الفصل 12 | من 15 فصل

الفصل الثاني عشر

المشاهدات
12
كلمة
3,879
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

رواية أحفاد نصار الجزء الثاني عشر 12 بقلم دنيا كريم أحفاد نصاررواية أحفاد نصار الحلقة الثانية عشر “مشاعر مُضطربة” . دق باب شقة «محمود» بقوة لينهض «مازن» من على طاولة الطعام و يقول : ” خليكوا انا ها افتح ” اتجه الي الباب و فتحه ليجد «بسمله» أمامه تلهث اثر ركضها على الدرج و وجهها شاحب ليسألها بقلق: ” في اي يا بسمله مالك ؟ ” الحق يا مازن… بدر في القسم ”

وقعت الكلمات عليهم جميعًا كالصاعقة و لم ينتظر «مازن» أو يستفسر عن أي شيء ، ركض الي غرفته مُسرعًا و امسك اول قميص و اول بنطال جاءوا بيده ليرتديهم سريعًا ، خرج من الغرفة خلال دقائق ليجد ابنة عمته مازالت تقف أمام الباب ليقول وهو يتجه الي المصعد: ” تعالي اركبي و فهميني اي الي حصل ” اومأت له و ركبت معه المصعد ليبدأ بالنزول مع قولها :

” ماعرفش اي الي حصل ، عثمان الولد الي شغال مُتدرب معاه في الصيدلية جالي و قالي بدر الحكومة جت خدته ” اومأ لها بتفهم مراعيًا حالتها التي كانت يرثى لها ليقول محاولًا طمأنتها : ” ماتخافيش انا ها اروح القسم دلوقتي و ها ابقى معاه ” اومأت له لتدعوا قائلة : ” استر يا رب ”

وصل المصعد الي الطابق الاول ، خرجت «بسمله» من المصعد و دلفت الي شقة جدتها و «مازن» خلفها ، كانت «حنان» تجلس على الأريكة و تبكي بينما تربت والدتها على كتفها محاولة تهدئتها و كان «عثمان» يجلس على أحد المقاعد و قد أعطته «حنان» مشروبًا ليكسر صيامه ، انتفضت «حنان» من مكانها فور رؤيتها لـ «مازن» لتقترب منه و تقول برجاء : ” هاتلي ابني يا مازن بالله عليك ” ربت «مازن» على كتفها و قال بابتسامة واعدًا اياها :

” و الله العظيم ما ها ارجع من غيره ” شعرت ببعض الطمأنينة من كلماته لينظر إلي «عثمان» و يقول : ” تعالى وريني فين القسم الي خدوه ليه ” اومأ له «عثمان» ليضع كوب العصير جانبًا و يذهب معه ليشرده الي قسم الشرطة . _” و الله العظيم يا باشا ماعرف انت بتتكلم على اي ” قالها «بدر» بضيق ليرد عليه الضابط بسؤاله : ” عندك دليل ؟ مسح «بدر» على وجهه بتعب ليقول بهدوء محاولًا إثبات براءته:

” يا باشا انا مش بدخل المخازن اصلًا انا زي ما انت جيت و شوفت كده بقف ابيع للزباين ، بعدين ما تسأل حضرتك مدير الصيدلية هو ادرى ” ” انت كمان ها تتاخد حتى لو جبت مدير الصيدلية ، و انا اي يثبتلي انك مش شريك معاهم ” زفر «بدر» بضيق بعدما نفذت كل محاولاته في إقناع الضابط ببراءته ليجلس على تلك الأريكة الموجودة داخل المكتب و يقول بقلة حيلة : ” طب ممكن نستنى لما دكتور عادل يجي ؟

اومأ له الضابط و عاد لإكمال عمله بينما شرد هو في ما سيحدث إذا لم يقول مدير الصيدلية الحقيقة و ثبتت التهمة عليه.

