تحميل رواية «ذنوب على طاولة الغفران» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تواقيع أبطال #ذنوب_على_طاولة_الغفران كالعادة مفيش بطل رئيسي كل واحد يحدد مين الثنائي الرئيسي اللي هو بيفضله ♥️ كل بطله ثنائي جايين ورا بعض ♥️ ياسر الوتيدي ♥️ غنى المسيري خالد الوتيدي ♥️ أشجان عزام عمر الوتيدي ♥️ شروق الجيار كمال الوتيدي ♥️ أسيا عزام رحيم الوتيدي ♥️نجاة (ضي) سليمان يزيد الوتيدي وووو تتوقعوا مين ؟؟😂😂😂 ياسر و يزيد أخوات & خالد و كمال أخوات و عمر ابن أختهم ♥️ و كلهم ولاد عم و رحيم ابن عمهم بردو مستنيه رأيكوا و توقعاتكواو مين أكتر ثنائي حبتوه فيهم و متحمسين ليه ♥️ و متنسوش تسيبولي...
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الحادي وتسعون 91 - بقلم نورهان العشري
استاهل تفاعل ناري و استاهل على كل فقرة خمسين كومنت أي والله لقت تشضضت يدي من كتر الكتابة😭😭😭 حلوة تشضضت يدي دي والله تنفع مطلع أغنية 😂😂 بارت ١٢ ألف كلمة اظن تسامحولي في الأجازة و تخلوني أعيد بمزاج 🙂
السبيل السابع و العشرون ج٢ ❤️🔥
زمجر خالد بنبرة خشنة أرعدتها:
ـ أنتِ أيه علاقتك برؤوف ابن عم آسيا؟!
رجفة قوية ضربت سائر جسدها حين سمعت حديثه و نبرته المرعبة لتتزاحم أنفاسها بداخلها، فبللت حلقها الجاف قبل أن تقول بتلعثُم:
ـ رؤ. رؤوف معرفة قديمة، و نعرف بعض يعني...
خالد بتهكم قاس:
ـ رؤوف معرفة قديمة، فتركبي معاه عربيته عادي! ونعم التربية والله.
ميرهان باندفاع:
ـ هو حضرتك ليه بتكلمني كدا؟ على فكرة مامي عارفة....
صاح خالد بشراسة:
ـ مامي و زفت. اسمعي أما أقولك. اللي حصل دا ميتكررش تاني عشان لو حصل هقطم رقبتك أنتِ و مامي، سمعتي؟!
كان جسدها يرتجف بقوة، فلم تستطِع الحديث من فرط الخوف فقط اومأت برأسها بالموافقة ليُتابع خالد بتحذير:
ـ وخلي بالك أنا عيني عليكِ في كل مكان، واي حاجة هشوفها متعجبنيش متلوميش في نفسك..
في هذه اللحظة دلفت نبيلة إلى الداخل وهي تقول بلهفة:
ـ في ايه يا خالد؟ صوتك واصل لحد بابا القصر بره. حصل ايه؟
اندفعت ميرهان إلى أحضان والدتها تبكي و تنتحب ليقول خالد بحدة:
ـ أنتِ كنتِ عارفة الهانم كانت راكبة عربية مين امبارح؟
ميرهان بلهفة:
ـ مش أنتِ كنتِ عارفة ان رؤوف وصلني...
تفهمت نبيلة نظرة هايدي لتقول بتوتر:
ـ اه. هايدي قالتلي أنها قابلته صدفة و وصلها. إيه المشكلة؟
كاد أن يُجن من مدى اللامُبالاة التي تتحدث لها ليصيح بشراسة افزعتهم:
ـ نعم! يك أوه. أنتِ مجنونة ولا كبرتي خرفتي؟ بنتك تركب عربية مع واحد غريب ليه؟ و مش اي واحد دا ليه قصة مع الزفتة التانية و بسببها اتخرب بيت أخوكي. إيه مبقاش عندك نظر؟!
اجفلتها طريقته التي لأول مرة تصل إلى هذه الحد من التوبيخ، ولكنها تعرف جيدًا أنه حين يصل إلى هذه المرحلة من الغضب، فمن التعقل ألا تجادله مما جعلها تقول بلهفة:
ـ أنا عارفة أنه غلط،و قولتلها بس هايدي لسه صغيرة و أنا بوجهها. مفيش داعي لكل الانفعال و التجريح دا..
خالد بنبرة حادة كالسيف:
ـ حافظي على بنتك يا نبيلة، و قدامك أهو لو عرفت انها قابلت اللي اسمه رؤوف دا هكسر دماغها قدامك.....
نبيلة بلهفة:
ـ حاضر يا خالد. متقلقش من الموضوع دا...
خالد بجفاء:
ـ خديها من وشي...
خرجت نبيلة و معها هايدي غافلين عن ميرهان التي تمكن منها الغضب حالما سمعت اسمه يقترن بهايدي لتقبض على يدها بعُنف حتى انغرزت أظافرها في راحة كفها لتساقط منه الدماء بينما هي في عالمٍ آخر لتهمس بوعيد:
ـ بقى بتضحكي عليا و بتقابليه من ورايا؟! أما وريتك يا هايدي...
ـ ادخلي يا هانم وقوليلي ايه حكاية رؤوف دا كمان؟ مش دا ابن عم الزفتة اللي اسمها آسيا؟ ايه كلكوا بقيتوا بترمرموا؟! دا موسم ولاد الخدامين ولا ايه؟
هكذا تحدثت نبيلة بحدة مع هايدي التي ضيقت عينيها بخُبث تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ دا بدل ما تشكريني اني بجيبلك اخبار محدش لسه يعرفها..
نبيلة باستفهام:
ـ أخبار ايه دي بقى؟
ميرهان بابتسامة صفراء:
ـ خالو كمال. اتجوز بره، وخلف ولد، ورجع مصر و معاه ابنه، و رجع بنت الخدامة مراته تاني عشان تربيله الولد.
شهقت نبيلة بعُنف من فرط الصدمة التي كادت أن تجعلها تسقط أرضًا لولا المقعد الذي احتضن جسدها لتهمس دون وعي:
ـ كمال خلف ولد... ازاي؟ مش معقول... بقى أنا بحارب هنا عشان ميجيش حد ياخد كل حاجة مننا، يقول ييجي الغبي دا و يهدلي كل حاجة. لاااا. لاااا. مش هيحصل...
رفعت رأسها لتجد نفسها وحيدة في الغرفة مما جعلها تتوجه إلى هاتفها وتقول بالاتصال برقم ما لم تتطرق لطلبه منذ سنوات، وما أن جاءها الرد حتى هتفت بشر:
ـ يظهر أن مكتوبلنا طريقنا يتلاقى تاني...
اللَّهُمَّ يا باسط اليدين بالعطايا، افتح لنا أبواب رزقك، ويسّر لنا أسباب فضلك، واجعلنا من أغنى خلقك بك، وأفقرهم إليك" 🩵
★★★★★★★★★★
ـ صباح الورد على وردتي الحلوة...
هكذا تحدثت أشجان بحنو وهي تنظر إلى رنا التي كانت تضع اغراضها داخل حقيبة سفر، فاستدارت تنظر إلى أشجان بعُجالة وهي تجيبها قائلة:
ـ صباح النور...
قطبت أشجان حاجبيها وهي تقول باستفهام:
ـ هو أنتِ بتحطي هدومك في الشنطة ليه يا رنا؟ أنتِ مسافرة ولا ايه؟
رنا بحماس وهي مسترسلة بوضع أشيائها في الحقيبة:
ـ أه. هسافر في الويد إند دهب مع صحابي..
أشجان بذهول:
ـ نعم! ازاي دا؟ بابا عارف الكلام دا...
توقفت رنا عما كانت تفعله و أجابتها بهدوء:
ـ خالتو زينة قالتلي أنها هتقوله، و هيوافق...
أشجان باستنكار:
ـ والله؟! و هي خالتو زينة ضمنت موافقة بابا ازاي بقى؟
ـ معرفش. بس هي قالت هتقنعه..
هكذا تحدثت رنا لتقول أشجان بنبرة حازمة:
ـ طب يا رنا وقفي اللي بتعمليه دا و خلينا نتكلم...
رنا بنبرة جافة بعض الشيء:
ـ تقدري تتكلمي وانا بجهز حاجاتي أنا سمعاكِ...
حاولت أشجان التحلي بفضيلة الصبر حين قالت:
ـ يا رنا يا حبيبتي انا مش عايزة أضايقك. بس موضوع السفر دا استحالة بابا هيوافق عليه. مينفعش أصلًا.
رنا بصدمة:
ـ حضرتك بتقولي ايه؟ ليه مش هيوافق وليه مينفعش؟
أشجان بهدوء:
ـ عشان مفيش بنوته في سنك ينفع تسافر لوحدها و تبات كمان..
رنا بلهفة:
ـ سهيلة هتكون معايا و همس و لمار، و اصحابي كلهم مسافرين معايا....
أشجان بعتب:
ـ أنا كام مرة قولتلك اني عايزة أشوف سهيلة و اقعد معاها، و كمان باقي أصحابك. مش مفروض اشوفهم و اتعرف عليهم عشان أقدر اعرف اذا كانوا فعلا ناس كويسين
صاحت رنا بانفعال:
ـ مش مهم حضرتك تشوفيهم. أنا عرفاهم وهما اصحابي، و كمان خالتو زينة شافت سهيلة، و بعدين هو أنا المفروض اختار أصحابي من وجهة نظر حضرتك ؟! يعني لو عجبوكي أصاحبهم و لو لا ابعد عنهم...
شعرت أشجان بضيق الفتاة لتقترب منها تحاول أن تربت فوق كتفها وهي تقول بحنو:
ـ يا رنا يا حبيبتي. الموضوع مش كدا خالص أنا..
تفاجئت من نفور الفتاة و تراجعها للخلف مما جعل الصدمة تخيم على ملامح أشجان التي قالت بحُزن:
ـ رنا يا حبيبتي انتِ مش ملاحظة أن الفترة اللي فاتت احنا بعدنا أوي عن بعض فيها؟
اندفعت الكلمات من شفتي رنا بنبرة حادة:
ـ عشام حضرتك بتعملي كل حاجة تضايقني، و مش عيزاني أصاحب حد ولا استمتع بحياتي، و بتخلي بابا يزعل مني، و بتخليه يعترض على كل حاجة بتفرحني. حتى لو أنتِ مقتنعة بدا. اللي أنتِ بتقوليه دا ممكن يكون هو الصح عندكوا في الحارة لكن هنا عندنا مش صح.
اخترقت إهانتها صميم قلب أشجان التي تصلبت ملامحها لوهلة قبل أن يجتاحها حزنًا عميق جعل رنا تشعر بالندم لما تفوهت به و خاصةً حين قالت:
ـ الصح يا رنا يا حبيبتي مالوش علاقة بالمكان اللي أنتِ عايشة فيه، الصح صح في كل وقت و كل مكان، و لو مفكرة أن خوفي عليكِ دا معناه اني عايزة امنعك من انك تعيشي حياتك بالعكس. أنا بعتبرك بنتي. بخاف عليكِ من النسمة. بترعب عليكِ من الفتن اللي ماليه المجتمع و النفوس الوحشة اللي محوطانا. مقصدش أبدًا اخنقك أو اضايقك، و مع ذلك حقك عليا.
كانت الفتاة ممزقة بين مشاعرها تجاه أشجان و بين هذه السموم التي لوثت عقلها، فأخذت تُعاد مقتطفات من حديث سهيلة على مسامعها:
ـ أنا متحمسة للرحلة دي و مجهزة بروجرام خرافي. هنعمل حاجات مجنونة و هنقضي كل الوقت سوى.. هننبسط لدرجة أنك هتقولي مش عايزة ارجع..
ـ بس انا خايفة خالتو متقدرش تقنع بابا. بفكر أقول لماما أشجان تقنعه هي
سهيلة بنبرة مسمومة:
ـ أولًا أشجان دي مش ممتك.دي مرات باباكي، و عمر مرات الأب مابتحب ولاد جوزها. لكن بنوتي الحلوة عشان بريئة و رقيقة مفكرة أنها يا حرام بتحبك، وهي كل اللي بتعمله تمثيل عشان تكسب باباكي..
ـ سهيلة أنتِ بتقولي ايه؟
سهيلة بنبرة خبيثة:
ـ بقول الحقيقة. دي عايزة تخنقك. بجد يا رنا اسمعي كلامي. دي مابتحبكيش. اصلا لو دورتي على اكتر حد بيحبك و بيخاف عليكِ هيكون أنا، و الدليل اني مبسمحش انك تعملي حاجة غلط او تقربي من البنات وانا عارفة أن سلوكهم مش هيعجبك..
عادت رنا للنظر إلى أشجان المجروحة القلب لتحاول ألا تتأثر و جعلت نبرتها جافة حين قالت:
ـ حضرتك مش ماما عشان تحبيني بالطريقة دي، و مش مضطرة تقولي كدا عشان أنا عارفة كويس اوي مين بيحبني ومين لا. ياريت تبطلي تضايقيني و تدخلي في حياتي و أرجوكي بلاش توتري علاقتي ببابا...
لم تعد تملك القدرة على الصمود أكثر لتتدافع العبرات من مقلتيها وهي تقول بعدم تصديق:
ـ أنا مذهولة. بجد مش عارفة أقولك ايه..
أنهت حديثها وغاردت بقلب مفطور وحين كانت في طريقها إلى غرفتها شاهدت زينة التي كانت تدلف إلى غرفة المكتب ليشتعل رأسها بالغيرة، مما جعلها تغير خطتها و تهبط درجات السُلم وعبراتها تفرش الخطى أسفلها لتقرر محوها قبل أن تدلف إلى داخل الغرفة لتستمع إلى حديثه مع زينة التي قالت باهتمام:
ـ مالك يا خالد في ايه؟
خالد بنفاذ صبر:
ـ قرفان...
زينة بحنو:
ـ ليه بس كدا؟
خالد بملل:
ـ انسي. قولي كنتِ عايزة أيه؟
زينة باهتمام:
ـ مش حاسة انك في مود اني اتكلم معاك في حاجة. بس أنا موجودة لو حابب انت تحكيلي على حاجة...
ـ الحقيقة يا زينة الحكاوي دي تخصني أنا....
هكذا تحدثت أشجان وهي تدلف إلى داخل الغرفة ترسم على وجهها ابتسامة صفراء لم تصل إلى عينيها لتناظرها زينة بسخط قبل أن تتجاهلها و تتوجه بالحديث إلى خالد قائلة:
ـ واضح يا خالد ان مفيش في البيت اي خصوصية تخليني اتكلم معاك براحتي. عشان كدا هجيلك الشركة.
لم يكُن ينقصه ما يحدث الآن، و على الرغم من غضبه منها إلا أنه لم يستطِع أن يخذلنا أبدًا لذا هتف بنفاذ صبر:
ـ هو أنتِ بتتكلمي في حاجة بتهدد الأمن القومي يا زينة وانا مش واخد بالي؟ ما تقولي اللي عندك..
زينة بغضب من كلماته التي تعرف جيدًا ما السبب خلفها:
ـ معلش أنت عارف ان طول عمري حدودية و ماحبش اتكلم في اللي يخصني قدام حد غريب..
أطلق خالد زفرة حارة قبل أن يقول بجفاء:
ـ زي ما تحبي. اتفضلي شوفي وراكي أي..
غادرت زينة وهي ترغي و تزبد من فرط الغضب لتهتف أشجان بسخط:
ـ هي ليه طول الوقت بتحسسني أن بينكوا أسرار و مينفعش أني أعرفها ؟!
خالد بجفاء وهو يقلب في صفحات الورق أمامه:
ـ ابقي اسأليها..
أشجان بانفعال:
ـ هو أنا ممكن اعرف انت بتكلمني كدا ليه؟
خالد بحدة افزعتها:
ـ عشان انتِ بقى يخرج منك ردود أفعال بتضايقني و مع ذلك بحاول اتجاهلها عشان مزعلكيش..
ـ اللي هي أيه ردود الأفعال دي؟ عشان دخلت قطعت عليكوا حديثكوا الشيق و الهانم عماله تتوددلك!
هكذا هتفت بحدة، فزمجر خالد بقسوة افزعتها:
ـ أشجان... بلاش تتجاوزي في الكلام عشان متزعليش مني...
أشجان بألم:
ـ أنا مبتجاوزش. بس اكيد أنت شايف أسلوبها عامل ازاي؟
خالد بحدة:
ـ ما تولع. هو أنتِ شيفاني عيل صغير قدامك؟
أشجان بانفعال:
ـ لا مش شيفاك كدا. و اللي مضايقني انك أكيد ملاحظ...
خالد بنبرة خشنة:
ـ زينة متجرؤش تتجاوز حدودها معايا، و كمان هي شخص مهم جدًا بالنسبة لرنا، ولازم تفهمي دا، و مع ذلك قبل ما اسمحلها تقعد هنا سألتك.
اغتاظت من حديثه الذي كان يحمل الكثير من الصواب لذا هتفت حانقة:
ـ طب بخصوص رنا بقى، فاحنا في مشكلة وحضرتك مش شايف اللي بيحصل..
خالد بسخرية مريرة:
ـ أهلًا. اللي هي ايه بقى؟
أشجان بنبرة جريحة:
ـ رنا أسلوبها متغير معايا و بتعاملني كاني غريبة عنها لا مش كأني دي بتعاملني فعلًا على اني مجرد مراتك. أنا حاسة أن في حد بيوقع بيني وبينها و بيزود الفجوة بيننا.
صاح خالد بسخرية غاضبة:
ـ والله! و أنتِ عرفتي كدا لوحدك؟ طب حلو اوي. ما هو دا تحديدًا اللي قولتهولك و قولتلك كمان أني هعتمد عليكِ اعتماد كلي و جزئي في موضوع رنا دا. حضرتك عملتي ايه بقى؟!
اغضبتها لهجته و شعورها بالعجز حيال كل ما يحدث معها لتهتف بانفعال:
ـ المفروض اني اعمل ايه؟
خالد بقسوة لأول مرة تنال نصيبها منها:
ـ تعملي الصح. مفروض تشوفي ايه اللي بيحصل من ورا ضهرك و توقفيه، وتحاولي تصلحي علاقتك معاها. رنا مفيش أطيب منها. طفلة كلمة بتجيبها و كلمة بتوديها.
أشجان باندفاع:
ـ مبقتش كدا..
خالد بنبرة باردة كنصل السكين الحاد:
ـ لا هي كدا. ومش عايز ازعلك واقولك ان اللي قدر يوقع بينك وبينها دا شخص عارف هو بيعمل ايه و محدد هدفه كويس و شغال عليه لكن انتِ لا.
باغتتها كلماته و آلمتها للحد الذي جعل أنفاسها تضيق مما جعل لهجتها تخبو كنيران أطفأ وهجها المياة المُثلجة:
ـ قصدك تقول أنه أذكى مني صح ؟
كان ينظر إليها بجمود وفي صدره ركام من المعارك الصامتة التي لا يعلم عنها أحد، حملٌ ثقيل ينوء به كتف رجلٍ واحد، ولكنه كان يسير به طوال الطريق دون أن يستند أو يشتكي. كل جدار تصدّع في حياته كان يرممه بدمائه، وكل صفعة من الأيام كان يتلقاها بوجهٍ صلب لا يلين، حتى باتت روحه كأرضٍ خربتها الحروب. صامدة لكنها مهشمة من الداخل. في تلك اللحظة بالذات، وخلف قناع القسوة والجفاء الذي يرتديه، كان يتأهب للانهيار، يتوق سراً لزاوية آمنة يُلقي فيها أسلحته، ولـ يدٍ دافئة تمتد إليه دون دون حديث، و كتفٍ يضع عليه رأسه المثقل بالخيبات ويسمح لنفسه ولو لمرة واحدة أن يتعب، دون أن يُحاسبه أحد على تعبه. زفر بقوة قبل أن يقول بجفاء:
ـ قصدي قولته بصراحة. أنتِ حابة تفهمي حاجة معينة افهميها.
أشجان باستفهام جريح:
ـ يعني ايه يا خالد؟
نصب عوده الفارع وهو يتوجه إليها وقد كان هناك تناقض موحش بين هيبة جسده الفارع والانكسار الذي يحتل عينيه. الخشونة في صوته لم تكن سوى قناعٍ لقلبٍ ينزف ببطء، فالحزن الذي يجيش به لم يكن عادياً، بل كان وجع الخيبة فيمن استثناه من كل سوء في هذا العالم. التقت نظراتهما، فكانت عيناه تقصان عليها حكاية ليلٍ طويل من السهر والتفكير وضيق الصدر بسببها. عاتبها بمرارة تذبح الوجدان، وكأن كل حرف خشن يرميه نحوها هو صرخة استغاثة صامتة من رجلٍ أوجعته خيبته فيها، رجلٍ كان يرى فيها الملجأ، فضنت عليه بالرحمة:
ـ يعني لما الموضوع بيكون له علاقة بيكِ أنا عندي استعداد اهد الدنيا و أحط الكل تحت رجلي عشان خاطرك. أنا كمان محتاج اشوف منك انك بتعملي اي حاجة عشاني.
أوجعتها كلماته و ثقل ما تحمل داخلها لتهتف بألم:
ـ مش لازم أقولك أنا بتحمل ايه عشانك..
اكتظت نبرته بالغضب حين قال:
ـ و تتحملي ليه؟ مش متجوزة راجل لو عندك مشكلة تيجي تقوليله؟
ـ أشجان باندفاع:
أنت بتحصر الموضوع في زون غير اللي انا اقصدها.
خالد بسخرية مريرة:
ـ عشان أنتِ مبتقوليش اللي تقصديه بصراحة..
ضاقت ذرعًا من هذا الجدال الذي يقودها إلى طريق مليء بالشوك الذي لن تتحمل ألمه لتهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ مش كل حاجة ينفع تتقال. في حاجات مينفعش اقولها وانا معنديش عليها دليل. عشان خالد الوتيدي بجلالة قدره. راجل عملي، و عنده الكلمة بحساب و واحد زائد واحد يساوي اتنين.
اهتاجت اوداجه غضباً و ارهقته الحيرة والمراوغة لذا هتف بقسوة:
ـ معرفش انتِ بتتكلمي عن ايه لأنك كالعادة بتلفي و تدوري لكن صح انتِ عندك حق، والمفروض حضرتك يا حرم خالد الوتيدي يكون عندك القدرة انك تسعي و تدوري ورا اللي محتاجاه و توجدي دليلك بنفسك.
لم تعد تحتمل كل هذا الضغط لتصرخ بانفعال:
ـ أنا تعبت بجد، و حاسة أن طول الوقت بجري لما نفسي اتقطع..
ضيق عينيه بصدمة من حديثها، و ارتسمت ابتسامة ساخرة بعيدة كل البعد عن المرح ليقول باستنكار:
ـ نفسك اتقطع؟! ااااه، وهو دا بقى السبب انك خدتي حبوب منع الحمل عشان متخلفيش مني؟
قال جملته الأخيرة بسخرية مريرة لتقول بجفاء لا يشبه ما يجيش بنظراتها من ألم:
ـ تقدر تعتبره كدا...
اومأ برأسه و تجهمت ملامحه و اسودت عينيه بغضب مقيت قبل أن يقول بنبرة باردة يشوبها عدم الاهتمام:
ـ حلو. أنا اعتبرته كدا فعلاً. طيب شوفي عايزة ترتاحي ازاي وانا معاكِ؟
آلمها جفاءه وطريقته التي توحي بعدم الاهتمام بما تعايشه لتتكالب عليها جميع اوجاعها و مخاوفها لتهتف بقسوة لم يعهدها منها ولم يتوقعها أبدًا:
ـ أنا محتاجة ابعد شوية. هاخد الولاد وأروح اقعد عند سوزي كام يوم!
في هذه اللحظة كان طوله الفارع يبدو كحصنٍ يوشك على التهاوي؛ لم تكن الخشونة في صوته رغبة في القسوة، بل كانت رجفة حزنٍ يحاول إخفاءها. كانت نظراته تفيض بوجعٍ مكتوم، وجع الشخص الذي تلقى الطعنة ممن ظنّه أمانه. عاتبها بعينين تلمعان بانكسارٍ مرير، وكأن كلماته الخشنة كانت تخرج من حنجرةٍ يملأها البكاء المتحجر. كان عتابه يحمل سؤالاً واحداً لم ينطقه لسانه لكنه استقر في صميم روحها: 'كيف طاوعك قلبكِ أن تفعلي هذا بي؟ وكيف هان عليكِ حزني؟' لقد كان مجروحًا منها لدرجة أنه لم يعد يملك طاقة للمداراة، فخرجت حروفه محملة بمرارة الخذلان.
ـ إيه دا؟ ايه اللي سمعته دلوقتي دا؟
أشجان بنبرة جريحة:
ـ اللي سمعته يا خالد. محتاجة اخد نفسي و أرتاح من كل الضغط دا، لو سمحت سيبني أروح..
لم تكد تُكمل جملتها حتى تفاجئت منه يجلب هاتفه و يقول باتصال لتسمعه بعد لحظات يقول بنبرة آمرة و انفاس متلاحقة:
ـ عم عبدو جهز العربية هتوصل الولاد عند مدام سوزان..
توقعت منه عناقاً يلم الشتات، أو رفضاً قاطعاً يزلزل رغبتها في الغياب، وربما صرخة اعتراضٍ مدوية تليق بحجم الألم، ولا تدري أنها أنها بقرار رحيلها هذا قد ذبحته من الوريد إلى الوريد، وتخلت عنه في منتصف الطريق بلا رحمة.
تساقطت العبرات بغزارة من عينيها، مالحة، حارقة، وخاصةً حين رأته يتراجع ببطء ليأخذ مقعده، محنياً كشجرة ضربتها العاصفة على حين غرة، ثم انكب ينظر إلى الأوراق المتناثرة أمامه بجفاءٍ مصطنع، والحقيقة المريرة أنه لم يكن يتجاهلها، بل كان يلوذ بـ الصمت كدرعٍ أخير، محاولاً بكل ما أوتي من كبرياء جريح أن يخفي كم الألم الضاري الذي يكاد يفتك بصدره. كانت تلك الأوراق أمامه مجرد ستار يخفي خلفه نزيف روحه، وجداراً واهياً يتكيء خلفه كي لا تلمح عيناها بريق الهزيمة في عينيه، أو تسمع شهقة الانكسار التي تختنق في جوفه في هذه اللحظة
ـ يالا عشان متتأخريش. عم عبدو مستنيكي بره..
هكذا تحدث بنبرة خشنة دون أن يرفع عينيه تجاهها، فقد كان في هذه اللحظة يتوق إلى أن تغادر من الغرفة ليتمكن من التنفيس عن هذا الغضب المقيت الذي يجتاح أوردته و تلك الآلام التي تكاد تفتك بروحه ليأتيه صوتها المُعذب وهي تقول:
ـ ماشي يا خالد. همشي...
ما أن سمع صوت اغلاق الباب حتى قام بإلقاء جهاز الحاسوب في الحائط ليتناثر إلى أشلاء كما تناثر قلبه تماماً، ولم يكتفي بذلك بل و حمل المقعد الخاص به ليُلقيه في أحد النوافذ، فتحطم الزجاج و كذلك هو. ليشعر بالإختناق مما جعله يقوم بفك رابطة عنقه و أزرار قميصه ليحاول تنظيم أنفاسه وهو يهمس بهسيس خشن:
ـ امشي. امشي..
كانت الكلمات تذبحه وهو ينطقها ولكم ود الصُراخ حتى يستطيع التنفيس عن كل ما يجيش بصدره ولكنه لا يملك تلك الرفاهية.
رن هاتفه فحاول سحب أنفاسه وهو يتوجه إلى الهاتف ليقوم بالإجابة على عابد الذي قال بعملية:
ـ خالد بيه جبتلك المعلومات اللي طلبتها عن أمين عبد السلام
خالد باختصار:
ـ سامعك..
ـ الحقيقة يا فندم في حاجة غريبة أوي و مش مفهومة. أمين دا شارك رجل اعمال لبناني تقيل اوي و فجأة بقى عنده بدل المصنع اتنين وتلاته. أنا معرفش ازاي دا حصل. بس اللي عرفته انه بقى مسنود جدًا و له علاقات كتير، وووو
خالد بحدة:
ـ و أيه ؟ كمل..
عابد بتوضيح:
ـ هيدخل قصادنا في مناقصة الخشب اللي داخلينها الشهر الجاي.
تشرست معالم خالد و تشنجت عضلات وجهه كما اسودت معالمه ليُزمجر بشراسة:
ـ أنا شامم ريحة قذارة في الموضوع، و لازم أعرف جاية منين.. اسمع اللي هقولهولك و نفذه بالحرف.
عابد باحترام:
ـ سامعك يا فندم.
خالد بخشونة:
ـ قبل أي حاجة عايزك تكثف الحراسة اللى عند البيت و المخبز بتوع مدام سوزان. عايز في كل متر حراسة، و مش اي حراسة. حتى تحت الأرض لو لزم الأمر. أنا مش عايز غلطة. مش عايز غلطة واحدة يا عابد سامع..
عابد بطاعة:
ـ اعتبروا حصل يا فندم.
خالد بوعيد:
ـ بخصوص الكلب دا تسمعني كويس. عشان عايز القلم المرادي يكون منه للقبر...
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا" 🩵
★★★★★★★★★★
مرت ثلاثة أيام طويلة على الجميع و خاصةً هو ذلك الذي لم يكُن ينام الليل من فرط الألم و التفكير كالقوارض يأكل عقله ولا يجد حل او حتى طرف خيط يمكن أن يعتبره بداية لطريق عودتهم لذا توجه إلى الشخص الوحيد اللذي يعرف أنه سيساعده، فقام بطرق لعب المخبز ليجد سوزان التي كانت. تقرأ ما تيسر من أيات الذكر الحكيم، وحين رأته ابتسمت بلُطف ثم أغلقت المصحف لترحب به قائلة:
ـ اهلًا يا دكتور عمر. اتفضل..
كان عمر يقف أمامها بأكتاف مُتهدلة وجسد رغم ضخامته وبنيانه الفارع بات واهناً كأن نسمة هواء عابرة يمكنها أن تسقطه؛ فالألم ما إن يحتل القلب حتى يمتص منه الحياة شيئاً فشيئاً، ويترك المرء هيكلاً شاخصاً بلا روح.
توجه إليها وكأنه يجر خيبته خلفه، بعد أن فعل الوجع به ما لم تفعله السنوات. نمت ذقنه بكثافة عشوائية، واختلطت خصلات شعره الطويل الذي طاله الإهمال بنبتٍ من الشيب المبكر، ليغزوه الكِبر على غير أوان. و انطفأ بريق الحياة في عينيه، وارتسمت على ملامحه تجاعيد حفرها السهر والكمد، حتى بدا وكأن الأحزان قد اختصرت عمره في أيام، محولة هذا الشاب الصلب إلى كهلٍ أعيته الحياة. يسير في ركام نفسه شيخاً مكسوراً يسكن جسد رجلٍ ثلاثيني، و قد اشفقت سوزان على حالته كثيرًا و خاصةً حين قال بنبرة متعبة:
ـ بقالي كتير بلف. مش عارف أروح لمين ولا اتكلم مع مين؟ حاسس ان الدنيا جردتني من كل حاجة بملكها، و في الآخر لقيت رجلي جيباني على هنا.
سوزان بنبرة ودودة يشوبها المرح:
ـ على أساس انك مش طول الليل قاعد قدام البيت؟
عمر بابتسامة وجع:
ـ فعلًا أنا طول الليل قاعد في العربية قدام البيت. طب هروح فين؟ مفيش مكان قادر ارتاح فيه وأحس أنه بيتي، فجيت أقعد قدام بيتها.
سوزان بحنو:
ـ هون على نفسك ياعمر. كل حاجة في الدنيا ليها حل.
عمر بتعب:
ـ بحاول الله اهون على نفسي و افكر في حلول. بس مش عارف ومش لاقي.. عقلي مبيبطلش تفكير. مفيش حاجة زمان كنت بحب اعملها أو كانت بتفرحني حاسس اني عايز اعملها دلوقتي.
زفر بقوة قبل أن يقول بألم:
ـ عارفة؟ عمومًا احساس الخسارة شيء صعب. بس لما تكتشف انها مش مجرد خسارة عادية دانا خسرت الإنسانة الوحيدة اللي حسستني بطعم الحياة. الإنسانة الوحيدة اللي قلبي دقلها، و الغريب اني لما بدأت اعرف دا كانت هي ضاعت من ايديا...
تألمت لأجله و طرفت العبرات عينيها لتقول بتأثر:
ـ أنا حاسة بيك جدًا. الخسارة دي صعبة و خصوصا لو خسرت اغلى حد عندك في الدنيا. بس أنت لسه فيها، و تقدر تداوي الجرح اللي اتسببت فيه..
عمر بألم:
ـ طب ازاي؟ عايز بس طرف خيط يمشيني على الطريق الصح. أنا جوايا احساس وحش جدًا بالكره لكل حاجة حواليا حتى اسم عيلتي. بقول لنفسي يمكن لو مكنتش عمر الوتيدي كان ممكن اقابل شروق في أي مكان عادي. تعجبني و أعجبها تحبني وأحبها و اتجوزها زي كل الناس العادية..
سوزان بتعقل:
ـ مين قالك أن الناس العادية بيحصل معاهم كدا أو حياتهم بتكون بالسلاسة دي؟ انت ممكن فعلًا تقابلها و تحبها وهي تحبك بس النصيب يفرقكوا. يحط بينكوا الف عائق. زي ان ظروفك مش سامحه تتجوز وهي أهلها يجوزوها لواحد مش عايزاه و تنتهي القصة نهاية مأساوية مفيش مهرب واحد منها. لكن أنت حالك أحسن بكتير. أنت واقف على أرض صلبة. عارف انها بتحبك بس موجوعة منك، و دا العائق الوحيد اللي بينكوا. شطارتك انك تحاول تتخطاه
عمر بلهفة:
ـ حاولت...
سوزان بنبرة حانية:
ـ حاولت تاني. اكسب قلبها من جديد. تخيل انكوا لسه متقابلين في مكان عادي، وهي عجبتك و انت عجبتها. بس هي تقيلة، و مش هتسلم بسهولة هتعمل ايه بقى وقتها ؟
شرح للحظات قبل أن يقول بحالمية:
ـ هخطفها لمكان بعيد عن عيون الناس، و هفضل اقولها بحبك و مقدرش اعيش من غيرك لحد ما توافق إننا نكون لبعض؟
سوزان بتقريع:
ـ هو أنت يا ابني متطرف ليه كدا؟ يعني لا تكرفها و تكرهها في عيشتها لا تخطفها و تمرمطنا معاكوا! في اختراع اسمه وسط ممرش عليك ؟!
عمر باستنكار:
ـ مش أنتِ اللي قولتي تخيل؟ اديني تخيلت..
نهرته سوزان قائلة:
ـ لامتتخيلش تاني. تخيلاتك زي الزفت. إحنا نفكر بعقل عشان شروق عاقلة و رزينة، و عايزة تشوف بعينيها انك بتحبها و غير انك بتحبها انك عمرك ما هتغدر بيها تاني. شروق عايزة تطمن من ناحيتك...
عمر بلهفة:
ـ أنا نفسي ألاقي طريقة اوصلها بيها اني أقسم بالله عندي استعداد أفديها بروحي..
سوزان بهدوء:
ـ هتلاقي بدل الطريقة ألف. بس بالعقل و الحكمة..
صاح عمر باندفاع:
ـ حلو اوي دا لقيتها. أنا هخلي حد يضربني بالنار قدامها، فتعرف تاني بحبها..
سوزان بذهول:
ـ يا ابني انا ست صاحبة عيا و مريضة ضغط. أنت جاي تنقطني؟!
ـ ليه بس؟
ـ ليه ايه؟ أنت متفكرش تاني أحسن.
عمر بانفعال:
ـ يعني ايه خلاص كدا؟
سوزان بنفاذ صبر:
ـ لا مش خلاص. أنت بس تتوضى و تصلي ركعتين بنية أن ربنا يهديلك دماغك بدل الشياطين اللي ركباك أحسن ما البنت تضيع منك خالص. ألا قولي هو أنت بتصلي يا عمر؟
قالت سؤالها الأخير بفضول، فأحنى عمر رأسه بخجل كان غريباً كليا عليه ليُجيبها بحرج:
ـ بصراحة يعني. بقطع.
سوزان بعتب:
ـ و عايز حياتك تتحسن؟
زفر بتعب لتُتابع بنبرة حانية ولكنها قوية:
ـ طول ما انت مبتديش ربنا حقه اوعى تستنى خير. ربنا مش لازمة صلاة حد لكن إحنا لازمنا أننا نرضي ربنا و نتقرب منه و نرفع ايدينا و نقوله يارب أجبر كسرنا، و ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا و ارزقنا من حيث لا نحتسب. أنت كعمر تقدر ترفع ايدك لربنا دلوقتي وتقول الدعاء دا؟ اوحتى تطلب من ربنا أنه يهديلك شروق..
عمر بإذعان:
ـ لا
سوزان بنُصح:
ـ عشان حاسس انك مقصر في حق ربنا ملكش عين تقول يارب. لكن لو بتدي ربنا حقه هتلاقي لسانك على طول بيطلب العون من ربنا..
عمر باستفهام:
ـ طيب هو أنا ينفع اصلي عشان اطلب من ربنا أن حياتي تتعدل كدا مش هبقى بتقرب من ربنا عشان سبب ؟
سوزان بابتسامة دافئة:
ـ وماله! هو ربنا بيختبرنا و بيبتلينا ليه؟ مش عشان نلجأله و نجري عليه؟ مش عيب انك تقرب من ربنا عشان محتاجه لكن العيب أن بعد ما ربنا ينعم عليك باللي كنت عايزه تقوم انت تنسى تشكره و ترجع تهمل عبادته تاني، وتقول خلاص ماهو اللي أنا عايزه حصل.
جعلت الأمر يبدو سهلًا حتى أنه شعر بموجة من الراحة تتسلل إلى قلبه بعد أن أعطته كل هذه الطاقة و أنارت الطريق أمامه لكي يبدأ حياته بالنحو الصحيح ليقول بصدق:
ـ تعرفي أن كلامك مريح أوي ؟
سوزان بنبرة ودودة:
ـ الراحة اللي بجد هي القرب من ربنا. يااااه الدنيا و مافيها، و يمكن اللي حصلك دا عشان تفوق يا ابني لنفسك و تلحق اللي فاتك و تعيد حساباتك في علاقتك بربنا، و وقتها اطلب منه المستحيل ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ صدق الله العظيم
سورة إبراهيم: الآية رقم (20).
أخذ نفسًا عميقًا حتى ارتوى صدره ليقول بابتسامة رضا و امتنان:
ـ أنا مش عارف اشكرك ازاي؟ أنتِ نورتيلي طريقي اللي كان كله ضلمه. حقيقي أنا مش لاقي كلام أقوله.
سوزان بحب:
ـ قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله
عمر بنبرة هادئة:
ـ لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله.
سوزان بابتسامة جميلة:
ـ عايزة أشوف من عمر اللي يخليني ليا عين أقول لشروق انك تستحق فرصة تانية.
عمر بصدق:
ـ اوعدك. بس بشرط ؟!
قطبت سوزان جبينها وهي تقول:
ـ شرط ايه؟
عمر بنبرة مُتحشرجة من فرط التأثُر:
ـ تعتبري من النهاردة أن عندك ابن لما تضيق بيه الدنيا هيجري عليكِ يشكيلك و مش عايز منك حاجة غير انك تطبطبي عليه و تقوليله اطمن، كل حاجة هتبقى كويسة...
أغرورقت عينيها بالعبرات، فهي تعلم أنه يملك أسوأ أم في هذا العالم لذا مدت يدها لتربت بلُطف فوق كفيه وهي تقول بنبرة حانية:
ـ اطمن. كل حاجة أن شاء الله هتبقى كويسة..
كان له ما أراد ليقوم باحتضان كفيها بقوة وهو يقول بنبرة مُتحشرجة، فالعبرات كان في طريقها إليه:
ـ يا بختهم بيكِ.
سوزان بابتسامة دافئة:
ـ ما أنت خلاص بقيت منهم...
لم يكن التأثر من جانب هؤلاء الاثنين فقط، فقد كان خلف الجدار تحديدًا في غرفة الخبز هناك من يرتجف جسده من فرط التأثر و الألم معًا ولكنها كانت تحاول ألا تُصدر صوتًا، فيعرف أنها سمعت حديثهم، ولكن في الحقيقة حين رأت سيارته تقف على الطريق العام أمام سور المخبز شعرت بأنه سيأتي إلى سوزان طالبًا العون، وقد صح ظنها، ولكم أرادت في هذه اللحظة احتضانه بقوة و الربت بلُطف فوق ظهره و إخباره أن كل شيء سيكون بخير، ولكنها كانت أمنية بعيد المنال، فطريقهم معًا لازال طويلاً مليء بالأشواك..
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ". 🩵
★★★★★★★★
كانت تحتضن جسدها و تبكي بحرقة كما اعتادت أن تفعل طوال الثلاث أيام المنصرمة، فقد تركها دون خبر او اتصال او حتى سؤال! لم تكن تتخيل أن يطاوعه قلبه على تركها كل هذا الوقت، ولكنه فعل! و هي الآخرى أبت كرامتها عليها الاتصال به، فقد كانت تطمئن عليه من يزيد و هي تمطره بوابل من التحذيرات حتى لا يخبره أنها تطمئن عليه.
ـ طب وبعدين يا مرزوق؟ الجدع دا سايبها ولا سائل فيها اديله تلت أيام. مش واجب تكلمه بردو و تسأله في ايه؟ و سايب مراته ليه؟
هكذا تحدثت صابرين إلى مرزوق الذي عنفها قائلاً:
ـ أنتِ اتجنيتي يا ولية؟ بدل ما هو اللي يكلمني علشان يصالحها أروح أنا اكلمه؟
صابرين بلهفة:
ـ مش القصد. بس ميرضيش ربنا بعد ما خد ورثه و بقى هيسكن في قصر يرميلنا البت. مع اني واثقة أن كل دا من تخطيط اللي ما تتسمى هيام.
مرزوق بضيق:
ـ بنتك طول عمرها حظها قليل. هنقول ايه بس؟ أنا هقوم اريح ساعتين قبل صلاة المغرب وهروح أصلي في الجامع اللي بيصلي فيه جابر. يمكن يكلمني في حاجة.
صابرين بلهفة:
ـ أن شالله ياخويا. ربنا يفك عقدته..
مرت نصف ساعة وهي جالسة تشاهد التلفاز و تقوم بتقطيع الخضروات لتسمع جرس الباب يرن، فتوجهت لمعرفة من الطارق، فإذا بها تجد إمرأة ترتدي النقاب و تتشح بالسواد، فلم يظهر منها سوى سواد عينيها المرعب مما جعلها تقول باستفهام:
ـ أهلًا ياختي. أنتِ مين و عايزة أيه؟
دلفت المرأة إلى الداخل لتغلق الباب خلفها ثم قامت برفع النقاب لتشهق صابرين بعُنف وهي ترى عنايات التي كان الشر يقطر من نظراتها و نبرتها حين قالت:
ـ أنتِ عارفة أنا مين كويس. أما جاية ليه بقى، فعشان أخد روح المحروسة بنتك...
يتبع....
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثاني وتسعون 92 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل القراية متنسوش فوت و كومنت و فولو ليا و سيبولي كومنتات على الفقرات اللي حبتوها♥️
السبيل الثامن و العشرون ج١❤️🔥
أنا أُحِبُّك... حين ينطلق سهم هذه الكلمة، لا تعود مجرد أحرفٍ واهية ينطقها اللسان كشيئٍ عابرٍ، بل هي إعلانٌ صريح لحفنة من الوعود الأبدية، ونهرٌ متدفق من المعان التي لا حصر لها.
مثلًا أنا أحبك تعني: أنا هنا لأجلك، كظلك الذي لا يفارقك أبدًا، وحارسًا لخطوتك حتى إذا ما تعثرت يومًا، وجدتَ كفوفي تسبق الأرض لتمنع سقوطك. وحين يثقل العالم كاهلك، سأكون أنا الكتف الذي لا يميل، حتى لو استندتَ عليه لألف عام.
