تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثالث» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت الجلسة مرحة و ممتعة و زادت أكثر في بهجتها بقدوم العروسين معًا، حيث التفت الفتيات الصغيرات حول "خلود" و كذلك الصبية حول "عمار" الذي جلس هادئًا كعادته يوزع الابتسامات البشوشة لكل من ينظر له، بينما "خلود" فكانت كلما يلتقي وجهها بوجهه، تشاكسه بملامحها و تعبيرات وجهها و تتصنع البراءة وسط الصغار، فيما يحاول هو جاهدًا كتم ضحكته عليها. اقتربت منها "فاطيما" تقول بضجرٍ لا يتناسب مع طفولتها: خالتو خلود، يزن و جاسمين فضلوا بغيظوني علشان أنتِ ساكنة معاهم، ليه مش ساكنة معايا أنا كمان ؟!" حملتها "خلود" عل...
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم شمس بكري
_في نهاية المطاف حدث ما تمنيناه، والدار أصبح أمانًا.
_______________________
_الحدث غريب في موقفٍ أغرب، مولودٌ جديدٌ للعائلة في ظروفٍ غير مناسبة، حالة توتر سادت الأجواء وتخبط جعلتهم يقفون بأعصابٍ مشدودة وترقب وقد ركض الكبار والصغار نحو البيت وقامت "عفاف" بتولية هذه المهمة ومعها نساء العائلة والأخرى تصرخ بوجعٍ من الألم الذي تفرق بجسدها، وببطنها.
وقف "أحمد" في الخارج تائهًا والقلق يدب في اوصاله مما جعله مرتعدًا وسأل بضياعٍ شوش حاله وغير نبرة صوته:
_هي مالها يا جماعة ؟؟ ماهي ولدت قبل كدا ودا محصلش
جاوبه "رياض" مُطمئنًا له بنبرةٍ هادئة دافئة:
_متقلقش هي بتولد طبيعي وأكيد مش زي المستشفى بدون ألم، ربنا يخرجهالكم بالسلامة، متقلقش.
حرك رأسه موافقًا وثبت أنظاره على الغُرفة، بينما وقفت "خديجة" تحمل "ليلى" الصغيرة على ذراعيها تربت عليها والأخرى في عالمٍ آخر لم تدر بما يدور حولها، مرت دقائق أخرى قليلة تبعها صوتٌ صغيرٌ أقرب في درجته لمواء هرة صغيرة جعلت التلهف والإبتسامة تظهر على الأوجه وأولهم "أحمد" الذي ركض تجاه الباب فوجد والدته تخرج له وهي تقول بنبرةٍ فرحة:
_مبارك يا روح قلبي ألف مبروك، يتربى في عزك.
سألها بلهفةٍ قلقة وهو يحرك عينيه يحاول الوصول لهما:
_طمنيني يا ماما، اخبارهم إيه، هي كويسة صح؟؟
حركت رأسها موافقةً فاقترب منه "طه" يربت عليه وهو يقول بنبرةٍ هادئة ووجهٍ مبتسمٍ:
_يا واد خير إن شاء الله، هي بس علشان مفاجأة، متقلقش إن شاء الله تشوفهم بخير.
حرك رأسه موافقًا وتنهد بعمقٍ بينما في الداخل تولت النساء أمر "سلمى" وتنظيف المولود بعد قطع الحبل السُري الذي ربط الأحشاء ببعضها وكذلك ربط بين قلب المولود ووالدته، وبقطعه ينشأ الرابط الأقوى وهو رابط الحُب والألفة بينها وبين الصغير، وبعد مرور ساعة تقريبًا من العمل المستمر وركض الفتيات والنساء خرجت "خديجة" بالصغير على يدها وهي تقول بتأثرٍ:
_أمسك يا حبيبي، يتربى في خيرك وعزك يا رب.
حمله من يديها على كفيه لينبض قلبه مرةً أخرى بنفس الطريقة التي نبض بها أول مرة حينما حمل مولدته الأولى، قشعريرة لذيذة ضربت جسده بالكامل، كما أن هناك رجفة سارت في جسده كما الكهرباء، وقع بصره على الصغير بين كفيه ولم يشعر بنفسه سوى وهو يحتضنه ثم قبل رأسه وهتف بنبرةٍ خافتة مُحشرجة:
_نورت الدنيا يا "رُحَـيْـم" وحلاوتها زادت بوجودك.
انتبهوا له جميعًا وتباينت ردود الأفعال الفرحة والمتأثرة والمُحبة، فيما تحرك هو نحو والده يقول بنبرةٍ ضاحكة من بين دموعه المتأثرة:
_أمسك حفيدك يا حج.
حمله "طـه" بين يديه يراقب الصغير بملامح متأثرة وعينين دامعتين ثم قبل رأسها وقبضة كفه الصغيرة المضمومة، فركضت "جاسمين" له تقول بلهفةٍ:
_عاوزه أبوسه، علشان خاطري، لو بتحبني.
أخفض "طه" جسده لها فقبلته "جاسمين" وهي تضحك بسعادةٍ ثم ركضت تجاه "خديجة" تقول بحماسٍ:
_ماما أنا عاوزة نونو زيه، هاتيلي واحد.
حملتها "خديجة" بين ذراعيها وهي تقول بقلة حيلة:
_أنا حلفت من بعدك اكتفي خلاص، عندك أهو اعملي مابدالك فيه، لكن أنا شكرًا صومت وصليت من بعدك.
اقتربت "نغم" في نفس الوقت الذي اقترب به "يونس" ليقفا بجوار بعضهما فسألت "أحمد" بوجهٍ مبتسمٍ:
_خالو أنتَ هتخليه يقعد معانا زي "ليلى" صح؟؟
حرك رأسه فيما اقترب "يونس" يمد ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_جدو ينفع اشيله؟؟ ممكن؟؟
حرك رأسه موافقًا وأعطاه الصغير وقد اقترب بقية الصبية حوله، فابتسم "يونس" وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_هو اسمه إيه علشان مش لاحق أحفظه.
ضحك "ياسين" وجاوبه:
_اسمه "رُحَـيْم".
ابتسم "يونس" ونظر لوالده وقال بنبرةٍ ضاحكة:
_هو "رُحَـيْم" وأنا "يونس" ؟؟.
انتشرت الضحكات على قوله حينما ذكرهم بميلاد "نغم" في صغره حينما سبق وقال هذه الجملة، فيما اقترب "وليد" كعادته يحمل الصغير منه ثم طالع قسمات وجهه وما إن رأه قال بضجرٍ وصوتٍ عالٍ:
_يا وقعة سودا ؟؟ الواد شبه عم "محمد" !!.
ضحك الشباب عليه وكذلك الفيتات وكل الموجودين، فيما قال "محمد" بتهكمٍ:
_مش حفيدي ؟؟ عاوزه يطلع شبه أبوك يعني ولا إيه ؟؟
رمقه "وليد" بغيظٍ فيما اقتربت "سهير" من الصغير وحينها قالت بنبرةٍ ضاحكة:
_دا نسخة من أبوه وهو صغير، شبهه تمام.
تدخل "مرتضى" يقول بضجرٍ منهم:
_يمين بالله أنتوا عيلة كدابة كلها علشان الواد لسه ملامحه متحددتش أصلًا ومش هيبان دلوقتي، بطلوا يا عيلة زياطة.
خرجت "زينب" من غرفة "سلمى" وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_ادخل اتطمن على مراتك وشوفها وخد ابنك معاها.
حمله "أحمد" وركض به نحوها ليجدها تجلس على الفراش وهي تبتسم له، فاقترب منها يقبل جبينها ثم هتف بنبرةٍ هادئة:
_ألف حمدًا لله على سلامتك، ربنا يديم وجودك ووجودهم ليا، أظن كدا مفيش نوم تاني بقى تفوقي معانا.
ضحكت له ثم نظرت للصغير فمد يده لها به لتحمله على ذراعيها ثم قالت بتأثرٍ وهي تطالعه بعينين دامعتين:
_حلو أوي، يا رب يكون زيك في كل حاجة علشان أكون محظوظة بجد لما ابني يكون نسخة من أبوه.
احضتنها أسفل ذراعه وربت على كتفها وهي تحمل الصغير الذي بدأ يبكي بنبرةٍ خافتة، فيما انتبهت هي لعدم وجود صغيرتها، فسألته بلهفةٍ:
_ليلى فين يا "أحمد" ؟؟.
رد عليها بوجهٍ مبتسمٍ وهو يقول:
_برة مع "ياسين" أظن يعني أنتِ عارفة إنها بتحبه.
حركت رأسها موافقةً ثم نظرت في وجه صغيرها وقالت بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسمت له:
_"رُحَـيْم".
___________________________
في الخارج بدأت الجلبة من الصغار وركضهم خلف بعضهم بفرحةٍ غريبة بسبب المولود الذي أتى جديدًا لدنياهم، فيما تحدث "علي" بتعجبٍ يسأل والده "حسن" قائلًا:
_بابا هو كدا معاه الجنسية الاسكندرانية؟؟.
انتبهوا له جميعهم فتدخل "وليد" يؤيده بسخريةٍ:
_آه يا حبيبي، حتى علشان كدا هتلاقي شهادة الميلاد بتاعته مملحة شوية، بس يا ابن الهُبل.
تدخل "فارس" يسأل هو الأخر:
_ايوا صح يعني هو كدا من إسكندرية ؟؟.
حينها نطق "عامر" بنبرةٍ ضاحكة يقول:
_آه كدا من إسكندرية وبدل ما نحطله على كارت السبوع شيلوني بحنية، نحطله اقروا الفاتحة لأبو العباس يا إسكندرية يا أجدع ناس.
انتشرت السخرية على الجميع فيما نطقت "ميمي" لـ "عمار" الذي جلس بجوارها:
_عقبالك إن شاء الله لما نشيل عيالك وكدا تبقى كملت.
ابتسم لها ثم حرك رأسه نحو "خلود" ينظر لها وهي تحمل ابنة أخيها تهدهدها على ذراعيها وفكر فيها وهي تحمل في أحشائها طفلًا منه هو، تلك المشاكسة التي كان يراها بالزي المدرسي ولم تتخطى علاقتهم سوى بعض الأحاديث العابرة، أصبحت زوجته وحبيبته وبإذن المولى ستصبح أمًا لطفله.
اتسعت ابتسامته أكثر ولم ينطق بكلمةٍ واحدة، بل تحرك نحوها يمسك الصغيرة يداعبها هو الأخر حتى ضحكت معه فوجد "خلود" تقول بنبرةٍ ضاحكة:
_خلي بالك أنا واسطة هنا علشان العيال، لما بحب حد كلهم بيحبوه، يعني هي مش حباك من الباب للطق كدا.
سألها هو بنبرةٍ ضاحكة:
_اومال ليه يا ترى؟؟.
جاوبته ببساطةٍ مرحة:
_علشان أنا حبيتك فهما بيحبوك.
رفع حاجبيه باندهاشٍ مصطنعٍ ثم ركز مع الصغيرة التي أمسكت يده وهي تداعب كفه وتغمغم بعدة كلماتٍ مُبهمة لا يفهم هو منها أي شيء، بل حاول أن يتحدث معها بطريقتها مما جعل "خلود" تبتسم له ثم حاوطت بطنها بكفيها، تساورها الشكوك في حملها وتتمنى أن يصبح الأمر حقيقة، لكن هناك رهبة غريبة تجعلها في خوفٍ من الإقدام على الاكتشاف، تخشى أن تُخذل وأن تصبح مجرد شكوك وهمية، على الرغم من رغبتها الشديدة في اكتمال ظنونها.
تحركت من جواره نحو شقيقتها في الداخل وهي تقول بلهفةٍ أخرجت صوتها مهزوزًا:
_"خديجة" أنا عاوزاكي ضروري.
انتبهت لها شقيقتها ونظرت لها باستفسارٍ فوجدتها تقول بنفس الخوف والقلق يخالطهما الخجل:
_أنا عاوزة اختبار حمل ضروري.
اتسعت عينا "خديجة" بدهشةٍ فقالت "خلود" بنفس الصوت المضطرب:
_بصي أنا متوترة بس شاكة بصراحة، وخايفة يطلع مفيش حاجة علشان مفيش أي أعراض، بس أنا عاوزة اتأكد، أعمل إيه ؟؟.
لاحظت "عبلة" وقوفهما فاقتربت منهما تسأل بتعجبٍ:
_مالكم واقفين كدا ليه؟؟ حصل حاجة ؟؟.
تحدثت "خديجة" تخبرها بما أخبرتها به شقيقتها، لتقول "عبلة" بلهفةٍ:
_طب اقعدي أنتِ متتحركيش، هنزل أجيب حاجات من تحت، خليكِ لحد ما أجيلك علشان نتأكد، ماشي.
نظرت لها "خلود" بضجرٍ وهي تقول:
_بس أنا مبحبش أقعد، إيه الزهق دا؟؟
هتفت "عبلة" بسخريةٍ:
_مش بمزاجك يا حبيبتي، دا غصب عنك.
تحركت الأولى فيما وقفت "خديجة" تبتسم لها ثم هتفت بنبرةٍ مختلطة المشاعر:
_ربنا يكرمك يا "خوخة" إن شاء الله وأفرح بولادك أنتِ كمان خلي الفرحة اتنين وفرحي "عمار" هو كمان.
ابتسمت لها "خلود" وتنهدت بعمقٍ وهي تقول:
_اللي مخليني أخد الخطوة دي هو "عمار" هيبقى أب جميل أوي أوي ، بس يا رب متعشمش على الفاضي، أنا مش حِمل كدا.
احتضنتها شقيقتها وهي تطمئنها بقولها:
_إن شاء الله خير متقلقيش، ربنا يراضيكم ويرزقكم بذرية صالحة تنور حياتكم يا رب.
__________________________
بعد مرور عدة ساعات اجتمعت العائلة مع بعضها في الشقة يتناولون الطعام سويًا ومعهم الصغار بينما "خلود" استطاعت التغلب على خوفها ودلفت تقوم بعمل الاختبار لترى نتيجته وحينما ثبتت شكوكها شهقت بدهشةٍ تلقائية ووضعت كفها على فمها لم تفهم أي شيءٍ، هل تصرخ وتفرح أم تصمت وتتأكد أم تنادي على الحشد الموجود بالخارج، لم تفهم أي شيءٍ ولم تنتبه سوى لصوت "هدير" في الخارج تخبرها بنبرةٍ جامدة:
_يلا خلصي مكسلة أروح الحمام التاني، يلا.
