تحميل رواية «زهرة آل فوستاريكي» PDF
بقلم رحمة نبيل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
*ملحوظة * احداث الرواية كلها بعد زواج الاحفاد بشهر تقريبًا، وزواج هالفيتي بعامين فقط .... صلوا على النبي قبل القراءة .... __________________ " قناة المجد للقرآن الكريم، قرآن يُتلى آناء الليل وأطراف النهار" كان ذلك الصوت الهادئ والمريح للقلوب يصدر من التلفاز الذي يتوسط بهو شقة الطبيب الشاب ادهم، المكان هادئ، والسكون يتغلغل القلوب، فها هو يوم الجمعة يطل على الجميع مجددًا بعد اسبوع مشحون، ليبدد أي تعب وأي ملل . ومن بين كل تلك الأصوات انبثقت صرخات عالية لتنهي تلك الحالة من السلام . نفخ أدهم بحنق شدي...
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رحمة نبيل
دعوا أحزانكم جانبًا واستقبلوا رمضان بكل بهجة، علقوا الزينة في الطرقات، اضيئوا المصابيح استعدادًا له، انشروا البهجة بين الجميع، الاحزان لن تنتهي، لكن رمضان يأتي مرة في العام وينتهي.....
صلوا على نبي الرحمة
_______________________
كان الجميع يرمق ما تفعل هالفيتي بأعين متعجبة، لا يعلمون ما الذي ستفعله بكل هذا الدقيق، عدا رفقة وروبين ...
ابتسمت هالفيتي تشير لذلك الوعاء الضخم الذي ملئته بالدقيق تمسح قطرات عرق وهمية عن جبينها مرددة ببسمة واسعة :
" اهو ناقص بقى نعجنه ونعمل منه عيش و..."
قاطعتها رفقة بلهفة كبيرة وكأن هالفيتي بما تفعل أعادت لها ذكرياتها مع والدتها حينما كانت تستيقظ صابحًا تلتصق بها جوار الفرن الطيني الذي كان والدها يصنعه لأجلها، تراقبها وتراقب ما تفعل بحماس وترقب لأول قطعة خبز ستخرج لتتناوله بتلذذ :
" بتعرفي تعملي فطير برضو ؟!"
منحتها هالي بسمة واثقة جعلت قلب رفقة يقفز فرحًا تسمع صوتها تردد :
" بعرف اعمل أحلى فطير مشلتت، شادية علمتني كل حاجة "
بينما الجميع يراقب ما يحدث لا يفهمون شيء مما تقول هالي، لتبدأ رفقة تشرح لهم ما سيحدث، تحاول أن تسهل عليهم ما سيتم، ليعلو الحماس وجه الجميع رغم جهلهم جميعًا بآلية صنع الخبز المصري الريفي، إلا أنهن تحمسن بشدة وبدأن في اتباع تعليمات رفقة واشتعل المطبخ ليصبح أشبه بخلية نحل ...
بينما على بُعد صغير من ذلك المطبخ كان الثلاثة يعملون في اسطبل الخيل ما بين متأفف ولا مبالي، وانطونيو هو من كان يشرف بالطبع، وقد اختاره اليخاندرو خصيصًا ليتحكم ويفصل بين أدهم وفبريانو اللذان كانا ينتظران فقط فرصة لقتل بعضها البعض ..
كان يحمل أدهم مكعبًا من القش ضخم يسير به لا يرى أمامه شيئًا، فقط يرى أطراف المكعب و لا شيء آخر..
يخطو باقدامه في حذر شديد يحاول أن يتجنب الانزلاق بسبب رطوبة الأرضية التي تسبب بها حصان فبريانو البارحة بعدما سكب سطل المياه العملاق الذي كان موضوع في الاسطبل ...
خلال ذلك كان انطونيو يستغل طوله وهو يقفل أعلى الدرج يقوم بتصليح سقف الاسطبل ووضع قطع خشب لإغلاق الكسور الموجودة به ...
بينما فبريانو كان ينظف المقصورات الخاصة بالاحصنة، مستخدمًا أداة ذات نهايات مدببة كالاصابع، مال بجسده قليلًا يحاول أن ينظف ذلك القش بين جدار المقصورة ووعاء الماء الضخم دون أن يلوث ثيابه...
لكن فجأة شعر بمن يدفعه من الخلف بقوة مُسقطًا إياه داخل وعاء المياه الذي كان يتجنبه لتعلو شهقاته، ولم يكن ذلك الشيء سوى أدهم الذي دخل تلك المقصورة لوضع مكعب القش لكن شعر بالمكعب يصطدم بشيء دون أن يراه، سمع صوت شيء يسقط في المياه تبعها صوت شهقات فبريانو ...
ألقى أدهم مكعب القش ارضًا ينظر حيث جسد فبريانو الذي استقر داخل الوعاء بملامح مخيفة بحق، منحه بسمة صغيرة يشير لمكعب القش الضخم :
" مكنتش شايف قدامي"
لكن ملامح فبريانو لم تتغير بمقدار إنش واحد وهو مازال يرمقه بنفس النظرة المخيفة، ابتلع أدهم ريقه وهو يقترب منه يحاول المزاح لتخفيف الأجواء :
" معلش يا ابو النسب، تعالى هساعدك تخرج عشان تنشف"
ختم حديثه وهو يمد يده ليجذب جسد فبريانو الذي بدلًا من الانصياع لجذبه، جذبه هو بقوة غير متوقعة مسقطًا أدهم على وجهه في السطل جواره لتعلو صرخات ادهم بقوة في المكان ....
كان وجهه مدفونًا في سطل المياه، رفعه بقوة وهو يشهق وعينه ترمق فبريانو بحنق، بينما الأخير كان مبتسمًا بلطف كبير :
" معلش بقى يا ابو النسب مكنتش واخد بالي "
أنهى حديثه يخرج من سطل المياه بصعوبة يشعر بجسده كله يقطر مياه، بينما ادهم يرجع شعره للخلف بغضب ونهض خلف فبريانو متحركًا بجنون وتسرع صوب مكعب القش ممسكًا به، ثم ألقاه دون تفكير على فبريانو ليلتصق به القش جاعلًا إياه كدجاجة ...
توقف فبريانو في سيره يستدير ببطء شديد يرمق أدهم الذي كان يبادله نفس النظرات المتحدية، وفي ثواني كان مكعب آخر يصطدم بوجه ادهم في سرعة مخيفة لدرجة أنه لم يستوعب متى أتى به فبريانو ومن أين فعل ...
وهكذا أصبح القش ملتصق بوجه ادهم وجسده كله، بقي الاثنان ينظران لبعضها البعض بترقب وتحدي وكأنهم ديوك على وشك التعارك ..
في ذلك الوقت كان انطونيو يُصلح السقف وهو يصفر باستمتاع واضعًا سماعة في أذنه يردد بعض الأغاني وقد كان مزاجه صافيًا بشكل غريب ..
وفي الاسفل كانت هناك معركة بين فبريانو وادهم اللذان استخدما الاستطبل كساحة حرب يتراشقان بكل شيء أمامها والسِباب يعلو في المكان، وانطونيو مازال في عالمه الخاص يغني ويصفر باستمتاع ...
_______________________
كانت النساء قد بدأت في تشكيل العجين بعدما مرت ساعتين على عجنه الجميع يراقب ما تفعل كلًا من رفقة وهالي، حتى روبين التي لم تكن تجيد الأمر كثيرًا وقد كان ذلك من أكبر الأسباب التي تتلقى بسببها ضربات وشد أذن من لولو والتي كانت تردد حانقة متحسرة ( روحي يا روبين يا بنت ابني، هتدخلي البيوت تعرينا، وحماتك تقول اهلك معرفوش يعلموكِ)
وانظروا لما يحدث، حتى بعدما هربت من كل ذلك بزواجها شخص اجنبي لا يمتلك والدة تخبرها أن أهلها لم يحسنوا تعليمها كيفية التحكم في العجين وخبزه، ها هي تجلس ارضًا في مطبخ عائلة زوجها الإيطالية تصنع الخبز المصري ..
كانت روما تجلس تحاول أن تساعدهم دون بذل أي جهد بعدما أصبحت معدتها كبيرة امامها، وأثناء ذلك كانت تتناول قطع من العجين دون أن تتحكم في نفسها، لا تعلم لماذا لكنها أحبت الأمر فتناست ماتفعل لتتناول المزيد وقد كانت رائحته مغرية لها أكثر من عطر الثمين زوجها الذي كان يسبب لها الغثيان ..
فجأة انتفضت بخوف حينما سمعت صراخ يأتي من جهة هالي تشير لها بصدمة :
" بتاكلي العجين ؟! يا حزينة كده الواد يلزق جوا "
انفجرت رفقة في الضحك بقوة لا تستطيع التحكم في قهقهاتها وشاركها روبين ولورا الضحكات الصاخبة والجميع لا يفهم سبب ضحكهن على صراخ هالي في وجه روما ..
قالت روما بتذمر :
" ماذا ؟! ما الذي قالته هالي ؟!"
قالت رفقة من بين ضحكاتها بصعوبة تخشى أن تظن روما أنهن يضحكن عليها :
" هالي تخبرك ألا تكثري من تناول العجين حتى لا يلتصق الجنين في الرحم بسببه "
شهقت جميع الفتيات برعب من تلك الفكرة بينما روما فتحت عينيها بتعجب تحاول التفكير في امكانية حدوث ذلك، لتتحدث هايز بتعجب :
" مهلًا هذا ليس صحيحًا، الأمر غير منطقي علميًا "
صمتت قليلًا ثم تساءلت بشك :
" أليس كذلك ؟؟ أعني ربما نتحدث لادم ونسأله هو يدري في ذلك المجال أكثر"
ضحكت لورا بصخب أكثر على حديث هايز التي جعلتها معلومات هالي تشكك بمعلوماتها التي درستها :
" خليتوها للبنت تشك باللي درستوا "
بينما راسيل حاولت أن تطمأن الجميع :
" لا بالطبع هي تمزح لا يوجد شيء كهذا"
هزت روما رأسها باستحسان لما قالت راسيل، هي بالطبع تدرك أن ذلك مزاح من هالي، لكنها فقط أرادت التأكد فهي أصبحت تتفحص كل شيء يخص طفلها بشكل مستفز...
أكملت هالي ما كانت تفعل وهي تقص عليهم جاعلة من رفقة مترجمتها الخاصة، فهي أن كانت تفهمهم بسبب ارتدائها السماعة، هم لا يفهمونها بسبب تحدثها العربية :
" أنا بهزر عادي تلاقيه بس وحم مش اكتر هو الوحم كده بيذل الواحدة، أنا ايام قاسم كنت بتوحم على مشمش، وكل ما اقول لادهم عايزة اكله يقولي في المشمش، وقتها مكنتش عارفة هو كده بيصبرني أنه هيجيبه ولا بيتريق عليا ولا ايه "
ضحكت رفقة بصوت عالي صاخب بعدما ترجمت للفتيات ما قالت هالي، وتوضح لهم مصدر تلك الجمل ( في المشمش ) وكيف يستخدمها المصريين عادة للتعبير عن أشياء مستحيلة، فحينما نطلب من أحدهم شيئًا مستحيلًا أو صعبًا يكون الرد عليهم هو ( في المشمش ) ..
ارتفعت الضحكات بين الفتيات بقوة على ما يقال، وقد بدت تلك اللحظات بينهم هي اسعد لحظات الحياة، ما اجمل من ذلك التجمع اللطيف الصافي وتلك الضحكات والأحاديث الممتعة بين النساء وفي الخارج الرجال يتعاونون لجلب ما سيعدون به الطعام، حياة هادئة جميلة لم تحلم لورا يومًا أن تعيشها، حياة جلبت لها دون إرادتها سلام نفسي كبير جعلها تنسى كل ما عاشته سابقًا، مدركة أن كل ما يخص مايك يجلب لها السعادة، فرغم غيابه عنها في هذا الوقت إلا أن عائلته كانت تمثل لها حارسًا لها من الاحزان أو ما تفكر به ...
___________________________
في الملحق الخاص بالمزرعة كان الثلاثي الذين كلفهم اليخاندرو يقومون بالعمل بكل نشاط، منهم من يقوم بإصلاح العطب في الجدران، ومنهم من يقوم بدهان الجزء الظاهر من الجدار، ومنهم من يغط في نوم عميق في أحد أركان الملحق ...
كانت انفاس ماركوس العالية تعلو كل ثانية وأخرى يحاول تجاهل نوم مارسيلو، يشغل نفسه بدهن الحوائط حتى لا ينقض فوق أخيه يقتله ...
لكن مارسيلو لم يكتفي أنه ألقى جميع أعماله على عاتق الاثنين، بل كان يفتح عينه كل فترة يُلقي نظرة عما وصل له الاثنان وبعدها يتمتم بتذمر وحنق :
" أنتم أيها الحمقى لا يُعتمد عليكم، هل تسمون هذا عمل ؟! الالوان تبدو كما لو أن طفل صغير هو من ألقاها دون ترتيب على الجدار، وأنت يا آدم ما هذا الكسل بحق الله، لقد نمت واستيقظت ثلاث مرات وأنت مازلت في نفس الجدار "
هنا وكفى، نفذ صبر ماركوس ليلقي ما بيد ارضًا صارخًا بتهكم :
" أنت أيها الوغد تنام كالبندا وتزعجنا بشخيرك، وتتذمر أيضًا ؟! مثلك يجب أن يدفن رأسه ويشكر ربه أننا تركناه ينام، ألا تخجل من تصرفاتك !!"
" لا ولِمَ اخجل ؟! هل النوم شيء مخجل ؟!"
نظر آدم لماركوس ثم قال بهدوء :
" حسنًا لنتحدث بجدية، أنت ستنهض الآن وتقوم بعملك وإلا ذهبت واخبرت جدي ما تفعل "
رمقه مارسيلو ثواني دون رد قبل أن يهز كتفه بلا اهتمام يكمل نومه :
" أكملا ما كنتما تفعلان واحذرا فأنا اراقبكما "
وما كاد يستكين مغمضًا عينه حتى سمع صوت جده يقترب من الملحق وهو يهادن الصغير ويلاعبه لينتفض من مكانه بسرعة يركض صوب اول شيء وقع عينه عليه وقد كان فرشة الطلاء ليمسكها ويركض للجدار يدعي أنه يعمل في الوقت الذي دخل به اليخاندرو وهو يقول :
" حسنًا احبائي أين وصلتم في العمل ؟؟"
لكن كل ما ابصره وقتها هو وقوف آدم وماركوس في منتصف الغرفة دون فعل شيء، بينما المسكين مارسيلو كان يقوم بالعمل كله وحده ..
مسح مارسيلو ذرات عرق وهمية يتنفس بصوت مرتفع وهو يلقي جسده ارضًا :
" يا ويلي قدمي تكاد تبكي وجعًا من الارهاق "
رفع عينه يدعي التفاجئ هامسًا بصوت مرهق :
" اووه جدي أنت هنا ؟؟"
رمق اليخاندرو ما يحدث بعدم فهم، هل ما يراه حقيقي أم أنه يحلم؟! مارسيلو من يعمل بينما الجميع يراقبه ؟؟
" ما الذي يحدث هنا ؟؟ هل مارسيلو هو من فعل هذا وحده ؟!"
تنفس مارسيلو بارهاق شديد يحرك رقبته للجانبين حتى يستطيع اكمال عمله المرهق مرة اخرى، ثم نهض بنشاط يردد مبتسمًا:
" لا بأس جدي أنا أحب العمل كثيرًا، لا تقسو عليهما "
رفع اليخاندرو حاجبه بانبهار كبير، ثم اقترب من مارسيلو يربت على كتفه بتشجيع :
" انهيت الجدران الثلاث وحدك مارسيلو، حقًا لقد تخطيت توقعاتي، ظننت أنني سأتي لاجدك تستلقي في أحد أركان الغرفة كعادتك "
" لا يا جدي لقد تغيرت وأصبحت مارسيلو آخر، ألم تلاحظ أنني أصبحت اذهب لعملي ثلاث ايام كل اسبوع "
هز اليخاندرو رأسه ببسمة فخورة ينظر حولها للملحق:
" هذا رائع مارسيلو احسنت، ولأجل ذلك العمل الباهر الذي قمت به، قررت أن تكمل أنت أيضًا باقي العمل وحدك وماركوس وآدم ولأنهم بلا فائدة هنا، سوف يخرجان ويرحلا "
تدلى فك مارسيلو بصدمة، بينما عينيه كانت تحكي مقدار صدمته، لترتسم بسمة ساخرة متهكمة على فم اليخاندرو الذي كان يدرك جيدًا ما يحدث، هو ليس بالاحمق ليصدق أن مارسيلو فعل كل هذا وحده، سيصدق أن السماء تمطر دجاج مقلي ولن يصدق ما يراه الآن....
خرج اليخاندرو من الملحق يردد ببسمة واسعة وهو يضم حفيده الحبيب ورفيقه الأقرب هذه الأيام لقلبه :
" في المرة القادمة احرص على إتقان التمثيل، فأنا لست غبيًا لاصدق أنك قمت بكل ذلك دون أن تلطخ ثيابك بذرة دهان أو غبار واحدة عزيزي أنا لستُ احمقًا "
اتسعت بسمة ماركوس وآدم وتحرك الاثنان للخارج تحت صرخات مارسيلو الحانقة الذي كان يركض خلفهما :
" هيييه إلى أين تعالا هنا، ماركوس أنا اخوك الكبير، تعالى هنا، هيا آدم سوف اساعدكما هذه المرة، هيا لنعمل فريق واحد رائع ......"
______________________
" لا لا، هم ليسوا اغبياء كما تتخييلن، حبيبتي في هذا المنزل لا اغبياء سوانا، بينما هم خبيثون بشكل مخيف "
كانت هذه الجملة خارجة من فم جولي ردًا على تساؤل هالي والتي كانت تخبرهم ما حدث بالأمس مع مارتن وردة فعل الجميع على الأمر، وقد كانت تتسم بالبرود واللامبالاة ...
شرعت روما توضح الأمر حينما رأت ملامح البلاهة تعلو وجه هالفيتي :
" حسنًا هم ليسوا اغبياء أو غير مباليين، بالعكس هم اذكياء بدرجة مخيفة، لكن ليس هنا وليس الأن مع بعضهم البعض، ستجدينهم في وسط العائلة لا يستخدمون عقولهم إلا ما ندر، بينما في الخارج مع الأخرين سيرعبك تفكيرهم"
هزت هالي رأسها بتفهم تستمع لصوت فيور تقول ببسمة :
"كلٌ منهم مميز بشيء غير الآخر، فانطونيو قد يكون الوحيد الهادي المسيطر بهم، بينما جاكيري مغامر لا يخشى شيء تقريبًا، فبريانو دموي لا يهتم بشيء، مارتن عبقري، مايك سمعت أنه ماهر في كل ما يخص الاقفال والأبواب المغلقة، ماركوس هو من يضع لهم الخطط ويقوم بالحسابات المهمة، مارسيلو جيد في التنكر، جايك ماهر في التصويب هذا ما سمعته وآدم خبير في التطبيب فهو من يتولى معالجة الكل، هذا إلى جانب وظيفة كل شخص الحقيقية "
امتصت هالفيتي شفتيها بتأثر وفخر :
" ماشاء الله عصابة تشرح القلب، دول ولا ناجي عطالله وفرقته "
نظرت لها روز تردد برقة :
" وأنتِ فيما يتميز زوجك ؟!"
اجباتها هالفيتي وهي تقوم بصنع الفطير المصري المعروف، تفرده وتضم أطرافه ثم تقوم بوضع السمن عليه وتكمل ضم أطرافه بكل حرفية :
" أدهم فظيع في الشكشوكة "
نظرت لها جميع الفتيات بتعجب بينما فتحت رفقة فمها ببلاهة، وروبين رغم فهمها لما قالت إلا أنها لم تستوعب ..
تساءلت راسيل عن معنى ما قالت هالي بعدما رأت نظرات الصدمة على وجه الجميع ممن فهمها، لتترجم لها رفقة ..
رددت روما بتعجب :
" ششكو....ماذا ؟! ما هذه؟؟ هل هذا نوع من أنواع الأسلحة ام ماذا ؟! "
هزت جولي رأسها مؤيدة لما قالت روما :
" نعم أشعر من هذا الاسم المعقد أنه اسم مدفع أو ماشابه"
ضحكت هالي بصوت مرتفع على ما سمعته منهما :
" سلاح ايه ؟! أدهم ملوش في الأسلحة، آخره مشرط الجراحة مش اكتر، ده بيض بالخضار عادي "
في ذلك الوقت اقتحمت سيلين المطبخ قاطعة تلك المناقشة الودية اللطيفة بين الجميع تنظر حولها بأعين مدققة، لكن فجأة لمحت أرضية المطبخ حيث يجلس الجميع والدقيق متناثر بكل عشوائية حولهن ...
" ما هذا ؟!"
نظر الجميع حيث تشير سيلين لتردد هالي ببراءة :
" ده دقيق يا تيتة "
نظرت لها رفقة وهي تقول :
" كويس أنها مش فهماكِ، يعني مبوظة ارضيتها الثمينة وبتقوليلها تيتة ؟! يا بجاجتك"
" ليه هي مش تيتة ؟!"
" لا سيلين سينجل "
نظرت هالي بصدمة كبيرة صوب سيلين التي كانت تدور في المطبخ بملامح محتقنة من الغيظ، تلك السيدة التي تبدو كبيرة في السن لم تتزوج ؟!
" ازاي ؟! متجوزتش ابدا ؟!"
نظرت رفقة لسيلين ثواني ثم قالت :
" جاكيري قبل كده قالي أنها كانت متجوزة واحد ومات وهو في شبابه يعني قبل ما هما حتى يتولدوا ومن وقتها وهي مبقتش حابة تتجوز غيره، ولما حصل مشكلة معاهم وكلهم سافروا وكان جده لوحده فضلت هي معاه، هي مرة واحدة اللي لانت فيها وكانت هتتجوز، قام خطيبها طلب منها تسافر معاه فهي رفضت عشان متسبش جده لوحده وفضلت جنبه وبقت ترفض كل اللي يتقدم ليها عشان متسبوش لانه كان صاحبها "
صمتت ثواني ثم اقتربت من هالي هامسة لها بصوت منخفض رغم أن لا أحد يفهمها سوى القليل :
" وكمان جاكيري قالي أنه في مرة جدو حب يعوضها وطلب أيدها للجواز لانه أشفق تضيع عمرها بسببه، لكنها رفضت برضو وقالتله أنه هو لسه بيحب مراته وهي لسه بتحب جوزها وجوازهم مش هيكون ناجح ابدا، وهما صحاب افضل، وبس يا ستي عدى سنين على كل ده ولسه عايشة معاهم وبقت فرد أساسي من العيلة الكل بيحبها رغم اللي بيعملوه فيها، وجدو لسه شايل ليها الجِميل بتاعها "
شردت هالي بعينها صوب سيلين التي كانت تجلس على أحد المقاعد تطالع كتاب بين يديها بهدوء شديد غريب عليها، لتفكر هل هناك من يمكن أن يضحي بذلك الشكل مثلها، ضحت بعمرها لأجل رفيقها فقط...
" عما تتهامسان ؟؟"
كان ذلك صوت جولي التي تدخلت في الحوار لتهز رفقة رأسها بهدوء غامزة :
" كنت فقط أخبرها عن مكانة العزيزة سيلين بيننا "
ابتسمت جولي وهي ترمق سيلين ثواني قبل أن تقول :
" حسنًا لننتهي من صنع تلك المعجنات المعقدة فقد اقترب الغروب ونحن نعد الفطور "
__________________________
أمام المنزل كانت السيارة تختبئ بعيدًا عن الأنظار، هبط منها الأربعة رجال، يتحركون صوب المزرعة التي تبدو من الخارج هادئة...
أشار القائد والذي كان يُدعى " إيكون " نحو المزرعة يحمل بين يديه حقيبة الأموال وحقيبة البضاعة مرددًا بهدوء :
" سوف نختبئ في الخارج حتى المساء وبعدها نذهب ونرى ما يمكننا إيجاده في الداخل، اثق أننا سنجد ما يساعدنا هنا "
هز الثلاثة رؤوسهم بالايجاب، ثم تحرك الجميع صوب شجرة ضخمة تقبع على الجانب الغربي من باب المزرعة، شجرة كبيرة لدرجة أن فروعها تكاد تلامس الأرض، جلس الأربعة أسفلها بتعب شديد يلهثون من الارهاق فمنذ مساء الأمس وهم يهربون من تلك العصابة ولم يتناولوا شيئًا .
" إيكون هل تحدثت مع باقي الرجال ؟!"
كان ذلك صوت شقيق إيكون الثالث والذي مازال مرتابًا مما يحدث...
" نعم لا تقلق لقد اعطيتهم كل التفاصيل وغدًا سنرحل من هنا "
صمت قليلًا ثم أضاف ينظر لشقيقه الأصغر :
" هل أنت بخير ؟! هل لازال جرحك يؤلمك ؟!"
أطلق جيفون ضحكة ساخرة متهكمة :
" إيكون انا مصاب بطلق ناري وليس قرصة بعوضة، بالطبع سأكون مازلت أتألم فأنا لم اعالج الإصابة بعد "
مدّ إيكون بصرة للمزرعة الشاسعة أمامه :
" لا تقلق، فقط يحل المساء لنختبأ في ستار ظلامه وبعدها نقتحم تلك المزرعة ونرى ما يمكننا إيجاده هناك "
ابتلع الشاب الأصغر ريقه والذي كان هو نفسه رفيق شقيقه :
" لِمَ لا نطرق الباب ونطلب منهم ما نريد ببساطة، لِمَ علينا الاقتحام وغيره ؟!"
" نطرق الباب بهذه الحقائب وهذا المصاب ؟! هل تمازحني ؟؟ بالطبع سيشكون بامرنا وهيئتنا ويطلبون لنا الشرطة "
صمت الشاب يلعن نفسه أن استمع لرفيقه وجاء معهم، زفر بضيق ثم حاول أن يشغل عقله عما يحدث له مفكرًا فيما يمكن أن يفعله بالاموال التي سيحصل عليه، فهو عاش عمره متشردًا فقيرًا تقريبًا، لذلك كان من السهل سحبه لذلك الطريق بمجرد وضع أموال أمامه لتسيل لعابه ..
" بمجرد مغيب الشمس، سننتظر ساعتين او ثلاث وندخل للمكان بكل هدوء سمعتم ؟!"
هز الجميع رؤوسهم بهدوء ليتمتم إيكون في نفسه بحنق مستاءً من غبائهم ...
__________________
وفي وسط الأراضي الزراعية المحيطة بالمزرعة حيث الأشجار والثمار كانت هناك تلك السماعات الضخمة تتوسط الأراضي ..
جاكيري وجايك يستغلان طولهما لقطف الثمار بكل نشاط على انغام الموسيقى، الاثنان يهزان الخصر بكل سعادة ومزاج صافي، بينما مايك يحصد الثمار المزروعة ارضًا بعدما تعب من التعلق في الأشجار ...
وبعدما انتهى الثلاثة مما يفعلون تحركوا باوعية الخضار والفاكهة صوب المنزل، يغنون بسعادة وقد انتهوا سريعًا من تلك المهمة السهلة ...
دخل الثلاثة المنزل ليجدوا اليخاندرو يجلس على إحدى الارائك التي تتوسط البهو يلاعب قاسم، تحرك جاكيري صوب جده يردد بسعادة وفخر :
" ها نحن ذا يا جدي، انتهينا مما تريده، كان ذلك سهلًا أليس كذلك يارجال ؟!"
هز مايك وجايك رأسيهما بالايجاب ليردف اليخاندرو بانبهار كبير وتعجب كبير يزين ملامحه :
" انتهيتم ؟! بهذه السرعة ؟! هذا رائع رغم أنكم توليتم المهمة الاصعب، إذن أين الثمار التي حصدتمونها ؟!"
ابتسم جاكيري يشير لثلاثة أوعية صغيرة تقبع أعلى طاولة البهو :
" ها هي يا جدي"
تحركت عين اليخاندرو بتعجب صوب تلك الأطباق الصغيرة التي كانت تحتوي ثمرات معدودة لن تكفي حتى لإطعام قاسم والتي يسميها جاكيري حصاد افتراءً ..
تحدث جاكيري ببسمة وهو ينظر لجايك ومايك يعانقهما بسعادة :
" سعدت بالعمل معكما يا رجال، جيد أنني لم اقع مع انطونيو وإلا كان أفسد الأمر، والآن سوف اذهب للراحة"
هز مايك رأسه مؤيدًا :
" نعم معك حق، أنا أيضًا ساصعد لأكمل نومي، وأنت جايك ؟؟"
" لا لا أنا سوف أخذ لوحتي وزوجتي واذهب للرسم "
ابتسم الثلاثة لبعضهم البعض مودعين، ولم يكد أحدهم يتحرك خطوة إضافية حتى علت صرخات اليخاندرو بحنق :
" أنتم توقفوا ؟! أين هي تلك الثمار التي احضرتموها ؟؟ "
نظر الثلاثة لبعضهم البعض بتعجب :
" ما بك جدي ها هي أمامك "
أشار لها اليخاندرو بحنق كبير :
" هذه هي ؟! حقًا ؟! هل أنتم حمقى؟! هل اخبرتكم أن تذهبوا لجمع عينات لعمل ابحاث عنها ؟! هل تعلمون عدد أفراد المنزل لتحضروا لي عينة من كل شجرة ؟!"
بدأ جايك يعد على أصابعه ليحسب عدد أفراد المنزل بجدية ثم قال :
" ٢٤ فرد، إذن نحن نحتاج لعشرين ثمرة أخرى من كل شجرة "
نفخ جاكيري بارهاق مما يقول اخوه :
" حسنًا لا بأس، هيا سوف اضع موسيقى حماسية هذه المرة لننتهي من الأمر قبل غروب الشمس "
وما كاد الثلاثة يتحركون حتى صرخ اليخاندرو بحزم :
" أجمعوا ثمار كثيرة تكفي طعام اليوم بأكمله "
نظر له مايك بتعب :
" هذا يعني أننا سنضرب الأربعة وعشرين في ثلاثة وجبات أم وجبتين ؟؟"
حرّك جاكيري يديه :
" لا لا فقط وجبتين، يكفي اثنين فقط "
راقبهم اليخاندرو يشعر بدماء تغلي في عروقه يراقب رحيل الثلاثة الحمقى من أمامه، هم ينفذون أوامره بشكل حرفي، أخبرهم أن تلك الثمار لن تكفي عدد قاطني المنزل، ليقرروا إحضار عدد ثمار يساوي عدد أفراد المنزل، لينقذه الله من بين أيدي أحفاده الذين لا يحبون فعل شيء في هذه الحياة سوى المهمات والقتل، ولا يستخدمون عقلهم سوى في المهمات ...
_______________________
في المساء وبعدما انقضى اليوم بين الاعمال في المزرعة للرجال واعمال المطبخ للنساء، بدأ الرجال يعودون للمنزل واحدًا تلو الآخر لتتساقط الأجساد على الارائك في البهو...
كان جسد كلٍ من ادهم وفبريانو ملئ بالقش والاوساخ التي التصقت بالثياب المبتلة، بينما الباقيين كانت ثيابهم مليئة بالغبار خاصة جاكيري وجايك ومايك اللذين كانت أحذيتهم مليئة بالوحل...
كان الأمر ببساطة أشبه بلوحة مدمرة لاعصاب سيلين...
هتف فبريانو بتعب وملل كبير من الأعمال التي كلفه بها اليخاندرو طوال اليوم والتي تخللها العديد والعديد من الشجارات مع ادهم، والكثير من صرخات انطونيو في وجوههم ..
" جدي أنا لا أحب هذا العمل، أنا لا أصلح لمثل تلك الاعمال، إن أردت يمكنني أن أذهب لمزرعة ليزا وأكمل ضربها، لكن هذا العمل لا أريده "
أضاف جاكيري على حديثه مؤيًدا :
" لقد جنيت ما يفوق الـخمسمائة ثمرة من كل شجرة حتى تشققت كفوف يدي، هذه اليد لم تعتد التمسك بفروع الأشجار، هي اعتادت امساك مقود السيارة أو الطائرة، أنا لست قردًا لافعل ذلك "
أنهى حديثه ثم أشار لفبريانو يضيف بجدية وحنق :
" ربما فبريانو هو الأنسب لمهمة كجني الثمار، هو يحب التعلق بالاشجار كالقردة"
وبمجرد انتهاء كلماته كان جسده يصطدم بالأرض في قوة جاعلة إياه يطلق صرخات عالية بعدما ضربه فبريانو بقدمه مسقطًا إياه...
تحدث أدهم بتذمر :
" أنا لا أريد العمل مع هذا فبريانو مجددًا رجاءً "
نظر له فبريانو صانعًا وجهًا حزينًا لطيفًا :
" لماذا ؟! أدهم عزيزي هل ستتركني وحدي مع انطونيو ؟! لا تفعل هذا ارجوك سأشتاق إليك"
نفخ أدهم بغيظ من تصرفاته المستفزة ليمنحه فبريانو بسمة أكثر استفزازًا، بينما مارسيلو تذمر بصوت مرتفع :
" وأنا يا جدي قضيت النهار بأكمله أصلح الجدار وادهنه وهذا ليس ما اعتدت على فعله، هذا العمل يليق بجاكيري هو يحب الالوان، أنا لا أحب فعل هذه الأعمال "
صمت قليلًا ثم قال بصياح مشابه للسابق:
" حسنًا أنا لا أحب فعل أي أعمال، جدي حتى اعمال المكتب التي لا تطلب مني سوى التفكير تشعرني بالتعب، ارجوكم قدروا أنني شخص لا أحب أن اجهد جسدي العزيز "
كان مارتن يستمع لكل ذلك وهناك بسمة ناعسة كسولة ترتسم على فمه يتمدد على إحدى الارائك يردد بنبرة مستفزة تشبه خاصة شقيقه الأكبر :
" آه يا مساكين، لقد اثرتم شفقتي حقًا، لكم هو سييء أن تعملوا طوال النهار دون توقف، تؤ تؤ تؤ عليكم أن تصعدوا لترتاحوا حتى تنهضوا منذ الصباح وتنتهوا من إكمال العمل"
حدق به الجميع بشكل مخيف ليقاطع اليخاندرو كل ذلك وهو يقول وكأنه لم يسمع كلمة منهم :
" هيا لنتناول العشاء احبائي "
انتهى من حديثه ثم تحرك حاملًا قاسم بين ذراعيه، يتجه صوب السفرة التي قامت النساء بتجهيزها بشكل مبهر حقًا، تحرك الجميع بسرعة صوب طاولة الطعام بجوع كاد يفتح بامعائهم...
جلس جميع أفراد العائلة يتناولون الطعام بتلذذ كبير، فالثمار من الأرض كانت طازجة، حتى تلك الاسماك التي أحضرها مايك من البحيرة الخلفية كانت رائعة ..
تخلل العشاء أحاديث كثيرة وضحكات أكثر متبادلة بين الجميع هذا يتحدث وهذا يسخر، هذا بتذمر وهذا يضحك ...
رفع فبريانو قطعة من السمك ليضعها أمام هالي قائلًا ببسمة :
" كلي كويس يا هالي عشان شكلك تعبان "
نظرت له هالي ببسمة واسعة تتناول منه قطعة السمك داخل طبقها، لكن وبمجرد أن وضعها فبريانو على طبقها الذي مدته له، حتى سارع أدهم بانتشالها واضعًا إياها في فمه بكل عناد هاتفًا :
" خلصي اللي قدامك ولو احتاجتي أنا هديكِ، متاخديش اكل من حد غتت"
ابتسمت هالي بيأس من تصرفاته، تقطع السمك برفق تخرج من الأشواك لأجل صغيرها الذي كان يتوسط قدمها ...
بينما فبريانو رفع حاجبه وهو يقطع السمك أمامه، ثم نهض يضعه في طبق هالفيتي بعناد كبير ضاربًا السكين على طرف طبقه مصدرًا صوتًا مرتفعًا بعض الشيء، ينتظر من ادهم اعتراضًا، وقد كان ...
فبسرعة كبيرة وقبل أن تستوعب هالي أنه وضع سمك بطبقها حتى كان أدهم يلتهم تلك القطعة بعنق يكاد يحطم اسنانه، لكن فبريانو لم يستسلم وهو يقطع قطعة أخرى واضعًا إياها بطبق هالي وقبل أن يمد أدهم يده لأخذها، كان فبريانو يخرج سلاحه موجهًا إياه لرأسه:
" اترك القطعة لها "
رفع ادهم حاجبه ينظر لها ثواني قبل أن يتناول هو قطعة السمك ببسمة باردة مستفزة جعلت فبريانو يبتسم بسمة أكثر استفزازًا يجهز سلاحه للاطلاق لولا أن قاطعه اليخاندرو :
" دع سلاحك وأكمل طعام فبريانو .."
لكن فبريانو عانده وهو يقول :
" فقط سأصنع ثقبًا صغيرًا جدي "
نظر له اليخاندرو بصرامة جعلت ملامحه تلين وهو ينزل سلاحه بينما نظراته تتحرك على أدهم مرددًا :
" حسنًا نحن لم ننتهي بعد "
أنهى كلمته وهو يبدل طبقه بخاصة روبين مرددًا :
" خذ هذا ارنبي الوردي "
نظرت روبين لطبق فبريانو والذي كان قد انتهى من تقطيع الاسماك به وتنظيفها من الاشواك، منحته بسمة عاشقة :
" شكرًا "
مال فبريانو ملتقطًا قبلة صغيرة من وجنتها هامسًا :
" العفو "
قال اليخاندرو ببسمة وهو يراقب تلك السفرة التي جمعت اغلى الأشخاص على قلبه، لم يكن ليتمنى أكثر من ذلك في حياته :
" عند الانتهاء من الطعام وحتى تنتهي النساء من تنظيف المطبخ والاطباق، سوف نذهب للتأكد من إدخال جميع الحيوانات لامكانهم"
زفر مارسيلو بتعب وهو يلقي برأسه على الطاولة :
" ألن ينتهي هذا اليوم ؟!"
_________________________
في الخارج وأسفل تلك الشجرة العملاقة، نظر إيكون حوله بعدما فاق لتوه من غفوة قسرية سقط بها بسبب الإرهاق والجوع والعطش، أدرك بعدما دار بنظره في الظلام حوله أن الوقت لاستكشاف تلك المزرعة قد حان .
نهض ينفض ثيابه، ثم حمل إحدى الحقيبتين أعلى كتفه ينغز بقدمه تلك الأجساد المترامية لهؤلاء الحمقى الذين ينامون بكل سلام حتى أن أصوات شخيرهم بدأت ترن في المحيط، وكأنهم ينامون أعلى أسرتهم في منازلهم ...
" أنتم أيها الاغبياء استيقظوا، صوت شخيركم سيوقظ الموتى في قبورهم "
لكن لا يبدو أن أحدهم قد سمعه أو حتى انتبه له، ليزداد غضب إيكون ضاربًا بقدمه جسد شقيقه الأوسط بغضب اكبر :
" استيقظوا تبًا لكم جميعًا"
بدأت الأجساد تتململ والأصوات الحانقة تخرج، وكان أول من فتح عينه هو ذلك الصغير صديق شقيقه والذي انتفض فزعًا من مكانه يهمس برعب :
" ما هذا ؟! أين نحن !!"
" في الجحيم يا صغير، أنا لا ينقصني غباء، هيا أيقظ الاحمقين الآخرين لنرى ما يمكننا الحصول عليه من هذه المزرعة "
أنهى حديثه ينظر للمزرعة التي كانت الاضواء تنتشر بها دليلًا على وجود أشخاص بها، وهذا ليس جيدًا البتة، هو ظنها لا تحوي أحدًا، لكن لا بأس هو في الأساس انتظر للمساء لأجل هذا، لأن الاضواء هي الشيء الوحيد الذي سيخبره إن كان مالكو المزرعة موجودين بها ام لا وعلى هذا الأساس يضع خطته ..
بدأوا يعون لما يحدث حولهم، ثم نهضوا يتجهزون للتحرك معه، نظر إيكون بطرف عينه للمزرعة يقول بجدية :
" يبدو أن تلك المزرعة بها أشخاص مقيمين، لذلك سوف نغير الخطة"
نظر له الجميع بريبة يستمعون لما يقول، ورغم علامات الرفض التي ظهرت جليًا على وجوه الجميع إلا أنهم وافقوا على مضض لا لأجل شيء سوى أنهم يتضورون جوعًا وخطة إيكون تتضمن إحضار طعام وشراب لذلك لا بأس، هم في النهاية يمتلكون اليد العليا هنا بأسلحتهم وخبراتهم في القتال عدا ذلك الجبان الصغير، ومن بداخل المزرعة مجرد مزارعين، لذلك الغلبة لهم، أليس كذلك ؟!
استغل الأربعة بدائية الأسوار التي لم تكن تحتوي أي أجهزة إنذار متطور أو حتى كهرباء أو غيرها كاسوار المنازل في المدن، قفزوا من فوقها بكل هدوء وحذر معتادين عليه، ثم تحركوا واحدًا تلو الآخر صوب المنزل الذي يتمركز في منتصف تلك المزرعة .
وفي المطبخ حيث بدأت جميع النساء التحدث في العديد من المواضيع ذات الصلة والمختلفة ...
" حسنًا انطونيو كان في البداية مخيفًا باردًا بشكل لا يُحتمل، لكنه مع الوقت بدأ يلين شيئًا فشيء "
رددت جولي باستياء وشفقة مصطنعة :
" كان مخيفًا أكثر من هذا الوقت ؟! أعانك الله روما "
فتحت روما فمها لتُسمع جولي سيلًا من التذمرات كعادتها حينما تقترب من انطونيو، لكن فجأة صمتت وهي تنظر في نقطة خلف الجميع حيث كانت تجلس مواجهة لهم بينما الجميع يهتمون بتنظيف المطبخ ...
فسّرت جولي نظرات روما بشكل خاطئ لتقول بريبة :
" ماذا ؟! لا تقولي أن ذلك النكرة زوجك يقبع خلفي الآن"
لم تبدي روما حركة واحدة قد تثبت أو تنفي ظن جولي التي ارتعشت في وقفتها خوفًا أن يكون انطونيو قد استمع لها، وهذه المرة ستكون القشة التي قسمت ظهر البعير كما انبئها آخر مرة، وايضًا هذه المرة لا يوجد مارتن يدافع عنها، فقد ذهب مارتن ما الرجال بسبب ملله الشديد .
ابتلعت ريقها تستدير ببطء شديد والقلق يأكل قلبها، ثواني وابصرت من يقف على باب المطبخ والذي جعل روما تركز به، أطلقت جولي صرخة عالية بسبب تفاجئها بثلاث رجال ذوي ملامح خشنة، وضعت يدها أعلى صدرها لتهدأ نبضات قلبها :
" يا ويلي ظننته زوجك "
ابتسمت براحة وهي تعود بنظرها لروما تقول أثناء تناولها قضمات صغيرة من التفاح، مطمئنة أنه ليس انطونيو :
" أنا لا اخافه للعلم، أنا فقط لا أحب التحدث معه كثيرًا "
أنهت حديثها بكل برود وقد تناست هؤلاء الأربعة خلفها بينما جميع الفتيات استدرن ليبصرن هذه الأجساد مجهولة الهوية ...
رددت فيور بتفكير :
" من هؤلاء ؟! ألم يخبرنا جدي أنه صرف جميع العمال ؟!"
هزت الفتيات اكتفاهن بجهل ولا أحد منهم يدرك ما يحدث، لتضيف لورا تتمعن بهم قبل أن تشهق فزعًا :
" هناك مصاب بهم"
أنهت حديثها مشيرة لجيفون المصاب بينما بدأت نظرات الشك تعلو وجوههن جميعًا، و إيكون يرمقهم بسخرية متابعًا غباءهم عن قرب، يحاول معرفة كم شخص في المزرعة وحتى الآن يدرك أن هناك عجوز إلى جانب هؤلاء النساء بعدما أشارت له احداهن بـ جدو ..
قالت رفقة وهي تجفف الاطباق التي انتهت لورا من غسلها :
" ربما فبريانو هو من اصابه أثناء لعبه بسلاحه "
وكانت نظرة روبين أبلغ رد على تلك الكلمات التي تصر بها رفقة على إلقاء اللوم على زوجها :
" هل كُتبت أعلى ذراعه أن فبريانو هو من أصابه؟! ألا يمكن أن يكون أحد غيره؟!"
رفعت رفقة حاجبها بتهكم وكأنها تنفي ذلك الاتهام بالكامل :
" ومن يمكن أن يكون غيره ؟! "
هزت روبين رأسها ثم نظرت بعناد وإصرار على إثبات براءة زوجها مما تحاول رفقة الصاقه به :
" حسنًا لنسألهم"
نظرت للمصاب وهي تردد بجدية مشيرة له :
" أنت....."
أشار جيفون لنفسه بجهل لتعطيه روبين اماءة من رأسها تضيف على حديثها السابق :
" هل من اصابك هو فبريانو ؟!"
نظر جيفون لمن حوله بينما نظرات التعجب تعلو وجوه الرجال مخمنين أن هناك رجل آخر في المزرعة يُدعى فبريانو، ورغم ذلك هز جيفون رأسه بالنفي، لتصدر روبين صيحة سعيدة مرددة بثقة :
" ها انظري قال لكِ لا، هذا لتعلمي أن زوجي العزيز لا يمكن أن يأذي الطيبين، هو فقط يقتل الاشرار، حبيبي كالبطل الخارق "
مال أحد الرجال على إيكون هامسًا :
" يبدو أن فبريانو ذلك ضابط شرطة "
غامت عين إيكون وهو يهز رأسه بتفكير، ثم أخذ يستمع لهؤلاء الاغبياء بتركيز تام لمعرفة عدد الرجال هنا وعلى أساسه يضع خطته ....
ارتشفت روما من كوب العصير الخاص بها وهي تنظر لهم بهدوء شديد وفي اعتقادها كما الكل أنهم عمال في المزرعة، وإلا لِمَ هم هنا :
" إذن هل تريدون جدي ؟! هو ليس هنا، هو مع الرجال في منطقة الحيوانات خلف المزرعة "
رجال ... إذن هم كُثر، ربما ثلاثة لو اربعة، حسنًا رغم أن هذا الاحتمال ليس جيدًا إلا أنه قد يتدبر أمره، والآن انتهى وقت المزاح وحان الوقت لينفذ الخطة، في ثواني فقط كانت الأسلحة تخرج من ثياب المجرمين موجهين إياها صوب النساء بشر وملامح مخيفة جعلت هالي ترفع يديها في الهواء برعب، وهالي فقط ....
نظرت هايز لهم بدقة وهي تقول بتخمين وبهدوء لا يليق بالموقف :
" اووه، إذن أنتم لستم عمال في المزرعة ؟؟"
وافقتها راسيل القول وهي ترتشف من كأسها:
" نعم يبدون كالمجرمين "
أضافت روبين بجدية وتفكير :
" إذن...هل نصرخ ونطلب النجدة ؟!"
هزت روما رأسها باستحسان لتلك الفكرة :
" نعم، هذا جيد، راسيل افعلي أنتِ "
هزت راسيل رأسها رافضة لما تقوله روما تمامًا :
" ومن يضمن لي إن صرخت أن يستمع لي مارسيلو ؟! لربما كان نائمًا، دعونا نستغل شخص مضمون، هييه جولي افعلي أنتِ "
ومجددًا رفضت جولي ما قالت :
" لا، أنتِ تعلمين أن مارتن الآن مصاب في صدره، وأنا لا أريد أن ارهقه، ربما ذلك النكرة قد ينفعنا الآن "
نفخت روما بحنق من حديث جولي ومازالت تستند بنصف جسدها العلوي على طاولة المطبخ تحمل بين يديها كوب عصير ترتشفه بتلذذ :
" آخر مرة خُطفنا بها أنا من صرخت، وقتها آلمتني حنجرتي بشدة، لتفعل فيور او لورا أو هايز، ايًا كان "
فجأة أثناء حديثها انتبهت روما لشيء عجيب جعلها تضيق ما بين حاجبيها وهي تشير لهالي التي كانت ترفع يديها برعب :
" هيييه هالي ما بكِ، لِمَ ترفعين يديكِ بهذا الشكل؟! سوف تؤلمك حبيبتي انزليها"
كان يراقب كل ذلك الحوار الغريب _ الذي قد يبدو للبعض جنونيًا بالكامل _ إيكون وعصابته وهالي، الخمسة يفتحون أفواههم بصدمة كادت تطيح بالباقية المتبقية من عقولهم ...
الأمر قد يبدو غريبًا للجميع، لكن بالنظر لما عاشته الفتيات فهذا لا يُعد شيئًا، مجرد لصوص جبناء اقتحموا المنزل في وجود جميع ازواجهم، يهددونهم فقط، فهم لو كانوا يريدون فعل شيء لفعلوه دون انتظار كل ذلك الوقت ..
هكذا فكرت روما بسخرية كبيرة تشير لهالي أن تنزل يدها :
" هيا حبيبتي انزلي يديكِ وتعالي لتتذوقي حلوى روز ريثما تحضر أي فتاة المساعدة "
نظرت لهم هالي بصدمة تشير بعينها صوب المجرمين وهي تكاد تفقد عقلها، تحدق في المجرمين بشكل مخيف وكأنها تخبرهم ( هل أنتم لا تبصرون ؟؟ هناك خاطفين هنا )
تحدثت روبين وهي تقول بهدوء وقد كانت أكثرهم تجربة لكل ذلك :
" نزلي يابنتي ايدك لاحسن توقف من الرفعة دي "
اجابتها هالي بشك :
" عادي؟"
هزت روبين رأسها بنعم :
" اكيد "
نظرت هالي للمجرمين تستأذنهم أن تنزل يدها وكأنها طالبة معاقبة :
" انزل عادي ؟؟"
لم يجبها أحد الرجال والذين لم يكونو قد استوعبوا بعد ما يحدث في ذلك المكان، هل يعقل أنهم اقتحموا إحدى مصحات المرضى النفسيين، ففي العادة يقوم الأغنياء بإيداع أبنائهم المدللين في أماكن كهذه بعيدًا عن الأضواء لعلاجهم من الإدمان أو الحنون وغيره ...
انزلت هالي يدها وهي تبتسم براحة :
" هو ده عادي الجو ده ؟؟"
حركت رفقة رأسها لأعلى وأسفل :
" ده عادي اكتر من الحياة اليومية، يابنتي احنا كنا بنتخطف اكتر ما بنقعد في بيوتنا، اياكش بس الايام دي واخدين هدنة بعد ما خلصوا على نص رجالة ايطاليا "
" طب ما الموضوع ده حلو، على كده بقى اتخطفتم كام مرة ؟؟"
لوحت روبين بيدها دون علم :
" متعديش، ده انا كنت بقعد مع الحرامية اكتر ما بقعد مع فبريانو نفسه، لدرجة أنه بقى يغير منهم ويقولي أنا مبقتش اشوفك زي زمان، الحرامية واخدين وقتك كله، بس نعمل ايه بقى يابنتي شغلنا "
فتحت هالي فمها بانبهار كبير لما يقال وقد اندمجت معهم في حديث لا يفهمه سواهم هم الثلاثة، وهذا كان من حسن حظ أو سوء حظ المجرمين الذين لم يدركوا بعد أين هم وماذا يفعلون...
