الفصل 1 | من 4 فصل

رواية أنا الطيب الفصل الأول 1 - بقلم نرمين قدري

المشاهدات
35
كلمة
1,536
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

في مطار نيويورك تجلس فتاة تنظر في ساعة يدها بملل وهي تنتظر النداء الأخير لطائرتها المتجهة إلى مصر، فقد اشتاقت جداً لتراب بلدها بعد غياب دام عشر أعوام. فمنذ وفاة والدتها لم تر بلدها، فقد سافرت عند خالها منذ كان عمرها خمسة عشر. تجلس غزل على إحدى مقاعد الطائرة وهي تربط حزام الأمان استعداداً للإقلاع، وهي ترجع بذاكرتها ليوم عزاء والدتها، وهي تتذكر كلام جدتها من أبيها، وكان الكلام قد حفر بداخلها. باااااك.

تجلس الجدة بعد انتهاء مراسم العزاء وهي تنظر لابنها وتقول وهي ترفع حاجبها: -وبعدين يا سعيد، أظن كده أنت عملت اللي عليك وزيادة. استحملتها كام سنة واستحملت مرضها اللي كان مش بيخلص، غير أنها أخدت اللي وراك واللي قدامك. شوف نفسك بقى، كفايا إنها ما عرفتش تجيب لك حتة ولد يمد اسمك. نظرت لها غزل وقالت: + وأنا إيه يا نانا؟ أنا كمان شايلة اسم بابا. ولو سمحتي متتكلميش على ماما كده، هي دلوقتي عند ربنا وميجوزش عليها غير الرحمة.

تنفست الجدة بصوت مسموع وقالت بغضب: -جرى إيه يا بت ابني؟ أنتِ جاية تعلميني أقول إيه ومقولش إيه؟ أنا أقول اللي أنا عاوزاه. ثم التفتت إلى سعيد الذي كان يلتزم الصمت وقالت بجدية: -بقولك إيه يا سعيد، اعمل حسابك آخر الأسبوع هتجوز مديحة. أهي بقالها سنتين مطلقة ومعندهاش غير بنت واحدة، وهي من زمان كانت هتموت عليك، بس أنت اللي صممت على هناء. يلا بقى، قصره ما علينا.

اكتفى سعيد بهز رأسه بالموافقة، فهو كان ضعيف الشخصية جداً أمام والدته، وهذا كان دائماً نقطة الخلاف بينه وبين هناء. فكانت والدته هي الحاكم الناهي في كل شيء يخص حياتهم، حتى بعد علمها بمرض هناء، صممت أن يرميها في إحدى المستشفيات ويخلص من مسؤوليتها. وبالفعل، بعد أسبوع من وفاة هناء، تزوج سعيد من مديحة التي صممت أن تعمل حفلة كبيرة دون مراعاة شعور غزل وحزنها على أمها.

أقاموا الحفلة في الفيلا. دخلت غزل حجرتها وهي تحتضن صورة أمها وتبكي قهراً على عمر أمها الذي ضاع بين جدران هذه الفيلا. في كل مكان ذكرى حزينة لأمها، فقد كان والدها يعاملها أسوأ معاملة، وكان دائم الاعتداء عليها بالضرب المبرح بسبب وبدون سبب، رغم أن أمها قدمت له كل سبل الراحة. الفيلا أصلاً كانت لوالد أمها، وهو أجبرها أن تتنازل له عنها. هناء كانت من عائلة كبيرة ميسورة الحال، وسعيد كان من عائلة صغيرة، دخل عليها بكلامه المعسول، أحبته وصممت على الزواج منه رغم اعتراض والديها، ولكن هي صممت عليه.

فيأس والدها من إقناعها ورضخ للأمر الواقع وأهداها هذه الفيلا حتى لا تسكن في مستوى أقل ما هي معتادة عليه. ولكنها بعد الزواج اكتشفت شخصية سعيد الحقيقية واكتشفت ضعفه أمام والدته، فهو أمامها بدون شخصية وهي من يتحكم في حياتهم ويصدر القرارات. انتهت مراسم الفرح. انتقلت مديحة للعيش هي وبنتها في الفيلا معهم، وقامت من أول يوم لها بإزالة أي شيء يخص هناء من صور وملابس، وكأنها بتقول للجميع أنها هي الآن صاحبة المكان.