خرجت "خلود" من المرحاض تقف أمامها بتوترٍ لاحظته "هدير" فسألتها بتعجبٍ:
_مالك أنتِ كويسة؟؟ مال وشك مخطوف كدا ليه ؟؟.
تنهدت "خلود" وأخبرتها بضياعٍ:
_أنا حامل يا "هدير".
شهقت "هدير" بفرحةٍ ثم احتضنتها بحماسٍ وهي تحمد ربها ثم ركضت من المكان وهي تقول بفرحةٍ وصوتٍ عالٍ:
_يا "حسن"، "خلود" حامل يا "حسن".
انتبه له "حسن" وضحك رغمًا عنها وهي تركض نحوه تخبره بهذا الخبر السعيد لينطق هو بضحكاتٍ يائسة:
_ألف مبروك ياستي بس قولي لجوزها أنا مالي.
تركته والتفتت لـ "عمار" الذي وقف متسمرًا فور وصول الحديث لسمعه ليجد "هدير" تركض نحوه وهي تقول بلهفةٍ:
_"خلود" حامل والله يا "عمار" ألف مبروك.
انتبه الموجودون لصوتها المرتفع واجتمعوا حولها، بينما "خلود" شعرت بالخجل فتوقفت محلها تسب "هدير" وتهورها وغبائها وفور استماعها لزغرودة والدة "عمار" ضربت رأسها بكفها لتجد فجأةً "عمار" أمامها يسألها بلهفةٍ:
_"خلود" !! الكلام دا مفيهوش هزار ومقالب، حامل بجد؟؟
حركت رأسها موافقةً فوجدته يخطفها بين ذراعيه وأطلق زفيرًا قويًا وهو يقول بتأثرٍ وصوتٍ مختنقٍ:
_الحمد لله يا رب، الحمد لله على كرمك وفضلك، الحمد لله.
رفعت رأسها تسأله بعينين دامعتين:
_أنتَ فرحان صح؟؟ أنا فرحانة أوي وخايفة أوي.
ضمها من جديد يربت على ظهرها لتبكي هي بصوتٍ عالٍ بمشاعر غريبة عليها لم تفهم منها أي شيءٍ حتى وجدت العائلة أمامها وجميعهم يقتربون منها يباركون لها، فيما وقفت "خديجة" تبكي بتأثرٍ فضرب "ياسين" وجهه بكفه وهو يقول بقلة حيلة:
_أبوس إيدك كفاية يا "خديجة" بتعيطي ليه؟؟.
ردت عليه بنبرةٍ باكية:
_فرحانة يا مهلبية، "خلود" المقرودة هتبقى أم.
ضحك رغمًا عنه فيما اقترب "وليد" من "خلود" يقبل رأسها ثم هتف بنبرةٍ هادئة:
_كدا الفرحة اتنين، ربنا يقومك بالسلامة علشان أخده وألحق أربيه قبل ما أفقد شغفي، ألف مبروك يا روح قلب أخوكِ.
خرج "أحمد" على الصوت وسألهم بحيرةٍ وما إن أخبروه شهق بفرحةٍ ثم اقترب يخطفها بين ذراعيه وهو يقول بحماسٍ:
_يا حبيبتي، ألف مبروك يا خوخة، كبرتي خلاص وهتبقي ماما، إيه الدنيا الغريبة دي؟؟؟.
زادت الفرحة أكثر وخصيصًا حينما اقتربت "سيدة" تقبل رأسها و "سارة" التي باركت لها و "عامر" الذي احتضن أخيه بفرحةٍ كبرى ومن بعدها الشباب كل منهم على حِدة، العديد والعديد من المشاعر الدافئة جعلت الفرحة تنتشر في البيت بوجود المولود الجديد و بقرب المولود الأخر الذي تحمله ابنة العائلة.
وقف "حسن" يبتسم لهم فاقترب منه "عمار" يعاتبه بقوله ضاحكًا:
_مباركتش ليا ليه؟؟ مش فرحان لأخوك؟؟
حرك رأسه نفيًا ثم رفع ذراعيه يحتضنه وهو يقول:
_متقولش كدا، أنا فرحان بأخويا أوي ونفسي أشيل عياله على أيدي وأشوفهم نسخة منه كمان، ألف مبروك يا حبيبي.
ضحك له "عمار" وهتف يشاكسه بقوله:
_ياعم عقبالك كدا تجيب حد كمان يلعب مع أخواته.
رد عليه "حسن" بسخريةٍ:
_"فاطيما" مش موافقة بتغير عليا وعلى أمها.
بعد مرور دقائق دلفت "خلود" لـ "سلمى" ففتحت الأخرى ذراعيها لها حتى ارتمت عليها تقول بحبٍ بالغٍ لها:
_من بدري عاوزة ادخل علشان أقولك، حسيت أني لازم أجي أنا وأعرفك، شوفتي كل حاجة عدت إزاي ؟؟ دراستي وحياتي وجامعتي وبقيت مع "عمار" وهجيب نونو حاجات كتير مش مصدقة أنها تحصل، بس حصلت، أنا فرحانة أوي وجيت علشان أفرحك معايا.
احتضنتها "سلمى" وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_علشان النصيب والرزق مكتوبين بس إحنا اللي نسينا وشغلنا بالنا بالدنيا، اسمعي مني والله كل حاجة مكتوبة عند ربنا واحنا علينا الرضا بكل حاجة، ربنا يقومك بالسلامة وتبقى ساعة ولادتك سهلة زيي كدا، طنط "عفاف" شاطرة أوي أحسن من الدكاترة والله.
ضحكت لها "خلود" ثم قبلت الصغير على وجنته وهي تتطلع إليه بملامح هائمة تتوقع شكل صغيرها الذي شارف على القدوم لتتشارك هي و "عمار" في تربيته ليصبح كما تتمنى هي ويريد هو.
خرجت من الداخل بعدما اطمأنت على "سلمى" فوجدت "عمار" أمامها يقول بصوتٍ هاديءٍ:
_ممكن بقى نهدا شوية ونقعد ؟؟ ينفع يعني؟؟
حركت رأسها موافقةً فيما قبل هو رأسها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_ربنا يكرمني وأقدر أسعدك ويقدرني على تربيته، والأهم بقى أني أقدر على فترة هبلك الجاية علينا دي شكلي هتروق ترويقة بمقام العمر اللي فات كله يا منعنع.
ضحكت له ثم لفت كفها حول مرفقه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_كفاية إنك معايا، ودا عندي كفاية.
___________________________
بعد مرور ثلاثة أيام من بعد ميلاد الصغير ومرح العائلة واعتيادهم على الجو برفقة عائلة "الشيخ" وإصرارهم على تقديم المعاونة لهم والبقاء معهم، جلسوا مع بعضهم أمام البحر الصغار والكبار والشباب مختلف الأعمار مع بعضهم، يتشاركون اللحظات الجميلة مع بعضهم وقد التفوا أرضًا يجلسون بجوار بعضهم كل منهم بجوار زوجته و "ميمي" تجلس على المقعد بجوارهم، والصبية الصغار مع بعضهم.
تناولوا الطعام جميعًا وجلست "سلمى" تحمل الصغير على يديها، تستمع بمرح العائلة على شاطيء البحر وصوت الأمواج العالية وهي تسير خلف بعضها، لتبتسم بسعادةٍ وهي تراهم مع بعضهم.
تحدث "مرتضى" بنبرةٍ ضاحكة من وسط الأحاديث الكثيرة:
_طب بما إن "رياض" هنا معايا يبقى يختارلنا لعبة حلوة نرخم بيها على العيال دي، يلا إحنا مش هنتجمع تاني كدا غير بعد عمرٍ طويل، يلا.
ابتسم "رياض" وهو ينظر لابنه وقال بنبرةٍ ضاحكة:
_بص احنا منرخمش عليهم، إحنا نقولهم كل واحد فيهم يرجع بالذاكرة لورا كدا ويفكرنا بأول حاجة قالها لمراته، يعني أهو بنفتكر والعيال دي تتعود مع بعضها وتفتكر الأيام اللي فاتت على اهاليهم، قولتوا إيه ؟؟.
ضرب "خالد" كفيه ببعضهما بضجرٍ فيما انتشرت الضحكات من البعض، ليشير "مرتضى" بأمره للشباب وقد بدأ بابنه "وئام" الذي تحدث بنبرةٍ ضاحكة بعدما نظر لزوجته قائلًا:
_أول حاجة كانت ليلة كتب الكتاب، نزلت أخبط عليها ولما هي فتحتلي لقيت نفسي بقولها
الدنيا الضلمة بكرة هتنور بوجودك فيها"
ضحكت "هدى" بخجلٍ ثم قبلت ابنتها على ذراعها، فيما تحدث "خالد" من بعده يقول بنبرةٍ جامدة بعض الشيء:
_أنا عن نفسي قولتلها بعض فترة من جوازنا
سبحان الله القلب رجع تاني دَق ومن بعد قسوته علشانك رق"
أتى دور "طارق" وحينما وجد النظرات موجهة نحوه قال بقلة حيلة وهو ينظر لزوجته:
_"ضيعت عليه العمر يا أبويا، وبصراحة كان أحلى عمر وهي كانت أحلى هدية في العمر كله".
ابتسمت لهم "جميلة" ثم نظرت لوالدتها التي احتضنتها، فيما تحدث "عامر" بنبرةٍ ضاحكة وهو يقول:
_أنا قولت كتير بصراحة، بس أحلى حاجة قولتها:
ياللي قلبك أبيض زي اللبن وعيونك زبادوه، كل الناس عندي جبنة قديمة وأنتِ لوحدك جاتوه".
ضحكات كثيرة ارتفعت على قوله ومن بينهم "سارة" فيما تحدث "عمر" يقول بإعجابٍ شديد:
_أقسم بالله أجمد حاجة اتقالت في القعدة دي.
تحدث من بعده "ياسر" قائلًا بنبرةٍ رخيمة:
_أنا بقى ربطها بشغلي، يعني كان حبها الداء ووجودها دواء، وقولتلها إن كل الناس دوا مؤقت زي الاوجمانتين بس هي ثابتة زي الفيتامين.
ضحكت "إيمان" وأضافت بنبرةٍ ضاحكة:
_الله يحفظه بيعاملني معاملة فارما للأدوية.
ضحك "ياسر" وجميع من حولهم وبعدهم "ياسين" الذي نظر لها وتذكر أول حديثٍ قاله لها حينما اجتمعا سويًا في العيادة النفسية:
_السجن في وجودك براح يا "خديجة"، ولو الخسارة دي قصاد وجودك معايا أنا مستعد ليها.
ابتسمت له بوجهٍ مُشرقٍ وابتسم هو لها، ليأتي دور "وليد" قائلًا بنبرةٍ هادئة بعدما حمحم بخشونةٍ:
_حلو العمر كان في كان وجودها، والمر في غيابها، والحمد لله إني نسيت طعم المر وكله بقى حلو معاها هي.
ضحكت "عبلة" بخجلٍ ونظرت لابنيها لتجد "مازن" يغمز لها بخبثٍ جعلها ترمقه بتحذيرٍ، فيما أتى دور "حسن" الذي نظر لها بقلة حيلة وهتف بنبرةٍ هادئة:
_بلاقي فيكي الونس وأنا الغريب في الدنيا دي، دي أول حاجة أنا حسيت بيها وقولتها، لأني ببساطة يعني لقيت حياتي من بعد ما عرفت "هدير".
صفقت "هدير" بكفيها له لتنتشر الضحكات عليها، ومن بعدها أتى دور "أحمد" الذي هتف بنبرةٍ ضاحكة:
_صار الورد في أراضينا والفرحة عرفت أغانينا
دي أول حاجة قولتها ليها بصراحة وكنت شايفها لايقة عليها.
ابتسمت "سلمى" له ونظرت لوالدتها التي ضحكت لها وكذلك بقية نساء العائلة، وأخيرًا توقف الدور عند "عمار" الذي جلس بجوار زوجته يهتف بنبرةٍ هادئة:
_أنا يا سكر العمر هشيلك العمر بين جفوني.
يعني زي ما شيلت حبها في قلبي أنا عندي استعداد اشيلها بين عيوني بس تبقى كويسة، يعني علشان أبقى ضامن أني بخير أنا كمان.
ضحكت "خلود" ونظرت له وقد تعلقت نظراتهما ببعضهما ليصفق من بعدها "رياض" لهم جميعًا وانتشرت البهجة من جديد بلعب الصبية الصغار على شاطيء البحر ليقف كلًا من "ياسين" و "وليد" بجوار بعضهما يتابعان الوضع بنظراتهما، الراحة البادية على وجوههم، والمرح السائد بين الصغار، الألفة الموجودة بالمكان، "نغم" التي تركض بالقطة والفتيات يركضن خلفها، والصبية يركضون خلف بعضهم للحاق بكرة القدم، والشباب مع بعضهم يجلسون يتمازحون مع بعضهم، فتنهد "وليد" براحةٍ وهو يقول:
_تصدق !! طلعت هايفة أوي الدنيا قصاد شوية حب وونس بجد من القلب؟؟ يا جدع الواحد لو عليه يشيل الأيام دي بين عيونه، ماهي سهلة أهي يا "ياسين" أومال احنا مصعبينها على بعض ليه؟؟.
ابتسم "ياسين" بسخريةٍ وهو يقول:
_علشان هُبل ربنا يشفينا، إحنا نسينا كل حاجة وانشغلنا في الدنيا نسينا إننا نحب بعض، الدنيا مكان ملهوش لازمة علشان إحنا مش فاضلين فيها، بعدين سيدنا "عمر بن الخطاب" رضي عنه وأرضاه قال في قواعد السعادة السبع:
قواعد السعادة السبع لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب :
- لا تكره أحدًا مهما اخطأ في حقك
- لا تقلق أبدًا مهما بلغت الهموم
- عش في بساطة مهما علا شأنك
- توقع خيرًا مهما كثر البلاء
- أعط كثيرًا ولو حرمت
- ابتسم ولو القلب يقطر دمًا
- لا تقطع دعاءك لأخيك المسلم بظهر غيب .."
قال حديثه ثم استأنفه من جديد قائلًا:
_ربنا يكرم قلوبنا بكل خير ويعافينا من شر الدنيا وقلبتها علينا، أصلها مش مضمونة، والشاطر اللي ميأمنش ليها ويبقى عارف إنه ضيف هنا، وماشي، ربنا يقوينا عليها لحد ما نلاقي الراحة في جنته.