في نفس التوقيت في منزل آلـ «نصار» كانوا قد اجتمعوا في شقة «نجاح» ، كانت الأجواء حقًا متوترة و الجميع يدعوا من قلبه أن يمر اليوم على خير ، شعرت «اسيل» بالحزن الشديد على حالة عمتها تلك فقد كانت تبكي بقهر على ولدها و النيران داخل قلبها لا تهدأ من فكرة أن يعود «مازن» من دونه ، اشفقت «مروة» على حالتها فهي قد جربت شعور مشابه لها عندما قام «مازن» بحادثة سير في أول ايام مجيأهم الي «مصر» ، تتذكر ذاك الرعب الذي دب داخل أوصالها

عندما اخبروها أنه بالمشفى و كم دعت له و بكت في غيابه حتى عاد لها لكن بالنسبة لـ «حنان» فالأمر اصعب بعدم وجود زوجها لعمله في محافظة اخرى و مجيئه في أيام عطلته فقط و لهذا السبب هي تعيش مع والدتها في منزل العائلة كي لا تبقى وحدها بدون زوجها ، نفضت تلك الأفكار عنها

و طلبت من ابنتها بهدوء : ” اتصلي يا اسيل شوفي اخوكِ عمل اي ” اومأت لها ابنتها و قامت بالاتصال على شقيقها كما طلبت منها ، أتاها رده بعد دقائق لتسأله بلهفة : ” ايوا يا مازن عملت اي ؟ أجابها بهدوء : ” انا لسه داخل القسم اهو سألت عليه و ودوني مكتب الظابط و لسه ها ادخل ” اومأت له وهي تقول : ” طيب ابقى طمنا علشان عمتو خايفة اوي ” ” حاضر اقفلي دلوقتي و ها اكلمك تاني ”

ودعته ليغلق الخط و يتقدم من مكتب الضابط ليدق الباب و يسمح له الضابط بالدخول ، دلف الي الداخل و قال برسمية : ” مازن نصار ، محامي ” اومأ له الضابط و قال بابتسامة: ” اتفضل اقعد ، و حضرتك تبع الدكتور ” سأله الضابط بهدوء وهو يُشير بعينه على «بدر» الجالس على الأريكة ليومئ له «مازن» و يقول ” ” ابن عمتي يا باشا ، ممكن تقولي هو متاخد في اي ؟ أخرج الضابط أحد الأكياس البلاستيكية من الدرج ليضعها أمام «مازن» و يقول :

” لقينا كمية من المخدرات في مخازن الصيدلية ” ” وهو مش المفروض مدير الصيدلية هو الي يتسأل على الحاجات دي ؟ سأله بأستغراب ليقول الضابط موضحًا : ” هو فعلًا المفروض أن مدير الصيدلية الي يتحمل المسؤولية بس الكلام ده لو هو الي حط الحاجات دي في المخزن ، يعني بأختصار كده احنا متحفظين على الدكتور بدر لحد ما المدير يجي و يوضح موقفه و لو كان مساهم في الموضوع ده ها يتحبس هو و المدير ”

لم يغفل «مازن» عن هذا فكل ما يقوله الضابط قانوني مائه بالمائه لذلك قال بهدوء : ” بس لو الدكتور جيه و قال إن بدر مالوش علاقة يبقى الموضوع انتهى من ناحيته ” اومأ له الضابط مؤكدًا ليجلس «مازن» بجانب ابن عمته منتظرين حضور مدير الصيدلية و الذي سيثبت براءة «بدر» اهو هكذا تمنى .

في الجهة الأخرى في عمارة نصار كانت مازالت الأجواء متوترة و الجميع ينتظر اتصالًا من «مازن» يطمأنهم به أن كل شيء على ما يُرام و حدث هذا بالفعل ، شعرت «اسيل» بهاتفها يهتز معلنًا اتصال من شقيقها لتُجيب على الهاتف قائلة : ” اي يا مازن عملت اي ؟ أتاها رد شقيقها الذي قال بهدوء : ” قاعدين مستنين مدير الصيدلية يجي علشان يسمع الظابط أقواله ” انكمشت تعابيرها لتسأله بعدم فهم : ” اقوال ليه ؟ هو بدر متهم في اي ؟؟

