تحميل رواية «ذنوب على طاولة الغفران» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تواقيع أبطال #ذنوب_على_طاولة_الغفران كالعادة مفيش بطل رئيسي كل واحد يحدد مين الثنائي الرئيسي اللي هو بيفضله ♥️ كل بطله ثنائي جايين ورا بعض ♥️ ياسر الوتيدي ♥️ غنى المسيري خالد الوتيدي ♥️ أشجان عزام عمر الوتيدي ♥️ شروق الجيار كمال الوتيدي ♥️ أسيا عزام رحيم الوتيدي ♥️نجاة (ضي) سليمان يزيد الوتيدي وووو تتوقعوا مين ؟؟😂😂😂 ياسر و يزيد أخوات & خالد و كمال أخوات و عمر ابن أختهم ♥️ و كلهم ولاد عم و رحيم ابن عمهم بردو مستنيه رأيكوا و توقعاتكواو مين أكتر ثنائي حبتوه فيهم و متحمسين ليه ♥️ و متنسوش تسيبولي...
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الحادي وسبعون 71 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة السبيل الرابع عشر ❤️🔥
بين الفينة والأخرى يراودني شعورٌ بأنني شخصٌ ضلَّ طريق السعادة، أو ربما لم يُكتب لي أن تتلاقى خُطاي مع دروبها. لم يكن هذا الشعور استخفافًا أو اعتراضًا على القدر، ولكنه كان نتاجَ كل صدمةٍ مررتُ بها، وكلِّ اختبارٍ انزلقتْ قدماي في هاويته، حيث وقفتُ مُكبَّلًا بين خيارين كلاهما أشدُّ قسوةً من الآخر، و المروع في الأمر أنني لا أخشى الأختيار كنقطة فاصلة، بل أخشى نتائجة أيضًا و التي من الممكن أن تكون امتداد لخذلان سابق نال مني و بقوة، فهناك خطوات لا تتطلب الشجاعة فحسب بل القدرة على الاستمرار كالفرصة الثانية والتي ليست مجرد خطوة قد نتراجع عنها بل هي مُجازفة نخوضها حاملين ذاكرة مليئة بالأوجاع و نحن مُدركين كم كان السقوط مؤلمًا فقد تذوقناه، و نعرف مدى صعوبة النهوض مرة آخرى، و خاصةً أن جراح الفرصة الأولى لم تبرأ بعد، فبقايا احتراقنا لايزال لهبها متوهجًا في القلب و الذاكرة، و رماده لم يكُن إعلان بالموت! بل حقيقة تروي أن روحًا احترقت هنا ذات يوم.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
شعرت بأن صاعقةٍ قوية أصابت نبضها فأصبحت دقاتها تتقاذف بجنون حين استمعت إلى هذا الصوت الكريه خلفها لتحاول إقناع نفسها بأنها تتخيل ولكن لسوء حظها، فقد كان واقعًا يتمثل في رجل لا يُشبه سوى الشيطان يناظرها بكُره كبير كان أضعافه بقلبها مما جعل نبرتها تخرج مغلولة حين قالت:
ـ أنت بتعمل أيه هنا؟
رأفت بنبرة مُغترة:
ـ جاي لخطيبتي.
صُدِمت حين سمعت حديثه لتهتف بألم:
ـ خطيبتك! تاني هتظلم واحدة تانية معاك؟!
انتفض جسده جراء كلماتها التي ذكرته بنقيصته لذا صرخ مُهتاجًا:
ـ اخرسي. أنا اللي تتجوزني تبقى أمها دعيالها. أنما أنتِ واحدة أهلها رموهالي داعيين عليها. عشان كدا مكنش ليها في الطيب نصيب.
لم تعد الأمور كالسابق، فقد شعرت أمامه ولأول مرة أنها في موقف القوي أو على الأقل لم يكُن هناك من يدعم ذلك المُختل الذي تعرف جيدًا كم أنه ضعيف وعلى الرغم من أن الألم بدأ يزحف إلى جسدها و قلبها مع الذكريات ولكنها قالت باحتقار:
ـ قصدك ربنا نجدها من واحد مريض و جبان زيك.
برقت عيني رأفت غضبًا من حديثها لتُتابع قاصدة الثأر لنفسها التي دمرها هذا الوغد في الماضي على ذلك يهديء الألم قليلًا:
ـ و ياترى بقى غيرتوا الدكتورة اللي كانت أمك بتوديلها ضحاياك! ولا هي هي؟!
أعماه الغضب و الإهانة التي نالت منه في الصميم، مما جعله يقترب منها بغل تمكن من كل خلية منه ليتفاجئ حين صدمته سيارة ياسر الذي كان في طريقه إليها لتتوسع عينيه من فرط الغضب الذي احتدم في نظراته وهو يراها تقف مع هذا الوغد الذي رآه يقترب منها لتستيقظ شياطينه من سُباتها و يقوم بصدمه ليقطع رأفت أرضًا وهو يصيح بألم بينما غنى تراجعت للخلف وهي تشهق حين استمعت إلى صوت ياسر الغاضب وهو يزأر بوحشية:
ـ مالك ومالها يا حقـ...ير؟!
أنهى جملته وهو ينحني ليجذب رأفت من تلابيبه و الذي ارتجف جسده رعبًا حين وجد نفسه بين براثن هذا الثور الغاضب الذي برقت عروق رقبته وهو يتابع بشراسة:
ـ رد عليا...
رأفت بتلعثُم:
ـ ما. ماليش. دعوة. هي. هي اللي نادت عليا...
هوى قلبي غنى من كذب رأفت و امتقعت ملامحها وحين أوشكت على الحديثه صرخ بها ياسر:
ـ استنيني في العربية.
أما عنه فقد أسودت معالمه من إدعاءات ذلك الجبان، فهو يعلم علم اليقين أنه كاذب بل و حقير لذا هتف بنبرة مغلولة:
ـ أهي حقارتك دي اللي رمتك في طريقي عشان أخد حقها منك.
لم يتثنى لرأفت استيعاب حديثه ليقوم ياسر بتوجيه عدة لكمات إلى وجهه لينكسر أنفه الذي انبثقت منه الدماء وهو يقول بشراسة:
ـ و أدي إيدك اللي اتمدت عليها كسرناها.
قال ذلك وهو يقوم بثني ذراعه بيد و بالآخرى قام بتوجيه ضربة قوية في منتصف ذراعه ليصل إلى أذنيه صوت كسر عظامه وسط صرخات رأفت و نجيب غنى التي كانت ترتجف في السيارة ولا تقدر على الوقوف على قدميها من فرط الخوف لتراه يدفع رأفت على الأرض صارخاً بوعيد:
ـ لو لمحتك في مكان هي ماشية فيه. اعرف أن دا هيكون آخر يوم في عمرك، و الريس ياسر الوتيدي مبيهددش!
أنهى جملته و عاد إلى السيارة بملامح مُكفهرة و أعيُن لا زالت تلمع بوهج النار التي تجيش في صدره الذي كان صوت دقاته مسموعًا مما جعلها ترتجف بمكانها و عبراتها لا تمل من السقوط فالتفت يناظرها لوهلة قبل أن يقوم بجذبها إلى أحضانه لتنفجر في نوبة بكاء مريرة وهي تصيح من بين عبراتها:
ـ والله ما عملت حاجة يا ياسر. معرفش طلعلي منين بتلفت لقيته ورايا.
كان صدره يعج بغضب مرير، و غيرة قاتلة لو لم يتدخل عقله في اللحظة الحاسمة لكان أرداه صريعًا في الحال فقد كانت الغيرة كوحش ينهب قلبه مما جعله يهتف بنبرة حادة من بين أنفاس ثائرة:
ـ أنا عارف انك معملتيش حاجة. خلاص بطلي عياط.
لهجته الجافة كانت تنفي حديثه لتتراجع عنه ناظره في عينيه ليتركها و يقطع تواصلهما و ينطلق بالسيارة و إمارات الغضب لازالت بادية على وجهه مما جعلها تقول بخفوت:
ـ ياسر.
كان قلبه مرتعًا لجميع المشاعر المؤذية في هذه اللحظة. الغضب و الغيرة و الخوف أيضًا عليها من رؤيه هذا الوغد مرة آخرى. يخشى أن تنتكس حالتها و يعود معها إلى نقطة البداية و لكن كان الشعور الأول الذي يطغى عليه هو الغيرة التي تفترسه وهو يتخيل أنها كانت زوجته رغمًا عن علمه بكل ما حدث، ولكن ذلك الشعور الملعون لا يعترف بأي حقائق هو يقتل فقط.
ـ انزلي.
هكذا تحدث ياسر وهو يصف السيارة أمام المنزل لتناظره غنى بعتب قبل أن تترجل من السيارة ليظل بالداخل لدقائق غير قادر على المغادرة ليضع رأسه بين يديه، فالماضي مؤلم بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ولكن. هل الماضي مؤلم بالنسبة إليه فقط؟ أم هي ليها نصيب كبير من هذا الألم؟! عند هذه النقطة ترجل من السيارة متوجهًا إليها، فقد كان متأكدًا من أنها تبكي الآن و قد صح ظنه فقد كانت في حالة من الإنهيار التام وهي تتذكر كل ما مر عليها في الماضي و لازالت تستمع إلى ذلك الصوت المريع وهو يصرخ عليها و يُمطرها بلكماته حد شعورها بالألم و كأنه لازال يضربها للآن، ولكن قدوم ياسر انتشلها من تلك الذكريات المريرة التي تلسعها بسوط لا يعرف الرحمة ليُصدم من مظهرها المُزري و تُصدم هي من رجوعه ولكنه كان هنا. لذا هرولت مندفعه إليه وهو بالمقابل لتستقر بين ذراعيه التي حاوطتها بقوة وكأنه يعتذر عن كل ما حدث معها حتى غيرته الملعونة التي جعلته يتركها لهذه الدقائق وحدها.
أخذت تنتفض بين يديه وهي تهتف بشفاه مُرتجفة:
ـ متسبنيش يا ياسر. الله يخليك متسبنيش.
شعر بالخوف من حالتها ليشدد من ضمها وهو يقول بلهجة حانية مُتلهفة:
ـ أنا جنبك و عمري ما هسيبك أبدًا.
كانت تدفن رأسها بمقدمة صدره و يدها تحيط بها ذراعيها بقوة، فقد بدت و كأنها تتألم بقوة ليست روحها فقط المتأذية ولكن من الواضح أن للجسد ذاكرة أيضًا وقد عادت له جميع الذكريات و ألمها ليقوم ياسر بحملها ليتوجه بها إلى الأريكة و يجلسها بين ذراعيه يحاول تهدئتها:
ـ غنى حبيبتي. اهدي انا جنبك.
كانت ترى بوضوح عينيه التي تشبهان شيطان لا يعرف الرحمة وهي تنظران إليها و كأنها فريسة يخرج بها عجزه لينتفض جسدها بقوة وهي تهتف بحروف متقطعة:
ـ اوعى تسبني. متسبنيش. أن خايفة.
لأول مرة يشعر بهذا العجز وقلة الحيلة، فقد كانت الذكريات المريرة تهاجمها وهي بين يديه، حتى وجوده لم ينجح في انتشالها من هذا الألم، ليشعر بالضياع للحظات قبل أن يُقرر أن يفرض حضوره على عقلها ليمنع هذا الغزو الضاري ليقوم بوضع يديه أسفل ذقنها ليرفع رأسها إليه في ألتحام مُباغت لم يتوقعه عقلها الذي تشتت عن الألم للحظة ليسكن جسدها بين يديه للحظات كانت كافية لجعله يأخذ قراره، ليتصدى لكل هذا الذكريات المؤذية و يصنع آخرى رائعة ليقوم بفصل إقترابهم، ناظرًا إلى عينيها بعشق تجلى في حروفه حين قال:
ـ بحبك يا غنى.
ناظرته بضياع، فقد كانت في المنتصف الغير مفهوم لا هي سعيدة ولا حزينة، فقد ضغت الحيرة و بدد تشتتها الألم ليُعيد التحامهم مرة آخرى و يده تحنو فوق خصلات شعرها و الآخرى تمر برفق فوق صفحة وجهها ليمر وقتًا غير معلوم بالنسبة إليها، قبل أن يفصل اقترابهم مرة آخرى و يتراجع عنها ناثرًا عشقه فوق صفحة وجهها وهو يهمهم عاشقًا:
ـ أنا مش بحبك وبس. أنا بعشقك. أنتِ نور عيوني، و حبيبة قلبي.
كانت كلماته كسيمفونية رائعة تطرب آذانها التي افلتت كل الأصوات من حولها إلا صوته الحاني لتغمض عينيها و قد لانت ملامحها و كأنها في عالمًا آخر خاليًا من الألم ليشعر بأنه على الطريق الصحيح، فاقترب منها مرة آخرى ولكن هذه المرة أصبحت زوجته بالفعل و قد كان هذا أعظم شعور قد خابره في حياته، فلم يكُن يتخيل أن تهدأ بين يديه، ولكن حاجتها للهروب من ذلك الألم الضاري، و أيضًا ثقتها في أنه الشخص الوحيد الذي ستنجو معه من كل شيء جعلوا كل ما بها يتقبل قربه و خاصةً عقلها الذي شعر بأنه قربه هو الملجأ الآمن له من ألم لا يبرأ و أوجاع لا تهدأ.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال♥️
★★★★★★
ـ لسه منمتش يا خالد!
هكذا تحدثت أشجان بنبرة مُتحشرجة وهي تقف خلف خالد الذي كان ينظر من الشرفة وما إن استمع إلى صوتها حتى استدار ناظرًا إليها بحب، فقد كان غارقًا بأفكار جميعها سوداوية ولكن رؤيتها بددت كل هذا السواد ليبتسم و يمد يده إليها وهو يقول بحُب:
ـ تعالي.
اقتربت تستقر بين ذراعيه واضعة رأسها على صدره وهي تقول بخفوت:
ـ حاسة بيك عمال تتقلب طول الليل. عايزة اعرف بتفكر في ايه؟
شدد خالد من عناقها قبل أن يقول بنبرة مغمومة:
ـ مفيش حاجة مظبوطة. كل الناس اللي حواليا حياتهم ملخبطة. كل واحد فيهم مشتت وعنده بدل المشكلة ألف، و دا في حد ذاته يقلق.
تراجعت عنه ترى عينيه التي كانت مليئة بالكثير من التعبيرات و أيضًا تلك النبرة القلقة لم تعهدها منه لذا قالت باستفهام:
ـ هو في حاجة حصلت جديدة؟ أنا حساك قلقان أوي.
مد يده يربت فوق خدها برفق قبل أن يقول بحنو:
ـ متقلقيش اوي كدا. مفيش حاجة جديدة حصلت. بس كل واحد فيهم لازم يفوق لنفسه.
قطع حديثهم رنين هاتفه ليجيب خالد فإذا به يستمع إلى صوت عمر المتعب:
ـ خالد. أنا محتاج اشوفك ضروري.
شعر خالد بأن الأمر كان كارثيًا مما جعله يقول باستفهام:
ـ شروق كويسة؟!
عمر بتعب:
ـ كويسة. بس مش طايقة تبص في وشي.
خالد بحنق:
ـ مش لوحدها. أنت فين؟
ـ هبعتلك العنوان. تعالى لوحدك يا خالد بالله عليك.
كان اليأس في صوته يبعث على الحزن مما جعل خالد يعده بذلك قبل أن يغلق الهاتف لتتحدث أشجان بلهفة:
ـ شروق كويسة صح ؟
خالد بطمأنه:
ـ كويسة متقلقيش عليها. بس شكلها روقت عليه و هو ابن حلال و يستاهل.
أشجان باستفهام:
ـ طيب أنا سمعاه بيقولك هبعتلك العنوان خدني معاك انا قلقانه عليها أوي.
خالد برفض:
ـ مش هينفع. انا هروح اشوف في أي و أنتِ نامي و ارتاحي. و لما اخلص هكلمك اقولك حصل أيه؟
أوشكت على الحديث فأوقفها قائلًا بنبرة حازمة بعض الشيء:
ـ مش هينفع يا حبيبي. قولتلك لما اخلص هكلمك.
انصاعت لرغبته و ابتسمت بهدوء قائلة:
ـ تمام، أنا مش جايلي نوم هروح اطمن سعاد هانم.
خالد بلهجة مُحذرة:
ـ خليها الصبح الوقت دلوقتي متأخر. و خلي بالك. ياريت متدخليش نفسك في أي حوار يخص شروق وعمر انا على آخري من نبيلة وجوزها و فاضلهم معايا غلطة.
ناظرته بقلق لا تعرف هل تقدم له هذه الغلطة و تخبره بما تعرفه علها ترتاح من هذا العبأ الذي تحمله بداخل قلبها ؟ أم تبقى صامتة؟!
غادر خالد، فتوجهت إلى غرفة الأولاد للإطمئنان عليهم، فإذا بها تستمع إلى صوت قادم من غرفة رنا التي كانت تقول بخفوت:
ـ أنتِ مجنونة يا سهيلة! هخرج ازاي دلوقتي؟ مينفعش. بابا و ماما لو صحيوا و ملقونيش في البيت هتبقى كارثة.
اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا طيبًا، وعملاً متقبلاً♥️
★★★★
كانت تحتضن نفسها تنظر إلى البحر عبر النافذة تتمنى لو تذهب إليه و تُلقي بجميع آلامها بين أمواجه لتعود بعدها بذاكرة خالية وقلب لا يحمل بداخله ندبات الماضي ولا يشوهه جراحه الدامية، ولكنها كانت أمنية بعيدة المنال يستحيل حدوثها، فالماضي هو من يُشكل الحاضر و يرسم خطى المستقبل و لذا فماضيها سيظل يلاحقها إلى أن يدفن جسدها تحت الثرى.
تنهيدة قوية خرجت من جوفها مصحوبة بعبرات هادئة دون صوت أو ضجيج فقد كان الضجيج يعج به صدرها وهي تتذكره. كيف كانت آمنه بجواره، هانئة بكل لحظة تحياها برفقته، كيف جعلها تدرك أن للحياة معنى و أن السعادة ليست سلعة نفيسة لا تملك ثمنها.
اخفضت رأسها وهي تعاتب نفسها قائلة:
ـ أنا ليه مكتفتش بيك يا كمال؟ ليه مقولتش كفاية السعادة اللي انا عيشاها جنبك؟
الإجابة كلمة كلمة واحدة " الماضي" هل من تملك ماضي سيء مثلها يُمكنها أن تحيا الحاضر بسلام؟
رن جرس الباب فنظرت إلى ساعتها لتجدها تُشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. فظنت أنها قد تكون جميلة فقد أخبرتها سوزان بأنها ستقضي الليلة عندها نظرًا لحالتها فلم تهتم بالنظر إلى مظهرها الباكي ولا إلى ملابسها البيتية فقامت بفتح الباب، و إذا بها تتجمد بمكانها حين رأت كمال يقف أمامها:
ـ كمال!
هكذا همست بخفوت ولكن جذب انتباهها ملامحه الشاحبة و عينيه اللتان يتبلور بهم العذاب الذي كان الدافع الأول لقدومه إلى هنا، ولكن هاجس مُريع ضرب عقلها لتهتف بذُعر:
ـ شروق جرالها حاجة؟!
كمال بجمود:
ـ لا.
تنفست الصعداء حالما أجابها لتطلق نفساً قويًا جعله يقول بنبرة مُعذبة:
ـ شايفة النفس اللي أنتِ لسه وخداه دا! أنا من وقت اللي حصل مش عارف اخده. مش عارف اتنفس أصلًا. بس أنا تعبت.
كلماته نالت منها و بقوة، و تذكرت حالتها بعد تلك الليلة المشؤومة و كم كانت تشعر بأن الهواء لا يكفي لأنفاسها! كيف أن هناك شيء ثقيل يرسو بقوة فوق صدرها جاعلًا من تنفسها أمرًا مؤلمًا هبطت دمعة من طرف عينيها حين سمعته يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ عايز اعرف اللي حصل زمان. ليلة الحفلة بتاعتي.
جاء الوقت الذي انتظرته، ولكن هل ستصمد أمام آلامها المريرة! تراجعت للخلف لتُفسح له المجال للدخول ليدلف إلى داخل الشقة لتهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ استناني هنا.
قالت جملتها و توجهت إلى الداخل تجر بأقدامها لتقوم بفتح الخزانة و جلب تلك الحقيبة التي تحمل جزءً كبيرًا من الماضي و آلامه مما جعل جفونها تكتظ بالعبرات ولكنها لم تردعها هذه المرة، فلن تحتمل أن تسقط أمامه من فرط الألم، فلتترك العبرات تخفف من ثقل العذاب ولو قليلًا.
كان جالسًا كمن يجلس على جمرات الخوف من القادم، فقد رأى بعينيها صباحًا ماهو أبعد من الألم، فقد كانت الحروف تحترق قهرًا فوق شفتيها و نظراتها المُعذبة تشكوه لوعة ما ألم بها تلك الليلة، فلم يحتمل البقاء للصباح و أتى لمعرفة ما حدث.
تفاجيء حين وضعت أمامه على الطاولة هذه الحقيبة البلاستيكية ليناظرها بأستفهام، أجابت هي عليه قائلة بنبرة مبحوحة:
ـ افتحها.
مد يده ليقوم بفتحها فوجد ثوبًا اسود اللون ممزقًا و كأنه كان فريسة لأحد الذئاب، و أيضًا خصلات الشعر ، و هناك ورود بيضاء كانت تُزين الفستان ولكن كان يُلطخ بياضها قطرات من الدماء ليشعر بالتشتت قبل أن يبدأ في ربط حديثها صباحًا بما يراه الآن، ولكنها لم تمهله الوقت بل شرعت تروي فجيعتها بحروف كشواظ من نار:
ـ دا كان أول فستان أشتريه في حياتي. كنت جيباه و فرحانه بيه قد الدنيا. كان فرح غنى و كنت بعد الدقايق عشان البسه. و كنت فرحانه بنفسي أوي. كانت أول مرة أشوف نفسي بنت حلوة زي كل البنات اللي بشوفهم. بس للأسف هما استكتروا عليا دا.
رفع رأسه يطالعها بصمت مُعذب لتتابع بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ روحت أنا ورؤوف بالليل عشان تجيب ماما. اصل نبيلة هانم مردتش تديها إجازة تحضر فرح بنت اختها، و قالتلها أن حفلتنا أهم من القرف دا. و دي بصراحة كانت المرة الأولى اللي أشوف فيها حفلة من بتوع الناس الأغنية. فضلت اتفرج من بعيد وانا مستنيه ماما. عند الشجرة اللي فكرتني النهاردة واقفة قدامها استعيد لحظة انتصاري!
تعالت نهنهاتها و هي تُتابع بقهر:
ـ يومها شافتني ميرهان و هايدي، و بدأت وصلة المعايرة و الإهانة، ولما رديت عليهم. كانت دي جزاتي.
اقتربت تمسك قماش الفستان الممزق وهي تصرخ بلوعة:
ـ ضربوني و بهدلوني، و عروني الفستان دا اتقطع عليا وانا لبساه، و الشعر دا شعري، و الدم اللى على الورد دا دمي. كانوا بيضربوني بإيديهم و رجلهم. كتموا صوت صريخي عشان يكملوا فيا ضرب. موقفهمش غير لما سمعوك بتنادي عليهم. فاكر؟!
كانت العبرات تتدحرج من مقلتيه بينما عينيه جاحظة من هول ما يسمعه ليجعله حديثها يعود إلى الخلف لهذه الذكرى البعيدة، فأعادت عرضها أمام عينيه وهي تخبره حديثه نصًا:
ـ حد يقرب من حيوانات الشارع بالطريقة دي؟! افرضي فيها حشرات ولا مليانه جراثيم تموتي دلوقتي!
صرخت بملء صوتها وهي تتابع:
ـ مكنتش حيوانات يا كمال. دي كانت أنا... دا كان دمي. انا كنت بعيط و جسمي بيرتجف من الوجع والبرد. الشجرة دي اللي سترتني. و دارتني عن عيون الناس. محستش بيا يا كمال. مسمعتش صوتي.
حملته أقدامه ليقف مبهوتًا فاغرًا فاهه من حديثها المُريع الذي كان كشاحنة ضخمة دهست قلبه دون رحمة لتُتابع صارخه:
ـ عارف أنا روحت لرؤوف ليه؟ عارف كنت بعاتبه ليه؟ عشان هو الوحيد اللي حس بيا. هو الوحيد اللي جري يدور عليا و يشوفني اتأخرت ليه! شافني مرمية على الأرض وأنا بنزف من جسمي و وشي. هو اللي شاركني ألمي و وجعي و أسوء ذكرياتي. هو اللي غطاني و قلع قميصه ولبسهولي و سندني وروحني. لو هو مكنش موجود مكنش هيطلع عليا نهار يومها.
سقطت جالسه على المقعد خلفها وهي تتابع بنبرة تحترق كمدًا:
ـ عشان كدا عاتبته. قولتله ليه تحط إيدك في إيدها. دا انت شوفت بعينك. هو شافني....
لم تقدر على الاستمرار في الحديث أكثر من ذلك، فأخذت تبكي بقوة و جسدها ينتفض أمام عينيه حتى سقطت على ركبتيها فقد كان هو الآخر يبكي كما لم يفعل من قبل. ولأول مرة عقله لا يعجز عن التصرف تتفرق نظراته ما بينها وبين الفستان الممزق بقوة وهو يتخيل قسوة ما حدث، فقد كان مجرد التخيل يذبح قلبه بلا رحمة، فكيف بشعورها هي!
لا يعلم كيف سقط بجوارها يحتضنها بقوة وهو يبكي بقهر لم يشعر به طوال حياته، ولكن كان الأمر هائلًا بداخلها حد تفاقم آلام جسدها الذي بدأ يُعلن عن ثورته، وهذا ما لم تكن قادرة على احتماله لتجذب نفسها من بين يديه، و هي تهتف بنبرة مبحوحة:
ـ امشي يا كمال.
تراجع إلى الخلف يناظرها بعذاب و قلب يأبى مفارقتها فلم يكن يعلم أن هذا العذاب أضعافه بقلبها و جسدها الذي بدأ بخيانتها، فتغضن جبينها بالألم، ولكن كان صوت سوزان هو المنقذ حين جافاها النوم، لتقوم بالتوجه إليها للإطمئان على حالتها فإذا بها تتفاجيء بآسيا التي تفترش الأرض و الألم بادٍ على ملامحها، وكمال يجلس بجوارها لتهتف بصدمة:
ـ في أيه؟
تحاملت آسيا على آلامها لتهرول تجاهها وترتمي بين ذراعيها وهي تصرخ بألم:
ـ مشيه من هنا يا سوزي. قوليله يمشي. ياخد كل حاجة تفكرني بيهم ويمشي.
كان هذا أقسى ما يمكن احتماله خاصةً في هذه اللحظة لينصب عوده ويقترب منهما وهو يقول بنبرة مُلتاعة:
ـ آسيا.
شعرت سوزان بالبلل فوق كتفها الأول، فعلمت ما حدث لتقول بنبرة صارمة:
ـ امشي يا كمال لو سمحت.
لم ينتظر أكثر من ذلك ليندفع إلى الخارج تزامنًا مع انهيارها التام، فهتفت سوزان بذُعر:
ـ آسيا.
كانت الدماء تنبثق من فمها لتخرج الكلمات خافتة متقطعة من فمها:
ـ اوعي تخليه يشوفني كدا. ابوس ايدك يا سوزي.
اللهم يا رازق السائلين، يا راحم المساكين، يا غياث المستغيثين، إياك نعبد وإياك نستعين، يا مقيل العثرات، يا قاضي الحاجات، اقض حاجتي وفرج كربتي وارزقني من حيث لا احتسب♥️
★★★
ـ خلاص بقى يا ميرهان سامحيني. قولتلك بخاف اجي من خالو خالد. لو شوفتي نظرته ليا تقولي قتلاله قتيل.
هكذا تحدثت هايدي إلى ميرهان التي كانت غاضبة منها بشدة نظرًا لكونها تجاهلتها ولم تحاول رؤيتها سوى مرات بسيطة طوال الوقت الماضي
ـ بتضحكي على مين! دانا عرفاكي اكتر من نفسك. أنتِ لقيتي ميرهان مش هتخرج معاكي ولا منها منفعة قولتي افكني منها و أشوف نفسي.
شعرت بالملل منها لذا هتفت بحنق:
ـ خلاص بقى. قولتلك كنت بخاف آجي بسبب خالو، وبعدين مراته الجربوعة دي مبتنزليش من زور. و مش هاجي بقى اتمسح فيها واقولها والنبي خليني اشوف ميرهان!
ميرهان باحتقار:
ـ طول عمرك واطية.
ضيقت هايدي عينيها بخُبث تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ الواطية دي جيبالك أخبار عن حبيب القلب.
انتفضت ميرهان في جلستها وهي تهتف بلهفة:
ـ رؤوف!
ـ هو.
ميرهان بقلب اهتاجت دقاته حين استمعت إلى اسمه:
ـ شوفتيه فين ؟
هايدي بمكر:
ـ صالحيني الأول.
ميرهان بنفاذ صبر:
ـ تخلصي بقى. صالحتك.
اندهشت من حالتها، فقد تبدلت كُليًا حين أتت على ذكر اسمه لذا شرعت تقص لها ما حدث:
ـ أبدًا يا بنتي. فاكرة الشقة اللي كنتوا عاملينها مكتب! كان كام خال دانيا عشان يبعتله المفتاح قبل ما يسافر و مكنش في حد ياخده منه، فقاله خليه معاك و بعد لما رجع كلمه تاني فقاله أنه هيخلي دانيا تقابله تاخده منه و أداله رقمها كلمها و كنت أنا معاها روحنا نقابله و خدته منه بس.
انقبض قلبها بألم، فهل سافر و عاد مرة آخرى دون أن يكلف نفسه عناء التواصل معها؟! ألهذه الدرجة لا يهمه أمرها!
ـ مالك سرحتي في أيه؟
هكذا تحدثت هايدي لتُجيبها ميرهان بحزن:
ـ مسألكيش عني!
هايدي بنفي:
ـ لا هو أصلًا مشافنيش. دانيا نزلت اخدت منه المفتاح وانا كنت في العربية. بس على فكرة هي شكلها اعجبت بيه.
أصابتها جملة ميرهان الأخيرة في الصميم لتهتاج مشاعر الغيرة داخلها مما جعلها تقول بحدة:
ـ مين اللي قالك كدا!
هايدي بلامُبالاة:
ـ هي اللي قالت كدا.
ـ أيوا قالت ايه بالظبط يعني ؟!
هكذا صرخت ميرهان غاضبة لتُجيبها هايدي بذهول:
ـ في أيه يا بنتي ما تهدي شوية. قعدت تقول عنه أمور و شخصية و كاريزما. و حاجات كتير كدا..
هبت ميرهان من مكانها وهي تصيح بغل:
ـ الحيوانة. هي لسه معاها رقمه؟!
هايدي بسخرية:
ـ معرفش والله. بس أكيد يعني بقولك كلمته عشان تقابله تاخد منه المفتاح.
كانت تحترق من فكرة أن تقترب منه تلك الفتاة لذا قالت بحدة:
ـ بقولك ايه؟ لو طلبت منك تعملي حاجة عشان تعمليها!
هايدي بانتباه:
ـ حاجة اية ؟ اطلبي.
ميرهان بجمود:
ـ تقابلي رؤوف.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن ♥️
★★★★★
وصل خالد إلى العنوان الذي أرسله إليه عمر ليترجل من سياراته متوجهًا إلى المنزل المكون من طابقين، و الذي كان أمام البحر مُباشرةً في شاطيء معزول نسبيًا، فما أوشك على دق الباب حتى وجد عمر يفتحه، فقد رآه من النافذة ليناظره خالد بشمولية ليتأكد من أنه لم ينم الليلة الماضية، وها قد بدأت الشمس بنشر دفئها في المكان ولكن بعض القلوب لم يكُن لها نصيبًا منه.
تراجع عمر الى الخلف ليدلف خالد إلى الداخل ولكنه لم يرى شروق ليتبعه إلى غرفة مريحة حوائطها من الزجاج، يبدو أنها غرفة المعيشة ليجد عمر يستقر على الأريكة فاستفهم خالد قائلاً:
ـ فين شروق؟
عمر باختصار:
ـ فوق.
خالد بجفاء
ـ عايز اشوفها.
عمر بنبرة مُتعبة:
ـ قبل ما تشوفها عايز اتكلم معاك.
اقترب خالد يجلس على المقعد بعد أن فتح اذرار بذلته واضعًا قدمًا فوق الآخرى ليبدأ عمر حديثه قائلًا بنبرة مُشجبة:
ـ أنا بحبها.
خالد بفظاظة:
ـ و أيه الجديد ؟
عمر بتعب:
ـ الجديد اني اعترفت بدا. مبقتش قادر اهرب منه. يمكن عشان مكنتش متخيل اني ممكن اني بحبها أوي كدا.
صمت لا يعرف كيف يصيغ حديثه ليقول خالد بنفاذ صبر:
ـ أوي كدا اللي هو ازاي؟ ما تنجز. هو أنت تقلب الدنيا و تفضحنا قدام الناس و تاخدها و تهرب و جايبني آخر الدنيا في نص الليل وجاي تنقطني بالكلام! عمر. أنا على آخري منك. اخلص.
هب عمر من مكانه وهو يهتف بصوت اخترق سمعها في الأعلى:
ـ ماشي يا خالد. أنا بحبها. مقدرش اعيش من غيرها. لما اتحطيت في اختيار بينها وبين كل الحاجات اللي فاكرها مهمة في حياتي اختارتها هي.
ارتج قلبها من حديثه لتقف أعلى الدرج تستمع إلى تلك المحادثة الشائكة فوصلها صوت خالد الذي قال بجفاء:
ـ و بعدين!
عمر بنبرة متألمة:
ـ أنا مش عارف اعمل ايه عشان تصدق اني بحبها. أنا جرحتها كتير. بس غصب عني. دي اول مرة احس بالمشاعر دي ناحية حد. أنا أصلًا كنت رافض المشاعر دي من البداية. رافض اني اسمحلها تدخل حياتي. و مرتب كل خطوة في مستقبلي. لحد ما جت هي...
زفر بتعب وهو يتربع على المقعد قائلًا بقلة حيلة:
ـ جت هي لخبطت كل حاجة. لخبطتني أنا شخصيًا. لقيتني بغرق في حاجات جديدة عليا. لقيتها بتتمكن مني واحدة واحدة، وأنا من جوايا حتى مش بقاومها. لكن عقلي كان رافض و كان طول الوقت بيقولي اقف، فرمل. مين هينفع. بس في النهاية لقيتني بحبها. وانا مكنتش عايز كدا أبدًا. أنت اكتر حد فاهمني يا خالد.
خالد بجمود:
ـ أنت مشكلتك مش مع شروق يا عمر. أنت مشكلتك في الحب نفسه. مفكر ان الحب دا ضعف، وانك لو سمحتله يدخل حياتك هيحولك لنسخة انت بتكرهها، والحقيقة أن دا غباء أو خلينا نقول تفكير محدود. ما عندك ياسر اهو. بيحب مراته لكن هل معناه أنه ضعيف قدامها! بلاش ياسر. رحيم... هل حبه لمراته معناه أنه ضعيف..
صمت لثوان قبل أن يتابع قائلًا:
ـ خلينا نركن كل دول على جنب. أنت عايش معانا و شفت انا كنت بحب سهام قد ايه. هل دا خلاني ضعيف قدامها!
عمر باندفاع:
ـ بس كنتوا طول الوقت في مشاكل وصراعات و دايمًا كنت بحس انها عايزة تبقى راسها براسك.
خالد باستفهام:
ـ و كانت بتقدر تعمل دا؟
عمر بهدوء:
ـ بصراحة لا.
خالد بتوضيح:
ـ خليني بس اوضحلك. موضوع راسها براسي دا. أولاً مراتي في نفس مكانتي بالظبط لا بتزيد ولا بتقل و كرامتها من كرامتي، و انا معنديش اي مشكلة أني اخد رأيها واسمع منها، لكن. اني الغي عقلي قدامها دا هو اللي غلط. أنها تفكر مجرد تفكير تقلل مني دا أصلًا شيء غير مطروح. أنها تتجاوز معايا حدود الأدب دا بردو أنا عمري ما هسمح بيه. وهنا بقى الفرق. ان الراجل يبقى محافظ على مكانته و هيبته و على شخصيته قدام مراته.
صمت لثوان قبل أن يُتابع بتقريع:
ـ المشكلة في الراجل مش في الست. لو انت شايف بقى انك متقدرش تعمل كدا قدام مراتك يبقى دي مشكلتك مش مشكلتها.
أصابت كلماته عمر في الصميم ليهب من مكانه قائلًا:
ـ لا المشكلة فيهم. المشكلة أنهم بيستغلوا حبنا غلط، و بيزيفوا الحقايق عادي. وعشان انا بتحب هتصدق.
خالد باستفهام:
ـ وانت فين عقلك من اللي بتسمعه؟
عمر بحدة:
ـ حتى لو عرفت الغلط من الصح. مش هتقدر بردو تاخد موقف عشان بتحب.
خالد بنفاذ صبر:
ـ مسمهاش تاخد موقف. اسمها تقوم مراتك و تفهمها الغلط و تتعامل معاه. أنت بتتكلم في ان الراجل دايمًا في موقف ضعف و طرف مبيلقيش قدامه اي حل غير أنه يرضخ، والكلام دا مش مظبوط.
كان هذا ما رآه طوال حياته، وما شب عليه وما ساهم في تشكيل شخصيته أو لنقل ما تسبب في إعوجاج تفكيره إلى هذا الحد.
تابع خالد حديثه قائلًا:
ـ أنت عندك عقد نفسيه يا عمر. محتاج تتعالج منها.
عمر بسخرية مريرة:
ـ يظهر كدا.
خالد بنبرة مُحذرة:
ـ خلينا متفقين أن مشاكلك النفسية هي ملهاش دعوة بيها. بنت الناس ملهاش ذنب تتحمل كل دا، وكان مفروض تروح تتعالج من عقدك ومشاكلك دي الاول قبل ما تظلمها معاك.
عمر بأسف:
ـ مانا مكنتش اعرف اني هحبها كدا. أنا على قد ما حبيتها على قد ما خذلتها. لدرجة اني عارف انها هتبقى معذورة لو كرهتني. بس أنا اقسم بالله بحبها.
تأثر كثيرًا بحالته فلأول مره يراه هكذا مما جعله يقول بهدوء:
ـ اقعد يا عمر.
اطاعه عمر بصمت ليُتابع بقسوة كان لابد منها الآن:
ـ شروق في يوم من الأيام كانت مراتك، وأنت اللي كنت رافض تعترف بدا. و معتقدش أن شخصية زي شروق هتقدر تغفرلك حاجة زي كدا.
أوشك على الحديث ولكن يد خالد أوقفته ليُتابع قائلًا:
ـ اسمعني الأول. أنا عارف اللي عندك، وعارف انك في النهاية عرفت انك بتحبها. بس لازم تسمع مني الكلمتين دول.
ازعن عمر لخالد الذي تابع بنبرة خشنة:
ـ قولتلي قبل كدا انك طلقت شروق عشان مش مناسبة ليك. بس خليني اقولك كراجل بقى أنا شايف شروق ازاي ؟
تنبهت جميع حواسه لحديث خالد الذي تابع بنبرة قوية:
ـ شروق بنت تتاقل بالدهب. بنت نشأت في ظروف صعبه اتيتمت وهي صغيرة. عرفت أن أمها ليها عيلة كبيرة من أغنى العائلات، و رفضت تجري عليهم بسبب اللي عملوه في أمها زمان، ودي اسمها عزة نفس و كرامة. اشتغلت وهي بتدرس و اتبهدلت عشان تصرف على نفسها وعلى أختها اتحوجت كتير لكن فضلت محافظة على نفسها. اقولك كام واحدة بتسمح لنفسها تمشي في طريق الغلط بحجة الاحتياج؟ بس هي معملتش دا. بالعكس. عافرت عشان متقعش في الغلط، ودا اسمه احترام.
صمت خالد يتابع وقع الحديث عليه قبل أن يُلقي ها الاستفهام في وجهه بكل قسوة:
ـ بنت جميلة و محترمة و متربية، و مكافحة. عندها عزة نفس و كرامة أنت كراجل عايز ايه في مراتك اكتر من كدا؟!
كانت الكلمات كالرصاص تستقر في عقله المريض الذي صور له ذات يوم أنها لا تناسبه، لتأتي كلمات خالد القاسية لتُجهز على الباقي من ثباته حين قال:
ـ خليني بقى اقولك أن في الوقت اللي انت بتسمع لعقلك المريض اللي عمال يدوس على مشاعرك تجاهها أن في واحد زي راجي الجيار من أكبر عيلة في الصعيد راجل معاه دكتوراه، و ماسك رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات تقريبًا في نفس قوة شركاتنا يعني ميقلش عنك دا بالعكس يزيد. بيحبها وعايز يتجوزها. لا هامه بقى هي مين؟ ولا بنت مين! ولا ابوها كان شغال ايه؟ ولا حتى فرقله أنها مطلقة.
جن جنونه وهب من مكانه يزأر كالأسد الجريح:
ـ دا بعينه. شروق دي مراتي. حبيبتي. محدش هيقدر ياخدها مني..
خالد بحدة:
ـ الكلام دا لما هي كمان تبقى عيزاك.
ـ بس أنا مش عايزاه.
هكذا تحدثت شروق وهي تدلف إلى داخل الغرفة لتقع عليها نظرات عمر المُعذبة لتتجاهلها ناظره إلر خالد الذي قال بنبرة آمرة:
ـ سيبني شوية مع شروق.
لم يجادله انما خرج وكأن المكان يضيق به حتى كاد أن يختنق ليغادر على الفور، فالتفت خالد ينظر إلى شروق قائلًا بهدوء:
ـ اقعدي يا شروق. محتاجين نتكلم مع بعض.
جلست شروق وقد نزعت عنها قناع القوة ليتجلى الألم بوضوح فوق ملامحها مما جعل خالد يبدأ حديثه قائلًا بنبرة خشنة:
ـ قبل ما نتكلم لازم تعرفي ان عمر فعلًا بيحبك، و أكيد انتِ عارفة عواقب اللي عمله دي هتبقى صعبة قد ايه.
اومأت برأسها دون حديث ليُتابع خالد مستفهمًا:
ـ أنتِ سمعتي كلامنا صح؟
شروق بخفوت:
ـ صح.
خالد بجمود:
ـ كويس. يعني كل حاجة بقت واضحة قدامك.
كانت تتألم بقوة، مُجبره على رفضه في الوقت الذي قرر هو الاعتراف بها، وكم كان هذا قاسيًا أنه لا شيء يمكن أن يشفع له عند كرامتها. لا عشقه ولا ندمه ولا وجعه. لذا اخفضت رأسها وهي تقول بنبرة يقتلها الألم:
ـ فعلًا كل حاجة بقت واضحة، و مبقاش ينفع نكون لبعض.
كان يشعر بالأسى لأجلهم، ولكنه لابد أن يضع الأمور في نصابها الصحيح لذا قال بخشونة:
ـ أنا عرفت من أشجان أن راجي طلب إيدك للجواز. هتوافقي؟
رفعت رأسها تطالعه بتعب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مش عارفة. للحظة كنت هوافق.
خالد باستفهام:
ـ هينفع تتجوزي واحد وأنتِ بتحبي واحد تاني؟!
هزت رأسها بالرفض ليُتابع بنبرة جافة:
ـ يبقى ترجعي لعقلك. قصتك أنتِ وعمر مينفعش فيها طرف تالت. حرام راجي يتأذي من غير ذنب. عاقبي عمر زي ما أنتِ عايزة، وانا معاكِ. لكن متظلميش حد تاني.
شروق بخفوت:
ـ عندك حق.
خالد موضحًا:
ـ كلامي دا حتى لو قررتي فعلًا تبعدي عن عمر. أنا عارف راجي كويس. وهو ميتحقش غير كل احترام، وانتِ كمان لازم عشان تبدأي من جديد تقفلي على القديم.
شروق بأسى:
ـ طب ازاي! ازاي اقفل عليه بعد اللي عمله. أكيد الناس كلها بتتكلم عني. حتى راجي نفسه استحالة هيقبل على نفسه اللي حصل دا. عمر مش بيحبني عمر مصمم يدمرني عشان يضمن اني مكونش مع حد غيره.
خالد بنبرة قاطعة:
ـ لا. لو هو فعلاً كدا كان ممكن يعمل اي حاجة في الدنيا عشان يبعدك عنه إلا أنه يعمل اللي عمله دا. عمر ولع في الدنيا و خدك و مشي. هو فعلاً بيحبك. بس زي ما قولتله هو محتاج فعلًا يتعالج، و أنتِ مش مجبرة انك تتحملي مشاكله النفسية.
شروق بلوعة:
ـ أنا بدفع تمنها. زي ما ماما كانت بتدفع التمن مع نبيلة.
كانت محقة، وكان هو آسفًا يشعر بالخزي من شقيقته التي لا يجد لها شيئًا واحدًا يمكنه أن يحسن صورتها ولو قليلًا لذا قال بجفاء:
ـ عندك حق. بس عمر مش زي نبيلة. عمر مش حالة ميئوس منها. صدقيني.
شروق بتعب:
ـ قولي اعمل ايه؟ انا تعبت بجد.
خالد باستفهام:
ـ قبل اي حاجة. عايز اعرف. عمر مالوش اي رصيد جواكي يشفعله عندك؟!
غامت عينيها بألم وهي تتذكر المرات التي وقف بها أمام والدته لأجلها، و أبيه أيضًا وكم كان يدافع عنها ولا يسمح لأحد بالتطاول عليها. تتذكر كم كان حانيًا في أوقات كثيرة، وكم كانت الذكريات رغم كل شيء تؤلم لذا زفرت بتعب تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ مش هقدر أنكر انه وقف قدام أهله عشاني، و مسمحش لممته تجرحني أو تأذيني. لولاه كانت بهدلتني انا و جميلة. دا كمان وقف قدام خالي، و مسمحلوش يمد إيده عليا.
خالد مُعقبًا:
ـ حلو. يعني بالرغم من كل شيء كان جنبك وفي ضهرك. و عشان بس اوضحلك احنا كلنا اتربينا في البيت دا على العزة بالاسم، و أن الوتايدة دول أحسن ناس في الدنيا، وحتى في اختياراتنا كما مجبرين نختار احسن حاجة حتى لو مش هتناسبنا. اه مش كلنا كنا بنرضخ و كل واحد فينا كان له رؤية في الشيء المناسب له. بس صدقيني هي طريقة غلط. زمان كانت الناس عندها كبر غريب و للأسف عمر اترسخ دا جواه، وخلاه اعمى عن حاجات كتير.
شروق بتهكم:
ـ عارفة. اذا كانت جدتي اعتبرتها ميتة عشان اتجوزت باباو واهي بنتها.
خالد بنبرة هادئة:
ـ خلينا في المهم. عمر محتاج انك تعلميه الأدب. تخليه يلف حوالين نفسه لحد ما يعرف قيمتك. هتستغربي كلامي. بس هو دا الحل. أنتِ بتحبيه، وهو بيحبك عشان تدخلي حد بينكوا هتبقي بتظلميه، و بتظلمي نفسك معاه. فكري في كلامي وقرري
كان مُصيبًا في حديثه ولكنها كانت بحاجه الى وقتٍ اطول في التفكير لذا قالت بتعب:
ـ أنا فعلًا محتاجة وقت افكر. بس في الغالب مش هقدر ارجع لعمر حتى لو حياتي هتقف بعده. عمر مش بس آذاني. عمر خاني كمان.
ـ نعم! هو مين دا اللي خانك؟!
هكذا تحدث عمر الذي عاد ليرى ماذا حدث ليتفاجيء بحديثها الذي جعل عينيه تبرقان من شدة الصدمة لتهتف هي بحدة:
ـ اسأل نفسك.
عمر بلهفة:
ـ اسأل نفسي مين! شروق متجننيش انا عمري ا خنتك، ومن يوم ما اتجوزتك حتى مبصتش لواحدة.
شروق بتهكم:
ـ و بالنسبة لمصطفى اللي كلمته عشان تتقابلوا مع بنات. أنا سمعاك بودني على فكرة.
هتف خالد بنبرة سوداوية غاضبة:
ـ الكلام دا حصل؟
عمر باندفاع:
ـ حصل، وفعلًا روحت. بس مطلعتش. والله ما طلعت. لو تفتكري رجعتلك على طول، وقولتلك مقدرتش اعمل فيكِ كدا. وأنتِ يومها صممتي تطلقي، وقعدتي تستفزي فيا لحد ما طلقتك.
شروق بانفعال:
ـ طلقتني عشان استفزيتك ولا عشان كنت ناويها عشان ناوي تتجوز حبيبة القلب الست شاهي هانم.
عمر بصدمة:
ـ شاهي مين وزفت مين؟ هو أنتِ شاربة حاجة! مانا سيبتها في نص الحفلة و جبتك و جيت على هنا.
شروق بحدة:
ـ عشان شوفتني مع راجي. لكن قبل كدا كانت حبيبة القلب، و كنت بتستغفلني.
كان خالد يتخد جانب الصمت تعجبه هذه المواجهة كثيرًا، فالاثنان بحاجة ماسة إليها
ـ شروق متجننيش. شاهي ايه وزفت ايه؟ والله ما كنت بكلمها ولا بعبرها حتى لما اتنيلت خطبتها مبصتش في وشها غير يوم الخطوبة..
صاحت باهتياج:
ـ كذاب يا عمر. أنا بعيني شايفة رسايلكوا على الواتس، واتفاقها معاك انكوا هتسهروا سوى.
كاد أن يتحدث عمر ليستفهم خالد قائلًا:
ـ الكلام دا كان امتى يا شروق؟
شروق بجفاء:
ـ قبل ما نطلق. كان بيضحك عليا ويقولي أنه رايح المستشفى، و لما يرجع هنتكلم و نحل كل حاجة، و من سوء حظه نسي تليفونه على الشاحن و دخل الحمام، جتله رسالة على التليفون. فتحتها لقيتها منها. أيه هتكذب عيني يا دكتور عمر ؟
كان عمر غارقًا في الصمت. لا يتخيل عقله تلك الذكرى التي لم يظن أن لها أهمية، ولكنها كانت سببًا قويًا في تدمير كل شيء ليقوم بجذب هاتفه و يبحث في الرسائل ليشغل هذا المقطع الصوتي الذي أرسله إلى هذه الفتاة ذلك اليوم:
ـ قرفتيني. عماله تبعتي رسايل من امبارح و تحذفيها. شاهي فكك مني. أنتِ زيك زي هايدي عندي، روحي شوفي بتعملي أيه بعيد عني.
ضيقت شروق عينيها باستنكار فيما هتف خالد مستفسرًا:
ـ يعني ايه عماله تبعت رسايل و تحذفها ؟
عمر بنبرة ضائعة:
ـ شروق عندها حق. اليوم دا انا طلعت من الحمام لقيت شاهي بعتالي رسايل و حذفتها.
هتفت شروق باستنكار:
ـ عايز تفهمني أنها بعتت الرسايل عشان أنا أشوفها و حذفتها قبل ما انت تشوفها؟ ياااه. للدرجادي دي لو مرقبانا في الاوضة و سامعه كلامنا عشان أول ما تدخل الحمام تبعتلي الرسالة أشوفها، و بسرعة قبل ما تخرج تقوم هي حذفاها! معقول قدرت تظبطها بالدقيقة كدا!
تجمدت الحروف فوق شفاهها حين شاهدت ضحكة عمر الصاخبة البعيدة كل البعد عن المرح قبل أن يلتفت ناظرًا إلى خالد الذي هب من مكانه إثر حديث عمر الذي قال بسخرية مريرة:
ـ تفتكر قدرت تظبطها كدا ازاي؟
أخذ يوميء برأسه وقد تيقن أن للشياطين يد في تحريك حياته ليأتيه صوت خالد الذي قال بتعقل:
ـ خلينا نفكر بعقل يا عمر.
رفع عمر رأسه لتشهق شروق و تتراجع إلى الخلف من مظهره، فقد كانت ملامحه مكفهرة بشكل غريب، و عينيه و كأنهم مرآه للجحيم بالاضافة لأنفاسه الثائرة، وصدره الذي يعلو و يهبط بقوة ليبدو كالوحوش بحق و خاصةً حين تحدث بنبرة شرسة:
ـ وصل شروق بيتها.
التفت مُغادرًا ليلحق به خالد الذي قبض على ذراعه وهو يهتف بحدة:
ـ اقف هنا رايح فين؟
نفض عمر يده من يد خالد وهو يزأر بوحشية:
ـ رايح اقول لنبيلة الوتيدي مشاعري ناحيتها هي و جوزها. رايح أقولهم اني مبكرهش في حياتي قدهم.
اندفع عمر إلى سيارته كالمجنون لتصرخ شروق بذُعر:
ـ في أيه ؟ انا مش فاهمة حاجة.
خالد بصراخ:
ـ تعالي معايا بسرعة نلحق المجنون دا.
اطاعته لتستقل السيارة بجانبه وداخلها يرتعب مما يحدُث و خاصةً حين سمعت خالد يهاتف أحدهم قائلًا بغضب جحيمي:
ـ رحيم. اسمعني كويس. عمر جاي عالقصر دلوقتي. اوعى تخليه يقابل عز ولا نبيلة.
كان رحيم نائماً، فانتفض من مخدعه وهو يقول بلهفة:
ـ حوصول ايه يا واد عمي؟ ناوي على ايه المخبول ده؟!
خالد بعُجالة:
ـ لما أجيلك هحكيلك. المهم تفرمله حتى لو اضطريت تخلي الحرس يكتفه لحد ما آجي.
اغلق رحيم الهاتف، وهو يتوجه إلى ملابسه يرتديها بعُجالة وسط أنظار نجاة التي كان الألم يتجلى بوضوح في عينيها ليهتف بها رحيم:
ـ مالك لونك مخطوف أكده ليه؟ متجلجيش صاحبتك بخير. اني سامع صوتها چار خالد و زمانه چايبها و چاي.
اومأت نجاة برأسها وهي تتذكر كلمات رماح إليها:
ـ جدرتي تنامي في حضن اللي جتل عمك، و حاول يجتل أمك يا نچاة؟
ـ أنت عتجول ايه؟
هكذا قالت بنبرة مصدومة ليُجيبها رماح بحزن زائف:
ـ بجولك اني اتوحشتك. اتوحشتك بتي اللي معرفش بوچودها غير بعد ما بچت عروسة، و ملحجتش افرح بيها. عرفت انها اتچوزت عدوي اللي يده ملطخه بدم مراتي و أخوي..
نجاة بتلعثُم:
ـ أنت كذاب..
رماح بعتب زائف:
ـ بتشتمي أبوكي عشان! اني عارف انك عرفاني، وأنه جالك عني، و طبعًا ملا راسك بالكذب، بس لو عايزة تعرفي الحجيجة. أسأليه عن أمك. بلاش أسأليه مين اللي جتل رياض الهلالي عمك. روحي أسأليه هو أتچوزك ليه؟ طبعًا هيكذب ومش هيجولك عشان ينتجم مني. بس اني مش هسمحله. لما تعرفي حجيجته كلميني. هستناكي.
الكلمات مؤلمة، والقلق تشعب إلى صدرها ولكنها ترفض التصديق، لذا غامت عينيها بألم صدم رحيم الذي أنهى ارتداء جلبابه ليقترب منها يحتوي ذراعيها بيده قائلًا بقلق:
ـ مالك؟ حد ضايجك ولا ايه؟
ارتعش جسدها من ملامسته له ليشعر برعشتها مما جعله يقول بلهفة:
ـ حوصول أيه؟ مالك؟
نجاة بنبرة مُرتعشة:
ـ بعد يدك عني.
آلمه حديثها ليقول بنبرة جريحة:
ـ مالك؟ أني عِملت حاچة ضايجتك؟!