حرك "وليد" رأسه ينظر حوله من جديد ليبتسم وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_لما الدنيا بشوية رضا وسعادة وحب للناس اللي حوالينا واتعافينا بيهم واتعافوا بينا بقت عاملة كدا، أومال الراحة في الجنة طعمها إيه ؟؟.
ابتسم له "ياسين" ثم صفعه على رقبته من الخلف وهو يقول:
_ربنا يكرمنا ونروح الجنة كلنا علشان نعرف طعم الراحة فيها عامل إزاي، بس نكون اتعافينا من دار الشقاء هنا.
طالعه "وليد" بسخريةٍ وهو يقول:
_تعافيت بك، أنا اتعافيت بيك يا مهلبية.
نظر له "ياسين" بشرٍ ثم ركض له بسبب سخريته عليه وعلى "خديجة" ليركض أمامه "وليد" ومن خلفهم الشباب يركضون معهم وخلفهم الصبية الصغار بأكملهم، وسط الضحكات التي انتشرت في المكان والمرح الذي أخذ يزداد بالمكان الجديد الذي شهد على إجتماعٍ تؤنس القلوب به.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم شمس بكري
دنا رمضانُ وانهالتْ دموعي
وروحي نحو ربي في رجوعِ
فيا رحــمــنُ مدَّ لنا بعمرٍ
لندركَ شهرَنا بين الـربــوعِ
ونسمع في الأذانِ نداءَ خيرٍ
وحيَّ على الصلاةِ مع الجموعِ
_"رمضان مبارك عليكم جميعًا".
__________________________________
مرحبًا بكَ في يوم الجمعة..
وليست كأي جمعة هي جمعة النزهة والمرح، تحديدًا جمعة شراء منتجات رمضان المبارك، فهيا بنا نرى اليوم مع عائلةٍ كانت تعرف بالعقل؛ ثم باتت تُعرف بالجنون.
تحديدًا في شقة "رياض"..
كان "ياسين" جالسًا بجوار والده بعد عودتهما من صلاة الجمعة ومعه صغيره "يـزن" الذي جلس بجوار جده وقد جلست "جاسمين" على قدمي جدها والبقية حولهم، وحينها تحدثت "زهرة" وهي تقول بنبرةٍ هادئة تحذر ابنها:
_خلي بالك منهم يا حبيبي، الدنيا هناك بتكون زحمة أوي والعيال بتتوه خلي بالك، يا إما تسيبهم هنا وتروح لوحدك مع "خديجة" وتخليهم هنا.
انتبهت لها "خديجة" وهتفت بأسفٍ لها:
_ماهو بصراحة "ياسين" وعدهم بالخروجة دي يا ماما، فمش هينفع مناخدهمش لأن كدا هتبقى نكد على دماغنا إحنا، بس متقلقيش لو لقينا الدنيا زحمة هنرجع مش هنطول.
تدخل "ياسين" يهتف بسخريةٍ ردًا عليها:
_زحمة؟ دا كان زمان لما كان فيه فلوس، إنما حاليًا نازلين نتفرج كلنا واللي هيقدر يجيب ربنا يعينه بقى، ربنا ييسرها على عباده ويهونها علينا.
في هذه اللحظة نطقت "جاسمين" بنبرةٍ ضاحكة أعربت عن حماسها وسعادتها:
_طب هنعلق الزينة إمتى؟ هنعلق هنا الأول النهاردة وبعدين عندنا؟.
توجه "ياسين" إليها بنظراتهِ ثم هتف ساخرًا:
_لأ مش النهاردة، ومش دلوقتي خالص.
شهقت "جاسمين" بدهشةٍ وطالعت أخوتها وحينها حركت "نغم" كتفيها كأنها تخبرها بمدى جهلها عن الأمر، فيما عقد "يـزن" مابين حاجبيه وحينها تحركت "خديجة" لكي ترتشف المياه فيما قررت "جاسمين" أن تعانده كعادتها وقفزت من موضعها الذي تمثل في فخذي جدها "رياض" وهتفت بعدما تخصرت في وقفتها إحتجاجًا على أوامره الباطشة التي لم ترحم صغيرة مثلها:
_يعني إيه مش هنعلق الزينة؟ ماهو بنجيبها ليه؟.
حينها تحرك ووقف "ياسين" مجاورًا لزوجته التي مالت بجسدها للأمام تملأ الكوب من المبرد فيما هتف هو بلامبالاةٍ دون أن يكترث لنيران هذه الصغيرة:
_بنجيبها قبل ما تغلى أكتر، مش علشان نعلقها في نفس اليوم، بعدين لسه أقل فاضل ٢٠ يوم على رمضان.
حركت "جاسمين" رأسها للجهةِ الأخرى ساخرةً وهي تسأله بتهكمٍ:
_والله؟ دا مُـبـربـر يعني إننا منعلقش الزينة؟.
انتشرت الضحكات عليها وفي هذه اللحظة خالفت "خديجة" الجميع حينما بصقت المياه على زوجها بسبب ضحكاتها على كلمة ابنتها الغريبة وكذلك زادت الضحكات أكثر حولهما ليغمض "ياسين" عينيه في محاولةٍ منه لكتم غضبه بسبب عائلته المجنونة.. يا الله لما أصبح هذا العاقل المتزن مثل المُبتلى وسطهم؟ حينها رفعت "خديجة" كفها تضعه على فمها بفزعٍ من فعلتها فيما فتح هو عينيهِ وأطبق شفتيه معًا ليجدها هتفت بخجلٍ من فعلها أمامهم:
_أقسم بالله ما كان قصدي، يا خبر أسود، طب إيه؟.
زفر "ياسين" وحرك رأسه نحو البقية فارتفع صوت الضحكات من جديد عليه وحينها ملأت "خديجة" الكوب مُجددًا ترتشف منه فيما هتف "ياسين" ساخرًا يسأل ابنته:
_قولتي إيه يا بنت المجانين؟ سمعيني كدا تاني؟.
هتفت بنفس الإصرار تلقي بنفس غباء كلمتها:
_مُـبربر.
من جديد يرتفع صوت الضحكات عليها وهي تطالعهم بحيرةٍ من ضحكاتهم حتى أخوتها وعقدت حاجبيها وحينها أقترب منها "ياسين" وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة جاهد لكتمتها:
_حبيبة بابا، اسمها مُـبرر، مش مبربر، دي من التبرير، إنما بتاعتك دي من القرف، يرضيكي تقرفينا كلنا كدا؟.
حينها شهقت من جديد كمن عثر على كنزٍ مفقودٍ وهي تقول جملتها المعتادة:
_أيوة صح هي دي، برافو عليك شاطر.
أنهت جملتها ثم حركت رأسها نفيًا تنفي سؤاله السابق فيما أعتدل هو بيأسٍ ثم دفعها بخفةٍ إلى جدها واستعد للدخول نحو الداخل لكي يبدل ملابسه فهتفت هي من جديد تسأله بحنقٍ حينما تذكرت:
_أيوة يعني مش هنعلق الزينة برضه؟.
__________________________________
المكان هنا أحب الأماكن على القلوب..
المكان الذي شهد على الكثير والكثير وأغدق الجميع بالحنان والدفء، تحديدًا شقة "ميمي" وحينها اجتمع عندها الصغار مع الآباء وقد امتلأ البيت بأصواتهم معًا وقد أقترب "عُـمر" من والدهِ هاتفًا بتوسلٍ:
_يا بابا، شغل بقى أغاني رمضان.
قلب "عـامر" عينيه بمللٍ من إلحاح صغيره ورد عليه بنفاذ صبرٍ من كثرة تكرير نفس الطلب:
_يابني فين الأغاني دي؟ مش معايا والله.
حينها توسعت بسمته وحرك رأسه بحماسٍ وهو يقول:
_عندك، أنا حملتها كلها إمبارح، يلا علشان خاطري، محدش عارف يشغل الحاجة هنا غيرك، يلا بقى.
زفر "عـامر" مُطولًا ثم تنهد وتوجه نحو السماعات الكُبرى وأوصل هاتفه بها وأنتظر دقائق ثم رفع الصوت أكثر ليجد الصغار جميعهم أقتربوا منه وانتشر الصوت مع الكلمات وسط صوت الصغار مُهللين بسعادةٍ مع الكلمات:
_أهو جه يا ولاد هيصوا يا ولاد..
أهو جه يا ولاد زقططوا يا ولاد..
في كل عام ويانا معاد…
وعمره ما بيخلفش ميعاد..
في كل عام ويانا معاد
وعمره ما بيخلفش ميعاد..
أهو جه يا ولاد..
أهو جه يا ولاد.
حينها رقص الصغار وهم يصفقون بفرحةٍ كُبرى كونهم شارفوا على أكثر الأيام بهجةً وسعادةً، حينها صفقت "ميمي" بكفيها معًا وهي تضحك بسعادةٍ لأحفادها، ترى البيت بهم تملئه السعادة ويزهر مثل زهو الحدائق في الربيع..
أقترب "زيـن" من خاله "خالد" يسأله بحماسٍ:
_خالو أنتَ قولت هتخلينا نعلق الزينة سوا كلنا، متنساش.
حينها لوى "خالد" فمه بتهكمٍ ثم هتف ساخرًا:
_ يا راجل؟ طب أتوكس هو إحنا لاقيين؟ محدش ناوي يدفع يا حبيبي في فلوس الزينة، وأنا مش مسئول الحي هدفع ليهم، فليك عليا نعمل شقة تيتة "عفاف" وأبوك هيعمل شقة تيتة "ميرفت" أعمل معاه.
أقترب "يـونس" حينها يقول بلهفةٍ:
_طب والشارع؟ مش هنزين الشارع؟ لأ علشان خاطري يابابا، إحنا بنفرح كلنا خد الفلوس اللي محوشينها ونعلق زينة في الشارع هنا، علشان خاطري.
تدخل "ياسر" حينها يهتف بعدما أرتشف من كوب الشاي الذي أمسكه في كفهِ:
_وهو إحنا عايشين هنا؟ لازمته إيه يا بني؟.
حينها جاوب "يونس" بدلًا عن البقية مفسرًا:
_ياعمو "ياسر" إحنا بنفرح هنا، لما بنحط الزينة كلنا مع بعض بنفرح وبنحس بيه، كفاية المدارس دي محشورة كدا ومش حاسين بحاجة، أهو يوم بنفرح فيه وكل الناس بتفرح معانا، يلا بقى.
تدخل "عـامر" بعدما بدل الأغنية بأخرى غيرها ثم جاور البقية وهو يقول بنبرةٍ هادئة مبتسمًا في وجه الصغار:
_بصوا وعد مني الجمعة الجاية هيكون فاضل كام يوم لسه، هنروح نجيب الزينة ونيجي بعدها نزين الحارة، حلو كدا؟.
قفز الصغار مُجددًا بسعادةٍ ثم قفزوا على "عامر" الذي رفع صوته عاليًا وهو يضحك بعدما أرتموا عليه ثم أرتفع صوت الصغار مُجددًا مع الصوت:
_رمضان كريم فتاح يا عليم..
٣٠ يوم فيه هنا وسعادة…
الله..الله.. الله..الله.
قعدة رمضان حلوة يا جدعان شهر الإحسان كله عبادة.
ضحكت لهم "ميمي" وهي تراهم مع بعضهم يتسارعون في التجهيز لهذا الشهر غافلين عن أزمات الكبار و المسؤوليات التي وقعت على عاتق الجميع خاصةً مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها الجميع، لكنها فرحة صغارٍ لم تعرف أي شيءٍ سوى الحضور في الوقت اللازم لذلك دون أن تشغل بالها بما يوقف هذه الفرحة، فكونوا مثل الصغار وأتركوا نفسكم للفرح حتى ولو للحظاتٍ عابرة لعل حزنكم يرحل عنكم حينما يعلم أنه أتى المكان الخاطيء.
__________________________________
_هل هلاله رمضان كريم…
آه يا جماله رمضان كريم،
فوانيسه والعة..
أيوحة…
لمبة وشمعة…
رمضان كريم
رمضان كريم زي العادة
من دا على دا وكل يوم عندنا في جديد..
صدح هذا الصوت عاليًا في منطقة الغورية عصرًا يوم الجمعة، فأهلًا بك وسط المدينة المتكدسة لتعلم كيف تكون تحضيرات الشهر الكريم في هذه البلد، حيث تسير أنتَ وأسرتك وأحبائك وسط الغُرباء عنك ترى العديد والعديد من القماش الخيامي الاحمر المُزركش باللون الأزرق وهو الدلالة الأشهر للاحتفال في هذا الشهر…
ثانيًا العديد والعديد من الفوانيس بمختلف أنواعها وخامتها، فتارةً ستجدها معدنية لامعة باللون الذهبي، وتارة أخرى تجدها خشبية بنية اللون، وتارة بلاستيكية بألوان مبهجة تشبه الأيام المُقبلين عليها، هنا رائحة العطر الطيبة والبخور والأدوات الجديدة في المحلات، صوت الأغاني القديمة بمختلف كلماتها تتردد في الأذان ومنها:
_رمضان جانا وفرحنا بُـه
بعد غيابهُ وبقاله زمان..
غنوا وقولوا شهر بطوله
غنوا وقولوا أهلًا رمضان..
رمضان جانا..
قولوا معانا، أهلًا رمضان، رمضان جانا.
هذه هي الأغنية الأشهر هنا وسط العديد من الزحام وأدوات التزيين وسط الشوارع التي حافظت على قدم الطراز فيها، ثم تتحرك بوسط الشوارع لتجد الأغنية الثانية في مكانٍ حوى الكثير من أدوات الزينة:
_مرحب شهر الصوم مرحب..
لياليك عادت في أمان…
بعد إنتظارنا وشوقنا إليك جيت يا رمضان.
بنفس التوقيت سار "ياسين" بأسرته وسط هذا المكان يمسك الصغيرين في كفيهِ و "خديجة" أمامه تمسك "نـغم" وبالطبع لأنها تشبهها لأنها مُطيعة على عكس الدُمية الصغيرة، حينها حالة ذهولٍ أصابت الصغار من دهشتهم بالمكان وكثرة الأدوات فيه وحينها أشارت "جاسمين" نحو أحد المحال وهي تقول بنبرةٍ ضاحكة غلفتها السعادة:
_بابا هنروح نجيب من هناك.
