحد حمايتها مني
اتسع بؤبؤي عيني ماهر بصدمة وظل متسمرًا للحظات حتى تدارك نفسه وراح يمسك زوجة أخيه من ذراعيها ويهزها بعنف صارخًا بها:
_ليلى فوقي ليلى
وضع يده على رأسها ليقرأ لها قرآن حتى تتخلص من ذلك السحر وتعود لوعيها لكن بمجرد لمسه لرأسها انتفض مبتعدًا عنها وهو يصرخ متألمًا فرفع كفه ونظر في باطن كفه ليجد يده احترقت، ثم رفع نظره مجددًا يتطلع في ليلى فرأى &; أوار &; تقف خلفها وتنظر له مبتسمة ثم انطلقت قهقهاتها الشيطانية بقوة.
تسارعت أنفاس ماهر وكذلك نبضات قلبه من هول المشهد وما يراه أمامه وهو يرى أمامه زوجة أخيه تقف كجسد مسلوب الروح رأسها مطأطأة أرضًا وفاقدة وعيها لكنها مازالت تقف على قدميها لا يدري كيف، وخلفها تلك الجنية المرعبة تتطلع به وتضحك، وزاد الأمر سوءًا بقدوم سمر التي وقفت أعلى الدرج ونظرت له باستغراب تسأله:
_في إيه ياماهر مالك سمعت صوتك اتخضيت أنت كويس، ومال ليلى واقفة كدا ليلى ؟
كانت ليلى تقف وظهرها للدرج لذلك لم تتمكن سمر من رؤية حالتها الحقيقية، أما ماهر فمازالت عيناه معلقة على &; أوار&; التي التفتت ونظرت لسمر بابتسامة شر ثم بدأت بالتقدم نحوها وسمر لا تراها فقط هو من يراها، شعر بأنه سيفقد عقله خشية من أن تأذيها فراح يتلفت حوله كالمجنون بحثًا عن أي شيء يمكنه من خلاله صرفها، فالتقطت عينيه مسجل صغير كانوا يستخدموه في العزاء لتشغيل القرآن فأسرع نحوه وضغط على زر التشغيل فارتفع صوت القرآن في الصالة بأكملها مما اغضبها بشدة وجعلها تختفي فورًا، وفور اختفائها اختل توازن ليلى وكادت أن تسقط لكنه التقطها قبل سقوطها وحملها بين ذراعيها وصعد بها الدرج متجهًا بها إلى غرفة سمر التي فزعت بدورها عندما رأت حالة ليلى وكانت لا تفهم شيء.
وصل ماهر بـ ليلى للغرفة ووضعها على الفراش ثم التفت نحو سمر التي كانت خلفه وتراقب بجهل وحيرة، حدقها مطولًا بنظرة امتزجت بالحب والاهتمام ولا إراديًا كان يبسط ذراعه أمامه ويحاوطها بها ثم يجذبها لصدره مقبلًا رأسها بحنو ويسأل:
_أنتي كويسة؟.. حاسة بأي حاجة ؟
هزت رأسها بالنفي وهي تبتعد عنه بهدوء.. في ظروف أخرى وموقف آخر ربما ضمه لها هكذا كان سيجعلها تحلق في السماء أو ربما يصيبها بالذهول ويطرح في عقلها تساؤلات لا نهاية لها، لكن كان فضولها وحالتها النفسية السيئة أقوى من أن تنشغل بكل تفصيلة صغيرة فراحت تسأله بقلق:
_مالها ليلى وايه اللي حصل ؟
تنهد ماهر الصعداء مغلوبًا وقال في جدية:
_هحكيلك بس نفوقها الأول ونطمن عليها
اماءت له بالموافقة ثم اقتربت من الفراش وجلست على حافته بجوار ليلى وكذلك ماهر الذي كان هو يحاول إفاقتها بطريقة طبية، وبعد لحظات طويلة نسبيًا فتحت عيناها ببطء حتى اتضحت الرؤية أمامها تمامًا ورأت كل من ماهر وسمر بجوارها وأدركت أنها بالغرفة على الفراش، حاولت تذكر كيف وصلت لهنا وما الذي حدث لم تتذكر أي شيء فنظرت لماهر وسألته بخوف يلوح في عينيها الرقيقة:
_إيه اللي حصل ياماهر وازاي اغمى عليا ؟
أجابها بصوت رخيم ونظرة ثقة ليهدأ من روعها:
_متخافيش محصلش حاجة أنتي دوختي شوية وأنا جبتك هنا في أوضة سمر
شردت لثواني عندما قذف بذهنها ذلك المشهد وهي ممسكة برأسها وتصرخ على أوار أن تتركها وشأنها، فحدقت بماهر باضطراب شديد تهتف:
_آخر حاجة فكراها لما كنت سامعة صوتها في ودني، إيه حصل بعد كدا؟
سقط نظرها بمحض الصدفة على يده فلمحت احمرار باطن كفه فأمسكت بكفه بسرعة ونظرت به مندهشة بارتيعاد وهتفت بصوت مرتجف:
_أنا اللي عملت فيك كدا صح ؟
فزعت سمر عند رؤيتها لمنظر الحرق في يد ماهر وصاحت بقلق:
_أنت ساكت ازاي ومستحمل ياماهر الحرق ده .. هروح اجبلك مرهم الحروق
وثبت واقفة وغادرت الغرفة مسرعة لتجلب له الدواء بينما ليلى فـ أنهارت باكية وهي تدفن رأسها بين كفيها وتهتف:
_انا بقيت خطر على كل اللي حواليا وممكن أذي أي حد من غير ما أحس
ثم رفعت رأسها ونظرت بعجز وعينان غارقة بالدموع وتمتمت:
_خلي فارس بعيد عني ياماهر ابوس إيدك أنا لو اذيته عمري ما هسامح نفسي، بص انتوا الاتنين خليكم بعيد عني خالص اقفلوا عليا الباب ومحدش فيكم يدخلي خالص
كان يتمعنها بحزن وإشفاق على حالتها ثم أخذ نفسًا عميقًا واطلقه زفيرًا متهملًا وراح يمسح على كتفها ويربت عليه بود صادق:
_بلاش الكلام اللي يزعلني منك ده يا ليلى .. مش عايز اشوفك ضعيفة ومستسلمة كدا بعدين متقلقيش على فارس هي لا يمكن تأذيه أو حتى تخليكي تأذيه لأنها عايزاه يسلم ليها روحه طوعًا عشان تقدر تحقق هدفها اللي بتسعاله، بلاش بقى تستسلمي ليها واحنا خلاص قربنا من النهاية ومبقاش بينا وبينها غير شعرة يعتبر
توقفت عن البكاء وقالت بيأس وقلة حيلة وصوتها المبحوح:
_حاولت ومازالت بحاول وأن شاء الله هفضل احاول لغاية ما نتخلص من شرها
مسح على شعرها بحب اخوي وابتسم لها ثم همس بخفوت جميل:
_كويس أوي .. ريحي بقى أنتي دلوقتي ونامي شوية وأنا هروح لسمر.. لو احتجتي أي حاجة اندهي علينا
اماءت له بالموافقة تبادله الابتسامة المحبة وراقبته حتى انصرف ليتركها وحدها بالغرفة تقاوم حزنها وخوفها وكذلك تحاول التفكير في حل يُمكنها من التخلص من سيطرة تلك الجنية عليها&;.
***
كانت سمر تسير مهرولة وهي تحمل بين يديها حقيبة الاسعافات الاولية وبطريقها للدرج حتى تصعد لغرفة ليلى وتعالج يد ماهر، لكنها توقفت بعد اولى خطواتها على الدرج عندما رأته ينزل فنظر هو إلى ما تحمله بين يديها وإلى هلعها على وجهها فابتسم لها بحب وقال:
_سبتها ترتاح شوية وتنام لغاية ما يرجع فارس
هزت رأسها بالتفهم وهتفت في اهتمام شديد:
_ طيب تعالى يلا اقعد عشان اشوف الحرق اللي في ايدك ده
اكمل خطواتها ينزل الدرج وهو يجيب مبتسمًا بعبث:
_تحت أمرك يادكتورة
لم تكترث لمزاحه وكانت قد ولته ظهرها بالفعل واتجهت إلى الأريكة تجلس عليها وتفتح الحقيبة تجهز الدواء، وفور جلوسه بجوارها وجدها تلتقط كفه دون أي مقدمات فقط علامات القلق والاهتمام هي المستحوذة عليها وبدأت على الفور في معالجة الحرق بالمرهم، كانت منشغلة في مداوة يده ولا تنتبه لنظراته المغرمة وهو يتابعها مبتسمًا، مستسلم كليًا لها وباسط كفه أمامها طوعًا حتى لا يصدر أي تاوهًا.. ربما حالة الهيام المسيطرة عليه أفقدته حاسة الشعور بالألم، رفعت هي نظرها بمحض الصدفة تخطف نظرة سريعة وطبيعية تراقب تعبيراته لتطمئن ما إذا كان يشعر بالألم أم لا، فرأت ما لم تكون تتوقعه وهو تأمله بها وابتسامة الشغف التي تزين شفتيه فانزوت بنظرها فورًا عنه في ارتباك وخجل شديد.
