تحميل رواية «المتمردة والطاغي» PDF
بقلم فادية النجار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
عن الرواية
اقرأ المتمردة والطاغي بقلم فادية النجار.
رواية المتمردة والطاغي الفصل الأول 1 - بقلم فادية النجار
-اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اصحاب سيدنا محمد وعلى اتباع سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً
دي علشان متزعلوش ويارب تعجبكو اهو بعد لما قررت اني انزلها حجز مش هان عليا انكو زعلانين
شخصيات عائلة الهواري
* **الحاج عبد الرحمن الهواري:** (65 سنة) والد منصور، رجل صارم في الحق، كان يدير العائلة وتقاعد ليسلم الراية لولده البكر.
* **عبد الله الهواري:** شقيق عبد الرحمن، رجل ضحك عليه الزمن وخسر زوجته وابنته، ينام الآن على فراش الموت.
* **هنا الهواري:** الأخت الثالثة والوحيدة لعبد الرحمن وعبد الله، أرملة تعيش في بيت العائلة مع ابنتها.
* **عاليا:** ابنة عمتهم “هنا”، فتاة هادئة وجميلة، ومخطوبة لـ “سامر”.
* **الحاجة عواطف:** زوجة عبد الرحمن، سيدة ظالمة ومجردة من العاطفة، لكنها تصطنع دور المظلومة.
* **منصور الهواري:** “الكبير” الحالي للعائلة، متزوج من امرأتين.
* **مروان الهواري:** الأخ الصغير لمنصور وذراعه الأيمن.
* **سامر الهواري:** شقيق منصور ومخطوب لعاليا.
* **سعاد:** زوجة منصور الأولى، طيبة أو خبيثة لا أحد يعلم، لكنها ترى نفسها الأحق بإنجاب ولي العهد.
* **هنادي:** زوجة منصور الثانية، ترى نفسها “الكبيرة” لأنها أنجبت له ولدين (محمد ومحمود).
* **قمر:** ابنة عبد الله المغتربة في مصر (القاهرة).
في غرفته الواسعة، كان “منصور الهواري” يغط في نوم عميق، وإلى جواره تنام زوجته الثانية “هنادي”. فجأة، استيقظ منصور على صوت طرقات عنيفة ومتسارعة على الباب، طرقات تحمل خلفها فزعاً كبيراً.
نهض منصور سريعاً بجلبابه الداخلي وفتح الباب بحدة، ليجد أمامه شقيقه “سامر” الذي خفض رأسه فوراً حياءً من مظهر أخيه وقال بنبرة لاهثة:
– “الحقني يا خوي.. عمي عبد الله تعبان قوي وبيتلوى، إني بعتت أجيب الحكيم بس هو عمال ينده عليك وعايزك ضروري عاد!”
رد منصور بهدوء حازم:
– “طيب.. إني جاي وراك.”
انسحب سامر سريعاً، بينما التفت منصور ليجد هنادي قد اعتدلت في فراشها والفضول يأكلها فقالت:
– “خير يا سيد الناس؟ في حاجة واصل؟”
التفت إليها منصور وقال بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
– “همّي قومي عاد! إنتي هتفضلي نايمة؟ قومي عمي تعبان والبيت كله صاحي على رجله.. فزّي!”
ردت هنادي بنبرة متملقة:
– “حاضر يا كبير.. بس إن شاء الله هيكون شوية تعب ويروحوا لحالهم زي كل مرة.”
قاطعها منصور بحدة:
– “هو إني هاخد وأدي معاكي في الحديت؟ همّي هاتيلي الجلبية بسرعة!”
قالت بخوف انصياعاً لبطشه:
– “حاضر.. من عيني يا كبير.”
ارتدى منصور جلبابه الصعيدي وهيبته تسبقه، وخرج يهرول باتجاه غرفة عمه عبد الله.
داخل الغرفة، كان الموت يرفرف بأجنحته. “عبد الله الهواري” يرقد على فراشه يصارع سكرات الموت، وبجواره شقيقه الأكبر “عبد الرحمن” ينظر إليه بحسرة، والأخت “هنا” تبكي بصمت، بينما وقف سامر يترقب بحزن.