خرجت غزل من غرفتها على صوت انتقال الأثاث وصوت تكسير زجاج. شهقت وهي ترى صور أمها وجميع أغراضها تلقى على الأرض، وصوت مديحة وهي تأمر الخدم بإلقاء هذه الأشياء في القمامة. مسحت غزل دموعها وقالت بقوة مصطنعة: + أنتِ إيه اللي بتعمليه ده؟ مين سمحلك تعملي كده؟ التفتت لها مديحة وهي تضحك ضحكة صفراء وقالت: -بتقولي حاجة يا قمر؟ أجابت غزل بنفس الحدة: + آه بقولك أنتِ مين سمحلك تعملي كده في حاجات أمي؟

-مش محتاجة حد يسمح لي، علشان أنا هنا صاحبة كل ده! ثم التفتت مديحة إلى ابنتها وهي تقول لها بابتسامة: -حبيبت ماما، خشّي شوفي الأوضة اللي تعجبك علشان تبقى أوضتك. لمعت عيون ريهام، ابتسمت بخبث وذهبت إلى حجرة غزل وقالت: = الله! أنا حبيت قوي الأوضة دي، خلاص أنا اخترت خلاص الأوضة دي. قالت غزل بتعجب: بس دي الأوضة بتاعتي! يعني الفيلا دي كلها مفيش أوضة عجبتك غير دي! شوفيلك أوضة تانية علشان دي الأوضة بتاعتي.

دخل عليهم سعيد وسمع بعض الحديث. تصنعت ريهام البكاء وقالت بصوت مسموع: = ليه كده يا غزل؟ حرام عليكي، أنتِ بتعيرينا بفقرنا ولا عشان أنا ضيفة هنا؟ = خلاص يا ماما، أنا هرجع بيتنا ومش عاوزة حاجة. قال سعيد يتذمر: -خير، بس يا ريهام مالك؟ قالت مديحة مسرعة:

+ مافيش يا سعيد، بس من الواضح أن غزل مش حابا وجودنا هنا من أول ما دخلنا، وكل ما نعمل حاجة تعلق عليها وكأننا ضيوف عندها. مع إنك قلت لي إن ده بيتي، هو مش ده بيتي برضه ولا أنا غلطانة؟ قال سعيد وهو يحاول إرضائها: + لا طبعاً ده بيتك يا حبيبتي، وغزل أكيد ما قصدتش. ثم التفت لغزل وقال بحده: + في إيه يا غزل؟ ليه مضايقة طنط مديحة؟ بصي بقا، طنط مديحة هنا مكان ماما وهي صاحبة البيت ده، والكلمة اللي تقول عليها تمشي، أنتِ سامعة؟

قالت غزل والدموع قد ملأت عينيها: + أولاً يا بابا مافيش حد زي ماما، والفيلا دي بتاعة ماما. غير إن ريهام سابت كل الأوض اللي في الفيلا وعايزة الأوضة بتاعتي. قال سعيد بلا مبالاة: -وإيه يعني؟ أنا مش فاهم. حطي ليها سرير معاكي وناموا سوا، أقلها تونسك بليل. قالت ريهام قاطعة لكلام سعيد: + بس أنا يا عمو مش بحب أنام مع حد في نفس الأوضة، متعودتش على كده. وقالت غزل: وأنا كمان يا بابا، حضرتك عارف.

أنا مش بحب أنام مع حد ولا بحب حد يشاركني في حاجتي. ابتسم سعيد ابتسامة مطمئنة لمديحة، ثم التفت نحو غزل وقال بحدة: -خلاص يا غزل، متعمليش نفسك دوشة. خدي حاجاتك وشوفي في أوضة تانية. أنا مش هفضل طول الليل أحل في مشاكل، أنا عريس. قالت غزل بخذلان: + يا بابا، دي أوضتي اللي أنا وماما عملناها سوا. كل مكان فيها له ذكري مع أمي، إزاي عاوزني أسيب الأوضة اللي كبرت فيها؟ استحالة أسيبها. قالت مديحة بغضب: + هو في إيه يا غزل؟

ليه مصممة تعملي خلاف من أول يوم؟ ريهام زي أختك وعجبتها الأوضة، عملتِ دوشة ليه؟ يلا اتفضلي انقلي حاجتك في أي أوضة على بال ما أروح أشوف الخدم لموا الزبالة اللي قلتلهم عليها ولا إيه؟ قالت غزل وقد بدأت الدموع تنهمر بشدة: = حاجات أمي مش زبالة، أنا هروح ألم حاجات أمي وأحتفظ بيها. + وماله، تحتفظي بيها في أوضتك. لكن الزبالة دي ما أشوفهاش برا. ويلا اتفضلي عشان ريهام ترتاح وأنا كمان عاوزة أرتاح.

ثم غمزت لسعيد، الذي بدوره ابتسم لها. أنا الطيب وعامل فيها مش طيب عشان الناس بقت بتدوس على الطيب ومين كان حس بينا يا دمعي يا قريب بأمثل إني مش طيب عشان انتوا ديابة، ولازم أنتش لقمتي منكم وليه يا زمن بقى الطيب بيتعيب؟ ضحكت ريهام بصوت مرتفع وقالت بانتصار: -ماما، أنا هغير كل حاجة وأعملها على ذوقي. قالت الأم وهي تبعث لها قبلة عبر الهواء: + براحتك يا روح ماما، أوضتك وإنتي حرة فيها.

