رواية الداهية وسلالة الأوغاد الجزء الخامس 5 بقلم أمل نصر الداهية وسلالة الأوغادرواية الداهية وسلالة الأوغاد الحلقة الخامسة “بتقول إيه يا حبيبي؟ سمعني تاني كدة اللي قلته ده! هتف بالكلمات عزام نحو ابنه الذي كان جالسًا بأدب يشرح لأبيه وأسرته ما حدث لسعيد ابن عمه في غرفة المعيشة التي أغلقها عليهم، فجاء رده بنبرة مصطنعة:
“يا بابا ما أنا قلتلك، ابن خالي خبطته عربية من إمبارح، وفضل في المستشفى ليلة كاملة والدكاترة متابعينه لحد ما اكتشفوا حالته دي.” صرخ به عزام: “وإيه هي حالته دي يا بني آدم؟ إنت عمال ترص لي أسامي أجنبية مش فاهم منها حاجة، لا هي فقدان ذاكرة ولا انفصام شخصية.. إنت عاوز توصل لإيه بالظبط؟ تنهد أمجد بقوة ليجيب والده:
“بصراحة يا بابا مش عارف، بس المسكين بقى بيخرف بكلام غريب، ده غير إنه مش فاكر أي حاجة عن حياته ولا حتى اسمه، وكأنه لبسته شخصية تانية، ضربة الرأس كانت قوية زي ما عرفت منهم صاحت أحلام تنتحب بإشفاق: “يا لهوي عليك يا سعيد! ويا حسرتي على أخويا لما يعرف اللي حصل لابنه..” قاطعها على الفور أمجد: “أبوس إيدك يا أمي، أوعي تتصلي بخالي وتقولي له أي حاجة! أصاب أحلام الدهشة جراء صيحته فهدر أبيه به سائلًا: “وليه مانقولوش يا حبيبي؟
ده أبوه وأحق واحد يعرف حالة ابنه عشان يعالجه ويقف جنبه.” عارضه أمجد بإصرار كي يقنعهم: “لا يا بابا، أنا خايف خالي أو مراته يجرالهم حاجة لو عرفوا، عشان كدة أحسن يفضل هنا في رعايتنا الكام يوم دول لحد ما يفوق، فيه دكتور قالي إنه هيرجع لطبيعته قريب.” “نعم؟ صرخ بها عزام وهو ينتفض غاضبًا، وتدخل نيازي: “مش عاوزنا نقول لأهله وعاوزنا إحنا اللي نهتم بيه؟ من إمتى وقلبك حنين كدة يا غالي؟ أنا حاسس إنك مخبي حاجة ياد انت.” “أنا؟
حاجة وان شاء الله؟ عامل عملة ولا نصيبة يا ابو العريف؟ استشاط عظام غضبا عقب صياح ابنه الأصغر ليتدخل مؤيدا الآخر: “كلام أخوك صح يا ولد؟ إنت شكلك فعلاً مخبي حاجة؟ جأر أمجد بالاثنين بدفاعية يستدرج عاطفتهم: “وهخبي إيه بس يا ناس؟ هي الرحمة خلاص مابقتش في قلبي عشان ميصعبش عليا ابن خالي اللي بيموت ده، ولا حتى يصعب عليا أهله؟ قارعه نيازي بعدم تصديق: “لا يا حبيبي، بس أنا متهيألي إنك إنت اللي عملت فيه كدة!
ابتلع ريقه أمجد بتوجس وانتقلت أنظاره نحو شقيقته أريج الجالسة على آخر التخت، يبتغي منها الدعم ولكنها كالعادة تصرفت بالبيت تدعي المفاجأة كالباقين، ليعود إلى نيازي سائلاً: “قصدك إيه بكلمة أذيته دي؟ أجابه نيازي بتحذلق: “قصدي يا حبيبي، إن مش بعيد تكون أنت اللي خبطته على دماغه، أو يمكن العربية اللي صدمته دي بتاعة واحد من أصحابك، واللي بيحركك دلوقتي هو تأنيب الضمير مش أكتر.” خاطبته ايضًا والدته بارتياع:
“أوعى تقول لي إن الكلام اللي بيقوله أبوك وأخوك ده صح يا أمجد! مش هقدر أستحمل يا بني.. إن ابن خالك يتأذي بسببك دي حاجة فوق طاقتي.” ضغط على شفتيه بغيظ شديد يقول من تحت أسنانه: “أنا ملمستوش يا أمي ولا عملت له حاجة، بالله عليكِ ما تصدقيش تخريفات ابنك المعتوه ده وخياله الواسع.” هدر عزام موبخًا أمجد: “ما تقولش على أخوك معتوه، وتأدب وأنت بتتكلم مع اللي أكبر منك يا ولد.”