كانت قد انتهت من وضع المرهم وبدأت في لف شاش ابيض رقيق حول يده، فتنفست الصعداء بصعوبة محاولة التحكم بزمام توترها وهي تتهرب بنظراتها من الالتقاء به وقررت الخروج من تلك القوقعة المرعبة بذكائها وهي تسأله باستحياء دون أن تنظر لوجهه:
_حصل إزاي الحرق ده.. احكيلي اللي حصل
تنهد ماهر بانزعاج متذكرًا ما حدث واجابها بصوت غليظ:
_أوار قدرت تسيطر على ليلى تاني وبقت تتكلم بلسانها ولما أنا حاولت افوقها كنت عايز أقرا قرآن عليها واول ما حطيت ايدي على شعرها اتحرقت وبعدين ليلى اغمى عليها، وكمان عز وراندا في المستشفى فارس راحلهم واضح أنها أذتهم كمان
كتمت سهر شهقتها بكف يدها محدقة في ماهر بذهول أمتزج بالرعب الشديد، ثم أبعدت كفها وسألته بتأكيد:
_عز وراندا دول صحاب فارس صح ؟
هز رأسه مؤكدًا على سؤالها، فظلت هي متمعنة النظر به في ارتيعاد للحظات حتى امتلأت عينيها بالعبرات فمد هو كفه يمسك على وجنتيها متمتمًا بحنو:
_!بتعيطي ليه بس ياسمر؟
أنهارت باكية وكأنها كانت تنتظر سؤاله لتترك العنان لدموعها وراحت تجيبه بصوتها المبحوح والمتقطع:
_أنت مش ملاحظ أنها أذت كل اللي حوالين فارس صحابه ومراته وحتى خالو مات، أنا خايفة عليك ياماهر
اخذ نفسًا عميقًا ثم انتقل بكفه من وجهها لشعرها يمسح عليه بدفء ويهمس في نظرة تبعث الاطمئنان والسكينة كلها ثقة:
_متقلقيش أن شاء الله مفيش حاجة هتحصل
تأملته برجاء وتعلق شديد يلمع في عينيها السابحة في عبراتها:
_متسبنيش ياماهر أنا مليش غيرك بعد خالو
ابتسم لها بحب نقي والتقط كفها يحتضنه بقوة ثم رفعه لشفتيه يقبّل ظاهره مبتسمًا ويتمتم بعينان غارقة في الولع:
_اطمني أنا حتى لو حاولت اسيبك معدتش هقدر، مبقتش مخير دلوقتي ومبقاش بإيدي
تطلعت به باستغراب وحيرة.. لا تفهم المغزي الحقيقي وراء عباراته لكن يكفيها وعده بأنه لن يتركها، فابتسمت له بحب وبادلها هو الابتسامة يتمعنوا في بعضهم البعض بصمت تاركين الحرية للغة العيون تتحدث بدلًا عنهم&;.
***
داخل المستشفى&;.
كان يسير فارس في طرقة المستشفى يتلفت حوله بحثًا عن صديقه بين العامة، فسقط نظره عليه ليجده جالسًا على أحد المقاعد الحديدية وعلامات السهم بادية على معالمه الهزيلة، ساكنًا تمامًا يحدق في السقف بيأس، تقدم فارس نحوه بخطى هادئة حتى وصل إليه ووقف للحظة يحدق في حالته البائسة، رفع &; عز &; رأسه ونظر لفارس عندما انتبه لوجوده.. تطلع إلى صديقه بوجه عاجز يملأه القهر والحزن ثم أشاح بنظره ثانية واخفض رأسه أرضًا فتنهد فارس الصعداء بأسى وجلس بجواره ورفع كفه يربت على كتفه بدفء وهمس في اهتمام وقلق حقيقي:
_راندا عاملة إيه؟
خرج صوت &; عز &; مكتومًا يحمل بحة البكاء والقهر يجيب على فارس بيأس:
_ في العناية المركزة الدكتور قال حالتها خطرة ومعنى كلامه أنها ممكن متقومش منها ومحدش عارف هتفوق ولا لا من الغيبوبة دي
أطلق فارس زفيرًا حارًا بحزن وراح يردد ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ثم مسح على وجهه ووضع كفه على كتف عز يضغط عليه بقوة ويهتف بثقة:
_اطمن هتفوق أن شاء الله وهتبقى زي الفل مش هتسيبك
أخذ &; عز &; يسعل بقوة مجددًا وأجاب بصوت مبحوح وعينان متلألأة بالدموع:
_مش هسامح نفسي لو حصلها حاجة يافارس.. احنا كنا متخانقين وأنا كنت طالع وراها اصالحها بس ملحقتش.. ملحقتش اقولها أني بحبها بجد ومستعد اتغاضي عن أي شيء خلاص وأني عايز نبدأ أنا وهي من جديد
هتف فارس بحنو مبتسمًا يحمل له الأمل ويمده به رغم قلقه عليهم وبالأخص على صديقه:
_هيحصل كل ده هيحصل أن شاء لله خلي املك في ربنا كبير.. بس طمني انت إيه حصلك ليه بتكح كدا ؟
ظهر الغضب وشرارة الانتقام على ملامح عز وسأله:
_أنت لسا موصلتش لأي طرف خيط يعرفنا سر المقبرة عشان نخلص منها
تأفف فارس بحنق وقال في إصرار:
_لسا للأسف بس قربت خلاص أنا حاسس أنها النهاية.. لازم اخلص منها قبل ما تخلص على كل أهلي
هتف عز بنظرة رجولية مهيبة نابعة من حقده على &; أوار &; وعزيمته على مساعدة صديقه والتخلص منها معًا:
_البردية يافارس هي السر افتكر أنت محررتهاش غير لما طلعت البردية من مكانها أكيد هي فيها السر كله أنا متأكد
اجابه فارس باستغراب وعدم فهم:
_مهو قدامك ياعز أنا وأنت فسرنا كل حرف فيها وملقيناش فيها حاجة
هتف عز بثقة تامة:
_أكيد فيها حاجة احنا مخدناش بالنا منها أو حاجة معمولة بشفرة مستحيل يكون ملهاش لازمة، فكر كويس إيه اللي ممكن يخلي المقبرة تتفتح تاني خصوصًا أن دكتور سامي قال محدش غيرك يقدر يفتحها
التزم فارس الصمت للحظات يفكر ثم تمتم بقوة:
_يعني أنت تفتكر أن سر المقبرة في البردية ؟
هز &; عز &; رأسه بالإيجاب في ابتسامة ماكرة فـ بادله فارس الابتسامة بدوره ثم ربت على ظهر &; عز &; بنظرة يخبره من خلالها أنه سيقوم باللازم ثم سأله باهتمام شديد وهو كله آذان صاغية:
_&; احكيلي طيب حصل إيه معاك أنت وراندا وعملت إيه &; أوار
تنهد &; عز &; بقوة ثم بدأ بسرد كافة التفاصيل لفارس بداية برؤيته لراندا وهي ملاقاة على الأرض نهاية بما أدخلته &; أوار &; في جوفه وهو ما يجعله يسعل دون توقف وأنفاسه تضيق عليه شيئًا فشيئًا&;.
***
داخل منزل &; سامي &; بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل كان ماهر حاليًا على الأريكة بالصالون في الطابق الأرضي وجهه عابس وبين أصبعيه سيجارة يدخلها بين شفتيه ويخرجها مع زفيره الممتلئ بأدخنتها، كان شارد تمامًا وعقله مشغول بأخيه وزوجته وسمر التي جذبها معه للهلاك والآن يخشى عليها الأذى أكثر من نفسه، لا يعرف متى وكيف استحوذت على كامل تركيزه واهتمامه هكذا، هو لن يبالغ أن قال أنه يريدها أن تكون بين ذراعيه طوال الوقت ربما خوفًا عليها وربما حبًا لها أو ربما الاثنين معًا، عقله حتى لا يتوقف عن التفكير فيما سيفعله حالما يتخلصوا من تلك الجنية وتعود حياتهم لطبيعتها.. كيف سيتركها بمفردها حتى وأن كان الأمر طبيعيًا لها فهذه ليست المرة الأولى ولا الأخيرة لتكون فيها وحيدة بالنسبة لها، لكنه لن يكون طبيعيًا له ولن يستطيع تركها بعد شعوره بأنها أصبحت تحت مسؤوليته، ربما حتى وإن استطاع فعلها فقلبه لن يتركه يعيش في سلام بعيدًا عنها وسيجعل حياته جحيمًا بدونها.