الحب ليس مجرد نزهة أو محطة يقف عندها الإنسان ليلتقط أنفاسه. بل هو المعجزة التي تسرق الأنفاس ثم تُعيد ترتيب فوضاها، هو المعركة الوحيدة التي تستحق أن نُشهر لأجلها السيوف، ونرفع لواءات الحرب؛ ومن لا يقاتل حتى الرمق الأخير لينال شرف هذا الحب، يستحق الحرمان من نعيمه طوال الدهر، وأن يُنفى خارج حدود جنّته.
فما هي الحياة في غياب من نُحِب سوى صحراء قاسية المناخ، باردة الطقس. تشبه بلادًا موحشة غادرها سكانها تاركين خلفهم صمتًا مميتًا؛ حتى وإن كانت تلك البلاد آمنة، فإنها تبقى خاويةً بلا حياة. أما في وجود الحب، فالجحيم ذاته ينقلب نعيمًا أبديًا حتى وإن امتلاء بالحروب، و اشتدت في ساحاته المعارك و سُفِكت لأجله الدماء، و لو كانت الدروب محفوفة بالمخاطر والأشواك فالموت وأنا أُمسِك بيدك هو الخلود الذي لا يجرؤ الموت على المساس به...
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أصوات شجار و جلبة في الخارج جذبوا انتباه غنى التي بصعوبة تحاملت على نفسها لتقوم من مخدعها و تتوجه إلى الخارج لمعرفة ماذا يحدث، و إذا بها تشهق بعُنف حين رأت ذلك الشجار العنيف بين عنايات و صابرين التي كانت تصرخ بملء صوتها:
ـ ابعدي عن بنتي يا بنت ال... عايزة منها أيه؟
عنايات وهي تحاول التغلب على صابرين حتى تنال من غنى:
ـ بنتك دي أنا هاخد روحها و أخليها تحصل رأفت. ابني اللي حسرتوني عليه..
اندفعت غنى تحاول دفع عنايات عن والدتها وهي تصرخ بعُنف:
ـ ابعدي عن أمي يا مجنونة أنتِ.
التمعت عيني عنايات بالشر وهي ترى ضالتها المتمثلة في غنى لتهتف بوعيد:
ـ اهي السنيورة ظهرت أهي.
أنهت جملتها تزامنًا مع إخراجها لسكينًا كبيرًا كان مُخبىء أسفل عباءتها لتشهق غنى بذُعر وهي ترى نصل السكين الذي يلتمع بوعيد شابه ما تفوهت به عنايات في هذه اللحظة:
ـ قولتلك قبل كدا اني مستعدة أهد الدنيا عشان ابني، و أنتِ مصدقتنيش. روحتي بعتي الكلبة اللي اسمها هيام عشان تضحك عليا و تفهمني أنها بتكرهك، و أنها عايزة تثبت انك كذابة و زقت عليا وعلى ابني بت بنت ستين كلب اتسببت هي و أهلها في موته. ابني مات. رأفت مات بسببكوا.
كانت غنى تتراجع إلى الخلف بخطوات متعثرة، ينهش الذعر أوصالها أمام عيني تلك المرأة التي تخلت عنها إنسانيتها وغرقت في جنونٍ مطلق. لم تكد الكلمة الأخيرة تفارق شفتي المرأة، حتى تحولت إلى وحش كاسر و اندفعت بجنون تشق الهواء، رافعةً نصل السكين عاليًا، لتهوي به بلمح البصر نحو رأس غنى التي انطلقت من أعماقها صرخة مزقت سكون المكان، صرخة حارقة ومستسلمة، بدت وكأنها الوداع الأخير لروحٍ أيقنت أن هذه هي اللفتة الأخيرة لها في هذه الحياة، ولكن... في جزء من الثانية التي تفصل بين الحياة والموت، سمعت صوت زمجرة خشنة تلاها صراخ عنايات التي كان يقودها ثلاثة رجال أقوياء إلى الخلف وهي تصرخ بعُنف و تتخبط بين أيديهم:
ـ سيبوني اخلص عليها. اوعوا يا ولاد ال.... سيبوني...
لم تكد غنى ترفع رأسها المُثقل بالرعب لتستوعب المعجزة التي حدثت، حتى تلاشت برودة الخوف دفعة واحدة حين وجدت نفسها محاصرة بسياجٍ دافئ من ذراعين تعرف تفاصيلهما عن ظهر قلب. ذراعان طالما كانا حصنها المنيع وملاذها الأخير من قسوة العالم. في تلك اللحظة ارتمى جسدها المرتجف بين أحضانه مستسلمًا، وكأنها طفل عاد إلى بيته بعد عاصفة هوجاء. ثم رفعت عينيها المغرورقتين بالدموع، لتقع نظراتها على ملامحه التي بددت كل مخاوفها، فضغطت على شفتيها المرتعشتين وهي تهمس باسمه بنبرة خافتة، متحشرجة، لكنها محملة بكل ما في قلبها من راحة وعتب وامتنان:
ـ ياسر...
شدد من ضمها إليه وهو يهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ روح قلب ياسر...
كان في حالة من الصدمة و الذعر يُرثى لها، فبعد أن هاتفه أحد الحرس الذي كلفه بحمايتها ليخبره بأن هناك أمرأة منتقبة توجهت إلى بابهم و مظهرها كان يبعث على الريبة، فقد كانت تتلفت يمينًا و يسارًا بشكل جعل الحارس يشك في أمرها، مما جعله يهاتف ياسر على الفور و الذي لم يتوانى عن التوجه رأسًا إلى بيتها ليمنع الكارثة من أن تحِل، و ها هي آمنه بين يديه، لتظل شفاهه تردد عبارات الحمد تون توقف ليشعر بها تتراجع من بين ذراعيه التي أفلتتها على عكس عينيه التي كانت تتعلق بها بقوة لتتجاهلها غنى و تتوجه إلى والدتها التي كانت تجلس على المقعد تحاول التقاط أنفاسها و بجانبها والدها الذي اقترب من ابنته يحتضنها وهو يقول بلهفة:
ـ أنتِ كويسة يا بنتي؟
غنى بطمأنه:
ـ كويسة متقلقش عليا.
التفتت إلى صابرين التي لأول مرة ترى في عينيها هذا التعبير، وهو القلق والخوف الكبير إضافة إلى الندم الذي احترق به صدرها وهي تُدرِك أنها ألقت بابنتها الوحيدة ذات يوم بين أحضان الشر المتمثل في هذه المرأة لتمد يديها إلى غنى التي ارتمت بين ذراعيها وهي تبكي لتخرج الكلمات مقهورة من بين شفتي صابرين:
ـ سامحيني يا قلب أمك. سامحيني رميتك في النار بإيدي. حقك عليا. حقك عليا يا غنى..
انفجرت غنى بنحيب مرير لم تعهد مثله قط، بكاءً حاراً غسلت به سنين الحرمان والشوق لدفءٍ ظنت أنه مجرد سراب، كانت ترتوي من حنان والدتها الذي ضنت به عليها لسنوات، وتنتفض بين يديها كعصفور بلله المطر، متشبثةً بثوبها بقوة وكأنها تخشى أن تستيقظ وتجد أن هذا العناق مجرد حلم عابر لن يتكرر، وعلى مسافة خطوا واحدة منها، كان يقف هو... يراقب المشهد بملامح جامدة وصدر يغلي من الغضب المثير للدهشة، فقد شعر بظلال الغيرة المظلمة تنشب مخالبها الحادة في أعماق قلبه. غيرةٌ هوجاء لم ترحم حتى تلك المشاعر البريئة بينها وبين والدتها، فهو يراها ملكًا خالصًا له، بكل تفاصيلها، بأنفاسها، بدموعها، وبضعفها. إنها طفلته وحبيبته التي استوطنت روحه، ولم يكن يحتمل فكرة أن يمنحها الأمان شخصٌ آخر غيره، أو أن تجد الطمأنينة في عناق غير عناقه. لقد أراد أن يكون هو النهر الوحيد الذي ترتوي منه، والملجأ الأول والأخير لقلبها.
مرت دقائق هدأت بها ثورة المشاعر و تزاحم الأنفاس لتلتفت غنى ناظرة إليه بعتب لتتفاجئ بذلك الغضب الذي يتراقص في مقلتيه، و الذي جعلها تشعر بالحيرة لتسمع صوت والدها يقول:
ـ مين الناس اللي خدوا عنايات يا ياسر؟ و أنت عرفت منين أنها هنا؟
ياسر بجمود:
ـ دول حرس كانوا حوالين البيت يا عم صابر. و أول ما شافوها قلقوا و كلموني جيت على طول..
صابرين باندهاش:
ـ حرس! ليه يا ابني ؟ هو في ايه؟
ياسر بنبرة ذات مغزى:
ـ طبيعي أني أكون مأمن مراتي و خصوصًا لما تكون مش قدام عيني..
انتصبت في وقفتها بكبرياء جريح، وتوجهت صوب المرحاض لتغسل عن وجهها آثار التعب. وحين دلفت إلى غرفتها، وجدته هناك... جالسًا فوق مخدعها كقدر لا مفر منه، وكانت عيناه الصقريتان تخترقان ملامحها بنظرات حادة تشتعل بلهيب غامض. فتجاهلت وجوده متظاهرة بالبرود، وتحركت نحو طاولة الزينة لتزيح خصلات شعرها المتمردة عن وجهها بفعل تلك الحرارة اللاهبة التي بدأت تسري في عروقها. لكنها تجمدت في مكانها... حين فاجأتها كفاه الخشنتان القويتان وهي تنتزعان مشبك الشعر من بين أناملها برقة حذرة ولن يكتفِ بذلك، بل أخذ يفرد خصلات شعرها المموجة ببطء، تاركًا إياها تتدفق فوق ظهرها. غارسا أصابعه في أعماق شعرها لتتغلغل بين ثناياه بلهفة طاغية، وكأنه يطمئن على روحه الضائعة، و كأنه يتفقد تفاصيلها بشوق عارم جرف في طريقه كل ذرة كبرياء أو تردد لديه في تلك اللحظة. ثم خطى نحوها خطوة أخيرة ألغت كل المسافات، لينحني دافنًا وجهه بين خصلاتها، غامرًا أنفه في عطرها، ليستنشق رائحتها العذبة بأنفاس متلاحقة، وكأنه رجل يرتشف الحياة بعد طول ظمأ.
ـ الغريبة اللي غيابها دوب قلبي..
ارتج قلبها لحديثه و تجلى ذلك في عينيها التي طالعته بعتب و شوق في المرآة لتهتف بنبرة هامسة:
ـ لو كان دوب قلبك بحق و حقيقي مكنتش سبتني أغيب عنك دقيقة واحدة..
كانت طفلته التي تربت على يديه و حبيبته التي يعشقها و يعرفها جيدًا لذا أدارها لتكون في مواجهته ليقترب منها أكثر مستندًا بيديه على الجهتين فوق طاولة الزينة التي أسندت إليها جسدها ليقول بعتب حمل العبث بين طياته:
ـ بقى بتلوي دراعي يا بت مرزوق، و سيباني أرن من غيرك تلت أيام على بعض ؟
لكزته غنى في كتفه وهي تقول بحدة طفيفة:
ـ أنا اللي سيباك ترن؟ ولا انت اللي ما صدقت..
ياسر بغضب:
ـ وهو أنا اللي كنت قولتلك امشي على بيت أهلك؟ بت أنتِ اعدلي بدل ما اعدلك.
غنى بعناد:
ـ مش هعدل. وريني بقى هتعمل ايه؟
اتسعت ابتسامة ياسر الذي بنبرة عابثة:
ـ ما قولتلك هعدلك أنا...
أدارت وجهها إلى الجهة الثانية حتى لا تضعف أمام وسامته القوية وشوقها الضاري ليمد يده و يُدير وجهها إليه مرة آخرى قبل أن يقول بنبرة حازمة:
ـ نقول كلمتين جد و بعدين نبقى نصالح بمزاج بقى.
رفعت عينيها تطالعه بترقب لا يخلو من الخجل ليتحدث وهو يُشدد على كل حرف يتفوه به:
ـ أول و آخر مرة تسيبي بيتك او حتى تفكري. لو مهما عملت فيكي يا غنى، لو حتى كسرتلك دماغك اوعي تعملي كدا تاني..
غنى باستنكار:
ـ نعم...
ياسر بنبرة عابثة:
ـ يابت مانا هعالجك. ماهو أنا اللي بجرح وانا اللي بداوي بردو.
اهتاجت ضربات قلبها من حديثه ولكنها تجاهلت تأثرها الكبير بقربه و كلماته لتقول بنبرة جادة:
ـ لا اسمعني بقى. كله إلا الإهانة و انك تكسرني قدام حد. بيني وبينك ممكن اتحملك لكن قدام الناس مش هتحمل منك حرف. لو مش هتحترمني قبل ما تحبني يبقى بلاها الحب دا..
كانت تتوقع ثورته لحديثها ولكنها تفاجئت حين مد يديه يحتوي كفها يُلثمه برقة قبل أن يقول بنبرة عاشقة:
ـ على راسي يا غالي والله. أنا مش بس احترمك دانا أشيلك فوق دماغي.
رغمًا عنها لونت ابتسامة عذبة ثغرها، ولكن سرعان ما انمحت وهي تتذكر ما حدث لتقول بعتب:
ـ و مترميش ودانك لحد يقومك عليا يا ياسر، وانت فاهم قصدي كويس.
كانت محقة فيما تقول، ولم يكن يخجل من الإقرار بذلك لذا قال بنبرة حانية:
ـ عندك حق. أنا فعلًا الكلام عصبني في وقتها. بس دا لأنك كنتي مضيقاني. بس أوعدك مش هيتكرر تاني، وانتِ كمان لما تلاقينا سخنت كدا تهدي الدنيا مش تقعدي تجننيني اكتر..
أعجبها كثيرًا كونه لم ينكر خطأه مما جعلها هي الأخرى تقر بخطأها حين قالت:
ـ أنا فعلًا اتضايقت من نفسي اني كبرت الموضوع، و اتكلمت قدام هيام بس أنا كنت مرعوبة عليك و أديك شوفت اللي حصل.
لم يكن يريد الحديث عن الأمر لذا تحدث بنبرة معاتبة:
ـ كل حاجة سهلة قصاد انك تسيبي البيت يا غنى، و بالطريقة دي أنتِ كنتِ كإنك بتلوي دراعي، و أنتِ عارفة أني مبجيش كدا.
غنى بإذعان:
ـ عندك حق أنا عارفة اني غلطت. بس أنت سبتني تلت أيام مسألتش عني..
ياسر بنبرة مشحونة بالعواطف:
ـ كنت بحاول اتقل، بس وعهد الله كنت هتجنن عليكِ يا غريبة قلبي...
اندفعت إلى داخل أحضانه وهي تصيح بلهفة:
ـ وأنت كمان وحشتني يا قلب الغربية....
حملها ياسر و أخذ يدور بها في الغرفة فقد اشتاقها للحد الذي لا حد له.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ"❤️
★★★★★★★★★
كانت تقف أمام الشرفة تنظر إلى البحر الواسع و تتمنى لو أنها تحمل كل تلك الهموم التي يعج بها صدرها و تلقيها وسط أمواجه المتلاطمة لتتوه عنها في أعماق الجُب حتى تستطيع العيش بسلام، ولكن أي سلام هذا وهي لا تقدر على خوض غِمار الحرب؟! هل يستحق السلام من لم يحارب من أجل أثمن أشياؤه؟ كان هذا الاستفهام يلاحقها طوال الثلاث أيام المنصرمة التي قضتها بعيدًا عن جنته. تلك الجنة التي كانت تظن بأنها جحيمٍ و اتضح بعد أن غادرها أن الجحيم هو أي مكان خاليًا منه.
اشتاقته، و اشتاقت نظراته العاشقة وكلماته الحانية و دفء وجوده. اشتاقت تلك العينين التي كانت تطمأنها من مجرد نظرة، لم تتخيل أن يتركها تغادر، وقد ظنت أنه سيمسك يدها كما هي العادة، ولكن صفعها تخليه عنها، والأكثر من ذلك هو موقف سوزان التي سمعتها للنهاية و اكتفت بجملة واحدة كانت كالسوط من فرط قسوتها:
ـ معنديش كلام أقولهولك. مش انتِ سبتي بيتك و جيتي تريحي اعصابك ؟ لما تبقي تريحي اعصابك نبقى نتكلم...
ولكنها لم ترتاح بل تلفت أعصابها و اختنقت رئتيها في غيابه، وكأنها كانت في السابق تتنفس وجوده لا الهواء، و قد كانت تظن أنه هو الآخر مثلها، ولكن ها هي ثلاث أيام مضت لم تره ولم يحادثها حتى لمجرد الإطمئنان عليها. ترى هل مل منها و من ضعفها و قلة حيلتها؟ كان الأمر كارثيًا بالنسبة إليها خاصةً وهي تتخيل تلك المرأة زينة وهي تستغل غيابها وتتقرب منه. كان هذا الأمر أكثر من مؤذيًا بالنسبة إليها مما جعلها تنتفض في وقفتها و تقرر الحديث مع سوزان حتى ترشدها إلى الصواب، فتوجهت إلى المخبز لتتفاجيء بوجود آسيا و بجانبها شروق فألقت التحية لتهتف آسيا بتهكم:
ـ أهي رقائق الويڤر الناعمة شرفت أهي..
أدارت سوزان رأسها إلى الجهة الآخرى بينما حاولت شروق قمع ضحكتها مما جعل أشجان تقول بحدة طفيفة:
ـ ايه خفة الدم دي؟
آسيا بغيظ مكتوم:
ـ والله خفة الدم أحسن من خفة العقل..
زجرتها سوزان بحدة:
ـ آسيا. خفي شوية. هي مش صغيرة، واللي بيشيل إربة مخرومة بتخر على راسه.
بهتت ملامح أشجان من حديثهم لتقترب و تجذب أحد المقاعد و تتربع فوقه وهي تقول بانفعال:
ـ الكلام دا انا المقصودة بيه ياسوزي؟
سوزان بنبرة جامدة:
ـ أنتِ أدرى..
أشجان بحزن و نبرة تقترب من البكاء:
ـ أول مرة تكوني قاسية عليا كدا يا سوزي..
رقم قلب سوزان لحديثها ولكنها حاولت أن تكون حازمة حتى تجعلها ترى فداحة ما ارتكبته لتقول بنبرة جامدة:
ـ عشان كل اللي فات كان كوم و غلطتك الكبيرة دي كوم تاني. ياترى لما ريحتي اعصابك عرفتي أنتِ غلطتي في ايه؟
أشجان بيأس:
ـ مين قالك اني ارتحت ؟ أنا تعبت قد ما كنت تعبانه عشر مرات..
تدخلت آسيا قائلة بعتب:
ـ عشان جربتي تعيشي من غير خالد، وشوفتي انك مقدرتيش صح ولا لا؟
أشجان بحزن:
ـ صح. حاسة أنه واحشني أوي...
سوزان بتعقل:
ـ و عشان من جواكي عارفة انه ميستحقش منك انك تتخلي عنه بالشكل دا عشان حتة عيلة قالتلك كلمتين.
تدخلت شروق قائلة باستفهام:
ـ عيلة مين وقالت أيه؟
قصت أشجان عليها ما حدث بينها وبين رنا في الآونة الأخيرة لتهتف آسيا بسخط:
ـ يخربيت الچينات بتاعتهم! دي ولا الفيروس، و بعدين تعالي هنا هو خالد ذنبه أيه في اللي حصل من رنا؟ دا هو نفسه لو عرف هينفخها.
أشجان بحدة:
ـ اه. كنتِ عيزاني أقوله، واطلع فعلًا مرات الأب الوحشة زي ما هي قالت..
آسيا بانفعال:
ـ يا سلام. ما أنتِ كدا كدا محطوطة في الزون دي من غير ما تعملي حاجة. على الأقل يبقى شايف هي وصلت لدرجة أية من الوقاحة، و بعدين تعالي هنا. هو مش نبهك وقالك أن الحرابيق دول بيحاولوا يفسدوا بينك وبين رنا؟
أجابتها أشجان قائلة:
ـ مقالهاش صريحة. بس أه نبهني، وقالي أنه هيعتمد عليا في الموضوع دا بشكل كلي وجزئي.
تدخلت سوزان مُستفهمة:
ـ عملتي ايه بعد ما هو قالك كدا؟
و هتفت آسيا أيضًا:
ـ أيوا قوليلي عملتي ايه عشان تتقربي من البنت بعد ما هو قالك كدا؟
صمتت أشجان قليلًا تفكر قبل أن تقول بخفوت:
ـ أنا بعاملها كويس جدًا هعمل ايه اكتر من كدا؟
سوزان بتقريع:
ـ تعملي اللي هتعمليه لو مريم في مكانها. أنتِ وقفتي مكانك كالعادة يا أشجان. متقدمتيش خطوة ناحيتها.
أشجان بانفعال:
ـ طيب عيزاني اعمل ايه؟ أنا مش قد نبيلة و أنتِ اكتر واحدة عارفة دا..
سوزان بتعقل:
ـ اركني نبيلة على جنب. أحنا بنتكلم عن رنا دلوقتي.
آسيا بانفعال:
ـ معلش يا سوزي اركني أنتِ على جنب دلوقتي. هو ايه اللي مش قدها؟ هي نبيلة دي ربنا أداها عقل و أنتِ لا؟
أشجان بحدة:
ـ آسيا بطلي تستفزيني. دي بني آدمة مؤذية فوق ما تتخيلي.
قاطعتها آسيا بانفعال:
ـ لا أنا متخيلة. نبيلة دي مفيش حاجة متعملهاش. دي ممكن تحط أقرب الناس ليها تحت رجليها هي ميرهان وهايدي دول تربية مين؟ ماهم تربيتها. تبقي عبيطة لو فكرتي انك لما تتجنبيها هتأمني شرها. لا يا حبيبتي.. دي زي الكلب المسعور بيهاجم في كل وقت و أي حد.
شروق بتأييد:
ـ آسيا عندها حق على فكرة..
أشجان بانفعال:
ـ بس أنا مش هقدر أقف قدامها. أنا كل اللي عايزاه اني اعيش في سلام، وهي الحياة بالنسبالها حرب.
باغتتها آسيا حين قالت ببساطة:
ـ خلاص مقدامكيش كل غير انك تنفصلي عن خالد..
كان جملة ثقيلة وقعها وقع القنبلة التي فتتت قلبها من الداخل للحد الذي جعلها تردد الكلمات بنبرة مبحوحة و كأن حديثها جرح الكلمات فوق شفتيها:
ـ ايه؟ انفصل عن خالد؟؟
تدخلت سوزان هذه المرة قائلة:
ـ ماهو خالد مش لوحده يا أشجان. خالد مش عايش لوحده. خالد دا كبير عيله و العيلة دي كبيرة اوي، وفيها كل انواع و أصناف البشر. لازم تتعاملي مع كل دول لو كنتِ عايزة تكملي معاه.
آسيا بجمود:
ـ الشيلة مبتتجزأش يا أشجان. هاخد خالد وارمي اللي حواليه. شيلي شيلتك كاملة. يا خالد بمشاكله و أخواته و حواراتهم يا إما تنفصلي عنه و تعيشي في سلام مع ولادك..
استفهمت شروق قائلة:
ـ بما انك بعدتي عن القصر وعن نبيلة و عن خالد نفسه حاسة انك قادرة تكملي حياتك بعيد عنه؟ يعني دا هيكون أحسن ليكِ ؟
رفعت رأسها إلى شروق وعينيها تروي حكايات من الألم والشوق و اللوعة التي احتلت قلبها منذ أن غادرته، كما جاءت نبرتها مُعذبة تئن ألمًا:
ـ أنا وقت ما سبته وانا بموت مش عارفة اكل ولا اشرب ولا حتى اتنفس. أنا مقدرش اتخيل حياتي من غيره..
آسيا بتأثر لحالها:
ـ ماهو عشان كدا بقولك لازم تشيلي الشيلة كاملة. مفيش حلاوة من غير نار، و خالد يستحق انك تحاربي عشانه..
أشجان بأسى:
ـ والله غصب عني. دي قدرات، وانا مبعرفش أرد زيك، ولا اتخانق ولا اجرح حد. مبعرفش أكون شخص قليل الذوق مع حد. بخاف على كل اللي بحبهم. بخاف على ولادي وعلى خالد و على رنا والله. بس مش عارفة ادافع عنهم ازاي
تولت سوزان الإجابة هذه المرة حين قالت بحنو:
ـ مش محتاجة غير حاجتين أولهم انك تقولي يارب وانا عارفة انك قريبة من ربنا أوي. تاني حاجة انك تقربي من خالد. تحتويه تكوني الحضن اللي يرتاح فيه. اكبر غلطة غلطيها انك تسيبي بيتك و تسبيه وهو في الظروف دي، و خصوصًا انك سمعتي زينة بودنك وهي بتقوله مالك. مينفعش تسيبي غيرك ياخد مكانك.
شروق بحدة:
ـ دا أنتِ اكنك بتقوليلها اتفضليه على طبق من دهب.. هو في كدا يا أشجان؟
آسيا بعملية:
ـ اركني خالد على جنب دا أمره سهل. خلينا في رنا. زي ما خالد بيعتبر ولادك ولاده يبقى رنا دي بنتك. تقربي منها حتى لو هي بعدتك. قربي غصب عنها. روحيلها المدرسة..
ساندتها سوزان هي الآخرى قائلة:
ـ آسيا عندها حق. اتعرفي انتِ على. أصحابها. اعزميهم يقضوا يوم في القصر، وبعدين خلي بالك معنى انك تقولي لخالد أنا هاخد ولادي وهمشي يعني رنا دي مش فرقالك، و أنتِ عارفة أن خالد بنته رقم واحد عنده.
تدخلت شروق قائلة:
ـ و طبعًا دي مش حاجة وحشة يا أشجان. دا راجل مسئول و بيحب بنته و بيحبك أنتِ كمان، و عشان تصلحي اللي حصل بينك وبينه لازم تبدأي من عند رنا علشان تمحي عنده الاحساس بأنها مش فارقة معاكي، و ممكن زي ما آسيا قالت تروحيلها المدرسة أو اعزميها هي وأصحابها و نعمل حفلة بنات بس هنا. أو حفلة الكولورز دي.
آسيا بحماس:
ـ أيوا صح، و نعمل ديكورات حلوة في المكان أو نعمل فطاير سوى. اللي هو أي حاجة تخليها يبقى ليها حياة معاكي. كمان خليها تقرب مننا. يكون ليها سكة معانا. نخرج نشتري لبس سوى. نتغدى بره. البنت محتاجة تكون مع بنات سنهم قريب منها و في نفس الوقت تكون مع ناس عمرهم ما هيأذوها..
سوزان بتشجيع:
ـ والله برافو عليكوا يا بنات. هي دي الأفكار ولا بلاش..
بدت و كأنها تستعرض أشياء جديدة كُليًا عليها لذا هتفت بحماس:
ـ أيوا صح. كمان انتوا مش هتضلوها بالعكس هكون متطمنة عليها معاكوا، و منه أبعدها عن نبيلة و ميرهان و زينة، والناس المريبة دي. بس..
سوزان بنفاذ صبر:
ـ بس ايه يا بت تعبتي قلبي...
أشجان بقلق:
ـ تفتكروا هي هتوافق أصلًا. دي حد مالي دماغها من ناحيتي وشيفاني عدوتها.
آسيا بتعقل:
ـ قولتلك اجبريها بالطريقة، واوعي تسمحيلها تتمادى معاكي أو تغلط و تطلعي تجري زي العيال الصغيرة. خليكي حنينة بس في نفس الوقت يكون في حزم. عشان بردو هي تعملك حساب و متتجرأش تغلط قدامك.
أشجان بتفكير:
ـ تصدقي أنتِ عندك حق. أنا كان مفروض أوقفها عند حدها لما قالتلي الكلام دا، و افهم خالد الموضوع بدل ما اتنيلت مشيت و سبت البيت.
سوزان بتهكم:
ـ كويس انك عارفة انك نيلتي الدنيا لما مشيتي وسبتي البيت، وياريت الغلطة دي متتكررش أبدًا. الست العاقلة متسيبش بيت جوزها أبدًا. إلا في حالة واحدة. الإهانة غير كدا تبقى غلطانه ألف مرة لو فكرت بس تسيب بيتها..
آسيا بتهليل:
ـ الله ينور يا سوزي. أديها مترحميهاش.
أشجان بنفاذ صبر:
ـ فرحانه فيا أوي حضرتك؟ يا جماعة حد يفهمني خالد شخصية مرعبة و غضبه صعب الكل بيترعب منه . انتوا ناسيين أنا متجوزة مين ؟ دا الوحش بجلالة قدره..
آسيا بتهكم:
ـ أومال أنا اللي معايا الجحش اعمل ايه؟ احمدي ربنا..
قهقهت الفتيات على حديثها لتقول سوزان بهدوء:
ـ أشجان أنا مش عيزاكي تخسري خالد أبدًا. نبيلة دي ربنا كفيل بيها. و ان شاء الله هيوقعها في شر أعمالها. خالد دا مفيش منه، وأنتِ بتحبيه لازم تحاربي عشانه.
ساندتها آسيا قائلة:
ـ والحرب دي مش بالسلاح. دي بالعقل. مش مطلوب منك تقفي قدامها و تتخانقي معاها. بس تبقي مصحصحة وعينك في وسط راسك، واوعي تخليها تحس انك خايفة منها.
شروق بنصح:
ـ و في نفس الوقت بردو متستفزيهاش. عشان اللي زي دي ملهاش أمان.
صمتت أشجان تفكر في حديثهم قليلًا قبل أن تنصب عودها وهي عازمة على تنفيذ ما توصلت إليه لتقول بعُجالة:
ـ هحاول اعمل كدا، وربنا أن شاء الله مش هيسيبني. أنا هروح لرنا المدرسة لازم نتكلم أنا وهي.
سوزان باستفهام:
ـ مش هتقولي لخالد انك هتروحيلها؟
اشجان بنفي:
ـ لا. أنا مش هكلمه أصلًا..
سوزان بتعب:
ـ ليه يا بنتي؟
تدخلت آسيا قائلة بلهفة:
ـ ليه ايه؟ أيوا متكلمهوش. مش معنى أنها غلطانه وعايزة طلقتين في نافوخها انها تروح تكلمه بردو. دي هتلاعبه من بعيد لبعيد. هتروح للبت المدرسة وطبعًا هو هيعرف فهيفهم أنها مش أنانية و بتحب بنته و مش نسياها يقعد هو بقى يتشغل بيها و يفكر و يمكن ربنا يهديه و چينات الصهاينة بتاعتهم دي تتنحى و ييجي هو يكلمها. أيوا معلش أختي عندها كرامة هو اللي ييجي ياخدها.
ناظرتها سوزان بسخط تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ عوض عليا عوض الصابرين يارب..
اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ" ❤️
★★★★★★★★★
كانت تبكي بحرقة وهي تنظر إلى البعيد و قلبها ينزف دمًا كلما تذكرت ما حدث قبل أيام من اليوم
عودة إلى وقتٍ سابق
تململت في فراشها أثر شعورها بلسعات البرد على ظهرها، و أيضًا تلك الأنامل الخشنة التي كانت تجوب بقعةٍ ما في الجزء الأيمن من ظهرها لتُدرِك حقيقة ما يحدُث، فانتفض جسدها لتعتدل وهي تضم الغطاء حولها لتستر نفسها وهي تنظر إلى رحيم بغضب مغموس بالألم و اللوم ليقول الأخير بنبرته الغليظة:
ـ ايه يا بت الناس مالك؟ چرصتك حية ولا اي؟
نجاة بنبرة محترقة غاضبة وهي تحاول منع العبرات من التدفق من بين مآقيها:
ـ لا مكنتش حية دا عقرب.
كظم رحيم غضبه قدر الإمكان ليلتفت إلى الجهة الآخرى يلتقط جلبابه ليرتديه وهو يقول بجفاء:
ـ لو لدغك عجرب صوح. كان زمانك في خبر كان. متقوليش على نفسك يا بت الناس..
نجاة بانهيار:
ـ ماني بجيت في خبر كان اهه. خدت اللي انت عايزه يا عمدة؟ عرفت الطريج خلاص ؟ و ياترى هترميني ميتا؟ ولا ألم خلجاتي و امشي أنا بكرامتي جبل ما الاجي نفسي في الشارع. ماهو دا طبعك. تاخد الناس لحم و ترميها عضم..
توقّف عن الحركة تمامًا، وتصلّب ظهره كأنّ صدمةً كهربائية سرت في أوصاله إثر حديثها. ل ثوانٍ ممتدة، بدا وكأن الزمن قد تجمّد و توقفت بهم حركة عقارب الساعة، ولم يعد يسمع سوى أزيز الصمت الثقيل الذي خلفته كلماتها الجارحة واتهاماتها التي نزلت عليه كالسياط.
التفت إليها ببطءٍ شديد، في حركة آلية تحمل في طياتها نذير شؤمٍ و غضب مرعب بدا على محياه الذي كان جامدًا كصخرةٍ صمّاء نحتتها العواصف، وجسد الذي كان ممشوق ومشدود بشكل مخيف يُوحي ببركانٍ يوشك على الانفجار لكنه يحاول منعه من الإنفجار مُستخدمًا كل ذرة إرادة يمتلكها. حتى ملامحه التي كانت مألوفة يومًا ما، غدت الآن قناعًا من القسوة المفرطة، خالية من أي لين رأته منه يومًا،أما عيناه... فقد كانت الحكاية الأكثر رعبًا وإيلامًا. لو كانت النظرات تطلق الرصاص، لكانت نظراته في تلك اللحظة قذائف من جحيم. في عمق حدقتيه، امتزجت كيمياء معقدة من المشاعر المتناقضة التي تلتهم بعضها بعضًا لتأتي نبرته و تُكمل الصورة المُرعبة التي تراها:
ـ و أيه كمان يا بت رماح؟
كان جسدها يرتعب و كأن صاعقة برد أصابته، فولدت له الرجفو كحمى لا يفلح أي عقار في السيطرة عليها، و خاصةً حين سمعته يناديها باسم أبيها. هل هكذا وضعها بخانة العدو! هل الآن انكشف وجهه الحقيقي بعد أن أخذ منها ما أراد؟
ـ ساكته ليه؟ جولي أني سامعك. جوليلي صفاتي العِفشة كلاتها.
نجاة بشفاة ترتجف من فرط الذُعر:
ـ أنت عارف حالك أحسن مني..
اقترب رحيم منها بخطوات وئيدة لم تملك القدرة على تفاديها أو الهرب منها، فقد سمرها الخوف بمكانها لتجد نفسها في مواجهة هذا الضخم الذي كانت ملامحه تعج بغضب مُريع و كذلك لهجته حين قال:
ـ صوح. أني عارف حالي زين، و عشان اكده عايزك تعرفي أني مبرميش حتى العضم. بقرقشه أو برميه للسباع. مفيش حد بيخرچ من تحت يد رحيم الوتيدي وهو لسه فيه النفس...
كاد الذُعر أن يجعل قلبها يتوقف في هذه اللحظة لتنحبس الأنفاس بصدرها وهي تشعر بأنها هالكة لا محالة لينفلت زمام الأمور بداخلها و يتوقف العقل عن العمل لتنخرط في نوبة إنهيار عاتيةكانت عبارة عن ضربات قوية تلقاها صدره دون أن يهتز وهي تصرخ في وجهه بحروف متقطعة:
ـ أني بكرهك. بكرهك. بكرهك..
لم يعد في استطاعته احتمال تصريحها بأنها تكرهه فقام بتكبيل يديها التي كان تضربه بقوة ليهزها بعُنف تجلى في نبرته حين قال:
ـ اكرهيني كد ما تحبي. مبقاش يفرج كتير. عِملت كل اللي اقدر عليه عشان تحبيني لكن أنتِ عايزة تكرهيني وبس. عايزة تشوفيني وحش معندوش جلب. مجدراش تنسي اللي حوصول. مجدراش تنسي اني اتفرضت عليكِ. لو عايزة تطلعيني عفش عشان تلاجي سبب تكرهيني عشانه مش هجولك لاه..
آلمتها ذراعيها من قبضته الغير رحيمة لتحاول نزع نفسها من بين يديه وهي تصرخ بقهر:
ـ إيوا بكرهك و بكرهكوا كلكوا. محدش فيكوا حبني. عمالين تشجطوني لبعض كيف الكورة الشراب. هي رمتني ليك عشان تهرب منيه و هو رماني ورماها زمان، و أنت كل اللي يهمك تعرِف طريج الوكر و أني اتحرج. اني مفرجش لحد..
صرخ بها للحد الذي افزعها وجعلها تشهق مذعورة وهو ينفي هذه التهمة عن قلبه:
ـ مين اللي جالك اكده؟ جوليلي عِملت ايه عشان تجولي انك مش فرقالي؟
نجاة بانفعال:
ـ مكنتش بتعمل جبل أكده عشان كان لك حاچة عِندي. لكن أول ما خدتها جولتلي يا بت رماح..
قالت جملتها الأخيرة بشفاة مُرتجفة و بكاء حار لامس قلبه الذي أدرك هفوته التي أوقعه فيها غضبه ليقول بنبرة أهدأ قليلًا:
ـ چسمك مش بعيد عني ولو كنت عِفش زي ما بتجولي كنت كتفتك و خدت اللي أنا عايزة من زمان..
جن جنونها من حديثه الذي يحجبها حقها في الرفض أو الدفاع عن حرمة جسدها لتصرخ بانفعال
ـ مين قالك أكده؟ فاكرني كنت هسكتلك إياك. أنت تعرِف أنا اتحملت عذاب و ألم كدا ايه لحد ما خلصت الوشم ده! أني كنت برتچف من شدة الوچع و اصرخ كيف المجانين، و مجدراش أجولها لاه. ماهو ده الحاچة الوحيدة اللي هتخليني في أمان.
رحيم بانفعال:
ـ أمان من مين؟ مني؟
نجاة بقهر:
ـ منكوا كلكوا..
امتدت يده لتجذب خصرها بقوة و تقربها منه حتى بدت وكأنها جزءلا يتجزء من جسده ليُتمتم بخشونة مرعبة:
ـ أمانك ده..
قال جملته وهو يضرب على صدره بقوة افزعتها كما فعلت أنفاسه الساخنة التي أحرقت بشرتها ليرتجف جسدها الذي كانت تحيطه بالشرشف الطويل، و تأرجحت الكلمات فوق شفتيها وهي تقول:
ـ أني بنت عدوك. عدوكوا يا رحيم.. هتجدر تنسى دا؟ لو أبوي عفش زي ما بتجول كيف هتآمنلي؟ بلاش. طيب لو خلصت عليه هعيش وياك ازاي وانت يدك متغرقة بدم أبوي. حتى لو معرفتوش. حتى لو معشتش وياه بس هو أبوي.
أدار رأسه إلى الجهة الآخرى فقد كانت كلماتها تنغرز في قلبه كالخناجر، فهي محقة هو عدوهم الوحيد الذي يتمنى لو يقتلع قلبه من مكانه حتى يُشفى وجعه. شعر بيدها تمتد لتُدير رأسه حتى تتشابك نظراتهم لتقول بنبرة تئن قهرًا؛
ـ لو أبوي جتل حد منيكوا. وجتها هتقدر تبص في وشي؟ رماح الهلالي مالوش عيال غيري. هتاخد تارك وجتها مني ولا هتسامح عشاني؟
لم يكن يعرف الأجابة، ولأول مرة في حياته يشعر بأنه عاجز عن الرد و الحديث، فكل ما ذكرته كان حقيقي و كل الاستفهامات التي طرحتها كانت تلدغه كالعقارب، ولا يعرف كيف يُجيبها لتضاعف لوعته حين قالت:
ـ عشان أكده اتچوزتني، و أنت عارف انك عمري ما هتخلف مني. صوح!
رفع رأسه يطالعها بنظرات جامدة محتنقنة بالغضب و الألم معًا لتُتابع بنبرة مُلتاعة:
ـ لو في يوم من الأيام عرفت انك تجدر تخلف عيال. هكون أنا امهم يا رحيم ؟ ولا مش هتجبل أن بنت رماح الهلالي تشيل ولادك في بطنها؟
انتظرت إجابته بفارغ الصبر. لم تكن تريد سوى الأمان أن يخبرها أنها لا يراها ابنة عدوه تعلم أنه يعشقها ولكنها تعلم أنه لو وضعت في كفة الميزان هي و الكفة الآخرى واجبه تجاه عائلته سيختار عائلته لا محالة، و أيضًا هناك ذلك الرجل الذي يسمى والدها والذي لن يتركها بسلام وهي أضعف من مقاومة الجميع..
نزع رحيم نفسه من بين يديها وهو يقول بنبرة جافة:
ـ تعرِفي ايه الرموز اللي في الخريطة دي؟
تجاهله لسؤالها كان الإجابة التي ترتعب منها لذا احتضنت جسدها وهي تقول بجمود:
ـ أيوا عارفة..
التفت رحيم يناظرها بغموض وهو يقول بجفاء:
ـ هتجوليلي معناها ايه؟
نجاة باختصار يتسم بالقسوة و الجفاء:
ـ لاه..
شعرت به يطحن أسنانه من فرط الغضب، ولكنه لم يصرخ أو ينفعل بل تحدث بنبرة جامدة:
ـ جبل ما تاخدي قرارك اعرفي إن اللي شوفتيه مني في الچبل في الليلة دي في ألف بنت بتشوف أضعافه في الوكر، و محدش بيلحقهم. البنات أهناك بيموتوا في اليوم ميت مرة و بيصرخوا لما يتجطع نفسهم و مبيلاقوش حد يلحقهم، و النچاة الوحيدة هناك هي الموت..
عودة إلى الوقت الحالي
كانت تتألم كما لو أن خناجر العالم أجمع انغرزت في صدرها. تريد الصراخ ولا تجروء على الحديث حتى. منذ ذلك اليوم وهي تغلق هاتفها. لا تريد سماع صوت ذلك الرجل ولا سماع أي شيء يمكنه أن يضيف إلى معاناتها. يكفيها ذلك الألم الذي يجيش بصدرها ولا تستطِع تحمله.
طرق على باب الغرفة جعلها تكفكف عبراتها و تمحو ذرات ألمها الذي لا تريد جعله مشاعًا يجذب أعين الفضوليين. لتتفاجيء بصافية التي كانت تتقدم منها بخطوات هادئة وعينيها تتفحصانها باهتمام كبير تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ كيفك يا نجاة؟
نجاة بارتباك طفيف:
ـ بخير يا عمة. كيفك أنتِ؟
صافية بابتسامة هادئة:
ـ نحمد لله على كل حاچة. شيعتلك واحدة من البنتة من يومين تجولك أني رايدة اتحدت وياكي و طنشتيني. جولت مابدهاش يا صافية روحي أنتِ.
حاولت نجاة البقاء هادئة، فلم تكن في مزاج للحديث مع أحد، و خاصةً هذه المرأة لا تعلم هل تخشاها أم تخشى حديثها؟
ـ اجعدي يا نچاة. خلونا نتحدتوا.
تقدمت نجاة لتجلس أمام صافية بهدوء لتقول الأخيرة وهي تناظرها بتفحص مربك:
ـ تعرِفي انك شبه رماح جوي..
ارتجف قلب نچاة هلعًا حين سمعت حديث صافية التي تابعت بنبرة ناعمة:
ـ ياترى تعرفي رماح يا نچاة؟
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ❤️
★★★★★★★★★
وضعت الفطيرة في الفرن وهي تُدندن بشجن مع صوت فيروز الحاني الذي يأخذها إلى مكانٍ آخر و زمن آخر كانت تحيا بين أحضان سعادة ظنتها أبدية، فخاب الظن..
أطلقت تنهيدة قوية وهي تقول بنبرة مُثقلة بالحنين و الألم معًا:
ـ أمسِ انتهينا فلا كنا ولا كانا. يا صاحبَ الوعدِ خلِّ الوعدَ نسيانا.
ـ مكنتش اعرف انك بتحبي فيروز.
انتشلها ذلك الصوت القارس البرودة من سطوة الماضي و أنين الذكريات لتلتفت إلى الخلف، فإذا بها تجد كمال يقف على أعتاب الباب الداخلي للمخبز الذي كان خاليًا في هذا الوقت من الصباح لتبتسم سوزان بهدوء قبل أن تجيبه قائلة:
ـ محدش في الدنيا مابيحبش فيروز..
تقدم كمال منها حين وجدها تجلس حول الطاولة المُستديرة التي تتوسط الغرفة ليقول بنبرة يشوبها الحنين:
ـ الأغنية دي بالذات ميحسهاش أوي غير اللي حب و اتوجع أوي..