سألها "يزن" بحيرةٍ من فرحتها بالمكان:
_شوفتي حاجة عنده عجبتك؟.
حركت رأسها نفيًا وأضافت ضاحكةً بنفس السعادة:
_لأ مشغل الأغنية اللي بحبها بتاعة رمضان.
كتمت "خديجة" ضحكتها كعادتها فيما أخفض "ياسين" رأسه لها ثم أعادها من جديد يدعو ربه أن يمده بالصبر قبل أن يصبح في نهاية الأمر مجرد أبٍ تجردت منه الإنسانية ليصبح قاتلًا لفتاةٍ هربت من أحد الأفلام الكرتونية لتصب حياته بلعنة هو أطيب من أن يتجاوب معها…
أقترب بهم من المحل يراقب الأدوات بعينيهِ أولًا كغيره يتابع الأسعار بعينيهِ قبل أن يتهور ويدفع كل ما يملكه هُنا ثم يعاود التفكير في كيفية العودة بهم، وقد أقترب بهم وحينها لمح السعادة في عيونهم وأولهم زوجته نفسها، فلم يجد بُدًا سوى أن يفرح هو الأخر وأشار لهم أن يقوموا بشراء ما يريدون..
وقف معهم يبتسم لهم وهو يرى الأدوات والفوانيس التي نالت إعجابهم وزوجته معهم تساعد في انتقاء الاشياء المناسبة لأعمارهم وللحالة المادية أولًا، لكن سعادتها مع الصغار مُجددًا كانت تُبدد أي تردد أو رفضٍ لهم، أقتربت "جاسمين" من والدها وهي تشير له حتى يخفض نفسه لها وحينها أمتثل لمطلبها فقالت بنبرةٍ خافتة:
_عاوزة طبلة مسحراتي، ينفع؟.
رفع عينيه يطالع ما أشارت عليه فابتسم رغمًا عنه وهتف بنبرةٍ هادئة:
_ينفع، روحي هاتي واحدة.
حينها لثمت وجنته بقبلةٍ خاطفة فاقترب "يـزن" منه ضاحكًا وحينها فهم "ياسين" سبب ضحكته فأشار له لكي يجلب له واحدة هو الأخر ثم أقترب من "نَـغم" يسألها بنبرةٍ هادئة:
_حبيبة بابا مش عاوزة واحدة؟.
خجلت هي أولًا ثم هتفت بقلة حيلة ذكرته بزوجته:
_مش عارفة بس حاسة إني كبرت شوية عليها.
حرك رأسه نفيًا ثم مال عليها وهو يقول بحنوٍ كعادته:
_بس أنتِ صغيرة، يدوب ٨ سنين، بطلي تكبري نفسك وخلاص وشوفي عاوزة أنهي واحدة، بعدين دي بـ ١٠ جنيه، دي اللي هتخلينا أغنيا يعني؟ روحي يلا.
أقتربت "نَـغم" من أخوتها تنتقي معهم هذه اللعبة الصغيرة وحينها أعتدل واقفًا بجوار زوجته التي ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_ربنا يباركلنا فيك، هتفضل طول عمرك فاهمهم.
مرر عينيه عليها وابتسم بزاوية فمه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة مُشيرًا خلفها:
_وفاهمك يا كتكوتة.
عقدت ما بين حاجبيها فيما رفع هو ذراعه يلتقط عروسًا كن خلفها ثم وضعها في كفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة تمامًا وقد تذكر أول ذكرى جمعت بينهما في لقاءٍ يشبه ذلك:
_كل سنة وأنتِ طيبة، ربنا ما يقطعلنا عادة.
لمعت عيناها بالعبرات تأثرًا بموقفهِ بينما هو ابتسم بنفس الهدوء ثم أشار على صغاره وهم ينتقون الأشياء وقال:
_أنتِ جايبالي أحلى ٣ هدايا صحيح فيهم هدية مهنجة شوية، بس على قلبي زي العسل، روحي يلا شوفي هما عاوزين إيـه، وأنا هحرز الهدية دي قبل ما ضرتك تفضحني.
ضحكت له ونظرت له بامتنانٍ ثم اتجهت لصغارها تقف بجوارهم بينما هو وضعها على الطاولة بجوارهِ ثم أنتظر حتى أنتهت مهمة الانتقاء الأولىٰ وهي شراء متطلبات الصغار أولًا ومعهم شقته، ثم متطلبات الجميع كونه الخبير الاقتصادي والاستراتيجي في هذه المهمة، وللحق هناك سر هو يخفيه عن الجميع وهو أنه منذ أيام طفولته وهو يعشق هذا المكان في الأيام السابقة لشهر رمضان..
وقف مع الصغار يكمل شراء بقية المنتجات الخاصة بتزيين بيته وبيت والده مع صغاره وقد صدح الصوت الذي جعل "جاسمين" تبتسم وتفرح ثم أشارت لأخوتها وسط بقية الصغار في المكان في مثل أعمارهم:
_رمضان في مصر حاجة تانية
والسر في التفاصيل..
رمضان في مصر حاجة تانية
طعمه بطعم النيل..
في كل حتة بنتمشى..
فوانيس وزينة في الشارع..
صوت الأدان يدخل قلبك
ونصلي تراويح في الجامع..
حالة سعادة برائحة مختلفة في المكان هنا وسط المشتريات والمنتجات وآشعة الشمس الدافئة التي وُجِدَت في المكان كالدفء الذي شارف على إغداق الأيام القادمة،
فيا رحــمــنُ مدَّ لنا بعمرٍ…لندركَ شهرَنا بين الـربــوعِ.
__________________________________
أنامل صغيرة رقيقة…
صوتٌ ناعم مثل صوت مواء القطة،
بكاءٌ يرتفع بنسب مختلفة بين حينٍ والأخر، صوتٌ جديد تمت إضافته لهذا البيت بوجود الصغير "عُـمير"، حينها كانت "سيدة" تحمله بين ذراعيها وهي تهدهده، هذا الصغير ابن الابن الصغير، لذا كانت تستدرك العمر المار عليها وقد أتت "خلـود" تجاورها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_حاولت اسمع كلامك وأنام بس مقدرتش، صحيت تاني، هاتيه عنك أنتِ وقومي ارتاحي شوية، أنا خلاص صحيت.
ضحكت لها "سيدة" وأعطته لها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_أمسكي وسمي الله الأول، دا الغالي ابن الغالي.
ابتسمت لها "خـلود" ثم أخذت الصغير تقوم بعدل وضعهِ على ذراعيها وهي تراقب صغيرها بتيهِ لازالت تحت أثره كلما نظرت في وجههِ، نعم لقد ساهمت في تربية كل أطفال العائلة وأصبحت على دراية كافية برعاية طفلٍ مثله، أما عند هذا فهي أمامه تعجز كُليًا في تقدير مشاعرها له..
ابتسمت وهي تتذكر أن الأيام القادمة ستشهد مغامرة جديدة مع زوجها الذي وقع تحت شفقة الجميع بسبب عدم حصوله على نومه الكافي، أصبح مثل السارق حينما يخطف ساعة واحدة وسط اليوم أو يذهب لعملهِ ينام به، ابتسمت "خلـود" وهي تتذكر أن هذا هو العام الأول في شهر رمضان برفقة هذا الصغير وبالطبع ستتلون حياتها برفقتهِ..
في هذه اللحظة دلف "عمار" بهدوء وألقى التحية عليهم ثم جاور أمه بعدما لثم جبين صغيره النائم وقد أغلق هو عينيه بوضعٍ أعرب عن تعبه، وحينها قامت "سيدة" بأخذ الصغير من أمه ثم أشارت لها بعينيها ففهمت عليها "خلود" وأومأت موافقةً وكأنها تؤكد لها ماكانت تنتوي فعله، ثم أقتربت من زوجها تسأله بنبرةٍ صبغتها بالاهتمام:
_مالك؟ شكلك مش كويس وتعبان.
فتح عينيه لها ثم وضع رأسه على كتفها وهو يقول بنبرةٍ ناعسة:
_هموت وأنام، أنا طبقت النهاردة في الشغل، وإمبارح بسبب عياطه النوم طار من عيني، ودلوقتي المفروض ننزل؟ بس والله أنا مش قادر، وعارف إنك عاوزة تروحي بس أنا عاوز أنام مش هقدر أسوق الموتوسيكل، لو مصممة أطلب "أوبر"؟.
ابتسمت له ثم رفعت كفها تمرره في خصلاتهِ تمسح على رأسها وهي تقول بنبرةٍ هادئة وحكمة صبغت حديثها:
_على أساس يعني إني خلاص جاحدة؟ لأ طبعًا نام وأرتاح خالص وريح نفسك شوية وأنا هقعد بيه هنا، وبكرة نروح لما تيجي من الشغل، بعدين هو تقريبًا إحنا لبسنا في الوضع دا، محدش قال إن الخلفة صعبة كدا، وصعبة من كله، صحيًا وماديًا بس يلا الحمدلله.
أغمض "عمار" عينيه وسحب نفسًا عميقًا ثم رفع رأسه عن كتفها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_ضريبة، اللي أنا فيه دا ضريبة لازم تتدفع، يا رب بس أقدر أكون قد إني أخلف وأشيل مسئولية عيل، الناس فاكراها حاجة سهلة وعادي، بس أنا شايفها صعبة وصعوبتها زادت لما بقى قدام عيني، المهم أنتِ أخبارك إيه؟ نمتي؟.
_أنام !! يعني إيه الكلمة دي؟
هكذا كان ردها حينما سألته بأسفٍ وقد رسمت البكاء الزائف على وجهها وحينها ضحك هو بيأسٍ ثم ضمها مُجددًا هو تلك المرة ومسح على ظهرها ليجدها حقًا تثاءبت وأغمضت عينيها وحينها فتح إحدى عينيه يهتف بخبثٍ:
_أنتِ قولتيلي عاوزة فانوس لمين؟.
رفعت رأسها بسرعةٍ كُبرىٰ وهي تقول بلهفةٍ:
_قولتلك لو ظروفك متاحة عاوزة واحد بصورة "عُـمير" وإحنا معاه، وواحد تاني بصورتي أنا وأنتَ ومعانا "سكر" و "لـوز" أنا سألت، مش طلبت؟.
أعادها لمكانها من جديد تستند على كتفهِ ثم هتف بنبرةٍ هادئة وهو يمسح على ظهرها:
_صحيح أنا فلست بعد الخلفة بس مش مُعدم يعني، قولي يا رب وإن شاء الله نعمله، إحنا نقدر نزعل أم العيال يعني؟.
ضحكت "خلـود" ثم وضعت رأسها بأريحية أكثر على صدرهِ ورفعت كفها تضعه نحو موضع قلبه بعدما أغمضت عينيها وحينها أغمض عينيه هو الأخر ينعم بلحظة هدوء نادرة قبل أن يفسدها عليهم صغيره.
في هذه اللحظة وضعت "سيدة" الصغير صاحب الشهرين من عمرهِ في الفراش ثم خرجت وكادت أن تُنادي ابنها لكنها رأته نائمًا وهو يضم زوجته، فابتسمت بشفقةٍ ثم تحركت تغلق الأضواء والتلفاز الكبير ثم عادت من جديد تجلس برفقة الصغير.
__________________________________
_رمضان.. رمضان
ولا بعودة يا رمضان
رمضان.. رمضان
ولا بعودة يا رمضان..
صدح الصوت في بيت آل "الرشيد" تحديدًا فوق سطح البيت حيث المكان الذي جلس فيه "محمود" كبير العائلة وسط شباب عائلته، وبجواره جلس "وئام" يدون طلبات عمه تجهيزًا لعمل حقائب رمضان البلاستيكية للأشخاص الذين وجدوا في أشد الحاجة لمثل هذا الشيء البسيط.
استمر "محمود" في إلقاء الطلبات وحينها لاحظ الشباب كثرتها فتحدث "وليد" بتعجبٍ من كثرة الكميات المطلوبة:
_مش شايف إن الحاجة كتيرة؟ دي تقريبًا أكتر من رمضان اللي فات، بلاش فتحة الصدر، الأسعار دايسة على الكل، اللي أنتَ مجمعه مننا يدوبك يجيب رز ولو جاب سكر يبقى فل أوي، أنتَ واخد بالك؟.
أومأ "محمود" موافقًا له ثم هتف يؤكد حديثه:
_عارف، وعلشان كدا قولت هعمل زي كل سنة وماليش دعوة، الأرزاق على الله مش على العباد، فيه ناس محتاجة الحاجة دي وفيه ناس مستنية دا، اللي أنا هطلعه دا علشان دا رزق عندي ربنا كرمني بيه، بنطلع صدقة علشان إحنا اللي محتاجين بركة في اللي عندنا، وأفتكر علطول حديث سيدنا محمد ﷺ:
"ما نقص مالٌ من صدقةٍ".
_عليه أفضل الصلاة والسلام.
هكذا كان الرد فيما أضاف هو للشباب:
_النهاردة إحنا بندي، بكرة هنقف قدام ربنا وهناخد حسنات، وإذا كان على الفلوس والرزق فدي رزق من ربنا سبحانه وتعالى، وعلشان تطمنوا يعني اسمعوا الكلمتين دول لا الدولار هو اللي هيأخر رزقك ولا هو اللي هيمنعه؛ الرزق من عند ربنا وبس، عُمر ما كان رزق ربنا خاضع لـ سعر الدولار، ولا عُمر الستر كان ليه علاقة بـ سعر البورصة ولا الجنيه عامل كام النهاردة..
"ربنا هو اللي بيرزق وهو اللي بيستر"
فـ سيبكم من كل الأرقام وتعالوا نحسبها صح ونعرف إن "المُعادله مع ربنا" و ربنا قال في كتابه العزيز:
﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَاتُوعَدُونَ
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ﴾.
لو كان رزق الإنسان على الإنسان لَهُلِكنا وضعنا
وحينما سُئِلَ "الحسن البصري" عن الراحة كان جوابه:
علمتُ أن رزقي لا يأخذه غيري، فأطمئن قلبي، وعلمتُ أن عملي لا يقوم به غيري فاشتغلت به وحدي، وعلمت أن الله مطّلعٌ علي فاستحييت أن يراني عاصيًا، وعلمتُ أن الموت ينتظرني فأعددتُ الزاد للقاء ربي" فاللهم أرزقنا برحمتك الواسعة وأغننا بحلالك عن حرامك.
