رواية المتمردة والطاغي الجزء الثالث 3 بقلم فادية النجار المتمردة والطاغيرواية المتمردة والطاغي الحلقة الثالثة اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى اتباع سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً انتفضت قمر من حضن عمتها، وقفت في وسط الغرفة والدموع تحرق وجنتيها، وقالت بنبرة مليئة بالخذلان: –“كمان يا عمتي؟! يعني أبويا مكنش كفاية عليه اللي جرى لي طول عمري وأنا بعيدة عنه؟
سابنا أنا وأمي الله يرحمها السنين دي كلها من غير ضهر ولا سند، وخلاص.. لما اتعودت أعيش وأعتمد على نفسي وأشيل مسؤوليتي، جاي قبل ما يموت يجبرني أتجوز راجل متجوز اتنين غيري؟! هو بابا مكنش بيحبني أوي كده؟ ولا أنا مكنتش البنت اللي تستاهل تعيش السعادة اللي تستحقها؟ حتى بعد موته استكتر عليا أرتاح ورخصني لابن أخوه، كأني عاملة عملة وعايز يداريها!
—لم تكد قمر تنهي كلماتها حتى دُفع الباب بقوة ودخلت “الحاجة عواطف” دون استئذان، وكان واضحاً أنها كانت تتنصت خلف الباب. ارتسمت على وجهها ابتسامة مكرة خبيثة، وقالت بنبرة تقطر سماً: –“إيه يا حبيبتي؟ واخدة في نفسك مقلب ليه كدا؟ ولا يكون كبير البلد وكبير الصعيد كله مش مالي عينكِ الماسخة دي؟ مش كفاية إنه هيرضى يتجوزك ويلمك، وهو أساساً متجوز ومعاه من العيال اتنين؟ عايزة إيه تاني يا أختي؟
واحدة غيرك كانت تبوس إيدها وش وضهر إن حد رضي يتجوزها بعد ما عاشت في مصر.. وأهو الله أعلم كنتي بتعملي إيه هناك ولا ماشية كيف لحالك! انتفضت العمة هنا واقفت بوجه عواطف، وقالت بصوت هادر دافعاً عنها: –“عواطف!! احترمي حالك وانتي بتتحدتي! دي بتكون قمر عبد الله الهواري، إياكِ تنسي نفسك وانتي واقفة في أوضتها وبتتكلمي معاها هكِذا!
أما قمر، فلم تنتظر دفاع عمتها. تقدمت نحو عواطف بخطوات ثابتة وثقة عمياء، وظهر جبروت عائلة الهواري في عينيها. نظرت إليها بكبرياء متمرد وقالت: –“طيب ما تروحي تقولي الكلام ده لابنك الكبير؟ إزاي راضي يتجوز واحدة مش معروف كانت بتعمل إيه في مصر؟ أنا أساساً اللي ميشرفنيش أتجوزه ولا أكون في مكان يجمعني بيه وبأشكالك! —استشاطت عواطف غضباً، واحمر وجهها من الإهانة، فصاحت: –“قطع لسانك يا بت مروة!