هل هذا حنانًا بحق؟! أم محاولة لخداعها ؟ هل يعشقها بالفعل؟ ام يتخذها وسيلة للانتقام من والدها؟ عقلها و قلبها وكل مابها يرفض التصديق لتندفع العبرات من مقلتيها بغزارة ليهوى قلبه بين ضلوعه مما جعله يقوم بجذبها إلى صدره وهو يحتويها بحنو يتنافى مع ضجيج قلبه الذي كانت كل دقة به تهتف باسمها
ـ جوليلي بس مين زعلك يا ست البنتة وشوفي اني هعملك فيه ايه؟
تراجعت عنه وهي تقول بنبرة مُحترقة:
ـ أنت يا عمدة. هتجدر تچيبلي حجي منيك؟!
تفاجيء رحيم من حديثها و ما كاد أن يُجيبها حتى سمع صوت طلقات رصاص في الأسفل...
يتبع.....
مشهد عمر و نبيلة أجلتوا الفصل الجاي بصراحة انا عيطت كتير اوي الفصل دا والله ما قدرت أراجعه و لا اختمه ان شاء الله ينزل البارت الجاي مستنيه رأيكوا♥️
بحب تعليقاتكوا اللي بين الفقرات على كلام الأبطال أوي و متنسوش الفوت♥️
📌 اقتباس من الرواية الورقي ذاكرة الرماد " حين ينفُث الرماد عطرًا" 👇👇
كدا انا فهمت، وعرفت مين الشمس و القمر اللي لا يمكن يتجمعوا في سما واحدة!
محت عبراتها بظهر يدها، وهي تحاول السيطرة على ارتجافة جسدها قبل أن تقول بقسوة؛
ـ بس انت صح. عندك حق على فكرة. أصل الشمس دي زي ما قولتلك قبل كدا، مش اختيار. دي أساس حياة، من غيرها الحياة تقف، بس انت حياتك مش هتقف من غيري، و إلا مكنتش عمرك هتضحي بيا.
هتف بلوعة:
ـ غالية.
صرخت بعُنف:
ـ أنت متستحقنيش. أنا استاهل واحد يكون عنده الشجاعة أنه يهد الدنيا علشاني. عشان معندوش حياة من غيري. لكن أنت جبان..
بتر حديثها المسموم حين جذبها من معصمها إلى صدره بغتةٍ لتتعانق أضلعهم و يلتحم الاثنين في لقاءٍ مُشتعل مُدجج بعشقٍ قاتل يجتاح كليهمَ دون رفقٍ أو لين. فقد كان يسكُب عشقه فوق قوس شفاهها المتوردة كحمرة الشمس وقت الغروب، و يتذوق من رحيق الشغف المحترق بينهم، متلذذٍا بفاكهته التي حرمها على نفسه، والآن بلحظة مسروقة من الزمن أصبحت بين يديه.
فصل التحامهم امتثالًا لانتفاضة رئتيها التي كادت أن تهلك بين يديه طالبه للهواء، ولكنه لم يُفلتها، فقلبه أبى عليه ذلك. يريد الشبع منها قدر الإمكان فما حدث الآن قد لا يتكرر مرة آخرى.
ضائعة. تتخبط بعُنف بين مشاعر قوية و سطوة ضارية لهذا الرجل ذو الغضب الأسود، الذي تحول غضبه إلى حِمم من المشاعر جرفتها حتى أغرقتها بين يديه، ولازالت تستند برأسها فوق صدره لا تستطِع إعطاء مطلق الثقة لقدميها في حملها بعد هذه العاصفة الضارية التي اقتلعت ثباتها من جذوره.
خرجت نبرتها مُتحشرجة، خافتة، من بين أنفاسٍ مقطوعة حين قالت:
ـ ايه اللي انت عملته دا!
حانت لحظة المواجهة بينه وبين عقله الغاضب مما حدث والذي تولى الإجابة بدلًا عنه حين قال:
ـ بوريك الشجاعة عامله ازاي!
اغضبتها إجابته، فتململت بين يديه قائلة بغضب:
ـ سيبني.
لم يُفلتها بل هزها قائلًا بصوتًا مبحوح تأثرًا بما حدث:
ـ مش قبل ما تفهمي. انا اقدر اعمل كل حاجه واي حاجه في الدنيا. بس في ناس في حياتي لازم اعمل لها اعتبار.
عادوا إلى نقطة الصفر الملغمة بأشواك لا تقتل بعُنف بل تذبح ببطء مميت لتنتزع نفسها من بين يديه وهي تهتف بغضب:
ـ قصدك تقول ان انت بتعمل حساب واعتبار لكل الناس اللي في حياتك الا انا.
سُفيان بعتب قاسي:
ـ يعني يرضيكِ اخسر اخويا يا غالية.
غالية بقسوة لا تمت لقلبها بصلة ولكنها كانت المحطة الأخيرة في علاقتهم:
ـ لا ميرضنيش! اخسرني أنا يا سُفيان. أو اعتبر أن من اللحظة دي أنت خسرتني فعلًا.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كدا خلص الاقتباس يا حلوين عايزين تعرفوا سفيان هيصحي بغالية ولا هياخدها من بُق الأسد زي الباشا شيخ الشباب 😉 بسرعة الحقوا العرض القمر و اطلبوها من هنا 👇
و للحجز من على المتجر الخاص بالدار
للحجز واتساب👇🏻
+201121530961
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثاني وسبعون 72 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الخامس عشر ❤️🔥
يستغرق الإنسان وقتًا طويلًا وهو يحاول اتخاذ قرار مغادرة وطنٍ لم يعد يشعر فيه بالأمان، ومفارقة أشخاصٍ لم يشعر يومًا بأنه ينتمي إليهم. و يُصبِح الأمر أشد قسوةً حين يُجبر على التغاضي عن الضربات التي تلقاها من تلك الجدران التي ظنها بيته، فلم تُبقِ لأعدائه شيئًا ليقتلوه به. فالخُذلان حين يأتي من الأماكن التي كان يُفترض بها أن تكون ملاذًا يكون أعمق أثرًا وأشد وطأة.
ولهذا يكون الرحيل ثقيلًا، لكنه ضرورة حتمية لا مفر منها؛ فالأذى الذي يُصيب الإنسان من عائلته كالشق الذي يسحق القلب، فلا يفلح شيء في إعادة ترميمه كما كان. إنه كالصخر إذا تفتت، لا يعود صلبًا من جديد، بل يتحول إلى رمادٍ لا ذاكرة له.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ ممكن اعرف أنت متحامل على عمر بالشكل دا ليه؟
هكذا تحدثت زينة إلى عز الذي كان ينظر إلى البعيد بملامح متجهمة ليُجيبها بنبرة جافة:
ـ لسه بتسألي! دا أنتِ شوفتي بعينك اللي حصل!
زينة بنبرة ناعمة:
ـ ماهو عشان شوفت اللي حصل بعيني بسأل. عز هو أنت كنت شايف ابنك واحد فرحان بخطوبته أو حتى مقتنع بيها؟!
عز بحدة:
ـ ولما هو مش فرحان ولا مقتنع خطبها من الأول ليه؟
ـ و أنت قبل ما تخطبله مسألتوش انت مقتنع ولا لا ليه؟
هكذا تحدثت زينة بحدة طفيفة ليصمت عز بضع لحظات قبل أن يغمغم بخشونة:
ـ هو اللي طلب من نبيلة أنها تروح تخطبهاله، ولما سألتها قالت أنه مقتنع.
زينة بسخرية:
ـ قصدك نبيلة اللي مقتنعة. عز هو أنت ليه باعد عنك كل الناس المهمة اللي في حياتك؟
عز باستنكار:
ـ نعم!
زينة باندهاش:
ـ أنت مستغرب من سؤالي كدا ليه ؟ هو أنت مش شايف علاقتك بوالدتك عاملة ازاي؟ و علاقتك بعمر اللي هو ابنك ومفروض يكون أقرب حد ليك و أنت اقرب حد ليه ؟ حتى هايدي مبشوفهاش مقربة منك. أنت حد ملكش أصحاب!
توسعت عينيه بعض الشيء اندهاشًا من حديثها مما جعله يقول باستفهام:
ـ غريبة! ازاي لاحظتي كل دا وأنتِ يدوب راجعة مبقالكيش شهر من السفر؟!
اندفعت الدماء إلى وجنتيها من حديثه لتحاول رسم ابتسامة هادئة فوق ملامحها وهي تقول بنبرة زائفة الثبات:
ـ أنت عارفني من صغري بحب أوي أني أحلل الشخصيات و بركز في التفاصيل، و كمان هكون صريحة معاك الأوضاع اللي شيفاها في القصر غريبة. الدنيا اتغيرت أوي عن زمان.
أومأ برأسه موافقاً على حديثها ثم هتف بنبرة مُشجبة:
ـ عندك حق. كل حاجة من سيء لأسوأ.
زينة بنبرة ذات مغزى:
ـ بس لسه الوقت مفاتش أننا نغير الوضع السيء دا. حاول تقرب من عمر أكيد عنده وجهة نظر.
عز بسخرية:
ـ وجهة نظر ايه و زفت ايه؟ دا واحد أناني مبيشوفش غير نفسه وبس. من بين كل البنات اختار اكتر بنت انا وأمه رافضينها!
زينة بذهول:
ـ دي بنت أختك!
عز بانفعال:
ـ اقفلي على الموضوع دا يا زينة.
ناظرته باحتقار سرعان ما نحته جانبًا لتمد يدها وهي تقول بنبرة ناعمة:
ـ فاكر يا عز لما ماما اتوفت و اضطريت اني اجي أعيش معاكوا في القصر، وكان في ناس كتير متضايقة من وجودي وانا حسيت بدا و اتوجعت جدًا. فاكر أنت قولتلي أيه يومها؟
كانت حركة مُباغتة لا يعلم لما كان وقعها مُغايرًا على قلبه، فهو يتذكر ذلك الموقف و حديثه مع هذه الطفلة الجميلة التي فجأة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة هذا العالم، يتذكر كيف أمسك بيدها و طمأنها بأنها وسط أهلها، ولكن هذه اليد الناعمة لا تشبه أبدًا تلك اليد الصغيرة التي أمسكها في ذلك الوقت!
ـ زمان انت وقفت جنبي، و أنا دلوقتي بردلك وقفتك جنبي و بحاول اوصل معاك لحل. عمر ابنك محتاج تقف معاه على أرض صلبة و تحسن علاقتك بيه. بلاش تخلي فيه وسيط بينكوا.
كانت جيدة في الإقناع فخضع لسحرها لثوان ثم تحمحم بخشونة وهو يتحدث بنبرة جافة:
ـ هحاول. ولو اني عارف اللي عنده. بس لازم اتكلم معاه.
زينة بابتسامة جميلة:
ـ و ياريت يكون الكلام بينك وبينه زي أي أب و ابنه. حرام عمر يكون عنده اب حنين كدا و مش عارف يتواصل معاه ولا يقرب منه.
كلماتها رسمت ابتسامة هادئة على شفتيه وقد راقت له كثيرًا وقد قرر العمل بنصيحتها لتُتابع هي بمرح:
ـ أنا هسيبك عشان أكيد وراك شغل وانا عطلتك.
عز بلهفة:
ـ لا ولا أي عطلة. تعالي هروحك، بالمرة اطمن على ماما.
أضاءت ملامحها ابتسامة جميلة قبل أن تُجيبه بنبرة مُحذرة:
ـ مش هقدر أجازف أن نبيلة تشوفنا راجعين مع بعض، فتقلب عليا. خلينا حبايب انا مش قدها!
عز باندفاع:
ـ على فكرة نبيلة اطيب قلب في الدنيا كلكوا فاهمينها غلط.
زينة بنبرة ساخرة:
ـ مش منطقي يا عز أن كلنا نبقى ظالمينها أو فاهمينها غلط! أنت بس اللي طيب وهي محظوظة بيك.
هناك كلمات كالأفاعي لدغتها لا تؤلم ولكنها تبث سمومها في النبض بهدوء ليسري في الدماء دون ضجيج، فلا يُدرك الملدوغ ماحدث معه ألا وهو في النزع الأخير.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وغلبة الدين وقهر الرجال ♥️
★★★★★★★★★★
لا يوجد في العالم ما هو أسوأ من أن تهتز صورة العائلة في نظر المرء. أن تتشقق تلك الملامح التي ظنها حصنًا من الأمان، فإذا بها قناع يخفي وجهًا آخر للشيطان، أن تتكسر صورة أحب الناس إلى قلبك، فتبدو حياتك كرواية مزيفة لا يعرف أولها من آخرها، و يغدو القلب كغريب لا ينتمي إلى مكان، و كأنه مُعلقًا على حافة الضياع، فاقدًا لكل معاني الاحتواء، لا يملك كتفًا واحدًا فوق جزعه يمكنه الاتكاء.
نورهان العشري ✍️
ذاكرة الرماد " حين ينفُث الرماد عطرًا" ورقي
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ افتح الباب دا.
هكذا صاح عمر بصوت جهوري غاضب وهو إمام بوابة قصرهم ليُجيبه الحارس باحترام:
ـ خالد بيه أمرني مفتحش الباب لحضرتك غير لما يوصل.
تعاظم الغضب بداخله حتى كاد أن يعمي عينيه ليصرُخ كالمجنون:
ـ بقولك افتح الباب بدل ما اكسره فوق دماغك!
تجمع الحرس ليقفوا أمامه كالسد المنيع و يقول قائدهم:
ـ يا عمر بيه أهدى شوية احنا مش في إيدينا حاجة. دي أوامر و احنا....
لم يكد يُكمل جملته، فإذا به يجد عمر يندفع لينتزع سلاح أحد الحراس ويوجهه على البوابة الحديدية صارخًا بجنون:
ـ اوعوا من قدامي..
تراجع الحرس من أمام فوهة النيران التي انطلقت من السلاح بيد عمر ليتحطم قفل البوابة، فقام بإلقاء السلاح أرضًا وهو يتوجه إلى الداخل بأقدام تترك اللهب في إثرها أينما حطت إلى أن وصل إلى باب قصرهم ليجد نبيلة تهرول من الأعلى و خلفها هايدي و إمارات الفزع بادية على وجوههم ليتفاجئوا بعمر يقف بمنتصف الرواق و وجهة لوحة حية عن الغضب لهتف نبيلة بصدمة:
ـ حصل ايه يا عمر؟ و ايه صوت ضرب النار دا؟
جاءهم صوت رحيم من الخلف والذي ما أن سمع صوت النيران حتى هرول إلى الأسفل ليجد عمر يتوجه إلى قصرهم مما جعله يتبعه ليقول بنبرة حادة:
ـ حوصول ايه يا عمر؟ و ايه صوت ضرب النار ده!
كانت نظرات عمر الغاضبة تتوقف على ملامح نبيلة التي لأول مرة تشعر بهذا الخوف والذي تضاعف حين سمعت صوته الهادر حين صرخ قائلاً:
ـ هتعرف دلوقتي كل حاجة يا رحيم. بس الكلام اللي هقوله لازم يتقال قدام عز الدين الوتيدي. عشان في كلام كتير يخصه لازم يسمعه.
ـ عز الدين الوتيدي! هستنى أيه من واحد من زيك! لا اتربى ولا يعرف حاجة عن التربية.
كان هذا صوت عز الدين الذي وصل لتوه ليرى ما حدث في الخارج، فاستدار عمر ناظرًا إليه بابتسامة أبعد ما تكون عن المرح ليقول بنبرة ساخرة:
ـ والله اني متربتش دا موضوع انت اللي تتسأل فيه مش انا.
عز بحدة:
ـ مانا نويت أعيد تربيتك من اول وجديد..
توجه رحيم ليقف أمام عز الدين الذي كان يتقدم تجاه عمر ليقول الأول بجهامة:
ـ وجف يا عز. رايح فين؟ وحد الله يا راچل.
اندفعت نبيلة تجاه عمر وهي تقول بنبرة مُرتجفة:
ـ عمر يا حبيبي أهدى وتعالى اقعد نتكلم.
استنكر تلك الكلمة التحببيه التي نعتته بها ليهتف باستنكار:
ـ حبيبك! هو أنتِ بتعرفي تحبي لا سمح الله!
توقفت نبيلة على مقربة منه وهي تقول بصدمة:
ـ عمر! أنت بتقولي أنا كدا؟!
عمر بنبرة تغلي من فرط الوجع والغضب معًا:
ـ أيوا أنا اللي بقولك كدا! عارفة انا كام مرة كان نفسي أقولك الكلام دا و ارجع في كلامي؟! عارفة كام مرة كان نفسي أسألك هو أنتِ تعرفي يعني أيه حب أصلًا؟
تجمدت الحروف فوق شفاهها جراء حديثه ليندفع عز الدين تجاهه ولكن رحيم أوقفه مما جعله يصرخ مُعنفًا:
ـ اخرس يا حيوان. ازاي تتكلم مع امك بالشكل دا!
زأر عمر بوحشية:
ـ دي أكتر حاجة بكرهها في حياتي أنها أمي.
وصل خالد في هذه اللحظة و من خلفه شروق ليهتف بصوت جهوري أدار جميع الرؤوس نحوه:
ـ عُمر.
طفرت العبرات من عيني عمر وهو يصيح بنبرة مُحترقة:
ـ من النهاردة مش هسكت. مبقتش العيل الصغير اللي هيشوف الظلم قدامه هيسكت. مش هسكت يا خالد. انا كل حاجة وحشة حصلتلي في حياتي كانت بسببها هي وجوزها.
التفت ناظرًا إلى نبيلة التي كان جسدها يرتعش و الذهول بادٍ على محياها ليُتابع وهو يُوجه اصبع الاتهام إليها:
ـ أنا فاكر كل حاجة وحشة عملتيها زمان. فاكر لما روحتي لعمتي وهي قاعدة على كرسي و ضربتيها و ضربتيني عشان مفتحش بقي واقول على اللي عملتيه فيها و هددتيني مقولش حاجة لبابا. فاكر قسوتك عليها يومها و ازاي جريتي تتحامي فيه و تعيطيله و كأنك اللي مظلومة مش هي، فاكر لما روحتي حطيتي ساعتك في دولابها و عيطي لبابا وقولتيله أنها سرقتها و خلتيه يضربها هنا في نفس المكان اللي احنا واقفين فيه دا.
برقت الأعيُن من فرط الذهول الذي يُخيم على ملامح الجميع و الأفواه مُغلقة بأمرٍ من الصدمة التي جمدت الحروف على شفاههم. وحده من كان لأنفاسه صوتٍ عالي و كأنه يجاهد حتى ينتزعها ليستطِع إسقاط هذا الثُقل عن كاهله ولكن حين تابع حديثه لم تكن نبرته عالية بل عميقة و كأنه يحفر الكلمات في عقول الحاضرين:
ـ فاكره يا ماما لما روحتي قولتيله اختك هربت مع راجل وسابت البيت ؟! بس نسيتي تقوليله انك أنتِ اللي كرهتيها في كل نفس بتاخده في البيت دا. لحد ما مبقاش قدامها غير انها تمشي. في الوقت اللي مكنتيش شيفاني فيه و لا متخيلة اني ممكن اكون مركز في أي حاجة من اللي بتحصل. كانت كل حاجة بتحصل قدامي بتتسجل جوايا.
كان جسد شروق يرتجف من هول ما سمعت عن الظلم الذي تعرضت له والدتها مما جعل العبرات تتقاذف من عينيها كالمطر لا تملك القدرة على إيقافها، و لأول مرة تشعر نبيلة بالألم الحقيقي ولكن الخوف من المذلة أمام أعين الجميع وخاصةً زوجها كان أكبر بكثير مما جعلها تصرخ بانفعال:
ـ اخرس. كل اللي بتقوله دا كذب. كذب وهي ملت بيه دماغك عشان تكرهك في أمك.
عمر بصراخ يصم الأذان:
ـ أنا مش محتاج حاجة تكرهني فيكِ انا أصلاً بكرهك.
كانت لحظة مرعبة لم تتخيل بأسوأ كوابيسها أن تحياها، فتوجهت نظراتها إلى عز الدين لتجد الصدمة تخيم على ملامحه فتجاوزته لتنظر إلى خالد، فلم ترى منه سوى الاحتقار و الأسف لتشعر بأنها على شفير الهلاك مما جعلها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه لتقوم برفع يدها تنوي صفع عمر ولكنها تفاجئت به يمد يده و يمسك كفها قبل أن يصل إلى وجنته وهو يتابع و كأنه يجلدها بسوط كلماته:
ـ زمان ضربتيني عشان اسكت بس دلوقتي لا هسيبك تضربيني ولا هسكت!
تدخل خالد ليوقف الأمر عن التفاقم أكثر من ذلك خوفًا على عمر الذي كانت ملامحه تضج بألم كبير ليقترب منه قائلًا بنبرة خشنة:
ـ خلاص يا عمر. كفاية كدا..
عمر بنبرة جريحة:
ـ عندك حق كفاية. انا بس هسألها سؤال واحد. هعرف إجابته و امشي على طول!
كانت لاتزال يدها حبيسة كفه ليشدد عليها وهو يقول بنبرة تئن من فرط الوجع:
ـ عمتي و تيتا كنتِ بتكرهيهم عشان كدا عملتي فيهم اللي عملتيه. لكن انا. بتكرهيني بردو زيهم عشان تدمري حياتي كدا؟!
لم تسعفها الكلمات للرد، فالأمر تخطى حدود الشر بداخلها، فقد كانت أجبن من أن تتحدث فقط ترتجف وهي تهز برأسها يمينًا و يسارًا دون أن تجد القدرة على الحديث ليُتابع بنبرة مقهورة:
ـ كنتِ عارفة اني بحبها، شوفتيني تايه و ضايع بتخبط في كل ناحية شوية مش عارف أرسى على بر. بدل ما اصعب عليكِ و تنصحيني. روحتي عملتي ايه؟! عملتي خطة قذرة عشان توقعي بيني وبينها. عشان تبني بيني وبين سعادتي سد كبير معرفش اتخطاه أبدًا.
ترك يدها وهو يضع يده في خصلات شعره يبكي بقوة و صوتٍ مسموع اخترق آذان وقلوب الجميع ليُتابع بتعب:
ـ أنا كنت بجاهد نفسي. بحاول اغلب شيطاني. بس مقدرتش اغلبك أنتِ.
شعر خالد بأن نفسه يضيق ألماً على عمر الذي تابع بنبرة تحترق ألمًا:
ـ أنا كنت بكذب نفسي عشان تفضل صورتك جميلة في عنيا. بس للأسف كل مرة كنت بشوفك بتكذبي و تزيفي الحقايق كانت صورتك جوايا بتتشوه.
بحياتها لم تكُن تتخيل أن تقف في مثل هذا الوضع المُهين أمام الجميع، فقد صُدِمت حين شاهدت كل هذه الأزواج من العيون تطالعها بذهول و أخرى تطالعها بشماته لتخترق كلمات عمر رأسها حين قال:
ـ أنتِ حتى اليتامى مصعبوش عليكِ. مفيش حاجة حلوة شوفتها منك في حق حتى اقرب الناس ليكِ. انا كرهت بابا بسببك، و بسبب ضعفه قدامك. كرهت الحب لو هيخليني شبهه.
سقط عز الدين جالسًا على المقعد خلفه وهو يحاول جاهدًا لانتزاع أنفاسه عنوة من بين براثن الألم الذي اجتاح صدره جراء حديث عمر لتقترب ميرهان من عز وهي تصرخ على عمر قائله:
ـ كفاية بقى. اخرس هتموت بابا. أنت بتبرر أفعالك قدام الهانم عشان ترضى عنك. لكن الحقيقة غير كدا انت انسان بشع...
ـ و ياترى بقى عندك استعداد أنتِ كمان تواجهي حقيقتك اللي ابشع منه بكتير ؟!
كان هذا صوت كمال الذي يقف أمام باب القصر بعينين حمراء وكأنهما بركة من الدماء وملامح جعلها الوجع تشبه ملامح كهل في السبعين من عمره لتلتفت جميع الأعيُن تناظره بصدمة ليهتف خالد بنبرة خشنة:
ـ كمال!
تقدم كمال تجاه هايدي التي شعرت بالذُعر فتراجعت لتقف خلف والدتها وهي تقول بنبرة مرتجفة:
ـ خالو كمال!
التفت كمال ينظر إلى ميرهان الواقفة بجانب الدرج بغل تجلى في نبرته حين قال:
ـ حلو دي الحقيرة التانية كمان هنا!
هتف خالد بحدة:
ـ كمال! أنت اتجننت؟!
صرخ كمال بصوت اهتزت له جدران القصر:
ـ متجننتش! متجننتش يا خالد لكن عرفت حقيقتهم. عرفت أننا ربينا معانا وحوش متعرفش يعني أيه رحمة!
اهتز جسد الفتاتين و معهما نبيلة التي خرجت الكلمات تتعثر فوق فمها حين قالت:
ـ في أي! هما عملوا أيه؟
تبدلت ملامح كمال من الألم إلى الغضب الذي احتل نبرته حين صرخ قائلًا:
ـ هتقولوا عملتوا ايه في آسيا من تلت سنين يوم الحفلة بتاعتي ولا اقول أنا؟!
تبادلت كلا الفتاتين النظرات المذعورة ليتدخل خالد قائلاً:
ـ مالوش لازمة الكلام دا دلوقتي يا كمال.
كمال بنبرة ساخرة تحمل الحقد بين طياتها:
ـ لا يا وحش له لازمة. كل واحدة فيهم زي الشاطرة كدا تقول عملت ايه خلونا نسمع قد أيه هما معدومين الاحساس و معندهمش لا دين ولا ضمير..
خرجت ميرهان عن صمتها حين صرخت بغل:
ـ احنا معدومين الدين والضمير و الست آسيا هانم هي اللي ملاك مش كدا!
و أيدتها هايدي قائلة:
ـ دي شيطانه و خبيثة، و أيوا أحنا ضربناها و بهدلناها بس دا رد على قلة أدبها علينا. لكن انت طبعًا مش هتشوف غلطها.
زأر كمال بوحشية جعلت جسد هايدي يرتد إلى الخلف:
ـ غلطها! غلط ايه اللي يخليكوا تضربوها و تقطعوا هدومها و تنهشوا في لحمها بالشكل دا!
قام بركل الطاولة لتسقط و يتحطم كل ما فوقها وهو يصيح بشراسة:
ـ بتبرروا أيه يا شوية حيوانات! دا انتوا لو شياطين مش هتعملوا كدا!
كان الأمر يتفاقم بشكل مرعب على جميع النواحي ليتقدم خالد ويدفعه إلى الخلف وهو يصيح بوحشية مفرطة:
ـ خلاص بقى. قولتلك ممنوش فايدة الكلام دا دلوقتي.
تدخل عمر قائلًا بنبرة آسفة:
ـ فعلًا ممنوش فايدة. مبقاش في فايدة فيهم خلاص يا كمال..
كمال بنبرة تحترق من فرط الغضب:
ـ والله لولا خالد لكنت مولع فيكوا انتوا اللتنين.
نبيلة بتلعثُم:
ـ خلاص يا كمال. دول كانوا عيال مش فاهمين حاجة..
التفت خالد قائلًا بغضب:
ـ قصدك عيال ملقوش حد يربيهم، ولا يقولهم عيب.
صاحت نبيلة بانفعال:
ـ هتجيبها فيا دي كمان يا خالد! دا بدل ما تدافع عني سايبني ملطشة للكل؟!
خالد بقسوة:
ـ للأسف انا لو حاولت اسكتهم هبقى ظالم. مفيش حد منهم متأذاش منك. حاولت كتير اجنبك لحظة زي دي بس أنتِ عمرك ما ساعدتيني على كدا.
تدخل كمال بنبرة يشوبها الاحتقار:
ـ عارفة احنا غلطتنا فين! أننا وثقنا فيكِ، وفكرناكي هتبقي أمينة علينا. هتبقي أم و أخت بس للأسف أنتِ متعرفيش تبقي أي حاجة حلوة لحد. حتى ولادك فشلتي معاهم!
نبيلة بلهفة:
ـ كمال انا ماليش ذنب في اللي هما عملوه! هما غلطوا يتعاقبوا انا ذنبي ايه؟
ناظرتها هايدي بسخط من تخليها عنهم لتهتف بحدة:
ـ طب على فكرة بقى ماما عارفة عننا كل حاجة، والموقف دا تحديدًا هي سقفت لنا عليه.
تهاوت آخر ذرة احترام لها في عين الجميع لتمر أنظارها عليهم بدايةً من خالد الذي كان الغضب والحزن يخيمان على ملامحه، ثم عمر الذي كان يطالعها بخيبة أمل كبيرة، و كمال الذي رمقها بكُره، ثم سعاد التي كانت تناظرها بشماته وهي تقف أمام الباب بمقعدها المتحرك و خلفها زينة التي كان الأسف يلون معالمها، بجانبها أشجان التي طالعتها بصدمة فلم تكن تتخيل أن تراها في مثل هذا الموقف، و رحيم الذي التفت برأسه إلى الجهة الآخرى مُستنكرًا ما حدث، ثم شروق التي كان الكره و الألم يخيمان على ملامحها و أخيرًا عز الذي كان يطالع الفراغ و كأنه معزول عن العالم كُليًا، فما مر على مسامعه اليوم دربًا من دروب الخيال، و لأول مرة يجتاحها الألم وهي تتذكر نسمة التي وضعتها في مثل هذا الموقف ذات يوم حين أخبرتهم أنها تقيم علاقة غير شرعية مع صابر قبل الزواج وكيف كانت تبكي بحرقة وهي تصرخ نافية الأمر ولكن لم تجد أي شخصٍ يسمعها!
لتشعر بأنها تريد الهرب من هذا المكان وكل هذه الأعيُن التي تطالعها و كأنها تجلدها بسوط النظرات لتسقط مُغشيًا عليها.
اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ♥️
★★★★★★★★
فتح باب الغرفة ينظر إلى تلك النائمة، وكأنها في عالمٍ آخر لا تريد مفارقته، فقد كانت الساعات المنصرمة دربًا من دروب الجنون بالنسبة إليه، فلم يكُن يتخيل أن يتم زواجهم بتلك الطريقة!
تراجع ليجلس فوق الأريكة التي تتوسط الصالة الكبيرة وهو يتذكر كيف أتخذ ذلك القرار في لحظة عجز العقل عن التفكير كل ما أراده هو تشتيت الألم الذي كان يجتاحها بقوة، و كأنها عالقة بين أنياب الذكريات المريرة ليقترب منها محاولًا فرض وجوده بالقوة على عقلها وقلبها و جسدها ليأثرها بين براثنه بضراوة أجفلتها ثم بدأت لمساته ترق تدريجيًا حين شعر بهدوئها بين يديه و كأن الفرصة أصبحت سانحة أمامه لبثها عشقه الضاري لها وهو يهتف بنبرة مُتحشرجة:
ـ بحبك يا غنى.
كان يهمس بحبها وعينيه تخاطب عينيها التي كانت ضائعة و كأنها تظن بأن وجوده ليس حقيقيًا إنما وهمًا كما كان يحدث دائمًا لتستيقظ على كابوس اسمه " رأفت"! ليشعر هو بما تعانيه فاقترب منها مرة آخرى لينتزع أنفاسها من جديد و يده تضمها إليه في محاولة لغرس وجوده في عقلها و أنامله تلامس صفحة وجهها بحنو لتمر ثواني وهي تحت تأثير ما ظنته حلمًا، ليتراجع عنها وهو يتحدث أمام عينيها ليُثبت حقيقة أنها معه:
ـ أنا مش بحبك وبس. أنتِ نور عيوني، و حبيبة قلبي.
هب من مكانه وهو يتذكر كيف كانت تغمض عينيها و كأنها تهرب من الواقع إلى عالمٍ آخر ولكنه أراد أن تراه و تنظر إلى داخل عينيه لتُدرك ما يحدث بينهم فهمس بجانب أذنيها بصوته الأجش:
ـ غنى. فتحي عنيكي وبصيلي. عايز اشوف عنيكي اللي بعشقهم.
استجابت لا إراديًا الى طلبه لتفتح عينيها تدريجيًا تناظره بضياع وهو تهمس بصوتٍ خافت:
ـ أنت هنا جنبي صح؟
ياسر بلهفة:
ـ هنا. هنا يا روح قلبي. أنتِ معايا. في حضني.
رغمًا عنها تذكرت ذلك الحلم الجميل الذي كانت تراه به يهمس لها بحبه، ثم تستيقظ مفزوعة على لكمات و ضربات تركت بها آلام لا تهدأ لينتفض جسدها وهي تهمس بحروف متقطعة:
ـ أنا بحلم. انا هصحى على كابوس تاني.
ياسر بلهفة:
ـ لا. لا لا. مفيش كوابيس يا روح قلبي. أنا معاكِ جنبك. هاتي إيدك.
امسك كفها ليمرره على ملامحه بحنو لتقع عينيها على تقاسيمه التي تعشقها، فإذا بها تهمس باسمه بنبرة خافتة تكاد تكون غير مسموعة:
ـ ياسر.
قام بوضع قبلة قوية فوق راحة يدها قبل أن يرفع رأسه يجيبها بنبرة مُلتاعة:
ـ أيوا ياسر . ياسر اللي مش عايز من الدنيا كلها غيرك. ياسر اللي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه يا غنى.
رافقت العبرات بسمتها وهي تنظر إلى داخل عينيه و تستمع إلى حديثه لتمد كفها الثاني و تحتوي وجهه بحنو ليضم كفوفها بيده وهو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ قوليلي انك بتحبيني. عايز اسمعها منك. قوليلي بحبك يا ياسر.
أطاعته بلهفة شخص يحاول انتزاع أنفاسه ليحيا من جديد:
ـ بحبك يا ياسر. بحبك.
ارتشف باقي حروف اسمه من بين ضفتي التوت خاصتها ليعانقها بكل ما أوتي من عشق و كذلك هي، فقد أغمضت عينيها تحاول النجاة بين يديه، فقد تحققت أمنيتها و أصبح حلمها حقيقة، فقد كان موجودًا لينتزعها عنوة من بين براثن الألم و الوحشة و يرمم أوجاع الجسد والروح لتتشبس به وكأنه آخر أمل يربطها بالحياة لتسمعه يهمس بجانب أذنيها:
ـ بحبك يا غريبة قلبي.
انهى جملته و حملها يدور بها في المكان وهو يردد هذه الكلمات التي كان لها مفعول السحر عليها لتبتسم بخجل و يبتسم هو الآخر حين عاد إلى أرض الواقع ليتوجه إلى الغرفة مرة آخرى ينظر إليها، فلاحظ ارتجافة رموشها، فعلم أنها قد استيقظت ليحاول تهدئة ضربات قلبه ثم أخذ نفسًا طويلًا بداخل صدره قبل أن يتوجه إليها ليجلس على طرف السرير و يمد يده بحنو فوق صفحة وجهها وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ اصحي بقى وحشتيني.
كانت تحاول ادعاء النوم، فلم تكن تتخيل أن يحدث بينهم ما حدث، فقد كانت ترتعب من قدوم هذه اللحظة التي ستذكرها بكابوسها المُريع، ولكنه كان مراعيًا لأقصى درجة، نجح في حجب عقلها و جعله يغيب عن كل شيء إلا وجوده. تتذكر حين حملها و دار بها في الغرفة وهو يردد على مسامعها هذه الكلمة التي تدغدغ حواسها:
ـ بحبك يا غريبة قلبي..
لتشعر بقلبها يتضخم من فرط الحب الذي لم يتوانى عن إغداقها به، فلم تشعر وهو يتوجه بها إلى غرفتهم ليجلس فوق مخدعهم وهي بين يديه هامسًا في أذنها بخفوت:
ـ أول مرة عيني شافتك فيها حجزتي مكانك في قلبي. قلبي اللي عمره ما كان يعرف يعني ايه حب، ولا كان متخيل أنه موجود أصلًا.
كان يتحدث و يقرن حديثه بالأفعال و كأنه يسلك كل الطرق لتخدير كل جرح لايزال نازفًا بداخلها، و أنامله الحانية التي كانت تمر فوق ملامحها بخفة وهو يرسم تقاسيمها الرائعة وشفاهه تتغزل بها لأول مرة دون تحفظ:
ـ عنيكِ الحلوة اللي لما كانت بتضحك كانت الروح بترد فيا، و كأنها رحمة القدر بيا، و تكشيرتك اللي كانت بتخليني عايز اهد الدنيا عشان ترجع ضحكتك الجميلة تنور من تاني. تخيلي سنتين وانا عاشق لكل تفصيله فيكِ ومش قادر اجي اقولك بحبك! بشوفك من بعيد زي القمر وسط البنات كلها و اقول امتى هتبقى ليك يا ياسر ؟
اقترب ينثر عشقه فوق ملامحها بروية وهي غائبة عن العالم برفقته ليُتابع حديثه دون التطرق إلى ما بعد ذلك في علاقتهم حتى لا يعيد ذاكرتها إلى ما حدث بعد ذلك:
ـ و أخيرًا بقيتي ليا و معايا، وعمري ما هسيبك أبدًا.
كان قاب قوسين أو أدنى من نيل قربها و كانت هي في وادٍ آخر لا يوجد به سواه على الرغم من أنها كانت تخشى تلك الحظات المرعبة التي عاشتها سابقًا وجعلتها تود لو تفقد الذاكرة لتنساها، تلك اللحظات كانت عائقًا كبيرًا بينهم، ولكنه كان بارعاً في إخضاع قلبها فلم تشعر بأنها أصبحت بين يديه دون عوائق، حتى تلك اللحظة التي أصبحت له لم يتثنى لها التفكير أو المقاومة فقد رمم حنانه شقوق روحها و جسدها معاً، و خاصةً كلماته التي كان لها مفعول السحر عليها لتنصهر بين يديه في عالمٍ لطالما خشيت أن تطأه قدميها، ولكنه كان رائعًا بكل ما للكلمة من معنى.
عادت إلى الوعي حين ضربت قشعريرة سائر جسدها حين سمعت كلماته العابثة:
ـ يعني مش ناوية تصحي! طيب انا أشيلها هيلا بيلا و احطها تحت الدوش يمكن تصحى..
عند سماع جملته الأخيرة هبت من نومها لتعتدل وهي تقول بلهفة:
ـ لا خلاص انا صحيت.
ضيق ياسر عينيه وهو يقول بتخابُث:
ـ يعني صاحية و بتشتغليني! من امتى وانتِ نصابة كدا؟
غنى بخفوت:
ـ انا مش نصابة.
غازلها قائلاً:
ـ عندك حق. ماهو مفيش نصابه حلوة كدا بردو!
كانت العقل حاضرًا في هذه اللحظة و الحواجز التي كانت بينهم عادت مرة أخرى لتهمس بنبرة مُتحشرجة:
ـ ياسر....
قاطعها بنبرة عاشقة:
ـ عيون ياسر..
رق القلب لكلماته مما جعل العقل يتخبط جراء تلك المشاعر الرائعة التي تشعر بها في هذه اللحظة لتقول بتلعثُم:
ـ احنا. أنا.. يعني..
وضع إصبعه فوق شفتيها يمنعها من الحديث قائلًا:
ـ احنا بنحب بعض. و أنا تحديدًا بعشقك و ربنا وحده يعلم اتمنيت قربك دا قد أيه؟
رغمًا عنها كانت تشعر بأن هناك نقصًا في اعماق روحها وجسدها مما جعلها تقول بنبرة جريحة:
ـ بس انت تستحق احسن حاجة في الدنيا وأنا...
للمرة الثانية يقاطعها قائلًا:
ـ أنتِ عندك حق، وعشان انا استحق أحسن حاجة في الدنيا ربنا رضاني بيكِ. هو في أحسن منك يا غنى!
قال جملته الأخيرة بنبرة عميقة ارتج لها قلبها لتستفهم قائلة:
ـ أنت بت. بتقول كدا من قلبك؟
اقترب يحاوط وجهها بكفوفه وهو يقول بنبرة مُفعمة بالمشاعر:
ـ معقول محستيش انا بحبك قد ايه يا غنى! بطلي تكذبي نفسك عشان أنتِ بتحبيني قد ما بحبك و اكتر.
حديثه يفعل الأفاعيل بها. أنه كمن يعبث باعدادات عقلها و يتحكم بنبضات قلبها مما جعلها تنظر إليه بضياع ليضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال:
ـ انا بقول اثبتلك فعليًا عشان الكلام دا هري عالفاضي.
برقت عينيها من حديثه لتهتف وهي على وشك البكاء:
ـ لا لا! انا هقولك..
جذبها لتتوسط ذراعيه قبل أن يقول بحنو:
ـ هششش. اهدي و خدي نفسك متتعبيش دماغك الحلوة دي بالتفكير. ولو عايزة تتكلمي قولي كل اللي جواكي يا غُريبة قلبي و انا سامعك. انا اصلًا مش ناوي اعمل حاجة تانية غير أني اسمعك.
في هذه اللحظة لم تكن تبغي سوى الهدوء بين ذراعيه، فقد شعرت بالارهاق النفسي و البدني لما مرت به اليوم، فقد تخطت الكثير من الحواجز، والعقبات النفسية، حتى مواجهته بعد ما حدث بينهم كان أمرًا شاقًا عليها ولكن حنانه جعل كل شيء يمر بهدوء لتضع رأسها فوق صدره وهي تقول بخفوت:
ـ عايزة اغمض عيني في حضنك و اسكت وبس...
كان لها ما أرادت، فقد تسطح بجانبها يحتويها بين ذراعيه و أنامله تمر برفق بين خصلاتها و كأنه يعبر عن حبه و يبثها حنانه بصمت، وقد كانت في أمس الحاجة لذلك.
مر وقتٌ ليس معلوم لكليهما قبل أن يستمع ياسر إلى صوت رنين جرس الباب، فحاول النهوض من مكانه بهدوء حتى لا يقلق راحتها فقد غرقت في النوم من جديد ليتوجه الى الخارج يفتح الباب، فإذا به يجد أحد الضباط يقف أمام الباب والذي قال باستفهام:
ـ أنت ياسر الوتيدي ؟
ـ أيوا أنا. خير في ايه؟!
هكذا استفهم ياسر ليُجيبه الضابط قائلاً:
ـ مطلوب القبض عليك.
ياسر بصدمة:
ـ نعم! بتهمة ايه ؟!
الضابط:
ـ محاولة قتل رأفت عبد الحفيظ الصباغ.
اللهم ارزقني رزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً، وعلماً نافعاً
اللهم افتح لي أبواب رحمتك وارزقني من حيث لا أحتسب ♥️
★★★★★★★★★
ـ حبيبي. مش هتروح تطمن على نبيلة؟
هكذا هتفت أشجان وهي تساعد خالد في ارتداء جاكت بذلته ليُجيبها الأخير قائلًا بجفاء:
ـ متقلقيش عليها. هي كويسة..
أشجان بارتباك:
ـ خالد. هي نبيلة فعلاً عملت كل دا؟!
كانت الإجابة مؤلمة بنكهة مريرة، ولكنه كان مُجبر عليها لذا قال بجمود:
ـ ما أنتِ سمعتي اللي اتقال. أنتِ شايفة أية؟
شعرت بغباء استفهامها لذا حاولت تصحيح خطأها قائلة:
ـ أقصد أنت مصدق اللي اتقال! يعني مش شايف أنهم ممكن يكونوا بيبالغوا؟
كانت تريد أي شيء من شأنه أن يدفعها لإخباره تعلم أنها جبانة ولكنها أرادت نقطة بداية لكي تخبره بما يُثقل كاهلها ولكنه ولأول مرة يلجأ للمراوغة حتى يهرب من هذا الحديث الذي يثير حنقه و ألمه في آنٍ واحد مما جعله يقول بجفاء:
ـ أكيد في جزء منه حقيقي.
أشجان بصدمة:
ـ جزء!
زفر بحدة قبل أن يقول بنفاذ صبر:
ـ أنتِ عايزة أيه يا أشجان ؟ اقفلي على القصة دي.
شعرت بأنها أغضبته فما حدث البارحة لم يكن هين لذا هتفت بلهفة:
ـ أنا أسفة مقصدش أضايقك والله.
خالد باقتضاب:
ـ خلاص يا حبيبي. محصلش حاجة.
كانت عينيه ملبدة بغيوم الغضب ولم تصفو بعد لذا اقتربت تتوسط صدره وهي تهمس بنبرة خافتة:
ـ أنا بجد اسفة. بس من امبارح وأنت ساكت وانا قلقانه عليك..
زفر بقوة وهو يشدد من احتوائها، وكأن قربها وحده كفيل بأن يهدأ من ألمه ولو قليلًا وهو يقول بنبرة مُشجبة:
ـ الكلام هيتعب أكتر.
أشجان بنبرة حانية:
ـ خلاص احضني وبلاش تتكلم.
ابتسم على حديثها وقام بوضع قبلة دافئة فوق مقدمة رأسها وهو يقول بحُب:
ـ تصدقي أحلى فكرة.. ربنا ما يحرمني منك أبدًا. لولاكي مكنتش عارف هعدي كل اللي بيحصل دا ازاي؟
رفعت رأسها تطالعه بنظرات عاشقة وهي تقول بدلال:
ـ يعني أنا السبب انك قادر تعدي كل دا!
خالد بنبرة خشنة:
ـ أنتِ السبب أن أنا واقف على رجلي و موقعتش بعد كل دا!
أشجان بلهفة:
ـ يارب تفضل العمر كله واقف على رجلك و متقعش أبدًا يا حبيبي.
لم يتثنى له إجابتها فقد جاءهم صوت طرق على باب الغرفة ليسمح بالطارق للدخول فأطلت رنا برأسها من الباب وهي تقول بخفوت:
ـ صباح الخير..
خالد بابتسامة عذبة:
ـ صباح النور. تعالي يا حبيبتي.
توجهت رنا لتحتضن خالد وهي تنظر إلى أشجان بخجل و الأخيرة كانت تناظرها بعتب ولكن خالد أضاف بنبرة مُحبة
ـ حبيبة بابي عاملة أي في المدرسة ؟
رنا بارتباك وهي تنظر إلى أشجان:
ـ الحمد لله يا بابي.
شعر خالد من نظرات الاثنين إلى بعضهم أن هناك خطبًا ما مما جعله يقول باستفهام:
ـ في حاجة ولا ايه؟
هذه المرة أجابت أشجان وهي تجذب رنا إلى أحضانها:
ـ لا أبدًا مفيش حاجة. صح يا رنا!
نظراته الثاقبة جعلت رنا تتوتر أكثر وهي تجيب:
ـ أه. أها. أكيد.
تلعثمها كان سببًا آخر لجعله يرتاب في الأمر مما جعله يقول بنبرة حازمة:
ـ طب اسبقيني تحت يا رنا وانا هجيب ممتك و هاجي.
ارتعبت رنا من فكرة أن تخبره أشجان بما حدث قبل يومين
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ أنت مجنونة يا سهيلة! هخرج ازاي دلوقتي ؟ بابا وماما لو صحيوا و ملقونيش في البيت هتبقى كارثة!
ـ رنا..
ارتعبت رنا حين سمعت صوت أشجان التي تقف أمام باب الغرفة و يبدو أنها سمعت ما قالته رنا لتغلق الهاتف وترتعب الأخيرة وهي تقول بذُعر:
ـ ماما!
أشجان باستفهام:
ـ بتكلمي مين؟
رنا بتلعثُم:
ـ ها. دي . دي سهيلة كانت عيزاني اروح بكرة اذاكر معاها..
أشجان بجمود:
ـ بس أنا سمعتك بتقوليلها انك مش هتعرفي تخرجي دلوقتي ؟ ليه بتكذبي؟!
رنا بارتباك:
ـ لا محصلش انا مبكذبش..
أشجان بإصرار:
ـ بتكذبي.
رنا بتوتر:
ـ لا حضرتك سمعتي غلط..
زفرت أشجان باستلام قبل أن تقول بتقريع:
ـ طيب يا رنا هعتبر أني سمعت غلط. بس خلي بالك أن ربنا شايفك، وان الكذب دا شيء وحش جدًا، و خصوصًا انك مش مضطرة لدا، و يالا اقفلي الفون دا ونامي.
عودة إلى الوقت الحالي
نظر خالد إلى أشجان وهو يضيق عينيه، فقد شعر أن هناك ما تخفيه عنه لتهتف الأخيرة بارتباك:
ـ لا يا روحي. اصل رنا كانت جيالي عشان نجرب يعني أنها تلف الحجاب و تشوف نفسها فيه هتكون عاملة ازاي؟ صح يا رنا؟!
رنا بلهفة:
ـ أه صح. مامي اقترحت عليا اجرب وقولت اشوف وكدا يعني..
كانت كلتاهما مكشوفتان أمامه ولكن الفكرة راقت له مما جعله يقول بإعجاب:
ـ حلوة الفكرة والله. طب يالا أنا كمان عايز اشوف رنا في الحجاب..
توجهت الاثنتين إلى غرفة الملابس وهو خلفهم لتقول أشجان بارتباك:
ـ تعالي يا رنا اختاري هتلبسي ايه من الطُرح؟
أخذت رنا تعبث بمحتويات الدرج وهي تخرج لفات الحجاب بإهمال ليسقط من بينهم شريط حبوب كان مخبأ بين طياتهم أمام أنظار خالد الذي كان يجلس باسترخاء على عكس أشجان التي دب الذُعر في أوصالها حين رأته يسقط أمامه لتندفع و تلتقطه بطريقة جعلت الشك يزحف إلى عقل خالد الذي قال باستفهام:
ـ حبوب ايه دي؟
ـ دي. دي. حبوب. حبوب. صداع
نظراتها المُرتعبة و أنفاسها الهادرة و كلماته المبعثرة جعلوه ينصب عوده وهو يهتف بغضب:
ـ هو في ايه انتوا اللتنين ؟ مالكوا ؟ و ايه الحبوب دي ! هاتي الشريط دا؟!
اخذ الشريط من يدها ليقوم بتقليبه بين يديه بتفحص و إذ فجأةً تضرب رأسه صاعقة مباغتة حين تذكر تلك الحبوب التي كانت زوجته الراحلة تتناولها بانتظام بعد ولادة ابنتهم رنا ليرفع رأسه ينظر إلى أشجان قائلًا بصدمة:
ـ دي حبوب منع الحمل؟!
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه ♥️
★★★★★★★★★★
ـ وحشتني اوي يا بابا.
هكذا تحدثت آسيا وهي تعانق والدها بقوة فقد اشتاقت له كثيرًا وهو كذلك:
ـ و أنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني أوي. طمنيني عليكِ ؟
آسيا بنبرة حزينة:
ـ الحمد لله كويسة.
عزام باستفهام:
ـ متأكدة؟
ـ متأكدة
أومأت برأسها ليمد يده يعيد أحد خصلاتها الى الخلف وهو يقول بحنو:
ـ عايزك تعرفي أني مسبتكيش تبعدي عني و تعيشي لوحدك غير عشان عارف انك مش هترتاحي مع امك. بس دا مش معناه اني مش هعرف احميكي منها، انا كان نفسي تصلبي طولك و تقفي على رجلك زي الأول، و أنتِ شاطرة و جدعة و عملتي دا. اوعي تخلي حاجة تهزمك تاني. أنتِ قوية وقد كل اختبار الدنيا بتحطك فيه.
كانت كلماته مؤثرة جعلت العبرات تزحف إلى مقلتيها ولكنها حاولت كبحها قدر الإمكان حتى لا تثير خوفه عليها لذا قالت بنبرة حانية:
ـ طول ما أنت بتدعيلي أنا هبقى كويسة.
عزام بحنو:
ـ بدعيلك يا حبيبتي..
ـ وهي محتاجة دعواتك ياخويا ماهي لقت اللي يدعيلها. الست اللي مش فاكرة اسمها ايه دي! كان اسمها ايه يا بت بطني اللي غنتك عن أمك وابوكي؟!
كان هذا صوت رضا الساخر من خلفهم مما جعل آسيا تقرر المغادرة حتى تنجي بنفسها من جرح آخر ينال منها من الجهة الخاطئة، ولكن عزام نهرها قائلًا:
ـ نقطينا بسكاتك يا رضا. خلينا نعرف نتكلم انا وبنتي؟؛
رضا بتهكم:
ـ بنتك! هي لسه فاكرة أن ليها أهل؟! بنتك اتكبرت علينا خلاص.
عزام بحدة:
ـ قولتلك اخرسي..
آسيا بنبرة مُشجبة:
ـ بابا يا حبيبي متزعقش أنت تعبان. انا كدا كدا كنت همشي عشان ورايا شغل، و أن شاء الله يومين و هاجي أشوفك تاني.
شعر بأن وجودها هنا لن يقدم لها سوى المعاناة لذا اومأ برأسه وهو يقول بنبرة يشوبها الأسف:
ـ ماشي يا حبيبتي، و اوعدك المرة الجاية لما تيجي تشوفيني هيكون حاجات كتير اتغيرت..
غادرت دون أن تلتفت إلى وجود والدتها، فقد كانت تشبهها حين تقرر أن تكون قاسية ولم تلتفت إلى الخلف، فقد أرادت الهرب من كل شيء مؤلم، و حتى من نفسها، وللحظة تذكرته. تذكرت حين خرجت من هذا البيت ذات يوم باكية، و وحدها كفوفه التي محت عبراتها. تلك الكفوف كانت تربت بلطف فوق جراحها، وهي التي تسببت في جرحها!
ابتسامة باهتة ارتسمت على ثغرها وكأنها تخبر قلبها بأن طرقهم ما عادت تلتقي مرة آخرى.
فجأة وهي في غارقة في أفكارها وجدت سيارة دفع رباعي تقف أمامها لتشهق بقوة وهي تتراجع إلى الخلف، لتجد كمال يترجل منها بملامح لا تُفسر، لتهمس بذهول:
ـ كمال.
لم يتثنى لها إكمال جملتها، لتجده يتقدم منها و يجذبها من يديها وهو يقول بنبرة آمرة:
ـ اركبي.
في محض ثواني وجدت نفسها بجانبه في السيارة التي انطلق بها بسرعة كبيرة، لتضع يدها فوق صدرها تحاول تنظيم أنفاسها الهادرة، قبل أن تهتف بنبرة متحشرجة:
ـ احنا رايحين فين؟
كمال بجفاء:
ـ هنتكلم.
أرجعت رأسها إلى الخلف تحاول تهدئة نفسها حتى لا تصيبها نوبة آخرى، فقد لا تستطيع المقاومة هذه المرة، و خاصةً أن الطبيب امطرها بوابل من التحذيرات حين ذهبت إلى المشفى في الليلة ما قبل الفائتة بعد حديثهم الشائك لتشحذ ثباتها و تحاول الحفاظ على صلابتها مُذكرة نفسها بأنه لم يعُد هناك شيء تخشاه، فقد انكشفت كل لأسرار و أصبحت الآن حرة.
أخيرًا أوقف السيارة في أحد الأماكن المعزولة نسبيًا لتمر دقائق من الصمت الذي قطعه حديثه ذو النبرة الحادة كنصل السكين:
ـ ليه مجتيش قولتيلي قبل ما نتجوز عاللي حصل؟
بدأت حلقة الاستفهامات التي كانت تمقتها ولكنها ذكرت نفسها بأنه لم يعد هناك شيء تخاف منه لذا عاهدت نفسها على الصراحة حتى تتخلص من بقايا الماضي المؤلم:
ـ مقدرتش!
كمال بنبرة قاسية:
ـ مقدرتيش ولا عشان تعرفي تنتقمي منهم!
صارحته قائلة:
ـ يمكن دا السبب.
كمال بنبرة جافة:
ـ و انتقمتي؟
اهتاج الوجع بداخلها وهي تجيبه بنبرة جريحة:
ـ انتقمت من نفسي.
باغتتها كلماته الحادة حين قال:
ـ خلي نفسك بره الموضوع دلوقتي. خدتي حقك منهم ؟!
عاهدت نفسها ألا تكذب مرة آخرى لذا التفت تناظره وهي تقول بجمود:
ـ لا.
فاجأته صراحتها، ولكنه كان يتوقع أن ما حدث لن يشفي أوجاع الماضي أو يهدأ من حقدها تجاههم لذا قال بنبرة خليط من الألم و الاستنكار معًا:
ـ مش شايفة انك غلطي في حقي لما دخلتيني جوا دايرة انتقام ماليش اي علاقة بيها!