ابتسموا له وفهموا مقصده فيما سأله "وليد" بضيقٍ كعادتهِ كل عامٍ في هذا التوقيت:
_طب سؤال بقى !! ليه إحنا اللي مكتوب علينا المرمطة؟ يعني ما كنا كلمنا أي تاجر وجاب الحاجة، أو خلينا محل يعملها لينا، ليه نروح ونتعب ونجيب ونعبي؟ غاوي مرمطة ليه؟.
ابتسم "محمود" ثم رفع كفه يشير نحو صغار العائلة الذين أخذوا جانبًا فوق السطح يلعبون فيه كرة القدم وأضاف بنبرةٍ هادئة:
_علشان دول؟ علشان يكبروا على الخير وأنهم لازم يساعدوا غيرهم، يكبروا ويشوفوا الدنيا ويعرفوا إن واجب عليهم مساعدة غيرهم، قولتلكم ١٠٠ مرة كل واحد فيكم مسئول عن حياة كاملة، فلما يكبروا يلاقوا أهاليهم بيساعدوا الناس وفاهمين يعني إيه صدقة ويعني إيه دا خير بيدور ويرجع للناس، فهمت؟ عاوزهم يتعبوا معانا ويشوفوا ويكبروا كدا علشان يكملوا من بعدنا، هي أجيال بتسلم أجيال، وجهزوا نفسكم الجمعة الجاية هنعمل الشنط كلنا مع بعض.
من جديد حكمة رجلٍ كبيرٍ تملأ المكان ليصلهم مغزى فكره في حياةٍ تأخذ المرء نحو الهاوية، حياة لم يعهدها المرء في حياته سابقًا لكنه أجبر على التعامل فيها بكل الظروف، فإذا كان طريقك يقودك نحو السقوط في الهاوية، فأجعل هاويتك هاوية النجاة.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم شمس بكري
غردي يا روحِ ألحان الجلال،
واهتفي بالحُبِ أهلًا رمضان.
و اهتِف بالحُبّ أهلاً رَمضان"
رمضان مبارك علينا جميعًا.
__________________________________
في الجمعة التالية..
فراق الأحبة غُربة ... ورفقة الأحبة شفاء
وقد جلس هذا الأب برفقة أسرته الصغيرة وسط هذه المنطقة في أحد المحلات الخاصة بعصائر القصب وكعادته طلب المشروب الرسمي لهذه الأسرة وقدمه لهم ولصغارهِ كلٍ منهم على حِدة وطلب الخاص به وبزوجته بإضافة اللبن لهذا المشروب العريق "عصير القصب"..
يرى الزمان يُعيد نفسه من جديد بصورةٍ لم يكن يتوقعها هو، فمنذ عدة أعوامٍ كان يجلس برفقة حبيبته في محاولةٍ منه للدخول في حياتها والآن هي وأبنائه أصبحوا محور الحياة في عينيهِ، انتبه لهم وهي تعاونهم في مسح وجوههم بالمحارم الورقية بينما هو ابتسم ثم وجه الحديث لصغيرته وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_أدينا جينا هنا نكمل باقي الحاجة بدل الجمعة اللي فاتت أهو، أوعي يا "جاسمين" تعرفي جدو ولا تجيبيله سيرة خالص ولا تقولي إني بشربك عصير ولا بفسحك، أوعي ها؟
حركت موافقةً وهي ترتشف من العصير أمامها وما إن صدح صوت هاتفه برقم والده حينها حرك عينيه نحو الصغيرة فوجدها تضم شفتيها وكأنها تكتم الكلمات في فمها وحينها ضحك هو عليها ثم فتح الهاتف يُطمئن والده عليه وعلى أسرته وخاصةً تلك المُشاغبة الصغيرة التي لم تنفك عن جر المصائب لساحات الجميع.
__________________________________
في شقة "حسن المهدي"..
جلس في غرفته يتحدث في الهاتف مع أصدقائه وهم يأكدون عليه ضرورة الحضور إليهم حتى يشارك في تعبئة وتغليف المنتجات ومعه صغاره، وحينها أغلق الهاتف ثم خرج من الغرفة يقصد التوجه إلى المطبخ وما إن وصل وجد زوجته تستعد لتحضير غداء اليوم وحينها هتف بلهفةٍ:
_لأ استني بقى قبل ما تبدأي، وقفي.
انتبهت له "هدير" التي توقف كفها تلقائيًا عن تنظيف الخضراوات فوجدته يهتف بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم لها:
_أصل إحنا هنروح البيت عندكم علشان نشارك في حملة التعبئة اللي أبوكِ عاملها، يلا لبسي عيالك وجهزي نفسك، علشان منتأخرش عليهم، يلا ولا أخدهم وأسيبك؟.
رفعت حاجبيها بذهولٍ من طريقته واستعداده في التخلي عنهم بينما هو كتم ضحكته ليجدها تسأله بنبرةٍ متعجبة:
_هو أنتَ عادي كدا تستغنى عني؟ بعدين ماهو إحنا عاوزين نجيب حاجة رمضان يا "حسن" الشقة قربت تبقى صحرا وتجيبلنا تصحر معاك، هنجيب حاجات رمضان إمتى؟ الجمعة الجاية والناس كلها بتاكل في بعض؟.
قلب عينيه بتفكيرٍ ثم هتف بنبرةٍ ضاحكة:
_أنتِ ست ظالمة يا "هدير" علشان أنا عامل حسابي على يوم الخميس الجاي مش الجمعة، تفرق يا حلوة الملامح، بعدين متبقيش بومة كدا وتنكدي عليا، أنا بفرح لما أ روح بيتكم.
افتر ثغرها بتعجبٍ من حديثهِ بينما هو أضاف مفسرًا:
_أنا نقطة ضعفي المناسبات العائلية دي، بحب التجمعات واللمة دي، بحس نفسي وسط الناس، وبعدين أنا أكدت عليهم محدش يعمل حاجة من غير ما أكون معاهم، يلا بس ولو على حاجة رمضان هتيجي، الحمدلله الشعب كله فلس، بقينا على تكة واحدة وهنمشي نشحت، الحاجة مرمية مش لاقية اللي ياخدها، بعدين فيه واحدة تقول للمرواح عند بيت أهلها لأ؟.
جاوبته حينها بلهفةٍ أعربت عن عُجالتها:
_مش فكرة مرواح البيت بس كنت ناوية أعمل كذا حاجة وأكيد هنقضي رمضان نصه هناك علشان كل جمعة عزومة شكل، وأنتَ أكيد وعدتهم إنك موافق، فأنا قولت نشبع من البيت هنا شوية قبل ما نقفله ونمشي، بس ماشي مش هزعلك يا أبو "علي".
ضحك هو لها وكأنه طفلٌ صغيرٌ حصل على مكافأةٍ من أمـهِ فور موافقنها على مرادهِ بينما هي راقبت هذه الفرحة على ملامحه بتعجبٍ وهي تفكر مليًا هل يفرح لهذه الدرجة فور مشاركته في الأجواء العائلية؟ الإجابة تبدو واضحةً أمامها مثل وضوح شمس الظهيرة وهي أنه يعشق هذه اللحظات ويقدسها، لذا قامت برفع الأشياء ووضعتها في الثلاجة مُجددًا ثم دلفت تعاون الصغار في ارتداء ملابسهما، وما إن دلفت رأت بعينيها قفزاتهما وصوت التهليل الفرح وحينها ضحكت رغمًا عنها وشعرت في هذه اللحظة كأنها هي الوحيدة هنا التي تسكن في عالمٍ أخر غيرهم.
__________________________________
رمضان في مصر حاجة تانية..
والسر في التفاصيل، رمضان في مصر
غير الدنيا، طعمه بطعم النيل…
في كل حتة بنتمشى، فوانيس وزينة في الشارع..
صوت الأدان يدخل قلبك ونصلي تراويح في الجامع"..
تحديدًا بالحارة التي تقع بها شقة "ميمي" أوقف"ياسين" سيارته ونزل برفقة أبنائه وزوجته من السيارة ليجد "عـامر" برفقة الصغار وهو يفحص المكان بعينيهِ وفي يده ورقة غالبًا يسجل بها متطلبات التزيين للشارع وما إن رأى سيارة صديقه أقترب منه وهو يقول بنبرةٍ حماسية:
_كويس إنك جيت اطلع ألبس ترينج وهات الصب التاني علشان الصب دا صوته مش حلو وأنا مش عارف أشغله، يلا خلينا ننشر البهجة في المكان.
حينها قفز "يـزن" ثم ركض للصبية وحينها أقترب منه "يـونس" يمسك يده وكأنه يتولى مهمة حمايته بينما "نـغم" هتفت باستفسارٍ رقيق مثلها:
_طب ممكن نقعد معاك أنا و"جاسمين" وباقي البنات يا عمو "عامر" والله هنتفرج بس؟ مش هنعمل حاجة خالص.
تدخلت في تلك اللحظة "جاسمين" تُقاطعها بلهفةٍ قائلة:
_لأ أنا هعمل حاجات كتير، مالكيش دعوة بيا.
انتبه لصوتها "عامر" الذي هتف ساخرًا:
_طب اكدبي علينا وداري، دا أنتِ جُرسة.
ألقى لها حديثه بينما هي أشارت لوالدها الذي مال عليها بطولهِ فوجدها تسأله بنبرةٍ خافتة عن مقصد الكلمة:
_هو إيه اللي عمو "عامر" قاله دا، دي شتيمة عيب؟.
حرك رأسه نفيًا وكتم ضحكته ثم بدل حديثه بقولٍ غيره يواري خلفه كذبه عليها:
_لأ يا حبيبي، عمو "عامر" العيبة عمرها ما خرجت منه.
ابتسمت له بفرحٍ فيما أضاف هو ساخرًا على سابق حديثه:
_علشان عمو "عامر" العيبة عمرها ما سابته أصلًا.
كتمت ضحكتها وهي ترى "عامر" واقفًا خلف أبيها مباشرةً وقد وصله الحديث بأكملهِ وحينها هتف بنبرةٍ ضاحكة:
_أنا لولا إني راجل طيب وعمر العيبة دي ما تخرج مني يا جحش يا أبو طويلة كان زماني قليت بيك قدام عيالك، يلا ياض أطلع غير هدومك وهات الصب وأنزل.
صعد "ياسين" برفقة زوجته وبعد مرور دقائق عاود النزول مجددًا إلى رفيقه بالأسفل وقد بدل ثيابه وجلس على الرصيف السيراميكي وهو يسأله بحيرةٍ:
_ها يا سيدي؟ إيه العمل دلوقتي؟.
تدخل "عمر" بدلًا عنه وهتف بنبرةٍ مرحة:
_أول حاجة شغلنا الصب لحد ما عمو "خالد" ييجب الزينة هو وعمو "ياسر" ييجوا مع بعض وبعدين أعملنا فرع النور علشان نعلقه.
وصل في هذه اللحظة "خالد" برفقة "ياسر" ومعهما "زينة" و "يُسـر" وفي يده حقائب بلاستيكية كبيرة الحجم بداخلها شرائط لامعة بمختلف ألوانها ومعها أشكال أخرى من هذه الشرائط الملونة لتزيين الشارع وما إن أقترب منهم وجد الصغار يركضون نحوه، بينما"ياسين" حينها بدل الأسلاك الخاصة بمشغل الموسيقى الكبير وقد بدأت الأجواء تزداد حماسًا حينما قاموا بنشر البهجة في الحارةِ بأكملها وحينها قام "عمر" برفقة "زين" بإشعال الألعاب النارية في إعلانٍ منهم للجميع عن بداية نشر البهجة.
حينها بدأ "ياسين" يقوم بتجهيز فرع النور عن طريق توصيل الأسلاك ببعضها بينما الصغار قاموا معًا في لحظة غروب الشمس بفرد الشرائط الملونة بطول الشارع بأكملهِ، في هذه اللحظة صدح صوت النقشبندي يبتهل قائلًا:
_رمضان أهلًا…
مرحبًا رمضان، الذكر فيك يطيب والقُرآن…
رمضان أهلًا…
مرحبًا رمضان، الذكر فيك يطيب والقُرآن.
حينها بدأت النسائم تزداد وسط هذه المجموعة الرائعة التي تباينت بها الأعمار بين صغيرٍ وكبيرٍ ومعهم الفتيات الصغيرات أيضًا يشاركن في هذه اللحظة وقد تبدلت الكلمات وصدح في هذه اللحظة صوت "عامر" مع الصغار:
_رمضان جانا…
وفرحنا بُـه بعد غيابه وبقاله زمان..
غنوا وقولوا شهر بطوله..
غنوا وقولوا أهلًا رمضان…
رمضان جانا..
أهلًا رمضان، قولوا معانا..
أهلًا رمضان، رمــضان جانا.
حينها تدخل "ياسين" صاحب الصوت المميز معهم ومعه الصغار والجميع وبدأت الشُرفات تمتليء بالناس فارحين بهم وبهذه الأجواء التي كادوا أن ينسوها، لكن أصحاب البهجة هنا والعمل الأول والأخير هو نشرها.
__________________________________
في صيدلية عين الحياة..
وقف "عمار" يقرأ الروشتة الطبية وبجواره "عبدالرحمن" صديقه وهو يتحدث في الهاتف مع زوجته وقد شعر بالملل من هذه المكالمة وحقًا بدأ يشعر بالاختناق وقد هتف يختتم المكالمة بقوله:
_بقولك إيه يا "مريم" روحي عند أمك أسهل، أبقي تعالي لما تولدي أحسن، أنتِ عاوزة قرض من البنك؟ رمضان وعيد وولادة مع بعض؟ ليه ابن نجيب ساويرس؟.
كتم حينها "عمار" ضحكته وودع العميل ثم رفع كلا إصبعيه يضعهما على وجنته وهو يراقب رفيقه الذي أغلق الهاتف وزفر مطولًا بضجرٍ جعله يهتف بنبرةٍ هادئة:
_ياعم ماتوحد الله، أهي دنيا شقلبت الكل، مرجيحة اللي طلعها رايق نزل منها متضايق، أحمد ربنا ياعم "عبدالرحمن" أحسن من غيرنا أهو.