صمت «مازن» قليلًا يُفكر هل يخبرها أم أن اخبارهم لم يثير الا الضجة و الرعب بقلوبهم و بعد صمت دام عدة دقائق حسم قراره بعدم اخبارهم الان حتى يعلم ما سيقوله ذاك الطبيب و موقف «بدر» في تلك القضية ماذا سيكون ، ليقول محاولًا مراوغة الإجابة على ذاك السؤال بسؤال آخر: ” هو سوء تفاهم بس ، الا صحيح مين من الشباب عندك ؟ نظرت إلي حيث يجلسون جميعًا بالصالة لتُجيب قائلة : ” مؤمن بس و يزن بس قاعد في النادي فوق تقريبًا مايعرفش

بالي حصل ” استغرب من عدم ذكرها لأي من «اكرم» و «طارق» ما دفعه لسؤالها: ” و اكرم و طارق فين ؟ مطت شفتيها متزامنًا مع رفع كتفيها دلالة على جهلها بمكانهما لتنظر الي زوجة عمها و تسألها : ” هو فين طارق و اكرم يا طنط ؟ انتبهت إليها «داليا» لتجيب بحزن : ” و اللهِ يا بنتي ماعرف هما اتخانقوا و عمك طردهم من البيت لحد ما يتصالحوا ”

دُهش الجميع من ما قالته فقد كان من الواضح أن علاقتهما كـ أخوة ليست بعلاقة بها الكثير من الشجار و الخلافات فقد كان كل من «اكرم» و «طارق» شخصين ناضحين بما يكفي إضافة الي عمرهم و الذي ليس بصغير لكي يتشاجروا مثل الاطفال . أخبرت «اسيل» شقيقها بما أخبرتها به زوجة عمها عن سبب اختفائهما لتغلق معه المكالمة بعد أن أخبرها أن الطبيب قد وصل أخيرًا و سيبدأ الضابط بالتحقيق معه ، شعرت «هدى» بالحزن لأجل «طارق» و «اكرم» لتقول بحزن :

” دي عين و صابتهم علشان هما ماشاء الله عليهم و على ادبهم و تربيتهم ” ابتسمت لها «داليا» على مدحها لأولادها لتسألها «هدى» بأستغراب : ” بس ده اي الي خلاهم يتخانقوا جامد اوي كده ؟ حركت «داليا» كتفيها دلالة على عدم علمها لتقول بسرعة بعد أن تذكرت شيئًا ما: ” هما كانوا ماسكين في بعض و لقيت اكرم بيقول لطارق في اي بينك و بينها يالا هو ده الي انا سمعته بس مافهمتش بيتكلم على مين ”

وقعت كلماتها كالصاعقة على الجميع و لكن كان هناك من بينهم من كانت صدمته مُضاعفة ، نعم انها «سما» و التي شحب وجهها مع كلمات زوجة عمها و تسارعت دقات قلبها ، هل من المعقول أن «اكرم» قد علم أن هناك شيئًا بينها و بين شقيقه أو أن شقيقه يحاول التقرب لها ؟

، عادت بذاكرتها الي الصباح عندما قابلت «طارق» بالنادي و تشاجرت معه لتتذكر أنها قد قابلت «اكرم» على الدرج و هي عائدة الي شقتها لتفكر هل من المعقول أنه قد علم بسبب عودتها الي منزلها منزعجة أم أن هناك طريقة أخرى علم بها ؟ اخذت الأفكار تتخبط داخل رأسها لتنهض من مكانها مقررة أن تذهب الي المطبخ لكي لا يلاحظ أحد حالتها التي تغيرت بعدما فشلت في إخفاء توترها !

تحركت متجهة إلي المطبخ ظنًا منها أن لا أحد رأى تغيرها لكنها غفلت عن أعين شقيقها التي لاحظت شحوب وجهها المفاجئ و هروبها كي لا يلاحظ أحد ليضيق «مؤمن» عيناه وهو يراقب هروبها بصمت و قد علم الان هوية تلك التي كان يتحدث عنها «اكرم» مع شقيقه . _مجددًا داخل قسم الشرطة كان الطبيب «عادل» مدير الصيدلية يجلس أمام الضابط ليقول بهدوء :

” يا باشا انا ها اعترف بكل صراحة و مش ها اخبي على حضرتك حاجة لاني انا الغلطان و كان لازم اتصرف من الاول ” اومأ له الضابط قائلًا : “يبقى افضل شيء عملته ” تنهد «عادل» قبل أن يبدأ حديثه ليقول :