اومأت برأسها وهي تخطو فوق جراحها قائلة:
ـ انا عارفة اني غلطت في حقك يا كمال بس انت طلقتني و سافرت من غير ما تديني حق ادافع عن نفسي..
لم يبد أنه تأثر بألمها ليقول باستفهام ذو نبرة قارصة البرودة:
ـ يعني لو كنت سافرت من غير ما اطلقك كانت هتفرق!
كانت أمنيتها التي بكت لأجلها كثيرًا لذا أجابته بنبرة محرورة:
ـ أكيد. على الأقل كنت هتسيب بابا موارب بيننا.
كمال بسخرية مريرة:
ـ دا بالظبط اللي مكنتش عايز اعمله. بس احنا لسه فيها.
تفاجئت من جملته الأخيرة لتقول باستفهام:
ـ يعني ايه؟
كمال بنبرة جافة تحمل طابع الصرامة:
ـ يعني هنطلع دلوقتي على المأذون و و أردك لعصمتي!
توسعت حدقتيها ذهولًا من حديثه لتهتف بأنفاس مقطوعة:
ـ أنت بتقول ايه؟
كمال باختصار:
ـ اللي سمعتيه!
شعرت برأسها يدور من فرط الصدمة لتهتف بعدم فهم:
ـ كمال انا مش فاهمة حاجة.
أجابها بنبرة ساخرة يشوبها القسوة:
ـ ليه ؟ مش كنتي بتقولي انك زعلانه عشان مسبتش باب موارب بيننا اديني بفتحلك الباب على آخره.
استنكرت حديثه لتهتف بألم:
ـ بالسهولة دي! بعد كل اللي حصل؟
كمال باستفهام:
ـ افهم من كدا انك مش موافقة ؟
آسيا بقوة:
ـ لا...
توحشت ملامحه على نحو مريب و كذلك نبرته حين قال:
ـ طب اسمعيني كويس بقى، انا ليا حق عندكوا كلكوا. عندك وعندهم و عنده!
آسيا باستنكار:
ـ عنده! و هو عمل فيك ايه أنا اللي روحت له؟
قاطعتها نبرته الحادة حين صرخ قائلًا:
ـ عشان اتجرأ و طلع لمراتي يوم فرحي و قالها اللي قاله، و عشان اتجرأ بردو و قرب من الزفتة التانية عشان ينتقم منك و مني.
تناحرت أنفاسها بداخل صدرها من فرط الصدمة و الخوف لذا قالت بنبرة مُتحشرجة:
ـ أنت بتقول ايه؟ جبت الكلام دا منين!
أدار رأسه إلى الجهة الآخرى وهو يقول بغموض:
ـ هتعرفي كل حاجة في وقتها..
شعرت بالألم يزحف إلى معدتها لتحاول سحب أنفاسها قبل أن تقول بنبرة يائسة متعبة:
ـ كمال انت عايز ايه؟ أنا مبقتش فاهماك عايز حقك خده من اختك قبل اي حد..
قاطعها بنبرة متوعدة:
ـ هيحصل متقلقيش. خليكي في اللي يخصك..
ـ اللي هو ؟
كمال بنبرة قاسية و عينين تشبهانها:
ـ أنتِ بلسانك قولتي انك اتجوزتيني عشان تنتقمي منهم، يعني أنا كنت لعبة في إيدك. صح ولا غلط؟
آسيا بلوعة:
ـ كمال...
قاطعها صارخًا بصوت أفزعها:
ـ ردي عليا..
انتفض جسدها من فرط الفزع مما جعلها تقول من بين عبراتها:
ـ لا مش صح. مش بالظبط. انا مقصدتش كدا.. بص انا تعبت عايز حقك مني خده وريحني.
قالت جملتها الأخيرة بتعب لم يخفى عليه، ولكنه كان ينوي الوصول لهدفه مهما كلفه الأمر لذا قال بقسوة:
ـ هاخده متقلقيش. و هاخد روحه معاه..
انتفضت بذعر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بتقول ايه؟ روح مين اللي هتاخدها؟!
كمال بنبرة مغلولة تتخللها غيرة قاتلة:
ـ أنا عمري ما كرهت حد قد ما كرهت البني آدم دا، و مفيش حاجة في الدنيا هتريحني غير اني اطلع روحه في أيدي.
أخذت تهز برأسها وهي تهتف برعب:
ـ انت اكيد مش هتعمل كدا!
كمال بتصميم:
ـ لا هعمل.
مدت يدها تمسك بكفه القابض على مقود السيارة وهي تهتف بتوسل:
ـ لا يا كمال. حرام عليك. أرجوك بلاش كدا.
قست نظراته و نبرته حين قال:
ـ خايفة عليه ؟
تخشى اي إجابة قد تثير جنونه أكثر لذا هتفت بتلعثُم:
ـ اه. لا . لا انا، أنا خايفة عليك انت...
كمال بنبرة فظة:
ـ كدا متفقين. لو مش عايزة تروحي البيت تسمعي خبر وفاته و يحسبوه عليه بني آدم يبقى نطلع من هنا عالمأذون قولتي ايه؟
شهقت بعُنف وهي تصيح باستنكار:
ـ أنت سامع نفسك بتقول ايه ؟
صاح بنبرة حادة افزعتها:
ـ عايز اسمع إجابة حالًا..
لم يكُن أمامها بُد من الموافقة لذا اخفضت رأسها وهي تقول بخفوت:
ـ تمام. موافقة..
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك... أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي ♥️
★★★★★★★★★
ـ شروق..
كانت تلهو بالعجين وهي تفكر فيما حدث و كيف كانت والدتها تحيا بين هؤلاء الطغاة المتحجرين القلب؟! شعرت بأنها تريد للزمن بأن يعود مرة آخرى حتى تعانق والدتها و تربت بحنو فوق ظهرها وتخبرها بأنها تحبها، ولكن من يملك رفاهية إعادة الزمن إلى الوراء ؟!
ـ هكون مبسوط لو كنتِ سرحانه فيا ؟!
اخترق تفكيرها صوت عمر القادم من الخلف لتنتفض بفزع وتحاول محو عبراتها ولكن أناملها كانت ملطخة بالدقيق لترتبك لثوان أمام ناظريه، ليتقدم منها وهو يمد أنامله ليمحو عبراتها برفق خضعت لسحره لثوان قبل أن تتراجع إلى الخلف وهي تحذره قائلة:
ـ ايدك طويلة على فكرة، و دا مش حلو..
عمر بابتسامة باهتة:
ـ بالعكس دا حلو اوي...
أدارت وجهها إلى الجهة الآخرى وهي تقول بجفاء:
ـ جاي ليه؟
صارحها القول حين هتف بنبرة مُشجبة:
ـ حسيت اني مش كويس. قولت اجي أشوفك.
شروق بسخرية:
ـ معلش ومين قالك إن الأوبشن دا من حقك؟!
ـ أنا..
هكذا أجابها ببساطة لتعنفه قائلة:
ـ بجاحتك عمرها ما فشلت أنها تفاجئني.
زفر بقوة قبل أن يقول بندم:
ـ أنا عارف انك بتلومي عليا في اللي حصل لعمتي زمان بس انا كنت طفل، و صدقيني أنا لومت نفسي كتير اوي اني سكت لكن أنا من جوايا كان في صراع كبير اوي. انا كنت كتير بكذب نفسي. دي أمي يا شروق..
كانت معاناته تتجلى بوضوح فوق ملامحه مما جعلها تقول بأسى:
ـ و دا اكبر سبب يخليني عمري ما افكر أقرب منك يا عمر ..
هب عمر من مكانه يتوجه إليها يهزها بعُنف وهو يقول بنبرة تحترق من فرط الألم:
ـ بس أنا بحبك و مبقتش عايز من الدنيا غيرك. افهمي بقى..
ـ بعد يدك عنها و إلا هكسرهالك!
كان هذا صوت راجي الذي يقف أمام باب المخبز و خلفه رجال كثيرون يرتدون الجلباب الصعيدي مما أدهش كلا من شروق و عمر الذي هتف بحدة:
ـ و أنت مال اهلك و مالها! و أيه اللي جايبك هنا؟
راجي بنبرة صارخة اهتزت لها جدران المكان:
ـ عشان هي من أهلي يا ابن الوتايدة!
هذه المرة تدخلت شروق قائلة باستفهام:
ـ يعني أيه الكلام دا؟!
راجي بنبرة حادة:
ـ يعني أنتِ بت عمي عبد الله صابر الجيار....
يتبع......
البارت اتأخر عارفة بس والله كان ورايا مشاوير مكنش ينفع أأجلها لبكرة انا حرفيًا شقتي تضرب تقلب و فارس عنده تقييم النهاردة و بكرة بكتب في البارت من امبارح و لسه والله خلصان دلوقتي.
طلب صغير ♥️
توقعوا براحتكوا بس ياريت بلاش تصدقوا التوقعات و تحاسبوني عليها. الناس اللي متبعاني من زمان فاهمة قصدي مش عايزة اقوم الصبح الاقي نفسي بتشتم😂
الأحداث هتاخد منحنى تاني خالص بعد الفصل دا و لسه في فلاش باك وحاجات جاية كتير أن شاء الله نعرفها بعد رمضان
كل سنة و انتوا طيبين و رمضان كريم عليكوا ا حبايب قلبي ♥️ وان كان في العمر باقية نلتقي بعد العيد أن شاء الله ♥️
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ♥️ بحبكوا و هتوحشوني جدًا♥️
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثالث وسبعون 73 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل السادس عشر ❤️🔥
أَتذكُر حين جِئتُك ذات يومٍ، وكُلي أَمل أَن يحيَا الفُؤاد بقُربِك آمِنًا؟
فها أنا اليوم أَعود من حيثُ جِئت، وبقلبي جُرحٌ للغدرِ بات شاهدًا!
أَيَا حبيباً استباح الفُؤاد، وفي عمقِ روحي أضحى ساكِنَا؟
ما لك تستبُد بقلبٍ هواك، ولم يتخذ سوى عينيك موطنًا؟
ترى أهان عليك جُرحنا؟ أم أن فيض عشقي أطغاك، فظننت أن بأسي هائنًا؟
أَما ساءك نشيج لوعتي؟ لتأثم بحق قلبي هكذا إثمًا بائنًا؟
عزيزٌ أنا، وقلبي ذو كبرياءٍ، فكيف استطعت أن تردهُ كسيرًا خائبًا؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ضاق صدره و اختنقت أنفاسه حتى ظن أن الهواء ضل الطريق إلى رئتيه، فأخذت عينيه تتفرقان بين وجهها المُرتعب وهذا الشريط الذي يعرف ما هي وظيفته جيدًا، ولكن لماذا؟
ـ أنتِ بتاخدي حبوب منع الحمل؟!
لأول مرةٍ في حياته يشعرُ أنه يريد التوسل إلى أحدهم، فقد كانت عيناه تتوسلان بصمتٍ إلى عينيها؛ لعلها تنفي هذا الاستفهام الذي كانت حروفه تمزق أوتار قلبه، وكأنها شجرةُ شوكٍ تخرجُ عنوةً من بين لفائفِ الصوف
ـ خا. خالد. خلينا نقعد و نتكلم بهدوء.
ابتسامة ساخرة لاحت في زوايا فمه لترتجف شفاهه حين قال بنبرة مُتحشرجة تئن ألمًا:
ـ مانا هادي أهو!
في الحقيقة لم يكُن هذا الهدوء خيارًا بل كان نتاج تلك الصاعقة التي هبطت فوق قلبه، لتخور جميع قواه أمام هذا الألم الضاري الذي يكاد يفتك به.
ـ بابي أنت كويس ؟
هكذا تحدثت رنا بشفاة مُرتجفة من فرط الخوف على والدها الذي هالها مظهره، فقد بدا وكأنه أُصيب بطلق ناري استقر في منتصف قلبه، لينتفض قلب أشجان و تشعر بأن أقدامها لا تستطيعان حملها، ولكنه تدارك حالته ليلتفت إلى صغيرته قائلًا بنبرة قاتمة:
ـ أنا كويس. استنيني تحت.
تفرقت أنظار الفتاة بين والدها وبين أشجان، ولكنها خصت الأخيرة بنظرة لائمة قبل أن تتراجع إلى الخلف لينتفض جسد أشجان حين سمعت صوت إغلاق الباب، و تهطل عبراتها كالمطر دون أن تستطيع أن توقفها، بينما كانت عينيه تطالعانها بنظرات معاتبة آلمتها و خاصةً حين جاءت نبرته جافة يشوبها القسوة حين قال وهو يرفع الشريط أمامها:
ـ عايز اسمع تفسير منطقي للي في إيدي دا!
كانت على شفير الانهيار تود الصراخ بما يُثقل كاهلها ولكنها لا تعلم كيف ستخبره؟ و كيف تقال مثل هذه الكلمات؟ فقد لامست منذ قليل حزنه على ما حدث لشقيقته حتى أنه لم يكن يبغي مجرد سماع أي شيء قد يُدينها، فكيف تستطيع المُجاذفة، و خاصةً وهي طريحة الفراش الآن وحتمًا ستستغل هذا الأمر لصالحها؟
ـ ممكن أقعد؟
هكذا تحدثت بخفوت فتنحى خالد ليقف أمام النافذة ليُعطيها القدر الكافي للهدوء الذي كان هو في أمس الحاجة إليه، فقد شعر بحاجته لحجب هذا الألم الهائل عن عيني الجميع وهي أولهم
أفصحت شفتيها عن بعض الحجج التي تعلم جيدًا أنها لن تنطلي عليه، ولكنها كانت أجبن من أن تقول الحقيقة:
ـ خالد. أنا. أنا. كنت الفترة اللي فاتت دي متلخبطة، و أنت. كمان. كانت كل حاجة فوق دماغك و أنا...
ـ أنتِ بتاخدي الحبوب دي من امتى؟
قاطعها صوته الصارخ، فلم يعد باستطاعته الهدوء وهي تمزق أوتار قلبه بأعذارها الواهية، لتنتفض أشجان إثر صراخه عليها بهذا الشكل الذي أفزعها لتهتف بلهفة:
ـ لسه. لسه بادئة أخدها من شهرين..
مزقت كلماتها قلبه، فبينما هو يتمنى أن يحظى بطفلٍ منها و يسعى جاهدًا لذلك كانت في الجهة الأخرى تهدم أحلامه دون شفقة أو رحمة!
خرجت كلماته بنبرة مُتحشرجة حين قال:
ـ عشان كدا كنتِ بتتهربي انك تروحي تكشفي!
أشجان بلهفة:
ـ لا مكنتش بهرب. بس . يعني . الولاد لسه صغيرين ومحتاجين اهتمامي...
شعر بالإهانة لحديثها، وخاصةً ذلك الكذب الذي يتراقص في مقلتيها وهو ما لم يحتمله كبريائه لذا هتف بقسوة:
ـ أنتِ شيفاني غبي للدرجادي؟ بتكذبي عليا و أنتِ عينك في عيني؟!
كان الخناق يضيق عليها شيئًا، فشيئًا مما جعلها تهتف بارتباك:
ـ يا خالد افهمني. انا مكنتش جاهزة لتجربة زي دي الحياة في البيت هنا مش مستقرة، وكل واحد في وادي.
بدأت نيران غضبه الأسود تستعر، ولكن هناك قلبٍ عاشقٍ يحاول جاهدًا تهدئتها لذا قال بنبرة خشنة:
ـ مجتيش قولتيلي الكلام دا ليه ؟ سبتيني زي الغبي احلم ليه؟
صمت ثواني قبل أن يُضيف بسخرية مريرة:
ـ تخيلي انا كنت طول الوقت بحلم بطفل منك وانتي بتهدي الحلم دا و أنتِ عينك في عيني عادي كدا!
هتفت بلوعة:
ـ انا خوفت والله...
استنكر حديثها قائلاً:
ـ خوفتي! تصدقي مكنتش اتخيل أن الجُبن صفة سيئة اوي كدا. بس عمومًا ماشي. اللي أنتِ عايزاه هيحصل. بس من غير حبوب منع الحمل ولا غيره.
هوى قلبها بين قدميها من حديثه لتهتف بشفاه مرتجفة:
ـ يعني ايه ؟
خالد بقسوة للمرة الأولى تكن هي ضحيتها:
ـ يعني مالوش لزوم تاخدي الحبوب دي بعد النهاردة. أنا هريحك مني فترة و أهو عشان بالمرة تقدري تفكري و تقرري إذا كانت حياتك معايا مستقرة لدرجة أنك تخلفي مني ، ولا لا؟
كلماته أجهزت على قلبها و ما تبقى من ثباتها لتهمس بلوعة:
ـ خالد.
لم يُعيرها اي اهتمام أو هكذا تظاهر، فقد كان لأول مرة بحياته يلجأ إلى الهرب، يريد الابتعاد قدر الإمكان حتى تستطيع تلك الروح المذبوحة الانهيار بعيدًا عن الجميع وخاصةً هي، ففعلتها كانت بمثابة طعنة غادرة جاءت من أكثر الجهات آمنًا بالنسبة إليه.
لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ والأرضِ وربُّ العرشِ الكريمِ ♥️
★★★★★★★★★
ـ بارك الله لكما و بارك عليكم و جمع بينكم في خير.
هكذا نطق الشيخ ليرتج قلب آسيا وهي تنظر إلى كمال الذي ترك يد عزام وهو يوميء برأسه وكأنه وصل إلى هدف ما، على عكس المرة السابقة حين عقد قرانهم، فقد رأت في عينيه فرحة لا تستطيع نسيانها أبدًا.
ـ ألف مبروك يا آسيا. ألف مبروك يا حبيبة أمك. أيوا كدا. فرحي قلبي و ارجعي لعقلك.
هكذا تحدثت رضا وهي تحتضن آسيا بين ذراعيها وهي لازالت غير مصدقة لما حدث منذ ساعة من الآن حين فتحت باب المنزل لتتفاجيء بآسيا ومن خلفها كمال الذي أعاد طلب يدها مرة آخرى من والدها، وقد كان هذا شرطها لتوافق على ما يريده
عودة لما قبل ساعة من الآن.
ـ موافقة يا كمال نتجوز تاني. بس عندي شرطين!
كام يعلم أنها لن تقبل بالأمر بهذه السهولة لذا قال بجفاء:
ـ اللي هما؟
آسيا بجمود:
ـ تطلبني تاني من بابا، انا مش هعمل حاجه من ورا أهلي، ولو على موتي.
هذه المرأة لا تكُف عن إدهاشه، أي كبرياء تمتلك ليجعلها تُملي شروطها وهي في أضعف حالاتها، و أي عزة نفس تمتلك لتجعلها لا تقبل أي شيء يقلل من قدرها؟! وعلى الرغم من أنها تجبره على احترامها في كثير من الأحيان، ولكنها تخيفه كثيرًا.
ـ و الشرط التاني؟
هكذا استفهم كمال لتجيبه آسيا بنبرة قاطعة:
ـ مش هرجع القصر دا تاني ولا هعيش فيه لحظة واحدة.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ خليكي ناصحة و حافظي على بيتك. الجدع بيحبك، و إلا مكنش رجعك تاني.
هكذا همست رضا بجانب أذن آسيا التي اكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها لتصل إلى أذنها كلمات والدها الذي شدد على كل حرف تفوه به:
ـ أنا لحد دلوقتي معرفش ايه اللي خلاكوا تطلقوا قبل كدا. بس اللي اعرفه أن آسيا أتأذت كتير أوي بسبب اللي حصل، و بتمنى اني مشوفش بنتي في الحالة اللي كانت فيها مرة تانية.
لم يكن كلامًا عابرًا هكذا شعر، فقد كانت نبرته تحتوي على رجاء لم يخطئ في فهمه، ولكنه اكتفى بإيماءه بسيطة من رأسه وهو يطمئن عزام قائلًا
ـ متقلقش. أن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير.
لم تكن إجابته مطمئنة، ولكنها تعلم بأن القادم ليس كما تتمنى و على الرغم من ذلك فقد رضخت ليس لطلبه، بل لقلبها أولاً، فقد كانت تظن بأن ما مضى من حياتها كان قاسيًا، ولكن فراقه بالنسبة إليها كان الموت بعينه.
اقتربت تحتضن والدها بقوة، وكأنها تستمد منه الأمان الذي تحتاجه لمواجهة ماهو قادم، فلم يخفى على كمال ذلك العناق الذي طال و تلك الملامح التي يخيم عليها الخوف و هذه العيون التي تجاهد نوبات البكاء، وعلى الرغم من مظهرها المحطم، فقد كان هناك هاجس داخلي يخبره أنه ربما كان تمثيل مُتقن من جانبها! و الحقيقة أن كل شيء بعينيه أصبح له وجهًا آخر.
هكذا هو الخذلان ألم لا يقتلك بل يُحييك ليجعلك تتذوق موتاً من نوعٍ آخر، حتى ولو نجوت! فسترث منه لعنة الحذر لتحيا الباقي من حياتك مُحاصرًا بظلال الشك، ترتاب في كل بادرة نور خشية أن تكون تمهيدًا لظلامٍ جديد.
ـ يالا عشان نروح.
هكذا تحدث كمال لتتفشى الرجفة في سائر جسدها ولكنها حاولت التظاهر بالهدوء أمام عيني والديها لترسم ابتسامة زائفة فوق شفاهها وهي تودعهما لتستقل السيارة بجانبه أخيرًا و ينتهي كل هذا المشهد الذي استنفذ جزء كبير من طاقتها مما جعل نبرتها تبدو متعبة حين قالت:
ـ عايزة أروح اجيب حاجتي من عند سوزي.
أدار السيارة وهو يجيبها دون أن ينظر إليها:
ـ غريبة! مسألتيش هنروح فين؟
أدارت وجهها إلى النافذة وهي تهتف بلا مُبالاة:
ـ مش هتفرق..
استفزته إجابتها كثيرًا ليجيبها بجفاء:
ـ نبقى نجيبها في أي وقت تاني. المكان اللي هنروحه في كل حاجة.
قاطعته بانفعال:
ـ أنا مش هروح في مكان غير لما أجيب حاجتي.. على الأقل حاجتي الشخصية.
ناظرها بغموض أربكها فقد كان كل ما تحتاجه هي أدويتها التي يجب أن تأخذها بانتظام، فقد سئمت من الألم، و رائحة المشفى، وتعليمات الأطباء لذا تابعت بتعب لم يخفى عليه:
ـ أرجوك يا كمال ريحني. خلينا نروح نجيب حاجتي. و كمان اعرف سوزي اللي حصل. مش هنطول صدقني.
اومأ برأسه بالموافقة ولكن عينيه كانت وكأنها لا تكتفي بما تراه أمامها بل كانت تطالعها بشمولية و تدقيق و كأنه يريد أن يرى ماهو أبعد من حديثها و ملامحها المتعبة، وهنا أدركت بأن رحلتها معه لن تكون سهلة أبدًا، ففقدان الثقة بينهم سيشكل حاجز كبير في المستقبل.
اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت" ♥️
★★★★★★★★★★
صمتٍ مُطبق غلف الأجواء حولهم حين ألقى راجي قنبلته التي بعثرت الوسط لتتحول الوجوه إلى تماثيل صامتة مدهوشة بعد أن امتصت منها الصدمة قدرتها على الحياة.
ـ أنت بتقول أيه؟
كان هذا صوت عمر الذي استفاق من صدمته ليقترب و يأخذ تلك الأوراق التي يمسكها راجي و ينظر إليها و تلك الصور المرفقة بها لتبدأ شروق باستعادة وعيها ببطء حين شاهدت أحد الصور التي سقطت من الظرف الكبير لترتجف يدها وهي تمتد لالتقاطها، كيف لا وهي ترى والدها يقف جنبًا إلى جنب مع أحد الرجال، والذي كان يقف بجانب راجي الآن، فأخذت عينيها تتفرقان ما بين الصورة وبين الرجل الذي تحمحم بخشونة قبل أن يقول بنبرة غليظة:
ـ إيوا يا بتي. أني اللي واچف چار أبوكي الله يرحمه. و ده چدك الحاچ عبد الله الچيار اللي على اليمين.
شعرت بأن الأرض تميد بها فكادت أن تقع لولا عمر الذي اقترب منها بلهفة ليقوم باسنادها وهو يهتف بلهفة:
ـ شروق..
قام بتقريب أحد المقاعد لتجلس عليه و اندفعت تجاهها سوزان التي كانت مذهولة مما سمعته ليقترب راجي من عمر وهو يهتف بحدة:
ـ بعد يدك عنها، و اوعاك تجرب منها.
استشاط عمر غضبًا و اسودت معالمه تزامنًا مع انتفاخ أوردته وهو يناظر راجي و كأنه يود لو يحطم رأسه في هذه اللحظة ليزمجر بوحشية:
ـ أنا أعمل اللي انا عايزه، و انت متفتحش بقك، واوعى تفكر أن اللي قولته دا هيهز شعره فيا. دا لو أبوها نفسه خرج من تربته مش هيبعدني عنها. شروق مراتي.
هنا خرج صوت عامر الجيار عم شروق الذي صاحب بصوت جهوري جمد اندفاع الرجلان
ـ كانت مرتك يا أخ... ودلوق بقيبت غريب عنيها. يوبجى تلزم حدودك.
عمر بانفعال:
ـ أنا عمري ما كنت غريب عنها. لو متعرفش فأنا ابن خالها.
عامر بجهامة:
ـ لا عارف، و ده بردك ميديكش تجرب منها. ابن خالها على عيني وراسي تقف بأدبك.
راجي باستفزاز:
ـ أو نعلمك احنا الأدب لو متعرفوش!
كان كالبركان الذي على وشك الانفجار في أي لحظة، فلم يكن ينقصه سوى استفزاز ذلك الوغد مما جعله يصيح بعُنف:
ـ حلو أوي دا. وأنا بردو هعلمك ازاي تبقى راجل..
ـ كفاية بقى..
هكذا صرخت شروق بانفعال ليأتيهم صوت عامر الغليظ:
ـ بزيداك انت وهو. وأنت ياراچي. مسمعش حسك واصل..
التفتت شروق إلى عامر وهي تقول بانفعال:
ـ أرجوك مشيه من هنا.
التمعت عيني بالشماته حين سمع كلمات شروق لتُتابع الأخيرة موجهة حديثها إليه:
ـ وأنت كمان امشي. مش عايزة أشوف حد فيكوا هنا.
تدخلت سوزان التي كانت تحتضن شروق بين ذراعيها:
ـ لو سمحت يادكتور عمر، وانت يا باشمهندس راجي اتفضلوا اطلعوا بره.
تبادل الرجلان النظرات المشتعلة ليخرج راجي وهو يرغي و يزبد بينما عمر ظل في مكانه ليتحدث بجفاء:
ـ أنا مش هخرج وعايز أعرف القصة دي من أولها لآخرها.
انتزعت شروق نفسها من بين ذراعي سوزان وهي تصرخ به، فقد كانت على شفير الإنهيار في هذه اللحظة:
ـ ميخصكش يا عمر. مفيش حاجة تخصني بقت تخصك. اخرج من هنا انا مش عايزة أشوفك.
صاح عمر مستنكرًا حديثها:
ـ شروق..
صاح عامر بتحذير:
ـ اسمعني يا چدع أنت. كلامك معايا أنا. اتفضل أخرچ بره، و إلا هيكونلي تصرف تاني معاك.
اوشك عمر على الرد ولكن سوزان تدخلت لتهدئة الموقف الذي تخشى أن يحتدم أكثر:
ـ أخرج يا عمر عشان خاطري. كفاية بقى شروق مش متحملة.
ألقى نظرة على شروق التي كانت تبكي وهي تضع وجهها بين يديها، وقد صرحت علانية أنها لا تريده حولها بينما هو لا يتمنى في هذه اللحظة سوى احتضانها! بالأمس، ذبح قلبه قربانًا لغروره الأهوج الذي كان يرفضها و يتنكر من عشقه لها، واليوم، يقفُ ذليلًا على أعتاب عينيها يستجدي نظرةً واحدة منها. أي جرمٍ هذا الذي ارتكبه بحق روحه، حين طعن قلبه بسكين العناد، ليتركه الآن يصرخُ تحت أنقاض كرامة لم تعد تُسمن ولا تُغني من جوع؟
ـ مش همشي يا شروق مش همشي..
هكذا كان يهتف عمر وهو يقف في ذلك الممر الحجري بالخارج أمام المخبز وهو يدور حول نفسه و يديه تحتضنان رأسه الذي يكاد ينفجر من فرط الألم لتلسعه لدغات الكلمات التي تفوه بها راجي في أكثر الأوقات الخطأ:
ـ اقعد لف حوالين نفسك زي المجنون، بس خليك عارف انك خلاص خسرت. شروق مش ليك. معلش بقى أصل البنت عندها لابن عمها.
برقت أنظار عمر واهتاجت دواخله، بينما ملامحه أسودت بشكل مريع، و كذلك أنفاسها اهتاجت، فبدا كثورٍ غاضب أمام لفافة حمراء ينوي الفتك بها. ليلتفت لاكمًا راجي بكل ما يمتلك من قوة..
في الداخل كانت عامر يتحدث بأسف وهو ينظر إلى شروق التي كان جسدها يهتز بفعل بكائها:
ـ أبوكي الله يرحمه كان الكبير بيننا و لما قامت العركة بيننا و بين الوحيشة چدك الله يرحمه جتل كبيرهم وهو بيفض الليلة، و طبعًا كان لازمن ياخدوا تارهم، وعشان يوچعوه صوح قرروا يجتلوا صابر، و چدك متحملش أنه يخسر ابنه الكبير، و دخل ناس تچيلة جوي في البلد، و لما جعدوا اتفجوا أن صابر يروح للوحيشة شايل كفنه..
كان للأمر وقعًا مريعًا على قلبها، فقد كان تستمع بجسد تنتفض كل ذرة منه. ليُكمل عامر حديثه قائلًا:
ـ البلد كلاتها كانت والعه و الناس مرعوبة في بيوتها،و الداخلية كانت مأمنه البلد من شرجها لغربها، و جبل ما صابر يركب العربية عرفنا أنهم ناويين على الغدر، يومها چدك متحملش أنه يچرى حاچة لأبوكي، و هربه على بره، أبوكي مكنش عايز يهروب، لأنه كان عارف أنها عيبة في حجة العمر كله، بس چدك مسابلوش أي فرصة و أچبر الرچالة تهربه. أبوكي يومها قاله لو عملت أكده مش هتشوفني العمر كله، و فعلًا نفذ وعده.
أخذت تبكي بقوة، فللمرة الثانية تنقلب حياتها رأسًا على عقب، وهي تقف كالمتفرجة أمام طوفان الماضي الذي يغرقها بكل مرة، فلم يكُن يكفيها ما عانته والدتها من عائلتها ليتضح بأن والدها هو الآخر عانى بسبب عائلته وأن كان غير منصف فيما فعله ولكن في الحالتين كانت عائلة كلًا منهما سبب في إيذائها بطريقة أو بأخرى.
ـ طب ليه مدورتوش عليه العمر دا كله؟
عامر بتوضيح:
ـ التار ناره مابتموتش يا بتي، و لو كان صابر ظهر في أي وجت كانوا هيجتلوه، و اي محاولة منا أننا ندوروا عليه نوبقى بنكتب نهاية بإيدينا.
شروق بقهر:
ـ يعني مكنش في أي حل غير أن بابا يموت ؟ أو يعيش منفي باقية عمره؟!
عامر بأسف:
ـ كان في حلول. بس الناس دي الخيانة في طبعها، و إلا كان زمانهم قبلوا زمان الكفن و خلوصنا.
تدخلت سوزان قائلة:
ـ بس أنا سمعت قبل كدا أن المواضيع دي بتتحل بالجواز يعني تاخدوا من بعض...
عامر بسخرية:
ـ عِملنا أكده يا حاجة، و ياريته ما حوصول..
كانت هناك سخرية مريرة في نبرته جعلت كُلًا من شروق و سوزان يتبادلن النظرات الصامتة و التي اخترقها صراخ قوي قادم من الخارج لينتفض الجميع مهرولين لمعرفة ماذا يحدُث؟
ـ أنا هستناكي بره لما تخلصي كلميني اجي اخد منك الشنط.
هكذا تحدث كمال باقتضاب لتجيبه آسيا باختصار:
ـ حاضر..
توقفت السيارة أمام الطريق العام من الناحية المقابلة للمخبز لتترجل آسيا منها وتتوجه إلى الممر الحجري الطويل ولكنها فزعت حين شاهدت ذلك النزال الضاري بين هذين الوحشين لتصرخ بفزع زعزع قلب كمال في مكانه الذي انتفض كالملدوغ ليتوجه إليها، فإذا به يجدها تندفع تجاهه وهي تصرخ مستنجده له
ـ ألحق يا كمال. عمر بيتخانق مع راجي؟!
تلقاها كمال بين ذراعيه قبل أن تتبدل أنظاره إلى الذهول حين شاهد تلك المعركة الدامية بين عمر و راجي ليهتف مُحذرًا:
ـ خليكي بعيد عن المجانين دول.
اطاعته لتتراجع بعيدًا بينما هو اندفع نحوهم يحاول فض تلك المشاجرة العنيفة وهو يهتف بصوتٍ جهوري:
ـ بس يا غبي منك له. في ايه؟ هتموتوا بعض.
لم يكد ينهي جملته حتى جاءته لكمة قوية من يد عمر في جانب وجهه كان المقصود منها راجي الذي استغل فرصة ارتباك عمر وهو يرى لكمته تصيب كمال ليقوم بتوجية ضربة مُباشرة إلى وجه عمر جعلت الدماء تنبثق من أنفه و شفتيه لتجحظ عيني شروق حين رأت الدماء تندفع من وجهه لتصرخ بذُعر:
ـ عمررر..
التفت راجي ناظرًا إليها، فلم يلحظ يزيد الذي كان يرافق جميلة إلى المنزل. فشاهد تلك اللكمة التي نالت من وجه ابن عمه ليندفع تجاه راجي من الخلف و يقوم بالتقاط فأسًا كبيرًا من على الأرض و توجيه ضربة قوية بظهر الفأس لرأس راجي وهو يصيح بعُنف:
ـ بتضرب ابن عمي يا حيوان..
سقط راجي أرضًا و انفجرت الدماء من خلف رأسه لتتعالى صرخات الفتيات الذي جذب سمع سمع الغفر المتواجدين في سيارة راجي التي تقف على الطريق العمومي ليندفع الرجال من داخلها مُشهرين أسلحتهم في وجه الأوتاد الثلاثة ليكون المشهد كمال و عمر و يزيد يقفون في ظهر بعضهم البعض و حولهم رجال الجيارة و راجي يقف وهو يناظرهم بغل و يده أسفل عنقه فوق تلك الضربة التي لازالت تنزف ليرتاح قلب سوزان ما أن رأت خالد فقد هاتفته حين جاء راجي و رجاله ليأتي و يكُن معهم. ليهتف عامر بصوتٍ غليظ:
ـ چرى ايه يا وتايدة. هتتكاتلوا على ولد الچيارة عينك عينك أكده!
لم يكد يُنهي جملته حتى سمعوا جميعًا صوت طلقات نار قادمة من الخلف، لينتفض الجميع ينظرون إلى الخلف ليتفاجئوا من وجود كُلًا من خالد و رحيم و حولهم مجموعة من الحرس و الجميع مُشهرًا سلاحه ليبتسم عمر بانتصار وهو ينظر إلى راجي فقد رجحت كفتهم الآن.
ـ نزل سلاحك منك له بدل ما تدفن مكانك أنت وهو.
كان هذا صوت خالد الذي كانت ملامحه مكفهرة و عينيه وكأنها مرآة للجحيم المستعر بداخله و الذي يتغذى على كل خلية بداخله.
ـ هدي اللعب يا وتيدي. دي عاركة ولاد صغيرين. أكده ولا ايه يا عمدة؟!
هكذا تحدث عامر لينظر رحيم إلى خالد الذي يظهر على ملامحه قسوة مرعبة مما جعله يقول بنبرة وقورة:
ـ عنديك حج يا حاچ عامر.. ولو أن اللي يشوفهم وهما كل واحد كد الحيطة أكده ميجولش أنهم صغار. بس معلش مش بيجولك أجسام البغال و عقول العصافير!
تهكم يزيد وهو ينظر إلى عمر قائلًا:
ـ ادينا بقينا بغال بعقول عصافير بسببك..معرفتش تغُم طول عمرك.
انضمت آسيا إلى شروق و جميلة و كذلك سوزان التي داهمها التعب بينما اقترب خالد ينظر إلى الثلاثة وهو يقول بجفاء:
ـ حصل ايه ؟
عمر بحدة:
ـ كنت بعلمه الأدب و أنه ميرفعش عينيه في حاجة مش ملكه.
راجي بصوتٍ جهوري:
ـ دي لما تبقى بتاعتك من أساسه. لكن خلاص كان في و خلص....
قاطعهم صراخ شروق التي كانت على شفير الانهيار:
ـ كفاية بقى انت وهو انا مش بتاعت حد. ولا عايزة أشوف وشك حد فيكوا.
استدارت ناظره إلى عمر وهي تصرخ بعُنف:
ـ أنا عمري ما هفكر ارجعلك أبدًا.
انشق صدره إلى نصفين جراء حديثها الذي أثلج صدر راجي ولكن كان له نصيبًا أيضًا من الألم حين استدارت لتصرخ بوجهه:
ـ ولا عمري هفكر اتجوزك انت كمان..
بهتت ملامحه ليقترب عامر من شروق وهو يربت على كتفها قائلًا:
ـ اهدي يا بتي، و طول ماني موچود محدش هيجدر يجرب منيكي.
التفتت تناظره بتعب:
ـ لو في قلبك اي ذرة حب تجاهي أو تجاه بابا تبعد اللتنين دول عني!
اندهش الجميع ممن لا يعرفون ماحدث لتأتي كلمات عامر الموضحة:
ـ أبوكي يوبجى أخوي، و أنتِ بت أخوي يعني بتي، و حمايتك واچب عليا.
تدخل خالد بنفاذ صبر:
ـ جميلة خدي أختك و سوزي و ادخلوا جوا ، و أنت يا حاج عامر ياريت توضحلنا في ايه بالظبط؟
عامر بتوضيح:
ـ أني اجولك يا خالد بيه. صابر والد شروق يوبقى اخوي.
خالد باستفهام:
ـ ايه الكلام اللي أنت بتقوله دا؟ صابر دا ازاي يبقى اخوك ؟ انا اللي مجوزه والدة شروق و حاطط إيدي في إيده. و شايف بياناته مكنش فيها اسم عيلتكوا من أساسه.
عامر بتوضيح:
ـ كان فيها اسم صابر عبد الفتاح شعبان صوح؟
خالد باختصار:
ـ صح..
ـ ده اسم مزور صابر يوبجى اخوي، و أنا معاي كل الورق اللي يثبت ده، و اللي حوصول دية قصة طويلة شروق بقت على علم بيها، ولو عايز تسمعها يوبجى تاچي نجعدوا و نتحددتوا و تفهم كل حاچة.
هكذا تحدث عامر، لينظر رحيم إلى خالد بنظرة ذات مغزى جعلت الاخير يقول بنبرة جافة:
ـ اكيد لازم اعرف. شروق بنتنا و لازم اتأكد من كل كلمة انت بتقولها.
عامر بجمود:
ـ واني موافج...
قطع حديثهم صوت يزيد الذي صرخ في الهاتف مفزوعًا:
ـ بتقول ايه يا ياسر ؟ مقبوض عليك ازاي ؟
ياسر بحدة:
ـ اسمعني انا مش مهم دلوقتي. انا عايزك تكلم آسيا و تخليها تروح لغنى انا سايبها في البيت لوحدها. خليها تفضل معاها و متسبهاش لحد مانا أخرج..
يزيد بلهفة:
ـ طب عرفني في أيه و مقبوض عليك ليه؟
في هذه الأثناء اقترب منه الجميع و كان أولهم كمال الذي جذب الهاتف من يزيد وهو يقول بلهفة:
ـ أيوا يا ياسر انا كمال في ايه؟
ياسر بلهفة:
ـ كمال بالله عليك اسمعني. عايزك تاخد آسيا توديها عند غنى. دلوقتي حالًا و اوعي تخليها تعرفها حاجة..
كمال بحدة:
ـ طيب حاضر بس فهمني أنت أيه دنيتك ؟!
ياسر بغلظة:
ـ ضربت واحد ضايقها. وبلغ عني..
زفر كمال حانقًا قبل أن يقول:
ـ طيب أنا هاخد آسيا و اروحلها و انت خد خالد معاك وعرفه انت فين عشان يبعتلك محامي..
ناول كمال الهاتف لخالد الذي قال باستفهام:
ـ أيوا يا ياسر حصل ايه؟
ياسر بتعب:
ـ أنا في قسم (..) ضربت واحد حقير ضايق غنى و بلغ عني.
خالد باستفهام جاف:
ـ أنت دوست عليه جامد؟
ياسر بغل:
ـ كسرت عضمه.
زفر خالد حانقًا:
ـ كملت! طيب انا هجيب المحامي و أجيلك. اتعرضت على النيابة ولا لسه؟
ـ لسه الظابط مجاش.
خالد بعجالة:
ـ أنا مسافة السكة و هكون عندك..
ياسر بلهفة:
ـ أهم حاجة تتأكد أن كمال خد آسيا وداها لغنى. مش عايزها تفضل لوحدها يا ياسر، ولا تعرف حاجة من اللي حصلت.
خالد باختصار:
ـ حاضر..
اغلق ياسر الهاتف، و التفت إلى كمال قائلًا:
ـ خد آسيا وديها بيت ياسر القديم. عشان تفضل مع غنى، وأنا هروحله على القسم.
تدخل عمر بلهفة:
ـ أنا هاجي معاك..
ناظره خالد ساخطًا:
ـ بمنظرك دا عايز تروح العناية المركزة. البيه أساسًا مقبوض عليه عشان ضرب واحد وكسر عضمه اروحلهم بيك كدا يقولوا علينا بلطجية!
زفر عمر حانقًا ليهتف يزيد بلهفة:
ـ هو ياسر ضرب مين؟
خالد باقتضاب:
ـ لما نروح هناك هنعرف...
ـ في حاجة يا خالد بيه؟ احنا موچودين لو في اي مشكلة!
هكذا تحدث عامر ليقول خالد بخشونة:
ـ شكرا يا حاج عامر.. معلش مش هنعرف نتكلم دلوقتي. هنخلص الموضوع دا و هجيلك عشان افهم منك الدنيا فيها ايه
عامر بوقار:
ـ خد وقتك و حل مشكلتك واني موچود و لو احتاچت حاجة احنا أهل. أكده ولا اي يا راچي؟
كان راچي عينيه على الزجاج الذي تقف خلفه شروق تنظر إلى ما يحدث بأعيُن دامعة ليستشيط عمر غضبًا و يتوجه تجاهه وهو يهتف بوحشية:
ـ الكلب دا مش هيرجع غير لما اخلص عليه..
ولكن يد يزيد منعته من التحرك خطوة أخرى و خاصةً حين قال بنفاذ صبر:
ـ ما تتهد بقى الله يخربيتكوا عيلة. واحد محبوس هناك في عاركة والتاني عايز يلبسنا هنا جناية.
على مضض توقف عمر ليقوم كمال بالتوجه إلى الداخل ليجد سوزان تقول بلهفة:
ـ أنتِ بتقولي ايه ؟ اتجوزتوا تاني؟
اومأت آسيا برأسها و هي تقول بخفوت:
ـ أيوا.
سوزان باستفهام:
ـ طب ازاي؟
ـ بعدين تبقى تفهمك..
كان هذا صوت كمال القادم من الخلف لينتفض جسد آسيا وهي تناظره لتستدير سوزان ناظره إليه بعتب:
ـ جرى أيه يا كمال؟ هي حاجة تتأجل؟!
كمال بجمود:
ـ معلش يا سوزي بس في مشكلة كدا ولازم نمشي..
آسيا بلهفة:
ـ مشكلة ايه؟!
كمال باختصار:
ـ هنروح عند ياسر البيت. عشان غنى لوحدها.
ما أن سمعت شروق اسم غنى حتى انضمت إليهم هي و جميلة لتهتف آسيا بلوعة:
ـ في أيه يا كمال؟ ياسر فين و سايب غنى لوحدها؟
كمال باختصار:
ـ مفيش حاجة. هنكمل كلامنا في الطريق.
اذعنت إليه فقد بدا أنه لن يتناقش لذا قالت شروق بلهفة:
ـ لما تروحي عندها طمنيني.
آسيا باختصار:
ـ حاضر..
جاء خالد بعد رحيلهم ليتحدث إلى شروق قائلًا:
ـ هنقعد نتكلم يا شروق. بس في موضوع كدا هحله و هرجعلك..
شروق بخفوت:
ـ أنا فعلًا محتاجة اتكلم معاك.
خالد مُطمئنًا:
ـ متقلقيش من حاجة. مش هيحصل غير اللي أنتِ عايزاه..
ابتسمت بهدوء لتقترب منه سوزان قائلة باستفهام:
ـ في أيه يا خالد؟
خالد بعتب لم يُخفيه:
ـ أنتِ كنتي عارفة يا سوزان؟
تفاجئت سوزان من كلماته و احتارت ماذا يقصد لتقول بتلعثُم:
ـ عارفة ايه؟ أنت تقصد ايه؟
لم تكد تُجيبها حتى جاءت جميلة من خلفهم وهي تناولها هاتفها قائلة:
ـ سوزي. موبايلك عمال يرن أشجان اتصلت عليكِ كتير اوي.
ارتبكت سوزان أمام نظرات خالد الثاقبة ولكنها تفاجئت حين امسك هاتفها وقام بالضغط على زر الإجابة ليندفع صوت أشجان الباكي:
ـ أنتِ فين يا سوزي؟ الحقيني.. خالد عرف موضوع حبوب منع الحمل، و قالي انه هيسيبني.
شعرت بأن دلوًا من الماء سقط فوق رأسها وهي أمام عينيه التي كانت تعج بالألم والعتب معًا ولكن لهجته كانت قاسية حين قال:
ـ أهي وفرت عليكِ انك تكدبي عليا أنتِ كمان..
ارتعبت أشجان و سقط الهاتف من بين يديها حين سمعت صوته و شعرت سوزان بأن الأرض تميد بها، ليلتفت خالد ذاهبًا غير عابيء بنداءتها المُلحة.
اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حزني، وذَهاب همي ♥️
★★★★★★★★
كانت تتقلب في نومتها بعدم راحة، كانت في عمق حلمًا جميل و فجأة انقلب الى كابوس لتحاول الفرار من بين براثنه لتستفق من نومتها لاهثة، و إذا بها تستمع إلى صوت طرق قوي على باب المنزل مما جعلها تنتفض في مخدعها و الدماء تهرب في أوردتها من الخوف كلما علا الطرق لتلتقط عبائتها المعلقة خلف الباب و ترتديها بعجل ثم توجهت بخطٍ متخبطة إلى الباب لتتفاجأ بهيام التي كانت تصرخ في وجهها بعُنف:
ـ أخيرًا فتحتي يا وش الفقر يا بومة. اخويا مرمي في السجن بسببك...
يتبع....
جماعة حقكوا عليا انا مكملة البارت دا و عندي ضيوف طبوا عليا قرايب جوزي من البلد و بايتين عندي و مكملة الباقي البارت سرقة قسماً بالله😭😭
في تلت مشاهد مكملوش هكملهم بكرة أن شاء الله و انزلهم عندنا عاركة تانية بكرة أن شاء الله بحبكوا
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الرابع وسبعون 74 - بقلم نورهان العشري
صباح الفل ♥️
مبدأيًا شكرًا للناس الجميلة اللي حسستني اني شخص قريب منهم مش مجرد كاتبة بيتابعوها و دخلولي على فيس بوك و دخلوا كمان جروبي وسألوا عليا ♥️
الناس اللي متعرفش انا كان بقالي ٤ شهور و نص مشوفتش اهلي عشان انا متجوزة بعيد عنهم و لما أخدنا اجازة لاخر الاسبوع بتاع العيد قررت انتهزها فرصة و اروح ازورهم و سافرنا يوم الأربع اللي فات اللي هو يوم العاصفة و حرفيًا انا شوفت الموت اليوم دا بسبب المطر الشديد و الهوا وخصوصا اننا كنا ماشيين على طرق سريعة كمان العربية عطلت بينا 🥺 عايزة أقولكوا اننا طالعين من البيت الساعة ٨ و نص واصلين بيت اهلي أذان المغرب بالظبط🥺 كان اصعب يوم عشته في حياتي من كتر الخوف صوت المطر كان مرعب حقيقي و التلج نازل على العربية والله انا لحد امبارح بشوف كوابيس بشعة على اليوم دا اول امبارح لما الدنيا كانت بتمطر طول الليل معرفتش انام و جالي ضيق تنفس
احنا خدنا العاصفة كلها على دماغنا دا غير البرد اللي جالي 🥺الحمد لله عدت على خير و رجعت بيتي بالسلامة و هرجع معاكوا بإذن الله استئناف الرواية من اول النهاردة ♥️
البارت هينزل النهارده ان شاءالله و هحاول يكون طويل على قد ما اقدر عشان اعبرلكوا عن مدى امتناني بسبب الكلام الحلو و المشاعر الجميلة اللي وصلتني منكوا ♥️
و دي المقدمة مستنية رأيكوا فيها ♥️
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة السبيل السادس عشر ج٢❤️🔥
يقودنا الخذلان إلى طُرقات لم نرغب بها يومًا، يجعلنا نشعر بالموت بين أحضان الحياة، لا سيما حين يأتي من الجهة التي أدرنا لها ظهورنا آمنين، مطمئنين. تمامًا كأن يقتلع النسيم أوراق الشجر التي أحبته و تمايلت يومًا على انغامه بدلاً من الإعصار الذي لطالما خشيته واختبأت منه.
فالألم لا يُقاس بمدى قوة الضربة بل بمقدار اقترابها من القلب، واليد التي منحتنا الطمأنينة يومًا حين تقسو يكُن الألم مُبرحًا، فالأنسان ينجو من العواصف لأنه يترقب قدومها، ولكن يقتله النسيم حين تتحول نعومته لنصل خنجرٍ بارد يعرف كيف يذبح ببطء، هكذا هو الخذلان لا يقتلنا بعُنف بل يُخمد جذوة الحياة بداخلنا بهدوء، و يتركنا نحدق في الفراغ بأنين صامت لا يسمع له صراخ ولكنه يمتد بنا حتى الموت.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الخامس وسبعون 75 - بقلم نورهان العشري
مبدأيًا كدا قبل البارت فوت فولو ليا و كومنت على الفقرات و الكلام اللي حبتوه، نصحصح كدا مع بعض في مصايب عايزين نلحقها 🫣🫣
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل السادس عشر ج٢❤️🔥
يقودنا الخذلان إلى طُرقات لم نرغب بها يومًا، يجعلنا نشعر بالموت بين أحضان الحياة، لا سيما حين يأتي من الجهة التي أدرنا لها ظهورنا آمنين، مطمئنين. تمامًا كأن يقتلع النسيم أوراق الشجر التي أحبته و تمايلت يومًا على انغامه بدلاً من الإعصار الذي لطالما خشيته واختبأت منه.
فالألم لا يُقاس بمدى قوة الضربة بل بمقدار اقترابها من القلب، واليد التي منحتنا الطمأنينة يومًا حين تقسو يكُن الألم مُبرحًا، فالأنسان ينجو من العواصف لأنه يترقب قدومها، ولكن يقتله النسيم حين تتحول نعومته لنصل خنجرٍ بارد يعرف كيف يذبح ببطء، هكذا هو الخذلان لا يقتلنا بعُنف بل يُخمد جذوة الحياة بداخلنا بهدوء، و يتركنا نحدق في الفراغ بأنين صامت لا يسمع له صراخ ولكنه يمتد بنا حتى الموت.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
انتفض جسد غنى وارتدت الكلمات في قلبها كالرصاص حين سمعت تلك الجملة " أخويا محبوس في السجن بسببك"
ـ أنتِ بتقولي ايه؟!
هكذا تحدثت بشفاة مّرتعشة، و عينين أفرغت مخزونها دفعاً واحدة وهي تطالع هيام التي كانت ملامحها مُكفهرة و عينيها تغلفانها القسوة كما لهجتها حين قالت:
ـ اللي سمعتيه ياختي. ياسر في الحبس بسببك. عشان ضرب المخفي على عينه طليقك.
كانت تعلم بأن حلمها الجميل لن يكتمل ولكن لا أن يُغتال بهذه القسوة! بعد أن استكانت روحها بين يديه و هدأت جراحها بقربه تكُن هي السبب في هذه الكارثة التي ألمت به.
ـ أنا من الأول قولتله وحذرته. حذرته منك وقولتله انك هتيجي عليه بالخراب. من يوم ما اطلقتي واخويا حالته في النازل. ساب فلوسه و حاله و ماله و مشي وراكي زي العبيط. خسر أخته اللي ربته و كبرته بسببك. أنتِ ايه يا شيخه؟ أيه ؟ لعنة! بومة! أنتِ ايه بالظبط ؟!
هكذا صاحت هيام في وجه غنى التي كانت تنتفض و تتراجع إلى الخلف تزامنًا مع تقدم هيام منها وهي تهز برأسها يمينًا و يسارًا و الدمع يحفر مجراه فوق خديها فيما تعالت شهقاتها وهي تقول بنحيب:
ـ حرام عليكِ يا هيام. انا عمري ما حبيت حد في حياتي غيره، و مقدرش أكون سبب أذى ليه أبدًا.
صاحت هيام وهي تلكزها في كتفها بغل:
ـ متقدريش تكوني سبب أذى ليه! دا أنتِ الأذى نفسه. هديتي كل حاجة بنيتها لأخواتي. فركشتي عيلة مكنش ليهم غير بعض. انا طفحت الدم عشان أوقفهم على رجليهم. عشان يبقوا رجاله تملى العين.
سقطت غنى على الأريكة خلفها تشهق بعنف تشعر بأن كلمات هيام كالخناجر التي تغرز في قلبها ولكن الأخيرة لم ترحمها إذ تابعت بقسوة:
ـ بعد ما كنت عايزة أجوزه أحسن بنت في البلد. اتجوز واحدة خرج بيت! واحدة خارجة من بيت جوزها هربانه و متهومة بالسرقة و سيرتها على كل لسان.
انتفضت كالعصفور الصغير وهي تهتف بلوعة:
ـ حرام عليكِ أنتِ عارفة اني مظلومة، و عارفة أنها كانت جوازة سودا و أنتِ السبب فيها. أنتِ اللي وقعتي بيننا، وحرمتينا من بعض.
صاحت هيام بصوت جهوري أفزع غنى:
ـ اخرسي. أنتِ لو أصيلة ولا تعرفي يعني ايه حب مكنتيش صدقتي فيه أي حاجة، بعدين ياختي قبل ما تلومي عليا لومي على أمك اللي هددتني بيه تحبسه لو مبعدش عنك، وأول ما رماكي ابن عبد الحميد الصباغ جريتوا تتمسحوا فيه. ماهو بقى على كيفكوا. راجل طول بعرض و الناس كلها بتقوله يا ريس. مش كدا ياللي بتتكلمي عن الحب! مش كدا يا كذابة يا موقعاتيه!
ـ أنتِ بتعملي ايه؟ ابعدي عنها.
هكذا صاح كمال و من خلفه آسيا التي وصلت لتوها برفقته ليصدمهم هذا مشهد هيام المرعب و أمامها غنى التي كانت تبكي وهي مرتعبة لتهرول آسيا إليها أمام عيني هيام التي حدجتها بنظرات مُرعبة حالما رأتها تقف بينها وبين غنى المرتعبة لتهتف صارخة:
ـ اوعي من وشي يا بت أنتِ.
هكذا تحدثت هيام بغضب قابلته آسيا بالانفعال حين قالت:
ـ مش هبعد. أنتِ اتجننتي ولا ايه؟ جاية تستفردي بيها عشان عارفة أن ياسر مش هنا!
لم تكد هيام تتحدث حتى تدخل كمال قائلًا بلوم:
ـ أيه يا هيام اللي أنتِ بتعمليه دا؟ بتتهجمي على مرات اخوكي في غيابه!
