رواية الداهية وسلالة الأوغاد الجزء السادس 6 بقلم أمل نصر الداهية وسلالة الأوغادرواية الداهية وسلالة الأوغاد الحلقة السادسة على مائدة السفرة كان عزام يتناول طعام إفطاره قبل أن يذهب إلى العمل وزوجته الحبيبة تدور كالنحلة حوله في الإتيان بباقي الأطباق، وتجهيز الصغيرة بتول للذهاب إلى مدرستها، حتى أنه أشفق يخاطبها بحنو: “يا ستّي اقعدي بقى وافطري لك لقمة على الأقل.” تبسمت أحلام تجيبه بمودة:
“تسلم يا حبيبي، بس لسه مخلصتش سندوتشات بتول ولا حتى سرحت لها شعرها.” خرجت لها المذكورة تقول بحماس: “أنا سرحته لوحدي يا ماما قدام المراية! ألقت أحلام نظرة على شعر ابنتها المنطلق والذي بالكاد يصل كتفها، لتقول بعدم رضا: “إيه ده يا بتول؟ ميفعش تسيبي شعرك منكوش كدة يا بنتي من غير ضفيرة.. استني، أنا خلاص قربت أخلص السندوتشات وأحطها في اللانش بوكس.” تذمرت بتول تهمس بسخط مخاطبة والدها:
“يا بابا أنا عاوزة أسيب شعري مفرود زي باقي البنات في المدرسة، بس ماما مصممة على العادة الرخمة دي.” تبسم لها عزام صامتًا دون رد حتى إذا أتت زوجته بالمشط ورباط الشعر، هتف بها: “سيبي البنت براحتها النهاردة يا أحلام، شكلها كدة زي القمر.” ردت أحلام تقول باعتراض: “ما يصحش يا عزام، شعر بنتك خفيف وأي شوية هواء هيخلوه يهايش.” ردت بتول بدفاعية:
“لأ شعري ناعم ومش بيهيش أصلاً، ولو حصل حاجة هسرحه بالمشط الصغير اللي شايلاه في جيب الشنطة.” رمقتها أحلام بنظرة كاشفة تقول لها: “أيوة.. يبقى إنتي بقى اللي مخططة لموضوع الشعر المفرود ده..” ووالدك يساعدك، بعد ما ادلعتي عليه بخبثك كالعادة قوست شفتيها بتول تقول بعتب طفولي: “أنا خبيثة يا ماما؟ ربنا يسامحك: بأسلوبها الرقيق وعتبها اللطيف أثرت في أبويها لتجبر عزام على التدخل بحمائية: “جرى إيه يا ست أنتي!
سيبي البنت تعمل اللي هي عايزاه وتعالي بقى اقعدي كلي معايا.” تبسمت أحلام مزعنة لأمر زوجها بخضوع تام، لتقبل وجنة ابنتها ثم جلست على كرسيها تتذوق أخيرًا طعم الطعام الذي صنعته، فتابع عزام بعد ذلك سائلاً: “هما عيالك الأغبيا دول اللي لسه نايمين؟ معندهمش محاضرات في الجامعة؟ وابنك الكبير مش هيروح المصلحة الحكومية اللي شغال فيها؟ أجابته أحلام:
“أنا عديت على التوأم وقالوا إن ميعاد مرواحهم للجامعة لسة مجاش، أما عن ابنك الكبير، فـ ميعاده الطبيعي على الساعة الثامنة، وهو اصلا مش بيطول في الصحيان، ربع ساعة بس واروح اصحيه، وبالمرة أطمن على ابن أخويا سعيد، ربنا يشفي عنه يارب . عقبت بتول بسجيتها: –“يعني هو فعلاً تعبان يا ماما؟ عشان كدة بتدعي له؟ أومأت لها أحلام بتأثر، فقال عزام: –“مش عارف ليه عندي إحساس قوي إني مش شايف سعيد قدامي.”
وكان اللي كان دخل بيتنا امبارح هو واحد تاني شبه سعيد في الشكل بس، لكن لا دا صوته ولا دي رزانة تشبه شخصيته على الاطلاق ايدته ابنته الصغيرة: –“أيوه يا بابا، أنا شفته امبارح وكان بيسألني أسئلة غريبة، مفهمتش معظمها.” عقد حاجبيه عزام باستفسار لابنته فقالت زوجته رغم استغرابها هي الأخرى: –“ما هي الحادثة يا عزام، هو أمجد مش قالك امبارح وشرح لك حالته الغريبة دي؟ ده قعد يقول أسامي أجنبية مفهمتش منها حاجة.”
