رواية الحارة الجزء الثالث 3 بقلم سلمى عصام الحارةرواية الحارة الحلقة الثالثة عاد أدهم إلى مكتب والده، يجرّ قدميه جرًا، وفي عينيه بقايا أمل أخير. وقف أمامه يحاول أن يبدو متماسكًا، وقال بصوت مرتعش: “يا بابا، إديني فرصة تانية. أرجع لحياتي الطبيعية، وأوعدك مش هغلط تاني. إديني فلوس وأنا هصلح كل حاجة.” رفع محمود عينيه من على الأوراق أمامه، ونظر إلى ابنه ببرود. ابتسامة ساخرة شقت وجهه الصارم، ثم قال ببطء:
“عندك فرصة واحدة بس، لو عايز ترجع تعيش حياتك الطبيعية.” ابتلع أدهم ريقه، وسأل بلهفة: “إيه هي؟ اتكأ محمود بظهره على كرسيه الجلدي، وشبك أصابعه، وأجاب بنبرة قاطعة: “تعيش في الحارة لمدة ست شهور.” تجمد الدم في عروق أدهم. اتسعت عيناه على آخرهما، وهتف غير مصدق: “إنت عايزني أعيش في حارة لمدة ست شهور؟! هز محمود كتفيه بلا مبالاة، ورد باقتضاب: “ده اللي عندي. لو عايز ترجع تعيش حياتك الطبيعية.” صرخ بانفعال:
“بس أنا إزاي هعيش في حارة؟ إزاي؟ وإشمعنى المنطقة دي اللي هعيش فيها؟ ليه مش مكان تاني؟ قاطعه محمود بحزم، ورفع سبابته محذرًا: “قولتلك ده اللي عندي. وعندي كمان شروط لو موافق.” اشتعل الغضب في عيني أدهم، وصاح: “هو في شروط؟ مش كفاية إني هعيش في منطقة شعبية؟ رفع محمود يده ليوقفه، وقال بصرامة لا تقبل الجدال: “اسمع كلامي للآخر.” زفر أدهم بضيق، وكز على أسنانه قبل أن يسأل: “وإيه هي شروطك؟ بدأ محمود يعد على أصابعه بهدوء قاتل:
“أول حاجة، هتروح الحارة تعيش هناك. محدش يعرف إنت ابن مين ولا جاي منين. زيك زي أي واحد من الناس اللي عايشة هناك. تاني حاجة، هدورلك على شغل تشتغل هناك، لأني مش هديك مني ولا جنيه. لما ألاقيك اتغيرت بجد، وقتها هغير رأيي وأرجعلك كل الفلوس، وترجع تعيش حياتك الطبيعية تاني.” وقف أدهم مصدومًا، كأن كلمات والده صفعات متتالية على وجهه. عقله يرفض استيعاب ما يسمعه. كيف سيقدر أن يعيش في حارة؟
مكان لا يعرف عنه شيئًا غير اسمه، وغير ما كان يراه في الأفلام. والصدمة الأكبر أنه مجبر على العمل لكي يأكل ويشرب ويعيش. مر بخاطره أن يرفض، أن يصرخ، أن يقلب المكتب على رأس والده. لكنه تراجع. من سيقف معه؟ أصحابه تخلوا عنه واحدًا تلو الآخر، كلهم يتهربون بحجج فارغة. والوحيد الذي كان يمكن أن يساعده اختفى ولا يستطيع الوصول إليه. أفاق من دوامة أفكاره على صوت محمود البارد وهو يكرر سؤاله: “ها؟ موافق؟
أغمض أدهم عينيه للحظة، وشعر بمرارة القهر تملأ حلقه. فتحهما وقال بصوت ميت: “تمام… ماشي. جهز كل حاجة.” استدار بعدها وخرج من الغرفة بخطوات ثقيلة، كأن قدميه مربوطتان بسلاسل من حديد. كانت شهيرة واقفة خلف الباب، ترتعش من الغضب، وقد سمعت كل كلمة. ما إن خرج أدهم حتى اقتحمت المكتب، ووقفت أمام محمود وعيناها تلمعان بالدموع والثورة. صرخت فيه بصوت مبحوح: “إنت إزاي تعمل كده؟ ولا عشان إنت سيادة اللواء محدش هيقف قدامك؟
إزاي تعمل كده في ابنك يا محمود؟ وقف محمود في منتصف الصالة، عاقدًا ذراعيه أمام صدره، وعيناه تقدحان شررًا. قال بصوت قاطع لا يقبل النقاش: “ده الصح يا شهيرة. ابنك لازم يشيل مسؤولية. وقتها بس هيفوق لكل اللي حواليه، ده لو مش عايزة ابنك يضيع.” انتفضت شهيرة من مكانها كمن لدغتها أفعى، وصاحت بانهيار: “بس مش بالطريقة دي يا محمود! تحرمه من حقه في البيت والفلوس وتبعته على حارة يعيش فيها ويشتغل؟
ابنك مش بيعرف يعمل حاجة لنفسه أصلًا. عايزه يروح الحارة؟ أنا مش موافقة. عاقبه بأي عقاب تاني، لكن ده لا… ده لا يا محمود.” اقترب منها محمود خطوة واحدة، وهمس ببرود يقتل: “أنا مش باخد برأي حد يا شهيرة. أنا بنفذ وبس.” أنهى كلامه واستدار مغادرًا، تاركًا إياها وحدها تغلي من الغضب والقهر. ضربت شهيرة كفًا بكف وصرخت وراءه بحرقة: “أنا ابني ميعيش في حارة أبدًا يا محمود، وهعمل كل جهدي إنه ميروحش هناك!