فاق من شروده على صوت رنين الباب فاستقام واقفًا واتجه فورًا للباب بعدما توقع أن الطارق هو أخيه، فتح الباب ورأى فارس أمامه بوجه منهك وعابس فافسح له الطريق للدخول بينما فارس فضيق عينيه بتعجب عندما وصلت لأنفه رائحة السجائر واخفض نظره ليد أخيه فرأى السيجارة بين أصبعيه.. ابتسم بقيلة حيلة وقال وهو يتجه نحو الأريكة يجلس عليها:
_طالما وصلت معاك للسجائر يبقى قلقك وخوفك تخطاني أنا
أطلق ماهر تنهيدة قوية في أسى ثم راح يطفأ السيجارة التي انتهت تقريبًا وجلس بجواره أخيه متمتمًا:
_أعمل إيه حتى النوم مش عارف انامه من القلق
سأل فارس باهتمام وعينان تملأها اللهفة والحب:
_ليلى كويسة ؟
اماء ماهر بالايجاب وأجابه بهدوء:
_كويسة نايمة في الأوضة فوق.. طمني راندا وعز عاملين إيه؟
رفع فارس كفيه لوجهه يمسح على شعره نزولًا بوجهه ويهمس في قهر:
_راندا في العناية في غيبوبة وعز تعبان، يمكن لو موصلتش
للسر في أسرع وقت واتخلصت من &; أوار&; ملحقش انقذهم
هتف ماهر في جدية:
_في كتب كتير في مكتب دكتور سامي دور فيها يافارس يمكن تلاقي أي طرف خيط
هز رأسه بالنفي وقال باقتناع تام وصوت غليظ:
_لا هو &; عز &; عنده حق السر شكله فعلًا في البردية
سأل ماهر باهتمام:
_هي لسا معاك صح ؟
اماء فارس برأسه مجيبًا:
_أيوة معايا هريح الليلة دي بس وبكرا أن شاء الله هنخلص من كل ده نهائي
أنهى كلماته ثم نظر إلى وجه أخيه وسأله بجدية وفضول:
_هتعمل إيه مع سمر احنا أكيد مش هنفضل قاعدين في بيت الراجل كدا كتير ومينفعش أنا وليلى نرجع بيتنا وأنت تقعد معاها وحدكم واكيد أنت مش هتقدر تسيبها وتمشي
تنهد ماهر مطولًا وأخرج زفيرًا متهملًا وهو يجيب برزانة وثبات مريب:
_نعدي بس تلات أيام العزا دول وبعدها هبقى افكر هعمل إيه، يمكن لغاية ما تخلص التلات أيام نكون عرفنا نوصل للسر كمان
حديقه فارس بنظرة ماكرة وهتف مترقبًا للإجابة بكل فضول:
_ولو ده حصل هتعمل إيه يعني وقتها بقى؟
ماهر بعينان تلمع بوميض مختلف ونبرة صوت رجولية كلها ثقة واحتواء:
_وقتها هيبقى في كلام تاني طبعًا.. هو في حاجة في دماغي وفي قرار بس لسا خليه لوقته أن شاء الله
اشاح فارس بوجهه بعيدًا وهو يضحك على أخيه الذي يحاول أخفاء ماهو معلوم بالفعل، أما ماهر فغضن حاجبيه مستغربًا وسأله بعدم فهم:
_بتضحك ليه؟
نظر فارس له بابتسامة دافئة تحمل الحب الأخوي الصادق وراح يربت على كتفه متمتمًا وهو يغمز له بخبث:
_مبروك مقدمًا يادكتور
استقام واقفًا بعدما انتهي وقال وهو لا يزال محافظًا على ابتسامته:
_تصبح على خير أنا هطلع اريح شوية وأنت كمان روح نام وارتاح.. بكرا يمكن يكون نهاية الكابوس ده
ظل ماهر يحدق في أخيه وهو يسير مبتعدًا متجه إلى غرفة ليلى ويتساءل كيف فهم القرار الذي سيأخذه، هل أمره مكشوف لهذا الحد، إذًا ربما حتى سمر تعرف بحقيقة ما بدأ يكنه لها في قلبه منذ فترة&;
***
فتح الباب بحرص شديد ثم دخل بكل هدوء واغلق الباب خلفه بحذر، نزع عنه معطفه القصير وعلقه ثم تقدم من الفراش وتمدد بجوارها والتف بجسده مقابلًا لها يتأمل ملامحها بهيام، صفاء ونقاء وجهها أثناء نومها لا يمكن مقاومته، فطالما اعتاد منذ زواجهم أن يتأملها هكذا أثناء النوم دون كلل.
مال بوجهه نحوها وراح يوزع قبلاته الحارة فوق وجهها حتى أحست هي به وفتحت طرف عينيها وابتسمت له بغرام لكنها عادت وأغلقت عينيها مجددًا من أثر النعاس المسيطر عليها فابتسم هو أيضًا وبسط ذراعه أسفلها ثم جذبها لصدره فابتسمت هي وسط نومها ووضعت رأسها فوق صدره بكل راحة وحاوطت جسده بذراعها وهي تلصق جسدها به أكثر .. تريد أن تكون بين أحضانه بحواسها قبل جسدها، أما هو فانحني وطبع قبلته على شعرها هامسًا بصوت منخفض كله أمل وثقة:
_أن شاء الله بكرا ياحبيبتي هوفي بالوعد اللي وعدته ليكي وهتخلص من &; أوار&; للأبد ونرجع لحياتنا ونخلص من الكابوس واللعنة دي
كانت هي نائمة بين ذراعيه لا تشعر ولا تسمع أي شيء فأغلق هو أيضًا عينيه ليرتاح قليلًا بعد ذلك اليوم الطويل والمرهق&;
***
بتمام الساعة الثالثة والنصف فجرًا فتحت ليلى عينيها دفعة واحدة على صوت يهمس باسمها يناديها &; لــيــلـي &; وإذا بـ &; أوار &; تقف أمامها بجوار الفراش تنظر لها مبتسمة بشيطانية ثم رفعت يدها ورفعت سبابتها فجعلت ليلى تبتعد عن حضن فارس وتستقيم واقفة وهي مغيبة تحدق في عيني أوار التي سحبتها بسحرها الأسود، ثم أشارت لها أوار برأسها على المخطوطة التي تركها فارس فوق المنضدة بجوار الفراش، فاماءت لها ليلى برأسها طوعًا ومدت يدها إلى البردية والتقطتها ثم سارت بها إلى الخارج ومن الغرفة إلى الدرج تنزل إلى الطابق الارضي حتى وصلت لباب المنزل ففتحته وخرجت إلى حديقة المنزل ثم اتجهت إلى أحد الجوانب المخفية بجوار الحائط وبدأت بالحفر بيديها الاثنين ووضعت البردية داخل الحفرة ثم دفنتها بالأتربة، واستقامت واقفة وهي تنفض الأتربة عن يديها وتعود لداخل المنزل مجددًا ثم إلى غرفتها وتدخل بين ذراعين فارس مجددًا الذي فتح عينيه عندما شعر بحركتها وسألها باستغراب:
_كنتي فين ياحبيبتي ؟
ابتسمت له وقالت بطبيعية تامة:
_روحت اشرب مايه ورجعت
هز رأسه بتفهم واغلق عينيه مجددًا يكمل نومه وهو يضمها لأحضانه بينما هي فرأت أوار تقف أمامها وتبتسم لها بنصر وخبث فأغلقت ليلى عينيها لتغرق في ثباتها العميق مجددًا وكأن شيئًا لم يكن&;..