شعر إيكون بالغضب يتحكم به بسبب كل ذلك، هو يقف هنا رفقة رجاله يشاهدون هذا الجنون الذي يحدث، وبسبب ذلك اتخذ أكثر القرارات غباءً وهو يرفع سلاحه في الهواء مطلقًا رصاصة شقت سكون الليل صارخًا :
" اصمــــتـــن...."
ابتسمت جولي بسمة واسعة مشيرة له بكفها :
" شكرًا لك وفرت علينا عناء الصراخ لاحضارهم "
نظر الجميع لبعضهم البعض بريبة وسؤال واحد يدور في رؤوسهم ترجمه الصغير الجبان بكلمات مرتجفة خائفة:
" احضار من ؟!"
وفي صوت واحد رددت جميع الفتيات ببسمة :
" زوجي "
فتح جيفون عينه بصدمة شاركه بها الثلاثة الآخرون، يحاولون ترجمة ما حدث الآن، أزواجهم جميعًا، جميعهن متزوجات وازواجهن هنا، أي عشرة رجال ؟!
ردد جيفون يفتح فمه بصعوبة مبتلعًا ريقه يحاول استيعاب ما سمعه، بينما يردف بتمني يحاول جمع جميع الأشخاص في شخص واحد :
" لنأمل أن ذلك العجوز هو نفسه فبريانو وقد تزوج بعشر نساء....."
عض إيكون شفتيه بغضب يشعر برأسه بدأت تدور وبخطته كلها تتفتت أمامه، لذلك ضرب بقدمه الطاولة الصغيرة المجاورة لباب المطبخ محطمًا كل ما عليها من مشغولات زجاجية لتعلو شهقات جميع النساء في ردة فعل طبيعية منذ وطأ بقدمه هذه المزرعة الغريبة :
" نعم، هذا ما يجدر بكم الشعور به....الخوف، لأن ما سيحدث لكم يستحق ملامح الفزع هذه و..."
قاطعته هايز بشفقة :
" سيلين لن تحب هذا "
رمقهم إيكون بعدم فهم :
" مهلًا من هذه ســ "
وقبل أن يكمل كلمته كانت ضربة عنيفة تأتيه من الخلف أعلى رأسه متسببه في انطلاق صرخات عالية وهو يسقط ارضًا بينما صوت سيلين صدح في الأجواء :
" أهو منزل والدك لتحطم به ما تشاء يا قليل التربية ؟!"
تحولت أنظار الرجال جميع صوب تلك السيدة العجوز التي كانت تقف بشموخ برأس مرفوع لأعلى وكأنها ملكة في إحدى الدول تضرب بعكازها الأرض صارخة بحزم :
" نظفوا تلك الأرضية الآن وإلا....."
_______________
" يا راجل يعني انت اساسا مش مجرم ؟!"
رفع فبريانو حاجبه بسخرية من سؤال أدهم المتعجب بعدما علم لتوه أنهم لا يمتهنون الإجرام، وأن بطاقاتهم الشخصية غير مكتوب بها في خانة الوظيفة ( عضو في المافيا الإيطالية )
" لا، للاسف مش بشتغل مجرم، ده بس مجرد وظيفة باكل منها عيش بليل، دوام جزئي يعني "
قلب أدهم عينه يلوي شفتيه متعجبًا :
" ولا باين عليك والله "
" مش باين ايه ؟! "
ابتسم ادهم يسبقه في السير قبل أن يلقي بكلمته :
" أنك شخص عندك وظيفة وطبيعي زينا "
شيّعه فبريانو بنظرات حانقة ساخرة، ثم حث الخطى خلف الجميع بعدما تأكدوا أن جميع الحيوانات في مساكنها والآن هم في طريقهم للمنزل، سمع فبريانو صوت أدهم يتحدث بفضول كبير :
" إذن هل لديكم وظائف عادية، أم أن وظائفكم الأخرى قريبة من عملكم هذا كعصابة ؟!"
ابتسم اليخاندرو يردد :
" لما لا تقول أن عملنا كعصابة هو العمل الآخر ؟! أي أن الوظائف الأخرى هي الأساسية في حياتنا، نحن بالطبع لا نعيش على الجرائم وتلك الاشياء "
هز ادهم رأسه يتحدث بما يفكر صراحة :
" لا اتخيلكم في الحقيقة سوى رجال ببذل سوداء في اجتماع تجلسون على طاولة طويلة مع امثالكم من أصحاب البذل السوداء في جو غامض وفي الخلفية يعلو صوت اغنية Bella ciao التي كانت تخص تلك العصابة في أحد المسلسلات "
ابتسم جاكيري لهذا الخيال الجامح الذي يتحدث به أدهم، ثم قال بسخرية :
" اغنية تخص عصابة ؟! عزيزي هذه الأغنية Bella ciao هي أغنية شعبية فلكلورية تخص الثورة الإيطالية أثناء الحرب العالمية الثانية، وليست اغنية عصابة "
صمت ثواني ثم نظر لجايك وهو يقول بصوت هادئ شجي :
Una mattina mi son svegliato
o bella ciao, bella ciao, bella ciao, ciao, ciao,
una mattina mi son svegliato
e ho trovato l’invasor.
بدأ جايك يردد معه لتزيد من حماسة جاكيري شيئًا فشيء، وثواني فقط حتى بدأ جميع الاحفاد يرددون الأغنية بحماس كبير يمسكون باكتاف بعضهم البعض يرددون كلمات تلك الأغنية بحماس شديد بينما أدهم يحمل قاسم أعلى كتفه يسير خلفهم رفقة اليخاندرو يرى ذلك المشهد لهم في الظلام كأنهم خيال، يمسكون باكتاف بعضهم البعض يرددون الأغنية ...
ضحك أدهم يقول :
" مش قادر اشوفهم غير العصابة وهي رايحة تسرق البنك"
بينما قاسم على كتفه أخذ يردد تلك الكلمة التي تكررت أكثر من مرة بشكل متعثر يشارك أخواله تلك اللحظات ...
ولم يجد ادهم غير أن يشاركهم الغناء لكن بتلك الكلمات التي تم تعديلها في المسلسل، ليشعر بمايك يجذبه لهم يضمه من كتفه الذي يحمل عليه قاسم، واليخاندرو يراقبهم ببسمة واسعة مرتاحة، استنشق نفس عميق من ذلك الهواء الصافي المنعش وما كاد يزفره حتى توقف الجميع فجأة عما يفعلون تزامنًا مع ارتفاع صوت طلقات نارية قادمة من المنزل ...
ولم يتمهل أحد لمعرفة ما يحدث أو التفكير بمصدر ذلك الصوت، فقط انطلقت الاقدام بسرعة مرعبة منهم من يخرج سلاحه الذي لا يتخلى عنه كانطونيو وفبريانو ومنهم من اكتفى فقط بيديه العاريتين ...
وضع أدهم قاسم بين أحضان اليخاندرو يتحدث بكلمات غير مفهومة قبل أن يركض خلف الاحفاد جميعهم ....
كان الجميع يهرول صوب المنزل، وبمجرد أن وصلوا أمامه توقفوا فجأة بشكل منظم وانطونيو يتقدم مخرجًا سلاحه، يشير لهم بالتريث بينما أدهم لا يفهم ايًا مما يفعلون، نظر انطونيو نظرة صغيرة صوب فبريانو علم بها الأخير ما يجب عليه فعله .....
أمسك فبريانو السلاح بكلتا اليدين منزعجًا من نفسه أنه لم يحضر سلاحيه الاثنين، تقدم الجميع بخطوات حذرة ...
بينما الجميع ينتظر في الخارج وادهم لا يفهم ما يحدث، لماذا لا يدخلون جميعًا ويرون ما يحدث ؟!
لكن الخطة كالعادة كانت أن يكون فبريانو أول من يقتحم المكان لينظف الطريق لأجلهم، وبالطبع عند القول ينظف، فإنه ينظمه من كل شيء ...
دقيقة مرت قبل أن يعود فبريانو مشيرًا للجميع باللحاق به، وللعجب لم يكون المكان مفترشًا بالجثث، هذا يعني لم يقابل فبريانو أحد ...
ومجددًا عاد انطونيو ليتقدم الجميع مع فبريانو فهم يملكون الأسلحة، وبمجرد أن أصبحوا في منتصف البهو أشار للجميع بعينه في إشارة واضحة لهم لفعل أمر ما لا يفقهه أدهم، هو فقط أبصر الجميع عدا فبريانو وانطونيو يتحركون للأعلى بخطوات سريعة، بينما تحرك فبريانو ببطء في المكان يبحث عن شيء غريب، حتى أبصر طاولة ومزهرية محطمتان جوار باب المطبخ ...
تحرك يختفي جوار الباب من الخارج ينظر بعينه نظرة صغيرة ليرى جميع النساء في المطبخ ومعهن أربعة رجال مريبين، وسيلين مربوطة في أحد المقاعد ...
دقيقة مرت حتى عاد الجميع وقد احضر كلٌ سلاحه، ألقى مارتن بسلاح لفبريانو الذي التقطه ببسمة مخيفة يمسك بكل يدٍ واحدًا .
بينما ادهم يراقب كل ذلك بفم مفتوح، لأول مرة بحياته يرى شيئًا كهذا في الواقع، يبدون كـ حسنًا يبدون كالأحفاد، فهو لا يجد وصفًا لهم يوفيهم حقهم، إلا وصفهم بأنهم هم ..
" قال ويقولك الإجرام ده دوام جزئي، جزئي ايه بس دول واخدين فيه نبطشية ومسهرين طول اليوم "
أحاط الجميع بالمطبخ من جميع الجهات، بينما ادهم يرمقهم بقلة خبرة يحاول أن يفعل كما يفعلون، لكنه لا يملك سلاحًا مثلهم، لذلك تحرك صوب طاولة وأمسك ما عليها من التحف الثمينة رافعًا إياها أعلى كتفه متحركًا صوب فبريانو يقف خلفه هامسًا :
" هنهجم آمتى !!"
صمت فبريانو لحظات ثم قال بشكل مفاجئ وبسرعة كبيرة :
" الآن"
وبمجرد أن أتم تلك الكلمة حتى كان الجميع يقتحم المطبخ بشكل مفاجئ للمجرمين ولادهم على حد سواء الذي لم يكن يستوعب ما حدث :
" ايه السرعة دي، مش بتعدوا ليه ؟؟ "
في المطبخ حيث الجميع كانت النساء هادئات بشكل مثير للعجب والدهشة، عدا هالي التي ورغم تأكيد الجميع عليها أن الأمر تحت السيطرة، إلا أنها لم تستطع سوى أن تخاف، بل وترتعش خوفًا ..
فجأة انتفض الجميع في المكان على اقتحام الرجال المطبخ بشكل مخيف رافعين العديد من الأسلحة في وجوه الأربعة مجرمين، هؤلاء الأربعة الذين شعروا بالأرض تميد اسفلهم ..
ثواني وكان أدهم يقتحم المكان رافعًا المزهرية مصوبًا إياها لهم هامسًا :
" ارفع ايدك فوق يا حرامي يا زبالة منك ليه "
ورغم أن مظهر ادهم بتلك المزهرية كان يبدو شاذًا وسط أسلحة الاحفاد، وثياب ادهم البيضاء تتنافر مع سواد ملابس الاحفاد، إلا أنهم خلقوا وببساطة شديدة جو مشحون في المكان جعل المجرمين يشعرون بالرعب، إن كانت كلمة الرعب تصف ما يشعرون به حقًا في هذه اللحظة ...
ضربت هالي وجهها بيأس مشيرة لزوجها خفية :
" فاظة ؟! ماسك فاظة ايه داخل تهاجم بتاع ورد؟! نزل يا ادهم نزل الله يسامحك بوظت الدخلة "
أنزل أدهم يده وهو يقول ببسمة صغيرة :
" على فكرة أنا بس حبيت الطف الجو، بعدين هما محدش عطاني سلاح فيهم والموضوع جه على غفلة فملحتقش اجهز "
همس الشاب الصغير بأقدام ترتجف :
" يا ويلي هل اقتحمنا مقرًا للجيش"
نظر له إيكون بشر ليصمت، لكنه لم يفعل ومن اول الرحلة يتجرأ ويتحدث بصوت عالي :
" لا تنظر لي بهذا الشكل تبًا لك، أنت السبب أنت من أخبرتنا أن نقتحم تلك المزرعة مدعيًا أنها لن تكون بالأمر الكبير وسوف نسيطر عليها في ثواني ونهدد سكانها المزارعين العُزَّل، بحق الله هل هؤلاء عُزَّل ؟؟ لديهم أسلحة تنافس أسلحة الجيش الوطني "
كان يبدو أن الشاب الصغير قد فقد عقله كليًا يهذي برعب، بينما إيكون يكاد يفقد رباطة جأشه، يحاول أن يتماسك متحدثًا بتجاهل لحديث ذلك الاحمق الذي تعهد في نفسه أن يذيقه الويل بعد الخروج من هنا :
" نحن لا نريد أذية أحد، نحتاج للبقاء هنا لليلة واحدة ومعالجة اخي"
نظر انطونيو لهم من الاعلى للاسفل :
" وهل تظن أن اقتحامك لمنزلنا وتهديد نسائنا بالأسلحة هي الطريقة الأفضل لطلب ما تريد يا سيد ؟!"
كانت كلماته هادئة باردة، إذن لِمَ هذا الرعب الذي تلبس اجساد الجميع ؟؟
صاحت سيلين التي فُكت قيودها للتو بواسطة روبين :
" وايضًا قاموا بالصراخ في وجهي وتقييدي بالمقعد انطونيو "
تحدث جاكيري ببسمة مستفزة :
" هذا ليس بالشيء السييء لنعاقبهم عليه سيلين، بالعكس لولا أن كفة أخطائهم هي الراجحة، لكنت اكرمتهم لأجل مافعلوه بك "
" وماذا سأتوقع منك، أنتظر فقط حتى انتهي من هؤلاء الحمقى ثم أتفرغ لك جاكيري "
لم يجبها جاكيري يعطي انتباهه بالكامل لضيوفهم الكرام، بينما إيكون يحاول ايجاد طريقة للخروج دون أي أضرار :
" نحن لم نمس أحد هنا، لقد جئنا في سلام "
جذبت روبين يد رفقة لتترجم لها مقال، ثم صرخت بصوت معترض :
" كاذب، لقد صرخ في وجوهنا واصفًا ايانا بالغبيات والحمقى يا فبريانو، تخيل نحن غبيات ؟!"
نظر لها الجميع باستنكار لتعجبها تلك الصفة، لكنها لم تصمت وهي تقول متكتفة :
" أيضًا لقد اخافوا جميعًا هالي"
كانت تتحدث بشر وهي تشير لهم جميعًا، ليرتعش الشاب الصغير وهو يختبأ في جيفون الذي كان يشعر بالمكان يدور حوله، الإرهاق بلغ منه مبلغه، وقد نزف الكثير من الدماء ...
ثبّت فبريانو عينه أعلى الحقائب التي يضمها إيكون له بخوف وحماية كبيرة، حماية لا يمنحها حتى لاشقائه ولا لشقيقه الأصغر الذي يكاد يموت بعدما نزف الكثير من الدماء .
أشار فبريانو بمسدسه على الحقائب قائلًا بنبرة مخيفة، وقد ساهم مشهدهم وهم يحملون الأسلحة في تجميد الجميع من الخوف :
" ما هذه الحقائب ؟؟ هل سرقت شيئًا من المنزل ؟؟"
ضم إيكون الحقائب لصدره بقوة وعيون تدور في الوجوه بحنون، تلك الحقائب فقد لأجلها الكثير ولن يفقدها أيضًا ..
تحدثت هالفيتي بجدية بعدما فهمت ماقاله بواسطة السماعة التي تضعها في أذنها طوال الوقت :
" لا لا هما جم بالشنط دي ما اخدوش حاجة من البيت والله "
ردعها أدهم عن الحديث أو التحرك :
" وأنتِ بتدافعي عنهم ليه؟! أنتِ شريكة ليهم ؟!"
رفعت هالي حاجبها من حديثه وما كادت تبدي أي ردة فعل، حتى شعرت بجسدها يُسحب بقوة، إيكون يضمها لصدره بعنف شديد موجهًا فوهة السلاح أعلى رأسها لتشعر أنها ستسقط ارضًا من الرعب، ابتلعت ريقها توجه حديثها للفتيات :
" هو ده عادي برضو وبيحصل كتير معاكم، ولا المفروض اقلق ؟!"
تحدثت روبين وهي تنظر برعب لما يحدث :
" لا ابدأي اقلقي "
ضمها إيكون له لا يبصر تلك النظرات التي علت وجوه الجميع بسبب غضبه :
" لا أحد يتحرك، أنتم ستعطوني سيارة وتزودونا بطعام وتتركونا نرحل، ولن اؤذي تلك الفتاة "
نظرت هالي وهي ترتعش لادهم :
" الحقني يا ادهم ده عايز ياخدني رهينة "
"مش ده اللي بتدافعي عنه؟! اشربي بقى "
نظر له فبريانو ثواني وفي رأسه مشهد له وهو يطلق رصاصة لتتوسط رأسه، لكنه يشفق على الفتيات من رؤية هذا، تنهد بعجز يحاول فعل شيء لا يتسبب في إيذاء مشاعر الفتيات ...
" حسنًا أنت بهذا الشكل لن تنال كرم ضيافتنا، أتركها حتى لا تنال مني وجهًا آخر لن يسرك لا تضطرني للتعامل معك بشكل سييء كما تفعل "
نظر إيكون لانطونيو الذي نطق بتلك الكلمات في هيبة كبيرة وهدوء يُحسد عليه، رغم تلك العواصف التي تزين عيونه كما الجميع، ويبدو أن إيكون احسن اختيار الضحية فهي تبدو مهمة للجميع مما يرى من تحفزهم....
قال جاكيري مشيرًا لايكون بجدية :
" بحق الله انطونيو هو لا يمكن أن يكون سيئًا، لقد قيّد سيلين وكاد يقتلها "
تشدق جايك بشر :
" انطونيو نحن لا نمتلك أي كرم من الأساس "
ابتسم آدم قائلًا بسخرية لاذعة :
" نعم لكنهم لا يعلمون، ثم نحن بالفعل نمتلك كرم ضيافة، لكن بطريقتنا الخاصة "
أضاف ماركوس موافقًا :
" نعم يا جايك، نحن أكثر العائلات كرمًا، حتى مع أعدائنا "
كان ذلك الحوار اللطيف يدور أمام إيكون ومن معه الذين مازالوا يحاولون أن يجدوا طريقة للهرب من ذلك الحصار، الأمر أشبه بالوقوع داخل حفرة افاعي ....
استغل فبريانو تشتت إيكون بحديث اشقائه ليرفع سلاحه موجهًا إياه عليه، وفي ثواني فقط كانت رصاصته تستقر في كتف إيكون جوار رأس هالي التي جحظت عيناها وهي تحركها ببطء صوب ذلك الرجل الذي يمسكها تراقب الرصاصة عن قرب ليتركها إيكون بعنف صارخًا أثناء سقوطه ارضًا وتلحق به هالي التي شعرت بالدماء تنسحب من دماء وترتمي ارضًا بقوة ...
تحركت جميع أنظار الاحفاد نحوها بفزع بسبب عنف اصطدامها بالأرض، ليردد انطونيو بحنق :
" احسنت فبريانو لقد تسبب في ارعاب زهرتنا "
ركض ادهم برعب صوب هالي ملقيًا مابيده ارضًا غير مهتمًا له لتعلو صرخات سيلين تزامنًا مع تحطم المزهرية لاشلاء...
انحنى أدهم يضم جسد زوجته له :
" ام فتحي، ام فتحي حبيبتي أنتِ بخير ؟! سمعاني ؟!"
جواره كان انطونيو ينظر للثلاثة الذين فزعوا من سرعة خروج الرصاصة وإصابة إيكون الذي يتدحرج ارضًا بألم بعدما كان يتجاهل وجع أخيه ...
ابتلع الشقيق الأوسط له ريقه وهو يهمس برعب :
" هل هربنا من عصابة حقيرة لنقع مع جيش ؟!"
ابتسم مارسيلو وهو يتحدث اول مرة منذ جاء يتقدم منهم واضعًا يده على كتف الشاب الصغير :
" إذن هل تريد رؤية كيف نكرم ضيوفنا ؟!"
اسودت وجوه الجميع وهم يتحركون صوبهم بعدما تأكدوا من افاقة هالفيتي التي كانت تشير بجنون صوب إيكون:
" الرصاصة خرمت جسمه ..."
ضمها أدهم له مشفقًا عليها مما رأت، ترتعش بخوف هي لم تعتد كل ذلك، ربما نتحدث وتمزح في الأمر، لكن أن تتحدث شيء وأن تمزح شيء آخر.
تحرك الجميع صوب الأربعة رجالة الذي تجمعوا ارضًا بخوف كبير ليسمعوا صوت انطونيو يهمس بنبرة فحيح مرعبة :
" فبريانو، هم لك افعل ما تشاء بهم ....."
__________________________________
في مصر :
كانت جميع النسوة تجتمع في شقة شادية كالمعتاد، الكل يتحدث في أمور مختلفة ...
قاطعت شادية كل ذلك وهي تتناول بعض التسالي بسخرية :
" ام فتحي ؟! وهي فين ام فتحي دلوقتي ؟! دي تلاقيها عايشة مع عيال خالها اللي زي ابطال السيما ولا على بالها حد، خلينا ساكتين عشان أنا شايلة كتير "
ضحكت اشرقت بصوت عالي تلتقط كوب من أمام مريم تصب لها بعض المشروبات الغازية:
" طب بلاش لاحسن البنت تولع وهي قاعدة "
ضحكت شادية :
" يا ستي ربنا يسعدها، اهو خلاص ايام وترجع "
نظرت لمريم ثم قالت بجدية :
" قولتي يا مريم لكريم إني عايزة اكونت الولد الطويل اللي جه ياخد ام فتحي وادهم؟؟ اصل انا بعتله على الماسنجر وتقريبا عملي بلوك "
هزت مريم رأسها ببطء تحاول إيجاد حجة :
" هو يعني ...أصله يا شادية أنتِ عارفة، شادي .."
رفعت شادية حاجبها مرددة بعدم فهم :
" شادي ؟! ايه اللي دخل شادي في الحوار ؟!"
" اصل الحقيقة يعني كريم عرّف شادي وشادي قاله اوعى تديها حاجة"
استشاطت شادية وهي تنظر لمنة التي كانت تغمس قطع البسكوت في الحليب، لتشعر أن هناك نظرات موجهة صوبها، رفعت رأسها بتعجب :
" ايه بتبصي كده ليه ؟!"
فتحت شادية فمها لتجيب عليها لكن قاطع كل ذلك طرق عنيف يأتي من الخارج، نظر الجميع لبعضهم البعض بريبة قبل أن تنهض شادية راكضة صوب الباب وخلفها الجميع ...
فتحت الباب تتحرك صوب سور البناية تنظر للاسفل حيث الصوت والذي كان يصدر من الطابق الخاص بمنزل ادهم، في نفس اللحظة التي خرج بها شاكر والرجال من منزله وتحركوا صوبهم بتعجب ...
قال عوض يهبط للاسفل :
" خير يارب مين اللي هيكسر الباب ده ؟!"
تحرك خلفه شاكر بسرعة كبيرة وكذلك الرجال جميعهم، ثم شادية وخلفها الفتيات ..
وصل الجميع للطابق الخاص بادهم، ليجدوا العديد من الأشخاص يقفون أمام باب منزل ادهم، لكن ذلك لم يكن المثير للإنتباه، بل ذلك الدخان الذي كان يغشي أعين الجميع والخارج من أسفل باب منزل ادهم هو ما جعل الجميع يشهق بفزع ...
صرخ عوض بسرعة يتحرك صوب الباب رفقة شادي :
" كسروا الباب معايا بسرعة قبل ما الحريقة تاكل الشقة "
تحرك شاكر خلفه وبدأ جميع الرجال يدفعون الباب بقوة كبيرة أدت لسقوطه بعد الدفعة الرابعة تقريبًا، لكن فجأة تيبست اجساد الجميع وهم يبصرون ما يحدث أمام أعينهم، ضربت شادية صدرها بفزع :
" سترك يارب ..."
_______________
وها قد اقترب الوداع الاخير لهم ....
وها هي نهاية رحلتنا تلوح في الأفق .
رأيكم وبكل صدق في النوفيلا ككل بما إن النهاية اقتربت ؟!
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رحمة نبيل
اضحى المطبخ فارغًا من المجرمين بعدما أعطى انطونيو الكارت الاخضر لفبريانو حتى يتصرف بهم كيفا شاء، ودون ثانية انتظار واحدة كان فبريانو يقودهم خارج المطبخ حتى يلهو رفقتهم كما يحب ..
غرق المطبخ في الصمت بعد رحيلهم، وقطع ذلك دخول اليخاندرو والذي تعمد التأخر حتى ينتهي أحفاده من هؤلاء الرجال، وكي لا يُعرض صغيره الحبيب قاسم لأي مشاهد قد تضر بطفولته وبرائته ...
لكن بمجرد دخوله ورؤيته لحفيدته الحبيبة تجلس ارضًا مرتعشة بين احضان زوجها حتى ترك الصغير قاسم ارضًا بحنان مهرولًا صوبها جاذبًا إياها من بين احضان ادهم لخاصته :
" حبيبة جدك ما بكِ؟! هل فعل لكِ أحدهم شيئًا ؟! هل رفع أحدهم يده عليكِ أو لمسك ؟!"
كان يتحدث وهي فقط تستكين لاحضانه بخوف، ليرفع اليخاندرو عينه لهم بغضب مخيف هامسًا وكأنه يتوعدهم :
" أين هؤلاء القذرين ؟؟ نادوا لي فبريانو "
تنحنح انطونيو وهو يقول بتردد :
" جدي فبريانو هو من تسبب في حالتها تلك "
رفع له اليخاندرو رأسه بتعجب، ليسترسل مارتن في قص ما حدث محاولًا بقدر الإمكان أن يُحسن من موقف أخيه:
" هو لم يقصد بالطبع، لكن ذلك الرجل كان يمسك بهالي بين يديه يهددنا بها، وأنت تعلم فبريانو هو امممم كيف اقولها، لم يتحكم بيديه فأصاب المجرم بخدش صغير وهالي خافت من رؤية ذلك الخدش الصغير، اعتقد انها تعاني من مشاكل مع الخدوش... "
اكمل اليخاندرو بسخرية :
" الصغيرة ؟!"
" نعم جدي هذا هو، نعم هي تخاف من الخدوش الصغير، أليس كذلك هالي عزيزتي ؟!"
رفعت هالي رأسها له مرددة بخوف :
" لا "
أشار لها مارتن ببسمة :
" ها رأيت تخبرك أنني محق "
هز آدم رأسه وهو بوضح ما قالته هالي:
" لكن اخي هي تقول ا...."
وتوقف عن إكمال جملته بسبب قبضة مارتن التي توسطت معدته بقوة راميًا إياه بنظرة مخيفة هامسًا :
" أتريد أن يولد اطفالك بلا أب "
أمسك آدم معدته بوجع هامسًا من بين أسنانه :
" وكيف يولدون بدون أب يا احمق "
" فبريانو سينتظر حتى يُولدوا ثم يقتلك "
هز اليخاندرو رأسه بحنق على احفاده وبعدها ساعد هالي في النهوض، ثم جذبها معه للخارج والجميع لحق بهم عدا روبين التي نظرت لاثرهم، ثم ابتسمت وهي تخرج من الباب الخلفي تركض في الجهة التي رحل لها فبريانو ...
في الخارج التف الجميع حول اليخاندرو الذي كان يضم هالي بين أحضانه، الجميع يحاول أن ينسيها ما رأت، مدركين جيدًا أن كل ذلك جديد عليها عكس زوجاتهم اللواتي اعتدن اصوات الأسلحة أكثر من اعتيادهم لزقزقة العصافير في كل صباح، واعتادوا مظهر الدماء أكثر مما اعتادوا رؤية الأمطار في الشتاء ..
مدّ مايك يده يربت على رأس هالي، ثم انحنى منتويًا تقبيل رأسها بحنان، ليجد فجأة وجهه يُدفع للخلف بقوة وصوت أدهم يصدح بصدمة :
" أنت بتعمل ايه !!"
" ماذا ؟! لم افهمك "
لوح أدهم بيده في وجه مايك صارخًا بجنون :
" إن شاء الله عنك ما فهمت، عايز تبوس راسها ؟؟ ده أنا جوزها وبتكسف اعمل كده على العام، هو أنت ايه مفيش دم خالص ؟!"
لم يفهم مايك ما يقول أدهم لكنه رغم ذلك تحدث بهدوء مشيرًا لهالي:
" لا تقلق أنا كنت سأقبل رأسها فقط اقسم "
" فقط ؟! مالك بتتكلم كده كأنك بتمن عليا كده؟! ده أنت ناقص تقولي عشان خاطرك بس مش هـ"
ولم يكد يكمل حديثه حتى قاطعه مايك مشيرًا خلفه حيث تقبع زوجته بين احضان جدها :
" ها لماذا تصرخ بوجهي تاركًا ماركوس يقبلها ؟!"
استدار أدهم كالرصاصة للخلف ليبصر ماركوس على وشك الانحناء مقبلًا رأسها، انطلق صوبه صارخًا بجنون دافعًا ماركوس بعنف بعيدًا عن زوجته وهو يصرخ في ماركوس الذي لم يفهم ما به ولم يكن يدرك أن صراخه في مايك سببه ما كان هو عللىوشك فعله :
" هو أنت أعمى مش شايفني لسه بزعق للتاني عشان كده تقوم أنت تعمل نفس اللي كان هيعمله ؟!"
استدار صوب وجه زوجته التي كانت لا تعي بما يحدث حولها :
" الاحق عليكِ منين ولا منين، ايه العيلة اللي كل حاجة تبوس دي، مش عارفين تواسوها بالكلام ؟! متعرفوش كلمة معلش ؟!"
أنهى حديثه يجذبها من بين أحضان اليخاندرو قائلًا :
" معلش يا جدو هات مراتي كده، والله لاحاوطها باسلاك شائكة بعد كده، تعالي يا استاذة "
أنهى حديثه جاذبًا إياها بين أحضانه راميًا الجميع بنظرات مشتعلة لتعلو ضحكات مارتن الصاخبة في المكان شاركه بها مارسيلو الذي قال :
" حسنًا يا رجال، اعتقد أنه يغار على اميرتنا الصغيرة، لذلك لا تقبلوها اكتفوا بالاحضان فقط "
صرخ أدهم بجنون :
" ولا صباع واحد يترفع عليها سامعين "
رفع مارسيلو حاجبه بحنق مرددًا :
" ما الذي يقوله ذلك الرجل آدم ؟!"
نظر آدم لادهم قائلًا بهدوء :
" يخبركم ألا تقتربوا منها أبدًا "
استاءت ملامح جايك الذي قال بتذمر كبير :
" هذا ليس عدلًا هي شقيقتنا أيضًا، هو لا يمتلكها "
وخرج صوت أدهم مؤكدًا :
" بلى أفعل، هي زوجتي أنا، ولي وحدي، واشكروا ربكم أنني أسمح لكم برؤيتها "
رفع جاكيري حاجبه لا تعجبه تلك النبرة التي يتكلم بها أدهم وكذلك انطونيو، لكن انطونيو ليس من ذلك النوع الذي يحب الاستفزاز، هو ليس فبريانو والذي إن كان هنا يقسم أن لا أحد كان سيستطيع اخراج هالي من أحضانه بعدما يحتضنها عنادًا بزوجها فقط ...
فجأة قطع كل تلك النظرات صوت رنين هاتف أدهم بنعمة معروفة للجميع، فقد كان أحدهم يرنّ عليه باستخدام تطبيق التواصل الاجتماعي Facebook، أخرج هاتفه بتعجب ومازالت يده تضم كتف زوجته بحماية، ليرى أن من تتصل به لم تكن سوى أم علي، دخل بسرعة على الرسائل الخاصة بها ليبهت وجهه فجأة مما قرأ وتتسع عينه برعب ...
انتبهت هالي لنظرات زوجها :
" مالك يا ادهم؟! فيه حاجة ولا ايه ؟!"
نظر لها أدهم بعجز لا يدري ما يقول، إلا أنه ابتلع ريقه مرددًا بصدمة وقلبه يقرع بقوة :
" في حريقة كبيرة مسكت في بيتنا ........."
_____________________________
كان الجميع يحاول السيطرة على الحريق الذي نشب دون أي مقدمات وبطريقة مجهولة، سليم يركض على الدرج بجنون ليحضر مطفأة الحريق من جميع المنازل، بينما بدأ شادي وكريم في إحضار دلاء المياه واعطائها لشاكر وعوض اللذان كانا يحاولان تدارك الأمر ...
بينما حدّثت شادية المطافئ وهي تبكي بخوف، وجميع النساء يبكين برعب على الدرج المقابل لمنزل أدهم والذي يؤدي للأعلى ..
استمرت شادية في البكاء والدعاء بخوف :
" يا رب لطفك يارب، لطفك يا رب "
عاد سليم يحمل بين يديه أربعة من مطفأة الحريق وهو يركض صوب المنزل يعطي الجميع واحدة وفي ثواني بدأ الرجال يحاولون إطفاء الحريق قبل أن يعلو صوت وصول المطافئ ..
الأمر تم في دقائق معدودة، تم إطفاء الحريق بعدما أكلت النيران المنزل بالكامل ولم يتبقى سوى القليل فقط مما نجى، بدأ الجميع يضرب الكفوف حسرة على ما حدث في منزل ادهم، وبدأت الهمسات تعلو متسائلة عن أسباب الحريق .
لكن أفراد العائلة لم يهتموا لكل ذلك بقدر اهتمامهم بما حدث وبتدمير مسكن أدهم وعائلته .
ضرب عوض كف بالآخر مستغفرًا ربه :
" لا حول ولا قوة إلا بالله، لطفك بعبادك يارب "
ردد شاكر بهمس ورضا :
" اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيرًا منها، الحمدلله قدر ولطف ومكانش حد في البيت "
حركت شادية عينيها في المكان وهي تقول ببكاء وقهر :
" البيت مبقاش فيه حاجة سليمة، ده لو ادهم عرف هيروح فيها، ده آخر حاجة فضلت ليه من أمه "
جلس سليم ارضًا يستند على الجدار واضعًا رأسه بين يديه، يحاول أن يتمالك نفسه، قلبه يتشقق جزنًا كلما تخيل عيون ادهم عندما تبصر ضياع مسكنه بهذا الشكل .
سقطت دموع كريم دون شعور وهو يتذكر صرخاتهم وضحكاتهم التي كانت ترن بين جدران المنزل، يتذكر سهراتهم على تلك الأريكة، تمددهم على هذه الأرضية، ركضهم بين الغرف، كل تلك الذكريات تلاشت مع رماد المنزل .
صوت الماضي يتردد في أذنه بقوة وكأنه كان البارحة ...
********
" يعني أنت بتطردني يا ادهم ؟! دي اخرتها ؟؟ الاقيها منك ولا من ابويا اللي مشردني"
" اه بطردك وإياك تعتب بيتي تاني يا زبالة، يلا ياض من هنا، واقولك خد الاتنين التانيين دول معاك، وبيتي الطاهر ده رجلك متدبش فيه "
" ماشي ماشي خليك فاكرها يا أدهم بكرة تتحوج ليا واطردك نفس طردة الكلاب دي، واه على فكرة اللانشون اللي جبته ليك فاسد "
فتح أدهم الباب بعنف وهو يركض صوب كريم الذي صرخ يصعد درجات المنزل بسرعة كبيرة وخلفه ادهم الذي صاح فيه بشر :
" ليه جايبه عشان تسم فار، طب والله تستاهل اللي ابوك بيعمله فيك يا كريم"
سمع الاثنان صوت غلق الباب الخاص بمنزل أدهم، نظر أدهم لكريم بتعجب كبير قبل أن يركضا على الدرج حتة وصلا ليجدا سليم قد أغلق الباب، طرق ادهم الباب بعنف :
" أفتح الباب يا سليم، افتح هو بيت ابوك، افتح يا زفت "
ارتفع صوت سليم من الداخل :
" اه بيت ابويا واتفضل أنت وهو روحوا شوفوا مكان تاني يلمكم مش ناقصين قرف على المسا"
ضرب أدهم الباب بشر صارخًا :
" يا ابن الـ..."
نظر لكريم ضاربًا إياه في كتفه بغيظ كبير :
" عجبك؟! كل ده بسببك خليت واحد زي سليم يبلطج عليا ويطردني من بيتي "
فرك كريم كتفه بغيظ :
" وانا مالي مش أنت اللي طردتني، وكل ده ليه ؟! عشان وقعت عصير على الكنبة "
" الكنبة دي اللي مش عجباك اغلى منك، دي امي اللي عملت الغطا بتاعها بايدها "
صمت كريم بخجل، ثم تشدق :
" والله يا أدهم كان غصب عني، شادي هو اللي ضحكني فوقعت الكوباية غصب عني، حقك عليا والله هاخده اخلي امي تغسله ليك "
أدعى ادهم الغضب :
" وابقى خد معاك الهدوم بتاعتي برضو "
ضحك كريم يضم أدهم بحب مقبلًا وجنته :
" عيوني ليك ده انا اغسلهملك بايدي يا جدع أنت بتقول ايه بس "
ابعد أدهم كريم عنه مدعيًا الاشمئزاز :
" بطل بوس يا زفت مش بحب كده "
لكن كريم عانده وهو يضمه أكثر في نفس الوقت الذي فتح به شادي الباب وهو يغمز لها :
" خلاص اتصالحتوا؟! يلا أدخلوا قبل ما سليم يخلص الاكل "
دفع أدهم شادي بقوة وهو يقتحم المنزل راكضًا صوب سليم متوعدًا له :
" بيت ابوك هو يا سليم تطردني منه؟! ده بيتي أنا وانا رئيس جمهورية البيت ده وأنتم شوية رعاع عندي يا معفنين، مش كفاية أنه هو اللي بيلمكم لما تنطردوا زي المتشردين من بيوتكم ؟!"
ارتفعت ضحكات الجميع على حديث أدهم يتابعون ركض ادهم في طرقات المنزل خلف سليم الذي كان يحاول الهرب منه ..
********
فاق كريم من شروده دافنًا رأسه بين قدميه يخشى تخيل تلك اللحظة التي يعلم بها أدهم أن ذلك المنزل الذي تركت به والدته بصماتها قبل الرحيل قد تدمر كليًا .
ارتعشت يد شادي وهو يضعها على فمها يحاول كتم شهقاته، وعوض جواره يحمل مسبحته مستغفرًا ربه، بينما شاكر يرمق ما حصل للمنزل بعجز...
وصوت شهقات مريم هو ما يمكن سماعه في المكان، تبكي بين احضان اشرقت التي كانت تحاول أن تهدأها غير قادرة على تهدئه نفسها، ومنة تضم جميع الأطفال لاحضانها محاولة التماسك لأجلهم..
" هنفضل نبكي على الاطلال كتير ؟؟"
انتبه الجميع لصوت شاكر الذي لملم شتات نفسه سريعًا لتدارك الوضع حتى يخرجوا من تلك الكارثة :
" قوموا معايا خلينا نحاول نرجعه زي الاول قبل ما ادهم يرجع، باقي كام يوم نقدر نعمل فيهم كتير "
نظرت شادية للمنزل بدموع :
" بس البيت كله راح يا شاكر، ده محتاج يتأسس من الاول وجديد "
حرك عوض حبات سبحته بين أصابعه وهو يردد بهدوء :
" خير يا امي خير، أنا معايا قرشين كده كنت شايلهم لوقت عوزة واهم جه وقتهم "
هز شاكر رأسه وقد بدأ الجميع يتمالكون أنفسهم :
" كويس وانا عندي ارض في البلد هبيعها "
نهض كريم من مكانه يردد بلهفة ماسحًا دموعه بسرعة وحماس وكله أمل أن ينجح الجميع في إصلاح ما تلف قبل عودة ادهم :
" وانا يابابا الفلوس اللي شايلها معاك خدها وكمل عليهم "
بدأ الجميع يعرض مساعدته لإحياء منزل أدهم مجددًا، ذلك المنزل الذي ضمهم لسنوات عديدة وضم بين أركانه ذكريات لا تعوض بكنوز الدنيا .
سارع سليم بالتحدث :
" وانا كان عندي وديعة هفكها برضو "
وافقته مريم الحديث :
" وانا كمان يا سليم فك الوديعة بتاعتي أنا كده كده مش بعمل بيها حاجة "
ابتلع شادي ريقه وهو يقول :
" الشقة اللي ورثتها من امي في بولاق لو بيعتها ممكن برضو تجبلنا مبلغ كويس "
نظرت شادية لشاكر مرددة بلهفة ورجاء :
" كده كفاية يا شاكر صح "
ابتسم لهم شاكر يردد :
" كفاية يا شادية، كفاية اوي إن شاء الله منحتاجش اكتر "
اجابته شادية غير مهتمة :
" ولو احتجنا مش مشكلة، أنا كمان عندي ارض في البلد هخلي عوض يبيعها "
نظرت منة للجميع قائلة بتردد :
" لو احتجنا فلوس تاني أنا ممكن اخد من حسابي في البنك، كان معايا فلوس من ايام ما كنت بشتغل ومش بستخدمهم "
ابتسم لها شادي بامتنان، لتشعر أشرقت بالخجل وهي لا تمتلك ما يمكن أن تقدمه، لا أملاك لبيعها ولا أموال لدفعها، كل ما تملكه هو ذلك الذهب الذي اهداه لها سليم وقت زفافهم :
" دهبي اللي جابه سليم أنا مش بلبسه ممكن ابيعه و.."
قاطع شاكر حديثها ببسمة أبوية حنونة :
" مش هنحتاجه يا اشرقت ولا هنحتاج فلوس منة ولا وديعة مريم، اللي معانا يكفي يابنتي كل واحدة تخلي فلوسها معاها لوقت ما تحتاجهم هي "
أنهى حديثه وهو ينظر للجميع ثم تنفس بصوت مرتفع قبل أن يقول :
" بكرة نحاول نسحب الفلوس وهنتفق مع عمال يجوا يشتغلوا في الشقة بس دلوقتي عايزة نحاول نشوف الحاجات اللي نجت من الحريقة ونخرجها نحطها عند شادية، والباقي نخرجه نحطه في المخزن اللي في مدخل العمارة تحت، ونستنى نشوف أدهم هيعمل معاهم ايه "
نظر لوجوه الجميع الذين دبّ الحماس بين اوردتهم وقال ببسمة :
" يلا خلينا ننجز ...."
____________________
هل يمكن أن تمثل رأس شخصٍ ما ثُقل العالم كله، رأسه التي تتكأ على كتفها تشعرها كما لو أنها تحمل جبلًا أعلى كتفها، هل هي الهموم التي اثقلتها أم أن حزنها هو من اضعفها لدرجة ألا تتحمل أن تحتل قشة كتفها وليس رأس زوجها .
لا تدري كيف تم الأمر لتجد نفسها في طائرة عائلتها محاطة بالجميع دون استثناء متجهين صوب وطنها، لا تدرك حتى ما حدث بمجرد أن انطلقت تلك الجملة من فم زوجها ومع تصلب زوجها، حدث كل شيء فجأة لم تشعر كيف خرجت من المزرعة رفقة العائلة وكيف صعدت للطائرة، كل ما تشعر به هي تلك الأنفاس الحارة التي تخرج من فم زوجها، تشعر بوجعه، فهي أكثر من تدرك مكانة كل ركن من ذلك المنزل له، تتذكر تلك اللحظات التي كان يقص عليها ذكرياته مع والدته وأصدقائه في كل ركن به .
سمعت همساته تعلو جوار أذنها وهو يردد " الحمدلله " دون تواني منذ علم ما حدث، لكن صوته الآن كان مختنقًا، مختنقًا كما لو كان ...يبكي .
مدت كفها تحتوي وجهه الذي يدفنه في كتفها تربت عليه بحنان تحاول أن تخفي حزنه داخلها، أن تمتص دمعاته، أن تمنع الآخرين من رؤية ضعفه، هو لا يحب أن يرى أحدهم لحظات انهياره وهي ستعمل على ذلك .
نظرت حولها لترى أن جميع افراد عائلتها كانوا يعطونهم ظهورهم احترامًا لتلك اللحظات التي تمر بها ابنة عمتهم .
وقاسم يقبع بين احضان اليخاندرو نائمًا بكل راحة لا يدري ما يحدث حوله، يتمتم بهمسات طفولية من بين أحلامه ويد اليخاندرو لا تتوقف عن التربيت عليه بحب ...
وفي الخلف كان نفس المشهد يُعاد مع هالي وادهم، فقد كانت هالي تربت على زوجها الذي يتمتم بالحمد وبهمسات غير مفهومة كالمحموم ..
سقطت دموعها وهي تميل برأسها تقبل خاصته :
" كل حاجة هتكون بخير يا ادهم، كل حاجة هتكون بخير يا حبيبي "
ضغط أدهم على خصرها بواسطة يده التي كانت تحيطه يهمس ولسانه لم يتوقف عن اللهج بالحمد :
" اللهم اجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها "
وما هي سوى ثلاث ساعات وبضع دقائق حتى صدح صوت جاكيري في المكبر يطلب من الجميع ربط الأحزمة للهبوط، وبالفعل بعد دقائق استقرت الطائرة على أرضية مصر .....
خرج الجميع من الطائرة واحدًا تلو الآخر، صعد أدهم وهالي في سيارة مارتن الذي طلب أن يتحرك هو بهما بعدما تسلم الجميع السيارات التي طلبوها من إحدى شركات الإيجار في القاهرة ...
راقب اليخاندرو سيارة مارتن تتحرك بهالي وزوجها و جولي كذلك ..
نظر لهم بأعين غامضة ثم قال بجدية ونبرة متوعدة قبل أن يتحرك مبتعدًا بقاسم :
" اريد معرفة سبب تلك الحادثة وإن كانت بالفعل حادثًا ام لا ......"
نظر جميع الاحفاد لبعضهم البعض قبل أن تتسع بسمة الجميع بشكل مخيف ليغمز لهم فبريانو جاذبًا له روبين بحب :
" حسنًا احبائي، آخر من يعلم سبب ذلك الحريق خاسر "
أنهى كلماته جاذبًا روبين له متحركًا صوب أول سيارة وجدها دون الاهتمام لنوعيتها بينما روبين تنظر له بحماس :
" هنعمل ايه ؟؟"
نظر لها بحاجب مرفوع لا ينسى تسللها خلفه وافسادها لاستمتاعه في المزرعةؤ حيث اقتحمت عليه المكان وهي تراقبه وما يفعل ليضطر إلى حملها بعيدًا بعدما كانت متشبثه به كالعلقة :
" سنستمتع ارنبي الوردي "
راقب انطونيو رحيل سيارة فبريانو ليبتسم بسمة جانبية وهو يضم روما له برفق يميل مقبلًا وجنتها بحنان:
" أنتِ بخير صحيح ؟!"
" نعم انطونيو لا تقلق، هذه المرة التاسعة التي تسألني بها منذ هبطنا "
سحبها انطونيو خلفه صوب إحدى السيارات الكلاسيكية الحديثة مرددًا :
" حسنًا لنكملهم عشر، هل أنتِ بخير الآن"
ضحكت روما ضحكة خافتة وهي تهز رأسها بيأس، بينما كان الجميع ينظر لهما...
سحب جاكيري رفقة لدرجة نارية طلبها خصيصًا لأجله، وقف أمام الدراجة وهو يميل ململمًا خصلات شعر رفقة ثم أعاد خصلاتها الامامية للخلف وبعدها وضع الخوذة أعلى رأسها يغلقها بحنان هامسًا :
" إذن رفكة هل أنتِ مستعدة ؟!"
هزت رفقة رأسها بلا وهي ترتعش منذ رأت تلك الدراجة، ابتسم جاكيري وهو يجذب وجنتها بمشاكسة :
" حسنًا إذن لنتحرك ونرى ما حدث "
صعد وصعدت هي خلفه تتمسك به بقوة وكأنها ستطير، وقد كان ذلك حقيقة....
بينما الباقيين كمايك ومارسيلو وماركوس وآدم وجايك، كلٌ أخذ زوجته في سيارة ثم تحركوا بسرعة كبيرة خلف بعضهم البعض وكأنهم أسطول ..
_______________________
توقفت سيارة مارتن أمام المنزل الخاص بهالي وعائلتها حسب تعليمات هالي ووصفها للطريق، فـ ادهم في هذه اللحظة لم يكن يعي ما حوله، بل كان جسده يطوف على سطح محيط ذكرياته الخاصة به وبوالدته...
هزت هالي جسده برفق :
" أدهم حبيبي، وصلنا "
رفع ادهم رأسه لها، ثم منحها بسمة لم ترها ترتسم يومًا على فمه، فلطالما كانت البسمات التي يوجهها لها أدهم هي اصدق البسمات وارقها، لكن تلك كانت مصطنعة بشكل جلب الالم لها.
هبط ادهم من السيارة، ثم تحرك دون كلمة صوب الاعلى بينما تحدثت جولي وهي ترمق رحيله بشفقة :
" هالي هل سيكون زوجك بخير ؟؟ أشعر أنه على وشك الانهيار "
نظرت هالي لأثر أدهم تحاول تمالك دموعها لتمنح جولي بسمة تبعتها بحديث تدري أنها لن تفهمه :
" هيكون بخير، هو مر بكتير وعدى بمنعطفات كتير، وده هيمر زي ما كل شيء بيمر "
وداخل البناية كان أدهم يتحرك بخطوات رتيبة صوب المنزل وملامحه جامدة وكأنه ليس ذلك الذي كان يتألم منذ ساعات قليلة وعلى وشك الانهيار حزنًا، الأمر لا يتعلق بمجرد جدران ومنزل، بل يتعلق بطفولته، ذلك المنزل ضم ذكرياته الوحيدة الجيدة خلال طفولته قبل أن تتدمر بموت والدته، كان المكان الوحيد الذي احتوى سعادته وحزنه، المكان الوحيد الذي تركت به والدته أثرها، كل ركن به يحمل رائحتها ...
سقطت دمعة دون أن يشعر وهو يتمنى لو كانت تلك مجرد مزحة سخيفة من ام علي، لكن بمجرد أن وطئت قدمه الطابق الذي يقبع به منزله ورأى ذلك اللون الأسود الذي احتل جدران منزله حتى أدرك أنه حقيقة .
خطى بهدوء صوب المنزل ليرى الباب الخاص به ملقى جانبًا وهناك العديد من أثاث المنزل المتفحمة مستقرة على جانبي الباب خارجًا .
دخل بقلب يرتجف حزنًا يحاول تلمس أي أثر لمنزله ومخبئه الآمن والدافئ لكن كل ما قابله هو سواد، سواد أزاح بعتمته نور ذكرياته ..
دارت عينه في المكان وصوت صرخات وضحكات والدته تترد في أذنه، والدته الحبيبة، اول امرأة احبها في هذا الكون ....
