رواية الحارة الجزء السابع 7 بقلم سلمى عصام الحارةرواية الحارة الحلقة السابعة دفعت روان باب الفيلا بقوة، تدخل وعلى وجهها غيمة غضب داكنة، ملابسها مبعثرة وشعرها متطاير كأن عاصفة مرّت بها للتو. لمحتها والدتها فنهضت مسرعة، قطبت حاجبيها وقالت بصوت مشوب بالقلق: ـ “شهيرة” إيه اللي بهدل حالك كده؟ ضربت روان الأرض بقدمها، وصوت كعبها ارتطم بالرخام كرصاصة غضب، ثم هتفت وعيناها تشتعلان: ـ “واحد حيوان عدّى بعربيته بهدلني!
والله لو شفته قدامي لأخليه يندم على اليوم اللي فكّر فيه يركب عربية! قطبت الأم أنفها من رائحة الماء الملوثه العالقة بملابس ابنتها، ووضعت يدها على أنفها وقالت بهدوء حازم: ـ “طيب روحي غيّري هدومك دي الأول، ريحتك صعبة. يلّا روحي! رمقتها روان بنظرة ضيق، تمتمت بكلمات سبّ في ذلك المجهول، واستدارت تصعد الدرج بخطى ثقيلة. في تلك اللحظة انفتح الباب مرة أخرى، ودخل محمود. جرت نحوه شهيرة قبل أن يخطو خطوتين، وتعلّقت
بذراعه وهي تقول بلهفة: ـ “محمود! رجّع أدهم يا محمود، بلاش اللي بتعمله ده! توقف محمود، نفخ الهواء بضيق وقال بجمود: ـ “مش هتكلم في الموضوع ده يا شهيرة. لو عندك حاجة مهمة قوليها، غير كده أنا عندي شغل.” تمسكت به أكثر، وصوتها انخفض قليلًا لكنه ظل مرتجفًا من القلق: ـ “بلاش تقسى عليه يا محمود. لو حد من صحابي أو من الصحافة عرف اللي حصل، سمعتنا هتتبهدل.” رفع عينيه إليها وسأل ببرود: ـ “إنتي مين أهم عندك؟ حياة ابنك ولا الصحافة؟
بلعت شهيرة ريقها وردّت بسرعة: ـ “أكيد حياته يا محمود! بس ده ميمنعش إننا نخاف على اسمنا. رجّع أدهم وأنا هتكلم معاه.” رمقها محمود بنظرة ضيق طويلة، استدار وتركها ومشى نحو مكتبه. نادت عليه، لكنه لم يلتفت. اشتعل الغضب في عينيها، رفعت الفازة الكريستال وقذفتها على الأرض. تحطمت بفرقعة عالية، وتناثرت شظاياها على الأرض جريت سارة وراهم بالعصا، وفجأة لاحظت عربية جاية ناحيتها بسرعة.
صرخت، رمت العصا من إيدها، وحطت إيديها على وشها. وقفت العربية على آخر لحظة. قرب منها مصطفى ولمياء وهم خايفين عليها. سألها مصطفى: ـ “إنتي كويسة؟ نزلت إيدها من على وشها بخوف، وقالت بصوت مرتعش: ـ “أنا كنت هموت.” قربت منها لمياء وضمّتها. في نفس اللحظة اتعصب مصطفى، وراح عند العربية وخبط عليها وهو بيأمر اللي جواها ينزل: ـ “انزلي يا حلّيتها! انزلي! فتح باب العربية، ونزل منها عبد الرحمن وهو بيضحك وباصص لسارة:
ـ “مكنتش أعرف إن قلبك خفيف كده يا سوسو.” اتصدم مصطفى ولمياء وسارة. قال مصطفى بذهول: ـ “عبد الرحمن؟ ابتسم عبد الرحمن وفتح إيديه وهو بيقول: ـ “تعالَ في حضن أخوك يا فواز.” جرى عليه مصطفى وحضنه، وكذلك عبد الرحمن، وقال: ـ “والله ليك وحشة يا شق.” رد مصطفى: ـ “والله إنت أكتر يا شقي.” قربت لمياء من عبد الرحمن وسلمت عليه وهي فرحانة برجوعه. حاوطت سارة خصرها وقالت بضيق: ـ “لا والله! ده كان هيموتني وإنتم بتسلموا عليه.”