ورفعت يدها في الهواء بسرعة لتهبط بكف قوي على وجه قمر. لكن قمر، بحركة سريعة ومفاجئة، قبضت على معصم عواطف في الهواء ومنعتها من التحرك. كانت قبضتها قوية لدرجة جعلت عواطف تتأوه. نظرت قمر في عينيها بشرر يتطاير، وقالت بصوت منخفض مرعب: –“أنتي إزاي تتجرأي تمدي إيدك عليا؟! عارفة.. والله في سماه، الكف ده لو كان نزل على وشي، لكنت قتلتك في مكانك! أوعي تفتكري إني (مروة)
الغلبانة اللي كانت بتخاف منك ومن ظلمك.. أنا واخدة جبروت الهواري وعِند الصعيد كله في دمي.” اقتربت قمر من أذن عواطف، وهمست بنبرة فحيح الأفاعي: –“ورحمة أمي.. لتدفعي التمن غالي أوي على كل اللي عملتيه في أمي زمان.. أنا عارفة كل حاجة يا عواطف! ارتعشت عواطف رعباً من نظرات قمر وجبروتها الذي لم تتوقعه، ونزلت دموعها رغماً عنها من شدة ضغط قمر على عظام يدها. تقدمت هنا بسرعة وقالت بخوف من أن تتطور الأمور:
–“سبيها يا حبيبتي.. سبيها يا قمر عشان خاطري.” تركت قمر يد عواطف بدفعة قوية جعلت الأخيرة تترنح، ثم قالت بجفاء: –“دي أول وأخر مرة تخشي أوضتي من غير استئذان.. فاهمة ولا لأ؟! لم تنطق عواطف بحرف، بل التفتت وخرجت تهرول من الغرفة وهي تجر أذيال الخيبة والخوف. —التفتت هنا إلى قمر بعيون متسعة من الصدمة وسألتها: –“أنتي عارفة إيه يا قمر؟ مروة الله يرحمها قالتلك إيه قبل ما تموت ؟ ردت قمر وهي تتنفس بصعوبة والنار تأكل جوفها:
–“أمي قالتلي على كل اللي حصل زمان.. عرفتني إن عواطف هي السبب في إنها تهرب بيا على مصر، وهي اللي خلت أبويا يطلقها بعد ما حاولت تقتلني وأنا عيلة صغيرة! أنا عشت هناك غريبة أنا وأمي ونسيناكم.. بس طالما أنتوا عايزين تشوفوا أسوأ ما عندي وتجبروني على العيشة هنا، أنا معنديش أي مانع! قالت هنا بأسى تبدد مخاوفها: –“يا بنتي.. أنتي تقصدي إيه؟ عيال عبد الرحمن أخوي ومنصور مالهمش صالح باللي عملته عواطف زمان!
والله يا بنتي ما يعرفوا حاجة واصل.” بكت قمر بقهر وقالت: –“وأنا ذنبي إيه أتحاسب على ذنب معملتوش؟! أنا بكره المكان هنا اوي يا عمتو.. بكره الصعيد كله. أخوكي أجبرني بوصيته إني أعيش هنا، ومش عارف إنه رماني في عش دبابير وقال لي اتأقلمي! .. بس مش قمر الهواري اللي حد يقدر يكسرها، ولا حتى كبيركم الطاغي نفسه!
—خرجت عواطف من غرفتها وهي تجري والعباءة تلتف حول قدميها، وجهها شاحب وتمسك معصم يدها بألم وتدلكه. في نهاية الممر، كان “منصور” يترجل بخطواته الرزينة، فلمح حالة أمه الغريبة. تقدم نحوها وضيق عينيه بسؤال حازم: –“خير يا مّـا؟ مالك؟ وليه ماسكة يدك عاد وعتبكي؟ ارتمت عواطف في صدر ابنها تبكي بخبث ومكر لتشعل النار بينه وبين قمر: –“المدعوقة.. المدعوقة اللي عمك بلانا بيها الست قمر!