" أدهم أنت جيت امتى ؟؟"
وكان ذلك الصوت الصادر من إحدى غرف منزله والذي يخص شادي هو الفيصل بينه وبين الغرق في حزنه، استدار ينظر لشادي يحاول رسم بسمة صغيرة :
" سمعت أن البيت وحشه وجودي لدرجة أن نار الشوق مسكت فيه وفحمته "
أنهى حديثه بضحكة خافتة لم يستطع أن يخفي بها حزنه، ولن يستطع...
اندفع له شادي يجذبه لاحضانه بقوة يربت على ظهره بحب :
" هيرجع زي الاول واحسن، متقلقش والله احنا هنـ"
قاطعه أدهم وهو يردد بوجع تخلله شهقات مكتومة :
" مفيش أي حاجة خرجت سليمة ؟! أي حاجة ؟؟"
ابتعد عنه شادي ولم يكد يجيبه حتى ارتفع صوت كريم الذي دخل لتوه إلى المنزل بعدما كان مع سليم ليخرجوا الاشياء التي نجت من الحريق ويضعونها في منزل عوض :
" أدهم؟!!"
اقترب سليم في نفس الوقت ليبصر وقوف أدهم بصدمة في منتصف المنزل، ابتسم لهم ادهم بسمة صغيرة ثم تجاهل كل شيء وهو يتحرك صوب إحدى الغرف دون كلمة واحدة أو دون أي ردة فعل، اغلق الباب خلفه بقوة ثم انهار ارضًا وقد اختلى بنفسه أخيرًا، بينما الجميع في الخارج يشعرون بالوجع .
نظرت شادية للجميع بتعجب بعدما سمعت صوت قرع الباب القوي :
" واقفين كده ليه؟! ومين اللي هبد الباب بالشكل ده هو الابواب ناقصة ؟!"
تحدث سليم وهو مازال ينظر للباب الذي اغلفه أدهم وقال بشرود :
" أدهم جه "
شهقت شادية بفزع وهي تنظر لذلك الباب :
"جه ؟! مين اللي قاله ؟؟ مش قولنا محدش يبلغه "
مسح شادي وجهه بتعب :
" يعني هيكون مين يا شادية، احنا كلنا اساسا من وقت الحريقة واحنا بنحاول نخلص الدنيا هنا، واكيد محدش فينا غبي يقوله، تلاقي حد من الجيران هو اللي بلغه "
جلست شادية بتعب على الأريكة والتي كانت قد طالها الحريق كذلك، لكنها ما تزال قائمة :
" ياضنايا يابني ياللي حظك في الدنيا قليل "
استغفر كريم ربه وهو يردد :
" ده قدر ومكتوب ليه يا شادية مش هنعترض على مشيئة ربنا "
استغفرت شادية ربها وهي تمسك طرف حجابها تمسك بها دموعها التي بدأت تتساقط مجددًا :
" اعمل ايه يابني قلبي متقطع من الزعل عليه، تلاقيه يا حبة عيني منهار دلوقتي، أنا اكتر واحدة عارفة هو متعلق بالبيت ده ازاي، من وقت ما رجع بعد موت أمه وهو كان دايما يرفض يغير أي حاجة فيه ويقولي دي من ريحة امي ومش حابب اغيرها "
في نفس الوقت وأثناء حديث شادية دخلت هالي المنزل وهي تبحث بعينها عن أدهم:
" هو أدهم فين !!"
استدار الجميع لها لتنهض شادية بلهفة وهي تقترب منها تضمها بين أحضانها:
" هالي يا حبيبتي حمدالله على سلامتكم ياقلبي "
" الله يسلمك يا شادية، هو أدهم مش جه؟!"
سقطت دموع شادية مجددًا مشيرة للغرفة حيث شجن أدهم نفسه :
" جه وحابس نفسه في الاوضة يا حبة عيني، أنا بس مش عارفة مين اللي قاله، كنا هنحاول نصلح البيت من غير ما يعرف "
نظرت لها هالي بتعب وهي تتحرك صوب باب الغرفة تطرقه بحنان :
" أدهم، أدهم افتحلي الباب أنا أم فتحي يا أدهم"
لكن لم يصل لها رد سوى ارتفاع صوت شهقات أدهم الذي لقى صداه في القلوب كلها حتى بدأت موجة الحزن تكتسح شواطئ الجميع مرة أخرى بعدما تمالكوا أنفسهم بصعوبة كبيرة ...
دخل مارتن وجولي المنزل ليسوءهم ما حدث به، حرك مارتن عينه في المكان بحزن، ربما لو كان هو في موقف أدهم لحزن كما فعل الاخير، خاصة بعدما علم مكانة المنزل لديه .
شهقت جولي بحزن وهي تحرك عينها بحزن قبل أن تقع على هالي التي كانت تبكي مستندة برأسها على أحد أبواب المنزل وحولها العديد من الأشخاص والجميع ينادي باسم أدهم.
فجأة امتلئ المنزل بأفراد عائلة اليخاندرو الذين وصلوا لتوهم بعدما أعطى اليخاندرو الصغير لروبين والفتيات وارسلهم رفقة ماركوس لقصر العائلة الذي يحتفظون به هنا، فهو لا يريد للصغير أن يبصر بعينه ما حدث في المنزل الذي نشأ به .
نظر اليخاندرو للجميع ثم أشار لهم بعينه :
" اعلموا لي من وراء كل ذلك، لا يعقل أن حريق كهذا نشب دون شرارة، وهذه الشرارة لن تشتعل وحدها اعزائي "
نظر مارتن نظرة أخيرة لهالي ثم قال :
" سوف أهبط واحاول البحث عن كاميرات مراقبة بالقرب من المنزل، فبريانو تعال معي فلن استطيع التواصل مع أحد"
تحرك معه فبريانو، وكذلك انطونيو والجميع وقد احترقت صدروهم بالغضب بعدما رأوا انهيار ابنة عمتهم ودمار منزلها الوحيد، الأمر اشعل فتيل جنونهم، أن يستغل أحدهم غيابهم ليدمر كل ما يملكونه وكأنهم سنجون بفعلتهم ...
تحرك اليخاندرو صوب هالي التي كانت تبكي أمام الباب تترجى أدهم أن يفتح لها، فجأة شعرت برأسها تستند على صدر أحدهم، رفعت عينها لجدها تهمس بوجع :
' أدهم يا جدو، مش راضي يفتحلي "
ضمها اليخاندرو بحب مقبلًا رأسها :
" يعز على جدك دموعك أميرتي، اقسم إن كان ذلك قد حدث بقصد، سوف اقتص لحزنك ولحزن زوجك عزيزتي "
بكت هالي أكثر والجميع حولها ينظر لها بشفقة، لا أحد ما يجب فعله، غير أن سليم تحدث محاولًا تهدئتها:
" اهدي يا هالي والله كل شيء هيتحل، احنا اهو كلنا هنساعد بعض والبيت هيرجع أحسن ما كان "
نظرت له هالي بدموع مرددة :
" أنا ميهمنيش البيت يا سليم، أنا يهمني أدهم"
ودت لو تخبره أن أدهم هو منزلها ومسكنها الوحيد، لا يهم تحت أي سقف تعيش طالما أنها تتنفس بقايا انفاسه، لا يعنيها في أي أرض تستقر طالما كان هو جوارها يضمها لصدره مربتًا عليها بحنان، ادهم هو سكنها ومسكنها .....
فجأة انتفض الجميع على صوت فتح الباب ليظهر أدهم بعدما انتهى من انهياره بعيدًا عن الأعين، ثم تمالك نفسه وخرج لهم، نظرت له هالي بلهفة وهي تهمس :
" أدهم"
وقبل أن تتم جملتها كان الأخير يفتح لها ذارعيه بحنان كبير يستقبلها بينهما بحب، يربت عليها، ولا يدري أيواسيها أم يواسي قلبه ؟!
همس لها بحب :
" كل شيء هيكون كويس، هنرجع بيتنا زي ما كان وأحسن"
" ميهمنيش يا ادهم والله لو هنعيش في عشة بس اكون معاك "
ابتسم ادهم ثم قال محاولًا تلطيف الأجواء :
" طب نستأذن شادية في عشة البط بتاعتها وناخدها أنا وأنتِ والواد فتحي "
ضحكت هالي بصخب من بين دموعها تدرك جيدًا ما يحاول اخفاءه خلف مزاحه ومرحه :
" أنت صدقت، ده كلام بيتقال في لحظة حماس كده"
ابتسم أدهم بحب يضمها لقلبه مجددًا ثم تساءل فجأة موجهًا حديثه لاليخاندرو :
" أين قاسم ؟؟ "
" لا تقلق لقد ارسلته لمنزلنا مع النساء هن ستعتنين به "
شعر أدهم بضربة عنيفة فجأة على كتفه تبعها صيحة سليم القوية :
" أنت ايه اللي جابك دلوقتي عايز افهم، مش قولت هتقعد اسبوعين ؟!"
نظر له ادهم أثناء فرك كتفه بوجع، وملامح الحنق تملء وجهه :
" هو ايه أصله ده ؟؟ ده بيتي اللي اتحرق يا زفت "
تدخلت شادية قائلة بتوعد وشر :
" مين ده اللي قالك اساسًا أنه البيت حصله حاجة ؟!"
" فيه ايه يا جماعة هو أنتم ليه مستغربين اني عرفت أن بيتي ولع؟! ما هو بيتي، بعدين ام علي هي اللي قالتلي على الماسنجر "
تحدثت شادية بشر وتوعد مبطن :
" الله يسامحك يا أم علي، والله لاوريكِ"
همس كريم بغيظ :
" والله لاحسرك على الاكونت بتاعك واقفلهولك"
صدح صوت شاكر في المكان بتعجب بعدما أبصر وجود ادهم:
" أدهم أنت جيت امتى ؟؟"
نظر له ادهم ببسمة صغيرة باهتة:
" لسه من شوية يا شاكر، وحشتني فقولت اجي اشوفك "
ابتسم شاكر يقترب منه معانقًا إياه بحنان ابوي كبير :
" متزعلش نفسك، والله لارجعلك البيت احسن من الاول، أنا اساسا كلمت عمال كتير عشان البيت واتفقت معاهم ومن بكرة هيبدأ الشغل في البيت "
هز أدهم رأسه وقد استحكمت غصة حلقه :
" أنا مش عايزة احسن من الاول يا شاكر، أنا نفسي يرجع زي الاول "
ربت شاكر على كتفه بحنان :
" هيحصل يا حبيبي متقلقش من حاجة أنت وراك رجالة "
أنهى حديثه يشير لرفاق أدهم الذين ابتسموا له بحب ليبادلهم أدهم البسمة وهو يفتح لهم ذراعه مرددًا :
" وحشتوني والله "
انطلق الثلاثة بقوة صوب أحضان أدهم ليعود أدهم للخلف بصدمة من اندفاعهم القوة :
" براحة منك ليه هتكسروني، أنا لسه داخل على تجديد بيت وموال طويل "
ردد شادي بحب ومؤازرة :
" متخافش يا أدهم الحمل خفيف لو اتقسم يا صاحبي "
ابتسم له ادهم بحب ليسمع صوت اليخاندرو يقول بجدية :
" إذن ادهم أنت سوف تأتي اليوم وحتى ينتهي المنزل وتقيم في المنزل معنا "
قاطعه شاكر بجدية :
" لا بأس سيد اليخاندرو فمكان أدهم محفوظ في منزلي هو وزوجته "
تدافع الجميع يعرض على أدهم مسكنًا في منازلهم، شادية تصرخ في الجميع أنها هي من ستستقبله في المنزل إلا إن أراد الوسيم استقبالها مع أدهم في منزله، وكريم وشادي وسليم، كلٌ منهم يردد أنه من سيستضيف أدهم، لكن أدهم قطع كل ذلك النقاش وهو يردد :
" شكرًا يا جماعة بس انا بجد حابب افضل هنا انهاردة في الشقة، ام فتحي هتروح مع جدها وانا هفضل هنا، بس ساعدوني نصلح باب الشقة "
نظرت له هالي باعتراض ولم تكد تتحدث بكلمة حتى عاجلها ادهم:
" متتعبنيش يا ام فتحي لو سمحتي وروحي مع جدك وبكرة يبقى تعالي معاه "
نظرت هالي له بحزن، ثم رمقت جدها الذي مد يده لها بحنان رغم عدم فهمه لما تشدق به أدهم..
نظر الجميع لادهم بتردد قبل أن يسارع كريم ويعرض :
" طب أنا هبات معاك "
وقبل أن يعرض الباقيين نفس الأمر منعهم ادهم وهو يقول بهدوء :
" لا كل واحد يروح بيته أنا حابب افضل لوحدي انهاردة "
هز شاكر رأسه بتفهم رغبته، ثم أشار لسليم أن يلحق به هو وشادي :
" تعالوا ساعدوني نصلح الباب وأنت يا كريم اطلع هات لحاف وبطاطين لادهم"
هز كريم رأسه وهو يسارع للخارج، بينما اقتربت شادية منه تربت على كتفه بحنان :
" اكلت يا حبيبي؟! انا عاملة محشي الكوسة اللي بتحبه يا ادهم "
قبّل أدهم يد شادية بحب :
" بالهنا والشفا يا حبيبتي مليش نفس والله "
نظر لهالي التي كانت تنظر له بحنق، قبل أن تشير لجدها أن يذهبوا، تنهد أدهم بحزن من حزنها لكنه قرر أن يصالحها في الغد .
رحل اليخاندرو بعدما أردف بهدوء :
" حسنًا ادهم في الغد ستجدنا جميعًا في المنزل هنا لنساعدك "
" شكرًا لك، فقط اعتني بهالي وفتحي "
ابتسم له اليخاندرو بحنان :
" أتوصيني بحفيدتي وطفلها !!"
وهكذا رحلت هالي مع جدها، تاركة أدهم يلقي بجسده في تعب كبير على الأريكة التي نالها ما نال المنزل، يرمق بعينه شاكر يصلح المنزل رفقة أصدقاءه بينما تحركت شادية للخارج وهي تقول ببسمة وإصرار :
" هروح اجبلك محشي وعصير فراولة بلبن وجاية والله هيعجبوك"
هز أدهم رأسه بيأس من شادية وما كادت تبتعد حتى عادت مجددًا تردد :
" ألا بقولك يا أدهم، هو الراجل الكبارة اللي مشيت معاه مراتك ده هيجي تاني ؟؟"
رفع أدهم حاجبه بتشنج لتضيف شادية بسرعة وتبرير :
" عشان بس اعمل حسابه في الطعمية بكرة "
" أطلعي يا شادية فوق، اطلعي "
تحركت شادية بسرعة وهي تقول ببسمة :
" هروح اجبلك المحشي "
راقب أدهم تحركها ثم شرد في السقف وهو يقول بتعب :
" يارب ..."
____________________
" يعني ايه؟! هو أنت هتنصب عليا عيني عينك ؟! دي بعشرة في كل حتة "
كان ذلك الصياح صادر من أحد الزبائن داخل أحد المحلات المختصة ببيع الاشياء اليومية في الحارة الخاصة بادهم..
زفر البائع بحنق فقد استمع لتلك الجملة مئات المرات خلال آخر يومين :
" والله هي دي الاسعار، ولو مش هتاخد اتفضل سيب الحاجة وأخرج "
ألقى الرجل الحقيبة من يده بحنق :
" روحوا حسبي الله ونعم الوكيل فيكم والله لابلغ عنكم حماية المستهلك واحد واحد "
ختم حديثه يندفع خارج المحل بغضب وقهر نابع من عجزه عن تأمين ابسط احتياجات منزله اليومية، بينما البائع لم يهتم وهو يلملم ما سقط من الحقيبة التي ألقاها ملوحًا بيده في استخفاف :
" بلغ يا خويا، روح بلغ ووريني اخرك، هو اخركم بق على الفاضي "
كان يتمتم ويتحدث بحنق أثناء إعادة ترتيب تلك الاشياء التي نبذها الرجل بسبب ارتفاع سعرها :
" الواحد بقى يقضي اليوم يتناقش مع الزباين وياريت بيبيع، وكل اللي عليهم أنتم نصابين وهبلغ حماية المستهلك، بلغها يا خويا وريني هيعملــ"
توقف عن الحديث بصدمة يرى المحل يمتلء برجال يرتدون ثياب سوداء بوحوه جامدة وملامح مرعبة ونظرات غامضة، اقتحموا محله ليرفع الرجل يده عاليًا وجسده يرتعش :
" والله العظيم يا باشا هو ده السعر عند الكل، والله انا بشتريهم من تجار الجملة كده ومش طالعلي فيهم مكسب اساسا "
كان انطونيو يتقدم الجميع وعلى الجانبين ارتص أبناء عمومته وإخوته في مظهر مهيب، يراقبون ذلك الرجل يرفع يده لاعلى يتحدث بكلمات غير مفهومة لاحد سوى فبريانو وآدم وجاكيري الذي أعاد سماعته له حتى لا يشعر بالجهل طوال الوقت .
ابتلع البائع ريقه خوفًا من نظراتهم خاصة أن لا أحد منهم تحرك واجابه بكلمة :
" هو لحق يبلغ امتى بس ده لسه خارج، ولا انتم تبع الراجل اللي جه يشتري كيلوباترا الضهر ؟!"
مال جاكيري على فبريانو هامسًا بتعجب :
" هل يتاجر ذلك الرجل بالآثار ؟! أسأله إن كان مهتمًا بشراء سيدة بعمر المائة وخمسين تقريبًا "
رمقه فبريانو بحنق قبل أن يتقدم من الرجل يشير نحو جهة معينة دون كلمة، تحركت عين الرجل حيث يشير فبريانو ليجد أنه يشير لعبوة العلكة، سارع يلتقط العلبة يخرج منها العديد والعديد من العلكة :
" عايز ماربيلا يا باشا؟! اتفضل والله متغلاش عليك "
رفع فبريانو حاجبه بسخرية فهو كان يشير على شاشة المراقبة التي تقبع أمامه، وما كاد يهتف في وجهه حانقًا حتى وجد جاكيري يقترب من الطاولة يجمع تلك العلكة كلها في جيبه مرددًا بجدية :
" أنا سأصادر تلك العلكة "
نفخ فبريانو بيأس على تصرفات جاكيري ثم قال :
" عايز اشوف الكاميرات بتاعة المراقبة دي "
نظر الرجل للشاشة ثم هز رأسه بموافقة :
" اكيد يا باشا اكيد اتفضل المحل محلك، بس والله انا مغشتش حد ياباشا "
لم يهتم فبريانو بما يقول يشير لمارتن أن يتحرك ويرى عمله، في الوقت الذي أخذ جاكيري يوزع على الجميع العلكة وقد نالت استحسان جايك ومارسيلو الذي ردد :
" أنها بطعم الفراولة، تشبه العلكة التي لدينا لكن هذه لا ادري بها شيء غريب ..."
رمقه مايك بحنق :
" بحق الله هلّا ركزتم قليلًا فيما نفعل ؟؟"
أجابه جايك بجهل :
" وماذا نفعل نحن، مارتن هو من يبحث في كاميرات المراقبة، هذا خامس محل نقتحمه ولم نجد شيئًا حتى الآن "
رمقه انطونيو بنظرةٍ واحدة اصمتته واصمتت الجميع، ثواني فقط حتى ارتفع صوت مارتن يردد أثناء خروجه :
" أيضًا لا شيء، الكاميرا فقط تُظهر وقت خروج الدخان من النوافذ ولا تظهر وجود أحد "
أشار انطونيو للجميع باللحاق به :
" دعونا نبحث عن كاميرات في الطرف الخلفي للمنزل "
سار التسعة خارج المحل بمنظر مثير للرعب، تراهم تحسبهم شرطة جاءوا لاعتقال بعض المجرمين الخطيرين، كان الجميع يراقبهم بريبة في الشارع لا أحد يفهم من هؤلاء، لكن تلك الوجوه الأجنبية أثارت إعجاب الفتيات وبشدة ليبدو الأمر كما لو أن الحارة انقلبت لإحدى الاماكن السياحية .
وفي الشارغ الخلفي للبناية التي تضم منزل أدهم دارت أعين التسعة في جميع المحلات المحيطة يحاولون إيجاد أي كاميرا مراقبة، حتى وقعت عين آدم على واحدة ليشير لها هاتفًا :
" هناك "
تحرك التسعة صوب ذلك المحل الذي تخرج منه روائع عدة متداخلة لم يستطع أحدهم تمييز شيء منها سوى رائحة الثوم، توقف التسعة أمام باب المحل يتحدث انطونيو بجدية كبيرة :
" يبدو أنه أحد المطاعم فهو مكتظ من كل تلك الأصوات التي تخرج منه؛ لذلك لا اريد افتعال أي مشاكل "
استمع فبريانو لحديثه وهو يدفع الباب بعنف مرددًا كعادته :
" حسنًا"
وبمجرد أن خطى للمطعم حتى صاح بنبرة مخيفة :
" فين المدير هنا ؟!"
جاوره جاكيري وهو يصيح بنبرة تماثل نبرة فبريانو :
" وما مصدر تلك الرائحة الجميلة ؟؟"
مسح انطونيو وجهه بقوة، يحاول التحكم بنفسه قبل أن يشير للاثنين مرددًا بغضب :
" رأيتم، هذان الاثنان سوف يصيباني بأمراض الدنيا"
ربت مارتن على كتفه وهو يقول من بين ضحكاته :
" لا بأس حقًا، هذا معتاد منهما، والآن لنرى ما يمكن أن نجده في هذا المكان قبل أن يُصاب رواد المطعم بالهلع من فبريانو، وبالمجاعة من جاكيري "
______________________
بعد ساعتين
انتهى الجميع في منزل أدهم واخيرًا من إصلاح الباب وتجهيز فراش متواضع لأجله بعدما رفض أدهم أن يتخلى أحدهم عن فراش من منزله لأجله، مكتفيًا بغطاء ومفرش سميك أحضره كريم لأجله..
جلس ارضًا يتناول الطعام التي أصرت شادية عليه أن يتناوله تراقبه بحنان وهي تربت على كتفه بحب :
" كل يا حبيبي تلاقيكِ معرفتش تاكل الاكل بتاعهم هناك"
ابتسم لها أدهم بحب وهو يرى الجميع يجلس حوله يحدثه في أمور كثيرة رافضين تركه لأفكاره وحزنه وحده، أصر أدهم على الجميع أن يشاركوه الطعام فهو لا يحب تناوله وحده، هذا يذكره بأيام وحدته في منزل والده حينما كان ينفره الجميع، ويتناول الطعام في غرفته كالمنبوذ .
وتحت إصراره جلس الجميع وبدأوا يشاركونه الطعام بعدما زودتهم شادية بالكثير والكثير من ذلك المحشي الشهي الذي تعده ..
ضربت فجأة شادي على رأسه بحنق :
" أنت يا طفس سيب حتة الفراخ بتاعة الواد أنت مش اكلت "
رمقها شادي بغيظ :
" الله ما هو قدامه حتتين اهو، بعدين يا شادية هتبصيلي في اكلي ولا ايه ؟!"
كادت شادية تجيب لولا حديث أدهم الذي حال بينهما :
" سيبيه ياكل يا شادية الاكل كتير اهو والفراخ كتير، هو أنتِ جايبة ليا فرخة لوحدي ولا ايه ؟!"
ضحكت شادية وهي تربت على كتفه بحنان :
" كل يا حبيبي بالهنا والشفا ده مناب الواد شادي بتاع بكرة"
صاح شادي بحنق :
" كمان؟! يعني منابي ( نصيبي ) وبتقطميني عشان باكل حتة منه ؟!"
رمقته شادية بشر :
" ولا هو مفيش غيرك هنا ؟! ما أنت شايف كريم وسليم ربنا يحرسهم بياكلوا وهما ساكتين ومحدش فيهم فتح بقه وسايبين الولد ياكل براحته، مفيش قليل أدب غـ ...."
وقبل أن تكمل كلمتها أبصرت سليم وكريم يتناولان الدجاج من أمام ادهم، نظر الاثنان لشادية بخجل وهناك بسمة غبية ترتسم على فمهما لتتعالى ضحكات أدهم في المكان وهو يقول :
" كلهم معفنين يا شادية، كلهم باصين ليا في حتتين الفراخ اللي واخدينهم من شادي "
ضربت شادية كف بالآخر مرددة في حنق :
" ينيلكم مفيش واحد فيكم عاقل، أنا هطلع فوق اريح ولو احتاجتوا اي حاجة رنوا عليا هبعتلكم"
تحركت شادية وما كادت تخطو خطوة أخرى حتى على صوت أدهم الذي قال :
" أيوة يا شادية محتاجين فراخ الله يكرمك "
رددت شادية تمتص شفتيها في حسرة مصطنعة :
" كان على عيني يا بني حتة شادي واكلتوها "
ردد سليم في مزاح :
" طب وحتة عم عوض طيب !!"
" أنا أكلتها وانا بغرف ليكم الاكل "
تعالت ضحكات الجميع على شادية وبدأوا يتشاركون الأحاديث بين بعضهم البعض وكأنهم لم يجتمعوا هكذا منذ سنين طويلة، الضحكات تتعالى والذكريات تُعاد، واستمرت الجلسة لساعات وساعات حتى تمطأ ادهم بتعب وهو يردد :
" يلا كل واحد يسحب على بيته عايز اريح "
بادره كريم برجاء :
" طب ما نبات معاك يا ادهم زي زمان "
وافقه كلٌ من سليم وشادي، لكن اعتراض ادهم كان واضحًا على وجهه حينما قال :
" لا يا كريم، أنا حابب افضل لوحدي معلش، وياسيدي لو على زمان بإذن الله الدنيا تتعدل ونعمل ليلة حلوة ونفرش فوق السطح عند عشة شادية ونقضي الليل كله سوا، بس معلش انهاردة بذات حابب اكون لوحدي "
وتحت إصرار أدهم غادر الجميع مودعين إياه مع وعد بالعودة من صباح الغد لبدء اصلاح المنزل .
اغلق ادهم المنزل خلفهم وهو يستدير مستندًا على الباب يتنهد بتعب يدور بعينه بين جدران المنزل مرددًا بينه وبين نفسه، ها نحن عدنا وحدنا مجددًا .
رمق فراشه الصغير الذي أحضره كريم وهو يتحرك صوبه بتعب أثقل كتفيه، لكن ما كاد يستقر عليه حتى علت الطرقات على باب منزله، اتجه نحوها يزفر بضيق :
" أنتم مش هتسكتوا غير لما اطـ "
ولم يكد يكمل كلمته حتى وجد فراش كبير أمام عينه، تراجع للخلف بصدمة وهو يردد :
" ايه ده سرير مين ده؟!"
لكن لم يجبه أحد فقط تحرك الفراش لداخل المنزل وخلفه انطونيو الذي قال ببسمة صغيرة :
" لم نستطع أن نقنعها بالبقاء في المنزل دونك "
أنهى حديثه مشيرًا صوب هالي التي كانت تقف على الباب وهي تفتح ذراعيها هاتفة بمزاح :
" ابو فتحي حبيب قلبي "
عض ادهم شفتيه يمنع ضحكته التي كادت تصدح في المنزل يفتح ذراعيه لها يصيح ببسمة واسعة :
" تعالي كنت عارف إني مش هخلص منك "
اندفعت هالي لاحضانه بحب تردد مشاكسة :
" انسى يا ابو فتحي، لازقة فيك لغاية ما تقول حقي برقبتي "
ضحك ادهم يضمها له بحب سعيد وبشدة لأنها عادت لاجله، بل أكثر من سعيد فحينما أغلق الباب منذ ثواني ونظر للمنزل الفارغ شعر بانقباضة في صدره، وندم على إصراره البقاء بمفرده، هو فقط لم يحب أن يُبعد أحدهم عن زوجته، وايضًا لم يرغب أن تعاني هالي بالنوم معه ارضًا بعدما احترق فراشهما..
أبصر ادهم فبريانو يخرج ومعه ماركوس وآدم ومارسيلو كذلك وقد وضعوا الفراش في إحدى الغرف، شكرهم أدهم بحب بينما يده تضم زوجته له بعشق :
" شكرًا لكم اتعبتكم "
ردد فبريانو باستفزاز :
" نحن فعلنا هذا فقط لأجل زهرتنا، فنحن لم نكن لنتركها تنام ارضًا، بينما أنت لو كان الأمر بيدي لوضعتك في علبة كِبريت صغيرة لا يهمني "
ألقى اه أدهم بقبلة في الهواء :
" تسلم يا حبيبي تتردلك في الافراح"
ابتسم له فبريانو بسمة صغيرة قبل أن يربت على كتفه بهدوء ثم غادر المكان منسحبًا مع أبناء عمومته مشتاقًا للنوم بين احضان ارنبه الوردي وبعد يوم مرهق كليًا لهم جميعًا، لكنه لن يذهب سدى بل وصلوا لما كانوا يتمنون...
بعد رحيل الجميع اغلق أدهم الباب خلفهم، ثم جذب زوجته خلفه صوب الغرفة ليجد الجميع وضعوا الفراش مباشرة أسفل النافذة حيث يظهر منها القمر ويتهافت منها النسيم وقد صنعوا لهم جو شاعري دون قصد، أو ربما بقصد ...
جذب أدهم هالي وجعلها تجلس على الفراش، ثم استقر برأسه على فخذها وهو ينظر لوجهها هامسًا براحة كبيرة لا يعلم من أين أتت بعد كل ما حدث اليوم :
" تحبي نسهر و احكيلك عن مغامراتي في الوحدة الصحية اللي كنت فيها أيام التكليف ؟؟"
ضحكت هالي وهي تميل تقتنص قبلة رقيقة من خده هامسة:
" أنت أي حاجة بتحكيها أنا بحبها يا ادهم "
" وانا بحبك أنتِ يا هالي..."
ابتسمت هالي ولم تتوقف يدها عن مداعبة خصلاته بحب كبير، ليعلو فجأة تساؤل أدهم :
" أنا خايف قاسم يكون دلوقتي بيعيط "
ضحكت هالي تعيد رأس أدهم لقدمها مجددًا بعدما رفعها قليلًا ليتحدث :
" قاسم مين ؟! قاسم اساسا مش فاكرنا، بعدين يعني ما هو من وقت ما سافرنا وهو بينام مع جدو يا ادهم متقلقش "
" أيوة بس كنا معاهم وجنبه، خايف يعيط لما يحس إني أنا وأنتِ مش معاه "
ربتت هالي على كتفه بحب هامسة:
" متقلقش تلاقيه دلوقتي في سابع نومة اساسا "
__________________
كان جسده يتحرك بقوة، قطرات العرق تتصبب أعلى جبينه بكثافة، أنفاسه تخرج متسارعة نتيجة ذلك المجهود الكبير الذي يبذله، أعينه تدور في المكان بأكمله بنظرات صقر، وأسفل قدمه تتدحرج الكرة ...
زاد قاسم من سرعته الصغيرة بسبب أقدامه وتعثره في السير، ينظر حوله حيث يلاعب الجميع كرة القدم في منتصف بهو المنزل مسببين لسيلين غيبوبة لم تفق منها حتى الآن، والعم توفيق يجلس جوار جثتها يذيع المباراة ...
" والآن سيداتي سادتي قاسم لسه محافظ على استحواذه للكرة، مفيش حد عارف يقطع الكورة منه، لعيب يابني لعيب "
توقف قاسم في ركضه يتنفس بقوة وكأنه للتو أنهى مارثون، نظر حوله ليجد ماركوس يركض صوبه لكن بالحركة البطيئة حتى لا يصل له، بينما انطونيو والذي كان من ضمن فريقه يلوح له :
" هيا قاسم، سجل الهدف وننتصر"
لم يفهم منه قاسم سوى إشارته للمرمى حيث يقف حارس الفريق الآخر وقد كان هو نفسه جاكيري الذي ضرب يديه في بعضها البعض يضيق عينيه ينتظر اقتراب قاسم بالكرة، تحرك قاسم مجددًا يدفع الكرة بيده بسبب صعوبة دحرجتها أسفل أقدامه وبمجرد أن وصل للمرمى ازدادت تشجيعات الجميع وازاداد الحماس بين الجماهير وازداد صخب المذيع .
وقف قاسم ينظر للجميع ببسمة ثم وبكل قوة دفع الكرة صوب المرمى، لتتوقف الكرة أسفل قدم جاكيري ولم تتخطاها حتى ليبتسم جاكيري وهو يمسكها من الأرض هاتفًا :
" هذا كل ما لديك يا صغير ؟؟"
رمقه قاسم بترقب ثم وجّه نظراته لانطونيو الذي بدوره حذّر جاكيري أن يدع الكرة تدخل المرمى، ضغط جاكيري على شفتيه بحنق شديد ثم قذف بيده الكرة داخل المرمى للمرة الحادية عشر وبعدها أدعى الصدمة وهو يصرخ :
" لا ليس مجددًا لقد هزمنا الصغير "
ارتفع صفير الجميع وبدأ التصفيق يرج الجدران والكل يشجع قاسم الموهوب الذي غلب بمفرده جميع الاحفاد، حمله انطونيو أعلى كتفه يدور به في المكان يشجعه بصخب وكأنه للتو منح فريقه كأس العالم.
ارتفعت ضحكات قاسم السعيدة وهو يتمسك برقبة انطونيو الذي كان يدور به في القصر والجميع يشجعه، يردد بسعادة :
" جون "
ارتفعت الضحكات يراقبون ذلك الصغير الذي منذ عادوا له للقصر ورحيل والدته وهم فعلوا له كل ما يمكن تخيله لصرف انتباهه عن رحيلها، رقص جاكيري وجايك لأجله، غنى له انطونيو وعزف له مارسيلو، لاعبة جايك بالالوان حتى أصاب سيلين بذبحة صدرية، حمله مارتن أعلى قدمه ولاعبة العاب فيديو كثيرة، حتى أن فبريانو حمله أعلى ظهره وتسلق به الشجرة الموجودة في الحديقة، حتى أنهم لعبوا لعبة اللص والشرطي وقد كاد فبريانو يصيب آدم بثلاث رصاصات أثناء اللعب حينما أكتشف أن الصرخات تتسبب في زيادة ضحكاته، ومايك وماركوس لم يوفرا مجهودًا أثناء لعبة الاختباء.
تساقطت أجساد الاحفاد ارضًا بتعب ليعلو صوت مايك المتذمر :
" يا ربي لا أريد طفلًا كذلك القرد لا يكل ولا يمل "
ابتسم جاكيري باتساع يراقب قاسم الذي بدأ يغفو بين ذراعي اليخاندرو :
" أنا على عكسك أحب هذا النوع من الأطفال، اريد لطفلي أن يقفز هنا وهناك طوال الوقت ويحب الرقص مثلي، وفي الوقت ذاته يكون عاقلًا كأبيه "
انطلقت ضحكات صاخبة من الجميع عقب كلمات جاكيري الأخيرة، ليلوي الأخير شفتيه بحنق :
" نعم اضحكوا، غدًا سترون كيف سيصبح صغيري "
داعب فبريانو خصلات الصغير بحب :
" أنا أحببته كثيرًا "
ردد مارسيلو بسخرية :
" نعم فأنتما دمويان، الصغير كان يصفق مرحًا حينما تطلق رصاصة، ويستا، إن أخطأت الهدف "
تعالت ضحكات اليخاندرو يقبل رأس الصغير يرى كل ذلك الحب الذي يحيط به الحفاده الصغير، نعم توقع أن يعاملوه جيدًا وبحب لأنه في النهاية طفل شقيقتهم الوحيدة، لكنه تفاجئ من الوجه الذي أظهره الاحفاد معه، تنهد بحب يرمق عائلته الجميع يضم زوجته بحب منهم النائمة ومنهم المستكينة لزوجها ...
همس اليخاندرو بحب ونظراته تمر على الجميع :
" ستكونون اباءً رائعين احبائي، محظوظون هم من سيولدون تحت كنفكم "
____________________
صباح اليوم التالي انتفض جسد ادهم بفزع من فراشه، ينظر حوله لا يدرك أين هو أو ماذا يفعل، لكن نظرة واحدة للمحيط حتى عادت له جميع ذكرياته، مال على زوجته طابعًا قبلة حنونة على جبينها، ثم نهض يعدل من خصلات شعره متجهًا صوب الباب الذي يكاد يتحطم فوق رؤوسهم .
اغلق باب الغرفة خلفه حيث ترقد زوجته ثم تحرك لباب المنزل نفسه وفتحه وما كاد يتحدث بكلمة حتى وجد رجل طويل الجسد عريض المنكبين ذو معدة بارزة يدفعه من كتفه مرددًا بلهجة ممطوطة بشكل غريب :
" جرا ايه يا عمنا بقالي ساعة بخبط عليكم "
رفع أدهم نظره لذلك الرجل الذي كان يرتدي قميص قديم الطراز وبنطال من خامة الجينز باهت الالوان يلحق به شاب في بداية عقده الثالث تقريبًا يحمل حقيبة سوداء ضخمة ..
لم يفهم ادهم ما يحدث في تلك اللحظة :
" أنت يا استاذ رايح فين ؟!"
استدار له الرجل يشير للمنزل بباسطة :
" هو ايه اللي رايح فين ؟! داخل الشقة "
هز أدهم رأسه باقتناع :
" اه إذا كان كده تمام "
صاح بعدها منتفضًا وهو يمسك بتلابيبه :
" هو ايه اللي داخل الشقة ؟؟ حمام عام هو يا خويا ؟!"
نظر الرجل ليده بحنق :
" الله الله الله، وليه المعاملة دي بس يا عمنا ؟! لا خلينا حلوين كده مع بعض ده احنا لسه مطولين سوا "
" مطولين سوا ايه ؟؟ هو احنا طالعين رحلة ؟! أنت مين يا عم أنت ؟؟"
جاءه صوت من الخلف يردد بتعجب :
" ايه يا ادهم ماسك الاسطا مرزوق كده ليه ؟؟"
حدق ادهم في وجه شادي :
" مرزوق مين؟! بتاع ايه ده ؟!"
ابعد مرزوق يد أدهم عنه نافضًا إياها بقوة واباء :
" الاسطا مرزوق فنان نقاشة وحاصل على شهادة النقش الدولية من معهد سملوط "
تشنجت ملامح ادهم ولم يكد يبدي بردة فعل حتى وجد ذلك الاسطا يتنقل بنظره بين جدران منزله المحترقة والتي غطاها السواد حتى أضحت مظلمة كما الليل، أشار مرزوق للجدران متحدثًا بازدراء واضح :
" مين النقاش اللي كان شغال قبلي ؟! "
فتح أدهم فمه بصدمة من حديثه ليردد ساخرًا :
" واحد كده الله يسامحه "
" شغله مش قد كده للعلم، كده هنحتاج نشيل كل اللي عمله ونبدأ من جديد "
هز أدهم رأسه باقتناع وهو يحدق بجدران منزله المحترقة :
" اه عندك حق فعلا، ناس معندهاش ضمير "
" متقلقش يا برنس، مع الاسطا مرزوق حالتك هتتحسن وتروق "
ابتسم أدهم بسمة واسعة وهو ينظر لشادي والصبي الذي رافق مرزوق يتعجب كل ذلك الغباء والثقة المجتمعين بشخص واحد :
" لا وعامل شعار لنفسه كمان ؟! ماشاء الله ده احنا بنتعامل مع شخص محترف بقى "
نظر له مرزوق يردد بلهجة غريبة على مسامع ادهم :
" امـــــال يا باشا أنت بتكلم هواة ولا ايه ؟! تعرف البيت الأبيض ؟؟"
هز أدهم رأسه:
" اللي في امريكا ؟!"
" أيوة هو، البيت الأبيض ده اساسا كان اسود زي بيتك كده، استلمته من النقاش اللي قبلي حاجة استغفر الله، لكن بعونك يا رب خليته زي ما هو دلوقتي كل الناس بتحكي وتتحاكى عليه وحتى الراجل صاحب البيت ده كلمني بنفسه يشكرني "
" قصدك رئيس امريكا "
أشار الراجل بيده ورأسه وعينه متسعة بقوة :
" هو بنفسه، كلمني يشكرني وكمان رشحني لزمايله بعد ما عجبهم شغلي "
امتص ادهم شفتيه باستحسان :
" ده احنا محظوظين بقى أننا وقعنا فيك "
أجابه مرزوق ببسمة وفخر :
" أنت بس ابعت هاتلنا فطار وباكو شاي وكيلو سكر وعلبة سجاير واتفرج على الشغل "
هز أدهم رأسه وهو يلوي شفتيه يحاول كتم سبة، ثم جذب شادي من ثيابه بعنف شديد هامسًا من بين شفتيه :
" ايه اللي أنت جايبه ليا ده يا زبالة ؟؟ "
" ده الاسطا مرزوق احسن نقاش في الحارة ؟!"
ضربه أدهم على كتفه بغيظ :
" ده احسن نقاش ؟! كفاية كدب بقى، ده بيقولك مين اللي كان شغال قبلي "
أجابه شادي يحاول تفادي الضربات التي وجهها له ادهم :
" ده سؤال روتيني عادي يا ادهم، بعدين متحمكش عليه من غير ما تشوف شغله، يا جدع ده هو اللي مشطب ليا الشقة بتاعتي "
عض ادهم شفتيه وهو يردد بحنق لاذع :
" شقتك اللي استلمتها بعد شهرين من جوازك ؟؟"
" بس استلمتها "
ضربه أدهم بغيظ وهو يود لو ينقض عليه لولا صوت مرزوق الذي قاطعهم :
" ايه يا اساتذة يعني مش شامم ريحة طعمية ولا شايف كوباية شاي، مش هنبدأ ولا ايه؟! خلي بالكم ده كله من وقتكم "
رمقه أدهم بسخرية :
" هو احنا بنمتحن ؟! بعدين يا عم أنت لسه عملت حاجة اساسا عشان تتأمر"
" الله ما كل ده عشان نعمر الطاسة ونبدأ ولا هنبدأ كده اورديحي ؟؟ لازم فطار يا استاذ "
ضرب ادهم كتف شادي بغيظ :
" لا ازاي ؟! فطرهم يلا "
فرك شادي كتفه بغيظ شديد وهو ينظر لادهم في نفس الوقت الذي وصل به شاكر وعوض وكريم وسليم وشادية..
دخل شاكر ينظر للجميع ببسمة :
"سلام عليكم، اتمنى تكون نمت كويس يا ادهم "
ابتسم له ادهم شاكرًا لطفه :
" وعليكم السلام يا شاكر، أيوة الحمدلله نمت كويس "
تحدث كريم وهو يتمطأ بتعب :
" حد من العمال جه ؟!"
نظر أدهم بحنق لشادي:
" اه الاسطا مرزوق جه بس لسه هيروق عشان يبدأ "
رفع سليم حاجبه :
" يروق ازاي ؟!"
" يروق يا سليم يا حبيبي هيفطر ويشرب شاي وياخد سجارتين كده على الماشي عشان يقدر يفوق للدنيا دي "
تشنجت شادية بحنق وهي تشير له بالتنحي :
" يروق ايه ده انا اللي هروقه، هو أخره معايا سندوتشات يفطر بيها لأجل حقوق الإنسان متاكلش وشنا، غير كده يبدأ شغله، هو طلب اساسا ياخد فلوس زيادة عشان هو مش هياكل أثناء الشغل "
أشارت بحنق لشادي :
" روح هاتلهم فطار يا شادي عشان ميشتغلوش على لحم بطنهم وانا هتصرف معاهم وهقعدلهم هنا وأما اشوف الشقة دي هتخلص امتى "
أنهت حديثها تتوجه صوب مرزوق بخطوات حادة، دقائق قليلة مرت قبل أن تعود مع مرزوق والذي كان يلوي وجهه بحنق وكأنه طفل أُنتزعت منه لعبته المفضلة ينفخ ويتمتم بحنق بعدما أفسدت عليه شادية راحته قبل بدء العمل، لوح بيده في الهواء حانقًا يصرخ بغضب :
" فين يا استاذ الشقة اللي هتتعمل ليها نقاشة خلصونا "
نظر أدهم حوله لشقته ثم عاد بنظره للرجل :
" فوق في الحمام بتاع عم عوض على اليمين هتلاقي الشقة "
نفخ الرجل مجددًا :
" فين عم عوض ده ؟!"
فجأة شعر بضربة تهبط على ظهره وصوت شادية يصدح بحدة :
" وكمان غبي، طبعا هتطلع لمين ما هي وراثة في العيلة، ما أنت واقف في الشقة يا مرزوق بص حواليك يا خويا "
دار مرزوق بعينه في المكان حوله ثواني قبل أن يقول :
" مين النقاش الغبي اللي كان شغال قبلي هنا، ده مبهدل الدنيا خالص، لا مش هينفعني الكلام ده الحوار عايز وقت طويل، أنا أمشي انهاردة وبكرة من الصبح بدري اجي اظبطلكم الدنيا دي "
وما كاد يتحرك خطوة واحدة بعيدًا حتى انقض عليه سليم يكتفه وهو يصيح في كريم :
" أمسك معايا الراجل ده يا كريم، والله ما أنت متحرك غير لما تخلص الشقة دي "
هجم الأربعة على مرزوق يكتفونه بقوة مانعين إياه من الرحيل، ومرزوق يتحرك بعنف بينهم وضحكات شاكر تعلو على ما يحدث بينما شادية تتمتم بسخرية في نفسها :
" اهبل زي اخوك الكبير، والله يا مرزوق أما اتعدلت لكون رايحة لامك اخليها تنكد عليك، فاكر العلقة ( ضربة) بتاع زمان ؟؟"
زفر مرزوق وهو يبعد الأربعة شباب عنه يصيح بنزق :
" طيب طيب هشتغل وامري لله، بس عايز افطر الاول وإلا والله ما همد ايدي على حاجة "
نظرت شادية له بحنق قبل أن تشير لشادي :
" روح هاتله فطار أما نشوف اخرتها ايه ؟!"
ابتسم مرزوق بسمة غبية بعض الشيء :
" اخرتها هتشوفيها بعينك يا ست شادية، هعملكم الشقة دي جنة بعونك يارب، أنتم الظاهر متعرفوش مين هو الاسطا مرزوق"
في نفس اللحظة وقبل أن يتحدث أحدهم مجيبًا إياهم ارتفع صوت اليخاندرو يعلو بانجليزية متقنة ومنمقة :
" صباح الخير جميعًا "
ارتفعت عين شادية له وهي تقول ببسمة واسعة :
" يا صباح الجمال على عيونك يا عسل، واد يا شادي اعمل حساب الهيبة ده معاك في طعمية "
نظر لها شادي بحنق :
" هتوكليه طعمية يا شادية؟! اتقي الله "
" عندك حق، أنا هروح اعمله صينية مسقعة عسل "
ولم تكد تتحرك حتى امسكها عوض وهو يردد بحنق شديد :
" ابوس ايدك اهدي شوية مش كده، استرينا "
نظرت له شادية بحنق تلاحظ حديث اليخاندرو وهو ينظر حوله للمنزل :
" إذن هل تحتاجون مساعدة ؟؟"
مال مرزوق على كريم يهمس له بجهل يحك أنفه في حركة معتادة منه :
" هو عم الحاج ده بيقول ايه لامؤاخذة لاحسن محسوبك مكنش قد كده في الانجليزي، هو ده من مركز التفتيش ولا ايه "
نظر له كريم يردد بتهكم ( عم الحاج؟؟) لكنه رغم ذلك أجابه :
" بيقولك محتاجين مساعدة ولا لا ؟!"
هز مرزوق رأسه وهو ينظر لاليخاندرو الذي كان أحفاده يرتصون خلفه كالعادة في مظهر مهيب :
" أيوة بالله عليك يا حاج قول للشباب اللي معاك يساعدونا نخرج الحاجات من الشقة ويكنسوا الأرض عشان نشتغل على نضافة بس "
جذبه كريم بحنق :
" يكنسوا ايه يا متخلف أنت ؟؟ دول لو فهموك هيخلوك أنت نفسك مكنسة "
همس له مرزوق بتعجب :
" ايه مش بيعرفوا يكنسوا؟! "
رفع وجهه لهم يصحح حديثه :
" خلاص ممكن واحد من الأساتذة اللي وراك يقعد يعملنا شاي ويناولنا الدهانات أو اقولك خليهم كلهم عشان لو احتاجنا سجاير نبعت حد يجبلنا "
علت الصدمة وجه فبريانو وهو ينظر لذلك الرجل باستنكار، بينما مرزوق ذلك الشاب الثلاثيني البسيط لم يكن يعنيه مظهر الاحفاد أو ثيابهم ولم يكن يهتم بملامحهم الجامدة كل ما كان يهتم به هو ...سيجد من يحضر له سجائره ومن يصنع له كوب الشاي أثناء العمل .
أخرج فبريانو مسدسه بكل هدوء وعينه تدور على ذلك الاحمق في شكل لو لاحظه مرزوق لركض مرتعبًا خارج المكان بأكمله.
أشار مرزوق بيده في المكان حوله :
" يلا يا خونا خلي ربنا يكرمنا ونخلص بدري كل واحد يشوف حاجة يعملها ونساعد بعضينا كده "
أشار انطونيو لفبريانو :
" ما الذي يقوله ذلك الرجل ؟!"
رد فبريانو ببسمة ساخرة باردة :
" يخبركم أن تبقوا في الجوار، حتى إذا احتاج من يحضر له سجائر أو يصنع له الشاي يجدكم "
فتح انطونيو فمه بصدمة وفبريانو في رأسه يتخيل نفسه يمسك ذلك المرزوق يضع وجهه في علبة الدهان ثم يستخدمه كفرشاة لطلاء كل تلك الحوائط..
وقاطع كل تلك الأفكار صوت اليخاندرو الذي قال ببسمة واسعة وبكلمات أصابت جميع أحفاده في الصميم :
" لا بأس احفادي جميعًا سيساعدوكم، هم جيدين في كل تلك الأعمال، مارسيلو وحده قام بإصلاح وطلاء أربعة جدران في اقل من ساعتين "
استدار الجميع صوب مارسيلو الذي كان يفتح فمه ببلاهة، ثم صرخ :
" هذا كذب، أنا كنت نائمًا اقسم "
لم يهتم اليخاندرو وهو يقول ببسمة واسعة :
" جاهزين اعزائي للعمل، كعائلة واحدة، اعتقد أن هذا العمل مع عائلة ادهم سيكون ممتعًا؛ لذلك اظهروا لطفكم للجميع واروهم كيف هم احفادي"
علت الصدمة وجوه الجميع في المكان، أو فقط من فهم حديث اليخاندرو، والاستنكار هو كل ما يمكن رؤيته على وجوه الاحفاد، الاستنكار والتهكم .