سألها عبد الرحمن: ـ “فيكي حاجة؟ ردت سارة: ـ “طبعًا! كسر في الجمجمة، وكسر في الضلع، وجرح في الجبهة، وشايف التراب اللي دخل فيا بسبب العربية؟ قال عبد الرحمن بضحك: ـ “قولي والله؟ رفعت حواجبها وقالت: ـ “أه والله.” واتغيرت ملامحها في نفس الثانية، وجريت على عبد الرحمن وهي بترحب بيه: ـ “وحشت الحارة يا بودي والله.” ضحك عبد الرحمن وقال: ـ “لو ميرفت سمعت حد غيرها بيدلعني، يمكن تقتلك النهاردة.” رفعت سارة راسها بلا مبالاة وقالت:
ـ “والله يا صاحبي الحارة كلها عايزة تقتلني، وأولهم حسن.” ضحك عبد الرحمن وقال: ـ “هو حسن لسه زي ما هو؟ ضحكت لمياء وقالت: ـ “البضاعة بتاعتنا مبتتغيرش.” ضحك مصطفى وقال: ـ “شكلي مش هقضي الأيام دي عند عمي، هاجي أقعد معاك.” سأله عبد الرحمن: ـ “هو إنت لسه بتتطرد؟ ضحكت لمياء: ـ “ياه! كتير. ده ليل نهار بايت عندنا بسبب الطرد.” قالت سارة وهي بتضحك: ـ “وأنا أشهد على كده.” قال عبد الرحمن: ـ “لا أنا كده شكلي هرجع زي ما كنت.”
قال مصطفى: ـ “ادخل سلّم على أمك الأول، وبعدها شوف عايز تروح فين. ولا ميرفت تقفلك الطريق.” ضحك عبد الرحمن وهو سعيد إنه رجع الحارة تاني. ليه ذكريات كتير في الحارة دي، من أول حسن، لأم الشعب، لأم سعيد —هنتعرف عليها بعدين —ولناس كتير جدًا.
دخلت ياسمين غرفة العمليات، فتفاجأت بيحيى نائمًا والأجهزة متصلة بجسده من كل جانب، والأطباء يحاولون إنقاذه بكل ما أوتوا من قوة. وقفت هناك تشعر كأنها داخل كابوس، وكأن هذا المشهد شبيه بالموت نفسه. قطع شرودها صوت الدكتور سيف وهو يناديها بلهفة: ـ “دكتورة ياسمين! تعالي بسرعة، ساعديني!
ركضت نحوه، ويداها ترتجفان وهي تقف بجواره تساعد. نظراتها كانت تنزلق كل لحظة نحو جرحه، نحو وجهه الشاحب. اليوم الذي حلمت أن تراه فيه واقفًا أمامها، تراه الآن نائمًا كجثة. لم يكن هذا ما تمنته أبدًا. كلما لمسته شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. الرصاصة كانت قريبة من القلب، وكانوا يحاولون إنقاذه بكل ما يقدرون عليه. مرت دقيقة، ثم بدأ صوت جهاز المونيتور يصفر فجأة. التفت الجميع نحو الجهاز بذعر، وهي حدقت فيه بصدمة.