الكلمات لدغتها للحد الذي جعلها تنهار وهي تهتف بلوعة:
ـ قصدك لعنة أخويا. البلوة اللي حدفها علينا الزمن. ياسر مرمي في الحجز بسببها.
كمال مصححًا بقسوة:
ـ ياسر في الحجز عشان ضرب واحد اتعرض لمراته. أي واحد في الدنيا عنده نخوة مش هيستحمل حد يبص لمراته. ولا أنتِ ليكِ رأي تاني؟!
اهتز موقفها و رمقت غنى بنظرة خاطفة لتشعر بأنها تمادت كثيرًا ولكنها صرحت بألم:
ـ متبررش يا كمال. البت دي اتسببت اني اخسر اخواتي. أول مرة ياسر يقاطعني بسببها.
أجابها كمال موبخًا:
ـ ياسر اللي اعرفه استحاله يقاطعك عشان واحدة حتى لو كانت مين! بس اللي أنتِ متعرفيهوش أن ياسر قاطعك عشان أفعالك. متخيلش أنك تعملي فيه كدا. خرجيها من اللي بينك وبينه عشان تقدري تشوفي الصورة كاملة.
ناظرته بضياع و ألم، ولكنه لم يمهلها الفرصة لإيجاد مُبرر لما تفعله ليُتابع جلدها حين قال بجفاء:
ـ و بالمناسبة ياسر اللي كلمني عشان اجيب آسيا تقعد مع غنى. عشان متبقاش لوحدها. متخيلة أنه في عز محنته مش متحمل أنها تكون لوحدها و مبيفكرش غير فيها. تخيلي كدا لما أروحله و أقوله أن أختك اللي مفروض تكون جنب مراتك في محنتك دخلت لقيتها بتبهدلها و كأنها ما صدقت يحصلك مصيبة عشان تستفرد بيها!
هيام بذُعر:
ـ أنت مش هتعمل كدا. مش هتعمل كدا فيا ولا هتقوله كدا صح ؟
كمال بغضب:
ـ روحي يا هيام، و ياريت تعيدي حساباتك مع نفسك عشان أنتِ عماله تشوهي في صورتك و تخسري في رصيدك عند الكل.
تعرت صورتها أمامهم بطريقة آلمتها و جعلتها ترغب في التلاشي من أما أعينهم لذلك تراجعت إلى الخلف دون أي حديث ليتحمحم كمال قبل أن ينظر في الاتجاه الآخر وهو يقول:
ـ متقلقيش على ياسر خالد راحله و معاه المحامي، كمان هو موقفه مش سيء خصوصًا أنهم اكيد هيفرغوا الكاميرات و يشوفوا اللي حصل
غنى بلهفة:
ـ يعني ياسر هيخرج؟
كمال بطمأنه:
ـ أكيد هيخرج. احنا كلنا معاه و مش هنسيبه.
تردد قليلًا قبل أن يقول بجمود:
ـ آسيا عايزك ثواني.
ربتت آسيا على كفت غنى وهي تناظرها بطمأنه قبل أن تلحق به إلى الخارج لتجده يقوم بإشعال سيجارة و يضعها بين شفتيه، وعلى الرغم من أن هذا الأمر ضايقها إلا أنها لم تُعلق فقط قالت بهدوء:
ـ نعم!
بالرغم من كل هذه الأمور السيئة التي تحدُث معهم، و تحديداً ما بينه وبينها ولكن النظر إلى ملامحها كان نوعاً من الراحة التي يحتاج إليها من حينٍ لآخر، ولكنه لا يجرؤ على الاعتراف بذلك لذا تحمحم بخشونة قبل أن يقول:
ـ انا مش هعرف استنى هنا عشان ياسر مش موجود. يعني ميصحش..
آسيا بجمود:
ـ عارفة. تقدر تمشي أنت وانا هستنى هنا...
زمجر مُعترضًا:
ـ لا طبعا.
ـ ليه ؟
تدارك اندفاعه و هتف بلهجة اهدأ و اكثر اتزانًا:
ـ أنتِ شوفتي هيام. أفعالها مش محسوبة و ممكن ترجع تاني و يحصل شد و جذب بينهم و و اضح أن صاحبتك مش ناقصة.
آسيا بجفاء:
ـ لا متخافش انا هكون موجودة و مش هسمح أن دا يحصل..
تشدق ساخرًا:
ـ والله ! هو حضرتك الشحات مبروك ولا حاجة! عملالي فيها سبع رجالة في بعض؟!
رفعت أحد حاجبيها و هتفت بنبرة مُستنكرة:
ـ هو ليه الموضوع مرتبط عندك بالعضلات! مانا ممكن أوقفها عند حدها بلساني عادي.
تابع سخريته قائلًا:
ـ تصدقي عندك حق. أهو دا اللي ممكن يتفوق على العضلات فعلا.
ـ بالظبط.
كمال بنبرة آمرة:
ـ بردو لا. خليها تجهز و هوديكوا عند سوزان. و اهو بالمرة تتجمعوا و تقعدوا تواسوا بعض.
جملته الأخيرة كانت تحمل طابع السخرية الذي أثار حنقها ولكنها قررت أن تجابهه الند بالند إذ قالت بنبرة جامدة:
ـ قصدك نندب حظنا.
ارتفع أحد حاجبيه اندهاشًا ليقول باستهجان:
ـ والله! و أنتِ ناوية تندبي حظك معاهم!
آسيا بتهكم:
ـ دانا أولهم.
ـ دا ليه بقى أن شاء الله ؟
تغضن جبينها بالألم ولكنها قالت بقوة:
ـ يمكن عشان كلنا ضحايا لرجالة و ستات الوتايدة..
كمال بجفاء:
ـ لا والله!
آسيا بحدة طفيفة
ـ اه وحياة ربنا. ركز كدا و دورها في دماغك. هتلاقي أن كل الناس المُتعبة اللي في حياتنا وتايدة سواء كانوا رجالة أو ستات!
كان هو الآخر يعاني من جُرحٍ هي من تسببت به ليهتف بقسوة:
ـ دا على أساس أن انتوا ملايكة!
كُلًا منهما كان يُخفي بقلبه جُرحًا لازال نازفًا لذا أجابته بجفاء:
ـ لو مشينا على مبدأ كل الطغاة في تجاهل الفعل و جلد الناس على رد فعلهم يبقى احنا شياطين. بس لو حكمنا الضمير و بصينا للفعل هنحس أن رد الفعل دا شيء طبيعي جدًا.
اهتاجت جراحه دفعةٍ واحدة مما جعل عينيه تقسو قبل شفتيه حين قال:
ـ كلامك دا معناه انك حكمتي ضميرك وأنتِ بتقحميني في انتقامك منهم من غير ما يكون لي أي دخل في اللي حصل زمان!
فطنت لما آل إليه حديثها في عقله لتهتف بلهفة:
ـ مش كدا....
قاطعها بنبرة جافة يشوبها الحدة حين قال:
ـ تمام أوي كدا بس خلي بالك انك تقصدي أن رد الفعل مهما كان قاسي فهو نتاج للفعل اللي كان أقسى، فياريت متنسيش تبقي تحكمي ضميرك لما تيجي تحكمي على ردود أفعال الناس معاكِ..
اجتاحتها موجة من الخوف الذي نخر عظامها و جعل رجفةٍ قوية تجتاح سائر جسدها لتخرج حروفها مرتبكة حين قالت:
ـ أنت تقصد ايه؟
تجاهل استفهامها و هتف بنبرة حادة:
ـ خليها تجهز عشان نمشي...
أنهى جملته و تراجع ليستقل السيارة، ليتركها خلفه تتمنى لو أن معجزة تحدُث و تُعيد الزمن إلى الخلف، لكانت ابتعدت عن كل شيء يمت لهذه العائلة بـ صلة..
اللهم ارزقني من حيث لا أحتسب، ويسّر لي الخير حيث كان، ثم ارضني به. اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك.💙
★★★★★★★★
ـ أنت متهم بضرب المدعو رأفت عبد الحفيظ الصباغ ضربًا مُبرحًا و إحداث إصابات بالغة أدت إلى سرعة نقلة إلى المستشفى و الست عنايات والدته قالت انك كنت قاصد تقتله. أيه تعليقك على الكلام دا يا ياسر ؟
هكذا تحدث الضابط موجهًا حديثه إلى ياسر الذي كان يغلي من الغضب الذي شاب نبرته حين قال:
ـ أيوا ضربته، ودا لأنه اتعرض لمراتي. المفروض أشوف واحد بيضايق مراتي وأقف اتفرج؟!
الضابط بحدة:
ـ تقوم تكسرله إيد و تلت ضلوع و تجبله إرتجاج في المخ وكسر في الأنف!
ياسر بجفاء:
ـ واعمل أكتر من كدا كمان. بقولك لحضرتك دا واحد ضايق مراتي واتعرض لها، و أظن الكاميرات اللي جيباني بضربه أكيد جابت المشهد من الأول.
الضابط باستفهام:
ـ والدة رأفت قالت إنه كان الزوج الأول لزوجتك، و ورتنا قسيمة الطلاق. وقالت أنهم كانوا متفقين يتقابلوا في المكان دا.
ياسر بحدة:
ـ الكلام دا كذب. مراتي مفيش بينها وبينه أي تواصل، والحيوان دا كان بيضايقها عشان كدا ضربته و كسرتله عضمه.
طرق على باب الغرفة استرعى انتباه الضابط الذي سمح الطارق بالدخول ليدلف إلى الداخل أحد الرجال الذي يرتدي بذلة أنيقة، و يحمل حقيبة غالية الثمن و خلفه خالد الذي ما أن رآه الضابط حتى صاح مُستفهمًا:
ـ أنتوا مين ؟
تولى الرجل الإجابة قائلًا:
ـ أنا عثمان القاضي. محامي المتهم، و دا خالد بيه الوتيدي ابن عم المتهم.
أوشك الضابط على الحديث ولكن رنين الهاتف منعه، ليرفع السماعة مُجيبًا، و حين سمع الحديث على الطرف الآخر توقفت نظراته على خالد بحنق تجاهله الأخير ليجلس على الأريكة المقابلة للمكتب، وهو يستمع إلى صوت الضابط يقول بإذعان:
ـ تمام يا فندم. اللي تشوفه سيادتك.
أغلق الضابط الهاتف و نظر الى ياسر قائلًا بجفاء:
ـ عندك أيه تاني تضيفه يا ياسر ؟
ياسر بانفعال:
ـ عايز اقول اني مبدأتش و ضربت البني آدم دا غير لما لقيته واقف بيضايق مراتي، المفروض كنت اعمل ايه! و على فكرة لو رجع بيا الزمن هعمل فيه أكتر من كدا.
تدخل المحامي موضحًا:
ـ اسمحلي يا حضرة الظابط. بس موكلي راجل حر و دمه حامي، و اللي عمله دا هيكون رد فعل طبيعي لأي راجل يشوف حد بيضايق مراته، و أنا أكاد أُجزم أن حضرتك لو كنت مكانه كنت هتتصرف نفس تصرفه.
الضابط بتوضيح:
ـ بس اللي قالته عنايات و الدة المجني عليه بتقول غير كدا، و بتأكد أن زوجته على تواصل مع طليقها
زمجر ياسر بوحشية:
ـ كذب. الست دي كذابة و حقيرة و بتكذب.
تدخل خالد الصامت منذ البداية:
ـ أهدى يا ياسر. مينفعش صوتك يعلى على حضرة الظابط.
رفع الضابط أحد حاجبيه باندهاش غاضب ليُتابع خالد بنبرة ذات مغزى:
ـ احنا مبنتعداش على سلطة حد، ولا احنا فوق القانون، و أن كنت أنا هنا دلوقتي، فعشان الموضوع حساس جدًا، و أي راجل في مكان ياسر بيسمع الكلام دا عن مراته لازم ينفعل، و لا أيه يا حضرة الظابط؟!
الضابط بتأكيد:
ـ أنا طبعًا مُقدر شعوره، بس انا لازم استجوبه، لأني قدامي أدله تدينه، و اتهام لازم اتأكد منه.
تدخل ياسر هاتفًا:
ـ بمناسبة الاتهامات، فأنا بقدم محضر رسمي في عنايات السيد بتهمة تشوية سمعة مراتي. دا غير أنها سلطت عليها ستات بلطجية من فترة بهدف قتلها، و لما اتمسكوا اعترفوا عليها و بعد كدا غيروا أقوالهم، و الكلام دا كله مثبوت في محضر رسمي، و لولا أنهم غيروا أقوالهم كان زمانها محبوسة، و دا طبعًا بعد ما دفعتلهم رشوة عشان يرجعوا في كلامهم.
الضابط بتوضيح:
ـ أنت حاليًا مذنب يا ياسر. مينفعش انك تقدم محضر.
تدخل المحامي قائلًا:
ـ يا حضرة الظابط. موكلي لم يبيت النية للمجني عليه، ولا كان معاه أي سلاح، و اللي حصل رد فعل طبيعي زي ما قولتلك، و دا يندرج في بند الدفاع عن النفس وعشان كدا انا بطالب بتفريغ الكاميرات اللي في مكان الواقعة.
اومأ الضابط برأسه ليتابع المحامي قائلًا:
ـ و كمان بتقدم بمحضر رسمي نيابة عن زوجة موكلي السيدة غنى مرزوق باتهام السيدة عنايات السيد بالسب و القذف و تشويه سمعتها بدون أدلة، و فحص تليفون المجني عليه رأفت الصباغ و معرفة إذا كان في تواصل بينه وبين السيدة غنى كما ادعت والدته أم لا؟
الضابط بنفاذ صبر:
ـ حاجة تانية يا متر؟!
المحامي :
ـ بطالب بإخلاء سبيل موكلي، لعدم امتلاكه لأي سلاح أو وجود نية مُبيته لارتكاب الواقعة.
كان يزيد يقف أمام باب وكيل النيابة بقلق تجلى في ملامحه ليقوم عمر بالربت على كتفه مواسيًا وهو يقول:
ـ متقلقش. أن شاء الله هيخرج منها على خير. ياسر قدها
يزيد بحنق:
ـ لحد امتى هيفضل قدها ؟! الموضوع دا مش راضي يخلص، و في كل مرة تحصل مصيبة لازم ياسر اللي يشيلها.
تفهم عمر غضبه مما جعله يقول موضحًا:
ـ خلينا متفقين أن ستات الوتايدة متعبين، موضوع ياسر و غنى دا بدايته عند هيام.
يزيد بحدة:
ـ أن كانت هيام ولا غنى اللتنين في نظري أسوأ من بعض. هيام مصعبش عليها أخوها و راحت لبسته مصيبة و بعتت واحدة تتبلى عليه، و التانية هان عليها حبيبها و راحت اتجوزت غيره مفكرتش حتى تواجهه ولا تتكلم معاه. الضحية الوحيدة اللي في الموضوع دا ياسر.
لم يكد عمر يُجيبه حتى انفتح الباب و أطل منه ياسر الذي ما أن رآه يزيد حتى هرول يحتضنه بقوة و كأن روحه رُدت إليه ليشدد ياسر هو الآخر من عناق شقيقه فقد كان في أمس الحاجة لشيء باستطاعته أن يهون عليه
ـ أيه يا عم حضن المطارات دا! ما تسيبلنا شوية.
هكذا تحدث كمال الذي لحق بهم بعد ما أوصل كُلًا من آسيا و غنى عند سوزان ليتراجع ياسر بلهفة عن يزيد وهو يستفهم قائلًا:
ـ وديت آسيا عند غنى زي ما قولتلك.
كمال مُجيبًا:
ـ روحت أنا و آسيا خدناها ودناها عند شروق و اختها.
ياسر باستفهام:
ـ وليه مفضلوش في البيت؟!
كمال باختصار:
ـ بعدين نتكلم المهم أنها بخير. المهم طمنونا عملتوا ايه؟
كان خالد يتبادل الحديث مع المحامي ليستدير ياسر و يقول باستفهام:
ـ صحيح هو المتر عرف المعلومات دي منين ؟
خالد باختصار:
ـ من يزيد.
التفت خالد موجهًا حديثه إلى المحامي قائلًا:
ـ يعني كدا الموضوع مفيهوش قلق ؟
المحامي مُجيبًا:
ـ لا متقلقش. بعد ما يفرغوا الكاميرات و يشوفوا الواقعة من بدايتها وأن اللي عمله ياسر دا رد فعل و مفيهوش أي نية مُـبيته كدا هيسقط بند الترصد، الرؤية هتتغير كلها، و كمان المحضر بتاع الضرب اللي ياسر ذكره هنحاول نستغله و نبين أن الموضوع كيدي. دا غير اني هحرر محضر ضد اللي اسمها عنايات بتاع السب و القذف و التشهير دي حاجة في صالحنا لأنهم لو فحصوا تليفونات الطرفين و ملقوش أي تواصل كدا هيكون الوضع في صالحنا.
خالد بجمود:
ـ أنا هسيبلك الموضوع دا يا عثمان، و عايزك تتولاه وتتابعه عايزه يخلص في أقرب وقت والناس دي تتأدب أدب شرعي.
عثمان مُطنأنًا:
ـ متقلقش انا بس هحتاج توثق التوكيل بتاع أستاذ ياسر والمدام عشان ابدأ اتحرك قانوني. احنا حضرنا التحقيق النهاردة بالحب وانت فاهم دا.
اومأ خالد برأسه قبل أن يقول بجفاء:
ـ عارف. شوف انت محتاج أيه و ياسر معاك أهو.
توجه ياسر الحديث مع المحامي ليبدأ الاتفاق على الإجراءات اللازمة لينتهي الأمر و يتوجه الرجال إلى الخارج ليقترب كمال من خالد قائلًا باستفهام:
ـ خالد أنت كويس ؟
و هل يُمكن أن يُجيب عن هذا السؤال دون أن يصرخ الوجع في نبرته، و تفضحه عيناه بعبرات تثقِل جفونه و آهات تخالج صدره؟!
ـ كويس. متقلقش عليا.
هكذا اكتفى بالحديث ليعلم كمال أنه لن يُفصِح عن شيء لذا تنحنح قبل أن يقول:
ـ على فكرة انا اتجوزت آسيا تاني.
"اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدًا فقربه، وإن كان قريبًا فيسره، وإن كان قليلًا فكثره، وإن كان كثيرًا فبارك لي فيه.🤍
★★★★★★★★
كانت تجلس وحدها على أحد الطاولات شاردة في البعيد تشعر بالألم و الندم لما حدث هذا الصباح
عودة إلى وقتٍ سابق
هبطت الدرج وهي تشعر بالحنق ولأول مرة على تلك المرأة التي أحزنت والدها إلى هذه الدرجة، و كذلك أحزنتها فقد كانت تظن أنه بزواج أبيها سيكون لها أخوات بل كانت تتوق إلى ذلك و تتمنى أن يحدث في اقرب وقت بدلًا من شعورها الدائم بالوحدة، و الآن تأكدت بأن أمنيتها لن تتحقق أبدًا و لذلك شعرت بالغضب الكبير تجاه أشجان حد تناثر العبرات من مقلتيها
ـ رنا حبيبتي. مش هتروحي المدرسة ولا ايه ؟
هكذا تحدثت ميرهان إلى رنا التي رفعت رأسها لتُصدم الأولى حين رأت العبرات التي تتدحرج بصمت فوق خديها مما جعلها تقول بلهفة:
ـ مالك يارنا بتعيطي ليه؟
طالعتها رنا بحيرة بين البوح و عدمه ولكنها في النهاية قالت بنبرة محتقنه بالحزن:
ـ مخنوقة شوية.
ـ من ايه يا حبيبتي؟ تعالي نقعد سوى في الجنينة نتكلم.
هكذا تحدثت ميرهان وهي تقود رنا إلى الحديقة لتجلس بجانبها حول الطاولة المُستديرة لتبدأ الحديث قائلة:
ـ احكيلي بقى مالك و بتعيطي ليه؟ مين زعلك؟
اخفضت رنا رأسها وهي تقول بحزن:
ـ حصل حاجة فوق ضايقتني.
ـ حاجة فوق فين؟ أنتِ زعلانة من أشجان؟!
رنا بحزن:
ـ مش أنا بس اللي زعلانه. بابي كمان زعلان منها جدًا.
ميرهان بلهفة:
ـ ليه كدا بس؟
رنا بتردد:
ـ أصل. أصلها بتاخد دوا عشان متجيبش بيبي ليا أنا و بابي.
عودة إلى الوقت الحالي
كانت تؤنب نفسها لأنها تفوهت بهذا الأمر خشية من أن يغضب والدها إذا علِم بأنها أخبرت عمتها بذلك، ولكنها كانت حزينة ولا تعرف مع من تتحدث.
زفرت بقوة وهي تمحو دمعة تدحرجت فوق خدها لتنتفض جزعًا إثر هذا الصوت المازح:
ـ قفشتك و أنتِ سرحانه.
شهقت رنا بفزع إثر صوت سهيلة التي ضحكت بقوة على مظهرها المرتعب لتهتف رنا بحدة:
ـ حرام عليكِ يا سهيلة خضتيني. في حد يعمل كدا ؟!
بترت سهيلة ضحكتها حين شاهدت حزن رنا لتهتف باهتمام:
ـ رنا أنتِ بتعيطي؟ أنا آسفة والله مكنتش اعرف انك متضايقة. انا كنت بهزر معاكي.
رنا بنبرة خافتة:
ـ طيب.
سهيلة بقلق:
ـ قوليلي مالك في ايه! و أيه اللي مزعلك و مخليكي تعيطي كدا ؟
لم تكُن تعرف ماذا عليها أن تفعل! هل تتحدث أن تصمت؟ شعرت بالحيرة مُجددًا لتزفر بتعب مما جعل سهيلة تقول بلهفة:
ـ رنا متقلقنيش عليكِ قوليلي في ايه؟ هو أنتِ مش بتثقي فيا ؟
رنا بخفوت:
ـ بثق فيكِ و كل حاجة بس أنا مخنوقة شوية.
شعرت سهيلة بأن رنا لا تريد الحديث لذا لم تضغط عليها بل هتفت بحماس:
ـ طيب بما انك مش عايزة تحكي، فأنا خلاص مش عايزة اعرف بس أنا مش هسيبك زعلانه كدا. أنا لازم اخرجك من اللي أنتِ فيه.
رنا باهتمام:
ـ يعني هتعملي ايه!
ـ بصي يا ستي. عيد ميلاد البت لمار آخر الأسبوع و بنحضرلها مفاجأة و هنعملها بارتي عشان عيد ميلاد في ديسكو كدا بنتجمع فيه.
رنا بصدمة:
ـ ديسكو! انتوا بتروحوا ديسكو!
سهيلة بلامُبالاة:
ـ أيوا و أيه المشكلة؟
رنا بذهول:
ـ و كمان بتسألي ايه المشكلة ؟ دا مكان مش كويس أبدًا. ازاي تروحوه؟
قهقهت سهيلة بقوة على رنا و ملامحها التي تحولت من الذهول إلى الغضب من ضحكات سهيلة التي شعرت بأنها جرحتها لذا هدأت ضحكاتها وهي تقول باعتذار:
ـ متكشريش. و متزعليش مقصدش اتريق عليكِ بس لو البنات سمعوكي و أنتِ بتقولي على الديسكو أنه مكان مش كويس هيزفوكي و هتبقى فضيحتك بجلاجل في المدرسة كلها.
رنا بصدمة:
ـ فضيحتي ! ليه هو أنا عملت ايه؟
ـ يا بنتي الكلام اللي بتقوليه دا خلص من عشرين سنة و اكتر من ايام الطربوش و الملاية اللف. الديسكو دلوقتي زيه زي النادي مبقاش مكان عيب. و كلنا بنروحه و بنسهر فيه عادي.
هكذا تحدثت سهيلة إلى رنا التي شعرت بالاندهاش من حديثها مما جعلها تقول بتوتر:
ـ أنا. انا أول مرة اعرف الكلام دا بصراحة.
سهيلة بسخرية:
ـ والله أنا اللي حقي اتصدم من كلامك. أنتِ ازاي قريبة هايدي الوتيدي !
رنا بصدمة:
ـ هو أنتِ تعرفي هايدي ؟
ـ طبعًا. انا متبعاها على الانستا، و كمان يشوفها كتير في الديسكو اللي بنسهر فيه. دي أيقونة في الجمال و الموضة. الصراحة مش شبهك خالص.
غضبت رنا من حديثها لتهتف بلهفة:
ـ ليه يعني ؟ انا لسه صغيرة اني اروح أماكن زي دي، و بعدين أنا اصلًا مابحبش لبس هايدي و هتكسف ألبسه.
سهيلة بلهفة:
ـ بصراحة عندك حق. هي لبسها أوفر. بس سيبك من موضوع اللبس دا. أنتِ لازم تحضري معانا عيد الميلاد.
رنا باندفاع:
ـ لا طبعًا بابا استحالة يوافق اني أروح الأماكن دي.
سهيلة بملل:
ـ رنا حبيبتي أنتِ مش صغيرة. أنتِ في تانية ثانوي عندك ستاشر سنة.
رنا بتوضيح:
ـ قربت اكمل السبعتاشر على فكرة.
سهيلة بسخرية:
ـ طيب أنتِ اللي قولتي اهو. كلامك دا تقوله واحدة في خامسة ابتدائي. المهم. سيبك من العيد ميلاد دلوقتي. عايزين نخرج بعد المدرسة عشان أنا لسه مجبتش حاجة احضر بيها. أيه رأيك نروح نعمل شوبينج سوى!!
رنا بتردد:
ـ معرفش إذا كان بابي هيوافق أو لا؟
سهيلة بتهكم:
ـ و هتعرفي ازاي إذا كنتِ مقولتيلوش؟! اتصلي قوليلة و شوفي هيقولك ايه؟
ـ بتقول ايه يا كمال؟ يعني ايه اتجوزت آسيا تاني؟
هكذا استفهم خالد بحنق ليُجيبه كمال بهدوء:
ـ طلبتها من والدها تاني، و روحنا كتبنا الكتاب.
خالد بجفاء:
ـ هو أنا بقولك خطوات الجواز كانت ايه؟ بسألك ازاي وصلت للقرار دا و ناوي على أيه؟
كمال بحنق:
ـ كل خير يا خالد. أنا قولت اعرفك عشان محبتش اعمل حاجة من غير ما تعرف.
زفر خالد بتعب و حين أوشك على الرد رن هاتفه ليجد رقم رنا، فأجاب على الفور:
ـ أيه يا حبيبتي.
ـ بابي. حضرتك عامل ايه؟
هكذا تحدثت رنا بخفوت ليُجيبها خالد بحنو:
ـ أنا كويس. أنتِ كويسة ؟!
رنا بلهفة:
ـ أنا كويسة. متقلقش. انا بس كنت عايزة اطلب من حضرتك طلب.
ـ اطلبي.
التمع التردد في عينيها وهي تناظر سهيلة التي أشارت لها لتخبره مما جعل رنا تقول بخفوت:
ـ هو أنا ممكن أخرج مع صاحبتي بعد المدرسة؟
خالد باستفهام:
ـ صاحبتك مين؟ و هتخرجوا تروحوا فين؟
رنا بلهفة:
ـ سهيلة. صاحبتي سهيلة حضرتك سمعت عنها قبل كدا.
ـ أيوا افتكرتها، و عايزين تروحوا فين ؟
هكذا تحدث خالد لتُجيبه رنا:
ـ كنا عايزين نروح نشتري شوية حاجات من المول. لو ينفع يعني؟
شعر خالد من لهجتها بأنها تتوق للذهاب مع صديقتها و أيضًا ما حدث هذا الصباح من المؤكد أنه أثر عليها لذا قال بحنو:
ـ تمام يا حبيبتي. روحي مع صاحبتك بس السواق هيوديكي و الحرس هيكونوا معاكوا لحظة بلحظة و متتأخريش. ساعتين بالكتير و ترجعي و تخلي بالك من تليفونك عشان هكلمك اطمن عليكِ كل شوية.
على الرغم من أنها توترت حين أمطرها بهذا الوابل من التحذيرات ولكنها كانت ممتنة لأنه سمح لها و لهذا وعدته الالتزام بأوامره.
بدأت جولة الفتيات و قد كانت رنا سعيدة بشكل كبير لم تعهده مُسبقًا، فقد كانت تشعر بأنها حرة و ليست الطفلة التي يحذُر عليها الخروج وحدها. تنفست هواء الحرية لأول مرة لذا كانت ضحكتها صافية و ملامحها مُشرقة.
ـ تعالي نشوف المحل دا في فساتين حلوة أوي.
رنا بصدمة:
ـ حلوة ايه يا رنا؟ دي فساتين مكشوفة أوي و كمان مش سننا.
سهيلة بملل:
ـ يا بنتي إنتِ عايزة تشليني! ماهو اللبس دا للي في سننا. تعالي تعالي بطلي هبل.
جرتها سهيلة إلى الداخل لتتوسع عيني رنا و هي تشاهد هذه الفساتين الرائعة، و إن كانت تكشف عن الكثير، ولكن ألوانها كانت جميلة، و تفاصيلها التي و إن كانت جريئة ولكنها مُبهرة لمن في مثل عمرها و خاصةً حين رأت أحد الفتيات وهي تجرب رداء أسود من الستان المطرز عند الصدر و الخصر ولكنه كان مكشوف الصدر بشكل فاضح، يضيق حد إبراز المفاتن بطريقة فظة ثم يتسع قماشه تدريجيًا حتى يغطي القدم يتوسطه شقًا كبيرًا يصل إلى منتصف الفخذ.
احمرت وجنتي رنا وهي تتخيل نفسها ترتدي مثل هذه الأثواب أمام الناس لتشهق بعُنف حالما صرخت سهيلة بجانب أذنها وهي تقول بحماس:
ـ رناااا. خدي جربي الفستان دا.
كانت تتحدث وهي تضع أمامها فستان من اللون الكريمي الذي كان عاري الصدر و قصير يصل إلى اعلى الركبة بقليل لتبرق عيني رنا وهي تهتف بذهول:
ـ أنتِ اتجننتي يا سهيلة! انا البس فستان زي دا؟ دا بابا كان قتلني!
سهيلة بملل:
ـ بقولك ايه يا ست سندريلا متقرفنيش. هو انا قولتلك اخرجي بيه قدام الناس! بقولك البسيه جربيه اشوفه عليكِ. أيه هيعرف باباكي؟!
رنا بتوتر:
ـ طيب ولما انا مش هخرج بيه ايه لازمتها اني اجربه؟
سهيلة بتهكم:
ـ من باب التجربة يعني. عايزة تقنعيني انك مش نفسك تخرجي و تسهري و تلبسي زي البنات اللي حوالينا دي! مش نفسك تجربي حاجة جديدة غير الحياة الروتينية اللي أنتِ عيشاها دي؟! يا رنا يا حبيبتي الحياة مليانه حاجات حلوة أنتِ تقريبًا متعرفيش حاجة عنها..
نجحت في إثارة حواسها لتجربة هذه الأشياء الجديدة كُليًا عليها لتلمع عيني رنا وهي تنظر إلى الفستان بالرغم من أن هناك شيء داخلها كان يلومها بشدة ولكنها أقنعت نفسها بأنها سترتديه لثواني لترى كيف سيكون عليها ثم تنزعه حتى لن تجعل سهيلة تراها.
جذبت الثوب من يد سهيلة التي التمعت عينيها وهي ترى رنا تتوجه إلى غرفة تبديل الملابس لتقوم بنزع زي المدرسة الموحد و ترتدي هذا الفستان، وما أن انزلق فوق جسدها حتى ارتج جسدها ما أن اقتحمت سهيلة غرفة الملابس....
اللهم ارزقني رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، واغنِني بفضلك عمّن سواك ♥️
★★★★★★★★
كانت تدور حول نفسها في الغرفة لا تعلم ما الذي عليها فعله، فقد مضى يومان وهي تتجاهله و تتجاهل نظرات العتب في عينيه وقد كان هذا يقتلها و يُضيف عذابًا إلى عذابها. فقد كانت جانب كبير منها يصدقه ولكن هناك جانب آخر يستنكر هذا الواقع، و أن يكون والدها ذلك الشخص السيء.
تنظر حولها فلا تجد بيت ولا عائلة ولا جذور تنتمي إليها فقط هو. ماذا لو مل منها ؟ ماذا لو شعر بأنه يريد الأفضل ؟ ماهو مصيرها ؟ تخشى أن تؤمن بأنه جيد بهذا القدر فيصدمها القدر بصفعة خذلان قوية قد لا تنجو بعدها أبدًا
اخفضت رأسها لتضعه بيه كفيها لتسمح بعباراتها مغادرة جفنيها عل هذا الثُقل في قلبها يهدأ ولو قليلاً لتشعر بيد حانية تُمسِك بكفيها لترفع رأسها بلهفة فاشتبكت عينيها مع خاصته ليصدمها حين اقترب يُلثم كفوفها كُلًا على حدا وعينيه لا تفارقان عينيها ثم جلس قبالتها وهو يقول بنبرته الرخيمة التي لها وقعًا ضاريًا على قلبها:
ـ لو أعرِف بس أيه مزعل الچميل أكده!
نجاة بنبرة مُشجبة:
ـ كنت هتعمَل أيه لو عرفت؟
رحيم بنبرة صادقة:
ـ كنت هديت الدنيا عشان أرچع ضحكتك الحلوة من تاني.
ارتج قلبها تأثرًا بكلماته العذبة ولكن هواجس العقل لم تعطي لها الفرصة للراحة إذ تزاحمت الأفكار برأسها مما جعلها تتراجع إلى الخلف وهي تقول بجفاء:
ـ ده حب ولا تأنيب ضمير ؟!
تجعدت ملامحه جراء كلماتها ولكنه تحلى بفضيلة الصبر معها ليقول بنبرة هادئة:
ـ أنتِ اللي مفروض تحسي دا يا ست البنات. لكن اني هريحك. لو كان الموضوع موضوع تأنيب ضمير كان زماني وجفت چارك زي ما بقف چار اي حد حداه مشكلة و كنت هرضي ضميري من ناحيتك. لكن ليه أتچوزك و أربط حياتي بيكِ ؟ هل في حد چابرني اعمل اكده؟
اهتزت من حديثه ولكنها هتفت بجفاء:
ـ معرفش.
رحيم بقوة:
ـ لا اعرفي أن رحيم الوتيدي مفيش حد يقدر يچبره على حاچة واصل، ولا هو بيحب يچبر حد على حاچة.
لا تعرف لما انتابها القلق حين سمعت جملته الأخيرة مما جعلها تستفهم بخفوت:
ـ تجصد ايه؟
رحيم بنبرة يخالجها الألم رغم ثباتها:
ـ يعني أن أنا راچل مبخلفش و أنتِ عارفة الموضوع دا فلو كان اللي أنتِ فيه دا بسبب الموضوع ده، فدا حجك و مش هلومك أبدًا لو جولتيلي حالًا انك عايزة تطلقي. بس تصارحيني. انما كل ساعة الاجيكي في حال دا ميعچبنيش.
كانت كلماته كالمطارق التي تسقط فوق رأسها، و قد آلمها أن يظن بأنها تريد الابتعاد عنه لهذا السبب وقد كان هذا الأمر بعيد كل البعد عن تفكيرها لذا هتفت بلهفة:
ـ أنت فهمت الموضوع غلط.
ـ أي موضوع فيهم اللي فهمته غلط يا نچاة؟ في مواضيع كتير مش مفهومة يا بت الناس وأنتِ بتباتي في حال و تصحي في حال
هكذا تحدث رحيم بعتب لم يخلو من الحدة مما جعلها تهب من مكانها وهي تقول بانفعال:
ـ اني ضايعة. واحدة كل حياتها ملخبطة متعرفلهاش أول من آخر. ابويا اللي فكرته مات طلع عايش و مش بس أكده دا انت بتجول أنه قتال قتله، و أمي اختفت و رمتني للراچل اللي سمم حياتي و بسببه اتمنيت الموت، و يشاء ربنا أن الراچل دا يكون هو الراچل الوحيد اللي آمنتله، و معرِفش كل دا غير لما ابقى مرته. عايزني ابقى ازاي يا رحيم بيه؟!
يعلم أن ما مرت به لم يكُن سهلًا و لكنه مر يخابره هو أيضًا ليس بالهين. لذا تحدث بنبرة صادقة مثقلة بالتعب:
ـ عايزك تصدجيني. و يبقى عندك ثقة فيا..
نجاة بجمود:
ـ موافجة بس لما تثبتلي أن انت صوح.
ـ عيزاني اثبتلك دا ازاي؟
نجاة بلوعة:
ـ عيزاك تثبتلي ان أبويا فعلًا زي ما قولتلي.
رحيم بترقب:
ـ عيزاني اثبتلك كيف؟
نجاة بقوة:
ـ تچيبلي أمي من تحت الأرض. لو سمعت حديتك دا منيها وجتها هصدقك..
"اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي❤️
★★★★★★★★
ـ يا قلبي يا بنتي. أيه كل دا؟!
هكذا تحدثت سوزان وهي تنظر إلى غنى التي كان الحزن يعشعش في ملامحها، و يسكن عينيها بوضوح و يحتل نبرتها حين قالت:
ـ أنا مش مكتوبلي افرح أبدًا. انا شؤم فعلًا زي ما هيام قالت.
آسيا بحدة:
ـ شؤم في عينها البومة دي. بطلي كلامك دا قولتلك ياسر خرج و جاي في الطريق.
امتدت يد سوزان تحتضن يدها و بكفها الآخر تربت فوق كتفها بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ لو كان الموضوع زي ما بتقولي مكنش هيبقى في حياتك واحد زي ياسر.
رفعت غنى رأسها تناظر سوزان بأعيُن تلمع في سماءها العبرات كالنجوم لتتابع الأخيرة برفق:
ـ تزعلك الدنيا و يراضيكِ هو. الناس تقسى و هو يطبطب. أنتِ فاكرة ان حظك وحش وانك مش مكتوبلك الفرح. طب ايه رأيك بقى في واحدة شافت اكتر من كل اللي أنتِ شوفتيه بمراحل بس مكنش في حياتها ياسر يطبطب ولا يحتوي ولا يراضي ؟ دي تعمل ايه بقى؟!
غنى بلهفة:
ـ دي عايشة ازاي؟
سوزان بنبرة تعج بالألم:
ـ عايشة عشان لسه أجلها مجاش. بتبص على أي حاجة حواليها حلوة و تحمد ربنا.
فهمت غنى المغزى من حديثها لتهتف بهدوء:
ـ الحمد لله على كل حاجة.
سوزان بحنو:
ـ أنا عارفة انك اتوجعتي كتير. بس أن يكون جنبك حد بيحبك دا في حد ذاته نعمة كبيرة أوي. نعمة تستحق انك تكوني قوية عشانها، و عشان هو كمان لما يجيله وقت الدنيا تيجي عليه تكوني جنبه تسنديه زي ما هو عمل.
اومأت غنى برأسها وهي تبتسم براحة لتُتابع سوزان بنُصح:
ـ اوعي تسيبي الدنيا تغلبك يا غنى، و اعرفي أن ربنا دايمًا موجود و سامعك، ارفعي إيديك و ادعي واوعي الشيطان يضحك عليكِ و يخليكِ تبقي ناقمة على حياتك مهما شوفتي فيها. عشان ميضيعش عليكِ أجر الصبر. ربنا قال في القرآن الكريم "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ"
(سورة الزمر، آية 10) وقال كمان إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"
(سورة يوسف 90) صدق الله العظيم. اوعي ضيعي عليكِ الأجر دا و دايمًا بصي للجانب الحلو عشان ربنا يحليلك الدنيا يا بنتي.
شعرت غنى بالراحة تغمرها من حديث سوزان لتجد نفسها ترتمي بين ذراعيها بقوة، فقد كانت هذه المرأة جميلة بشكل مختلف. تحمل الأمان و السلام في ملامحها و عينيها و حديثها. يشعر المرأة بأنه يعرفها منذ زمن، لا يمل من الحديث معها..
ـ غنى...
انتفض جسدها حين سمعت صوت ياسر الآتي من الخلف لتبرق عينيها حين رأته و لم تتردد لثوان في الاندفاع إلى أحضانه أمام كل هذه الأعيُن وهي تصرخ بلوعة:
ـ ياسر.....
احتوتها ذراعيه و كأنها شقًا من روحه قد غاب عنه و الآن عاد ليلتحم معها من جديد، و ضمها إليه بقوة وكأن ذلك الضلع الذي خُلِقت منه اشتاق للإكتمال بقربها.
في الخارج كان عمر ينظر إلى البيت عله يلمح طيفها من الشرفة فيهدأ الألم في قلبه ولو قليلًا، ولكن القدر كافئه حين رآها عائدة من اتجاه البحر ليبتهج قلبه و تتلاحق أنفاسه وهو يتوجه إليها قائلًا:
ـ دا موضوع حورية البحر طلع حقيقي بقى.
انتفض جسدها و اهتاج قلبها الخائن فرحًا لرؤيته، ولكنها قمعت خيانته خلف قناع الجمود حين رمقته بنظرة عابرة قبل أن تتوجه إلى البيت ولكنه لم يجعل الفرصة تفوته ليهرول حتى يقف أمامها بجسده الضخم مما جعلها ترفع رأسها تناظره بسخط تجاهله ليتابع بنبرة هادئة:
ـ عايز اتكلم معاكِ.
شروق بجفاء:
ـ وأنا لا عايزة اتكلم معاك ولا عايزة اسمعك.
عمر بهدوء:
ـ انك ترفضي تتكلمي دا أنتِ حرة فيه. لكن انك تمنعيني اتكلم دا انا مش هقبل بيه. أنا عارف انك متضايقة، و حاسة انك ضايعة بعد اللي عرفتيه عن والدك، و محتاجة تتكلمي مع حد. خليني اكون انا الحد دا.
أوشكت على الاعتراض ليقاطعها قائلًا:
ـ خلينا متفقين أننا كنا أصحاب كويسين، و كان في بيننا حاجات كتير مشتركة. محدش فينا يقدر ينكر دا.
شروق بحدة:
ـ عمر...
تجاهل اعتراضها قائلًا:
ـ أيه رأيك نحاول نقف في المنطقة دي. يعني تسمعيني و اسمعك. انا محتاج اتكلم معاكِ في حاجات محدش ينفع يعرفها غيرك، وأنتِ كمان زيي، و أوعدك اني مش هجيب سيرة موضوعنا لا من قريب ولا من بعيد.
شروق بجمود يخفي الكثير من الانهيارات:
ـ اشمعنى دلوقتي! عشان طلعت من عيلة كبيرة...
عمر بقوة:
ـ وهو أنا لما خطفتك يوم خطوبتي و سبت عروستي والدنيا كلها تتقلب و مشيت كنت اعرف انك من عيلة كبيرة و الكلام دا؟
تعلم الإجابة ولكنها كانت تريد الهرب من إغوائه، فقد كانت في أمس الحاجة للحديث مع شخصٍ ما و إفراغ مكنوناتها و التخلص من هذا العبء الذي تحمله، و لكنها واصلت المقاومة حين قالت:
ـ متفكرنيش بعمايلك السودا عشان مكرهش اشوفك اكتر مانا كارهه..
اقترب عمر يمسك بكتفيها من الجهتين وهو يقول بقوة ناظرًا إلى عينيها:
ـ بطلي حجج، و بصي في عنيا. أنتِ عمرك ما كرهتيني، ولا أنا عمري كرهتك. أنت بتفكريني بنفسي لما كنت بقاومك، و اقعد اقنع في نفسي اني مش عايز اجري على البيت عشان بس اشوفك بعد ما كنت بهرب منه، و بفضل بالشهور بعيد عنه.
اغضبها تجاوزه لذا حاولت التملص من بين يديه وهي تهتف بتحذير:
ـ عمر ابعد ايدك عني...
لم يفلتها بل تابع وعينيه تخاطب عينيها حين قال بنبرة مُتحشرجة:
ـ الدم اللي بيجري في عروقك نفس اللي بيجري في عروقي. نفس المقاوحة و العند و التكبر، رافضه ضعفك قدامي و بتمثلي انك قوية. انا كنت بعمل كدا معاكِ. كنت بقنع نفسي انك مش مناسبة ليا، و أنا قلبي أصلاً مش شايف ولا حاسس بحد غيرك.
لمح وميض من الضعف في عينيها مما جعله يتابع بنبرة يشوبها الضعف:
ـ فضلت أقاوح و اتكبر و اقنع في نفسي اني مش هفتقدك بس والله العظيم ماقدرت أقعد لحظة في البيت و أنتِ مش فيه. انا هربت لأبعد مكان ممكن تتخيليه عشان انساكي و بردو معرفتش..
كانت قاب قوسين أو أدنى من الارتماء بين ذراعيه ولكنها قاومت إذ تملصت بين يديه وهي تقول بحدة:
ـ سيبني يا عمر..
لم يبدو و كأنه سمعها إذ تابع بنبرة تئن من فرط العشق و الألم معًا:
ـ لحد ما اتحطيت في اختيار بينك وبين كل حاجة فكرت أنها مهمة في حياتي، و وقتها اختارتك أنتِ. مفرقش معايا اي حاجة ولا اي حد غيرك أنتِ..
شروق بحدة:
ـ مفرقش معاك اي حاجة ولا مقدرتش تتحمل أني أكون مع حد غيرك؟
عمر بلهفة:
ـ أيوا انا فعلًا مقدرتش اتحمل تكوني مع حد غيري أو حتى أن حد يقرب منك، و دا لو فكرتي لثواني معناه اني بعشقك و بغير عليكِ من الهوى.
صمت لثوان قبل أن يقول بنبرة صادقة:
ـ بحبك يا شروق. بحبك. افهمي. جرحتك انا عارف. عايزة تجرحيني و توجعيني زي ما جرحتك أنا قابل. لحد ما تحسي انك خلاص قادرة تسامحي و نبتدي صفحة جديدة.
كان كل شيء مشوش داخلها و تكالبت عليها الأوجاع، وصارت فريسة بين أنياب الكبرياء و مخالب العشق الذي كان ينهش في قلبها يطالبها بالصفح ولكن لذلك القلب العاشق كبرياء أيضًا وهذا الكبرياء يأبى الخضوع.
ـ أنت عارف انك بتطلب المستحيل.
عمر بقوة:
ـ عارف، و مؤمن أن المستحيل بيتحقق. ماهو أني أحب أصلًا كان بالنسبالي مستحيل..
شروق بجمود:
ـ فكرتك عن المستحيل غلط يا دكتور عمر. المستحيل عمره ما يخون نفسه عشان وقتها هيفقد هويته و هيبقى مجرد شيء مُمكن، مهما كان الطريق طويل و صعب.
عمر بنبرة واثقة:
ـ لا بيحصل و وقتها مبيفقدش هويته ولا بيتحول لمجرد شيء ممكن. وقتها بيكون اسمه معجزة، وأنا مؤمن أن المعجزات لسه موجودة و بتحصل..
ما أن أوشكت على الحديث حتى رن هاتفه ليلعن تحت أنفاسه ذلك المتصل، ولكنه اضطر للإجابه رغمًا عنه لتصل إليه صرخات هايدي التي هتفت بذُعر:
ـ الحق ماما يا عمر....
"اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمّن سواك." ♥️
★★★★★★★★★
كانت تبكي كما لم تفعل من قبل. ينتفض جسدها و كأنه ورقة في مهب الريح. تؤلمها دقات قلبها و كأنها ضربات تبرح ضلوعها ضربًا، يتعالى صوت أنينها و كأنها تريد من العالم أجمع أن يستمع إلى وجعها. تعلم بأنها اختارت أصعب الطرق ولكنها كانت مُجبرة حتى لا تلقى مصير من سبقوها.
تحمل في جوفها السُم ولا تستطِع أن أن تتقيأه خوفًا على أحبائها من غدر أولئك الشياطين الذي يعج بهم هذا الجحيم..
توجهت إلى المرحاض لتفعل أكثر شيء يمكن أن يجعلها ترتاح وهو الصلاة. توضأت وخرجت لترتدي ملابس الصلاة لتبدأ في ذرف أحزانها دفعةً واحدة حتى تبللت سجادة الصلاة التي روتها بعبراتها وهي تردد بقهر:
ـ رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
أطالت في السجود وهي تطلب العون من الله فيما هو قادم، لتنتهي أخيرًا وتجلس مستندة بظهرها على الحائط تتلو دعاء تفريغ الكرب:
" لا إله إلا الله الحليم الكريم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم." حتى غفت من فرط التعب و الإنهاك، فلم تشعر به حين دلف إلى الغرفة الغارقة في الظلام ليسترعي انتباهه هذا الجسد المُلقى أرضاً، فهوى قلبه من فرط الرعب ليهرول تجاهها و يخر على ركبتيه يحمل رأسها بين يديه وهو يهتف باسمها بنبرة مُلتاعة:
ـ أشجان...
لم يأتي منها أي ردة فعل، ولكن أنفاسها كانت منتظمة و كذلك ضربات قلبها، ليُدرك أنها غفت على سجادة الصلاة، فقربها إليه يحتويها بين ذراعيه للحظات حتى يهدأ قلبه المُلتاع، فشعر بها تتململ بين ذراعيه مما جعله يتراجع وهو يحملها بين يديه ليضعها فوق مخدعها، ولكن يديها تشبست بمقدمة قميصه، فقد استيقظت حين حملها، ولم تطاوعها يداها بتركه لتمر لحظة عصيبة على كليهما هو يجاهد حتى يبتعد، وهي تجاهد حتى لا تسمح له بذلك، و الإثنان يتشاركان في الألم الذي يجيش بصدر كليهما..
ـ خالد. أرجوك متسبنيش.
هكذا تحدثت أشجان بنبرة تئن من فرط اللوعة و الألم الذي كان ينهشه كوحشٍ ضاري بالاضافة إلى الغضب المُريع الذي يعصف بعقله، فالخذلان الذي ناله منها أصاب جميع حواسه و هز كيانه بشدة:
ـ ابعدي إيدك عني.
هكذا تحدث بنبرة جافة رغمًا عن ألمه، لتُصيب كلماته صدرها كطلقات نارية كادت أن تُجهِز عليها ولكنها قاومت الوجع و هتفت بأسى:
ـ أرجوك متبعدش عني..انا عارفة اني وجعتك..
تراجع عنها بغتة وهو يناظرها بغضب أسود أذاب عظامها و كذلك فعلت كلماته حين قال بقسوة:
ـ وجعتيني! اللي عملتيه أكبر من كدا بكتير. أنتِ خذلتيني. طعنتيني في ضهري و أستغفلتيني. كذبتي عليا و أنتِ عينك في عيني..
لم تحتمل كل هذا الألم و اللوعة الذي يقطر من بين كلماته ولو كانت لهجته قاسية لتهتف من بين شهقاتها:
ـ أرجوك يا خالد..
خالد بتحذير:
ـ أرجوكي أنتِ. خليكِ بعيدة عني. أنا فعلًا مش عايزك تدوقي غضبي، ولا تكوني ضحيته.
كانت معالمه مرعبة و عينيه لا تشبهان عيني الرجل الذي أحبته ذات يوم، فقد نفرت عروق رقبته حتى كادت أن تخترق جلده و أسودت نظراته، بالإضافة إلى تنفسه الغير منتظم، فقد عاد الوحش الذي ظنت أنها روضته ولكنه عاد بطريقة أسوأ من ذي قبل.
تحلت بشجاعة لا تمتلكها حين قالت:
ـ أنا عارفة غضبك كويس وووو
قاطعها بنبرة افزعتها:
ـ اللي عرفتيه قبل كدا حاجة واللي جوايا دلوقتي حاجة تانية خالص، فأحسنلك تسكتي.
كانت تناظره بألم تعاظم حين لمحت تلك اللمعة في عينيه والتي تعرف جيدًا بأنها عبرات تأبى مفارقة جفونه، وهنا أدركت فداحة ما ارتكبته، و لكنها و لسوء حظها كانت مُسيرة لا مُخيرة..
"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين وغلبة الرجال." ♥️
★★★★★★★★★
خطت إلى داخل المنزل خلفه بعد يومٍ شاق لم تكُن تتخيل أنه سينتهي، ولكن هل انتهى بالفعل؟ فقد طافت عينيها في الصالة الواسعة ذات الطراز الحديث والذوق الرفيع لتتوقف أنظارها عند المطبخ الواسع الذي كان على الطراز الأمريكي و بداخله تقف إمرأة فاتنة ما أن رأت كمال حتى حيته برسمية، ولكنها لم تكُن ترتدي زي الخدم، مما جعل أنفاسها تهتاج و نبرتها تتهدج حين قالت باستفهام:
ـ مين دي؟
استدار كمال يناظرها بغموض قبل أن يقول باختصار:
ـ هتعرفي كل حاجة دلوقتي...
لا تعلم لما شعرت بهذا الشعور السيء الذي جعل الألم يتسرب إلى قلبها، و خاصةً حين سمعته يتحدث بالإيطالية مع هذه الفتاة التي كانت تتحدث برسمية ثم اومأت برأسها باحترام و صعدت الدرج ليتوجه خلفها تاركًا آسيا في حالة من الترقب و القلق الذي جعل طنين دقات قلبها يصل إلى أذنيها، لتبرق عينيها حين شاهدته يخرج من أحد الغرف و يهبط الدرج وهو يحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيه، و يتوجه إليها بعينين صافيتين ليقف أمامها ثم و بكل هدوء يقول:
ـ أحب اعرفك بسيف كمال الوتيدي....
يتبع...
والله ما انتوا شاتمين. أنتوا ناس تقية و لسه خارجين من رمضان و صايمين الستة البيض أكيد مش هتضيعوا صيامكوا عشان كمال يعني 🫣
وعهد الله أنا كنت خايفة انزلكوا البارت دا و الناس على جروب الفيس هما اللي أصروا 😭 عمومًا يعني البارت دا لو جاب ٣٥٠٠ فوت و ٢٠٠٠ كومنت هنزلكوا التاني بكرة أن شاء الله و فيه المشهدين اللي هيبردوا ناركوا غير كدا معادنا الخميس 🙂
اصبحوا على خير اي حد يسأل عني أنا طلعت رحلة لموزمبيق و مش
راجعة قبل شهر 🏃🏃🏃
دا جروبي نوروني نكمل العاركة هناك
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل السادس وسبعون 76 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل السابع عشر
يُقال إن الصدمات لا تأتي لتقتُل، بل لتُثقل عقل الإنسان وتمنحه نضجًا موزونًا، وتوطد خبراته في الحياة؛ ولكن. ماذا لو جاءت تلك الصدمات على هيئة طعناتٍ نافذةٍ نجحت في اختراق شغاف القلب، فأذاقته كيف يكون الموت وهو يتنفس؟ ماذا لو كان ثمن هذا النضج شقًا غائرًا في أعماق الروح، لا يهدأ ألمه ولا يندمل جرحُه؟
تُرى، هل سيكون المرء ممتنًا لها لأنها لقنته درسًا قاسيًا؟ أم سيكون ناقمًا عليها لأنها أماتته سابقًا لتحييه الآن؟ وهل الحياةُ بعد خذلان بطعم الموت تستحق كل هذه المعاناة؟ أم أنَّ الوجع هو ضريبة الحياة الأساسية التي لا مفر من سدادها؟
جميعها استفهامات قد تمر عابرة على من لم تلسعه ألسنة حروفها، أما من عاشها و ذاق طعم مرارتها، فله رأي مُغاير:
" إن قلوبنا ترحب بالصدمات ما دام أحبتنا عونًا لنا عليها، ولا تقبل بأن يُهلكها من أسكنته بين حناياها آمنًا؛ فلا سماح لمن استحل قتلنا ونحن على قيد هواه أحياء، ولا يظل عزيزًا من هان عليه جُرحنا ولو كان يسكن أعماق الروح، فمن استباح دمائنا، فنحن من وداده اليوم براء"
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أخذت عينيها تتفرقان ما بينه و بين ذلك الطفل الذي بين يديه وجملته لازالت ترن بأذنيها و كأنها طنين مؤذي يجعلها يتردد في عظام رأسها ولأول مرة في حياتها تشعر بأنها لا تعي ما تسمع حتى أنها أخذت تحاول إخراج الحروف من بين شفاهها ولا تعرف، وقد كانت عينيه تناظرها بهدوء لا تفهمه يلفت انتباهها قارورة مياة موضوعة فوق أحد الطاولات على يمينها لتمد يدها و ترفع كوب المياة لتبلل حلقها الذي جف و كأن الموت يقف على أعتابه، لترتعش يدها الممسكة به، و تسقط بعض المياة فوق مقدمة صدرها، ولكنها لم تهتم انما وضعت الكوب من يدها والتفتت تناظره وكأنه أحد الكائنات الأسطورية التي تقف أمامها وليس حبيبها! ، أخيرً استطاعت الحديث قائلة بشفاه مُرتجفة
ـ هو. هو يعني ايه سيف كمال الوتيدي؟ هو في كمال الوتيدي غيرك ؟ يعني. اق. اقصد في العيلة. في كمال تاني غيرك؟!