تقدم منصور بخطوات ثابتة ووقف عند رأس عمه، فتح عبد الله عينيه المجهدتين وقال بصوت متحشرج:
– “قرب.. قرب يا منصور يا ولد أخوي.. يا كبير الهواري.. عايزك في أمر ضروري.”
انحنى منصور فوقه مستمعاً، فأكمل عبد الله بنبرة رجاء حارة:
– “عايزك تبعت تجيب بنتي ‘قمر’ وتتجوزها.. ده آخر طلب ليا في الدنيا واصل.”
وقعت الكلمات كالصاعقة على الحاضرين، وتبادلوا نظرات الصدمة. سأل منصور وعلامات التعجب ترتسم على وجهه:
– “إنت تقصد إيه يا عمي؟ كيف ده؟”
قبض عبد الله على يد منصور بضعف مستجمعاً قوته:
– “لازم تسمع كلامي يا كبير.. دي وصيتي ليك عشان أموت وإني مرتاح. اتجوزها يا ولد أخوي وكون ليها السند والضهر اللي مش لقيته فيّا.. وحياتي عندك يا خوي (ملتفتاً لعبد الرحمن) تخليه يوافق!”
هز منصور رأسه برفض تلقائي:
– “كلام إيه ده يا عمي؟ إني كبير عليها قوي!”
تدخل عبد الرحمن لتهدئة الأجواء المشحونة:
– “طيب اهدي يا خوي.. كل اللي عايزه عيتنفذ، بس اسكت وريح جثتك على بال الحكيم ما يجي.. خلص يا سامر شوف الحكيم اتأخر ليع بزيادة؟”
سامر وعينه على الهاتف:
– “حاضر يا بوي، هرن عليه تاني الحين.”
تابع عبد الله بصوت متقطع يضعف شيئاً فشيئاً:
– “دي وصيتي يا كبير.. وياريت تنفذها لراجل على فراش الموت عشان أكون مطمن على بنتي.. إني عرفت إن أمها ماتت من سنة وهي مقالتليش وعايشة لحالها في مصر.. اسمع كلامي يا واد أخوي ربنا يسترك في الدنيا زي ما هتسترني في موتي. وأنت يا خوي.. وصيتي بنتي تاخد بالك منها وتكون ليها الأب اللي معرفتش أكونه ليها.. وأنتي يا هنا، هي بتحبك واعتبرتيها زي عاليا واكتر.”
بكت هنا بحرقة وقالت:
– “إنت اللي هتاخد بالك منها يا خوي.. هي عايزاك إنت، شد حيلك عاد.”
قاطعه منصور بقلب مثقل بالمسؤولية:
– “ماشي يا عمي.. ارتاح إنت بس وكل اللي رايده هيكون.”
نظر إليه عبد الله برجاء أخير التمع في عينيه الذابلتين، وهز عبد الرحمن رأسه لابنه منصور إيماءة بالقبول المجبر، فقال منصور بتأكيد:
– “تكرم يا عمي.. اللي رايده عيتنفذ حرف بحرف.”
تنهد عبد الله براحة بدت على ملامحه:
– “إني كده ارتحت.. وأقدر أموت وإني مطمن.. بس ابقي خلي قمر تسامحني يا هنا.. وقوليلها إن أمها هي اللي بعدتها عني، وأنتي أكتر واحدة عارفة عمايل أمها معاها.. كل شيء عنها مع عمتك يا ولدي..”
أومأ منصور:
– “حاضر يا عمي.. في رقبتي.”
نطق عبد الله الشهادتين بصوت خافت، وثقلت رأسه، وفاضت روحه إلى بارئها.
–
صرخت هنا صرخة شقت سكون الليل:
– “أخوي!! أخوي حبيبي يا عبد الله!!”
أغمض عبد الرحمن عيني شقيقه الراحل، وقال بنبرة مكسورة يملؤها الإيمان:
– “أخوي عبد الله.. إنا لله وإنا إليه راجعون. لله ما أعطى ولله ما أخذ.. وجعت قلبي عليك يا خوي.”