” من فترة جيه دكتور جديد يشتغل معانا في الصيدلية كان لسه مخلص جامعة و انا وافقت لأن كان عندنا عجز في الصيدلية ، دكتور محسن كان باين عليه شاطر و كان شغال كويس حتى أنه أصر أنه هو الي يمسك مخازن الصيدلية و انا وافقت لانه كان شاطر و يعتمد عليه… في مرة بالصدفة و انا داخل المخازن اجيب لمريض نوع دوا كان خلصان من على الرف و دكتور محسن نسي يجيب غيره لقيت في كراتين كده شكلها مش مألوف ولا شكل أدوية من الي بنبعها ” ابتلع

ريقه بصعوبة ليكمل بحسرة : ” لما فتحت الكراتين عرفت أن جواها مخدرات في الوقت ده ماعرفتش اعمل اي واجهته و قولتله اني ها ابلغ عنه بس هو فضل يترجاني و يقولي أنه ها يبطل بس ماعرفش يخلص من الصفقة دي علشان كده اضطر يجبها و يخبيها في الصيدلية ” اكمل حديثه بتنهيدة أظهرت ندمه ولكن بماذا يفيد الندم بعد وقوع الكارثة : ” انا كان المفروض أوقفه عن الي بيعمله بي اي طريقة لكن انا جاريته و افتكرت أنه فعلًا ندمان و ها يتغير ”

شعر «مازن» بالشفقة تجاه ذاك الطبيب المسكين و الذي وقع ضحية لخبث الطبيب أو الذي يسمي نفسه طبيبًا ليصل الي هنا جراء أفعال ذاك الفاسد و يتحمل هو المسؤولية و رغم تعاطفه الشديد معه إلا أنه يعرف جيدًا كيف يفصل بين عمله و مشاعره الشخصية لذلك سأله بثبات : ” يعني قصدك يا دكتور أن الدكتور محسن هو الي كان بيدخل الحاجات دي المخزن و بدر مالهوش علاقة مش كده ؟ انتبه لم الدكتور «عادل» و كإنه لاحظ وجوده للتو ليومئ برأسه سريعًا

و يقول : ” ايوا يا باشا بدر مالهوش دعوة بكل ده وهو ماكنش يعرف حاجة عن الموضوع ده اصلًا لانه مش بيدخل المخازن ” ” يعني ها تتحمل انت المسؤولية ؟ سأله الضابط ليومئ برأسه قائلًا بحزن : ” ايوا يا باشا الدكتور بدر انسان محترم و غلبان و حرام يشيل مسؤولية غلط واحد مستهتر زيي ” بدأ الضابط بكتابة المحضر لينظر إلي كل من «مازن» و «بدر» و يقول : ” طيب كده انتوا تقدروا تمشوا ”

اومأ له «مازن» و اتجه الي الباب لكي يغادروا لكنه توقف عندما وجد ابن عمته ابتعد عن الباب و ذهب إلي ذاك الذي يقبع على الكرسي ينظر إلي الأرض بخزي ليقول بابتسامة: ” دكتور عادل ” انتبه له ليكمل «بدر» ما أراد قوله : ” انت شخص عظيم و دكتور بيتقي الله في شغله و انا متأكد أن ربنا مش ها يسيبك و ها يكون معاك في محنتك دي ” أعطاه «عادل» ابتسامة ممتنة و كاد «بدر» يغادر لكنه عاد له مرة أخرى و قال :

” اه و حاجة كمان… شكرًا لانك فضلتني عن نفسك و قررت تتحمل كل حاجة لوحدك ” نفى «عادل» برأسه ليقول بابتسامة : ” انت مالكش ذنب علشان تتحمل مسؤولية اي حاجة انا الي غلطت و لازم اتعاقب على غلطي ” احتضنه «بدر» قبل أن يغادر ليبادله العناق ثم يقوم بتوديعه ليعود برفقة «مازن» الي المنزل .