تمتم فبريانو بحنق :
" جدي أنا لا اجيد مثل هذه الأفعال"
صمت ودار بعينه في المكان قبل أن يشير لمرزوق :
" يمكنني قتل مرزوق وهذا أكثر ما يمكنني أن أقدمه لكم "
تساءل مرزوق عن معنى حديث اليخاندرو الذي سبب كل تلك الصدمة على وجوه الجميع، ليخبره كريم بكلمات مقتضبة، ولم يكد يتم كلماته حتى رفع مرزوق يده عاليًا يهتف بحماس :
" الله عليك يا عم الحاج يسلم بقك، كُتر الايادي بتساعد"
أشار بعدها للاحفاد ببسمة وكأنه يتلو عليهم مراسم تقليدهم أحد المناصب أو ما شابه :
" وخلي بالكم أنتم مش هتشتغلوا مع أي حد، ده أنا الاسطا مرزوق، يعني أي واحد فيكم يقدر يكتب في الـ CV بتاعه أنه عمل في يوم من الايام تحت يد الاسطا مرزوق كصبي نقاش ده لوحده هيفتحله با.. "
توقف عن الحديث برعب حينما وجد جسد يندفع له من بين هؤلاء الرجال بسرعة مخيفة جعلته يطلق صرخة صاخبة وهو يتراجع للخلف وصوت يعلو في المكان يتحدث بفحيح :
" مش لما الاسطا مرزوق يكون موجود في الدنيا الاول ؟؟؟"
__________________________
واستمتعوا بالرمق الأخير ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رحمة نبيل
قبل القراءة أدرت فقط القول أنه كان من الممكن أن اختصر كل تلك الفصول في فصل واحد خاص أجمع به هالي مع الاحفاد وانتهي، لكنني لم افعل ذلك؛ رغبة مني في إعطاء العلاقة بينهم فرصة أكبر وايضًا لأن ذلك الفصل الذي كنت سأكتبه لم يكن ليحتوي كل المشاعر أو ردات الفعل التي أردت عرضها، وربما وقتها لم يكن ليأخذ الصغير قاسم مساحته أو يظهر مقدار حب الجميع له، كانت ستكون مجرد مشاعر مُختصرة، لذلك كتبت تلك النوفيلا القصيرة والتي كانت لهدف واحد أن تبرز العلاقة بين هالي وأبناء خالها، كانت نوفيلا كوميدي عائلي ولا ضير من بعض الرومانسية ...
لهذا الهدف الاول والاخير من كل ذلك هو إبراز حب الاحفاد لابنة العم لا شيء آخر .
واتمنى من كل قلبي إن يكون الأمر قد وصل لكم وأن تكون المشاعر قد وجدت صداها لديكم، وألا تكون رحلتكم معهم مللة رتيبة...
************
سيُصلِحُ رمضان
ما أفسدته الأيام في قلبك
فاستَعِد
صلوا على الرسول ....
_________________
دارت عين مرزوق في الجميع يحاول أن يفهم مجرى ما يحدث وإن كان ذلك الرجل الذي يرفع جسده في الهواء يمزح معه مزاحًا ثقيلًا أم أنه جاد فيما قال منذ ثواني .
وبعدما رأى تجهم الوجوه حوله أدرك أنه لا يمزح ..
" مالك بس يا باشا ؟؟ أنا قولت حاجة غلط يعني ؟! ده انا بقول نشتغل كلنا سوا ونكون ايد واحدة عشان نخلص الشغل بسرعة وكمان الحاج الكبير اللي وراك هو اللي عرض الموضوع من الاول أنا مجبتش حاجة من عندي "
حرك بعدها نظراته صوب الحاج الكبير " اليخاندرو " يتحدث بجدية واستجداء :
" مش كده يا حاج ؟! مش أنت قولت أن الرجالة اللي لابسين بدل سودة هيساعدوني ؟!"
رفع اليخاندرو حاجبه لا يدري ماهية ما يقول ذلك الرجل لكنه يعلم جيدًا أنه يوجه له الحديث ليشير إلى مرزوق متسائلًا :
" ما الذي يقوله هذا الاحمق ؟!"
نظر مرزوق حيث فبريانو :
" اهو سمعته بودانك؟! يعني الكلام معاه، لو عايز تتخانق روح اتخانق معاه هو، ولا هو مقدرتش على الحمار تتشطر على البردعة"
شهق أدهم من حديثه وهو ينظر بأعين فبريانو التي اشتد غضبها بعد وصف ذلك الاحمق جده بهذا الوصف البشع، رغم عدم قصده للأمر إلا أنه وصفه وانتهى الأمر...
وبالنظر لردود فعل أدهم وفبريانو ارتاب الجميع من تلك الجملة ليتحدث جايك بشك :
" ما الذي قاله هذا الرجل للتو آدم ؟!"
نظر آدم للرجل ثواني يحاول أن يفكر في شيء يُحسّن به من موقفه لعلمه أن ذلك الغبي لم يقصد ذلك المعنى المتوارى خلف جملته :
" لا شيء هو فقط خانه التعبير منذ قليل ووصف جدك بشيء ليس بالجيد"
نظر له اليخاندرو ثواني دون تعابير ثم قال :
" بما وصفني آدم ؟!"
" جدي هو ليس وصفًا بمعنى الوصف هو فقط مجرد مثل شعبي يُقال عند الـ"
قاطعه انطونيو بشر :
" تبًا لك نحن لا نريد شرحًا نريد معرفة ماذا قال ليزداد غضب فبريانو هكذا ويفزع زوج هالي "
ابتلع آدم ريقه وهو يردد بخفوت :
" وصف جدك بالحمار، لكن صدقني هو لا يعني بل هو مجرد تعبير يقوله المصريين عند مــ "
لكن يبدو أن آدم تأخر بتفسير ما يحدث ففي تلك اللحظات التي كان يحاول فيها التفكير في كلمات يشرح بها موقف ذلك المسكين الذي اوقعه غباؤه مع عائلته، كانت عائلته قد انقضت على ذلك المسكين ....
___________________________
توقفت بعض سيارات الأجرة في الحارة خلف بعضها البعض بشكل مريب، فقد كانت هناك أكثر من سيارة أجرة خلف بعضهن البعض، هبطت جميع النساء من السيارت ضاربات بتحذير الرجال عرض الحائط، غير مهتمات بشيء، الجميع ينظر للمحيط بتعجب لا يدركون أين هم، لكن هذا هو المكان الذي وصفته لهن هالي البارحة قبل رحيلها حيث منزلها .
خلعت جولي نظارتها الشمسية تدور بعينيها في المكان هاتفة بتساؤل :
" إذن رفقة هل هذا هو المكان أم أننا ضائعات ؟!"
هبطت رفقة تنفخ بضيق من تلك الحرارة التي كان جسدها قد نسيها خلال الشهور التي عاشتها في الخارج، ورغم برودة الجو مساء البارحة إلا أنه قرر أن يخيب ظنون الجميع بنهار لطيف ويتسبب لهم بحرق جلودهم ..
" نعم جولي هذا هو العنوان كما أخبرتني هالي "
نظرت لروبين التي خرجت ترتدي ثياب من قطعة واحدة من خامة الجينز، تضع أعلى رأسها قبعة كبيرة بدت للجميع سخيفة حينما خرجت بها، لكنها الآن تبدو مناسبة لمثل تلك الأجواء المشمسة، أمسكت روبين يد قاسم تخرجه بلطف :
" يلا يا قاسم وصلنا عند ماما "
هبط الصغير من السيارة يمسك بيد روبين مبتسمًا بسعادة وهو ينظر حوله مرددًا بكلمات غير مفهومة :
" جدو "
حملته روبين بحب :
" أيوة ياقلبي رايحين عند جدو وماما وبابا كمان "
ختمت حديثها طابعة قبلة أعلى وجنته الممتلئة بعض الشيء، ثم حركت عينها على الجميع تقول :
" قاسم تعرف على المكان تقريبًا؛ لذلك نحن في المكان الصحيح "
ابتلعت روز ريقها تغمض عينيها رافعة يدها حتى تمنع بعض أشعة الشمس من الوصول لها، تلك الأشعة التي كانت تتخلخل خصلات شعرها الحمراء لتضيئها :
" فقط اتمنى ألا يوبخني جايك لمخالفة أوامره، اقسم أنه قد يجعلني اقضي ليلة كاملة أمامه لرسمي معاقبة لي "
خرج صوتًا ساخرًا من روما التي كانت ترتدي قميصًا تعلوه سترة بيضاء وبنطال، لكن وبسبب حرارة الأجواء خلعت سترتها لتبقى بالقميص الذي كان بنصف كم، تردد بتهكم :
" يرسمك ؟! عزيزتي انطونيو سيجعلني أنا شخصيًا رسمة، لكن لا بأس احيانًا التمرد يكون ممتعًا "
سمع الجميع صوت هايز التي كانت ما تزال تجلس في السيارة تخشى الخروج وتعريض شعرها ذو اللون الفاتح للشمس خوفًا من التقصف :
" حسنًا لذلك علينا العودة، فبغض النظر عن تدمير بشرتي وشعري، آدم لن يمرر الأمر بسهولة "
زفرت فيور بضيق من تذمر الجميع :
" هيا توقفن عن كل ذلك، ما اسوء ما يمكن أن يحدث سيتم الصراخ علينا بضع ساعات وتحطيم بعض اثاث المنزل، ثم ماذا ؟! لا شيء هم لن يضربونا صحيح ؟!"
رفعت راسيل كتفها بعدم معرفة شاكرة لعقلها الذي هداها لارتداء فستان طويل ذو أكمام طويلة ليس فقط لأجل اخفاء حروق يدها، بل لأجل منع أشعة الشمس عن جروحها :
" لا بأس حبيباتي لن تكون أول مرة نخالف بها كلام الرجال، والآن لنتحرك قبل أن نحترق بتلك الشمس "
وافقتها لورا الحديث، تنفخ بضيق من تذمر البعض طوال الطريق :
" نعم رجاءً وجهي بدأ يتحسس من كل تلك الحرارة"
تحسست وجهها بعد انتهاء جملتها بتذمر، لتشير روبين لهم بالتحرك :
" لنتحرك إذن حتى لا نضيع الوقت، ثم إن مظاهركم بدأت تجذب الانظار "
أنهت حديثها تشير باصبعها على كل الرجال الذين بدأوا يتوقفون في سيرهم ينظرون لتجمع النساء الغريب عن حارتهم، بل عن بلادهم بأكملها، البعض قاده الاعجاب بمظاهرهن والبعض قاده فضوله لمعرفة سبب تجمع كل هؤلاء النساء الجميلات في مكان واحد، هل تم افتتاح مسابقة ملكة جمال العالم في حارتهم دون علمهم ام ماذا ؟!
نظرت رفقة لهن تشير بالتحرك وقد علت ملامح التحفز والترقب وجهها :
" طب نتحرك عشان لو وقفنا شوية مش هضمنلكم اللي ممكن يحصل "
وبهذه الكلمات بدأت جميع النساء في التحرك في شكل جذب الأنظار أكثر وأكثر بثيابهم المختلفة هذا دون ذكر أشكالهن، بدأ الجميع يتجمع حولهن وبدأت الاخبار تنتشر في الحارة عن وجود فوج اجانب بها، الجميع خرج في النوافذ لمراقبة ذلك الفوج بفضول كبير ...
وعلى بداية الشارع الذي من المفترض أنه يحتوي منزل هالي توقفت جميع الفتيات فور سماعهن لصوت صافرة تنطلق خلفهن، استدرن في اللحظة التي على بها صوت أحد الشباب الذي يبدو من شاربه غير المكتمل أنه بلغ العشرين من عمره للتو :
" ده ايه الجمال ده كله ؟! هو أنا في حارتنا ولا الجنة ؟!"
نظرت جميع النساء حيث صوت ذلك الشاب الغر ليجدوا أنه لم يكن وحده بل كان هناك ثلاثة آخرين مثله يقفون على بداية الشارع جوار دراجة نارية وكأنهم اختاروا ذلك الموقع الاستراتيجي خصيصًا لأجل مراقبة من يدخل ويخرج من الشارع وإطلاق بعض الجمل الوقحة التي تلاحق الفتيات والنساء على حد سواء، لا يهم عجوز كانت أم مراهقة، ترتدي ثياب قصيرة ام ساترة، ما يهمهم أنها تنتمي لمجتمع نون النسوة حتى يقذفوها باقذر الألفاظ واوقحها، متسببين لها بالرعب مما يمكن أن يحدث بعد تلك الكلمة، لتهرول الفتاة أو السيدة لمنزلها تحتمي به من كل ذلك، والقليل القليل فقط هن من كن يتوقفن لمواجهة ما يحدث بكل شجاعة، ورفقة كانت من ذلك البعض ....
نظرت له رفقة بتساؤل ليفطن الشاب أنها لم تفهم جملته :
" الحق ياض يا حودة دول فعلا شكلهم سياح يلا البت مش فاهمة أنا بقولها ايه "
ابتسم المدعو حودة والذي كان يتكأ بنصف جسده على الدراجة النارية بكل كسل و " روشنة " :
" يعني بزمتك الاشكال دي مصرية ؟؟ اكيد اجانب يا اهبل"
نظر بعدها للفتيات اللواتي كن ينظرن له بترقب وروبين تضم قاسم لها وهي على أتم الاستعداد لإحضار فبريانو في أي لحظة إن اشتعلت الأجواء، لكنها أرادت أن تتجنب كل ذلك حتى لا يُوبخن لأجل الخروج دون استئذان :
" رفقة تجاهليهم رجاءً ولنرحل "
نظرت لها رفقة بحنق لكنها لم تهتم وما كادت تجيبها حتى ارتفع صوت " حودة " مرددًا ونظراته قد أبحرت على أجساد جميع النساء في وقت قياسي :
" طب الواحد لما يعوز يقولهم انهم وتكات يجيب مين يترجم لهم ؟؟"
في الثانية التالية لم يستوعب أحد ما حدث حيث وجدوا فجأة كف يلتصق بوجه حودة وصوت يرعد في المكان بأكمله من فم إحدى الـ " وتكات" :
" نجيب امك يا شاطر ...."
____________________________
ينظر للجميع من ارتفاع عالي بعض الشيء، يحرك قدميه في الهواء محاولًا الفكاك من تلك الحبال التي تمنعه من التحرر، يردد كلمات قاسية يحاول بها أن يرد بعضًا من كرامته التي سُلبت للتو حينما علقه الرجال ذو البذلات السوداء في الجدار باستخدام الحبال ...
كان الجميع في الاسفل يمسك المسدسات يحاولون بها بث الرعب في قلب ذلك الأحمق، هم لن يضروه لمعرفتهم أنه لا يضمر لهم شر، بل هو فقط مجرد غبي لا يُحسن انتقاء ألفاظه، ولكن كل ذلك فقط لتحذيره من التمادي معهم والقاء الأوامر عليهم مرة أخرى ..
" تصدقوا بالله أنتم اساسًا اخركم نقاش أي كلام يخلصلكم المخروبة دي، نزلوني وبس ومش هقعدلكم فيها ثانية، أنتم خسارة فيكم علمي ومهاراتي"
كان يحاول أن يفك نفسه من تلك الحبال حينما لمح شادية تجلس باسترخاء على أحد المقاعد تراقب ما يحدث ببسمة واسعة وكأنها تراقب عرضًا ما :
" عجبك كده يا ست شادية ؟! بقى تسيبيهم يعملوا كده في ابن جارتك حبيبتك ؟! دي امي كانت تقولي انك اعز عليها من خالتي نفسها"
ابتسمت شادية بسمة صغيرة ساخرة :
" متخافش يا مرزوق يا حبيبي أول ما تستوي هينزلوك"
ارتفعت ضحكات شادي وكريم بصخب على حديث شادية مما جعل ملامح مرزوق تسود بحنق وغيظ :
" كده يا ست شادية ؟؟ بتتريقي عليا؟! طب على فكرة بقى امي مش بتحبك ودايما تقولي أنها تطيق العمى ولا تطيقك، وأنك ست بتاعة مشاكل من يوم ما كنتِ عيلة صغيرة، ويلا بقى اللي يحصل يحصل "
اسودت عين شادية وهي تنهض من مقعدها تتجه صوبه لكن منعها سليم الذي امسكها بسرعة وهو يقول :
" اعقلي يا شادية هتنزلي عقلك لعقل مرزوق ؟! ده بيستفزك اساسا "
لم تكد شادية تجيبه حتى سمع الجميع صوت ناعس خافت يصدر من تلك الغرفة التي اغلقها أدهم منذ خرج منها :
" هو ايه اللي بيحصل هنا ؟!"
وفي ثواني، بل أقل من ثواني...
في لمح البصر كانت جميع أسلحة الاحفاد تختفي عن الأنظار والجميع يخفي ملامح الغضب والاجرام التي كانت تعلو وجووهم، ليحل محلها نظرات بريئة مسالمة متذكرين تحذيرات اليخاندرو الصارمة بعدم القيام بأي أعمال عنيفة أمام أعين حفيدته تجنبًا لانهيارها كآخر مرة ومن يخالف حديثه سيكون عليه أن يواجه غضبه ..
ابتلع الجميع ريقهم تحت أنظار الباقيين المتعجبة لما فعلوه متسائلين إن كانوا يخشون هالفيتي ؟! لكن الأمر كان أنهم لا يخافونها، بل يخافون خوفها، ويخشون حزنها .
ردد انطونيو ببسمة واسعة حنونة :
" صباح الخير أميرتي كيف كانت ليلتك، اتمنى أنها كانت هانئة مريحة، أنتِ لم تتناولي الفطور صحيح ؟! يمكنني أن أرسل جاكيري لإحضار الطعام لاجلك "
تشنجت ملامح ادهم بحنق رافضًا أن يتم تدليل زوجته في حضوره، يشعر بأن أمواج انانيته بدأت تجتاح شواطئه منذ اقتحم هؤلاء التسعة حياته وحياة زوجته الحبيبة، في البداية كان هو من يدللها ويضحكها ويسعدها، الأن جاء هؤلاء ليشاركوه كل ذلك، وهو رغم معرفته أنها ليست شيئًا ليتفرد بملكيته دون الآخرين، إلا أنه لا يسعه سوى الشعور بالتملك والغيرة كلما نظر لها أحدهم تلك النظرة الحنونة .
" لا شكرًا أم فتحي مش بتحب تفطر اساسا "
رمقته هالي بحنق من حديثه :
" مين دي اللي مش بتحب تفطر ده انا بـ "
قاطعها أدهم وهو يجذب رأسها له بمزاح خشن :
" أنتِ يا حبيبتي مش بتحبي تفطري عشان الفطار بيعملك حموضة وبتتعبي بسببه "
انهى حديثه وهو يميل ليهمس في أذنها:
" هجبلك علبة نوتيلا وعلبة مربى توت لوحدك لو سكتِ "
ابتسمت هالي وقد اجبت تلك الصفقة، لكنها رغم ذلك أرادت الاستفادة أكثر :
" و لانشون ؟!"
ضغط أدهم على أسنانه طاحنًا إياها في إشارة على قرب انفجار غضبه، لكن كل ذلك لم يحرّك مقدار شعرةٍ من رأس هالفيتي التي نظرت له بحاجب مرفوع في انتظار معرفة رده على صفقتها، وقد أتاها الرد على هيئة تمتمة من ادهم تبعتها كلمات حانقة من فمه :
" ولانشون، ولانشون يا مستغلة"
ابتسمت هالي له، ثم انتبهت لما يحدث حولها تنظر في الشقة تحاول معرفة ما يحدث وقد ارتابت من حركات أبناء خالها الغريبة وقد كانت تقف أسفل جسد مرزوق المعلق على الجدار لا تراه بسبب الارتفاع المعلق به :
" هو أي اللي بيحصل هنا ؟! فيه حاجة غريبة بتحصل "
سمعت فجأة هالي صوت أتى من خلفها يقول باستنجاد لتلك المرأة التي لاحظ تأثيرها على الرجال ذوي البذلات السوداء:
" أنتِ يا ست أنتِ، أنا ورا اهو بصي "
ارتفعت صرخات هالي وهي تنتفض بعيدًا عن ذلك المكان بسبب سماعها لأصوات تأتي من الاعلى ليفسرها عقلها البسيط على أنه ليس سوى شبح :
" عفريــت "
ارتفع صوت مرزوق في المكان يردد بعد مصمصة شفاه سريعة فعلها كأمرأة عجوز:
" عفريت ؟؟ الله يكرمك يا ست فكرتيني بأيام لما كنت في المعهد كان كلهم يقولولي إني عفريت، اكمني يعني كنت اعرف اعمل كل حاجة، ما علينا مش ده موضوعنا، خلي يا ست الناس اللي وراكِ ينزلوني لأحسن ضهري بدأ يقفش عليا "
استدارت هالي فجأة للخلف ترى من قام بتقييده لترتسم في لحظات قليلة ملامح البراءة على وجه جميع أبناء خالها، بعدما كانوا يقذفون ذلك الغبي بنظرات مرعبة.
البعض نظر للأعلى يصفر كجايك الذي كان يدعي أن لا شيء حدث، ومارتن الذي أخرج هاتفه يتلاعب به، بينما انطونيو ملامحه واحدة لم تتغير فقط البرود والجمود هو ما يعلو وجهه، بينما فبريانو نظر سريعًا لادهم ورفاقه الذين كانوا ينظرون لما يحدث بهدوء ليقول مشيرًا لهم :
" هما اللي علقوه كده، احنا لسه جايين، مش كده يا جماعة ؟!"
نظر لأبناء عمومته وإخوته بتحذير ليهز الجميع رؤوسهم بنعم دون فهم، بينما هالي استدارت بصدمة لادهم وسليم وكريم وشادي ويدها تشير لمرزوق الذي كان ينتظر أن تأتي تلك المرأة بخلاصه:
" أنتم اللي عملتوا في الراجل كده يا أدهم ؟!"
تشنج سليم وهو يستمع لكلمتها :
" نعمل ايه ؟! وهنعمل ليه اساسا ؟!"
ارتفع صوت مرزوق يصحح لهالي سوء فهمها :
" لا يا مدام مش الناس دول مع أنهم يعني مرضيوش إني أفطر واخد راحة، بس ما علينا الناس اللي لابسة جواكت سودة هما اللي علقوني "
وفي ثواني فقط كان الجميع يخلع سترته دون لحظة تفكير بعد إشارة من آدم والذي فهم حديث مرزوق ...
ولم يتبقى سوى أنطونيو وفبريانو وشادي هم من يرتدون سترات سوداء ..
ابتسم فبريانو بسمة صغيرة وهو يشير لثيابه قائلًا :
" قد يبدو لكِ أنني ارتدي اللون الاسود، لكن في الحقيقة هذا لون اخر وعينك هي من تخدعك، أنا ارتدي اللون الأسمر لكنه لن يظهر لكِ بسبب الإضاءة فقط "
قاطع مرزوق كل هذا النقاش الذي بدى له ممتعًا لكن ليس وهو معلق بهذا الشكل :
" معلش بس يا ست ممكن تخليهم ينزلوني وبعدين تتكلموا ؟؟"
نظرت هالي له بحيرة لا تدرك سبب تعليقه بهذا الشكل، هي ليست غبية لتظن أن من فعل هذا هم ادهم ورفاقه، ربما تقتنع إن قال سليم وادهم فهم أكثر الأربعة بأسًا، لكن في وجود أبناء خالها، سيكون اللوم كله عليهم .
تحدثت هالي لفبريانو لعلمها أنه الوحيد الذي يفهمها بعدما أدركت ذلك يوم حادثة ليزا والمزرعة يوم كادت تصاب بذبحة صدرية لمعرفتها أنه كان يفهمها طوال الوقت ومنذ تعرفت عليهم وكذلك آدم...
" علقتوه ليه ؟؟ هو الراجل ده عمل ايه ؟!"
ابتسم لها آدم بسمة صغيرة يحاول أن يجد مبرر لما تراه قبل أن تخشاهم :
" هذا ؟؟ نحن فقط رفعناه لكي يصلح السقف، أعني نحن قد بدأنا العمل للتو ولم يستطع ذلك المسكين أن يصل للسقف فتبرعنا نحن بكل كرم لرفعه، صحيح "
ردد الجميع في صوت واحد :
" نعم صحيح "
نفخ أدهم باستنكار :
" وكأنها ستفهمك، ثم حتى إن فهمتك هل تظن أن زوجتي بالغباء الذي يجعلها تصدق حديثك ؟!"
في تلك اللحظات كان فبريانو قد ترجم لها ما قاله آدم ليسمع الجميع صوتها وهي تقوله :
" اااه عشان كده متعلق، والله الناس دي بتتعب في شغلها، ربنا يرزقهم بالحلال "
نظر أدهم لها ثم عاد بنظره لادم يقول ببسمة مغتاظة:
" هي اغبى من كده بكتير "
في تلك اللحظة ارتفع صوت اليخاندرو الذي حاول أن يبعد تفكير حفيدته عما يفعل أحفاده :
" حبيبة جدك اشتقت لكِ "
ولم تفقه هالي من حديثه سوى تلك الكلمة ( حبيبة جدك) والذي كان جدها يكررها طوال الوقت على مسامعها حتى حفظتها وتستطيع تردديها دون أي أخطاء .
اندفعت لاحضانه بحب :
" وحشتني يا جدو"
ضمها اليخاندرو بحب كبير، ذلك الرجل الذي رأى من الحياة ما يمكن أن يحول المياه لجبال صلبة من قسوتها، لكنه وببساطة تخطى كل ذلك لاجلهم، لأجل أحفاده جميعهم، حاول حمايتهم ولو على حساب سلامته وحياته هو، ذلك العهد الذي قطعه منذ قتل جميع أبناءه وهو أن يحمي أحفاده بنفسه، وها هم الآن يحيطون به، حتى إن رحل الآن سيكون أكثر من سعيد لمعرفته أنهم يستطيعون حماية أنفسهم وحماية زهرتهم الوحيدة؛ تلك الزهرة التي نشأت بين تسعة من النخيل الشاهق .
ابتسم انطونيو بحنان وهو يراقب ما يحدث قبل أن يسمع الجميع صوت ضوضاء قادمة من النافذة وصراخ صبي صغير في الشارع وكأنه يذيع أحد الاخبار :
" الواد حودة بيتخانق مع الستات الأجانب على الناصية "
واستمر بترديد تلك الجملة أثناء ركضه في الشارع لتنتفض شادية وهي تقول بحنق وحدة وقد فاضت كؤوس صبرها من ذلك الـ " حودة" الذي يستمر بازعاج النساء :
" تاني يا حودة الزفت ؟! تعالى معايا يا شادي أما نشوف الزفت ده هبب ايه تاني، والله لاقطع رجله عشان يبطل يرمي كلام على اللي رايحة وجاية"
تحركت شادية للخارج وخلفها سليم وكريم وشادي عالمين جيدًا أن شادية لن توفر جهدًا لتقريع حودة خاصة بعدما تجرأ في إحدى المرات وازعج مريم أثناء عودتها من الخارج وقتها لم يستطع أحد أن يخرجه من أسفل يد كريم إلا شاكر فقط وقد أخذه للمركز وحبسه هناك ليوم حتى يتأدب، لكنه خرج وعاد لعادته وشادية توعدت له يومًا أنها إن سمعت منه شكوى واحدة ستبرحه ضربًا هو ووالدته الني لم تُحسن تربيته .
رأى اليخاندرو والأحفاد جميع الرجال يتحركون نحو الخارج بسرعة لنجدة هؤلاء النساء من حودة ومن معه غير منتبهين لكلمة " أجانب" التي صاح بها الصبي .
تحدث مايك بتعجب وهو يرى كل ذلك :
" ما الذي حدث هنا ؟!"
ترجم له آدم بشك :
" يقولون هناك شجار بين شخص يُدعى حودة ونساء ...اجنبيات "
ومع نهاية جملته ارتفع صوت مارسيلو :
" اجنبيات ؟؟؟"
حرّك انطونيو رأسه بريبة وهو يقول :
" نعم اجنبيات، لكن ما تعريف الاجنبيات هنا لهم ؟!"
ابتسم فبريانو يقول بشر وقلبه ينبأه أن تخمينه صحيح :
" اجنبيات هنا تعني أي امرأة ليست مصرية "
قال مارتن بصوت أشبه بالفحيح وحدسه يخبره أن ذلك الموضوع ستكون جولي أحد الأطراف به :
" اجنبيات كزوجاتنا ؟؟"
هز فبريانو رأسه:
" نعم كزوجاتنا"
وبمجرد انتهاء كلمته هرول الجميع للخارج في شكل مرعب جعل هالي تنتفض من احضان جدها تقول بريبة.:
" هو فيه ايه ؟؟"
نظر لها اليخاندرو ثم قال :
" يبدو أن منزلك لن يكون الوحيد المحترق في تلك الحارة عزيزتي "
وبمجرد انتهاء كلماته تحرك بسرعة صوب الاسفل فهو الوحيد الذي يستطيع تهدئة أحفاده، ولحقت به هالي في خوف لما يحدث حولها .
بينما بقى مرزوق معلق وهو ينظر للمكان الذي أصبح فارغًا حوله حتى من الصبي المساعد له والذي اختفى بمجرد وصوله هنا حينما طلب منه إحضار السجائر:
" طب وانا يا عم الحاج مش هتنزلني؟؟ يا جماعة يا للي هنا نزلوني طيب وشوفوا حودة واللي عمله، يا ناس نزلوني عايز ادخل الحمام "
صمت يحدق في المكان حوله ثم قال :
" طب متتأخروش طيب لاحسن مش همسك نفسي كتير"
________________
في الحارة وأمام مسمع ومرأى الجميع كانت نظرات الصدمة تعلو الوجوه من تحول " الفتيات الأجنبية " كما يطلقون عليهم، لأشخاص هم اقرب لأبناء الحارات المصرية الأصيلة، فها هي إحدى الفتيات تمسك حودة توسعه ضربًا وهو يتلوى ارضًا من ضربات حذائها يحاول الإفلات منها :
" طب والله لاوريكِ يا زبالة يا بنت الـ ***، اوعي بس كده عشان والله هوريكِ "
تدخل أحد الشباب الواقفين في المحيط يتحدث بحدة مغتاظًا من ذلك الشاب الذي يُمثل نموذجًا سيئًا لجميع الشباب هنا :
" ده لو قومت، اصبر بس تخلص منك وانا همسكك اروقك أنا ورجالة الحارة احلى ترويقة عشان تبقى تحرم ترفع عينك بالغلط في بنت "
لكن حودة لم يكن في مزاج يسمح له بسماع توعد ذلك الرجل، بل كان جلّ اهتمامه أن يخرج حيًا من أسفل يد تلك المرأة التي أصابته بصدمة كبرى حينما سمعها تسبه بكل السبات المصرية الاصيلة، صدمة جعلت رفاقه يتجمدون في أرضهم حتى انقضت عليهم فتاة أخرى لكنها كانت تتحدث بلغة غريبة عكس الاولى ولم تكن تلك الأخرى سوى جولي التي لم تفهم شيئًا غير أن رفقة تتشاجر مع هؤلاء الشباب الوقحين.
بعدما أسقطت جولي الشاب الآخر ارضًا انحنت تفك رباط حذائها حتى تضربه به كما تفعل رفقة، لكن يبدو أنها استغرقت وقتًا طويلًا لفك رباطه، وقت استطاع به الشاب الهرب من تحت يدها مرتعبًا أن يصل أمر الشجار لوالده .
بينما جولي علت ملامحها الصدمة والحسرة فبعدما خلعت حذائها أخيرًا رحل ...
لكنها لم تدع الحسرة تتمكن منها طويلًا فقد انقضت فورًا على ذلك الشاب الذي كانت تضربه رفقة تضربه بحذائها تسمعه من السبات الايطالية اسوأها، بينما جميع الفتيات اتخذن دور الجمهور ليشجعنهن ...
ابتلعت روز ريقها وهي تبصر بعينها الشاب الثالث الذي هرب منذ بداية المعركة يعود ومعه امرأتين يبدو على ملامحهما الإجرام ..
جذبت ثياب روما وهي تقول بريبة :
" روما لنذهب من هنا فالأمر يزداد سوءً"
نظرت لها روما توافقها على رأيها، نظرت لجولي ورفقة تتحدث بصوت مرتفع صارم:
" رفقة جولي لنرجل من هنا الآن"
لكن يبدو أن ايًا منهما لم تستمع لما قيل، وقبل أن تتبع روما جملتها السابقة بأخرى وجدت امرأتين ذوات جسد معتدل ليس بالكبير أو الصغير يقتحمن الشجار وصراخهن يعلو بكلمات غير مفهومة، سمعت جوارها صوت لورا التي تدخلت بحدة تصرخ بكلمات أخرى غير مفهومة لها، لتشتعل الحرب أكثر بانضمام فيور لهن وهي تنقض على إحدى المرأتين ...
وصلت أم حودة للشجار بعدما أبصرت رفيق ابنها يعود للمنزل شاحب الوجه لتسأله عن ابنها وتعلم منه ما حدث، اقتحمت الشجار وهي تصرخ بجنون :
" جرا ايه منك ليها هتموتوا الواد، اوعي يا ختي، اوعي يا شاطرة كده "
كانت تتحدث وهي تزيح رفقة بحدة جعلتها تسقط ارضًا بقوة على يدها، ورغم احساس رفقة بالوجع يسري في ذراعها إلا أنها تمكنت من تحمله وهي تعتدل تنفض ثيابها :
" والله اللي عنده عيل قليل الادب يلمه مش يطلقه يرازي في خلق الله، ثم ابنك هو اللي بدأ اساسا "
شهقت المرأة وهي تقول بحدة وصراخ :
" والله ابني شاب زي أي شاب بيبص هنا وهنا، مش ذنبه أنك نسيتِ تلبسي وأنتِ خارجة وطلعتِ بلبس بيتك "
أنهت حديثها في إشارة لملابسها التي كانت عبارة عن بنطال اسود قماشي مع قميص صيفي باللون الاصفر، رفعت رفقة حاجبها ولم تكد تجيب حتى اقتحمت لورا المكان صارخة بصوت أعلى من صوت المرأة في:
" اييه لا هيك كتير، اصلًا ابنك بلا ترباية يا خالة "
اشتعلت عين المرأة ولم تكد تتحدث حتى لمحت روبين التي كانت تحمل قاسم لتشتعل عينها مرددة :
" مش ده ابن الدكتور أدهم؟! معنى كده أنكم قرايبه ؟! "
نظرت روبين لها تضم قاسم لها بخوف أن تأذيه، بينما السيدة ابتسمت بسخرية وهي تنظر لرفقة من أعلى لاسفل :
" اكيد مش هتجيبي قلة الأدب دي من برة، اكيد من شادية "
في الوقت الذي نطقت به اسمها كانت كمن حضر العفريت، اقتحمت شادية الجمع تزيح هذا وذاك جانبًا تتحرك بصعوبة بسبب عمرها وصوتها يصدح في أرجاء المكان :
" ومالها شادية يا ام حودة ؟! كنت باكل منابك ولا يكونش مرات ابوكِ؟! بعدين مين دي اللي قليلة الادب يا ولية يا ناقصة، ده مفيش حد في الحارة دي ميعرفش تربيتك اللي زي وشك اللي مربياها لعيالك"
نظرت جميع الفتيات للسيدة الجديدة والتي لم يتعرفوا عليها، إلا أنهم ابتسموا لتدخلها فهي الوحيدة التي تسببت في احمرار وجه والدة الصبي التي نظرت بغضب حولها وهي تردد بصوت صاخب مرتفع :
" والله يا حبيبتي على الأقل ابني صغير وملوش في المشاكل آخره يعاكس بنت ولا يرمي كلمتين، الدور والباقي على اللي حفيدها والعيال صحابه ماشيين يعملوا مشاكل مع خلق الله وكل يوم والتاني عاملين دوشة في الحارة "
اسودت عين شادية وهي ترفع يدها في وجه المرأة :
" كلامي مش معاكِ يا سامية، كلامي مع جوزك اللي سايبك ماشية تخبطي في غيرك، والكلام اللي قولتيه في حق احفادي مش هنساه، دول مش عيال صغيرين بريالة زي ابنك، لا دول رجالة وعمرهم ما وقفوا في باطل ودايما مع الحق"
لوت سامية شفتيها بسخرية لاذعة ولم تكد تجيب حتى انقلبت الحارة رأسًا على عقب بتدخل رجال كثير بثياب سوداء وملامح جامدة تنافس سواد ثيابهم وصوت واحد ارتفع بشكل مرعب :
" ما الذي يحدث هنا ؟؟"
_________________________
وعلى مقربة من كل ذلك كان يجلس في مكانه المفضل الذي اكتشفه منذ البارحة مساءً، يستند برأسه في سعادة وانتشاء بسبب تلك الرائحة التي تقتحم أنفه، لقد ترك الجميع منذ جاءوا صباحًا لرؤية هالي وجاء هو هنا لتناول المزيد والمزيد من ذلك " الكرشي اللذيذ "
" وعندك احلى طاجن كشري وصلحه "
كانت تلك كلمات أحد الشباب الذين يعملون في المحل والذين تعرفوا على جاكيري منذ الأمس حينما تناول عندهم ما يزيد عن خمسة اطباق دون اكتفاء .
ابتسم له جاكيري يشكره بكلمات مقتضبة قبل أن ينقض على الاطباق يتناول منها ما يشاء وصوت تمتماته اللذيذة تعلو في المكان راسمة بسمة فخورة على فم الشاب الذي قدّم له الاطباق، تحرك الشاب بعيدًا تاركًا إياه يتناول ما يشاء دون حرج ليسمع صوت المدير يردد ببسمة واسعة :
" هو نفس الزبون بتاع امبارح رجع تاني ؟!"
هز الشاب رأسه بنعم وهو يقول :
" أيوة يا معلم تقريبًا مقدرش يقاوم حلاوة الكشري بتاعنا"
ابتسم الرجل بسعادة كبيرة وهو يراقب ملامح التلذذ التي تعلو وجه جاكيري، وقد امتلأ قلبه سعادة لحضور أحد الأجانب لمطعمه المتواضع، لكن فجأة وأثناء كل هذا لاحظ المدير وجه الزبون ينقلب وهو يستمع لرنين هاتفه .
وعلى طاولة جاكيري وأثناء تلذذه بتلك الوجبة الجميلة رخيصة الثمن والتي لم يصدق البارحة سعرها حينما أخبره الشاب، قاطع كل ذلك صوت رنين هاتفه، لوى فمه بحنق يخرجه من جيبه ليرى المتصل ووجد أنه لم يكن سوى ماركوس ..
فتح جاكيري الهاتف يجيب المتصل ليرتفع صوت ماركوس من الجهة الأخرى قائلًا بجدية ونبرة عالية بعض الشيء وفي الخلفية يعلو اصوات شجار عنيفة لم يميز منها سوى صراخ زوجته وحديث انطونيو العنيف أن تصمت ..
" جاكيري تعال بسرعة أمام منزل أدهم، زوجتك تتشاجر مع بعض الشباب هنا "
انتفض جاكيري من جلسته بصدمة، ثم أخرج أموال من جيبه دون عد وتحرك خارج المطعم بسرعة كبيرة يمسك فمه بأحد المناديل، يفكر في السبب الذي يجعل رفقة تشاجر رجل، وحينما اقترب من منزل أدهم أبصر تجمعًا تعلو منه اصوات الصياح ...
وفي وسط الشجار كان انطونيو ينظر بتحذير لرفقة ألا تدخل في الأمر :
" أخبرتك أن تبتعدي رفقة ونحن من سيتولى الأمر "
لكن رفقة أصرت وهي تقول في وجهه :
" لا لن افعل انطونيو ذلك القذر رفع يده وكاد يضربني بعدما صفعته لأجل كلماته القذرة التي ألقاها على مسامعنا، حتى أن أحد رفاقه دفعني ارضًا "
تدخل ادهم في الأمر حتى لا تتصاعد الأمور وهو يعلم كيف يمكن أن يتصرف أقارب زوجته، فهم يستطيعون إحراق المكان إن اضطر الأمر، وبالفعل بدأ يرى أسلحة تخرج من ثياب الجميع، زفر أدهم يتقدم من الجميع :
" حسنًا جميعًا فقط اهدأوا تلك الأمور لا تحتاج لكل ذلك العنف، هذا الاحمق سوف يُعاقب اضمن لكم هذا، لكن فقط لنتحدث بهدوء "
تدخل فبريانو بقوة وهو ينظر لارتعاشة زوجته التي كانت تضم الصغير محتمية به :
" بل أنت من لن يتدخل، هذا الفتى لي وحدي "
وصلت هالي في نفس الوقت الذي وصل به جاكيري والذي اخترق الجمع بعنف وملامح لا تراها عادة على وجهه المشاكس المازح، ملامح مخيفة يضم زوجته بحمائية كبيرة :
" ما الذي يحدث هنا انطونيو ومن هذا الذي تجرأ وابكى زوجتي "
أنهى حديثه يضم رفقة له بلطف بينما رفقة وبمجرد أن سمعت صوته حتى استكانت وصمتت واطمئن قلبها بوجوده، بينما الجميع نظروا للشاب الملقى ارضًا والتي كانت والدته جواره تحاول أن تساعده للنهوض ....
تحدث انطونيو يرفع إصبعه مشيرًا لمنزل أدهم بمجرد أن لمح وجود هالي، وقبل أن يتطور الأمر ويخرج أبناء عمومته وإخوته عن طور هدوئهم قال :
" الجميع لمنزل أدهم الآن ودون نقاش "
فتح فبريانو فمه للحديث لكن قاطعه انطونيو بشر :
" قلت الجميع ولم استثنيك فبريانو "
ودونًا عن إرادته تحرك فبريانو يسحب له روبين بحنان بينما الغضب ينبض من كل حركاته وهكذا انسحب كل رجل بزوجته ولم يتبقى سوا شادية وهالي وزوجها وجده.
نظرت شادية لسامية وقالت :
" والله يا سامية ما أنتِ قاعدة فيها، هنضف الحارة منك ومن ابنك اللي مسابش ست ولا بنت غير وقل أدبه عليها سواء بكلمة أو بلمسة "
أنهت حديثها تتحرك صوب مقهى ابنها وفي رأسها عازمة على وضع حد لتلك الآفات التي تتمثل في حودة ورفاقه
بينما انطونيو أشار لادهم أن يأخذ زوجته ويصعد :
" وأنت ادهم رجاءً خذ هالي واصعد سوف الحق بكم، وكذلك أنت جدي "
ودون كلمة أمسك ادهم بيد هالي وأخذها بعيدًا خوفًا أن ترى ما يخيفها، وكذلك اليخاندرو الذي رمق حفيده بنظرة صغيرة فهمها الاخير .
وهكذا رحل الجميع ولم يتبقى سوى أنطونيو وحودة وأقارب حودة ووالدته، تحرك انطونيو صوب الأخير الذي كان يتسطح ارضًا يقول ببسمة بدت باردة هادئة لكنها في الباطن كانت مخيفة بحق يمد يده لحودة وصوته خرج مخيفًا :
" هيا عزيزي دعني اساعدك ......"
______________________
كانت جميع الفتيات يجلسن في منزل أدهم لا أحد يتحدث بكلمة، بل لا يجرأن على الحديث وهن قد ضربن بحديث أزواجهن عرض الحائط، ولم يكتفين بذلك بل افتعلن مشاكل في المكان وتعرضن للمضايقات أثناء قدومهن..
ابتسمت لورا بسمة غبية وهي تتحرك من مقعدها تقترب من مايك تقول بصوت برئ :
" اشتقت لك مايكي "
رفع مايك حاجبه بسخرية لاذعة ولم يجب ثم أشار بعينه لها أن تتحرك صوب مقعدها وقد فهمت لورا الرسالة التي ارسلتها عينه، فجلست وصمتت ولم يتحدث أحدهم حتى ارتفع صوت فبريانو الصارخ والذي امتلئ صدره غيظًا بسبب كل ما حدث :
" هذا يكفي سوف أهبط واقتله ثم أعود "
أمسك مارتن يد قبل أن يهبط ويتهور في منتصف النهار وأمام أعين الجميع، هم ليسوا في قصر معزول أو في جبل نائي حتى يخرج سلاحه ويتصرف كأن لاشيء ليعبأ به ..
" توقف فبريانو جدي ينظر لك بشكل مخيف "
تحولت عين فبريانو صوب اليخاندرو الذي حذره من التحرك خطوة اضافية، واحترامًا لجده فقط عاد مكانه كطفل تم انتزاع لعبته المفضلة منه ..
دقائق مرت بصمت على الجميع حتى ارتفع صوت مرزوق الذي كان ما يزال معلقًا :
" وحدوه ..."
تمتم البعض منهم بلا إله إلا الله ليعلو صوت مرزوق مجددًا وهو يقول :
" يا جماعة ده شيطان ودخل بينكم والله يا استاذ فبريانو، نزلوني بس وبعدين حلوا مشاكلكم الأسرية مع نفسكم، مش قدامي أنا مهما كان شخص غريب عليكم، روحوني لامي واتكلموا زي ما تحبوا اصل انا فتان وممكن اقول لامي على اللي بيحصل هنا "
رمقته هالي بسخرية :
" وأنت فاهم على كده يا مرزوق ؟!"
" لا يا ست هانم بس هسجل ليكم كل حاجة واترجمه على جوجل، معلش هتعبك معايا ناوليني بس التليفون بتاعي من شنطة العدة اللي عندك تحت "
تجاهلته هالي وهي تنظر لأبناء عمومتها تقول بجدية :
" مرزوق عنده حق يا جماعة ده شيطان ودخل بينكم، بعدين مش فاهمة أنتم متعصبين من إيه ؟! ده حودة يعني آخره مبيد حشري ونخلص منه "
نهضت شادية من مكانها تقول ببسمة :
" هروح اعمل عصير ليمون ليكم يهدي اعصابكم"
خرجت وهي تردد :
" ايه الاشكال اللي تفتح النفس دي،ده مفيش واحد فيهم فيه عيب صغير"
تحدث أدهم بهدوء وهو يرى أن الجميع بدأ يهدأ:
" خلاص اللي حصل حصل وانا هتصرف مع حودة واهله، ممكن دلوقتي نركز في بيتي اللي متفحم ده لو مكنتش هزعج روح الانتقام جواكم"
التفت له فبريانو بشر ليتحدث أدهم دون اهتمام :
" متبصليش كده، اساسا أنتم اللي باين عليكم عيلة لبش وبتاعة مشاكل من وقت ما رجليكم دبت المكان "
ابتسم فبريانو يردد بسخرية وملامح جامدة :
" العيلة اللبش دي هي اللي جابت الكلب اللي عمل في بيتك كده "
انتفض جسد أدهم بعنف وهو ينظر لفبريانو بصدمة :
" هو فيه حد هو اللي حرق البيت ؟؟"
ابتسم فبريانو بسمة جانبية ولم يتحدث بكلمة لينهض أدهم من مكانه يقترب منه يمسك تلابيب ثيابه مهددًا إياه دون أن يعبأ بمن يقف أمامه :
" أنت هتخرس دلوقتي ؟؟ انطق قولي مين اللي حرق بيتي وعشان ايه اساسا ؟؟"
نظر فبريانو ليده ثواني ثم ودون أن يشعر وجد أدهم قبضة فبريانو تصطدم بوجهه والأخير ينهض من مكانه يقول بجدية :
" إياك أن تتجرأ وتمسك بي بهذا الشكل مجددّا، ونعم أيها الاحمق ذلك الرجل الذي تشاجرت معه في المشفى قبل سفرنا هو من حرق منزلك بالكامل"
اشتعلت عين أدهم ليس من ضربة فبريانو، بل من حديثه شعر بدماءه تهدر في عروقه والنيران تكاد تخرج من أعينه، لكن جملة فبريانو التي خرجت لاحقًا هدأته قليلًا :
" لقد توصلنا له عن طريق بعض أفراد الحارة الذين تعرفوا عليه، وقد قمنا بالتخلص منه "
شهق أدهم بعنف لوقع تلك الكلمة على أذنه:
" قتلتوه؟؟"
فتحت هالي عينها وهي تنظر لفبريانو تصيح برعب وعدم فهم :
" قتلوا ؟! قتلوا مين ؟؟"
نظر لها فبريانو ينفي تلك الفكرة التي زرعها ذلك الغبي زوجها الان في رأسها:
" نقتل مين !! لا احنا بس ضربناه شوية صغيرين وبعدين سلمناه هو والتسجيلات للشرطة "
قال جملته الأخيرة بتذمر كبير وكأنه لم يكن راضيًا عن الأمر وفي الحقيقة هو كان كذلك، لكن رغبة جدته هي من نفذت وتم تسليم ذلك الرجل وعائلته للشرطة بعدما تلقى بعض الضربات منهم ...
في ذلك الوقت صعد انطونيو يمسح يده بمحرمة وهو ينظر للجميع بغموض وبسمة صغيرة مرتسمة على فمه، يقول دون اهتمام بشيء :
" إذن بما أن الجميع هنا، هلّا بدأنا ؟؟؟؟؟"
نظرت روما لانطونيو تراقب بسمته تلك والتي زرعت الراحة في قلبها من ردة فعله، ظنًا بكل غباء أنه تجاهل مخالفتها أوامره وخروجها من القصر في دولة لا تعلم عنها شيئًا ..
لكن اقتراب انطونيو منها وهمسته بالقرب من أذنها حطمت آمالها على صخرة الواقع :
" أنا لم أنس ما فعلته سيدة روما، لكن عندما ينتهي هذا كله سنتحاسب، فقط انتظري لنعود إلى غرفتها "
نظرت له روما بأعين بريئة تهمس له بالمثل :
" أنا لن أفعل شيئًا كانت رفقة هي من تشاجرت اقسم لك "
" أنا لا أتحدث عن المشاجرة روما "
وبهذه الكلمات أنهى الحوار وهو يعتدل في وقفته وفتح فمه للتحدث، لكن قاطع كل ذلك صوت مرزوق وهو يقول بحنق :
" هو مش كفاية ولا ايه ؟! أنا حاسس اني هطرح بلح كمان شوية، ما تنزلوني يا جماعة كدة كتير والله "
أشارت هايز حيث مرزوق بتعجب :
" صحيح من هذا الرجل ؟؟ ولماذا هو معلق بهذا الشكل ؟؟"
نظر الجميع لمرزوق الذي كانت ملامحه حانقة غاضبة ليغمغم فبريانو بلا اهتمام :
" هذا مرزوق "
قالت روبين بتعجب :
" أيوة مين مرزوق وليه متعلق كده ؟؟"
ابتسم فبريانو ثم قال بتلميح وفحيح :
" أصله مش بيسمع الكلام، وبيخالف اللي بقوله عليه "
ابتسمت روبين بغباء تدرك أنه يقصدها بذلك الحديث :
" معلش سامحه هو بيحبك وعشمان فيك خير "
رفع فبريانو حاجبه :
" مين ده ؟؟"
" مرزوق "
قاطعهم صوت اليخاندرو الذي نهض من مكانه يشير للجميع أحفاده :
" حسنًا يكفينا هذا، منذ الصباح ونحن لم نفعل شيئًا مما جئنا لاجله، هيا احبائي احملوا عدتكم وتجهزوا لبدء العمل ..."
_______________________
في الاسبوع التالي لذلك اليوم كان الجميع يعمل على قدم وساق للانتهاء من تلك الأعمال في اسرع وقت، الجميع يتعاون، أو يحاولون التعاون، فأمر كالتعاون وسط ساحة الحرب تلك أشبه بتساقط الثلوج في أسوان صيفًا ...
كان مايك يحمل فرشاة ضخمة يحاول أن ينتهي من دهان الأركان التي لا يصل لها أحد، وخصره يهتز يمينًا ويسارًا على تلك النغمات التي تصدح في المكان، لا يهتم للصرخات والشجارات القصيرة التي تحدث كل ثانية بين الجميع .