سوزان بهدوء:
ـ محدش في الدنيا محبش و اتوجع يا كمال. الحب مش تعويذة بتحصن الناس من الوجع، بس ممكن يخففه زي المضاد الحيوي بالظبط. بيعالج سبب الألم. لكن مش بيمنعه في وقتها.
كمال بنبرة مُتحشرجة:
ـ لو مش بيحمينا من الوجع يبقى ايه لازمته؟
سوزان بهدوء:
ـ أهو على الأل لما بنحب بنلاقي حد يقاسمنا وجعنا. يشيل معانا الشيلة و بدل ما تتقسم على واحد يبقوا اتنين...
اومأ كمال برأسه قبل أن يقول بنبرة يتغلغل الخذلان بين طياتها:
ـ طيب ولو كان هو سبب الوجع أصلًا. مفروض نتصرف ازاي؟
سوزان بتعقل:
ـ نديله فرصته يمكن يكون هو اللي هيداوينا بردو. الحب زي البحر بالظبط اللي ممكن في لحظة أمواجه تخبطك و تفقدك قدرتك على التوازن لدرجة أنك تحس بروحك بتتسحب منك، وهو هو نفسه اللي لو سلمتله و بطلت تقاومه و سبتله نفسك هيرفعك و يمشي بيك لحد ما يوصلك بر الأمان.
كمال باستفهام:
ـ تقصدي أنه سلاح ذو حدين؟
سوزان بنبرة جادة:
ـ هو مش سلاح أصلًا. هو شعور قوي. احنا اللي بنسمحله يتحكم فينا واحنا اللي بنحجمه عشان نعرف نتعامل، و نحل مشاكلنا اللي بالمناسبة محتاجة عقل وحكمة. لكن إحنا بنستسهل و نرمي كل حاجة على الحب و نستنى منه بقى يبقى ساحر و يحللنا كل العقد اللي في حياتنا. مينفعش أبدًا نسمح لأي حاجة تلغي عقلنا لا الحب ولا الوجع.
كمال بنبرة جافة من فرط الألم:
ـ طيب بما انك بتتكلمي عن العقل و أن مينفعش نسيب الحب يتحكم فينا ولا نشيلة فوق طاقته قوليلي أنتِ العقل يعمل ايه قدام الخيانة. قدام الكذب؟
سوزان باختصار:
ـ يفكر..
كمال بنفاذ صبر:
ـ تعب من التفكير.
سوزان بهدوء:
ـ خلينا نحط ايدينا على المشكلة يا كمال. مشكلتك الحقيقية. انك مش قادر تتقبل فكرة أن مراتك راحتك تعاتب حبيبها الأولاني صح؟
تفننت في صياغة الحديث بالشكل الذي يؤلمه حد الموت مما جعله يغمض عينيه بقوة و هو يحاول التغلب على نوبات الألم الضارية التي تكاد تفتك بصدره ليكتفي بإيماءة من رأسه فتابعت سوزان بنفس لهجتها قائلة:
ـ سمعت من آسيا دفاعها عن نفسها؟
ـ سمعت.
ـ اللي هو أيه ؟
كمال بنبرة جريحة و كأن الحروف تشكو كسرته في كل فتحٍ وضم:
ـ مفروض أنها راحت تعاتبه عشان هو ابن عمها اللي كان شاهد على كسرتها في الليلة إياها وهو اللي لحقها ووو
لم تطاوعه شفتيه بذكر باقي الحديث لتقول سوزان باستفهام:
ـ كلمة المفروض اللي قولتلها دي معناها انك مش مصدق كلامها صح؟
كمال باختصار:
ـ كنت مصدقها.
سوزان بنفاذ صبر:
ـ بص يا كمال أنت مجتش هنا غير لما الدنيا ضاقت بيك. لا قادر تبعد ولا عارف تقرب. جيت و أنت يائس من كل حاجة، فلو عايزني أساعدك و انت تساعد نفسك. هات اللي عندك كله، و خليك فاكر أن النار اللي جواك دي مش هتنطفي طول ما انت حابسها جواك. بالعكس دي هتفضل تاكل فيك لحد ما تموتك بالبطيء لو عايز كدا أنت حر..
كانت مُحقة، فهو لم يعد له طاقة لتحمل تلك االنيران التي تنهش بداخله لذا جاء بعد أن أعياه المسير في هذه الحياة حاملًا جراح نازفة لا يفلح شيء في ترميمها.
ـ أنا هقولك على كل حاجة...
يتبع.. الجزء الثاني فاضل فيه مشهد و القفلة يعني هينزل كمان ساعتين بالكتير أن شاء الله ماهو أنا خلفتكوا و نسيتكوا 😒
يالا مش مهم أنا بحبكوا و انتوا حبايبي قراءة ممتعة يا فرولاتي 🍓😘
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثالث وتسعون 93 - بقلم نورهان العشري
السبيل الثامن و العشرون ج٢ ❤️🔥
متنسوش فوت و كومنت على الفقرات اللي حبتوها وفولو ليا ♥️
ـ خلينا نحط ايدينا على المشكلة يا كمال. مشكلتك الحقيقية. انك مش قادر تتقبل فكرة أن مراتك راحتك تعاتب حبيبها الأولاني صح؟
تفننت في صياغة الحديث بالشكل الذي يؤلمه حد الموت مما جعله يغمض عينيه بقوة و هو يحاول التغلب على نوبات الألم الضارية التي تكاد تفتك بصدره ليكتفي بإيماءة من رأسه فتابعت سوزان بنفس لهجتها قائلة:
ـ سمعت من آسيا دفاعها عن نفسها؟
ـ سمعت.
ـ اللي هو أيه ؟
كمال بنبرة جريحة و كأن الحروف تشكو كسرته في كل فتحٍ وضم:
ـ مفروض أنها راحت تعاتبه عشان هو ابن عمها اللي كان شاهد على كسرتها في الليلة إياها وهو اللي لحقها، ووو الباقي أنتِ أكيد عرفاه
لم تطاوعه شفتيه بذكر باقي الحديث لتقول سوزان باستفهام:
ـ كلمة المفروض اللي قولتلها دي معناها انك مش مصدق كلامها صح؟
كمال باختصار:
ـ كنت مصدقها.
سوزان بنفاذ صبر:
ـ بص يا كمال أنت مجتش هنا غير لما الدنيا ضاقت بيك. لا قادر تبعد ولا عارف تقرب. جيت و أنت يائس من كل حاجة، فلو عايزني أساعدك و انت تساعد نفسك. هات اللي عندك كله، و خليك فاكر أن النار اللي جواك دي مش هتنطفي طول ما انت حابسها جواك. بالعكس دي هتفضل تاكل فيك لحد ما تموتك بالبطيء لو عايز كدا أنت حر..
كانت مُحقة، فهو لم يعد له طاقة لتحمل تلك النيران التي تنهش بداخله لذا جاء بعد أن أعياه المسير في هذه الحياة حاملًا جراح نازفة لا يفلح شيء في ترميمها.
ـ أنا هقولك على كل حاجة..
ـ سمعاك...
كمال نبرة مشجبة:
ـ النار دي كانت خلاص قربت تطفي لما شوفت وجعها و عرفت اللي حصلها. بس بعد ما عرفت اللي عملوه في نار تانية قادت في قلبي و كنت عايز أجيبلها حقها منهم، وأولهم الكلب دا.
سحب قدرًا كافيًا من الهواء داخل صدره قبل أن يُتابع بقسوة:
ـ روحت القصر و هناك واجهتهم و أكيد أنتِ عرفتي باللي حصل وقتها. بس أنا مكنتش مكتفي بدا. أنا مقدرتش اعمل حاجة غير أني اقطع علاقتي بأخواتي البنات. لا هقدر أأذيهم ولا أعاقبهم بأكتر من كدا. في النهاية اللي يمسهم هيمسني، و غصب عني اللي هيوجعهم هيوجعني.
سوزان بأسف:
ـ فروحت لرؤوف صح؟
اومأ برأسه بتعب وهو يقول:
ـ صح...
عودة إلى وقتٍ سابق.
كان يقف في مكان منعزل يشعر بأن هذا العالم الفسيح لا يتسع لحزنه وذلك الغضب الذي كان يغلي بداخله و كأنه يتنفس زجاجاً مكسوراً بدلًا من الهواء والاستمرار في التنفس يمزق أحشاءه من الداخل. كل شهيقٍ يمزقه وكل زفيرٍ يشرخ ضلوعه، و ينهش صدره وكأنه يطحن عظامه ببطء
لم يكن غاضباً فحسب، بل كان صدره ساحة معركة لـ كلابٍ ضالة تجوع وتنهش في لحمه. غضبٌ مسعور ينهش قفصه الصدري من الداخل، ويتركه واقفاً في البرد منزوع الأحشاء عاجزاً عن الصراخ، والأشد قسوة من الغضب نفسه، هو اضطراره لـ إغلاق كفيه على الجمر لأن النار لا تجد طريقاً لمن أشعلوها، فباتت تأكل الوعاء الذي يحملها، وتصنع مجزرة صامتة داخل ضلوعه، لتنحسر فجأة الرؤية أمامه في شخصٍ واحد. يكرهه لأنه ساعدها بدلًا عنها و يكرهه لأنه خذلها، و يكرهه لأنه شاء أم أبى جزء من الماضي و الحاضر لذا لم يفكر مرتين و قام بعمل مكالمة هاتفية كانت عبارة عن بضع كلمات جافة تحمل وعيدٍ لا يخطأه سمع ليدرك بعدها ضالته التي توجه إليها بكل ما يحمل من غضب و بغض و رغبة عاتية في الانتقام، لذا لم يفكر مرتين وهو يضرب باب مكتب رؤوف الذي انفتح بقوة جعلت الأخير يهب من مكانه مذعورًا، ولكن سرعان ما تحول ذعره إلى غضب عارم حين شاهد كمال الذي كان يطالعه كأسد جائع ينوي الفتك بفريسته.
ـ أنت ايه اللي جابك هنا؟
هكذا صرخ رؤوف باستنكار قابله كمال بركلة قوية في معدته وهو يهتف بشراسة:
ـ جيت عشان أصفي حساب مفتوح بقاله سنة....
ما أن أنهى كمال جملته حتى ناوله رؤوف لكمة قوية نالت من فكه، فتراجع كمال إلى الخلف ليهتف رؤوف بوعيد:
ـ كويس انك جيت وفرت عليا المشوار..
زمجر كمال بوحشية وهو يقترب ضاربًا رؤوف بمقدمة رأسه ضربة قوية افقدت الأخير توازنه وهو يزأر بوعيد:
ـ لو شوفتك قريب من آسيا تاني ولا رجلك جابتك عند شركتنا تاني هدفنك حي...
كان مجرد ذكر اسمها كفيل بجعل جميع حواسه تتأهب مما جعله يصرخ قائلًا:
ـ أنت اللي تبعد عنها و اياك تفكر تقرب منها. آسيا خلاص فاقت و عرفت حقيقتك، و عرفت أنها عمرها ما حبتك في يوم من الأيام.
كمال بوحشية:
ـ اخرس يا حيوان..
رؤوف بتشفي:
ـ ايه هي الحقيقة بتوجع أوي كدا؟
كمال بانفعال:
ـ حقيقة ايه يا كلب ؟ آسيا عمرها ما حبت حد غيري.
رؤوف بشماتة:
ـ بتضحك على نفسك. آسيا محبتش إلا أنا. أنت كنت بالنسبالها وسيلة انتقام، و الطريقة الوحيدة اللي هتخليها تسيب حياة الفقر. لكن لما وصلت للي هي عايزاه و فاقت لنفسها اتأكدت أنها محبتش حد غيري، والدليل أنها متحملتش تعرف اني بشتغل مع ميرهان و جريت عليا. أظن مفيش دليل أكبر من كدا على أنها عمرها ما حبتك..
لم تكن مجرد كلمات ألقيت على مسامعه، بل كانت خناجر حادة غُرست في عمق جراحه النازفة، ثم مرّت فوقه كعجلات شاحنة ثقيلة دهست بقايا روحه و سحقت جميع قواه، مُشعله في صدره حريقاً من الألم لا يُطاق، حتى تجمّد الهواء في حنجرته، وانعقد لسانه، فمضى يبتلع ألمه وهو عاجز تماماً عن النطق، و كأن تلك الطعنات لم تُصِب قلبه فقط، بل ذبحت الحروف على شفتيه ليُتابع رؤوف بتشفي:
ـ جتلي عشان غيرانه عليا. عشان بتحبني، لو كانت حبتك ولو للحظة مكنتش حتى هتفكر فيا...
لم يستطِع تحمل ذلك الألم الناجم عن هذه الحروف المسمومة مما جعله يضربه في أنفه وهو يقول بشراسة:
ـ دا تفكيرك المريض اللي صورلك كدا. آسيا جتلك عشان أنت الوحيد اللي شوفت اللي عملوه فيها ليلة الحفلة. أنت الوحيد اللي كنت شاهد على وقاحتهم و جريمتهم، ومع ذلك روحت حطيت ايدك في ايد ميرهان و نسيت اللي عملوه في بنت عمك...
تجمد جسد رؤوف لثوان وهو يستمع إلى حديث كمال الذي استنكره قلبه، و أبى تصديقه مما جعله يصرخ نافيًا هذا الأمر:
ـ بطل تضحك على نفسك. الكلام دا مش حقيقي.. آسيا جتلي عشان بتحبني و ندمت أنها اتجوزتك...
نهشته نيران الغيرة حتى كاد أن يُجن مما جعله يطبق على عنق رؤوف وهو يزأر بوعيد:
ـ آسيا عمرها ما حبتك، و أنت كنت مجرد ابن عمها وبس، والكلام دا انا سمعته منها و أنا عارف أنها مبتكذبش، ولو كان عقلك المريض مصورلك أنها جتلك عشان جواها حاجة من ناحيتك، فروح اتعالج أحسنلك..
قام رؤوف بدفعه بقوة وهو يصيح بصوتٍ جهوري:
ـ كذب. أنت اللي بتضحك على نفسك مش انا، ولو كان دا العذر اللي بتضحك بيه على نفسك تبقى انت اللي محتاج تتعالج. اتقبل ان أختك باعتك عشان خاطري و مراتك كمان..
انحبست الأنفاس بصدره جراء تلك الطلقة التي استقرت في منتصف روحه إثر جملة رؤوف الذي تابع باستفزاز:
ـ لو كانت آسيا قالتلك أنها جتلي عشان أنا الوحيد اللي كنت معاها الليلة دي و شوفت اللي عملوه فيها، فهي كذبت عليك..
توسّعت عيناه في ذهولٍ جاف، وشخصت نظراته كمن يشهد لحظة موته. كان حديث رؤوف بمثابة صاعقة سوداء ضربت سماء واقعه، لتهدم آماله وتدك حصونه فوق رأسه في ثوانٍ معدودة. لم يجد مساحةً ليلتقط أنفاسه، فقد كانت الكلمات تدفعه بقسوة مرعبة، وتلقي به في جوف نار مستعرة أكلت روحه وأحرقت ماضيه ومستقبله. وقف مكانه مشلولاً وسط الركام والرماد، يرى حياته تتهاوى أمام عينيه، وقد أحكم جحيم الصدمة قبضته على روحه، وهو يتخيل أنها كانت تكذب عليه. لكنه حاول التشبث بها و بآخر ذرة ثقة بينهم ليقول بجفاء:
ـ تقصد أيه؟
ـ أنا مكنتش مع آسيا وقتها، و عرفت اللي حصل منها هي..
هكذا تحدث رؤوف بنبرة باردة كنصل السكين الذي اخترق صدر كمال، ولكنه كان يقاوم حتى لا يسقط من فرط الألم الذي يشعر به، فكيف يمكنها الكذب وهي في هذه الحالة من الانهيار؟ هل خدعته مرة آخرى؟ أبى قلبه تصديق ذلك الأمر ليصرخ في وجه رؤوف بانفعال:
ـ أنا مشوفتش في ندالتك. بتكذبها عيني عينك عشان بس تثبت انك انتصرت عليا...
رؤوف ببرود مثير للأعصاب:
ـ أنت اللي مُصر تنكر اني فعلًا انتصرت عليك. انتصرت عليك يوم ما ميرهان جريت ورايا، و عملت المستحيل عشان اوافق اشتغل معاها و مفكرتش فيك اصلًا. انتصرت عليك يوم ما جت آسيا تعاتبني، من غير ما تعملك أي حساب. لو كانت حبتك ولو للحظة مكنش هيفرق معاها أشارك مين ولا اعمل ايه. عشان انت المفروض تكون مكفيها. لكن دا محصلش. قولي يا كمال بيه.. عايز إثبات أي تاني عشان تصدق اني انتصرت عليك؟
كان أسوء موقف يُمكن أن يتعرض له أي رجل في هذه الحياة، لم يقتصر الجرح على قلبه فقط بل كرامته و كبريائه أيضًا، وقد كان الأخير يزأر بقوة يريد القصاص لتلك الإهانة الغائرة مما جعله يقول بنبرة قاسية تشبه عينيه و نظراته:
ـ قد كدا أنت شايل و معبي مني؟ دانا كنت عاملك أزمة كبيرة وانا مش واخد بالي... بس عمومًا أنا عارف ان الناس الناقصة اللي زيك زيك ممكن يكذبوا و يخدعوا و يعملوا اي حاجة عادي. عشان كدا مش هكذبها و أصدقك.
كان ذلك الرجل العقبة الوحيدة في طريق سعادته في الحياة لذا أراد إزاحته بأي طريقة ممكنة مما جعله يقول بنبرة حادة:
ـ وماله. شوف أيه يثبتلك ان أنا مكذبتش عليك، واني مكنتش معاها وقتها وانا هعمله...
كان قلبه يبكي كطفل صغير مرتجف داخله. لا يتقبل وجود أي احتمال مهما كان ضئيلًا بأنها قد تكون خدعته مرة آخرى، ولكن هذا الرجل يتحدث بثقة ترعبه، و فجأة وقعت عينيه على شيء ما فوق الطاولة لذا اندفع كمال و جذب المصحف من فوقها وهو يمده إلى رؤوف قائلًا:
ـ تحلف على كتاب ربنا دا انك مكنتش معاها فعلًا في الليلة دي؟
ـ عودة إلى الوقت الحالي
سوزان بلهفة:
ـ و حلف؟
أخفض كمال رأسه و اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه بالإيجاب لتشهق سوزان بصدمة:
ـ يا ساتر يارب.. ازاي يعمل كدا؟ حلفان على المصحف كذب!
كمال بنبرة مُتحشرجة:
ـ ما يمكن مبيكذبش....
سوزان بانفعال قلما يظهر عليها:
ـ لا يا كمال. استحالة آسيا تكذب في الموضوع دا.. أنا عارفة بقولك أيه؟
كمال بنبرة متعبة:
ـ أنا مبقاش عندي ثقة في حد...
كانت سوزان تغلي من فرط الغضب مما جعلها تقول بنبرة جافة:
ـ اسمعني كويس. أنا هثبتلك أن آسيا مكذبتش عليك. بس أنت توعدني انك تتصرف بعقل..
رفع كمال رأسه ناظرًا إليها كالغريق الذي لمح من بعيد القشة التي ستنقذه و هتف بنبرة متلفهة:
ـ موافق..
جذبت سوزان هاتفها و هي تقول بانفعال و أنفاس متقطعة:
ـ اللي أنا هعمله دلوقتي عارفة أنه هيزعل آسيا مني. بس أنا مش هقدر أقف اتفرج وانا شايفة اللي بيحصل دا.
أنهت حديثها وقامت بفتح مكبر الصوت ليستمع إلى صوت آسيا على الطرف الآخر تُجيب قائلة بمرح:
ـ ايوا يا سوزي متقوليش اني وحشتك..
سوزان بنبرة حاولت جعلها عادية:
ـ معرفتش اقعد أنا و أنتِ النهاردة نتكلم على راحتنا قولت اتصل اطمن عليكِ.
آسيا بنبرة ودودة:
ـ أنا كويسة يا حبيبتي متقلقيش عليا..
تحمحمت سوزان قبل أن تقول بتوتر طفيف:
ـ طمنيني عليكِ طيب. أعصابك هديت بعد اللي حصل آخر مرة بين كمال و رؤوف عندك؟ معرفناش نتكلم في الموضوع براحتنا ولا قولتيلي ناوية على أيه مع رؤوف؟
توقفت آسيا على جانب الطريق وهي تقول بإنفعال:
ـ مبدأيًا كدا مسموش رؤوف اسمه زفت الطين، و مش ناوية اعمل أي حاجة معاه غير اني معرفوش العمر كله..
كانت عيني سوزان متعلقة بعيني كمال الذي بالرغم من كل شيء انشرح صدره قليلًا من حديثها عن ذلك الرجل لتحاول سوزان التطرق إلى الأمر بدون أن تجعلها تشعر بشيء:
ـ هو أنا كام مرة قولتلك بطلي تنفعلي كدا، و بعدين احنا مش اتفقنا نتعامل مع المواضيع بعقل، و حتى لو رؤوف غبي هو بردو ابن عمك، و وقف جنبك في اكتر وقت كنتِ مدمرة فيه.
تهدج صوت آسيا كثيرًا و دوت رنة الحزن به حين قالت:
ـ ياريته ما كان وقف يا سوزي. تعرفي بقيت أقول لنفسي ياريتني كنت لوحدي الليلة دي و مكنش هو موجود. وقتها مكنتش هتنيل أروح اعاتبه ولا اكلمه، ولا كنت هخسر كمال..
كانت المشاعر تموج بعيني كمال كالبحر الهائج مما جعل سوزان تقول بنبرة هادئة:
ـ مفيش حاجة اسمها ياريتني يا آسيا. كل حاجة بتحصلنا قدرنا، وأكيد ربنا له حكمة فيها، و بعدين لما هو كان معاكي ازاي مدافعش عنك قدامهم؟
آسيا بتعب:
ـ ايه يا سوزي أنتِ هنجتي ولا اي؟ هو مكنش واقف لما ضربوني، هو كان بره في العربية ولما اتأخرت عليه دخل يدور عليا، و شافني وانا مرمية على الأرض و بنزف...
صمتت تحاول تفادي الذكرى المؤلمة لتقول بنبرة متعبة:
ـ بلاش تقلبي عليا المواجع. أنا نفسي انسى كل اللي حصل دا. نفسي انسى ميرهان و هايدي و رؤوف كل حاجة بتفكرني بالماضي...
قصدت استفهامها حين قالت:
ـ مجبتيش سيرة كمال في قايمة الناس اللي عايزة تنسيهم يعني؟
كانت ملامحه مشدودة بشكل مُريب، عينيه يتماوج بهم الشعور بطريقة توحي لمن يراه بأن هذا الرجل ينتظر حكمًا إما بالإعدام او العتق من الموت، و لسبب لا تعلمه و بلحظة ضعف جرفتها رغمًا عن عقلها وكبريائها، و كل شيء أجابت سوزان بنبرة مبحوحة و دمعة أفلتت من بين براثن الوجع الكامن في أعماقها:
ـ يمكن عشان عارفة أن استحالة قلبي هيقدر ينساه. غصب عني و عنه كمال محفور جوايا يا سوزي...
كان رد فعله عبارة عن ابتسامة بسيطة مصحوبة بدمعة حارة غدرت بكبريائه و جرت فوق خده لينصب عوده متوجهًا إلى الحوض الكبير ليقوم بغسل وجهه وكأنه أراد يمحو ذرات ضعفه و التخفيف من حدة غضبه الذي يستعر بداخله، فالتفت ناظرًا إلى سوزان التي أنهت المكالمة و رمقته بنظرة معاتبة تشبه لهجتها حين قالت:
ـ أتأكدت أنها مكذبتش عليك؟
كان صدره يعلو ويهبط بعُنف وكان الأنفاس سيوف تضرب ضلوعه بقوة مؤلمة، ولكن كان الغضب في هذه اللحظة يطمس كل شعور لديه مما جعله يقول بنبرة حادة كالسيف:
ـ اتأكدت...
سوزان بتقريع:
ـ طبعًا دلوقتي كل اللي أنت عايزة انك تخلص على رؤوف، و دا قمة الغباء. عشان انت مشكلتك مش رؤوف. رؤوف دا مجرد طرف في الحكاية اللي انت بطلها، فياريت يكون تفكيرك دلوقتي ازاي تصلح كل العبث دا، و تبطل هروب.
زأر كمال بانفعال:
ـ الهروب دا مكنش بمزاجي أنتِ مش قادرة تفهمي الوجع اللي جوايا عامل ازاي؟ أنا اتحطيت في أسوأ موقف ممكن يتحط فيه راجل. أنا مراتي و أختي وقفوا يقطعوا فيا قدام عيني بسببه. رؤوف اللي بتقوليلي أنه مجرد طرف. كان سبب في تدمير حياتي.
سوزان بحدة:
ـ أنت اللي سمحتله يكون كدا. كان ممكن بدل ما تضيع سنة كاملة من عمرك في الهروب، وقفت آسيا و سمعت منها، و بعد كدا قررت هتعمل ايه. أنت متعرفش هي اتعذبت في السنة دي قد ايه؟
أطلق ضحكة قوية كانت ابعد ما يكون عن المرح قبل أن يقول بسخرية مريرة:
ـ متكلمنيش عن العذاب بدل معرفتيش أنا حصلي ايه في السنه دي؟ اللي شوفته فيها هيفضل محفور في قلبي و عقلي و جسمي العمر كله..
الوجع في نبرته كان مرعبًا للحد الذي جعل جسدها يرتعش لتقول بتأثر:
ـ هعرف ازاي لو أنت محكيتش؟! قول خرج اللي جواك. كفاياك سكوت و هروب. دا غلط. بتهرب من أيه إذا كان الوجع ساكن قلبك. لو روحت اخر بلاد المسلمين مش هتعرف تهرب من اللي جواك.
كمال بيأس:
ـ غصب عني. مكنتش قادر اتعامل. مكنتش عارف ابص في وش حد منهم. أنتِ متعرفيش ميرهان دي كانت عندي ايه؟
تغضنت ملامحه بألم عظيم جعل جسدها ينحني وهو يشرد الى البعيد و كأنه يرى الماضي بتفاصيله ليُتابع بنبرة تفوح منها رائحة الوجع:
ـ أنا كنت بعتبرها بنتي. لما كانت بتتعب كنت أنا اللي بسهر بيها. أنا اللي كنت معاها أول يوم مدرسة. أنا اللي كنت معاها أول يوم جامعة. أنا اللي كنت بقف قدام خالد لو فكر بس يزعلها. كانت بتنام في حضني و تقولي أنت بابا. كنت بحاول اعوضها عن غياب بابا وماما بكل الطرق. مكنتش بتحمل اشوف دموعها، و في الآخر داست عليا و طعنتني في ضهري عشان خاطر واحد زي رؤوف. كذبت عليا و قصت الفويس و سمعتهولي ناقص و مهمهاش هحس بأيه ولا هتوجع ازاي ؟
رفع رأسه عاليًا مطلقًا أنفاسه المحمومة التي تحرق صدره قبل أن يُتابع بنبرة جريحة مُثقلة بالألم:
ـ و آسيا. البنت الوحيدة اللي حبتها في حياتي. حبتها لدرجة اني مكنتش مستنيها تحبني. مكنتش مستني منها أي مقابل غير وجودها في حياتي.
اشتبكت عينيه مع عيني سوزان بنظرة مطولة رأت بها كم الدمار الذي يحمل صدر ذلك الرجل لتسمعه يقول بنبرة مُتهدجة يكتظ بها الألم:
ـ أنتِ متعرفيش أنا قلبي دا كان بيدق ازاي لما كنت بشوف آسيا.
صمت لثوان يحاول استرداد أنفاسه قبل أن يقول بنبرة مُـلتاعة:
ـ كان عندي استعداد اجبلها الدنيا بحالها تحت رجليها. لما كنت بشوفها فرحانه كانت الدنيا بتضحكلي، و في الآخر خذلتني بسببه بردو..
رفع عينيه يناظرها بقهر احتل ملامحه ونبرته و هو يقول:
ـ تخيلي تملي كفوفك ورد و تمديها لحد بتحبيه، و بعد ما ياخد منك اللي هو عايزه يغرز فيها سكينة. الاحساس اللي حسيته وقتها مفيش كلام في الدنيا عن الوجع يقدر بوصفه.
جملته اخترقت عقله و قلبه سوزان التي تناثرت عبراتها وهي تقول بلوعة:
ـ حاسه بيك أوي.. خذلان مع ألم صعب، مع صدمة و احساس مرعب بالرفض. مش قادر تصدق ان الشخص دا عمل فيك كدا.
كمال باندهاش:
ـ ازاي عرفتي توصفي اللي جوايا كدا؟
تمتمت سوزان بنبرة جريحة:
ـ عشان عيشته...
لم تصل كلمتها إلى مسامعه ليقول باستفهام:
ـ بتقولي ايه؟
تحمحمت نافضة عنها غبار الذكريات لتقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
ـ أنا عارفة انك اتظلمت من اللتنين. بس صدقني آسيا بالرغم من غلطها الكبير إلا أنها ندمت. آسيا بتحبك فعلًا.
كمال بنبرة متعبة:
ـ و أنا محبتش في حياتي غيرها.. بالرغم من كل الوجع و الألم. بس انا لسه بحبها...
استجمعت شجاعتها وقالت باستفهام:
ـ لو بتحبها مكنتش قدرت تكون مع واحدة تانية غيرها يا كمال...
رفع رأسه يطالعها بصدمة استغلتها هي وقالت بنبرة حادة كالسيف:
ـ أنت فعلًا قدرت ترتبط بواحدة تانية غير آسيا؟
كانت تراقب انفعالاته و عينيه التي زاغت بعيدًا عنها لتتفاجيء به حين نصب عوده و توجه إلى الباب الخارجي، فأوقفته كلماتها الحادة حين قالت:
ـ سيف ابنك يا كمال؟
رأت تصلب عضلات ظهره و كيف كانت يديه ترتجف، و قد ظنت أنه يقاتل شيء ما بداخله لتتفاجيء به حين التفت ناظرًا إليها وهو يقول بنبرة خشنة تئن حروفها وجعًا:
ـ أنا عمر عيني ما شافت واحدة ست تانية غير آسيا....
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، اللهم افتح لي أبواب رزقك وجد عليّ بفضلك وجودك.❤️
★★★★★★★★★
ـ ممكن اعرف مين الزفت اللي ركبتي معاه و معبرتنيش دا؟
هكذا تحدث مصطفى إلى هايدي التي اعتدلت في جلستها وهي تمسك الهاتف قائلة بحدة:
ـ لا يا بيبي ملكش الحق تسألني عن أي حاجة، و خصوصا بعد ما وقفت مع الزفتة دي قدامي..
مصطفى بانفعال:
ـ بطلي جنان دي حاجة و دي حاجه و بعدين البنت مدمرة بسبب اللي عمله أخوكي فيها..
هايدي بسخرية:
ـ يا حنين! و انت بقى الهيرو اللي أنقذها مني أنا أخويا الشرير ؟
مصطفى بحدة:
ـ بطلي أسلوبك دا، و تعالي الشقة عشان نتكلم.
ـ مش هاجي، و خليك فاكر اني مش هعديلك اللي عملته دا. يالا باي..
أغلقت الهاتف و هي تزفر بقوة لتهب من مكانها تنوي التوجه إلى الخارج ليوقفها رنين هاتفها، فعادت أدراجها لتتفاجيء حين وجدت رقم رؤوف لتجيب بمرح قائلة:
ـ ايه المفاجأة القمر دي؟
رؤوف بسخرية:
ـ هعمل ايه ما أنتِ دايمًا قلقاني عليكِ.
هايدي بتهكم:
ـ قلقاك عليا؟ دا ازاي بقى؟
ـ كل مرة أقابلك فيها الاقيكي بتعيطي و من امبارح برن عليكِ موبايلك مقفول. يبقى ليا حق أقلق ولا اي؟
هايدي بدلال:
ـ تصدق عندك حق. أخس عليا..
رؤوف باختصار:
ـ عايز أشوفك...
ـ ليه؟
ـ من غير ليه ؟
ميرهان بتخابث:
ـ معنديش حاجة اسمها كدا...
رؤوف بجمود:
ـ أنا عندي.. هستناكي بكرة في الكافية اللي كنا قاعدين فية اول مرة.. تصبحي على خير...
★★★★★★★★★
ـ وحشتني قد الدنيا كل دي غيبة؟
هكذا تحدثت زينة وهي تنظر إلى عز الذي صدمه حديثها مما جعله يقول بارتباك:
ـ معلش. السفرية دي كانت مهمة أوي. عشان. عشان الشغل يعني...
زينة بتلقائية:
ـ حمد لله على سلامتك.. طمني اتوفقت في السفرية دي ولا اي؟
عز بابتسامة:
ـ اه الحمد لله. ربنا يسهل بس و الدنيا تمشي زي مانا عايز.
زينة باستفهام:
ـ مالك يا عز؟ حاسة انك قلقان أوي..
لا يعرف لما أراد أن يفتح لها قلبه أو ربما هي تملك مفتاحًا خفيًا لكل الابواب المغلقة داخله:
ـ المشروع اللي أنا داخل عليه ضخم وانت لسه باديء مبقاليش كتير، و خايف اتزنق في السيولة، وخصوصا أني لسه مخدتش القرض بتاع البنك
.
زينة بلهفة مقصودة:
ـ طيب ما تطلب من نبيلة تساعدك. ماهي ليها ورث كبير مع أخواتها اعتقد انك لو خدت جزء منه مش هتحتاج قرض أصلًا..
عز بتهكم:
ـ نبيلة عمرها ما هتاخد جنية من ورثها من خالد.
زينة بتخابث:
ـ ولا حتى عشان تساعدك؟
ارتبك عز قليلًا وهو يقول:
ـ لا هي اكيد مش هتتأخر لو طلبت منها. بس يعني. فلوسها بتزيد معاهم..
زينة بأسف مصطنع:
ـ فهمت.. عمومًا لو حبيت أنا عندي هو مش كبير اوي. دا ورثي من سامح، و من بابا الله يرحمه. لو احتاجته تقدر تاخده لحد ما تعدي الفترة دي..
صُعِق من حديثها مما جعل عينيه تبرقان من شدة الذهول الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ بتقولي ايه يا زينة؟
ـ بقول خد الفلوس فك بيها زنقتك وابقى رجعهالي تاني. في ايه يا عز ؟ أنت مصدوم كدا ليه؟.
هكذا تحدثت زينة بتلقائية ضاعفت من دهشته ليجد نفسه يقول:
ـ أنتِ بتعرضي عليا تديني كل اللي بتملكيه في الدنيا ازاي؟
زينة ببساطة:
ـ عادي جدًا. هو مش الصحاب لبعضيها؟ يعني أشوفك محتاج وأقف اتفرج؟ حد قالك عليا اني صاحبة مش جدعة؟
التمعت عينيه بشيء خاص تجاه تلك الفتاة التي لا يعرف كيف تتسلل إلى داخله لتصبح قريبة منه إلى هذا الحد، فهاهي على استعداد أن تعطيه كل ما تملكه في هذه الحياة كي تساعده، بينما زوجته التي أعطاها كل شيء لم تفعل ذلك؟
ـ أنتِ مش بس جدعة! أنتِ جميلة أوي يا زينة...
رفرفت زينة برموشها وهي تقول بخجل:
ـ ميرسي يا عز...
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ ❤️
★★★★★★★★★
توقفت السيارة أمام باب المدرسة لتترجل منها أشجان التي كان صدرها يعلو و يهبط من فرط الانفعال، و التوتر لتحاول تنظيم أنفاسها، وهي تخطو إلى داخل الفناء الداخلي متوجهة إلى مكتب مديرة المدرسة التي رحبت بها كثيرًا لتقول أشجان بلُطف:
ـ ممكن متقوليش لرنا اني هنا؟ أنا كنت حابة اعملها مفاجأة، و تلاقيني قدامها ممكن ولا اي؟
المديرة بابتسامة هادئة:
ـ طبعًا. ممكن. اتفضلي والمشرفة هتوصلك عندها دلوقتي معاد البريك.
أشجان بلُطف:
ـ ميرسي أوي...
و بالفعل قادتها المشرفة إلى مكان تجمع الفتيات لتتفاجيء رنا حين وجدت أشجان تقترب منها وعلى وجهها ابتسامة جميلة لتقول سهيلة باستفهام:
ـ مالك متسمرة كدا ليه يا بنتي؟
لم تكد رنا تُجيبها ليأتيهم صوت أشجان الحاني:
ـ عاملة ايه يا رنا؟
التفتت سهيلة إلى أشجان التي قالت بلُطف:
ـ أنتِ سهيلة صح؟
كانت سهيلة تعرفها من الصور التي رأتها على هاتف رنا لتهتف بترحيب مبالغ فيه:
ـ و حضرتك طنط أشجان صح؟
أشجان بهدوء:
ـ صح..
سهيلة بتملق:
ـ أهلًا بيكِ. حضرتك أجمل من الصور بكتير. دا أنتِ اللي يشوفك يقول عليكِ قدنا..
أشجان بنبرة ودودة:
ـ ميرسي يا حبيبتي. تسلميلي..
التفتت تنظر إلى رنا لتمد يدها و تداعب خدها بلُطف تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ مش هتعرفيني على باقي أصحابك يا رنا ؟
كانت رنا تشعر بالحيرة والارتباك معًا ولكنها قامت بتعريفها إلى باقي الفتيات اللواتي تعاملن مع أشجان بلُطف ماعدا سهيلة التي كانت تبالغ في إطرائها على جمال أشجان و تتملقها بطريقة أغضبت رنا كثيرًا ولكن الأخيرة لم تُعلِق لتجد يد أشجان تحيط بكتفها وهي تقول بحنو:
ـ ما تيجي نقعد شوية مع بعض قبل ما البريك يخلص
أطاعتها رنا بصمت لتجلس معها حول أحد الطاولات، فبدأت أشجان بالحديث قائلة:
ـ عاملة ايه يا رنا؟
رنا بخفوت:
ـ الحمد لله. حضرتك عاملة ايه؟
أشجان بنبرة لم تخفي الحزن بها:
ـ هو طبعًا الحمد لله على كل حاجة.. بس أنا مش في أفضل حالاتي...
رنا بلهفة:
ـ ليه؟
أشجان بعتب:
ـ عشان زعلانه منك أوي. لما بنزعل من الناس اللي بنحبهم طبيعي مبنكونش في أفضل حالاتنا، و قبل ما تتكلمي أو تقولي كلمة ملهاش لازمة زي اللي قولتيها قبل كدا أنا فعلا بحبك.. حبيتك من أول مرة اتقابلنا فيها. وقتها مكنتش لسه اعرف باباكي أصلًا. خدتك في حضني و طبطبت عليكِ زي بنتي بالظبط. فاكرة يا رنا ؟
رنا بخفوت:
ـ فاكرة..
أشجان بحزن:
ـ معرفش ايه اللي خلاكي تفكري اني مابحبكيش. قوليلي يا رنا شوفتي مني ايه يخليكي تقولي كدا؟
احتارت رنا ماذا تخبرها ولكنها اكتفت بإجابة بسيطة:
ـ مفيش حاجة معينة.
رأت حيرتها في عينيها مما جعلها تقول بنبرة مُشجبة:
ـ على فكرة أنا سبت البيت بعد كلامنا على طول. سبته عشان اثبتلك أني مش بقوم باباكي عليكي ولا حاجة. بس ياترى بقى هو وافق انك تروحي الرحلة ؟
رنا بحزن:
ـ لا.
ـ أنا مجبتلوش سيرة على فكرة، و مشيت بعدها على طول. يعني ماليش يد في أنه يرفض.
شعرت رنا بالحزن و الارتباك و الحرج لتبدو لهجتها تائهة حين قالت:
ـ عارفة، و بصراحة مكنتش متخيلة انه هيرفض.
أشجان بجمود:
ـ بس أنا مكنش عندي شك أنه ممكن يوافق.. عارفة المشكلة فين؟ المشكلة عند اللي فهمك ان باباكي ممكن يوافق على حاجة زي كدا، و عشمك بحاجة زي دي..
فطنت رنا إلى مقصدها ولكنها كانت تشعر بالحزن ولا تجد أي إجابة على تساؤلاتها مما جعلها تقول بشيء من الانفعال:
ـ ليه ميوافقش طيب ما كل اصحابي اهاليهم موافقين!
أشجان بتوضيح:
ـ مفيش حاجة بتحلل الغلط حتى لو كل الناس عملوه. الغلط غلط في كل مكان وزمان مش عندنا في الحارة بس زي ما قولتيلي، وبعدين بصي حواليكي كدا يا رنا.. مش ملاحظة أن الحراسة زادت على القصر و عليكوا أنتوا كمان؟
رنا بانتباه:
ـ أيوا فعلّا أنا لاحظت دا..
ـ طيب دا يعرفك أنا أكيد في حاجة و بابا خايف عليكِ.
اومأت رنا برأسها لتُتابع أشجان بحنو:
ـ اسمعيني يا رنا أنا مش بعتبرك بنتي. أنتِ بنتي فعلًا، ولو مكنتش بحبك مكنتش جيت النهاردة عشان اتكلم معاكي، ولو انا وحشة أو بقوم باباكي عليكِ كان ممكن قولتله على كلامك ليا اللي اكيد مكنش هيقبل بيه. بس انا حبيت اللي بيني وبينك أنا وانتي نحله مع بعض.
كانت تعرف خطأها ولا تخجل من الاعتذار عنه، فهي بريئة تتقاذفها النوايا السيئة و الأيدي الملوثة بالكراهية لذا قالت بشفاة مذمومة وكأنها ستنخرط في البكاء:
ـ أنا بعتذر مكنتش أقصد ازعل حضرتك.
مدت أشجان يدها لترفع وجه رنا إليها وهي تقول بمزاح:
ـ طيب و زعلانه اوي كدا ليه؟
رنا بخفوت:
ـ ولا حاجة..
أشجان بابتسامة جميلة:
ـ طيب ايه رأيك بقى أن في سبب تاني خلاني اجي هنا النهاردة ..
رنا بفضول:
ـ سبب ايه؟
أشجان بنبرة ودودة:
ـ مش انتِ كان نفسك تقضي وقت حلو مع أصحابك و و تخرجي معاهم و تلبسي كمان براحتك؟
ـ أيوا
أشجان بحماس:
ـ خلاص يا ستي تاهت و لقيناها اخر الاسبوع هنعمل حفلة شوي عند سوزي و تقدري تعزمي أصحابك البنات و مش بس كدا دي آسيا وشروق و جميلة هيكونوا موجودين و هاخدك و نروح نختار احلى فستان لأحلى بنوته في الدنيا.
أضاءت عيني الفتاة بالسعادة لتهتف بلهفة:
ـ دا بجد ؟
أشجان بتأكيد:
ـ بجد طبعا و مش بس كدا دا احنا هنخلي آسيا تغيرلنا ديكورات المكان عشان تتصوروا زي ما انتوا عايزين. و اعملي حسابك هتقعدي معاها تختاري الديكور اللي تحبيه و المنيو كمان، و فكرت أننا ننزل نشتري هدايا عشان تقدميها للبنات، و تقدري تعتبريها تعويض عن السفرية اللي اتلغت لحد ما الدنيا تهدى و نبقى نسافر كلنا سوى..
كادت أن تطير من فرط السعادة لتهتف بحبور:
ـ أنا مش مصدقة اللي حضرتك بتقوليه. ميرسي اوي. أنا بجد فرحانه جدًا..
أسعدها كثيرًا رد فعل رنا مما جعلها تقول بصدق:
ـ وانا مش عايزة حاجة غير اني أشوفك فرحانه كدا..
رنا بخفوت:
ـ يعني مش زعلانه مني؟
أشجان بحنو:
ـ مفيش أم بتزعل من بنتها، بس عايزة اتفق معاك على اتفاق..
ـ اتفضلي..
مدت أشجان يدها تعانق كفوف رنا وهي تقول بنبرة ودودة:
ـ عايزة تفضل علاقتنا كدا على طول. أم وبنتها متسمحيش لحد أنه يتدخل بيننا و متسمحيش لحد أنه يكون وسيط بينك وبين باباكي. باباكي مابيحبش في الدنيا قدك، و مش هيعمل خاطر لحد في الدنيا غيرك. بلاش تدخلي حد بينكوا..