كظم غيظه أمجد ليمسح بكفه على صفحة وجهه، يحاول التماسك أمام هذا التحقيق الثلاثي، فانتقلت انظاره نحو شقيقته الوديعة ليخاطبها: “حبيبتي البرنسيسة، النص التاني بتاعي.. إنتي مش فرد في العيلة دي يا غالية ولا إيه؟ مش هتقولي رأيك إنتي كمان في القضية المعقدة دي؟ أجابته ببراءة كادت أن تصيبه بجلطة دماغية: “وعاوزني أقول إيه بس يا أخويا؟ ربنا يشفي ابن خالي.” “ربنا يشفي ابن خالك! رددها خلفها بسخرية، ليُتبع بقوله:
“بجد عديمة دم وإحساس.” صرخت به أريج: “مش لازم تشتم يا أمجد عشان ماردش عليك بنفس الطريقة.” تغضن وجهه باستهزاء أثار غضب والده الذي صاح بعدم احتمال: “كفاية لعب عيال إنت وهي! أنا ماعنديش صحة للمهاترات بتاعتكم دي.” تأدبت أريج صامتة والتزم أمجد باتزان نسبي حتى لا يزيد على والده الغاضب، وتسائلت أحلام فزعة: “طب هنعمل إيه دلوقتي مع سعيد؟ نكلم أهله؟ ولا هنخلينا إحنا اللي نرعاه لحد ما يخف زي ما أمجد قال؟
همّ أن يعاود عزام الرفض، الا ان ابنه لم يمهله الفرصة، مواصلا برجاء: “بالله عليك يا بابا اهدى شوية وفكر قبل ما تقرر.. أنا عارف إنك خايف من شيل المسؤولية، بس زي ما إنت شايف بعينك، هو كويس بس محتاج شوية صبر كام يوم لحد ما يرجع لطبيعته، عشان كدة بترجاك تستنى شوية.” تدخل نيازي مرة أخرى “أيوه يا حبيبي، بس إحنا عايزين نعرف إيه السر ورا الحب المفاجئ ده لابن خالك دلوقتي؟ صاح أمجد وقد فقد الذرة الباقية من صبره ،:
“يا عم ارحمني بقى وبطل الأسئلة المستفزة دي، سيبني أتفاهم مع أبويا يا نيازي! في الخارج وبالتحديد في الصالة الكبيرة من المنزل، كان ادهم يجول بعينيه على كل ركن بها، يتفقد كل شبر بتمعن وأعين ناقدة، لا يعجبه ضيق المكان، بالمقارنة مع قصره المهول: “جرى إيه يا سعيد؟ هو أنت واحشك بيتنا للدرجة دي؟
التف برأسه على مصدر الصوت ليجد هذه الصغيرة بجسدها الهزيل تناظره ببراءة، ترتدي بيجامة بالرسوم الكرتونية وتحتضن بذراعيها الدب القطني، فاقترب وامتدت يده نحوها، ليداعبها بأطراف أنامله أسفل ذقنها ليسألها مبتسماً: “أنتِ مين يا قمر؟ عقدت حاجبيها الصغيران لتبتسم مع قولها له: “هو أنت معقول مش عارف اسمي وبتسألني عليه يا سعيد؟ هز كتفيه يجيبها ببعض الاضطراب: “عايز أسمعه منك أنتِ.” تطلعت إليه مذهولة للحظات قبل أن تقول له:
“بس أنا شايفاك متغير يا سعيد.. كل حاجة فيك مختلفة حتى نبرة صوتك! ناظرها ادهم بحنان: “وأنا شايفك جميلة وذكية، وعايز أعرف اسمك لأني بصراحة عملت حادثة امبارح خلتني أنسى كل حاجة.” ردت بذهول: “حادثة صغيرة تعمل فيك كل التغيير ده؟ حتى في صوتك؟ أومأ برأسه لها فردت بعدم تصديق: “بس أنا أظن إنك بتكذب وبتمثل عليا عشان تشربني مقلب، زي ما بيعملوا فيا إخواتي أمجد وأريج دايماً! تمتم ببعض السباب بصوت خفيض، قبل أن يعود ليجيبها:
“انا مش بكدب ولا هعمل فيكي مقلب يا قمر، أنا بحكيلك اللي حصل وبس يا حبيبتي.” صمتت قليلاً ثم قالت بعفويتها وقد بدا أنها صدقت الخدعة: “اسمي بتول، وبابا بيدلعني يقولي يا تولا.” تبسم يثني عليها بإعجاب: “يا ماشاء الله.. اسم زي العسل وأنتِ زي العسل، أنتِ مختلفة خالص عن إخواتك، سواء التوأم الأحمق أمجد والملعونة أريج، أو حتى أكبرهم الولد اللي شعره منكوش وطباعه غريبة ده.. اللي اسمه نيازي.” أسعدها إطراءه حتى جعلها
تتمايل بوقفتها بانتشاء، أثار بقلبه الحنين والبهجة بفعلها، فسألها ليغير دفة الحديث : “قوليلي يا حبيبتي، هو مين مهندس الديكور اللي صمم بيتكم ده؟ مطت شفتيها بطفولية تقول بمرح: “مش عارفة، بس بتسأل ليه؟ زم فمه يلقي نظرة حوله بازدراء ليجيبها وهو يشير بيده مستاءً:
“البيت وتصميمه مش عاجبني خالص، حاسس بذوق رديء في كل حاجة.. الفوضى دي والحاجات اللي محطوطة في غير مكانها، وألوان الستاير الفاقعة، وألوان الحيطان المختلفة والباهتة دي! الإطارات المعلقة جواها صور شخصية، جمبها صور رديئة لا تمت للفن بصلة تذكر، عبث في التنسيق وعدم نظام و.. توقف فجأة عن ذكر ملاحظاته ليعود إليها فوجدها تنظر إليه بأعين متسعة، فجثى لمستوى طولها ليسألها مندهشًا: “إنتي ساكتة ليه ومش بتردي عليا يا حبيبتي؟ ردت
بتول ببرائة دغدغت حواسه: “لأني ببساطة مش مصدقاك، مش مصدقة إني بتكلم دلوقتي مع سعيد ابن خالي.. اللي كان بيدخل من باب البيت من غير ما يمسح جزمته، ولو أكل معانا كان لازم يوقع الأكل على قميصه! انتفض أدهم يطالع ما يرتديه بنظرة مذعورة ليسألها بفزع: “إيه؟! يعني ده معناه إن الهدوم دي اتبهدلت دهون قبل كدة؟ أومأت برأسها ضاحكة تجيبه بتسلية: “أيوة، والقميص ده أصلاً مش بيغيره إلا فين وفين.” نهض من جوارها وقد ازداد اشمئزازه ليردد:
“يا دي الحظ! هو مفيش غير الدهون؟ كمان ريحة عرق؟! يلعن كدة.. أنا عايز أغير الهدوم دي فوراً، ادخلي دلوقتي ونادي على التوأم الأغبياء دول، خليهم ييجوا بسرعة بدل ما أقلع الهدوم هنا في الصالة! ………………. فُتح باب الغرفة فجأة وظهر منه عزام وخلفه كانت اسرته يخرج أفرادها تباعًا، فباغتهم أدهم بصيحته: “أنا عايز أغير هدومي دلوقتي! تجعد وجه عزام ليتسمر محله ويناظره بغيظ، وأولاده من الخلف كانوا لا يقلون عنه اندهاشًا،
فصرخ عليهم أدهم مرة أخرى: “جرى لكم إيه كلكم؟ بقولكم عايز أغير الهدوم الوسخة دي اللي مليانة ريحة عرق ودهون أكل.. إلحقوني بأي هدوم نظيفة دلوقتي وبسرعة! هتف عزام نحو ابنه أمجد بتوجس واستغراب: “إنت متأكد يا واد إن ده سعيد؟ ولا ده واحد تاني وإنت اتلخبطت فيه؟ ارتبك أمجد وهو يتحرك نحو الآخر، يجيبه بتأكيد: “لا هو يا بابا.. بس تلاقيه الحادثة هي اللي عملت فيه كدة زي ما قولتلك.” وصل إلى أدهم ليسألها بنظرات مفهومة:
“مالك يا سعيد إيه اللي مضايقك؟ اتكلم يا حبيبي.” هتف به المذكور بغيظ: “أنت أطرش يا غبي؟ أنا مش طايق الهدوم دي، وعاوز أغيرها دلوقتي.. حالاًااااان! صرخته جعلت أمجد يهتف على والدته بهلع وهو يجذبه نحو حمام المنزل: “هدوم نظيفة يا أمي بسرعة.. بسرعة أرجوكم! استفاقت أحلام من صدمتها لتُهرول مذعنة لأمر ابنها، ليصيح من خلفهم عزام بعدم تصديق: “يادي النيلة على العته ده! هو أنا كان ناقصني جنان المتخلف ده كمان عشان يزود همي؟
يعني مش كفاية عليا مصايبي الأربعة لما يجيلي الخامس ده فوق دماغي؟ عوج نيازي بفمه مغمغمًا بالكلمات الحانقة وهو يتركه ويذهب نحو غرفته، فتبعته أريج التي عوجت فمها بغير رضا هي الأخرى، فتبقت الصغيرة بتول، والتي ردت معترضة: “هو أنا كمان مصيبة زيهم يا بابا؟ التف إليها عزام وقد لانت ملامحه، ليخاطبها مبتسمًا: “أكيد لأ يا حبيبتي، ده أنتِ شجرة العسل وسكرة العيلة كلها.” تغنجت تتمايل بدلال تهديه ابتسامة رائعة، ليردد لها بابتهاج:
“ربنا ما يحرمني من الدلع ده أبدًا، ده أنتِ حبيبة بابا.” بعد قليل خرج أدهم من حمام المنزل بعد أن استحم وبدل ملابسه لأخرى مريحة من ملابس عزام والذي يماثله في نفس الطول ولكن عرضها الواسع لضخامة عزام، جعل أدهم يغرق بها، تلقفه أمجد من قلب الصالة مهللًا: “نعيماً يا حبيبي..” اقترب ليكمل بهمس: “يا رب تكون الخدمة عجبتك يا جدي العزيز؟ رمقه أدهم بنظرة ممتعضة ليهمس هو الآخر في الرد عليه: “وإيه اللي هيعجبني بالظبط من خدماتك؟
إني ألبس هدوم حد تاني؟ دا غير واسعة اوي ومش مريحة، ولا تقصد الحشرة في هذا الحمام الضيق، دا انا حسيت نفسي هتخنق فيه. ضيق عينيه قليلاً أمجد قبل أن يجيبه بخبث:
“بالنسبة للهدوم يا جدي، فأنت اللي اخترت هدوم بابا بنفسك، وماعجبتكش هدومي أنا ونيازي وقلت عليها غريبة.. أما بالنسبة للحمام، فده عشان تشوف وتعرف بعنيك حجم الفقر اللي عايشين فيه أحفادك.. إنت بنفسك قلت إنك كنت هتتخنق في الدقائق القليلة اللي استحميت فيها، أمال إحنا نقول إيه وإحنا متربيين في البؤس ده! هكذا بدأ أمجد حديثه،
ثم استطرد برجاء: «يا ريت قلبك يحن عليا وتقولي مكان الجوهرة فين، عشان أنقذ العيلة من الفقر المدقع ده، وأغير الشقة والحمام كمان.» ناظره أدهم بطرف عينيه في غموض، قبل أن يجيبه بنفس الهدوء: «الموضوع ده لسه أوانه مجاش يا حبيبي.. اصبر تنول، ده طبعًا لو كنت تستحقها فعلاً.» أردف كلمته الأخيرة وهو يتحرك من جواره نحو المائدة التي ارتصت عليها أطعمة العشاء. عض أمجد على شفته يكظم غيظه من هذا العجوز الداهية، قبل أن يلحق به.