استسلمت غزل للأمر الواقع وانتقلت إلى غرفة أخرى، وهي تعلم أن القادم ليس بسهل. مرت الأيام ثقال عليها، وكل يوم تحاول مديحة أن تثبت نفسها في البيت أكثر. وساعدها ضعف شخصية سعيد، فقد علمت نقاط ضعفه وبدأت تلعب عليها، وتحكمت فيه مثل عرائس المارينيت. ولكن ذلك الوضع لم يعجب أمه، فقد فقدت السيطرة على ابنها. ولكن مديحة انتصرت وحكمت على سعيد أن يدخل أمه إحدى دار المسنين، وهو نفذ كالمغيب.

استسلمت غزل للأمر الواقع وحاولت أن تتعايش، ولكن مديحة لم تتركها في حالها. حاولت بكل الطرق إزعاجها. جاء موعد دخول المدارس، استعدت غزل للعام الجديد، فهي بتنجح بتفوق على مدار السنوات الماضية. ولكن ريهام لم يحالفها الحظ بالنجاح وتركت الدراسة بعد رسوبها كذا عام متتالي. جلست مديحة بجوار سعيد وقالت له بصوت يبدو منزعج: + بقولك إيه يا سعيد؟ دلوقتي البت طولت ولا قصرت، ملهاش غير بيت جوزها، صح؟ لا مش صح. هز سعيد رأسه كالمعتاد.

ثم أكملت: أنا بقول كفايا مصاريف على العلام لحد كده، وغزل تاخدها من قصرها وتقعد تساعدني في البيت. شغل البيت كتير عليا وأنا تعبت. نظر لها سعيد ثم قال وهو يحاول أن يقنعها: -بس يا مديحة، غزل شاطرة وماشية في العلام، خسارة بصراحة تسيب كل ده. قالت مديحة بصوت صارم: + وأنا قلت كفايا يا سعيد، يعني كفايا. ولو كلامي ما اتنفذش، مش قاعدة لك فيها. انتفض سعيد من مكانه فور أن سمع أنها سوف تتركه وقال بترجّي:

-لأ لأ، خلاص تقعد تساعدك. حتى على الأقل تتعلم حاجة تنفعها. إنتي عندك، بس أوعي تمشي. ابتسمت مديحة بخبث وقالت: + خلاص، خش يلا قولها بدل ما هي تعبانة نفسها على الفاضي من الصبح عمالة تكوي وتحضر حاجات المدرسة. هز سعيد رأسه بالموافقة وقام. دخل سعيد على غزل وجدها ترتب حقيبتها استعدادًا للعام الدراسي الجديد. قال لها وهو ينظر لحقيبتها: + بتعملي إيه يا غزل؟ قالت غزل وهي تبتسم:

-زي ما حضرتك شايف يا بابا، بكرة أول يوم في الدراسة وأنا بحضر الشنطة. حضرتك متتصورش أنا فرحانة قد إيه إن بكرة هشوف كل صحباتي، وأخيرًا المدارس فتحت. قال سعيد بلجلجة: + بس أنا شايف إن ملوش لازمة كل ده. قالت غزل متعجبة: -هو إيه اللي ملوش لازمة؟ مش فاهمة!!! + المدرسة، أنا بقول كفايا لحد كده. -برضه مش فاهمة، معلش. قال سعيد وهو يستعد للخروج:

-طنط مديحة شايفة إن شغل البيت كتير عليها، وإن ملهاش لازمة المدرسة. اقعدي في البيت عشان تساعديها وكمان تتعلمي شغل المطبخ. ضحكت غزل ضحكة مصطنعة وقالت: + بابا، إنت أكيد بتهزر. شغل بيت إيه ومطبخ إيه؟ بقولك بكرة أول يوم دراسة. جاء صوت من خلفها يقول بحدة: = وأنا قلت لاء، خلاص مفيش مدارس من هنا ورايح وهتقعدي زي ما أنا وريهام قاعدين. التفتت غزل لها وقالت بغضب: + إنتي أكيد بتخرفي! مدرسة إيه اللي هقعد منها؟ ده شغل جنان بقى!

رفعت مديحة حاجبها وقالت: = وأنا هوريلك شغل الجنان على أصوله. وريني يا أنا يا إنتي. ثم سحبتها من يدها بقسوة ونزلت بها في القبو المخصص لحفظ الأشياء القديمة، وقامت برميها على الأرض، ثم أغلقت الباب. ظلت غزل محبوسة أربع أيام بدون طعام ولا غطاء، وكان البرد قارصًا. نزلت دموعها وشعرت بطعم اليتم، وأن فقدان الأم شيء كبير. ظلت تبكي إلى أن أنهكها البكاء. ظلت على هذا الوضع إلى أن استسلمت لكلام مديحة.

مرت الأيام وتوفي سعيد فجأة بدون مقدمات. وظهر الوجه الأسوأ لمديحة. لم تحترم حزنها على والدها، وأخرجت غزل من الفيلا لتواجه مصيرها بمفردها. عامل قاسي وجوايا مافيش قسوة ماليش غير قسوتي عزوة بتدوا الحق للأقوى وبتيجوا تمللي ع الطيب.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...