دخلت أواسيها، راحت مسكت يدي وكانت هتكسرها في يدها! وقالت إيه.. مش عاد ناقص غير إني أتجوز الشخص ده! وقالت في حقك كلام كتير ماسخ يا ولدي يقلل من هيبتك.. بس إن الله حليم ستار، إني مش قادرة على جبروت البت دي! اشتعلت عينا منصور ببركان من الغضب، وقبض على عصاه بقوة، وفي باله دارت الأفكار: * (يا مّـا.. البت دي كرهاني قوي كده وشايفة إني قليل في حقها؟ بس كله يهون عشان الوعد والوصية اللي وعدتها لعمي عبد الله قبل موته)
—في تلك اللحظة الفاصلة، انفتح باب الغرفة بعنف، وخرجت “قمر” بخطوات واثقة كالملكة، وعيناها مثبتتان على عواطف ومنصور. وقفت على رأس الدرج وقالت بصوت مسموع ملأ الردهة وبنبرة تهديد واضحة: –“أنا اللي هقولك يا منصور بيه.. أنا قولت إني موافقة على الجوازة دي! مش كده برضه يا.. طنط عواطف؟ نظرت قمر إلى عواطف بأعين تتوعد بنبش كل أسرار الماضي إن تحدثت مجدداً. ارتبكت عواطف، وتراجعت خطوة للخلف بخوف حقيقي وهزت رأسها بسرعة:
–“اه.. اه.. صح يا ولدي، البنية موافقة.” في زاوية أخرى من الصالة الكبيرة، كانت نساء منصور؛ “سعاد” و”هنادي”، يقفن يراقبن المشهد بذهول. كن ينتظرن أن تقوم حماتهن عواطف بطرد الفتاة أو كسر غطرستها، لكنهن تفاجأن بأن القادمة الجديدة ليست شخصاً سهلاً يمكن الاستهانة به. همست سعاد لـ هنادي بغيظ وتهكم: –“شفتي حماتنا؟ اللي كانت عتقول مبقاش اسمي عواطف لو مطردتهاش برة السرايا اليوم؟ أهي وافقت على الجواز وركبتها مية عفريت!
وشكلنا كده هنروح في فطيس من ورا البت دي وعنادها.” ردت هنادي بنفس الهمس والبرود المزيف، وهي تعدل من وضع طرحتها كبرياءً: –“الكلام ده تقوليه لروحك يا سوسو.. إني هنا السيدة الأولى وأم ولي العهد، يعني محدش يقدر يقرب مني ومن مكاني في قلب الكبير.” لوت سعاد فمها بغيظ شديد وقالت: –“هه! محسساني إن منصور دايب في دباديبك عاد؟
لولا العيال ومحمود ومحمد، كان رماكي برة البيت ومن زمان قوي يا دودو.. فوقي لنفسك، البت دي شكلها هتاكل الأخضر واليابس في السرايا! —ساد الصمت أرجاء ردهة السرايا بعد كلمات “قمر” المفاجئة. تلاقت الأعين في حوار صامت حاد؛ عينا “منصور” الصقريتان تخترقان ملامحها الشاحبة والمتمردة، وعينا قمر ترميانه بسهام التحدي والوعيد، بينما انكمشت “عواطف” خلف ظهر ابنها كالأفعى التي جُرحت في مأمنها.
خطا منصور خطوات وئيدة نحو الدرج، وعيناه لم تفارقا وجهها ثانية واحدة. وقف عند أسفل الدرج، ورفع رأسه إليها، ثم قال بصوت رجولي رخيم تهتز له الجدران:
–“زين قوي.. طالما الحديت رسي على الموافقة، وانتي قبلتي بالجواز وموافقه تنفذي وصيت ابوكي يبقى تجهزي حالك. إني كلمتي مِعقعدش فيها الأرض واصل، والجمعة الجاية كتب الكتاب والدخلة في ليلة واحدة..وهيبقي علي السكوت علشان وفاءه ابوكي واقترب منها ونظر في عيونها نظره قوه وقال بهيبه تليق بيه وساعتها عاد، عتشوفي هيبة ‘كبير الهواري’ اللي مش عاجباكي دي هتعمل فيكي إيه يا بنت عمي.” لم ترمش قمر، بل ظلت تنظر إليه من الأعلى بكبرياء
وقالت بصوت مسموع للجميع: –“وأنا مش هرجع في كلمتي يا منصور بيه.. وافقت عشان وصية بابا، وعشان في حساب قديم هنا في البيت ده ولازم يتصفى.. وبكرة تشوف مين اللي كلمته هتمشي في الآخر.” ماذا سوف يحدث بعد ذلك …..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!