_أغمضت «سما» التي كانت تقف بالمطبخ وحدها عيناها بقوة تحاول دفع تلك الأفكار عن رأسها أو ربما التبرير لنفسها أنها ليست السبب فيما حدث ولكن شعورها بالندم تغلب عليها و جعلها تشعر بأنها سبب كل ما حدث ، تنهدت بعمق لتجلس على أحد مقاعد الطاولة الموجودة بالمطبخ تحاول التفكير في حل لتلك الورطة ، تخشى ان يتفوه «اكرم» بشيء يضعها في نقطة سوداء أمامهم جميعًا وهي لم تفعل شيئًا ، اخذتها دوامة أفكارها بعيدًا حتى أنها لم تنتبه لدلوف شقيقها الي المطبخ و الذي رقمها بنظرات ساخرة ليضرب بيده على الطاولة قاصدًا لفت انتباهها ، رفعت نظرها له بفزع ليسألها بتهكم سؤال هو يعلم إجابته جيدًا لكنه اراد أن يعلم هل ستصارحه بالحقيقة

أنها ستخفي كعادتها : ” مالك ؟ حركت كتفيها قائلة بتوتر : ” مالي ما انا كويسة اهو ” اومأ لها و قد ارتسم على ثغره ابتسامة ساخرة ليتحرك صوب الخارج و هو يتوعد لها بأشد عقاب إذا كانت ظنونه صحيحة بينما هي تنهدت براحة لمغادرته دون أي تحقيقات فهذا ما ينقصها الان تحقيقات شقيقها و التي ستزيد من توترها الان و حسب . بالخارج كان الجميع على نفس حالتهم السابقة ، كان الصمت يعم الأجواء لتكسره «هنا» و التي قالت بنبرة درامية :

” بقى بدر الي بينقذنا كلنا بقى هو دلوقتي الي عايز حد ينقذه ” لم تشعر بنظراتهم لها الا عندما رفعت نظرها لهم لتجدهم ينظرون لها بتهكم و والدتها تنظر لها بتحذير لترفع كفيها بسرعة قائلة ببلاهة محاولة تبرير ما تفوهت به : ” جماعة انا عبيطة ماتاخدوش بالكم من الي بقوله ”

حل الصمت مرة أخرى على الأجواء لتحرك والدتها رأسها بيأس من ابنتها التي تتفوه بأشياء غبية دائمًا و تفسد اي جلسة بغبائها ، مرت دقائق قليلة ليسمعوا صوت طرقات الباب لتندفع «بسمله» قائلة وهي تتجه الي الباب : ” ها افتح ”

فتحت الباب لتنفجر اساريرها بسعادة و عدم تصديق حينما أبصرت شقيقها برفقة «مازن» الذي وعدهم و أوفى بوعده أنه سيعود بشقيقها سالمًا و ها قد عاد به بالفعل ، ابتعدت عن الباب بسرعة لتسمح لهم بالدخول ، دلف كلاهما الي الداخل لتنتفض «حنان» من مكانها عند رؤيتها ابنها لتهرول إليه قائلة بدموع : ” انت كويس يا حبيبي ؟ اومأ لها «بدر» قائلًا بابتسامة : ” انا الحمد لله يا ماما كويس ”

احتضنته والدته تتأكد من أنه سالم لم يصبه أذى لتتغلب عليها دموعها و تهبط عند تذكرها أن ولدها كان في قسم الشرطة و لولا «مازن» لما عاد إليها مرة أخرى ربما ، أخرجته من بين أحضانها ليجفف دموعها و يُشير لشقيقته قائلًا : ” تلاقيها ماكلتش يا بسمله هاتيلها حاجة تاكلها ” اومأت له شقيقته و قبل أن تتجه الي المطبخ اوقفتها جدتها التي قالت :

” و انت كمان يابني تلاقيك ماكلتش غير أن ماحدش فينا فطر علشان كده روحي حضري يا بسمله و ها نفطر كلنا سوا ” وافقتها حفيدتها و اتجهت الي المطبخ لتنهض كل من «مروة» و «هدى» ليساعدوها بعدما رأوا حالة «حنان» التي يرثى لها بسبب تلف أعصابها كل تلك المدة حتى عودة «بدر» سالمًا