قالت جملتها الأخيرة و هي تلهث و كأنها أنفاسها بدأت بالانفعال أولًا، لتتفاجيء به يقول بنبرة خشنة:
ـ لا مفيش كمال في العيلة غيري كمال الوتيدي واحد بس، و دا سيف ابني..
كانت خناجر كلماته تنغمس أكثر و أكثر داخل قلبها ولكن عقلها عجز عن استيعاب الألم، وهو يحاول رفض هذا الواقع لتهتف بنبرة مُتحشرجة و أنفاس متهدجة:
ـ ابن. ابنك ازاي؟ يعني أقصد. احنا مخلفناش يا كمال...
وضعت يدها فوق بطنها وكأنها تخبره بأنها المكان الوحيد الذي يجب أن يحتضن أطفاله، لتتابع وقد بدأت بإدراك تلك الكارثة:
ـ دا. دا. ابن وا. واحدة تانية. واحدة غيري يا كمال!
كانت الكلمات تتقطع فوق شفتيها و تزاحمها الأنفاس و دقات قلبها التي كانت تضرب صدرها بعُنف ليشعر كمال بأنها على شفير الإنهيار مما جعله يقول بنبرة خشنة:
ـ أقعدي خلينا نتكلم..
لم يتوقع تلك الصرخة التي شفت جوفها حين صرخت بماء فمها بصوت اهتز له سائر جسدها:
ـ رد عليا..... خلفت من واحدة تانية غيري.
كمال في محاولة لتهدأتها:
ـ اهدي يا آسيا.
برقت عينيها و أخذت العبرات تتناثر منها ممن يهب من النيران لتهتف بذهول ممزوج بالاستنكار:
ـ أهدى! بتقولي أهدى؟! اهدى ازاي دا انت حاطت السكينة على رقبتي و بتدبحني و أنت عينك في عيني. اهدى ازاي؟
وضعت يدها فوق رأسها تحاول استيعاب تلك القنبلة التي من شأنها أن تقتلها في هذه اللحظة. لتخرج الكلمات من فهما كالهذيان:
ـ يعني أنا كنت بموت هنا عشانك، و أنت هناك في حضن واحدة تانية غيري!
كان قلبه يتلوى بداخله من فرط الألم، ولكن هناك شيطان مريد بداخله يأبى الاستسلام، ولكن حين بدأ الطفل بالبكاء التفت إلى آنا و هتف بالإيطالية لتقترب الفتاة و تقوم بأخذ الطفل لتصعد إلى الأعلى أمام نظرات آسيا التي هتفت بنبرة جافة:
ـ مشيتها ليه؟ ما كنت عرفني عليها. مش دي ضرتي بردو!
كمال بخشونة:
ـ لا. آنا مش والدة سيف. آنا المربية.
بدأ الألم يهتاج بداخلها ولكن ألم قلبها كان أعظم مما جعلها تهتف بشراسة:
ـ أنا تعمل فيا كدا؟!
كمال بقسوة:
ـ أنا عملت كدا و أنا مطلقك. الدور والباقي على اللي راحت تعاتب واحد وهي على ذمة واحد تاني.
ـ خاينة أنا صح؟!
قالت جملتها ثم أخذت تطلق عدة ضحكات كانت تعبيراً عن صدمة لا يحتملها قلبها ولا يستوعبها عقلها وسط سيل من العبرات الغزيرة التي أغرقت مقدمة صدرها وعينيها زائغة في المكان و كأنها شخصٍ يقف على أعتاب الجحيم لتشعر بفوران داخل معدتها و كأن جسدها وصل إلى ذروته لتشعر بأنها تريد التلاشي في هذه اللحظة حتى لا يرى ماذا فعل هذا الخائن بها، لتجد ضالتها في ذلك الحمام الصغير على يسارها لتتوجه إليه بخطوات مهزوزة و كأن ساقيها تلتف حول بعضها البعض، لتغلق عليها الباب و تستند عليه بكامل ثقلها وعينيها تنظران إلى السقف ورأسها يكاد ينفجر مما حدث ولكن... هل ستجعل ذلك الخائن يرى ما فعله بها الغياب؟!
سيقتلها الأمر الآن. لم تعد تحتمل رؤيته هل تحتمل شفقةٍ منه؟!
قامت بإفراغ حقيبتها لتخرج دواء مضاد للحموضة بهديء من فوران معدتها قليلًا ثم عبأت كفوفها بالمياة من الصنبور و أخذت ترتشف منه حتى تهديء حرائق الألم بداخلها ثم أخذت تنثر المياة فوق وجهها فقد كانت كمن ضربتها صاعقة قوية أوشكت على نزع قلبها من مكانه، ولكنها لن تسقط حتى ولو خرجت روحها وهي تقاوم.
نظرت إلى نفسها في المرآة هذا الانهيار و الألم و الضعف، لقد كان مع إمرأةٍ سواها!
تلك الجملة كان وقعها أقوى من البارود، و أشد من نصلٍ قاتل.
تذكرت تلك الليلة و ما عاشته من ألمٍ و كسرة و ذُل و الآن فذلك الفارس الذي أنقذها ليس موجود! لكنها ستنجو وحدها، فالجميع خذلها و خاصةً من وضعتهم بين حنايا قلبها.
اخفضت رأسها و وضعت كفها فوق معدتها وكأنها تتوسل إليها بالهدوء حتى تفارق هذا المكان، و ذلك الخائن و من ثم تبدأ بالإتهيار حتى ولو دمائها دفعةً واحدة ولكن ليس أمامه.
تراجعت إلى الخلف في اللحظة التي توجه كمال إلى غرفة الصغير حين نادته المربية لتخبره بأن الصغير يبكي بقوة و كأنه يريده، فقد كان يشعر بأن قلبه سيتوقف من فرط الألم و الخوف عليها، ولكنه صعد الدرج في عدة خطوات لطمأنة الصغير و العودة إليها، ولكن لحسن حظها حين خرجت لم تجده ليلفت انتباهها مفاتيح السيارة الموضوعة فوق أحد الطاولات لتنتزعها دون أن تفكر و تتوجه إلى الخارج ليسمع كمال صوت الباب يغلق، فهوى قلبه بين قدميه و أعطى الصغير المرتعب لمربيته، و هرول إلى الأسفل ليجد الباب مفتوح على مصرعيه و يسمع صوت السيارة تدور ليتبلور الذُعر في صدره من شدة خوفه عليها و يتوجه كالممسوس إلى الخارج ليجدها تعود بالسيارة إلى الخلف حتى تُديرها لتخرج إلى الطريق الأساسي، دون أن تهتم بصراخه و تنطلق إلى أي مكان قد يبعدها عنه، لتتركه خلفها واضعًا يحيط رأسه بكلتا يديه وكل إمارات الذُعر بادية على وجهه، ليتراجع إلى الجراج و يستقل دراجته البخارية و ينطلق خلفها...
اللهم افتح لي أبواب رزقك، ويسّر لي أسباب الخير من حيث لا أحتسب، وبارك لي فيما أعطيتني. 🌹
★★★★★★★★
كانت رنا تقف أمام غرفة زينة تقدم خطوة و تؤخر الثانية تود الحديث مع أحد، فما حدث اليوم أربكها و جعلها في حيرة كبيرة من أمرها
عودة إلى وقتٍ سابق
شهقت رنا بعُنف وهي تقول:
ـ أيه يا سهيلة دا؟ أنتِ ازاي تقتحمي عليا البروفا بالطريقة دي وانا لسه ملبستش؟
كانت أعيُن سُهيلة تلتمع بطريقة بثت الذُعر في قلب رنا لهتف الأولى وهي تمر بنظراتها على جسد رنا:
ـ أيه يا رنا في اي؟ ما أنتِ اللي طولتي قولت يمكن محتاجة مساعدة ولا حاجة! و بعدين احنا بنات زي بعض يعني عادي!
رنا بتوتر:
ـ لا طبعا مش عادي. مينفعش، و كدا عيب، و أظن أنه حرام.
سهيلة بملل على عكس نظراتها المُتفحصة:
ـ بطلي هبل بقى هتضحكي الناس عليكِ. غير ايه؟ و مين قالك أنه حرام شيفاني بشنب قدامك! و على فكرة بقى لما بنروح نشتري لبس انا والبنات بندخل البروفا سوى.
رنا بعدم فهم:
ـ و ليه بتعملوا كدا ؟
سهيلة بنبرة يشوبها الخُبث و تعج بالتهكم:
ـ بنقفل لبعض السوستة.. يالا اديني ضهرك بقى عشان اقفلك السوستة و اشوف الفستان اللي شكله هياكل منك حتة دا!
لا تعلم لما ارتجف بدنها و شعرت بالنفور من نظرات سهيلة و حديثها لتهتف بانفعال قلما يظهر عليها:
ـ لا مش هقيس حاجة. و هلبس عشان نروح. اتفضلي اخرجي.
حاولت سهيلة أن تجعل نبرتها معاتبة و لينة حين قالت:
ـ أيه يا رنا أنتِ قفشتي ولا ايه؟ دانا كنت بتعامل عادي. هو احنا مش أصحاب و لا ايه؟
كانت تريد خروجها بأي طريقة لتهتف بنبرة أعلى:
ـ سهيلة كفاية بقى واخرجي بره.
احتدت نظرات سهيلة قبل أن تخرج من البروفا لتترك رنا في الداخل ترتجف
عودة إلى الوقت الحالي
كانت رنا محتارة فيما حدث، وخاصةً أن سهيلة أرسلت لها رسالة صوتية تعاتبها بحزن أشعر رنا بالندم، ولكنها استنكرت ما حدث بشدة، فشعرت بالحيرة تود لو تخبر أحد ما حدث حتى تعرف ما هو الصواب، فأخذت تنظر إلى الغرف، بدايةً من غرفة زينة ثم غرفة أشجان ثم غرفة ميرهان لتحتار مع من تتحدث و إلى من تلجأ! و بالنهاية قررت الذهاب الى غرفتها وهي تبكي بحزن و حيرة مرهقة كثيرًا لمن في مثل عمرها
اللهم أخرجني من حزني، وبدّل ضيقي فرحًا، وهمّي راحة، وطمأن قلبي يا رب. 🌹
★★★★★★★★
كانت تقف أمام الشرفة لا تستطِع النوم بعيدًا عنه ذلك الأمان الذي ظنت أنها أخيرًا وجدته و أنها سيكون مستقرها إلى الأبد، ولكنها كانت مخطئة، فهاهي ضائعة، خائفة حزينة، فما كانت تريد سوى الحفاظ على بيتها و زوجها و خاصةً وهي في مواجهة هؤلاء الثعابين التي لا تستطيع أن تأمن مكرهم بعد ماحدث.
زفرت بتعب وهي تتذكر ذلك الحديث الذي قلب حياتها رأسًا على عقب
عودة إلى وقتٍ سابق
ـ تعالي يا أشجان يا بنتي. عاملة ايه ؟
هكذا تحدثت سعاد إلى أشجان التي كانت ابتسامتها تُضيء وجهها وهي تتقدم من سعاد و تقول بهدوء:
ـ الحمد لله يا طنط حضرتك عاملة ايه؟
سعاد بنبرة مُشجبة:
ـ الحمد لله هعمل ايه ؟ أديني قاعدة مستنية أجلي.
أشجان بلهفة:
ـ بعد الشر متقوليش كدا. ربنا يطول في عمرك..
ناظرتها سعاد بغموض قبل أن تقول باستفهام:
ـ معقول في لسه ناس زيك كدا يا أشجان؟
ـ زيي ازاي مفهمتش؟
هكذا استفهمت أشجان لتُجيبها سعاد قائلة:
ـ روحي اقفلي الباب بالمفتاح عشان الخدامة لو جت تخبط قبل ما تدخل علينا..
أطاعتها أشجان وهي تشعر بأن هناك خطبٍ ما ولكنها لم تُعلق بل جلست أمام سعاد وهي تناظرها بترقب لتصدمها حين قالت:
ـ أنتِ طيبة أوي، وانا بعرف افرق بين الناس كويس، وعشان كدا هقولك حاجة محدش يعرفها غيري، ودا عشان تخلي بالك من نفسك، و متبقيش ضحية لنبيلة..
أشجان بتوتر جراء حديث سعاد:
ـ حضرتك تقصدي أيه؟ أما مفهمتش.
سعاد بتوضيح:
ـ نبيلة بتحطلك حبوب منع الحمل من أول يوم اتجوزتي فيه خالد.
عودة إلى الوقت الحالي
محت عبراتها وهي تنظر من الشرفة إلى السماء التي تتلئلئ بها النجوم من بعيد و قد تذكرت تلك الأيام حين كانت تقف في منزلها القديم مع أمين و تودع النجوم أمنياتها الخفية و تتمنى لو أنها تتحقق ذات يوم و تلامسها بأناملها، و الحقيقة أنها لم تكُن تتخيل أن يتحقق ماهو أبعد من أحلامها بكثير لتصبح زوجة لهذا الرجل، ولكن كما اعتادت لا يوجد شيء كامل، فهاهي جنتها يسكنها الشياطين، فبعد حديثها مع سعاد التي كشفت لها هذه القنبلة المدوية حاولت التأكد من حديثها و يا لأسفها حين توجهت قبل العشاء إلى غرفة التخزين لتختبأ بها و إذا بها ترى الخادمة التي كانت تتلفت يمينًا و يسارًا قبل أن تخرج شريط دواء من جيبها و تضع حبة من هذا الدواء في الكوب الخاص بها، و هنا تأكدت من أن سعاد كانت محقة لتبدأ معاناة من نوعٍ آخر.
قاطع أفكارها رنين هاتفها فإذا بها تجد سوزان على الهاتف لتُجيب بنبرة مُتحشرجة:
ـ نعم يا سوزي.
سوزان بلهفة:
ـ طمنيني عليكِ عاملة أيه دلوقتي ؟
أشجان بنبرة مُلتاعة:
ـ الحمد لله على كل حاجة.
سوزان بمواساة:
ـ معلش يا بنتي. مقدمناش حل غير كدا. انا عماله أجيبها يمين أجيبها شمال مش لاقيالها عدلة.
أشجان بنبرة تئن ألمًا:
ـ هتتعدل ازاي يا سوزي واحنا عايشين وسط الشياطين دول كلهم.
سوزان بحيرة:
ـ والله يا أشجان انا ما عارفة أقولك ايه! لا قادرة ألومك ولا في إيدي حل تاني. بس الأكيد انك مش لازم تكوني ضعيفة.
أشجان بتعب:
ـ ملهاش حل تاني. الناس دي مش عايزة حد قوي. عايزة حد ذكي يقدر يتعامل معاهم بعقل. أنتِ شوفتي اللي حصل لسهام اللي على كلام خالد مكنش حد بيقدر يفتح بقه بحرف قدامها.
سوزان بتفكير:
ـ و دا اللي مخليني أطاوعك. نبيلة دي زي التعبان غداره. بس صعبان عليا خالد أوي. تحسي عنيه وجع الدنيا كله فيها.
أشجان وهي تحاول إخماد شهقاتها:
ـ أنا كل زعله مني دا مش واجعني قد مانا موجوعة و خايفة عليه لما يعرف باللي هي عملته في مراته. تعرفي ! لما قالي أنهم مكنوش بيقدروا يتنفسوا مع سهام كنت عايزة أقوله عشان كدا قتلوها يا خالد. مهما اتخيل حقارتهم مش هيتخيل أنهم يوصلوا للدرجادي. انا خايفة عليه أنه يعرف أوي..
سوزان بحزن:
ـ والله مانا عارفة أقولك أيه يا بنتي. انا بس عايزاه يعرف انك مخدتيش من الحبوب دي.
أشجان بأسى:
ـ وأنا نفسي أوي. نفسي يعرف اني متمنتش في الدنيا غير طفل منه. انا بحبه أوي يا سوزي بحبه أوي. بحبه أكتر من نفسي.
سوزان بحنو:
ـ عارفة يا حبيبتي، وهو كمان لازم يعرف دا ولا من تقوليله يا أشجان.
أشجان بلوعة:
ـ طيب هقوله أيه؟ هقوله أني حطيت الحبوب دي في دولابي عشان الخدامة تشوفها وتروح تقول لأختك عشان تبطل تحطلي حبوب منع الحمل؟ لازم سبب و سبب مقنع دا خالد يا سوزي.. انا بس نفسي احضنه، و أقوله أنا أسفة..
سوزان بأسى لأجلها:
ـ هتعتذريله على أيه بس يا بنتي! أنتِ عملتي أيه؟ دا أنتِ مظلومة زيك زيه!
أشجان من بين عبراتها:
ـ هقوله انا أسفة بالنيابة عن الدنيا دي كلها؟ هقوله أسفه عشان عندك أخت بالسوء دا. أسفة عشان هو ميستحقش غير كل حاجة حلوة.
محت عبراتها ثم تابعت بنبرة تئن وجعًا:
ـ عارفة؟ أنا بدعي من ربنا أكون حامل و اجري عليه وأقوله انا في بطني طفل منك. يمكن النظرة اللي في عيونه ليا دي تتمحي. نفسي اوي اطلع حامل.
سوزان بلهفة:
ـ والله وانا بدعي ربنا يكرمك، وقتها ننفذ اللي اتفقنا عليه و نقوله انك هتقعدي عندي عشان اخد بالي منك لحد ما نشوف هنعمل ايه مع الزفتة دي.
أشجان بنبرة حزينة:
ـ سبحان الله منا عمالين نخطط و نفكر بس إرادة ربنا ليها رأي تاني، و يمكن دي الحاجة اللي مطمناني أنه بدل ربنا عمل كدا يبقى خير..
ما أن أوشكت سوزان على الحديث حتى وصل إلى مسامع أشجان صوت صراخ قادم من الخلف، لتهتف بذُعر:
ـ يا ساتر يارب في ايه؟
هرولت أشجان إلى الخارج لتجد خالد يخرج من غرفة مكتبه و هايدي التي تصرخ في منتصف الرواق وهي تصيح:
ـ ماما انتحرت. الحقي يا خالو ماما بتضيع مننا.
هرول خالد خلف هايدي و وراءه كُلًا من أشجان وزينة و ميرهان و رنا و حين وصلوا كان خالد في الأعلى ليُصدم حين رأى شقيقته تتوسط ارض الحمام، و على معصمها قطعة من القماش غارقة في الدماء التي تمليء الأرضية ليهوى قلبه بين قدميه وهو يندفع تجاهها ويهتف بذعر:
ـ نبيلة...
ـ أنا ربطلها القماشة دي على أيدها عشان اوقف الدم و جريت عليك..
وضع إصبعيه فوق شريانها النابض ليتأكد من أنها لازالت على قيد الحياة ثم قام بحملها و الاندفاع نحو الأسفل، وقلبه يرتعب من فقدانها فهي بالرغم من كل شيء تبقى شقيقته...
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال. 🌹
★★★★★★★★★
ترجلت من السيارة وهو بجانبها يساعدها على النزول و يديه تمسكان بيديها بحنو و كأنه يعتذر عن كل ما حدث معهم، لتبتسم له بهدوء، فمد يده يعانق كتفها وهو يقول بنبرة حانية:
ـ تعبتي اوي النهاردة. حقك عليا يا غُريبة قلبي..
غنى بلهفة:
ـ متقولش كدا يا ياسر. كله يهون قصاد أني شيفاك قدام عنيه..
كان يفتح باب المنزل ولم يكد يُجيبها حتى تفاجئ بذلك الصوت من داخل المنزل:
ـ ياسر. حمدلله على سلامتك يا قلب أختك..
هكذا صرخت هيام وهي ترمي بنفسها بين احضان ياسر الذي عانقها وهو يقول بطمأنه:
ـ أنا كويس يا هيام متقلقيش. أنتِ هنا من امتى؟
ـ من وقت ما عرفنا انك خرجت وهي كل شوية تبعت حد من الغفر يشوفك رجعت ولا لسه، و في الآخر مستحملتش و جت تستناك هنا.
هكذا تحدث جابر وهو يشعر بالحرج من دخولهم المنزل دون وجود ياسر و غنى التي استشاطت غضبًا من دخولها المنزل في غيابهم، وقد ظهر ذلك جليًا على ملامحها ليحاول ياسر تدارك الأمر حين قال:
ـ معلش روحت أجيب غنى و سهرنا شوية عند ولاد عمي.. معرفش انكوا مستنيني هنا.
هيام بنبرة لينة:
ـ أنا بصراحة وحشني بيت أبويا و ريحته قولت ادخل استناك على ما ترجع و اطمن عليك. أنت متهونش عليا لو مهما انا هونت عليك يا ياسر..
لم يكن في حال يسمح له بالجمال لذا قال بنبرة متعبة:
ـ كتر خيرك يا هيام. كلك ذوق..
كانت عينيها على غنى بطريقة أربكت الأخيرة لتقول هيام وهي تنظر إليها في عينيها مُباشرةً:
ـ حاسة ان العروسة زعلانة أننا دخلنا البيت من غير ما نستأذن..
أوشكت غنى على الحديث، فأمسك ياسر بكفها وهو يقول بنبرة جامدة:
ـ مفيش زعل يا هيام غنى تعبانه بس شوية..
اغتاظت من حديثه ليقول جابر بحرج:
ـ طيب يا ياسر احنا كنا جايين نطمن عليك و هنمشي عشان ترتاحوا..
هيام باندفاع:
ـ نمشي دا ايه؟ مش لما اطمن على أخويا و مراته.
تبدلت نظرته غنى من حديثها، ليرى ياسر ذلك النزاع الدائر بين عينيهما، مما جعله يقول بمهادنة:
ـ دا بيتك يا هيام و بيت أبوكي يا هيام، و أنتِ تنوريه في أي وقت. محدش يقدر يقولك متجيش أو متقعديش..
كانت غنى تغلي من شدة الغضب، و بداخلها متعبة، و شعور غريب بالغربة، و بأنها لا تملك شيئًا حتى جدران بيت يكن بمثابة مملكتها، ولكنها تفاجئت حين سمعت ياسر يتابع بنبرة مترفعة:
ـ أنا بدور على شقة تكون كويسة نسكن فيها أنا و غنى عشان مهما كان دا بيت ورثة و مقدرش اجي على حق أخواتي..
لم تتخيل كلا المرأتين أن يكُن رده بهذه الطريقة، فقد قلب الطاولة فوق رأس هيام التي هتفت بلهفة:
ـ تسكن بره دا ايه يا ريس! وشقة إيه اللي بتدور عليها؟ ما كفاياك زعل و خصام بقى يا ياسر. طيب يا سيدي انا غلطانه و محقوقالك و هبوس راسك كمان.
و بالفعل نهضت تقترب منه لتقبل رأسه أمام عيني غنى التي كادت أن تختنق من شدة الغضب حين سمعت ياسر يقول بلهفة:
ـ بتعملي ايه يا هيام؟! اقعدي الله يرضى عنك.
هيام بحزن:
ـ طب اعمل ايه عشان تصالحني. اوطي أبوس رجلك يا ياس؟ معنديش مشكلة والله.
ياسر باندفاع:
ـ أيه يا هيام الكلام اللي بتقوليه دا؟ بلاش كدا أنتِ عارفة أن مقامك غالي...
كانت تعرف ماذا يدور بداخل عقله، ولم تمهله الفرصة للتفكير إذ هتفت بلهفة:
ـ كدا انا عرفت. يبقى أنت زعلان عشان زعل السنيورة، و أنا ميرضنيش زعل غنى و هاخدها من أيدها دلوقتي و ندخل جوا نتصافى..
برقت عيني غنى من حديث هيام التي لم تدع لهم الفرصة للحديث إذ قالت بنبرة ودودة:
ـ قومي بينا يا غنى نتكلم و نتصافى. عشان ياسر يرتاح. مش أنتِ يهمك بردو انه يكون مرتاح.
نفذ مخزون الصبر لديها مما جعلها تهتف بحنق:
ـ اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكيش الصبح يا هيام و أنتِ....
قاطعتها هيام وهي تجذبها من يدها وتقول بنبرة ودودة:
ـ يا بت ميبقاش قلبك أسود مكنوش كلمتين فضفضنا بيهم قصاد بعض. خلينا نتكلم جوا و سيبي الرجالة يتكلموا..
تنبه ياسر لما يحدث، ليستفهم قائلًا:
ـ في أيه يا غنى و حصل ايه الصبح؟
تدخلت هيام بتحذير:
ـ ملكش فيه. دا كلام بيني وبين غنى..
لم تعطي لأحد فرصة للحديث حيث جذبت غنى أسفل ذراعيها و أدخلتها الغرفة وسط ذهول الأخيرة و صدمتها....
اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همّي 🌹
★★★★★★★★★
ـ كيفك يا ست البنتة ؟ اتوحشتي أبوكي جوي..
هكذا تحدث رحيم الذي اتسعت ابتسامته حين رأى الهاتف يرن باسمها فقد كان يتوقع أن تفعل ذلك في اقرب وقت و قد صح ظنه
ـ بجولك ايه اني معرفكش، و لا عمري هصدج حديتك ده، فبطُل تجوله أحسن..
رماح بابتسامة ساخرة:
ـ لاه مش هبطِل، و أجولك على حاچة كمان اني كنت عارف انك هتكلميني بس ربك و الحج متوقعتش تكلميني و چوزك موچود.
نجاة باستفهام:
ـ مين جالك إن چوزي موچود؟ چوزي بره العشا..
اعتدل رماح في جلسته وهو يلتفت إلى أحد الأجهزة بجانبه والتي تشير بناءٍ على جهاز التتبع الذي وضعه في هاتف رحيم أنه بالمنزل لذا هتف بحدة:
ـ عتجولي ايه انتِ! لا يكون جارك و بتسمعيه إياك!
نجاة باستنكار:
ـ مين ده اللي چاري و بسمعه؟ رحيم لو عرف اني بكلمك ممكن يجتلني!
برقت عيني رماح حين علم بأن هذا الماكر قد سخر منه مجددًا، فقد أمر سكينة بأن تحاول إحضار هاتف رحيم لبضع دقائق و تعطيه لأحد الحرس الخونة الذين يعملون لصالحه حتى يضع به جهاز تتبع ليعرف مكان حبيبته التي لم يرتاح الفؤاد منذ أن انتزعوها من بين أحضانه، ولكنه خدعه، و هاهو الجهاز يشير إلى أن الهاتف في القصر ولكنه ليس هناك، ليقوم بإلقاء الهاتف من يده وهو يزمجر بعنف، فجاءت سحر مهرولة:
ـ في أيه يا رماح؟
رماح بغضب جحيمي:
ـ ولد المركوب طلع عارف كل حاچة، و بينيمني.
سحر بلهفة:
ـ أنا مش فاهمة حاجة. تقصد مين؟
ـ رحيم الكلب. همل المحمول اللي عليه چهاز الزفت التتبع في البيت و خرچ.
سحر بتفكير:
ـ لو عمل كدا يبقى الموضوع في إنه
رماح باستفهام:
ـ تجصدي ايه؟
ـ مليون في المية هو قاصد انك متعرفش هو رايح فين؟
برقت عيني رماح وهو يتخيل أن تكون حبيبته قريبة منه وهو لا يعرف مكانها لذا صاح كالمجنون:
ـ معقول تكون اهنه. داني جلبت الصعيد من شرجه لغربه! معقول تكون چاري كل الوجت ده؟
سهر بتفكير:
ـ ليه لا؟ وانا عن نفسي متأكدة أن رحيم بدل عمل فيك الملعوب دا يبقى هو عندها، وهو ميعرفش انك بتكلم نجاة و بالتالي مش هتعرف أنه ساب التليفون و خرج.
برقت عيني رماح حتى بدا كالشيطان الغاضب ليمسك هاتفه و يهاتف أمين الذي قال بسخرية:
ـ عاش مين سمع صوتك يا عمدة. أنا قولت انك رميتني في الجنة دي و نسيتني.
رماح بحدة:
ـ بكرة هنتقابلوا عشان اقولك هنعمل أيه؟ چهز نفسك مبقاش في وقت نضيعه..
اغلق الهاتف مع أمين و التفت ناظرًا إلى سحر وهو يقول بجفاء:
ـ عارفة هتعملي اي مع البت إياها؟
سحر بدلال:
ـ عارفة و مذاكرة الدور كويس اوي يا عمدة متقلقش عليا.
نظر رماح إلى البعيد بأعين يلتمع بهم الشر وهو يقول بوعيد:
ـ چايلك يا صافية و هرچعك لحضني من تاني و غصب عن الوتايدة نفر نفر...
ـ أيه يا عمتي! كنك ارتاحتي أكده، و معيزاش تشوفي حاچة من الدنيا بعد أكده.
هكذا تحدث رحيم أمام مخدع صافية الراقدة منذ وقتٍ طويل، فمنذ أن علم بأنها على قيد الحياة كان يتوق إلى اليوم الذي تعود فيه إليهم و يبكي بين ذراعيها، فقد كان يحبها كثيرًا و يعتبرها والدته الثانية، ولكنها تأبى العودة إلى واقعهم وقد انتابه التعب من كل ما يحدث حوله، لا يجد برًا آمنّا يمكن أن يرسو بثقله على جانبه، و لسوأ حظه المرأة التي خر صريعاً في عشقها بعد سنواتٍ عجاف تكن ابنة عدوه الذي يتمنى قتله في الحال.
هبطت دمعة يتيمة من طرف عيناه لتسقط فوق كف صافية القابع بين أناملة الضخمة ليزفر رحيم بتعب وهو يمسك بهاتفه الخاص فوجد الضابط محمد يتصل وما أن أجاب حتى صاح غاضبًا:
ـ النهاردة ظهرت ضحية جديدة يا عمدة. ميته بنفس الطريقة بس الوشم مختلف..
هب رحيم من مكانه وهو يصرخ بغضب:
ـ عتجول ايه يا حضرة الضابط؟
الضابط بغضب:
ـ اللي سمعته البنت المرة دي كان مرسوم عليها وشم زيادة و حروف اسم على كتفها!
لم يكد رحيم يستوعب ما يسمعه حتى شعر بأنامل رقيقة اضغط على يده برفق لتبرق عينيه حين شعر بصافية التي عادت إلى الحياة من جديد...
يتبع....
انا دلوقتي صاحية بقالي ٢٤ ساعة. الفون فصل وانا بكتب وروحت عملتله سوفت و شغل قد كدا ضاع مني، و نفسيتي كانت زي الزفت حرفيًا، فياريت الناس اللي بتدخل تنظر على غيرها و تتكلم في المواعيد لو عندها طريقة بتعرف بيها الغيب تعرفني.
بصوا يا جماعة كلكوا على دماغي انتقدوا الرواية قد ما تحبوا لكن المواعيد دي مش في أيدي لينا مواعيد ثابته لو قعدت منتظمة عليها سنة محدش بيقولي تسلم ايدك والله انتي منتظمة بس اول ما دنيتي تلخبط شوية اسمع كلام زي السم.
دخلت كتبت اني حصل عندي ظرف والبارت هينزل متأخر الناس بردو داخله تكتب كلام زي السم و حتى مفيش اي اعتذار مفروض ادخل أرد على كومنت كومنت عشان تعرفوا أن البارت هيتأجل! ولاأروح اكتب
دا ميرضيش ربنا الوقت اللي ظروفي مش هتسمح فيه اني اكتب هعتذر و الناس اللي بتتابعني عارفة كويس اني بنتظم على قد ما بقدر لكن نظام انكوا تعلقولي المشنقة دا ميرضيش ربنا.
والله والله والله انا بكتب وانا مش قادرة من كتر التعب و الضغط النفسي. العصبي و بكتب عشان مسمعش كلمة ملهاش لازمة من حد قاعد ميعرفش انا فيا أي
الرواية لا باشتراك و لا انا باخد حاجة من حد عشان يتحكم فيا بالشكل دا ليكوا مني احترامكوا و ليا منكوا احترامي وربنا يعلم انا عمري ما أجلت بارت غير الشديد القوي و يوم ما ظروفي متسمحش مش هكتب. أي كلمة وحشة تزعلني أو تضايقني وانا في موقف زفت و صعب زي اللي كنت فيه دا مش هتحملها من حد
البارت بييجي عليه مشاهدات بالألافات واللي بيتفاعل ميجيش الربع حتى، و مبتكلمش و بنزل احترامًا ليكوا ياريت يبقى في تقدير عن كدا
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل السابع وسبعون 77 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة السبيل الثامن عشر 💙
أحيانًا تكسرنا الحياة حين تضعنا أمام اختيارات جميعُها تصب في بوتقة الجحيم؛ كأن يُجبر الإنسان على الاختيار بين ألمين كلاهما أقسى من الآخر، ويقف حائرًا أمام مفترق طرق إن سلك الأول فقد كرامته، وإن انتهج الثاني فقد هويته؛ فيجدُ نفسه كالغريق الذي عليه أن يختارَ طريقة موته: إما خنقاً بالماء أو سحقاً بين أحضان الصخور. وفي الحالتين الموت واحد وإن اختلفت طريقته، والنجاة هنا خيار لم يخلق له سبيل.
ولكن.. ماذا لو كانت للنجاة طرق مشروعة غفلنا عنها دهراً؟ وأن تلك اللحظات المؤلمة التي سلبتنا أبسط حقوقنا في تسيير حياتنا وفق ما نريد، ما هي في حقيقتها إلا مخاض عسيرٌ لولادة شخصٍ جديد لم نكن نعرفُ بوجوده داخلنا؛ شخصٍ يدرك أن القسوة هي سبيله الوحيد لتجاوز الأزمات، و ربما تخطي الأشخاص الذين أهدوه الخذلان على طبق من حرير. فالقلوبُ التي أحرقها القهر لن يُحييها رمادُ الذكريات.
وأحيانًا لا تكون القسوة طبعاً متأصلاً في النفس، بل صفةً اكتسبتها قلوبنا من تراكم الخيبات؛ فنحنُ لا نقسو لأن قلوبنا من حجر، ولكننا نقسو لأننا منحنا من اللين ما يكفي لترميم شقوق العالم، وفي النهاية لم نجد من يلملمُ كسرنا، أو يجبرُ خاطرنا.
فسلامٌ على ذلك الكسر الذي صنع منا فولاذًا لا ينكسِر، و عزاؤنا الوحيد أننا في ذلك الحين لن نكون مدينين لأحد بترميم شتاتنا.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت العبرات تتدافع من مقلتيها بغزارة مما جعل الرؤية ضبابية أمامها فلا ترى سوى صورًا مشوشة فلازالت صورة واحدة تتراقص أمام عينيها وهي صورة حبيب خائن و طفل صغير. و لحسن حظها أو لسوئه فقد نجت بأعجوبة عدة مرات من حوادث مؤكدة، كونها تقود بجنون فقد كانت تطوي المسافات بسرعة لا تحسب لها حساب، فمن يحمل كل هذا الألم في صدره هل يرى في الحياة شيئًا يستحق النظر اليه!
بينما هو كان على النقيض تماماً، فقد كان الذعر يتملك منه وكأنه يُساق إلى المقصلة وهو يراها تقود بهذه الطريقة الرعناء، و سيارتها تنهش الطريق كما ينهش القلق و الخوف بصدره، و كأن القدر يعاقبه أشد العقاب، و بأقسى الطرق، فلو حدث لها شيء الآن فسيتخلص من حياته في الحال..
أخيرًا ترفق بهم القدر و وصلت آسيا إلى المخبز الخاص بسوزان لتترجل من السيارة و ساقيها تلتفان حول بعضهم البعض و صوت بكائها يشق سكون الليل حتى وصل إلى مسامع كُلًا من سوزان و شروق لتهب الأخيرة مذعورة:
ـ أيه دا في ايه؟ مين بيصرخ كدا؟
انتفضت سوزان هي الأخرى مفزوعة لتمسك بعصاها وهي تتوجه خلف شروق قائلة بلهفة:
ـ استر يارب..
ـ آسيا...
هكذا هتفت شروق بصدمة حين رأت حالة آسيا التي كانت على وشك السقوط وهي لازالت تبكي بعُنف، وحين أوشكت أقدامها أن تخونها تلقفتها يد كمال من الخلف لتحول بينها وبين الأرتطام بالأرض و هو يهتف بلهفة:
ـ آسيا..
ما أن شعرت به و كأن صاعقة كهرباء أصابتها، فأخذت تصرخ و هي تتخبط بين يديه كالملدوغة:
ـ سيبني يا حيوان. نزلني. بكرهك. نزلني.
كانت تتخبط بين يديه كالحيوان الجريح، ولكنه لم يبالي لتلك الضربات القوية التي نالها صدره من يديها و توجه إلى الداخل وسط صراخ و استفهامات كُلًا من شروق وسوزان:
ـ في أيه يا كمال؟ آسيا مالها!
ـ في أيه يا ابني؟
صرخت آسيا بحرقة تزامنًا من وضع كمال لها على المقعد:
ـ ابعد عني متقربش مني تاني. انا بكرهك. بكرهك يا كمال. بكرهك...
بح صوتها وهي تصرخ بأنها تكرهه لتتراشق كلماتها بصدره فقد كانت قاسية كقسوة ما يعانيه سابقًا و الآن ليتراجع إلى الخلف تاركًا المجال لسوزان باحتضانها و هي تقول بذعر:
ـ اسم الله عليكِ يا بنتي مالك؟ في ايه يا آسيا؟
أخذت تنتفض بين يدي سوزان وهي تترجاها بحرقة:
ـ ابعديه عني يا سوزي. خليه يبعد عني مش عايزة أشوفه خليه يخرج من حياتي مبقتش عايزة أشوفه انا بكرهه..
كان الوضع مذريًا للجميع مما جعل شروق تلتفت إلى كمال بحدة:
ـ بيتهيقلي انت سمعتها ممكن تخرج عشان نعرف نهديها؟!
كز على أسنانه، فقد كان في موقف سيء ولكن ليس أسوأ مما مر به من قبل لذا التفت يرمق آسيا بنظرات حزينة قبل أن يلتفت مغادرًا المخبز وليس المكان ليقف أمام الزجاج ناظرًا بتحسُر إلى جسدها التي يرتجف كعصفور صغير بين يدي سوزان و شروق التي تجلس أمامها على الأرض و هي تمسك بيدها وتحاول أن تهدئ من روعها:
ـ اهدي يا آسيا مشي خلاص. قوليلنا عمل فيكِ ايه؟
سوزان من بين عبراتها:
ـ يا بنتي وقعتي قلبي. في ايه؟
رفعت رأسها فكان مظهرها مُريعاً؛ وجهها تلطخه العبرات الغزيرة التي أفسدت زينتها وشوهت جمالها، وأسالت كحل عينيها الجميلتين، وكأن بني آدم لا يهدأ لهم بال إلا حين يتفننون في إطفاء بريق العيون التي تلمع بعشقهم، وتحويل زينة المرأة إلى سوادٍ يسيل على وجنتيها كقصيدة وجع لا تنتهي.
ـ دبحني يا سوزي.. خاني. انا كنت هنا بموت عشانه وهو هناك في حضن واحدة تانية غيري. و جاي و جايبلي ابنه.
كانت تتحدث من بين نهنهاتها التي تشق صدرها إلى نصفين لتشهق كلا المرأتين بعُنف و تهتف شروق بذهول:
ـ بتقولي ايه؟
و هتفت سوزان هي الآخرى:
ـ ابن مين! فهميني انا مش فاهمة حاجة..
لم تمهل أنفاسها فرصة للهدوء، فقد كان الألم هو الآخر لا يمهلها الوقت للاستيعاب مما جعلها تهتف بأنفاس متهدجة و لهجة مبحوحة من فرط الوجع:
ـ جا. جايبلي. طفل. طفل يا سوزي. بيقول. بيقول أنه ابنه. ابنه من واحدة. تانية غيري. خد واحدة غيري في حضنه. و . و خلف منها. وأنا. أنا. هنا. بمو. بموت عشانه..
شعرت شروق بأن حالتها لا تبشر بالخير. لتقوم بجلب كوب من المياة و جعلها ترتشف بضع قطرات منها عل المياة تطفيء حرائق الألم لصدرها ولكن هيهات فقد توقفت المياة بحلقها و أخذت تسعل بقوة وقد كان هذا نذير سوأ بالنسبة لحالتها لتشدد سوزان من احتضانها وهي تهتف بذعر:
ـ اهدي يا بنتي. هتموتي نفسك. بالله عليكِ تهدي.
أمسكت شروق كف يدها وباليد الآخرى أخذت تمسح على ظهرها و خصلات شعرها و رأسها ملقى فوق صدر سوزان لتقول الأولى بانفعال:
ـ آسيا اسمعيني. اهدي شوية. هتموتي نفسك عشان مين؟ محدش يستاهل. خدي نفسك واهدي.
أخذت جملة شروق ترن بأذنيها كالبرق " هتموتي نفسك عشان مين؟ محدش يستاهل"
أغمضت عينيها وهي تحاول تنظيم أنفاسها الملتهبة لتسمع سوزان وهي تقول:
ـ قولي ورايا يا آسيا" ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"
أخذت تهمس خلفها بقلب يتوسل إلى خالقه بالرحمة:
ـ ربي إني مسني الضر و أنت ارحم الراحمين. ربي إني مسني الضُر و أنت ارحم الراحمين..
أخذت تردد دعاء الكرب لمرات و مرات حتى بدأت أنفاسها بالهدوء لتشعر سوزان بأن رأسها زاد ثقله، فهمست لشروق بخفوت:
ـ شكلها نامت..
ولكن شروق كانت عينيها على ذلك الذي يقف خلف النافذة بأعيُن أرهقها الحزن و الألم لتترك يد آسيا بهدوء و تتوجه إلى الخارج عازمة النية على صرفه من حياة صديقتها لتقف أمامه تناظره باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ اطمنت أنك انتقمت منها و دمرتها يا كمال بيه ولا لسه؟
تحولت عينيه إلى الغضب الذي حاول قمعه حين قال بجفاء:
ـ لما تكوني متعرفيش أنتِ بتتكلمي عن ايه يبقى متتكلميش!
شروق بحدة:
ـ مش محتاجة اعرف! كفاية عليا أشوف صاحبتي منهارة بالشكل دا عشان اعرف اللي هقوله، واللي أنت لسه سامعه منها. امشي..
كظم غيظه بصعوبة وهتف بنبرة عنيدة قاسية:
ـ هطمن عليها و همشي..
شروق بجفاء:
ـ هي كويسة. هتبقى كويسة لما تمشي و تختفي من حياتها. انتوا أصلًا سبب كل حاجة وحشة حصلتلنا، اه و بالمناسبة. لو في حد مفروض تطمن عليه هو نبيلة هانم. بيقولوا انتحرت.
تشدق قناع الجمود الذي كان يرتديه ليهتف بصدمة:
ـ أيه! نبيلة مين اللي انتحرت!
شروق بسخرية:
ـ في الحقيقة أنا زي زيك اتصدمت بس دا اللي سمعناه..
وضع يديه فوق رأسه يحاول استيعاب ما حدث، فالتفت شروق تنوي الدخول الى المخبز وقد تأكدت من أنها صرفته ليقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ خليني اطلعها شقتها و بعدين همشي.
التفتت شروق تناظره بسخط تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ متقلقش. احنا متعودين على كدا. ماهي مش اول مرة يحصلها كدا..
دلفت شروق إلى داخل المخبز وقامت بإغلاق الباب و النوافذ في وجه كمال الذي تهدلت أكتافه من فرط التعب، ليتراجع إلى الخلف وهو يقوم بالإتصال بخالد لمعرفة ما حدث لشقيقته...
★★★★★★★★★
كان الجميع في الخارج على صفيح ساخن بدايةً من خالد الذي كان يقف أمام غرفة الطوارئ عاقدًا ذراعيه وهو ينتظر بوجوم خروج الأطباء من الغرفة و كلا الفتاتين ميرهان و هايدي تحتضنان بعضعهم البعض وتبكيان بصمت تتسلله شهقات خفيفة بين الفينة و الأخرى و عز الدين الذي لم يُصدق ماحدث حين أخبرته هايدي ليتذكر الحديث الذي دار بينهم صباحًا
عودة إلى وقتٍ سابق
كان يجلس حول مكتبه و تركيزه منصب حول صفقة مهمة يحاول انهائها لصالحه حتى ينجح في جعل شركته تقف على أرضٍ صلبة، و إذا به يسمع طرقات على باب الغرفة فسمح إلى الطارق بالدخول ليُصدم حين رأى نبيلة التي تتقدم إلى داخل الغرفة و عينيها تحملان عتابًا صريح لم يخطيء في فهمه، ولكنه كان في مرحلة عصيبة لم يختبرها طوال حياته، فبعد ما سمعه ذلك اليوم من نجله وقد تشوشت جميع أفكاره و تصدع جبل المشاعر الذي يحمله لها بقلبه:
ـ ازيك يا عز...
هكذا تحدثت نبيلة بنبرة معاتبة حزينة، فأجابها وهو يشيح بنظره عنها:
ـ الحمد لله.
تفاجئت من جفاءه لتحاول استمالته حين قالت:
ـ مش هتسألني عاملة ايه؟
عز بجمود:
ـ أيه اللي جابك يا نبيلة؟
نبيلة بنعومة و عينين ناعستين تعلم جيدًا تأثيرهم عليه:
ـ استنيتك تيجي تشوفني يوم واتنين و تلاته و مجتش. أول مرة تقسى عليا يا عز، وقلبي مش قادر يتخيل أنك تكون فعلًا صدقت اللي قالوه عني!
رفع رأسه يطالعها بصدمة و خيبة أمل شاب لهجته الحادة حين قال:
ـ هما مين اللي قالوا يا نبيلة ؟ ابنك و اخواتك. يا ترى كلهم وحشين! و ياترى عمر هيكذب عشان يشوه صورة أمه بالشكل دا قدام الناس! و ياترى هيزيف حقايق بقالها سنين و سنين!
هبت من مكانها تندفع تجاهه وتسقط جالسه أمام مقعده وهي تتقن ذرف عبراته الغزيرة التي عززتها بكلماتها المؤثرة حين قالت:
ـ ضحكوا عليه يا عز. ممتك و نسمة ضحكوا عليه و كرهوه فيا. هو دا اللي بيعملوه معاك من سنين وانا مصدقتهمش لكن هو عشان صغير. صدقهم. زيفوا الحقايق في عينيه و كرهوه في أمه. ممتك نفذت كلامها لما قالت هكسرك بابنك، و نسمة اللي كانت بتكرهني كره العمى و عايزاك تطلقني. أنت نسيت يا عز؟!
صمت عز لثوان يناظرها بأعيُن تحمل اللوم و الغضب ليُفاجئها حين قال:
ـ لا مش ناسي..
هتفت بلهفة وابتسامة خرقاء تزين ملامحها:
ـ أهو ادي انت افتكرت...
قاطعها حين قال بجفاء:
ـ أنا دلوقتي بس افتكرت أن نسمة عمرها ما قالتلي عنك كلمة وحشة زمان.. افتكرت يوم ما ضربتها لما قولتيلي أنها على علاقة بصابر كل اللي قالته كان حسبي الله ونعم الوكيل.
اهتز بدنها من حديثه و عينيه التي لأول مرة تطالعانها بهذه الطريقة ليُتابع بنبرة غليظة:
ـ أنا عايز انسى. عشان لو افتكرت هكرهك و هكره نفسي. انا لو فعلًا أتأكدت اني ظلمت أختي السنين اللي فاتت دي كلها بسببك مش عارف ممكن اعمل فيكِ و في نفسي أية؟
كانت القسوة تتبلور في ملامحه و نبرته وكلماته مما جعل حلقها يجف من فرط الزُعر لتحاول اخراج الحروف من بين شفتيها ولكنها عرتها و خرجت مرتبكة حين قالت:
ـ عـ.. عز. أنت. أنت مستحيل تكون. تكون بتتكلم جد. دا انت. دا انت شوفت بعنيك. أنت. انت ناسي لما كانوا بيوقعوا بيني وبينك و بيحاولوا يشوهوا صورتي قدامك..
عز باستفهام:
ـ تقصدي زي يوم الساعة مثلًا!
نبيلة بلهفة:
ـ أيوا. يوم الساعة. فاكر. كويس انك فاكر. أهو ربنا ظهر الحق شوفت اني مبكذبش!
عز بسخرية مريرة:
ـ فعلًا ربنا ظهر الحق. عشان اليوم دا انا مسمعتش حد غيرك أصلًا. أنتِ اللي جيتي تعيطيلي و تقوليلي ساعتي الألماس ضاعت، و انك شوفتي نسمة خارجة من أوضتك، و لما روحت فتشت اوضتها لقيت الساعة في أوضتها. يومها ضربتها و بهدلتها من غير حتى ما اسمعها.
كان الألم يتبلور في عينيه وقلبه حين تذكر ملامحها وذلك القهر الذي كان ينبعث من عينيها و بكائها الذي يتردد صداه الآن بصدره، فقد أدرك الآن أن للحقيقة وجهًا آخر. وجهًا أكثر بشاعة مما ظن، ولهذه الملامح الملائكية الماثلة أمامه أيضًا وجهًا آخر يخفي الكثير والذي يعلم أنه لن يسره رؤيته..
ـ امشي..
هُدِم عالمها رأسًا على عقب و تصدعت قشرة الأمان التي ظنته أبديًا لتجد نفسها في مواجهة شخصًا كان بيوم من الأيام حصتها المنيع و سلاحها الفتاك في مواجهة الجميع، و هاهو يقف أمامها بأعيُن يلتمع بهم كل شيء ماعدا الحب مما جعلها تتراجع إلى الخلف وهو تقول بشفاة مرتجفة:
ـ عز. أنت. ظالمني..
عز بنبرة اشبة بالصراخ:
ـ قولتلك امشي...
ارتجف جسدها و أرتد إلى الخلف قبل أن تستدير مهرولة إلى خارج الغرفة.
على الإنسان أن يتعلم بألا يثق بصلابة الجدران التي يستند عليها ولا الاتكاء بكامل ثقله فوق الحصون التي شيدها حول نفسه، فالتاريخُ على مر العصور أثبت لنا أن القلاع المنيعة سقطت حين ظنّ أصحابها أنها لا تُقهر.
عودة إلى الوقت الحالي
عاد إلى أرض الواقع وهو يشعر بالتخبط جراء كل ما يحدث معه، لا يعرف الصواب من الخطأ، وقد كان هذا الأمر مؤسف كثيرًا لشخصٍ في مثل عمره أن يكون فاقد القدرة على معرفة الخطأ من الصواب و أن يقف أمام عائلته لا يعرف هل يجب عليه احتضانهم ام الفرار منهم؟
في هذه اللحظة وصل كمال إلى المشفى بملامح واجمة حزينة كأرض معركة غطاها رماد الخسارة و ضياع الأحلام، ووجه مغبر و كأنه خرج لتوه من فوهات الجحيم، يحمل في تقاسيمه وعثاء السفر في طرقات الألم التي لا تنتهي، حيث الحزن هناك ليس مجرد شعور، بل غشاء صلب من الإنكسار يغلف ملامحه و يحيط بقلبه، فما أن رأته ميرهان حتى اندفعت إليه لترتمي بين ذراعيه وهي تبكي بقهر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ الحقنا يا أبيه كمال نبيلة بتضيع مننا..
كانت جملة قاسية بالرغم من كل شيء، ولكنها لم تكون أقسى ما مر به، لذا لم يهتز أو يتصدع ذلك الغشاء الذي يغطي ملامحه، فتلك الفتاة العالقة بين ذراعيه لم تكن شقيقته و مدللته كما في السابق، بل أنها كانت أحد الخناجر التي طعنته في صدره ذات يوم لذا جذب نفسه من بين ذراعيها بطريقة أثارت صدمة الجميع ليتوجه إلى خالد الذي هاله مظهره و خاصةً تلك الدماء التي تحتقن في مقلتيه مما جعله يعاجله الحديث حين اقترب منه:
ـ في أيه يا كمال!
كمال بجمود:
ـ مفيش. طمني حالتها أيه؟
خالد باختصار:
ـ لسه منعرفش.
على الرغم من حديث خالد المختصر ولكن عينيه كان بها الكثير من الاستفهامات التي لا يستطِع كمال الإجابة عنها، فكيف يعبر الكلام عن ألم لا يمكن حتى للضلوع إحتوائه!
مرت لحظات عصيبة قبل أن يخرج عمر من الغرفة، فمنذ وصوله وهو مع الأطباء في الداخل ليندفع الجميع نحوه و على رأسهم هايدي التي صرخت قائلة:
ـ ماما عاملة ايه يا عمر. طمني أبوس إيدك..
عمر بتعب:
ـ الحمد لله. الجرح مكنش عميق خيطناه و وقفنا النزيف، و الحمد لله هي بقت أحسن.
صرخت الفتاتين في آنٍ واحد:
ـ عايزين نشوفها..
أومأ عمر برأسه قبل أن يقول:
ـ هينقلوها أوضة عادية، و هطمن عليها و بعدين ادخلكوا..
ضاق ذرعًا من نحيبهم ليقوم خالد بجذب عمر من يده جانبًا وهو يقول باستفهام خشن:
ـ عرفني حالتها عاملة ايه بالظبط.
أجابه عمر قائلًا:
ـ زي ما قولت. حاولت تقطع شرايين إيدها، و الحمد لله الجرح مكنش عميق. و قدرها توقف النزيف وعلقنالها دم عشان الدم اللي فقدته وأن شاء الله هتكون كويسة.
ـ متأكد يا عمر يا ابني؟
هكذا تحدث عز بلهفة جراء القلق، فقد كان يشعر بالذنب تجاهها و يلوم نفسه أيضًا على ما حدث لها، فلم يحسب حساب لكلمته التي جعلت ملامح عمر تتجعد من الاندهاش للحظات قبل أن تعود لطبيعتها وهو يقول باختصار:
ـ متأكد.. اطمنوا..
كان كمال هو أول من تحدث حين قال:
ـ ألف سلامة عليها. لو احتاجت حاجة يا عمر كلمني. انا همشي..
تفاجئ الجميع من جفائه، فهو لم يكُن بحياته قاسياً على شقيقاته ولم يكن يتخلى عن أيًا منهمَ في مثل هذا الوضع مما جعل هايدي تهتف بحنق:
ـ هتمشي و تسيب مامي في الحالة دي يا خالو؟
في طريقه للمغادرة رمقها شذرًا وهو يقول:
ـ كفاية انتوا معاها..
التفتت ناظره إلى الرجال الثلاثة و هي تهتف بانفعال:
ـ للدرجادي ماما مش فارقة معاه! يمشي و يسيبها وهي في الحالة دي؟
لم يُعطي خالد لحديثها أهمية، فقد كان فكره منشغلًا بكمال، و كذلك صمت عز الدين ليُجيبها عمر بجفاء:
ـ بطلي افورة قولتلك حالتها بقت كويسة، و بعدين كلكوا هتروحوا، مالوش لزوم تستنوا هي كدا ولا كدا هتروح على الصبح.
لم يُعجبها الحديث لتقترب من خالد وهي تقول بنحيب:
ـ سامع كلامهم يا خالو! سامع يا بابا؟ معقول ماما ملهاش اي غلاوة جواكوا للدرجادي! عشان كدا مامي حاولت تنتحر. عشان كل الناس اللي بتحبهم خذلوها، و باعوها. مامي تستحق ناس أحسن منكوا.
نجحت في تحريك رماد الندم في داخلهم ليقترب منها عز الدين يحتضنها وهو يقول بحنو:
ـ ممتك غالية عندنا كلنا يا هايدي، و كلنا حواليها محدش فينا هيقدر يسيبها.