توقف عما يفعل حينما شعر بمن يصطدم به، استدار ليرى أن من اصطدم به لم يكن سوى مرزوق والذي كان يكمل كوب الشاي الخاص به يدور على الجميع يتخذ دور المشرف، ولم تمس يده العمل سوى مرات قليلة حينما يرمقه انطونيو بشر .
تأتأ مرزوق بحسرة بعدما تسبب اصطدام مايك في تساقط بضع قطرات شاي عليه وعلى ثيابه :
" الله مش تخلي بالك يا باشا؟! كنت هتضيع عليا كوباية الشاي الصباحية "
نظر حيث الجدار الذي يقوم مايك بدهانه ليحاول أن يضيف بعض ملاحظاته :
" تسلم ايدك يا زي الفل، بس شوف الخط اللي فوق ده ميّل الفرشة بزاوية وادهنه كويس بلاش شغل الكروتة دي"
ختم حديثه يرتشف من كوبه بصوت مرتفع ثم أضاف :
" بس عامة تسلم ايدك، أنت بس لو تطاوعني وتيجي تشتغل معايا هأكلك الشهد بدل الزفت اللي اسمه سمير اللي وجوده زي عدمه، فكر ورد عليا "
ربت على كتف مايك وهو يتحرك ليشرف على الباقيين، بينما مايك ينظر لكتفه حيث ربت ذلك الاحمق، لكنه لم يهتم كثيرًا بشيء وهو يعود للاندماج مع تلك الأغنية التي وضعها .
في منتصف المنزل كان جايك هو المسؤول عن تحضير الدهانات واخبار الجميع بأي لون يدهنون الجدران، فكان هو مصمم الديكور الخاص بالمنزل، وبينما يقوم بخلط الدهانات شعر بجسده يسقط فجأة في دلو الدهان بقوة، وصوت خلفه يردد بصدمة :
" تؤ تؤ تؤ يا ستار يا رب ده أنت اتزرعت زرع بصل، حاول تخرج بسرعة بس متقومش مرة واحدة استنى لما تتصفى لاحسن تنقط على الأرضية والدهان ده غالي مش ناقصين خسارة الله يكرمك "
انتهى مرزوق من إلقاء أوامره، ثم تحرك صوب مسجل الصوت الذي كان يصدح في الإرجاء ليوقفه بحنق من تلك الأغاني الاعجمية التي لا تستسيغها أذنه، ثم قام بتشغيل أغنيته المفضلة يمتص شفتيه بتأثر على صوت الموسيقى التي علت في الأجواء :
" الله الله، سمعنا يا سلطان الزمان ..."
راقبه أدهم يتحرك كالمخمور في منتصف المنزل وهو يحمل كوب الشاي الخاص به يردد مع الأغنية بكل استمتاع :
" الجو هادي خالص والدنيا هس هس، وانا وأنت يا حبيبي ونجوم الليل وبس "
في ثواني كانت يد أدهم تهبط على كتف شادي بعنف مشيرًا لمرزوق :
" اتفضل روح حزمه، روح حزم الاستاذ النقاش اللي جايبه يشرف علينا ويشرب ويفطر ويروح "
تأوه شادي بوجع من ضربة ادهم :
" مالك بس يا ادهم ما تروق، ما الجو بونو بونو وآخر سلطنة اهو"
اشتدت غضب أدهم وهو يكرر ضربته على كتف شادي :
" بتهزر ؟! ليك عين تهزر ؟! اتفضل خلي الاستاذ يخلص نمرته ويكمل دهان المطبخ "
تحرك شادي صوب مرزوق بحنق وصوت تمتماته تعلو في الأجواء وهو يتذمر من كل شيء :
" محسسني إني ولي أمره "
توقف شادي في منتصف بهو المنزل وهو يراقب حركات مرزوق الذي كان يتحرك وهو يحرك يديه في الهواء يردد باندماج :
" اديني حب اكتر، اديك الشوق يا سكر "
امسكه شادي من ثيابه جاذبّا إياه صوب المطبخ :
" اديك حب؟؟ ده أنا هديك بالجذمة يا مرزوق لو ما شوفتش شغلك"
وما كاد يتحرك خطوة مع مرزوق حتى شهق الاثنان بفزع كبير لشعورهما بدلو من الدهان يسقط أعلاهما بسبب جايك الذي صرخ بجنون في وجه مرزوق :
" أنت أيها الغبي لقد وصلت لنهايتك معي "
أشار شادي لنفسه ولذلك اللون الذي غطاه :
" طب وانا مالي، أنا مال امي بيكم وبمشاكلكم ؟!"
أطلق كريم ضحكات صاخبة يراقب شادي الذي أصبح باللون اخضر، بينما سليم كانت ضحكاته ترن في أرجاء المنزل وهو يشير لشادي يسقط ارضًا من كثرة الضحك :
" هالك بعد ما جاله السُل "
رمقه شادي بشر ولم يكد يتحدث بكلمة حتى شاركهم ادهم الضحك يتحرك صوب شادي بصعوبة حاملًا بين يديه عصا رقيقه قسمها نصفين ثم وضع كل نصف في إحدى جهات رأسه ليبدو كما لو كان يمتلك قرون استشعار...
" مرحبًا بك على كوكب الأرض "
نظر له شادي بحنق وهو يدفعه :
" ها ها يا مضحك يا ابو دم خفيف، الحق عليا بساعدك وبتتريق عليا، طب والله لاسيبلك الشقة وشوف مين هيحلق على مرزوق "
ضحك كريم يشارك أصدقائه المزاح :
" خلاص بقى يا شادي متبقاش قفوش كده، تعالى هنضايفك عشان تقول لقرايبك القضائين أن أهل الأرض ناس كريمين "
شاركه سليم الضحك وهو يشير له أن يصمت :
" سيبه يا كريم تلاقيه راكن السفينة الفضائية صف تاني "
" تصدق ياض منك ليه أنتم دمكم سم اوي بجد، لا بجد نكتكم بايخة اوي "
ضحك ادهم بقوة :
" بس ضحكتني "
" عشان أنت بايخ زيهم "
كان أنطونيز يراقب ما يحدث رغم عدم فهمه الا أنه ابتسم مرتاحة وهو يردد :
" جيد أن المشاكل لا تحدث مع هؤلاء الحمقى وإلا كانوا دمروا المنزل مجددًا"
ولم يكد ينتهي من كلماته حتى ارتفع صوت صرخات مارتن الغاضبة وهو يصيح في مارسيلو :
" أيها الكسول انظر ماذا فعلت ؟؟ لقد استغرق مني الأمر ثلاث ساعات وأنت دمرته ببساطة "
ضرب انطونيو رأسه بالجدار أمامه يلعن لسانه الذي تحدث منذ قليل بتلك الجملة :
" ليتني لم انطق بكلمة واحدة، يا ويلتي متى سأعيش بسلام ؟؟"
ارتفع صوت مارسيلو يلوح بيده في الهواء معترضًا على حديث مارتن والذي كان يساعده في توصيل الكهرباء للغرف التي انتهوا منها بالفعل :
" أنت من تظن نفسك لتصرخ في وجهي ؟؟ بدلًا من شكري لأنني لم اتركك تعمل وحدك وانام، تأتي لتصرخ بي؟؟ تبًا لك ولجميع أفراد عائلتك مارتن "
كان يتحدث وهو يلوح بيده في الهواء لدرجة أنه أصاب كريم الذي التصق وجهه في الجدار الذي لم يجف طلائه بعد ويصبح وجهه باللون الازرق السماوي، وتعلو ضحكات شادي الذي أشار لكريم :
" عم الكواكب والمجرات كلهم، أنت هنا ياراجل؟! ده انا قالب عليك كوكب زحل مش لاقيك"
مسح كريم وجهه بغضب ليضرب كتف مارسيلو بغيظ :
" أنت يا هذا انتبه أين تحرك يدك "
استدار له مارسيلو :
" ماذا أيضًا هل تريد التشاجر أنت كذلك؟! "
ولم يكد يتحدث كريم حتى تدخل ماركوس للدفاع عن كريم صديقه المقرب من قلبه ضد أخيه الذي يعلم أنه قد يخرج وحشه في وجه ذلك المسالم :
" مارسيلو لا تصرخ فيه هكذا أنت من ضربت وجهه اولًا "
" تقف ضد أخيك لأجل صديقك أيها الخائن"
تدخل مايك في الحديث وهو يتحرك صوب الاثنين :
" هيييه أنتما هل تتشاجران في وجودي ؟! ألا احترام لديكما ؟؟"
سخر فبريانو من كل ذلك وهو يحتسي كوب من الشاي الذي اضحى يدمنه منذ جاء هنا، يراقب كل ذلك الشجار حوله والذي كان يشعره بالراجة والانتشاء ...
بينما جاكيري والذي كان يدهن المرحاض خرج للتو وهو يضع سماعة في أذنه يغمض عينه يتحرك بشكل يشبه مايكل جاكسون في الصالون حيث يتشاجر الجميع ...
فكان يتحرك هو باقدامه في مهارة عالية وهو يغمض عينه ويرقص بينما الحرب قائمة على بُعد خطوة واحدة منه .
وآدم يحاول أبعاد مرزوق عن جايك لينقذ ذلك الغبي من بين مخالب ابن عمه، وعلى مقربة منه يقبع شادي الذي اشتد غضبه من سليم فهجم عليه ليتدخل أدهم يحاول أن يحيل بينهما ...
كل ذلك ومازال فبريانو يرتشف الشاي باستمتاع وهو يتحرك من مكانه صوب مصدر الصوت ليبدل الأغنية وفي ثواني صدحت اغنية ( البيت وناسه ) في المكان وفبريانو يحرك رأسه مع الأغنية باستمتاع يحاول تقليد ذلك الفيديو الذي شاهده ذات مرة لشجار على اغاني العائلة وكم أعجبته تلك الفكرة، وجواره مازال جاكيري يحرك جسده كمايكل جاكسون وهو يتحرك بقدمه في مهارة كبيرة وانطونيو يراقب مايحدث ببرود كبير يرفض حتى أن يُتعب حنجرته ويخبرهم أن يتوقفوا ...
في الأعلى حيث منزل شادية كانت الحرب مشتعلة كذلك لكن بين شادية وأم علي التي جاءت بعد غياب اسبوعين بسبب سفرها عقب الحريق مباشرة، والآن فقط عادت لتطمئن على ما حدث لتجد شادية في الانتظار ...
انقسمت الفتيات لفريقين البعض يجذب أم علي بعيدًا خوفًا عليها من بطش شادية والبعض الآخر يحاول تهدأة شادية التي كانت تقسم أن تنتقم من تلك الثرثارة...
كل ذلك وروما تجلس بهدوء على أحد المقاعد تراقب ما يحدث من بعيد خوفًا على صغيرها وجوارها تجلس اشرقت التي كانت تقطع الخضار لأجل صنع الطعام للرجال تراقب ما يحدث باهتمام ...
"إذن اشرقت هل سيستمر الأمر كثيرًا، فأنا جائعة وقد تأخر الطعام"
رددت اشرقت وهي تتناول قطعة خيار صغيرة :
" لنأمل أن يأتي شاكر فقط وعندها سينتهي كل ذلك "
هزت روما رأسها وهي تنظر لما يحدث، فهم منذ اسبوع ويومين تقريبًا وهم يأتون بشكل دوري لمنزل أدهم للمساعدة في تحضير الطعام، حسنًا هي لا تفعل شيئًا لكن الباقيات يفعلن خاصة روز التي لا تطيق البقاء خارج المطبخ أكثر من خمس دقائق وخاصة الآن حينما أُتيحت لها فرصة التعرف على طعام من ثقافة أخرى..
هن يساعدن في الطهو والرجال يساعدن في اصلاح المنزل، بينما اليخاندرو يقضي نهاره على مقهى والد شادي ومعه المدلل قاسم واحيانًا يبقى في المنزل ويأتي للأطمنئان أن كل شيء يسير على ما يرام .
" أنا هسيبك عشان الواد علي ابنك، بس يا ام علي والله لو عملتيها مرة تانية هيكون اخرك معايا طبق فل وشوية مكسرات "
أنهت حديثها تبعد أيدي الجميع عنها ثم صاحت بحنق :
" يلا كل واحدة تشوف بتعمل ايه خلينا نخلص الاكل لاحسن الرجالة شوية وهتجوع "
غمزت لها منة تحاول أن تخفف من حدة الأجواء :
" الرجالة برضو ولا جد الرجالة يا شادية ؟!"
في ثواني ارتسمت بسمة على فم شادية؛ بسمة خجولة لا تليق بها :
" يوه جاتك ايه يابت يا منة، اكيد بعمل كده عشان الرجالة دول مهما كانوا زي اخواتي الكبار برضو "
انطلقت ضحكات الجميع في المكان عدا من لم يفهمني
الحديث، لتنهي هالي كل ذلك وهي تضحك بصوت عالي تشير لهن بالتحرك :
" طيب يلا كفاية كلام خلينا نخلص، يلا يا لورا خدي هايز وفيور واعملوا العصير، ورفقة مع راسيل يعملوا السلطة والباقي معايا نخلص تحمير الفراخ وعمايل المحشي تحت إشراف هاجر ( زوجة شاكر ) "
ابتسمت هاجر وهي تتحرك صوب مملكتها التي تنعزل بها :
" خلاص باقي آخر حاجة في المحشي هعملها "
وهكذا أصبح منزل شادية كخلية النحل الجميع يعمل عدا روما، الكل له دور في تحضيرات الطعام لأجل الرجال الذين يتعبون كثيرًا فيما يفعلون، ولو جاء أحدهم وأخبر الفتيات أن أزواجهن سيفعلون كل ذلك، وأنهم _باستثناء جايك _سيحملون فرشاة الدهان ويحملون ادوات الإصلاح لإعادة الحياة لأحد المنازل لسقطت جميع الفتيات ارضًا من الضحك، فهذه ستكون معجزة، الرجال الذين لم يعتادوا يومًا حمل أي شيء عدا الأسلحة، الوجوه التي لم تعتاد سوى الغضب، الأفواه التي لم تعتد سوى الصراخ، كل ذلك تغير لأجلها...زهرتهم الندية .
الفتاة الوحيدة التي وحّدت قلوب التسعة، المرأة الوحيدة التي تشاركوا في حبها، من لأجلها تجاهلوا كل الحدود وكل ما بنوه سابقًا، من لأجلها وافقوا أن يتناسوا هويتهم ويندمجوا في عالم بسيط بعيدًا عن ذلك الأخر المخيف .
_______________________
مر أسبوع آخر...
كانت تدور في منزل شادية بتعجب لا تجد أحد فيه، فهي وصلت للتو بعد رحلة قصيرة للسوق حيث ارسلتها شادية لإحضار بعض الفاكهة للرجال، لكن بمجرد وصولها لم تجد أحد حتى منزلها الذي منعها ادهم أن تطئه منذ اليوم الذي بدأ به العمل بحجة أنه يريد أن يجعله مفاجأة لها، كان بابه مغلق أثناء صعودها ولا صوت يخرج منه أبدًا .
ألقت هالي الحقائب ارضًا تخرج منها هاتفه لتتحدث مع رفقة أو اشرقت أو أي أحد، لكن ما كادت تفعل حتى ارتفع رنين هاتفها بين يديها لتنتفض بفزع، تضع يدها على قلبها وهي تتنفس بعنف مجيبة :
" الو يا أدهم"
" أنتِ فين ؟!"
تعجبت هالي سؤاله، لكن رغم ذلك أجابته وهي ترمق منزل شادية حولها بتعجب :
" أنا عند شادية، بس هو مفيش حد هنا خالص هما عندك ؟!"
نظر أدهم حوله، ثم تحرك خارج المنزل يقول بلهفة يصعد درجات المنزل وقلبه يقرع بسعادة غير مفسرة :
" طب خليكِ عندك انا طالع "
وبمجرد انتهاء كلماته سمعت هالي صوت صفارة تعلن انتهاء المكالمة، لترمق الهاتف بصدمة :
" قفل في وشي ؟؟"
قاطع وصول أدهم لمنزل شادية كل ذلك وهو يتجه لها بأقدام ملهوفة بشكل غريب على هالي التي نظرت له بعدم فهم :
" هو فيه ايه ؟! فين البنات وشادية وكمان أنت مش في الشقة ليه ؟؟"
تحرك أدهم صوبها ببسمة واسعة، أمسك يدها دون كلمة وهو ينظر بعينها في حب كبير :
" تعرفي اني بحبك اوي ؟؟"
ابتسمت هالي بتعجب كبير، لا تفقه ما يحدث ولا سبب حركة ادهم المتحمسة تلك وكأنه على وشك الصعود للمسرح لاستلام جائزة نوبل أو ما شابه :
" وانا كمان بحبك اوي بس ايه المناسبة ؟؟"
ابتسم أدهم ينظر بطرف عينه للهاتف قبل أن يخفيه في جيبه مجددًا، ثم أمسك يدها بكل حنان يقبلها، وبعدها جذبها خلفه صوب باب منزل شادية يقول بحب :
" تعالي معايا "
ورغم أنها لم تدرك ما يحدث أو تعلم سبب تصرفات زوجها، إلا أنها سارت خلفه تهبط درجات المنزل التي صعدتها للتو، تتحرك صوب الطابق الخاص بمنزلها والذي كـ...
لم تكتمل الأفكار في رأس هالي بسبب شهقتها التي انطلقت بصدمة مما ترى، هي للتو مرت من هذا الطابق، لكن لم تر كل ذلك، اضواء مبهرة تزين الطابق وورود منثورة بشكل عشوائي في الأرض وعلى جانبي الممر الذي يفصلها عن منزلها ارتص جميع أفراد عائلتها وعائلة أدهم التي تمثلت في شادية وشاكر وعوض ورفاقه .
نظرت لادهم بعدم فهم لينحني ادهم على كتفها يخبرها بهمس خافت :
" فاكرة لما قولتلك اول يوم بعد الحريق إني هعوضك ببيت احلى وهتدخلي ليه كأنك عروسة ؟؟"
نظرت له هالي بترقب ليبتسم أدهم وهو يشير لباب منزلهم الذي كان مزين بشكل رقيق :
" اتمنى أكون وفيت بوعدي "
فتحت هالي فمها وقد وقفت كلماتها على بابه بعجز، لا تعلم ما يجب قوله، لا تدرك بأي كلمات تجيب وكل ما تمكنت من نطقه كان اسمه الذي خرج خافتًا حنونًا :
" أدهم "
انحنى أدهم صوب أذنها يقول بحب :
" اصبري لسه مخلصناش "
وقبل أن يتم كلماته كان صوت الدُف يعلو في الأجواء وسليم يغني بصوت عالي بعض الكلمات والاناشيد، والجميع ممن استطاع فهمه يردد، وفي المقابل كان مارسيلو هو من يمسك بدف آخر يطرق عليه بحماس كبير وصوت اغاني سليم يعلو والنساء يصفقن والبعض يزغرد كرفقة وجولي بالطبع التي لم تكن لتوفر فرصة كتلك لاظهار موهبتها..
ضحك ادهم وهو يمد ذراعه لهالي يقول بغمزة :
" هدخلك البيت بزفة "
ضحكت هالي بصدمة مما يفعل وفجأة فُتح الباب ليكن اول من يستقبلها في المنزل هو صغيرها فتحي الذي فتح ذراعيه يردد بحب :
" ماما فتحي "
وقد كانت نية الصغير أن يناديها ( أم فتحي ) كما يسمع والده دائمًا ظنًا أن ذلك هو اسمها، لكن ما خرج منه جعل ضحكات هالي تعلو وهي تقول :
" يا اخي حتى في اليوم ده لازم تفكرني بفتحي دي وتعكنن عليا، يلا الله يسامحه ابوك يا فتحي "
تعالت ضحكات ادهم وهو يميل مجددًا هامسًا :
" هو أنا مقولتلكيش ؟؟ مش فتحي اسمه الحقيقي قاسم اساسًا "
حسنًا كل ما حدث منذ ثواني في كفة وتلك الصدمة في الكفة الأخرى، وقد رجحت تلك الكفة بالطبع، قاسم؟!! هل قال أن اسم طفلها الحقيقي هو قاسم ؟! لكن ...لكن هو لطالما كان يُصمتها بجملته أنه فتحي وقد سجله في الشهادة فتحي وسيظل فتحي لتبقى هي أم فتحي، والآن ماذا ؟؟
ضحك أدهم على ملامح الصدمة ليتشدق من بين ضحكاته :
" قاسم في الشهادة قاسم مش فتحي، وكنت بس بغيظك بفتحي"
صمت ثم قال بحب وهو يقبل رأسها بحنان :
" مقدرتش اكسر بخاطرك يوم ما طلبتِ مني نسمي ابننا قاسم، ولما روحت عشان اسجله كنت ناوي اكتبه فتحي فعلا، بس وقتها افتكرت نظرتك ليا وأنتِ بتقولي نفسك ابنك يبقى قاسم، ولقيت نفسي بقول للراجل قاسم"
" عشان كده مكنتش بترضى تخليني اشوف الشهادة ؟؟"
هز أدهم رأسه وهو يغمز لها :
" مش معنى أنه مش اسمه فتحي، أنك هتسيبي لقب ام فتحي "
دمعت عين هالي من حديثه السابق بشأن تخليه عن رغبته لأجل اسعادها، لتلقي نفسها بين أحضانه وصوت الغناء والدف يعلو والزغاريد تعلو وكأنه زفاف بحق :
" ده انا همسك في اسم أم فتحي اكتر، كفاية أنه أول اسم تناديني بيه يا أدهم "
ضحك أدهم وهو ينحني حاملًا إياها فجأة لتشهق هالي وهي تنظر للجميع بخجل :
" ايه يا ادهم هو أنت اندمجت مع الدف وافتكرت أنه فرحنا بجد؟! "
غمز لها أدهم بخبث :
" لا أنتِ اللي اندمجتي في حياتك ونسيتي إن انهاردة ذكرى جوازنا يا ام فتحي "
ضيقت هالي عينها بعدم إدراك ليصدح صوت أدهم وهو يتحرك بها صوب المنزل والجميع خلفه يصفق ويغني مع سليم وشادي :
" البيت اساسا خلصان من تلات ايام، بس أنا أجلته عشان نحتفل بيه مع ذكرى جوازنا "
ابتسمت هالي بعشق لذلك الرجل الذي لم يوفر جهدًا لاسعادها :
" فيه مفاجآت تاني انهاردة ؟!"
انزلها ادهم في منتصف بهو المنزل يشير لتلك الجنة التي خلقها بمساعدة الجميع :
" اه باقي مفاجأة واحدة، جبتلك مربى ونوتيلا يكفوكِ اسبوع أنتِ والخنفسة ابنك"
التمعت عين هالي بسعادة كبيرة :
" نوتيلا ومربى "
التوت ملامح أدهم بحنق :
" ايه يابت السعادة دي ؟! ده انا مشوفتهاش في عينك لما قولتلك بحبك أول مرة حتى "
ضحكت هالي وهي تدور بعينها في المنزل بانبهار :
" معلش اصلي بحبهم اوي "
صمتت تراقب اركان المنزل الذي كان يشبه القديم، لكن بعض إضافة لمسات أخرى زادته جمالًا، درات بعينها تدقق النظر في التفاصيل الجديدة، لترتسم اجمل بسمة قد يراها أحد على وجه انسان وهي تقول :
" أدهم البيت بقى حلو اوي، ازاي قدرتوا تخلوه كده في أيام قليلة ؟!"
ابتسم أدهم يضم كتفها وهو يشير للجميع :
" مش لوحدي، كلهم ساعدوني، وخصوصًا عيال خالك مكانوش بيناموا عشان نخلص البيت في الوقت المحدد"
التمعت عين هالي تنظر لهم جميعًا بامتنان كبير، هذه العائلة التي عوضتها ما عانته قديمًا، كانت تأتي عليها ليالي تبكي وتشكي وحدتها، تتذمر أنها لا تمتلك عائلة كالجميع، لا تمتلك من يحنو عليها، من يحبها، من يخبرها أنه صنع شيئًا خصيصًا لأجلها ولأنه يعرف انها تحبه، افتقدت أن تكون شخصًا مرغوبًا به بين الأفراد المحيطين بها، وبعدما وجدت أدهم اطمأنت أخيرًا أن هناك عائلة لها، واتخذت عائلته عائلة لها، لكن لم تدرك أن عوض ربها أكبر وأكثر مما كانت تحلم فرزقها بعائلة كتلك العائلة التي لم تمل من تقديم دلالات حبها، عائلة كبيرة يحبونها كما هي، دون أي شروط .
سقطت دموعها تنظر لوجوه الجميع وكل ما فعلوه لأجلها يمر أمام أعينها في شريط سريع يوم انقذوها من مؤنس، يوم زفافها حينما أصروا على حضوره بأنفسهم، حينما انقذوها من على تلك الجزيرة التي سقطت عليها، هداياهم التي كانت تصل لها بين الحين والآخر، خوفهم عليها بعد ما حصل لها من تلك الفتاة ليزا، المفاجأة التي صنعوها لأجلها ولأجل أن تبتسم فقط، معاملة صغيرها كملك متوج، مساعدة زوجها في محنته، والآن سعيهم لاسعادها، ذلك الشيء جعلها تنفجر باكية بحب، لا تدرك لماذا لكنها الآن وفي تلك اللحظة لم تتحمل كل ذلك لتبكي مثيرة بذلك رعب التسعة الذين التفوا حولها في خوف يتحدثون مع بعضهم البعض بكلمات غير مفهومة لها ..
انطونيو ينظر لها بعجز :
" هييه أميرتي ما بكِ؟؟ هل هناك ما ازعجك ؟!"
نظر لها مايك بحنان يحاول أن يهدأ بكاءها :
" هالي عزيزتي توقفي عن البكاء رجاءً، أخبريني هل هناك ما يؤلمك أو تسبب في بكائك"
صرخ بهم فبريانو فاقدًا تعقله بسبب بكاءها:
" حسنًا ايًا كان من فعل بها هذا سأقتله هذه المرة ولن يمنعني أحد"
نظر لها مجددًا يردد :
" هالي قوليلي مين اللي عيطك "
خرجت همسة من بين شهقاتها تشير لهم :
" أنتم "
تراجع فبريانو للخلف بصدمة والجميع ينظر له بترقب ليترجم لهم ما سمعه، نظر الأخير لهم يقول بعدم فهم :
" تخبرنا أننا من تسببنا في بكائها "
نظر جاكيري لجايك بحنق وقبل أن يتحدث أحد كلمة كانت قبضته تهبط أعلى وجهه وهو يقول :
" تبًا لك ما الذي فعلته لها ؟!"
صرخ جايك بوجع شديد وهو يضع يديه على وجهه:
" ما الذي فعلته انا؟! ثم لِمَ أنا تحديدًا من ضربته أيها الاحمق !!"
" لا ادري شعرت أنك المتسبب في الأمر "
وقبل أن يشتعل القتال بين الجميع ارتفع صوت هالي تقول بحب كبير أصبح يسكن قلبها لهم، تعشق تلك العائلة الحنونة :
" أنا بحبكم اوي، أنتم احسن عيلة في الدنيا "
تأوه فبريانو بحب وهو ينظر لها وقد ظلل الحنان مقلتيه، بينما الجميع ينظر له بترقب أن يترجم الجملة التي رسمت ملامحه البلهاء تلك، أخرج فبريانو الكلمات بتأثر من فمه :
" تخبركم أنكم أجمل عائلة في هذه الحياة وأنها تحبنا "
ارتسم التأثر في أعين الجميع وقد علت الملامح بسمات حنونة لها، ولولا أن أدهم أخذ عهدًا عليهم ألا يمس أحدهم زوجته لكان الجميع هجم عليها بعناق كبير حطم عظامها اللينة تحت أيديهم..
اقتحم ذلك التجمع اليخاندرو الذي ضم هالي لاحضانه يردد بحب :
" لكم تسرني تلك النظرات التي تنير عينيكِ صغيرتي "
ضمته هالي بحب :
" أنا بحبك اوي يا جدو "
كان ادهم يقف على قرب منها يشاهد ما يحدث، ورغم ذلك الشعور المقيت بالغيرة إلا أنه ابى أن يفسد عليها لحظاتها تلك، وقد قرر أن يتحدث معها بشأن تلك الكلمة التي أخبرتهم بها، لكن لاحقًا ليس الان على الأقل، ليدعها ترتشف من حنان الجميع الذي حُرمت منه لسنوات طويلة ..
شعر أدهم في تلك اللحظة بمن يجذبه لاحضانه وقد كان شاكر الذي قال ببسمة حنونة :
" مش قولتلك يا بني هيرجع أحسن مما كان ؟؟"
ابتسم أدهم بامتنان كبير :
" شكرًا شكرًا ليكم كلكم يا شاكر، مبقتش عارف اودي جمايلكم عليا فين من كترها"
اقتربت منه شادية تقول بحنق وهي تضربه على كتفه:
" جمايل ايه يا اهبل أنت ؟؟ مفيش بينا الكلام ده "
ابتسم أدهم يترك أحضان شاكر ليمسك بيد شادية يقبلها بحب وتأثر :
" شكرًا يا شادية مش هنسالك اللي عملتيه عشاني، خلتيني احس بروح ماما معانا "
أنهى حديثه يرمق كل تلك الأغطية والتي كانت من صنع يد والدته وقد كانت هي نفسها الهدايا التي كانت تصنعها والدته لاجل شادية، وبعدما اكتمل المنزل جاءت شادية لادهم واعطته كل المشغولات اليدوية التي صنعتها والدته لاجل أن يحتفظ بها ولا يحزن .
" أنت عارف إني بحب احتفظ بالهدايا ومش بستخدمها، ويمكن ده كان سبب من ربنا عشان تحتفظ بريحة والدتك في البيت معاك "
ابتسم أدهم لها بحب قبل أن تعلو صرخاته الفزعة بسبب اندفاع أصدقائه له فجأة، أخذ الثلاثة يزيدون من ضم ادهم الذي ضحك بصخب يحاول احتواء الثلاثة بين أحضانه :
" هو أنتم لو حضنتوني واحد واحد هيحصل حاجة يا طور منك ليه ؟!"
تعالت ضحكات الجميع عليهم، فقد كانت النساء تراقبن كل ما يحدث بتأثر كبير، تارة تبتسم الافواه، وتارة تدمع الأعين، امتلئت الأجواء بالمرح والحب والدفء ...
تجمع الكل على طاولة الطعام في منزل أدهم والذي أصر أن تكون أول وجبة له مع الجميع ومع عائلته الكبيرة هنا، ساد المكان جو من المرح والمشاكسة والحنان والدفء ...
وارتفعت ضحكات الجميع في المكان على أحاديث شادية وشاكر، وغزل شادية للجميع بلا استثناء ..
كان كل رجل يقدم الطعام برقي لزوجته، عدا فبريانو الذي كان يتناول الطعام من طبق روبين التي انطلقت ضحكاتها بيأس عليه :
" هو الجو ده مش جاي معاك بحاجة ؟!"
نظر لها فبريانو بتعجب :
" ماذا ؟"
" لا مفيش حاجة بالهنا والشفا يا حبيبي "
منحها فبريانو بسمة عاشقة قبل أن يندمج مجددًا في الاكل، ومقابل فبريانو كان أدهم يمسك يد هالي يقبلها بحب وهو ينظر بعينها :
" شكرت الكل انهاردة ومتبقاش غيرك اشكره "
نظر لعينها هامسًا :
" شكرًا لأنك في حياتي، بل شكرًا لأنك حياتي "
ابتسمت له هالي وهي تغلق عينيها تحاول أن تحتوي كل تلك المشاعر التي تدافعت داخلها، مشاعر العشق لزوجها ومشاعر الحب لعائلتها، تلك الضحكات التي تضيف لقلبها مشاعر الدفء والسعادة، الأحاديث الجانبية والأحاديث الرئيسية في تلك الجلسة، المشاجرات اللطيفة بين زوجها وفبريانو، والتحالفات الخفية بين ماركوس وكريم، النظرات الجانبية بين كل زوجين، ونظرات الحنان المنبثقة من أعين الكبار، وتمتمات قاسم التي كانت تصدر كل لحظة والأخرى ويبدو أنه وجد لغة يتواصل بها مع اليخاندرو .
كل ذلك تجمع في قلب هالي ليشعرها كم هي محظوظة وكم أن عوض الله لا يمكن تخيله....
درات عينيها على أبناء خالها الذين ابتسموا لها أكثر بسمة صافية حنونة رأتها لتفكر أنها حتى وإن ماتت في أي لحظة، ستكون سعيدة لأنها عاشت الشعور الوحيد الذي فقدته منذ كانت طفلة ....شعور العائلة والاحتواء.
وهي لم تملك في عائلتها فردًا واحد أو اثنين أو حتى ثلاثة، بل امتلكت تسعة رجال أشداء وجدها، تسع من النخيل الشاهق يحيطون بها لحمايتها من العواصف كما يخبرها جدها، وكم أجاد الوصف، فهؤلاء التسعة لا يمكن وصفهم سوى بذلك ...
والآن يحق لها الراحة فها هي الحياة قد قررت أن تمنحها جولة أخرى من السعادة، لكن هذه الجولة لن تضمها كونها زوجة ادهم فحسب، بل ستكون زهرة عائلتها أيضًا، زهرة جدها كما يدللها، زهرة آل فوستاريكي .....
_________________
تمت بحـ....
لا لا لحظة واحدة، مازال هناك فصل آخر في تلك الحكاية لنعيشه سويًا، فصل آخر سيجمعنا بتلك العائلة...
انتظروا الخاتمة باذن الله ....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رحمة نبيل
قبل أي شيء بعتذر عن فصل بكرة وده والله لأن الفترة دي مشغولة في اكتر من شيء ومكتبتش كلمة واحدة حتى، لكن اوعدكم أن التأخير ده يستحق لاني بفكر في افكار كتير هتعجبكم، فانتظروا مني اعلان بمعاد الفصل اول ما يجهز وده هيكون قبل ما الاسبوع ده يخلص لاني عندي ميد تيرم الاسبوع الجاي وعايزة انزل الحلقة الخاصة قبله ....
ومجهزة افكار ليها بس والله مش عندي وقت اكتب فبعتذر وبإذن الله هعوضكم بأحداث كتير حلوة ....
ويمكن اللي مهون عليا شوية إن ده بمثابة فصل خاص يعني مش نرتبط بأحداث وانتظار وتشويق وغيره ❤️
_______________
ثانيًا ...
مساء الخير يا شباب ....
تفاصيل حفلة التوقيع اللي قولت عليها ...
المكان : مكتبة( وسط البلد) - في وسط البلد _ 33 شارع قصر النيل .
اقرب محطة مترو ( انور السادات )
اليوم :
يوم الجمعة ٣/١٧
الساعة :
من الساعة ٣:٣٠ باذن الله ❤️
هكون هناك أنا وفاطمة طه وجميع رواياتي ورواية فاطمة هتكون هنا ...
وحتى لو اشتريت الروايات قبل كده، أو حتى لو مش هتشتري الروايات وحابب تحضر، هتكون في انتظارك ويكون يوم لطيف هنتكلم كتير في الروايات كلها ونتصور سوا كتير واللي حابب ياخد اهداء لطيف هكون سعيدة بكده ...
واللي ملحقتش اشوفه في المعرض هكون سعيدة اني اشوفه وكمان اللي ملحقش الروايات في المعرض هيلاقيها هناك ويوفر حق الشحن وكمان ياخدها باهداء لطيف ...
واللي مش هيقتني الروايات هكون برضو سعيدة اني أقابله واليوم باذن الله يكون لطيف ونكون سوا ...❤️❤️🫶
حابة اعرف مين هيجي ❤️
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رحمة نبيل
اهداء الفصل للجميلة مي فتحي ...
اتمنى لكِ حياة مليئة بالسعادة والخير جميلتي ❤️
__________
صلوا على النبي
_________
هواء بارد يضرب الأجساد بمجرد خروجها من ذلك المبنى العملاق الفخم والذي يستقبل كل يوم مئات الضيوف الذين جاءوا للاستمتاع بتلك البلاد الجميلة، ومن ضمن هؤلاء الضيوف كانوا هم ...
ارتفع صوته يصرخ :
" متقوليش اهدى، متقوليش أهدى الكلمة دي بتعصبني، أنتِ مستوعبة احنا فين دلوقتي ؟!"
أجابت الأخرى، تحرك نظراتها في المكان حولها بصعوبة بسبب تلك المظلة التي تخفي عنها الرؤية :
" فين يعني ؟!"
" أيوة هو ده اللي انا بتكلم عليه، احنا فين ؟؟
احنا تايهين يا مدام تايهين بسبب الجذمة اللي في راسك "
زفرة حانقة خرجت من فم تلك التي كانت تقبع أمامه تعدل من وضعية نظارتها الشمسية والتي لم تكن ضرورية في مثل هذا الجو الغائم :
" أدهم بيبي Come down، أنت ناسي إن ده مسقط رأسي اساسا ؟! اكيد هفتكر شارع كده ولا كده ونوصل "
اشتعلت غضب أدهم وهو يسحب هالي من ثيابها جاذبًا إياها له يقول من بين أسنانه وقد أصبح أسفل المظلة معها :
" مسقط ايه يا ختي؟! مسقط رأسك ايه أنتِ من اسكندرية اساسا هنستهبل، بعدين شارع ايه اللي هتفتكريه ؟! ده أنتِ معلمة بيتنا بقهوة عوض"
أبعدت هالي يد أدهم عن ثيابها وهي تحاول أن تتنفس لتهدأ :
" أدهم please مش Style ده تكلمني بيه "
رفع أدهم حاجبه وهو ينحني مجددًا ليصبح قريبًا من وجهها :
" مش Style ازاي يا ميس أم فتحي ؟! بكلمك ببنطلون جينز ولا كوفية صوف ؟! بالله عليك بلاش فزلكة دلوقتي عشان أنا على اخري "
وقبل أن تجيب هالي بكلمة كان هناك من يجذب طرف فستانها من الأسفل يحاول جذب انتباه الاثنين بعيدًا عن ذلك الحوار الذي يدور كل نصف ساعة، فكلما يأس ادهم من ايجاد طريق منزل اليخاندرو يلتفت لزوجته ويُقرعها على ذلك الاقتراح الغبي الذي اقترحته .
نظرت هالي لصغيرها :
" نعم يا قاسم فيه حاجة ؟!"
تحدث الصغير ببسمة واسعة :
" هنروح عند جدو امتى ؟!"
نظر له ادهم بحنق، ثم قال بغيظ وغضب تفجر مجددًا :
" لما ربنا يكرمنا وامك تلاقي العنوان اللي ضيعته"
نظر بعدها لهالي يبعد المظلة بغضب كبير :
" بعدين ايه دي ؟! مسكاها ليه دي ؟؟ برج ارسال ؟؟"
" ايه يا ادهم بترمي الشمسية كده ليه يا اخي ؟؟ ثم طالما مش بتفهم في الموضوع ملكش دعوة بيه، معروفة كل السياح بيمسكوا شمسية ويلبسوا نضارة"
رفع أدهم حاجبه وهو ينظر لها بيأس من تفكيرها وعقلها الذي يدور في ملكوت بعيد عن كل ما يحدث حولها، فقد اقترحت أن يذهبوا هذه المرة هم لمنزل جدها بانفسهم ويصنعون مفاجأة للجميع وقد حصلت قبلها على العنوان بطريقة ملتوية من روبين والآن اضاعته ..
كان قاسم يراقب الاثنين دون أن يتحدث بكلمة، هو لا يهمه أي شيء سوى أن يرى جده وجميع أخواله الذين لم يرهم منذ عام تقريبًا، فهم يترددون على منزلهم بشكل متقطع.
ثواني حتى هدأ الشجار والقتال بين ادهم وهالي وتحرك الجميع صوب محطة الحافلات التي لمحها أدهم، توقف الجميع في انتظار أي سيارة توصلهم لأي مكان لا يهتمون..
ثواني حتى توقفت حافلة في المحطة وفُتحت أبوابها، كانت هالي اول من تتحرك صوب بابها مرددة بكل كبرياء :
" Ladies first"
أشار لها أدهم لتدخل اولًا مانحًا إياها بسمة ساخرة حانقة، لكن ما كادت تخطو بقدمها داخل السيارة حتى اصطدمت المظلة في سقف السيارة مانعًا إياها من الدخول، ليرتد جسدها للخلف بقوة ساقطًا على جسد ادهم الذي ارتفعت وتيرة غضبه وهو يتأوه :
" ألطف بينا يارب "
نهضت هالي تحاول أن تلملم بقايا كبريائها الذي سقط مع سقوطها، ثم نظرت للسيارة لترى أن الجميع يشاهد ما يحدث، ابتسمت لهم بسمة غبية تغلق الظلمة، ثم نفضت من ثيابها وصعدت بكل رقي، بينما ادهم مازال ممدًا ارضًا ينظر صوب قاسم الذي كان يضم حقيبته الصغيرة لصدره، ابتسم أدهم يردد بجدية مطلقة :
" قاسم حبيب بابا، هو أنا لو قتلت ماما ممكن تزعل مني في المستقبل وتتعقد نفسيًا ؟؟"
رمش الصغير قاسم بعد استيعاب لما قال والده، لينهض أدهم وهو يقول ببسمة يجذب طفله له حتى يصعد معه :
" متخافش كده يابني، اكيد مش هسيبك كده و هشوفلك دكتور كويس "
أنهى حديثه يصعد للسيارة ينظر حوله باحثًا عن هالي التي لمحها تجلس جوار رجل كبير السن تتحدث له بانجليزية لا بأس بها، رغم الأخطاء التي تحتويها، إلا أنها مفهومة اغلب الوقت ..
اقترب أدهم منها ليسمعها تقول :
" لا تعرف جدي ؟؟ هو مجرم كبير هنا "
صُدم ادهم من حديثها ليجذبها بعيدًا عن مقعد ذلك الرجل الذي لم يكن يسمعها حتى؛ بسبب سماعات الأذن التي يضعها :
" أنتِ بتسأليه عليه ولا بتبلغي عن جدك ؟! والله انا حاسس أنك جاية الحياة دي تكفير عن ذنوب جدك اساسا"
رمقته هالي بحنق وهي تتحدث متخصرة :
" على الاقل بحاول اتصرف"
رمقها ادهم بحدة يضرب يدها التي تضعها على خصرها، ثم أشار لها بعينه أن تتجه للجلوس جوار صغيره الذي انشغل بالقراءة في بعض قصص الاطفال التي أحضرها معه، بينما تحرك ادهم صوب السائق ليستفسر منه عن وجهتهم، وايضًا ليعلم اقرب مكان لمنطقة جدها، فهو لا يذكر من العنوان سوى اسم المدينة التي يسكنوها..
_______________________
في منزل اليخاندرو ...
كان العمل على قدم وساق بسبب التجهيز لذكرى لقاء اليخاندرو بزوجته لأول مرة، و رغم أن زوجته قد توفت إلا أنه لم يسعه سوى الاحتفال بذلك اليوم من كل عام، يوم التقى بنصفه الآخر التي منحته اجمل عائلة في العالم، كانت بداية الخيط ليحصل على هؤلاء الأشخاص جواره، اول من يضمه بحنان واول من يقبله بحب، كانت المرأة الوحيدة التي عشق والسيدة الوحيدة التي احتلت قلبه، ورغم وجعه إلا أنه يصمم على الاحتفال كل عام بيوم لقياها.
لكن وفي وسط كل تلك التحضيرات كانت الحرب قائمة في البهو بين فبريانو ورفقة حول كيفية تعامل فبريانو بعنف مع الاطفال .
" حسنًا لننتهي من كل ذلك النقاش، أنا حذرت الجميع سابقًا مئات المرات أن يُبعدوا تلك الكائنات الطفيلية عن ابنتي، بحق الله ألا يوجد فتاة في هذا العالم سواها ؟؟ الجميع يلتف حولها بشكل مزعج "
وما كاد فبريانو ينتهي من جملته حتى سمع صوت قبلة يصدر من خلفه، استدار جسده كالرصاصة ليجد اسكندر قد انتهى لتوه من طبع قبلة رقيقة على خد ابنته البريئة الغبية، اشتعلت أعين فبريانو صارخًا :
" أنت أيها الحقير ابتعد عن ابنتي، تبًا لك ولوالدك الغبي الذي نسى تربيتك "
في ذلك الوقت حضر والد ذلك الصغير الذي نسى تربيته، ليجذب صغيره أسفل ذراعه حاملًا إياه بحماية كبيرة يشير بإصبعه صوب فبريانو :
" توقف من معاملة صغيري بهذا الشكل، أنت لا تود أن يحمل زوج ابنتك الضغينة في قلبه لك، هكذا سوب تتسبب في الكثير من المشاكل خلال ذلك الزواج وحينها قد يضطر صغيري إلى خطف الفتاة والهرب بها "
تشنج وجه فبريانو بشكل مخيف :
" زوج من ؟؟ زوج ابنتي ؟! ومن أخبرك أنني يومًا قد أُزوج ابنتي ؟! حتى وإن فعلت فلن يكون ذلك الصغير الذي يقبع أسفل ذراعك "
نظر جاكيري لاسكندر يتحدث بجدية :
" هل تريد تلك الفتاة اسكندر ؟! والدها أحمق وقد يرث اطفالك ذلك "
هز اسكندر رأسه وهو يمنح والده بسمة صغيرة رغم عدم إدراكه الكبير لما يقوله، لذلك تنهد جاكيري وهو ينظر لفبريانو مجددًا :
" حسنًا هو يريدها؛ لذلك سوف نأخذها "
رفع فبريانو حاجبه يتحدث ببسمة ساخرة :
" حقًا ؟! أنت محظوظ سيد جاكيري فاليوم هناك خصم عليها"
وقبل أن يتحدث جاكيري بكلمة كان صوت الصغير اسكندر يخرج حانقًا وهو يرفع يديه في الهواء وكأنه يود عناق أحدهم والتحرر من قيد والده :
" سيلفيا ..."
نظر له فبريانو قبل أن يستدير صوب الجهة التي يشير لها اسكندر ليجد أن ويليم ( صغير جايك) قد سحب ابنته وخرج من باب المنزل صوب الحديقة ووفقًا للسبع وعشرين مرة السابقة فهو سوف يأخذها للـ لعب أسفل إحدى الشجيرات هناك، وهذا ما لا يُسعد فبريانو بالمرة .
تحرك بأقدام مهرولة يشعر أنه على وشك قتل جميع الأطفال بالمنزل، بحق الله ألا يمكنه الاحتفاظ بطفلته له وحده دون ازعاج؟!
في ذلك الوقت خرجت روبين من المطبخ وهي تقول ببسمة :
" فبريانو تعالى شوف عملت بـ."
لكن وللعجب لم يتوقف فبريانو حتى للاستماع لها وهذا ما جعل روبين تضيق عينيها بشك وهي تقول :
" فيه ايه ؟؟"
_______________________
هبط الجميع من السيارة، حيث أخبرهم السائق أنهم سيجدوا ذلك العنوان الذي يرغبون في الذهاب إليه، نظر أدهم حوله ليجد نفسه في ميدان كبير واسع تتوسطه نافورة مضيئة بشكل جميل وعلى جانب النافورة يقبع بعض الأشخاص الذين يرقصون أو يعزفون والبعض يشاهد باستمتاع والبعض الآخر في عالمه الخاص .
دارت عين هالي في المكان بانبهار وهي تقول :
" والله زمان يا ايطاليا "
وكان رد ادهم هو نظرة حانقة واحدة، يتعجب إصرار زوجته أنها ولدت وترعرعت في هذه البلاد، رغم أنها لم تطأها سوى مرة واحدة، وقد هبطت من الطائرة للسيارة ثم المزرعة.
رفعت هالي يدها في وجه ادهم فجأة حتى كادت تصيب عينه وهي تشير صوب أحد المباني العملاقة تقول بلهفة :
" أنا حاسة اني افتكرت، أيوة أنا فاكرة الشارع ده كويس، ذاكرتي بدأت تفتكر كل الحاجات دي من وقت ما كنت صغيرة وكنت بلعب عند النافورة دي "
ابعد ادهم يدها من أمام عينه بحنق :
" كفاية كدب بقى، هتتسخطي من كتر الكدب، فوقي يا أم فتحي أنتِ اساسا عرفتي أنك ايطالية بالصدفة"
نظرت له هالي بصدمة، تشير صوب ذلك المبنى الضخم الذي يقابلهم :
" يعني ده مش بيت جدو ؟! هو شبه اللي انا متخيلاه "
نظر أدهم حيث تشير وقال بسخرية :
" ده ؟! المتحف ؟! جدك عايش في متحف ؟! ليه رمسيس الاول ؟؟ الله يكرمك اسكتي شوية وخلي قاسم معاكِ وانا هتصرف "
أمسكت هالي بيد الصغير الذي كان ينظر لكل شيء حوله بفم مفتوح في انبهار كبير ..
" هتعمل ايه يعني ؟! "
" هسأل أي حد عن اسم عيلة جدك، مش دي المنطقة بتاعتهم ؟! اكيد حد هنا يعرفهم طالما العيلة كبيرة "
وهكذا تحرك ادهم وخلفه هالي ومعهم الصغير قاسم ذو السبعة أعوام ينظر حوله بسعادة .
أوقف أدهم رجل رفقة امرأة وتساءل بلطف وبسمة صغيرة وبلغة إنجليزية سليمة :
" معذرة يا سيد هل تتحدث الإنجليزية ؟؟"
نظر له الرجل بتعجب قبل أن يهز رأسه بهدوء ليسترسل أدهم في التحدث :
" جيد، حسنًا في الحقيقة كنت احاول الوصول لأحد الأشخاص هنا، هم عائلة كبيرة معروفة ربما سمعت عنهم، عائلة فوستاريكي "
نظر له الرجل بتعجب قبل أن يقول :
" لا لم افعل، هذه هي المرة الأولى التي اسمع عن تلك العائلة التي تتحدث عنها "
رفع أدهم حاجبه ولم يكد يتحدث بكلمة إضافية حتى استأذن منه الرجل ورحل مع زوجته، تاركًا ادهم يرمق أثرهم ببسمة غاضبة، ثم استدار لزوجته يقول بسخرية :
" امال ايه بقى معروفين وبتاع، والراجل اساسا بيقولك مسمعش عنهم "
عدّلت هالي من وضعية نظارتها تقول بتكبر :
" اكيد ده مش ايطالي، أنا عيلتي معروفة عالميًا يا بابا "
دفعه أدهم من وجهها بغيظ :
" بالله عليكِ لتسكتي، بطلي بقى محدش اساسا يعرف عيلتك غير خمس أفراد وانا وأنتِ وقاسم من ضمنهم "
نفخت هالي بحنق وهي تنظر حولها :
" طب وهنعمل ايه الجو بدأ يضلم "
مسح أدهم وجهه يحاول التفكير في حل لتلك الورطة التي ألقى بنفسه بها بسبب سيره خلف اقتراحات تلك الكارثة المسماة بزوجته..