انتهوا من تجهيز المائدة ليلتفوا جميعًا حولها و يبدأون بتناول طعامهم في هدوء ، و أثناء انشغال الجميع بطاعمه لاحظ «محمد» أن زوجته تجلس مهمومة لا تأكل شيئًا فقط تنظر إلي الطعام ليربت على كفها و يسألها برفق : ” مش بتاكلي ليه يا داليا ؟

أخرجت «داليا» تنهيدة أدلت على حزنها خوفها و قلقها أيضًا ، كل تلك المشاعر المتضاربة داخلها فقط لأجل ولديها و اللذان لا تعلم عنهم شيء منذ أكثر من ثلاث ساعات لتنظر الي زوجها في صمت ولكن بنظرات مترجية أخبرته بها كل ما تريده و أمام نظراتها قال بأستسلام: ” حاضر يا داليا كلي بس و انا ها اتصل بيهم اقولهم يرجعوا ” ابتسمت له بأمتنان ليُشير لها على الصحن أمامها قائلة بمرح و كأنه يحدث طفلة في السادسة من عمرها :

” بس بشرط تاكلي أكلك كله تمام ” ضحكت «داليا» بعدم تصديق لما يقوله ليبتسم هو بعدما وصل الي مبتغاه و هو التخفيف عنها حتى يفكر فيما سيفعله بشأن ولديه و كيف سيحل ذاك الشجار الذي بينهم . انتهوا من طعامهم جميعًا و قضوا بعض الوقت في شقة «نجاح» يستفسرون من «مازن» عن تفاصيل ما حدث و لم يُقصر «مازن» و أخبرهم بكل ما حدث لتهتف «حنان» قائلة بحسم : ” سيب الصيدلية دي يا بدر و شوف حتة تانية اشتغل فيها ” تنهد «بدر» ليقول محاولًا

إقناع والدته برأيه : ” يا ماما دكتور عادل و الله راجل كويس و كل الي حصل ده بسبب دكتور محسن الله يسامحه عايزاني بعد كل الي عمله معايا ده اسيب الصيدلية و امشي بدل ما احطها تحت عيني و اخد بالي منها لحد ما ربنا يطلعه من السجن على خير ؟ نفت والدته برأسه قائلة بجدية : ” لا يا بدر هو ماعملش معاك حاجة تشيلهاله هو غلطان و خد جزاءه و انت مالكش دعوة بكل ده ” تنهد بقلة حيلة فهو يعرف جيدًا أن والدته عنيدة ولا تقتنع بسهولة

ليقول محاولة بيأس إقناعها: ” يا ماما ربنا بيغفر للناس و بيسامحها احنا مش ها نسامحه ؟ ، بعدين الراجل هو اه غلط بس نيته كانت خير ، ماكنش عايز يضيع مستقبل شاب لسه في بداية حياته يبقى بعد الي عمله ده اسيبه انا كده ؟ … اسف يا ماما بس مش ها اقدر ” ظلت «حنان» تنظر إلي ولدها بعتاب ليؤيد «محمود» فكرة «بدر» في محاولة لإقناع شقيقته بعد أن اقتنع بحديث ابنها :

” بدر عنده حق يا حنان ، ممكن يكون الراجل غلط بس ده مش معناه أنه مش كويس و انا شايف أن ابسط حاجة ممكن نساعده بيها هي إن بدر ياخد باله من الصيدلية لحد ما يرجع ولا اي يا جماعة ؟

كان يقصد والدته و شقيقيه بحديثه ليؤيد الجميع فكرته و تحت ضغطهم عليها اضطرت «حنان» للموافقة على عودة «بدر» للعمل في الصيدلية مرة أخرى و انتهى النقاش عند تلك النقطة ليعود كل منهم الي شقته ليكمل كل منهم باقي امُسيته مع عائلته عدا «محمد» و الذي عاد الي شقته محاولًا الاتصال بولديه بعدما أصبح هادئًا و قرر إعادتهم الي المنزل .