امتدت الصرخة إلى خارج الغرفة، وعلت أصوات النساء بالولولة واللطم فور علمهن بالخبر. خرج منصور من الغرفة وعيناه يتطاير منهما الشرار، هدر بصوته الجهوري الذي زلزل جدران البيت:
– “والله في سماه.. اللي هسمع حسها بتصرخ ولا تلطم لخلص عليها وادفنها مع عمي اليوم! غوروا من وشي.. جاكم مصيبة تاخدكم!”
ساد الصمت فجأة بخوف ورعب من بطش “الكبير”. التفت منصور إلى عمته “هنا” التي خرجت خلفه تمسح دموعها وقال:
– “أنتي يا عمتي.. تعالي معايا على المكتب الحين.”
قالت بإنكسار:
– “حاضر يا كبير.”
دخلت هنا خلفه المكتب وهي تبكي:
– “عمك مات يا كبير.. أخوي مات وسابنا.”
اقترب منها منصور وقال بجدية:
– “البقية في حياتك يا عمه.. شد الشديد، بس احنا لازم نخبر بنته علشان تيجي العزاء، وعمي قال إنك الوحيدة اللي بتتواصل معاها.”
لطمت هنا على صدرها بخفة وقالت بلجلجة:
– “كيف يا ولدي؟ إني أخبرها كيف؟ إني مش هقدر أقولها أبوكي مات يا قمر.. صدقني مش هقدر واصل، قلبي عيقف.”
منصور بحسم:
– “طيب هاتي نمرتها يا عمه وإني هخبرها.. مش تحمّلي هم.”
أخرجت هنا هاتفها وأعطته له قائلة:
– “خد رن عليها من تليفوني أنا، عشان هي مبتردش على أرقام غريبة واصل.”
أمسك منصور الهاتف، ولفت انتباهه صورة فتاة فائقة الجمال تزيّن خلفية الشاشة، خمن أنها “قمر” لكنه نفض الفكرة من رأسه؛ فالموقف والوقت لا يسمحان بالتدقيق في الملامح.
ضغط على زر الاتصال، ولم تمر ثوانٍ حتى جاء الصوت من الطرف الآخر، صوتاً عذباً، مشاكساً، ينبض بالحياة:
– “إيه يا هنون؟ لسه فاكرة تسألي؟ ماشي يا ستي مقبولة منك!”
تنحنح منصور وقال بصوته الرجولي الرخيم:
– “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.”
تغيرت نبرة الفتاة فجأة إلى الجدية والحذر:
– “وعليكم السلام.. مين حضرتك؟ وده مش تليفون عمتي هنا؟”
رد منصور:
– “آه ده تليفونها، وأنا أبقى منصور الهواري.”
في تلك اللحظة، شعرت قمر بانقباضة في قلبها واشمئزاز خفيف؛ فعمتها كانت تقص عليها الكثير عن “منصور” وسيطرته، وقوته، وهيبته الطاغية، وحتى زوجاته وكيف يعاملهن بجفاء.
قالت بنبرة جافة:
– “أيوه.. خير حضرتك؟ عايز حاجة؟ وعمتي فين؟”
استغرب منصور من طريقتها الهجومية في الحديث لكنه تجاوز الأمر قائلاً:
– “عمتي هنا بخير.. بس في عربية هتوصلك كمان شوية عشان تجيبك الصعيد، والدك تعبان قوي ورايد يشوفك.”
خفق قلب قمر برعب على أبيها وقالت بلهفة:
– “طيب.. هو كويس يعني؟”
أجابها منصور بمراوغة:
– “آه.. لحد دلوك كويس، بس الله أعلم باللي جاي.”
قمر بقلق:
– “طيب ممكن اكلم عمتو عشان أسألها على حاجة؟”
فهم منصور أنها تريد التأكد من عمته، فالتفت إلى هنا وغمز لها محذراً ألا تخبرها بوفاة والدها الآن، حتى لا تنهار في الطريق وتأتي سريعاً.
أمسكت هنا الهاتف بيد ترتجف:
– “أيوه يا قمر يا بنتي..”
قمر بدموع محبوسة:
– “إيه يا عمتو؟ بابا فين؟ طمنيني عليه؟”
لم تتحمل هنا وانفجرت بالبكاء:
– “تعبان قوي يا قمر.. تعبان قوي.”
قمر بقلق شديد:
– “طيب أنا جاية فوراً.. مسافة الطريق.”