وجده واقفًا على رأس السفرة يطالع الأطعمة الخفيفة قاطبًا بتفكير، فجلس أمجد على إحدى المقاعد قائلًا: «ماتستغربش من نعمة ربنا يا جدي، الأكل ده أمي اللي عملته وتعبت فيه قبل ما تدخل تنام.» رفع أدهم حاجبًا واحدًا قبل أن يجلس هو الآخر وهو يتمتم:
«أنا مش بعيب على نعمة ربنا، كل الحكاية إني مش واخد على الأكل القليل ده، أنا سفرتي كانت دايمًا مليانة من خيرات ربنا، أصناف متعددة ، ده غير المشروبات وحاجات تانية كتير مش فاكرها كويس دلوقتي.» رد أمجد بتحسر وهو يغمس لقيمة من الخبز في طبق العسل: «وطبعًا السفرة دي مكنتش بتخلى من كل أنواع اللحمة والفراخ، مشوي بقى ومحمر..» أدخل اللقيمة في فمه يمضغها بغل قبل أن يختم كلمته: «حظوظ!
ناظره أدهم بنظرة متمعنة وهو يبدأ في التناول بحذر، يمضغ ببطء وكأنه يستكشف الطعم، ويبدو أن الأكل قد نال إعجابه، ثم سأل: «مقولتليش يا أمجد، أنا هنام فين الليلة دي؟ بداخل غرفته كان نيازي مضجعًا على تخته يتحدث في الهاتف والسعادة تملأ وجهه: «بجد؟ عجبتك القصيدة؟ .. لا لا يا حبيبتي ماتبالغيش.. أنا عارف طبعًا إني شاعر شاطر بس مش بحب الغرور.. وأهو التواضع من صفات العباقرة برضه!
يا حبيبتي إنتي تستاهلي، لو مكنتيش حلوة كدة مكنتش هعرف أكتب فيكي شعر ولا أتغزل فيكي بالشكل ده.. يا عيوني إنتي..» توقف فجأة مع دلوف أمجد داخل الغرفة بدون استئذان، فردد على عجالة محدثته من الناحية الأخرى: “اقفلي إنتي يا لينا ودلوقتي هكلمك تاني.” أنهى والتفت ليناظر أخيه بنظرة شرسة هاتفًا به: “إنت متعلمتش تستأذن قبل ما تدخل؟ ولا فاكر نفسك داخل زريبة بهائم؟ ” تجاهل أمجد التوبيخ، ليغمز بعيناه يقول بمرح: “هي دي كانت لينا؟
ما سبتنيش أكلمها ليه يا راجل؟ على الأقل حتى كنت سلمت عليها! وبخه نيازي غاضبًا: “إنت معندكش دم يا بني آدم؟ أنا بكلمك في خصوصياتي وإنت بتستخف دمك كالعادة؟ كأنك مش فاهم الكلام اللي بقوله خالص! عبس وجه أمجد ليقول متصنعًا الحرج: “وليه الشتيمة بس يا أخويا؟ أنا بهزر معاك مش أكتر.” “ده مش هزار، ده شيء تاني وتقيل زيك! ” هتف بها نيازي غير متقبلاً لتبرير أخيه المستفز، والذي أطرق برأسه صامتًا يدعي التأثر، ثم قال بأسف:
“سامحني يا أخويا واقبل اعتذاري، أنا دخلت الأوضة بالصدفة عشان حاجة تانية خالص، ومكنش قصدي أتجسس عليك.” تطلع فيه نيازي بأعين مشتعلة من الغيظ قبل أن يسأله بحدة: “طيب وايه هو الموضوع المهم أوي ده اللي يخليك تيجي دلوقتي في وقت متأخر كدة من الليل؟ رفع رأسه أمجد يطالعه بصمت ثم نظر إلى التخت الخالي من الغرفة، فتقدم لترتيبه بسرعة أمام أنظار أخيه المستغربة فعله، قبل أن يهتف بصوته إلى الخارج:
“اتفضل يا سعد.” انتفض نيازي على سماع الاسم ليفاجأ بدلوف المذكور على الفور متحمحمًا بأدب يلقي التحية: “مساء الخير.” “مساء النور.” رددها من خلفه نيازي بدهشة لم تتركه منذ أن رآه لأول مرة، ثم التف نحو شقيقه يحدجه بنظرة شرسة، فتجاهل الآخر، ليفاجأه بقوله: “هنا هتنام يا سعد، على السرير اللي جنب نيازي ده.” سمع المذكور اسمه لينتفض عن تخته بنظرة خطرة يهتف نحو أمجد:
“مين ده اللي هيبات…” قاطعه الأخير يردد على عجالة وهو يهرب من الغرفة سريعًا: “تصبحوا على خير يا حبايبي! حاول اللحاق به ولكن أمجد كان قد تمكن من الهرب وأغلق باب الغرفة سريعًا، قام بفتحه نيازي بنية اللحاق به، ولكن أوقفه نداء أدهم: “هو إنت مش عاوزني معاك في الأوضة يا نيازي؟ زفر نيازي مغمض عينيه بتعب، يتمتم بالسباب على شقيقه الملعون والذي دائمًا ما يفتعل معه المقالب ويسقط في فخها هو بغباء: –“هتفضل متنح كده على باب الأوضة؟
ومديني ضهرك طول الليل؟ عض على شفته نيازي من الغيظ، قبل أن يلتف ليعود باستسلام لداخل الغرفة، مؤجلاً الشجار مع اخيه إلي الصباح، وقال يخاطب أدهم: –“ما تؤاخذنيش يا سعد، بس أنا مش متعود أشارك أوضتي مع حد.” رد أدهم: –“بس أنا مش أي حد، أنا قريبك ومش غريب عنك، زي ما عرفت من أخوك أمجد.” أومأ نيازي برأسه على مضض، فقال أدهم وهو يجول بعيناه على الأرجاء حوله: –“أوضتك غريبة بس حلوة ومختلفة.. فيها لمسة فنية على الأقل.”
قال الأخيرة وانظاره تركزت على لوحة زيتية بألوان غريبة، أعجب الإطراء نيازي ورد بزهو وانظاره ذهبت نحو ما يقصده أدهم: –“أيوه فاهمك، أنا فعلاً بعشق الفنون بكل أنواعها، ورغم إني شاعر، بس برضه بتذوق كل حاجة حلوة.” أومأ برأسه نحوه أدهم بإعجاب يردد له: –“يا خبر! ده أحلى خبر سمعته.. عيلتي فيها شاعر؟ ده إنت شكلنا هنشوفك بتنافس أحمد شوقي وحافظ إبراهيم! عقد حاجبيه نيازي مندهشًا لذكره لهذه الأسماء القديمة، فقال مصححًا بثقة:
–“أنا بعمل مدرسة شعرية بأسلوبي الخاص، مدرسة هتدخل التاريخ والأجيال الجاية هتمشي عليها.” زاد الشغف لدى أدهم، فقال بلهفة: –“إذن سمعني بقى! أنا كمان بحب الشعر وبعشقه.. قولي كده خليني أحكم بنفسي.” في الغرفة المجاورة كان أمجد لا يستطيع تمالك نفسه عن الضحك مع شقيقته التوأم اريج، والتي كانت تردد له: –“يخرب بيتك يا أمجد! ضميرك ده مش بيأنبك خالص ولو مرة واحدة على المقالب اللي بتعملها في نيازي الغلبان؟
ده بيشرب المقالب في كل مرة بسبب طيبته زيادة عن اللزوم.” رد مستمرًا في ضحكاته: –“إنتي اللي قلتيها بنفسك.. بيشربها بطيبته، وأنا ذنبي إيه لو هو اللي بيشجعني صراحة اغفله؟ توقف يأخذ انفاسه ليكمل بجدية: –“بس الأمانة طيبته المرة دي كانت هي الإنقاذ بالنسبة لي.. أنا كنت هوافق إزاي إن المعتوه ده ينام معايا في نفس الأوضة؟ ده أنا يا دوب بالعافية استتحملته الساعتين اللي فاتوا دول! اومأت أريج متحذلقة:
–“أنا متهيأ لي إنه هيندمج مع نيازي أوي،.على الأقل هيبقى فين ما بينهم مسافة للنقاش في الأمور الثقافية والشعر، ويمكن يعجبه اللي بيكتبه نيازي…. قالت الأخيرة وتوقفت على صوت الصياح الذي كان يأتي من الغرفة المجاورة، وصوت أدهم يصدح بغضب: “هو ده اللي بتسميه شعر يا غبي؟ ده عبط وجنان وتجنّي على اللغة.. إنت بتبوظ اللغة! تطلعت لشقيقها باستفهام، فقال ردًا على كلماتها: “باين كدة إن شعر نيازي عجبه بجد! ”.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!