_كان يجلس على أحد الارائك بالسطح يعبث في هاتفه بملل بعد أن اصر عليه والده بأن يعود و كان شرطه للعودة هو أن لا يجتمع بشقيقه في نفس المكان ليوافق والده على مضضٍ بعد أن وعده أنه سيهدأ و يتصالحوا ، ظن أن اليوم أخيرًا مر بهدوء و أنه سيرتاح قليلًا و لكن لم يحدث هذا حيث وجد شقيقه يدلف الي الغرفة التي يجلس بها ليعلم في تلك اللحظة أنه قد ضرب بكلمات والده عرض الحائط و أتى ليراه رغم رفضه ؛

زفر «اكرم» بأنزعاج مقررًا أن مع شقيقه نهج التجاهل فهو حاليًا لا يُطيقه أو يُطيق رؤيته ، و لكن إذا كنت تتعامل مع شخص احب الطب النفسي و اخذ دروسًا كثيرة به مثل «طارق» فهو سيستطيع أن يلعب على اوتار مشاعرك بكل براعة و يمتص غضبك بسهولة و هذا ما فعله «طارق» تحديدًا حيث قال : ” يعني ضاربني و كمان زعلان ؟ ، سيبتلي اي طيب اعمله ؟؟

ولكن «اكرم» قرر التمسك بتجاهله ليكمل التقليب بهاتفه دون إلقاء عليه نظرة واحدة و لكننا مع ذلك نتحدث هنا عن «طارق» و الذي اذا كنت لا تعرف المخترع الحقيقي لمصطلح العناد فـ «طارق» هو من اخترع هذا المصطلح ربما لهذا اكمل دون يأس و لكن هذه المرة بجدية فهو يدري أن شقيقه ليس من النوع الذي قد يفلح معه المزاح : ” انا عارف اني غلطان على فكرة بس انت كمان غلطان برضو و اهو انا جايلك لحد عندك علشان نتعاتب زي ما بنعمل على طول ”

عند تلك النقطة استمع له «اكرم» و قرر التخلي عن صمته بعد أن شعر بجدية حديث شقيقه و أنه يرغب في البوح بما بداخله و بالطبع لم يجد حاويًا لما بداخله سوا توأمه و شقيقه العزيز و الذي قد اعتاد دائمًا أن يبوح له بكل ما بداخله إذا كان حزينًا و كان «اكرم» يفعل المثل و هذا ما جعل علاقتهما قوية بعيدة كل البُعد عن أي مشاكل و لكن هكذا هم الإخوة على كل حال دائمًا قد تنشب بينهم مشاكل و هذا طبيعي حتى إذا حدثت نادرًا فهذا لا يقلل من نسبه حبهم لبعضهم أبدًا ربما قد يزيدها أكثر ، وضع «اكرم» هاتفه جانبًا ينظر إلي شقيقه في هدوء ليقول «طارق»

بحزن و غصة مريرة في حلقه: ” سما كويسة يا اكرم هي انسانة محترمة و متربية متدينة و تعرف ربنا مش… مش زيي ”

كانت كلماته الاخير قد حملت الكثير من الخزي الذي يشعر به تجاه نفسه بعدما تذكر افعاله ، و رغم رغبة شقيقه في التخفيف عنه و أخباره أنه ليس سيئًا كما يشعر إلا أنه فضل ان ينتظر حتى ينتهي من كل ما بداخله أولًا و لم يطل انتظاره حتى اكمل «طارق» يسرد له كل ما يشعر به و ما حدث معه في تلك الفترة منذ مجيأهم و أبصرت عيناه تلك التي قلبت كيانه و جعلته ليس على طبيعته :

” انا حسيت انها مش بخير و حبيت اساعدها و تقريبًا انا كنت مخلي دي حجة مش اكتر ابرر بيها رغبتي في اني دايمًا عايز اشوفها… و فجأة لقيت نفسي برتاح لما ببصلها و بتكلم معاها ” أخرج تنهد متعبة قبل أن يكمل :

” انا مش ها اقولك اني بحبها أو مش قادر اعيش من غيرها و كل الكلام ده ، انا مش مراهق علشان في الفترة دي اقدر احبها بس انا معجب بيها و معجب بشخصيتها و طريقة تفكيرها و شكلها في حاجات كتيرة فيها بتشدني ليها غصب عني و بتخليني اقرب منها ” صمت وهو ينظر إلي شقيقه الذي كان يستمع له بأنصات ليقول برجاء بان في عيناه :