تأثرت رنا بحديثها كثيرًا مما جعلها تقول بهدوء:
ـ حاضر..
أشجان بحماس:
ـ اعملي حسابك بقى انك هتيجي تباتي معايا النهاردة. خلاص فاضل تلت أيام على معاد الحفلة و ورانا حاجات كتير نجهزها، و حاجات كتير نشتريها..
رنا بلهفة:
ـ اوك. بس قولي لبابي..
أشجان بنبرة جادة:
ـ قوليله أنتِ هو مش انا مش لسه بقولك متدخليش حد بينكوا؟
رنا بلهفة:
ـ ايوا صح. حاضر هقوله.
نهضت أشجان من مقعدها وهي تقول:
ـ يالا بقى عشان ترجعي لأصحابك، وانا هستناكي النهاردة...
أغرورقت عيني الفتاة بالعبرات جراء ذلك الحنان الذي غمرتها به أشجان لتقول بامتنان:
ـ ميرسي بجد..
ابتسمت أشجان بحب وهي تقول:
ـ تعالي في حضني...
عانقتها رنا لتشدد أشجان من عناقها، و تدحرجت عبراتها من بين مآقيها لتقول بتأثر:
ـ أنتِ بنتي يا رنا أنا والله بحبك أوي. فوق ما تتخيلي..
رفعت رنا رأسها لتنظر إلى أشجان قائلة بتأثر:
ـ وأنا كمان بحبك والله. بليز خليكِ جنبي أنا حاسة اني متلخبطة أوي، و في حاجات كتير مش فهماها...
شعرت أشجان بأنه هناك خطبٍ ما لتقول بحنو:
ـ أنا جنبك و النهاردة بالليل هنسهر سوى نتكلم و نحكي للصبح...
ابتسمت رنا لتتقدم منهم سهيلة بأعيُن يلتمع بهم شيء ما جعل أشجان تشعر بانقباضة في قلبها، و خاصةً حين استمعت لحديث سهيلة الساخر:
ـ ايه جو الغراميات دا؟ احضنوني معاكوا أنا كمان عندي نقص حنان...
ابتسمت أشجان بتحفظ قبل أن تتجاهل حديثها قائلة:
ـ متنسيش تقولي للبنات يا رنا على الحفلة، هنبقى نكمل كلامنا بالليل...
اومأت رنا برأسها، لتغادر أشجان و تقترب سهيلة من رنا قائلة بسخط:
ـ هي الحرباية دي عرفت تدحلبلك و توقعك في حبالها تاني ولا اي؟
صُدِمت رنا من حديثها الوقح عن أشجان مما جعلها تقول بشيء من الحدة:
ـ هو أنتِ ازاي تتكلمي عنها كدا؟
سهيلة باستنكار:
ـ ايه يا رنا مالك دي مرات أبوكي في ايه؟
رنا بغضب:
ـ في أن دا أسلوب وقح جدًا وانا مش هقبل بيه، وبعدين أنتِ ازاي كنتِ بتتكلمي معاها و كأنك بتحبيبها جدا و دلوقتي بتشتمي عليها ؟
سهيلة بحنق:
ـ يابنتي دي مجاملات، يعني هروح اشتمها في وشها؟
رنا بنبرة حادة:
ـ يبقى متشتميهاش في ضهرها. عشان دا أسلوب بذيء. عن اذنك..
التفتت رنا عائدة إلى الفتيات لتزفر سهيلة بحنق قبل أن تقول بإرسال رسالة نصية إلى أحد الأشخاص...
اللهم إن كان رزقنا في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسّره، وإن كان قليلاً فكثّره، وإن كان كثيراً فبارك لنا فيه ❤️
★★★★★★★★
كان يجلس خلف مقعده بملامح مُكفهرة، وعينين تماوجت بها المشاعر والتي كان على رأسها الألم، ليستمع إلى طرق على باب مكتبه، فأعطى الإذن بالدخول دون أن يرفع رأسه من الأوراق أمامه، فإذا به يستمع لصوت خطوات هادئة عرفها على الفور ليرفع رأسه ناظرًا إلى أشجان التي كانت تقدم خطوة و تؤخر الثانية لتشتبك عينيه البنية مع خاصتها الزمردية في حديث صامت مليء بالعتب قطعه صوتها الخافت حين قالت:
ـ ممكن أخد من وقتك دقايق؟
استفهامًا لا يحتمل الرفض بالنسبة إليه فبالرغم من كل هذا الألم بداخله، فهو حتماً لن يردها مكسورة الخاطر أبدًا:
ـ أكيد. اقعدي.
اطاعته بصمت، وقد حاولت جاهدة السيطرة على جموح عبراتها التي تهدد بالهطول مما جعل نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ خالد.
طافت عينيه فوق ملامحها بقلق ارتسم بوضوح في عينيه ولكنه حاول طمسه من لهجته حين قال:
ـ سامعك.
كانت شفتاها ترتجف و عينيها تفصحان بقوة عن ألمها الذي تناثر فوق خديها وهي تقول بنبرة جريحة:
ـ أنت لسه زعلان مني!
كان ألمها إضافة قوية إلى وجعه الكبير منها، لذا قام بمد محرمة ورقية لها لتمحو عبراتها التي تهبط كالصخور فوق قلبه فتناولتها منه بأيدٍ مرتجفة ليتضاعف الألم بداخله مما جعله ينصب عوده متوجهاً إلى المقعد المقابل لها وهو يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال:
ـ افتكر انك مش جاية تسأليني عن سؤال أنتِ عارفة إجابته كويس.
أومأت برأسها بالموافقة وهي تبكي بقهر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ صح. أنا مش جاية عشان كدا.
لم يكن باستطاعتها النظر في داخل عينيه التي كانت تعاتبانها بقسوة لتحاول التحلي بالشجاعة حين قامت بمحو عبراتها قبل أن ترفع رأسها إليه وهي تقول بنبرة هامسة:
ـ أنا حامل يا خالد.
يتبع....
يارب البارت يعجبكوا.. مقدرتش اكمله امبارح و نمت و على ما خلصت يومي النهاردة و طبعا انتوا عارفين البيت والأكل والضغوطات و أبوهم وقدرت اكتبه يارب يعجبكوا بحبكوا ❤️
دا جروبي نوروني عليه
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الرابع وتسعون 94 - بقلم نورهان العشري
متنسوش الواجب فوت قبل القراية و كومنت على الفقرات اللي حبتوها و متابعة ليا يارب اللي يعمل كل دا ينجح 😂♥️
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل التاسع والعشرون ❤️🔥
هل أخبرتكَ يومًا عن حالي قبل أن ألقاك؟
كانت جميع فصول عمري عبارةً عن خريفٍ تخلى عنه الشتاء، فلم يأتِ ربيعه أبدًا، وأبى الدفء أن يقترب مني خوفًا من أن تبدده رياحي الجافة.
قبل أن ألقاك لم أكن شخصًا يعرف كيف يبتسم أو كيف يحيا.. كانت الحياة من حولي شيئًا مألوفًا للجميع، غريبةً عني، وكأنني أعيش طوال عمري في مدينةٍ لا أفهم لغة شعبها؛ أبحث في وجوه سكانها عن ملامح تشبهني فلا أجد، فأمضي وحيدةً يائسة.
فكل الأشياء من حولي قبلك كانت باهتة، منزوعة البهجة، موحشةً كبيتٍ مهجور تسكنه أشباح الذكريات، ولم تعد تطأه الأقدام.
واليوم.. قابلتك، لتخلع الحياة عنها ثوب المرأة القبيحة، وترتدي البرزخ الذي رأيته بين يديك. أعترف بأنني لم أشعر بأن قلبي ينبض إلا حين التقيتك، ولكنك يا حبيبي مُخيفٌ بقدر ما أنت مُذهِل. رجلٌ يعرف كيف يخوض معاركه وينتصر بها دون أن يهتز له جفنٌ من الخوف، رجلٌ شُيِد من صلابة الجبال وشموخها. أرى في عينيك هيبة الفارس وقسوة المحارب الذي لم ينجُ من بطش سيفه عدوّ، تبتسم للعواصف وكأنهم أصدقاؤك القدامى، وتعبُر بقاربك الفولاذي بين الأمواج العاتية دون أن تنجرف تحت وطأة عنفوانها. بينما أنا.. برعمٌ رهيفٌ نبت على حافة الجحيم ليرى بك سبيله الوحيد للنجاة، ويتمنى لو ينمو آمنًا بين كفيك، ويُبصر النور في كنفك، ولكنه يرتجف رهبةً أمام كبريائك الطاغي، ويرتعب من أن تدهسه خطواتك الواثقة، أو أن ينال نصيبه من قسوتك التي لم تتعلم لغة الضعف يومًا.. فبالله عليك أخبرني: كيف لقلبٍ أرهقه الخريف لأعوامٍ أن يصمد في مواجهة إعصار حضورك؟"
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان يجلس خلف مقعده بملامح مُكفهرة، وعينين تماوجت بها المشاعر والتي كان على رأسها الألم، ليستمع إلى طرق على باب مكتبه، فأعطى الإذن بالدخول دون أن يرفع رأسه من الأوراق أمامه، فإذا به يستمع لصوت خطوات هادئة عرفها على الفور ليرفع رأسه ناظرًا إلى أشجان التي كانت تقدم خطوة و تؤخر الثانية لتشتبك عينيه البنية مع خاصتها الزمردية في حديث صامت مليء بالعتب قطعه صوتها الخافت حين قالت:
ـ ممكن أخد من وقتك دقايق؟
استفهامًا لا يحتمل الرفض بالنسبة إليه فبالرغم من كل هذا الألم بداخله، فهو حتماً لن يردها مكسورة الخاطر أبدًا:
ـ أكيد. اقعدي.
اطاعته بصمت، وقد حاولت جاهدة السيطرة على جموح عبراتها التي تهدد بالهطول مما جعل نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ خالد.
طافت عينيه فوق ملامحها بقلق ارتسم بوضوح في عينيه ولكنه حاول طمسه من لهجته حين قال:
ـ سامعك.
كانت شفتاها ترتجف و عينيها تفصحان بقوة عن ألمها الذي تناثر فوق خديها وهي تقول بنبرة جريحة:
ـ أنت لسه زعلان مني!
كان ألمها إضافة قوية إلى وجعه الكبير منها، لذا قام بمد محرمة ورقية لها لتمحو عبراتها التي تهبط كالصخور فوق قلبه فتناولتها منه بأيدٍ مرتجفة ليتضاعف الألم بداخله مما جعله ينصب عوده متوجهاً إلى المقعد المقابل لها وهو يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال:
ـ افتكر انك مش جاية تسأليني عن سؤال أنتِ عارفة إجابته كويس.
أومأت برأسها بالموافقة وهي تبكي بقهر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ صح. أنا مش جاية عشان كدا.
لم يكن باستطاعتها النظر في داخل عينيه التي كانت تعاتبانها بقسوة لتحاول التحلي بالشجاعة حين قامت بمحو عبراتها قبل أن ترفع رأسها إليه وهي تقول بنبرة هامسة:
ـ أنا حامل يا خالد.
جملة واحدة كفيلة بجعل تروس عقله تدور بلا هوادة، فقد كانت نظراته شاخصة بشكل مُريب، ملامحه جامدة، و كأن بارود الصدمة أفقدها قدرتها على التعبير، لتمر ثوان قبل أن يقول بنبرة مبحوحة:
ـ أيه؟
كانت دقات قلبها تقرع كالطبول وهي تراقب معالمه، وردة فعله على هذا الخبر الذي منذ أن عرفته هذا الصباح، وهي تشعر بأنها في فلكٍ مغاير لكوكب الأرض، كأنما خُلقت من جديد، ولكن هناك خوفٌ غامض ينهش سكينة روحها أهي مستعدة حقًا لتكون ملاذًا لهذا المخلوق الصغير وخاصةً في هذه الظروف؟ زلزلها الخبر وجعلها تقف على الحد الفاصل بين الذهول الكامل و الفرحة العارمة التي تكاد تفيض من عينيها. ولكن صدرها كان مرتعًا لجميع التناقضات الخوف من المجهول، و الرهبة لهذا الحدث، و الفرح الذي غسل مرارة الأيام في ثوانٍ معدودة.
تسمّرت نظراتها فوق ملامحه، ترصد أدق تحولات وجهه، تفتش في عينيه عن جواب، وتحبس أنفاسها ترقبًا لردة فعله. كانت اللحظات تمر دهرًا، وعيناها المتوسلتان تقرآن تقاطيعه كمن ينتظر صك الغفران أو تأشيرة العبور إلى جنة عشقه التي حُرِمت منها
ـ بقولك أنا حامل يا خالد...
أعادت جملتها لتؤكد أن ما سمعه حقيقي، فتوقفت عيناه على معدتها المُسطحة حيث تتوارى ثمرة عشقه الكبير بين أحشائها. لطالما كان يتمنى حدوث هذا الأمر وبشدة، ولكن معها هي فاق التمني كل الحدود.
بالرغم من أن خبر الحمل يبدو في ظاهره اعتيادياً، حدث تمر به البشرية كل ثانية لكن الأمر بين يديها تحوّل إلى معجزة وفرحة طاغية لا تسعها اللغات ولا ترويها السطور.
هو الرجل الصلب، المهيب، الذي لم تكن تهتز له شعرة في أعتى الأزمات، والذي كان يظن أن قلبه قد صُب من حديد، وجد نفسه يقف مذهولاً، تتداعى حصونه المنيعة حصناً تلو الآخر أمام همسها. لقد أنجب من قبل، أو ربما تمنى الإنجاب كأي رجل، لكن أن يكون طفله القادم ممتزجاً بدمائها هي، أن يحمل ملامحها ويعيش في كنف رحمها، فهذا كرمٌ إلهي لم يستوعب عقله كيف هبط عليه دفعة واحدة. شعر بوهنٍ عذب يجتاح ركبتيه، واختنقت حنجرته بغصة فرح غير مسبوقة بالنسبة إليه، لم يذق مثلها طوال سنوات عمره الجافة
ـ أشجان. احنا بقالنا يعني. أنتِ فاهمة قصدي...
هكذا تحدث بأنفاس محرورة و عينين تحيط بها بنظرة شمولية و كأنها تطمئن على كل أنش بها، لتُجيبه هي بنبرة متلهفة:
ـ فاهمة. أنا أصلًا مخدتش من الحبوب دي. جبتها لكن مقدرتش أخدهها. مش هكلمك في دوافعي لأن الخوف مش هيفهمه غير اللي جربه يا خالد. لكن أنا فعلًا مقدرتش اعمل دا لا فيك ولا فيا...
في هذه اللحظة كان يود إخبارها بأنه أكثرمن تذوق طعم الخوف، ولكنه التعبير عنه كان رفاهية حُرِم منها منذ أن كان طفلًا، فقد فُرُض عليه أن يُصبِح الجبل الذي لا ينحني و السيف الذي لا تُرد ضربته، و القائد الذي لا يعرف سوى الانتصار بجميع معاركه. استعاد أنفاسه الهاربة و عينيه لازالت ترتوي من ملامحها، فقد اشتاقها بشكل عجزت الحروف عن وصفه لكنه كما اعتادته جامدًا حتى الحروف بين شفتيه لم تلين حين قال:
ـ قولتي لرنا؟
كانت تعلم بأن الحارس سيخبره، ولكن ليس بهذه السرعة، فاكتشفت بالأجابة المختصرة حين قالت:
ـ لا.
لم يعتد منها الإختصار بالحديث أو أنه الشوق الذي يعج به صدره هو ما يجعله لا يكتفي بمجرد كلمات عابرة ليحثها على الحديث قائلًا:
ـ ليه؟
أشجان بنبرة خافتة:
ـ واحدة واحدة. الأول اوصل بعلاقتي بيها لبر الأمان، و بعدين هقولها أكيد..
ابتهج قلبه لحديثها، فهي لم تتخلى عنه و عن ابنته، فقد كان هذا الأمر مؤلمًا بشكل كبير بالنسبة له، و لازال الألم الناجم عن رحيلها ينخر بعظامه، فلم تسعه الفرحة حين علِم من الحارس أنها ذهبت إليها، و قد شعرت هي بذلك مما جعلها تقول بنبرة هادئة:
ـ مش معنى ان في أي مشكلة بيننا. أني هتخلى عن بنتي. أو عن مسئولياتي تجاهها. لازم تفهم دا كويس...
كان يرى بعينيه ارتباكها، و خجلها الفطري الذي لا يتخلى عنها، و لا ينفك يؤثر به كثيرًا، فبالرغم من كل شيء هو يعشق كل ما يُحيط بها حتى ذلك الخوف الذي يسكن عينيها و الارتباك الذي يغزو جسدها أمامه يشعلان بداخله شغفًا لم يخلق لسواها.
ـ رنا بتحبك، و أنا واثق انك هتقدري تحتوي الموقف اللي بينكوا..
كانت الأمور تبدو هادئة من الخارج؛ هو لا يزال يستوعب ذلك الخبر الذي يدوي في أذنيه كالطنين، وهي لازالت معلقة على حافة الانتظار، تراقب ردة فعله بعينين متوسلتين ولكن داخليًا.. كان هناك شيء صاخب يحترق بصدر كليهما، بركان من الصمت المشحون لا يطفئه سوى ثورة عناق غاشم يلتهم تلك المسافة الضئيلة بينهما ليمتزج فيه زفيره بلهفتها.
ـ متشيلش هم الموضوع دا. عمومًا أنا مكنش ينفع اني اعرف خبر زي دا و مجيش أقولك، مش هعطلك اكتر من كدا.. عن اذنك...
هكذا تحدثت، وهي تنوي المغادرة حتى تستطيع البكاء قدر ما تشاء بعيدًا عن عينيه، فلم تكن تحتمل أن تقف أمامه أكثر و لا ترتمي بين ذراعيه، فقد اشتاقت لذلك الأمان الذي يغمرها بين يديه، و لتلك الراحة التي تسكنها حين تتوسد صدره، والأدهى من ذلك أنها تمتلك خجل لعين يمنعها من الاقتراب لذا هبت من مكانها لتلتفت مغادرة، ولكن هل يفعلها؟ هل يجرؤ قلبه على تركها في هذه اللحظة؟ ما أن استدارت حتى أوقفته قبضته القوية التي جذبتها بلمح البصر لتستقر في المكان التي اشتهت أن تسكنه منذ ثوان.
ـ رايحة فين بس؟
هكذا تحدث بنبرة خشنة أذابت أوصالها وهو يعانقها بكل ما يحمل قلبه من شوقٍ ضاري لها وحدها، و اشتدت يديه حولها بكل ما أوتي من عشقٍ فاض به الفؤاد و طغى، فهذه المرأة بقدر هشاشتها ورقتها إلا أنها تملك سلطة على قلبه لم يملكها مخلوقٍ قبلها.
احتوته بين يديها بقوة و كأنه أمٌ عاد طفلها بعد طول غياب، فصارت تقربه منها وهي تقرن شوقها بالعبرات التي لامست جلد رقبته ليُشدد من إحتوائها أكثر مما جعلها تهمس بخفوت:
ـ خالد...
همسها لم يكُن سوى وقودٍ صُبّ على نيرانٍ حارقة تنهش خلاياه من الداخل ليبتعد قليلًا وعيناه تأخذان نصيبهما من الارتواء من ملامحها الجميلة، وكأنه يعيد اكتشاف تفاصيل وجهها التي حفظها عن ظهر قلب. ارتفعت كفوفه القوية التي دكت حصوناً من قبل، لتدب فيها رجفة عشقٍ نادرة وهي تحتوي وجهها بين راحتيه كمن يقبض على أثمن لآلئ الوجود، ليجذبها بلهفةٍ عاتية، ويسطو بقوة على ضفتي التوت خاصتها في قبلةٍ لم تكن مجرد لقاء بل كانت إعلاناً عن استسلامه الكامل لسطوة فتنتها.
فأخذ يعمق اقترابهم بنهم ظامئٍ وجد عين ماءٍ في صحراء قاحلة، وبجنون عاشقٍ تملكه الخوف من أن تكون معجزته مجرد سراب لا أكثر ليذوب في تفاصيلها معبراً بشفتيه عن ذاك العشق الذي تغلغل في عروقه حتى النخاع، وعن ذاك الشوق الذي كاد يفتك بصلابته. في تلك اللحظة لم يكن الرجل القوي المخيف سوى أسيرٍ مكبل بأغلال سحرها لا يبغي سوى الفناء بين ذراعيها وهو يبثها عبر ثنايا اللقاء كل ذرة من وجده، وولهِه، وضياعه في فلكها.
دقيقة اثنان ثلاثة مرت وهو غارق بين تفاصيلها و قربها المُثير يُسكِر عقله حتى غيبه تمامًا عن الواقع، ولكن وهنها بين يديه كان كناقوس الخطر الذي جعله يفصل اقترابهم رغمًا عن إرادته ليتراجع عنها بينما عينيه لازالت معلقة بملامحها التي غمرها الخجل، فضاعف من فتنتها و هلاكه في آنٍ واحد، مما جعل نبرته تخرج متهدجة و كأن حروفه مغزولة بوهج العشق حين قال:
ـ مبروك...
رفرفت برموشها وهي تحاول استرداد أنفاسها التي سرقها منها وقد كانت دقات قلبها تتخبط بعُنف و كأنها تعبر عن فرحتها و تأثرها بما حدث منذ ثوان، لترفع رأسها أخيرًا ناظره إليه قبل أن تقول بخفوت:
ـ فرحان ؟
في هذه اللحظة كان يود أن يحملها ويدور بها من فرط سعادته، ولكن القدر لم يمهله الفرصة للتعبير عن عظم فرحته، فسمع طرقٍ على باب الغرفة جعله يرفع رأسه وهو يستعيد ثباته و هيبته التي تبعثرت أمام عشقها ليقول بنبرة جافة:
ـ ادخل..
انفتح الباب و كأنه كان يطل على جهنم التي أخرجت شيطاينها في وجههم هكذا كان حال أشجان ما أن وقعت عينيها على نبيلة التي هتفت باندهاش:
ـ أيه دا؟ أشجان! مش معقول. أنتِ هنا؟
ارتجف جسدها الذي لا يزال أسفل حصاره، و قد شعر بذلك ليتحمحم بخشونة قبل أن يقول بجفاء:
ـ خير في ايه؟
نبيلة بنعومة:
ـ أبدًا كنت جاية اشوفك. بلاش...
خالد بجمود:
ـ لا مفيش سبب مهم يبقى بلاش. ما احنا في البيت مع بعض..
نبيلة بمرح زائف:
ـ تقصد تقول أن المدام بس هي اللي ليها الصلاحية أنها تجيلك في أي وقت أي حد تاني لا...
ربت بخفة على كتف أشجان التي كانت في وادٍ آخر وهي ترى الإنسانة التي تهدد أمن حياتها، و بداخلها الف صرخة تتنازع حتى تمنعه من اخبارها عن أمر حملها لتسمعه يقول بخشونة:
ـ المدام ليها كل الصلاحيات. دا شيء مفروغ منه. تعالي اقعدي...
جذبها المنومة مغناطيسيًا ليحتل الأريكة الجلدية، و هي بجانبه و عينيها تناظره و بها ألف حديث و حديث، ليقطع تواصلهم البصري صوت نبيلة الذي يمتليء بالخُبث:
ـ يا بخت المدام بيك يا خالد. مبقاش في رجالة زيك كدا النهاردة. مفروض تحطك في عينيها...
ـ كنتِ جاية عايزة أيه؟
هكذا تحدث خالد قاطعاً كل الطرق عليها لأفساد أجوائهم الجميلة لتتجاهل جفاءه و تقول بنبرة ناعمة:
ـ كنت عايزة اتكلم معاك في موضوع كمال. يرضيك الموقف الغريب اللي واخده مننا؟ و كل دا عشان حوارات تافهه...
تزاحمت الأنفاس بداخل صدر أشجان حين سمعت جملتها الأخيرة و التي تعلم علم اليقين أنها تقصد بها شقيقتها لتسمع صوت خالد الساخر حين قال:
ـ لا هو الغريب فعلًا انك شايفة أن أسبابه تافهة..
نبيلة بنبرة خبيثة:
ـ مهما كانت الأسباب. مفيش بعد الأخوات يا خالد. كل حاجة تتعوض و كل العلاقات ممكن يكونلها بديل إلا علاقة الأخوات ببعضهم...
رمقتها أشجان بنبرة ساخرة تعج بالإحتقار، وقد كانت تطحن ضروسها بغل أمام وقاحة تلك المرأة التي لا تخجل من الكذب ولا الخداع أبدًا
ـ صح. عندك حق. مفيش حاجة تعوض علاقة الإخوات ببعضهم. بس كنت اتمنى الكلام دا يتقال لميرهان مثلًا، يمكن وقتها مكنتش هتعمل اللي عملته، وبالتالي مكنش كمال هيضطر ياخد الموقف دا منكوا...
دائمًا ما يستخدم الاعيبها ضدها باحترافية، و ينجح في حشرها في زاوية الإدانة ولكنها حاولت الفرار من تلك المنطقة مين قالت:
ـ ميرهان متربي أحسن تربية، واللي حصل دا طيش شباب، و غيرة بنات الموقف كله مكنش مقصود و خلاص سوء تفاهم و راح لحاله، و بعدين يعني ماهو سامح مراته و رجعها لعصمته بالرغم من عملتها دي. مش قادر يسامح ميرهان على خطأ بسيط زي دا!
اربكتها وقاحة تلك المرأة للحد الذي جعلها لا تستطيع منع نفسها من الحديث قائلة بنبرة يشوبها بعض الحدة:
ـ معلش بقى هو أنا ليه حسيت انك بتتكلمي و كأن آسيا عملت جريمة!
نبيلة بنبرة ناعمة كجلد الأفعى:
ـ وهي الواحدة لما تروح لواحد كانت بتحبه قبل ما تتجوز دي مش جريمة!
ـ نبيلة...
هكذا تحدث خالد بقوة اجفلت المرأتين، ولكن أشجان التي كانت تغلي من شدة الغضب هبت من مكانها بانفعال تجلى في نبرتها حين قال:
ـ عندك لو سمحتِ. الكلام اللي بتقوليه دا مش مظبوط، ولا مسموح لك تتكلمي عن اختي و كأنها واحدة مش كويسة. اللي بتتكلمي عنه ده يبقى ابن عمها، و راحت مكتبه اللي بالمناسبة أختك عملت المستحيل عشان تشاركه فيه.
ـ أشجان...
كان هذا صوت خالد القارس الذي ألجم اندفاع الكلمات من بين شفتيها، فلم يفوتها ومضة السخرية التي مرت في عيني نبيلة التي قالت بنبرة زائفة العتب:
ـ ينفع كلامك دا عن أخت جوزك و خصوصًا قدامه. هو الكلام دا يصح يا خالد؟
قالت جملتها الأخيرة والتقت عيناها بعيني خالد. الذي كان الغضب المريع يتركز في نظراته كشررٍ متطاير، بينما اتخذت ملامحه جموداً صخرياً مرعباً. لم يتحرك فيه إنشٌ واحد، بل حافظ على ثباته بقوة لا يمكن ترويضها فبدا كمن يقبض بيدين عاريتين على وحشٍ ثائر بداخل صدره ليمنعه من الفتك بها ولكن نبرته فعلت حين قال وهو يمد يده ليجذب يد أشجان حتى تعود إلى مكانها بجانبه مرة آخرى:
ـ لو هنتكلم عن اللي يصح واللي ميصحش، فخلينا نبدأ بالكبيرة العاقلة اللي عكت في الكلام من الأول...
تتمنى لو أنها تنتصر عليه ولو مرة واحدة في حياتها، فبكل مرة تقف في مواجهته ينجح في الزج بها في خانة الحمقاء مما جعل غضبًا حقيقيًا يرتسم فوق ملامحها، و لكنه لم يُمهلها الفرصة للتعبير عنه ليقول بنبرة جافة:
ـ نرجع لموضوعنا. كمال مش الشخصية اللي سهل تسامح و أنتِ عارفة كدا كويس. عايزة تحاولي معاه أنتِ حرة. لكن لو مستنية مني أتدخل تبقي غلطانه...
نبيلة بنبرة مُحتقنة بالغضب:
ـ يعني لما يبقى الكبير بتاعنا مش عايز يصلح ما بين أخواته مفروض ألجأ لمين؟
خالد بنفاذ صبر:
ـ أي شخص شيفاه هيقدر يساعدك في مشكلتك تقدري تلجأيله أنا معنديش مشكلة..
كظمت غيظها بصعوبة خاصةً وهي ترى ملامح أشجان التي استكانت، بعد أن منحها نصرًا مزخرفًا بالقوة و العزة ضدها مما جعلها تقول بنبرة خبيثة:
ـ لو كان عليه هو براحته. أنا بس مش قادرة أتخيل أنه يخلف ولحد دلوقتي مشوفناش ابنه..
هوى قلب أشجان بين ضلوعها حين سمعت حديثها عن الطفل، تلك القاتلة حتمًا لن ترأف بطفلٍ صغير مثله، و لن تتوانى عن التخلص منه، فوجوده سيعرقل مصالحها الدنيئة، وقد جعل هذا الهاجس جسدها يرتعب، ليشعر هو بأنها ليست على ما يُرام، مما جعله يقول باختصار:
ـ هشوف الموضوع دا...
نصبت نبيلة عودها وهي تقول بنبرة ناعمة:
ـ ربنا يخليك لينا يا خالد. أنا عارفة أننا مش هنهون عليك. لانا ولا ميرهان. احنا ملناش غيرك وأنت عارف كدا...
هدأت ثورة نبرته حين أجابها قائلًا:
ـ خير ان شاء الله...
اقتربت تحتضن أشجان وهي تقول بتخابث:
ـ هتوحشيني يا أشجان والله. ياريت تريحي أعصابك بسرعة و ترجعي. البيت من غيرك مالوش طعم...
شعرت بأن جسدها يقشعر أسفل وطأة ذلك العناق الذي تبغضه كثيرًا، فلما لا وهي تعرف أنها تحتضن الشيطان بذاته، و كم كان وجودها ثقيلًا على صدرها حتى أن رائحة عطرها افتعلت ثورة عارمة في معدتها لتحاول التحكم في نفسها حتى لا تُثير شكوكها نحو أمر حملها، فما أن اقتربت خطوات نبيلة من الوصول إلى باب الغرفة اندفعت أشجان إلى باب المرحاض لتُفرغ ما بجوفها، و لحقها خالد الذي انتابه القلق حين رآها تهرول بهذه الطريقة ليجدها تفرغ ما في جوفها، فاقترب يحتضن خصرها من الخلف ويداه تربت بلطف فوق ظهرها إلى أن انتهت ثورة جسدها لترفع رأسها إلى الاعلى، ليقوم بملء كفه بالمياة و غسل وجهها بحنو ثم جذب المنشفة و قام بتجفيف وجهها بيد و بالآخرى شدد من احتواء خصرها، وهو يقول بنبرة حانية:
ـ حاسة بأيه دلوقتي؟
أشجان بنبرة متعبة:
ـ الحمد لله...
خالد بقلق:
ـ احنا لازم نروح للدكتور عشان اطمن عليكِ...
أشجان بنبرة خافتة:
ـ دي أعراض طبيعية في الشهور الاولى من الحمل..
أخفض بصره إلى بطنها المسطحة و قام بفرد كفه الخشن ليضعه فوقها وهو يتخيل أن قطعه منه تنمو بداخلها. تلك الأمنية التي تعلق قلبه بها ذات يوم لتنتهي بفجيعة كبيرة هاهي تتحقق الآن على يديها. اشتبكت عينيه مع خاصتها في حديث صامت باحت فيه العيون بأسرار لم يستطيع اللسان نطقها أو الإفصاح عنها، و فجأة اخترق صمتهم صوت طرق على باب الغرفة، أجفل الاثنين ليقول خالد بنبرة خشنة:
ـ اعملي حسابك هخلص شغل و هاجي اخدك للدكتور...
اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ❤️
★★★★★★★★★★
ـ يعني ايه يا يزيد؟ يعني هتروحوا تعيشوا في القصر و تسيبوني؟
هكذا تحدثت هيام بصدمة ليتحدث يزيد ساخرًا:
ـ اخلعي الحاج عبد الغفور البرعي وتعالي معانا..
ـ بطل هزار يا يزيد. دانا ما صدقت اتصالحنا أنا وياسر وقولت خلاص هترجعوا تعيشوا في حضني تاني...
هكذا تحدثت هيام بخيبة أمل ليضع يزيد كوب الشاي من يده وهو يقول بتعقل:
ـ اسمعيني يا هيام كويس اوي. عشان الكلام اللي هقوله دا انا مش هتحمل حد يقولهولك غيري..
تنبهت هيام لحديثه وهي تقول بنبرة قلقة:
ـ كلام يا يزيد؟ قول أنا سمعاك..
يزيد بجدية:
ـ أنا عارف أنتِ بتحبينا قد أيه، و تعبتي و شقيقتي عشان قد أيه ومحدش فينا يقدر ينكر دا. بس احنا مينفعش نعيش معاكِ تاني. حتى لو اتصالحتي مع ياسر.
ـ ليه كدا؟
قرر يزيد أن يتحدث بكل صراحة عله يرشدها إلى الطريق الصحيح:
ـ غيرتك على ياسر من غنى واضحة أوي يا هيام. أنا كنت بقول الأول دي مشاعر طبيعية، و هتقدري تتعاملي معاها. لكن للأسف الموضوع اتطور و كنتِ سبب مشكلة كبيرة بينهم.
سقطت الكلمات فوق رأسها كالمطارق، فقد تحدث يزيد معها بصراحة لم تتوقعها. مما جعلها تحاول نفض هذه الإهانة عنها قائلة بانفعال:
ـ كلام ايه دا يا يزيد؟ غيرة ايه وكلام فاضي ايه؟ أنا هغير من العيلة دي؟ أنت باين عليك خيبت يا دكتور، وبعدين مشكلة ايه اللي كنت سبب فيها؟ دي واحدة عايزة تفوق، و تتعلم الصح من الغلط. اخوك مضروب بالنار ودي عماله تبستف و تقطم فيه ؟
يزيد بنبرة حاسمة:
ـ هو حر هو و مراته.
هيام بانفعال:
ـ يعني أيه حر؟ مش في أصول! و بعدين هو أنا لما أوجهه ولا أوجهها للصح ابقى بعمل مشكلة بينهم!
يزيد بنفاذ صبر:
ـ تدخلك أصلًا مالوش أساس. هو و هي مش صغيرين الكلمتين بتوعك هما اللي شعللوا الدنيا يا هيام..
صاحت هيام بانفعال:
ـ ايوا ايوا. قول كدا بقى. بتتلككولي عشان تطلعوني غلطانه، عشان تبرروا لنفسكوا أن هيام مبقتش ليها عازة بالنسبالكوا..
يزيد بغضب ساخر:
ـ اقعدي يا هيام يا حبيبتي جو قلب الترابيزة دا لعبتي و صايع على صايع يعلموا قفلة..
هيام بغضب، فهي أن كانت تستطيع التأثير على ياسر، فشقيقها الأصغر أكثر من يفهمها لذا صاحت بحدة:
ـ أنت اللي لازم تعملك قفلة، و اياك تقول الكلام دا قدام ياسر. فاهم ولا لا؟
يزيد بتهكم:
ـ الحقيقة أنا مش محتاج اقوله. لأن هو عارفه....
ـ هو ايه بالظبط اللي هو عارفه يا يزيد؟
هكذا تحدثت هيام ليُجيبها يزيد بصراحة:
ـ ياسر زعلان منك عشان عرف اللي عملتيه مع غنى لما اتحبس..
هيام بصدمة:
ـ بتقول ايه؟
ـ اللي سمعتيه يا هيام...
تحدث يزيد بعتب لتشعر هيام بصدرها يضيق من حديث شقيقها و من ثم اندفعت كالبركان وهي تصيح:
ـ طبعًا الهانم قالتله عشان توقع بيني وبينه.. هو فين ؟ أنا عايزة اشوفه...
ـ ياسر أنت جايبني هنا ليه؟
هكذا تحدثت غنى وهي تنظر إلى ياسر الذي صف السيارة أمام أحد الشواطيء المُطلة على النهر ليلتفت إليها وهو يقول بغموض:
ـ تعالي معايا وأنتِ هتعرفي كل حاجة...
اطاعته و توجهت معه يدًا بيد إلى أحد الأرصفة لتجد نفسها أمام أحد اليخوت الضخمة الفارهة الثراء لتبرق عينيها من شدة الأعجاب، وفجأة وجدت نفسها محمولة من خصرها بيد ياسر لتصرخ بفزع:
ـ ياسر بتعمل ايه؟ خلي بالك عشان جرحك مينزفش..
ياسر بنبرة عابثة:
ـ لا مانا جاي هنا النهاردة عشان نطيب الجروح كلها..
غمرها الخجل من كلماته لتخفض رأسها وهي تتوجه بجانبه إلى داخل اليخت الكبير وإذا بها تتفاجيء بصورها التي تملأ المكان و كل تلك الورود الحمراء و البالونات التي كانت تزين المكان بطريقة خاطفة للأنفاس لتشهق بصدمة من هول المفاجأة، ليقترب ياسر مُعانقًا خصرها من الخلف وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ كل سنة و الغُريبة بتاعتي مالية عليا حياتي..
" كفاية عليكوا كدا مش هيبقى مشهدين رومانسيين في بارت واحد😒 خبطتين في الراس توجع 😌"
اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي». ❤️
★★★★★★★★★★
كانت تجلس حول مكتبها تنظر إلى الأوراق أمامها بتمعن قطعه صوت طرق على باب الغرفة، فأمرت الطارق بالدخول دون أن ترفع رأسها ليُفتح الباب، وما هي إلا ثوان حتى غزت أنفها رائحة تعرفها جيدًا رائحة تجعل كل ما بها يتحفز، و تثير زوبعة من الفوضى داخل دقات قلبها الذي أخبرها عن هوية الطارق.
رفعت رأسها ببطء لتجد أن حدسها كان صحيحًا، فهاهو يقف أمامها يطالعها بعينيه التي كانت تغازلها بصمتٍ. بدا وكأنه يختزل الضوء كله في الغرفة لصالحه بوسامته التي لم تكن مجرد ملامح متناسقة، بل كانت حالة من الهيمنة غير المرئية التي تفرض نفسها على المكان وعلى أنفاسها.
تجمدت الدماء في عروقها لثوانٍ وهي تطالعه، وشعرت برغبة عارمة في الركود والهرب في آن واحد. خاصةً حين تجسدت أمامها كل الذكريات والمشاعر دفعة واحدة، فاحتمت بقناع من البرود المصطنع. راسمة على وجهها هدوءًا مصطنعًا و قد ارتدت قناع المرأة العملية لتواري خلفه خفقات قلبها المتسارعة التي صمت آذانها، متمسكةً بآخر خيوط الكبرياء حتى لا يلمح بريق عينيها المهزوم أمام وطأه حضوره
ـ دكتور عمر...
ابتسامة جميلة ارتسمت على ثغره قبل أن يقول بتلك النبرة الجذابة التي تأثر حواسها:
ـ حضرة المدير التنفيذي لمجموعة الجيار تسمحيلي أخد من وقتك شوية؟
حاولت قمع ابتسامتها على طريقته الظريفة. قبل أن تقول بنبرة عملية:
ـ اتفضل اقعد...
ـ أشكرك..
هكذا تحدث وهو يجلس في المقعد المقابل لها، وعيناه الجريئتان لا تنفكان عن محاصرتها بنظرات تفيض بعبثٍ خفيّ وتحدي صامت، وكأنها تقرأ تفاصيلها وتخترق حصونها بسهولة، في تناقض صارخ مع نبرة صوته التي جاءت جامدة، رسمية، وخالية من أي تعبير. هذا الانفصام بين ما تقوله عيناه وما ينطق به لسانه ألقى بها في موجة عاتية من الارتباك؛ فكيف لها أن تجاري جموده المصطنع وعيناه تشنان على هدوئها حرباً شرسة؟
ـ خير في حاجة؟
عمر بنبرة جذابة مُغازلة:
ـ قبل ما أقولك جاي ليه. عايز اقولك أن شخصية سيدة الأعمال دي لايقة عليكِ أوي..
كان كلماته تبدو كمجاملة رقيقة، ولكن ليست وهي مقرونة بتلك النظرات العابثة التي تخترق جميع دفاعاتها التي حاولت إبقاءها في مهامها بصعوبة لتقول بنبرة هادئة:
ـ ميرسي عالمجاملة اللطيفة دي...
عمر بتهكم:
ـ أنتِ اكتر واحدة عارفة اني مبعرفش أجامل..
شروق بسخرية:
ـ اه طبعًا... خلينا ندخل في الموضوع على طول..
جمدت ملامحه و اجتاجت الجدية نبرته حين قال:
ـ ندخل في الموضوع. جدتك. الفترة دي حاسس ان صحتها مش أحسن حاجة، و من بعد ما مشيتوا من القصر وهي عايشة في الملحق أكيد أنتِ عرفتي دا. هي زعلانه مني و منك، و من كل حاجة حواليها، و دا بينعكس على صحتها بشكل سلبي..
شعرت بالحزن لأجل جدتها التي وإن لم تتفق معها و مع أساليبها، فهي لازالت تحبها و تتذكر تلك المرات التي لجأت لها أثناء حياتها في ذلك القصر
ـ طيب ايه الحل في رأيك؟
عمر مُقترحًا:
ـ أنا شايف انك لازم تقربي منها. على الأقل أديها فرصة تحس أنها صلحت غلطها في حق عمتي الله يرحمها، حتى لو أنتِ مش مسمحاها. أو في قلبك حاجة من ناحيتها. بس دي ست كبيرة، و أنتِ حنينة و قلبك طيب...
قال جملته الأخيرة بلكنة مختلفة، و نظرات داكنة أثارت حفيظتها، ولكن مثلما كان بارعًا في الغزل و سلب الأنفاس كانت هي بارعة في التجاهل و صد هجماته المباغتة
ـ عندك حق..أنا لازم أقابلها واتكلم معاها، و مش انا بس. أنا كمان هقول لجميلة تتصل عليها..
ـ مينفعش اتصال. لازم تشوفكوا..
هكذا تحدث عمر لتجيبه شروق بجمود:
ـ تمام أنا هكلمها و هتفق على معاد عشان نتقابل أنا وهي فيه.
عمر بتخابث:
ـ حلو اوي دا. بس للأسف تيتا مينفعش تخرج لوحدها..
شروق بتوضيح:
ـ مانا هكون معاها...
عمر بأسف زائف:
ـ أيوا مانا فاهم. بس زي ما أنتِ عارفة أنها حالتها الصحية مش ولابد، ولازم الدكتور المعالج ليها يكون معاها.
فطنت إلى مقصده و لذلك هتفت حانقة:
ـ طيب ممكن تسيبلي رقمه وانا هتواصل معاه..
عمر بعبث:
ـ وانا عشان عارف ان قلبك طيب وهتوافقي جبته لحد عندك يقولك شُبيك لُبيك عمر الوتيدي بين ايديكِ.
كان يتقن اللعب فوق ثباتها الذي تحاول جاهدة الحفاظ عليه مما جعلها تدير رأسها إلى الجهة الأخرى لتتفاجئ به حين وجدته يتوجه إلى حيث تجلس و يقوم بإدارة المقعد لتصبح في مواجهة مباشرة معه، فاقتربت واضعًا كلتا يديه على الجانبين ليكتمل حصاره الذي أربك سائر كيانها كما فعلت كلماته حين قال بصوتٍ أجش:
ـ مش هتخلصي مني يا شروق. طول مانا شايف النظرة دي في عنيكي هفضل وراكي العمر كله.
بللت حلقها الجاف وحاولت تهدئة ضربات قلبها قبل أن تقول بنبرة لاهثة:
ـ نظرة ايه؟ انت بتوهم نفسك..
لازالت عيناه تأسرانها بطريقة مُخيفة، وهي تتسلط عليها كشعاع الشمس الذي يُسلط على غرفة مظلمة فيكشف جميع خباياها، و ايضًا كانت نظرته الحادة تجردها قسرًا من ثباتها وتذيب مقاومتها، مُعريةً مشاعرها بطريقة مرعبة جعلتها تشعر بالضآلة أمام سطوته، و كأن كل نبضة بداخلها تهرب منها إليه، وكل رجفة حاولت كتمانها، باتت الآن واضحة أمام عينيه العابثة، ونبرته التي تشبهها حين قال:
ـ أنا اكتر حد حافظك في الدنيا دي كلها. متنسيش أننا كنا في يوم من الأيام متجوزين، أنا الشخص الوحيد اللي في الدنيا دي اللي عريتي روحك قدامه.