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى محمود توفيق
_ الفصل الرابع عشر _بصباح اليوم التالي في تمام الساعة التاسعة صباحًا، استيقظ فارس والتفت برأسه بجواره فرأى زوجته النائمة بعمق، أطلق تنهيدة صغيرة ثم رفع يده إلى وجهه يمسح عليه ويفرك عينيه ثم هب جالسًا في الفراش وظل جالسًا لدقائق حتى فاق تمامًا وتخلص من أثر النعاس ثم استقام واقفًا واتجه للحمام ليستحم، وبعد تقريبًا خمسة عشر دقيقة خرج من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة مرتديًا بنطال أسود فضفاض يعلوه تيشيرت ازرق، وإذا بـ ليلى لا تزال نائمة رغم كل ذلك الضجيج الذي أصدره منذ استيقاظه.. ضيق عينيه بحيرة من استغراقها في النوم هكذا وهي من عادتها الاستيقاظ من أقل صوت ودومًا تستيقظ معه، لكنه رجح أنها ربما مرهقة بسبب ما يمرون به ولهذا لا تشعر به ولا تستيقظ.قرر هو أن يبدأ في العمل دون إهدار أي لحظة عازمًا على إيجاد السر في تلك البردية، فاتجه إلى المنضدة المجاورة للفراش حيث ترك البردية بالأمس، لكنه تسمر بأرضه عندما لم يجدها، ظل مكانه للحظات يحاول استرجاع ذاكرته فربما قد تركها بمكان آخر لكنه متأكد تمامًا أنه تركها هنا بالأمس، راح يبحث عنها بالادراج كالمجنون بعصبية وينظر أسفل السرير علها تكون سقطت، أخذ يبحث في الغرفة باستيفاء شديد وأنفاسه بدأت تتعالي حتى استيقظت ليلى أخيرًا على تلك الأصوات المزعجة نتيجة لبعثرته الغرفة بأكملها وهو يبحث عن البردية.نظرت له ليلى بعينان نوعية وصوت خافت تسأله بتعجب:_مالك يافارس بتدور على إيه كدا من الصبحالتفت لها فارس بعينان حمراء كالدم من فرط الغيظ وأطال النظر في وجهها بشك غريب راوده بتلك اللحظة فور سماعه صوتها، لكنه أجاب عليها بهدوء تام ومازالت نظراته الثاقبة لها:_البردية اختفت قلبت عليها الأوضة كلها مش لاقيهافغرت ليلى عيناها وشفتيها بصدمة والتفتت بجواره تجاه المنضدة وقالت بهلع:_ازاي مش موجودة أنا شوفتها على الكوميدينو هنا امبارح قبل ما أنام، دور كويس يافارس اكيد وقعت في أي مكانثم استقامت واقفة وراحت هي أيضًا تبحث عنها بالادراج بخوف حقيقي وقلق أن تكون &; أوار &; قد أخذتها، بينما فارس فظل يتمعنها بتركيز وتفكير ثم أخذ نفسًا عميقًا وأخرج زفيرًا متهملًا محاولًا السيطرة على انفعالاته ثم تقدم إليها ووقف خلفها ثم حاوطها بذراعيه من كتفيها بكل حنو وأدارها إليه ونظر في عينيها بقوة وقال:_البردية دي ممكن يكون فيها السر اللي يخلينا نخلص من &;أوار &; ولعنتها يا ليلىهتفت بحيرة وقلق:_ معقول تكون هي اخدتها؟مال فارس برأسه للخلف وأخذ نفسًا عميقًا ثم عاد ونظر لوجهها وسألها بجدية لكنها تحمل اللطف:_أنتي متأكدة أنك امبارح بليل طلعتي تشربي مايه يا ليلى افتكري كويس ياحبيبتيضيقت ليلى عيناها باستغراب وقالت ببراءة:_ مايه؟!!.. أنا مصحيتش أصلا بليل يافارس من وقت ما نمت مصحيتش في نص الليل أنا مش فاكرة أني صحيتاتسعت عيني فارس وتأكد من شكوكه تجاه زوجته أنها هي من أخذت المخطوطة تحت تأثير &; أوار &; عليها فعادت ملامحه تظهر الغضب مجددًا ولكن ليس منها بل من &; أوار &; التي قد تكون تمكنت من التغلب عليه والتخلص من السر، فعاد يسأل ليلى لكن بنظرة مخيفة وقوية كانت لا إرادية منه:_ليلى افتكري كويس وقوليلى البردية ودتيها فين ياحبيبتي ساعديني عشان نخلص من اللعنة ديلمعت عيني ليلى بصدمة وقالت بصوت مبحوح وخائف:_أنا مخدتهاش يافارس والله مخدتهاشثم اخفضت رأسها أرضًا وانهارت في بكاء شديد فحدقها فارس بعدم فهم من بكائها الشديد الغير مبرر فقبض على كتفيها وهزها بعنف صائحًا بها عندما شعر أنها ليست طبيعية :_ليلى فوقي بتعيطي كدا ليه وقوليلى عملتي إيه في البردية؟لم تجيبه واستمرت في نحيبها العالي بينما هو فاستمر بالضغط عليها وهو منفعل لا إراديًا منه ويصرخ باسمها حتى تفيق وتستجيب معه، لكن ردها كان الصدمة الكبرى بالنسبة له، حيث وجدها فجأة دون سابق إنذار ترفع رأسها وتنظر في عينيه بشر وتصرخ به بصوت شيطاني مخيف وهي تدفعه بيديها التي من فرط قوتها العجيبة دفعته حتى آخر الغرفة وسقط على الأرض وهو يحدق بها مذهولًا وهي تصرخ:_ !!ما قولتلك مخدتهاشثم انطلقت منها ضحكة شيطانية بصوت متحشرج ومرعب ونظرت له بابتسامة خبث كلها نصر وشر، ثواني معدودة وسط ذهول فارس وهو جالس على الأرض بعدما دفعته بهذه القوة التي لا يعرف ما أين حصلت عليها، وجد أعصاب ليلى ترتخي وتغلق عيناها ببطء لتسقط على الأرض فاقدة الوعي، فوثب واقفًا من على الأرض وركض إليه يمسك برأسها يرفعها عن الأرض ويضرب على وجنتها برفق صائحًا به في صوت مرتجف:_ليلى فوقي.. فوقي ابوس ايدك يا ليلىاستقام واقفًا بهلع وحملها بين ذراعيه ثم وضعها على الفراش برفق شديد واسرع إيجاب عطره الرجالي ويثنر منه القليل على يده ثم يضعه بالقرب من أنفها، كرر الفعل مرة واثنين على أمل أن تستيقظ لكنها مازالت فاقدة الوعي، فتأملها بقهر وعيناه امتلأت بالعبرات ثم احتضن كفها ورفعه لشفتيه يلثمه بحب وقلق:_فوقي عشان خاطريلحظات طويلة نسبيًا وهو مازال محتضن بكفها ويضعه عند شفتيه وجدها تفتح عيناها وتنظر له بتيه وتسأله بكل عفوية:_ إيه اللي حصل يافارس، لقيت البردية ولا لسا ؟لم يتحمل رؤيتها بهذا الحال فأنهار باكيًا أمامها بصوت عالي كالطفل الصغير، ومال عليها يلثم جبهتها بأسف ويهتف من بين بكائه:_أنا آسف سامحيني.. أنا السبب ياحبيبتي سامحينيهبت جالسة وابعدته عنها برفق وراحت تحدق به بحيرة وقلق ثم احتضنت وجهه بكفيها وسألته بحنان جميل:_بتتأسف على إيه ياحبيبي وليه بتعيط كدا متقلقنيشتأملها للحظة بوجهه الغارق بالدموع ونظرات العجز والألم ثم ضمها لحضنه ودفن وجهه بعنقها يكمل بكائه، فمسحت هي على ظهره وشعره بغرام وقالت بخوف حقيقي وصوت مرتبك:_كدا هتخوفني بجد يافارس قولي إيه اللي حصل طيب وأنا ازاي اغمى علياتوقف عن البكاء وقال بصوته المبحوح لكنه كان صوت رجولي صارم ومهيب يحمل من الوعيد ما يكفي لإظهار رجولته:_اوعدك أن الليلة دي هتكون آخر ليلة في الكابوس ده.. حتى لو قدرت تتخلص من البردية برضوا مش هتقدر تغلبني وهحبسها في سجنها من تاني للأبدلم تجيبه لكنها كانت تدعو ربها أن يجمعه بالحقيقة ويساعده على إيجاد السر وتكون هذه الليلة هي الأخيرة حقًا كما يعدها&;***داخل المستشفى&;&;&;يقف &; عز &; أمام غرفة العناية المركزة يتابعها من الزجاج وهي طريحة الفراش لا يصدر منها أي حركة أو صوت سوى صوت الأجهزة التي تصدر صفير هادئ يدل على نبضات قلبها التي تنبض بالحياة وتمده هو بالأمل.. ربما أمله الوحيد الآن أن يتخلصوا من لعنة تلك الجنية علها تفيق من ثباتها الدائم وتعود للحياة مجددًا.. أو بالمعنى الأدق تعود له.