أومأ عزام يردد خلفها وهو ينهض عن محله ويتناول معطفه: –“وأنا كمان مفهمتش منه حاجة يا ست أنتِ، ابنك دخلني في دوامة وشرح طويل عريض لحد ما تعبني، وللأسف وافقت في الآخر عشان صعب عليا.” هزت رأسها احلام بتفهم قبل ان تنظر بساعتها ثم انتفضت نحو ابنتها قائلة بتعجل وهي تصنع لها شطيرة جديدة: –“الوقت اتأخر يا بتول، كملي أكلك في الساندوتش ده وروحي دلوقتي مع باباكي.”
اذعنت بتول لأمر والدتها لتعلق الحقيبة على ظهرها، وقبل أن تصل لباب المنزل بصحبة والدها، أجفلا الثلاثة على صوت الصراخ الذي كان يصدح من إحدى الغرف بالداخل. تمتم عزام ورأسه ملتفة للخلف: –“جرى إيه؟ هو فيه إيه بالظبط؟ همت لتتكلم احلام أيضاً، ولكن مع ازدياد الصراخ، اضطر الثلاثة للدلوف بالدخل نحو مصدر الصوت، والذي كان آتيًا من غرفة نيازي. والذي ما ان هما بفتح الباب عليه، إلا وقد تفاجئو به على طرف سريره واقفاً، ملتصق بظهره
في الحائط من الخلف يردد: –“إلحقوني.. حد ينجدني! الله يحرقكم، حد يمسك المعتوه ده ويبعده عني! التفت الرؤوس نحو ما يقصد، ليجدوا أدهم واقفاً بتحفز يقول بانفعال: –يا وحوش يا أوغاد! أنتم مين؟ وإزاي جبتوني البيت المعفن ده؟ وربنا لو مخدتش منكم إجابة دلوقتي حالاً لـ…”أنا هبلغ السرايا عنكم يا حرامية يا خطافين، أنتوا مش عارفين أنا مين؟ أنا الباشا عالي المقام أدهم الفيومي! بصق كلماته ليجد الجميع يناظرنه بأعين متسائلة
يغمغمن بعدم استيعاب: أدهم الفيومي! قبل قليل كان أدهم استيقظ من نومته، يفتح أجفانه ليستعيد وعيه الضعيف، متناسيًا الجسد الذي أصبح يتلبسه، وهذا المنزل الجديد والمختلف كليًا عن غرفه القديمة بالقصر، ليغمغم بقرف ببعض الكلمات غير المفهومة. عيناه تجول في أرجاء الغرفة الغريبة، لتستقر بعد ذلك على النائم على التخت المجاور، بهذه الهيئة التي أثارت في نفسه الاشمئزاز؛ الذقن الطويلة وغير الحليقة، والشعر المتجعد والكثيف وملابس نومه…
والتي كانت مكونة من “تيشرت” باهت في الأعلى، و”شورت” يصل لأعلى ركبته لتظهر سيقانه الممتلئة بالشعر، فبدا له كإنسان غاب أو مشرد من إحدى الأزقة، لتحتد عيناه بارتياب شديد، جعله ينهض عن فراشه ليتناول أول شيء تناله يداه وهو كان حزام بنطال جلدي، ذكره بالسوط الذي كان يروض به حصانه، ليلفه حول كفه ثم رفعه لتلسع هذه القدم المقززة أمامه. صرخ نيازي مجفلًا من نومه ليجد أعين سعيد ابن خاله وهو يطالعه بشر وملامح شرسة يوجه الحديث إليه:
“أنت مين يا مجرم يا شحات؟ وإزاي جبتني هنا في المكان الغريب ده؟ تمتم نيازي بتوهان وعدم استيعاب: “هاه؟ مين اللي جاب مين؟ صرخ به أدهم ليلسعه بضربة أخرى من حزامه على ساقه العارية صرخ بها نيازي، وصرخ معه أدهم: “انطق يا حيوان! أنت لوحدك اللي خطفني ولا معاك حد تاني من العصابة؟ اخلص وانطق يا ولد! تبع الأخيرة بضربة أخرى من الحزام جعلت نيازي يصرخ للنجدة، من أحدهم ينقذه من هذا الجنون. عودة إلى الوقت الحالي
