رواية على مهل يا قلب الجزء الرابع 4 بقلم Sol Luz Del على مهل يا قلبرواية على مهل يا قلب الحلقة الرابعة 🦋فَعَلَى مَهْلٍ يَا قَلْبْ🦋✨ اهتز هاتف سيلين بين يديها للمرة الثالثة ذلك اليوم. كانت جالسة وحدها تحدق في الشاشة بتوتر، وكأنها تعرف مسبقاً أن الرسالة الجديدة لن تحمل لها سوى المزيد من الخوف. ترددت للحظات قبل أن تكتب: “لماذا تتبعني؟ لم يمر وقت طويل حتى ظهر الرد أمامها: “ألم أقل لكِ؟ أريدك أن ترقصي أكثر فأكثر.”
شعرت ببرودة تسري في جسدها كله. عضت شفتها وهي تنظر إلى الكلمات. لم يعد الأمر مزحة ثقيلة أو محاولة سخيفة لإخافتها، بل أصبح شيئاً أكبر من ذلك. شخص ما يعرفها، يراقبها، ويتابع خطواتها. كتبت بسرعة: “من أنت؟ جاء الرد فوراً: “شخص يستمتع بمشاهدتك.” تسارع نبض قلبها وهي تحدق في الشاشة. كيف يعرف عنها كل هذا؟ وكيف يبدو واثقاً إلى هذا الحد؟ كتبت بغضب: “أنت مريض.” فردّ: “وربما أنتِ ساذجة.”
أغلقت المحادثة بسرعة وأبعدت الهاتف عنها. شعرت بأنها لم تعد قادرة على احتمال هذا الوضع. منذ أيام وهي تعيش في خوف دائم، تراقب من حولها وتفكر في كل شخص تصادفه. ومع كل رسالة كانت تشعر أن الدائرة تضيق حولها أكثر. وضعت يدها على جبينها وأخذت نفساً عميقاً. لا، لم يعد بإمكانها تجاهل الأمر. عليها أن تذهب إلى الشرطة وتبلغ عن كل شيء.
حملت حقيبتها واتجهت نحو الخارج، لكن قبل أن تصل إلى باب الشركة سمعت صوت إسحاق يناديها. توقفت والتفتت إليه، فوجدته يراقبها بنظرته المعتادة التي تجعلها تشعر وكأنه يرى ما تحاول إخفاءه. سألها بهدوء: “إلى أين؟ حاولت أن تبدو طبيعية وقالت: “لدي بعض الأمور.” عقد حاجبيه قليلاً وقال: “تبدين متوترة.” أشاحت بنظرها وهي تجيب: “أنا بخير.” لم يبدُ مقتنعاً، لكنه لم يضغط عليها أكثر. ظل ينظر إليها للحظات ثم قال: “حسناً.”
أومأت برأسها وغادرت بسرعة قبل أن يطرح المزيد من الأسئلة. ما إن خرجت من الشركة حتى شعرت ببعض الراحة، لكن تلك الراحة اختفت فوراً عندما وقعت عيناها على رجل يقف بالقرب من المدخل. تجمدت خطواتها للحظة. زوج والدتها. شعرت بانقباض في معدتها. آخر شخص كانت ترغب في رؤيته اليوم هو ذلك الرجل. أما هو فبمجرد أن لمحها اتجه نحوها مباشرة، وكأنه كان ينتظر خروجها. قال بنبرة مستفزة: “أخيراً وجدتك.”
تنهدت بضيق وهي تحاول تجاوزه، لكنه وقف في طريقها. “ماذا تريد؟ ابتسم بسخرية وقال: “أحتاج بعض المال.” أغمضت عينيها للحظة. بالطبع. لم يكن يأتي أبداً إلا لهذا السبب. قالت بحزم: “لن أعطيك شيئاً. اختفت ابتسامته فوراً. “لديك وظيفة جيدة الآن.” “وهذا لا يعني أن أعطيك نقودي.” بدأ الغضب يظهر على وجهه شيئاً فشيئاً. “بعد كل ما فعلته لأجلكم؟ ضحكت بمرارة. “لم تفعل شيئاً سوى جعل حياة أمي جحيماً.”
تحولت ملامحه إلى غضب واضح، واقترب منها خطوة. “احترمي نفسك.” لكن سيلين كانت قد سئمت من الخوف والصمت. رفعت رأسها وقالت: “ابتعد عني.” في لحظة فقد أعصابه تماماً. أمسك بذراعها بقوة حتى تألمت، ثم رفع يده وكأنه يستعد لضربها. شعرت سيلين بالخوف للحظة. عاد إليها ذلك الإحساس القديم الذي كانت تعرفه جيداً، إحساس الطفلة التي كانت تسمع صراخه في المنزل وتنتظر الكارثة التالية. أغمضت عينيها تلقائياً. لكن الضربة لم تأتِ.