قست نبرتها و احتلها الألم حين قالت:
ـ و ندمت.
عمر بنبرة صادقة تجيش بها المشاعر:
ـ وانا هنا عشان أمحي كل ذرة ندم جواكي، و ارجع كل حاجة حلوة كانت بيننا..
لن تسقط في فخ عينيه مرة ثانية مما جعلها تقول بجفاء
ـ عمر اذا سمحت..
تجاهل حديثها وتراجع إلى الخلف ليستند على حافة المكتب، وهو يقول مقترحًا:
ـ هنعمل لتيتا مفاجأة، و هاقولها أننا رايحين نعمل شوية تحاليل، و بعدين هجيبها و نيجي نتعشى كلنا سوى. أنا واثق أن الحركة دي هتفرحها أوي.
اغضبها كونه يتحكم في تغيير دفة الحديث متى أراد لتهتف بسخرية:
ـ هو أنا ممكن أسأل انت امتى بقيت مُراعي أوي كدا، وبتخاف على مشاعر الناس؟
عمر بنبرة عابثة ارفقها بغمزة من طرف عينيه اليُمنى:
ـ لا دانا اطورت أوي . أنتِ بس شاوري و هتلاقيني فارشلك الأرض ورد تحت رجليكي..
شروق بتهكم جاف:
ـ لا معلش أنا اصلا مابحبش الورد.
دكنت نظراته و بُحت نبرته و هو يقول بصدق:
ـ وانا مابحبش غيرك....
استقرت الجملة كالرصاصة في منتصف قلبها، ولكنها لم تكن رصاصة بغرض القتل إنما كانت بغرض الإرباك لتحاول تفادي آثارها بصعوبة حين قالت بجمود هش:
ـ عمر بلاش الكلام دا.
شعر بأن وصل إلى أقصى درجات التمادي ليقرر التراجع بالحديث إلى موضعٍ آخر أكثر أمنًا ليقول بمزاح:
ـ يعني معشراني كل دا و لسه معرفتيش أن مفيش كنترول على لساني.
شروق بتقريع:
ـ لا معلش هتعبك شوية ياريت لو هنضطر نتقابل عشان تيتا طبعًا، فياريت تحاول تعمله كنترول.
مازحها قائلًا بقلة حيلة مفتعلة:
ـ يا شوشو مش بايدي..
شروق باستهجان:
ـ لا والله..
ـ وحياة ربنا. يُقال إن في حتة زايدة في لساني أنتِ ايه رأيك؟
هكذا تحدث بخُبث لتهتف بلهفة:
ـ وانا اي عرفني؟
أجابها بوقاحة:
ـ معقول مخدتيش بالك! أنا شكل أدائي مكنش بيرفيكت ولا ايه ؟
فطنت إلى مقصده الوقح لتضرب بيدها فوق المكتب وهي تهتف بحنق:
ـ عمر بطل وقاحة و قلة أدب و اتفضل شوف أنت رايح فين
قهقه بقوة، وهو يتراجع إلى الخلف قائلاً بمرح:
ـ هكلمك اتفق معاكي هنتقابل فين، و زي ما قولتلك مش هجيبلها سيرة. عايزها تعرف أن دا طلبك أنتِ.
رغمًا عنها، فقد إرتج قلبها تأثرًا بضحكاته التي ضاعفت من وسامته، فمر وميض الإعجاب خاطفًا في عينيها ولكنها قالت بنبرة جامدة:
ـ اتفقنا...
هدأت ضحكاته و لانت ملامحه و خيم العشق على عينيه و نبرته حين قال:
ـ خلي بالك من نفسك، واعرفي اني موجود دايمًا..
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجئ من باب الغرفة يُفتح و يظهر منه راجي الذي ما أن رآه حتى هتف بانفعال:
ـ أنت بتعمل ايه هنا؟
كانت فرصته لكي يُثبت لها أنه تغير بالفعل، فحاول ابتلاع غضبه الذي كان يحرق احشائه من الداخل و التفت ناظرًا إلى شروق التي هبت من مكانها وهي تتوجه لتقف بين الرجلين قائلة بنبرة جامدة:
ـ عمر كان جاي يتكلم معايا في موضوع مهم يا راجي..
راجي بانفعال:
ـ موضوع ايه اللي بينك وبينه؟ مش خلاص كل حاجة اتفضت...
افزعتها انفاس عمر المحرورة من خلفها لتلتفت ناظرة إليه بفزع، ولكنه صدمها حين قال برباطة جأش:
ـ انا هسكتله عشان خاطرك، و بالنسبة للموضوع اللي اتكلمنا فيه، فهنبقى نكمل كلام فيه في التليفون...
لم تتوقع منه هذا التصرف، فقد ارتعبت من غضبه و ظنت بأن غرفة مكتبها قد تتحول الى ساحة قتال بين هذين الوحشين، ولكن تصرفه بتلك الطريقة صدمها، و جعلها تشعر بالإمتنان في نفس الوقت لتتحدث معه بنبرة لينة:
ـ تمام يا عمر.
اومأ برأسه قبل أن يتوجه إلى باب الغرفة، ولكنه لم يفلح في قمع تلك النظرة المتوعدة إلى راجي الذي كان يشعر بغليان النار في أوردته، فما أن غادر عمر حتى هتف ساخطًا:
ـ ايه بقى الموضوع اللي بينكوا و عايزين تتكلموا فيه في التليفون ؟
شروق بجفاء:
ـ موضوع ميخصكش...
اجفلته إجابتها و رغمًا عنه شعر بالألم القوي يجتاح صدره رغمًا عنه مما جعله يتراجع إلى الخلف وهو يقول بجفاء:
ـ هنسافر البلد اخر الأسبوع اعملي حسابك....
في الخارج و تحديدًا في سيارة عمر الذي كان يقود بسرعة قوية وكأنه يحاول الانتحار، فالغضب ينهشه من الداخل كوحشٍ ضاري لا يستطِع أحد ترويضه، ليقوم بجـذب هاتفه و الاتصال بيزيد الذي ما أن أجاب حتى صرخ عمر بن:
ـ أنت فين ؟
يزيد بملل:
ـ على حسب السؤال الاخبر دا وراه أي؟ لو بتتخانق و عايزني أنا في داهية و مش هرجع منها قبل يوم الأربع.
عمر بحنق:
ـ بطل قلة أصل بقى. الدنيا خربانه معايا و هطق من جنابي. عايز اضرب حد.
يزيد بفزع:
ـ و متصل على أهلي ليه؟
عمر بحدة:
ـ مش انت المفروض صاحبي يا زفت أنت...
يزيد بحنق:
ـ لا صاحبك ولا اعرفك. روح دور على حد تضربه وبعدين نبقى نشوف موضوع الصحوبية دا بعدين...
عمر بتخابث:
ـ طيب انت حر. أنا كنت مكلمك أصلًا عشان كنت عايز اعزمك تتعشى معايا أنا وجدتي و شروق و جميلة هاه جميلة...
ما أن سمع اسمها حتى هب من مقعده وهو يهتف بلهفة:
دا كلام يا راجل تبقى عايز تضرب حد و متقوليش؟ أنا اساسا وشي خف كدا و حسيته محتاج يتشلفط. قولي أنتِ فين يا حبيب اخوك وانا اجيلك على عيني..
عمر بتقريع:
ـ أيوا كدا اعدل. تعلالي عشان في خطة في دماغي و عايزين ننفذها بالحرف الواحد..
اللهم أخرجني من حِلَق الضيق إلى أوسع الطريق، وبك أدفع ما لا أطيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ❤️
★★★★★★★★★
كانت منكبة على العمل و اختيار الديكورات النهائية لذلك الحفل الخيري حين رن هاتفها، فوجدتها تلك المرأة سحر، فأجابت بلهفة:
ـ اهلًا يا مدام سحر. عاملة ايه؟
سحر بعتب:
ـ أنا كويسة طول ما أنتِ كويسة ولو انك مبتسأليش..
آسيا بلطف:
ـ حقك عليا والله. ضغط الشغل. أنا كنت هكلمك النهاردة عشان اقولك اني ظبطت كل التعديلات اللي اتفقنا عليها، و فاضل بس نبدأ.
سحر باستفهام:
ـ التحضيرات هتاخد قد ايه؟
آسيا بعملية:
ـ هناخد الأقل اربع أيام قبل الحفلة. عشان اتأكد أن كل حاجة طلعت زي ما احنا عايزني..
سحر وهي تنظر إلى رماح الذي يجلس على الجهة الآخرى بمكر:
ـ طيب مش هتيجي تشوفي المكان قبل ما نبتدي في التحضيرات؟
آسيا بلهفة:
ـ أكيد هاجي أتمم على كل الحاجات اللي طلبناها أنها كاملة. مش عايزين حاجة تعطلنا...
سحر بتخابث:
ـ وانا مستنياكي، عشان عايزة أعرفك على حد..
آسيا باستفهام:
ـ حد مين اللي عايزه تعرفيني عليه؟
سحر بمكر:
ـ هتعرفي يومها..
لم تطيل آسيا في الأمر لتغلق الهاتف مع سحر التي قالت بقلق:
ـ مش خايف لا تتعرف عليك؟
رماح بتهكم:
ـ متخافيش. مش هتعرفني.
سحر بتوتر:
ـ هو اشمعنى آسيا اللي عايزها تشوفك؟
رماح بشر:
ـ آسيا الأولى، ومش هتكون الأخيرة. أني هلم حريم الوتايدة كلاتهم في الوكر، و هياخدوا الختم بتاع رماح الهلالي كمان...
أنهى جملته وهو يقهقه بشر قبل أن يمسك أحد الهواتف الملقاة أمامه على الطاولة و يهاتف أمين الذي قال بمرح:
ـ ابن حلال مصفي لسه كنت في سيرتك بالخير..
رماح ساخرًا:
ـ أني والخير عمرنا ما أتچمعنا واصل...
قهقه أمين قبل أن يقول بتهكم:
ـ في دي عندك حق...
رماح بنبرة آمرة:
ـ الراچل بتاعنا هيبعتلك الداتا بتاعت المناجصة. مش عايزك تكسبها. بس عايز خالد الوتيدي ياخدها بالغلا والكوا. عشان لما نحرجهاله يتحسر عليها صوح. فاهمني أياك؟
أمين بشر:
ـ طبعًا فاهمك. متقلقش. أنا عارف أنه مش هيقبل أني أخد المناقصة منه، و ليك عليا هرفعله السعر للسما..
رماح باستمتاع:
ـ عفارم عليك. ابن حرام بصحيح..
★★★★★★★★★
أنهت أمر تحضيرات حفل الملجأ و اخذت تبحث في البريد الإلكتروني الخاص بها عن التحديثات التي من المفترض أن تصلها عن المجمع الطبي، ولكنها لم تكن وافية بالنسبة إليها لتقرر أن تذهب رأسًا إلى هناك، و قد جن كمال ما أن أخبره الحارس بأنها في طريقها إلى هذا المكان المليء بالرجال و العمال و كعادته حين يتعلق الأمر بها يترك كل شيء خلفه، فقد كانت تحتل تفكيره منذ صباح ذلك اليوم، و لازالت كلماتها ترن بعقله المتمرد و تدوي بقلبه العاشق، ولا يعرف إلى من فيهم ينصاع؟ و لا اي الطرق التي يجب عليه أن يسلكها معها؟
انفتحت أبواب الجحيم في صدر كمال ما إن وقعت عيناه على ذلك المشهد. فترجل من سيارته بخطوات واسعة، مشحونة بغضب عارم، جعل الدماء تغلي في عروقه، يدفعه ذاك الشيطان الذي ينخر في أعماقه ويأمره بنزع كل تلك العيون الفضولية التي تجرأت وتحدقت بها.
ولكن، لشدة وجعه وعشقه، أعطاهم العذر لوهلة فمن ذا الذي يرى كل هذا الجمال والحيوية ولا يتعلق به؟ كانت تبدو في وسطهم كشمس دافئة هبطت خطأً في موقع عمل جاف، ضحكتها العفوية وحماسها وهي تدون الملاحظات، وحركتها المليئة بالحياة والأنوثة الطاغية، جعلت منها لوحة آسرة تفقد أي رجل ثباته. كان جمالها في تلك اللحظة نقيًا، مشعًا، وفاتنًا إلى الحد الذي أوجع قلبه غيرة، وجعله يتمنى لو يخبئها داخل حدقتيه ويغلق عليها الأهداب، بعيدًا عن أنظار الكون بأسره.
ـ اهلًا كمال بيه...
هكذا تحدث أحد العمال مُرحبًا لترتسم ابتسامة خبيثة فوق ملامحها، فقد راهنت نفسها بأنه سيأتي، وقد فعل أسرع مما تظن ليقترب من موقعها و يقوم بتحية العمال، ولكنها لم تُعير حضوره أي التفاته بل انخرطت في تدوين ملاحظاتها، وسط نظراته الحادة المرصعة بللآلئ الغيرة القاتلة التي تجتاح صدره، فقد كان يتحدث مع الرجال بنصف عين، ونصف عقل، ونصف تركيز، فوحدها استأثرت بـالكل، استأثرت بقلبه كاملاً وكأنها مغناطيس جبار يسحب روحه من جسده. فكانت كلماته للعمال تخرج آلية، جافة، بينما كان عقله الحقيقي يطوف حولها، يغزل من حركاتها خيوطًا من الهوس والغيرة. لقد سلبت منه فؤاده، فبات يرى العالم من حولها باهتًا، بلا ألوان، وكأن الكون كله قد اختزل في جسدها النحيل، لتصبح هي المركز، ويصبح كل من حولها مجرد هوامش لا قيمة لها
ـ هو أنا مش قولت متجيش هنا تاني؟
هكذا تحدث كمال بجفاء ما أن اقترب منها ليتركهم باقي العمال و ينخرطوا في عملهم، فلم تُكلف نفسها عناء النظر إليه وهي تجيبه باختصار:
ـ تقريبًا قولت..
حذرها كمال بنبرة مُخيفة:
ـ متستعبطيش و بصيلي وانا بكلمك...
رفعت رأسها وياليتها لم تفعل! فلم يكن يتخيل أن هاتين القطعتين من الزبرجد الأخضر تملكان تلك السطوة المخيفة لانتزاع أنفاسه من صدره. حالما وقعت عيناه عليها، هوى قلبه في عمق سحيق من الفتنة؛ كان الأخضر يتدفق منهما و كأنه سر خفي من أسرار الحياة، مشعًا ببريق أطاح بآخر ذرات تعقل يمتلكها و في تلك اللحظة الخاطفة نسي الغضب، ونسي العمال، ونسي كبرياءه المتأهب، وبات رجلًا واهنًا أمام حضرة عينيها، يتوسل جرعة عناق واحدة يعيد بها الحياة إلى صدره المختنق بعشقها
ـ نعم...
هكذا تحدثت بنبرة يتخللها التحدي ليحاول الثبات أمام هجوم عينيها الفاتنة، و هو يقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ جيتي هنا لوحدك ليه؟
آسيا ببساطة:
ـ مين قالك اني لوحدي ما انت موجود أهو...
تجاهل تلك النغزات التي تحتل صدره وهو يقول بجفاء:
ـ أنا جيت بعد ما حضرتك جيتي.
ابتسامة انتصار زينت ثغرها الشهي قبل أن تقول بدلال:
ـ مانا كنت متأكدة انك هتيجي بمجرد ما تعرف اني هنا...
انتصار ساحق سجلته الآن عليه، و الحقيقة أنه يستحق تلك الهزيمة أمامها، خاصةً بعد أن انضم ضميره إلى جانبها في تلك الحرب بعد أن تأكد من أنه كذب ذلك الحقير، و أن كان في السابق ما يحركه هو غضبه و غيرته، ولكنه شعر بالراحة حالما تأكد من أنه لا زال مالكًا لقلبها:
ـ الموضوع دا ميتكررش تاني..
هكذا تحدث بنبرة خشنة لتقابلها بآخرى لا مُبالية وهي تلتقط صورًا فوتوغرافيه لبعض الأماكن:
ـ موضوع ايه؟
كمال بغضب من تجاهلها له:
ـ أنا مش فاضي لحضرتك.. عشان اسيب شغلي واجي اجري وراكي كل شوية.
بدا مرتبكًا و أن كان يتقن إخفاء ذلك الأمر ولكن ليس عليها لتستغل هذا الأمر لصالحها حين قالت ساخرة:
ـ طب والله ما أنت تاعب نفسك. تقدر ترجع لشغلك عادي جدا وانا والله اتفطمت من زمان.
اغتاظ منها وهتف حانقًا:
ـ يا شيخة!
آسيا بجدية زائفة:
ـ أه والله. دا حتى الدولة نفسها ادتني بطاقة شخصية. يعني عادي مش محتاجة لمرافق. ولا بودي جارد...
امتدت يده تقبض على ذراعها بقوة وهو يهسهس بخشونة اخافتها:
ـ بطلي طولة لسان ..
حاولت نزع يدها من يده وهي تقول مُحذرة:
ـ وانت بطل تطول ايدك..
كمال بجفاء:
ـ أنا حر.
آسيا بتحدي:
ـ حر بعيد عني..
تجاهل حديثها وقال بنبرة خشنة:
ـ ايه اللي جابك النهاردة ؟
كانت غاضبة من يده التي كانت قابضة على ذراعها بقوة، لتقول بعناد:
ـ أجي ولا أروح ميخصكش..
كمال بقوة أجفلتها:
ـ يخصني.
باغتتها الكلمة لتخترق حصونها ببراعة، لتأتي البقية كسيل من الرصاص أودى بثباتها إلى الهاوية:
ـ كل حاجة تخصك تخصني.
كان الهرب هو الطريقة الوحيدة أمامها الآن مما جعلها تدير رأسها إلى الجهة الآخرى وهي تقول:
ـ سيبني عشان اشوف شغلي..
تركها على مضض وهو يُعيد استفهامه قائلًا:
ـ ايه اللي جابك هنا النهاردة ؟ في مشكلة حصلت؟
آسيا بغضب حاولت كظمه بشتى الطرق:
ـ حضرتك انا مش مديرة شركة عشان اقعد استنى التقارير تجيلي لحد عندي. أنا بحب اشوف شغلي بنفسي، واحكم عليه بعيني عشان لما احط مقترحاتي تكون مبنية على رؤية سليمة و مضمونة مية في المية.
لا يعلم لما أراد مشاكستها في تلك اللحظة حين قال:
ـ أنتِ مرات المدير، فعادي لو استغليتي صلاحياتك..
رمقته شذرًا قبل أن تقول بتهكم:
ـ لا والله أنا متنازلة عن الصلاحيات وفوقيهم اللقب..
لم يغضب إنما انتابته رغبة قوية في الضحك، وقد بدأت مشاعره تتناحر بداخله جزء يشعر بالذنب تجاهها و آخر يذكره بخطأها، وآخر يلعنهم و يتمنى لو يغلق عليها بين ذراعيه حتى تهدأ تلك الحرب بداخله ولو قليلًا.
ـ تمام. يالا نشوف الشغل خلينا نخلص...
مضت قرابة الساعتين وهم يتجولون في المكان، وكما اعتاد معها، فهي تثير إعجابه بتفانيها في العمل و قوة ملاحظتها لكل شيء حتى أنه دون أن يلحظ وجد نفسه يشاركها آرائها و يقترح عليها الحلول و يتناقش معها في التعديلات التي دونتها ليمر الوقت سريعًا و كأنه هدنة اقتُطِعت بين أنصال السيوف ليجد أن العمل معها ممتع ككل شيء.
ـ احنا تقريبًا حطينا ايدينا على كل الثغرات و عرفنا متطلبات الشغل الفترة الجاية..
هتفت آسيا دون احتراز:
ـ اه فعلًا احنا النهاردة تمام اوي.
غامت عينيه برغبة لا يعرف كيف انتفضت و تأججت بتلك الطريقة داخل صدره ليتحدث بنبرة خشنة مُتهدجة:
ـ قصدك تمام التمام..
و كأن النيران انتقلت عبر الحروف من اعماق صدره إلى تلك المنطقة منزوعة السلاح داخل صدرها لترفع رأسها و ترى بعينيه شوقٌ مُخيف و عتاب قاس، وهي لم تكن مستعدة لكليهما مما جعلها تبلل حلقها قبل أن تشيح بنظراتها عنه وهي تقول بارتباك طفيف:
ـ أنا همشي عشان لسه ورايا شغل كتير في المكتب...
ـ تعالي معايا هوصلك..
لم يدع لها الفرصة للمقاومة، فقد قادتها يداه إلى السيارة رغمًا عن رفضها الجلي في عينيها...
اللهم صبّ عليّ راحة وتوفيقاً ينزع ما في قلبي من شتات، واشرح صدري لخير الدنيا والآخرة ❤️
★★★★★★★
ـ تعرِفي رماح يا نچاة؟
هكذا تحدثت صافية بنبرة جامدة لتُجيبها نجاة بعينين لم تهتز من ثقل الاستفهام:
ـ سمعت عنيه منيكوا يا عمة..
اعجبت صافية بإجابتها مما جعلها تقرر الحديث بصراحة حين هتفت بنبرة جامدة:
ـ توبجي معرفتيش حاچة عنِه. لكن اني هجولك كل حاچة...
ـ و أشمعنى أنتِ اللي هتجوليلي؟
هكذا استفهت نجاة لتُجيبها صافية بسلاسة تتنافى مع تلك القنبلة التي فجرتها بوجهها:
ـ عشان أنا مرّت أبوكي. إيوا يا نچاة رماح يوبجى چوزي.. جوليلي بقى رماح جالك ايه بالظبط واني اجولك إذا كان صوح ولا بيكذب عليكِ.؟
يتبع ...
دا جروبي نوروني عليه ♥️
ذنوب على طاولة الغفران الفصل الخامس وتسعون 95 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
كنت راسمة انزلكوا بارت ٥٠٠٠ كلمة هوب نطوا بقوا ٧٥٠٠ 😌 قولولي شطورة 😌🙈
مستنية رأيكوا يا حلوين و متنسوش فوت و كومنتات كتير على الفقرات اللي حبتوها عشان بتفرحني جداً و فولو ليا♥️♥️♥️
قراءة ممتعة♥️
السبيل الثلاثون
تبدأ رحلة تصحيح الأخطاء حين يمتلك الإنسان الشجاعة الكافية للاعتراف بأنه أخطأ، فمن تلك اللحظة تنطلق أولى خطواته نحو تقويم أفعاله وإصلاح ما أفسده. ولعل إحدى أبرز مساوئ النفس البشرية براعتها الفائقة في تبرير أخطائها، وإقناع صاحبها بأنه كان على صواب حتى ولو حاد عن الحق. لذلك فإن نجاح المرء في تجاوز هذا الحاجز ومواجهة نفسه بصدق يُعد بداية مرحلة جديدة من حياته فالتغيير الحقيقي يبدأ حين نرى أنفسنا على حقيقتها، لا كما نحب أن نراها، ومن يملك بداخله صوتًا لا ينفك يحاسبه كلما أخطأ، يعاتبه كلما زلت قدميه، و يعيد اتزانه كلما حاد عن الصواب، فهو من الذين نجوا من ظُلمة القلب حين تستوطنه الأهواء. فالضمير هو منارة الإنسان وسط تقلبات الحياة، وقاضٍ لا يقبل الرشوة ولا يفاوض في الحق.
أما عن أولئك الذين يرتكبون من الأخطاء كل ما هو فادح دون أي رادع، أولئك الذين لا تؤرقهم وخزات الندم، فهؤلاء قوم دفنوا ضمائرهم تحت ركام أهوائهم حتى اندثر صوتها إلى الأبد.
فحين يموت الضمير يصبح الخطأ يسيرًا مهما بلغت فداحته، ويرتدي الباطل ثوب الحق في أعين فاعليه. وقد يكون هذا الأمر من مظاهر الظلم في الحياة، فلو كان الظالم مُنصفًا في حق نفسه ولو قليلًا لما كان أهلكها بكثرة المعاصي، و لأدرك أن الشر الذي يصنعه اليوم ليس إلا البذرة الأولى لهلاكه في الغد. حتى هذه الحقائق التي تبدو مؤلمة الآن قد تكون سببًا للنجاة فيما بعد، ولكن النجاة مِنحة قد لا يستحقها الجميع، فبعض النفوس تستحق أن تظل في طغيانها حتى يأتي ذلك اليوم الذي تواجه فيه نتائج أفعالها دون مهرب و ذلك ليعلم كل إنسان بأن حصاد اليوم ماهو الا زرعته البارحة وأن كل ساق سيُسقى بما سقى
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أنتِ توبجي مرته! كيف ده؟
هكذا تحدثت نجاة بذهول لتُجيبها صافية بدهاء:
ـ لو مش مصدجاني تجدري تسأليه...
بهتت ملامحها و شحب لونها من حديث صافية الذي كان يقطر ثقة و كأنها متأكدة من تواصلها مع هذا الرجل، و بشق الأنفس حاولت الحديث لنفي هذه التهمة عنها لتقول بمراوغة:
ـ وه. أسأل مين؟ أنتِ عايزة تجولي ايه؟ بتتهميني بأيه؟
كانت شفافة للحد الذي مكن صافية من أن ترى كذبها بوضوح لتقول الأخيرة بسخرية:
ـ تهمة ايه كفالله الشر! هو أني جولت ايه؟ أني بجولك أسألي أبوكي إذا كنت بكذب ولا لاه!
نجاة باندفاع:
ـ أسأله كيف واني بشوفه عشان أسأله!
ذمت صافية شفتيها وهي تحرك رأسها في حركة آسفة قبل أن تقرر الحديث بصراحة:
ـ أكده يوبجى لازمن تسمعيني زين. اذا مكنتيش بتتحدتي ويا رماح يوبجى دا هيحصول وجريب جوي. لأن رماح مبيضيعش وجت و مليون في المية هيحاول يستغلك لحسابه.
سقطت الكلمات فوق قلبها كصخورٍ مُدببة آلمتها بقوة، فهي بشكل أو بآخر تشعر بأن هذا هو السبب الحقيقي لمكالماته لكنها كانت تكذب حدثها، و بداخلها يتمنى لو أن والدها يحمل بعض الحب في قلبه لأجلها ولكن يبدو أنه مجرد بيدق في لعبته فقط.
ـ جولي اللي عندك مرة واحدة.
ذلك الحزن الذي يغلف نظراتها و ملامحها كانا خير دليل على ظنها لذا قررت أن تضعها أمام مرآة الحقيقة لتقول بنبرة رصينة:
ـ تعالي اجعدي يانچاة، و خليني أجولك أن ربنا بيحبك عشان مكبرتيش مع الشيطان ده. صدجيني رماح دا الشيطان لما يكره، و أسوأ مليون مرة من الشيطان لما يحب. أني الحب الوحيد الحقيقي اللي في حياته و مع ذلك شوفت منيه أذى مشوفتوش من عدوي...
أطاعتها لتجلس في المقعد المقابل لها وهي تستمع إلى حديثها الذي نبش فضولها و استحوذ بكامل انتباهها لتقول باستفهام:
ـ عِمل فيكِ إيه؟
صافية بمرارة و كأن صبارًا نبت في جوفها:
ـ جتلني. موتني بالحيا. شوفت چنازتي وهي طالعة و الناس عم تبكي و تنوح عليا واني عايشة. عشت أكتر من نص عمري وأني بتحسر على شبابي اللي بيضيع بين أربع حيطان، وبابا مقفول بستين قفل.
كت بشوف الشمس من شباك أوضتي و مجدراش انزل كيف باجي البشر امشي في ضلها.
لم تندهش بقدر ما تألمت لحديث صافية التي تابعت بتحسُر:
ـ كت بنام عين صاحية وعين نايمة. جبل ما أدوج الوكل ولا اشرب بق المية لازمن أخلي الخدامة تدوج لول ليكون عايز يخدرني عشان ياخد مني غرضه.. كنت كتير أجوم من نومي مفزوعة واني سامعة بكى و نواح، وصراخ و كأن اللي بيصرخ دا بيدوج العذاب ألوان..
رغمًا عنها تساقطت بعض عبراتها جراء تلك الذكريات المؤلمة لتُتابع بأسى:
ـ ياما كتييير فكرت أجتل حالي و أخلوص. بس الكُره اللي چوايا ليه كان بيمنعني، وأجول لنفسي هتموتي نفسك يا حزينة من غير ما الكلب ده ياخد چزاته! هتموتي تاني بس المرة دي مش هتلاجي حد لا يبكي ولا ينوح عشانك! عيشتي وحيدة و هتموتي وحيدة! كنت برفع يدي وأجول يارب ما اموت اهنه. يارب عوضني اني أموت وسط أهلي بدل معشتش وسطيهم، و اندفن جار أبويا و أمي...
تدحرجت عبرات نجاة فوق خديها تأثرًا بحديث صافية عن مدى بشاعة ذلك الرجل الذي ظنت لوهلة بأنه قد يملك أي مشاعر تجاهه، ولكن هل شخصًا بهذا الجروت قد يكون بداخل قلبه مكانًا للحب ؟
ـ طيب ليه يعمل فيكِ اكده؟ يعني أجصد ليه أنتِ؟
هكذا استفهمت نجاة لتبتسم صافية بمرارة وهي تجيبها بأسف:
ـ غلطة واحدة غلطها و أني ستاشر سنة. دفعت تمنها عمري كله. اني حبيت رماح. حبيته من غير ما اعرف هو مين؟ ولا ابن مين؟ ولما عرفت كان الحب لستاته عاميني، و وجفت جدام ابوي و جولتله أن رماح غير أبوه، وأن التار اللي بيننا خلاص انتهى من زمان. أبوي كان راچل حنين بالرغم من هيبته و قوته. جالي أنه البذرة فاسدة من اللول، و أني منتظرش خير من شيطان، و عرفت بعد أكده أنه بيتاچر في الممنوعات، و جتال قتله، وغيره وغيره وغيره.
انكمشت ملامح نجاة بذهول لتوميء صافية برأسها قائلة:
ـ في اللول كانت صدمتي زيك واكتر كماني. لكن بعد أكده اتوكدت من كل حرف سمعته، و وجتها قررت أدوس على جلبي و أنساه. لكن هو مجبلش أكده و عِمل المستحيل عشان يثبتلي أنه راچل زين. بس كان جلبي قفل، وجولتله اني هتچوز راچل بحق و حجيجي، و دي كانت أكبر غلطة غلطها في حياتي، ودفعت تمنها سنين..
صمتت لثوان تمحي عبراتها قبل أن تُتابع بألم:
ـ خطفني من اهلي كيف ما أبوه خطف اختي زمان. تخيلي أن يوبجالك أخت تؤم عايشة و أنتِ متعرفيش عنيها حاچة. اغتصبها و جتلها و حطها مكاني و تهم فيها ربيع أبو ياسر و هيام، و دفنوها على أنها أنا.. تخيلي تشوفي چنازتك ماشية جدامك، و عيلة كاملة تتفركش، وابوكي يموت بحسرته عليكِ..
كان رأسها يكاد ينفجر من شدة الصدمات التي تلقتها اليوم لتقول بنبرة لا روح فيها:
ـ عمل كل دا. عشان بيحبك! اومال لو بيكرهك بجى كان عِمل أيه؟
صافية بمرارة:
ـ أديكي جولتيها... تخيلي عِمل كل دا فيا وهو بيحبني. هيعمل أيه ويا اللي بيكرهه؟ الراچل دا عمره ما بييچي من وراه خير أبدًا، و الغلطة معاه مبتبجاش هينة أبدًا، و ممكن تجعدي عمرك كله تدفعي تمنها كيف ماني عملت.. فكري في حديتي زين، وانفدي بچلدك. صدجيني إن رچلك ذلت في طريجه هتبكي بدل الدموع دم، ومش هيشفق عليكِ بردك...
أنهت صافية حديثها و نصبت عودها وهي تلقي نظرة أخيرة على نجاة التي كانت الذهول الممزوج بالألم مرتسم على ملامحها من هول تلك الحقائق التي عرفتها عن والدها المزعوم لتشعر بأن الكون بأكمله لا يتسع لأنفاسها التي ضاقت وهي تتخيل مدى حقارته التي لم ترى لها مثيل، و تتمنى من كل قلبها لو أنها تفقد الذاكرة حتى تنسى أنها تحمل دماء هذا الرجل..
انتفض جسدها بفزع حالما سمعت صوت رنين هاتفها لتنحبس الأنفاس بصدرها حين رأت رقم هاتفه، فأصابتها حمى الارتجاف و أخذ قلبها يدق بعُنف، وكأنها تقف أمام وحش سيُجهز عليها بأبشع الطرق لتقوم برفض المكالمة واغلاق الهاتف ثم هرولت إلى مخدعها لتتدثر أسفل الأغطية وهي تبكي و تشهق بعُنف و كل خلية في جسدها تنتفض من فرط الذعر....
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك، واحفظني بعينك التي لا تنام، واسترني بسترك الجميل، واصرف عني الحسد والعين وسوء القضاء. 🩵
★★★★★★★★
ـ ايه الجمال دا يا ياسر؟ كل دا عشاني أنا؟
هكذا هتفت غنى بانبهار وهي ترى كل تلك الزينة التي تملأ المكان، و قالب الحلوى الكبير الذي تزينة صورتها، فقد كانت أروع مفاجأة رأتها في حياتها، فاغرورقت عينيها بالعبرات ليمد ياسر أنامله و يمحي عبراتها بحنو تجلى في نبرته وهو يقول:
ـ مش عايز أشوف دموعك دي تاني يا غنى. عايز ضحكتك هي اللي تنور ايامي من هنا ورايح.
غنى بنبرة مُتحشرجة:
ـ دي دموع الفرحة يا ياسر. أنا أول مرة في حياتي أعيط من كتر الفرحة.
احتوى خصرها بين يديه وهو يزيح خصلاتها المتمردة خلف أذنها قبل أن يقول بنبرة عاشقة:
ـ وعد عليا ودين أن طول مانا عايش مش هخليكي تشوفي غير الفرحة وبس. عمري ما هسيبك يوم تنامي زعلانة، ولا يسمح لأي حاجة أو أي حد أنه يفكر يضايقك. متعرفيش أنا بحبك قد ايه يا غنى؟
أحاطت عنقه بذراعيها وهي تقول بدلال:
ـ قد أيه يا عيون غنى؟
اقترب مداعبًا أرنبة أنفها بأنفه وهو يقول مازحًا:
ـ أنا حاسس انك بتغريني.
شاركته المزاح قائلة:
ـ حاسس مش متأكد! دانا بقول انك لماح طول عمرك...
قهقه ياسر على حديثها قبل أن يمد يده و يبعثر خصلاتها مازحًا وهو يقول:
ـ أنتِ ملكيش حل...
تعالت ضحكات الثنائي لتقترب غنى وتلهو بمقدمة قميصه وهي تقول بتخابث:
ـ معرفش ليه يا ريس أنا كمان حاسة أن في حاجة كدا نفسك تقولها و خايف!
ياسر باستنكار:
ـ عايز اقولها و خايف! خايف من مين بقى أن شاء الله ؟!
رفعت أحد حاجبيها وهي تقول بتهديد مبطن:
ـ يعني تكون خايف لا أجنن و أبهدل الأجواء اللي أكيد تعبت في عمايلها دي...
لم يستطِع قمع ضحكاته على حديثها الذي كان يحمل الكثير من الصواب مما جعله يصارحها القول:
ـ والله يا غريبة قلبي أن جيتي للحق أنتِ جنانك يتخاف منه..
ضحكة صاخبة خرجت من بين شفتيها زعزعت ثباته الذي لطالما كان الطرف الخاسر دائمًا أمامها ليسمعها تقول بدلال:
ـ لا مانا خلاص عقلت، وهحاول أمسك نفسي و متجننش، و خصوصًا أني مش هلاقي مثلًا مثلًا يعني سمكة قرش طالعالي من البحر تقومك عليا.
حرك ياسر رأسه بتهكم قبل أن يقول ساخرًا:
ـ طب مثلاً مثلًا يعني مش ممكن نحاول نتحمل سمكة القرش دي و خصوصًا أننا عارفين انها طيبة بس بتغير شوية..
غنى بتذمر:
ـ تقصد شويتين تلاتة عشرة. خلينا بس نكون واضحين في كلامنا...
جذبها ياسر ليجلس على المقعد أمام طاولة الطعام وهي بين ذراعيه ثم جذب قداحته و أشعل الشمعة التي تتوسط قالب الحلوى وهو يتمتم مُتهكمًا:
ـ احنا نحتفل الأول و ناكل التورتة أصل مش ضامن ألبسها في راسي ولا حاجة..
غنى باستفهام:
ـ بتقول ايه؟
ياسر بنبرة خشنة:
ـ اتمنى أمنية....
أغمضت غنى عينيها و تمنت أن يأتي عيد ميلادها في السنة القادمة و معها طفلًا منه يكن ثمرة عشقهم.
ـ اتمنيت..
استفهم ياسر قائلًا:
ـ اتمنيتي أيه؟
غنى بتهكم:
ـ اتمنيت سمك القرش اللي في البحر دا كله يختفي وميبقاش غيري أنا و أنت... اه و ياريت القراميط هما كمان يختفوا...
أطلق ياسر قهقهات صاخبة على حديثها، فقد كان يعلم إلى ما تشير ليقول من بين ضحكاته:
ـ طبعًا القرموط دا يزيد.
غنى بسخط:
ـ دانا كرمته كمان. الواطي عملتله المحمر والمشمر و بردو بيقول على أكل هيام احلى من أكلي.
تعالت ضحكاتهم لدقائق قبل أن يمد ياسر يده و يمسك كفها الناعم ليضع قبله دافئة فوق راحته وهو يقول بعشق:
ـ سنة حلوة يا غنى. سنة حلوة يا قلبي. سنة حلوة سنة حلوة. سنة حلوة يا حياتي...
صمت لثوان و هو يعيد الكرة و يضع قبلاتٍ. متفرقة فوق كفيها ثم رفع رأسه قائلًا بنبرة عاشقة:
ـ كل سنة و أنتِ معايا وفي حضني يا غريبة قلبي..
غنى بتأثر:
ـ و أنت طيب يا قلب الغريبة و نور عينها...
تبدلت ملامحها فجأة لتقول بحدة:
ـ نيجي بقى لموضوع هيام اتفضل قول اللي عندك...
ياسر بصدمة:
ـ ايه يا بت أنتِ بتتحولي كدا ازاي ؟
غنى بتهكم:
ـ قدرات.. يالا يا ياسور يا حبيبي قول اللي عندك..
تحمحم ياسر قبل أن يقول بجدية:
ـ بصي يا بنت الناس. أنتِ مراتي و حبيبتي وفي عيني و قلبي وفوق راسي، و هيام أختي و في مقام أمي، و اغلى عندي من نفسي. لو مكنتش هيام مكنش زماني ياسر اللي قدامك دا.
أوشكت على الحديث، فوضع يده فوق فمها يمنعها ليتابع بتعقل:
ـ عارف انك مجتيش عليها، و مش بلومك أبدًا على حاجة، و عارف انك بنت أصول وبتشتريني، وأنا بعمري شاريكِ يا غنى. بس متعشم فيكِ شوية..
كانت كلماته حانية كالبلسم الذي جعلها تهدأ وهي تجيبه بصدق:
ـ واني عنيا ليكِ يا ياسر.. شوف عايز أيه وانا هعمله..
ياسر بحب وهو يقبل جبهتها:
ـ ربنا يخليكِ ليا يا حبيبة قلب ياسر. أنا كل اللي طالبه منك تكبري دماغك شوية. هيام بتغير عشان عارفة قد أيه أنا بحبك. اعملي نفسك مش سمعاها، ولو حاولت تستفزك فوتي عليها الفرصة. طبعًا دا مش معناه اني هسمحلها تغلط فيكِ، أو تقل منك. لازم تفهمي أن كرامتك من كرامتي..
اومأت غنى برأسها وهي تقول بخفوت:
ـ حاضر. اوعدك هحاول اتجاهل استفزازها. بس انت كمان متسمعش كلامها لما تحاول تقومك عليا..
ياسر بنبرة خشنة:
ـ من الناحية دي متقلقيش، وعلى فكرة أنا عرفت اللي هي عملته لما كنت في الحبس، و مش هعديهولها عشان تفكر ألف مرة قبل ما تعمل كدا تاني..
أضاءت ملامحها ابتسامة عذبة حين شعرت بأنه لا يسمح لأي شيء أن يؤذيها لذا قالت بنبرة عاشقة:
ـ ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا ريس...
غازلها قائلاً:
ـ والله انت اللي ريس...
ابتسمت بصخب ليقاطع ابتسامتها شهقة قوية حين حملها ياسر بغتةٍ وهو يقرب رأسه من رأسها قائلًا:
ـ أنا بقول نأجل التورتة دلوقتي و نشوف حوار الغُريبة اللي مجننة أمي دي....
تعالت ضحكاتها الصاخبة من حديثه ليأخذها إلى أحد غرف اليخت ليُبحر معها في بحور السعادة التي يستحقها كلاهما بعد طول عناء غافلين عن تلك الأعيُن التي تنظر إليهم عبر المنظار من أحد الأماكن المرتفعة وهي تتوعد لهم بالهلاك قريبًا
اللهم إني أستودعك نفسي وأهلي وبيتي ومالي وكل ما أنعمت به عليّ، فاحفظني بحفظك الذي لا يضيع، واكلأني بعينك التي لا تنام، واكفني شر الحاسدين وكيد الكائدين ومكر الماكرين 🩵
★★★★★
ـ مامي حضرتك لسه زعلانه مني؟
هكذا تحدثت رنا إلى أشجان التي احتوتها بين ذراعيها وهي تقول بحُب:
ـ مفيش أم بتزعل من بنتها، وأنتِ بنتي و نور عيني و حبيبتي مقدرش ازعل منك..
عانقتها رنا بقوة، فقد كانت تحتاج إلى هذا العناق كثيرًا عله يمحو تلك الحيرة التي تتقاذفها إلى جهاتٍ كثيرة و جميعها لا تشعر نحوها بالأمان، مما جعل عبراتها تتساقط بغزارة لتشعر أشجان بسائل ساخن يبلل ملابسها، لتتراجع عنها و تهتف بلهفة:
ـ رنا حبيبتي أنتِ بتعيطي؟
التصقت بها رنا وهي تقول بتوسل:
ـ بليز سبيني في حضنك شوية. أنا مخنوقة أوي، و مبحسش بالأمان غير لما بتحضنيني أنتِ وبابا..
شددت أشجان من عناقها حتى تبثها الأمان الذي تحتاجه، وقد بدأ الذنب يزحف بداخلها تجاهها لتقول بحنو:
ـ مالك يا رنا ؟ فيكِ أي احكيلي مش احنا اصحاب؟
لم تعرف كيف تصيغ مشاعرها أو تعبر عن ذلك الخوف و الحيرة بداخلها لتقول بنبرة خافتة:
ـ أنا متلخبطة اوي. في حاجات كتير مش فهماها. في حاجات كتير بتحصل مش عارفة هي صح ولا غلط.
جذبتها أشجان لتجلس على الأريكة و جلست هي بجانبها ويديها تحتوي كفوف رنا ثم قالت بحب:
ـ تعالي نتكلم واحدة واحدة. أول حاجة طبيعي انك تحسي بشوية لخبطة و خوف لأنك في مرحلة جديدة من حياتك. اتعرفتي على ناس جديدة. حياتك بقت مفتوحة أكتر. لكن المهم انك تحافظي على فطرتك السليمة و متخليهاش تتلوث بأي أفعال ممكن تغضب ربنا. لازم تفهمي أن الغلط غلط حتى لو كل الناس عملته.
رنا بحيرة:
ـ طيب ما يمكن أنا اللي مش فاهمة. او الأفعال دي متكونش غلط، وانا اللي لسه صغيرة أو أوفر...
أشجان بتوضيح:
ـ بصي يا رنا. الصح الإنسان بيعمله قدام الناس كلها و مبيهموش. إنما الغلط دايمًا بيتعمل في الدرا. تلاقي اللي بيعمله خايف لا حد يشوفه. او يعرف أنه بيعمل الفعل دا. يعني مثلًا أنتِ لو بتصلي هتخبي أو هتتكسفي تقولي دا؟
ـ أكيد لا ..