فقد استيقظ أمجد على الصراخ الذي كان يأتي من غرفة أخيه ليفاجأ بجده وهو يصرخ يعلن عن هويته أمام الجميع: “أنا أدهم الفيومي يا أوغاد.. أنا أدهم الفيومي! صُعق في البداية ولكنه تدارك سريعًا يقترب منه، يبتغي تهدئته: “سعيد يا حبيبي.. أنا ابن عمتك، ما تخافش.” التف إليه أدهم يهدر به: “أنا مين يا حيوان؟ وإيه الهبل اللي أنت بتقولهولي ده؟ ”ومين سعيد اصلا؟
فزع أمجد من هيئة أدهم التي بدت وكأنه فاقد الذاكرة ولا يستوعب هذا التحول الخطير منه والذي قد يهدد خطته بالكامل وهذا ما وضح جليا من تعليق أبيه: “هو الغبي ده بيقول إيه يا أمجد؟ ده فاكرنا حرامية وخاطفينه! ماله بينطق بالكلام بالطريقة الغريبة دي؟ همّ أمجد أن يخترع كذبة ما تناسب القصة، ولكن أدهم سبقه للرد على عزام: “وهو أنا بتبلى عليكم؟ أنتم حرامية، وأنا مش هسكت ولا هفضل حاطط إيدي على خدي لحد ما تاخدوا الجوهر…”
قطع جملته ساقطًا على الأرض، فاقد الوعي بعد أن باغته أمجد بضربة رأس قوية منه، قبل أن يفضح أمره ويفشي بسر الجوهرة. صرخت أحلام بجزع: “يا مصيبتي! عملت إيه في ابن خالك يا ولا؟ التف إلى والدته يجيبها بثقة: “متخافيش يا أمي، الموضوع هيعدي على خير.” صاح به عزام: “يعدي على خير إزاي؟ بعد ما وقعته من طوله وغاب عن الوعي يا غبي؟ وبعدين السؤال الأهم.. ماله سعيد؟ وإيه اللي خلاه يهلوس باسم جدك أدهم الفيومي؟
أجابه أمجد يبسط الأمر وقد حضر ذهنه الشيطاني بعد إسكات جده بطريقته: “مفيش حاجة تقلق يا بابا، دي مجرد نوبة بتجيله كل فين وفين بسبب إصابة قديمة في دماغه، عقله الباطن بيسرح في حتت تانية وبيخليه يصحى يخرف بالكلام ده.” جعد عزام جبينه بتفكير عميق، فهو لم يفهم كلمة مما أردف بها ابنه، ليسأله أخيرًا عن النقطة التي أثارت انتباهه: “طيب وسعيد عرف منين موضوع جدك والجوهرة؟
ارتبك أمجد وتعرق يبحث عن إجابة مقنعة، يلعن بداخله شقيقته أريج التي لا تسعفه أبدًا وقت حاجته إليها.. وفجأة استفاق يجد الحل مخاطبًا أبيه: “بنتك أريج يا بابا! هي اللي حشت دماغه بالكلام الفاضي ده عن جدها وعن الجوهرة، ما هي سيرة العيلة بقالها سنين.” عبس وجه عزام لا يظهر اقتناعًا ولا رفضًا، ليستدرك تأخره عن ميعاد العمل، فقال بنزق وهو يرتد للخلف خارجًا من الغرفة:
“أدي اللي باخده منكم، أهي قعدتكم دي أخرتني عن شغلي.. تعالي يا بنتي أنتي كمان عشان تلحقي مدرستك.” هتف بالأخيرة وهو يسحب ابنته الصغيرة بتول بيده ليغادرا المنزل، وظلت أحلام تقول ناحبة: “يا عيني عليك يا ابن أخويا، يا خيبتي في اللي حصلك! هنعمل إيه معاه دلوقتي يا أمجد؟ أجاب المذكور وهو يدنو برأسه نحوه يتأمل حركة انتظام أنفاسه: “اهدي يا أمي، كله هيبقى تمام.. دي مجرد نوبة وهتخلص أول ما يفوق ويرجع لوعيه.”