سحب منصور الهاتف من عمته وقال بصوت قاطع:
– “في عربية هتستناكي بعد نص ساعة قدام باب بيتك، اركبي فيها وهي هتوصلك المطار، إني هحجزلك تذكرة الطيران الحين، وساعة ونص وتكوني هنا في الصعيد.”
قمر باستسلام:
– “تمام.”
أغلقت قمر الخط، فنظرت هنا إلى منصور وعيناها ممتلئتان بالدموع:
– “طيب لما تيجي يا قلبي وتلاقي أبوها مات.. هتعمل إيه؟ وكيف هتتحمل الصدمة؟”
ضيق منصور عينيه وقال بنبرة حادة حملت الكثير من التساؤلات:
– “إني اللي مش فاهمه.. إيه اللي حصل زمان واصل عشان عمي يترك مراته وبنته في مصر؟ واشمعنى أنتي الوحيدة اللي عارفة مكانهم وبتكلميهم من ورايا؟ إني محتاج أفهم كل حاجة.. بس مش وقته الحين، بعد العزاء هقعد معاكي وتفهميني كل حاجة بالتفصيل.”
ظهر الخوف والجفل على ملامح هنا، وتلعثمت في الكلام قائلة:
– “إن.. إن شاء الله يا ولدي.” وفي سرها همست برعب: *(ربنا يستر من اللي جاي ويروق البال).*
لاحظ منصور ارتباك عمته ولم يفته خوفها، لكنه آثر الصمت الآن احتراماً لجلال الموت، وقال:
– “روحي يا عمتي الحين.. ووقت لما البنية تيجي راح نتحدت.”
رواية المتمردة والطاغي الفصل الثاني 2 - بقلم فادية النجار
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اصحاب سيدنا محمد وعلى اتباع سيدنا محمد وسلم تسليماً كثيراً
ازيكو يا حبايب قلبي الروايه الي جايه وعايزين اكتبها عايزنها صعيديه ولا كوميديه ولا دراما علي اساسا ده انا هكتب والروايه الي انتو هتقرروها وللعلم هنزل منها اول بارت وبعد كدا هتكون حجز مع بقايا ليله الغدر والجميله والشبح علشان محدش يرجع يزعل
خرج منصور إلى حوش البيت الكبير، ليجد ابنه “محمد” يقف بجوار جده عبد الرحمن الهواري، يستعدون لمراسم الدفن والعزاء.
كانت عقارب الساعة تبدو لقمر وكأنها تتحرك ببطء قاتل. ركبت السيارة التي أرسلها منصور وهي تشعر بغصة في حلقها، وقلبها ينبض بعنف كطبل حرب. طوال الطريق إلى المطار، ثم داخل الطائرة، لم تتوقف للحظة عن النظر من النافذة، تتأمل السحاب والدموع تحرق جفنيها.
كانت ذكرياتها مع والدها مشوشة، بعيدة، لكنها دافئة. تذكرت ملامحه المتعبة في آخر مكالمة بينهما، تذكرت نبرة صوته التي كانت تحمل دائماً طابع الاعتذار والندم دون أن تفهم السبب.
تمتمت في سرها والدموع تهبط على وجنتيها:
— “يارب اشفيه.. يارب متحرمنيش منه، أنا ماليش غيره في الدنيا دي بعد أمي.. يارب متختبرنيش فيه.”
حين هبطت الطائرة في مطار أسوان، وجدت سيارة فاخرة سوداء بانتظارها، يقف بجانبها رجل ضخم الجثة، ارتبك فور رؤيتها وقال باحترام شديد:
— “حمد الله على السلامة يا ست قمر.. منصور بيه بعتني عشان أخدك على السرايا فوراً.”
لم تجبه، بل أكتفت بإيماءة مكسورة وركبت في المقعد الخلفي، تراقب الطريق الصعيدي الشاسع، والمزارع الممتدة، وبيوت الطوب اللبن التي بدأت تظهر وتختفي، حتى وصلت السيارة وأبطأت سرعتها أمام قصر مهيب يحيطه سور شاهق.. “سرايا الهواري”.