أشجان باستفهام:
ـ طيب لو بتشربي سجاير هتقولي ولا هتخبي؟
رنا بلهفة:
ـ أكيد طبعًا هخاف أقول، و هتكسف كمان. بس السجاير دي حاجة معروف أنها مش صح. في حاجات تانية بتكوني محتارة فيها..
أشجان بتعقل:
ـ حلو دا. خلينا نتفق على حاجة حلوة اوي هتريحك من الحيرة دي. أنتِ قبل ما تعملي ايه حاجة تسألي نفسك هل اللي أنا هعمله دا ربنا هيكون راضي عنه ولا لا؟ لو ربنا هيكون راضي عنه يبقى اللي هتعمليه دا صح اعمليه.. لو ربنا مش هيكون راضي عنه يبقى دا قطعًا غلط، و اوعي تعمليه..
رنا بلهفة:
ـ طيب لو أنا بسمع كلام عن حد من حد تاني. يعني حد بيشتم على حد من وراه بس من قدامه بيعامله حلو اوي. هل دا كدا منافق ولا دي مجاملات عادية..
أشجان بصرامة:
ـ لا طبعًا دا نفاق. النفاق اني اتعامل مع الناس بمنتهى الود والحب وبمجرد ما يمشوا اقطع في فروتهم. لكن المجاملة اني اتعامل بذوق من الناس كلها اللي بحبهم واللي مابحبهمش من غير ما اقعد اجيب في سيرتهم.
صمتت رنا تدير الحديث في رأسها وقد بدا عليها الاقتناع لتقول أشجان باستفهام:
ـ الكلام دا عني صح؟ أنتِ سمعتي حد بيتكلم عني وحش ومن قدامي كويس!
ارتبكت رنا لثوان قبل أن تقول بتلعثم:
ـ هو صح. بس أنا مينفعش أقول مين. لكن أنا والله كنت بقول انك كويسة أوي. بس...
أشجان باستفهام:
ـ بس ايه؟
رنا باندفاع:
ـ هو أنا ينفع اطلب منك طلب؟
أشجان بلهفة:
ـ طبعًا اؤمري..
رنا بتوسل:
ـ ممكن تخلي علاقتك حلوة أنتِ و خالتو زينة و عمتو نبيلة.. أنا بحبهم و بحبك و مابحبش احس اني واقفة في النص بينكوا انتوا التلاتة..
صمتت أشجان لثوان، فقد كانت تعلم بأن تلك المرأة لها يد بما يحدث بينها وبين رنا و على الرغم من غضبها منها ولكنها لن تجعلها تنتصر عليها لذا قالت بذكاء:
ـ حاضر. اوعدك هحاول أقرب منها و أصاحبها كمان عشان خاطرك..
رنا بلهفة:
ـ بجد؟
أشجان بحنان:
ـ بجد. هعمل ايه بقى اذا كنت بحبك...
اندفعت رنا تعانقها بقوة وهي تقول بسعادة:
ـ أنا كمان بحبك أوي...
تركت رنا في غرفتها و توجهت لرؤية أطفالها الصغار و دثرتهم جيدًا بالأغطية ثم توجهت إلى غرفتها وهي تشعر بشوقٍ كبير إليه، فهي لم تأتي إلى هنا بدونه أبدًا، فدائمًا ما يكون معها يغمرها بحنانه وحبه، وهاهي الآن تشعر و كأن الليل يأتي ليُعذبها و يذكرها بأثمن هدايا القدر الذي أضاعتها برعونة.
فتحت باب الغرفة وهي تطلق تنهيدة مختنقة سرعان ما تحولت لشهقة قوية حين رأت ذلك الظل الذي يقف أمام النافذة في الظلام إلا من ضوء القمر الذي كان يغمر جانبه الأيمن لتنحبس الأنفاس بصدرها لثوان قبل أن تحتاجها فرحة عارمة حين التفت يناظرها، فأخيرًا القدر ترفق بها وها هو أمامها، بل و يقترب منها بخطواته الواثقة و طلته المهيبة واضعًا يديه في جيوب بنطاله لتلتمع سماء عينيها بنجوم الحب وهي تطالعه بداية من خصلات شعره التي كانت تلتمع في ضوء القمر مروراً بملامح وجهه التي وإن اخافها الظلام، ولكنها تكاد تقسم بأن عينيه كانت تبتسم تلك البسمة التي تُذيب عظامها لتأتي نبرته الخشنة و تضرم النيران في ثباتها حين قال:
ـ مش هنجمد شوية بقى!
كانت كلماته تداعبها بالرغم من خشونة نبرته، لتحاول قمع فرحتها قدر الإمكان وهي تجيبه مدعيه الغضب حين قالت:
ـ و أنت بقى مش هتبطل تقف في الضلمة و تخضني كل شوية!
ارتفع أحد حاجبيه باستهجان و ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره قبل أن يقول بسخرية مبطنة بالوعيد:
ـ كمان بقيت أنا اللي غلطان!
أرادت مشاكسته قليلًا لذا قالت ببراءة:
ـ أيوا طبعًا غلطان، ولازم تصلح غلطتك كمان..
لم تكد تنهي جملتها حتى امتدت أنامله الخشنة لتقبض على خصرها ليقربها إليه حتى تعانقت ضلوعهم و تلامست أنوفهم ليهمس بصوتٍ أجش:
ـ طب تعرفي أنتِ بقى تعدي غلطاتك عشان تصلحيها؟
تزاحمت أنفاسها و اهتاجت دقات قلبها من قربها المهلك، لتهمس بخفوت:
ـ بتقول ايه يا خالد؟
خالد بخشونة أذابتها و أنفاسه الساخنة تلفح بشرتها الناعمة:
ـ بقول عدي غلطاتك. عشان هتصلحيها واحدة واحدة...
ابتسامة رائعة ارتسمت فوق ثغرها قبل أن تقول بدلال:
ـ طب مش ممكن اعتذر عنهم كلهم و تسامحني وخلاص؟
حرك خالد رأسه في كلا الجهتين بمعنى لا لتهتف أشجان بعتب:
ـ أنت بقيت صعب كدا ليه؟
جذبها خالد ليجلس فوق المقعد الذي يحتل الجانب الأيمن من النافذة ليغمرهما ضوء القمر وهي بين يديه و عينيها تعاتب عينيه ليُجيبها بنبرة رخيمة:
ـ لسه الصعب جاي...
أشجان بتذمر:
ـ أنت بتخوفني بقى!
زمجر خالد مُحذرًا:
ـ متغيريس الموضوع، ويالا سمعيني غلطتي في أيه؟
اقتربت أشجان بخجل لتضع رأسها فوق صدره الذي كانت دقاته الجنونية تتغنى بعشقها لترفع أحد كفوفه و تقوم بالعد عليها قائلة بنبرة خافتة:
ـ غلطت مرة عشان جبت حبوب منع الحمل من وراك، و مرة عشان مش جريت اترميت في حضنك قولتلك على اللي مخوفني، و مرة لما سبتك تفضل زعلان مني كتير ، و غلطت ألف مرة عشان سبت البيت و مشيت. حاجة تاني؟
قالت جملتها الأخيرة بدلال أرهقه كثيرًا، و خاصةً أفعالها التي كانت تهاجم ثباته بشراسة، ولكنه حاول بقدر الإمكان أن يواصل لعبته معها ليقول بنبرة خشنة:
ـ طب و ايه الحل بقى عشان نصحح الغلطات دي كلها؟
فاجأته حين قالت بعفوية:
ـ معنديش حل صراحة. لو عندك قول....
قهقه خالد بصخب على حديثها و طريقتها العفوية في الحديث لتلتمع عيونها بإعجاب من وسامته التي ضاعفتها ضحكته الرائعة لتُفلت الكلمات من بين شفاهها دون أن تعي:
ـ ضحكتك حلوة اوي. ينفع متكشرش تاني؟
جملتها اخترقت جميع حصونه ليجيبها بصوتٍ أجش:
ـ ينفع.. كل اللي تعوزيه ينفع حتى لو كان مستحيل..
احتوت وجهه بين كفوفها بحُب تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ وحشتني، و زعلانه منك...
ارتج قلبه لكلمتها ولكن جاءت جملتها الأخيرة لتجعله يرفع أحد حاجبيها باستنكار لتُتابع هي بجدية زائفة:
ـ اتفضل الدور عليك. عشان تعد غلطاتك...
توسعت عيني خالد بصدمة قبل أن يقول باستنكار:
ـ نعم! مين دا اللي يعد غلطاته؟ الوحش ميتقالوش كدا يا قطة...
أشجان بدلال تعرف جيدًا أنه سيؤثر به كثيرًا:
ـ ماهو أنا مش أي حد بردو. أنا المدام بتاعت الوحش يعني ليا كل الصلاحيات مش دا كلامك النهاردة الصبح ولا ايه؟
اتسعت ابتسامته حتى بانت تلك الحفرة العميقة في خده فتضاعفت وسامته أكثر ليلمع الخُبث في نظراته، فقطته أصبحت مشاغبة كثيرًا وقد راق له هذا الأمر مما جعله يشاكسها قائلًا:
ـ و المدام بقى بتستغل صلاحيتها دي أسوأ استغلال...
أشجان بمزاح:
ـ حصل...
ابتسم خالد على حديثها ليشبك أناملها بين أنامله وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ طيب قوليلي ايه هي غلطاتي اللي ضايقتك..
أشجان بعفوية:
ـ بصراحة أنا مبزعلش منك. أنا مبزعلش من اللي بحبهم.. يعني ممكن اتضايق في وقتها بس بنسى على طول.
جذبها خالد بقوة إلى أحضانه واضعًا قبلة دافئة فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بصوتٍ أجش:
ـ اعمل ايه في طيبتك اللي تاعبة قلبي دي؟
أشجان بخفوت:
ـ يعني كنت هتفضل اني اكون شريرة؟
صمت خالد لثوان وهو يتخيل أنها تشبه إحدى شقيقاته؟ فشعر بالنفور الكبير على الرغم من أنه يحبهم ولكن الشر و الكراهية والحقد أمور لا يستطيع تحملها لذا هتف بقوة:
ـ لا طبعًا. أنا بس عايزك تكوني قوية. مش عايزك تخافي من حد، واعرفي دايمًا أن أنا في ضهرك.
أشجان باستفهام:
ـ حتى لو غلطت؟
خالد بتأكيد:
ـ حتى لو غلطتي. أنا معاكِ هقومك لكن عمري ما هكسرك ولا هسمح لحد يمس شعرة منك.
تضاعف عشقها له في هذه اللحظة وودت لو تصرح بعشقها له أمام العالم أجمع، ولكن كان هناك شيئًا داخلها أرادت الإفصاح عنه لتقول بخفوت:
ـ طب ينفع أقولك عن حاجة غاظتني منك؟
ابتسم خالد بهدوء قبل أن يقول لها:
ـ قولي..
أشجان بانفعال:
ـ أنا هطق منك. ازاي أقولك اني حامل تقوم اول حاجة تقولهالي قولتي لرنا؟ ايه رد الفعل السخيف دا؟
تفاجئت حين قهقه خالد على حديثها بصخب لتشعر بالغضب يتضاعف داخلها فذمت شفتيها بضيق ليقول من بين قهقهاته:
ـ طب أقولك على سر؟ أنا فعلًا استغربت ازاي أنا قولت كدا..
أشجان بتهكم:
ـ طب كويس والله ان انت نفسك استغربت.
هدأت ضحكاته و مرت لمحة من الحزن داخل عينيه قبل أن يقول بنبرة جافة يتخللها الحزن:
ـ تعرفي أنا بقالي قد أيه مستني اسمع الخبر دا منك؟ أنا من كتر ما كان قلبي متعلق بالخبر كدا كنت مفكر اني مش هسمعه أبدًا..
أطلق تنهيدة قوية من جوفه وهو يتابع بنبرة جريحة مُعذبة:
ـ أنا دفنت ابني بايدي وهو حتة لحمة حمرا. استحالة هنسى الوجع اللي كان جوايا وقتها. وجع فضل عايش جوايا سنين وسنين، و خصوصًا أني كنت رافض الحياة بكل ما فيها. يعني أمنيتي أن يكون عندي ولد دي كانت أشبة بالمعجزة، فكنت فاقد الأمل في كل حاجة في الدنيا. لحد ما قابلتك.
أدار رأسه ناظرًا إليها وهو يتابع بنبرة مُتحشرجة:
ـ غرستي الأمل جوايا من تاني، و رجعت احلم. يمكن مكنتش بقولك بس كل مرة كنت برجع فيها البيت أو بتجيلي أنتِ الشركة كنت أقول هتقولي أنها حامل، ويخيب أملي لما مكنتيش بتقولي.
صمت لثوان قبل أن يتابع بنبرة تعج بالألم:
ـ في اليوم اللي شوفت فيه حبوب منع الحمل في دولابك. حسيت بنفس الألم اللي حسيته لما دفنت ابني. بس المرة دي كان أصعب عشان المرة دي الخذلان جالي من ناحيتك أنتِ، وأنتِ الشخص الوحيد اللي كنت مآمنله في الدنيا دي..
تدفقت العبرات غزيرة من مقلتيها، فالآن عرفت مقدار حزنه ذلك اليوم ليمد يده و يمحو عبراتها بحنو وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ لما جيتي قولتيلي انك حامل. أنا للحظة مكنتش فاهم أنتِ بتقولي ايه؟ معقول! معقول المعجزة أتحققت أخيرًا؟ لأول مرة في حياتي مكونش عارف انا بقول أي لحد ما استوعبت، و بعد ما استوعبت. مكنش ينفع أصرخ واقول قدام الناس كلها أن أخيرًا حلمي أتحقق.
كوبت وجهه بين يديها وهي تقترب لتستند بجبهتها فوق خاصته لتقول من بين عبراتها:
ـ حقك عليا. أنا معرفش كل دا صدقني. أنا كنت جبانه وضعيفة. حقك عليا بجد.
لم تُفلح الكلمات في وصف ما يعتمل بصدره، ولا استطاعت تلك الهيبة القوية التي طالما احتمى بها أن تُخفي ما اجتاحه من مشاعر في هذه اللحظة، وهو الذي لطالما اعتادت القسوة أن تسكن ملامحه، واستوطنت الصرامة خطواته حتى خُيل لمن عرفه أن قلبه قد قد من صخرٍ لا تهزه الرياح ولا تنال منه العواصف، لتأتي هي و تجعل ذلك الصخر يلين.
اندفع نحوها كعطشانٍ أضناه الظمأ ليعثر أخيرًا على نبع ارتوائه فأخذ يقتطف ثمار الفراولة الطازجة من فوق ثغرها في شغفٍ أربك جميع حصونها، فبجانبها لم يعُد ذلك الرجل الذي يعرفه الجميع، ولم يكن سيد قراره ولا مالك زمام مشاعره، بل أسيرًا طائعًا لامرأة استطاعت أن تقتحم حصونه المنيعة دون سلاح، وأن تحتل تلك المملكة التي استعصت على الدنيا بأسرها، لقد كانت أشبه بربيعٍ باغت أرضًا قاحلة ظنت أنها خُلقت للجفاف، فإذا بها تزهر دفعةً واحدة. وكلما اقترب منها، شعر أن قسوته التي بناها عبر السنوات تتهاوى حجرًا إثر حجر، كقلعةٍ شامخة أرهقتها الحروب فلم تسقط، ولكنها انهارت أمام لمسةٍ ناعمة لم تكن في حسبانها.
و كعادته كلما يكن بجانبها يتعجب مما يفعله قربها به، فقد روضت ذلك الوحش بداخله وهو الذي عجز الجميع عن الاقتراب منه، حتى ذلك القلب الذي كان يواجه العواصف بشموخ صار يرتجف بين يديها كورقةٍ صغيرة تعبث بها نسائم الربيع. وما كان ذلك ضعفًا منه، بل ذلك النوع النادر من الحب الذي يصهر الجبال، ويجعل أكثر الرجال صلابةً يخلع دروعه بإرادته، ويهرول نحو مالكة قلبه أعزل إلا من قلبٍ امتلأ بها ولم يعد يرى سواها..
اللهم اصرف عني كل عينٍ نظرت بحسد، وكل نفسٍ أضمرت سوءًا، وكل قلبٍ امتلأ غلًا أو حقدًا، واجعل تدبيرهم في نحورهم، وأشغلهم بأنفسهم، واكفنيهم بما شئت وكيف شئت إنك على كل شيء قدير.🩵
★★★★
ـ بقولك ايه يا سوسو أنا محضرلك غدوة إنما ايه هترجعك لأيام الصياعة..
هكذا تحدث عمر بمرح إلى سعاد التي أقنعها بشق الأنفس حتى تقبل أن تخرج معه لتجيبه ساخطة:
ـ احترم نفسك يا واد أنت. أنا أصلًا مكنتش عايزة أخرج معاك في حتة.
عمر بملل:
ـ ليه بس يا تيتا ؟
تذمر يزيد قائلًا:
ـ ما تخلي عندك نظر بقى جدتك دي وش صياعة بردو..
زجره عمر قائلًا:
ـ مش عجباك تيتا يا حيوان؟ دي كانت مزة في زمانها!
يزيد بتهكم:
ـ مين دي اللي كانت مزة! دي مناخيرها سبقاها بخطوتين! عشان كدا جدك مجبش إلا عيلين بس و اتكل..
عمر باستفهام:
ـ و أيه علاقة المناخير بالموضوع دا؟
يزيد بسخرية:
ـ هتلاقيه جه يبوسها شفطت الأكسجين كله جاله ذبحة صدرية في لحظة..
زجره عمر قائلًا:
ـ اسكت يا حيوان انت بدل ما أخرشمك..
تدخلت سعاد التي قالت بازدراء:
ـ اومال مين اللي معاك دا؟ اه مش انت الواد الكحيان اللي كنت موجود يوم ما رجعت صافية؟
يزيد بصدمة:
ـ كحيان! أنا كحيان! خد بالك جدتك بتغلط فيا، وانا ساكت عشان خاطرك.
حاول عمر تهدئة الموقف قائلًا:
ـ معلش امسحها فيا يا يزيد..
يزيد بغضب:
ـ متخلنيش ازعلها. الموقف دا لو كان حصل قدام جميلة كان زمان الهيبة اتبعزقت، و وقتها هفرج عليها الناس. والله افرشلها الملاية..
تدخلت سعاد باحتقار:
ـ بيقول ايه الواد دا ؟
أجابها عمر بلهفة:
ـ أبدًا يا تيتا بيقولي جدتك مزة..
رمقت سعاد يزيد باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ مزة! صدق تربية حواري بصحيح.
اهتاج يزيد و تمتم بجانب أذن عمر وهو يكاد ينفجر من الغضب:
ـ الولية القرشانة دي هزعلها. اومال لو كانت مناخيرها صغيرة شوية كانت عملت ايه؟
نهره عمر قائلًا:
ـ احترم نفسك و إلا موضوع المناخير دا. الموضوع دا حساس جدًا بالنسبة لعيلتنا..
يزيد بحدة:
ـ طب خليها تسكت أحسن ما نشبشب لبعض هنا.
عمر بلهفة:
ـ معلش امسحها فيا...
كان هذا الحديث أمام الباب الخارجي للمطعم، ليتفاجيء الثلاثي بشروق وخلفها جميلة يخرجن من المطعم والتوتر بادٍ على وجوههن ليترك عمر مقعد جدته المتحرك ويقترب من شروق قائلًا بإعجاب:
ـ شروق. أيه الجمال دا؟
ـ ميرسي يا عمر...
اقترب يزيد من عمر وهو. يمسك بذراعه قائلًا:
ـ استنى رايح فين و سايب المزة أقصد جدتك..
عمر بلهفة وهو يجذب منه يده:
ـ سيبها تتوه..
تلعثمت شروق وهي تقول:
ـ بقولك ايه ؟ ما تيجي نروح مكان تاني؟
شعر عمر بأن هناك شيء ما ليقول بترقب:
ـ ليه؟ هو حد ضايقك في المكان ؟
شروق بلهفة:
ـ لا... بس...
في هذه الأثناء رن هاتف عمر، فقد كان أحد الحرس الذي أخبره بلهفة:
ـ عمر بيه. الأنسة هايدي اخت حضرتك هربت مننا، و مش عارفين راحت فين...
اللهم يا واسع الفضل، يا عظيم المنّة، يا من بيده ملكوت كل شيء، أسألك أن تجعل حولي حصنًا منيعًا من رحمتك، وأن تغمرني بسترك وعافيتك، وأن تحفظ نعمك عليّ من الزوال 🩵
★★★★
ـ منة انا بعتلك على الميل كل التعديلات الأخيرة على الحفلة الخيرية، وهروح النهاردة اشوف الحاجات اللي طلبتها وصلت ولا لا. يعني هتأخر على ما آجي المكتب...
هكذا كانت تتحدث آسيا وهي تضع أشيائها في حقيبتها قبل أن تلقي نظرة رضا على مظهرها في المرآة و توجهت إلى خارج الغرفة تنوي التوجه إلى عملها ليستوقفها صوت بكاء الصغير القوي، فأخذت تتلفت يمينًا و يسارًا لتتأكد من أنه غير موجود ثم توجهت إلى غرفة الصغير الذي كان ينتحب لتقترب منه وتحمله برقة وهي تهدهده قائلة:
ـ ايه بس مين مزعلك؟
ذم الطفل شفتيه الجميلتين لتقول بسخرية:
ـ ليك حق. دا سؤال ؟ أكيد طبعًا أبو لهب اللي خلفك و نسيك...
أخذت تداعبه بأناملها ليهدأ و بدأ يبتسم لها لتقول بسخرية:
ـ قولي عامل ايه مع الراجل اللي ميتعاشرش دا؟
أخذ الطفل يخرج أصواتًا من فمه وهو يرفس بقدميه لتتابع ساخرة:
ـ حاسة بيك والله. طبعا عايز تطلع من هدومك أنا عارفة.. بس معلش هنؤجر أننا متحملينه...
أنهت جملتها وهي تدغدغه ليضحك الطفل بصوتٍ عالي، فهتفت محذرة:
ـ وطي صوتك متفضحناش. عايزين نحب بعض في السر. خليك جدع كدا متبقاش زي أبوك...
قالت جملتها الأخيرة بصوتٍ عالي اخترق سمع كمال الذي صاح بحدة:
ـ وماله أبوه أن شاء الله ؟
التفتت تناظره لتقع عيناها على هيئته المُبعثرة والتي كانت خاطفةً للأنظار إلى حدٍ كبير. كان يرتدي تيشيرتًا أبيض بلا أكمام وبنطالًا رياضيًا أسود اللون، إلا أن بساطة مظهره لم تستطع أن تُخفي ذلك الحضور الطاغي الذي يفرضه أينما وُجد. بدت قامته المديدة أشبه بجدارٍ شامخ نُحت من الصخر، فيما التف القماش الأبيض حول جذعه القوي ليبرز اتساع منكبيه وصلابة عضلاته. وكان ذلك البياض الناصع يتناقض بشكلٍ ساحر مع سمرته الرجولية التي لونت بشرته، فبدا وكأن الشمسٌ سكبت دفأها فوق ملامحه وجسده، لتمنحه وسامةً خشنة لا تشبه وسامة الرجال المعتادة، بل ذلك النوع الخطير من الوسامة الذي لا يطلب الانتباه بل ينتزعه انتزاعًا.
للحظة خانتها عيناها وظلتا عالقتين به أكثر مما ينبغي تتجولان فوق تفاصيله في افتتان أغضبها من نفسها كم كانت تكره اعتراف قلبها بما يفعله بها ذلك الرجل! تكره ارتجافة قلبها التي يتسبب بها حضوره، وذلك الإعجاب العنيد الذي يتسلل إليها كلما رأته، رغم محاولاتها المستميتة لإنكاره.
عضت على باطن وجنتها في ضيق وهي تُشيح ببصرها عنه، وكأنها تعاقب عينيها على خيانتهما. فآخر ما كانت ترغب به هو أن تمنحه متعة معرفة تأثيره عليها. لذلك ارتدت قناع اللامبالاة بسرعة، ورفعت رأسها بكبرياء مصطنع، بينما كان قلبها في الداخل يواصل تأمله في اعجاب أحمق، غير عابئ بكل محاولات الإنكار التي تتشبث بها. فمهما كابرت، ومهما ادعت أنه لا يعني لها شيئًا، كانت تدرك أن ذلك الرجل يمتلك حضورًا قادرًا على إرباك أكثر النساء تماسكًا، وهي، للأسف، لم تكن استثناء لكنها تجاهد كما هي العادة لتتشدق ساخرة:
ـ أهو عملي الاسود جه أهو..
كمال باستفهام:
ـ بتبرطمي تقولي ايه ؟
آسيا بحدة:
ـ ممكن اعرف حضرتك سايب ابنك يعيط لما أكل دماغي و روحت فين؟
كمال باستنكار:
ـ ابني كان بيعيط و كل دماغك!
ـ بالظبط كدا..
كمال بجمود وهو يرفع يده بالأكياس:
كنت ببعت حد من الحرس يجيبله شوية حاجات.
آسيا بسخرية وهي ترى الحفاضات التي كانت من في أحد الأكياس:
ـ و أنت بقى هتغيرله البامبرز؟!
ضيق كمال عينيه قبل أن يقول بنبرة خطرة:
ـ و اغيرله ليه وأنتِ موجودة؟
توسعت عينيها بذهول سرعان ما تحول إلى سخرية غاضبة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ نعم؟ لا معلش أنت فاهم غلط. أنا مش الفلبينية اللي جبتها لابنك، و قولتلك قبل كدا أنا مش هربي ولاد حد. تعالى غير لابنك..
كمال بنبرة رقيقة لم تعهدها منه مُسبقًا:
ـ آسيا عليكِ جدعة و غيريله أنتِ..
ارتسمت السخرية على ملامحها من حديثه و نبرته لتتبدل إلى خُبث تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ لا بدل انت طمعان في جدعتني فأنا هساعدك. بص أنت تجيب الفيس بوك وتعمل سيرش على جروب اسمه سنة أولى مامي.. الجروب دا بقى هيعلمك ازاي تبقى مامي. أقصد ازاي تعمل كل حاجة للبيبي..
عض كمال على شفتيه بغضب من سخريتها و لسانها اللاذع ليقول بوعيد:
ـ هو أنتِ لسانك الطويل دا متبري منك؟
آسيا بسخرية يشوبها المرارة:
ـ عادي مانت إيدك بردو طويلة و متبرية منك..
تذمر فعلته النكراء التي بالرغم من كل شيء، فهو قد ندم عليها أشد الندم، وقد جاء الوقت ليعتذر عنها مما جعله يتحمحم بخشونة قبل أن يقول بنبرة أسف حقيقية:
ـ عايز اقولك اني فعلا ندمت اني مديت ايدي عليكِ اليوم دا. بس أنا عقلي مكنش فيا وقتها..
آسيا بمرارة ساخرة:
ـ أنت عقلك على طول مش فيك، فدا مش مبرر..
نجحت في استفزازه فهتف بنبرة حادة:
ـ ومين السبب؟
آسيا ببساطة أذهلته:
ـ أنا. عن اذنك عشان ورايا شغل...
لم يكن يريد أن يصل معها إلى هذه النقطة لذا هدأت نبرته قليلًا حين قال:
ـ طيب ممكن اطلب منك طلب؟
آسيا بجفاء:
ـ لا..
نهرها قائلًا:
ـ بطلي سخافة. ايه ؟ عشان قولتلك متزعليش هتسوقي فيها؟
آسيا بذهول:
ـ أنت كمان بتزعقلي؟
كمال بحدة:
ـ واكسر دماغك.. استني هنا هروح اخلي الجنايني يجيب مراته تغير لسيف، و ارجع...
أنهى جملته وغادر ليتركها خلفه يغلي من الغضب الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ.شايف ابوك بيزعقلي ازاي ؟
بكى الصغير من شدة الألم، فقد كان يريد أن يُبدل حفاضته، وقد رق قلب آسيا كثيرًا لأجله مما جعلها تقترب منه وهي تمسد خصلات شعره الناعمة وهي تقول:
ـ ياروحي انت شكلك متضايق اوي.. هغيرلك وأمري إلى الله. ربنا ينتقم من الظالم..
قامت بتغيير الحفاضة له ثم لامست بأناملها وجنته الناعمة و ما أن شعر الطفل بيدها على وجهه حتى اخرج لسانه وقرب فمه من يدها، فقد كان جائع كثيرًا لتهتف آسيا بغضب:
ـ وجعان كمان... هقول ايه على الظالم ابوك. ربنا ينتقم من الظالم كمان مرة...
ـ هو أنا كل مرة هرجع الاقيكي بتدعي عليا!
هكذا صاح كمال من خلفها لتلتفت إليه قائلة بسخرية:
ـ طب والله كويس انك عارف نفسك ظالم. اتفضل شيل ابنك هنزل اعمله ببرونة لبن و دي اخر مرة هعمله حاجة، واعمل حسابك لو دبستني بالشكل دا في حاجة له تاني مش هقعد لحظة واحدة في البيت دا..
أنهت جملتها وهرولت الى الأسفل، فقد كانت تشعر بالغضب منه ومن نفسها و من كل هذه الظروف التي لم تجعلها أمًا لهذا الطفل، فقد كانت تشعر نحوه بحُب كبير، فهو طفلاً جميل تتمنى لو عندها مثله، ولكن يبدو أنها أمنية مستحيلة، فكل شيء حولها لا يوحي بأن القادر خير، و هي كل ما تفعله هو الانغماس في العمل أكثر حتى لا تخسر السلاح الوحيد الذي تملكه في هذه الحياة.
ـ أنتِ مبتكرهيش سيف. صح؟
هكذا جاء صوت كمال من خلفها لتحاول ارتداء قناع الجمود في ملامحها و نبرتها حين قالت:
ـ وأكره طفل بريء ليه؟ عملي ايه؟
كمال بترقب:
ـ يعني بما أنه ابني من واحدة تانية...
التفتت تناظره باتهام شاب نبرتها حين قالت:
ـ تقصد نتيجة خيانتك ليا...
كمال بجمود:
ـ أنا كنت مطلقك متعتبرش خيانة..
آسيا بقسوة مغموسة بالألم:
ـ لا خيانة.. لما ابقى هنا بموت من القهرة والوجع وحضرتك مقضيها في حضن واحدة تانية تبقى خيانة..
شعر بالألم في عينيها ونبرتها وملامحها فلم يفلح في قمع هذا الاستفهام الذي خرج مندفعًا من بين شفتيه حين قال:
ـ لو مكنتش رجعت و معايا سيف. كان هيبقى رد فعلك اي؟
و كأنها أرادت الزج به في قفص الندم حتى يجهز عليه حين أجابته:
ـ كنت هعيش اللي باقي من عمري كله أحاول أكفر عن غلطي في حقك.
نجحت في مسعاها لتتقلص ملامحه بألم و كذلك نبرته حين قال:
ـ و دلوقتي؟
آسيا بقسوة:
ـ أول فرصة تجيلي عشان امشي و أسيبك هعمل دا...
قلص الفارق بينهم ليهتف بقوة:
ـ بس أنا مش هسيبك.
آسيا بسخرية:
ـ وقتها مش هاخد رأيك زي ما انت بردو لما طلقتني و سافرت مخدتش رأيي. باختصار هعمل زيك بالظبط...
اسودت ملامحه بشكل غريب، و تغضن جبينه بالألم و كذلك عينيه حين قام بنزع ذلك التيشيرت الذي يرتدي بقوة ليتمزق كاشفًا عن ندبة كبيرة بشعة جعلت جسدها يرتجف من هول المنظر ، ولكنه لم يمهلها الوقت إذ قام بمد يديه و امساك كتفيها بقوة ليدفعها إلى الحائط خلفه بعُنف وهو يقول بمرارة:
ـ طب قبل ما تمشي. مش عايزة تعرفي أيه سبب الحرق دا؟
كانت المسافة بينهما شبه معدومة، حتى التقت ضلوعهما، و اختلطت أنفاسهما الساخنة في الهواء الضيق بينهما، لكن أياً منهما لم ينتبه لذلك بقدر انتباهه لتلك الفوضى التي تعصف بروحه.
فقد كان يقف قبالتها وعيناه تحملان إرثٍ عظيم من الخذلان والندوب التي لم تندمل قط، بينما كانت هي تواجهه بقلبٍ لا يقل عنه إنهاكًا، كأنهما شخصان أنهكتهما المعارك ذاتها وإن تشابهت وجوه الأعداء، للحظاتٍ طويلة لم ينطق أحدهما بكلمة. كانت الآلام تتحدث نيابةً عنهما، وكانت نظراتهما المتشابكة تحمل من الاعترافات ما تعجز عنه الكلمات. في تلك اللحظة كانا يبدوان كغريقين التقيا في منتصف العاصفة؛ لا يملك أحدهما نجاة الآخر، لكنه يفهم تمامًا حجم الغرق الذي يعانيه.
ارتجفت أنفاسه وهو يشيح ببصره عنها للحظة، وكأن الاقتراب منها أكثر سيُسقط آخر جدارٍ يحتمي خلفه، بينما شعرت هي أن ذلك الحزن المختبئ خلف صلابته يضغط على صدرها بقوةٍ مؤلمة. لم تعد ترى الرجل القاسي الذي اعتادت مواجهته، بل إنسانًا مثقلًا بجراحٍ مروعة يقف على حافة الانهيار وهو يحاول التظاهر بالعكس.
كانا قريبين إلى حدٍ خطير ليس قرب جسدي بل قرب الأرواح حين تتعرف على وجع يشبه وجعها، فتتوقف عن القتال للحظة، وتكتفي بالنظر في صمت قاتل..
بدد تلك الأجواء المشحونة رنين هاتف آسيا التي دفعته في صدره لتتوجه إلى حقيبتها و تخرج الهاتف، فوجدت أن المتصل أشجان شقيقتها بينما هو قام بصب زجاجة الحليب لياخذها إلى الطفل في حين أنها أجابت شقيقتها بنبرة منهكة:
ـ ايه يا شوشو صباح الخير...
ـ صباح النور. وحشتيني...
هكذا تحدثت أشجان ليرن جرس باب المنزل، فأجابتها آسيا وهي تتوجه لرؤية من الطارق:
ـ أنتِ كمان وحشتيني. طمنيني عليكِ. عملتي أيه مع خالد؟
أشجان بسعادة غامرة:
ـ اتصالحنا يا آسيا..
صاحت آسيا بحماس:
ـ أوبا ايه الأخبار الحلوة دي على الصبح..
قالت جملتها و هي تفتح باب المنزل لتتفاجيء بنبيلة تقف أمامها لتتبدل فرحتها إلى حنق تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ ايه الاصطباحة الزفت دي عالصبح..
أشجان بصدمة:
ـ اخس عليكِ يا آسيا.. أنا اصطباحتي زفت...
آسيا بسخط وهي تمرر نظراتها فوق نبيلة بإزدراء:
ـ لا يا روحي مش أنتِ بس تقريبًا الجنايني نسي يرش الجنينة من التعابين و الحيات بدؤا يهلوا علينا..
هتفت نبيلة بحدة:
ـ أنتِ واحدة قليلة الأدب...
لم تكد تكمل جملتها إذ قامت آسيا بإغلاق الباب بقوة في وجهها، ليأتيها صوت أشجان المفزوع على الطرف الآخر:
ـ آسيا هو دا صوت نبيلة الوتيدي صح؟
آسيا بسخط:
ـ قصدك دنيئة هانم الوتيدي. نخلي بالنا من كلامنا.
صاحت أشجان بذُعر:
ـ الست دي ايه اللي جابها عندك؟ أيوا جاية تشوف الولد. اوعي تخليها تشوف الولد يا آسيا. اوعي..
آسيا بريبة:
ـ في أيه يا أشجان اهدي. هي هتعمل ايه في الولد يعني؟
أشجان بانفعال:
ـ اسمعي الكلام اوعي تخليها تشوفه.
ضاقت ذرعًا من حديث شقيقتها لتهتف بحدة:
ـ بطلي صريخ صرعتيني. ما تقولي مش عيزاها تشوف الولد ليه؟
أشجان باندفاع:
ـ عشان أكيد هتخلص عليه زي ما خلصت على سهام مرات خالد وابنه..
يتبع......
ذنوب على طاولة الغفران الفصل السادس وتسعون 96 - بقلم نورهان العشري
حبايب قلبي قبل القراءة حبيت اشكر الناس اللي سألت عني و عن نتيجة التحاليل الحمد لله قبل اي حاجة انا عندي حصاوي على الكليتين و صديد و التهابات قصة البولية اللي كلنا عارفينها، الحمد لله انا باخد علاج و ربنا يكتبلي الشفا من عنده بحاول التزم معاكوا و ان شاءالله ربنا يمنع الموانع و الدنيا تهدى عندي
بأمر الله هروح للدكتورة الخميس اللي جاي لو الدنيا تمام هسهر على البارت و انزله الصبح زي ما متعودين ♥️
عارفة انكوا بتدعولي و ربنا ما يحرمني منكوا أبدًا ♥️
متنسوش تعملوا فوت و كومنتات على الفقرات اللي حبتوها كتر الكومنتات بيعلي الرواية على واتباد فياريت متبخلوش عليا بدعمكوا♥️
الأحداث هتبتدي تاخد شكل تاني من اول البارت الجاي ان شاءالله و اتمنى المفاجأة اللي في البارت تعجبكوا ♥️
قراءة ممتعة ♥️
بسم الله الرحمن الرحيم
السبيل الواحد و الثلاثون
قد تُفرقنا مِحنة، وقد تجمعنا أخرى، لكن دعني أخبرك بحقيقتين لا تقبل إحدهما الشك.
الأولى أنني سأبقى إلى جوارك في أوقات الحزن والألم والعذاب، والثانية. أنني سأظل عاشقًا لك رغم كل ما قد يحمله القدر من حزنٍ وألمٍ وعذاب.
أعلم أن تلك معادلة تبدو شديدة الصعوبة، لكنني لا أجد نفسي مرتاحًا وأنت مُثقل بالوجع، ولا تعرف نفسي للهدوء سبيلًا بينما عالمك غارق بالفوضى. تأبى شمسي الشروق ما دام ليلك غارقًا في العتمة، وتعجز روحي عن الاطمئنان ما دامت روحك تُصارع وحدها.
قد يبدو الأمر مؤسفًا في نظر البعض، لكنها لعنة الوقوع بالعشق التي ما أن أُلقيت في قلب انسان حتى جعلت سعادته مرهونة بسعادة من يسكنه،
لهذا لا أعدك بأن أُبعد عنك الحزن، فبعض المعارك لا أملك حق خوضها نيابةً عنك، ولكنني أعدك أن لا أترك يدك وأنت في غِمارها تُقاتل، و مادام في قلبي نبض لن أسمح للظلام أن يحتال على شمسك، بل سأتصدى لكل من يحاول إطفائها، حتى ولو تبدل الطقس و تكاثفت الغيوم في سماءك، فسأكون دائمًا بجانبك. ليس من باب الواجب ولكن الأمر أعمق بكثير، فبالرغم من كل شيء قلبي أختارك وطنًا يسكنه، و من اعتاد دفء الأوطان لا يرحل عنها مهما اشتد الصقيع، و إن كان العشق لعنة كما يصفونه، فستكون لعنتي الجميلة التي سأحيا بها ولأجلها عمرًا بأكمله..
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أرجوكي يا آسيا أوعي تخليها تشوفه. دي قتالة قتلة. صدقيني اللي قولتهولك دا حصل. هي بنفسها اعترفتلي. احمي الطفل اليتيم دا ابوس ايدك. دا مالوش ذنب في حاجة...
لا تعلم كيف خرجت الكلمات من فمها، لتخترق أذن آسيا التي تجمدت في مكانها حتى ذلك الرنين على باب البيت لم ينجح في إذابة جليد الصدمة الذي اكتسح جسدها بالكامل بدايةً من عقلها، لتقف مبهوتة تنظر أمامها، فإذا بيد كمال تقبض على يدها الممسكة بالهاتف لتديرها إليه وهو يقول بلهفة:
ـ مالك يا آسيا؟ و بتكلمي مين؟
ناظرته بضياع أربك ثوابته فهو لم يعتد تلك النظرات منها لتمتد يديه تعانقان وجهها من كلا الجانبين وهو يقول بقلق:
ـ آسيا فيكِ ايه؟ ردي عليا.
أعادتها تلك الكلمات إلى أرض الواقع لتبلل حلقها وهي تحاول استعادة ثباتها أمامه بشق الأنفس فالصاعقة التي أصابتها منذ قليل لم تكن هينة أبدًا:
ـ اه. أنا كويسة. بس. دوخت شوية...
كان ارتباكها و شحوبها بهذه الطريقة أمران محيران بالنسبة إليه و لعقله أما قلبه، فقد كان يتوق لضمها بين ضلوعه حتى يحميها من أي شيء وكل شيء.
ـ دايخة شوية! ولا عايزة تداري على وقاحتك وقلة أدبك. تخيل يا كمال الهانم مراتك قفلت الباب في وشي. يرضيك دا؟
ارتفع أحد حاجبي كمال وهو يناظر آسيا التي لم تمهله حتى فرصة السؤال لتقول بجفاء:
ـ أه أنا عملت كدا... معلش يا كمال بيه ماهو أصل بنت الخدامة مبتعرفش تجامل. أقصد متعملتش الأتيكيت.
التفتت ناظره إلى نبيلة بقسوة وهي تتابع بحدة:
ـ مش دا كلامك يا نبيلة هانم؟ مش أنتِ بردو ميلتي عليا لما رجعت أنا و أخوكي من شهر العسل و الضحكة مالية وشك وقولتيلي مبروك يا بنت الخدامة!
ارتبكت نبيلة من حديث آسيا و نظراتها المسمومة التي كان التحدي يتبلور بها لتسمع صوت كمال القاسي وهو يقول:
ـ الكلام دا حصل يا نبيلة؟
التفتت نبيلة تناظره بخوف، فلم تمهلها آسيا الوقت للإجابة انما تابعت بحدة لا تخلو من التحدي:
ـ بنت الخدامة مكذبتش وقالت أيوا أنا عملت كدا. ياترى أنتِ بقى يا بنت الذوات عندك الجرأة تعترفي بعمايلك؟
ودت نبيلة في هذه اللحظة لو تصفع تلك الفتاة بقوة، فقد حشرتها في الزاوية و جعلتها في أسوأ موقف يمكن أن توضع به أمام شقيقها الذي آخر ما توده في هذه اللحظة هو أغضابه، فقد كانت تخطط بكل الطرق أن تنال مسامحته والآن جاءت تلك الفتاة و أفسدت مخططاتها، ولكنها لن تجعلها تنتصر عليها إذ قالت بنبرة زائفة التأثر:
ـ أنا فعلًا قولت كدا. مش هكذب. بس قولت كدا عشان.....
قاطعتها آسيا بسخرية مريرة عن قصد وهي تحاول استخدام أساليبها لتجعلها تتذوق ولو قليلًا من أفعالها:
ـ أدي إجابة للسؤال اللي سألتهولي قبل كدا.
تبدد غصب كمال ليتحول إلى فضول إذ قال باستفهام:
ـ سؤال أيه؟
آسيا بمكر:
ـ سألتني ليه منستيش؟ أنا كنت بعمل المستحيل عشان افرحك. عرفت ليه منستش؟ محدش كان بيديني فرصة انسى. محدش كان بيسمحلي انسى. اخواتك المحترمات. كانوا عاملين عليا عصابة. كل ما افرح و ابتدي اعيش حياتي وانسى يحصل اللي سمعته دا.
كانت كلماتها تقطر مرارة، فهي تعلم أنها اخطأت ولكن أولئك البشر المعدومين الضمير كانوا بمثابة الشيطان الذي كان يدفعها نحو الكراهية، و يغذون مشاعر الحقد بداخلها حتى أعمتها و تسببت في هلاكها.
لم تحتمل نبيلة أن تزج بها هذه الفتاة في هذا الخندق لتهتف بانفعال:
ـ أنتِ كذابة. عايزة تلبسينا مصايبك وعمايلك السودا...
ـ نبيلة..
هكذا صاح كمال بوحشيةٍ ارتعد لها جسد نبيلة، فقد كانت كلمات آسيا قد أوقدت في صدره نارًا مستعرة، راحت تمتد في عروقه كاللهيب. وحين تفوهت نبيلة بما قالت، كان الأمر أشبه بمن ألقى الزيت فوق النيران، فاستفاق الوحش الراقد في أعماقه دفعةً واحدة. عندها لم يعد قادرًا على احتمال أن تُمس آسيا بسوء، فقاطعها بحدةٍ:
ـ إياكِ تفكري تقولي حرف واحد عن مراتي...