صاح نيازي بعد أن استعاد صوته أخيراً بعد كم الهلع الذي تعرض له منذ قليل: “أنا ميهمنيش أي حاجة من ناحية المجنون ده، ولا هيجراله إيه.. طلعوه بره أوضتي! وإلا من غير حلفان لا هسيب البيت وأهاجر لآخر الدنيا لو قعد ليلة واحدة تانية معايا في الأوضة.. أرجوكم! التوى ثغر أمجد يرمق أخيه بامتعاض، قبل أن يتجه لوالدته قائلاً: “يا أمي ياريت تصحي الملعونة اللي نايمة زي القتيلة دي، رغم كل اللي بيحصل حوالينا! سألته والدته باستفسار:
“ملعونة مين يا ابني؟ صاح يصرخ بالأسم وقد فقد زمام أمره: “بنتك الدلوعة اللي حاطة على قلبها مراوح.. البرنسيسة صاحبة الحسب الطيب والطبع الواطي! الملعونة أريج يا أمي.. أختي التوأم.. يا رب تموت موتة قريبة تريحني منها ومن وشها..” “..النحس ده، اللهم آمين.” —بوجه عابس من أثر النوم تطلعت أريج في وجه أدهم المستلقي على تخت شقيقها أمجد فاقداً للوعي بعد ضربة الرأس التي تلقاها من المذكور، لترفع رأسها إليه مغمغمة بارتياب:
“إنت قتلته؟ سألها مستفهماً: “مين ده؟ أجابت أريج: “سعيد ابن خالي.” قال مصححاً: “ده أدهم جدك يا غبية! تمتمت بغمغمة تحاول الفهم: “بس الجسم ده جسم سعيد، وإنت لما خبطت راسك زي ما قولتلي وزي ما أنا شايفة قدامي، جبهتك خبطت في راس سعيد.. يبقى إنت كدة قتلت سعيد! قطب متفكراً لعدة لحظات يشعر فيها بالتشتت مع كلماتها حتى هتف بنفاذ صبر: “يلعن شكلك على شكل عقلك التافه ده!
بتدخليني في تفاصيل مالهاش لازمة وتوهيني عن المهم عشان أركز في الهبل اللي بتقوليه.. يا غبية! انتفضت شقيقته تعود للخلف تردد بهمس خائفة: “اهدى يا أمجد بلاش تفضحنا، عشان ماما متسمعش الكلام اللي بيدور بينا.” صاح غير مبالي: “قولي الكلام ده لنفسك وارحميني من خرافاتك! النهاردة الغبي ده كان هيكشفنا بهبله، وإنتي دلوقتي بتدخليني في مشكلة إحنا مش قدها.”
توقف متهدج الأنفاس غاضباً، فـ إشارات هي على تخوف نحو باب الغرفة، بإشارة حول سماع والدتها الحديث، فصرخ بها: “مش موجودة في البيت أصلاً، دي دخلت تصحيكي في اوضتك من شوية وبعدها خرجت على السوق تجيب طلبات، يعني البيت صفصف عليا وعليكي والمجنون اللي راقد سطيحة على السرير بعد المصيبة اللي هببها دا كان هيفضحني قدام ابويا وأخواتك. “ليه؟ إيه اللي حصل؟ سألته بعفوية ليُجفلها بصرخته: “هو ده وقت شرح يا غبية؟
كفاية أقولك إن جدك المصون صحي من النوم وناسي كل الاتفاقات اللي كانت بينا، وفاكر إننا خاطفينه! يشتم ويضرب في اخوكي نيازي اللي لاقاه قدامك ولما ابوكي حب يستفسر صرخ يقولها بالصوت العالي ، انا أدهم الفيومي أنا أدهم الفيومي، وبعدها جاب سيرة الجوهرة . شهقت أريج واضعة كف على فمها وقد فهمت سر تخوف شقيقها، فما كان منها إلا أن زادت الطين بلة بتفسيرها: “يا نهار أسود! يبقى عشان كده أنت قتلته؟
سمع منها لتنفجر الدماء برأسه وقد فاض به منها ومن تفكيرها المحدود، ليصرخ ويكسر في الأشياء التي يجدها أمامه: ـ ابو شكلك على أبو غباءك يا شبخة هتخليني أعملها بجد.. بس المرة دي هقتلك أنتي يا أريج!