صرخ سيف في الفريق: ـ “جهاز الصدمات حالًا! مرت ثوانٍ معدودة، وبدأ سيف بإعطائه صدمات كهربائية، لكن القلب توقف. وقفت ياسمين تهز رأسها يمينًا ويسارًا ترفض تصديق النهاية. اقترب سيف وغطى وجهه بالملاءة، واستدار ليخرج، لكنه تفاجأ بياسمين تبدأ الإنعاش الرئوي والقلبي. حاول الجميع إيقافها، يرددون أن المريض مات، وأن ما تفعله لا جدوى منه. لكنها لم تسمعهم. استمرت في الضغط على صدره حتى بدأ القلب يستجيب.
سحبت حقنة الأدرينالين وأعطتها وريديًا. مرت ثوانٍ، وعاد نبض القلب على الشاشة من جديد. صُدم الجميع، وأكثرهم كان سيف، الذي وقف مذهولًا. لم يفهم لماذا اهتمت بحياة هذا المريض بهذا الشكل. لكنه قال لنفسه ربما لم تحتمل أن يموت أحد أمامها وهي موجودة في غرفة العمليات، فأدت واجبها كطبيبة. اندفع الأطباء نحو يحيى، وعادوا لاستكمال عملهم. مرت ساعات، ونجحت العملية أخيرًا. خرج يحيى إلى العناية المركزة تحت الملاحظة لمدة 48 ساعة.
خرجت ياسمين من غرفة العمليات، فجرت عليها رشا بلهفة: ـ “هو اللي أنا سمعته صح؟ هو اللي كان موجود؟ نظرت لها ياسمين بحزن وأجابت: ـ “أيوه هو يا رشا… متعرفيش حالتي كانت عاملة إزاي لما شوفته كده قدامي.” ضمّتها رشا بحنان وقالت: ـ “اهدي يا حبيبتي. هو عامل إيه دلوقتي؟ مسحت ياسمين دموعها وردّت: ـ “عدّى مرحلة الخطر، بس هنحطه تحت الملاحظة.” ـ “طيب كويس والله.”
في اللحظة دي حسّت ياسمين بإيد بتتمسك ايديها . لفت لقت ست كبيرة قاعده علي كرسي ومعاها بودي جارد، ففهمت فورًا إنها أم يحيى. نزلت لمستوى الكرسي المتحرك، ومسحت دموعها وهي بتقول: ـ “متخافيش يا أمي، هو هيبقى كويس. بس لازم إنتي تبقي قوية.” هزّت الست رأسها بتعب، فكمّلت ياسمين: ـ “تقدري ترتاحي في أي أوضة في المستشفى لحد ما ننقله أوضة عادية.” كانت بطمنها ياسمين وهي جوّاها هتموت من الخوف عليه، وبعدين لفت لرشا وقالت:
ـ “رشا، ممكن تروحي تخلي بالك منها؟ وأنا شوية وهاجي أطمن عليكي.” ابتسمت أم يحيى و حسّة بقبول ناحية البنت دي. —في نفس الوقت، خبّطت منار على باب أم الشعب. كان حسن واقف على السلم بعيد عن عينها، بيبتسم بخبث. فتحت أم الشعب الباب وسألتها: ـ “ادخلي يا منار.” منار ـ “مش هعرف والله، علشان حسن محتاجني تحت. بس أم ساجدة سابت الطبق ده عندنا وقالت أبعتهولك.” ابتسمت أم الشعب: ـ “والله كتر خيرها، ست جدعة.”