كادت أن تسقط من فرط الغيظ من هذه الفتاة التي قلبت موازين كل شيء فوق و افسدت جميع خططها لتهتف بحدة:
ـ طب ممكن اشوف ابن اخويا ولا دا كمان هتخليه يتبرى مننا؟
ما أن سمعت آسيا هذه الكلمات حتى شعرت بدقات قلبها تنتفض مذعورة وكلمات شقيقتها تتردد في أذنيها كالطبول مما جعلها تندفع لتجذب كمال من ذراعه وهي تقول بلهفة:
ـ تعالى معايا عشان عيزاك...
تفاجئ كمال من فعلتها التي أعجبته بالرغم من كل شيء ليترك لها نفسه لتقوده إلى الحمام الكبير دون أن تدرك إلى أين أخذته لتغلق الباب خلفهما وهي تحاول تنظيم أنفاسها قبل أن تقول بانفعال:
ـ بص بقى. أنا هكون صريحة معاك. أنا.... مبكرهش في حياتي قد أخواتك دول تمام؟
لم تمهله الفرصة ليُجيب إنما تابعت بأنفاس مقطوعة:
ـ تمام، وعشان أكون صريحة معاك اكتر أنا مش طايقة اقعد في البيت دا ثانية واحدة. لكن بما أني قاعدة هنا و دا أمر واقع يبقى على الأقل نحترم بعض. كلامي صح ولا غلط؟
ـ صح الصح..
هكذا تحدث كمال الذي كان في وادٍ آخر منذ أن جذبته بهذه الطريقة لتتوقف نظراته التي يتبلور بها الأعجاب و يتساقط منها العشق تتوقف على ذلك الزبرجد الأخضر الذي يتوهج بعينيها وعلى ملامحها الفاتنة و تلك الشفاة الرائعة التي تتحدث بهذه الطريقة الرائعة وهذا الانفعال الذي يجعل بتلات الورد تنمو فوق وجنتيها بدلال اغواه ليمد اناملة و يمررها بحنو فوق خديها الشهيين وهو يتابع بصوتٍ أجش:
ـ و بعدين؟ قوليلي بالظبط عايزاني احترمك ازاي وانا معاكي...
ضيقت عينيها بحنق قبل أن تمد يدها و تنزع يده التي تلامس وجنتيها وهي تقول بحدة:
ـ مش هقولك متدخلش اخواتك بيتك طبعًا.. بس ياريت مطلعش فوق على الأقل من باب الخصوصية حتى.
ارتفع أحد حاجبيه باندهاش من حديثها، ليقول باستفهام:
ـ ومين قالك أنها هتطلع فوق؟
آسيا باندفاع:
ـ مش بتقولك عايزة تشوف ابن اخوها؟ فجأة كدا بقى عندها مشاعر و جاية تبعترها حوالينا؟
كانت حديثها غريبًا بالنسبة إليه و خاصةً غضبها من رؤية نبيلة لسيف مما جعله يقول بترقب:
ـ هو أنا ليه حاسس انك مش عايزاها تشوف سيف؟
اندفعت الكلمات من بين شفاهها دون أن تملك القدرة على إيقافها:
ـ أيوا مش عيزاها تشوفه. دي . دي إنسانة مفيهاش أي خير. بتأذي أي حد. هي مش أذتك و ميرهان كمان أذتك وانت اخوها. معقول يعني هيبقوا كويسين مع سيف اللي عمرهم ما شافوه ولا يعرفوه؟
لم يكن حديثها مرتبًا، ولكن صدى كلمات شقيقتها لازال يتردد في عقلها، وقد عقدت العزم على حماية هذا الصغير من بطش تلك الطاغية مما جعل التصميم يبدو على ملامحها، لتخيم الصدمة على وجه كمال الذي هتف بذهول:
ـ هو أنتِ بتقولي ايه؟ اختي هتأذي ابني؟ حتى لو هي غلطت..
قاطعته آسيا بنبرة يغلب عليها القهر:
ـ مش مجرد غلطت. دي أذت، عارف يعني أيه أذى؟ وبعدين ما انت حنين أوي أهو وبتقول غلطت و كأن غلطها حاجة بسيطة. بس لما أنا اللي غلطت علقتلي المشنقة! أه سوري نسيت ماهي اختك بس أنا.....
لم تفلح في إكمال جملتها، فقد ضاق صدره بالحديث الذي يعيد فتح الجراح ذاتها. لذا لم يمنحها فرصة لإتمام جملتها، ليقترب منها حتى اختلط دفء أنفاسهما، وسرق من بين شفتيها بقية الكلمات، مفضّلًا أن يجيبها بطريقته بدلًا من خوض ذلك الحديث مجددًا لتتوه هي إثر هجومه المفاجئ وتتبعثر حصونها دفعةً واحدة بعد أن جرفتها دوامةٍ من المشاعر المتضاربة، وقد غاب عقلها عن أداء دوره للحظات عاجزًا عن مجاراة ما اجتاحها من ارتباك. أما قلبها العاشق، ذلك القلب الذي طالما حاولت إخضاعه لسطوة المنطق، فقد خانه صموده في تلك اللحظة، واستسلم لضعفه القديم أمامه، وصار يخفق بجنونٍ بين ضلوعها وكأنه يعلن هزيمته الكاملة لينتزعهم من روعة تلك اللحظات صراخ الصغير في الأعلى الذي ما أن تنبهت له آسيا حتى تقاذفها الذعر لتدفع كمال في صدره و تندفع إلى الأعلى بأقصى ما تستطيع، فقامت بفتح باب الغرفة بقوة وهي تلهث بجنون لتجد نبيلة تحمل الطفل بين يديها تحاول تهدئته لتقوم آسيا بانتزاعه منها وهي تدفعها في صدرها بقوة جعلت الأخيرة ترتد إلى الخلف حتى كادت أن تسقط أرضًا لتشهق بقوة بينما اقتربت منها آسيا والغضب يقطر من نظراتها و الوعيد يفوح من بين كلماتها حين قالت:
ـ إياكِ تفكري تقربي منه تاني، أقسم بالله ما حد هيقفلك غيري.
بهتت ملامح نبيلة من شدة الصدمة، فاندفاع آسيا بهذه الطريقة و تهديدها يحملان معنى واحد، وهو أنها تعلم شيء عن ما حدث في الماضي. هل من الممكن أن تكون أشجان قد أخبرتها ؟
اعتدلت في وقفتها تزامنًا مع دخول كمال الذي لم يرى ما حدث منذ ثوان ولكن الجو كان مشحونًا مما جعله يقول باستفهام حاد:
ـ حصل ايه؟
كان الطفل يبكي بقوة لتحتضنه آسيا بحنو وهي تحاول تهدئته في مشهد أذهل الثنائي ليقترب كمال منها وهو يقول بجفاء:
ـ خدي سيف و روحي اوضتك يا آسيا.
اطاعته آسيا و التفتت مغادرة بعد أن حدجت نبيلة بنظرة قاسية متوعدة لتدرك الأخيرة أن هذه الفتاة حتمًا تعلم شيء، وقد تعاظم حنقها على أشجان حتى كادت أن تطحن ضروسها من فرط الغضب الذي تضاعف من كلمات كمال الحادة:
ـ أنتِ ايه اللي طلعك هنا ؟
حاولت نبيلة قلب الأمر لتبدو و كأن كلماته جرحت مشاعرها لتقول بصدمة:
ـ كدا يا كمال؟ بقى بتعاملني على أني غريبة مش أختك اللي ربتك؟
كمال بسخرية تحمل طابع الجفاء:
ـ أنتِ عمرك ما ربيتي حد يا نبيلة فوقي. دا أنتِ كنتي بتسيبي ولادك محمومين و تخرجي. الحنية دي مش سكتك.
كلماته كانت جارحة بقدر ماهي مُحقة مما جعلها تحاول استعطافه بطريقة آخرى حين قالت بانكسار:
ـ انتوا بقيتوا وحشين كدا ليه؟ معقول كل دا في قلبكوا ليا؟ دانا لو عدوتكوا مش هتعاملوني كدا؟ ليه كل القسوة دي؟ ليه كدا؟ أنا مش هجري ورا حد فيكوا تاني. لو بموت مش هلجأ لحد فيكوا أبدًا،و ابقوا شوفوا هتقولوا ايه لأبوكوا لما تقابلوه؟ هتقولوا بهدلنا اخواتنا البنات ازاي؟
كانت تتحدث بنبرةٍ صارخة وهي تذرف العبرات بسخاء، تجبر العين التي تراها على التأثر بها حد الوجع، فقد أتقنت ارتداء ثوب الضحية حتى خُيل لها بأنه خيط خصيصًا لأجلها، فأخذت تنتحب بحرقة حتى نسيت أن ذلك الرداء لم يكن يومًا لها. لتقوم بالاندفاع إلى الخارج وصوت شهقاتها يتردد في صدر كمال الذي شعر بنفسه ممزقً بين غضبٍ لا يُقهر، و ألمًا لا يبرح ليضع يديه فوق رأسه الذي يكاد ينشطر إلى نصفين. أما على الطرف الآخر، فقد كانت آسيا تحادث أشجان قائلة بحدة:
ـ حالًا تفهميني ايه اللي قولتيه من شوية دا؟
أشجان بخفوت:
ـ خالد هنا. شوية و هينزل الشركة عدي عليا عشان نتكلم.
زفرت آسيا بقوة قبل أن تقول بنفاذ صبر:
ـ مسافة السكة و هكون عندك...
أغلقت الهاتف وهي تنظر إلى الطفل الذي كان يلهو بقدميه الصغيرتين لتلتمع العبرات في مقلتيها وهي تنظر إلى حالها في النهاية، فقد سخر منها القدر بشتى الطرق، و أشدها قسوة، فهاهي تهتم بالطفل الذي شاركتها والدته في الرجل الوحيد الذي أحبته.
محت عبراتها و توجهت لتأخذ أشياءها و اقتربت تحمل الطفل الذي كان يبتسم لها، فبادلته الابتسامة من بين دموعها لتتوجه الى الغرفة الآخرى، فوجدت كمال يجلس على الأريكة الصغيرة التي تتوسط غرفة الطفل، وهو ينظر إلى البعيد و عينيه تحملان حزنًا عميقًا لم تخطيء في إدراكه، ولكنها تجاهلت ما رأته وحاولت جعل نبرتها ثابتة حين قالت:
ـ أنا أجازة من الشغل النهاردة و هتقابل مع البنات عند سوزي.
تحمحمت قبل أن تُضيف بارتباك طفيف:
ـ أنا عارفة انك عندك شغل، ولسه محبتش بيبي سيتر، فهاخد سيف معايا. يعني لو معندكش مانع؟
لا تعلم لما قالت هذه الأشياء ولكن رغمًا عن أنف كبريائها، فهي لم تستطيع ترك هذا الصغير هنا خوفًا من أن تطاله يد تلك المرأة الملطخة بالدماء، ولكن لحديثها وقعٍ خاص على صدر كمال الذي تبدد ألمه لثوان ليتحول إلى دهشة عارمة انتابته لينصب عوده متوجهًا إليها وهو يقول باندهاش:
ـ نعم! عايزة تاخدي سيف معاكي؟ بصراحة متوقعتش انك تطلبي مني طلب زي دا؟
اغتاظت من حديثه ومن نظراته ومن الموقف برمته لتقول بنبرة حادة بعض الشيء:
ـ طيب مبدأيًا كدا أنا مبعملش دا عشانك. أنا بعمل كدا عشان دا طفل صغير حرام يتبهدل، و خصوصًا أني مش شايفة من حضرتك أدنى احساس بالمسئولية، وانا واحدة عندي ضمير..
قاطعها كمال بإعجاب أطل من عينيه أولاً قبل نبرته حين قال:
ـ قصدك واحدة عسل..
ارتج قلبها لغزله الصريح الذي جاء مباغتًا مما جعلها تهتف بانفعال:
ـ بالنسبة للاستهبال اللي انت دايس فيه، فقلة الأدب دي لو حصلت تاني والله لهرفع عليك خُلع!
كمال بذهول:
ـ خلع!
آسيا بحدة:
ـ أيوا خُلع.
ضيق كمال عينيه قبل أن يقول بتخابُث:
ـ وهتقوليلهم ايه بقى؟ شديت جوزي من أيده لحد الحمام و زعلانه اوي أنه باسني؟
آسيا بصدمة:
ـ حمام!
كمال بتهكم:
ـ أيوا شدتيني لحد الحمام، وقفلتي الباب كمان..
شعرت بالحرج من هذا الموقف، فقد كانت في خضم انفعالها و ذروة خوفها، فلم تلحظ أنها بالفعل جذبته إلى المرحاض لتقول باندفاع:
ـ اه صح دا كان حمام. بقولك ايه عديني كدا عشان اخد حاجات للولد أنا مش فضيالكوا..
هكذا قالت جملتها الأخيرة بارتباك في محاولة منها لتغيير دفة الحديث، فتنحى كمال مفسحًا الطريق لها وهي يبتسم بخُبث قائلاً:
ـ اتفضلي.
أخذت بعض الأغراض و توجهت إلى الخارج وهي ترى نظراته العابثة لتمر به دون أن تتفوه بحرف لتسمع صوته الماكر خلفها:
ـ سيفو خلي بالك منها. اوعى حد يعاكسها. أنا سايب معاها راجل.
كان يشير إلى الخلف للطفل الذي ضحك على أفعاله لتهتف آسيا ساخطة:
ـ بتضحك على أيه أنت كمان؟ على خيبتك انت وابوك؟ أنا عملت ايه اسود في دنيتي بس يا ربي عشان اتعاقب بالعيلة المنيلة بنيلة دي؟
اللهم إني أسألك رزقًا لا ينقطع، وخيرًا لا ينفد، وبركةً تحل في كل ما أعطيتني، اللهم ارزقني سعةً في الرزق، وراحةً في القلب، وتوفيقًا في الأمر، واجعل لي من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل بلاء عافية، وارزقني من واسع فضلك رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه. 🩵
★★★★★★★★★
كانت نبيلة تتحدث عبر الهاتف بخفوت وهي تنظر إلى تلك الشعيرات التي بين يديها:
ـ أنا جبت شعره من الولد عايزة اعرف اذا كان هو ابن كمال فعلًا ولا لا....
أنهت جملتها تزامنًا مع وصولها إلى الباب الداخلي للقصر لتجد عمر جالسًا على أحد المقاعد مما جعلها تقول بسخرية:
ـ ياااه أخيرًا دكتور عمر شرف بيته؟ ياخي دا احنا قربنا ننسى انك موجود؟!
ضيق عمر عينيه، ولأول مرة يشعر بالشفقة على والدته خاصةً حين تذكر ما حدث البارحة:
عودة إلى وقتٍ سابق
برقت عينيه حين سمع حديث الحارس على الطرف الآخر ليقول بحدة:
ـ طب اقفل وأنا هتصرف..
أنهى جملته و التفت يناظر شروق التي كان التوتر بادٍ على ملامحها، فلوهلة ظن بأن شقيقته في الداخل مما جعله يقول باستفهام:
ـ في ايه جوا؟
شروق بتلعثم:
ـ مفيش هيكون في ايه؟
لم تكد تنهي جملتها حتى اندفع عمر الى الداخل ليتسمر في مكانه حين شاهد والده يجلس أمام إمرأة و يمسك بكفها يرفعه إلى شفتيه ليقبله!
تجمدت الدماء في عروق عمر وهو يرى هذا المشهد خاصةً نظرات والده العاشقة، وسرعان ما تبدد الغضب بداخله ليتحول إلى غضب لا يعرف من أي جهة تسرب إلى قلبه ليحاول الاقتراب منه، ولكن يد شروق منعته ليلتفت إليها فإذا بها تقول برجاء:
ـ بلاش تعمل مشكلة. أنت في مكان عام و كمان تيتا بره.
كانت محقة هكذا فكر عمر الذي أشار للنادل ليأتي، فتوجه إلى الخارج وهو يقول بجذب القلم والورقة من بين يديه ليدون بهم شيء، ثم أخبره أن يرسل هذه الورقة إلى طاولة والده قبل أن يلتفت إلى الجميع قائلًا بجفاء:
ـ يالا عشان اروحكوا...
كان الأمر مُريبًا بالنسبة إلى الجميع ماعدا كلا من جميلة وشروق لتقول سعاد بريبة:
ـ في ايه يا عمر؟ و ليه هنمشي؟ أنا ملحقتش أقعد مع البنات؟
كان عمر ككرة النار، يشعر بأن الهواء لا يزيده الا أشتعالًا مما جعل نبرته تبدو حادة حين قال:
ـ قولت هروحكوا...
تدخلت شروق لتهدئة الموقف قائلة:
ـ تيتا حبيبتي. اوعدك أنك هتزهقي مننا الفترة الجاية دي. بس دلوقتي خلينا نروح عشان جميلة حست نفسها دايخة شوية و محتاجة ترتاح، و كمان احنا اصلنا شوفنا واحدة صاحبتها مابتحبهاش جوا و اتخنقت، فمعلش عشان خاطري خلينا نمشي...
لم تقتنع سعاد، ولكنها استسلمت لرغبتهم في النهاية ليقترب يزيد من عمر مستفهمًا:
ـ في ايه؟ مالك وشك قلب ليه كدا؟
عمر بنبرة مغلولة:
ـ خدي مفتاح العربية وروحهم، وانا هبقى اكلمك افهمك على كل حاجة...
أطاعه يزيد دون حديث ليستقل الجميع السيارة ماعدا شروق التي التفتت تناظره بقلق لم تستطِع إخفائه لينظر إليها الأخير بتوسل لا يستطِع التعبير عنه، فقد أراد أن يخبرها بألا تتركه، ولكنه لم يفصح عنه، ليظل على جموده وهو يناظر رحيلها ثم جذب هاتفه و أجرى مكالمة مع شقيقته التي أجابته بلهفة :
ـ عموري..
عمر بحدة:
ـ أنتِ فين؟
هايدي بارتباك:
ـ أنا. أنا في البيت. هكون فين يعني؟
عمر بانفعال:
ـ و عربيتك بتعمل ايه قدام مركز التجميل اللي كنتي فيه؟ و هربتي من الحرس ليه؟
هايدي بتلعثم:
ـ ماهو أنا بصراحة. اتخنقت منهم، لازقين فيا في كل مكان، وانت عارف اني مابحبش احس اني متراقبة كدا، فقولت أضايقهم زي ماهما بيضايقوني بوجودهم..
عمر بوعيد:
ـ عارفة لو عملتي كدا تاني؟ والله لهتشوفي مني وش عمرك ما تخيلتي تشوفيه.
عودة إلى الوقت الحالي
زفر عمر بقوة قبل أن يقول باستفهام:
ـ عاملة ايه يا ماما؟
نبيلة بسخرية:
ـ كويسة. زي ما انت شايف.. قولي يا دكتور مش غريب سؤالك دا شوية؟
تجاهل عمر سخريتها واستفهم بجمود:
ـ وبابا عامل ايه؟
نبيلة بجفاء:
ـ كويس. لسه فاكر تسأل علينا؟
تجاهل سخريتها للمرة الثانية وقال بنبرة جافة يشوبها التحذير:
ـ خلي بالك من بابا يا ماما، حاسس ان علاقتكوا اليومين دول مش عجباني...
ارتابت نبيلة في كلماته لتقول بترقب:
ـ تقصد أيه بكلامك دا؟
عمر بغموض:
ـ بقولك خدي بالك منه. ارجعي اهتمي بيه زي الأول. مش معنى انك ضمنتيه و ان كل اللي حواليه خلاص اختفى، فمبقاش في حد تحاربيه عليه انك تهمليه.
تضاعف الشك في صدرها، فأخذت تسترجع كلمات زينة البارحة:
ـ بقولك مطحون في الشغل، و خصوصا أنه داخل على مناقصة كبيرة شغال بإيده وسنانه عشان ترسى عليه. لأن دي هتنقله نقلة تانية خالص...
هدأت قليلًا حين تذكرت كلماتها لتبتسم بسخرية قبل أن تقول:
ـ سيبنا من باباك دلوقتي عشان زي ما قولت أنا ضمنته خلاص. خلينا دلوقتي فيك أنت..
قاطعها عمر بنبرة حادة كالسيف ليقطع استرسالها في الحديث:
ـ أنا زي الفل متشغليش بالك بيا.. اهتمي بالهانم اللي فوق، و ياريت متقوليش انك ضمناها هي كمان. عشان مفيش حاجة مضمونة في الزمن دا، وعشان لو عرفت انها بتعمل حاجة غلط والله ما هتعرفي تحوشيها من ايدي، وقبل ما تسألي الهانم هربت من الحراسة ست ساعات. هي بقول أنها كانت في البيت بس أنا مش مرتاح. خلي بالك بقى، ومتقوليش اني مش نبهتك..
اغتاظت من حديثه ولم تبالي بما يخص ابنتها لتهتف بحدة:
ـ هو في أيه؟ انتوا مالكوا؟ مبقاش ليكوا كبير ليه؟ بدل يا حبيبي قلبك على أختك اوي كدا اقعد راقبها، ولا عشان انت عارف ومتأكد ان أختك زي الفل قاعد في اخر الدنيا ومكبر دماغك؟ ابوك مطحون في شغله ربنا يعينه. أنت بقى فين؟
عمر ببرود أذهلها:
ـ مكان ما أكون. دا ميخصش حد. أنا مش لسه طفل صغير. خليك في اللي لسه صغيرة و محتاجة منك اهتمام و تركيز. عن اذنك...
غادر عمر ليتركها تكاد تنفجر من شدة الغيظ، فلا شيء أصبح يسير كما تريد، ولهذا أقسمت أن تجعل كل الامور في النهاية تسير نحو الدرب الذي خططت له
"اللهم إن كانت أرزاقي في السماء فأنزلها، وإن كانت في الأرض فأخرجها، وإن كانت بعيدة فقربها، وإن كانت قليلة فكثرها، وإن كانت كثيرة فبارك لي فيها، يا أكرم الأكرمين. 🩵
★★★★★★★★★★
كانت تنطوي على نفسها مطلقة العِنان لعبراتها لتنهمر بغزارة فوق وسادتها. كانت تبكي كل شيء يتمها وخوفها و صدمتها في ذلك الوالد المزعوم، فلم تكن تتخيل حتى بأحلامها أن يكون بهذه الوضاعة و الحقارة، والآن والدتها معه لا تعلم ان كان ذلك بإرادتها ام لا؟ ولكنها تشعر بالخوف الكبير عليها، ولا تعرف كيف تطلب العون؟ بل هي لا تعلم ما الذي سيفعله بها رحيم حين يعلم أنها كانت تتحدث مع هذا الرجل؟ هل سيتفهم شعورها؟ أم سيعتبرها خائنة في جميع الأحوال؟
أخذت تحتضن نفسها بقوة وهي تبكي و صوت شهقاتها يتردد في الأجواء، ولكنها سرعان ما حاولت كتمها حين سمعت باب الغرفة يُغلق، لتحاول التظاهر بالنوم، ولكن جاءها صوت رحيم الغليظ حين قال:
ـ جومي متمثليش. اني عارف انك صاحية.
اغتاظت من حديثه لتعتدل في نومتها وهي تقول بجفاء:
ـ نعم....
رحيم بنبرة آمرة:
ـ جومي اغسلي وشك.
نجاة بعناد:
ـ معيزاش أجوم. عايزة أنام..
رحيم بتحذير:
ـ جومي يا نچاة و اجصري الشر..
واصلت عنادها قائلة:
ـ جولتلك معيزاش أجوم. مالك ومالي انت؟
شمر رحيم عن اكمامه قائلًا وهو يميل نحوها:
ـ طيب. اني جولتلك بالذوق بس انتي مرضتيش. اشيلك بجى..
صرخت بفزع وهي تراه ينحني فوقها:
ـ اوعاك تجرب مني....
ضاعت كلماتها أدراج الرياح لتتحول إلى صراخ حين وجدت نفسها تطير في الهواء على ارتفاع يتخطى المائة و تسعون مترًا، فقد حملها و توج بها إلى المرحاض لتصرخ بذعر:
ـ بتعمل ايه انت؟
رحيم بلا مبالاة:
ـ بنفذ كلامي اللي مرضتيش تنفذيه أنتِ، و دا يعلمك انك تسمعي الحديت من أول مرة..
نجاة بتوسل:
ـ طيب نزلني وهسمع الحديت بعد أكده..
رحيم بنبرة عابثة:
ـ لاه. خلصت.
دلف إلى داخل المرحاض لينزلها برفق ثم فتح الصنبور ليملأ كفه بالمياة و يغسل وجهها بلطف يتنافى مع ضخامة كفه، فلجأت للصمت و تركته يفعل ما يريد، ليمسك بأحد المناشف و يجفف وجهها وهو يقول بنبرة رخيمة:
ـ متبكيش تاني عاد.. اني مابحبش لا البكى ولا النواح..
أخذ قلبها يدق بعُنف من حديثه ونظراته التي كانت حانية بطريقة جعلتها ترتبك قليلًا لتقول بخفوت:
ـ حاضر..
كانت جميلة على الرغم من ذلك الانتفاخ الذي يحيط بعينيها ليبتسم وهو يقول:
ـ يالا ورانا مشوار هتحبيه جوي.
غنى الفضول عقلها لتقول باستفهام:
ـ مشوار ايه؟
رحيم بنبرة خشنة:
ـ هتعرفي لما نروحوا. يالا متضيعيش وجت اومال. هستنى بره لحد ما تچهزي.
اومأت برأسها وهي تنظر إلى تلك الابتسامة المطمئنة التي كانت ترتسم على شفتيه و التي بثتها أمانًا هي في أمس الحاجة إليه ولكنه سرعان ما تبدد إثر اهتزاز هاتفها الذي أصبحت تكرهه، لتتوجه إليه، فوجدت أن المتصل هو بلائها الوحيد لتحمد ربها أن رحيم قد خرج، وقد قررت إنهاء هذه المعاناة التي تكاد تنهيها لتجيب بحدة:
ـ عايز مني ايه؟
صُدِم رماح من حديثها، ولكنه سرعان ما سيطر على صدمته ليقول بنبرة قلقة:
ـ فينك يا بتي جلجتيني عليكي. رنيت كتير مردتيش.
اغتاظت من زيفه و خداعه لتهتف بقسوة:
ـ جلجت عليا؟ ليه ؟ اوعاك تكون بتحبني لا سمح الله!
تمادى في ارتداء قناع الطيبة وهو يقول بعتب:
ـ بتجولي ايه يا بتي؟ ازاي مابحبكيش؟ دا أنتِ بتي الوحيدة..
لم تعد تحتمل كذبة آخرى لتصرخ بانفعال:
ـ كفياك كذب اني مش بتك ولا اعرفك.. واوعاك تفكر تكلمني تاني. أجولك اني هجفل التلافون ده خالص عشان متلجاش طريجة توصلي بيها...
أنهت جملتها وأنهت المكالمة و أغلقت الهاتف، وقد أقسمت الا تفتحه مرة ثانية، فهذا الرجل لن يأتي من ورائه خير، ولن يكون الأب الذي تمنته أبدًا، وقد قررت أن تعتبره ميتًا كما كانت تفعل من قبل. لتتوجه إلى غرفة الملابس لتبديل ملابسها غافلة عن تلك الاعيُن التي تراقبها بصمتٍ تام...
اللهم يا رازق السائلين، ويا أرحم الراحمين، ارزقني من حيث لا أحتسب، وبارك لي فيما أعطيتني، واصرف عني الفقر والحاجة والهم، واجعل الغنى في نفسي، والبركة في مالي وأهلي وعملي 🩵
★★★★★★★★★
كان خالد ينظر إلى أحد الأوراق أمامه بتركيز و انتباه تام قطعه ذلك الهاتف وما أن شاهد رقم المتصل حتى أجاب بلهفة ليأتيه الصوت على الطرف الآخر جامدًا، باردًا على عكس ما يحمله الحديث من بارود يهدد بالانفجار:
ـ لقيت اللي انت بتدور عليه...
هب خالد من مكانه وهو يقول بقسوة:
ـ متأكد؟
كان الرد عبارة عن ابتسامة ساخرة وصل صداها إلى إذن خالد قبل أن يصل إلى مسامعه باقية الحديث:
ـ الموضوع دا مفيهوش هزار. هبعتلك العنوان، ولازم تتحرك في اسرع وقت.
خالد بوعيد شابت كلمته المختصرة:
ـ هيحصل..
أنهى خالد المكالمة ليقوم بآخرى وما أن جاءه الرد حتى انمحت القسوة وحل محلها ابتسامة رائعة و تبدلت نبرته إلى آخرى أكثر ارتياحًا:
ـ عامل ايه يا باشا؟
قهقهه رجولية صاخبة جاءت على الطرف الآخر كما وصل إلى مسامعه ذلك الصوت الخشن:
ـ يااااه الوحش أخيرًا افتكرنا بعد الفترة دي كلها؟
خالد بضحكة خافتة:
ـ ما أنت عارف اللي ورايا..
ـ عارف ومش زعلان منك.. طمني عليك..
خالد بخشونة:
ـ بخير الحمد لله. عايز منك خدمة..
المتصل على الطرف الآخر:
ـ حسيت من صوتك.. معاك يا صاحبي...
خالد بجمود:
ـ مناقصة الخشب اللي جايه عايزها ترسي عليك، و أيًا كان تمنها أنا هدفعه..
المتصل على الطرف الآخر:
ـ في ايه في دماغك؟
خالد بتفكير:
ـ في حد عايز ألاعبه، أو بمعنى أصح اجيب آخره..
المتصل على الطرف الآخر:
ـ وماله. نلاعبه. بس قولي اللعب هيبقى بنزاهه، ولا في لعب من تحت الترابيزة؟
خالد بحيرة:
ـ لسه هعرف. بس على الاغلب هيبقى لعب قذر.. خلينا نشوف هتسريى على أيه؟
المتصل على الطرف الآخر:
ـ طيب وناوي تبيتها فين؟
صمت خالد قليلًا قبل أن يقول بتفكير:
ـ بقولك ايه؟ لو كنت مكاني و عايز توقع الفار في المصيدة مش عشان الفار نفسه! لا.. دا عشان تجيب اللي وراه. تعمل ايه؟
المتصل على الطرف الآخر:
ـ الفار غبي. بيجري على الأكل حتى لو كانت ريحة السم فايحة منه. بس شطارتك بقى. تحطله أكل ميقدرش يقاومه. عشان تضمن أنه لما يقع ميعرفش حتى يلعب ديله....
قهقه خالد بقوة على هذه الكلمات التي أتت في مكانها الصحيح ليقول بنبرة خشنة:
ـ حلو دا. كدا أنت فهمتني، وعرفت دماغي فيها ايه؟ خلينا بقى نلاعب الفار شوية قبل ما نوقعه...
المتصل على الطرف الآخر:
ـ الفار دا شكله حبيبك؟
خالد بقسوة:
ـ أووي، وعشان كدا هعمله نهاية تليق بيه...
أنهى خالد مكالمته تزامنًا مع ذلك الطرق على باب مكتبه ليلتفت سامحًا للطارق بالدخول ليجد ميرهان التي تقدمت منه وعلى وجهها إمارات الحرج الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ صباح الخير يا أبية. ممكن اخد من وقت دقايق؟
ابتسم خالد وهو يقول:
ـ صباح النور. طبعًا تعالي اقعدي..
اطاعته ليجلس أمامها على الأريكة وهو يوميء برأسه قائلًا:
ـ سامعك...
ميرهان بخفوت:
ـ الفترة اللي فاتت أنا خلصت كل الكورسات اللي كنت محتجاها. حاسة اني بنسبة كبيرة اتقدمت في حاجات كتير أوي، واهم حاجة اني فعلًا حددت أنا عايزة اعمل ايه في حياتي؟
خالد بنبرة خشنة:
ـ عايزة تعملي ايه في حياتك؟
ميرهان بنبرة متحشرجة وهي تجاهد حتى لا تبكي:
ـ عايزة اثبت نفسي. عايزة اشتغل واعمل حاجة في يوم من الأيام أقول اني قدرت اعمل دا. نفسي احقق انجاز واحد في حياتي.
ابتسم خالد بحنو، فهو يرى في عينيها ذلك الألم، و التهميش، والشعور بالدونية، الذي كانت تحاول إخفاءه خلف أفعالها الحمقاء ليفتح ذراعه في دعوة صريحة منه لتهرول إليه و ترتمي بين ذراعيه تبكي بحرقة و تنتفض بقوة، و الألم يكاد يُجهز عليها و خاصةً حين تذكرت ما حدث البارحة:
عودة إلى وقتٍ سابق
أخذت يدها ترتجف وهي تضرب رقم هاتفه، ولأول مرة تشعر بأنها تملك الشجاعة الكافية لمحادثته، لياتيها صوته الذي جعل كل خلية في جسدها تنتفض:
ـ الو..
حاولت أخراج صوتها قائلة بخفوت:
ـ رؤووف...
في البداية لم يعرف صوتها ولكنه تعرف إليه في النهاية ليقول بقسوة:
ـ يا بجاحتك. بتتصلي عليا! هما مش بيقولوا بردو أن ولاد الناس الأغنية اللي زيكوا بيكونوا حساسين و مرهفين! اومال أنتِ مش زيهم ليه؟
اخترقت الإهانة أعماق قلبها الذي كان ينزف في هذه اللحظة مما جعلها تقول من بين عبراتها:
ـ رؤوف أنت بتهينيي. ليه كل دا؟
رؤوف باستنكار:
ـ ليه كل دا؟ بقى كمان غبية ومش عارفة لية؟ نسيتي عمايلك السودا؟
ميرهان بلوعة:
ـ منستش. بس أنا عرفت اني غلطت، و ندمت. باقي ايه تاني؟
رؤوف بحدة:
ـ تبعدي عني. تشيلني من حساباتك خالص. عشان أنا مش طايق اسمع اسم عيلتك دا نهائي.
حاولت استعطافه قائلة:
ـ طيب ممكن تسمعني؟ خلينا نقعد و نتكلم...
رؤوف بسخرية لاذعة:
ـ لا معلش معنديش وقت اضيعه مع واحدة تافهه زيك. روحي شوفيلك حاجز تنفعك، ولا روحي دوريلك على شغلانه بدل ما أنتِ عايشة عالة على اسم عيلتك اللي كلها عايزة الحرق بالنار..
لم تستطِع تحمل تلك الإهانات لتنفض عنها ثوب الضعف و تهتف بانهيار:
ـ أنا تافهه وأنت حقير. بتلومني عشان غلطة أنت سببها. لو مكنتش سجلت لبنت عمك مكنتش أنا عرفت استغل التسجيل دا. أنت أضعف من انك تعترف بغلطك، فبتشيلني الليلة لوحدي. لكن عارف من اللحظة دي أنا هرميك من قلبي، و هعرفك مين هي ميرهان الوتيدي....
أنهت المكالمة و توجهت إلى بيت شقيقتها للبحث عن هايدي التي كانت تجلس فوق الأرجوحة في الحديقة وهي تتحدث في الهاتف ويدها تلهو في خصلات شعرها بدلال لتخترق كلماتها سمع ميرهان حين قالت بسخرية:
ـ معلش هي ميرهان كدا. بتحب تعيش دور الضحية شوية.. احنا مسمينها دراما كوين. متشغلش بالك بيها، و افكسلها. لا أروح اطمن على مين! ديه تلاقيها عماله تعيط وبجد مش طالبها خالص كفاية اني مش هخرج النهاردة..
هتفت ميرهان بذهول:
ـ هايدي..
وصل إلى مسامع هايدي صوت ميرهان خلفها لتقول بلهفة:
ـ طيب باي باي دلوقتي...
أنهت مكالمتها وهي تهب من مكانها متوجهة إلى ميرهان التي كانت تنظر إلى باحتقار تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ أنا طول عمري عارفة انك واطية وملكيش عزيز أو غالي. بس متخيلتش اني ممكن اهون عليكي وتبعيني بالشكل دا؟
هايدي بخسة:
ـ خلي بالك من كلامك يا ميري، و بعدين ايه الكلام الكبير دا! أبيعك مين و تهوني عليا ايه؟ مابلاش أفورة بقى..
ميرهان بذهول:
ـ أنا بأفور! بقى بتتكلمي عني وحش قدامه وبتقابليه من ورايا وكمان مش حاسة انك غلطي فيا ؟ قد كدا أنتِ حقيرة؟
هايدي بحدة:
ـ لا استوب بقى يا ميرهان، وبلاش تتكلمي عن الحقارة عشان أنتِ واخدة دكتوراه فيها، وان كنتِ محموقة عشان رؤوف بيك بتاعك، فهو مش طايق يسمع سيرتك. قرف منك. خلاص بقى فكك منه، مش اول ولا اخر واحد يعني تصاحبيه! الدنيا مليانه يا روحي. مش انا اللي هقولك. عن اذنك..
عودة إلى الوقت الحالي
ـ أبية ارجوك متسبنيش. اعتبرني زي رنا ولو غلطت قومني. اضربني حتى، وانا مش هقولك بتعمل ايه. بس متسبنيش. أنا لوحدي، و تايهة و ضايعة.
هكذا تحدثت بنبرة ملتاعة قبل أن ترفع رأسها وهي تقول بلهفة:
ـ أنا والله مش متضايقة من الفلوس اللي ادتوها لقرايبنا دول. أنا مش عايزة فلوس. أنا عايزة احس اني إنسانة ليا لازمة في الدنيا دي. مش مجرد عالة عليكوا..
تألم على تلك الصغيرة التي تركوها تواجه الحياة وحدها، بينما كانوا يظنون أنها بخير. لم يعلموا أن الوردة لا يكفيها أن تنبت، بل تحتاج يدًا حانية ترعاها. ولم يدركوا أن تلك الوردة الغضة لم تنبت في بستانٍ يحتويها بل بين أنياب أفعى كانت تهمس لها بالسم كلما احتاجت إلى الحب، وتسقيها المرارة كلما عطشت إلى الحنان حتى ذبلت قبل أوانها، فبينما كانت تبحث عن يدٍ تأخذ بيدها، تُركت في عهدة شيطانٍ أحسن ارتداء الأقنعة. فتجرعت السم بدلا عن الحنان، و حينما كانت تتشوق إلى الدفء، كان يغمرها بالبرد حتى محى ملامح البراءة في وجهها وقلبها، و سيسعى جاهدًا حتى يعيدها من جديد..
شدد خالد على احتضانها بقوة، وهو يقول بحنان ابوي:
ـ أنا جنبك وفي ضهرك دايمًا، والمرة دي مش هسيبك لحد. هفضل معاكي لحد ما تبقي أحسن واحدة في الدنيا...
عانقته بقوة، فلأول مرة تكون صادقة مع نفسها. كيف وقد خذلتها كل البقاع التي ظنتها اوطانًا، و لفظتها كل الأراضي التي ظنت بأنها ملجأها الذي سيحميها من كل شيء، لتُدرك بأنها وحيدة لا تنتمي لأي مكان ولا يرغب في وجودها أحد. لتلجأ إلى ذلك الكتف الذي لطالما فرت منه، و اعتقدت أنه سيطبق عليها بقسوته لتجد أنه الوحيد الذي غمرها بالحنان...
ـ اوعديني تبتدي صح المرة دي؟
هكذا تحدث خالد وهو يضع قبلة حانية فوق رأسها لتتفهم قصده، فرفعت رأسها تناظره بأعين فاض منها الألم حتى حفر وديان من الخيبة فوق خديها و شاب نبرتها حين قالت:
ـ أنا عارفة هبدأ منين بالظبط...
مد يده يمحو عبراتها التي كانت صادقة الى أبعد حد هذه المرة ثم قال بنبرة حانية:
ـ روحي اغسلي وشك،. واعملي حسابك شغلك هيبتدي من بكرة في الشركة. مش عايزين نضيع وقت...
غمرتها السعادة ولكنها سرعان ما تبددت حين هتفت:
ـ طيب و أبيه كمال مش هيضايق من وجودي؟
خالد مازحًا:
ـ يتفلق.. الشركة مش بتاعته لوحده. يالا قومي شوفي وراكي ايه مش فاضيلك..
ابتسمت على حديثه لتقترب وتعانقه مرة آخرى تزامنًا مع دخول أشجان التي ادهشها هذا المشهد لتقول بلهفة:
ـ هو أنا جيت في وقت غير مناسب ولا ايه ؟
قهقه كُلًا من خالد وميرهان على حديثها لترفع الأخيرة رأسها إلى شقيقها وهي تقول مازحة:
ـ شكل المدام هتبتدي تغير ولا ايه؟
شاركها خالد المُزاح قائلًا:
ـ تقريبًا كدا. بس لا اخوكي مسيطر بردو..
ابتسمت ميرهان على حديثه وكذلك أشجان التي فطنت لما كان يحدث، فملامح ميرهان و عينيها الباكية يوحيان بأنها كانت في جلسة نفسية مع ذلك الرجل الرائع الذي هو علاج شافي لكل شيء بنظرها.
ما أن غادرت ميرهان حتى أشار لها خالد وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ اقفلي الباب وتعالي....
أغلقت الباب بهدوء وهي تتهادى في مشيتها وعينيها تناظره بترقب، قبل أن تقول بخفوت:
ـ احنا اتصالحنا صح؟
مد خالد يده ليجذبها نحوه وهو يطوق خصرها بأناملة الخشنة ثم قال بنبرة عابثة اتبعها بغمزة من عينيه اليسرى:
ـ أنتِ ايه رأيك؟
تذكرت ليلة البارحة ليتفشى الخجل فوق وجنتيها لتهتف بلهفة:
ـ معنديش رأي لا..
ابتسم على عفويتها وخجلها ليقول بنبرة خشنة:
ـ وحشتيني.
هتفت أشجان بلهفة:
ـ كدا يبقى انت اعترفت أن احنا اتصالحنا....
قهقه خالد على حديثها لتمد يديها و تلهو بأزرار قميصه قبل أن تقول باعجاب:
ـ بحب ضحكتك دي اوي على فكرة...
طافت عينيه على ملامحها بعشق تجلى في نبرته حين قال:
ـ وانا بعشق كل تفصيلة فيكِ على فكرة...
أخرجهم من تلك اللحظة الرائعة رنين هاتف أشجان التي ما أن رأت اسم المتصل حتى كاد أن يغمي عليها لتهتف بذعر:
ـ يالهوي دي آسيا...
خالد باندهاش:
ـ طب وايه المشكلة ؟ هي آسيا بتعض ولا حاجة؟ ردي عليها.
أشجان بتلعثم:
ـ أصل. اصلها كلمتني وقالتلي أنها جاية تشوفني يعني، ولما أنت كلمتني عشان اجي بسرعة نسيت اقولها، وزمانها هتفرج عليا الناس...
انتابته دهشة عارمة من حديثها ليقول ببساطة:
ـ طب هاتي ارد عليها أنا بدل خاايفة تزعل منك.
أشجان باندفاع:
ـ لاااااا. أنت لا. انا هرد عليها...
تراجعت إلى الخلف وأعطته ظهرها وهي تجيب بارتباك:
ـ الو. ايه يا آسيا يا حبيبتي. أنا عند خالد...
قاطعها خالد الذي جذبها من خصرها ليعيدها إلى أحضانه مرة آخرى وهو ينتزع الهاتف منها ليصل إليه صوت آسيا الصارخ على الطرف الآخر:
ـ حبك برص. بقى يا أشجان الكلب دي عملة تعمليها فيا..
خالد بنبرة جليدية أفزعت آسيا:
ـ عملت فيكِ ايه؟
شهقت آسيا بصدمة ما أن سمعت صوت خالد الذي تابع بصرامة:
ـ حالًا تقوليلي ازاي تتجرأي تشتمي مراتي؟
آسيا بارتباك:
ـ مراتك؟ هي مين دي اللي مراتك؟
خالد بحدة:
ـ أه. أشجان. لا دانا كنت اقصد شروق. أنا أقدر اغلط في مراتك بردو...
خالد بوعيد:
ـ امممم. طب نظرًا لانك بتحوري. اعملي حسابك انك الاسبوع الجاي كله هتكوني معانا في الشركة عشان عندنا مناقصة مهمة يوم السبت...
شعرت آسيا بالغباء في هذه اللحظة لتقول باستفهام:
ـ سبت ايه؟ النهاردة السبت. هي مش المناقصة بتاعت الخشب بعد بكرة؟ اللي هو الاثنين!