وصلت إحدى الممرضات له ووقفت بجواره ثم نظرت له بإشفاق على حالته وهي تراه يراقبها لساعات دون أن يبتعد عن الزجاج لدقيقة فهمست له بحزن :_وقفتك دي مش هتفيد بحاجة يا بشمهندس، أن شاء الله تفوق قريب لكن لو افترضنا الاحتمال الاسوء وأن الغيبوبة تطول مش هتفضل واقف بتراقبها كدا بالأيام والشهور طبعًانظر لها عز بانزعاج وقال في ثقة وصوت رجولي غليظ:_شهور إيه، أن شاء الله كلها يومين وتفوق أنا عارف كويس هي مش هتسيبني وتفضل غايبة وعايشة في عالمها وحدهاتنهدت الممرضة بأسى وسألته بلطف محاولة التخفيف عنه قليلًا:_لو حابب ممكن ادخلك خمس دقايق تشوفها وتقعد جمبها ، بس خمس دقائق بظبط لأن الدخول ممنوع في العناية حاليًا ، فأنا هدخلك من غير ما حد يعرفابتسم &;عز &; لها بامتنان وقال بفرحة :_ياريت تدخليني ده أنا أبقى مشكور ليكي جدًا واللهأشارت له برأسها وهي تهمس له مبتسمة:_طيب تعالى معايا هديك لبس العناية عشان تدخلتحرك خلفها ودخل من بوابة العناية ثم أعطته ملابس الخاصة بالتمريض والعناية المركزة متمثلة في غطاء للرأس والرجل وكذلك للجسد بالإضافة إلى قناع الوجه ( كمامة) ، ثم تركته وخرجت بعدما أعطته تعليمات صارمة بأنه لن يأخذ أكثر من خمس دقائق ثم ستخرجه فانصاع له بالموافقة.فتح باب غرفتها ودخل ثم اقترب من فراشها وجذب مقعد بلاستيك صغير كان بجوار الفراش ليجلس عليه ويتمعنها بعينان دامعة، رؤيتها لها عن قرب وهي بهذه الحالة كان أصعب من خلف الزجاج.خرج صوته خافتًا وهو يحدثها بقهر:_سامحيني ياراندا أنا السبب ، &; أوار &; استخدمتك كبش فداء عشان تأذيني أنا وفارس ، بس خلاص هانت هنخلص منها وأنتي هتفوقي أنا واثق ، لأني مش هقدر اعيش واسامح نفسي لو مفقوتيش، مينفعش تسيبني بعد ما لقيتك خلاص وبقى أجتماعنا مع بعض سهل ، أنا ليا سنين مستني نجتمع أنا وأنتي .. مستني اللحظة اللي اعترفلك بيها بحبي وأكون جاهز أني ابني معاكي حياتيسكت للحظة ثم سالت دموعه فوق وجنتيه وقال بندم وأسف:_أنا مكنتش متخيل أني بحبك للدرجة دي، كل اللي حصل بينا اثبتلي أني مقدرش اعيش من غيرك، بس أنا ملحقتش اقولك ده.. ملحقتش اقولك أن مش فارق معايا زمان كان إيه ومستعد انسى أي حاجة ونبدأ أنا وأنتي صفحة جديدة، مستعد انسى حبك لفارس وأصدق أنك فعلًا نسيتيه وعايزة تبدأي من جديد معايا.. أنا مستعد أصدق لأني عايز اصدقكك، فوقي ياحبيبتي وأنا اوعدك أن كل حاجة هتبقى جميلة وزي ما أنتي بتتمني وهعوضك عن أي حاجة وهسعدك، من هنا ورايح هكون جمبك ومش هسيبك ابدًا.. بس هكون جمبك مش بصفتي صديق بس لا بصفتي حبيب وعاشق ولهاندخلت الممرضة الغرفة وقاطعت حديثه وهي تخبره بحزم بسيط:_كفاية ياشمهندس عشان محدش يشوفك وتحصلي مشكلةهز رأسه له بالموافقة ثم استقام واقفًا ومال بجزعه للأمام يطبع قبلة دافئة فوق رأسها ثم يبتعد ويغادر الغرفة وينزع عنه ملابس العناية ويخرج من قسم العناية بأكمله، وفور خروجه بدأ يسعل بقوة واسرع للحمام عندما بأنه على وشك الاستفراغ وبالفعل أفرغ معدته كلها، لكن عيناه اتسعت بذهول ورعب عندما رأى أن ما خرج من جوفه كان سائل أسود اللون.***بالمساء بتمام الساعة العاشرة مساءًا تحديدًا داخل غرفة الدكتور سامي كان فارس يبحث بكتبه ومجلداته عن أي معلومة تصل به للحقيقة والسر الخفي لتلك المقبرة الملعونة.سمع صوت طرق الباب فهتف يسمح الطارق بالدخول ظنًا منه أنها سمر لكنه وجده حارس المنزل وهو يلقي عليه التحية مبتسمًا:_مساء الخير يابشمهندسرد عليه فارس بلطف مبتسمًا:_مساء النور يامحسن خير في حاجة ولا لا ؟تنحنح الرجل باحراج بسيط وظهر عليه التردد قبل أن يهتف باستحياء وقلق:_أنا في حاجة شوفتها امبارح بليل ومن الصبح متردد اقول لحضرتك ولا لا ، كنت خايف تكون حاجة خاصة واعمل مشكلة بينك وبين المدام بس قولت مبدهاش بقى ولازم اقولك لأني حاسس أن في حاجة غريبة كانت في الست هانمضيق فارس عينيه بتعجب وسأله بفضول وصوت رجولي غليظ:_قول يامحسن متقلقش إيه اللي حصل وشوفت إيه ؟تحدث محسن وهو يسرد له ما رآه بالامس كالآتي:_امبارح بليل متأخر أنا كنت قاعد بشرب كوباية شاي زي عادتي وفجأة لقيت ليلى هانم طالعة من البيت وكان شكلها مش طبيعي ومشيت ناحية حتة متدارية في الجنينة وفضلت تحفر في الأرض ودفنت حاجة في التراب بعدين ردمت عليها وقامت ودخلت البيت تانياتسعت عيني فارس بدهشة امتزجت بفرح عندما وصله استنتاج أنه ما قامت بدفنه ليلى كان المخطوطة وراح يسأل محسن بابتسامة :_أنت فاكر يامحسن المكان اللي دفنت فيه الحاجة دي_ أيوة يابشمهندس فاكر طبعًااندفع فارس نحوه بلهفة وجذبه من ذراعه هاتفًا :_مستني إيه تعالي وريني المكان بسرعةسار محسن مع فارس الذي كان يجذبه بلهفة وهو لا يفهم سبب فرحته وتلهفه فلقد ظن أن الأمر سينتهي بكارثة بينهم، ظنًا منه أن ما قامت زوجته بدفنه كان سحر سفلي أو شيء من هذا القبيل.ارشده محسن للمكان وأشار له بإصبعه على القطعة التي حفرت بها وقال في نظرات متعجبة لفارس:_هنا بابشمهندس فارس دفنتهاجلس فارس على الأرض بسرعة وراح يحفر بيديه الاثنين متلهفًا أما محسن فقال باضطراب وخوف:_يابشمهندس بلاش تطلع الحجات دي بنفسك احسن تتأذي الأفضل نجيب شيخ يطلعهالم يكثرت فارس لأمره وربما لم يسمعه من الأساس من فرط فرحته عندما وجد البردية بالتراب واخرجها وهو يضحك بانتصار وخبث ثم وثب واقفًا وراح يربت على كتف محسن بسعادة غامرة ويعده:_اخلص من اللعنة دي يامحسن وليك عندي أي طلب هيتحققثم ابتعد فارس وقاد خطواته بسرعة إلى الداخل ليبدأ في مهمة بحثه عن السر داخل المخطوطة لكنه توقف عندما رأى &; أوار &; تقف بشرفة غرفة الدكتور سامي وتحدقه بشر فابتسم لها بنصر ووعيد حقيقي ثم أكمل طريقه للداخل واتجه للمكتب.***بمكان آخر بسيارة ماهر كان يقود سيارته بطريق عودته للمنزل وبجواره تجلس سمر، بعدما انتهوا من ليلة لطيفة بأحد المطاعم تناولوا فيها العشاء معًا، فقد قرر ماهر أن يأخذها في نزهة علها تخفف عن حزنها قليلًا وتكون مواساة لها وتنسيها فراق خالها.بينما كانوا يتحدثون أو بالادق ماهر يتحدث وسمر تسمع، يسرد لها عن بعض مواقفه وحكياته المضحكة وهي تستمع له باستمتاع تارة تضحك وتارة تكتفي بابتسامة ناعمة وأثناء ضحكهم ومتعتهم أطلقت سمر صرخة عالية عندما وجدت ماهر ينحرف بالسيارة عن الطريق ويميل بها بطريقة مرعبة مما أدى إلى اصطدامهم باحدى السيارات المصفوفة بجانب الرصيف***عودة لفارس داخل الغرفة الذي جلس على الأريكة ووضع البردية أمامه على المنضدة وفتحها وبدأ يحاول مجددًا أن يجد التي ثغرة يمكنه من الوصول للسر لكن النتيجة كانت ذاتها، قضى وقتًا طويلًا يفسر كل كلمة وكل حرف فيها دون جدوى بينما &; أوار &; كانت تقف تتابعه دون أن يراها وهي تبتسم بشيطانية ظنًا منها أنه لن يكتشف السر مهما حاول، لكن فجأة ظهرت علامات الفزع والرعب على محياها عندما رأت فارس جرح أصبعه دون قصد وهو يلتقط سكين كان موضوعة فوق طبق من الفاكهة ويقطع ثمرة تفاح فجرح أصبعه.ترك فارس السكين من يده بسرعة متالمًا ومال بجزعه للأمام ليلتقط منديل ورقي يضعه على جرحه الذي بدأ في النزيف لكن دون قصد سقطت نقطة دم على البردية، فنظر لها مزعورًا وبينما كان على وشك أو يقوم بمسح الدماء بسرعة قبل أن تفسد البردية تصلبت يده في الهواء واتسعت عيناه بذهول وصدمة وهو يرى البريدية تمتص الدماء وتظهر كلمات جديدة لم تكن مكتوبة من قبل!&;&;&;&;&;
الوسوم روايات ندى محمود توفيق
رواية أوار الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق
قضى وقتًا طويلًا يفسر كل كلمة وكل حرف فيها دون جدوى بينما &; أوار &; كانت تقف تتابعه دون أن يراها وهي تبتسم بشيطانية ظنًا منها أنه لن يكتشف السر مهما حاول، لكن فجأة ظهرت علامات الفزع والرعب على محياها عندما رأت فارس جرح أصبعه دون قصد وهو يلتقط سكين كان موضوعة فوق طبق من الفاكهة ويقطع ثمرة تفاح فجرح أصبعه.