كانت عينيها تنظران إلى خالد الذي أيد حديث عز الدين قائلًا:
ـ اسمعي كلام باباكي يا هايدي و مينفعش تقولي الكلام دا. لو مكنتش ممتك غالية علينا. مكنش زمانا موجودين هنا دلوقتي..
هايدي قاصدة كل حرف تتفوه به:
ـ ماما محتاجة تحس بدا يا خالو. محتاجة تحس انها غالية عندك، و تسمع منك دا. مش كل شوية تسمع كلام زي السم، و يتحرم عليها البيت اللي اتولدت فيه، و تنصر عليها ناس....
ـ هايدي....
هكذا قاطعها خالد بنبرة جافة جعلت الحروف تعلق في فمها ليمد يده ويربت على خدها وهو يتابع بتحذير:
ـ متدخليش في حاجات متخصكيش. مش أنتِ اللي هتعرفيني اتعامل مع أختي ازاي. ادعي لممتك تقوم بالسلامة و بس. دا المطلوب منك..
كان حديث خالد كفيل بإغلاق الأمر عند هذه النقطة ليغادر عمر متوجهًا للغرفة الراقدة بها والدته ليجدها غافية فتوجه ليجلب مقعد و يجلس أمامها وهو يناظرها بحزن تعشعش في ملامحه نازعًا كل الأقنعة التي يرتديها أمام الجميع ليطلق زمام جميع مشاعره في هذه اللحظة حين قال:
ـ يعز عليا أوي اشوفك كدا. أنا عارف انك زعلانه مني. بس انا كمان زعلان منك أوي. انا بحبك يا ماما. بس زعلان منك. أنتِ خذلتيني. خذلتي الطفل اللي جوايا.
تناثرت عبراته وهو يتابع بألم:
ـ كل طفل ببشوف أمه أعظم أم في الدنيا. بس أنتِ حرمتيني من اني اشوفك كدا. كل مرة كنت بشوفك بتكذبي و بتأذي عمتي كنتِ بتخذليني. كان نفسي أنتِ اللي تعلميني كل حاجة حلوة. بس أنتِ مكنتيش شيفاني. كان كل حاجة عندك أهم مني.
محى عباراته التي اغرقت مقدمة صدره بكفوفه المرتعشة و هو يتابع بنبرة يفوح منها رائحة الألم:
ـ كل طفل بيغير على أمه بيكون عايزها تهتم بيه لوحده. تديله كل حبها. بس أنتِ مكنتيش بتعملي كدا. كنتي مركزة مع بابا و كأن مفيش في الدنيا غيره. مكنتيش حتى بتسمعيني. خلتيني اكتره اشوفه جنبك. كل حاجة في البيت كنت بكرهها. حتى وقت الأكل. عمرك ما شوفتيني كلت ولا لا؟ شربت ولا لا؟ ذاكرت ولا لا!
تعالت نهنهاته وهو يتابع بحرقة:
ـ حتى لما كنت بحاول ألفت انتباهك بأي حاجة حلوة انا عملتها مكنتيش بتكلفي خاطرك تشوفيها ولا تشوفيني. كان نفسي مرة تستنيني وانا جاي من المدرسة، و تطمني عليا زي ما كنتِ بتستني بابا وهو جاي من الشغل. كنت بحتاجك كتير أوي يا ماما. مكنتش بلاقيكي.
حاول قمع كلماته و مكنوناته التي قد تؤذيها لذا قال بنبرة مُلتاعة:
ـ أنا آسف يا ماما. بس انا كنت محتاجك زيي زي أي طفل. محتاج اتحب منك عشان اعرف أحب. محتاج حنيتك عشان أشبع و اتعلم اني ادي. انا طول الوقت عايز أخد عشان أنا مشبعتش. انا أناني يا ماما أناني. طول الوقت عايز أشبع من كل حاجة و مش عارف.. حاسس اني اتحرمت من حاجات كتير أوي، ومش بعرف انسى. انا كل حاجة حصلت زمان فاكرها كأنها النهاردة. غصب عني سامحيني..
انحنى فوق كفها يلثمه بشفتيه وهو يبكي لا يعرف هل يبكي طفولته المشوهة! أم يبكي حاضره الأليم أم يبكي الاثنين معًا؟
★★★★★★★★★
ـ جرجرتيني قدام اخوكي و لبستي الوش الحنين قدامه وهو و جوزك. أقدر اعرف بقى عايزة ايه ؟ و ياريت تجيلي دوغري.
هكذا تحدثت غنى وهي تناظر هيام باحتقار لتقول الأخيرة بهدوء تُحسد عليه:
ـ عايزين نصفي اللي بيننا.
قلبت غنى عينيها بملل و اجابتها بجفاء:
ـ ما قولنا بقينا لوحدنا مالوش لزوم التمثيل دا.
هيام بلهجة ناعمة تحمل في طياتها التحذير:
ـ لا اتعدلي و أنتِ بتكلميني و اعرفي اني لا ضعيفة ولا بتذللك. انا بس هرصلك الورق كله وأنتِ اختاري و اتحملي نتيجة اختيارك..
غنى باختصار:
ـ سمعاكي.
هيام بنبرة قوية:
ـ دلوقتي اللي بره دا ابني اللي متشقتلوش بطني. وحتة مني معنديش اغلى منه هو والتاني. عارفة حمادة ابني! مش في غلاوة ياسر و يزيد. الدنيا فرمتنا و جابتنا و ودتنا و اللي خلانا لسه عايشين أننا كلبشنا في بعض. مفرطناش في بعض أبدًا، و مش هيحصل. دوقنا المر ألوان و مكنش بيحليه غير لمتنا.
صمتت لثوان ترى وقع الحديث على غنى قبل أن تُتابع بصدق:
ـ في الأول لما ياسر جه وقالي أنه رايدك مكنش عندي مشكلة و قولت أمين. وماله اللي بدأ بقلة الأصل و البهدلة كانوا اهلك. امك دي مخلتش بيت في الحارة غير و قعدت و شتمت علينا و على أخويا، و مع ذلك اكتمت حطيت في بقي جزمة و سكت. لكن توصل أنها تهيني في وشي وتقولي هبلغ عن اخوكي و هوصي عليه ناس تكسرلك عضمه، لا يا حبيبتي. أنا مش عشقاكي في الضلمة يا عنيا. مش أنتِ اللي هتحيينا! حقي أخاف على أخويا ولا لا؟ جاوبيني بحق ربنا..
كانت تعلم في قرارة نفسها أن والدتها أخطأت و تشارك هيام ذنبها، ولكن من دفع ثمن هذا الذنب ليس هذه ولا تلك لا هي و هو لذا أجابتها بألم:
ـ أنتوا اللتنين أسوأ من بعض...
هيام بنفي قاطع:
ـ لا... أنتِ كدا ظالمه. دا مش عدل.. أنا كنت موافقة ومرحبة و اخويا اترفض من أهلك مرة واتنين وسكت. لكن لحد الأذى و مش هسكت. أنتِ لو مكاني كنتِ سكتي! كنتِ هترمي ضناكي في النار؟! ردي يا صبية. ساكتة ليه؟
احتارت بماذا تجيبها ولكنها في النهاية قالت بغضب:
ـ ماشي متسكتيش. بس متبعتيش واحدة تتبلى عليه. أنتِ متعرفيش أنا شوفت ايه في جوازتي..
هيام بتوضيح:
ـ لا عارفة، و قلبي اتمزع لما عرفت. لكن دا ذنب اهلك مش أنا. انا اللي جبتلك العريس؟ أنا اللي قولتله روح خبط على بابهم؟ أنا اللي قولتله يعمل فيكي كدا؟ لا يا حبيبتي. انا بريئة من ذنبك. ذنبك في رقبة أهلك هما اللي رموكي الرمية السودا دي. انك قالتلي في قلب الصالة اللي بره دي. بنتي تروح للي يتاقلها. لا جابت سيرة يصونها ولا يحافظ عليها ولا غيره.
كانت محقة، فمن وضعها بين أنياب اولئك الوحوش هم أهلها، ولأن الأمر مؤلمًا لم تريد التعمق به أكثر لذا قالت بنبرة مُتحشرجة:
ـ اللي حصل حصل يا هيام وربنا هيدي كل واحد اللي يستاهله. أنتِ عايزة ايه دلوقتي ؟
هيام بنبرة هادئة و أعيُن تترقب جميع انفعالات غنى:
ـ عايزة نتصافى زي ما قولتلك، و ياسر ميتلطمش في الشغل عند الناس. انا مش عملت دا كله عشان في الآخر أخويا يتبهدل عند حد. الراجل اللي بره دا لو طلعتي سألتيه هيام اتجوزتك ليه وطلبت مهرها منك أيه؟ هيقولك اتجوزتني عشان اخواتها و مهرها مني كان اني اقف جنب اخواتها، لا ياسر ولا يزيد يعرفوا بالكلام دا. انا بقوله لك عشان تعرفي ان ياسر و يزيد دول حتة من قلبي، و مش هفرط فيهم لحد آخر نفس فيا..
كانت الصدمة تخيم على ملامحها وتولد بداخلها خوفٌ كبير من هذه المرأة، من الواضح أنها بالفعل تحب أشقائها ولكنها تخيفها و كثيرًا و على الرغم من ذلك لم تستطع منع الحديث من التدفق من بين شفاهها حين قالت:
ـ و كان فين كلامك دا الصبح لما جيتي هنتيني وشتمتيني و استغليتي غياب أخوكي..
هيام بلهفة:
ـ و عايزة مني اعمل ايه؟ لما المحروقة حماتك تجيلي لحد عندي وتقولي أن اخويا اتحبس عشان كان هيموت ابنها لما شافك واقفة معاه! لا و كمان بتقول انكوا متفقين تتقابلوا! مفروض اجي أطبطب عليكِ؟
توقفت الأنفاس بحلقها حين سمعت حديثه هيام عن ما أخبرتها به تلك المرأة اللعينة التي لم تكتفي ما فعلته به سابقاً بل و تشوه صورتها بهذه الطريقة القذرة لتندفع العبرات من مقلتيها من شدة القهر لتستغل هيام الوضع وتقوم بامساك يدها وهي تقول بحدة:
ـ ما تجمدي كدا اومال. أنتِ هتدوريلنا العياط كل شوية، و بعدين أنا لما هديت وفكرت عرفت أن المدعوقة دي بتقول أي كلام وخلاص. لكن وحق لا إله إلا الله مبقاش هيام لو ما جبتلك حقك منها تالت و متلت، و هخليها تفكر ألف مرة قبل ما تنطق اسمك حتى. ها قولتي أيه؟ صافية لبن و نطلع دلوقتي نبلغ الريس أننا اتصافينا ولا هنفضل منكدين على الراجل كدا؟!
بهتت ملامح غنى و تشوش عقلها من كل ما يحدث وقدرة هذه المرأة على جعل الرأس يدور و العقل يعجز عن التفكير، لتمر ثوان وغنى تنظر إليها فقط لتهتف هيام بلهفة:
ـ طبعًا أنتِ زمانك عايزة تقولي طب لو أنا سامحتك ياسر هيسامحك؟ هجاوبك. انا اكتر واحدة في الدنيا عارفة الطريق لقلب ياسر، و مفاتيحه كلها معايا، و أن متصالحناش النهاردة هعرف أصالحه بكرة. متقلقيش. يالا بقى فكي عقدة لسانك دا و قولي اتصافينا ولا هنشد في شعور بعض ؟
يتبع...
الحقيقة يا جماعة أنا معرفتش ازود غير يدوب ٣٠٠كلمة الجماعة عندي و هيسافروا على البلد الصبح، وفارس عنده امتحان بكرة أن شاء الله ادعوله عشان لسه داخل نايم و دا اللي أخرني.
لو الطيران عرف يطلع بكرة جوزي هييجي بالسلامة و هنسافر احنا أن شاء الله بعد الامتحان لو معرفش ينزل يبقى هنروح على الخميس أن شاء الله و هكملكوا البارت دا بكرة وهحاول يكون طويل عشان يعوضكوا
طبعًا مش عايزة أوصفلكوا مدى احباطي بسبب اللخبطة اللي أنا فيها و ظروفي اللي مش مظبطة من كل النواحي بس الحمد لله على كل حاجة.
للأسف في حاجات بتكون خارجة عن إرادتنا لا بنعرف مواعيدها ولا حتى بنقدر نتجاوزها
عمومًا دعواتكوا لعم جوزي كان راجل محترم و طيب جدًا و أمانة تدعولي كتير و تدعوا لفارس ربنا يكرمه في امتحان بكرة أن شاء الله طبعا سامحوني على اي اخطاء معنديش فرصة اراجع
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثامن وسبعون 78 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
ملحوظة عايزة تفاعل قمر و كومنتات كتير على الفقرات اللي حبتوها بمناسبة اني نزلت بارت مفاجأة اهو 💃🏼💃🏼💃🏼
السبيل الثامن عشر ج٢
أحيانًا تكسرنا الحياة حين تضعنا أمام اختيارات جميعُها تصب في بوتقة الجحيم؛ كأن يُجبر الإنسان على الاختيار بين ألمين كلاهما أقسى من الآخر، ويقف حائرًا أمام مفترق طرق إن سلك الأول فقد كرامته، وإن انتهج الثاني فقد هويته؛ فيجدُ نفسه كالغريق الذي عليه أن يختارَ طريقة موته: إما خنقاً بالماء أو سحقاً بين أحضان الصخور. وفي الحالتين الموت واحد وإن اختلفت طريقته، والنجاة هنا خيار لم يخلق له سبيل.
ولكن.. ماذا لو كانت للنجاة طرق مشروعة غفلنا عنها دهراً؟ وأن تلك اللحظات المؤلمة التي سلبتنا أبسط حقوقنا في تسيير حياتنا وفق ما نريد، ما هي في حقيقتها إلا مخاض عسيرٌ لولادة شخصٍ جديد لم نكن نعرفُ بوجوده داخلنا؛ شخصٍ يدرك أن القسوة هي سبيله الوحيد لتجاوز الأزمات، و ربما تخطي الأشخاص الذين أهدوه الخذلان على طبق من حرير. فالقلوبُ التي أحرقها القهر لن يُحييها رمادُ الذكريات.
وأحيانًا لا تكون القسوة طبعاً متأصلاً في النفس، بل صفةً اكتسبتها قلوبنا من تراكم الخيبات؛ فنحنُ لا نقسو لأن قلوبنا من حجر، ولكننا نقسو لأننا منحنا من اللين ما يكفي لترميم شقوق العالم، وفي النهاية لم نجد من يلملمُ كسرنا، أو يجبرُ خاطرنا.
فسلامٌ على ذلك الكسر الذي صنع منا فولاذًا لا ينكسِر، و عزاؤنا الوحيد أننا في ذلك الحين لن نكون مدينين لأحد بترميم شتاتنا.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ اسمعني يا ياسر عشان في كلمتين مهمين لازم أقولهملك قبل ما هيام تخرج، و متقلقش على غنى. هيام جاية و ناوية على خير. أختك فعلًا متبهدلة بسبب خصامكوا ليها.
هكذا تحدث جابر إلى ياسر الذي كان القلق يأكله بكل ثانية تمر وهي بالداخل مع شقيقته وقد شعر جابر بذلك فأراد طمأنته، و قد نجح ولو بالقدر القليل
ـ اتفضل يا حاج جابر سامعك..
جابر بوقار:
ـ طبعًا أنت عارف اني كنت زعلان من هيام زعل كبير. بس ربك و الحق لما قعدت اتكلمت معاها صعبت عليا. هيام شيفاك أنت و يزيد عيالها مش أخواتها. غلطت طبعًا غلط كبير. بس من خوفها و زعلها عليك. كلام أم غنى كان قاسي و جارح، و تهديدها ليها هو اللي خلى هيام تتصرف كدا، و أنا بردو غلطتها و قولتلها أن الغلط راكبك من ساسك لراسك.
ياسر بجفاء:
ـ و ياترى اقتنعت؟
جابر بتأكيد:
ـ اقتنعت، بس خليني ألفت انتباهك لحاجة مهمة. هيام غيرانه عليك. و كل غضبها على غنى بسبب غيرتها عشان حست أنها خدتك منها، و بردو موقف أهلها. يعني سابوك لما مكنش معاك ولما ربنا أداك بقيت حلو ؟
ياسر بحنق:
ـ غنى بره عنها الكلام دا. اخدها بذنبهم ليه؟ و بعدين حتى لو أهل غنى وحشين هما أيه درجة قربهم مني؟ هما ميفرقوش معايا من أساسه. اللي يفرق معايا أختي اللي بعتبرها أمي لما تطعني في ضهري و تفرق بيني وبين حبيبتي يبقى ليا حق ازعل. اتقهر يا حاج جابر و خصوصاً لما ألاقيها بتتمادى في غلطها. مدتنيش حتى وقت استوعب الصدمة.
ـ يا ابني انا عارف اللي بتقوله دا، وليك كل الحق تزعل و تتصدم و تشيل في قلبك. بس المسامح كريم. أختك دموعها مبتنشفش لا ليل ولا نهار.
صمت جابر لثوان وهي يرى الحزن يلون ملامح ياسر ليُتابع الأول قائلًا:
ـ هيام معندهاش في الدنيا أغلى منكوا، و بتعتبر نفسها أمك مش أختك. أنا مش هقولك هي بتحبك قد أيه عشان انت عارف. لكن هقولك استغفر ربنا و اطلب منه ينزل على قلبك السكينة و السماحة و تتصالح مع أختك. هيام مفيش اطيب من قلبها يا ياسر مش أنا اللي هقولك كدا.
أومأ ياسر برأسه قبل أن يقول بجمود:
ـ ربنا يقدم اللي فيه الخير.
دق باب المنزل فتوجه ياسر ليفتحه، فوجد يزيد يقف أمامه ناظرًا إليه بحرج تجلى في نبرته حين قال:
ـ يارب مكونش جيت في وقت مش مناسب!
ياسر بتهكم:
ـ ايه الأدب اللي نزل عليك دا! تعالى ادخل
يزيد بسخرية:
ـ تصدق بردو أنا معجبنيش حوار الأدب دا! أوبا. الحاج عبد الغفور البرعي بنفسه منورنا!
هكذا صاح حين رأى جابر يجلس في الصالة ليبتسم الأخير قائلًا:
ـ والله وحشتني خفة دمك يا يزيد..
يزيد بمرح:
ـ عشان انت راجل أصيل بس. أخبار فاطنة كشري ايه؟
ياسر بحنق:
ـ قاعدة جوا..
يزيد بصدمة:
ـ جوا فين؟ و غنى فين؟ قتلتوها ولا ايه؟
ياسر بتقريع:
ـ ما تخرس ياله أنت. أختك جوا معاها قوم شوفها.
يزيد بتهكم:
ـ عايزني اطمن بلعتها ولا لا؟! عيني.
هب يزيد متوجهًا للداخل وهو يصيح:
ـ يارب يا ساتر. حد قالع راسه ؟
هتف جابر وهو ينظر إلى ياسر قائلًا:
ـ متقلقش يا ياسر. قولتلك هيام جاية في خير، وانا واثق أنها مش هتزعل غنى مهما حصل.
في الداخل هتفت هيام بلهفة:
ـ تعالى يا يزيد.
يزيد باندهاش:
ـ ايه دا فين السكاكين؟ فين الدم! داهية لا تكونوا بتتجاذبوا أطراف الحديث زي البني ادمين؟!
هيام بنبرة ذات مغزى:
ـ ربنا ما يجيبش بنا أبدًا حاجة وحشة. أنا كنت بتكلم أنا و غنى و اتصافينا خلاص.
برقت عيني غنى من حديثها و جزمها بأنها تصالحت معها ليبتسم يزيد على ملامح غنى قائلًا بسخرية :
ـ لا واضح. واضح انكوا اتصالحتوا. اومال الخلقة دي عاملة كدا ليه؟
غنى بتهكم غاضب:
ـ هو أنا لاحقة اعمل حاجة! أنا زي اللي حد جاررني من رقبتي أختك مش مدياني حتى فرصة اخد نفسي.
يزيد بتهكم:
ـ ليه يا أم حمادة كدا؟ دي الغريبة بردو! يرضيك تتفرفط مننا!
غنى بحدة:
ـ دمك سم على فكرة.
يزيد بسخرية:
ـ حوش أنتِ اللي دمك شربات! بقولك ايه أنتِ و هي أنتوا تشوفولكوا حل وسط و تتصافوا الراجل اللي بره دا ميستاهلش البهدلة اللي عاملينها فيه دي
هتفت المرأتين في نفس ذات الوقت:
ـ قولها....
اعتلى الغضب ملامح و نظرات الثلاثة ليهتف يزيد بحدة:
ـ أنتوا اللتنين غلطوا فيه هو الضحية الوحيدة اللي في وسطكوا. كل واحدة فيكوا جرحته جرح كبير، و متبصليش يا غنى. الغلط أساسه جاي من بيتكوا، و أنتِ يا هيام عالجتي الغلط دا بغلط أكبر. و في النهاية ياسر أكتر واحد أتوجع.
غنى بألم:
ـ مش لوحده.
يزيد بتوضيح:
ـ بالرغم من اللي هيام عملته بس هي مجتش قالتلك اتجوزي فردة الجزمة دا. أنتِ اللي اختارتي. ياسر مالوش ذنب. سواء كان غلطك أقل من هيام أو اكتر بس النتيجة واحدة ياسر أتأذى و اتجرح بسببكوا. حتى لو مش طايقين بعض على الأقل بلاش تحشروه بينكوا.
صمتت غنى و كذلك هيام لتقول الأولى بتعب:
ـ أنا هقوم اغسل وشي عن اذنكوا..
هيام بجمود:
ـ احنا خلاص ماشيين. فكري في كلامي وكلام يزيد، و اعرفي أني جيت و مادة ايدي بالصلح ط. الكورة دلوقتي في ملعبك.
لم تُجيبها غنى بل توقفت تنظر إليها وهي تغادر ليتحدث يزيد قائلًا:
ـ اعذريني يا غنى لو كلامي ضايقك. بس انا معنديش أغلى من ياسر، و عارف كمان غلاوته عندك ياريت تفكري فيه قبل أي حاجة..
اومأت غنى برأسها وهي تبتسم بهدوء لترى هيام وهي تحتضن ياسر و الاخير يلف يده حولها وهي تقول:
ـ للمرة التانية بقولك حقك عليا يا ياسر. و مستعدة اعمل أي حاجة عشان أراضيك. و اتكلمت مع غنى. هي تبقى تقولك قولت أيه.
ياسر بجمود:
ـ ماشي يا هيام..
لم يعجبها تحفظه في الحديث و العناق و لذلك رمت الكرة في ملعبه هو الآخر حين قالت:
ـ لو سامحتني يا ياسر هستناك أنت و مراتك يوم الجمعة نتغدى سوى. بقالنا زمن متجمعناش، ولا انت موحشكش أكلي؟
شعر بأنها على وشك البكاء، وقد آلمه ذلك ولكنه لم يستطيع أن يقرر نيابة عن غنى، فلا يعرف ما حدث بينهم في الداخل، وقد شعر جابر بذلك ليقول:
ـ هو أكلك بعيد عنهم يا أم حمادة!؟ بس هو ياسر تعبان شوية و اليوم كان صعب. خليهم يرتاحوا و بكرة يبقوا يبلغونا هيعملوا ايه.
كلماته رفعت الحرج عن الجميع لتوميء هيام برأسها بإذعان ثم التفتت إلى يزيد قائلة بنبرة حزينة:
ـ و أنت يا يزيد مش ناوي تروح بيتك بقى، ولا خلاص مبقاش يلد عليك!
لم يستطِع أن يكسر خاطرها لذا قال بمرح
ـ والله على حسب طابخة أيه! لو في محشي أعتبريني روحت.
ابتهجت ملامح هيام وكأنها لم تصدق ما سمعته لتهتف بلهفة:
ـ طبخالك الحلو كله. كل اللي نفسك فيه هعملهولك..
حاول إضفاء المرح على هذه الأجواء المتوترة ليقول بمرح:
ـ حيث كدا بقى مضطر أبيعك يا ريس. دا محشي بردو.
ابتسم الجميع على حديثه ليهتف ياسر بتقريع:
ـ على أساس الواد مبياكلش!
يزيد قاصدًا استفزاز غنى:
ـ يا راجل و دا أكل! دانا معدتي نشفت من أكل المشاوي بتاعت مراتك..
قال جملته و هو يغمز إلى غنى التي اغتاظت من حديثه لتقول هيام بفخر:
ـ تعالى يا قلب أختك وأنا اعملك المحمر و المشمر و الحلو كله.
غادر الجميع و اغلق يزيد الباب خلفهم لتندفع غنى مقلدة هيام بحنق:
ـ تعالى يا قلب أختك وأنا اعملك المحمر و المشمر..
شايف الواطي! بقى أنا اكلي نشف معدته!
أعجبه مظهرها الغاضب كثيرًا لتخرج منه ضحكة صاخبة كانت نهاية غير متوقعة لهذا اليوم الكارثي لتبتسم هي الآخرى وقد نست كل شيء فقط أنه موجود الآن أمامها و عينيه الجميلة تنظران إليها هذه النظرات التي تذيب عظامها و التي اتبعها بحديثه المازح حين قال:
ـ دا بيجبر بخاطر هيام بس. هو في زي أكلك يا غُريبة قلبي!
قال جملته الأخيرة وهو يغمز بعبث و يتقدم منها ليحتويها بين يديه واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها، فقد كان هو الآخر لا يُصدق أنها بين يديه و أن هذا اليوم الصعب قد شارف على الانتهاء
ـ مش مصدقة انك جنبي يا ياسر. اللي حصل النهاردة...
وضع اصبعه فوق شفتيها يمنعها من استكمال الحديث ليتحدث هو بنبرة خشنة:
ـ هششش. متفكريش في اللي حصل النهاردة دا خالص. انسيه كأنه محصلش..
غنى بخفوت:
ـ بس انا خوفت عليك أوي..
ياسر بصوتٍ أجش:
ـ جوزك ميتخافش عليه. دا أنتِ مرات الريس. يعني ما عاش ولا كان اللي يخوفك..
مدت يدها تلامس خده بنعومه وهي تقول:
ـ الريس دا سندي و ضهري. ربنا ما يحرمني منه أبدًا.
ياسر بنبرة عابثة:
ـ والله ما حد بيعرف يثبت الريس غيرك..
ابتسمت بخجل قبل أن تقول بنبرة خافتة:
ـ هو أنت ناوي تعمل ايه مع هيام؟
لم يكن في حالة تسمح له بالتفكير لذا قال بنبرة خشنة:
ـ أنا دلوقتي مش ناوي اعمل حاجة غير أني اخدك في حضني و أنام.
ارتجف جسدها رغمًا عنها، و قد شعر بذلك لذا غير الحديث قائلًا:
ـ بس عايزك تعرفي أني لا هفرض عليكِ حاجة ولا حد. اللي يريحك هعمله.
غنى باندفاع:
ـ يعني مش تخليني أروح أعيش هناك تاني؟!
تفهم مخاوفها ليحاول طمأنتها و محو تلك النظرة المُرتعبة التي تحتل عينيها الجميلة ليقوم برفع كفها واضعًا قبلة دافئة فوق راحته ثم قال بنبرة حانية:
ـ للمرة التانية أنا عمري ما هجبرك على حاجة، و حتى لو الوضع اتصلح بيننا و بين هيام أنا مش هعيش مع حد في مكان واحد. إلا لو أنتِ حبيتي ترجعي البيت الكبير.
ضيق عينيه و أضاف بعبث:
ـ و كمان لو روحنا هناك أنا مش هعرف استفرد بيكِ..
برقت عينيها من حديثه، فلم يمهلها الفرصة بل باغتها حين اقترب ينهل من عشقها لينسى بجانبها كل ما مر عليه من أحداث صعبة و لتسكن روحه بين ذراعيها مراعيًا مخاوف الماضي، و تلك الندوب التي لم تُمحى بعد..
"اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي صدري سكينة، واملأ حياتي راحةً ورضا ❤️
★★★★★★★★★
ـ خلاص يا سوزي. صفحة كمال دي لازم تتقطع من حياتي و تترمي للأبد.
هكذا تحدثت آسيا وهي تنظر إلى سوزان التي كان الألم يلون ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ أنا مبهمنيش كمال ولا غيره. اللي يهمني أنتِ يا آسيا. هتقدري تتعايشي؟ هتقدري تكملي حياتك كدا! فكري قبل ما تاخدي اي قرار.
آسيا باستنكار:
ـ عايزاني ارجعله بعد اللي عمله ؟ دا خاني يا سوزي؟ عارفة يعني إيه خاني؟ خلف من واحدة تانية غيري. لمس واحدة تانية غيري.
مدت سوزان يدها لتحتوي يد آسيا وهي تحاول تهدأتها قائلًا:
ـ اهدي عشان خاطري. انا مش عيزاكي تتعبي. أنا بفكر معاكِ بصوت عالي. كمال مشي من هنا وهو متخيل انك خونتيه. قولتلك وقتها و هقولك دلوقتي انك تروحي لرؤوف دا غلط كبير. في حقك و حق جوزك. و بعدين هو مكنش يعرف اللي حصل من أخواته. مشي وهو مدبوح. متعرفيش عمل كدا ازاي؟ يمكن كان بيعاند نفسه. أو كانت لحظة ضعف منه وهو مفكر أنه بينتقم منك! يمكن كان عايز يثبت لنفسه أنه قدر ينساكي و يشيلك من حياته. دا واحد كان مطعون في كرامته و رجولته يا آسيا.
تعلم بأنها مُحقة في حديثها ولكنها لازالت واقعة تحت طائلة الظلم لذا هتفت بألم:
ـ ماشي أنتِ صح. أنا غلطت، و أي راجل في مكانه مكنش هيعدي اللي حصل بسهولة. بس قوليلي هو عداه! هاني ومد إيده عليا و دوست على كرامتي و سكت. ليه يتجوزني من غير ما يقولي أنه عرف غيري و خلف كمان؟!
سوزان بتعقل:
ـ عشان حاجتين أولهم أنه اناني و تانيهم أنه زيه زي أي راجل مبيقدرش يعترف بضعفه قدام الست اللي بيحبها.
آسيا بتهكم:
ـ بيحبها! أومال لو بيكرهني كان عمل أيه؟
سوزان بتوضيح:
ـ هو بردو زمانه بيسأل نفسه السؤال دا! كمال طلقك ومشي و أكيد طول الفترة دي كان بيحاول ينساكي، و وارد تكون الست اللي عرفها دي محاولة للنسيان و أنه يثبت لنفسه انك مبقتيش فارقة معاه. لكن لما رجع عرف أنه عمره ما قدر يتخطاكي و اصطدم بمشاعره ناحيتك، و دا بان من لهفته عليكِ لما وقعتي في الموقع. و لما سابني في العربية و جه عشان يساعدك تطلعي فوق. و غيرته عليكِ اللي أنتِ بنفسك لمستيها. كمال اتأكد أنه لسه بيحبك. بس عقله رافض أنه يعترف بدا، وعشان هو عارف انك عمرك ما هتقبلي ترجعليه لو عرفتي اللي عمله. هددك برؤوف عشان تتجوزيه و يضمن انك بقيتي في إيده قبل ما يقولك أي حاجة
آسيا باندفاع:
ـ بس دي أنانية. أنا مفرضتش عليه يتقبلني لما رجع عشان هو يفرض عليا اني اتقبل وضع مُهين زي دا..
سوزان بتعقُل:
ـ بس حاولتي مرة و اتنين و عشرة عشان تفهميه اللي حصل، و تشرحيله أسبابك.
أسيا بتعب:
ـ أيًا كان اللي عمله و اللي حصل بيننا. بس أنا استحالة اقبل بكدا أبدًا. أنه يقدر يلمس واحدة غيري. دا في حد ذاته خيانة حتى لو كان مطلقني زي ما قال. هو خان حبنا.
سوزان بتوضيح:
ـ هي دي نفس وجهة نظره من موضوع رؤوف أنه شايفك مخنتيهوش خيانة جسدية. بس خنتي حبكوا لما روحتي لرؤوف.
آسيا بانفعال:
ـ دي مش زي دي. أنتِ بتقولي ايه؟
سوزان بهدوء:
ـ بقولك اللي انت شيفاه كطرف محايد. أنتِ عارفة اني مش باجي عليكِ ولا ببررله. أنتِ اللي تهميني.
آسيا بتهكم:
ـ تاني مرة اسمع الجملة دي النهاردة.
سوزان باستفهام:
ـ سمعتيها من مين؟
لم تكد تجيبها حتى رن جرس الباب، فتوجهت إليه آسيا لتقوم بفتحه و إذا بها تجد أمامها والدتها و التي كانت تناظرها بأعيُن يلتمع بهم الغضب فتراجعت إلى الخلف وهي تقول بصدمة:
ـ ماما.
رضا بحدة وهي تدلف إلى داخل الشقة أيوا ماما يا ست آسيا. ماما اللي عمر قلبها ما هيرتاح بسبب عمايلك.
زفرت آسيا بتعب تحاول تنظيم أنفاسها، فلسوأ حظها قد علمت والدتها ما حدث و من المتوقع أنها سمعت حديثها مع والدها صباحًا
عودة إلى الصباح
كانت ليلة صعبة مؤلمة خاصةً على قلبٍ تذوق معنى الغدر و القهر معًا، فلازالت صورته تتراقص أمامها وهو يحمل ذلك الطفل ' طفله' كلمة حروفها كالخناجر التي انغرزت في قلبها دون رحمة، دون شفقة. لقد خان عشقهم و دنسه بارتباطه بإمرأة غيرها وهي التي كانت تحترق ألمًا لأجله. افترسها المرض حتى كاد أن يُنهيها حزنًا على رحيله ليأتي و يُجهز على الباقي منها، و لكن كفى. كفى ضعفًا فليذهب إلى الجحيم هذا العشق الذي سلب منها كل ما هو جميل في حياتها.
أمسكت هاتفها تنوي إنهاء كل شيء لتضرب رقم والدها الذي أجاب بلهفة:
ـ آسيا صباح الخير يا حبيبتي .
آسيا بنبرة حزينة:
ـ صباح الخير يا بابا.
عزام بقلق من نبرتها:
ـ مالك يا بنتي في حاجة ولا أيه ؟
انهارت رغمًا عنها و هبطت عبراتها وهي تقول:
ـ بابا أنا آسفة. بس أنا محتجالك وماليش غيرك اتسند عليه.
عزام بلهفة:
ـ حصل أيه يا آسيا؟ اتخانقتي مع كمال ولا ايه؟
خرجت الكلمات جريحة من فمها:
ـكمال خاني يا بابا. عرف واحدة تانية غيري ولقيته جايبلي طفل بيقولي أنه ابنه! وانا دلوقتي عايزة أطلق منه.
صدمه حديثها ليحاول استيعاب الأمر قائلًا:
ـ بالراحة بس و فهميني يا بنتي. واحدة مين و عرفها امتى و لحق خلف!
آسيا بانفعال و كأن أذنها لا تحتمل تكرار هذه الكلمات:
ـ معرفش . معرفش. كل اللي اعرفه انه في السنة اللي طلقني فيها خلف ولد. وانا مش هقبل بالوضع دا. أنا عايزاك تكلمه و تقوله يطلقني..
كان هو الآخر يستنكر هذه الكلمة مما جعله يقول:
ـ يا بنتي اسمعيني. طلاق ايه بس! حتى لو كان عرف واحدة واتجوزها في السنة اللي أطلقتوا فيها دي متعتبرش خيانة. لأنه كان مطلقك أصلًا..
صاحت آسيا مُستنكرة:
ـ بتقول ايه يا بابا. ازاي يجيله قلب يعرف واحدة تانية غيري؟ دا خاين.
ـ طب ممكن تهدي و أنا هجيلك افهم منك واتكلم معاكي و نشوف هنعمل ايه!
آسيا بنفا صبر:
ـيابابا اسمعني. أنا قولتلك اللي حصل. وعايزاك تعرفه اني عايزة أطلق منه. مش عايزة افضل على ذمته لحظة واحدة. أنا كرهته.
عزام بتعقل:
ـ يا بنتي مش لما اقعد مع الراحل وافهم منه ايه اللي حصل! و بعدين الشرع محلله يتجوز مرة و اتنين و تلاته و أربعة.
آسيا بانفعال:
ـ و بردو ربنا عادل و أداني الحق اني ارفض الوضع دا.
عزام بتعب:
ـ طيب يا آسيا اهدي عشان خاطري، وانا هجيلك نتكلم. ابعتيلي عنوان بيتك وانا هاجي و هقعد معاكي و معاه.
ارتبكت قليلًا قبل أن تقول:
ـ أنا مش في البيت يا بابا.
عزام بحدة:
ـ ازاي دا! اومال أنتِ فين ؟
ـ أنا عند سوزان.
عزام بغضب
ـ و ليه مجتيش على بيت ابوكي!
ـ أنا كنت هجيلك. بس...
قاطعها عزام قائلًا بعتب يغلفه الحزن:
ـ أنتِ غلطانه يا آسيا. مفروض كنتِ تكلميني و أنا اجيلك. أنا سكت على قعدتك مع سوزان عشان عارف انك بتكرهي الحارة و بتستعري منها، و عشان مش هتريحي مع امك لكن مفروض في مشكلة بينك وبين جوزك ترجعيلي قبل ماتتصرفي أي تصرف أو تروحي في أي مكان. مش كفاية لحد دلوقتي أنا معرفش اسباب طلاقكوا!
ارتعبت من حديثه عن أسباب الطلاق تعلم أن والدها لن يتفهم ما حدث لذا هتفت بلهفة:
ـ أنا آسفة يابابا بس انا من الصدمة معرفتش افكر.
عزام بنبرة جامدة:
ـ طيب يا بنتي أنا هروح لكمال و هتكلم معاه و بعدين هجيلك نتكلم.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ اتفضلي اقعدي.
هكذا تحدثت آسيا بجمود قابلته رضا بالانفعال:
ـ اقعد! ليه هو دا بيتك عشان تضايفيني فيه!
آسيا بحدة:
ـ أيوا بيتي. عشان أنا بدفع أيجاره يا ماما.
رضا بحدة:
ـ و هو مفروض اجيلك هنا ولا اجيلك بين جوزك! بيوتك كترت يا بنت رضا.
آسيا بتعب:
ـ أرحميني يا ماما. أنا مش فايقالك، و أظن بما انك جيتي هنا يبقى عرفتي اني ناوية أطلق.
رضا بصراخ افزعها:
ـ اخرسي قطع لسانك. هو احنا شخشيخة في إيدك! ولا عشان ما جيتي عشتي هنا فاكرة أن ملكيش حد يلمك! امبارح تتجوزي و النهاردة عايزة تطلقي؟!
آسيا بانهيار:
ـ يا ماما أنتِ متعرفيش أيه اللي حصل!
ـ لا عرفت يا عين ماما! سمعت كلامك مع أبوكي. ايه يعني لو الجدع اتجوز وخلف. ماهو كان مطلقك. هو كان دخل عليكِ بضرة!
كانت سوزان تقف على باب الغرفة تشاهد ما يحدُث بقلب ينفطر على آسيا التي هتفت بانهيار:
ـ أنتِ بتقولي ايه؟ دا خاني! أنا كنت بموت هنا وهو هناك مقضيها في حضن ست تانية غيري.
رضا بحدة:
ـ وهو مين مشاه و طفشه خلاه يروح لحضن واحدة تانية غيرك! مش عمايلك؟! الراجل مشي مقهور بسببك. لا تكوني نسيتي أنتِ عملتي أيه؟
تدخلت سوزان في محاولة لتهدئة الأمور:
ـ اهدي شوية يا حاجة رضا. الكلام يكون بالعقل مش بالطريقة دي .
رضا باستجان وهي تلتفت إلى سوزان:
ـ عقل! سيبتلك العقل يا ست العاقلين. مش أنتِ اللي مقعداها جنبك و مقوية دماغها، و أدي النتيجة. بعد ما كل حاجة ابتدت تتصلح عايزة تخربها تاني.
غضبت سوزان من حديثها لتقول بنبرة حادة بعض الشيء:
ـ أنا مقوتش حد يا حاجة رضا. آسيا زي بنتي و عمري ما أشجعها على الغلط. أنا بقولك تخلي بالك من كلامك عشان كلامك دا أي حد هيسمعه هيفكر تفكير وحش و أنتِ ست العارفين..
رضا بصراخ:
ـ ماهي دي المصيبة. أنها شبهت نفسها في الفاضي. ضيعت جوزها اللي بيتمنالها الرضا ترضى عشان حتة عيل هي داست عليه قبل كدا.
آسيا بانفعال:
ـ حرام عليكِ بتقولي أيه ؟
رضا بحدة:
ـ بقول اللي حصل. مش دا رؤوف حبيب الطفولة. فكراني كنت هبلة ولا مبشوفش. نظرات و جوابات و أشي رؤوف جايبني من المدرسة، أشي رؤوف موصلني الدرس، و هوب رؤوف يخلص من هنا يجري على ملا وشه عشان يبيع أبوه أرضه و يتجوز ست الحسن و الجمال. ميعرفش أن ست الحسن والجمال كانت اشتغلت في الشركة و شافتلها شوفة تانية، وبعد ما كنت بجيبلك سيرة رؤوف وشك يحمر و يخضر. بقيتي تنضرسي و قولتيلي مبفكرش فيه. و كسرتي قلب الجدع. روحتيله تاني ليه بعد ما اتهببتي! مش دي تبقى خيانة بردو يا قلب أمك!
وضعتها أمام أخطائها بأسوأ طريقة ممكنة حيث كانت الكلمات كالمطارق تدق عظامها و تلسع حروفها جسدها، ولكن قلبها يرفض ما حدث بكل الطرق لتهتف مدافعة عن نفسها:
ـ لا مش خيانة. أنا معملتش حاجة. روحت اتكلم معاه. دا ابن عمي.
رضا بحدة:
ـ كان بيحبك ولا لا؟ جوزك كان بيغير منه ولا لا؟ أنا بنفسي قولتله اوعى تروح الفرح و راح. تحبي اقولك أمه قالتلي ايه بعد ما اطلقتي عشان ترد كرامة ابنها وانا بلعت الكلمة في بقي و اتكتمت!
بكت بحرقة و أخفضت رأسها من فرط الألم لتُتابع رضا بحزن:
ـ قالتلي السنيورة بنتك عرفت قيمة ابني و راحتله مكتبه. الظاهر أن البيه مش مالي عينها. عرفتي غلطك واصل لحد فين يا بنت رضا!
بكت آسيا و تأثرت سوزان لحالها كثيرًا ولكنها تعلم بأن رضا و إن كانت قاسية ولكن حديثها واقعي لتُصدم حينما تابعت رضا بجفاء:
ـ هي كلمة واحدة. يا ترجعي لجوزك و تشيلي فكرة الطلاق دي من دماغك يا بنت رضا. يا تطلقي وترجعي تعيشي تاني في الحارة.
بهتت ملامح آسيا و اكتظت عينيها بالألم والعبرات، ولكن كان الأمر بالنسبة إليها لا يحتمل النقاش مما جعلها تقول بثبات:
ـ موافقة. هطلق منه، وارجع أعيش في الحارة تاني.
لم تكُن أفصحت عن ما بجعبتها بعد لذا ابتسمت بتهكم قبل أن تقول بجفاء:
ـ و مفيش شغل. لو هتقعدي في بيت أهلك يبقى تعيشي عيشتهم. قولتي ايه؟
توحشت ملامح آسيا و نظراتها و نبرتها حين قالت:
ـ أنتِ مفكراني لسه طفلة صغيرة! أنا ممكن امشي و اسيب البلد دي و متعرفيليش طريق أصلًا..
رضا بسخرية:
ـ اتوقع منك كدا و أكتر. ماهي الأنانية تعمل اكتر من كدا، و ياترى لما تيجي تهربي هتودعي ابوكي ولا هتمشي من بره بره؟ اه صحيح ايه رأيك يا ست البنات لو خدنا رأي الراجل الطيب في موضوع مرواحك لرؤوف ؟ دا صح يا عم عزام ولا غلط! ولا لو سأل كمال طلقك أول مرة ليه و قاله عشان راحت لرؤوف مكتبه تعيطله و تعاتبه أنه اشتغل مع أختي! تفتكري أبوكي هيقول ايه؟ بأي حق راحه تعاتبي واحد كنتِ بتحبيه وأنتِ اللي بنفسك رفضتيه؟!
حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم. ❤️
★★★★★★★★★
ـ أهلًا.يا عم عزام اتفضل.
هكذا تحدث كمال حين أخبرته مديرة مكتبه بأن عزام يريده في الخارج ليدلف الأخير إلى داخل الغرفة و وجهه لا يُفسر ليفهم بأنه علم ما حدث
ـ ازيك يا كمال بيه.
كمال بعتب:
ـ بيه أيه بس يا عم عزام؟ أنا جوز بنتك و زي ابنك.
عزام بجمود:
ـ بنتي طالبة الطلاق. بس أنا مش جاي هنا عشان كدا..
اخترقت الجملة قلبه قبل أذنيه ليحاول اخراج نبرته متزنة حين قال:
ـ اومال جاي ليه؟
عزام بنبرة قاطعة:
ـ عايز اعرف الأول أنت طلقت بنتي ليه؟
تجمدت نظرات كمال لثوان قبل أن تعود إلى طبيعتها ليتحمحم قبل أن يقول بخشونة:
ـ اختلفنا و أطلقنا..
عزام بجفاء:
ـ أنا مش راجل صغير يا كمال عشان تضحك عليا بكلمتين.
كمال بنبرة مُتحشرجة:
ـ ليه بس بتقول الكلام دا! أنا هضحك عليك ليه؟
عزام بحدة:
ـ حط نفسك مكاني وانت تعرف. فجأة عرفت أن جوز بنتي سافر و طلقها من غير ما اعرف و من غير حتى ما تحصل بينهم مشكلة واحدة، و بنتي تنهار و تدخل المستشفى، و بعد سنة و نص ترجع و تجيلي تقولي عايز اتجوز بنتك تاني، و أنا قبلت و اتجوزتوا الاقي بنتي تاني يوم مكلماني منهارة و بتقولي عايزة أطلق جوزي عشان جوزي جايبلي عيل و بيقول أنه ابنه. الوضع دا في نظرك طبيعي؟!
كان محقًا و قد أشفق كمال عليه كثيرًا ليقول بنبرة خشنة:
ـ لا مش طبيعي، و حقك تضايق.
عزام بتوضيح:
ـ بص يا ابني. أنا عارف ان دا حقك اللي ربنا شرعهولك..لكن بنتي لو مقبلتش أنا مش هجبرها، و عشان احكم بالعدل لازم اعرف أيه اللي حصل حصل بينكوا
حاول كمال الحديث مراوغًا:
ـ يا عم عزام الموضوع بسيط...
عزام بحزم:
ـ لا مش بسيط، و خليني اكون دوغري معاك. طلاقك لبنتي بالشكل دا سفرك بالطريقة الغامضة دي في نظري له معنيين يا اما أنت مش بتاع جواز و بتلعب ببنات الناس يا إما بقى بنتي عملت غلطة كبيرة خلتك طلقتها بالشكل المُهين دا. اعذرني لو بحتد عليك بس دي كرامة بنتي.
وضعه عزام في مأزق كبير، فهو لن يخبره أسباب طلاقهم حتى لا يضعها في موقف صعب أمامه، و أيضًا لا يريد إحراجه فهو يعلم أن هذه الأمور بالنسبة إلى رجل في عمره و في البيئة التي ينتمي إليها تمس الشرف و الكرامة لذا زفر بقوة و اختار إلقاء اللوم على نفسه كليًا حين قال:
ـ طيب يا عم عزام انت زي والدي وأنا هتكلم معاك بصراحة. طبعًا الاحتمال التاني اللي يخص آسيا مرفوض رفض قاطع. آسيا مفيش عليها غُبار. و الغلط من عندي أنا..
ارتخت ملامح عزام و كأنه شعر بالراحة ليُتابع كمال مُضيفًا:
ـ اعتبر اللي حصل دا طيش مني. يعني حسيت أن الجواز مقيدني، وانا متعودتش على كدا. فكرت اني هخلص من القيد دا بمجرد الطلاق. بس عرفت بعد كدا أن أنا غلطان.
عزام بريبة:
ـ بس انا مش شايفك واحد طايش. أنا راجل ابن سوق و افهم في الناس كويس. معرفش ليه حاسس انك بتحاول تخبي عني حاجة.
لم يرتضي قلبه أن يمسها بسوء أو أن يعرضها لأي حرج أو شعور بالإهانة أمام والدها لذا شدد من كل كلمة يتفوه بها حين قال:
ـ صدقني مش مخبي عنك حاجة أنا بس محرج منك. اني بقولك أن دا طيش مني. لكن صدقني أنا لما سافرت و عشت من غير آسيا عرفت أني بحبها و مقدرش اعيش من غيرها، و دا اللي خلاني رجعت اتجوزتها تاني قبل ما اقولها موضوع سيف..
حين نطق أنه يحبها كان يسمع الكلمة لعقله العاصي و كبريائه الجريح الذي لا ينفك يُذكره بما عاناه منذ تلك الليلة المشؤومة و ما تلاها من أزمات تعرض لها ولكن استفهام عزام باغته حين قال:
ـ و والدة سيف فين؟
تغضنت ملامحه بالألم الذي شاب نبرته حين قال:
ـ ماتت!
عزام بحزن:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الله يرحمها. انا دلوقتي مش عارف أقولك ايه؟ بس الوضع دا مينفعنيش. دلوقتي آسيا رجعت عند الست سوزان تاني، وانا مش موافق على قعادها هناك تاني. عشان كدا معلش لو هعطلك بس انا و انت هنروح هناك دلوقتي و هتقعدوا قدام بعض و نشوف أخرة الموضوع دا ايه، لو هتكملوا. يبقى تاخد مراتك معاك، واي مشكلة تحصل بينكوا لازم اكون عارفها عشان مراتك ليها كبير. لو هتنفصلوا يبقى بنتي تعيش في حضني.
كمال بخشونة:
ـ أنا رأيي نسيبها تريح أعصابها يومين..
قاطعه عزام بحزم:
ـ أنا عرفتها اني هجيلك و اني هقعد معاكوا انتوا اللتنين. بيتهيقلي الأمور كلها واضحة و ربنا قالها في كتابه العزيز فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
كمال باستسلام:
ـ اللي تشوفه.
نهض عزام من مقعده وهو يقول:
ـ يبقى يالا بيننا...
اللهم أخرجني من ضيق الحزن إلى سعة الفرح، ومن همّي إلى فرجك القريب ❤️
★★★★★★★★★
كان يتحدث في الهاتف وهو يأخذ طريقه إلى خارج أحد الكافيهات ليتفاجأ بفتاة تقف مُستندة على سيارتها وهي تبكي وتحتضن نفسها بذراعيها ليشعر بأنه يعرف هذه الفتاة فتوقف لثوان يُدقق النظر ليتعرف إليها أنها هايدي الوتيدي!
أصابته الحيرة هل يقترب منها لمعرفة ماذا بها؟ أو يتجاهل ما رآه و يمضي في طريقه، ولكن شهامته أبت تركها ومن الواضح أنها في مشكلة كبيرة لذا ختم مكالمته وهو يتقدم منها بروية ليقف أمامها وهو يهتف باسمها قائلًا:
ـ هايدي!
رفعت رأسها تطالعه بأعيُن باكية ثم همست بنبرة حائرة مختنقة بالعبرات:
ـ أنت مين؟
شعر بالحرج حين لم تتذكره، ولكن انمحى إحساسه بالحرج حين هتفت بلهفة:
ـ أه رؤوف. سوري بجد. بس أصل أنا....
قطعت كلماتها الغير مرتبة لتنفلت عبراتها مرة أخرى مما جعله يقول باستفهام:
ـ أنتِ كويسة؟
كانت الحيرة تلون ملامحها و عينيها وهي تناظره ليُسارع بالقول:
ـ أنا مقصدش اكون متطفل بس انا شوفتك واقفة بتعيطي فخوفت تكوني في مشكلة..
أطلقت تنهيدة قوية قبل أن تقول بنبرة حزينة:
ـ أنا فعلًا مخنوقة جدًا و مش عايزة استنى في المكان دا، بس مكنش قادرة اسوق وانا في الحالة دي عشان كدا استنيت شوية يمكن أهدى.
شعر بالحرج و بأن الموقف يُحتم عليه أن يساعدها مما جعله يقول:
ـ طيب لو حابة أنا ممكن أوصلك بس أي مكان غير بيتكوا.
تبدلت نظراتها إلى الصدمة ثم تشتت بين النظر إلى الخلف إلى مجموعة من الشباب و بينه لتقول بلهفة:
ـ حقيقي أنا مش عارفة أشكرك ازاي. انا موافقة وديني أي مكان وانا هتصرف.
لاحظ أن هناك شيء غير طبيعي لذا تحدث بجمود:
ـ تعالي أنا راكن قدام.
بعد مرور بعض الوقت زفرت هايدي براحة وهي تجلس في أحد الأماكن الهادئة و أمامها رؤوف الذي قال باستفهام:
ـ أتمنى أنك بقيتي أحسن؟
هايدي بابتسامة باهتة:
ـ الحمد لله و ميرسي انك جبتني هنا عشان أهدى شوية و مروحش البيت وأنا في الحالة دي، ماما أصلًا تعبانه و مش هتتحمل لو شافتني منهارة كدا..
ـ لا ألف سلامة عليها.
لم تغفل عينيها عن ملامحه الجامدة و كأنه مُجبر على ما فعله بدافع الشهامة لذا حاولت جذب انتباهه حين قالت بحرج:
ـ أنا بتكلم بجد على فكرة. حقيقي متخيلتش اني أكون في موقف صعب و أنت اللي تساعدني. أنا طبعًا أقصد عشان المشاكل اللي حصلتلك بسبب. يعني أنت فاهم.
نجحت في جذب اهتمامه ليقول بنبرة يشوبها الحدة:
ـ مينفعش اشوف بنت في مشكلة و مساعدهاش حتى لو كان في أيه
ميرهان بخفوت:
ـ ماهو دا تحديدًا اللي فاجئني.
ـ ازاي؟
انتقت جيدًا الكلمات التي أثارت جميع حواسه حين قالت:
ـ مش عايزة اكون بلخبط في الكلام أو بقول كلام يزعل. بس اللي سمعته عنك ميخلنيش اتخيل انك تكون gentleman و تقف تساعدني يعني.
رؤوف باندهاش:
ـ ليه أن شاء الله ؟ هو أنتِ سمعتي عني أيه؟
أغمضت عينيها بقوة في حركة تدل على استيائها من اندفاعها في الحديث لتقول بنبرة رقيقة خافتة:
ـ بليز متفهمنيش غلط أنا مقصدش أضايقك..
رؤوف بحنق:
ـ لا عادي متضايقتش دا العادي في عيلتكوا انكوا تقلبوا الحقايق و تطلعوا الناس كلهم شياطين و أنتوا اللي ملايكة.
تجعدت ملامحها بعبوس و ذمت شفتيها بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ بليز بلاش تتكلم عن عيلتي وحش قدامي. عشان حتى لو فيهم عيوب دول عيلتي، و لو أنت ندمان انك يعني ساعدتني أو قاعد معايا أنا ممكن أقوم امشي حالًا.
شعر رؤوف بالحرج و بأنه تمادى قليلًا لذا قال بنبرة أهدأ:
ـ لا طبعًا أنا مقصدش كدا. بس كلامك استفزني بصراحة.
ارتخت ملامحها قليلًا و ابتسمت بهدوء قبل أن تقول بنبرة خافتة:
ـ أنا مقصدش خالص أضايقك. بس فعلًا أنا اتفاجئت لما شوفتك قدامي، بس مفاجأة حلوة أنا كنت في نفس اللحظة اللي لقيتك واقف قدامي فيها كنت بطلب معجزة تاخدني من المكان دا.
رؤوف باستفهام:
ـ معجزة! ليه كدا؟
زرعت الغموض في كلماتها حين قالت بخيبة أمل:
ـ لقب الوتيدي زي ما له مميزات له عيوب.