—
نزلت قمر من السيارة بخطوات مرتعشة. كان الصمت الذي يلف المكان غريباً، صمت مطبق لا يقطعه سوى وشوشات خافتة. لمحها بعض رجال الخفر، فوقفوا بإجلال دون أن يتحدثوا. دخلت من البوابة الرئيسية، ومشت في الممر المؤدي إلى دوار السرايا، حتى وصلت إلى الصالة الكبيرة.
هناك، كان الجميع يتشح بالسواد. ما إن خطت قدمها الداخل، حتى وقعت عيناها على عمتها “هنا” التي كانت تجلس على الأرض، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء. فور أن رأت هنا قمر، شهقت بنحيب يمزق القلوب وقامت مادّة ذراعيها:
— “قمر!.. يا حبيبتي يا بنتي!”
تصلبت قمر في مكانها، شعرت بركبتيها لا تقويان على حملها. نظرت حولها بذعر، رأت وجوهاً نسائية تنظر إليها بشفقة، ووجوهاً أخرى تنظر بفضول. همست بصوت متقطع، والبرودة تسري في أطرافها:
— “عمتو.. بابا فين؟ هو.. هو في المستشفى صح؟ خدوني عنده.. أرجوكم خدوني عنده.”
ارتمت هنا فوق صدرها وظلت تبكي بحرقة قائلة:
— “البقية في حياتك يا قلب عمتك.. أبوكي سابنا ومشي يا قمر.. عبد الله مات يا بنتي، مات!”
وقعت الكلمات على رأس قمر كالصاعقة التي شلت حواسها تماماً. تراجعت خطوة إلى الوراء، وهزت رأسها برفض قاطع، وصوتها يرتفع بإنكار وصراخ ملأ أركان السرايا:
— “لااااا!.. أنتوا بتكذبوا عليا! أنتوا كلمتوني وقولتولي إنه تعبان! أنا جاية جرى عشان ألحقه! بابا مماتش.. بابا مستنيني! قوليلي يا عمتو إنك بتكذبـي عليا!”
انهارت قمر على الأرض، تجثو على ركبتيها وهي تضرب الأرض بيديها بقلة حيلة وقهر، ودموعها تنهمر كالشلال:
— “ليه مشيت وسبتني؟ ليه كلكوا بتسيبوني لحالي؟ أمي مشيت السنة اللي فاتت.. والنهاردة أنت؟ أنا عملت إيه عشان أتحرم منكم؟ يا وجع قلبي عليك يا بابا.. يا وجع قلبي!”
تجمع حولها بعض النساء يحاولن تهدئتها، ومن بينهن “سعاد” التي نظرت إليها بنوع من التوجس، و”الحاجة عواطف” التي كانت تراقب المشهد ببرود وجفاء من بعيد، متمتمة في سرها: *(هي دي بقى البت اللي عبد الله قلب الدنيا عشانها قبل ما يموت؟)*.
—
وسط حالة الانهيار والصراخ التي هزت أركان السرايا، انفتح باب المكتب الضخم، وخرج منه “منصور الهواري” بجسده الفارع وهيبته التي تجبر الجميع على الصمت. كانت علامات التعب الحزن واضحة على وجهه، وعيناه حادتان كالصقر.
نظر منصور إلى الفتاة المنهارة على الأرض. كانت تلبس ملابس سوداء بسيطة تناسب حدادها، وشعرها ثائر بغير ترتيب، ووجهها شاحب كالقمر في ليلة مظلمة، والدموع تغرق ملامحها الجميلة. رغم حزنها، شعر منصور بوخزة غريبة في قلبه لم يفهمها، لكنه سرعان ما استعاد جموده وصامته.
تقدم بخطوات بطيئة ورزينة حتى وقف فوق رأسها، وظله الطويل يغطي جسدها الضئيل المنهد. تنحنح بصوت جهوري هز المكان:
— “وحدي الله يا بت عمي.. الموت علينا حق، وعمي عبد الله راح للي أحن مني ومنك عليه.”