ترك فارس السكين من يده بسرعة متالمًا ومال بجزعه للأمام ليلتقط منديل ورقي يضعه على جرحه الذي بدأ في النزيف لكن دون قصد سقطت نقطة دم على البردية، فنظر لها مزعورًا وبينما كان على وشك أو يقوم بمسح الدماء بسرعة قبل أن تفسد البردية تصلبت يده في الهواء واتسعت عيناه بذهول وصدمة وهو يرى البريدية تمتص الدماء وتظهر كلمات جديدة لم تكن مكتوبة من قبل، عيناه ظلت تراقب المخطوطة وذلك السحر الذي يحدث أمام عينيه وهو يبتسم بخبث وسعادة.
بدأ في قراءة الرموز الهيروغليفية الجديدة بصوت خافت :
_قام الملك بلعن عشقيته أوار بعد قتلها وأصبحت روحها ملازمة لجسده داخل مقبرته، روحها المتعطشة للشر أن تحررت من سجنها لن ترحم أحد ، فقط دماء من نسلي تستطيع فتح مقبرتي ولن يتمكن من التخلص من شر روحها الملعونة وحبسها في المقبرة مجددًا إلا نفس الدماء ، إعادة البردية لمكانها هو سر التخلص منها
لمعت عيني فارس بالقوة معلنة عن بداية نصره الحقيقي، أما أوار فكانت تراقبه وهي تشتعل بنيران الغضب وتحولت لهيئة مرعبة بإمكانها أن تقذف الرعب في قلوب أي بشر، وفجأة انطفأت الاضواء وعم الظلام في أجواء الغرفة ، فتلفت فارس حوله مبتسمًا دون خوف وراح يحدثها بخبث:
_وصلنا للنهاية خلاص ، وهتكون نهايتك على أيدي زي ما وعدتك
وصله صوتها المرعب الذي لما يشبه أي صوت سمعه منها من قبل وهي تهدده:
_أن حاولت دخول المقبرة أعدك بأنك لن ترى زوجتك الحبيبة مرة أخرى يافارس ، قد لا استطيع أذيتك لكن استطيع أذية كل أحبابك
أنهت عباراتها واشتعل من العدم إضاءة شموع ضعيفة أظهرت له وجهها وهيئتها التي جعلت عينيه تتسع بارتيعاد وتصلب مكانه، عندما سمعها تكمل بابتسامة كانت كفيلة لقذف الرعب في أوصاله لأول مرة:
_أنت أيضًا لن تخرج معي وستكون نهايتك داخل المقبرة مثلي ، ستموت وتتعفن داخلها دون أن يشعر بك أحد
استعاد قوته وصلابة جأشه ورد عليها بابتسامة كلها ثقة ونصر:
_المقبرة دي نهايتك أنتي مش أنا ، هترجعي لسجنك وأنا هرجع لحياتي
انطلقت منها ضحكة شيطانية مرتفعة كلها سخرية وراحت تحدق في فارس بأسف وتقول بمكر:
_يبدو أنك لما تقرأ السطور الأخيرة في المخطوطة ، كم أنت مسكين يافارس
تلاشت ابتسامة فارس تدريجيًا ولاحت نظرات القلق في عينيه عندما رأى تلك الثقة التي تحدثه بها، وراح فورًا يلتقط البردية ويقرأ الكلمات من جديد فوجد أن هناك سطور أخرى ظهرت لم يقرأها ومعناها بالعربية ( لكن من وصلت تلك البردية ليديه وتعرف على سر مقبرتي ولعنتها ، كُتب عليه الهلاك مع تلك الروح الشريرة، من يدخل مقبرتي لن يخرج منها مجددًا، أنت الآن أمام اختيارين إما أن تعيش حياتك معذب بشر أوار أو أن تخسر روحك فداء لأنقاذ العالم من لعنتها )
احتلت الصدمة تعابير وجهه وراح ينظر لها مدوهشًا فهتفت هي بشر :
_لقد خرجت حيًا المرة السابقة لأنني كنت أحتاجك وأنا اخرجتك لكن هذه المرة لن يخرجك أحد
أنهت كلماتها واختفت من أمامه وعادت إضاءة الغرفة كما كانت فجلس هو على مقعده يحدق في الفراغ مذهولًا.. يحاول استيعاب ما قرأه للتو.. كأنه يقف على مفترق طرق أحدهم يؤدي إلى عذاب ابدي والآخر يؤدي إلى الجحيم، وما عليه الآن سوى اختيار إما أن يترك تلك اللعنة تسلب منه كل احبائه أو يضحي بنفسه من أجلهم.
***
داخل المستشفى تحديدًا في إحدى العنابر الخاصة بالمرضى كان ماهر ممد بجسده على فراش وقدمه ملتفة بشاش طبي بعد إن قام الأطباء بتضميدها وتجبيسها جراء الكسر الذي تعرض له أثناء الحادث، وكانن تجلس بجواره على مقعد صغير سمر وهي تتطلعه باهتمام وقلق، التف ماهر برأسه نحوها بعدما انتهي الطبيب من فحصه وانصرف وراح يتمعن في وجهها الممتلئ بالجروح والخدوش البسيطة جراء الاصطدام .. وبأعلى جبهتها يوجد جرح عميق فقام الأطباء بوضع لاصق طبي عليه بعدما انتهوا من تضميده وتعقيمه.
مد كف يده والتقط كفها يحتضنه بين كفه بنظرة كلها حنو واهتمام وهو يسألها:
_حاسة بألم أو أي حاجة ياسمر ، أنتي كويسة طمنيني ؟
ابتسمت له بحب وقالت في رقة ممتزجة باضطرابها:
_أنا كويسة الحمدلله ياماهر والله متقلقش دي جروح بسيطة مفيهاش حاجة ، أنت الأهم رجلك حاسس بألم لسا فيها
تمتم بهدوء وصوت رجولي رخيم:
_لا المسكن اللي ادهوني الدكتور ريحني وهدي الألم
رددت بصوت خافت مسموع ( الحمدلله ) ثم نظرت له بحيرة وتعبيرات وجه جدية كلها خوف وتعجب:
_ أنت إي اللي خلاك تميل بالعربية فجأة ياماهر ومكنش في أي حاجة قدامنا
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا عندما تذكر تلك المرأة العجوز المرعبة التي ظهرت من العدم في منتصف الطريق أمامه فجأة وهي تنظر له بوجه خالي من التعبيرات وبشرة شاحبة أشبه ببشرة جثة هامدة فرت الدماء منها، وكردة فعل لا إرادية انحرف بالسيارة عن الطريق حتى يتفادها وبتلك اللحظة تعرضوا للحادث.