في الطابق العلوي، كان أدهم يسمع صدى الشجار يتردد في أذنيه كالرصاص. اتعصب وراح يخبط بإيده على المكتب، وكسر كوباية كانت قدامه. قعد على الأرض، يلهث، وضم ركبتيه إلى صدره هامسًا لنفسه بقهر: “ليه بتعاملني كده؟ دايمًا شايفني مستهتر. مش عايز تقف جنبي أبدًا. كل همك سمعتك وشغلك… ويولع ابنك. أنا إزاي هعيش في حارة؟ إزاي أنا؟ إزاي بس هقدر أقعد يوم واحد في منطقة شعبية؟ ناس مش شبهي ولا أنا شبههم. إزاي؟
_في الناحية الأخرى ، وتحديدًا أمام شقة مصطفى في عمارة قديمة، كانت سارة تجلس القرفصاء أمام الباب كحارس عنيد، وتصيح بصوت عالٍ: “يا جماعة أنا مش قايمة ، وهفضل قاعدة قدام الباب. مش هسيبك يا مصطفى تمشي من غيري أنا ولمياء. دي خيانة! تعالي يا بت يا لمياء اقعدي جنبي بدل ما إنتي واقفة.” ردت لمياء وهي تربع ذراعيها وتسند ظهرها للحائط بتحدٍ:
“لا أنا هفضل واقفة، عشان لو فكر يمشي خطوة واحدة بس أرجعه تاني مكانه. مفيش خروج من غيرنا، أنا بقولك أهو.” فُتح الباب بعنف وخرج مصطفى وهو يفرك شعره بعصبية، صارخًا: “يا جماعة عندي شغل، إنتم مش بتفهموا؟ اتكلمي يا ماما.” خرجت أم مصطفى من الداخل تمسح يدها في مريلتها وقالت بحنان: “يا بني خدهم معاك، هيحصل إيه؟ دول زي إخواتك.” قفزت سارة واقفة وهتفت: “حياتشي يا طنط، قوليله.” في تلك اللحظة، ظهرت ميرفت من على السلم
لاهثة وقالت بدلع مصطنع: “معلش لو هتعبك معايا يا مصطفى، ممكن تاخدني في سكتك؟ إنت عارف المواصلات والزحمة، وإنت ما شاء الله معاك عربية جدك. أهو مع إنها عطلانة بس تمشي الغرض.” نظر لها مصطفى بسخرية لاذعة: “لا والله؟ طالما هي عطلانة الأميرة ميرفت هتركب فيها ليه؟ ثم التفت إلى سارة ولمياء بحدة: “وإنتي يا بت إنتي وهي، مش واخد حد فيكم معايا. وليه عايزين تروحوا أصلًا؟ رفعت سارة حاجبها وقالت ببرود:
“بعيدًا عن كلمة بت، بس أنا ولمياء عايزين نروح نجيب حاجات رمضان.” أكملت لمياء بابتسامة مستفزة: “وبعيد كمان عن إننا مش هنروح معاك، هنروح كده كده وهتعزمنا على أكلة بره.” انفجر مصطفى: “وإنتِ يا أستاذة سارة، رمضان إيه اللي هتروحي تجيبي حاجاته؟ لسه فاضل شهر على رمضان، ومين بيجهز من دلوقتي؟ ومش هتلاقي أماكن عندها حاجات رمضان. والأستاذة لمياء، أنا قولت مش واخد حد معايا ومفيش عزومة. مش كل مرة أخرج فيها تعملوا نفس الحركات دي.”
صرخت سارة بغضب: “بقى كده يا مصطفى؟ رد ببرود: “آه.” غمزت سارة للمياء: “بت يا لمياء، جاهزة؟ ابتسمت لمياء بخبث: “أكيد طبعًا يا أبلتي.” تراجع مصطفى خطوة للخلف وقال بقلق: “مش مرتاح ليكم.” بدأت لمياء تعد على أصابعها بنبرة تهديد ناعمة: “لا خاااالص مفيش حاجة، بس
هنبعت رسالة صغننة جدًا لمريم بنت الحاج مسعد إنك بتكلم صباح بنت عم محمود بتاع الفول، وهنبعت لصباح نقولها إنك بتكلم ميادة بنت سالم، وهنبعت لولاء نقولها… وإنت عارف ولاء لو عرفت إنك بتكلم حد غيرها ييييييي هتبقى مجزرة. وإنت عارف الطار ولا العار. وهنبعت لـ…” قاطعها مصطفى صارخًا وهو يضع يديه على أذنيه: “خلااااص كفاية! كل ده لوتر شغال؟ تدخلت ميرفت بتشفٍ: “إنت عارف إنهم يعملوها. وهتاخدني معاكم، وإلا هروح أقول أنا كمان.”