” اكرم قولي اعمل اي انا… انا تايه مش قادر افكر فكرة أننا ها نمشي و كل واحد ها يروح لحاله بتخليني عايز ابعد علشان ماتعلقش بيها بس في نفس الوقت مش عارف و حاسس اني كل يوم بتعلق بيها اكتر من اليوم الي قبله ”

تنهد «اكرم» ليقول مجيبًا على جميع الاسئلة التي تدور في رأس شقيقه ، فإذا كان «طارق» يحب الطب النفسي و هذا ما يساعده على مجاراة الآخرين فـ «اكرم» يحفظ شقيقه عن ظهر قلب و هذا يكيفه لكي يعلم ما يشعر به و يأتي له بحل لمشكلته ذاك الذي لم يستطع ايجاد حل لمشكلته هو حتى الآن :

” طارق انت مش وحش و انا و انت عارفين كده كويس و اتكلمنا قبل كده في الموضوع ده ، بس انت حسيت انك ما تستاهلهاش علشان هي طيبة و كويسة ده أولًا ثانيًا بقى لو انت عايز حل لانك مش عارف تبعد عنها فا اعتبر ده شرط ليا مش نصيحة علشان انسى الي حصل ” انتبه له «طارق» بكل حواسه ليقول شقيقه ما لديه:

” ادام انت لسه مش عارف دنيتك ولا متأكد من مشاعرك يبقى ابعد عنها حتى لو ها تراقبها من بعيد من غير ما تكلمها ، خليها تاخد و تدي مع نفسها ماتفضلش كاتم على نفسها كده و في نفس الوقت ادي لنفسك فرصة تفكر في الموضوع من جهات كتير أظن ده ها يساعدك ” اومأ له شقيقه وهو يفكر بجدية فيما قاله ليسمع «اكرم» يقول بنبرة محذرة : ” مالكش دعوة بيها ولا تقرب منها غير في الوقت الي انت متأكد فيه من مشاعرك و انك عايز تاخد خطوة جد معاها ”

اومأ له عدة مرات سائلًا إياه بابتسامة : ” يعني لو عملت كده ها تصالحني ؟ اومأ له «اكرم» بابتسامة لينهض «طارق» و يقوم باحتصانه قائلًا بصدق : ” و الله العظيم انا بتعبرك اخويا الكبير حتى لو احنا قد بعض ” ليقبل رأسه و يقول بابتسامة : ” ماتزعلش مني ” اومأ له شقيقه ليعبث بخصلاته قائلًا له بأعتذار عن ما بدر منه بالصباح: ” ولا انت تزعل مني انت عارف اني بحبك و بخاف عليك صح ؟

، علشان كده اتضايقت لما عرفت انك بتعمل حاجة غلط و ماجتش قولتلي ”

احتضن الاثنين بعضهما بحب اخوي و قد شعر كل منهم بالغُربة في تلك الساعات القليلة و هم بعيدين عن بعضهم فهم لم يعتادوا الخصام و الابتعاد لأن كل منهم هو الداعم للآخر و اذا هربوا من العالم بأكمله فلم يهربوا من بعضهم لأنهم ليسوا فقط مجرد إخوة بل هم توأم اشتركوا في نفس المظهر و التصقوا ببعضهما البعض منذ بداية تكوينهم في أحشاء والدتهم حتى هذه اللحظة و سيبقون معًا لآخر لحظة لهم في حياتهم كما قضوا اول لحظة لهم في حياتهم معًا ؛

انتهى هذا اليوم أخيرًا بسلام بعد عدة كوارث حدثت به و ها قد مرة يوم اخر في ايام الشهر المبارك و الذي قد تغير فيه الكثير من الأشياء و المشاعر ، قد يكون اليوم قد انتهى و حل الهدوء في المنزل و لكن لم يحل اي هدوء على عقل معظم من يقطنون به بل ظلت عقولهم شاردة في الكثير و الكثير حتى أن بعضهم لم يتلقى نومًا هادئًا من كثرة التفكير في الماضي و فيما هو قادم و ما ينتظرهم بالغد ، لكن عليك التذكر دائمًا انج مهما كنت على استعداد

للغد فالغد دائمًا سيفاجأك !

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...