هتف "عبدالرحمن" بقلة حيلة قائلًا:
_ياعم أنا قولت حاجة؟ بس مش مستوعب المصاريف والفكرة إني مش مستوعب رايحة فين المصاريف دي، صحيح هي لسه في نص الحمل بس برضه دي مصاريف، وأنا مش عاوز أروح مستشفى أشتغل فيها علشان لو عملت كدا هقصر معاها، بس هي مصممة إني كسول.
حينها ابتسم الأخر وجاوبه بيأسٍ:
_ أنتَ هتشتغلني أنا؟ كسول وأنا وأنتَ عارفين، بس شغل المستشفى صعب أوي ومسئولية كبيرة، ونص اللي بيشتغلوها دايرين حرام، علشان العلاج اللي بيسلكوه من برة برة، يعني حرام وداخل بيتك حرام، فلازم تعمل مصالح هناك، إلا من رحم ربي، فكدا أحسن، المهم بس غير نيتك كدا وخد نفس وصالح مراتك ولو على الفلوس خد من هنا وأهو أنا وأنتَ واحد، وكدا كدا لازم ناخد فلوس من هنا.
حرك "عبدالرحمن" رأسه مومئًا بقلة حيلة جعلت الأخر يلحظ حالته فيما أضاف هو نفسه بيأسٍ:
_ضيقوها علينا منهم لله، طب اللي زينا قادر ويقدر يستغنى عن حاجات قصاد حاجات أو يقدر ياعم يتصرف من أهله، إنما غيرنا بقى يعمل إيه؟ دا حتى موائد الرحمن نفسها مش لاقيينها، وأبويا هيعملها لوحده السنة دي بعدما اللي معاه أنسحبوا بسبب الظروف، يعني حتى الخير وقفوا في وشه..
حينها هتف "عمار" بثقةٍ كبرى في الخالق قائلًا:
_ماهو علشان كدا واجب علينا نحمد ربنا برضه، نحمده على القليل قبل الكتير، نحمده إن على الأقل متاح قدامنا اختيارات ونحاول نساعد اللي معندوش اختيارات زينا، رمضان شهر بركة وخير رزقه موجود ومحدش فيه خاطره بيتكسر، غير كدا الحسن البصري قال:
إنَّ اللهَ جعلَ شهرَ رمضانَ مِضمارا لخلْقِه يَسْتَبِقون فيه بطاعته إلى مرضاته فَسَبَقَ قومٌ ففازوا،وتَخلَّف آخرون فخابوا، فالعجبُ مِن اللاعبِ الضَّاحكِ في اليومِ الذي يَفوزُ فيْهِ المُحسِنون ويَخسرُ فيه المُبْطلون..
سكت هُنيهة عابرة ثم أضاف من جديد:
_يعني رمضان مش شهر أكل ولبس وفساتين وخروجات وعزومات، رمضان شهر خير وبركة إجازة للعباد من الدنيا، يعني نحاول نقرب أكتر ونقصر المسافة أكتر وأكتر، ونحارب إننا نخرج بقلب غير اللي دخلنا بيه، فبدل ما تخلي الشيطان يلهيك بسبب المصاريف والفلوس وهنجيب منين، ركز إزاي تقرب من ربنا أكتر واستغل الأيام دي، صح يا "بـودي"؟ ولا أنا غلطان؟.
ابتسم حينها "عبدالرحمن" باطمئنانٍ له وقد تذكر أن هذا الصديق دومًا يعتبر له كما طوق النجاة حتى من نفسه وتفكيره.
__________________________________
مرحب مرحب يا هلال..
أهلًا أهلًا كيف الحال، قد غيبتَ وإليك اشتقنا…
وانتهى بُعدك صار وصال…
نُعطي صبرًا، نأخذُ أجرًا والله يرانا ويسمعنا..
نغفر ذلة، نوصل أهلًا لأن رمضان يجمعنا…
لأن رمضان يجمعنا"
في بيت آل"الرشيد" قد وصل هناك "حسن" بأسرته قبل التجهيز لتعبئة شنط رمضان وعبواته وفي هذه الأثناء أقترب "مازن" ومعه "فارس" من "وليد" الذي ما إن رآهما سويًا هتف بنبرةٍ تهكمية:
_مبدأيًا لو جايين في مصيبة فلأ.
تحدث حينها "فارس" ابن شقيقه يتوسله بقوله:
_والله هي مش مصيبة، هو تمن سلك معفن وولاعة أعفن، وهنولع فيهم فوق السطح هنا، وأنتَ بس أقنعهم، إيه رأيك؟.
رفع حاجبيه بسخريةٍ فتدخل "مازن" يهتف بنبرةٍ ضاحكة:
_بص هو دا صريح حبتين يعني، بس أكيد مش هنعملها بصراحة كدا، إحنا بس هنجرب قدامك لحد ما هما يجهزوا الحاجة بتاعة رمضان ونساعد كلنا، قولنا نعرفك بقى.
سكت "وليد" عن الحديث واكتفى بتجاهل الإثنين وفي هذه اللحظة أقترب منهم "زياد" الذي هتف بنبرةٍ جامدة بعض الشيء تشبه إصرار والده ونفس طريقة الحديث:
_بص يا بابا، أنتَ مش غريب وعارفنا، نعمل الحاجة قدامك ولو باظت تصلح، ولو من ورا ضهرك ولو عرفت تضرب وتكسح؟ فكر فيها كدا وأحنا معاك، بس برضه هنجرب.
انتبه له "وليد" وهو يراقب عينيه فوجد الإصرار نفسه يشبه ذاك الذي يخرج من عينيه عندما يريد شيئًا، وقد سكت أمام الجميع بالرغم من إصرارهم لكن نظرته أسكتت الجميع عن الإلحاح حتى نظروا لبعضهم بإحباطٍ من فشل لحظتهم..
رمضان كريم فتاح يا عليم..
٣٠ يوم فيه هنا وسعادة...
قعدة رمضان حلوة يا جدعان
شهر الإحسان كله عبادة.."
صدح صوت الأغنية فوق سطح بيت الرشيد عاليًا بالتزامن مع ظهور الكارثة الأخرى حيث وجود الصبية فوق سطح البناية معهم قداحة يمسكها "فارس" الحفيد الأكبر في هذه العائلة وبجواره بقى "مازن" و "زياد" و "علي" ثم بدأت الكارثة تظهر مع استخدامهم القداحة في إشعال السلك المعدني ثم تدويره بذراعهم في الفراغ ليخرج الشرار منه في حلقات دائرية جعلت "طارق" يغلق هاتفه ما إن انتبه لذلك وأقترب منهم صارخًا لكنه وجد "وليد" بجوارهم وحينها سأله بنبرةٍ منفعلة:
_أنتَ لوح تلج يالا؟ العيال مولعة سلك وأنتَ واقف؟.
في هذه اللحظة تحدث "علي" بنبرةٍ ضاحكة وهو يقول:
_واقف إيه يا خالو؟ دا هو اللي نزل جابلنا الولاعة من تحت.
برق حينها "طارق" ونظر إلى ابن عمه فوجده يحرك كتفيه وهو يقول بسخريةٍ اصطبغت بلامبالاته الطبيعية:
_إيه يغلطوا قدامي وأصلح؟ ولا من ورايا وأكسح؟.
ضحكوا الصغار في هذه اللحظة وقد وصل "أحمد" لهم وما إن وقع بصره عليهم ركض لهم سريعًا وهو يقول بلهفةٍ:
_وأنا، حد يجيب حتة سلك أنا بحب الشعلة دي أوي.
أعطاه "علي" قطعة وهو يضحك له وقد بدأ "وليد" هو الأخر وكأن بداخل كليهما يسكن طفلٌ صغيرٌ لم يخرج منهم بعد، وفي هذه اللحظة أبعد "طارق" الصغار للخلف بنفس لحظة صعود "حسن" لهم وقد ضحك بسعادةٍ ووقف يتابعهم حتى طلب منه "علي" ابنه المعاونة وحينها عاونه "حسن" ضاحكًا وبدأت الشرارة تزداد فوق سطح البيت مع صوت الكلمات العالية وكأنه البيت الوحيد الذي لازالت به الروح دونًا عن البقية المنطفئين…
في هذه اللحظة صعد "مرتضى" برفقة "وئام" ابنه وقد حمحم بخشونةٍ حينها ليتوقف الجميع عن الحراك وقد أقترب من "علي" يخطف منه القداحة وهو يرمقه بتوعدٍ ثم رفع صوته بنبرةٍ عالية قائلًا:
_دا اسمه كلام؟ طب أنتوا مخكم فاضي، العيال الصغيرة دي لو حد فيهم اتحرق؟ ولا النار مسكت في عيل فيهم؟ دا اسمه هبل، اللعب عمره ما يكون كدا يا بهوات.
سكتوا الشباب عن الحديث ورمقوا "وليد" بسخطٍ الذي ظل يطالع وجه والده بصمتٍ فيما مد "مرتضى" كفه بداخل قميصه ثم أخرج منها شيئًا لم يروه هم بينما هو التفت يولي الجميع ظهره ثم التفت يلقي الشيء وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_اللعب كدا يا ولاد الهبلة.
أنهى الجملة ثم حرر اللعبة النارية من بين كفيه لتشتعل عدة مرات فوق الأرض السيراميكية وحينها أرتفع صوت الضحكات المذهولة وتبعته النظرات المدهوشة وهو يتحرك نحو الصغار ويمسك أيديهم يراقصهم ببهجةٍ نشرها في المكان بظهورهِ المرح كعادته وقد شاركه الشباب أيضًا وعلى رأسهم "وليد" الذي شارك "أحمد" والبقية معه.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم شمس بكري
قريبًا ستزول همومنا ، إن رمضآن آتٍ
لا بأس، رمضان آتٍ،
ليمحو أحزاننا،
ويُعيد طمأنينتنا الغائبة من جديد
لَا بَأْسَ لِكُلِّ آلَامِ العَامِ؛ رَمَضَانُ آتٍ."
__________________________________
لكل هموم العام وثُقل النفس أبشر إن رمضان آتٍ..
سيأتي للعباد لنشر البهجة والفرح والسرور في نفوس أثقلتها هموم الأيام، شهر الرحمة والمغفرة للعباد، الشهر التي بمجرد اقتراب أيامه تصبح النفس حُرة بسعادةٍ كما حرية الطير في السماء الواسعة…
كان المظهر العام في الشارع ماهو إلا لوحة فنية قلما تراها أمام عينيكَ في أي مكانٍ غير ذلك، امتلأ الشارع في ساعتين تقريبًا بالشباب ومعهم صغارهم ومعهم الشرائط الملونة اللامعة، حينها وقف "عامر" بين الصغار يقوم بتوزيع الشرائط اللامعة لكي يمسكونها مع بعضهم، وكذلك الفتيات الصغيرات، بينما "ياسر" فجلس على الدرجات الصغيرة أمام أحد المحال التجارية وهو يتمم على صنع الفانوس الورقي المُزين بالقماش الخيامي الأحمر ذي النقوش الزرقاء..
جلس "يونس" يعاون "ياسر" في صنع الفانوس الكبير ومعهما "يـزن" أيضًا الذي أمسك القطع الورقية الصغيرة يساعدهما فيما يفعلان سويًا، وفي هذه اللحظة وقف "ياسين" برفقة "خالد" يقوما سويًا بتوصيل الأسلاك الكهربية معًا، لحظة مرت على الجميع أثناء انشغالهم فيما يفعلون وقد تبعها مرور بعض الرجال في أيديهم آلات كبيرة الحجم خاصة بالعزف الموسيقي وحينها أرتفع صوت الصغار في الحارة فارحين بالصوت الذي ملأ المكان وحينها التفت "عـامر" خلفه بضحكةٍ واسعة فوجد ابنه يسأله بتعجبٍ:
_بابا هما مين دول فيه فرح هنا؟.
تدخل "زين" ابن "ياسر" يهتف بنبرةٍ ضاحكة:
_ماشيين بيغنوا ويطبلوا ويقولوا رمضان كريم، يكونوا مين يعني؟.
حينها قلب "عمر" شفتيه ثم تشدق بسخريةٍ:
_أهلًا وسهلًا، ولاد رمضان كريم يعني؟ مين دول ياعم؟.
ضحك الجميع على سخريته فيما نطق "ياسر" بنبرة هادئة يفسر له عمل الآخرين بقوله:
_دول ناس على باب الله، بيلفوا كدا يقولوا ذِكر وأغاني رمضان والناس بتراضيهم، غلابة يعني في الدنيا.
تدخل "يـونس" يهتف بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم:
_كلنا غلابة في الدنيا دي يا عمو "ياسر" والله.
في هذه اللحظة تحديدًا اقتربت منهم مجموعة الرجال وهم يطرقون على الطبول وخلفهم سار الصغار من أنحاء الحارة بل المنطقة بأكملها فتحرك "عامر" نحوهم يبتسم لهم ثم تحدث لأحدهم بنبرةٍ هادئة وهو يقول:
_خليك بقى هنا واقف فرح العيال دي كلها وأنا عيوني ليك، كل سنة وأنتَ طيب يا ريس، رمضان كريم عليكم.
أنهى حديثه وعقبها وجد الصغار يتقافزون بمرحٍ مُهللين فرحًا بهذا الحديث الذي ألقاه عمهم وقد بدأت البهجة الحقيقة حيث بدأ "ياسين" يتحرك على السلم الخشبي وهو يقوم بربط الأسلاك الكهربائية في حديد الشُرفات وخلفه يسير "خالد" وهو يعاونه حاملًا السلم ومعه "عمر" و "زين"...
أما "ياسر" فقد أنهى صناعة الفانوس الخشبي الكبير وأنهى تزيينه بالأقمشة الخيامية كما يطلق عليها، في نفس لحظة ارتفاع صوت الرجال وسط الصغار لتكون مساعدة في نشر البهجة من خلال ارتفاع الكلمات:
_أهو جه يا ولاد…
هيصوا يا ولاد..
أهو جه يا ولاد
زقططوا يا ولاد…
في كل عام ويانا معاد،
وعمره مبيخلفش معاد،
في كل عام ويانا معاد
وعمره مبيخلفش معاد..
أهو جه يا ولاد.. أهو جه يا ولاد..
أهو جه يا ولاد أهو جه يا ولاد.
في هذه اللحظة رفعوا الصغار أصواتهم مع الرجال وقد قام حينها "خالد" بإضاءة الفرع الكهربي الأول ليزداد صوت الصغار بنفس كلمات التهليل معًا، بينما "ياسين" وصل إلى شرفة شقة "ميمي" التي جلست في الشرفة كعادتها تتابع الشباب بصغارهم وما إن صعد هو على درجات السلم ضحكت له بسخريةٍ تمازحه بقوله:
_ها يا عم روميو؟ خلصتوا؟.