كانت سمر تتمعنه بتركيز منتظرة تفسيره وأجابته لكنه شرد في لحظة تذكره للحادث وتلك العجوز التي لا يوجد لها تفسير سوى أنها &; أوار &; ، هذا اسوء سيناريو قد يتخيله أن ينال سمر من الأذى نصيب، فاق من محيط مخاوفه على صوتها وهي تهتف:
_ماهر أنت سرحت في إيه .. أنا بكلمك؟
التفت لها وابتسم بود وقال في رزانة مخترعًا كذبة حتى لا يفزعها بالحقيقة ويزيد من وضع الأمر سوءًا بالنسبة لها:
_مش عارف يا سمر بس الدركسيون فلت مرة واحدة ومعرفتش اسيطر عليه، الحمدلله أنها جات على قد كدا
تنهدت الصعداء وهزت رأسها بتفهم بينما هو فمد كفه والتقط كفها وراح ينظر في عينيها بندم وأسف وتمتم بانزعاج:
_مكنتش هسامح نفسي أبدًا لو حصلك حاجة واتأذيتي بسببي ، سامحيني أنا آسف.. من وقت ما مشيتي معايا في الطريق ده والأذى ملاحقك ، أنا السبب مكنش ينفع اخليكي تيجي معايا هنا أو ادخلك في كل ده
مال ثغرها معبرة عن بسمة رقيقة ونظرة كلها غرام ثم رفعت كفها الثاني واحتضنت به كفه الممسك بكفها بين كفيها وهمست:
_أنا اللي اخترت اكون معاك ياماهر لأني كنت عايزة كدا ومهما حصل ومهما يحصل عمري ما هندم على القرار ده، فمتتأسفش صدقني رغم كل حاجة أنا مبسوطة بوجودي معاك، سبق وقولتلك وهقولها تاني.. أنت دلوقتي مبقتش مجرد صديق عادي بقيت كل حاجة بنسبالي وبعد خالو مش فاضلي غيرك
لمعت عينيه بوميض السعادة الغامرة الممتزجة بالعشق، وهو لا يفهم هل ينبغي له أن يأخذ تلك العبارات كاعتراف صريح بالحب أم ماذا ؟.. لكنه لن يمهل نفسه التفكير في الخطوة القادمة وسيتبع ما يحسه عليه قلبه، وبلحظة كان يعتدل في نومته ويصبح نصف جالسًا ثم تأمل في تعبيرات وجهها بهيام ورفع أنامله لخصلات شعرها يمسح عليها بحنو نزولًا إلى وجهها ثم خرج صوت خافتًا يحمل من بحة الغرام ما يذيب القلوب:
_سمر أنا بـحـبك
فغرت عيناها وشفتيها بصدمة على أثر وقع تلك الجملة الغير متوقعة، واستحوذ عليها الذهول للحظات وهي تتمعنه بصمت ترى نظراته المفعمة بالهوي وهو يتبسم لها ويهز رأسه مؤكدًا اعترافه، فاجفلت نظراتها عنها بسرعة في استحياء شديد واطرقت رأسها أرضًا فسمعته يسألها بلهفة ودفء:
_مش هتقولي حاجة؟
فهمت ما يرمي إليه بسؤاله فاتسعت ابتسامتها بخجل أكثر وهمست بصوت ناعم بالكاد يسمع مجيبة:
_واللي قولته من شوية ده مش كفاية
ضحك بخفة وهو يهز رأسه بالنفي في خبث ثم بسط ذراعه أمامه ولفه حول كتفيها ثم ضمها لصدره في دفء مجيبًا:
_لا مش كفاية بس هعتبرها حاجة شبهها وهكتفي بيها دلوقتي مؤقتًا
ابتسمت بين ذراعيه في خجل شديد ونظرات تغمرها فرحة العشق، بينما هو فأخذ يمسح على شعرها بحنو وابتسامته السعيدة تعلو ثغره باتساع&;.
***
عودة لفارس&;.
خرج من غرفة المكتب وقاد خطواته البطيئة تجاه غرفة زوجته، لم يكن ذاهبًا ليطمئن عليها بل لتودعيها.. فربما سيكون هذا اللقاء هو الأخير بينهم.
وقف أمام باب غرفتها ثم أخذ نفسًا عميقًا و تمالك أعصابه وعبراته قبل أن ينهار باكيًا، فـ لا ينبغي له أن يظهر لها أي شيء، سيكون وداع صامت وغامض.. لن يعذبهم بحقيقة عدم عودته وموته المحتوم داخل تلك المقبرة الملعونة.
مد يده أخيرًا إلى مقبض الباب بعد وقت طويل من الاستعداد لذلك الوداع المؤلم وفتح الباب ودخل وهو يبحث بنظره عنها حتى تسمر بأرضه في ذهول وهو يحدق بزوجته التي وجدها تقف بالشرفة فوق السور وتنظر له بشيطانية مبتسمة في خبث، تسارعت أنفاسه ونبضات قلبه وبثانية كان يهم بالركض نحوها حتى يلحق بها قبل أن تسقط لكن هناك قوى خفية ربطت قدميه بالأرض فأصبح متصلبًا مكانه لا يتستطيع الحركة، فراح يصرخ بها في هلع:
_لــيــلــى بتعملي إيه انزلــي
ابتسمت له بشر وقالت بصوتها لكن لا الكلمات ولا النظرات لها، فقد كانت مسلوبة بسحر ولعنة &; أوار &; التي وصلت لذروة تمكنها منها:
_دي النهاية يا فارس زي ما قولت.. والنهاية يا هتكون بموتك أو موتي مفيش خيار تالت لازم واحد فينا يعيش والتاني يموت ، اختار أنت
رغم معرفته بأن تلك الكلمات عائدة لـ &; أوار &; لكن كونه يسمعها من زوجته كان وقعها على نفسه أصعب من حقيقة موته داخل المقبرة، فتمالك أعصابه وتجاهل الرد عليها ومناقشتها بل راح يخاطب زوجته المغيبة محاولًا إعادتها للواقع:
_ليلى ابوس إيدك فوقي ياحبيبتي فوقي متسمحلهاش تسيطر عليكي أنا خلاص عرفت السر وهنهيها للأبد، انزلي عشان خاطري انزلي
إجابته بقسوة وغضب وهي تلقي تهديداته الصريحة:
_سلم روحك وإلا هرمي نفسي من هنا
حاول الحركة من مكانه لكنه مازال متصلبًا بأرضه ولم يكن تهديدها له عبث بل وجدها تميل بظهرها للخلف تنوي أن تلقي بجسدها فصرخ في فزع وهو يرتجف ويقول:
_لاااا ، اوعي يا ليلى .. خلاص هعمل اللي هي عايزاه انزلي
ارتفعت ابتسامة النصر فوق شفتيها وراحت تتطلعه بشيطانية ثم ألقت أمامه سكين تحمل نقوش فرعونية وأشارت له بنظراتها أن يقوم بالتنفيذ، فراح ينقل نظره بينها وبين السكين بتردد يفكر في طريقة لخداعها حتى ينقذ زوجته ونفسه، فأذن له يسمع همس أوار في أذنه تقول بشر:
_مصير زوجتك بين يدي أن لم تنفذ ما أريد ستشهد على موتها أمام عينيك ، هيا نفذ فلم يتبقى أمامك الكثير من الوقت
مد يد المرتجفة للسكين بعدما لم يجد أمامه حل سوى التصرف كأنه خضع لها، التقطها من الأرض وتمعن بها فوجدها نفس السكين التي جرحته بها ليلى وقام بحرقها، تلألأت الدموع في عينيه ورفع السكين لرقبته ثم ثبت نظراته على نظرات &; ليلى &; يحدثها بلغة العيون وعيناه تذرف الدموع دون توقف، عيناه كانت تعرض كل لحظاتهم الغرامية معًا كأنها شريط سينما تتحدث عن مدى حبه له وشعوره بالقهر والعجز وهو يراها تقف تحمل حياتها بين يديها بأقل حركة ستفقد روحها للأبد.