" هنروح فندق نريح فيه ونستنى الصبح نشوف هنتنيل نعمل ايه، ممكن نروح نشتري خطوط تليفون إيطالية ونتكلم معاهم، طالما عيلتك مش بترد على رسايل الفيس"
" ليه الظلم ما يمكن اختلاف التوقيت في ايطاليا وهما نايمين أو مشغولين "
اقترب منها أدهم يقول بحنق :
" اختلاف توقيت ايه ؟! ما احنا في ايطاليا برضو "
ابتسمت له هالفيتي بسمة غبية، تستوعب الأمر الآن وقبل الرد سمع الاثنان صوت أنثوي لطيف يصدر من الخلف يردد بجدية :
" عفواً لم اقصد التنصت لكنني سمعتكم للتو تسألون عن منزل فوستاريكي، هل هذا صحيح ؟!"
نظر لها الاثنان بلهفة كبيرة ليحرك ادهم رأسه بإيجاب :
" نعم نعم هذا صحيح، هل تستطيعين ارشادنا له رجاءً"
ابتسمت الفتاة لهم بلطف وهي تقول وحماس :
" حسنًا يا سيد أنت محظوظ فهذا منزل زوج شقيقتي"
نظر لها الاثنان بتعجب لتتحدث الفتاة مجددًا وهي تمد يدها ببسمة :
" لم اعرفكما عليّ، أنا كارين شقيقة جولي والتي تكون زوجة مارتن فوستاريكي ..."
_______________________
كان يقف في حديقة المنزل يتحدث في هاتفه بصوت جليدي، بينما يده تداعب خصلات صغيره بحب :
" نعم نعم قم بتأجيل جميع الأعمال، هذا الأسبوع أنا في إجازة "
صمت انطونيو قليلًا قبل أن تنحرف عينه لطفله الحبيب البيرتو والذي كان يحمل أحد الكتب الخاصة به والتي كانت اللغة والمصطلحات بها صعبة الفهم على طفل صغير في عمره مازال يتعلم مبادئ القراءة .
" لا، قم بالتأجيل اسبوع واحد فقط "
صمت ثم أضاف :
" حسنًا إذًا ا....."
وقبل أن يتم كلماته سمع كلمات اخترقت سمعه بعنف، لتصل الى قلبه تهزه بقوة، وتلك الصرخات الطفولية المحببة لقلبه تعود لتتردد في الأجواء ..
" تـــــــوني "
استدار انطونيو بصدمة كبيرة صوب ذلك الصوت الذي افتقده بشدة رغم أنه تحدث معه البارحة عبر مكالمة صوتية، لكن أن تسمع صدى صوته حولك لهو شعور آخر...
فتح انطونيو فمه بحنين وهو يغلق الهاتف دون اهتمام يتحرك صوب جسد قاسم الذي ركض له بمجرد أن لمحه :
" قلب توني"
التقط انطونيو جسده بقوة بين احضانه، ذلك الصغير الذي اختبر معه اول شعور بالمسؤولية والحب من بين الجيل الحالي، كان أنطونيو يضم قاسم بين أحضانه بحب كبير لا يصدق وجوده بعد كل تلك السنوات التي لم يره بها سوى مرات قليلة فقط .
" يا قلب توني اشتقت لك كثيرًا قاسم، اشتقت لك صغيري"
ابتسم قاسم والذي فهم القليل فقط من حديثه بسبب تلك الحصص الخاصة باللغة الانجليزية والتي كان يحضرها خصيصًا ليفهم الجميع هنا، ورغم أنه لا يفهم الكثير بسبب عمره وقلة حصيلته اللغوية، إلا أنه يعلم جيدًا تلك الكلمات التي يستطيع من خلالها التعبير عن حبه لهذه العائلة :
" أنا أحبك توني"
اهتز قلب انطونيو وهو يزيد من ضم الصغير لقلبه وقد انكب يسمعه العديد والعديد من كلمات الحب والحنان التي لم يفهمها الصغير، لكنه فقط استمر بالتربيت على ظهر انطونيو الذي انتبه أخيرًا لوجود هالي وزوجها .
ابعد الصغير بلطف تاركًا إياه ارضًا أمام البيرتو الذي كان يحدق فيه بهدوء وفضول ..
" هالي جميلتي متى اتيتي وكيف لم تخبريني؟! كنت أرسلت لكِ سيارة تحضرك "
ابتسمت هالي تحاول الإجابة وفق تلك الكلمات التي فهمتها من حديثه :
" أنها مفاجأة للجميع انطونيو "
ابتسم انطونيو ثم تحرك صوب أدهم يضمه بحنان :
" لقد اكتملت العائلة بوجودكم، سعيد كثيرًا أنكم أتيتم واحضرتم قاسم، فلقد رغبت كثيرًا بأن يتعرف على الأطفال هنا "
أنهى حديثه يرمق قاسم الذي كان ينظر لالبيرتو بهدوء دون أن يبدي أي ردة فعل، ليتحرك البيرتو من مقعده ويهبط بصعوبة بسبب جسده الصغير، ثم اقترب من قاسم يضمه دون كلمة، يفعل كما فعل والده، فإن كان انطونيو عانق ذلك الطفل، إذًا فهو شخص جيد وهو أيضًا سيعانقه، وكان ذلك المنطق البسيط هو ما يحرك عقل البيرتو الذي ابتسم يربت على ظهر قاسم كما كان يفعل انطونيو يردد نفس كلمات والده:
" اشتقت لك قاسم "
ورغم أنه لم ير قاسم سابقًا أو يعلم عنه شيء، إلا أن ذلك التصرف كان صادرًا من عقله الصغير البسيط، ورغم أن قاسم هو الأكبر سنًا، إلا أن طوله كان مقاربًا بشكل كبير لـ البيرتو الذي ورث عن والده وجده طوله ..
ابتسم قاسم يردد تلك الجملة التي كان يرددها كثيرًا في مدرسته أثناء حصة اللغة الإنجليزية:
" ما اسمك !!"
أجابه البيرتو بهدوء وبسمة :
" البيرتو، وأنت ؟!"
" قاسم "
ابتسم له البيرتو يردد بكلمات متعثرة بعض الشيء وقد كانت معرفته باللغة الإنجليزية قليلة جدًا جدًا من خلال سماعها بعض الوقت حوله من أفراد عائلته:
" صديق ؟؟"
أتسعت ابتسامة قاسم وهو ينظر لوالديه اللذان ابتسما له بحنان، وقد تضخم قلب انطونيو بالحب لصغيره الحنون الذي مازال يعامل الجميع بحنان كما لو كان والدهم رغم أن قاسم يفوقه بالعمر ..
انحنى يضم الطفلين بحب كبير لصدره :
" احبائي الصغار ."
في ذلك الوقت ارتفع صوت طفل آخر يردد بصوت غير مفهوم بسبب حروفه التي خرجت من فمه غريبة، يتجول في أرجاء المنزل يتحدث بصوت مرتفع بعدما كان يقف على بعد صغير يراقب ما يحدث أثناء تناوله اصابع الحلوى التي أعدتها روز لهم :
" طفل آخر، العم انطونيو يملك طفل آخر "
رفع انطونيو رأسه بسرعة وهو يهمس بصدمة :
" لا، ليس كريس "
انتفض من مكانه يتحرك بخطوات سريعة خلف ذلك الصغير الذي كان يركض في المنزل يردد ببسمة وكلمات متعثرة :
" طفل آخر...طفل آخر"
دخل انطونيو المنزل يصرخ بصوت مرتفع :
" كريس، توقف هنا يا صغير "
نظر كريس خلفه ليبصر انطونيو الذي كانت له هيبة مخيفة وطلة قوية رغم حنانه الكبير على جميع الأطفال، زادت سرعة خطوات الصغير نحو المكان الذي يجلس به والده مع بعض أعمامه يردد بخوف :
" بابا ...بابا "
نظر آدم لصغيره الذي كان يركض صوبه يناديه بخوف :
" كريس ؟! ما بكِ حبيبي ؟!"
انقض كريس في احضان آدم يردد بخوف :
" العم طوني "
" ماذا فعل العم طوني كريس ؟! هو يحبك صغيري "
قال كريس وهو يتحرك ليصعد أعلى رأس والده ظنًا أنه هكذا يؤمن لنفسه مخبًا بعيدًا عن الجميع :
" العم انطونيو ...طفل آخر"
وصل انطونيو لهم وهو يقول بشر :
" كريس أيها الـ "
ولم يكد يكمل كلماته حتى سمع الجميع صوت خلفهم يردد :
" اي طفل آخر يقصد الصغير سيد انطونيو ؟؟"
__________________
في الحديقة حيث ادهم وهالي، كان الاثنان متعجبان خوف انطونيو من ذلك الصغير الذي كان يركض صارخًا ببضع كلمات ايطالية غير مفهومة، لكن انتبه الاثنان لاقتراب طفل آخر من البيرتو وقاسم ..
اقترب الصغير فيليب ( طفل مارتن ) من البيرتو ليريه لعبته، لكن فجأة توقف يبصر ذلك الطفل الدخيل الغريب، و من فوره استدعى فيليب روح والدته المحاربة التي زرعتها به وهو يقول بنظرات مريبة :
" من هذا ؟! وماذا يفعل في المنزل ؟!"
نظر البيرتو لقاسم ثم وجه حديثه لفيليب ببسمة :
" هذا قاسم "
" ومن قاسم ؟!"
نظر له البيرتو بعجز عن الإجابة، فهو لم يعلم سوى أنه صديقه الذي عانقه والده :
" صديقي، لقد عانقه ابي منذ قليل "
سمع الجميع صوت طفل آخر يقترب منهم وهو يقول بسعادة وبسمة لطيفة بريئة :
" فيلي "
استدار فيليب صوب ڤيجو ( طفل مايك ) يردد بحنق :
" أنه فيليب ڤيجو، فيليب "
اقترب منهم ڤيجو يقود سيارة طفولية صغيرة بسعادة يردد كلمات طفويلة متعثرة :
" فيلي "
قلب فيليب عينه بحنق، ثم نظر مجددًا صوب قاسم الذي كان يرمق الجميع بترقب لا يفهم شيئًا من أحاديثهم، يتعجب وجود كل هؤلاء الأطفال هنا، وجميعهم صغار في السن .
أشار ڤيجو صوب قاسم يردد ببسمة :
" صغير "
نظر فيليب له بسخرية :
" بل أنت الصغير ڤيجو"
ردد ڤيجو بسعادة :
" ڤيجو صغير "
شعر قاسم بالملل لعدم فهمه كل تلك الكلمات الغريبة؛ لذلك تحرك صوب والديه حتى يذهب معهم حيث باقي أخواله لكن ما كاد يتحرك خطوة حتى وجد العديد من الأطفال الصغار يتجمعون حوله فجأة وقد كان يقودهم ذلك الصغير الذي ركض منذ دقائق يشير لقاسم متحدثًا :
" طفل طوني "
وفي ثواني وجد قاسم نفسه محاطًا بالعديد والعديد من الأطفال وكلهم من الصبية، دار بعينه بينهم قبل أن يرفع نظره لوالده يردد ببلاهة :
" بابا هما مالهم دول ؟!"
تحرك أدهم يجذب ابنه له :
" تعالى هنا يابني دول شكلهم مجرمين، ايه يا أم فتحي هو مفيش براءة في البيت ده خالص ؟؟ حتى الاطفال شكلهم عصابة "
لكن هالي في ذلك الوقت لم تكن منتبه لما يقول زوجها وهي تجلس على ركبتيها ارضًا تردد ببسمة واسعة :
" يا حياتي على القمرات، بسم الله ماشاء الله، شوف يا ادهم كلهم عسلات ازاي، دول الوان، بص فيهم واحد احمر وواحد اصفر "
جذب أدهم يد زوجته بحنق يردد ساخرًا :
" الوان إيه يا ام فتحي هو أنتِ واقفة قدام محل شرابات ؟؟ دول بني ادمين يا حبيبتي "
" أيوة بس حلوين اوي، بص شوف نظرات البراءة اللي في عيونهم "
نظر أدهم حيث الاطفال ليرى نظرات فضول وحرص غريبة :
" فين البراءة دي ؟؟ أنا شايف كل حاجة إلا البراءة اللي بتتكلمي عليها "
تقدم كلارك ( طفل مارسيلو ) يشير صوب قاسم يقول بتعجب وبكلمات غير مفهومة للبعض :
" من هذا ؟؟"
قال البيرتو ببسمة واسعة هادئة :
" صديقي "
نظر له كايل ( طفل ماركوس ) بحنق :
" مهلًا صديق من ؟! هل تعرفه حتى ؟! يبدو دخيلًا، سوف انادي العم فبريانو ليضربه "
لكن وقبل أن يتحرك خطوة واحدة كان ويليم يمسك يده متحدثًا برجاء :
" لا، لا تفعل، إن جاء سوف يضربني أنا "
نظر له كايل بتعجب قبل أن يسمع الجميع صوت طفلة يعلو من الخلف وهو يقول بحنق :
" مهلًا هل بدأتم اللعب بدوني ؟! اخبرتكم أن تنتظروا حتى اضلل ابي "
وفي ثواني تجاهل الجميع ذلك الدخيل وتلك الخطط التي كانوا يحيكونها للتخلص منه، واستداروا يحدقون بأميرة العائلة الصغيرة والمدللة لهم _ سيلفيا _ والتي كانت تتخصر بحنق، جميع من هم في سنها ينظرون لها باعجاب طفولي غبي جعل أدهم يردد :
" وكمان متحرشين، دول هياكلوا البنت بعينهم، فين أهل البنت دي سايبينها في الغابة دي كده لوحدها ازاي "
في ذلك الوقت وقبل أن تجيب هالي وجدت جميع أفراد العائلة يندفعون من باب القصر والبسمات تنير الوجوه بعدما أخبرهم انطونيو بوجودها، وفي ثواني كانت جميع الفتيات يهجمن على هالي بالاحضان والقبلات والترحيب..
ابتسمت هالي بسمة واسعة تضم الجميع باشتياق كبير فحتى إن كانت خلال تلك السنوات ترى أفراد عائلتها فقد كانت ترى فقط الرجال، لم تقابل الاطفال ولم تلتقي بالنساء ..
قالت روما بسعادة :
" يا فتاة لقد اشتقت لكِ كثيرًا، لم اصدق حينما أخبرنا انطونيو بوجودك"
قالت روبين ولطف :
" بنت حلال، انهاردة احتفال بذكرى لقاء جدو وتيتة وكنا بنجهز للحفلة، اظن كده العيلة كملت "
وافقتها رفقة بحماس كبير :
" جدو هيفرح اوي اوي أنك جيتي "
تدخل في ذلك الوقت الرجال يرحبون بهالي في سعادة وحب، ليتردد صوت آدم بحنان :
" عندما أخبرني كريس أنكِ هنا لم اصدق"
ضيقت هالي حاجبيها بتعجب :
" كريس ؟! هل هناك حفيد عاشر لم أقابله ؟!"
ضحك آدم بقوة ينحني ارضًا يجتذب صغيره الذي كان يحاول تسلق قدمه للجلوس أعلى كتفه :
" هذا هو كريس "
فتحت هالي فمها وهي تردد بتفهم :
" آه ذلك الصغير الذي كان يصرخ منذ قليل، هذا طفلك ؟! "
ضحك آدم بصوت عالي :
" نعم، هو فقط يحب مشاركة الاخبار من الجميع "
تقدم مايك منها يفتح ذراعيه لكن بنظرة من ادهم أزاح يده، ليبتسم وهو يقول :
" مرحبًا بكِ في منزلك أميرتي"
ابتسمت له هالي وهي تنظر له باحترام :
" شكرًا لك"
صمتت ثم أضافت بفضول :
" أين هو طفلك ؟!"
أشار مايك لڤيجو الذي كان يدور حول الجميع بسيارته يتمتم بعض التمتمات الطفولية الغير مفهومة لاحد، لكنها كانت إحدى التهويدات التي اعتادت لورا أن تغنيها له قبل النوم :
" هذا هو، ڤيجو "
ابتسمت هالي وهي تنظر لذلك الصغير الذي كان لطيفًا بشكل مهلك :
" اسمه جميل اوي، وهو لطيف بشكل عايز يتاكل بجد"
بدأ الجميع يقترب من هالي ليرحب بها يعرفونها على أطفالهم الذين كانوا ما يزالون ينظرون لقاسم بتحفز، بينما فبريانو يحمل سيلفيا على ظهره رافضًا تركها بين كل تلك الكائنات الطفيلية والتي تلتصق بها كالعلقة.
" ودي بقى بنتي سيلفيا "
ابتسمت هالي بحنان تداعب خصلات الصغيرة التي نظرت لها ببسمة خجولة :
" ماشاء الله عسولة اوي، فلتت من موجة الذكور اللي ضربت البيت"
ابتسم فبريانو ينظر لطفلته ليجد فجأة اسكندر يجذب قدمه وهو يتحدث ببسمة صغيرة :
" عم فبريانو أنزل سيلفيا لنلعب سويًا "
نفخ فبريانو بحنق وهو يحمل اسكندر من ثيابه يتحرك به بين الجميع يبحث عن جاكيري ليلقيه أمامه، بينما اسكندر لم يهتم بشيء بقدر اهتمامه أنه بهذا الشكل أصبح قريبًا من سيلفيا ليرفع يده يلوح لها ببسمة :
" مرحبًا سيلي "
بحث فبريانو بعينه أن جاكيري الذي كان يدفع الجميع جانبًا يحاول الوصول لهالي، قبل أن يشعر فجأة بجسد صغيره يُلقى بين أحضانه يضمه بحب :
" هيييه ما بك ؟! انتبه كدت تسقطه "
" ابق ذلك المتطفل بعيدًا عن ابنتي"
نظر فبريانو للجميع حوله يصرخ وهو يحرك إصبعه على وجوه جميع الأطفال :
" ابقوا جميعًا بعيدًا عنها وإلا لن أضع اعتبارًا لأي منظمات حقوقية تدافع عنكم أيها الطفيليين "
ردد ابن آدم وهو يجلس أعلى رأس والده بينما يده تكاد تفقأ عين والده :
" طفيليين "
نظر آدم لكريس وهو يقول بيأس:
" يا ويلك يا آدم، بعد كل تلك السنوات التي حلمت بها بطفل صغير برئ أنجبت لك زوجتك محطة إذاعية بالخطأ"
سمع آدم صوتًا جواره يردد :
" ماذا قلت آدم؟؟"
" لا شيء حبيبتي، فقط اشكر الرب على ذلك الصغير البرئ الذي حصلت عليه "
صمت قليلًا ثم قال بتساؤل :
" صحيح أين هو ايان؟! لم اره منذ الصباح "
توترت هايز وهي تحاول إيجاد حجة لغياب ايان الذي لا تعلم أين هو بالتحديد، لكن فجأة قاطع كل ذلك الهدوء بينها وبين زوجها صوت محطة الإذاعة تنشر اخر الاخبار :
" ايان يتسكع مع الحمقى "
نظرت له هايز بشر، لكن كريس لم يتوقف عن ترديد تلك الجملة التي سمع هايز تلقيها على مسامع ايان خلال مكالمتها معه منذ ساعات ..
نظر آدم بشر لهايز وقال :
" مجددًا ؟!"
" لا، لا آدم اقسم أنه لم يخن عهده معك، لقد ...هو فقط ذهب لرؤية رفيق له في المشفى اقسم لك، وطفلك هذا الواشي قد سمع تلك الجملة حينما القيتها على مسامع ايان بغضب "
نفخ آدم ثم نظر لكريس وهو يقول بحنق :
" كريس عزيزي ما الذي أخبرتك به بشأن نقل الحديث ؟!"
ولم يبدو على الصغير أي نية للإجابة لتعلو جملة آدم الساخرة :
" الآن تصمت ؟! "
وقريبًا منهما وبينما كان مارسيلو يتحدث مع هالي وانطونيو :
" لا جدي ليس هنا، لقد ذهب حيث قبر جدتي وسيعود في المساء وهو لا يعلم شيء بشأن ذلك الإحتفال، أعني هو يعلم أننا سنحتفل بتلك الذكرى، لكن لا يدري أننا نعد احتفال كبير في الحديقة لأجل ذلك و..."
قاطع حديث مارسيلو طفله الذي عانق قدمه يستند عليها مغمضًا العين لينحني صوبه مارسيلو يرفعه بين أحضانه يمنحه قبله حنونة محبة، بينما يده تمر على خصلاته الحريرية يهمس برقة :
" مرحبًا يا صغير هل تريد النوم ؟!"
اتكأت رأس الصغير على كتف والده يتمتم بكلمات غير مفهومة ليضحك مارسيلو، وقد صدّق تلك المقولة التي تقول أن الطفل يتأثر بالبيئة المحيطة به كثيرًا ..
" حسنًا لنصعد ونحصل على قيلولة متأخرة رفقة الماما"
نظر بعدها لهالي وقال ببسمة :
" إذن هالي، سعيد برؤيتك مجددًا، لكن سأذهب لاضع الصغير في فراشه، اراكِ في المساء "
ابتسمت له هالي وهي تعود بالحديث لانطونيو الذي قال بجدية :
" إذهبي للراحة مع زوجك ودعي لي قاسم، ولا تظهري حتى المساء، أود أن يكون الأمر مفاجأة لجدي "
ابتسمت له هالي ثم نظرت لادهم الذي ضمها من كتفها بحنان :
" عنده حق أنا فاصل من كتر اللف "
ضحكت هالي وهي تشير صوب الصغار الذين بدا عليهم الاندماج مع قاسم رغم عدم تحدثهم اللغة نفسها، إلا أن الصغار يبدو وكأنهم وجدوا طريقة للتواصل عجز الكبار عن اكتشافها ...
" حسنًا فقط أخبر الصغار أن يحرروا طفلي المسكين "
نظر انطونيو حيث تشير ليجد أن جميع الأطفال يجتمعون حول قاسم والبعض يتلمسه ويركض كـ كريس وكأنه كائنًا فضائيًا، وايضًا ڤيجو الذي كان يدور بالسيارة حوله وكأنه يحاول استكشافه من جميع الاتجاهات، بينما البيرتو يجلس بهدوء يتابع كل ذلك تاركًا ويليم وفيليب وكارل ينظرون له بفضول وهم يتحدثون له بكلمات تبدو كالشفرات للصغير صاحب السبع أعوام ..
" لا تقلقي هم اتخذوه رهينة، وعندما ينتهون من استكشافه سوف يحررونه، اذهبوا أنتم للراحة ودعوا الصغار يأخذون وقتهم في التعارف "
نظر له ادهم بريبة وبعدها نظر لهالي التي جذبته صوب المنزل وهي تقول بجدية :
" يلا يا ادهم خلينا نرتاح أنا جسمي متكسر"
" اصبري بس اما اشوف العصابة دي هتعمل ايه في ابنك، شوفي الواد ابو شعر أحمر ده بيبصله ازاي ؟ ولا شايف يلا ابعد عن الواد يا عسل بدل والله اعلقك، فين ابو الواد ده ؟؟"
ضحكت هالي بصوت مرتفع على زوجها :
" أدهم حبيبي دول اطفال، متخافش يعني هيكون آخرهم إيه يعني ؟!"
_____________________
كان صوت الموسيقى يخرج من غرفتها وهي تحرك يديها في الهواء بشكل عشوائي دون أن تكون حركاتها متقنة كالعادة، هي فقط أرادت تفريغ بعض الطاقة ..
تقفز هنا وهناك، وبسمة واسعة ترتسم على وجهها، تعود بكتفها للخلف، تميل للاسفل، ثم تعود للاعتدال وهي تحرك قدميها بحركات سريعة أثناء تحريك خصرها في حركات هادئة معروفة في هذا النوع من الموسيقى ..
وعلى باب الغرفة كان يستند وهو يراقب ما يحدث بحاجب مرفوع وبسمة جانبية مستمتعة بما يرى، وعكس توقعه كانت هي تشعر بوجوده، فقد أصبح الهواء حولها يعبق برائحته..
تحركت بحركات ادعت أنها عفوية وهي تسير مغمضة عينها حتى أصبحت بالقرب منه ودون أن تعطيه فرصة كانت تجذبه لها تحرك يديها مجبرة إياه على مشاركتها الرقص وهي تردد كلمات الأغنية على لسانها، بينما فبريانو يود الافلات منها، وروبين لا تمنحه تلك الفرصة وهي تضم نفسها له، تقرب رأسها من خاصته وكلمات تلك الأغنية الرومانسية تتردد على لسانها بدلال جعل يد فبريانو تلتف على خصرها بحنان وصوت روبين يهمس له بحب :
" ذنبك ايه ؟! ذنبك بحبك...هو بعد الحب ذنب !؟ "
ضحك فبريانو وهو يحاول أن يحرّك جسده بتناغم مع خاصتها يقربها منه هامسًا :
" إذا كان حبكِ ذنبًا، فلا رغبة لي بالتوبة منه "
تأوهت روبين بحب وهي تضم رقبة فبريانو تهمس له بحب :
" أراك تعشق العصيان فبريانو ؟؟"
" فقط إن كان لأجلك ارنبي الوردي "
وقبل أن تفكر روبين في الرد حتى انتفض الاثنان على صوت فتح الباب بعدما لم يستمعوا لذلك الطرق الرقيق الذي كان مصدره كف الصغيرة سيلفيا.
دخلت غرفة والديها تضم كفيها أمامها ببسمة وهي تقول بكل براءة :
" بابا هل يمكنك أن تقرضني مسدسك لبعض الوقت ؟؟"
رفع فبريانو حاجبه ومازال يضم خصر روبين بين أحضانه :
" هل ستضربين ذلك الاصهب المزعج ؟!"
" لا "
" إذن الإجابة هي لا أيضًا، عندما تفكرين في قتل ويليم تعالي وسأعطيكِ إياه "
ضربت روبين كتف فبريانو بغيظ شديد تكره أن يتساهل في الحديث حول تلك الأمور مع الاطفال، ابنته التي بالكاد أكملت الرابعة من عمرها والآن في طريقها للعام الخامس تسأله سلاحه، وهو يجيب عليها باكثر رد مستفز في الكون .
" فبريانو أنت مش واخد بالك بتقولك ايه ؟؟ بنتك عايزة سلاح يا استاذ، وأنت مكلفتش نفسك تسألها عايزاه ليه، وكل اللى همك عايزاه تقتل بيه مين ؟! وبعدين بلاش تكرر كلمة سلاح قدامها كتير بلاش تعود الاطفال إن ده شيء عادي "
رمقها فبريانو ثواني، عقله لا يستوعب ما تقوله، هو اعتاد التحدث بتلك الأمور دون أن يفكر، لم يعتد على التفكير أنه الآن يقف ويحدث صغيرته وليس أحد أبناء عمومته، شعر فجأة بالمسؤولية تسري في أوردته وهو يقول بصوت جامد بعض الشيء :
" إذن أميرتي الصغيرة لماذا تحتاجين ذلك الشيء السييء ؟؟"
ابتسمت له سيلفيا وهي تقول بكل براءة :
" ويليم يحتاجه ليضرب به ذلك الصبي "
ضيق فبريانو عينه وهو يسأل بريبة :
" أي صبي ذلك ؟!"
وقبل أن تجيبه ارتفع صوت بكاء عالي في الاسفل ليغمض فبريانو عينه بغيظ وهو يصرخ راكضًا للاسفل :
" تبًا سوف يقتلون قاسم، هؤلاء الوحوش .."
__________________
في الحديقة حيث جميع الاطفال _ عدا كلارك النائم_ يلعبون، لكن الوضع كان أي شيء إلا اللعب، فقد كان قاسم قد ملّ من تلك النظرات التي يوجهها هؤلاء الأطفال له، ليقرر أن ينهض ويذهب للبحث عن جده، لكنه تفاجئ بويليم يمسكه من ذراعه يردد بنبرة طفولية غاضبة :
" أين تذهب ؟! سنلعب "
لكن قاسم لم يستطع فهم ما يريده، ورغم ذلك ردد بكلمة إنجليزية كان يأمل أن يفهمها الجميع :
" My Grandfather (جدي)"
لكن ويليم رفض تركه قبل أن تعود سيلفيا، وفجأة وجد البيرتو يتدخل بينهم مزيحًا يد ويليم بهدوء عن قاسم وهو يقول :
" هذا صديقي، ابي سيغضب إن احزنته ويليم "
نظر له ويليم قليلًا يلوي فمه وهو يمرر نظره مجددًا على قاسم الذي ورغم أن السنوات بينهم لا تتخطى الثلاث سنوات، إلا أنه كان يراهم اطفال صغار ممنوع أن يضربهم كما كانت تكرر عليه والدته .
وبينما الجميع ينظر لبعضهم البعض، ارتفع صوت بكاء عالي في المكان جذب أنظارهم كلهم، ليفزع قاسم وهو يرى أن سيارة ڤيجو قد اصطدمت بأحد الأشجار في عنف والصغير يبدو أنه تأذى ..
هرع قاسم بفزع صوب السيارة يجذب منها جسد ڤيجو بصعوبة، ثم حمله يضم خصره بينما قد الصغير تتأرجح في الهواء وهو يبكي بسبب اصطدام رأسه.
و قاسم يضمه له بحب وحنان :
" بس متعيطش متخافش "
بينما الجميع ركض صوب ڤيجو بخوف الجميع يتحدث في وقت واحد محاولين أن يواسوه ...
جلس قاسم على العشب وهو يضع ڤيجو أمامه ينظر لرأسه ثواني قبل أن يقترب منها ينفخ بها ويقبلها كما تفعل معه هالي غالبًا، بينما الجميع يراقبون ما يفعل بشقيقهم وهم خائفون، حتى أن كريس بكى وهو يربت على كتف ڤيجو .
وبسبب ذلك الهواء الذي كان يصطدم في وجه ڤيجو، بدأت ضحكاته تعلو في المكان ليبتسم له قاسم، ويجلس الجميع ارضًا جوارهم يراقبون ما يفعل قاسم بڤيجو، وضحكات الأخير تتعالى، ابتسم قاسم وهو يمسك يد ڤيجو يداعبها بخفة سالبًا ضحكاته، مما جعل كريس ينهض متجهًا لقاسم يمد يده مطالبًا إياه بإضحاكه كما فعل مع ڤيجو ...
في ذلك الوقت كان مايك قد وصل بعدما سمع صوت بكاء صغيره من الحديقة الجانبية التي يتم بها تجهيز الحفل، وقد كان الاطفال في الحديقة الأمامية في جزء تم احاطته لأجل الاطفال، لكن فجأة توقفت اقدام مايك بصدمة مثله مثل فبريانو الذي تعجب ما يرى..
فقد كان قاسم يجلس ارضًا والجميع حوله يتضاحكون بصوت عالي يضمهم ويقبلهم ويلاعبهم بلطف لترتسم بسمة واسعة على فم مايك يسمع صوت مارتن الذي أتى على صوت بكاء ڤيجو أيضًا يردد ..
" يبدو أن الصغير ورث من زهرتنا الكثير والكثير، فهو يحمل نفس القلب النقي داخله"
أبصر فبريانو اندفاع ابنته من بين أحضان روبين صوب قاسم وهي تقترب منه تتحدث معه بعض الكلمات العربية التي كانت أذنها تلتقطها من والديها ليرفع فبريانو حاجبه وهو يرى ابنته تتوسط قدم قاسم أمامه وهو يمسك شعرها يحركه كما لو كان سيصففه ...
ازداد غضب فبريانو وهو يرى بسمة ابنته اللطيفة التي لا يحبها أن تمنحها لغيره، وما كاد يقترب منهم حتى وجد روبين تنقض عليه تقيده :
" سيبهم، سيب العيال تلعب "
" ما الذي تفعلينه ؟! الصبي يتلاعب في خصلات صغيرتي، صغيرتي أنا فقط، اتركيني سأحضرها فقط لن اضربه، أنا أحب قاسم، لكنني لا اريد أن يلاعب صغيرتي هكذا "
لكن روبين استمرت في تقييده :
" ابوس ايدك سيب البنت تتنفس بعيد عنك شوية، سيبها معاهم متخافش عليها، بعدين البيرتو هنا مش أنت بتثق فيه، يلا تعالى معايا جوا، تعال هوريك حاجة حلوة "
كانت تتحدث وهي تجذبه بقوة بينما فبريانو يرفض التحرك خطوة واحدة من مكانه وترك طفلته الحبيبة بين تسعة صبيان ...
وروبين تجذبه وهي تتوسله أن يأتي معها تغريه بكل الطرق الممكنة كما لو كان طفلًا، بينما فبريانو يصر على ألا يترك ابنته لهم ...
_________________
خرج ادهم من المرحاض بعدما تخلص من عناء السفر، بقدر ما كان الأمر مرهقًا إلا أنه، بمجرد رؤيته لتلك السعادة المرتسمة على وجه زوجته أكثر من كافية لمحو كل ذلك الارهاق، فلقد عكفت على توسله ليومين كاملين حتى يتفرغ للسفر، مستخدمة صغيرهم الذي أصبح تعلقه بعائلة والدته مرضي بعض الشيء، فهو وجد واخيرًا من يماثله جنونًا ويشاركه أفعاله الغريبة، بل ويشجعونه عليها ..
اقترب أدهم من هالي يتسحب على أطراف اصابعه حتى استقر خلفها، ومن دون مقدمات كان يده تلتف حول خصرها بكل خبث وفمه يستقر على رقبتها يهمس بصوت خافت :
" بتعملي ايه ؟!"
كانت هالي في تلك اللحظات تحاول تنظيم ضربات قلبها بسبب تلك المفاجأة، فهي فقط كانت تدقق النظر في بعض الحبوب التي احتلت جزءًا لا بأس به من وجهها :
" يا أدهم حرام عليك كنت هتموتني من الخوف "
ضحك أدهم على ملامحها يداعب وجنتيها بمشاكسة :
" بتبصي على نفسك كده ليه في المرايا ؟! هتتلبسي يا حزينة "
ضحكت هالي على نبرته التي كانت تشبه في تلك اللحظة نبرة شادية حينما تحذرها من شيء، لكن فجأة انتبهت لوجهها مجددًا تردد مستاءة :
" مش عارفة ايه الحبوب اللي ملت وشي مرة واحدة دي، مضيقاني اوي ومخلية شكلي مش حلو خالص "
غمغم أدهم وهو يتحسس بشرتها بحنان أثناء تدقيقه في المرآة :
" ما القمر مليان ندوب ولسه قمر "
بصت ليه هالي ثواني قبل أن تغمز له بمكر وكأنها أمسكت به :
" ايه ده ايه ده ايه ده ؟؟ ايه يا ادهم الكلام ده ؟! أنت بتقرأ كتب رومانسية من ورايا ؟! "
" يعني اهو بجتهد "
" لا بس جامد والله "
ابتسم أدهم بعدل من وضعية ثيابه في زهو مصطنع :
" أقل حاجة عندي، بالك أنا اساسا كان ممكن اقولك الجملة دي بالفصحى بس خوفًا على قلبك الرهيف و عشان عارف لغتك ركيكة وعلى قدك ورأفةً بغبائك ده عبرتلك عن حبي ليكِ بابسط طريقة "
انكمشت ملامح هالي بحنق وتهكم كبير :
" ولازمتها ايه الجملة الأخيرة يا أدهم، ملهاش لازمة والله بعد كل اللي قولته ده "
أنهت حديثها وهي تتحرك من أمامه صوب باب الغرفة بحنق تود الهبوط للاطمئنان على طفلها إن كان ما يزال حيًا أم تكفّل أبناء اقرابها بجثته .
بينما ادهم حكّ رأسه بتعجب :
" أنا بس كنت بفهمك، أنتِ زعلتي ولا ايه ؟! اصبري بس مش قصدي أنك جاهلة، تعالي طيب هقولهالك بالفصحى طيب "
كان يتحدث وهو يركض خارج الغرفة خلف زوجته، بينما هالي لم تنظر له حتى أو تفكر في الرد عليها تبحث بعينها عن ابنها لكنها لم تبصر أحدهم في البهو وما كادت تخطو خارج المنزل حتى أبصرت أحدهم يختفي أسفل الدرج فب الظلام ...
كان جايك يضم روز له وهو يهمس لها بكلمات عشقه مستغلًا لحظة انشغال ابنه مع الاطفال دون أن يكون مُطاردًا من فبريانو الذي سجنته زوجته في غرفتهم في الاعلى وسجنت نفسها معه لتهدأه وحشه ...
" إذن زهرتي الحبيبة ما رأيك في أن نخرج سويًا بعد الحفل اليوم ؟! أود أن اصطحبك في جولة مسائية بعد منتصف الليل في شوارع المدينة "
رفعت روز حاجبها وهناك بسمة ترتسم على فمها تشكك في حديث زوجها :
" نحن فقط ؟! دون ادوات رسمك ؟! "
ضحك جايك ملء فاهه بينما يده تضم روز له بحب لا ينضب، بل يزداد بشكل مخيف، تلك الزهرة الرقيقة التي سقط في عشقها دون رغبة منه في المقاومة حتى، عشقها ربما منذ اللحظة الاولى، ورغم تأخره في الشعور بذلك العشق، إلا أنه حينما شعر به لم يستطع إلا أن يلتصق بها كالغراء غير تاركًا لها فرصة الابتعاد عن عينيه يحاول جاهدًا أن يطبع ملامحها على لوحاته البيضاء، لكم رغب أن تزين عيناها أوراقه، أراد أن تحتل حمرة شفتيها بياض صفحاته ...
" للاسف يبدو أنني استسلم روز، لقد أعلنت أصابعي وفرشاتي الاستسلام أمام جمالك الفتان "
حدقت له روز بعدم فهم :
" ماذا ؟!"
تحركت اصابع جايك ترجع بعد خصلات روز للخلف بينما صوت الرجولي الاجش كان يهمس ببحة ترسل قشعريرة في جسد روز بأكمله :
" كل تلك المرات التي التصقت بكِ فيها لأجل رسمك، ما هي إلا محاولات واهية من فرشاتي المسكينة لرسم ملامحك زهرتي، لكنها وللاسف فشلت في ذلك، كل ما تعلمتُهُ سابقًا وكل مهاراتي انحنت أمام جمالك حبيبتي "
فتحت روز فمها بعض الشيء تستمع لحديثه الذي مسّ شغاف قلبها بقوة، تنظر له بأعين لامعة وكأن حديثه قد أنار ملاحها فجأة :
" جايك أنت تتسبب في إصابة قلبي بحالة يُرثى لها"
أمسك جايك يدها يقبلها بلطف :
" حسنًا لربما اصبحنا متعادلين الآن"
ابتسمت له روز تحاول إخراج كلماتها لتعبر له عن حبها، لكن كان صوت هالي هو الفيصل بين اقتراب جايك منها وحديثها هي ..
" هييه هل رأى أحدكما قاسم ؟!"
احمرت خدود روز بشكل نافس لون شعرها الاحمر تحاول الاختفاء خاف جايك الذي شعر بدلو مياه باردة يُسكب فوق رأسه مخرجًا إياه من تلك الحالة التي كان يعيشها، ابتلع ريقه وهو يهز رأسه بجهل :
" لا هالي لم أره، لكن جميع الأطفال في الخارج مع جاكيري، ربما كان معهم "
كان جايك يتحدث بخفوت يحاول كبت تلك السبات التي تحاول الاندفاع من فمه، مذكرًا نفسه أنها هالي، اميرته وشقيقته الحبيبة .
هزت هالي رأسها لهم وهي تتحرك مبتعدة عنهم، لتتنفس روز براحة أن هالي لم تعلق على وضعهما، فجأة استدار لها جايك يبتلع ريقه مقتربًا منها مجددًا :
" حسنًا أين كنا ؟؟"
عادت هالي مرة أخرى واضاءت جميع الانوار أسفل الدرج ليصبح كلٌ من جايك وروز ظاهرين للاعين، روز مازالت تستند على الجدار وجايك يحاصرها والانوار قد أضاءت المكان باكمله..
" مش فاهمة أنت قاعد كده ليه في الضلمة، هتتعمي أنت وهي"
اغمض جايك عينه بغضب يهمس :
" لو أنها لم تكن هالفيتي، اقسم أنني كنت سأقتلها.."
تحركت هالي مبتعدة عنهم صوب الحديقة تبحث بعينها عن جاكيري الذي يجمع الأطفال حسب حديث جايك، لكن كل ما ابصرته كان مايك الذي يجلس على أحد المقاعد أمام لورا يمسك يديها يميل عليها بشكل غريب، اقتربت منه هالي سريعًا وهي تقول بصوت مرتفع :
" هيييه مايك ألم تر قاسم ؟! "
رفع مايك نظره لها بعدما كان على وشك تقبيل يد لورا، يهز رأسه بلا :
" لا، لكن ربما يكون في الحديقة الخلفية مع جاكيري"
هزت هالي رأسها وهي تتحرك بعيدًا تاركة مايك الذي كان يمسك يد لورا بحنان بعدما اصابها حرق طفيف أثناء إعداد الطعام منذ ساعة تقريبًا، تحسس مايك الجرح بكل حنان يمتلكه :
" هل مازال يؤلمك أميرتي ؟!"
تحدثت لورا بخجل من انحناء مايك بهذا الشكل على يدها :
" لا مايك أنا بخير صدقني، فقط انهض ارجوك لن يكون من الجيد أن يراك أحدهم هكذا"
رفع مايك حاجبه يطبع قبلات صغيرة متتابعة على كفها :
" وماذا في ذلك ؟! ما العيب في تقبيل يد زوجتي ؟"
" نظرت حولها تحاول أن تخفي ذلك الخجل الذي يملئ ملامحها :
" لا ادري فقط أشعر أن الأمر مخجل قليلًا "
ابتسم لها مايك وهو ينهض من مقعده، ثم جلس على ركبتيه أمامها ليتفحص قدمها التي طالتها بضع قطرات من الزيت الساخن :
" اوه لا عزيزتي الأمر ليس مخجلًا البتة "
نظر حوله يتأكد أن لا أحد يطوف حوله في هذا الجزء من الحديقة، ثم رفع قدم بنطال لورا، حيث كان يتكأ بجسده على أحد قدميه، والأخرى يضعها بزاوية ٩٠ يسند عليها قدم لورا يتحسس تلك البقع الحمراء التي انتشرت عليها وقد علىٰ الحنق ملامحه :
" هذا ليس جيدًا لورا، لماذا لم تخبريني بمجرد إصابتك بتلك الحروق، انظري لقد بدأت تنتشر في قدمك "
أطلقت لورا ضحكات وهي تحاول سحب قدمها من بين يديه :
" ما هذا تنتشر في قدمي، مايكي هذه حروق وليست مرض جلدي لتنتشر حبيبي، هيا دع قدمي وانا سأهتم بها"
وكان الرفض هو الإجابة الوحيدة التي حصلت عليها لورا من مايك الذي بدأ بتفعيل دور الحامي والحارس الخاص بالاميرة العربية التي ألقاها القدر بين أحضانه ذات يوم ..
نهض من مكانه يجذبها بلطف لتقف، ثم قال وهو يُعدل من وضعية بنطالها الذي كان قدر رفع أحد أقدامه ليبصر الحروق به :
" حسنًا يا لورا، الآن سنذهب سويًا للمشفى لنرى ماذا سيخبرنا الطبيب بشأن تلك الحروق "
فتحت لورا فمها بصدمة من حديثه :
" مشفى ؟! مايك هل تمازحني؟! أنا حتى لا اشعر سوى بلسعات صغيرة، الأمر ليس بهذه الخطورة "
لكن يبدو أنها كانت تتحدث للفراغ حيث اختفى مايك من امامها بشكل غريب وعاد بعد دقيقتين يحمل بين يديه مفتاح وهو يسحب يدها بجدية :
" هيا لنستغل أن السيد ڤيجو يلعب مع الجميع ونذهب قبل أن يبدأ الحفل "
" لكن...لكن ..."
" بلا اعذار لورا، سوف نذهب للطبيب وانتهينا، أنا لن أنتظر حتى تلتهب تلك الحروق "
تحركت لورا خلف مايك وهي تضحك بصخب ينافس صخب تلك الموسيقى التي تأتي من الحديقة الخلفية، ودقات قلبها تتراقص، لا على أصوات موسيقى جاكيري، بل على اوتار عشق مايك ..
وبالحديث عن موسيقى جاكيري، وصلت هالي للحديقة الخلفية الخاصة بالحفل الذي يعده الجميع مفاجأة للجد بدلًا من الاكتفاء بعشاء وتهنئة ككل عام...
لكن وقبل أن تتقدم خطوة إضافية داخل الحديقة توقفت من فورها وهي ترى الاطفال جميعهم مرتصين بشكل مرتب وجاكيري يتقدمهم وهو يحرك جسده بشكل مرن يناسب تلك الموسيقى ولا يلائم تلك العشوائية التي يغرق بها الاطفال خلفه ...
رفع جاكيري يديه في الهواء يتحدث بصوت مرتفع :
" والآن ارفعوا ايديكم وحركوها بهدوء شديد لليمين ولليسار "
لكن وكأنه يتحدث مع نفسه فقد كان كل طفل في عالمه الخاص حيث أن ڤيجو كان يستكشف لتوه شيء عجيب يُسمى زهور، فمنذ لمح زهرة ملقاه ارضًا بفعل الرياح وهو يحملها ينظر لها بكل انبهار وسعادة، بينما ويليم كان فقط يلتصق بسيلفيا يعانقها بحب وطفولية كبيرة، بينما البيرتو يقف كالتمثال ينظر للجميع بنظرات متعجبة وكأنه هبط لكوكب الارض للتو..
بينما فيليب ( طفل مارتن ) كان يحاول جهده لتقليد حركات جاكيري هو واسكندر، وكريس ذلك الصغير كان ينحني ارضًا وهو يحاول أن يوازن جسده كله على رأسه، بينما كايل ( ابن ماركوس ) يتناول بعض الحلوى بيد وبالاخرى يحركها في الهواء، وبالطبع كان كلارك ما يزال نائمًا في الاعلى بين احضان والده .
وقاسم كان يقف يحاول ترجمة كلمات جاكيري يقلده بشكل لا بأس به مقارنة مع حركات باقي الصغار حوله الذين كانوا يصطدمون في بعضهم البعض ساقطين ارضًا
فجأة استدار جاكيري وهو يصفق بيده سعيدًا :
" احسنتم اعزائي لقد انتهينا من التدريب والآن لنعيد الرقصة بأكملها و..."
توقف وهو يرى ما يحدث ليشعر أن الزمن يعيد نفسه مجددًا، لكن هذه المرة مع أبناء أقاربه وليس هم أنفسهم، تمتم بغيظ شديد وهو يتحرك بينهم :
" ماذا سأتوقع منكم، بالطبع ستكونون كما كان ابائكم، فاشلون انجبوا جيلًا آخر من الفاشلين، تبًا لك ويليم أنت يا فتى عارٌ على والدك،ابتعد عن زوجة ابني هيا "
كان يتحدث وهو يحاول أن يفك عناق ويليم عن سيلفيا التي كانت تضحك بصوت عالي ظنًا أن جاكيري يلاعبها ..
كل ذلك تحت أنظار هالي التي شعرت باقتراب أحدهم منهم، نظرت له لتجد أنه ادهم الذي لحق بها وهو يقول :
" مكانش فيه داعي لقلقي، الولد شكله مبسوط "
كان يتحدث مشيرًا لصغيره الذي يتحرك مع جاكيري والأطفال بعدما صرخ جاكيري بهم في حزم شديد يحذرهم من مخالفة تعليماته، ليبدأ الجميع في اتباع حركاته حسب قدراتهم وتنتظم صفوف الأطفال بشكل عجز أبائهم عن فعله يومًا ..
ابتسمت هالي وهي تقول بسعادة لرؤية ذلك المشهد للاطفال جميعهم يتراقصون بكل براءة مع جاكيري وبحركات أصبحت شيئًا فشيء شبه منظمة :
" شكلهم حلو اوي، جدو هيفرح اوي لما يشوفهم كلهم مع بعض كده، قاسم شكله اتصاحب عليهم وخاصة ابن الطونيو "
كانت تتحدث مشيرة لابنها الذي بدأ يبتسم بسعادة وهو يقف جواره مباشرة بعدما جذبه جاكيري له بحنان يحاول التحدث معه بكلمات إنجليزية مفهومة يراقبه بحذر وهو يشير له بتحرك يده :
" للأعلى ..."
رفع قاسم يديه للاعلى يراقب جاكيري الذي قال باهتمام :
" والآن للاسفل وقم بلف يديك "
فعل قاسم ما يقول حسب حركات يده وليس حديثه لتتسع بسمة جاكيري وهو يميل مقبلًا وجنة ذلك الصغير بحب :
" اوه حبيب خالك، أحسنت صغيري أنت بارع "
ضحك قاسم بسعادة وهو ينظر للجميع الذين بدأوا يصفقون له بطفولية وبراءة كبيرة وجاكيري يضحك عليهم ...
" حسنًا يا راجل يبدو أنكم ستصبحون اصدقائي الجدد وسأتخلى عن رفقة ابائكم الحمقى، فأنتم تتبعون التعليمات افضل من هؤلاء الاغبياء، والآن لنبدأ بوضع اللمسات الأخيرة على عرضنا "
نظر حوله ليجد أن مارتن وماركوس وآدم انتهوا من ترتيب الاضواء في الحديقة وقد غابت الشمس ليعلو صوت جاكيري وهو يصفق :
" هيا اتبعوا العم جاكيري لنرى ما سنرتديه كفريق "
كان كل ذلك تحت أنظار رفقة التي كانت تشاهد ما يحدث منذ وقت طويل لا تعلم كم مر عليها وهي تراقب ما يفعل جاكيري، ذلك الرجل الذي يشع حنانًا ولطفًا، لكم تود لو تركض له تضمه بين أحضانها تشبعه حبًا، جاكيري الذي يحاول أن يمنح الصغار ما حُرم منه في طفولته، من يراه يتصرف بهذا الشكل لا يصدق أنه قضى طفولته في مصحات نفسية يحارب خوفه وكوابيسه، ولا ينام سوى بعد صراخ عنيف حتى يضطر الطبيب لإعطاءه مهدأ، عانى أثناء طفولته، لكن رغم ذلك لم يفقد حنانه ولم يتحول لشخص بغيض يحاول أذية غيره كما تأذى هو، بل على العكس كان يحاول أبعاد الجميع عن الاقتراب من ذلك الركن المظلم الذي ظل جاكيري الصغير محتجزًا به ..
شعرت رفقة بدموعها تغلبها وهي تتذكر تلك الليلة التي كان يقص عليها جاكيري ما حدث له، مازال صوت شهقاته يرنّ في أذنه، بكاءه وانتفاضة جسده وصوته المختنق ما يزال يصيبها بالوجع لأجله .
انتفضت رفقة من تلك الذكريات وهي تشعر بيد تربت على كتفها بحنان وصوت صاحب الشهقات التي ترن في أذنها يتحدث بحنان :
" هيييه رفكة، ما بكِ حبيبتي، لِمَ البكاء ؟!"
استدارت له رفقة تنظر له بحب، ذلك الرجل الذي يختلف ظاهره عن باطنه، قد يظهر للجميع مشاكس مرح ومختل ومجنون، لكن جاكيري ليس ذلك الشخص بل هو الرجل الأكثر حنانًا ودفئًا ولطفًا، كطفل صغير، تنفست رفقة بقوة وهي تقترب منه تضم خصره دون مقدمات :
" اوه جاكيري أنا أحبك كثيرًا، أنت اروع زوج في هذا العالم "
ابتسم جاكيري بعدم فهم :
" وهل يبكيكِ حبي رفكة ؟!"