جاوبها هو بنبرةٍ ضاحكة أثناء انشغاله بربط الفرع الكهربي:
_دعواتك يا غالية، خلينا نخلص.
ضحكت هي له وقد أتت "خديجة" من الداخل وهي تمسك مشروب الينسون الخاص بـ "ميمي" وحينها وجدت "ياسين" يظهر بجذعه العلوي وحينها شهقت بصدمة ثم هتفت تعاتبه بقولها:
_يا شيخ حرام عليك خضتني، طلعت إمتى؟.
حرك عينيه نحوها وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_إيه اللي طلعت إمتى دي؟ هو القمر بيطلع إمتى يعني يا ست الكل؟.
ضحكت رغمًا عنها ثم وضعت الكوب أمام "ميمي" التي هتفت بنبرةٍ ضاحكة وهي تستند على عصاها:
_أنا هدخل الحمام وأجي، عن إذنكم.
كادت "خديجة" أن تساندها لكنها رفضت وسارت بنفسها إلى هناك فيما أقتربت "خديجة" منه تسأله بنبرةٍ ضاحكة:
_مش محتاج مساعدة يا مهلبية؟.
ضحك لها على هذا اللقب ثم هتف بنبرةٍ هادئة يشاكسها:
_هاتي بوسة يا "خديجة".
تلاشت بمستها ولكزته في كتفه وهي تكتم ضحكتها فيما أنهى هو ما يفعله سريعًا ثم حرك رأسه ملتفتًا بها نحو الأسفل وهو يقول بصوتٍ عالٍ:
_جرب كدا يا "خالد" ووصل السلك؟.
استمع له رفيقه ثم تحرك نحو السلك الكهربي يقوم بتوصيله وقد ظهرت الإضاءة في لحظتها لتضحك "خديجة" بسعادةٍ وصفقت بكفيها معًا وحينها طالعها "ياسين" مبتسم الوجه وهو يقول بنبرةٍ هادئة قبل أن ينزل للأسفل:
_رمضان كريم عليكِ يا كتكوتة.
_الله أكرم يا "ياسين".
جاوبته بابتسامة واسعة وهي تودعه فيما هتف هو بنبرةٍ هادئة يمازحها بقولهِ:
_يلا يا بنت المحظوظة، علشان تعرفي إنك خدتيني بكل الأشكال وأخر حاجة أهو عملتلك فيها روميو، زيطي بقى وزيطيني معاكي.
ضحكت بصوتٍ عالٍ فيما نزل هو بعدما غمز لها بعبثٍ ونزل يكمل ما بدأ فعله وحينها أخذ الفانوس الكبير من رفيقه ثم بدأ في وضعه بمنتصف الحارة وسط صوت مجموعة الرجال أثناء غنائهم بالكلمات التالية:
_رمضان.. رمضان
ولا بعودة يا رمضان،
رمضان..رمضان
ولا بعودة يا رمضان،
يا شهر العبادة والخير والسعادة
والرضا والغفران…رمضان..
يا مجمع قلوبنا على سنة حبيبنا
وبهدي القرآن…رمضان.
في هذه اللحظة أضاءت الحارة بأكملها وسط الشرائط الملونة اللامعة تزامنًا مع إرتفاع صوت الهواء وهو يحرك تلك الشرائط بحرية نتج عنها أصوات عالية مع الهواء تبعث في النفس أمانًا يتعجب المرء في بعض الأحيان كيف يكون الأمان متمثلًا في صوتٍ وفقط، لكنه صوت عُرف في مصر باسم "صوت الزينة" هذا الصوت الذي ننتظره من العام للعام…
__________________________________
هي حقًا عائلة مجنونة..
هذه الجملة التي تنطبق على عائلة "الرشيد" حيث من المفترض أن تجد الكِبار قدوةً للصغار لكن هنا ستجد الصغار مع الكبار في نفس الموقف دون أن تجد قدوة واحدة لهم..
هنا حيث "مرتضى" الذي وقف وسط الأحفاد يقوم بإشعال الألعاب النارية بمختلف أنواعها وكذلك قطع السلك المعدني الذي أشعله الصغار مع بعضهم لينتج عنه الشرر المُشتعل، وحينها كان الليل أسدل ستائره لتظهر النيران والشرر المشتعل نتيجة اشتعال السلك والخامات المعدنية وسط الضحكات العالية منهم…
في هذه اللحظة وقف "وئام" بمحاذاة "حسن" والإثنان يقوما بتزيين السطح وحوائطه وإضاءته العالية، وعاونهم في ذلك "طارق" أيضًا وهو يتابع تركيب الكهرباء، أما "وليد" و "أحمد" فكلاهما قام بنقل منتجات التعبئة لحقائب رمضان، وعاونهم في ذلك "فارس" و "زياد" على عكس البقية التزموا باللعب مع بعضهم برئاسة "محمود" الجد الكبير هنا…
صعد "محمود" وخلفه بقية أخوته ليقع بصره على "مرتضى" يحمل "رُحـيم" ابن "أحمد" وهو يتابع الصغار أثناء لعبهم وقد ضحك وسطهم وكأنه بذلك يدعمهم لكن صوت شقيقه أوقفه قائلًا بنبرةٍ جامدة:
_يا أخي أشق هدومي منك؟ بدل ما تزعق ليهم واقف تضحك وشايل الواد على إيدك؟ ربنا يهديك يا "مرتضى".
زفر الآخر بقوةٍ وهو يشعر بالملل من حديث شقيقه الذي يتكرر دومًا، بينما الأخر أوقف الصغار عما يفعلون ليظهر الهدوء في البيت بمجرد وقوف الصغار عن هذا الضجيج أضاف "محمود" بنبرةٍ أهدأ من السابق:
_عاوزكم كدا تهدوا وتوقفوا لعب علشان كدا غلط، صحيح هي شكلها حلو بس لو أذت حد فيكم هتعرفوا إن مش كل اللعب تناسب أي سن، عاوزكم كبار زي ما أنتوا وعاقلين دايمًا علشان مزعلش منكم، جربتوا من نفسكم ووعد محدش يكرر دا تاني، تمام؟.
أدلوا الصغار بالموافقة وحينها عاد الهدوء من جديد لكن "وليد" تحرك صوب الموائد الخشبية كبيرة الحجم ثم وضعها في المنتصف وأشار للصغار بقولهِ:
_تعالوا بقى نستغل شوية الطاقة اللي عندكم وساعدوا معانا في تعبية الشنط والحاجة، يلا أهو تاخدوا ثواب معانا أنتوا كمان يلا.
ركضوا الصغار نحوه مُهللين بسعادةٍ فيما أجلسهم هو وعاد "حسن" يجاوره بقولهِ الهاديء:
_بصوا بقى !! دلوقتي هنحط قصاد كل واحد فيكم صنف وهو يحط في الشنطة منه كيس ويركن الشنطة وراه، وأنا وعمكم "أحمد" هنعدي عليكم نراجع الشنط ونلم من وراكم.
أومأ الصغار له وبعدها بدأت العائلة تجتمع فوق سطح البيت وكأنها مناسبة منتظرة ببالغ الشوق وفارغ الصبر حتى للنساء معهم، وقد أجتمعوا فوق سطح البيت ومعهم الرجال أيضًا وبدأوا الصغار في تعبئة الحقائب بمساعدة الشباب وإشرافهم على حركة الصغار والحقائب خلفهم، بينما "وليد" تحرك صوب مشغل الصوت ثم رفع الصوت ووضع هاتفه وهو يضحك وظهر الصوت من خلفه عاليًا:
_جه الدور عليكم، تجملوا أيامكم بأيديكم..
متعيشوش في اللي فات واخلقوا ذكريات
تكون لايقة عليكم…
مش هيعدي علينا رمضان…
غير لما نزين زي زمان،
هنحافظ على اللي فات،
ونزود عليه حاجات ونديها لولادنا..
خيوط من نور تجمعنا
من كل زمان ومكان، خيوط رابطة قلوبنا
بنزين بيها رمضان وتكمل لمتنا..
بدأ العمل بحماسٍ أكبر من الجميع حيث مشاركة الصغار مع الكبار في هذا الثواب العظيم بكل حب خالص خرج من القلب للقلب الأخر، وقد وقف حينها "وئام" برفقة "طارق" ثم أمسك كلاهما فانوسًا خشبيًا صغير الحجم وهتف الأول بنبرةٍ هادئة وهو يقول:
_الفوانيس دي تحطوا منها في الشنط، واحد خشب من هنا وواحد صغير من عند "حسن" قدام، بالراحة علشان محدش يكسر حاجة وياريت محدش يكمر حاجة، خليكوا عيال متربية.
تدخل "مازن" يهتف بنبرةٍ ضاحكة:
_هنسرق في رمضان؟ طب لو ليلة العيد مشيها.
هنا تدخل "زياد" توأمه يرد خلفه:
_لأ ليلة العيد دي ليها طقوس خاصة لو سمحت، بعدين يعني يوم ما أسرق هسرق فانوس يا عمو "وئام"؟ أنا يوم ما أسرق هاخد حاجة تقيلة، حاجة تستاهل.
لاحظ "طارق" نظرته له وتلميحه المبطن فيما سأله "حسن" بنبرةٍ ضاحكة وهو يقوم بعقد الحقيبة البلاستيكية:
_ياترى هتسرق إيه بقى يا ابن "وليد"؟.
جاوبه الآخر بثباتٍ دون أن تظهر تعابيره المرحة على وجهه:
_قلب أحدهم إن شاء الله.
انتشرت الضحكات عليه وعلى مرحه فيما مالت "عبلة" على أذن زوجها وهي تهتف بيأسٍ منهم:
_أقسم بالله لو خسرت أخويا هيكون بسببك وبسبب عيالك، سكت الواد عديم الرباية اللي طالعلك دا، سكته أبوس إيدك.
هتف هو بسخريةٍ ردًا عليها:
_يعني هتخسري كاس الأمم الأفريقية؟ بعدين ماله؟ هذا الشبل من ذاك الأسد، وأخوكِ رخم بصراحة لازم حد رخم زيه، أنا عن نفسي ماليش دعوة، الواد مع خاله يعمل ما بداله.
لوت فمها بسخريةٍ فيما بدأوا الجميع في تعبئة الحقائب لتهتف "جميلة" بنبرةٍ هادئة وهي تبتسم لهم جميعًا:
_مش عاوزين ننسى إن الأعمال بالنيات وإن كلنا هنا بنعمل خير مع بعض، جددوا نوايا كتير، في الوقت والصحة والجهد لأن كل دا هنتسأل عنه، متنسوش إن إحنا هنتسأل عن وقتنا وفلوسنا وصحتنا، إحنا هنا بنجهز الشنط مع بعض ودا وقت وصحة ومجهود في سبيل الله، وفلوس خدناها من مصروفكم ودا من مالكم، وإن شاء الله رمضان يكون شهر ندخله ناس ونخرج منه ناس تانية، وافتكروا حديث سيدنا محمد حينما قال رسول الله ﷺ:
لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ"
سكتت لثوانٍ ثم هتفت بنبرةٍ هادئة:
_عاوزين بقى طول رمضان نستغل كل دا ونجاهد بوقتنا وفلوسنا وصحتنا في سبيل الله والخير علشان نتعود على كدا، ونحاول على قد ما نقدر نلتزم بعد رمضان بكل دا علشان تكون الطاعات دي عادات لينا.
حينها سألها "فارس" بنبرةٍ حائرة:
_خالتو هو لو حد عرف الناس إن رمضان قرب كدا هيدخل الجنة والنار تحرم عليه؟ دا حديث سيدنا محمد ﷺ قاله؟..
ابتسمت هي له ثم هتفت بنبرةٍ أعربت عن حكمتها:
_بص فيه ناس بتنشر حاجات من غير ما تعرف أصلها، انتشر في الأخر حديث غلط والناس كلها ماشية وراه بس دا محصلش، لأن سيدنا محمد مقالش كدا، وهل بقى لو حد عرف الناس رمضان إمتى كدا مش هيخش النار؟ طب ما ممكن واحد يهودي يعمل كدا بس برضه مش هيدخل الجنة لأنه كفر بكتاب الله ورسوله، وحديث
من أبلغ عبادي بشهر رمضان لن يمت حتي ابشره بالجنه ️غير صحيح"
أولا: نحن عباد لله فقط ولا يصح أن يقول رسول الله ﷺ ذلك
ثانيا : الحديث مكذوب وغير صحيح ولا وجود له في كتب السنه
واللي بينزل أي شئ بدون لا يأخذه من أهل العلم أو من مصادر موثوقة هيتحاسب والدليل قول رسول الله ﷺ:
إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ"
_يعني مينفعش حد يكذب في كلام الله ورسوله ولو مش عارف يبقى يتأكد الأول لأن الغلط بينتشر بسرعة وكل ما انتشر بقى صعب السيطرة عليه واننا نتحكم فيه، وبالتالي الغلط هيكتر ويزيد خصوصا لو في حاجة زي دي، فعلشان كدا أول ما نشوف حاجة زي دي نتأكد منها قبل ما ننشرها لأن الذنب هيقع علينا كلنا في كل مرة ينتشر فيها الكذب دا.
أنهت حديثها وهي تبتسم لهم وكذلك هم فيما أضاف "أحمد" بنبرةٍ أعربت فخره بها وسعادته بما وصلت إليه شخصيتها:
_أقسم بالله فخر العيلة، الواحد عاوز يعملك بوستر هنا بس نخاف من "طارق" يقوم يضربنا كلنا ويكسر السطح فوق راسنا.
ابتسمت هي له ثم أخفضت رأسها بخجلٍ وحينها تلاقت نظراتها بنظرات "طارق" الذي ابتسم هو الآخر ثم لثم وجنة ابنته الصغرى وشدد ضمته لها فيما عاد الجميع إلى ما يفعل وكان المظهر الخارجي للبيت يشبه زهرة يافعة وسط حقل زهور ذابلة، البيت الوحيد المُضيء وسط الشارع المظلم، والبيت الوحيد الذي لازالت الروح به، حيث البيت المضيء والمُزين والبقية اكتسحه الظلام..