فبدأ في قراءة بعض آيات القرآن والأدعية دون أن يحيد بنظره عنها وكانت أوار بدورها بدأت تنزعج وتثور من همهماته باسم الله وكلماته، أما ليلى فقد بدأ تأثير أواخر يضعف عليها و بلحظة قذف في ذهنها ذلك الكابوس الذي رأته منذ مدة والآن هاهو يتحقق بالضبط، حدقت في فارس ونظراته له ودموعه وتلك السكين التي فوق رقبته فصرخت بفزع وقد فاقت تمامًا وتحررت من السحر ونزلت من فوق السور وتهتف :
_لا يافارس
ابتسم بسعادة غامرة وانزل السكين من على رقبته فورًا وقد لمعت عيناه بالأمل مجددًا، أما ليلى فقد هرولت نحوه وارتمت بين ذراعيه وهي في حالة انهيار عصبي تبكي بحرقة وترتجف بين يديه، بينما هو فكانت عبراته تسقط ويبكي معها كالطفل الصغير وهو يوزع قبلاته على شعرها في ارتيعاد وفزع، راحت تهتف ليلى بين بكائها الهستيري:
_أنا ازاي كنت هخليك تعمل كدا في نفسك ، كنت هعيش من بعدك ازاي ، سامحني يافارس أنا مكنتش في وعي
أبعدها عنه برفق وراح يحدق في تعابير وجهها بعيناه الدامعة أخذ يتأمل ملامحها كأنه يحفظها في عقله لآخر مرة فربما تكون الأخيرة حقًا ، حاوط وجهها يكفيه ثم تمتم في صوت مبحوح:
_أنا اللي المفروض اطلب السماح، أنا السبب في كل اللي احنا فيه ده.. أنا اللي فتحت بوابة جهنم دي.. أنا السبب ، بس خلاص الليلة هي الأخيرة أنا وصلت للسر وهروح الليلة دي وهنهي اللعنة دي للأبد
تلألأت عيناها بوميض الحماس والفرح وهتفت له وهي تحسه على النهوض:
_بجد يافارس.. الحمدلله ، طيب ومستني إيه يلا بينا نروح حاليا
ظهرت ابتسامته الحزينة وهتف في ثبات يحمل خلفه انهيار عظيم:
_أنا هروح وحدي يا ليلى مينفعش تيجي معايا
اختفت بسمتها ورمقته باندهاش ثم هتفت بغضب معترضة:
_وأنا مش هسيبك تروح وحدك مستحيل.. هاجي معاك
مسح على وجنتيها بحنو وقال في صوت يحمل بحة القهر:
_مقدرش اخدك صدقيني في خطر عليكي ، أنا عايزك بس توعديني بكام حاجة قبل ما امشي
تطلعت له باستغراب فوجدته يكمل وقد امتلأت عينيه بالدموع وبدأت الكلمات تخرج بصعوبة من بين شفتيه من فرط حزنه وهو يلقي عليها وصياته:
_اوعديني أنك تكملي الحلم اللي كنتي بتسعيله ومتوقفيش لغاية ما توصلي ، وكمان حافظي على تواصلك مع بابا وماما أنتي عارفة أنهم بيعتبروكي بنتهم وهيكونوا سند ليكي
تسارعت أنفاسها بارتيعاد من كلماته المريبة وهتفت بعدم فهم :
_ أنت بتقولي الكلام ده ليه، أنت راجع تاني يافارس مش هتسيبني ويكونوا سند ليا ليه وأنت موجود معايا
سالت دموعه فوق وجنتيه وقال في أمل يحاول إبعاثه في نفسها ليطمئنها رغم انعدامه لديه:
_أن شاء الله هرجع ، أنا بقولك الكلام ده لأن الاحتمال ده موجود للأسف
نظرت له بثقة وشجاعة قوية رغم انهيارها ودموعها التي تنهمر بصمت وقالت:
_فارس لو فيها رجعة نبقى هنرجع مع بعض ولو مفيهاش نبقى برضوا هنكون مع بعض ، أنا طول الفترة اللي فاتت كنت بسمع كلامك وبنفذ اللي أنت عايزه بس المرة دي لو على جثتي مش هسيبك تروح المكان ده وحدك ، لو فيها موت يبقى هنموت مع بعض
أجابها فارس بحزم وهو يرفض رفض قاطع :
_المرة دي غير أي مرة فاتت ، لازم انهي اللعنة وحدي مينفعش تكوني معايا مستحيل اخدك معايا للموت ب ايديا
بتلك اللحظة كان ماهر وسمر وصلوا للمنزل حتى أنهم وصلوا للغرفة وكانوا يقفون أمام الباب فلمحتهم ليلى وشهقت بفزع عندما رأت وضعهم ، التفت فارس بدوره ينظر له لضيق عينيه بصدمة واقترب منهم يسأل بقلق:
_إيه اللي حصل مالك ياماهر
اجاب ماهر بهدوء مبتسمًا بعدما تقدم نحو أحد المقاعد وهو ممسك بعكازه يستند عليه ويتحرك به:
_مغيش حاجة حادث بسيط الحمدلله وعدي على خير
انفعل فارس من هدوء الأعصاب الذي يتحدث به أخيه وهتف:
_يعني إيه حادث بسيط ، أنت رجلك مكسورة وتقول بسيط ازاي متتصلش بيا
قال ماهر في نظرات ذات مغزى يرسلها لأخيه ليفهم معناها:
_ملوش لزمة يافارس هي كانت محاولات وباتت بالفشل
سكن فارس وارتخت عضلات وجهه ليظهر محلها اليأس والخنق، منذ قليل كان سيفقد زوجته والآن يكتشف أنها حاولت قتل أخيه أيضّا، جلس على اقرب مقعد أمامه ودفن رأسه بين كفيه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة من فرط شعوره بالخنق، فمازال نفسه مذبذبة ولم يتخطي ذلك المشهد المرعب الذي حدث من قليل عندما ليلى حاولت قتل نفسها ، فلم يلبث ليستوعب حقيقة أن دخوله للمقبرة سيكون موته حتى شهد على محاولة انتحار زوجته نهاية بحادث أخيه.
رفع رأسه عندما شعر بكف ليلى وهو يمسح على شعره وتهمس بالقرب من أذنه في قوة تمده به:
_كل ده هينتهي الليلة دي ياحبيبي ، بس لازم نتحرك من غير تأخير ، لأن كل وقت بتاخده وهي حرة قوتها بتزيد اكتر
هب فارس واقفًا ثم ضم ليلى لصدره يحتضنها بحنو ثم ابتعد عنها وأشار لأخيه بأنه يريد التحدث معه فاستقام ماهر واقفًا وغادر الغرفة مع فارس بمساعدته ليجد فارس يتحدث بجدية :
_انا عرفت السر ياماهر المقبرة هتفتح بدمي ولازم ارجع البردية مكانها عشان أوار تتحبس من تاني
لمعت عيني ماهر بفرحة وقال في تعجب:
_ازاي اكتشفت السر
هتف فارس بحزم ونظرة رجولية وهو يوصي أخيه:
_مش ده المهم .. المهم أني هروح دلوقتي ومش عايز اسمع منك كلمة هاجي معاك ، أنت هتفضل هنا عشان تاخد بالك من ليلى وسمر ، لأن ليلى مش كويسة وممكن في أي لحظة تأذي نفسها
هتف ماهر بغضب:
_أنت عايزني اسيبك تروح وحدك ازاي يافارس
اجابه فارس بحكمة:
_عشان أنا مش هقدر اسيب ليلى وحدها ومفيش حد اقدر استأمنه عليها غيرك
حديقه ماهر بضيق لكنه التوم الصمت كدليل على موافقته وانصياعه لرغبة أخيه بيننا فارس فتلألأت عينيه بالعبرات واقترب من أخيه ليعانقه بحرارة عناق طويل ويهمس في بحة رجولية تدمي القلب:
_خدي بالك من نفسك ياماهر ، ومش هوصيك على مرات أخوك ليلى أمانه معاك خد بالك منها ومتسيبهاش
ابتعد بعد لحظات وتطلع في وجه أخيه فوجده ينظر له بقلق وحنق شديد فابتسم فارس وربت على كتفه متمتمًا بابتسامة مازحًا:
_متقلقش عليا ده مشوار مسافة ساعتين وراجع ياراجل أن شاء الله
هتف ماهر بصوت رجولي غليظ :
_لولا ليلى وسمر مكنتش سبتك تروح وحدك أبدًا
ابتسم فارس بأسى وقال في هدوء غريب:
_سيبها على الله ، أن شاء الله خير ، أنت بس متنساش اللي وصيتك عليه
***
بعد مرور ساعة تقريبًا كان فارس قد تجهز وأخذ كل شيء سيحتاجه معه واهمهم تلك المخطوطة وغادر المنزل بعدما ودع أخيه وكذلك زوجته التي أوهمته بأنها ذعنت لأوامره ولن تذهب معه، لكن فور رؤيتها له وهو يستقل بسيارته وينطلق بها تسللك دون أن يشعر بها أي من ماهر أو سمر وغادرت المنزل واستقلت بسيارة سمر بعدما تمكنت من سرقة المفتاح دون أن تشعر بها وانطلقت بالسيارة تشق طريقها بسرعة عالية لكي تلحق بزوجها&;&;
الوسوم روايات ندى محمود توفيق