رؤوف باندفاع:
ـ لا بصراحة أنا مش شايف فيه أي مميزات!
هايدي بحدة طفيفة:
ـ هو انت ليه يا aggressive دايمًا ؟ طب على فكرة بقى أنا عندي كومنتات كتير عليكوا و هنا بقصدك أنت و صاحبتك آسيا.
رؤوف مصححًا:
ـ آسيا بنت عمي مش صاحبتي. احنا مبنصاحبش..
هايدي بحنق:
ـ what ever. المهم اني بسببها و بسبب عداوتها مع ميرهان اتاخدت في الرجلين و اتعاقبت في حوارات أنا أصلًا معرفش عنها حاجة..
اغتاظ من حديثها ليهتف بحدة:
ـ أولاً أنا مش طايق اسمع اسم ميرهان دي. ثانيًا اللي اعرفه انكوا انتوا اللتنين طول عمركوا بتكرهوا آسيا. دلوقتي بقت ميرهان بس اللي عدوتها!
نجحت بإتقان في ارتداء قناع الدهشة فوق ملامحها و تضمينه لهجتها حين قالت:
ـ !Seriously I can't believe it آسيا مين اللي أنا عدوتها! أنا أصلًا في كل المشاكل اللي حصلت بينها وبين ميرهان كنت بفضل افصل بينهم، مش هكذب و اقولك عشان بحبها أو حتى بكرهها! بس هي مكنتش فارقة معايا. مشكلتها أنها كانت طول الوقت بتحاول تستفز في ميرهان، و تحسسها أنها فاشلة و أنها نابغة عصرها، و دا كان بيستفز ميري جدًا.
اتقنت تزييف كل شيء ملامحها و نبرتها و حتى كلماتها ولكنه استنكر حديثها قائلًا:
ـ لا والله! و أنتِ كنتِ الملاك اللي في النص!
ميرهان بنبرة لامُبالية:
ـ مش ملاك. بس بصراحه موضوع المذاكرة و الكرير و الكلام دا مكنش فارق معايا اوي. أنا مش محتاجاه في حاجة. مكنش نقطة ضعف بالنسبالي.
رؤوف باستفهام:
ـ لو كلامك صح طب ما هي نفس وضعك ليه هيفرق معاها الكرير في أيه ؟
هايدي بنبرة خافتة يشوبها الحرج:
ـ مش دي ال point أصلًا. بالنسبة لميرهان أن دادا رضا طول عمرها يعني..
رؤوف بسخرية:
ـ فهمت. دادا رضا الخدامة بتاعت الهانم، فازاي بنتها تبقى متفوقة عليها ولو في حاجة واحدة.
عضت هايدي على شفتيها في حركة استعراضية عن الندم الذي ضمنته في لهجتها حين قالت:
ـ رؤوف بليز خلينا نقفل على الموضوع دا. أيًا كان مين غلط فيهم، فالموضوع انتهى، و بجد ثانكيو على وقفتك معايا النهاردة. يمكن انت متعرفش أنا كان فيا أيه بس حقيقي you really save me و اكيد مش هنسى الموقف دا طول حياتي.
لم يُشبع حديثها فضوله وخاصةً أنها نبشت في أمور الماضي و الحاضر وقد كان يريد معرفة الكثير ولكنه لم يحاول أن يظهر ذلك لذا قال بجمود:
ـ أنا معملتش حاجة. متكبريش الموضوع..
اتسعت ابتسامتها وهي تقول بمرح:
ـ طب ممكن أكبره شوية واقولك ميرسي عالكوفي؟
ابتسم بمجاملة وهو يقول:
ـ بالهنا والشفا.
ميرهان بدلال متعمد:
ـ ثانكيو. بس خلي بالك أنا كمان هفاجئك و هتلاقيني طالعالك من أي مكان و بقولك يالا بينا نشرب كوفي. I owe you one
" بتقوله أنها هتردله الجميل مقصوفة الرقبة"
رؤوف بحرج:
ـ أنتِ مكبرة الموضوع زيادة عن اللزوم بس ماشي. مفيش مشكلة.
نجحت خطتها نجاح مُبهِر، لذا اهدته ابتسامة رائعة قبل أن تُغادر، وهي تبتسم بخُبث واثقة من أن هذا اللقاء سيتكرر كثيرًا...
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضَلَع الدين وغَلَبة الرجال ❤️
★★★★★★★★
ـ أنتِ كسرتي خاطري يا رنا و جرحتيني. أنا اعتبرتك أختي واتعاملت معاكي على الأساس دا. متخيلتش تعامليني بالطريقة دي، و مع ذلك أول عرفت من البنات أن عمتك تعبانه مقدرتش مطمنش عليكِ و أكون جنبك.
هكذا تحدثت سهيلة على الطرف الآخر من الهاتف إلى رنا التي أشعرتها كلمات سهيلة بالذنب لتقول بخفوت:
ـ سوري يا سهيلة أنا مقصدتش. بس أنا فعلًا متعودتش على كدا، و اتفاجئت فغصب عني انفعلت عليكِ..
تمادت في الأمر وهي تلعب على أوتار برائتها:
ـ لو تعرفي أنا زعلت و عيطت قد أيه. العشم وحش يا رنا و بيكون على قد المحبة، وانا بحبك اوي فوق ما تتخيلي.
كانت عقلها البريء لا يعي مقدار الحقارة التي تعج بها كلماتها لذا قالت ببراءة:
ـ و أنا كمان بحبك صدقيني.
سهيلة بوقاحة:
ـ يالهوي على بحبك بصوتك الشتوي دا. يخربيتك جسمي قشعر.
رنا باستهجان:
ـ يعني إيه دا؟
سهيلة بلهفة:
ـ لا متاخديش في بالك. المهم خلاص احنا اتصالحنا. عايزين نعوض اليوم اللي اتضرب دا. عايزة نخرج ونتفسح يعني نقضي وقت كدا مع بعض..
رنا بحزن:
ـ مش عارفة. الدنيا هنا في البيت مش ألطف حاجة، و بابا متضايق و معرفش هقدر اطلب منه حاجة ولا لا. كمان ماما أشجان أنا مش عايزة اطلب منها حاجة
سهيلة في محاولة للتقرب منها أكثر:
ـ ليه حصل أي ؟ ولا مش واثقة فيا تحكيلي بردو..
احتارت رنا هل تقص عليها الأمر أم لا؟ و في النهاية قررت الحديث لتخرج كل هذا الكبت بداخلها، فقصت عليها الأمر برمته لتهتف سهيلة بصدمة:
ـ يعني بعد ما يتجوزها و يجيبها تعيش في القصر معاكوا هي واولادها مش عايزة تخلف منه؟ أما ستات نمرودة صحيح!
رنا باستنكار:
ـ ايه الكلام دا؟
سهيلة باندفاع:
ـ أيوا اسمعي مني. الست دي مش سالكة كانت عايزة تضمن مستقبل عيالها، و طبعًا أبوكي مصباح علاء الدين اللي هيحققلها و يحققلهم كل أحلامهم، و لما وصلت للي هي عايزاه بان وشها الحقيقي. رنا اسمعيني دي ملهاش أمان. اوعي تأمنيلها و تاخدي حذرك منها. استحالة تكون بتحبك.
رنا بصدمة:
ـ سهيلة إيه اللي بتقوليه دا؟
ـ يا بنتي بطلي براءة و عبط بقى. أنا عارفة الستات دي كويس. اوعي تأمنيلها ولازم تنبهي باباكي منها.
هكذا تحدثت سهيلة حتى تفسد العلاقة بينها و بين أشجان، فلا يتبقى لرنا سواها.
لم تكد رنا تجيبها حتى سمعت صوت طرق على باب الغرفة تلاه دخول أشجان التي ابتسمت بلطف لتقرر رنا انهاء المكالمة:
ـ طيب بعدين نتكلم سلام.
أغلقت الهاتف ولم تبادل أشجان الابتسامة ولكن الأخيرة لم يفتها ذلك ولكنها قالت بلطف:
ـ كنتِ بتكلمي مين؟
رنا بجمود:
ـ سهيلة.
أشجان بهدوء:
ـ طب مش هتعرفيني عليها بقى.
رنا باختصار:
ـ قريب.
اقتربت أشجان من رنا وهي تنظر إلى داخل عينيها قبل أن تقول بعتب:
ـ احنا متخاصمين ولا ايه ؟
رنا بعبوس:
ـ لا عادي.
أشجان بمزاح:
ـ التكشيرة دي مش لايقة على الملامح القمر دي على فكرة..
اخذت كلمات سهيلة ترن بأذنيها وهي تنظر إلى أشجان لا تعرف هل هي فعلاً إمرأة سيئة أم طيبة؟ كان تفكيرها مشوش و لكنها سرعان ما جمدت نظراتها وهي تتذكر مشهد والدها و حزنه جراء فعلتها لتعطي أشجان ظهرها وهي تقول بجفاء:
ـ حضرتك كنتِ عايزة حاجة؟ اصلي مش فاضية عندي مذاكرة..
آلمتها كثيرًا أفعال رنا تجاهها، و لكن تشتت انتباهها حين سمعت صوت سيارة خالد في الأسفل لتقترب من رنا و تضع قبلة حانية فوق خصلاتها من الخلف قبل أن تقول:
ـ جيت عشان اقولك انك وحشتيني و وحشني نقعد نتكلم سوى، و اتمنى لما تخلصي مذاكرتك تيجي تقعدي معايا شوية..
لم تجد رد من رنا لتتراجع إلى الخلف دون أن ترى عبرات الصغيرة التي آلمتها كلمات أشجان و شعرت بالذنب تجاهها و بالشوق أيضًا لعناقها و الحديث معها.
دلفت أشجان إلى غرفتها وهي تشعر بالحزن جراء ابتعاد رنا عنها، ألم يكُن يكفيها فراقه و اشتياقها له لتأتي تلك الصغيرة التي تعتبرها ابنتها و تخاصمها بهذه الطريقة؟ شعرت بحاجة ماسة للبكاء ولكنها لن تبكي بل ستقابله وهي بأبهى حالتها هكذا قررت في محاولة منها لنيل نظرة واحدة منه، فقد اشتاقته حد الجحيم
توجهت إلى طاولة الزينة و وضعت بعض مساحيق التجميل البسيطة ثم وضعت عطرها الذي يعشقه و خلعت حجابها مطلقه العنان لخصلاتها لتحيط وجهها و تغطي ظهرها و قد كانت ترتدي فستان من اللون الأحمر الداكن الذي لائم تلك الحمرة التي وضعتها فوق شفاهها، و قد سرت رعشة قوية في جسدها حين سمعت صوت قفل الباب يدور و غمرها خجل كبير حاولت تجاوزه و تقدمت إلى باب غرفة الملابس تحاول تنظيم أنفاسها قبل أن تتخذ القرار لملاقاته و ما أن عبرت باب الغرفة حتى اصطدمت بقوة بجسده الصلب الذي جعلها ترتد إلى الخلف حتى كادت أن تقع لولا يداه التي أمسكت بها بشدة تنافي نظراته القلقة و نبرته المُتلهفة حين قال:
ـ اتخبطي جامد ! وريني راسك كدا.
هكذا تحدث وهو يتفحص مقدمة رأسها التي اصطدمت بزر بذلته و نال منها الإحمرار، ولكن بالرغم من الألم فقد كانت في عالم آخر حين غزت رائحته أنفها و شعرت بدفء ذراعيه لتغمض عينيها ليظن هو أنها تتألم، فهتف بنبرة خشنة:
ـ تعالي اقعدي هجبلك تلج..
حين أوشك على الابتعاد أمسكت به يدها وهي تهتف بلهفة:
ـ خليك. أنا كويسة..
لأول مرة تتمسك بيده بهذه القوة و عينيها التي اشتبكت مع خاصته في نظرة قوية يشوبها العتب و الاعتذار و الشوق ليمتد كفها الآخر و تمسك بيده بنفس القوة ولازالت عينيها أسيرة لخاصته التي كانت تفيض شوقًا أحرقه لتبحران عينيه فوق ملامحها و كأنه يروي ظمأه منها لتحاول التحلي بالجرأة و نفض هذا الخجل الذي يعتريها و اقتربت لتضع رأسها فوق صدره الذي يرتج من فرط دقاته الهادرة، لتتحرك يديه دون إرادته و تحيط بكتفها، وكأنه أخذ هدنة مع عقله و كبرياءه الجريح. حتى يستطيع مواصلة حرب الخصام بعدها.
وأيضًا هل يرتضي قلبه بالرغم من جرحه العميق رفضها!
ـ خالد.
همست بنبرة حزينة ارتد صداها في قلبه الذي انتفض أسفل رأسها لتخرج نبرته مُتحشرجة حين قال:
ـ نعم..
أشجان بخفوت:
ـ وحشتني..
كانت تدفعه شيئّا، فشيئًا إلى الهاوية بأفعالها، فلم يعد يحتمل يكفيه نيران الشوق و ألم الجرح. ضاق صدره وانقبض قلبه يئن وجعاً مما جعله يتراجع عنها دون أن تفلتها يداه وكأنه يخشى جرحها بالانسلاخ كُليًا عنها، وقد شعرت هي بمعاناته لتخفض رأسها بألم حاولت تجاوزه لتتعامل مع الأمر بذكاء و تكسر حاجز الصمت بينهم:
ـ طمني نبيلة عاملة ايه؟
كان مرهقًا لا يبغي سوى الارتماء بين ذراعيها ناشدًا الراحة، ولكنها كانت أمنية مستحيلة لذا تحدث بجفاء:
ـ كويسة. روحت بيتها.
تجاوزها ليتجه إلى خزانة الملابس لتهتف بلهفة:
ـ أجهزلك الحمام؟
لم يعُد في استطاعته المقاومة أكثر لذا قال باختصار:
ـ متتعبيش نفسك..
كانت على وشك البكاء لذا تهدجت نبرتها حين قالت:
ـ بس انا مش هتعب ولا حاجة. هروح اجهزلك الحمام.
تركته و استدارت تتوجه إلى الحمام لتقوم بتجهيزه وعبراتها تتساقط في حوض الإستحمام، لتتذكر شيء ما جعلها ترفع رأسها وهي تفكر كيف لم يخطر ببالها من قبل، لتقوم بتجهيز المياة سريعًا و تتوجه إلى الخارج تنوي تنفيذ خطتها
اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيدًا فقرّبه، وإن كان قليلًا فكثّره، وإن كان كثيرًا فبارك لي فيه ❤️
★★★★★★★★★
ـ ألف سلامة يا بُلبُلة. اتخضيت عليكِ لما عرفت اللي حصل.
هكذا تحدثت زينة وهي تنظر إلى نبيلة المستلقية فوق مخدعها لتقول الأخيرة بنبرة حادة:
ـ سيبك من الكلام دا وقوليلي هنبدأ في تنفيذ خطتنا امتى!
زينة بحماس:
ـ أول ما تقولي 123 هبدأ فورًا
نبيلة بخُبث:
ـ خالد عرف أنها بتاخد حبوب منع الحمل، و رنا قلبت عليها، و دي فرصتنا عشان نقلب الموازين لصالحنا.
زينة باستفهام:
ـ هنبدأ من عند مين ؟
نبيلة بتخطيط:
ـ من عندهم هما اللتنين. هنشتغل على اللتنين في نفس الوقت.
زينة باستفهام:
ـ طب و أشجان؟
نبيلة بتهكم:
ـ أشجان دي هتسلى عليها. مش هتاخد في إيدي غلوة متقلقيش. المهم عيزاكي في حاجة تانية قصاد اني اطفش أشجان و اوافق تتجوزي خالد..
زينة باستفهام:
ـ ايه هي؟
نبيلة بلهجة آمرة:
ـ تراقبيلي عز الدين؟؟
اللهم اكفِني بحلالِك عن حرامِك، وأغنِني بفضلِك عمّن سواك. ❤️
★★★★★★★★
ـ ها سكتي ليه يا ست البنات ؟ تحبي نجيب أبوكي و نحكيله على اللي حصل و نشهده عليكِ ؟
هكذا تحدثت رضا إلى آسيا التي ناظرتها بألم ولكن سرعان ما تجمدت نظراتها حين سمعت صوت عزام من خلفهم:
ـ تحكيلي على ايه يا رضا ؟
التفتت آسيا لتبرق عينيها حين وقعت على والدها و خلفه كمال الذي كانت نظراته منصبة عليها، فانقبضت معدتها حين تخيلت أن يقص على والدها ما حدث ذلك اليوم، ولكن الأخير تقدم الى منتصف الغرفة مستفهمًا بنبرة حادة:
ـ ما تردي في اي؟ و هتشهديني على أيه ؟
يتبع.....
مشهدين رومانسيين في بارت واحد في بارت واحد و دا ضد طبيعتي عدوا الجمايل بقى💃🏼💃🏼
رواية ذنوب على طاولة الغفران الفصل التاسع وسبعون 79 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
Surprise 🤩🤩
بارت هدية عايزة بقى فوت كتييييرو كومنتس كتيرر على الفقرات اللي حبتوها 😘😘😘
الاستغناء: هو صرخة قاسية في وجه رُكام من الاحتياجات التي لم يُشبعها أحد لنخبرها بأننا اكتفينا بأنفسنا و لم نعُد في حاجة إلى توسل إجابة أو استجداء طمأنينة.
إنه اللحظة التي يتسيد فيها الإنسان حياته بعد معارك ضارية خاضها شريدًا في جميع المنافي ليُدرك بعدها أنه الوطن الوحيد لنفسه و اللاجيء الذي لا ملجأ له سواها. في الاستغناء تتعلم الروح كيف تخيط جراحها بأنين صامت، و كيف تحول عبراتها إلى غيثٍ يروي تلك الندبات التي يعج بها الصدر لتُذهِر قوة و عنفوان.
الاستغناء ليس موقف! بل هو نهج جديد في الحياة يحول الشخص من تابع إلى مُستقل لا يقيده فقد و لا يرغمه احتياج.
فسلاماً على من أشبعونا احتياجاً حتى جف حلقِنا من فرط النداء؛ فاليوم لن نستجديكم مُجدداً، فقد أسدل الكبرياء ستائره خلفكم، وتعلمنا بفضل خذلانكم كيف يكون عز الاكتفاء.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ عايزة اتكلم مع حضرتك شوية. ممكن؟
هكذا تحدثت أشجان إلى سعاد التي ابتسمت وهي تقول:
ـ طبعًا. اتفضلي. بس اقفلي الباب بالمفتاح..
فعلت أشجان ما طلبته منها و تقدمت لتجلس أمامها و هي تقول بنبرة جامدة:
ـ دلوقتي حضرتك قولتيلي أن نبيلة بتحطلك حبوب منع الحمل، وانا اتأكدت من دا، و مقدرة جدًا انك نبهتيني لحاجة زي دي. بس أنا متأكدة انك عارفة حاجات كتير عن نبيلة، و حابة اعرف كل حاجة منك..
سعاد بجمود:
ـ أنا قولتلك اللي يخصك..
أشجان بحدة طفيفة:
ـ كل حاجة في البيت هنا تخصني. أنا واحدة منه. أنا مرات كبير العيلة دي. أظن من حقي أعرف أيه اللي بيحصل حواليا..
سعاد بسخرية:
ـ مرات الكبير دا مش مجرد لقب. مرات الكبير دي مهمة تقيلة أوي عليكِ للأسف.
أشجان باستنكار:
ـ نعم!
تداركت خطأها قائلة:
ـ أنا مقصدش أقلل منك. بس المفروض كونك مرات الكبير تكوني عارفة كل حاجة مش مستنية من واحدة قعيدة مبتتحركش من مكانها هي اللي تقولك. سهام الله يرحمها كانت بتعرف دبة النملة في القصر. أنا طبعًا مش قصدي أقارن بينكوا...
قاطعتها أشجان بجفاء:
ـ سهام بالنسبالي مش مثال ناجح اقتدي بيه، و أيًا كانت طريقتها فهي فشلت. وانا مش ناوية اعمل زيها، و لو شايفة أني اجند الخدامين عشان يتجسسوا على الناس و ينقلولي أخبارهم دي طريقة تليق باللقب اللي حضرتك شيفاه تقيل عليا دا، فدا أسلوب رخيص أنا شيفاه ميليقش بيه.
سعاد بتقريع:
ـ خلاص سيبي الناس تلعب بيكِ الكورة..
أشجان بجفاء:
ـ ولا هسمح بدا، و بعدين أنا عايزة أسألك سؤال. هو أنتِ ليه مقولتيش لخالد أن أخته بتحط لمراته حبوب منع الحمل؟ مش بردو خالد دا اللي جوز بنتك و حافظ على بناتها بعد ما خرجوا من هنا مكسورين الخاطر؟
سعاد بانفعال:
ـ نفس السبب اللي خلاكي مقدرتيش تقوليله. معنديش دليل. هو أنتِ مفكرة أن الخدامة اللي بتساعد نبيلة هتعترف عليها! كان اللي قبلها عملوها.
انتبهت أشجان لحديثها وقالت باستفهام:
ـ هو كان في بلاوي قبل كدا تانية!
تداركت سعاد خطأها لتتحمحم قائلة:
ـ متدخليش في اللي ملكيش فيه، و متخلينيش اندم اني نبهتك، و بلاش تتصرفي بتهور عشان مترجعيش تندمي
أشجان بجفاء:
ـ أكيد أن في حد هيندم في البيت دا بس مش هيكون أنا...
انهت جملتها و توجهت إلى الخارج ورأسها يكاد ينفجر من شدة التفكير، فالجميع هنا لا يُستهان به. الجميع يجب عليها أن تحذر منه. الوحيدة التي لا يحذر منها أحد هي! ولكنها الآن شبه متأكدة من أن سعاد تعلم بما فعلته نبيلة بسهام.
رفعت رأسها إلى الأعلى لتقرر أنها يجب أن تغير هذا الحال، فتوجهت إلى داخل القصر الذي يحوي الأفعى التي سممت حياتها لتخبرها الخادمة أنها في غرفتها، فذهبت رأسًا إلى هناك و قامت بطرق باب الغرفة لتسمح لها نبيلة بالدخول والتي تفاجئت حين شاهدتها لتقول بنبرة ساخرة:
ـ مش معقول! جاية تطمني عليا مخصوص!
أشجان بهدوء وهي تتقدم من مخدعها:
ـ في الحقيقة أنا مش محتاجة اطمن عليكِ أنغ عارفة انك كويسة.
استغربت نبيلة حديثها لتستفهم قائلة:
ـ اومال جاية ليه؟
صمتت أشجان لثوان قبل أن تقول بنبرة ساخرة وهي تتربع أمامها على السرير الضخم:
ـ أنا قبل ما اتجوز خالد عشت عشر سنين مع يهود. شوفت كل أنواع الظلم اللي في الدنيا. لحد ما قابلت خالد. بعد ما اتجوزت خالد عرفت يعني أيه حياة، و معنديش استعداد اخسره. او بمعنى أصح مش هقدر اعيش لحظة واحدة من غيره.
رفعت نبيلة حاجبها ساخرة لتُتابع أشجان قائلة:
ـ باختصار خالد هو الحياة بالنسبالي، والحياة من غيره موت. عشان كدا أنا معنديش حاجة أخسرها غيره، فخلي بالك. أنك لو مبعدتيش عن حياتي انا معنديش أدنى مشكلة اني أقف بعلو صوتي واعمل زي ما عمر عمل، و أقول مين قتل سهام.
برقت عيني نبيلة من حديثها لتُتابع أشجان بنبرة شخص ذاق الموت مرة ولن يحتمل الثانية:
ـ الناس اللي عايشة بره دي. بقى عندها قابلية تصدق عنك أي حاجة، و في مثل عندنا في الحارة بيقول العيار اللي مبيصيبش يدوش. يعني حتى لو أنا معنديش دليل في إيدي، فأنا هزرع بذور شك كفيلة أنها تخلي خالد الوتيدي يقلب الدنيا عاليها واطيها لحد ما يوصل للحقيقة، و أظن أن في غيري عارفها، و شاهد عليها.
لم تتخيل نبيلة أن تسمع ذلك الحديث من فم أشجان تلك الفتاة التي ظنتها ورقة شجر يمكن لرياح شرها اقتلاعها بسهولة من غصنها، ولكنها الآن تقف أمام قطعتين من الزمرد يلمعان بقوة و كأن كثرة الضغط ولد بهم قوة لا تقهر.
ـ دا احنا اطورنا اوي، و بقينا نعرف نهدد و نتكلم وصوتنا علي.
تجاهلت نبضات الخوف بصدرها و قالت بتحذير:
ـ لا لسه صوتي معليش، و نصيحة ليكِ بلاش يعلى. عشان لو علي هخلي الوتايدة يسمعوه واحد واحد، ولو خالد مصدقنيش كمال هيصدق. عمر هيصدق، و لو دول مصدقونيش. أنا واثقة أن عز الدين بيه هيصدقني. ألف سلامة عليكِ يا نبيلة..
أنهت حديثها و نصبت عودها لتغادر تحت أنظار نبيلة المدهوشة و لم تكن أشجان أقل اندهاشًا منها، فهي لا تتخيل أنها أقدمت على ما فعلته، ولكنها كانت مصيبة في حديثها، فهي لن تقوى على خسارته، فهي تعني هلاكها، وحين تهلك فلن يكون هناك ما يمكن أن تبكي عليه، فالمحاربُ إن فقد كل شيءٍ صار هو والسيفُ نَصلاً واحداً لا يُقهر.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ 🩵
★★★★★★★★★
تفرقت عينيها ما بين والدها الذي ينتظر إجابة تُرضيه و كمال الذي كان يناظر انهيارها بقلق لم تُخفيه عيناه على الرغم من جموده و والدتها التي كانت تطالعها بتحذير قبل أن تقول بنبرة حزينة:
ـ تعالى نقعد يا أبو أشجان بس و نتكلم. طبعًا بعد أذن سوزان هانم.
سوزان بجمود:
ـ اسمي الحاجة سوزان يا حاجة رضا، و البيت بيتكوا طبعًا اتفضلوا.
تقدم عزام و بجانبه كمال الذي مر من أمامها ليستقر على أحد المقاعد وجلس عزام في مقابلته و رضا في المنتصف ليمد عزام يده إليها و هو يقول بحنو:
ـ تعالي يا آسيا يا بنتي اقعدي جنبي..
الحنان في صوته حرك رماد الألم في صدرها لتمتليء جفونها بالعبرات ولكنها قمعتها بشق الأنفس لتتوجه و تجلس بجانبه، فبدأ عزام بالحديث قائلًا:
ـ عايز اسمع منك أنتِ عايزة أيه؟
سحبت قدرًا كافياً من الهواء داخلها حتى تجعل نبرتها ثابتة و حين بدأت بالحديث تفاجئت من رضا التي تدخلت في الحديث قائلة بلهفة:
ـ عايزة جوزها و بتحبه بس زعلانه منه و أي واحدة في مكانها هتاخد على خاطرها منه، و مش هي بس احنا كمان يا كمال يا ابني. زعلانين منك. مكنش العشم ولا دا كان وعدك لينا انك تحافظ على آسيا و تحطها في عنيك..
برقت عينيها من حديث والدتها لتهتف بانفعال:
ـ أنتِ كمان بتعاتبيه! و جوز مين اللي أنا عايزاه؟!
رضا بتحذير:
ـ متعليش صوتك، و اسمعي كلام اللي أكبر منك.
تدخل عزام محذرًا:
ـ اسكتي يا رضا. أنا بتكلم مع بنتي، وعايز اسمع منها.
رضا باندفاع مُزيف و نبرة ذات مغزى:
ـ عنيا يا خويا. أنت بس متعصبش نفسك. أنت عندك القلب، و احنا محتاجينك..
برقت عيني آسيا و ناظرتها بسخط من ذلك الحديث الذي تتقصد به إضرام نيران الذنب بداخلها و التأثير على قرارها ليلتفت عزام ناظرًا إلى آسيا التي شاهدت ذلك التوسل في عينيه و نبرته وهو يقول:
ـ آسيا يا بنتي. أنا اتكلمت مع كمال زي ما وعدتك، و الراجل كان صريح معايا، و اعتذرلي على اللي حصل بينكوا أول مرة، و قالي أنه فعلًا بيحبك، و عرف قيمتك، و دا اللي خلاه يرجع تاني و يطلب يتجوزك.
لاحت ابتسامة متهكمة فوق شفتيها وهي ترمقه بسخط قبل أن تتشدق ساخرة:
ـ دا بجد! والله جناحات كمال بيه طرفت عيني!
كانت نظراته تثير حنقها فهي ترى الاتهام بهم و كأنه يراها مذنبة دون أن يلتفت لأفعاله النكراء! تدخلت رضا هاتفة بحدة:
ـ بطلي طولة لسان، و بلاش كدا أبوكي بيفهمك و بيوجهك للصح. محدش يرضى بخراب البيوت أبدًا.
رمقتها آسيا بنظرة ساخطة، فقد كانت تُضيق الخناق عليها بطريقة لا تُحتمل، ولكن الأكثر من مؤذي هي نظرات والدها الذي يبدو عليه مؤيدًا لحديثها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها التوسل:
ـ بابا لو سمحت أنا محتاجة اتكلم معاك لوحدنا..
زجرتها رضا بحدة، ليتدخل كمال قائلًا:
ـ حاج عزام. أنا حابب اتكلم مع آسيا كلمتين و بعد كدا هسيبكوا تتكلموا براحتكوا. عشان أنا ورايا شغل مينفعش يتأخر عن كدا.
عزام بنبرة يغزوها الأمل أن يستطيع إقناعها:
ـ وماله يا ابني.
في هذه اللحظة شعرت بالخذلان الذي كان وقعه في قلبها كبيرًا، فقد كانت تتمنى لو أنه استمع لها أولًا، ولكنه مثل والدتها يريد منها التغاضي عن خيانته النكراء لذا قررت الوقوف بمفردها أمام طغيان الحياة كما تعودت دائمًا، فهي الشخص الوحيد الذي يمكنها الاستناد عليه كلما اشتدت عليها الأزمات لا تجد لها وطن سواها.
نصبت عودها و توجهت إلى غرفتها وهو خلفها لتستدير ناظره إليه، فوجدت عينيه على سلة القمامة التي تتوسطها صورته التي زينت غرفتها ذات يوم، فلاحت ابتسامة ساخرة على شفتيه ولكنه لم يعلق لتهتف هي بنبرة يشوبها الحسرة:
ـ جنب الصورة دي بالظبط أنا رميت كل مشاعري ناحيتك..
ـ شاطرة.
أجابته كانت مُختصرة، و نبرة جافة فأخذت تناظره وكأنها ترى شخصٌ غريب عليها و مخيف في آنٍ واحد. ملامحه تبدو موحشة، تقاسيمه ازدادت خشونة بشكل أرهبها و عينيه تحملان تعابير غامضة لا تُجيد قراءتها. لا ينفعل ولا يصرخ بل يلازمه صمتٌ غريب لا يتناسب مع حالة الفوضى و الألم الذان يعج بهما صدرها لتهتف بحدة و نبرة تحترق ألمًا:
ـ اسمعني بقى. الفيلم اللي حاصل بره دا مش هيخليني أتراجع عن قراري و لا حتى افكر مجرد تفكير اني اغيره، فياريت بهدوء كدا تطلقني.
كان مُستندّا بجسده الضخم على طاولة خشبية تتوسط الجدار المقابل لها واضعًا يديه في جيوبه يطالعها بجمود شابه نبرته القاطعة حين قال:
ـ مش هطلقك يا آسيا.
جموده أيقظ نيرانًا هوجاء بداخلها لتهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ يعني هتخليني أعيش معاك غصب عني؟!
رمقها باستخفاف قبل أن يقول بتقريع:
ـ هو أنتِ ليه مبتفكريش غير في نفسك؟!
لإنها لم تجد من يفكر بها هكذا أرادت القول، ولكنها لن تُعري ألمها أمامه لذا هتفت بعنفوان:
ـ عشان محدش يستحق أفكر فيه غيرها.
كمال بجفاء:
ـ ولا حتى والدك ؟
آسيا بحدة:
ـ اديك قولت والدي أنا. يبقى ميخصكش، و معنديش مشكلة أطلع اقوله أنت طلقتني ليه.. حتى لو هيموتني.
حدجها بنظرات الخسة قبل أن يقول بقسوة:
ـ بردو بتفكري في نفسك وفي اللي هيعمله فيكي بس تأثير دا عليه هيكون ازاي مفكرتيش. مفكرتيش لما يعرف بعمايلك هيكون إحساسه أيه و شكله ايه قدامي؟!
شعرت بأنها تُحاصر في بؤرة الخزي، وهي التي لم تفعل ما يُدنس ثوبها لتهتف بحرقة:
ـ أنا معملتش حاجة لكل دا..
انتصب عوده و طغى جسده الضخم وهو ينتفض هاتفًا بحدة أفزعتها:
ـ عملتي ..
تراجعت إلى الخلف خوفًا رغمًا عنها، ولكنها سرعان ما تمسكت بثباتها مرة آخرى وهي تهتف بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
ـ ماشي. عملت. اللي عندكوا اعملوه..
كمال بشراسة يصحبها التحذير:
ـ اللي عندك أنتِ اعمليه. بس لو قررتي تتكلمي مع والدك ياريت ميكونش في حضوري. عشان متحرجيهوش قدامي. أنا بصراحة اشفقت عليه اني اقوله.
آسيا باستنكار و نبرة مُلتاعة:
ـ ليه بقى أن شاء الله ؟ هو حضرتك شوفتني في مشهد مُخل ولا حاجة!
كمال بقسوة وهو يقترب ليمسكها بقوة من ذراعيها يهزها بعّنف:
ـ لا مش مُخل. هو مُخزي. واحدة رايحة تعاتب حبيبها الأولاني وهي على ذمة راجل تاني! ايه رأيك فيه؟ مشهد يدعو للفخر صح؟ طبعًا بالنسبة لواحدة عايزة تلم الكل حواليها! واحد معاها والتاني استبن صح!
كانت انامله تقسو عليها بطريقة مؤلمة، فصرخت وهي تنتفض بين يديه:
ـ لا مش صح. رؤوف عمره ما كان حبيبي. رؤوف ابن عمي وبس.
خلع عنه قناع الجمود و صرخ من تحت أنفاسه:
ـكذابة، وأنتِ عارفة دا. حبتيه ولا لا؟ ورمتيه لما لقيتي اللي احسن منه! اللي هيعيشك في مستوى أعلى و أهو بالمرة تنتقمي من اللي أذوكي.
كز على أسنانه بقوة أحدثت صوت أفزعها ليُتابع وهو يقول باحتقار يشوبه الألم:
ـ كذبتي عليا و أنتِ في عز انهيارك. كذبتي و قولتيلي انك روحتيله عشان هو اللي كان جنبك في أصعب أوقاتك. أنت اكتر إنسانة كذابة شوفتها في حياتي
كانت تنتفض بين يديه، وهي ترى في عينيه أشياء مروعة و اتهامات لم تحتملها مما جعلها تهتف بانفعال:
ـ أنا مكذبتش. هو دا اللي حصل فعلًا...
ـ اسكتي...
قاطعها وهو يهزها بعُنف ليتركها حتى لا ينفلت زمام الأمور من يديه، فالتفت إلى الجهة الآخرى يعطيها ظهره، لتشعر بأنها واقعة تحت طائلة ظلم لا تحتمله مما جعلها تصرخ مستنكرة:
ـ طب لما أنا وحشة كدا. عايزني افضل مراتك ليه؟
التفت يحدجها بقسوة تجلت في نبرته حين قال:
ـ انا حر.
آسيا بحدة:
ـ لا مش حر. لما يبقى الموضوع يخصني يبقى مش حر. دي حياتي وأنا اللي ليا حق أقرر أنا هعمل فيها أيه
كمال بجفاء:
ـ أنا فعلًا كنت سايبك تقرري حياتك، وكنت راجع وناوي اكمل في حياتي بعيد عنك. بس أنتِ مدتنيش فرصة. قابلي بقى ..
اغتاظت من إجابته التي احرقتها لتهتف بغضب:
ـ والله! تصدق انك بجح.
اقترب منها خطوتين تراجعت على إثرهم أربع ليهتف بتحذير خطر:
ـ لسانك لو طول عليا تاني هقطعهولك.
لم يكن أمامها مفر من الحرب، فالاستسلام لم تعرفه بحياتها لذا هتفت بقهر:
ـ أنت مفكر انك هتجبرني أعيش معاك! ولا تكونش مفكرني هربيلك ابنك!
كمال بقسوة:
ـ ربي نفسك الأول. ابني دا أنتِ مش هتقربي منه.
نالت قسوته منها لتجتاحها نوبة ضعف ضارية فهمست بنبرة تئن وجعًا:
ـ أنا ازاي كنت بحبك في يوم من الأيام؟!
ضيق عينيه وهو يتحدث بنبرة يختلط بها الألم مع الاستنكار:
ـ أنتِ شايفة انك بتعرفي تحبي يا آسيا؟!
نحت جميع أوجاعها جانبًا و قررت أن تراه من نفس البؤرة التي يحتجزها بها لتقول بنبرة جافة ساخرة:
ـ و هو أنت شايف انك تستحق تتحب يا كمال!
كلاهما كان يحمل نَدبة غائرة خلفها الآخر، بعد أن زرعا كلاهما درب الآخر بالأشواك، فبدا المشهد من بعيد كخصمين في ملحمةٍ وقودُها الكبرياء، يتراشقان بنظراتِ الثأر و الكراهية، بينما في أعماقهما. كان ثمة طفلان يرتجفان شوقاً لعناقٍ واحد يلملمُ شتات أرواحهم المعطوبة و يرتق صدوع القلوب التي أرهقها كثرة الجفاء.
ـ هتطلعي دلوقتي تقولي للناس اللي بره أننا هناخد فرصة تانية و نشوف إذا كانت الحياة بينا هتستمر ولا لا.
هكذا تحدث بجفاء قابلته بالرفض المطلق:
ـ مش هقول..
كمال بتحدي لا يُبشر بالخير:
ـ تمام. وريني هتقولي ايه. مانا دلوقتي اتأكدت انك مبيفرقش معاك حد..
ارتجف قلبها ألمًا تغاضت عنه وهي تهتف بقسوة:
ـ صح. أنا واحدة ملهاش أمان و أنت اللي ما شاء الله عليك. ملاك بجناحات. مش واحد خاين اتجرح من واحدة راح جري اترمى في حضن واحدة تانية على طول.
كمال بسخرية:
ـ وجعك اوي اللي أنا عملته! عمومًا لو شوفتي لورا كنتِ عذرتيني.
طعنة نافذة سددها ببراعة إلى قلبها الذي انشطر إلى نصفين، ولكن هناك عقلًا تعلم أن لا يقبل الإهانة و اعتاد على القتال ولو كان في النزع الأخير لذا تحدثت بنبرة ساخرة تتنافى مع الألم الضاري الذي يتبلور بوضوح في عينيها:
ـ أمممم. لا مانا متخيلة. ماهو عشان تنسى آسيا أنت محتاج واحدة خارقة عشان تقدر تعمل دا.
لم يتوقع ثباتها ولا قوة إجابتها التي تتنافى مع ذلك الألم العظيم الذي يراه في عينيها التي اكتظت بالعبرات ولكنها واصلت إدهاشه حين قالت بطريقة درامية قاصدة السخرية منه:
ـ بس واضح أنها معرفتش تعمل دا، و الدليل أنت قدامي أهو و بتجبرني أعيش معاك. معنى كدا أن العظيمة لورا فشلت في مهمتها.
بغض النظر عن كل شيء فهي دائمًا تنجح من النيل منه حتى لو لم يُظهِر ذلك ولكن كلماتها نالت من كبريائه و بشدة مما جعله يحاول إخفاء ذلك حين قال ساخراً:
ـ خليكي احلمي كدا. يمكن الأحلام دي تريحك..
آسيا بعنفوان إمرأة كسرها العشق، و أحياها الكبرياء:
ـ أنت اللي بتحلم. لو مفكر انك كدا انتقمت مني و كسرتني، فأنت غلطان. أنت انتقمت فعلًا لكن أنا عمري ما بتكسر، و خلي بالك. أنت مبقاش ليك. لكن بقى عليك كتير أوي.
كمال باستنكار:
ـ و ايه بقى اللي عليا؟ و عليا لمين؟
آسيا بحقد يتوجه الألم:
ـ أنا اللي بقيت مديناك دلوقتي يا كمال بيه. أنت مقابل غلطة واحدة ليا. طلقتني ورمتلي حتة ورقة و سافرت، و لما رجعت. عملت المستحيل عشان اخليك تسمعني و رفضت، مديت إيدك عليا و هنتني، دا كله كوم و خيانتك ليا كوم تاني. خليك فاكر الرصة دي بقى. عشان هندمك عليها ندم عمرك.
انتفض قلبه صارخاً بحقائق لم تُنطق بعد، ولكنها لم تترك له الفرصة للحديث حين تابعت بقسوة:
ـ و اوعى تفكر تديني الأمان. أظن أنت عرفت اني مهما حصل و مهما عدى وقت مبسبش حقي، و المرة دي احنا مع بعض على نور، و كل واحد شايف التاني على حقيقته..
كان يود لو يخبرها بما يجول بصدره، و يضعها أمام ما اقترفته يداها، وهو يهزها بعُنف صارخًا بأنها ماهي إلا عشقًا مسموم اغتال حياته، ولكن تلك العبرات التي تدحرجت من مقلتيها على غفلةٍ منها اخرسته ليمد يده و يجذب أحد المحارم الورقية يناولها إياها وهو يقول بجمود:
ـ ابقي امسحي دموعك دي عشان صعبتي عليا.
نفضت يده وهي تقول بوعيد من اعماق قلبي مكلوم:
ـ بكرة تصعب عليا أنت كمان متقلقش.
تجاوزته وهي تتوجه إلى باب الغرفة تمحو عبراتها ثم غادرت تقف أمام والديها ليسمعها يقول:
ـ أنا و كمال اتفقنا أننا هندي نفسنا فرصة و نشوف الدنيا هتودينا لحد فين؟
كانت سوزان صامتة فقط نظرات لائمة تجاه كمال الذي كان يقف أمام باب الغرفة ليتجمد الجميع حين سمعوا زغرودة مدوية من رضا التي كانت الفرحة لا تسعها دون النظر إلى قلب ابنتها المذبوح أمامها لتنظر إليها آسيا مبهوتة لا تصدق ما تراه تنظر اليها وكأنها ترى شيء خارق للطبيعة، لتتقدم رضا منها وهي تحتضنها و تقول بحبور:
ـ يا ألف نهار أبيض. أيوا كدا ارجعي لعقلك، وفرحي قلوبنا..
على عكس سوزان التي رأت بعينيها أنها مرغمة بل و مقهورة على أمرها، ولكن ليست كل القلوب تعرف كيف تشعر، هناك الكثير ممن يقوم بوظيفته وهي ضخ الدماء أما المشاعر، فهي لغة غير مفهومة بالنسبة له..
رن هاتف كمال الذي كان يتابعها و رغمًا عنه شعر بالشفقة عليها من أم كهذه ليستدير إلى الخلف وهو يجيب خالد الذي هتف بنبرة آمرة:
ـ تعالى دلوقتي حالًا على القصر.
كمال بقلق:
ـ في أيه يا خالد ؟
خالد باختصار:
ـ لما تيجي هتعرف...
التفت إلى الخارج وهو ينظر إلى عزام قائلًا:
ـ معلش يا عم عزام أنا مضطر امشي، و متقلقش على آسيا أنا على اتفاقي معاك.
عزام بابتسامة بشوشة:
ـ اتفقنا يا ابني، وانا هاجي ازوركوا و اطمن على آسيا و أنها مرتاحة و مش زعلانه لسه.
كانت صامتة تريد الصراخ بهم جميعًا حتى يتركوها و شأنها، فقد كان والدها آخر صخرة كانت ترتكز عليها، ولكنه خذلها، وهي خذلت نفسها حين تأثرت بحديث والدتها و حديثه وخشيت أن تتحدث و تكون سبب لحدوث أي مكروه له، ولكنها فرقت أنظارها بينهم وهي تقسم بداخلها أن تجعل الجميع يرى ماهي قوتها قبل أن تغادرهم جميعًا دون راجعة.
ـ أنا همشي دلوقتي، و هعدي عليكِ بالليل عشان نروح سوى..
حدجته بنظرة ساخرة لم ينتظر لمعرفة ما سيليها ليغادر وهو الآخر يحاول النجاة من عينيها التي يتماوج بهم الألم و الكره معًا، فلم يعُد يملك من الصبر ما قد يمكنه من الصمت، دون أن يهتز أوصال البناء من صرخاته.
اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم، فرج همي ويسر أمري، وارحم ضعفي وقلة حيلتي، وارزقني من حيث لا أحتسب. 🩵
★★★★★★★★
كانت في طريقها إلى الداخل لتستمع إلى تلك الضحكات القادمة من غرفة خالد مما جعل الغضب يجتاح أوردتها حين تعالت أكثر، فتعرفت إلى صاحبتها والتي لم تكُن سوى زينة! لتقدح عينيها شررًا وهي تتوجه إلى الباب لتفتحه دون أن تطرقه، فوجدت خالد يجلس خلف مكتبه و زينه تجلس في المقعد المقابل من الجهة الآخرى لتعتلي نظرات الثنائي الذهول من جانب زينة و الترقب من جهة خالد، ولكنها لم تُعير ذلك اهتمام بل تقدمت وهي تحاول رسم ابتسامة جميلة فوق شفتيها حين قالت بنبرة ناعمة:
ـ إيه دا يا حبيبي أنت مش لوحدك! أسفة مكنتش اعرف..
تبدلت الأدوار ليكُن الذهول من نصيبه حين رآها تلتف لتقترب منه، وعينيها تتوسلانه بألا يردها خائبة أمام تلك المرأة التي لم ترتاح لها، ولكنه تدارك الأمر حين قال:
ـ تعالي يا أشجان. دي زينة مش حد غريب..
كانت عينيها مُعلقة على زينة بطريقة غريبة وكأنها تستنكر وجودها، فكان للأمر وقعًا مدويًا عليه، فهو الآن يرى جانبًا آخر من شخصيتها. جانبًا أكثر جنونًا و إندفاعًا من تلك الشخصية الهادئة التي تتسم بها، و لسبب ما، فقد راق له ما يراه، فأراد أن يشاركها لعبتها، فقام بمد يده يحاوط خصرها و يقربها منه ليجذب انتباهها كليًا، فالتفت إليه في نظرة ممتنة، يملؤها الاعتذار و الأسف، ولكن زينة لم تمهلهم الوقت للإستغراق في هذه اللحظة لتهتف ساخرة:
ـ طيب يا خالد شكلنا مش هنعرف نكمل موضوعنا! نبقى نتكلم وقت تاني..
لم تمهله أشجان الفرصة للحديث إذ قالت باندفاع:
ـ ليه كدا ؟ تقدري تتكلمي قدامي عادي...
زينة بمرح يشوبه الخُبث:
ـ لا للأسف مينفعش.
تعاظم الحنق بداخلها حتى كادت أن تبكي وهي تلتفت إلى خالد قائلة بتحدي:
ـ مينفعش يا خالد؟
رغمًا عنه كان على وشك الضحك على مظهرها الطفولي و هذا الغضب المُتقد في مقلتيها، ولكنه قمع جميع انفعالاته تحت ستار من اللامُبالاة التي تجلت في نبرته حين قال:
ـ لو مش هتملي من كلامنا عن الشغل تقدري تستني..
أشجان بنبرة قاطعة:
ـ مش همل..
نصبت زينة عودها المُغري لتقول بخفة:
ـ أنا كدا كدا عندي ميعاد كمان ساعة يدوب البس و هفكر في اللي قولتلي عليه و هرد عليك في أقرب وقت. عن اذنكوا.
قالت جملتها وهي تضحك بمرح في وجه أشجان الذي كانت رياح الغيرة تثور بداخلها فصار وجهها بحراً هائجاً يموج الغضب في تقاسيمها كمد طوفاني يكتسحُ هدوء ملامحها ثم يرتد جزراً ليحفر في عينيها أخاديد التحدي والوعيد التي شيعت زينة إلى الخارج غافلة عني حبتي البندق التي كانت تشملها بنظرات مشتاقة حد الجوع، ولكنها لم تخلو من الانبهار مما حركه رماد الغيرة في بركانها الخامل، لتشهق بعُنف حين جذبتها يداه لتسقط جالسه بين ذراعيه و ضربات قلبها الهائجة تضرب ضلوعها بقوة آلمتها ليسلبها قربها الكبير منه أنفاسها التي علقت في رئتيها حين سمعت نبرته الخشنة وهو يقول:
ـ أنتِ ايه حكايتك بالظبط؟
لم تسعفها الأحرُف للحديث، فهي لم تتخطى المفاجأة لتجرفها نوبة شوق كبير اصطدمت بسد منيع وهو ذلك الجُرم الذي ارتكبته ظاهريًا في حقه.
كان يتألم تارة لأجل الشوق، وتارة لأجل جرحه الذي لم تضمده بعد، و لكن سكوتها حول الأنين إلى غضب تجلى في نبرته حين قال:
ـ سكتي دلوقتي! لما أسأل أنا بتسكتي! نارك هديت دلوقتي، فخلاص بلعتي لسانك صح! طيب تقدري تمشي لو معندكيش كلام تقوليه..
أدار رأسه للجهة الآخرى لتمتد كفوفها تُعيد رأسه إليها مرة آخرى وهي تقول بلهفة:
ـ لا عندي.
لا ينكر أنه تأثر و بقوة بلمساتها، و احتضان كفوفها لوجهه، ولكنه نجح في التحكم في جميع انفعالاته لتصُب في بوتقة الجمود الذي تجلى في نبرته حين قال باختصار:
ـ سامعك..
كان كليهما يعلم أنها لن تتحدث، و لكنها فعلت بطريقة آخرى حين قالت بحزن و بنبرة يائسة:
ـ هو أنت صعب تسامح أوي كدا ! يعني اعتبرها غلطة..غلطة صغيرة مني.
خالد بنبرة حادة يتسيدها الاستنكار:
ـ صغيرة!
بكل مرة تحاول تصليح الأمر يفسده غبائها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها الانفعال:
ـ صغيرة أو كبيرة يا خالد. دي أول مرة اعمل حاجة تضايقك،و على فكرة بقى . أنا عندي استعداد أسامحك على أي حاجة.
خالد بنبرة صادقة حد الألم:
ـ كلام. اللي أيده في الميه مش زي اللي إيده في النار..
أشجان في محاولة لمراضاته:
ـ خالد أنا عارفة اني غلطت اوي، وانك اتوجعت بس والله أنا...
صمتت ليحاول حثها على الحديث في محاولة أخيرة منه للوصول إلى سبب مقنع يمكنه أن يصلح ما أفسدته فعلتها:
ـ أنتِ ايه؟
على الرغم من تهديدها لنبيلة، ولكنه لن تقدر على التنفيذ في الوقت الحالي على الأقل، لذلك عجزت عن إجابة عينيه مما جعلها تهتف بتعب:
ـ يا خالد أنت صعب اوي..
خالد بتحذير لم تخطئ في فهمه:
ـأنتِ مشوفتيش مني أي صعب لحد دلوقتي ؟
ـ هتعمل ايه يعني؟
ـأنتِ عايزة ايه دلوقتي ؟
هكذا هتف بنفاذ صبر، فقد وصل إلى طريق مسدود معها لتهتف هي بانفعال:
ـ متضايق اوي أني بتكلم معاك!
خالد بحدة:
ـ متضايق من مراوغتك اللي ملهاش اي تفسير غير انك معندكيش حاجة تقوليها. أو يمكن عندك و مش عايزة تقولي. بس خليكِ فاكرة أن الموضوع مبقاش مرهون برغبتك في الكلام.
هوى قلبها بين ذراعيها من حديثه لتهمس:
ـ يعني ايه ؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ يعني أنا اللي مش عايز اسمع منك حاجة، و ياريت تتفضلي دلوقتي عشان عندي شغل.
أدركت أن هذا الحديث لا جدوى منه، فهو صلب لا يتزحزح وهي مهما فعلت لن تستطيع أن تجعله يتجاوز تلك المنطقة الملغمة بينهم لذا نصبت عودها وهي تهتف بغضب يائس:
ـ طب بمناسبة الشغل تحب انادي على الست زينة وانا خارجة!
تجاوز غضبه حدود المسموح لذا حذرها من مغبة التمادي حين زمجر قائلًا:
ـ أشجان! بلاش تطولي في الموضوع دا أكتر من كدا.
ستبكي حتمًا لذا قالت بشفاة مُرتعشة:
ـ اللي تشوفه يا خالد...
أنهت جملتها و غادرت تحاول قمع عبراتها لتترك خلفها بركان ثائر سينفجر في وجه الجميع...
يا رب، بك استعين وعليك أتوكل، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل لي مشقته، وارزقني من الخير كله أكثر مما أطلب، واصرف عني كل شر🩵
★★★★★★★★★
ـ هو أني ممكن أعرِف أنت ليه بتخرچ و بتسيب المحمول بتاعك اهنه؟
هكذا تحدثت نجاة بغضب وهي تنظر إلى رحيم الذي كان يتأهب لإرتداء ملابسه، ليُجيبها باختصار:
ـ مالك ومال تلافوني. أسيبه ولا آخده ايه مشكلتك أنتِ؟
شعرت بالحرج من حديثه لتهتف بنبرة يشوبها التوتر:
ـ افرض. حوصول حاچة، و اتچبرت اكلمك و لا أنت مش عايزني اكلمك ولا من أساسه!
التفت رحيم يناظرها بصمت لم يدوم طويلاً إنما قطعه قائلًا:
ـ انچبرتي تكلميني!
كان الشوق للأمان فوق ضفة صدره يقرضها من الداخل، و لكنها تتخبط في كل الدروب التي تعج بالأشواك من كل حدبٍ و صوب مما جعلها تهتف بتلعثم:
ـ أيوا، واني هكلمك أرغي وياك! اني هكلمك لو حوصول حاچة مثلًا!
أخذ رحيم يتقدم منها بخطوات سُلحفية وهو يقول بنبرة رحيمة:
ـ و لما مش هتتحدتي وياي هتتحدتي ويا مين؟
أخذت تتراجع للخلف أمام تقدمه وهي تشعر بدقاتها تتقاذف بقوة داخلها لتخرج نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ واتحدت وياك ليه؟ هو . هو أنت نفذت وعدك ليا؟
رحيم باختصار وهو يقف على مقربة منها يغوص في عينيها الجميلتين:
ـ نفذت.
ضي بلهفة :
ـ لقيت أمي ؟
رحيم بنفي وهو ينظر بترقب إلى داخل عينيها:
ـ لاه. بس بدور عليها. متجلجيش. جريب أوي. هوصلها. بس وقتها أنا اللي هطلب و أنتِ اللي هتنفذي..
ضي بخوف جعل الحروف تتأرجح فوق شفاهها حين قالت:
ـ هتطلب أيه؟
مد رحيم يده ليُعيد خصلة من خصلاتها إلى خلف أذنيها وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ هتعرفي وقتها. اللي عايزك تعرفيه دلوقتي أنها سيبالي أمانة عندك و أني عايزها.
توقف النبض في أوردتها من حديثه لتحاول المراوغة قائلة:
ـ أ. أمانة أيه ؟
مد يده في حركة مباغتة يجذبها ليلتصق ظهرها بصدره و تعانق خصرها ذراعيه القويتين، وهو يغرز أنفه بين تجويف رقبتها هامسًا بنبرة اسكرها العشق:
ـ أنتِ عارفة زين يا ست البنات. مش هاخدها غصب و أنتِ عارفة، بس لازمن تعرِفي أن العشق حاچة والواچب حاچة تانية. اوعاكِ تحطيني في اختيار ما بينهم.
أنهى جملته و لثم ذلك العرق النابض في رقبتها بحنو وهو يرى تأثير حديثه على قلبها و جسدها، فهو يريد الشيء الوحيد الذي تملكه في هذه الحياة
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» 🩵
★★★★★★★★★
ـ إيه دا الحبايب كلها متجمعين هنا!