" لا لا بل سعادتي بحصولي على رجل مثلك حبيبي، أنت اروع زوج، واجمل أب في هذا العالم "
انحنى جاكيري حتى يصل لرأسها ويده تضم خصرها بقوة هامسًا :
" حقًا ؟! هل أنا كذلك رفكة؟! أعني هل أنا زوج جيد وأب جيد ؟؟ "
تأوهت رفقة من تلك الرجفة في صوته، وقد عادت لها ذكريات الاسبوع الماضي حينما كان تستكين رأس جاكيري أعلى فخذها بكل هدوء وهو يتحدث بشرود وكأنه لا يعي أين هو :
" أنا خائف رفقة، خائف أن أكون أب سيء لاسكندر، أنا ...أنا أموت خوفًا أن تنعكس طفولتي السيئة على صغيري، أخشى أن تكون تصرفاتي وافعالي معه خاطئة، أخشى أن يحظى صغيري بطفولة بائسة فقط لأن والده كان طفلًا مجنونًا قضى نصف طفولته في المصحات النفسية "
صُدمت رفقة من حديث جاكيري وقد كانت المرة الأولى التي يعبر فيها عن مخاوفه بهذه الشفافية، كانت ترى حرصه الشديد أثناء التعامل مع اسكندر، رغبته الشديد في إخراج كل حنانه أمام صغيره، كل ذلك لأنه خائف؟؟؟؟
خرجت رفقة من أفكارها وهي ترى نظرات جاكيري، نفس نظراته ذلك اليوم حينما سألها نفس السؤال، ذلك الرجل مازال بداخله طفل خائف يخشى أن يُخطئ، لكن هي معه وستردد على مسامعه كل ثانية نفس الحديث :
" جاكيري لم يكن اسكندر ليحظى بوالد افضل منك، الصغير يحبك بجنون جاكيري، أنت افضل أب في هذا العالم، اقسم حبيبي أنني في حياتي لم أكن لاتمنى لطفلي أب افضل منك، لأنه ببساطة ليس هناك من هو بمثل حنانك وحبك، ليس لطفلنا فقط بل للجميع حبيبي "
ارتسمت بسمة على فم جاكيري كانت أكثر من كافية لتنشر النور داخل قلب جاكيري الذي قال بسعادة كبيرة وحماس اكبر :
" هذا جيد، أتعلمين أنني أحضرت له بذلة طيار كخاصتي؟! لقد أعجبته عندما رآني بها؛ لذلك احضرت له واحدة صغيرة وعليها بطاقة تعريفية مكتوب عليها اسكندر جاكيري فوستاريكي "
مدت رفقة يدها تداعب وجنته بحب :
" هذا لطيف حبيبي، أسكندر سيحب ذلك كثيرًا"
ابتسم جاكيري وهو يتنفس براحة يحاول العودة لمرحه يسحب يدها خلفه بسرعة كبيرة :
" حسنًا تعالي لنعطيها له سويًا، اريد رؤية ردة فعله "
سارت رفقة خلفه وهي تراه يدخل غرفتهم يحضر حقيبة، ثم خرج معها متجهًا صوب غرفة صغيره، يطرق الباب بلطف ليسمع صوت اسكندر يطلب منه الدخول .
دخل جاكيري ليجد طفله ينظف حذائه، وبمجرد أن لمح الصغير والده حتى استقام ينظر له بحب كبير يتحرك صوبه :
" مرحبًا أبي، هل جئت لترى ثيابي الجديدة ؟! لقد احضرتها أمي لأجل الحفل "
نظرت لهم رفقة بحب دون أن تتدخل تاركة لهما الفرصة للتحدث، الفرصة ليعلم جاكيري كم هو أب رائع ومن طفله نفسه ..
" نعم عزيزي أتيت لرؤية ثيابك، وايضًا أحضرت لك هدية، بل احضرنا لك هدية أنا ووالدتك"
نظر لها اسكندر بفضول، ثم نظر لوجه والده وبعدها تحركت عينه على الحقيبة التي يحملها بيده يقول ببسمة واسعة :
" حقًا؟! هدية لأجلي ؟!"
هز جاكيري رأسه يجلس على ركبتيه ليصبح بطول صغيره، يضع الحقيبة ارضًا، ثم أخرج منها بذلة الطيار الصغيرة بكل حماس وترقب، يرفعها أمام أعين اسكندر التي اتسعت بصدمة :
" انظر احضرنا لك ثياب كخاصتي"
شهق اسكندر بقوة وهو يعود للخلف لتتاح له فرصة تأمل البذلة بشكل أفضل :
" هذا ...هذا لي أنا، ابي هذا ...هذا "
صمت يحاول ايجاد كلمة في عقله الصغير تصف شعوره الأن، ولم يجد في عقله جملة تصف مقدار سعادته سوى التي قالها :
" سأصبح مثلك ؟؟ إن ارتديتها سأكون رائعًا مثلك؟! "
تأوه جاكيري بحب وهو يردد بخفوت وقد شعر بدموع تتجمع في عيونه تأثرًا بجملة صغيره :
" هل تراني رائعًا اسكندر ؟؟"
تحرك اسكندر صوب والده يجيبه بقوة وثقة خرجت من فمه الصغير بشكل غريب نسبة لعمره :
" بالطبع ابي، في هذه الدنيا أنت الأروع، أنت اروع من جميع الابطال الخارقين في التلفاز، لقد أخبرت اصدقائي في الروضة أنك طيار بارع، لم يصدقوني، لكنني أخبرتهم أنك ستأتي معي للروضة واريهم كم أنت رائع، ستفعل صحيح؟!"
سقطت دموع جاكيري بقوة وهو يترك البذلة جاذبًا جسد صغيره لأحضانه بقوة وقد شعر براحة كبيرة تسري بين أوردته، صغيره الحبيب يراه رائعًا، بل يراه الاروع، في أكثر أحلامه تطلبًا لم يكن ليحلم بذلك :
" سأفعل بالطبع، بل سآخذك للروضة بالطائرة إن أردت، سنسرق طائرة العم انطونيو ونذهب بها سويًا لأنها اجمل من خاصتي "
ضحكت رفقة من بين دموعها وهي تحاول أن تستوعب كل تلك المشاعر، بينما أطلق صغيرها صيحة سعيدة وهو ينقض على جاكيري بالقبل والعناق، والعديد والعديد من كلمات الحب الطفولية التي يعرفها ..
بينما جاكيري في هذه اللحظة كان يحلق من السعادة وقد بدأ قلبه يستكين وتبتعد تلك الأفكار السوداء التي تلبسته منذ بدأ صغيره يكبر أمامه ..
كان جاكيري يضم اسكندر وهو يردد على أذنه عبارات الحب ورفقة تستند على الجدار تراقب كل ذلك ببسمة سعيدة لأجله، لأجل حبيبها الالطف في هذا العالم .....
______________________
دخل منزله بعد يوم طويل مشحون في المقابر، حيث اعتاد أن يقضي نهاره رفقة زوجته حتى لو وارى التراب جثمانها، ما تزال روحها تطوف حوله حينما يستند على قبرها ويحدثها مخبرًا إياها كل ما حدث وقص عليها كل تفاصيل حياتهم، ثم ذهب لزيارة قبور أبناء واول صغار حملتهم يده، وها هو يتحرك صوب الباب الداخل بعدما هبط من السيارة ...
لكن وقبل أن يخطو للدرج الداخلي سمع صوت يأتي من الحديقة الخلفية، صوت غناء وبالتحديد غناء اطفال ..
وبمجرد أن خطى اليخاندرو للحديقة الخلفية تم إضاءة الانوار كلها ليظهر جميع صغاره على منصة مضيئة تتوسط الحديقة وهم يتحركون بشكل منظم _ قليلًا _ يغنون بعض الكلمات المتعثرة والتي عكف جاكيري على جعلهم يحفظون كلماتها رغم صعوبتها على الصغار بينهم إلا أنه كان يكتفي بجعلهم يتمتمون اللحن فقط ..
ابتسم اليخاندرو بحنان كبير وهو يرى صغاره الأحباء يوجهون كل الكلمات له، واتسعت بسمته أكثر وهو يرى سيلفيا تتوسط الجميع تحاول أن تجاربهم في الحركات، ضحك بقوة حينما ابصر جسد ڤيجو يسقط ارضًا بسبب رباط حذائه، لكنه نهض ليكمل الأمر دون اهتمام ..
فجأة فتح اليخاندرو عينه بصدمة حينما أبصر جسد آخر يخرج من بين الأطفال، ولم يكن سوى قاسم الذي أطلق صيحة سعيدة مشتاقة :
" جــــدو "
ركض اليخاندرو دون شعور صوبه، صغيره الاول ومدلله الاول وحبيبه الذي اشتاقه، كان يفتح ذراعيه بحب :
" قاســم صغيري "
ضم اليخاندرو جسد قاسم بين يديه يُشبعه تقبيلًا لا يصدق أنه أتى هنا وأنه بين ذراعيه، كان يجلس على ركبتيه يضمه بقوة وفجأة شعر بهجوم من جميع الأطفال عليه، ليفتح ذراعيه لهم وقد بدأ كريس يتسلقه كالمعتاد ليجلس أعلى كتفه، ارتفعت ضحكت اليخاندرو حينما التف حوله الجميع يتسابقون على احتضانه :
" تمهلوا احبائي، تمهلوا "
ظهر الجميع كلٌ برفقة زوجته، مارسيلو الذي تطلب من راسيل جهدًا مضنيًا لكي يستيقظ هو وطفلها للتجهز، بينما انطونيو يضم روما له بحب ويده تربت على بطنها البارزة بعض الشيء بحنان ...
ومارتن الذي كان يستند بذقنه على كتف جولي يردد :
" هل تناولتي الطعام حبيبتي ؟!"
ربتت جولي على بطنها البارزة وهي تقول بسعادة :
" لقد فعلت مارتن، لكنني مازلت جائعة"
ابتسم مارتن بحنان وهو يمسك يدها يقول :
" حسنًا لا بأس أن نفتتح طاولة الطعام مبكرًا، لا أظن أن روز ستغضب من هذا "
ضحكت جولي وهي تستدير له هامسة:
" اتمنى أن لا يغير هذا رأيك بي وتظن أنني شرهه، هذه ظروف خاصة مارتن "
داعب مارتن أنفها بحنان :
" لا بأس بنية العينين، يمكنك أكل ما تشائين من الطعام، هذا يسعدني، ثم أنني أريد لصغيري أن يأتي بصحة جيدة "
نظرت له جولي ثواني ثم قالت :
" إذن أنت لست مشمئزًا من جسدي الذي أصبح ممتلء ؟!"
شهق مارتن بصدمة :
" يا اللهي جولي ما هذا الوصف ؟! ما هذا مشمئز، يا فتاة لقد ازدادت فتنتك بزيادة وزنك، الأمر أصبح صعبًا عليّ حقًا، اه لو تعلمين مقدار جمالك في عيني ما قلتِ هذه الكلمة "
ابتسمت له جولي وهي تضمه لها لكن وقفت بطنها المنتفخة حائلًا بينهما لتتعالى ضحكات مارتن ..
وجواره كان ماركوس يضم فيور وهو يستند بذقنه على كتفها يتحرك بها حركات صغيرة يراقبان صغيرهما الذي كان يتعلق بذراع اليخاندرو ..
" ماركوس كايل يشبهك بشدة، لقد بدأ يتحول لك "
تساءل ماركوس بلطف وهو يقبل رأس فيور :
" وهل هذا شيء سييء ؟!"
نظرت له فيور قائلة بحب :
" بل رائع، تخيل أن أحصل على نسخة صغيرة منك ؟؟"
غمز لها ماركوس بحب :
" ما رأيك أن نحصل على نسخة تشبهك أنتِ أيضًا ؟؟"
ضحكت فيور وهي تبتعد عنه جاذبة يده صوب التجمع :
" حسنًا حسنًا ربما نفكر في هذا الأمر لاحقًا، الآن دعنا نشارك الجميع في الاحتفال .."
وفي منتصف الحديقة كانت هالي تتوسط احضان اليخاندرو الذي كان يستنشق رائحتها بحب :
" اشتقت لكِ حبيبتي، الآن وفي هذا اليوم بالاخص، أسعدتني رؤيتك حبيبتي، أشعر أن زوجتي قد عادت عندما انظر لكِ بهذه الملامح البريئة، ليتها كانت هنا كانت لتحبك كثيرًا "
ابتسمت له هالي رغم أن عقلها لم يترجم كل تلك الكلمات إلا القليل :
" لا بأس إن لم تكن هنا، فأنا هنا جدي وانا احبك كثيرًا "
ابتسم اليخاندرو بقوة وهو يرى جميع احفاده يحيطون به وصغارهم وكذلك ادهم زوج هالي، ابتسم لهم يقول بحب :
" ما أسعد يومي بوجودكم حولي احبائي، أنتم اجمل عائلة قد يحظى بها المرء يومًا، ولو أن سيلين لم تكن مسافرة في هذا الوقت لكان الجميع قد اكتمل بشكل كلي "
تنهد ثم مرر عينه على الوجوه وقال :
" خسرت الكثير في حياتي، لكن وجودكم جواري قد منحني أكثر مما خسرت، والآن إن رحلت سأرحل وانا مبتسم، وانا سعيد أنني حققت حلمي برؤية عائلة كبيرة بعدما عانيت سنين وسنين من الوحدة "
نظر له الجميع بحب ليهجم الاحفاد التسعة عليه فجأة كما فعل الاطفال لكن هؤلاء بأجسادهم القوية والكبيرة لم يكونوا كالصغار، بل إنهم أسقطوا اليخاندرو ارضًا وهم يضمونه بحب لتتعالى صرخات اليخاندرو :
" هيييه انهضوا من فوقي سوف تكسرون عظامي، هل تظنون أنفسكم ما زلتم صغار ؟! هيا انهضوا من فوقي"
تعالت ضحكات الجميع عليهم ليعلو صوت انطونيو بحب :
" سنظل صغارًا جوارك يا جدي مهما نضجنا سنظل صغارك، صحيح ؟!"
ابتسم اليخاندرو وهو يحاول أن يحتوي الجميع بين ذراعيه وعينه تمر على حفيدته بحب كبير :
" كنتم ومازلتم صغاري ولو أصبحتم بعمري انطونيو، ستظلون احفادي وكل عائلتي، عشرة احفاد اعطوني بالمقابل عشرة احفاد آخرين وعشرة صغار لطفاء لتكتمل عائلتي بكم جميعًا، ألست محظوظًا برأيك؟! "
ضم ادهم هالي له وهو يبتسم لكلمات اليخاندرو الذي نهض احفاده من فوقه يجذبونه يده لينهض برشاقة لا تناسب أمره ثم ربت على اكتاف الجميع وبعدها نظر لجاكيري يقول بتفكير :
" ما هذا الهدوء جاكيري، أين موسيقاك ورقصاتك "
ضحك جاكيري وهو يركض صوب منظم الاغاني يقول بصخب :
" اوه جدي سيشعل الحفل، هيا هيا الجميع لمنصة الرقص الان"
وفي ثواني كان الكل يهجم على منصة الرقص، فبريانو يحمل اميرته الصغيرة أعلى ظهره بحمائيه وروبين جواره تراقصه بالقوة.
وكذلك روما التي كانت تمسك البيرتو بيد وانطونيو بيد تجبرهم على الرقص، بينما الباقيين لا يحتاجون لمحفز، فقد كانت تلك الأجواء العائلية اكبر محفز لهم، لسعادتهم .
تحرك جميع الرجال معهم أدهم يحملون اليخاندرو قازفين إياه في الهواء، وصوت ضحكاته تتعالى والجميع حولهم يشجعهم والصغار يقفزون بسعادة وأصوات ضحكاتهم كانت تطرب الآذان.
كل ذلك مر وكل ما سيأتي سيمر كذلك .
ورغم كل ما نمر به من الآلام واحزان، تبقى العائلة هي الدواء الوحيد، ويبقى الدفء المنبعث منهم هو الراحة الوحيدة وسط زحام الايام......
تمت بحمد الله
15 مارس ٢٠٢٣
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل السادس عشر 16 - بقلم رحمة نبيل
بنات كتير طلبت مني المشهد ده، اتمنى يعجبكم، وانا كل ما تسنح لي الفرصة هنزل ليكم مشهد لطيف إن شاء الله
______________
دخل غرفته باحثًا عنها بعينيه، اشتاق لها، بل يكاد الشوق يحرقه في بُعدها، فها هي ايامٌ قد مرت دون أن يراها بسبب سفره الأخير رفقة أبناء عمومته وجده للانتهاء من اجتماع طارئ .
بمجرد أن خطى لغرفتهما قابله صمت غريب _ بالنسبة لمكان تتواجد به روبين_ نظر حوله محاولًا معرفة ما يحدث في الغرفة متسببًا بذلك الصمت الغريب .
لكن لا شيء...
خرج فبريانو من الغرفة يتحرك صوب الطابق الارضي ينادي باسمها :
" روبين، روبين أين أنتِ ؟!"
قابل في طريقه روز التي كانت تحمل طبقًا ملئ بالطعام متوجهة صوب غرفتها هي وجايك :
" هييه روز ألم تقابلي روبين اليوم ؟؟"
نظرت له روز ثواني بتعجب قبل أن تقول :
" بلى، لقد رأيتها صباح اليوم كانت تجلس رفقة روما وجولي، لكنني كنت منشغلة في الطهو، ربما يمكنك سؤال روما أو حتى جولي"
هز فبريانو رأسه وتحرك للاسفل بخطوات سريعة يقطع الدرج بهرولة مشتاقة، خطى بقدمه الطابق الأرض ليلمح جولي تتمسك بمارتن كالعلقة كما هي عادتها، لم يهتم كثيرًا بالتفكير في الأمر وهو يتحرك لها متسائلًا وكأنه يستجوب مجرمًا ما :
" أين هي روبين؟"
نظرت له جولي بصدمة ترمش دون فهم :
" ماذا ؟! لا اعلم "
اقترب منهما فبريانو بشكل مريب يهمس مضيقًا عينه :
" لقد أخبرتني روز أنها كانت تجلس معكِ، والآن أين هي زوجتي بحق الله ؟؟"
" وما ادراني بذلك؟؟ كان هذا منذ الصباح ومنذ ذلك الوقت لم أرها "
تنفس فبريانو بصوت مرتفع جعل جولي تختبئ في ثياب مارتن الذي ضمها بحنان قائلًا :
" لِمَ لا تتفحص كاميرات المراقبة ؟؟"
نظر له فبريانو ثواني قبل أن يتحرك قائلًا دون تفكير :
" إن لم اجد زوجتي أو حتى وجدتها وبها خدش صغير لن ينجو أحد مني اليوم، وما فعلته في الاجتماع لن يقارن بما سأفعله بكم هنا "
أنهى حديثه يتحرك صوب غرفته بخطوات كبيرة مجددًا، مخططًا أن يرى تسجيلات المراقبة في حاسوبه الخاص كما اقترح اخوه الغبي، وبمجرد أن خطى للغرفة سمع صوتًا يصدر من المرحاض رغم أن الاضواء مطفئة به، ودون تردد صنع عقله سيناريو عن أن هناك من استغل غيابه ليقتحم غرفته ويأذي زوجته، ثم سحبها للمرحاض حينما سمع اقترابه من الغرفة ..
دقّ قلبه وضخ الدماء لكامل جسده وقد تملك الغضب نفسه بمجرد تخيل أن أحدهم مسّ روبين بخدشٍ صغيرٍ .
تحرك صوب المرحاض بخطوات غير مسموعة يتقنها بسبب تاريخه الحافل بالتسلل، وقف جوار باب المرحاض حتى يخفي ظله عن المقتحم في الداخل، مدّ يده ببطء يمسك بالمقبض، تنفس يضغط على زناد سلاحه يجهزه للاطلاق، وفي ثواني فتح الباب بقوة مرعبة مضيئًا انوار المرحاض كلها فجأة ليرى روبين تهب في وجهه صارخة _ بشكل ظنته مرعبًا _ لتهتف وكأنها تسأله الرعب :
" بخ ؟؟؟"
لم تتحرك شعره من رأس فبريانو وهو مايزال يرفع السلاح على روبين وملامحه كلها باردة بشكل جعل روبين تبتسم بسمة غبية وهي تقول :
" ايه مخوفتش ؟؟"
" يمكنني قتلك الآن "
ابتلعت روبين ريقها وقد فشلت حيلتها، فهي قضت ساعات في المرحاض لتقوم بتخويف فبريانو حينما يدخل ليستحم بعدما يعود، والآن يقف أمامها يرفع سلاحه على رأسها :
" بس أنت مش هتعمل كده، عارف ليه ؟؟"
لم يتحدث فبريانو بكلمة لتقول روبين وهي تنزل السلاح ببسمة غبية :
" عشان قلبك ده مش هيطاوعك، لأنه قلب خساية "
ابعد فبريانو اصبعها الذي كانت تضغط به على قلبه، يقول وهو يخفي سلاحه في ثيابه مجددًا ثم رفع يده ضاربًا رأسها بغيظ :
" لا، ليس لأن قلبي رقيق أو ما شابه، بل لأن الاحمق يحبك"
ضحكت روبين بصوت عالي لتشعر بيد فبريانو تجذب رأسها لصدره وهو يطبع قبلة حنونة أعلاها يهتف بحب :
" اشتقت لك ارنبي الوردي، كيف حالك بدوني "
استكانت رأس روبين أعلى صدر فبريانو بحب كبير وقد بدأ احساس الامان يتغلغل لنفسها بكل خبث، فبمجرد أن يستشعر قلبها نبض قلبه يبدأ في الهدوء والاستكانة وكأنه حاز للتو جرعة كبيرة من المخدر :
" وحشتني اوي، حسيت إني وحيدة في بُعدك رغم كل اللي حواليا "
ابتسم فبريانو يجذب روبين له أكثر :
" لا بأس ارنبي ها أنا قد عدت مجددًا "
سحب بعدها فبريانو روبين لخارج المرحاض، ثم اجلسها سريعًا على الفراش وبعدها تحرك صوب الخزانة يردد بهدوء وتعجل وكأنه يود الانتهاء مما سيفعل سريعًا :
" ما رأيك أن تنتظري هنا حتى انتهي من الاستحمام واعود لنتناول بعد الطعام سويًا؟!"
ابتسمت روبين وهي تنهض تقول بلطف كبير :
" ايه رأيك ناكل في الشباك ؟؟"
منحها فبريانو بسمة حنونة ثم قُبلة :
" تبدو فكرة جيدة، إذن اذهبي واحضري لنا الطعام ريثما انتهى مما سأفعل "
هزت روبين رأسها تردد بحماس :
" اتفقنا، سأذهب لاحضر لثلاثتنا الطعام وبعدها اعود و.."
وقبل أن تخطو خطوة إضافية صوب الباب شعرت بجسدها يعود مكانه سريعًا بسبب سحب فبريانو لها لصدره يردد بحاجب مرفوع :
" عفواً من هؤلاء ثلاثتنا؟؟ أنتِ لا تنتوين إحضار أحدهم ليقتحكم جلستنا الهادئة صحيح ؟!"
ادعت روبين التفكير وهي تقول :
" بس هو حابب يكون معانا "
" لا يهمني، أنا عدت لتوي من مهمة استمرت لاسبوع استنفذت كل طاقتي، لم اعد اتحمل وجود أي إنسان حولي سواكِ، لذلك ايًا كان ذلك الذي سيأتي لا أريده، ثم من هو ذلك الذي سيشاركني الجلوس مع زوجتي في غرفتنا الخاصة ؟؟"
ابتسمت روبين وهي تبعد يده عن خصرها محركة إياها صوب معدتها، تهمس له بصوت خافت. قلب يقرع بحماس كبير وترقب :
" هو بالفعل موجود معانا، وهو بيحبك اوي "
اتسعت عين فبريانو بقوة جعلت روبين تخاف لوهلة، شهق وهو يبعد يده عنها ينظر لمعدتها بصدمة كبيرة يحاول أن يتحدث بكلمة، يبتلع ريقه ويفتح فمه ويغلقه مجددًا دون أن تسعفه الكلمات، صدره يتحرك بقوة للأعلى والاسفل :
" هل ....هل ...أنتِ لا تعنين ما فهمت صحيح ؟؟"
ارتابت روبين من ردة فعله تبتسم بسمة صغيرة تكاد تتلاشى تبعًا لردات فعله :
" انتظرت كل تلك الأيام لاخبرك أنك ستصبح ابًا رائعًا فبريانو "
وكل ما خرج من فبريانو كان همسة مصدومة جزعة :
" يا ويلي "
شعرت روبين بالخوف، لم تكن تلك ردة الفعل التي تنتظرها توقعت أن يسعد ويحملها ويصرخ بسعادة أنه سيحصل على طفل، لكن كل ما حصلت عليه هي صدمة، صدمة جمدتها بارضها..
فتحت فمها للتحدث بخوف :
" فبريانو أنت مش عـ "
وقبل أن تكمل كلمتها تفاجئت من فبريانو الذي انحنى على ركبتيه أمامها يضم خصرها موجهًا وجهه صوب معدتها متحدثًا بهدوء وصوت هامس:
" مرحبًا يا صغير .."
نظرت له روبين في الاسفل بصدمة تفتح فمها محاول الفهم، وفبريانو يتحدث لطفله الذي لم يكتمل نموه بعد :
" هل تسمعني، أنا والدك، لقد ....لقد جئت أخيرًا يا صغيري، لقد كدت أموت شوقًا لقدومك "
نظرت له روبين بدموع ليقبل فبريانو معدتها يعني بصوت ظنها لن تسمعه :
" لم أكن ذلك الشخص الذي يفضل الاطفال، رغم تحملي مسؤولية اخوتي منذ كانوا صغارًا، لكن أنت، أنت استثنائي الجميل، ستكون أول رضيع أضمه لصدري واقبل أصابعه الرقيقة الناعمة"
تأثرت روبين بشدة من حديثه الذي مس قلبها، قبل أن تسمع صوت فبريانو وهو يقول بلهفة غريبة :
" هي فتاة صحيح ؟؟ "
نزلت دموع روبين التي كانت قد تراكمت على مر الدقائق المشحونة السابقة وقالت وهي تضحك بخفوت :
" لا اعلم بعد، هو عمره شهرين فقط فبريانو، ربما فتاة وربما صبي "
ابتسم فبريانو بسمة سعيدة وقلبه يطرق بسعادة لم يستشعرها سوى يوم أن أصبحت روبين زوجته ومعه :
" لا هي فتاة، أنا أشعر أنني سأحصل على أميرة جميلة تشبهك "
فجأة انتفض وهو يقول :
" روبين لقد تحركت "
ضحكت روبين بصخب وهي تنحني ارضًا أمامه تضم وجنتيه بحنان :
" حبيبي ده لسه بيبي صغير اوي مش بيتحرك دلوقتي، لسه بيتكون اساسا "
" لا بس انا حسيت بيها، هي اتحركت من شوية "
ضحكت روبين أكثر وهي تقبل وجنته بحب :
" دي بطني اللي اتحركت وانا بتنفس عادي "
نظر لها فبريانو بعد استيعاب، ثم صمت ثواني وكأنه يفكر في شيء ما :
" إذن كم تبقى من الوقت لتصل ابنتي ؟؟"
" أراك تصر على كون الطفل فتاة "
" هي بالفعل فتاة، لقد أخبرني قلبي بذلك "
رددت روبين بخبث :
" قلبك ها ؟؟ انظروا من يعترف بوجود قلب الآن ؟؟"
اعتدل فبريانو في جلسته وهو يردد بصوت مرتعش من السعادة :
" لكنني أخبرتك سابقًا أنه وُجد لاجل ضخ الدماء لجسدي ولأجل حبك، والآن ستضاف له وظيفة إضافية، وهي حب أميرتي الجميلة "
نظرت له روبين بدموع :
" أنت فرحان ؟؟"
فتح فبريانو فمه باستنكار وهو يردد ملوحًا بيده :
" فرحان ؟؟ روبين أنا... أنا مش ... أنا حاليًا "
صمت قليلًا يحاول بلورة حديثه بشكل يوصل لها كم هو سعيد، بل حتى أن السعادة أصبحن كلمة باهتة مقابل ما يشعر به في تلك اللحظة، أمسك يدها لتستشعر ارتجاف خاصته وهو يردد بصوت خرج غريبًا من فمه :
" روبين أنا في هذه اللحظة، أشعر بأنني حي، أشعر بأن القدر منحني فرصة أخرى ليعيش فبريانو الصغير مجددًا، فرصة جديدة لاعيش طفولتي لكن من خلال صغيري، أنا لم استمتع بطفولتي حتى آخر رمق كما فعل البعض وها أنا أنال فرصتي الفعل ذلك، برأيك هل هناك سعادة قد تضاهي سعادتي الآن "
هبطت دموع روبين بقوة وقد أوجع حديث فبريانو قلبها لتقترب منه ببطء تقبل عينيه برقة مرددة :
" هتكون اجمل أب في الدنيا دي كلها، أنا متأكدة من كده، لاني سبق واختبرت الجزء ده فيك، كنت ابويا واخويا وحبيبي وكل عيلتي، ونجحت تكون كل دول بدون أي تقصير يا فبريانو، البيبي اللي جاي محظوظ أنه هيتولد ابنك "
نظر لها فبريانو نظرة رجاء خفية، بينما بدأت عينيه تلتمع لا نظر دموعًا كانت أم سعادة :
" حقًا روبين ؟! هل سأكون كذلك ؟!"
" أنا واثقة فبريانو، ستكون أعظم أب بهذا الكون كله، فقط لا تنشغل بطفلك وتنسى روبين "
ضحك فبريانو وهو يضم روبين لصدره بقوة حتى أنه سقط ارضًا بها وقد نسي ما كان على وشك فعله أو ما كان ينتوي أن يقوم به وقال :
" وكيف افعل ارنبي الحبيب ؟؟ كيف افعل وقد حفرتي لنفسك في قلبي كهفًا لا يطأه غيرك"
" يا خوفي بكرة تيجي تقولي وسعي كده خلي لابنك ركن في الكهف ده، ما أنت باقية قلبك خرابة مفيش فيه مكان يصلح للعيش الآدمي غير الكهف بتاعي "
أطلق فبريانو قهقهات عالية بينما روبين شردت بضحكاته التي تشعر بها مختلفة وكأن روح فبريانو قد تحررت، أصبحت روحه تطوف بحرية داخل جسده، ازداد ضم فبريانو لها يقبلها قبلات لطيفة من وجنتيها، ثم نهض ببطء جاذبًا إياها له وبعدها تحرك للفراش ووضعها عليه قائلًا بهدوء :
" ابقي هنا دقائق حتى اغتسل واعود أود أن اقضي ليلتي الاولى مع طفلي براحة، فلدينا حديث طويل سويًا"
وبالفعل استقرت روبين على الفراش ومرت دقائق طويلة حتى انتهى فبريانو وخرج يجفف خصلات شعره ثم تحرك نحوها مقبلًا وجنتها وبعدها حملها بحنان واجلسها في الشرفة وقال بهدوء :
" سوف اذهب لاحضر طعامًا لنا جميعًا واعود، أبقي هنا"
بعدها تحرك صوب الخارج لتمر دقائق كادت روبين تسقط في النوم من الملل والانتظار، قبل أن تسمع صوت الباب يفتح وفبريانو يحمل بين يديه صينية طعام كبيرة :
" هيييه لا تنامي قبل أن تطعمي صغيري "
فتحت روبين عينيها بصعوبة وهي تقول حانقة :
" الله يرحم كنت بتاكل اكلي وبكمل عشايا نوم "
وضع فبريانو الطعام أمامها، ثم حمل الملعقة وبدأ يطعمها بنفسه لتقول روبين بسعادة ومزاح:
" لو هتعاملني كده فأنا هحمل كل يوم "
وضع فبريانو الطعام في فمها يقول حانقًا :
" توقفي عن الحديث، الحديث لن يُطعم صغيرتي "
ابتلعت روبين الطعام، ثم فتحت فمها بصدمة :
" أنت أيها المخادع، تخبرني أن لي كهفًا في قلبك منذ ثواني والآن أراك بنيت قصرًا لصغيرتك المزعومة ؟! وماذا عني ؟!"
قال فبريانو بمزاح توارى خلف جديته :
" سأبني لكِ ملحقًا صغيرًا في القصر "
انتفضت روبين من مقعدها بقوة جعلت فبريانو ينتفض خلفها ممسكًا بيدها بسرعة وهو يضمها من الخلف ضاحكًا بينما رأسه تستند على كتفها براحة وكأنها مكانها :
" هيييه ما بك ارنبي الوردي أتغار من طفلنا ؟؟ "
نظرت له روبين بطرف عينيها تدعي الغضب ليقبل فبريانو رقبتها هامسًا بصوت خافت حنون :
" حسنًا كنت امزح، فمهما مرت السنون ومهما حصلنا على أطفال ستظلين أول من سكن ذلك القلب وحول صحراءه الصالحة لجنات وارفة، واعلمي أنه لن ينافسك أحدهم على مكانتك في قلبي حبيبتي "
استدارت روبين له تضمه بحب هامسة :
" كنت بهزر معاك، أنا مش بغير من الطفل "
" ولكنني لم أكن امزح روبين، كنتِ أول ساكن لقلبي وستظلين هكذا حتى يتوقف عن النبض، وحتى ذلك اليوم اسمحي لي بمد عقد سكنك داخله مدى الحياة حتى خروج آخر انفاسي..."
_________________
«والودُّ يظهرُ في العيون خفيُّهُ
إن الوداد سريرةُ لا تُكتَمُ!»
رمضانكم مبارك ..
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل السابع عشر 17 - بقلم رحمة نبيل
#العيدية
#هدية_عيد_الفطر
#فصل_خاص
#اقتباس_ع_الماشي
تأوهت راسيل وهي تحاول التمالك وقد بدأ سائل شفاف يتسرب على الفراش ليشعر مارسيلو بالرعب وهو ينتفض من فراشه صارخًا بجنون وصوت مرتفع :
" آدم "
خرج من غرفته راكضًا صوب غرفة آدم لا يرى أي شيء أمامه، ودون أن يعي ما يفعل اقتحم غرفة آدم صارخًا برعب وجنون وهو يجذب الاخير عن فراشه متجاهلًا كل شيء :
" انهض أيها الحقير زوجتي تنزف دمًا شفافًا، استيقظ راسيل تلد "
كان آدم لا يشعر بشيء سوى بجسده الذي كان يتخبط في الجدران ولا يرى أمامه شيء سوى السواد، بينما عايز اتنفضت بفزع من فراشها تنظر حولها بجهل لما يحدث قبل أن تنهض وتلحق بزوجها .
وفي الممر الخاص بالغرف توقف آدم وهو يصرخ بغضب :
" أنت أيها الغبي توقف عن جذبي خلفك هكذا كدت تكسر ذراعي وحينها لنرى كيف ستلد زوجتك "
جذبه مارسيلو وقلبه يقرع رعبًا :
" أنت ألا تسمعها أنها تتألم، هي تصرخ المًا أيها الحقير "
ابعد آدم يد مارسيلو عنه بقوة، ثم تحرك بأقدام سريعة صوب غرفته وهو يردد بغيظ :
" هذا طبيعي، أنها تلد، من الطبيعي أن تتألم"
توقف مارسيلو على باب غرفته وهو يرى كيف تكافح راسيل للتحمل، ليتحدث برعب تضخم أكثر وأكثر عند رؤيته بكائها وصراخها :
" لكن ...لكن...اوقف ذلك أنا لا أريد طفلًا فقط أوقفه "
اندفعت هايز للغرفة سريعًا لتساعد آدم الذي بدأ يحاول مساعدتها للولادة وقد بدأت صرخاتها تصدح في المكان، لكن فجأة شق سكون الليل صوت نافس صرخات راسيل قوة وقد كانت اصوات رصاصات .
استدار كلٌ من آدم ومارسيلو بعنف صوب الخارج وقد اتسعت عين الاخير وهو يركض صوب خزانته يخرج سلاحه وهو يردد :
" اكمل ما تفعل آدم، اقسم أن حدث لزوجتي أو طفلي شيء سأقتلك أنت، سوف أخرج لارى ما يحدث "
وبمجرد أن خرج واغلق غرفته بالمفتاح أبصر بعينه الجحيم........
______________
الفصل باذن الله هيكون مجرد حلقة خاصة هدية للعيد وتعويض وتصبيرة على الرواية الجديدة ❤️
وهيكون يوم العيد باذن الله، دعواتكم بس اقدر اخلصه بسرعة 😂❤️
وهيكون في قصة ( يا ليلة العيد )
وقبلها هنزل ليكم هنا أنها نزلت ...
ودي هتكون زي كل سنة كده بنزل ليكم مشاهد روايات في العيد هدية، بس قررت السنة دي لو ربنا قدرني هنزل ليكم حلقة خاصة من الاحفاد ...
بالنسبة الرواية الجديدة باذن الله هتنزل بعد الامتحانات بتاعتي ورحرح مجهزة ليكم رحلة جديدة بعائلة جديدة ومغامرات جديدة وشخصيات مختلفة كليا فاستعدوا .....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
رواية زهرة آل فوستاريكي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم رحمة نبيل
اعذروني لو فيه بعض الأخطاء الاملائية لاني مشغولة بالدراسة ومكانش ليه وقت اراجعه ...
اتمنى يعجبكم وقراءة ممتعة .
____________________
كان الجميع يجلس في هدوء تام لا أحد يتحدث بكلمة، أو الأحرى لا يتجرأون على التحدث في ظل تلك الموجات والشرارات المنتشرة في الأجواء والتي كان منبعها ذلك الذي يترأس الطاولة ...
اعتدل في جلسته يمتد بنصف جسده العلوي للامام يستند على مرفقيه وعينه ثابتة في نقطة وهمية، ثم بعدها حرّك عينه بهدوء متحدثًا لمن يجواره :
" أين هو تلميذك بلاك ؟؟ ألم تخبرني منذ نصف ساعة تقريبًا أنه آتٍ ؟؟"
لوى بلاك شفتيه بحنق يحاول أن يكبت غضبه ويبحث عن حجة سريعة لمالك يبرر بها تأخر ذلك الاحمق الذي يتفنن في وضعه أمام المدفع كل مرة :
" هو قادم سيدي لقد اخـ.."
وقبل أن يكمل جملته انتفض الجميع على صوت الباب الذي فُتح بعنف غريب، ثم تبعه صوت آخر يردد بهدوء وكأنه لم يجبر الجميع على انتظاره كل ذلك الوقت، انقشع فمه عن ابتسامة صغيرة :
" مرحبًا بالجميع، اعذروني كنت اتناول الفطور، والآن دعونا نبدأ فهذه المهمة تحتاج كل ثانية "
تحركت أقدامه بهدوء صوب المقعد المقابل لبلاك والذي كان في تلك اللحظة يرمق دراجون ( فبريانو) بتوعد رغم ملامح الهدوء التي تستوطن وجهه، لكن وكأن دراجون يعبأ بكل ذلك هو حتى لم يرفع وجهه لهم، استقر في مقعده يتنفس براحة وهو يقول :
" حسنًا والآن لنبدأ الـ ..."
فجأة توقف شاهقًا وهو يرى مالك الذي كانت ملامحه لا توحي بما يضمره له، ابتسم دراجون بسعادة مصطنعة هامسًا بسعادة :
" القائد الأعلى حضر بنفسه ؟! لمن أدين بهذا الفضل سيدي ؟؟"
تراجع مالك بظهره للخلف وهو يتجاهل النظر حتى له، ثم قال بهدوء وهو ينظر لجميع الأوجه :
" حسنًا يا سادة بما أننا اكتملنا، اليكم ما سيحدث ..."
صمت ثواني ثم ولأول مرة منذ خطى فبريانو الغرفة بقدمه ينظر له مالك نظرة جانبية في تزامن ساخر ما ارتفاع طرف شفتيه بعض الشيء يردد بجدية :
" تلك المهمة كما تعلمون السيد دراجون هو من يتولاها ومعه بلاك"
حك فبريانو جانب وجهه بهدوء يدرك جيدًا أن ذلك الهدوء القابع في نبرة صوت مالك يختبأ خلفها شيء لن يسره البتة، وقد كان له ما فكّر به حيث ارتفع صوت مالك مجددًا وهو يردد :
" و القائد هاري هو من سيشرف على وضع الخطة لأجل تلك المهمة، كان هذا قبل أن أغير رأيي واضع نفسي مشرفًا على تلك المهمة ........"
لم يبدو على فبريانو أي ردة فعل تجاه ما قيل، بل كل ما صدر منه هو بسمة صغيرة ثم قال بكل احترام يقول :
" لا بأس يا قائد إن سمح لك طبيب العظام بذلك، فمن أنا لاعترض!!"
اتسعت بسمة مالك الجانبية يعود للخلف مستندًا بظهره على المقعد يربع ذراعيه مردفًا بكل هدوء :
" نعم لا تقلق، البارحة سمح لي بالأمر، لكنني لا ادري إن كان طبيب عائلتك سيسمح لك بالأمر ذاته أو سيعارض لأجل إصابتك "
ضيق فبريانو ما بين حاجبيه بتعجب يعتظل في جلسته :
" أي إصابة تلك ؟!'.
وما كاد يتم جملته حتى وجد سلاح مالك يصطدم في وجهه بعنف شديد سالبًا من فمه صرخات لم تكن متألمة بقدر ما كانت غاضبة ليعلو صوت مالك البارد وهو يقول ببسمة لطيفة :
" هذه "
سبّ فبريانو بصوت عالي غير آبه لأي أحد بل اخذت اصوات سباته ترتفع يصب جام غضبه على مالك الذي كان يراقبه باستمتاع وأصوات فبريانو تعلو :
" تبًا لك ولعائلتك جميعها مالك، فلتصبر فقط حتى ننتهي من كل هذا أيها اللعين"
التفت له الجميع بصدمة ولا احد تجرأ وتحدث بكلمة، وكأن على رؤوسهم الطير، لكن مالك لم يهتم أو يظهر له غضبه محتفزًا باشتعاله الداخلي لنفسه وهو يردف بجدية :
" يستحسن أن تعالج جرحك فقد بدأ ينزف "
ابتسم فبريانو بسخرية وهو ينهض من مكانه قائلًا بكل استفزاز :
" لا تقلق علميًا جروحي تلتئم بسرعة أكبر من خاصتك، فالعجائز جروحهم تُشفى ببطء لانقطاع الاتصال بين الجلد وجهاز المناعة "
فتح مالك عينه بانبهار كبير وهو يردد :
" أرى أنك أجريت بحثًا عن كبار السن، فلا أعتقد أن احمقًا مثلك قد درس امورًا كتلك يومًا "
" نعم أنت محق، لقد أجريت بحثًا لارى كم ستحتاج للشفاء بعدما استخرج احشائك بيدي "
اتسعت بسمة مالك أكثر وأكثر وهو يضفي لمحة برودة على عينيه بتشدق بسخرية :
" أحب رؤيتك تحاول "
تنحنح ليث بعدما نال كفايته من عرضه الممتع اليومي، وهو ينظر لفبريانو بتحذير أن يصمت، لكن الأخير لم يهتم وهو مستمر في النظر لمالك بندية غير مدرك لما يفعله فإن كان حي حتى الآن فهذا لكرم اخلاق مالك ليس إلا.
" حسنًا يا سادة، اعتقد أننا انتهينا لليوم، شكرًا لكم"
أنهى ليث الاجتماع الكارثي المعتاد بين مالك وفبريانو بصرفه للجميع الذين خرجوا دون قول كلمة واحدة، بينما استمرت النظرات الحادة بين مالك وفبريانو في منافسة لا يظن أنها ستُحسم يومًا ...
__________________
" توقف عما تفعل بحق الله "
كانت تلك الكلمات خارجة من فم بلاك الذي عمد إلى خفض صوته أثناء تحذير فبريانو من التمادي في افعاله، فقد كان الجميع يجلس في سيارة كبيرة مصفحة، متجهين صوب مقر تنفيذ العملية التي وضعوها لكشف بعض تجار السلاح ..
نظر له فبريانو نظرة سريعة ثم عاد بنظره لمالك الذي كان يسترخي على مقعده مغمضًا عينه بكل سلام متجاهلًا كل محاولات فبريانو في إخراجه عن طور هدوءه ..
" أتوقف عن ماذا ؟! أنا فقط ادندن بأغنية احبها، فكما تعلم أنا شخص مرهف الحس احب تلك الأشياء السخيفة المقيتة "
خرج صوت مستنكر من فم ليث ( بلاك ) قبل أن يردد بيأس :
" صدقني إن استمررت فيما تفعل فأنا لا اضمن لك أن تعود لمنزلك بوجه سليم، تذكر آخر مرة فعلت بها تلك الأفعال المزعجة ؟؟"
قلب فبريانو عينه وهو يحاول تجاهل حديث ليث عن آخر مشاجرة بينه وبين مالك كادت تنتهي بمقتل أحدهما بعد شجار عنيف، ذلك العجوز كانت قبضته عنيفة، لكن كلما تذكر أنه لم يكن الوحيد الذي عاد بأعين متورمة لمنزله ازدادت بسمته اتساعًا، فتلك المنافسة بين مالك لم تنتهي يومًا ولم يُعرف بعد الرابح بها، يُدرك جيدًا أن مالك في كثير من الأوقات يكبح غضبه عن الخروج، يدرك جيدًا فرق السنوات بينهما وفرق الخبرات، لكن إن كان هو مالك، فهو ليس بأقل منه، بل للعجب كان ندًا قويًا لمالك، واحد من الاقلاء الذين وقفوا في وجهه أثناء غضبه ونجوا، واحد من القليلين الذين تحدوه ومازالوا يشاركونا هواء هذا الكوكب ..
" أنا أحبه يا ليث، لا تقلق لن اجعل ابنائك يفتقدون جدهم "
أطلق ليث ضحكات عالية واتخذ الصمت وسيلة لينهي هذا الحوار العقيم، فهو يدرك جيدًا أن شخصًا كفبريانو لن يستسلم أو ييأس، شخص باستفزازه وتصرفاته الغريبة المريبة لا يحبذ التناقش معهم ...
ران صمت طويل بين الجميع، ليطلق مالك واخيرًا زفرة راحة يحاول ألا يوبخ نفسه لاقتراحه القدم مع هذا المستفز الذي يثير في داخله مشاعر بدائية تنتهي كلها بقتله، كان ليكون الان في طريقه لمنزله، حيث سكنه ومسكنه الدافئ، تنهيدة متحسرة خرجت من شفتيه وهو يعلن اشتياقه لزوجته الجميلة .
" ما بك مالك، هل أنت بخير عزيزي ؟!"
فتح مالك عين واحدة يجيبه ببرود وبسمة سخيفة :
" نعم عدا اضطراري لرؤية وجهك أكثر من خمس دقائق، فأنا بخير فبريانو اشكرك لاهتمامك"
" لا تقل هذا مالك، أنا لا املك اغلى منك في هذه اللحظة"
اتسعت بسمة مالك باتساع وقد قرر أنه بدلًا من الجلوس ورثاء نفسه على عدم وجوده بين احضان نور يمكنه القيام بشيء مسلي أكثر، استفزاز ذلك الدموي الحقير .
" وروبي ؟!"
رفع فبريانو حاجبه ليكمل مالك بجدية واشتياق مصطنع :
" تلك الفتاة اشتاق إليها حقًا، كانت لطيفة ورقيقة كبتلات الازهار، لا أفهم حتى هذه اللحظة السبب الذي جعلها تعلق مع وغدٍ مثلك، ربما فعلت هذا تحت التهديد "
ازدادت قبضة فبريانو على سلاحه وصوت خبيث في عقله يخبره أن يرفع سلاحه ويباغت الجميع بقتل ذلك العجوز الذي تجرأ وغازل ارنبه الوردي، ارنبه هو وحده ..
فتح فمه وانشداد فكه أنبأ عما هو على وشك قوله، لكن فجأة شعر بجسده يرتد في السيارة بقوة وصوت رصاصات يعلو في الخارج .
تنفس ليث الصعداء وهو يعود بظهره يتكأ على جدار السيارة براحة وبرود شديد وهو يردد :
" جيد سيقتلونا قبل اشتعال الشجار التالي، واخيرًا سأموت في سلام ..."
______________________
في الخارج اعترضت بضعة سيارات مسار سيارة مالك ومن معه، خرج العديد من الرجال يحيطون بالسيارة مجبرين السائق على التوقف، ثواني وأشار أحدهم ويبدو كنا لو كان القائد يحرك عينيه في إشارات مجهولة لرجاله، لكن يبدو أنهم جميعًا يدركون معناها فقد تحرك أحدهم صوب الباب الخلفي للسيارة المصفحة وهو يبتسم رافعًا سلاحه ودون مقدمات فتح الباب أمام أعين من معه، ولم يكد ينزع يده عن مقبض الباب حتى سقط ارضًا ورصاصة تتوسط رأسه ..
انتفض من معع للخلف بفزع وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث، صدح صوت فبريانو الذي ابتسم بسمته المختلة المعروفة :
" المتعة تبدأ مبكرًا اليوم "
وفي اللحظة التالية كان فبريانو يقفز من السيارة ممسكًا بسلاحيه ومعه ليث وثلاث رجال آخرين واعينهم قد اعتلاها جمود غريب...
تحدث فبريانو وهو ينظر امامه للرجال الذي رفعوا بدورهم الأسلحة في وجوههم:
" لا تقلق يا مالك سأحمي ظهرك لحين تنتهي من وضع دهان العظام "
نظر له ليث بشر هامسًا :
" حقًا دراجون ؟! هل تظن هذا وقت مناسب فما تفعل ؟!"
" وماذا به هذا الوقت ؟!'
نظر ليث أمامه للرجال الذي كانوا متأهبين لهم، لكن فبريانو قاطع نظراته وهو يقول بهدوء :
" اسمع إن كان هؤلاء الاوغاد يودون التخلص منا كانوا ليفعلون منذ زمن، ولن يقفوا بهذا الشكل يستمعون لثرثرتنا، هذا ما تعلمته خلال ثلاثين عامًا من العمل كوغد شرير مثلهم"
رفع ليث حاجبه يدرك صحة حديثه، لكنه لا يعجبه التهاون أثناء المهمات، يكره أن يخرج أحدهم عما أُمر به، يريد جميع المهمات أن تتم بشكل منسق دون خطأ واحد، وفبريانو ليس هكذا البتة، فقد اعتاد أن يقوم بمهماته بشكل غوغائي مألوف بينه وبين أبناء عمه، فكما سمع منه لولا وجود انطونيو معهم لكانوا ذهبوا إلى مهامهم بسماعات صوت وفروع من الزينة وراقصة ...
فجأة سمع الجميع صوت القائد من الطرف المقابل يقول بجدية :
" حسنًا إن لم نكن نقاطع ذلك الحديث الشيق، هلا تحركتم معنا فليس أمامنا اليوم بطوله، إما أن تسيروا معنا بهدوء، أو نلجأ للعنف"
نظر لهم ليث ثواني ببرود قبل أن يسمع صوت سقوط أحد الأجساد في الأرض ثم كلمات فبريانو الذي قال بهدوء وبسمة :
" نلجأ للعنف ..."