رفعت قمر رأسها ببطء، والتقت عيناها الباكيتان المتورمتان بعينيه الحادتين. عرفت فوراً من نبرة صوته وسيطرته أنه “منصور”.. الرجل الذي طالما سمعت عن قسوته وجبروته. امتلأ قلبها بالغل والقهر تجاهه، فنهضت واقفة بصعوبة، ومسحت دموعها بعنف كبريائي، وقالت بصوت يرتجف لكنه مليء بالتحدي:
— “أنت منصور.. صح؟ أنت اللي ضحكت عليا في التليفون وقولتلي إنه كويس؟ ليه عملت كده؟ ليه حرمتني أشوفه للمرة الأخيرة؟ ليه مخلتنيش أسمع صوته قبل ما يروح؟!”
اقترب منها منصور خطوة، وضيق عينيه مستنكراً طريقتها في الحديث أمامه وأمام نساء العائلة، وقال بنبرة منخفضة مهددة تحمل وراءها بركاناً:
— “إني مضحكتش عليكي واصل.. عمك مات قبل ما تتصلي بيا أساساً، وإني كتمت الخبر عشان رجليكي تشيلك وتيجي من مصر لاهنا واصلة بالسلامة، من غير ما يجرالك حاجة في الطريق.. وبعدين، صوتك ده ميعلاش في السرايا دي وإني واقف، مفهوم ولا لاه؟”
نظرت إليه وعيناها تتطاير منهما شرارات الغضب الممزوج بالانكسار:
— “مش مفهوم!.. أنا مش من هنا، ولا هقعد هنا.. أنا جيت عشان أشوف بابا، ودلوقتي ماليش قعاد معاكم!”
التفتت لترحل، لكن صوت منصور الحاد استوقفها كالسيف:
— “رِجلك مش عتخطي عتبة السرايا دي يا قمر.. عمي عبد الله ساب وصية قبل ما تطلع روحه، ووصيته دي دين في رقبتي ليوم الدين.. وإني هفذها غصب عن أي حد.. وغصب عنك أنتي بالذات!”
نظرت إليه قمر بعدم فهم وخوف بدأ يتسلل إلى قلبها من نبرته الحازمة:
— “وصية إيه؟ أنت بتتكلم عن إيه؟”
تدخلت العمة هنا بسرعة، وأمسكت بيد قمر وهي تبكي:
— “تعالي معايا يا بنتي.. تعالي ارتاحي في أوضتك الحين، أنتي جاية من سفر وطريقك طويل، والحديث ده عوقته مش الحين واصل.. تعالي يا قلبي.”
سحبت هنا قمر التي كانت كالجسد بلا روح، تقاد دون إرادة، وعيناها معلقتان بمنصور بنظرات يملؤها القهر والتوعد.
بينما وقف منصور يتابع أثرها بنظرات غامضة، وفي عقله تدور كلمات عمه الأخير وكيف سيقنع هذه الفتاة المتمردة بالزواج وكيف سيتحمل عنادها وطريقتها التي لم يعتد عليها من أي امرأة في حياته.
دخلت قمر إلى الغرفة، وارتمت على السرير تدفن وجهها في الوسادة، وانفجرت في بكاء مرير هز جسدها بالكامل، تشعر بالوحدة القاتلة في مكان غريب، بين
ناس يملأ قلوبهم الغموض، وأمام رجل يبدو وكأنه سيمتلك زمام حياتها القادمة رغماً عنها..
—
في غرفتها، كانت “قمر” تجلس على طرف الفراش، جسدها ينتفض بالبكاء المرير ونار القهر تشتعل في صدرها. طرقت الكلمات الأخيرة لعمتها وعمها مسامعها، لكن كبرياءها المتمرد كان يرفض تماماً فكرة الخضوع لـ “منصور”.. ذلك الطاغي الذي يظن أن كلمة منه قادرة على تسيير حياتها.
انفتح الباب برفق، ودخلت عمتها الغالية “هنا”، والدموع لا تجف من عينيها. اقتربت من قمر وجلست إلى جوارها، ثم أخذتها في حضنها وهي تطبطب على ظهرها قائلة بنبرة حنونة:
— “اهدي بس يا قمر.. واهدي يا قلب عمتك، والله أنتي فاهمة الموضوع غلط واصل. أبوكي قبل ما تموت روحه وصى منصور إنه يتجوزك، وحلّفه بغلاوة تربته.. ومنصور وافق
ماذا سوف يحدث بعد ذلك