وهنا لمعت عينا سارة حين رأت شبح رجل يصعد السلم. صاحت: “سبحان الله، الحاج محمد أبو ولاء طالع على السلم أهو. ولو قولنا حاجة هتلاقيه جايب المأذون، والطار ولا العار، وإنت عارف ولاء هتموت عليك.” بهت وجه مصطفى: “مش خايفه متقدروش تعملوا حاجة.” قالت سارة وهي تتجه لحافة السلم: “كده يعني؟ تمام.” صرخت بأعلى صوتها: “يا حاج محمد! التفت الحاج محمد بدهشة: “في إيه يا سارة؟ بتنادي ليه؟ بدأت سارة: “أصلًا ولاء ومصطفى…”
قفز مصطفى أمامها كالمجنون: “يا بنت المجنونة، دي هتعملها! استني يا سارة، أنا موافق! أنا موافق! سأل الحاج محمد بريبة: “مالهم ولاء ومصطفى؟ وإنت موافق على إيه؟ في حاجة؟ تلعثمت سارة بابتسامة صفراء: “أبدًا يا حاج محمد، بس مصطفى كان محتاج من ولاء كام ورقة كده. فلو حضرتك تعرف ولاء شايلة ورق مصطفى فين في البيت ولا في المكتبة؟ هز الحاج محمد رأسه: “والله يا بنتي معرف حاجة عن الورق ده. لما أروح هبقى أسألها.” قال مصطفى وهو
يجز على أسنانه من الغيظ: “خلاص ولا يهمك يا عمي محمد، أنا هبقى أعدي على المكتبة. بس قولي، إنت جاي هنا ليه؟ أجاب الحاج محمد وهو يخرج مفتاحًا من جيبه: “أصلي هأجر الشقة بتاعتي. في واحد جاي بكره هيقعد فيها، كنت هشوف كام حاجة فيها وكده.” وهنا انفجرت سارة ضاحكة دون وعي: “أهي كملت. هيضاف واحد جديد في عمارة المجانين.” تجهم وجه الحاج محمد: “قصدك إيه بعمارة المجانين؟
ارتبكت سارة وتلعثمت: “مش قصدي حاجة والله، إنت بعيد عنهم يا حاج محمد. هو حد يقدر يقول عليك حاجة؟ همس مصطفى من بين أسنانه: “جبانة.” عدل الحاج محمد لياقة قميصه بضيق وقال: “طيب هروح أنا بقى، سلام.” رد الجميع: “سلام.” ما إن اختفى حتى قفزت لمياء تصفق: “هييييي هنروح معاك صح؟ أنزل ألبس.” ضرب مصطفى كفًا بكف: “روحي يا مصيبة. مش عارف مخلفكم وناسيكم أنا.” قالت
سارة وهي تنزل السلم راكضة: “اسكت يا سواق. هروح ألبس وإنت جهز العربية.” بقي مصطفى مصدومًا مكانه، هامسًا بذهول: “سواق؟ ظهرت ميرفت مجددًا: “هروح أنا كمان، سلام.” ثم طلّت أم مصطفى برأسها: “متاخدنيش معاك في سكتك؟ عايزة أروح أشوف خالتك.” وضع مصطفى يده على جبهته بيأس وصاح: “يا جماعة ارحموني بقى. ده ناقص أم الشعب تنزل تقولي خدني معاك السوق.” وكأن القدر يأبى إلا أن يكمل النكتة،فُتح الباب لتظهر أم الشعب العجوز، وقالت ببراءة:
“إيه ده؟ إنت عرفت إزاي إني رايحة؟ تجمد مصطفى في مكانه، وشحب وجهه، ثم ترنح وسقط مغشيًا عليه من طوله. ضربت أم الشعب على صدرها: “لا حول ولا قوة إلا بالله. الواد مات قبل ما ياخدني معاه السوق.” _** مر اليوم بكل جنونه، وأشرقت شمس يوم جديد.
كان يقف هناك، على أول الحارة، بقدمين لا تقويان على الحركة. قميصه الأبيض المكوي بعناية كان نشازًا وسط الألوان الباهتة والجدران المتشققة. زكمت أنفه رائحة مزيج من عادم السيارات القديمة، وخبز الطابونة، وصرف صحي. كان ينظر لكل شيء بقرف وتعالٍ: للأطفال الحفاة الذين يلعبون كرة شراب ممزقة، للنساء الجالسات أمام البيوت يقشرن البصل، للشباب المتكئين على النواصي.
أغمض عينيه للحظة، وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا حبس دموع القهر. هذا هو قدره الجديد. فتح عينيه، وزفر بقوة، ثم خطا أول خطوة إلى داخل الحارة، إلى الجحيم الذي قرره له والده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!