ثواني فقط هي تلك التي استغرقها الجميع لاستيعاب ما حدث، ثم ارتفع صوت تجهيز الأسلحة ومن ثم ....
بدأت المعركة بين الطرفين، فبريانو يحمل سلاحيه يسقط من يسقط ويصيب من يصيب، وليث الذي تحول لرجل آلي لا يبصر أمامه سوى اللون الاحمر، كان عنيفًا بشكل مخيف، عكس فبريانو الذي كان يستمتع بالأمر فقط ...
ومن بين كل ذلك كان يجلس هو في السيارة بكل هدوء يضع الهاتف أعلى أذنه يوحه الأوامر للمجموعة الثانية بالتحرك صوب المنزل المرجو، وهم سيعملون على تشتيت الحراس، وقد كانت تلك الخطة لهم وها هي تنجح .
فجأة وأثناء ما يفعل أبصر مالك أحد الرجال يقترب من السيارة يحمل سلاحًا ثم ابتسم بسمة مريبة قبل أن يصعد للسيارة ومازالت عين مالك تتحرك معه بهدوء حتى توقف امامه واضعًا سلاحه على رأس مالك يخمن من عمره الواضح أنه أحد القادة، لذا أخذه رهينة سيكون انتصارًا كبيرًا لهم ...
" تحرك معي للخارج يا سيد ودون كلمة واحدة "
رفع مالك عينه للسلاح الذي كان موجهًا لرأسه وقبل أن يتحدث بكلمة سمع رنين هاتفه النقال أبصر بطرف عينه اسم نور يحتل شاشته وقبل أن يفكر في الرد أو إغلاق الهاتف وطظ الرجل أمامه يضرب الهاتف بقدمه في عنف صارخًا وقد استفزه ذلك البرود :
" ألم تسمع ما قلته يا هذا ؟؟"
كانت أعين مالك ما تزال مثبتة على هاتفه الذي سقط حوار قدم الرجل ويبدو أن شاشته قد تحطمت، تشدق في هدوء وهو مازال ينظر للهاتف:
" أتدرك كم قطة شوكولاتة سيكلفني ما فعلته للتو ؟؟"
نظر له الرجل بدهشة ...
في الخارج كان فبريانو يمسك أحد الرجال من يده يلويها للخلف بيننا رأسه تطاحن رأس الاخير، والحنق يظهر بوضوح أعلى وجهه، فقد انتهت للتو رصاصات أحد أسلحته ولم يحصل على الوقت الكافي لملء خزينته مجددًا.
من خلف فبريانو كان هناك أحد الرجال يتحرك بخبث رافعًا سكين وحينما كان على وشك غرزها في ظهره، وقبل أن يلتفت فبريانو له، كان هناك جيدًا يطير في الهواء ليهبط على ذلك الرجل مسقطًا إياه ارضًا بعنف لترتفع تأوهاته ..
استدار فبريانو بتعجب ليجد رجل لا ملامح له جسظه مُدمى من كل مكان ساقطًا فوق آخر يصرخ متأوهًا.
رفع رأسه ببطء صوب السيارة ليجد مالك يقف وهو يبصر الرجل المدمى بحنق شديد، يتحدث بغيظ شديد :
" أنظر إلى ما اضطررتني لفعله، لقد جعلتني أنقذت ذلك الاحمق للتو "
رفع فبريانو حاجبه يقول بنبرة مستفزة مبتسمًا :
" هيا يا عمري لا تقل هذا، أدرك جيدًا أن أنقذتني قصدًا فمن أين لك بصديق مثلي ها ؟؟"
نفخ مالك بسخرية وهو يتحرك للاسفل، ثم نزع الرجل المصاب من فوق الآخر يلقيه بعيدًا وبعدها ساعد الرجل الذي كاد يقتل فبريانو لينهض، ومن ثم أعطاه السكين مجددًا وهو يقول بود :
" هيا يا اخي اكمل ما كنت تفعل، واعذرني فأنا لم ارك حينما كنت ألقي ذلك الاحمق الآخر "
نظر له فبريانو من أسفل رموشه في تودد مصطنع :
" واهون عليك يا مالك !!"
" نعم "
" لا بأس أنا أعلم أنك تقول هذا من وراء قلبك "
" بل من اعماق اعماق قلبي "
في تلك اللحظة اقترب منهم ليث والذي انتهى من البعض منهم تاركًا الباقيين لباقي رجالهم وهو يقول بهدوء :
" لقد انتهينا يا قائد "
عادت الجدية لوجه مالك وهو ينظر حوله بنظرة سريعة ثم قال بهدوء وعملية كبيرة :
" أنت عارف هتعمل ايه كويس يا ليث "
هز ليث رأسه بايجاب، وهو يتحرك مبتعدًا يرفع هاتفه لاذنه، في حين نظر مالك لفبريانو وقال بهدوء :
" انتهي من الأمر فبريانو لا اريد أثر لأحد هنا، ومن ثم الحق بي للسيارة "
أنهى حديثه وهو يصعد للسيارة يبحث عن هاتفه متمنيًا أن يكون ما يزال يعمل، وبمجرد أن لمحه تنهد براحة ثم رفع يمسك شاشته وما كاد يجري اتصاله حتى شعر بالسيارة تتحرك، ضيق عينيه وهو يمد رأسه لرؤية من يجلس في مقعد السائق، لكنه أبصر شخصًا مجهولًا وفجأة شعر بانفاس خلفه ...
ارتسمت بسمة قاسية على فم مالك وهو يردد :
" اووه متعة إضافية ؟!"
_______________________
كانت اصوات صرخاته تعلو في الهاتف وهو يتحرك بأقدام سريعة في ذلك الطريق الغير ممهد بعدما اختفت سيارتهم من أمام اعينهم، والكارثة أنها لم تكن فارغة، بل كان بها مالك ..
" أنا لا اهتم لكل ذلك الهراء الذي يخرج من فمك كيفين، أخبرتك أن القائد في تلك السيارة اللعينة "
صمت قليلًا يستمع لمحدثه، قبل أن يطلق سبة باللغة العربية لم يستطع كبحها وهو يردد بجنون :
" لا آبه لأي خطة في الواقع، كل ما اهتم به في هذه اللحظة هو القائد، أريده أن يخرج سالمًا من ذلك المكان، إن اضطر الأمر قم بالهجوم على ذلك المنزل وانا في الطريق مع المجموعة الثانية "
أنهى حديثه يرمق باقي مجموعته الذين يركضون تلك المسافة المتبقية قبل الوصول للمنزل حيث مقر الهجوم وحيث توجد المجموعة الأولى .
في تلك اللحظة اقترب منه فبريانو وسحب منه الهاتف يهتف بصوت مرعب في كيفين :
" اسمع كيفين، ذلك العجوز أخرجه ايًا كان الثمن، نحن كدنا نصل، اتبع الأوامر ولا تطل الحديث "
أنهى حديثه يغلق الهاتف دون أن يعطيه فرصة المجادلة، ثم وضع الهاتف في يد ليث الذي رفع حاجبه بتعجب ونظراته المذهولة تحلق حول فبريانو الذي نفخ بضيق :
" ماذا ؟! "
" أنا فقط متعجب أنك تخاف على مالك "
أخرج فبريانو صوتًا ساخرًا مستنكرًا من حنجرته أثناء تلقيم سلاحه وكلماته خرجت بنبرة متسلية :
" أنت تحلم، أنا فقط أخشى أن تكون نهاية هذا العجوز على يد غيري "
__________________
كان الظلام يعم المكان بغرض إضفاء نوعًا من الغموض، لكن مالك كان يتوسط أحد المقاعد بكل هدوء وهو يغمض عينه ورأسه مستندة على ظهر المقعد كما لو كان يجلس في مكتبه ..
ثواني وفُتح الباب ليتسرب منه بعض الضوء صوب الداخل، تأفف مالك بحنق وهو يضع يده على عينه :
" واخيرًا افتكرتم أنك خاطفين حد ؟! مستني بقالي أربعة وعشرين دقيقة عشان حد يدخل يهددني "
اقترب منه الرجل وصوت خطواته يرنّ في المكان بأكمله، بينما مالك لم يحرك اصبعًا واحدًا واكتفى بانتظار القادم بكل هدوء .
" عندما أخبروني أنهم أحضروك لم اصدق الأمر في البداية "
رفع مالك حاجبه وهو يرفع عينه لذلك الرجل الذي لم تضح ملامحه بالقدر الكافي للتعرف عليه، لكنه لم ينبث بكلمة واحدة، بل اكتفى بالصمت ..
" صدقني إحضارك هنا يستحق ما فعلته بالرجلين، وإن كنت قد قتلت جميع رجالي فلم أكن لابتأس، فأنت تستحق وأكثر "
ارتسمت بسمة هادئة ساخرة على وجه مالك وهو يردد :
" اشكرك "
ابتسم له الرجل، ثم دار حوله وهو يقول بهدوء يدعي التفكير :
" لكنني أتساءل، كيف احضراك وهما كالجثث الهامدة ؟؟'
اتسعت بسمة مالك ولم ينبث بكلمة واحدة، فقد أعجبه أن يلعب دور الصامت في هذه المسرحية الهزلية.
انحنى الرجل مقابل وجه مالك وهو يقول بجدية :
" ثم أوليس الأمر مريبًا ؟! أن يتمكن احمقان من اسرك وإحضارك رغم كل تلك الجروح التي تسبب لهم فيها ؟؟"
" هل تريد إجابة واضحة على سؤالك ام أنك فقط تود لعب دور المحقق طويلًا ؟؟"
رفع الرجل حاجبه وقبل أن ينطق كلمة دفعه مالك بقدمه في عنف كبير مسقطًا إياه ارضًا بشكل مباغت، ليعلو تأوهه في الأجواء ومالك يطلق صوتًا مستنكرًا :
"توقف عن الالتصاق بي، رائحتك تكاد تقتلني، أخرج سلاحك وفجر رأسي افضل من هذا كله .."
نظر له الرجل وهو ممد ارضًا بغضب شديد ليعلو صوت مالك مجددًا :
" ماذا لا تخبرني أنك لم تتوقع الأمر؟! أنا لستُ مقيدًا وأنت تستمر بازعاجي ماذا تتوقع أن أفعل ؟! اصمت لاستمع لهرائك ؟؟"
نهض مالك من مقعده ينفض ثيابه بحنق :
" حسنًا أنا تحملت أكثر من طاقتي لعل هؤلاء الحمقى يتتبعون جهازي ويأتون للمكان هنا، لكن هذا يكفي "
أنهى حديثه ضاربًا الرجل الذي كاد ينهض بعنف في معدته :
" سوف ارحل "
تحرك للخارج تحت نظرات الذهول من مقدرة ذلك العجوز على فعل ما يريد، ونسي أن الجسد الذي
شبّ على الرياضة والمرونة، لن ينحني الآن..
في نفس اللحظة التي خطى بها مالك خارج الغرفة أبصر العديد من الجثث الممدة في الممر، وفبريانو يمسك أحدهم ينظر له نظرة جعلته يتأكد من جنونه .
فجأة سمع صيحة عالية :
" مالك يا عمري أنت بخير ؟!"
أخرج مالك صوتًا مستنكرًا من حنجرته وقبل أن ينطق بكلمة، شعر لفبريانو يرتمي في أحضانه وهو يردد بنبرته المعتادة :
" ظننت أن أحدًا غيري سيقتلك، كدت أموت خوفًا لهذا الهاجس، حمدًا لله انك مازلت تسير على قدميك وأن عظامك لم تتضرر "
انقلبت ملامح مالك للاشمئزاز وهو يبعد فبريانو عنه قائلًا :
" يا ليتني قُتلت قبل أن أعيش لتلك اللحظة التي تضمني بها، ما هذا القرف، ابتعد عني "
" هل هذا جزائي لأنني احبك مالك ؟!"
ابتسم مالك بسمة باردة مستفزة وهو يجيبه :
" تمنيت لو ابادلك نفس الشعور فبريانو، لكنني في الحقيقة لا اطيق وجودك في الجوار، لا أقصد أن اجرحك صدقني لكنني امقتك يا رجل واشمئز منك "
لوى فبريانو فمه يدعي الألم:
" كان هذا قاسيًا "
" نعم لطالما كانت الحقيقة هكذا "
في تلك اللحظة أبصر الاثنين اقتراب ليث وهو يقول ببسمة هادئة :
" تم كل شيء كما خططنا يا مالك "
نظر مالك خلفه للغرفة حيث ترك ذلك الشاب لكنه لم يرى أحد لذلك خمن أنه هرب من أحد النوافذ :
" جيد إذن، انهي الأمر فأنا أريد العودة لزوجتي، عيني تشتاق لرؤية وجوه حسنة بعد كل تلك الفترة مع وجوهكم العفنة "
فتح ليث عينه بصدمة مشيرًا لنفسه وهو يرمق رحيل مالك دون اهتمام بخطوات هادئة رشيقة :
" ماذا ؟! أنت بالتأكيد لا تقصدني بهذا الحديث مالك، أنا زوج ابنتك، أنا تلميذك الحبيب الذي وثقت به طوال حياتك واعطيته ابنتك "
اجاب مالك وهو يرحل دون أن يستدير :
" مكنتش في وعيي وقتها، شربوني حاجة وانا بوافق على جوازك بيها "
ارتفعت ضحكات فبريانو في المكان وهو يضم كتف ليث له :
" لا تحزن يا قائد، أنا اراك وسيمًا "
انتفض ليث بعيدًا عنه يصرخ بهلع :
" أنت ماذا تقول ابتعد، ثم كل هذا بسببك ها أنا على وشك خسارة علاقتي بمالك لاجل تمسكي بك أيها الدموي اللعين "
رفع فبريانو حاجبه يتشنج من حديث ليث رافعًا سلاحه في وجهه يحركه بسخط :
" وانا خسرت جميع مبادئي لأجل منتظمتك الموقرة، أصبحت احارب على الجانب الخيّر لأجل تلك المنظمة العفنة، هل رأيتني اتذمر للأمر ؟! لا صحيح ؟! أنظر الىّ أهدر مواهبي ورصاصاتي الثمينة في صدور هؤلاء الحمقى لأجلكم، وفي النهاية كل شيء سببه فبريانو "
تركه فبريانو وهو يتحرك للخارج بهدوء تاركًا ليث يرمق أثره بصدمة، ثم لحق به بسرعة صارخًا :
" أنت أيها الشاب توقف هنا، كيف تتجرأ على الحديث معي بهذا الشكل ؟!"
في الخارج كان مالك يجلس على أحد مقاعد السيارة التي جاءت بها المجموعة الثانية ليريح رأسه من فبريانو وليث، لكن فجأة وجد باب السيارة يُفتح وفبريانو يدفع جسده لداخل السيارة بكل برود وهدوء يضع أسلحته في جيب بنطاله يتشدق بهدوء دون أن ينظر لمالك :
" إذن يا قائد لما أنك هنا شخصيًا، فأنا اود إجازة بضع اسابيع للراحة "
رفع مالك حاجبه بسخرية :
" بضعة أسابيع ؟؟ للراحة من ماذا يا ترى ؟!"
أشار له فبريانو خارج السيارة باستنكار :
" للراحة من كل ذلك القتل، ألم ترى كم شخصًا أسقطت، إن استمر الأمر بهذا الشكل قد تتدمر نفسيتي"
" الطلب مرفوض "
غمز له فبريانو وهو يقول ببسمة :
" علمت أنك لن ترد لي طلبًا "
تجاهله مالك ولم يتعب نفسه حتى بالتفكير في الرد وقبل أن يجيبه ويطرده من السيارة وجد الباب يُفتح وليث يحشر جسده بينهما وهو يردد بنزق:
" الجو حار في الخارج وانتما هنا تتنعمان بالمكيف تاركين إياي في تلك السيارة التي تشبه علبة التونة "
نظر له مالك وفبريانو نظرات حانقة متشابهة، لكن ليث لم يهتم وهو يقول براحة معيدًا رأسه للخلف :
" لكم هو ممتع العودة للمنزل، وبما أنك هنا مالك اسمح لي بأخذ إجازة قصيرة، فأنا وعدت دانة بالسفر معها "
" لا بأس لك ما تريد "
ولم تكن تلك كلمات مالك بل كانت خارجة من فم فبريانو الذي سمح لنفسه أن يطلق أوامر لقائد بالنيابة عن قائده الاعلى ..
تحدث فبريانو وهو يرى نظرات الاثنين المستنكرة له وقال :
" ماذا ؟؟ لا تنظرا لي هكذا أنا أتحدث لأجل مصلحتكما، ثم أنت أيضًا يا مالك تستحق إجازة تتنعم بها رفقة زوجتك الرقيقة الجميلة، صحيح كيف هي أحوالها "
فتح ليث عينه بصدمة وهو يرى تشنج ملامح مالك، قبل أن ينتفض الاخير من مكانه وهو يصرخ بجنون مخرجًا سلاحه :
" طفح الكيل سوف اتخلص منه "
ابتعد فبريانو من أمام عينه يحاول دفع جسده خلف ليث وضحكاته تعلو في السيارة تزامنًا مع ارتفاع صرخات مالك وتذمرات ليث ...
بينما جميع الجنود الواقفين في الخارج يراقبون السيارة التي تحركت بالقادة وصوت الصرخات والضحكات تخرج منها بتعجب ...
اقترب أحد الرجال من صديقه وقال بتعجب :
" هل نلحق بهم ؟؟"
نظر له الآخر وقال بسخرية :
" لا لا تقلق"
" كيف لا اقلق ألا تستمع لصوت الصرخات الصادرة من السيارة ؟!"
التفت له الاول وقال بعيون مدققة :
" أنت انضممت لنا للتو صحيح ؟!"
هز الاخير رأسه فابتسم الاول وقال مربتًا على كتفه :
" حسنًا، اسمع ما حدث للتو أمر طبيعي لا يدعو للقلق، سوف ينتهي الأمر ببضع لكمات على وجه كلٍ منهما وبعض سباب متقاذفة، الأمر معتاد، هكذا هم القائد مالك والقائد فبريانو، الشرار والغاز ...."
نظر له الشاب بصدمة من حديثه لتتعالى ضحكات الآخر وهو يقول :
" هيا الحق بي لننتهي من هذا ...."
نظر الشاب لأثر السيارة بتعجب ثم لصديقه الذي رحل قبل أن يتبعه بتعجب وهو يفكر، كيف يكون ذلك عاديًا، هل يمكن أن يتطاول أحد الرجال على قائد كمالك حتى ؟؟
الأمر محير والعلاقة بين هذين الاثنين هي واحدة من تلك الأمور الغريبة التي لم ولن تجد لها تفسيرًا.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل
زهرة آل فوستاريكي الفصل العشرون 20 - بقلم Rahma Nabil
اعذروني لو فيه بعض الأخطاء الاملائية لاني مشغولة بالدراسة ومكانش ليه وقت اراجعه ...
اتمنى يعجبكم وقراءة ممتعة .
____________________
كان الجميع يجلس في هدوء تام لا أحد يتحدث بكلمة، أو الأحرى لا يتجرأون على التحدث في ظل تلك الموجات والشرارات المنتشرة في الأجواء والتي كان منبعها ذلك الذي يترأس الطاولة ...
اعتدل في جلسته يمتد بنصف جسده العلوي للامام يستند على مرفقيه وعينه ثابتة في نقطة وهمية، ثم بعدها حرّك عينه بهدوء متحدثًا لمن يجواره :
" أين هو تلميذك بلاك ؟؟ ألم تخبرني منذ نصف ساعة تقريبًا أنه آتٍ ؟؟"
لوى بلاك شفتيه بحنق يحاول أن يكبت غضبه ويبحث عن حجة سريعة لمالك يبرر بها تأخر ذلك الاحمق الذي يتفنن في وضعه أمام المدفع كل مرة :
" هو قادم سيدي لقد اخـ.."
وقبل أن يكمل جملته انتفض الجميع على صوت الباب الذي فُتح بعنف غريب، ثم تبعه صوت آخر يردد بهدوء وكأنه لم يجبر الجميع على انتظاره كل ذلك الوقت، انقشع فمه عن ابتسامة صغيرة :
" مرحبًا بالجميع، اعذروني كنت اتناول الفطور، والآن دعونا نبدأ فهذه المهمة تحتاج كل ثانية "
تحركت أقدامه بهدوء صوب المقعد المقابل لبلاك والذي كان في تلك اللحظة يرمق دراجون ( فبريانو) بتوعد رغم ملامح الهدوء التي تستوطن وجهه، لكن وكأن دراجون يعبأ بكل ذلك هو حتى لم يرفع وجهه لهم، استقر في مقعده يتنفس براحة وهو يقول :
" حسنًا والآن لنبدأ الـ ..."
فجأة توقف شاهقًا وهو يرى مالك الذي كانت ملامحه لا توحي بما يضمره له، ابتسم دراجون بسعادة مصطنعة هامسًا بسعادة :
" القائد الأعلى حضر بنفسه ؟! لمن أدين بهذا الفضل سيدي ؟؟"
تراجع مالك بظهره للخلف وهو يتجاهل النظر حتى له، ثم قال بهدوء وهو ينظر لجميع الأوجه :
" حسنًا يا سادة بما أننا اكتملنا، اليكم ما سيحدث ..."
صمت ثواني ثم ولأول مرة منذ خطى فبريانو الغرفة بقدمه ينظر له مالك نظرة جانبية في تزامن ساخر ما ارتفاع طرف شفتيه بعض الشيء يردد بجدية :
" تلك المهمة كما تعلمون السيد دراجون هو من يتولاها ومعه بلاك"
حك فبريانو جانب وجهه بهدوء يدرك جيدًا أن ذلك الهدوء القابع في نبرة صوت مالك يختبأ خلفها شيء لن يسره البتة، وقد كان له ما فكّر به حيث ارتفع صوت مالك مجددًا وهو يردد :
" و القائد هاري هو من سيشرف على وضع الخطة لأجل تلك المهمة، كان هذا قبل أن أغير رأيي واضع نفسي مشرفًا على تلك المهمة ........"
لم يبدو على فبريانو أي ردة فعل تجاه ما قيل، بل كل ما صدر منه هو بسمة صغيرة ثم قال بكل احترام يقول :
" لا بأس يا قائد إن سمح لك طبيب العظام بذلك، فمن أنا لاعترض!!"
اتسعت بسمة مالك الجانبية يعود للخلف مستندًا بظهره على المقعد يربع ذراعيه مردفًا بكل هدوء :
" نعم لا تقلق، البارحة سمح لي بالأمر، لكنني لا ادري إن كان طبيب عائلتك سيسمح لك بالأمر ذاته أو سيعارض لأجل إصابتك "
ضيق فبريانو ما بين حاجبيه بتعجب يعتظل في جلسته :
" أي إصابة تلك ؟!'.
وما كاد يتم جملته حتى وجد سلاح مالك يصطدم في وجهه بعنف شديد سالبًا من فمه صرخات لم تكن متألمة بقدر ما كانت غاضبة ليعلو صوت مالك البارد وهو يقول ببسمة لطيفة :
" هذه "
سبّ فبريانو بصوت عالي غير آبه لأي أحد بل اخذت اصوات سباته ترتفع يصب جام غضبه على مالك الذي كان يراقبه باستمتاع وأصوات فبريانو تعلو :
" تبًا لك ولعائلتك جميعها مالك، فلتصبر فقط حتى ننتهي من كل هذا أيها اللعين"
التفت له الجميع بصدمة ولا احد تجرأ وتحدث بكلمة، وكأن على رؤوسهم الطير، لكن مالك لم يهتم أو يظهر له غضبه محتفزًا باشتعاله الداخلي لنفسه وهو يردف بجدية :
" يستحسن أن تعالج جرحك فقد بدأ ينزف "
ابتسم فبريانو بسخرية وهو ينهض من مكانه قائلًا بكل استفزاز :
" لا تقلق علميًا جروحي تلتئم بسرعة أكبر من خاصتك، فالعجائز جروحهم تُشفى ببطء لانقطاع الاتصال بين الجلد وجهاز المناعة "
فتح مالك عينه بانبهار كبير وهو يردد :
" أرى أنك أجريت بحثًا عن كبار السن، فلا أعتقد أن احمقًا مثلك قد درس امورًا كتلك يومًا "
" نعم أنت محق، لقد أجريت بحثًا لارى كم ستحتاج للشفاء بعدما استخرج احشائك بيدي "
اتسعت بسمة مالك أكثر وأكثر وهو يضفي لمحة برودة على عينيه بتشدق بسخرية :
" أحب رؤيتك تحاول "
تنحنح ليث بعدما نال كفايته من عرضه الممتع اليومي، وهو ينظر لفبريانو بتحذير أن يصمت، لكن الأخير لم يهتم وهو مستمر في النظر لمالك بندية غير مدرك لما يفعله فإن كان حي حتى الآن فهذا لكرم اخلاق مالك ليس إلا.
" حسنًا يا سادة، اعتقد أننا انتهينا لليوم، شكرًا لكم"
أنهى ليث الاجتماع الكارثي المعتاد بين مالك وفبريانو بصرفه للجميع الذين خرجوا دون قول كلمة واحدة، بينما استمرت النظرات الحادة بين مالك وفبريانو في منافسة لا يظن أنها ستُحسم يومًا ...
__________________
" توقف عما تفعل بحق الله "
كانت تلك الكلمات خارجة من فم بلاك الذي عمد إلى خفض صوته أثناء تحذير فبريانو من التمادي في افعاله، فقد كان الجميع يجلس في سيارة كبيرة مصفحة، متجهين صوب مقر تنفيذ العملية التي وضعوها لكشف بعض تجار السلاح ..
نظر له فبريانو نظرة سريعة ثم عاد بنظره لمالك الذي كان يسترخي على مقعده مغمضًا عينه بكل سلام متجاهلًا كل محاولات فبريانو في إخراجه عن طور هدوءه ..
" أتوقف عن ماذا ؟! أنا فقط ادندن بأغنية احبها، فكما تعلم أنا شخص مرهف الحس احب تلك الأشياء السخيفة المقيتة "
خرج صوت مستنكر من فم ليث ( بلاك ) قبل أن يردد بيأس :
" صدقني إن استمررت فيما تفعل فأنا لا اضمن لك أن تعود لمنزلك بوجه سليم، تذكر آخر مرة فعلت بها تلك الأفعال المزعجة ؟؟"
قلب فبريانو عينه وهو يحاول تجاهل حديث ليث عن آخر مشاجرة بينه وبين مالك كادت تنتهي بمقتل أحدهما بعد شجار عنيف، ذلك العجوز كانت قبضته عنيفة، لكن كلما تذكر أنه لم يكن الوحيد الذي عاد بأعين متورمة لمنزله ازدادت بسمته اتساعًا، فتلك المنافسة بين مالك لم تنتهي يومًا ولم يُعرف بعد الرابح بها، يُدرك جيدًا أن مالك في كثير من الأوقات يكبح غضبه عن الخروج، يدرك جيدًا فرق السنوات بينهما وفرق الخبرات، لكن إن كان هو مالك، فهو ليس بأقل منه، بل للعجب كان ندًا قويًا لمالك، واحد من الاقلاء الذين وقفوا في وجهه أثناء غضبه ونجوا، واحد من القليلين الذين تحدوه ومازالوا يشاركونا هواء هذا الكوكب ..
" أنا أحبه يا ليث، لا تقلق لن اجعل ابنائك يفتقدون جدهم "
أطلق ليث ضحكات عالية واتخذ الصمت وسيلة لينهي هذا الحوار العقيم، فهو يدرك جيدًا أن شخصًا كفبريانو لن يستسلم أو ييأس، شخص باستفزازه وتصرفاته الغريبة المريبة لا يحبذ التناقش معهم ...
ران صمت طويل بين الجميع، ليطلق مالك واخيرًا زفرة راحة يحاول ألا يوبخ نفسه لاقتراحه القدم مع هذا المستفز الذي يثير في داخله مشاعر بدائية تنتهي كلها بقتله، كان ليكون الان في طريقه لمنزله، حيث سكنه ومسكنه الدافئ، تنهيدة متحسرة خرجت من شفتيه وهو يعلن اشتياقه لزوجته الجميلة .
" ما بك مالك، هل أنت بخير عزيزي ؟!"
فتح مالك عين واحدة يجيبه ببرود وبسمة سخيفة :
" نعم عدا اضطراري لرؤية وجهك أكثر من خمس دقائق، فأنا بخير فبريانو اشكرك لاهتمامك"
" لا تقل هذا مالك، أنا لا املك اغلى منك في هذه اللحظة"
اتسعت بسمة مالك باتساع وقد قرر أنه بدلًا من الجلوس ورثاء نفسه على عدم وجوده بين احضان نور يمكنه القيام بشيء مسلي أكثر، استفزاز ذلك الدموي الحقير .
" وروبي ؟!"
رفع فبريانو حاجبه ليكمل مالك بجدية واشتياق مصطنع :
" تلك الفتاة اشتاق إليها حقًا، كانت لطيفة ورقيقة كبتلات الازهار، لا أفهم حتى هذه اللحظة السبب الذي جعلها تعلق مع وغدٍ مثلك، ربما فعلت هذا تحت التهديد "
ازدادت قبضة فبريانو على سلاحه وصوت خبيث في عقله يخبره أن يرفع سلاحه ويباغت الجميع بقتل ذلك العجوز الذي تجرأ وغازل ارنبه الوردي، ارنبه هو وحده ..
فتح فمه وانشداد فكه أنبأ عما هو على وشك قوله، لكن فجأة شعر بجسده يرتد في السيارة بقوة وصوت رصاصات يعلو في الخارج .
تنفس ليث الصعداء وهو يعود بظهره يتكأ على جدار السيارة براحة وبرود شديد وهو يردد :
" جيد سيقتلونا قبل اشتعال الشجار التالي، واخيرًا سأموت في سلام ..."
______________________
في الخارج اعترضت بضعة سيارات مسار سيارة مالك ومن معه، خرج العديد من الرجال يحيطون بالسيارة مجبرين السائق على التوقف، ثواني وأشار أحدهم ويبدو كنا لو كان القائد يحرك عينيه في إشارات مجهولة لرجاله، لكن يبدو أنهم جميعًا يدركون معناها فقد تحرك أحدهم صوب الباب الخلفي للسيارة المصفحة وهو يبتسم رافعًا سلاحه ودون مقدمات فتح الباب أمام أعين من معه، ولم يكد ينزع يده عن مقبض الباب حتى سقط ارضًا ورصاصة تتوسط رأسه ..
انتفض من معع للخلف بفزع وقبل أن يستوعب أحد ما يحدث، صدح صوت فبريانو الذي ابتسم بسمته المختلة المعروفة :
" المتعة تبدأ مبكرًا اليوم "
وفي اللحظة التالية كان فبريانو يقفز من السيارة ممسكًا بسلاحيه ومعه ليث وثلاث رجال آخرين واعينهم قد اعتلاها جمود غريب...
تحدث فبريانو وهو ينظر امامه للرجال الذي رفعوا بدورهم الأسلحة في وجوههم:
" لا تقلق يا مالك سأحمي ظهرك لحين تنتهي من وضع دهان العظام "
نظر له ليث بشر هامسًا :
" حقًا دراجون ؟! هل تظن هذا وقت مناسب فما تفعل ؟!"
" وماذا به هذا الوقت ؟!'
نظر ليث أمامه للرجال الذي كانوا متأهبين لهم، لكن فبريانو قاطع نظراته وهو يقول بهدوء :
" اسمع إن كان هؤلاء الاوغاد يودون التخلص منا كانوا ليفعلون منذ زمن، ولن يقفوا بهذا الشكل يستمعون لثرثرتنا، هذا ما تعلمته خلال ثلاثين عامًا من العمل كوغد شرير مثلهم"
رفع ليث حاجبه يدرك صحة حديثه، لكنه لا يعجبه التهاون أثناء المهمات، يكره أن يخرج أحدهم عما أُمر به، يريد جميع المهمات أن تتم بشكل منسق دون خطأ واحد، وفبريانو ليس هكذا البتة، فقد اعتاد أن يقوم بمهماته بشكل غوغائي مألوف بينه وبين أبناء عمه، فكما سمع منه لولا وجود انطونيو معهم لكانوا ذهبوا إلى مهامهم بسماعات صوت وفروع من الزينة وراقصة ...
فجأة سمع الجميع صوت القائد من الطرف المقابل يقول بجدية :
" حسنًا إن لم نكن نقاطع ذلك الحديث الشيق، هلا تحركتم معنا فليس أمامنا اليوم بطوله، إما أن تسيروا معنا بهدوء، أو نلجأ للعنف"
نظر لهم ليث ثواني ببرود قبل أن يسمع صوت سقوط أحد الأجساد في الأرض ثم كلمات فبريانو الذي قال بهدوء وبسمة :
" نلجأ للعنف ..."
ثواني فقط هي تلك التي استغرقها الجميع لاستيعاب ما حدث، ثم ارتفع صوت تجهيز الأسلحة ومن ثم ....
بدأت المعركة بين الطرفين، فبريانو يحمل سلاحيه يسقط من يسقط ويصيب من يصيب، وليث الذي تحول لرجل آلي لا يبصر أمامه سوى اللون الاحمر، كان عنيفًا بشكل مخيف، عكس فبريانو الذي كان يستمتع بالأمر فقط ...
ومن بين كل ذلك كان يجلس هو في السيارة بكل هدوء يضع الهاتف أعلى أذنه يوحه الأوامر للمجموعة الثانية بالتحرك صوب المنزل المرجو، وهم سيعملون على تشتيت الحراس، وقد كانت تلك الخطة لهم وها هي تنجح .
فجأة وأثناء ما يفعل أبصر مالك أحد الرجال يقترب من السيارة يحمل سلاحًا ثم ابتسم بسمة مريبة قبل أن يصعد للسيارة ومازالت عين مالك تتحرك معه بهدوء حتى توقف امامه واضعًا سلاحه على رأس مالك يخمن من عمره الواضح أنه أحد القادة، لذا أخذه رهينة سيكون انتصارًا كبيرًا لهم ...
" تحرك معي للخارج يا سيد ودون كلمة واحدة "
رفع مالك عينه للسلاح الذي كان موجهًا لرأسه وقبل أن يتحدث بكلمة سمع رنين هاتفه النقال أبصر بطرف عينه اسم نور يحتل شاشته وقبل أن يفكر في الرد أو إغلاق الهاتف وطظ الرجل أمامه يضرب الهاتف بقدمه في عنف صارخًا وقد استفزه ذلك البرود :
" ألم تسمع ما قلته يا هذا ؟؟"
كانت أعين مالك ما تزال مثبتة على هاتفه الذي سقط حوار قدم الرجل ويبدو أن شاشته قد تحطمت، تشدق في هدوء وهو مازال ينظر للهاتف:
" أتدرك كم قطة شوكولاتة سيكلفني ما فعلته للتو ؟؟"
نظر له الرجل بدهشة ...
في الخارج كان فبريانو يمسك أحد الرجال من يده يلويها للخلف بيننا رأسه تطاحن رأس الاخير، والحنق يظهر بوضوح أعلى وجهه، فقد انتهت للتو رصاصات أحد أسلحته ولم يحصل على الوقت الكافي لملء خزينته مجددًا.
من خلف فبريانو كان هناك أحد الرجال يتحرك بخبث رافعًا سكين وحينما كان على وشك غرزها في ظهره، وقبل أن يلتفت فبريانو له، كان هناك جيدًا يطير في الهواء ليهبط على ذلك الرجل مسقطًا إياه ارضًا بعنف لترتفع تأوهاته ..
استدار فبريانو بتعجب ليجد رجل لا ملامح له جسظه مُدمى من كل مكان ساقطًا فوق آخر يصرخ متأوهًا.
رفع رأسه ببطء صوب السيارة ليجد مالك يقف وهو يبصر الرجل المدمى بحنق شديد، يتحدث بغيظ شديد :
" أنظر إلى ما اضطررتني لفعله، لقد جعلتني أنقذت ذلك الاحمق للتو "
رفع فبريانو حاجبه يقول بنبرة مستفزة مبتسمًا :
" هيا يا عمري لا تقل هذا، أدرك جيدًا أن أنقذتني قصدًا فمن أين لك بصديق مثلي ها ؟؟"
نفخ مالك بسخرية وهو يتحرك للاسفل، ثم نزع الرجل المصاب من فوق الآخر يلقيه بعيدًا وبعدها ساعد الرجل الذي كاد يقتل فبريانو لينهض، ومن ثم أعطاه السكين مجددًا وهو يقول بود :
" هيا يا اخي اكمل ما كنت تفعل، واعذرني فأنا لم ارك حينما كنت ألقي ذلك الاحمق الآخر "
نظر له فبريانو من أسفل رموشه في تودد مصطنع :
" واهون عليك يا مالك !!"
" نعم "
" لا بأس أنا أعلم أنك تقول هذا من وراء قلبك "
" بل من اعماق اعماق قلبي "
في تلك اللحظة اقترب منهم ليث والذي انتهى من البعض منهم تاركًا الباقيين لباقي رجالهم وهو يقول بهدوء :
" لقد انتهينا يا قائد "
عادت الجدية لوجه مالك وهو ينظر حوله بنظرة سريعة ثم قال بهدوء وعملية كبيرة :
" أنت عارف هتعمل ايه كويس يا ليث "
هز ليث رأسه بايجاب، وهو يتحرك مبتعدًا يرفع هاتفه لاذنه، في حين نظر مالك لفبريانو وقال بهدوء :
" انتهي من الأمر فبريانو لا اريد أثر لأحد هنا، ومن ثم الحق بي للسيارة "
أنهى حديثه وهو يصعد للسيارة يبحث عن هاتفه متمنيًا أن يكون ما يزال يعمل، وبمجرد أن لمحه تنهد براحة ثم رفع يمسك شاشته وما كاد يجري اتصاله حتى شعر بالسيارة تتحرك، ضيق عينيه وهو يمد رأسه لرؤية من يجلس في مقعد السائق، لكنه أبصر شخصًا مجهولًا وفجأة شعر بانفاس خلفه ...
ارتسمت بسمة قاسية على فم مالك وهو يردد :
" اووه متعة إضافية ؟!"
_______________________
كانت اصوات صرخاته تعلو في الهاتف وهو يتحرك بأقدام سريعة في ذلك الطريق الغير ممهد بعدما اختفت سيارتهم من أمام اعينهم، والكارثة أنها لم تكن فارغة، بل كان بها مالك ..
" أنا لا اهتم لكل ذلك الهراء الذي يخرج من فمك كيفين، أخبرتك أن القائد في تلك السيارة اللعينة "
صمت قليلًا يستمع لمحدثه، قبل أن يطلق سبة باللغة العربية لم يستطع كبحها وهو يردد بجنون :
" لا آبه لأي خطة في الواقع، كل ما اهتم به في هذه اللحظة هو القائد، أريده أن يخرج سالمًا من ذلك المكان، إن اضطر الأمر قم بالهجوم على ذلك المنزل وانا في الطريق مع المجموعة الثانية "
أنهى حديثه يرمق باقي مجموعته الذين يركضون تلك المسافة المتبقية قبل الوصول للمنزل حيث مقر الهجوم وحيث توجد المجموعة الأولى .
في تلك اللحظة اقترب منه فبريانو وسحب منه الهاتف يهتف بصوت مرعب في كيفين :
" اسمع كيفين، ذلك العجوز أخرجه ايًا كان الثمن، نحن كدنا نصل، اتبع الأوامر ولا تطل الحديث "
أنهى حديثه يغلق الهاتف دون أن يعطيه فرصة المجادلة، ثم وضع الهاتف في يد ليث الذي رفع حاجبه بتعجب ونظراته المذهولة تحلق حول فبريانو الذي نفخ بضيق :
" ماذا ؟! "
" أنا فقط متعجب أنك تخاف على مالك "
أخرج فبريانو صوتًا ساخرًا مستنكرًا من حنجرته أثناء تلقيم سلاحه وكلماته خرجت بنبرة متسلية :
" أنت تحلم، أنا فقط أخشى أن تكون نهاية هذا العجوز على يد غيري "
__________________
كان الظلام يعم المكان بغرض إضفاء نوعًا من الغموض، لكن مالك كان يتوسط أحد المقاعد بكل هدوء وهو يغمض عينه ورأسه مستندة على ظهر المقعد كما لو كان يجلس في مكتبه ..
ثواني وفُتح الباب ليتسرب منه بعض الضوء صوب الداخل، تأفف مالك بحنق وهو يضع يده على عينه :
" واخيرًا افتكرتم أنك خاطفين حد ؟! مستني بقالي أربعة وعشرين دقيقة عشان حد يدخل يهددني "
اقترب منه الرجل وصوت خطواته يرنّ في المكان بأكمله، بينما مالك لم يحرك اصبعًا واحدًا واكتفى بانتظار القادم بكل هدوء .
" عندما أخبروني أنهم أحضروك لم اصدق الأمر في البداية "
رفع مالك حاجبه وهو يرفع عينه لذلك الرجل الذي لم تضح ملامحه بالقدر الكافي للتعرف عليه، لكنه لم ينبث بكلمة واحدة، بل اكتفى بالصمت ..
" صدقني إحضارك هنا يستحق ما فعلته بالرجلين، وإن كنت قد قتلت جميع رجالي فلم أكن لابتأس، فأنت تستحق وأكثر "
ارتسمت بسمة هادئة ساخرة على وجه مالك وهو يردد :
" اشكرك "
ابتسم له الرجل، ثم دار حوله وهو يقول بهدوء يدعي التفكير :
" لكنني أتساءل، كيف احضراك وهما كالجثث الهامدة ؟؟'
اتسعت بسمة مالك ولم ينبث بكلمة واحدة، فقد أعجبه أن يلعب دور الصامت في هذه المسرحية الهزلية.
انحنى الرجل مقابل وجه مالك وهو يقول بجدية :
" ثم أوليس الأمر مريبًا ؟! أن يتمكن احمقان من اسرك وإحضارك رغم كل تلك الجروح التي تسبب لهم فيها ؟؟"
" هل تريد إجابة واضحة على سؤالك ام أنك فقط تود لعب دور المحقق طويلًا ؟؟"
رفع الرجل حاجبه وقبل أن ينطق كلمة دفعه مالك بقدمه في عنف كبير مسقطًا إياه ارضًا بشكل مباغت، ليعلو تأوهه في الأجواء ومالك يطلق صوتًا مستنكرًا :
"توقف عن الالتصاق بي، رائحتك تكاد تقتلني، أخرج سلاحك وفجر رأسي افضل من هذا كله .."
نظر له الرجل وهو ممد ارضًا بغضب شديد ليعلو صوت مالك مجددًا :
" ماذا لا تخبرني أنك لم تتوقع الأمر؟! أنا لستُ مقيدًا وأنت تستمر بازعاجي ماذا تتوقع أن أفعل ؟! اصمت لاستمع لهرائك ؟؟"
نهض مالك من مقعده ينفض ثيابه بحنق :
" حسنًا أنا تحملت أكثر من طاقتي لعل هؤلاء الحمقى يتتبعون جهازي ويأتون للمكان هنا، لكن هذا يكفي "
أنهى حديثه ضاربًا الرجل الذي كاد ينهض بعنف في معدته :
" سوف ارحل "
تحرك للخارج تحت نظرات الذهول من مقدرة ذلك العجوز على فعل ما يريد، ونسي أن الجسد الذي
شبّ على الرياضة والمرونة، لن ينحني الآن..
في نفس اللحظة التي خطى بها مالك خارج الغرفة أبصر العديد من الجثث الممدة في الممر، وفبريانو يمسك أحدهم ينظر له نظرة جعلته يتأكد من جنونه .
فجأة سمع صيحة عالية :
" مالك يا عمري أنت بخير ؟!"
أخرج مالك صوتًا مستنكرًا من حنجرته وقبل أن ينطق بكلمة، شعر لفبريانو يرتمي في أحضانه وهو يردد بنبرته المعتادة :
" ظننت أن أحدًا غيري سيقتلك، كدت أموت خوفًا لهذا الهاجس، حمدًا لله انك مازلت تسير على قدميك وأن عظامك لم تتضرر "
انقلبت ملامح مالك للاشمئزاز وهو يبعد فبريانو عنه قائلًا :
" يا ليتني قُتلت قبل أن أعيش لتلك اللحظة التي تضمني بها، ما هذا القرف، ابتعد عني "
" هل هذا جزائي لأنني احبك مالك ؟!"
ابتسم مالك بسمة باردة مستفزة وهو يجيبه :
" تمنيت لو ابادلك نفس الشعور فبريانو، لكنني في الحقيقة لا اطيق وجودك في الجوار، لا أقصد أن اجرحك صدقني لكنني امقتك يا رجل واشمئز منك "
لوى فبريانو فمه يدعي الألم:
" كان هذا قاسيًا "
" نعم لطالما كانت الحقيقة هكذا "
في تلك اللحظة أبصر الاثنين اقتراب ليث وهو يقول ببسمة هادئة :
" تم كل شيء كما خططنا يا مالك "
نظر مالك خلفه للغرفة حيث ترك ذلك الشاب لكنه لم يرى أحد لذلك خمن أنه هرب من أحد النوافذ :
" جيد إذن، انهي الأمر فأنا أريد العودة لزوجتي، عيني تشتاق لرؤية وجوه حسنة بعد كل تلك الفترة مع وجوهكم العفنة "
فتح ليث عينه بصدمة مشيرًا لنفسه وهو يرمق رحيل مالك دون اهتمام بخطوات هادئة رشيقة :
" ماذا ؟! أنت بالتأكيد لا تقصدني بهذا الحديث مالك، أنا زوج ابنتك، أنا تلميذك الحبيب الذي وثقت به طوال حياتك واعطيته ابنتك "
اجاب مالك وهو يرحل دون أن يستدير :
" مكنتش في وعيي وقتها، شربوني حاجة وانا بوافق على جوازك بيها "
ارتفعت ضحكات فبريانو في المكان وهو يضم كتف ليث له :
" لا تحزن يا قائد، أنا اراك وسيمًا "
انتفض ليث بعيدًا عنه يصرخ بهلع :
" أنت ماذا تقول ابتعد، ثم كل هذا بسببك ها أنا على وشك خسارة علاقتي بمالك لاجل تمسكي بك أيها الدموي اللعين "
رفع فبريانو حاجبه يتشنج من حديث ليث رافعًا سلاحه في وجهه يحركه بسخط :
" وانا خسرت جميع مبادئي لأجل منتظمتك الموقرة، أصبحت احارب على الجانب الخيّر لأجل تلك المنظمة العفنة، هل رأيتني اتذمر للأمر ؟! لا صحيح ؟! أنظر الىّ أهدر مواهبي ورصاصاتي الثمينة في صدور هؤلاء الحمقى لأجلكم، وفي النهاية كل شيء سببه فبريانو "
تركه فبريانو وهو يتحرك للخارج بهدوء تاركًا ليث يرمق أثره بصدمة، ثم لحق به بسرعة صارخًا :
" أنت أيها الشاب توقف هنا، كيف تتجرأ على الحديث معي بهذا الشكل ؟!"
في الخارج كان مالك يجلس على أحد مقاعد السيارة التي جاءت بها المجموعة الثانية ليريح رأسه من فبريانو وليث، لكن فجأة وجد باب السيارة يُفتح وفبريانو يدفع جسده لداخل السيارة بكل برود وهدوء يضع أسلحته في جيب بنطاله يتشدق بهدوء دون أن ينظر لمالك :
" إذن يا قائد لما أنك هنا شخصيًا، فأنا اود إجازة بضع اسابيع للراحة "
رفع مالك حاجبه بسخرية :
" بضعة أسابيع ؟؟ للراحة من ماذا يا ترى ؟!"
أشار له فبريانو خارج السيارة باستنكار :
" للراحة من كل ذلك القتل، ألم ترى كم شخصًا أسقطت، إن استمر الأمر بهذا الشكل قد تتدمر نفسيتي"
" الطلب مرفوض "
غمز له فبريانو وهو يقول ببسمة :
" علمت أنك لن ترد لي طلبًا "
تجاهله مالك ولم يتعب نفسه حتى بالتفكير في الرد وقبل أن يجيبه ويطرده من السيارة وجد الباب يُفتح وليث يحشر جسده بينهما وهو يردد بنزق:
" الجو حار في الخارج وانتما هنا تتنعمان بالمكيف تاركين إياي في تلك السيارة التي تشبه علبة التونة "
نظر له مالك وفبريانو نظرات حانقة متشابهة، لكن ليث لم يهتم وهو يقول براحة معيدًا رأسه للخلف :
" لكم هو ممتع العودة للمنزل، وبما أنك هنا مالك اسمح لي بأخذ إجازة قصيرة، فأنا وعدت دانة بالسفر معها "
" لا بأس لك ما تريد "
ولم تكن تلك كلمات مالك بل كانت خارجة من فم فبريانو الذي سمح لنفسه أن يطلق أوامر لقائد بالنيابة عن قائده الاعلى ..
تحدث فبريانو وهو يرى نظرات الاثنين المستنكرة له وقال :
" ماذا ؟؟ لا تنظرا لي هكذا أنا أتحدث لأجل مصلحتكما، ثم أنت أيضًا يا مالك تستحق إجازة تتنعم بها رفقة زوجتك الرقيقة الجميلة، صحيح كيف هي أحوالها "
فتح ليث عينه بصدمة وهو يرى تشنج ملامح مالك، قبل أن ينتفض الاخير من مكانه وهو يصرخ بجنون مخرجًا سلاحه :
" طفح الكيل سوف اتخلص منه "
ابتعد فبريانو من أمام عينه يحاول دفع جسده خلف ليث وضحكاته تعلو في السيارة تزامنًا مع ارتفاع صرخات مالك وتذمرات ليث ...
بينما جميع الجنود الواقفين في الخارج يراقبون السيارة التي تحركت بالقادة وصوت الصرخات والضحكات تخرج منها بتعجب ...
اقترب أحد الرجال من صديقه وقال بتعجب :
" هل نلحق بهم ؟؟"
نظر له الآخر وقال بسخرية :
" لا لا تقلق"
" كيف لا اقلق ألا تستمع لصوت الصرخات الصادرة من السيارة ؟!"
التفت له الاول وقال بعيون مدققة :
" أنت انضممت لنا للتو صحيح ؟!"
هز الاخير رأسه فابتسم الاول وقال مربتًا على كتفه :
" حسنًا، اسمع ما حدث للتو أمر طبيعي لا يدعو للقلق، سوف ينتهي الأمر ببضع لكمات على وجه كلٍ منهما وبعض سباب متقاذفة، الأمر معتاد، هكذا هم القائد مالك والقائد فبريانو، الشرار والغاز ...."
نظر له الشاب بصدمة من حديثه لتتعالى ضحكات الآخر وهو يقول :
" هيا الحق بي لننتهي من هذا ...."
نظر الشاب لأثر السيارة بتعجب ثم لصديقه الذي رحل قبل أن يتبعه بتعجب وهو يفكر، كيف يكون ذلك عاديًا، هل يمكن أن يتطاول أحد الرجال على قائد كمالك حتى ؟؟
الأمر محير والعلاقة بين هذين الاثنين هي واحدة من تلك الأمور الغريبة التي لم ولن تجد لها تفسيرًا.....
دمتم سالمين
رحمة نبيل