فتحت عينيها ببطء لتجد إسحاق واقفاً أمامها. كان يمسك بمعصم الرجل بقوة، حتى إن ملامح الألم ظهرت على وجهه. حاول الرجل سحب يده وهو يصرخ بغضب: “اتركني! لكن إسحاق لم يتركه. بل ازدادت قسوته وهو يضغط على معصمه، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد: “إياك… ثم إياك… ثم إياك أن ترفع يدك على امرأة أيها الجاهل.” ساد الصمت للحظة. حتى سيلين نفسها شعرت بالقشعريرة من نبرة صوته. حاول الرجل التظاهر بالشجاعة وقال: “ومن أنت حتى تتدخل؟
اقترب إسحاق منه قليلاً دون أن يفلت معصمه وقال: “رجل يعرف جيداً أن من يمد يده على امرأة لا يملك ذرة رجولة.” احمر وجه الرجل من الغضب والإهانة، لكنه لم يستطع فعل شيء. أما سيلين فبقيت تنظر إلى إسحاق بدهشة. لم تتوقع أن يتدخل، ولم تتوقع أن يغضب لأجلها بهذا الشكل. ولأول مرة منذ وصول الرسائل المجهولة، شعرت أن هناك شخصاً وقف بينها وبين خوفها.
ما إن ابتعد زوج والدتها حتى بدأت سيلين بالركض بعيداً. لم تنظر خلفها، ولم تفكر إلى أين تذهب، كانت تريد فقط الهروب من ذلك المكان ومن كل ما حدث فيه. سمعت صوت إسحاق يناديها من الخلف، لكنها لم تتوقف، بل زادت من سرعتها وكأنها تخشى أن تلحق بها ذكريات ذلك الرجل قبل أن يلحق بها أي شخص آخر. بعد دقائق طويلة وصلت إلى المكان الأقرب إلى قلبها. البحر. ذلك المكان الذي كانت تلجأ إليه كلما ضاقت بها الدنيا.
جلست على الرمال وهي تحاول التقاط أنفاسها، ثم رفعت عينيها نحو الأفق البعيد. كان البحر هادئاً على عكس الفوضى التي تعيشها بداخلها. شعرت بحرقة في عينيها. ثم سقطت أول دمعة. ثم تلتها أخرى. وأخرى. حتى وجدت نفسها تبكي بصمت. “لماذا أشعر بأنني ضعيفة ووحيدة؟ “لماذا أشعر أنني أقاتل العالم كله وحدي؟ “لماذا لا يوجد أحد يبقى إلى جانبي؟ ضمت ساقيها إلى صدرها وأراحت رأسها عليهما. “أنا متعبة…” “متعبة جداً.”
أغمضت عينيها بقوة. لكن صورة إسحاق عادت إلى ذهنها رغماً عنها. كيف أمسك بمعصم ذلك الرجل. و كيف وقف بينها وبينه. كيف نظر إليه بغضب وكأنه مستعد لتحطيمه لو لمسها مرة أخرى. فتحت عينيها بسرعة وكأنها تحاول طرد الصورة. “لا…” “لا تفكري فيه.” “إنه مثل البقية.” “كلهم مثل بعضهم.” لكن صوتاً آخر داخلها كان يعارضها. “إذن لماذا لم يقترب منك؟ “لماذا جلس بعيداً كلما سنحت له الفرصة؟ “ولماذا لم ينظر إليك بالطريقة التي ينظر بها الآخرون؟
هزت رأسها بعنف. “كفى…” “كفى.” “هذه مجرد شهوة رجال كالعادة.” “مجرد رجل جيد في إخفاء نواياه.” تنهدت وهي تنظر إلى البحر. “وهل يمكن حقاً أن يكون ذلك الدين كما يقول؟ “هل يمكن أن يحمي امرأة مثلي؟ “هل يمكن أن يكون مختلفاً عن كل ما رأيته طوال حياتي؟ ابتسمت بسخرية وهي تمسح دموعها. “مستحيل…” “لو كان الأمر كذلك لما عشت كل هذا الألم.” “ولما بكت أمي كل تلك السنوات.” “ولما كنت أجلس هنا الآن.”
ظلت تحدق في الأمواج وهي غارقة في أفكارها، غير مدركة أن شخصاً ما كان يقترب من المكان بهدوء دون أن يزعج وحدتها. كان اسحاق جلس إسحاق على مسافة منها وتركها تبكي دون أن يقاطعها. مرت عدة دقائق قبل أن يتحدث أخيراً. “أخبريني ما الأمر.” ضحكت سيلين بمرارة وهي تمسح دموعها. “حقاً لا تعرف؟ لم يجب. فالتفتت إليه فجأة وكأن شيئاً انفجر داخلها. “لماذا ساعدتني؟ عقد حاجبيه قليلاً. “لأن ما حدث كان خطأ.” هزت رأسها بعنف.
“لا… لماذا ساعدتني أنت؟ تنهد إسحاق ثم قال بهدوء: “لأن دين الإسلام ينص على حماية المرأة.” سكت للحظة ثم أكمل: “ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصانا بالنساء خيراً.” “ولا يحق لأي مخلوق أن يضربها أو يهينها.” ضحكت سيلين بسخرية وهي تنهض من مكانها. “أتعلم؟ “أنا لا أصدقك.” نظر إليها بصمت. أما هي فأكملت وعيناها ممتلئتان بالدموع: “لأن دينكم هذا مجرد وهم.” “لا قيمة له في عالم الوعي.” ساد الصمت للحظات. ثم نهض إسحاق ببطء.
كانت نظراته هذه المرة حازمة وصارمة على غير عادته. وقال: “الإسلام دين حق.” “لا تنقص من قيمته إساءتك له.” ثم أشار إليها بهدوء شديد وأضاف: “بل قيمتك أنت المهدورة دونه.” تجمدت سيلين في مكانها. أما هو فتنهد وقال: “فعلى مهل يا قلب…ولا تمتطي الكبر.”
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!