ـ “طيب يا أختي، همشي أنا بقى، سلام.” ـ “ابقي اطلعي تاني.” ـ “حاضر.” نزلت منار على السلم، وفي اللحظة دي سمعت أم الشعب صوت سارة ومصطفى ولمياء، ولمحتهم واتفاجأت بعبد الرحمن واقف معاهم. نزلت وهي شايلة الطبق علي : ـ “خلاص يا ميرفت، عايزة أسلم على الواد.” كانت ميرفت حضناه جامد ومش مخلية حد يقربله: ـ “يا حبيبي يا ابني… تبعد عني كل ده مش هسيبك. ها، ومحدش يدخل.” عبدالرحمن ـ “خلاص يا ماما، أنا قدامك أهو.” ميرفت
ـ “برضو عايزة أشبع منك. انت بعدت عني بما فيه الكفاية.” قربت سارة من لمياء وهمست: ـ “ده أكيد بيدعي يرجع تاني.” بصّت لها ميرفت بحِدة وقالت: ـ “سمعتك يا زفتة، وحسابك معايا بعدين. مش كفاية حسن.” ردّت سارة بسخرية: ـ “إيه يا جماعة؟ كله ليه عندي حساب! أومال أنا ليا عند مين بس؟ وخبطت على باب شقة أدهم بالغلط. كان أدهم واقف قدام المرايا بيجهز نفسه علشان نازل يدور على شغل، لكن صوت الخبطة قطعه.
في نفس الوقت نزلت أم الشعب وهي معاها طبق الرز بلبن، وراحت تسلّم على عبد الرحمن. شافتها سارة فجريت عليها تاخد الطبق، فصرخت أم الشعب وحاولت تاخده منها، لكن سارة ماديتهاش فرصة. اتفتح باب أدهم بسبب خبطة سارة، واتفاجأ بسكان العمارة واقفين على بابه. كان هيقفل الباب، لكنه اتفاجأ بسارة في وشه. غمزتله وقالت: ـ “ما تيجي نتعرف كلنا على بعض؟ رد بضيق: ـ “ممكن تبعدّي؟ عايز أقفل الباب.” ساره ـ “ده حتى إنت واقف مع حتة سكر!
استنى بس، كنت عاملة رز بلبن وقولت أبعتلك واحد و اعتبره بحتفل… قصدي بنحتفل بيك وكده يعني.” الكل وقف مصدوم، وأم الشعب حطّت إيدها على خدها حركة تلقائية كأنها بتتفرج على فيلم رومانسي. بصلهم أدهم كلهم، وبعدين رجع ببصره ليها وقال: ـ “شكرًا، بس مش عايز حاجة. ابعدي بقى، رجلك عايز أقفل الباب.” ردّت سارة بسرحان: ـ “مش هبعد غير لما تاخد واحدة مني.” ـ “بس أنا مش عايز آخد حاجة. ممكن تبعدي بقى؟ ـ “تؤتؤ، هتاخد وهبعد. مش هتاخده؟
أنا ممكن أقعد لحد الصبح كده.” بصلها بضيق، وبعدين خد منها الطبق وبالغلط مسك إيدها. سابها بسرعة وقفل الباب في وشها. مسكت إيدها وقرّبتها من قلبها بهيام، وبصّت على شقته وهي بتغني: _”كان يوم حبك أجمل صدفة… لما قلبتك مرة صدفة… يا اللي جمالك أجمل صدفة.” _الكل فتح بقه منظرها، دخلت شقتها وهي بتغني وقفلت الباب. سأل عبد الرحمن: ـ “مين دي؟ رفع مصطفى كتافه بمعنى إنه ميعرفش وقال: ـ “دي شكلها هربانة من العباسية.”
قالت أم الشعب بضيق: ـ “أخدت مني الطبق، بنت المجنونة.” ضحكت لمياء: ـ “أخدتم بالكم من حكاية عاملة الرز بلبن دي؟ دي متعرفش المطبخ شكله إيه، هتعرف تعمل حاجة؟ قالت ميرفت: ـ “لو أم ساجدة كانت هنا، كنت عملت منها صوابع كفتة.” وضحكوا كلهم. بعد ما قفل الباب في وشها، دخل وحط الطبق على السفرة وبصّ له بقرف. لفّ في المطبخ يدور على أي حاجة ياكلها، ملاقاش. وقف قدّام الطبق بقلّة حيلة، مدّ إيده وأخد منه لقمة… وياريته ما أكل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!