هكذا هتف عمر وهو ينظر إلى كُلًا من خالد ياسر و كمال و رحيم و يزيد الذي هتف ساخرًا:
ـ أهو العزول جه أهو...
ـ عزول في عينك يا دكتور إلا ربع أنت!
هكذا تحدث عمر ليهتف يزيد ساخرًا:
ـ اسمها متر إلا ربع، و أنا الحمد لله متر و ربع، بس معلش أنا عارف انك خدت شالوط في مشاعرك خلى صواميل المخ تفوت.
تعالت الضحكات على حديث يزيد ليتدخل خالد قائلًا بخشونة:
ـ عايزين نتكلم في الجد. بيتهيقلي كفاية عك و تهريج لحد كدا..
انتبه الجميع إلى حديثه ليقول ياسر باستفهام:
ـ عك إيه يا خالد في أيه ؟
خالد بحدة:
ـ في أن كل واحد فيكوا غرقان في مشاكله الشخصية و ناسيين أن في عيلة مفروض انكوا رجالتها و واجب عليكوا تحافظوا على الاسم اللي عاملكوا هيبة وكرامة وسط الناس..
اعتدل كمال في جلسته وهو يقول باستفهام:
ـ هو حصل أي يا خالد؟
زجره خالد بحدة:
ـ دورك جاي متقلقش.
التفت نجاة ياسر هاتفًا بحنق:
ـ حضرتك ناوي تفضل متبهدل كدا لحد امتى! فكرك انك لما ترفض تاخد فلوس أبوك دي عزة نفس! دا غباء يا ريس!
ياسر بغضب:
ـ يا خالد اسمعني.
قاطعه خالد بنبرة قاطعة:
ـ أنت اللي هتسمعني. أنت كدا بتعاقب مين؟ و ايه دخل ورثك وحق أبوك بتارنا مع الكلب دا! ما الكل في العيلة عرف أنه مظلوم، و عرفنا عدونا حضرتك هتفضل سايق في دور العوج دا لامتى!
ياسر بألم:
ـ يعني يا خالد اتمتع بالفلوس و أبويا مش مرتاح في تجربته وحقه لسه مجاش!
خالد بخشونة:
ـ وهو بهدلتك دي هتفرحه في تربته! اسمعني يا ياسر. مينفعش حد فينا يبقى ضعيف. احنا في وقت لازم نكون في عز قوتنا و اتحادنا. عشان اللي جاي صعب..
كمال بنفاذ صبر:
ـ ما تقول في أيه يا خالد؟ قلقتنا..
خالد بتهكم:
ـ الأول خليهم يباركولك. مش بردو بقيت أب!
ـ
بهتت ملامح الجميع من حديث خالد الذي ناظره بحنق وهو يتذكر ما حدث منذ نصف ساعة
ـ بتقول ايه يا كمال!
هكذا تحدث خالد بصدمة قابلها كمال بالجمود حين قال:
ـ اللي سمعته يا خالد. أنا عندي ابن..
خالد بحدة:
ـ أنت عبيط ولا مش سامع كلامك! هو في حاجة اسمها كدا؟!
كمال بغضب:
ـ ايه اللي مش مفهوم في كلامي يا خالد؟
سخر خالد بنبرة حادة:
ـ عشان الطبيعي انك ترتبط و تتجوز وتخلف، و كدا أنا اختصرت تفاصيل كتير معرفش ايه موقعك منها؟
كمال بجمود:
ـ وبما انك عارفها فأنا اختصرت ذكرها و قولتلك اني خلفت، و دا المهم..
خالد ساخرًا:
ـ في سنة واحدة عملت كدا دا! اتخطيت اللي حصل، وعرفت واحدة ارتبطت بيها، و اتجوزتها و خلفت كمان! دا انت خارق بقى!
اغضبته سخرية شقيقة وتعرية أمور لا يريد الخوض بها لذا قال بحنق:
ـ بلاش الكلام دا يا خالد!
زمجر خالد مُحذرًا:
ـ مش أنت اللي هتقولي أقول ايه و مقولش ايه؟ و بعدين تعالى هنا معلق المشانق لبنت الناس ليه لما انت كنت مقضيها هناك!
كز كمال على أسنانه غضبًا وهو يقمع الكثير من الكلمات التي لا ينبغي لها أن تُقال مما جعل خالد يقول بجفاء:
ـ اركنلي كل العك دا على جنب و خلينا نركز في المهم. بس قبل ما نعمل كدا خليني اقولك اني في يوم من الأيام كنت مشفق على آسيا بسبب اللي عملته فيك، و واثق اني هشوفك في نفس الموقف بردو..
عودة للوقت الحالي
صاح عمر بذهول:
ـ مين دا اللي بقى أب! هي آسيا لحقت خلفت امتى!
يزيد باندفاع:
ـ يمكن باضت أنا ايش عرفني؟!
ياسر مُحذرًا:
ـ بس يا ابني أنت وهو. كمال أنت اتجوزت واحدة تانية غير آسيا ؟
كمال باقتضاب:
ـ أيوا...
عمر بصياح:
ـ يخربيتك دانتا دبابة فعلًا. جرحك لحق لم امتى!
تمتم يزيد متهكمًا:
ـ هتلاقيها ردته عالبارد مبياخدش وقت..
عمر بتحسر:
ـ حتى الدبابة عمل موف أون. دا محدش خاب غيري باين..
تدخل خالد مُعنفًا:
ـ كويس انك عارف انك خيبت، و خيبتك تقيلة..
تمتم يزيد ساخرًا:
ـ تقيلة قد دماغه طبعًا.
ـ ايه يا خال! مش هتبقى أنت و أختك عليا.
خالد بحدة:
ـ عيب لما تبقى دكتور و قد الحيطة و اهزقك. أظن أنت عكيت بما فيه الكفاية. بس لازم تعرف ان مفيش حد هيلملم وراك. أنت مبقتش العيل الصغير اللي هتطلع تجري على خوالك و هما هيحلولك مشاكلك. احنا دلوقتي محتاجينك تحل معانا المشاكل.
تدخل ياسر قائلًا:
ـ كلنا معاك يا خالد. بس نفهم في ايه؟
و أضاف عمر مؤكدًا:
ـ أكيد كلنا معاك.
و هتف كمال باقتضاب:
ـ أنا مبقاليش من العيلة دي غيركوا، فأكيد أنا معاكوا في أي حاجة.
و صاح يزيد هو الآخر:
ـ أنا مع الوحش في أي حاجة. ان شالله أشيله الشنطة..
تحمحم خالد قبل أن يقول بخشونة:
ـ مبدأيًا الكلام مش هيكون هنا، وقبل ما احكيلكوا في أيه لازم تعرفوا حاجة مهمة. أن طول ما كل واحد في وادي بالشكل دا احنا سهل نتكسر، و خصوصًا في الوقت دا.
تدخل رحيم الصامت من أول الحديث:
ـ احنا عمرنا ما ننكسر يا خالد.
خالد بعنفوان:
ـ أنا واثق يا رحيم. على الأقل طول مانا عايش.
تبادل الاثنين النظرات قبل أن يقول رحيم:
ـ يالا عشان نروحوا مشوار مهم...
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ وَالهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ 🩵
★★★★★★★★★★
كانت أشجان تجلس في الغرفة الكبيرة لتتفاجيء بالخادمة ترحب بأحدهم و تقوده إلى الداخل لتجد نفسها وجهًا لوجه أمام غنى و بجانبها هيام، هتفت مرحبة:
ـ أهلًا و سهلًا. اتفضلوا..
لم يكد يُجيبها أحد حتى شاهدت نبيلة القادمة من الخلف و بجانبها هايدي، وقد كانت نظراتهم كالأعيرة التي أضافوا لها كاتم الصوت، و من ثم تلتهم ضي التي كان وجهها مُغبر و جامد لتشعر أشجان بالصدمة من هذا الجمع، و كذلك غنى التي اقتربت تعانقها وهي تقول:
ـ هو في ايه؟
أشجان بخفوت:
ـ معرفش.
لم تكد تُنهي جملتها حتى سمعوا صوت شجار قوي قادم من الخارج ووووو
يتبع....
بحبكوا 🩵 حبيت اهاديكوا ببارت هينقل الأحداث لمكان تاني خالص، وخليكوا فاكرين أن لكل مشهد خلفية مختلفة هتشوفوها قدام بحبكوا مرة
كمان 🩵
دا جروبي يا حلوين نوروني بنتخانق هناك و بننزل تسريبات ياما 😂♥️
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثمانون 80 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
Surprise 🤩🤩
بارت هدية عايزة بقى فوت كتييييرو كومنتس كتيرر على الفقرات اللي حبتوها 😘😘😘
الاستغناء: هو صرخة قاسية في وجه رُكام من الاحتياجات التي لم يُشبعها أحد لنخبرها بأننا اكتفينا بأنفسنا و لم نعُد في حاجة إلى توسل إجابة أو استجداء طمأنينة.
إنه اللحظة التي يتسيد فيها الإنسان حياته بعد معارك ضارية خاضها شريدًا في جميع المنافي ليُدرك بعدها أنه الوطن الوحيد لنفسه و اللاجيء الذي لا ملجأ له سواها. في الاستغناء تتعلم الروح كيف تخيط جراحها بأنين صامت، و كيف تحول عبراتها إلى غيثٍ يروي تلك الندبات التي يعج بها الصدر لتُذهِر قوة و عنفوان.
الاستغناء ليس موقف! بل هو نهج جديد في الحياة يحول الشخص من تابع إلى مُستقل لا يقيده فقد و لا يرغمه احتياج.
فسلاماً على من أشبعونا احتياجاً حتى جف حلقِنا من فرط النداء؛ فاليوم لن نستجديكم مُجدداً، فقد أسدل الكبرياء ستائره خلفكم، وتعلمنا بفضل خذلانكم كيف يكون عز الاكتفاء.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ عايزة اتكلم مع حضرتك شوية. ممكن؟
هكذا تحدثت أشجان إلى سعاد التي ابتسمت وهي تقول:
ـ طبعًا. اتفضلي. بس اقفلي الباب بالمفتاح..
فعلت أشجان ما طلبته منها و تقدمت لتجلس أمامها و هي تقول بنبرة جامدة:
ـ دلوقتي حضرتك قولتيلي أن نبيلة بتحطلك حبوب منع الحمل، وانا اتأكدت من دا، و مقدرة جدًا انك نبهتيني لحاجة زي دي. بس أنا متأكدة انك عارفة حاجات كتير عن نبيلة، و حابة اعرف كل حاجة منك..
سعاد بجمود:
ـ أنا قولتلك اللي يخصك..
أشجان بحدة طفيفة:
ـ كل حاجة في البيت هنا تخصني. أنا واحدة منه. أنا مرات كبير العيلة دي. أظن من حقي أعرف أيه اللي بيحصل حواليا..
سعاد بسخرية:
ـ مرات الكبير دا مش مجرد لقب. مرات الكبير دي مهمة تقيلة أوي عليكِ للأسف.
أشجان باستنكار:
ـ نعم!
تداركت خطأها قائلة:
ـ أنا مقصدش أقلل منك. بس المفروض كونك مرات الكبير تكوني عارفة كل حاجة مش مستنية من واحدة قعيدة مبتتحركش من مكانها هي اللي تقولك. سهام الله يرحمها كانت بتعرف دبة النملة في القصر. أنا طبعًا مش قصدي أقارن بينكوا...
قاطعتها أشجان بجفاء:
ـ سهام بالنسبالي مش مثال ناجح اقتدي بيه، و أيًا كانت طريقتها فهي فشلت. وانا مش ناوية اعمل زيها، و لو شايفة أني اجند الخدامين عشان يتجسسوا على الناس و ينقلولي أخبارهم دي طريقة تليق باللقب اللي حضرتك شيفاه تقيل عليا دا، فدا أسلوب رخيص أنا شيفاه ميليقش بيه.
سعاد بتقريع:
ـ خلاص سيبي الناس تلعب بيكِ الكورة..
أشجان بجفاء:
ـ ولا هسمح بدا، و بعدين أنا عايزة أسألك سؤال. هو أنتِ ليه مقولتيش لخالد أن أخته بتحط لمراته حبوب منع الحمل؟ مش بردو خالد دا اللي جوز بنتك و حافظ على بناتها بعد ما خرجوا من هنا مكسورين الخاطر؟
سعاد بانفعال:
ـ نفس السبب اللي خلاكي مقدرتيش تقوليله. معنديش دليل. هو أنتِ مفكرة أن الخدامة اللي بتساعد نبيلة هتعترف عليها! كان اللي قبلها عملوها.
انتبهت أشجان لحديثها وقالت باستفهام:
ـ هو كان في بلاوي قبل كدا تانية!
تداركت سعاد خطأها لتتحمحم قائلة:
ـ متدخليش في اللي ملكيش فيه، و متخلينيش اندم اني نبهتك، و بلاش تتصرفي بتهور عشان مترجعيش تندمي
أشجان بجفاء:
ـ أكيد أن في حد هيندم في البيت دا بس مش هيكون أنا...
انهت جملتها و توجهت إلى الخارج ورأسها يكاد ينفجر من شدة التفكير، فالجميع هنا لا يُستهان به. الجميع يجب عليها أن تحذر منه. الوحيدة التي لا يحذر منها أحد هي! ولكنها الآن شبه متأكدة من أن سعاد تعلم بما فعلته نبيلة بسهام.
رفعت رأسها إلى الأعلى لتقرر أنها يجب أن تغير هذا الحال، فتوجهت إلى داخل القصر الذي يحوي الأفعى التي سممت حياتها لتخبرها الخادمة أنها في غرفتها، فذهبت رأسًا إلى هناك و قامت بطرق باب الغرفة لتسمح لها نبيلة بالدخول والتي تفاجئت حين شاهدتها لتقول بنبرة ساخرة:
ـ مش معقول! جاية تطمني عليا مخصوص!
أشجان بهدوء وهي تتقدم من مخدعها:
ـ في الحقيقة أنا مش محتاجة اطمن عليكِ أنغ عارفة انك كويسة.
استغربت نبيلة حديثها لتستفهم قائلة:
ـ اومال جاية ليه؟
صمتت أشجان لثوان قبل أن تقول بنبرة ساخرة وهي تتربع أمامها على السرير الضخم:
ـ أنا قبل ما اتجوز خالد عشت عشر سنين مع يهود. شوفت كل أنواع الظلم اللي في الدنيا. لحد ما قابلت خالد. بعد ما اتجوزت خالد عرفت يعني أيه حياة، و معنديش استعداد اخسره. او بمعنى أصح مش هقدر اعيش لحظة واحدة من غيره.
رفعت نبيلة حاجبها ساخرة لتُتابع أشجان قائلة:
ـ باختصار خالد هو الحياة بالنسبالي، والحياة من غيره موت. عشان كدا أنا معنديش حاجة أخسرها غيره، فخلي بالك. أنك لو مبعدتيش عن حياتي انا معنديش أدنى مشكلة اني أقف بعلو صوتي واعمل زي ما عمر عمل، و أقول مين قتل سهام.
برقت عيني نبيلة من حديثها لتُتابع أشجان بنبرة شخص ذاق الموت مرة ولن يحتمل الثانية:
ـ الناس اللي عايشة بره دي. بقى عندها قابلية تصدق عنك أي حاجة، و في مثل عندنا في الحارة بيقول العيار اللي مبيصيبش يدوش. يعني حتى لو أنا معنديش دليل في إيدي، فأنا هزرع بذور شك كفيلة أنها تخلي خالد الوتيدي يقلب الدنيا عاليها واطيها لحد ما يوصل للحقيقة، و أظن أن في غيري عارفها، و شاهد عليها.
لم تتخيل نبيلة أن تسمع ذلك الحديث من فم أشجان تلك الفتاة التي ظنتها ورقة شجر يمكن لرياح شرها اقتلاعها بسهولة من غصنها، ولكنها الآن تقف أمام قطعتين من الزمرد يلمعان بقوة و كأن كثرة الضغط ولد بهم قوة لا تقهر.
ـ دا احنا اطورنا اوي، و بقينا نعرف نهدد و نتكلم وصوتنا علي.
تجاهلت نبضات الخوف بصدرها و قالت بتحذير:
ـ لا لسه صوتي معليش، و نصيحة ليكِ بلاش يعلى. عشان لو علي هخلي الوتايدة يسمعوه واحد واحد، ولو خالد مصدقنيش كمال هيصدق. عمر هيصدق، و لو دول مصدقونيش. أنا واثقة أن عز الدين بيه هيصدقني. ألف سلامة عليكِ يا نبيلة..
أنهت حديثها و نصبت عودها لتغادر تحت أنظار نبيلة المدهوشة و لم تكن أشجان أقل اندهاشًا منها، فهي لا تتخيل أنها أقدمت على ما فعلته، ولكنها كانت مصيبة في حديثها، فهي لن تقوى على خسارته، فهي تعني هلاكها، وحين تهلك فلن يكون هناك ما يمكن أن تبكي عليه، فالمحاربُ إن فقد كل شيءٍ صار هو والسيفُ نَصلاً واحداً لا يُقهر.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ 🩵
★★★★★★★★★
تفرقت عينيها ما بين والدها الذي ينتظر إجابة تُرضيه و كمال الذي كان يناظر انهيارها بقلق لم تُخفيه عيناه على الرغم من جموده و والدتها التي كانت تطالعها بتحذير قبل أن تقول بنبرة حزينة:
ـ تعالى نقعد يا أبو أشجان بس و نتكلم. طبعًا بعد أذن سوزان هانم.
سوزان بجمود:
ـ اسمي الحاجة سوزان يا حاجة رضا، و البيت بيتكوا طبعًا اتفضلوا.
تقدم عزام و بجانبه كمال الذي مر من أمامها ليستقر على أحد المقاعد وجلس عزام في مقابلته و رضا في المنتصف ليمد عزام يده إليها و هو يقول بحنو:
ـ تعالي يا آسيا يا بنتي اقعدي جنبي..
الحنان في صوته حرك رماد الألم في صدرها لتمتليء جفونها بالعبرات ولكنها قمعتها بشق الأنفس لتتوجه و تجلس بجانبه، فبدأ عزام بالحديث قائلًا:
ـ عايز اسمع منك أنتِ عايزة أيه؟
سحبت قدرًا كافياً من الهواء داخلها حتى تجعل نبرتها ثابتة و حين بدأت بالحديث تفاجئت من رضا التي تدخلت في الحديث قائلة بلهفة:
ـ عايزة جوزها و بتحبه بس زعلانه منه و أي واحدة في مكانها هتاخد على خاطرها منه، و مش هي بس احنا كمان يا كمال يا ابني. زعلانين منك. مكنش العشم ولا دا كان وعدك لينا انك تحافظ على آسيا و تحطها في عنيك..
برقت عينيها من حديث والدتها لتهتف بانفعال:
ـ أنتِ كمان بتعاتبيه! و جوز مين اللي أنا عايزاه؟!
رضا بتحذير:
ـ متعليش صوتك، و اسمعي كلام اللي أكبر منك.
تدخل عزام محذرًا:
ـ اسكتي يا رضا. أنا بتكلم مع بنتي، وعايز اسمع منها.
رضا باندفاع مُزيف و نبرة ذات مغزى:
ـ عنيا يا خويا. أنت بس متعصبش نفسك. أنت عندك القلب، و احنا محتاجينك..
برقت عيني آسيا و ناظرتها بسخط من ذلك الحديث الذي تتقصد به إضرام نيران الذنب بداخلها و التأثير على قرارها ليلتفت عزام ناظرًا إلى آسيا التي شاهدت ذلك التوسل في عينيه و نبرته وهو يقول:
ـ آسيا يا بنتي. أنا اتكلمت مع كمال زي ما وعدتك، و الراجل كان صريح معايا، و اعتذرلي على اللي حصل بينكوا أول مرة، و قالي أنه فعلًا بيحبك، و عرف قيمتك، و دا اللي خلاه يرجع تاني و يطلب يتجوزك.
لاحت ابتسامة متهكمة فوق شفتيها وهي ترمقه بسخط قبل أن تتشدق ساخرة:
ـ دا بجد! والله جناحات كمال بيه طرفت عيني!
كانت نظراته تثير حنقها فهي ترى الاتهام بهم و كأنه يراها مذنبة دون أن يلتفت لأفعاله النكراء! تدخلت رضا هاتفة بحدة:
ـ بطلي طولة لسان، و بلاش كدا أبوكي بيفهمك و بيوجهك للصح. محدش يرضى بخراب البيوت أبدًا.
رمقتها آسيا بنظرة ساخطة، فقد كانت تُضيق الخناق عليها بطريقة لا تُحتمل، ولكن الأكثر من مؤذي هي نظرات والدها الذي يبدو عليه مؤيدًا لحديثها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها التوسل:
ـ بابا لو سمحت أنا محتاجة اتكلم معاك لوحدنا..
زجرتها رضا بحدة، ليتدخل كمال قائلًا:
ـ حاج عزام. أنا حابب اتكلم مع آسيا كلمتين و بعد كدا هسيبكوا تتكلموا براحتكوا. عشان أنا ورايا شغل مينفعش يتأخر عن كدا.
عزام بنبرة يغزوها الأمل أن يستطيع إقناعها:
ـ وماله يا ابني.
في هذه اللحظة شعرت بالخذلان الذي كان وقعه في قلبها كبيرًا، فقد كانت تتمنى لو أنه استمع لها أولًا، ولكنه مثل والدتها يريد منها التغاضي عن خيانته النكراء لذا قررت الوقوف بمفردها أمام طغيان الحياة كما تعودت دائمًا، فهي الشخص الوحيد الذي يمكنها الاستناد عليه كلما اشتدت عليها الأزمات لا تجد لها وطن سواها.
نصبت عودها و توجهت إلى غرفتها وهو خلفها لتستدير ناظره إليه، فوجدت عينيه على سلة القمامة التي تتوسطها صورته التي زينت غرفتها ذات يوم، فلاحت ابتسامة ساخرة على شفتيه ولكنه لم يعلق لتهتف هي بنبرة يشوبها الحسرة:
ـ جنب الصورة دي بالظبط أنا رميت كل مشاعري ناحيتك..
ـ شاطرة.
أجابته كانت مُختصرة، و نبرة جافة فأخذت تناظره وكأنها ترى شخصٌ غريب عليها و مخيف في آنٍ واحد. ملامحه تبدو موحشة، تقاسيمه ازدادت خشونة بشكل أرهبها و عينيه تحملان تعابير غامضة لا تُجيد قراءتها. لا ينفعل ولا يصرخ بل يلازمه صمتٌ غريب لا يتناسب مع حالة الفوضى و الألم الذان يعج بهما صدرها لتهتف بحدة و نبرة تحترق ألمًا:
ـ اسمعني بقى. الفيلم اللي حاصل بره دا مش هيخليني أتراجع عن قراري و لا حتى افكر مجرد تفكير اني اغيره، فياريت بهدوء كدا تطلقني.
كان مُستندّا بجسده الضخم على طاولة خشبية تتوسط الجدار المقابل لها واضعًا يديه في جيوبه يطالعها بجمود شابه نبرته القاطعة حين قال:
ـ مش هطلقك يا آسيا.
جموده أيقظ نيرانًا هوجاء بداخلها لتهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ يعني هتخليني أعيش معاك غصب عني؟!
رمقها باستخفاف قبل أن يقول بتقريع:
ـ هو أنتِ ليه مبتفكريش غير في نفسك؟!
لإنها لم تجد من يفكر بها هكذا أرادت القول، ولكنها لن تُعري ألمها أمامه لذا هتفت بعنفوان:
ـ عشان محدش يستحق أفكر فيه غيرها.
كمال بجفاء:
ـ ولا حتى والدك ؟
آسيا بحدة:
ـ اديك قولت والدي أنا. يبقى ميخصكش، و معنديش مشكلة أطلع اقوله أنت طلقتني ليه.. حتى لو هيموتني.
حدجها بنظرات الخسة قبل أن يقول بقسوة:
ـ بردو بتفكري في نفسك وفي اللي هيعمله فيكي بس تأثير دا عليه هيكون ازاي مفكرتيش. مفكرتيش لما يعرف بعمايلك هيكون إحساسه أيه و شكله ايه قدامي؟!
شعرت بأنها تُحاصر في بؤرة الخزي، وهي التي لم تفعل ما يُدنس ثوبها لتهتف بحرقة:
ـ أنا معملتش حاجة لكل دا..
انتصب عوده و طغى جسده الضخم وهو ينتفض هاتفًا بحدة أفزعتها:
ـ عملتي ..
تراجعت إلى الخلف خوفًا رغمًا عنها، ولكنها سرعان ما تمسكت بثباتها مرة آخرى وهي تهتف بنبرة يفوح منها رائحة القهر:
ـ ماشي. عملت. اللي عندكوا اعملوه..
كمال بشراسة يصحبها التحذير:
ـ اللي عندك أنتِ اعمليه. بس لو قررتي تتكلمي مع والدك ياريت ميكونش في حضوري. عشان متحرجيهوش قدامي. أنا بصراحة اشفقت عليه اني اقوله.
آسيا باستنكار و نبرة مُلتاعة:
ـ ليه بقى أن شاء الله ؟ هو حضرتك شوفتني في مشهد مُخل ولا حاجة!
كمال بقسوة وهو يقترب ليمسكها بقوة من ذراعيها يهزها بعّنف:
ـ لا مش مُخل. هو مُخزي. واحدة رايحة تعاتب حبيبها الأولاني وهي على ذمة راجل تاني! ايه رأيك فيه؟ مشهد يدعو للفخر صح؟ طبعًا بالنسبة لواحدة عايزة تلم الكل حواليها! واحد معاها والتاني استبن صح!
كانت انامله تقسو عليها بطريقة مؤلمة، فصرخت وهي تنتفض بين يديه:
ـ لا مش صح. رؤوف عمره ما كان حبيبي. رؤوف ابن عمي وبس.
خلع عنه قناع الجمود و صرخ من تحت أنفاسه:
ـكذابة، وأنتِ عارفة دا. حبتيه ولا لا؟ ورمتيه لما لقيتي اللي احسن منه! اللي هيعيشك في مستوى أعلى و أهو بالمرة تنتقمي من اللي أذوكي.
كز على أسنانه بقوة أحدثت صوت أفزعها ليُتابع وهو يقول باحتقار يشوبه الألم:
ـ كذبتي عليا و أنتِ في عز انهيارك. كذبتي و قولتيلي انك روحتيله عشان هو اللي كان جنبك في أصعب أوقاتك. أنت اكتر إنسانة كذابة شوفتها في حياتي
كانت تنتفض بين يديه، وهي ترى في عينيه أشياء مروعة و اتهامات لم تحتملها مما جعلها تهتف بانفعال:
ـ أنا مكذبتش. هو دا اللي حصل فعلًا...
ـ اسكتي...
قاطعها وهو يهزها بعُنف ليتركها حتى لا ينفلت زمام الأمور من يديه، فالتفت إلى الجهة الآخرى يعطيها ظهره، لتشعر بأنها واقعة تحت طائلة ظلم لا تحتمله مما جعلها تصرخ مستنكرة:
ـ طب لما أنا وحشة كدا. عايزني افضل مراتك ليه؟
التفت يحدجها بقسوة تجلت في نبرته حين قال:
ـ انا حر.
آسيا بحدة:
ـ لا مش حر. لما يبقى الموضوع يخصني يبقى مش حر. دي حياتي وأنا اللي ليا حق أقرر أنا هعمل فيها أيه
كمال بجفاء:
ـ أنا فعلًا كنت سايبك تقرري حياتك، وكنت راجع وناوي اكمل في حياتي بعيد عنك. بس أنتِ مدتنيش فرصة. قابلي بقى ..
اغتاظت من إجابته التي احرقتها لتهتف بغضب:
ـ والله! تصدق انك بجح.
اقترب منها خطوتين تراجعت على إثرهم أربع ليهتف بتحذير خطر:
ـ لسانك لو طول عليا تاني هقطعهولك.
لم يكن أمامها مفر من الحرب، فالاستسلام لم تعرفه بحياتها لذا هتفت بقهر:
ـ أنت مفكر انك هتجبرني أعيش معاك! ولا تكونش مفكرني هربيلك ابنك!
كمال بقسوة:
ـ ربي نفسك الأول. ابني دا أنتِ مش هتقربي منه.
نالت قسوته منها لتجتاحها نوبة ضعف ضارية فهمست بنبرة تئن وجعًا:
ـ أنا ازاي كنت بحبك في يوم من الأيام؟!
ضيق عينيه وهو يتحدث بنبرة يختلط بها الألم مع الاستنكار:
ـ أنتِ شايفة انك بتعرفي تحبي يا آسيا؟!
نحت جميع أوجاعها جانبًا و قررت أن تراه من نفس البؤرة التي يحتجزها بها لتقول بنبرة جافة ساخرة:
ـ و هو أنت شايف انك تستحق تتحب يا كمال!
كلاهما كان يحمل نَدبة غائرة خلفها الآخر، بعد أن زرعا كلاهما درب الآخر بالأشواك، فبدا المشهد من بعيد كخصمين في ملحمةٍ وقودُها الكبرياء، يتراشقان بنظراتِ الثأر و الكراهية، بينما في أعماقهما. كان ثمة طفلان يرتجفان شوقاً لعناقٍ واحد يلملمُ شتات أرواحهم المعطوبة و يرتق صدوع القلوب التي أرهقها كثرة الجفاء.
ـ هتطلعي دلوقتي تقولي للناس اللي بره أننا هناخد فرصة تانية و نشوف إذا كانت الحياة بينا هتستمر ولا لا.
هكذا تحدث بجفاء قابلته بالرفض المطلق:
ـ مش هقول..
كمال بتحدي لا يُبشر بالخير:
ـ تمام. وريني هتقولي ايه. مانا دلوقتي اتأكدت انك مبيفرقش معاك حد..
ارتجف قلبها ألمًا تغاضت عنه وهي تهتف بقسوة:
ـ صح. أنا واحدة ملهاش أمان و أنت اللي ما شاء الله عليك. ملاك بجناحات. مش واحد خاين اتجرح من واحدة راح جري اترمى في حضن واحدة تانية على طول.
كمال بسخرية:
ـ وجعك اوي اللي أنا عملته! عمومًا لو شوفتي لورا كنتِ عذرتيني.
طعنة نافذة سددها ببراعة إلى قلبها الذي انشطر إلى نصفين، ولكن هناك عقلًا تعلم أن لا يقبل الإهانة و اعتاد على القتال ولو كان في النزع الأخير لذا تحدثت بنبرة ساخرة تتنافى مع الألم الضاري الذي يتبلور بوضوح في عينيها:
ـ أمممم. لا مانا متخيلة. ماهو عشان تنسى آسيا أنت محتاج واحدة خارقة عشان تقدر تعمل دا.
لم يتوقع ثباتها ولا قوة إجابتها التي تتنافى مع ذلك الألم العظيم الذي يراه في عينيها التي اكتظت بالعبرات ولكنها واصلت إدهاشه حين قالت بطريقة درامية قاصدة السخرية منه:
ـ بس واضح أنها معرفتش تعمل دا، و الدليل أنت قدامي أهو و بتجبرني أعيش معاك. معنى كدا أن العظيمة لورا فشلت في مهمتها.
بغض النظر عن كل شيء فهي دائمًا تنجح من النيل منه حتى لو لم يُظهِر ذلك ولكن كلماتها نالت من كبريائه و بشدة مما جعله يحاول إخفاء ذلك حين قال ساخراً:
ـ خليكي احلمي كدا. يمكن الأحلام دي تريحك..
آسيا بعنفوان إمرأة كسرها العشق، و أحياها الكبرياء:
ـ أنت اللي بتحلم. لو مفكر انك كدا انتقمت مني و كسرتني، فأنت غلطان. أنت انتقمت فعلًا لكن أنا عمري ما بتكسر، و خلي بالك. أنت مبقاش ليك. لكن بقى عليك كتير أوي.
كمال باستنكار:
ـ و ايه بقى اللي عليا؟ و عليا لمين؟
آسيا بحقد يتوجه الألم:
ـ أنا اللي بقيت مديناك دلوقتي يا كمال بيه. أنت مقابل غلطة واحدة ليا. طلقتني ورمتلي حتة ورقة و سافرت، و لما رجعت. عملت المستحيل عشان اخليك تسمعني و رفضت، مديت إيدك عليا و هنتني، دا كله كوم و خيانتك ليا كوم تاني. خليك فاكر الرصة دي بقى. عشان هندمك عليها ندم عمرك.
انتفض قلبه صارخاً بحقائق لم تُنطق بعد، ولكنها لم تترك له الفرصة للحديث حين تابعت بقسوة:
ـ و اوعى تفكر تديني الأمان. أظن أنت عرفت اني مهما حصل و مهما عدى وقت مبسبش حقي، و المرة دي احنا مع بعض على نور، و كل واحد شايف التاني على حقيقته..
كان يود لو يخبرها بما يجول بصدره، و يضعها أمام ما اقترفته يداها، وهو يهزها بعُنف صارخًا بأنها ماهي إلا عشقًا مسموم اغتال حياته، ولكن تلك العبرات التي تدحرجت من مقلتيها على غفلةٍ منها اخرسته ليمد يده و يجذب أحد المحارم الورقية يناولها إياها وهو يقول بجمود:
ـ ابقي امسحي دموعك دي عشان صعبتي عليا.
نفضت يده وهي تقول بوعيد من اعماق قلبي مكلوم:
ـ بكرة تصعب عليا أنت كمان متقلقش.
تجاوزته وهي تتوجه إلى باب الغرفة تمحو عبراتها ثم غادرت تقف أمام والديها ليسمعها يقول:
ـ أنا و كمال اتفقنا أننا هندي نفسنا فرصة و نشوف الدنيا هتودينا لحد فين؟
كانت سوزان صامتة فقط نظرات لائمة تجاه كمال الذي كان يقف أمام باب الغرفة ليتجمد الجميع حين سمعوا زغرودة مدوية من رضا التي كانت الفرحة لا تسعها دون النظر إلى قلب ابنتها المذبوح أمامها لتنظر إليها آسيا مبهوتة لا تصدق ما تراه تنظر اليها وكأنها ترى شيء خارق للطبيعة، لتتقدم رضا منها وهي تحتضنها و تقول بحبور:
ـ يا ألف نهار أبيض. أيوا كدا ارجعي لعقلك، وفرحي قلوبنا..
على عكس سوزان التي رأت بعينيها أنها مرغمة بل و مقهورة على أمرها، ولكن ليست كل القلوب تعرف كيف تشعر، هناك الكثير ممن يقوم بوظيفته وهي ضخ الدماء أما المشاعر، فهي لغة غير مفهومة بالنسبة له..
رن هاتف كمال الذي كان يتابعها و رغمًا عنه شعر بالشفقة عليها من أم كهذه ليستدير إلى الخلف وهو يجيب خالد الذي هتف بنبرة آمرة:
ـ تعالى دلوقتي حالًا على القصر.
كمال بقلق:
ـ في أيه يا خالد ؟
خالد باختصار:
ـ لما تيجي هتعرف...
التفت إلى الخارج وهو ينظر إلى عزام قائلًا:
ـ معلش يا عم عزام أنا مضطر امشي، و متقلقش على آسيا أنا على اتفاقي معاك.
عزام بابتسامة بشوشة:
ـ اتفقنا يا ابني، وانا هاجي ازوركوا و اطمن على آسيا و أنها مرتاحة و مش زعلانه لسه.
كانت صامتة تريد الصراخ بهم جميعًا حتى يتركوها و شأنها، فقد كان والدها آخر صخرة كانت ترتكز عليها، ولكنه خذلها، وهي خذلت نفسها حين تأثرت بحديث والدتها و حديثه وخشيت أن تتحدث و تكون سبب لحدوث أي مكروه له، ولكنها فرقت أنظارها بينهم وهي تقسم بداخلها أن تجعل الجميع يرى ماهي قوتها قبل أن تغادرهم جميعًا دون راجعة.
ـ أنا همشي دلوقتي، و هعدي عليكِ بالليل عشان نروح سوى..
حدجته بنظرة ساخرة لم ينتظر لمعرفة ما سيليها ليغادر وهو الآخر يحاول النجاة من عينيها التي يتماوج بهم الألم و الكره معًا، فلم يعُد يملك من الصبر ما قد يمكنه من الصمت، دون أن يهتز أوصال البناء من صرخاته.
اللهم يا فارج الهم ويا كاشف الغم، فرج همي ويسر أمري، وارحم ضعفي وقلة حيلتي، وارزقني من حيث لا أحتسب. 🩵
★★★★★★★★
كانت في طريقها إلى الداخل لتستمع إلى تلك الضحكات القادمة من غرفة خالد مما جعل الغضب يجتاح أوردتها حين تعالت أكثر، فتعرفت إلى صاحبتها والتي لم تكُن سوى زينة! لتقدح عينيها شررًا وهي تتوجه إلى الباب لتفتحه دون أن تطرقه، فوجدت خالد يجلس خلف مكتبه و زينه تجلس في المقعد المقابل من الجهة الآخرى لتعتلي نظرات الثنائي الذهول من جانب زينة و الترقب من جهة خالد، ولكنها لم تُعير ذلك اهتمام بل تقدمت وهي تحاول رسم ابتسامة جميلة فوق شفتيها حين قالت بنبرة ناعمة:
ـ إيه دا يا حبيبي أنت مش لوحدك! أسفة مكنتش اعرف..
تبدلت الأدوار ليكُن الذهول من نصيبه حين رآها تلتف لتقترب منه، وعينيها تتوسلانه بألا يردها خائبة أمام تلك المرأة التي لم ترتاح لها، ولكنه تدارك الأمر حين قال:
ـ تعالي يا أشجان. دي زينة مش حد غريب..
كانت عينيها مُعلقة على زينة بطريقة غريبة وكأنها تستنكر وجودها، فكان للأمر وقعًا مدويًا عليه، فهو الآن يرى جانبًا آخر من شخصيتها. جانبًا أكثر جنونًا و إندفاعًا من تلك الشخصية الهادئة التي تتسم بها، و لسبب ما، فقد راق له ما يراه، فأراد أن يشاركها لعبتها، فقام بمد يده يحاوط خصرها و يقربها منه ليجذب انتباهها كليًا، فالتفت إليه في نظرة ممتنة، يملؤها الاعتذار و الأسف، ولكن زينة لم تمهلهم الوقت للإستغراق في هذه اللحظة لتهتف ساخرة:
ـ طيب يا خالد شكلنا مش هنعرف نكمل موضوعنا! نبقى نتكلم وقت تاني..
لم تمهله أشجان الفرصة للحديث إذ قالت باندفاع:
ـ ليه كدا ؟ تقدري تتكلمي قدامي عادي...
زينة بمرح يشوبه الخُبث:
ـ لا للأسف مينفعش.
تعاظم الحنق بداخلها حتى كادت أن تبكي وهي تلتفت إلى خالد قائلة بتحدي:
ـ مينفعش يا خالد؟
رغمًا عنه كان على وشك الضحك على مظهرها الطفولي و هذا الغضب المُتقد في مقلتيها، ولكنه قمع جميع انفعالاته تحت ستار من اللامُبالاة التي تجلت في نبرته حين قال:
ـ لو مش هتملي من كلامنا عن الشغل تقدري تستني..
أشجان بنبرة قاطعة:
ـ مش همل..
نصبت زينة عودها المُغري لتقول بخفة:
ـ أنا كدا كدا عندي ميعاد كمان ساعة يدوب البس و هفكر في اللي قولتلي عليه و هرد عليك في أقرب وقت. عن اذنكوا.
قالت جملتها وهي تضحك بمرح في وجه أشجان الذي كانت رياح الغيرة تثور بداخلها فصار وجهها بحراً هائجاً يموج الغضب في تقاسيمها كمد طوفاني يكتسحُ هدوء ملامحها ثم يرتد جزراً ليحفر في عينيها أخاديد التحدي والوعيد التي شيعت زينة إلى الخارج غافلة عني حبتي البندق التي كانت تشملها بنظرات مشتاقة حد الجوع، ولكنها لم تخلو من الانبهار مما حركه رماد الغيرة في بركانها الخامل، لتشهق بعُنف حين جذبتها يداه لتسقط جالسه بين ذراعيه و ضربات قلبها الهائجة تضرب ضلوعها بقوة آلمتها ليسلبها قربها الكبير منه أنفاسها التي علقت في رئتيها حين سمعت نبرته الخشنة وهو يقول:
ـ أنتِ ايه حكايتك بالظبط؟
لم تسعفها الأحرُف للحديث، فهي لم تتخطى المفاجأة لتجرفها نوبة شوق كبير اصطدمت بسد منيع وهو ذلك الجُرم الذي ارتكبته ظاهريًا في حقه.
كان يتألم تارة لأجل الشوق، وتارة لأجل جرحه الذي لم تضمده بعد، و لكن سكوتها حول الأنين إلى غضب تجلى في نبرته حين قال:
ـ سكتي دلوقتي! لما أسأل أنا بتسكتي! نارك هديت دلوقتي، فخلاص بلعتي لسانك صح! طيب تقدري تمشي لو معندكيش كلام تقوليه..
أدار رأسه للجهة الآخرى لتمتد كفوفها تُعيد رأسه إليها مرة آخرى وهي تقول بلهفة:
ـ لا عندي.
لا ينكر أنه تأثر و بقوة بلمساتها، و احتضان كفوفها لوجهه، ولكنه نجح في التحكم في جميع انفعالاته لتصُب في بوتقة الجمود الذي تجلى في نبرته حين قال باختصار:
ـ سامعك..
كان كليهما يعلم أنها لن تتحدث، و لكنها فعلت بطريقة آخرى حين قالت بحزن و بنبرة يائسة:
ـ هو أنت صعب تسامح أوي كدا ! يعني اعتبرها غلطة..غلطة صغيرة مني.
خالد بنبرة حادة يتسيدها الاستنكار:
ـ صغيرة!
بكل مرة تحاول تصليح الأمر يفسده غبائها مما جعلها تقول بنبرة يشوبها الانفعال:
ـ صغيرة أو كبيرة يا خالد. دي أول مرة اعمل حاجة تضايقك،و على فكرة بقى . أنا عندي استعداد أسامحك على أي حاجة.
خالد بنبرة صادقة حد الألم:
ـ كلام. اللي أيده في الميه مش زي اللي إيده في النار..
أشجان في محاولة لمراضاته:
ـ خالد أنا عارفة اني غلطت اوي، وانك اتوجعت بس والله أنا...
صمتت ليحاول حثها على الحديث في محاولة أخيرة منه للوصول إلى سبب مقنع يمكنه أن يصلح ما أفسدته فعلتها:
ـ أنتِ ايه؟
على الرغم من تهديدها لنبيلة، ولكنه لن تقدر على التنفيذ في الوقت الحالي على الأقل، لذلك عجزت عن إجابة عينيه مما جعلها تهتف بتعب:
ـ يا خالد أنت صعب اوي..
خالد بتحذير لم تخطئ في فهمه:
ـأنتِ مشوفتيش مني أي صعب لحد دلوقتي ؟
ـ هتعمل ايه يعني؟
ـأنتِ عايزة ايه دلوقتي ؟
هكذا هتف بنفاذ صبر، فقد وصل إلى طريق مسدود معها لتهتف هي بانفعال:
ـ متضايق اوي أني بتكلم معاك!
خالد بحدة:
ـ متضايق من مراوغتك اللي ملهاش اي تفسير غير انك معندكيش حاجة تقوليها. أو يمكن عندك و مش عايزة تقولي. بس خليكِ فاكرة أن الموضوع مبقاش مرهون برغبتك في الكلام.
هوى قلبها بين ذراعيها من حديثه لتهمس:
ـ يعني ايه ؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ يعني أنا اللي مش عايز اسمع منك حاجة، و ياريت تتفضلي دلوقتي عشان عندي شغل.
أدركت أن هذا الحديث لا جدوى منه، فهو صلب لا يتزحزح وهي مهما فعلت لن تستطيع أن تجعله يتجاوز تلك المنطقة الملغمة بينهم لذا نصبت عودها وهي تهتف بغضب يائس:
ـ طب بمناسبة الشغل تحب انادي على الست زينة وانا خارجة!
تجاوز غضبه حدود المسموح لذا حذرها من مغبة التمادي حين زمجر قائلًا:
ـ أشجان! بلاش تطولي في الموضوع دا أكتر من كدا.
ستبكي حتمًا لذا قالت بشفاة مُرتعشة:
ـ اللي تشوفه يا خالد...
أنهت جملتها و غادرت تحاول قمع عبراتها لتترك خلفها بركان ثائر سينفجر في وجه الجميع...
يا رب، بك استعين وعليك أتوكل، اللهم ذلل لي صعوبة أمري، وسهل لي مشقته، وارزقني من الخير كله أكثر مما أطلب، واصرف عني كل شر🩵
★★★★★★★★★
ـ هو أني ممكن أعرِف أنت ليه بتخرچ و بتسيب المحمول بتاعك اهنه؟
هكذا تحدثت نجاة بغضب وهي تنظر إلى رحيم الذي كان يتأهب لإرتداء ملابسه، ليُجيبها باختصار:
ـ مالك ومال تلافوني. أسيبه ولا آخده ايه مشكلتك أنتِ؟
شعرت بالحرج من حديثه لتهتف بنبرة يشوبها التوتر:
ـ افرض. حوصول حاچة، و اتچبرت اكلمك و لا أنت مش عايزني اكلمك ولا من أساسه!
التفت رحيم يناظرها بصمت لم يدوم طويلاً إنما قطعه قائلًا:
ـ انچبرتي تكلميني!
كان الشوق للأمان فوق ضفة صدره يقرضها من الداخل، و لكنها تتخبط في كل الدروب التي تعج بالأشواك من كل حدبٍ و صوب مما جعلها تهتف بتلعثم:
ـ أيوا، واني هكلمك أرغي وياك! اني هكلمك لو حوصول حاچة مثلًا!
أخذ رحيم يتقدم منها بخطوات سُلحفية وهو يقول بنبرة رحيمة:
ـ و لما مش هتتحدتي وياي هتتحدتي ويا مين؟
أخذت تتراجع للخلف أمام تقدمه وهي تشعر بدقاتها تتقاذف بقوة داخلها لتخرج نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ واتحدت وياك ليه؟ هو . هو أنت نفذت وعدك ليا؟
رحيم باختصار وهو يقف على مقربة منها يغوص في عينيها الجميلتين:
ـ نفذت.
ضي بلهفة :
ـ لقيت أمي ؟
رحيم بنفي وهو ينظر بترقب إلى داخل عينيها:
ـ لاه. بس بدور عليها. متجلجيش. جريب أوي. هوصلها. بس وقتها أنا اللي هطلب و أنتِ اللي هتنفذي..
ضي بخوف جعل الحروف تتأرجح فوق شفاهها حين قالت:
ـ هتطلب أيه؟
مد رحيم يده ليُعيد خصلة من خصلاتها إلى خلف أذنيها وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ هتعرفي وقتها. اللي عايزك تعرفيه دلوقتي أنها سيبالي أمانة عندك و أني عايزها.
توقف النبض في أوردتها من حديثه لتحاول المراوغة قائلة:
ـ أ. أمانة أيه ؟
مد يده في حركة مباغتة يجذبها ليلتصق ظهرها بصدره و تعانق خصرها ذراعيه القويتين، وهو يغرز أنفه بين تجويف رقبتها هامسًا بنبرة اسكرها العشق:
ـ أنتِ عارفة زين يا ست البنات. مش هاخدها غصب و أنتِ عارفة، بس لازمن تعرِفي أن العشق حاچة والواچب حاچة تانية. اوعاكِ تحطيني في اختيار ما بينهم.
أنهى جملته و لثم ذلك العرق النابض في رقبتها بحنو وهو يرى تأثير حديثه على قلبها و جسدها، فهو يريد الشيء الوحيد الذي تملكه في هذه الحياة
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» 🩵
★★★★★★★★★
ـ إيه دا الحبايب كلها متجمعين هنا!
هكذا هتف عمر وهو ينظر إلى كُلًا من خالد ياسر و كمال و رحيم و يزيد الذي هتف ساخرًا:
ـ أهو العزول جه أهو...
ـ عزول في عينك يا دكتور إلا ربع أنت!
هكذا تحدث عمر ليهتف يزيد ساخرًا:
ـ اسمها متر إلا ربع، و أنا الحمد لله متر و ربع، بس معلش أنا عارف انك خدت شالوط في مشاعرك خلى صواميل المخ تفوت.
تعالت الضحكات على حديث يزيد ليتدخل خالد قائلًا بخشونة:
ـ عايزين نتكلم في الجد. بيتهيقلي كفاية عك و تهريج لحد كدا..
انتبه الجميع إلى حديثه ليقول ياسر باستفهام:
ـ عك إيه يا خالد في أيه ؟
خالد بحدة:
ـ في أن كل واحد فيكوا غرقان في مشاكله الشخصية و ناسيين أن في عيلة مفروض انكوا رجالتها و واجب عليكوا تحافظوا على الاسم اللي عاملكوا هيبة وكرامة وسط الناس..
اعتدل كمال في جلسته وهو يقول باستفهام:
ـ هو حصل أي يا خالد؟
زجره خالد بحدة:
ـ دورك جاي متقلقش.
التفت نجاة ياسر هاتفًا بحنق:
ـ حضرتك ناوي تفضل متبهدل كدا لحد امتى! فكرك انك لما ترفض تاخد فلوس أبوك دي عزة نفس! دا غباء يا ريس!
ياسر بغضب:
ـ يا خالد اسمعني.
قاطعه خالد بنبرة قاطعة:
ـ أنت اللي هتسمعني. أنت كدا بتعاقب مين؟ و ايه دخل ورثك وحق أبوك بتارنا مع الكلب دا! ما الكل في العيلة عرف أنه مظلوم، و عرفنا عدونا حضرتك هتفضل سايق في دور العوج دا لامتى!
ياسر بألم:
ـ يعني يا خالد اتمتع بالفلوس و أبويا مش مرتاح في تجربته وحقه لسه مجاش!
خالد بخشونة:
ـ وهو بهدلتك دي هتفرحه في تربته! اسمعني يا ياسر. مينفعش حد فينا يبقى ضعيف. احنا في وقت لازم نكون في عز قوتنا و اتحادنا. عشان اللي جاي صعب..
كمال بنفاذ صبر:
ـ ما تقول في أيه يا خالد؟ قلقتنا..
خالد بتهكم:
ـ الأول خليهم يباركولك. مش بردو بقيت أب!
ـ
بهتت ملامح الجميع من حديث خالد الذي ناظره بحنق وهو يتذكر ما حدث منذ نصف ساعة
ـ بتقول ايه يا كمال!
هكذا تحدث خالد بصدمة قابلها كمال بالجمود حين قال:
ـ اللي سمعته يا خالد. أنا عندي ابن..
خالد بحدة:
ـ أنت عبيط ولا مش سامع كلامك! هو في حاجة اسمها كدا؟!
كمال بغضب:
ـ ايه اللي مش مفهوم في كلامي يا خالد؟
سخر خالد بنبرة حادة:
ـ عشان الطبيعي انك ترتبط و تتجوز وتخلف، و كدا أنا اختصرت تفاصيل كتير معرفش ايه موقعك منها؟
كمال بجمود:
ـ وبما انك عارفها فأنا اختصرت ذكرها و قولتلك اني خلفت، و دا المهم..
خالد ساخرًا:
ـ في سنة واحدة عملت كدا دا! اتخطيت اللي حصل، وعرفت واحدة ارتبطت بيها، و اتجوزتها و خلفت كمان! دا انت خارق بقى!
اغضبته سخرية شقيقة وتعرية أمور لا يريد الخوض بها لذا قال بحنق:
ـ بلاش الكلام دا يا خالد!
زمجر خالد مُحذرًا:
ـ مش أنت اللي هتقولي أقول ايه و مقولش ايه؟ و بعدين تعالى هنا معلق المشانق لبنت الناس ليه لما انت كنت مقضيها هناك!
كز كمال على أسنانه غضبًا وهو يقمع الكثير من الكلمات التي لا ينبغي لها أن تُقال مما جعل خالد يقول بجفاء:
ـ اركنلي كل العك دا على جنب و خلينا نركز في المهم. بس قبل ما نعمل كدا خليني اقولك اني في يوم من الأيام كنت مشفق على آسيا بسبب اللي عملته فيك، و واثق اني هشوفك في نفس الموقف بردو..
عودة للوقت الحالي
صاح عمر بذهول:
ـ مين دا اللي بقى أب! هي آسيا لحقت خلفت امتى!
يزيد باندفاع:
ـ يمكن باضت أنا ايش عرفني؟!
ياسر مُحذرًا:
ـ بس يا ابني أنت وهو. كمال أنت اتجوزت واحدة تانية غير آسيا ؟
كمال باقتضاب:
ـ أيوا...
عمر بصياح:
ـ يخربيتك دانتا دبابة فعلًا. جرحك لحق لم امتى!
تمتم يزيد متهكمًا:
ـ هتلاقيها ردته عالبارد مبياخدش وقت..
عمر بتحسر:
ـ حتى الدبابة عمل موف أون. دا محدش خاب غيري باين..
تدخل خالد مُعنفًا:
ـ كويس انك عارف انك خيبت، و خيبتك تقيلة..
تمتم يزيد ساخرًا:
ـ تقيلة قد دماغه طبعًا.
ـ ايه يا خال! مش هتبقى أنت و أختك عليا.
خالد بحدة:
ـ عيب لما تبقى دكتور و قد الحيطة و اهزقك. أظن أنت عكيت بما فيه الكفاية. بس لازم تعرف ان مفيش حد هيلملم وراك. أنت مبقتش العيل الصغير اللي هتطلع تجري على خوالك و هما هيحلولك مشاكلك. احنا دلوقتي محتاجينك تحل معانا المشاكل.
تدخل ياسر قائلًا:
ـ كلنا معاك يا خالد. بس نفهم في ايه؟
و أضاف عمر مؤكدًا:
ـ أكيد كلنا معاك.
و هتف كمال باقتضاب:
ـ أنا مبقاليش من العيلة دي غيركوا، فأكيد أنا معاكوا في أي حاجة.
و صاح يزيد هو الآخر:
ـ أنا مع الوحش في أي حاجة. ان شالله أشيله الشنطة..
تحمحم خالد قبل أن يقول بخشونة:
ـ مبدأيًا الكلام مش هيكون هنا، وقبل ما احكيلكوا في أيه لازم تعرفوا حاجة مهمة. أن طول ما كل واحد في وادي بالشكل دا احنا سهل نتكسر، و خصوصًا في الوقت دا.
تدخل رحيم الصامت من أول الحديث:
ـ احنا عمرنا ما ننكسر يا خالد.
خالد بعنفوان:
ـ أنا واثق يا رحيم. على الأقل طول مانا عايش.
تبادل الاثنين النظرات قبل أن يقول رحيم:
ـ يالا عشان نروحوا مشوار مهم...
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالبُخْلِ وَالهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ 🩵
★★★★★★★★★★
كانت أشجان تجلس في الغرفة الكبيرة لتتفاجيء بالخادمة ترحب بأحدهم و تقوده إلى الداخل لتجد نفسها وجهًا لوجه أمام غنى و بجانبها هيام، هتفت مرحبة:
ـ أهلًا و سهلًا. اتفضلوا..
لم يكد يُجيبها أحد حتى شاهدت نبيلة القادمة من الخلف و بجانبها هايدي، وقد كانت نظراتهم كالأعيرة التي أضافوا لها كاتم الصوت، و من ثم تلتهم ضي التي كان وجهها مُغبر و جامد لتشعر أشجان بالصدمة من هذا الجمع، و كذلك غنى التي اقتربت تعانقها وهي تقول:
ـ هو في ايه؟
أشجان بخفوت:
ـ معرفش.
لم تكد تُنهي جملتها حتى سمعوا صوت شجار قوي قادم من الخارج ووووو
يتبع....
بحبكوا 🩵 حبيت اهاديكوا ببارت هينقل الأحداث لمكان تاني خالص، وخليكوا فاكرين أن لكل مشهد خلفية مختلفة هتشوفوها قدام بحبكوا مرة
كمان 🩵
دا جروبي يا حلوين نوروني بنتخانق هناك و بننزل تسريبات ياما 😂♥️