انزوت الأخيرة تنكمش على نفسها تخشى نوبة غضب أخيها، بعد أن أخرجته عن شعوره باستيعابها البطيء على بكرة الصباح وهو يهدر بها لتركز جيداً مع ما يتفوه به وتتخلى عن غبائها قليلاً، حتى انتبها الأثنان على استفاقة أدهم الذي فتح أجفان عينيه فجأة يناظرهم بذهول وارتياع فصرخ بصوت عالي: “حرامية.. لصوص!
” على الفور انتفض أمجد ليقفز فوق التخت ليقطع صرخاته بتكميم فمه بكفه بعد أن حاصره بقدميه حتى لا يستطيع الاعتدال بجذعه أو النهوض، والآخر يزوم تحت كفه ويحاول المقاومة، وأمجد يجاهد حتى يسمع منه: “اِهدى يا أدهم يا فيومي وبطل صريخ.. اسمعنا عشان تفتكر إحنا مين! ” زام معترضاً بشدة وهو يكاد أن يغلب أمجد بقوته ليدفعه عنه، فصاح الأخير بشقيقته: “اعملي أي حاجة يا أريج! خليه يفتكرك! ” تحركت بتردد لتقف أمام أدهم في مستوى نظره تردف
بتوتر وكلمات غير مترابطة: “أنا حفيدتك يا جدي.. أهو.. وده كمان حفيدك، أمجد “المستغل” اللي طلعك من قبرك عشان يعرف سر الجوهرة، وأنا أريج حفيدتك اللي بتقول عليها قليلة الحيا.. إحنا الأوغاد يا جدي، مش فاكرنا؟ قالت الأخيرة وكأنها سكبت فوق رأسه غاز الاشتعال، لتزداد مقاومته حتى قلب أمجد بوزنه الخفيف من فوق التخت ليقع على الأرض، فصرخ متوجعاً “آه.. يخرب بيتك يا أدهم يا فيومي، أنت بتجيب القوة دي منين؟ نزل بإقدامه أدهم على
الأرض من خلفه ليصيح بغضب: “أنا اللي هربيكم يا شوية أوباش، عشان تعرفوا مين هو أدهم الفيومي قبل ما تفكروا تخطفوه.. اللعنة! أنتوا إزاي جبتوني المكان القذر ده؟ انتفضت أريج تتراجع خائفة من هيئته، لا تعلم كيف التصرف مع شخص مثله؟ لينتحب أمجد وهو يحاول النهوض: “المعتوه ده هيفضحنا، وقفيه يا أريج قبل ما يخرج من الأوضة والجيران يعرفوا.. وقفيه بقولك! صرخ بالأخيرة حتى انتفضت في وقفتها لا تعلم كيف ستوقف هذا الضخم؟
ولكن مع رؤية انعكاسها في المرآة ومض عقلها بالفكرة على الفور، لتتناول القطعة الصغيرة، لتسرع وتتصدر أمامه قبل أن يصل إلى مقبض الباب قائلة بارتعاش: “بص كدة.. شوف إحنا بنتكلم مع مين؟ همّ ليتجاهلها ولكن مع إصرارها توقف لتتركز أبصاره على الوجه الغريب، فعقد حاجبيه يتمتم باستيعاب متأخر وهو يمسك المرآة يتمعن النظر بها: “إيه ده؟ مين الراجل ده؟ علم أمجد من لهجته وهدوئه النسبي بأنه بدأ التذكر، فتنهد ببعض الارتياح،
قبل أن يهتف من خلفه: “يا ريت تكون افتكرت شكلك الجديد يا سيد أدهم يا فيومي.” رد يجيبه المذكور بعد أن رفع رأسه إليه: “أيوة افتكرت.. أول ما شفت الوش البائس اللي خليتوني ألبس جسمه افتكرت، وافتكرتكم أنتوا كمان يا قليلين الحيا! مطت بشفتيها أريج تطالعه بامتعاض قبل أن تتقدم تجر أقدامها بتعب حتى جلست على أقرب كرسي وجدته أمامها لتردف كلماتها بارتياح لا يخلو من بعض الغيظ:
“ده اللي كان هيقتلنا من لحظة واحدة بس، ودلوقتي قاعد يتريق علينا! ناظرها من طرف أجفانه يقول لها: “أنتي عارفة كويس إني مش بتبلى عليكي لما بوصفك بالصفة دي.. والدليل إنك عارفاها لدرجة إنك فكرتيني بيها من شوية.” كشرت بوجهها إليه، فهتف أمجد عليهما بنزق ضاربًا بكفه على سطح المكتب بجواره: “اللعنة! بطلوا بقى الأفعال العيالي دي، أنتوا الاتنين.. كفاية اللي جرالي منكم لحد دلوقتي! أجفلت على صيحته أريج تغمغم بسخط وصوت خفيض،
أما أدهم فقال ببرود: “وأنا مالي باللي بيحصل معاكم؟ أنا راجل راجع للحياة من تاني، وطبيعي جداً إني أتخبط وتطلع مني غلطات لحد ما أتعود على العالم الجديد والمتغير ده.” سمع أمجد فتوحشت ملامحه، ليهدر…صائحًا: تتعود على مين؟ وإزاي يا حبيبي؟ ده أنت كنت من لحظات قليلة هتخرب الدنيا وتقول على سر الجوهرة قدام أبويا من غير تفكير! اللي هيجنني بس، إيه اللي جرالك عشان تعمل فينا تنشف دمنا كدة؟
أوعى تكون فاكر إن هسيبك تعمل كدة كل ما تصحى من النوم.. قسمًا بالله ما هخليك تلمح النوم تاني يا أدهم، وأنا قد كلمتي. بعد اكتراث علق ادهم: ما تنادينيش باسمي حاف كدة، احترم على الأقل إني جدك يا غبي. ضرب امجد كفيه ببعضهما يظهر سخطه: ابو برود يا أخي! أنت هتيجي في يوم وتجبلي جلطة بهدوئك ده. توقف ليكمل بأنفاس متهدجة يهادن هذا العنيد الخبيث:
يا جدي يا حبيبي، أبوس إيدك خف علينا شوية وحاول تتعايش الفترة اللي قررت تقضيها معانا من غير جنان ولا حركات مفضوحة، ولو مش هتقدر على كدة،، قولنا بس على مكان الجوهرة وريح نفسك وريحنا معاك تبسم أدهم يردد له معقبًا: ببساطة كدة؟ ومن أول يوم عايزني أرجع وأقولكم مكان الجوهرة فين؟ أنت نسيت اتفاقنا يا جميل ولا إيه؟ أنا قولت من الأول إني هديها للأصلح، وأنا لحد دلوقتي لسه مش شايف حد صالح فيها. ردت أريج متهكمة:
حبيبي يا رزين انت يا عاقل، دا على أساس إنك عارف تلم لسانك أصلاً؟ ده أنت كنت لسه هتفضحنا من شوية! عض على شفتيه أدهم يعقب بسخط على كلماتها، اخرسي يا بت أنتِ، قولتلك ميت مرة أسلوبك ده ما بيعجبنيش.. بلاش وقاحة في الكلام معايا. وأنا كمان ما بطيقكش. هتفت بها لتنهض عن كرسيها ل تتابع مغمغمة بالكلمات الحانقة، أوقفها أمجد بقوله: رايحة فين يا أريج؟ تمايلت بليونة لتجيبه ساخرة:
رايحة كباريه.. هتدرب شوية على الرقصة الجديدة قبل ما الليل يليل. هدر بها أمجد غاضبًا: اتلمي يا أريج بدل ما أطلع غلي كله فيكي وأكسر عضمك! ردت تقارعه بتذمر: رايحة الجامعة يا أمجد.. ولا أنت نسيت إن ورانا دراسة من كتر جريك ورا الراجل ده؟ ضيق عينيه أدهم يطالعها بمكر ونهض أمجد يردد خلفها: لا منسيتش، استني بس أغير هدومي واغور معاكي. وأنا كمان. تفوه بها أدهم لتلتف أنظار الشقيقان نحوه باستفهام، فتابع:
-أنا مش عايز أفضل لوحدي من غير ونس، ولا أنتوا فاكرين إني رجعت من عالمي عشان تحطوني زي حتة ديكور في البيت؟ تخصر أمجد يسأله ساخرًا بتوجس: -أمال إنت عايز إيه يا جدي العزيز؟ تبسم أدهم ينقل أنظاره بين الشقيقين ثم قال: -أنا عايز أروح معاكم الجامعة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!