خالد بجمود:
ـ لا. المناقصة الجاية مش بتاعتنا..
ـ اومال بتاعت مين؟
خالد باختصار:
ـ هياخدها سالم الوزان...
آسيا بصدمة:
ـ مين؟
خالد بجفاء:
ـ بعدين نتكلم. يالا سلام..
أنهى المكالمة ثم أدار أشجان التي تنفست الصعداء ما أن مر الأمر بسلام لتجد نفسها واقعه بين براثنه وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ أما أنت بقى يا حلو، فأنا مبقتش قادر تبعد عني لحظة واحدة...
راق لها حديثه كثيرًا لتقول بخجل:
ـ و أنت كمان بتوحشني أوي لما بتغيب عني...
قبل خالد كفها بحنو وهو يقول بنبرة خشنة:
ـ ماهو أنا مش ناوي ابعد عنك خالص بعد كدا. أنا قررت انك هتشتغلي معايا هنا في الشركة...
"اللهم ارزقني رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا مباركًا فيه، من غير كدٍّ مُضر، ولا ذلٍّ لأحد، ولا فتنةٍ في الدين، اللهم افتح لي أبواب فضلك ورحمتك، وأغنني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك 🩵
★★★★★★★★★★
ـ ماشي يا أشجان الكلب أما وريتك.. بقى تجبيني على ملأ وشي وفي الآخر تلبسيني مع الوحش. يارب يبلعك يا بنت رضا..
هكذا أخذت آسيا ترغي و تزبد بحنق والفضول يكاد يأكلها لمعرفة الحقيقة الكلية لما أخبرته بها شقيقتها لتهتف سوزان معنفة:
ـ متدعيش على البت. البت حامل..
شهقت آسيا بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
ـ بتقولي ايه؟ حامل؟
سوزان بسعادة:
ـ أيوا حامل، وفي آخر التالت كمان..
لم تكد تنهي سوزان جملتها حتى أطلقت آسيا زغرودة قوية، تعبيرًا عن فرحتها الكبيرة، وما أن انتهت حتى هتفت بسعادة غامرة:
ـ يا حبيبتي يا أشجان. هبقى خالتو للمرة التالتة!
سوزان بتهكم:
ـ سبحان الله مش كنتي بتشتمي فيها من شوية؟
آسيا بلهفة وهي تتصفح هاتفها:
ـ كنت. بس دلوقتي حبيتها لحد ما تولد، وأخد منها العيل و ابدأ اشتم فيها تاني...
أنهت جملتها وهي ترفع الهاتف الى أذنها قائلة بحرج:
ـ بعتذر جدًا يا مدام سحر اتأخرت على معادنا ممكن نأجله النهاردة معلش؟
سحر بلوم:
ـ كدا بردو يا آسيا تحرجيني بالشكل دا؟ أنا قولتلك أن في حد مهم لازم تقابليه هو المسئول عن الحفلة دي كلها. يقول ايه اني اخترت غير مسئول؟
آسيا بغضب من هذا الموقف المحرج :
ـ لا طبعًا أنا ميرضنيش احرجك. حضرتك في الملجأ دلوقتي؟
سحر بابتسامة خبيثة:
ـ أيوا. ياريت متتأخريش..
ـ مسافة السكة هكون عندك...
هكذا قالت آسيا ثم أنهت المكالمة لتلتفت إلى سوزان التي بادرتها القول:
ـ روحي ومتقلقيش على سيف. هخلي بالي منه أنا والبنات على ماتيجي..
تبدلت ملامح آسيا للوجوم لتدرك سوزان ما تفكر به فمدت يدها تربت على كفها برفق تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ متشيليش نفسك فوق طاقتها. أنتِ عملتي الصح. دا طفل صغير مالوش ذنب. كون انك تحافظي عليه و تخلي بالك منه دا مش معناه انك رضختي للأمر الواقع ولا دا بيفرض عليكِ انك تسامحي كمال. اوعي تخلي أي حاجة في الدنيا تأثر على انسانيتك، و صدقيني كل خير بتعمليه هو زرعه بتزرعيها، و هتحصديها خير وستر و جبر من ربنا.
ابتسمت آسيا على حديث سوزان الذي أراحها كثيرًا لتغادر المكان متوجهة إلى ذلك الملجأ، لتصل إليه بعد مرور نصف ساعة، فما أن ترجلت من سيارتها حتى تفاجئت بتلك اليد التي قبضت على كتفها لتجذبها إلى أحد السيارات ووووو.
يتبع...
مقدرتش اكتب اكتر من كدا خلاص فصلت و جنبي بدأ يتعبني تاني، ومشهد ياسر وغنى طويل أجلته للبارت الجاي قراءة ممتعة يا حبايبي 🩵
دا جروبي على فيس بوك اتمنى تنوروني هناك ♥️
ذنوب على طاولة الغفران الفصل السابع وتسعون 97 - بقلم نورهان العشري
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل القراءة متنسوش فوت و كومنت على الفقرات اللي حبتوها 😘😘
السبيل الثاني و الثلاثون🔥
يدٌ واحدةٌ لا تصلح للتصفيق، وكذلك العلاقات؛ فمدى نجاحها يتوقف على إصرار كلا الطرفين على إنجاحها. فإن لم يكن كلاهما في سباقٍ حقيقي للحفاظ عليها، كان الفشل مصيرها المحتوم.
ومما لا شك فيه أن لا شيء في هذه الحياة يحدث عبثًا، فتلك العقبات والعراقيل ليست إلا اختباراتٍ تقيس قوة العلاقات أو هشاشتها. فإما أن تجد نفسك في المكان المناسب مع الشخص المناسب، ذلك الذي يستطيع، حتى في أحلك الأوقات، أن يتجاوز حزنه وألمه من أجلك.
وحين تأتيه هاربًا من قسوة الدنيا، يكون هو ملاذك الآمن، وركنك الدافئ، الذي يعرف كيف يحتوي اضطراب قلبك، ويسكب الطمأنينة في أوردته.
وإما أن تجد نفسك غريبًا، وحيدًا في مواجهة أزماتك وخيباتك، بعدما أيقنت أن الشخص الذي ظننته سندًا في أيامك العجاف كان أوهن من أن يحمل عنك بعضًا من أثقالك، ومتخاذلًا إلى حدٍّ لا يليق بقلبك، ولا يكفي لبناء علاقةٍ سليمة.
ولأن مرارة هذا الشعور قاسية، وتجاوزها ليس بالأمر الهيّن، فأحسنوا اختيار من يسكن قلوبكم.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
تفاجئت آسيا حين جذبتها يد رؤوف لتستقل السيارة وهو يقول بانفعال:
ـ المرة دي هنتكلم غصبك و عن كمال الوتيدي و عن أي حد، و يبقى يوريني هيقفلي ازاي..
حاولت جذب نفسها منه وهي تصرخ بحدة:
ـ سيبني انت أتجننت؟
رؤوف بحدة:
ـ قربت خلاص، والفضل ليكي...
لم يكد ينهي جملته حتى تدخل الحرس ليلكمه أحدهم لكمة قوية في وجهه، لتصرخ آسيا بفزع وهي تقف أمامهم:
ـ بس انت وهو بتعملوا ايه؟ ابعدوا يالا..
تراجع الحرس ليقول قائدهم:
ـ يا هانم أوامر كمال بيه...
ـ أنا هتصل على كمال...
هكذا قالت آسيا لتلتفت إلى رؤوف الذي كان متألم وغاضب إلى أقصى درجة، فقالت بجمود:
ـ خليك هنا ثواني..
خطت عدة خطوات إلى الأمام قبل أن تجذب هاتفها لتقوم بالاتصال بخالد الذي ما أن أجابها حتى قالت برجاء:
ـ مستر خالد ممكن اطلب منك خدمة؟
خالد بقلق:
ـ في أيه يا آسيا ؟ أنتِ كويسة!
آسيا بلهفة:
ـ أنا كويسة. بس رؤوف حاول يتكلم معايا والحرس ضربوه..
قاطعها خالد بغضب:
ـ و الزفت دا عايز منك ايه؟ آسيا. الموضوع دا زاد عن حده..
آسيا بلهفة:
ـ وأنا عايزة انهيه والله. عشان كدا ارجوك متخليش الحرس يبلغوا كمال عشان لو جه مليون في المية هتحصل كارثة و بردو مش هينتهي..
زفر خالد بقوة، وقال بجفاء:
ـ خليكِ معايا ثواني ..
أمسك بأحد الهواتف الآخرى و قام بمحادثة قائد الحرس المكلف بحراستها:
ـ خليك مكانك و متتصلش بحد، و متتدخلوش غير لو لقيته أي خطر على حياتها..
أنهى المكالمة مع الحارس وعاد ليحادث آسيا قائلًا بلهجة آمرة:
ـ الموضوع دا ينتهي النهاردة، وانا هكون معاكِ على التليفون لحد ما تخلصي كلام مع الزفت دا. هيكون عندك مشكلة؟
آسيا بثبات:
ـ لا خالص. هفتح المايك..
خالد باختصار:
ـ تمام..
تراجعت للخلف لتقف أمام رؤوف وهي تقول بجفاء:
ـ اتفضل قول اللي عندك...
كان الألم يلتمع بعينيه يجاوره الغضب الذي شاب نبرته حين قال:
ـ هو سؤال واحد هسألهولك، و عايز إجابة صريحة.
آسيا بهدوء:
ـ أسأل..
رؤوف بنبرة يغلب عليها القهر:
ـ أنتٓ جيتيلي اليوم دا ليه؟ جيتي تعاتبيني ليه؟
ضاق قلبها، وشعرت بأنها على وشك الصراخ، فقد سئمت من الحديث عن ذلك الخطأ اللعين الذي قلب حياتها رأسًا على عقب. كم تمنت لو يعود الزمن إلى الوراء، لتنتزع ذلك اليوم من حياتها قبل أن يولد، أو لتنتزع نفسها منه قبل أن تخطو تلك الخطوة المشؤومة. لكن من منا يملك رفاهية العودة بالزمن؟ لم يعُد الندم مجرد شعور عابرً يسكن قلبها ثم يرحل، بل كان سجنًا تعيش بين جدرانه كل يوم. يهمس في أذنها بأنها لو تصرفت بطريقة مختلفة، لما انهار كل شيء. كان يجلدها كلما ابتسمت، ويوقظها كلما حاولت نسيان ما حدث، حتى أصبحت تحمل الخطأ فوق كتفيها كصخرةٍ لا تُطاق، تتمنى لو استطاعت محو تلك اللحظة بما تبقى من عمرها. فقد وصل بها الحال أن أصبح هذا المشهد نصب عينيها طوال الوقت حتى باتت تعاقب نفسها ألف مرة على ذنبٍ لم يعد في وسعها إصلاحه.
ـ أنا تعبت من الموضوع دا. تعبت منه بشكل مش طبيعي. ياريتني مت قبل ما أجيلك اليوم دا. ياريتني. مُت.
هكذا تحدثت آسيا بنبرة يغلب عليها القهر الذي تناثر من عينيها دون أن تملك القدرة على إيقافه، ولكنها بطريقة أو بآخرى حاولت أن تكون قوية حتى ينتهي هذا الكابوس من حياتها لتتابع قائلة:
ـ حاضر. هجاوبك. أنا جتلك اليوم دا عشان مقدرتش اتحمل أن يبقى بينك وبين ميرهان حاجة. لأني بكرهها كره العمى. اتصدمت انك قدرت تحط ايدك في أيدها و تتعامل معاها عادي، وأنت عارف اللي عملته فيا انت كنت معايا شوفت بعينك قد أيه هي مجرمة. عارفة أن دا أنانية مني بس دا اللي حصل، وانا بدفع تمن أنانيتي دي لحد دلوقتي. دفعت التمن بكل الطرق. لحد لما خلاص استويت..
كان هناك أملًا أحمقًا بداخله يأبى أن يموت لذا استفهت بنبرة يكاد يقتلها الحزن:
ـ بس! جيتيلي عشان كدا بس يا آسيا؟
كانت تعلم إلاما يشير بحديثه و رغمًا عنها تعاطفت معه لكنها قالت بحزم:
ـ بس يا رؤوف. أنا عارفة انك فسرت الموضوع غلط، و انك فكرت أن جيتلك عشان ندمت على جوازي من كمال.
قاطعها بحدة و الألم يتراقص في عينيه و يحتل ملامحه بضراوة:
ـ أنا مش فكرت وبس! أنا كنت متأكد من كدا. بس كنت غبي، وأنتِ تستحقي كل اللي حصلك على فكرة..
رأت بعينيها كم يتألم لذا أجابته بنبرة مُتحشرجة:
ـ عارفة..
رؤوف بنبرة مُلتاعة:
ـ لا أنتِ مش عارفة... أنا كنت خلاص استسلمت للأمر الواقع، وبدأت اعيش حياتي. بدأت ابني مستقبلي. دانا حتى كمان كنت ابتديت اتعلق بميرهان لحد ما جيتيلي. صحيتي كل حاجة تاني، و عشان أنا غبي و معنديش دم. كان عندي استعداد اسامحك، وقولت أن دا كان مجرد انبهار، و قعدت أرصلك في أسباب... بسبب انانيتك دي كل حاجة اتهدت فوق دماغي. المكتب اللي كنت بحلم بيه فضيت شراكته مع ميرهان، و روحت جري أبرأك قدام خالد. كرهت ميرهان و احتقرتها عشان استخدمت التسجيل ضدك..
صمت لثوان قبل أن يتابع بغضب ساخر:
ـ عارفة ليه سجلتلك يوم الفرح! بسبب الست هانم امك. تخيلي أنها بعد ما كانت بتعاملني احسن معاملة عشان كان فاكرة أن احنا هنتخطب. قبل فرحك بيوم بتكلمني من طراطيف مناخيرها وبتقولي متجيش الفرح عشان البيه بيغير عليكِ. على فكرة أنتِ شبهها.
صُدِمت آسيا من حديثه ليتابع بغضب جريح:
ـ أنتوا اللتنين عندكوا القدرة انكوا تخرجوا اسوأ ما في الناس... أنا بقيت وحش وحثبر في عين نفسي بسببك. ببص في المراية مش بعرف نفسي. براجع أفعالي بحس اني زبالة، و كل دا بسببك..
تفاجئت حين رأت العبرات تتساقط من مقلتيه، لتشعر بالألم يتفشى في قلبها و سائر جسدها لتقول بحزن:
ـ أنا اسفة. بجد أنا فعلًا أسفة..
رؤوف بسخرية:
ـ لا متتأسفيش. مانا كمان غلطت في حقك...
ضيقت آسيا عينيها وهي تقول باستفهام:
ـ تقصد ايه؟
انكمشت ملامح رؤوف بندم حقيقي تجلى في نبرته حين قال:
ـ من فترة قريبة جالي كمال المكتب، بعد ما عرف باللي اخواته عملوه فيكِ الليلة دي، و اتخانقنا سوى، و اتهمني اني واطي عشان قدرت احط ايدي في ايد ميرهان بعد اللي عملته فيكِ، و انك جتيلي عشان أنا الوحيد اللي كنت جنبك في الليلة دي و شوفت اللي عملوه فيكِ..
شعرت بأن القادم سيكون سيء على نحو لم تتوقعه لذا قالت بخفوت:
ـ وأنت قولتله أيه؟
رؤوف بنبرة مشجبة:
ـ قولتله أني مشوفتش حاجة و مكنتش معاكي.
آسيا باندفاع:
ـ بس انت كنت موجود و شوفت...
قاطعها رؤوف بحدة:
ـ شوفتك بعد اللي هما عملوه. لكن مكنتش موجود وقتها، وحلفتله على المصحف على كدا. عشان يصدق..
آسيا بذهول:
ـ كمان.
رؤوف بغضب:
ـ أنا كنت عايز ازيحه من طريقنا. عشان ميرجعش يأثر عليكي تاني و ترجعيله، و حتى لو دا تصرف حقير بس أنا قولتلك أنا كنت فاكر انك بتحبيني، وانك ندمتي على جوازك منه. أنا عارف أنه تحايل واني أكيد عليا ذنب كبير، بس.. أنا..
أخفض رأسه وهو يحاول إخراج صوته المختنق حين تابع:
ـ أنا معنديش مشكلة أني أروح أقوله اني كذبت عليه، و دا مش عشانك على فكرة. دا عشان الحق آخر حاجة حلوة كانت فاضلة جوايا، و يمكن دا يكون تكفير عن الذنب العظيم اللي ارتكبته قدام ربنا...
ودت لو تصفعه بقوة على تلك فعلت النكراء، ولكنها تذكرت بأنها المخطئة الأولى، لذا لم تطيل في الأمر فقد فاق الألم حدود احتمالها لذا قالت بنبرة يفوح منها رائحة الألم:
ـ مالوش لازمة. خلاص اللي حصل حصل، و كفاية أوي علينا كدا. أنا أذيتك و انت أذتني. ياريت بقى نختفي من حياة بعض..
كان يتألم بقوة، وهو ينظر إليها، فبالرغم من كل شيء هو لايزال عاشقًا لها. هناك سيل من المشاعر العاتية تضرب داخل قلبه الغبي حتى كادت أن تفتت ضلوعه، ولكنه سينجو منها أو على الأقل سيحاول لذا قال بنبرة جافة:
ـ و أنا موافق، من اللحظة دي أنتِ انتهيتي من حياتي، و خلي بالك اوي بعد كدا. عشان أنتِ مبقالكيش وجود في حياتي. شيليني من حساباتك. اتعامل مع اللي اتعامل معاه.. أنا مش هكون ضحية لأنانيتك تاني.
كان حديثه مؤلم وجارح بالنسبة إليها لكنها أجابت بثبات قاتل:
ـ شيلاك من زمان. على الأقل من اليوم اللي عرفت انك كنت بتسجلي فيه، ومتقلقش مش هاجي أدق على بابا تاني. أنا اصلا لو شوفتك في طريق أنا ماشية فيه هغيره. خلصت كدا..
أنهت جملتها و توجهت إلى سيارتها وهي تبكي، لا تعلم سبب هذا الفيضان المتدفق من بين مقلتيها، ولكن هناك ألمًا ضاريًا يفوق الوصف يجتاح صدرها بقوة. تريد الهرب منه ولا تعرف إلى أين؟ بينما كان هو الآخر يبكي بقوة و هو يقود سيارته كالمجنون الذي يرى جميع أخطائه تعاد كشريط أمام عينيه، وهو لا يتخيل أنه وصل إلى هذه الحالة من الحقارة. كان الاثنين يجمعهما شعورًا واحداً و هو الندم، ونتيجة حتمية لهذا الشعور ذلك الألم المقيت الذي يعاني منه كليهما، ولكن بداية العلاج تكمن في معرفة المرض، و لكي تُشفى الجراح لابد من تنظيفها جيدًا حتى ولو كان الأمر مؤلمًا..
ـ سمعت كل حاجة؟
هكذا تحدثت آسيا بنبرة باكية إلى خالد الذي كان لايزال على الهاتف ليجيبها بنبرة خشنة:
ـ كدا أحسن يا آسيا. الموضوع دا لو كان اتقفل من زمان مكنتوش وصلتوا للمرحلة دي...
كانت تبكي بقوة، يكاد الألم يقتلها مما جعلها تقول من بين نهنهاتها:
ـ أنا تعبت. أنا بكرة نفسي و بكره رؤوف و بكره كمال. بكره الحياة دي كلها. أنا غلطت غلطة واحدة اتحاسبت عليها بدل المرة ألف. أنا كل يوم بحاول اقنع نفسي أن خلاص كل حاجة هتبقى أحسن، و أن خلاص الموضوع دا انتهى من حياتي. بس لا. مفيش حاجة بتنتهي..
شعر بالشفقة عليها كثيرًا لكنه حاول أن يضع الأمور في نصابها الصحيح موضحًا حقيقة وان بدت ظالمة ولكنها واقعًا لا مفر منه:
ـ اسمعيني كويس يا آسيا. أنتِ عايشة في مجتمع اسهل حاجة عنده و إطلاق الأحكام على الناس. مش هقولك أن الست مقهورة في مجتمعنا. بس غلطها مبيعديش بسهولة. حتى لو ربنا ساوى بين الراجل والست في العقاب. لكن الناس لا، و أنتِ عايشة وسط الناس دي. يبقى متحطيش نفسك في موضع شبهة.
كانت تعلم بأنه محق في حديثه، فهل ظنت أن البشر بهذه الدرجة من الإنصاف حتى يعطوها المبررات و يلتمسوا بها الأعذار ولو كانت موجودة؟
تابع خالد حديثه بنبرة أبعد ما تكون عن التأنيب:
ـ مرواحك لرؤوف كان غلط وغلط كبير. مهما كانت نيتك. أنتِ حطيتي نفسك في موضع شبهة بالنسبة لأي حد هيسمع " واحدة رايحة لابن عمها البس كان بيحبها مكتبه بدون علم جوزها " أنتِ اذكى من اني اذكرلك التكهنات و الاتهامات اللي هتتقال في حقك، و كل واحد على حسب دماغه و تفكيره، و أدي أنتِ شوفتي اللي حصل. أنا على فكرة بالرغم من غضبي من رؤوف الا اني مش قادر الومه في أفعاله الحقيرة لانه قالهالك انا فكرت انك بتحبيني لما جيتيلي. حتى هو نفسه اختار السبب اللي يناسبه وصدقه.
آسيا بنبرة واهنة:
ـ أنت عندك حق.
خالد بنبرة خشنة:
ـ الناس بتحكم على قدامهم بناءٍ على طبيعتهم هما. مش على طبيعة الشخص اللي قدامهم. يعني الخبيث شايف كل الناس خبيثة، والطيب شايف كل الناس طيبة. حطي النقطة دي في دماغك..
آسيا باقتناع:
ـ صح. أنت صح..
خالد بنقاء صبر:
ـ الموضوع دا خد وقت طويل اوي، و كويس ان المواجهة دي حصلت عشان تقفلي القصة دي خالص، وياريت تحكي لكمال. دا حقه لأنه جوزك، و دا حقك أنتِ كمان انه يعرف التمثيلية الغبية اللي عملها عليه رؤوف.
آسيا بسخرية مريرة:
ـ تخيل أنه صدق رؤوف و كدبني!
خالد باستنكار:
ـ مبدأيًا هو غبي. لكن عشان نكون منصفين اللي ساعده يصدق رؤوف أن الثقة بينكوا منعدمه. أنتِ كذبتي عليه مرة واتنين قبل كدا، و خدعتيه مش بدافع عنه. لكن بلفت انتباهك عشان دايمًا تحافظي على رابط الثقة بينك وبين اي حد، والدليل على كلامي أن ميرهان لما قالت لكمال أنك روحتي لرؤوف اليوم دا ضربها مستناش أصلًا يسألك، وحتى لما سمع الفويس وقبل ما يطلقك. راح جاب منها تسجيلات المكتب عشان يتأكد أنتِ روحتي ولا لا. كان بيدور عشان كان لسه عنده ثقة فيكِ بالرغم من كل اللي حصل.
كان مُحقًا بالرغم من كل شيء لذا قالت بحزن:
ـ عندك حق.
خالد بجفاء:
ـ انهي الحوار دا يا آسيا عشان أنا اتخنقت، احنا عندنا حاجات كتير الفترة الجاية محتاجين نركز فيها، و أنا مش هقبل بأي غلط..
أنهت مع خالد المكالمة و قامت بمحو عبراتها و هندمة مظهرها قبل أن تتوجه إلى داخل هذا المكان الكبير الذي كان ظاهريًا واحة من الجمال بينما هو في الخفاء جحيمًا يسكنه الشيطان الذي كان ينتظر قدومها بفارغ الصبرؤ فما أن خطت إلى داخل المبنى حتى عانقتها سحر مرحلة بها:
ـ أهلًا بالناس اللي مش قد مواعيدها..
حاولت آسيا رسم ابتسامة مجاملة فوق شفتيها وهي تقول:
ـ بعتذر منك حصل معايا مشكلة عطلتني..
شعره سحر بأنها ليست على ما يُرام، فحاولت تغيير دفة الحديث قائلة:
ـ طب يالا بقى عشان معندناش وقت وحابة اعرفك على حد مهم.
اومأت آسيا برأسها لتقودها سحر إلى غرفة المكتب، التي ما أن انفتحت حتى وقعت عيني آسيا على ذلك الرجل الضخم بملامحه التي كانت وسيمة ولكن بصورة خشنة ليست الوسامة المتعارف عليها بس آخرى تحمل طابعًا مخيفًا ولكم المخيف أكثر كانت نظراته التي لم تريحها أبدًا لكنها تجاهلت حدثها حين رأته يمد يده و يحادثها بنبرة رخيمة:
ـ و أخيرًا اتقابلنا يا آسيا! انا بسمع عنك بقالي كتير...
هكذا تحدث رماح بلهجة مصرية لا يشوبها شائبة لتجيبه آسيا برسمية وهي تصافحه:
ـ أهلًا بحضرتك. اتمنى يكون اللي بتسمعه عني خير..
أجابها رماح قائلًا:
ـ هو خير. بس غير منصف بصراحة..
آسيا باستفهام:
ـ ليه بتقول كدا؟
غازلها قائلًا:
ـ أصلها كانت عماله تحكيلي قد ايه أنتِ جميلة بس اتضح أن كلامها اقل بكتير من الحقيقة..
"أنها محض مجاملة" هكذا أخذت تقنع نفسها لتستطيع رسم ابتسامة مجاملة على شفتيها، فتدخلت سحر التي شعرت بتحفظ آسيا:
ـ على فكرة مهما قولت مش هغير من آسيا عشان بحبها...
سايرها رماح قائلًا:
ـ أنا كمان بحبك يا فكرة...
التفتت سحر موجهة حديثها نحو آسيا وهي تقول بتهكم:
ـ والله احنا نفسنا نعرف مفهوم الحب عند الرجالة..
تفرقت عيني آسيا بينهم، وقد شعرت بالامتعاض من هذا الثنائي السخيف لتقول بملل وهي ترسم ابتسامة صفراء على ملامحها:
ـ لا أنا الحقيقة مش عايزة اعرف. هو لو ينفع نبدأ في مراجعة التحضيرات لأن وقتي يدوب الحق أنجز الحاجات اللي باقية..
تبادل الثنائي النظرات الخفية قبل أن يقول رماح بطريقة عملية:
ـ يالا نبدأ. وريني أنتِ جهزتي أيه؟
قامت بفتح جهاز اللاب توب لتريه التحضيرات الخاصة بالحفل الكبير، فأخذوا يتبادلون وجهات النظر و وضع بعض التعديلات لتمر ساعة و نصف قبل أن ينتهي كل شيء، فتحدث رماح مُثنيًا على عملها:
ـ أنتِ بصراحة اكتشاف، و أفكارك كلها عجبتني. حقيقي أنا بحييكي..
كان الفخر يتملكها كلما أثنى شخصٌ على عملها لتبتسم وهي نجيبه:
ـ ميرسي لذوق حضرتك..
رماح بتخابث:
ـ اسمي عثمان جلال الدين. احنا نسينا نتعرف على فكرة...
آسيا برسمية:
ـ اتشرفت بمعرفة حضرتك...
رماح بإعجاب:
ـ أنا اللي حقيقي اتشرفت اني اتعرفت عليكِ، و بأذن الله شغلنا مع بعض مش هيتوقف على الحفلة دي بس.. انا بس هستنى لما اشوف شغلك على أرض الواقع، و بعد كدا هعتمدك في حاجات كتير أوي.
نصبت آسيا عودها وهي تقول بابتسامة مجاملة:
ـ ميرسي لذوق حضرتك، وان شاء الله شغلي يعجبك انت و مدام سحر..
رماح بتخابث:
ـ هيعجبني. أنا واثق..
ودعتهم وغادرت المكان بعد أن كادت تختنق في الداخل غافلة عن تلك الأعيُن التي كانت تراقبها عبر الشاشة الكبيرة بخُبث تجلى في كلمات رماح حين قالت:
ـ ابن الوتيدي واجع واجف. بت إنما أيه فرسة. تستحج الراچل يرمي نفسه في النار عشان خاطرها..
ضحكت سحر بنعومة قبل أن تقول:
ـ كدا بقى احنا عرفنا هنضرب اول ضربة منين. طب و الباقي؟
رماح بمكر:
ـ متجلجيش. كله متخططله زين، و جريب جوي هيوجعوا واحد ورا التاني، ويوبجى يوريني خالد الوتيدي وهو لحاله ان كان وحش ولا قطة؟!
اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلًا. 🩵
★★★★★★★★
ـ بتقولي ايه يا أشجان؟ خالد عايزك تشتغلي معاه في الشركة؟
هكذا تحدثت سوزان باندهاش إلى أشجان التي تذكرت ما حدث في الصباح
عودة إلى وقتٍ سابق:
ـ بتقول ايه يا خالد؟ أنا اشتغل معاك في الشركة؟
قربها منه أكثر وهو يقول بنبرة خشنة و عينيه تطالعانها بشغف كبير:
ـ ايه المشكلة؟ احنا نطول يا باشا تشغل معانا في الشركة هنا؟
ابتسمت على غزله الرائع لتقول بخفوت:
ـ بجد يا خالد. أنا ماليش في موضوع الشغل دا، و حتى لما كنت بشتغل هنا مكنتش بحس اني بضيف حاجة يعني...
قاطعها بنبرة عابثة وهو يستند على المكتب خلفه وهي محاصره بين يديه:
ـ كل دا و مكنتيش بتضيفي حاجة! طب وحياتي اللي بقالها طعم من يوم ما دخلتيها! و قلبي اللي كان قافل بابه على الحزن و مخاصم الفرح ولما شافك رجع يعيش من تاني. رجعتيلي ضحكتي اللي كنت نسيتها لسنين.
داعب أرنبة أنفها بأنفه وهو يُضيف بنبرة خشنة جذابة:
ـ لو تشوفي نفسك بعنيا هتعرفي انك أحسن ست في الدنيا.
لم تكن كلماته مجرد عبارات إعجاب عابرة، بل كانت بلسمًا يمر على جراحها فيداويها، ويدًا حانية تجمع شتات روحها كلما بعثرتها الأيام. كان يرمم بها ما هدمه الآخرون حتى جعلها ترى نفسها بعينيه المرأة التي لم يخلق لها مثيل في هذا العالم، فقد كان يتحدث إليها وكأن الله أودع في لسانه قدرة عجيبة على شفاء الباقي من اوجاعها و بناء قلاعًا من الثقة بداخلها، ليغرس في قلبها يقينًا صادقًظ بأنها ليست امرأة بين النساء، بل المرأة التي تنتهي عندها جميع المقارنات، فهي الأولى و من بعدها يأتي البقية..
ـ أنا كدا عشان مراتك..
خالد بنبرة خشنة:
ـ وأنا راجل بحب مراتي تكون جنبي على طول. دا اولًا، ثانيًا الشغل بصفة عامة مفيد جدًا للإنسان بيخليه ينضج اكتر، و بيديله ثقة في نفسه وخبرة كبيرة هتساعده في حياته...
فهمت المعنى خلف حديثه لتبتسم بعذوبة وهي تقول بنبرة تحمل الكثير من الامتنان:
ـ أنا لو قعدت أقولك بحبك من هنا لآخر يوم في عمري مش هوصف بحبك قد ايه..
خالد بنبرة عاشقة:
ـ ربنا يخليكِ ليا. على فكرة أنا فعلًا محتاجك جنبي. الناس اللي يثق فيها في حياتي قليليين اوي، و أنتِ أولهم.
عودة إلى الوقت الحالي
ـ خالد عايز يساعدني بكل الطرق، و بيني وبينك أنا فعلًا محتاجة أحس أني ليا وجود و اثبت نفسي فعلًا. أنا عشت سنين كتير اوي ماليش أي وجود. مجرد شبح عايش يسمع كلام اللي حواليه وبس. لكن مكنش عندي فرصة غير اني اكون كدا، وربنا بعتلي خالد هدية من السما عشان يساعدني و يقف جنبي، وانا مش هخذله...
ربتت سوزان على كتفها بحنو وهي تقول بتشجيع:
ـ على فكرة خالد لو مش واثق فيكي و واثق انك هييجي منك و هتكوني قد ثقته مش هيقولك كدا. خالد رجل اعمال ناجح بكل للكلمة مع معنى، و في الشغل بالذات معندوش تهاون.. صدقي نفسك وخلي عندك إيمان بيها، و هتشوفي وقتها انك تقدري تعملي كتير اوي...
«اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك... أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي» 🩵
★★★★★★★★★
ـ انزلي عشان عايزك حالًا...
هكذا تحدث عمر بحدة إلى شروق التي قالت بلهفة:
ـ في ايه يا عمر ؟ تيتا جرالها حاجة ولا اية؟
عمر بصرامة:
ـ لما تيجي هتعرفي. أنا تحت الشركة مستنيك..
أنهى جملته واغلق المكالمة، لتجذب شروق أشيائها و تتوجه إلى الأعلى وهي تشعر بأن ضربات قلبها تدق بعُنف من فرط القلق، و من كل قلبها تمنت بألا يحدث شيء سيء لجدتها، فما أن رأته حتى هتفت بأنفاس مقطوعة:
ـ ايه يا عمر؟ أنت قلقتني جدًا.
جذبها عمر من ذراعها إلى السيارة وهو يقول بنبرة مشحونة بالغضب:
ـ تعالي معايا عشان نعرف نتكلم..
توترت كثيرًا ولكنها اتخذت منحنى الهدوء لتعرف ماذا حدث، فما أن انطلق بسيارته حتى تخلت عن هدوئها وقالت باستنكار:
ـ عمر. أنت رايح على فين؟ و ازاي أصلًا تمشي بالعربية من غير ما تستأذني! لو سمحت اقف على جنب...
التفت عمر يناظرها فهالها كم الألم في عينيه و نبرته حين قال:
ـ أنا لو متكلمتش مع حد هتجنن يا شروق. ارجوكي اسمعيني. أنا فعلًا مخنوق جدًا.
كان يقصد كل كلمة يتفوه بها مما جعلها تهدأ قليلًا وهو تقول:
ـ اتفضل اتكلم..
عمر بنبرة جريحة:
ـ طبعًا أنتِ شوفتي بابا وهو قاعد مع واحدة ست في الكافية. أنا اكتشفت أنه على علاقة بيها، و بيخطط عشان يتجوزها كمان..
صُدِمت شروق من حديثه لتقول باندهاش:
ـ عمر انت سامع بتقول ايه؟ أنت متأكد من الكلام دا؟
عمر بحزن:
ـ متأكد.. روحت امبارح عشان اتكلم معاه، و أقوله مين دي؟ و بتعمل ايه معاك؟ لقيته راكب العربية معاها، و ماشيين غصب عني مشيت وراهم، لحد ما وقفوا عند عمارة استنيت لما طلعوا و نزلت سألت البواب بتاعها مين اللي لسه طالعين دول..
صمت عمر يتذكر كلمات الحارس
ـ دول سكان جداد واحد و خطيبته، بيفرشوا شقتهم عشان هيتجوزوا آخر الأسبوع..
شهقة قوية خرجت من فم شروق التي لم تتخيل أن خالها يخون زوجته بعدما كان يعادي الجميع لأجلها ولكن مظهر عمر المُبعثر جعلها تشعر بالألم لأجله لتقول بمواساة:
ـ عمر. يعني أنا عارفة أن الموقف صعب على اي حد. بس. يعني حاول تبقي قوي.
لم تكن تعرف ماذا تقول له ليصدمها مظهره وهو يقول بألم:
ـ أنتِ مش فاهمة حاجة. أنا الراجل دا هد كل الثوابت في عنيا. خذلني بكل الطرق. خذلني بضعفه قدامها، و بظلمه للناس عشانها، و خذلني بخيانته ليها. أنا مش قادر اشوف في صورة كويسة. أنا حاسس ان أنا كارهه و كاره نفسي..
كان يعاني بطريقة بشدة. عينيه تحكيان رواية مؤلمة عن الخذلان، الدمع يتراقص في مقلتيه كبرهانٍ حي عن أي وجعٍ يعج به صدره. لم تكُن شفقه ما تشعر به نحوه بل أنها تتألم لأجله ترى مقدار عذابه ولوعته تتمنى لو أنها تعانقه حتى تخفف عنه ولو قليلًا، ولكنها لا تستطيع فعل ذلك، فحاولت بطريقة أو بآخرى التخفيف عنه قائلة بنبرة حانية:
ـ عمر. خلينا متفقين أن دا حقه. يعني أنه يتجوز تاني محدش يقدر يلومه..
عمر بانفعال:
ـ أنا مش بلومه أنه هيتجوز أو لا. أنا عايز اقوله طب ليه؟ طب لما هي مش فارقة معاك اوي وقادر ترتبط بغيرها طب كنت بتعمل كل دا ليه؟ أنا شوفت بعيني هو كان عامل ازاي قدامها. أنتِ مش فاهمة عشان معشتيش اللي عشته. طيب هي لما تعرف هتعمل ايه؟
التفت يناظرها بقهر تجلى في نبرته حين قال:
ـ أنا عارف أنها غلطت كتير، وعارف أن ربنا بيخلص و بالرغم من اني كنت ضدها بس هزعل عشانها. خبر زي دي مش هيكون سهل عليها..
أطلق جأشه مكبوتة داخل صدره قبل أن يقول بألم:
ـ عارفة يا شروق؟ أنا أوقات بحسدك انك عشتي ما بين أب و أم أسوياء. عرفوا يطلعوكي كدا. أنا بعترف أن أنا وحش. و معقد، و عندي عقد نقص كتيرة أوي كنت مفكر اني لما أخد احسن حاجة هقدر اكمل النقص اللي جوايا دا. بس أنا مبقتش عايز غير اني اقدر اهرب من الحياة دي. عايز أهرب من كل حاجة تخصهم. حاسس اني اللي جاي أصعب من اللي راح ومش هيكون خير.
رغمًا عنها تناثرت عبراتها تأثرًا بحديثه لتقول بنبرة متألمة:
ـ أنت مش وحش اوي كدا يا عمر، وكون انك عرفت مشكلتك فين دي اول خطوة انك تبتدي تتعالج منها. لكن التشاؤم دا مش حلو..
ـ دا مش تشاؤوم. بس أنا عارف ان نهاية الظلم وحشة، و اللتنين دول ظلموا كتير اوي. أنا الفترة اللي فاتت دي قربت من ربنا أوي، و بقيت حاسس اني عايز اقولهم هما كمان يقربوا بس المشكلة أن ولا حد فيهم شايف نفسه وحش أو غلطان. أنا مش عارف اساعدهم ازاي. انا نفسي الحقهم اوي، و خصوصا هي...
هكذا تحدث عمر بنبرة تقطر وجعًا، فلم تعرف كيف ترد عليه، فهو محق في حديثه لتحاول مواساته بأي طريقة ممكنة:
ـ طيب ممكن تهدى، وبعدين يعني خاطفني، ومعيطني وجايبني موقفين قدام الكافية عشان تحنسني. طيب شربني حاجة طيب. دا انت مش معقد وبس! دا انت بخيل كمان...
رغمًا عنه أضحكته كلماتها ليلتفت ناظرًا اليها بأغيُن يلتمع بهم العشق كما جاءت نبرته:
ـ عارفة يا شروق. أنتِ اجمل حاجة في الدنيا دي. أنتِ طيبة أوي و حنينة و جميلة. أنتِ خسارة فيا فعلاً، و أنا حتى لو مقدرتيش تسامحيني مش هبطل أقولك اني بحبك. أصلًا أنتِ اكتر إنسانة قابلتها في حياتي تستحق الحب..
كادت في هذه اللحظة أن تخبره بأنها تعشقه حد النخاع، ولكنها أحجمت عن ذلك، فهناك جرحًا لم يُشفى بعد لذا ابتسمت بهدوء قبل أن تقول:
ـ على فكرة بقى انت طلعت بتفهم بالرغم من كل عيوبك اللي قولتها و دي نقطة تتحسبلك.
ابتسم عمر على حديثها قبل أن يقول مازحًا:
ـ وكريم على فكرة. حتى ناوي اعزمك على عصير قصب...
شروق بسخرية:
ـ لا واضح الكرم أوي..
ترجلت معه إلى أحد المقاهي وفي هذه الأثناء
كان مصطفى جالسًا في مقعده في أحد المقاهي يغلي من شدة الغضب وهو يتذكر ما حدث البارحة:
عودة إلى وقتٍ سابق:
كان يأخذ حمامًا بعد ارتكابه كبيرة من الكبائر مع تلك الفتاة التي كانت تشبهه في حقارته، والتي باعت شرفها و دينها و عائلتها لأجل متعةٍ رخيصة، وعلاقة عابرة. ليقوم بأغلاق المياة و يجذب أحد المناشف ليجفف جسده، متوجهًا إلى الخارج، فلم يجدها في الغرفة، ولكنه سمع همسًا آتيًا من غرفة الملابس، فاقترب بخطوات هادئة ليصل إليه صوتها وهي تقول بدلال:
ـ معلش يا رؤوف رنيت عليا كنت مشغولة شوية. عامل ايه؟ ميس يوو جدًا.. امممم..... لا اكيد مش بتقل والحركات دي، بس أنا لحد دلوقتي معرفش ايه نوع العلاقة اللي أنت حابب تكون بيننا، وطبعاً في كل الأحوال. مش هيكون في بيننا طرف تالت. أنت اكيد فاهمني..... طيب خلاص هفكر و أقولك نتقابل امتى. تكون انت كمان فكرت.. باااي..
ـ بتكلمي مين؟
هكذا تحدث مصطفى وهو يدعي الجهل التام لسماعه حديثها مع ذلك الشاب لتهتف بثبات اذهله:
ـ دي مامي. كانت بتسألني هرجع امتى. هدخل أخد شاور و امشي عشان متأخرش. مش طالبة مشكلة مع عمر. من غير حاجة هو بيتلككلي..
عودة إلى الوقت الحالي
كاد أن يحطم الكوب الموضوع أمامه، فتلك الساقطة تخونه وهو الذي لغبائه كان يحبها، ولكنه لن يتهاون مع خيانتها أبدًا، فقد قرر أن يجعلها تندم أشد الندم..
ـ مصطفي. سرحان في ايه كدا؟
هكذا تحدثت هايدي وهي تجلس في المقعد أمامه ليُطالعها بغضب كبير حاول كظمه قدر المُستطاع وهو يقول بلا مبالاة:
ـ عادي. مش في حاجة معينة. اقعدي...
هايدي بدلال:
ـ شكل حاجة مضيقاك قولي مالك يا بيبي؟
لم يفلح في ردع الغضب من التشعب إلى نبرته حين قال:
ـ قولتلك مفيش. بطلي اسأله بقى..
هايدي بصدمة:
ـ أنت بتكلمني أنا بالطريقة دي؟ تصدق أنا أنا غلطانه اني بسألك.. ازعل أو اتفلق. أنا ماشية.
ما كادت أن تهب من مكانها حتى امسك مصطفى بمعصمها وهو يقول بلهفة مصطنعة:
ـ خلاص. خلاص .أنتِ زعلتي ولا ايه؟ حد يزعل من حبيبه بردو!
هايدي بحدة:
ـ دي تاني مرة تكلمني بطريقة مش حلوة، وأنا ما بحبش كدا...
ناظرها مصطفى بخُبث وهو يمد يده ليحتوي كفيها ويقربهم من فمه ليضع قبلات متفرقة فوق راحتيهما وهو يقول بحنو زائف:
ـ مقدرش أبدًا على زعل حبيبي..
جحظت عيني عمر وهو يناظر هذا المشهد لشقيقته مع صديقه مما أخرج جميع شياطينه من جحيمها لتشهق شروق بعُنف حين .....
يتبع...
اللهم يا فارج الهم، ويا كاشف الغم، ويا مجيب دعوة المضطر إذا دعاك، فرّج همي، ويسّر أمري، واكشف كربي، وارزقني من حيث لا أحتسب، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك، واجعل لي من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ومن كل بلاء عافية، إنك على كل شيء قدير...
الماتش بدأ وانا وحياة ربنا ما هقدر اكتب كلمة ومصر بتلعب بكرة أن شاء الله هنزلكوا باقية البارت، ووعد مني هيكون مليان صدمات اوعى وشك 🙈🙈
يالا بقى دعوة حلوة من كل حبايبنا من خارج مصر ادعوا لينا نفوز النهاردة يا قمراتي وانا اقسم بالله لو فوزنا لهدلعكوا دلع تحلفوا بيه 😘😘😘😘