__________________________________
عودة إلى الأماكن المحببة من جديد…
في الحارة التي وقف بها الشباب استمروا في تزيين الشارع الذي ملئته الأضواء بتعامدها على الأوراق اللامعة مع صوت تحريك الهواء لها وقد تعاونوا معًا في هذا الفعل وحينها ظهر "عمار" من مقدمة الشارع وهو يحمل صغيره "عُـمير" وبجوار جهة اليمين سارت "خلود" وجهة اليسار سار "عبدالرحمن" رفيقه الذي ضحك عند رؤيته للصغار يركضون نحوه ونحو رفيقه…
حينها رد هو على تحيتهم وترحيبهم به مبتسم الوجه فيما أخذت "خلود" الصغير من على ذراع زوجها ثم ودعت البقية وصعدت للأعلى ومعها الفتيات الصغيرات عدا "جاسمين" ظلت مكانها فيما ركضن الفتيات نحو الأعلى ترحيبًا بمجيء الصغير..
وحينها وقف "يزن" ابن "ياسين" بجوار "عبدالرحمن" وهو يسأله بنبرةٍ ضاحكة:
_"عبدالرحمن" متنساش إنك هتخليني ظابط، يا كدا يا مش هتاخد فانوسك اللي ليك عندنا.
تدخلت "جاسمين" تهتف بسخريةٍ:
_هو فيه ظابط صغير كدا؟ بعدين أنتَ عاوز تكون ظابط علشان متصومش معانا صح؟.
تدخل "عمار" يسأل الجميع بنبرةٍ ضاحكة:
_هو تكليف الصيام أترفع من وزارة الداخلية؟ محدش قالي والله يا جماعة.
تدخل "ياسين" حينها بنبرةٍ ضاحكة يجاوبه:
_هو الشهادة لله المفروض وزارة الداخلية كلها تصوم طول السنة اتنين وخميس جنب شهر رمضان، وأي حاجة فيها ريحة الحكومة ودا تكفيرًا لذنوب طول السنة في الناس.
ألقى حديثه الساخر بسخطٍ فيما نظر له "خالد" وهو يسأله بمنتهى الجدية:
_قولي بقى، تحب الحلاوة سادة ولا بمكسرات؟.
ضحك البقية عليهم وحينها هتف "يونس" يمازحه:
_علينا إحنا دي، حتى تتخصم من المواسم بعد كدا.
ألقى جملته وهو يغمز لـ "ياسين" الذي خطفه من تلابيبه وهو يتوعده بقولهِ:
_شكلك مش هتلحق تجيبها، عارف ليه؟ علشان هتلاقيهم بيوزعوا قرص على روح المرحوم يا ابن "خالد".
في الأعلى صعدت "خلود" للفتيات تجلس معهن برفقة شقيقتها وقد وجدت معها "إيمان" و "ريهام" وحينها زادت الجلسة سعادة وضحكات مرحة تبعها قول "خلود" بنبرةٍ حائرة:
_والله ضحكتوني أوي وأنا من ساعة ما خلفت مش عارفة أضحك، خلقي بقى ضيق أوي ومش طايقة حد، حاسة نفسي حياتي بتتغير، هو دا اكتئاب ما بعد الولادة؟ أنا عاوزة أصرخ على حياتي اللي اتقلبت دي، أنا اللي جيبته لنفسي وحبيت وأتجوزت، مخي كان فين؟.
تدخلت "خديجة" تجاوبها بنبرةٍ ساخرة:
_كان في راسك يا سكر، بعدين مش دا اللي كنتي هتموتي وتشيليه؟ وعاوزة تحسي إحساس الأمومة؟ أهو يا حبيبتي اديكي بتحسي أهو، حسي بالجامد علشان كلنا جربنا المرار دا هنا.
ضيقت "خلود" جفونها فيما صدح صوت هاتف "خديجة" التي سحبته وهي تجاوب بنبرةٍ حماسية:
_أيوة يا "هند"؟ عاملة إيه كل سنة وأنتِ طيبة.
وصلها الحديث من رفيقتها واستمعت لها وحينها تابعت هي المكالمة ثم هتفت بنبرةٍ هادئة:
_تمام يا "هند" هأكد عليكِ برضه، وهشوف "فاطمة" وأكلمها وأرد عليكي وآكد اللي عاوزاه، ربنا ييسر.
أغلقت معها المكالمة فيما سألتها "ريهام" عن المكالمة وحينها جاوبت هي بنبرة هادئة:
_دول صحابي المتطوعين في الجمعية اللي بروحها "هند" وفيه بنوتة كمان بحبها اسمها "فاطمة رضا" وبنقولها "توتا" الاتنين بيسألوني هروح معاهم قبل رمضان ولا لأ، بس أنا هشوف البيت الأول والعيال لو عرفت هاخدهم يوم ونروح وأهو يتعلموا حاجة جديدة ويكون يوم لله، يقدروا فيه النعم اللي عندهم.
لاحظت "خلود" حديثها وحينها اندفعت تسألها بنبرةٍ حماسية:
_ينفع آجي معاكم؟ وآخد "عمار" كمان؟.
ابتسمت لها "خديجة" وهي تقول بنبرةٍ هادئة مرحبة بهذه الفكرة بحماسٍ شديد:
_ياريت وأهو برضه تقدري النعم اللي عندك بدل الجحود دا.
هتفت جملتها بنبرةٍ ضاحكة جعلت الجميع يضحك عليها فيما فكرت "خلود" بحماس في هذه الفكرة الأكثر من رائعة لعلها بذلك تحاول التخلص من الاكتئاب المزمن الذي شارف على استوطان حياتها لعل هذا الفعل البسيط يحمل خلفه الكثير..
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم شمس بكري
*قال رسول الله ﷺ : مَن صَامَ رَمَضَانَ، إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ*
*قال الإمام إبن حجر رحمه الله: المراد بالإيمان: هو الاعتقاد بحق فرضية صومه، والمراد بالاحتساب: طلب الثواب من الله تعالى*
قال العلامة بن عثيمين رحمه الله قوله إيماناً واحتساباً أي إيماناً بالله عز وجل، وتصديقاً بخبره، ومعنى واحتساباً أي تحسباً للأجر والثواب المرتب على صوم رمضان"
__________________________________
أيام معدودات نطلب فيها من الخالق أن يعفو ويغفر لنا ويجعلنا من العُتقاء، فاللهم إن كُنا مُقصرين فيما سبق أجعلنا من أوائل الطائعين فيما هو قادم…
يوم الجمع الأول في الجمعة الثانية من شهر رمضان المُعظم، هنا حيث تقابل العائلات والتجمع المُحبب للقلب، وقد وصل "وليد" إلى شقة "خديجة" بعد صلاة الظُهر مباشرةً وقد وقف يطرق الباب حتى وجد "نَـغم" تفتحه له وهي تبتسم بسعادةٍ وما إن رآته فتحت ذراعيها له وهي تقول بنبرةٍ ضاحكة:
_خالو، وحشتني أوي.
مال عليها يضمها بين ذراعيهِ وارتفع بها من جديد وهي تقبع فين عناقه وقد هتفت بنبرةٍ ضاحكة:
_إحنا جايين النهاردة عندكم، جيت هنا إزاي؟.
مسح على خصلاتها وهتف بنبرةٍ هادئة:
_جيت أخدكم معايا، دخليني أنتِ بس.
تركها وركضت أمامه فيما دلف هو وأغلق الباب خلفه وحينها وجد "جاسمين" تصرخ مُهللةً باسمه وهي تقترب منه فحملها هو بين ذراعيهِ هي الأخرى فوجدها تُلثم وجنته وحينها ضحك هو الآخر وسألها بنبرةٍ هادئة حينما لاحظ غياب أخته:
_هي ماما فين؟.
ابتسمت بحماسٍ وهي تجاوبه:
_ماما جوة بتعصب اللحمة.
ألقت الجملة عليه بكل تلقائيةٍ دون أن تنتبه لما تتفوه به بينما هو لوى فمه بتهكمٍ ثم أنزلها أرضًا والتفت حتى يدخل فأوقفته "جاسمين" بقولها:
_أنتَ رايح فين؟.
التفت برأسه يجاوبها بتهكمٍ مشيرًا بذلك إلى جملتها:
_رايح ألحقها قبل ما تضايق المكرونة، أكل الناس مش لعبة، روحي جتك وكسة في لسانك عوجتي لسان أبونا.
تجاوز محيطها ودلف للمطبخ حيث مكان وقوف "خديجة" التي سألته بتعجبٍ ما إن ظهر أمامها أخوها:
_بتعمل إيه هنا؟ ما إحنا شوية وهنيجي عندكم.
أقترب منها يلثم جبينها ثم هتف بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسم لها يجاوب فصولها المقروء في عينيها حيث أتى إلى هنا دون علمها:
_جيت علشان المهلبية بتاعتك يعيني أتمرمطت في الموقع ولسه قدامه لحد المغرب علشان شغله يخلص، كلمني وقالي آجي أخدك علشان مش هتعرفي تيجي لوحدك أنتِ والسرب بتاعك، حتى يوم الجمعة مش راحمينه.
تنهدت هي بقلة حيلة وهتفت بوجهٍ مبتسمٍ تعبر عن قلة حيلتها:
_هنعمل إيه يعني؟ الحمدلله على كل حال، يعني كدا هنروح معاك؟ طب وهو هيفطر فين وليه مقالش ليا طيب؟.
حرك كتفيه تزامنًا مع قولهِ مفسرًا:
_ماهو يعيني برضه تليفونه فصل وكلمني قبل صلاة الجمعة قالي آجي آخدكم علشان هو هييجي على الفطار دا لو لحق يعني، الواد "يزن" فين صح؟.
ابتسمت وهي تجاوبه بنبرةٍ ضاحكة:
_راح يصلي الجمعة مع "يونس" والباقي وشوية و "يونس" هييجيبه هنا دا على أساس إننا هنمشي قبل المغرب بشوية، بس أكيد هنمشي دلوقتي فهكلم "يونس" يجيبه.
حرك رأسه موافقًا لها وهو يبتسم فيما أتت "جاسمين" من الخلف تسألها بحماسٍ بالغٍ ألتهب عند استماعها لحديث "وليد":
_ماما إحنا هنمشي دلوقتي؟.
التفت لها "وليد" يهتف ساخرًا وهو يقلد طريقتها:
_لأ هي مش هتيجي معانا، عارفة ليه؟ علشان بتعصب اللحمة لما تبقى محترمة وتبطل تضايق أكل الناس هناخدها معانا، يلا بقى يا عسلية روحي ألبسي.
ركضت نحو غرفتها وهي تضحك فيما ضرب هو كفيه ببعضهما وقد ضحكت "خديجة" حينما فهمت مقصد الحديث الدائر بينهما، وقد تحرك "وليد" نحو شرفة الشقة بعدما استأذن شقيقته وأخرج هاتفه يطلب رقم "يونس" الذي جاوبه على الفور وهو يقول بأدبٍ كعادته:
_السلام عليكم، إزيك يا عمو "وليد".
ابتسم الآخر وجاوبه مُبتسمًا حتى ظهر أثر التبسم على صوتهِ:
_وعليكم السلام، بخير يا حبيبي، استأذنك تجيب الأستاذ "يزن" علشان هنروح دلوقتي بيتنا، لو هتعبك آجي آخده أنا.
هتف الآخر بلهفةٍ يوقفه وكأنه يقف على أعتاب بيته:
_لأ لأ خليك، أنا هجيبه دقايق وهكون عندك.
ابتسم "وليد" وجلس على المقعد وبالفعل مرت دقائق قليلة تبعها وصول "يونس" برفقة "يزن" معه وحينها تحرك "وليد" يفتح الباب له فوجد ابن أخته يهلل برؤيته وهو يفتح ذراعيه وقد تلقفه "وليد" ولثم جبينه فيما ابتسم "يونس" وأنتظر حتى رحب "وليد" برؤيته وعانقه وقد فصل بينهما صوت "يزن" الذي هتف بسعادةٍ:
_بص يا "لـيدو" "يونس" جابلي إيه؟ فانوس.
أشار الصغير بقوله إلى الفانوس الصغير الذي يضمه بأحد كفيه فيما ابتسم "وليد" له ومسح على خصلاته فيما أتت "جاسمين" ومعها "نغم" وحينها قالت بضيقٍ:
_وأنا ؟؟ عاوزة فانوس.
ابتسم لها "يـونس" وأخرج من جيب سترته الشتوية اثنين آخرين ومد يده لها بأحدهما وأنتظرها تلتقطه منه ثم مد كفه الآخر لـ "نـغم" وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_خدي يا "نـغم" فانوسك.
حركت رأسها نحو "وليد" تستأذنه قبل أن تأخذه وحينها تذكر هو أمها حينما كانت تفعل الحركة ذاتها فأومأ موافقًا لها وقد التقطته هي من بين أنامل "يونس" وهتفت بوجهٍ مبتسمٍ تشكره بقولها:
_شكرًا يا "يونس" شكله حلو أوي.
ابتسم هو بصمتٍ ثم هتف بنبرةٍ هادئة يوجه حديثه لـ "وليد" يستأذن منه للرحيل قائلًا:
_طب أنا همشي بقى علشان هنروح عند تيتة نفطر هناك، مع السلامة يا عمو "وليد".
رحل من المكان فورًا يتجه نحو بيته فيما ابتسم "وليد" حينما فهم مقصد مجيء "يونس" إلى هنا وهو أنه بالطبع يعطيها ما يَخصها، وقد خرجت "خديجة" بعدما تممت على كل شيء يخصها وسألت أخيها بقولها:
_هو إحنا هناخد "خلود" كمان معانا؟..
انتبه لها أومأ موافقًا ثم أضاف مُكملًا:
_آه علشان "عمار" هيقفل الصيدلية على الفطار وهييجي على البيت برضه، هي هتقعد بابنها قدام وأنتِ وعيالك في الكنبة ورا، بسرعة بس علشان نلحق نوصل قبل العصر.
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت من أمامه نحو الداخل تبدل ثيابها وتممت على ثياب صغارها وبعد مرور دقائق أخرى نزلوا من الشقة ووقف هو بجوار سيارته أمام بناية سكن الأخرى التي نزلت بابنها فاقترب منها يحمل عنها حقيبته فوجدها تهتف بنبرةٍ ضاحكة:
_تصدق إنك جيت في وقتك؟ أنا شوية وكنت هطلب "أوبر".
جاوبها ساخرًا وهو يشير إلى نفسه قائلًا:
_وتجيبي "أوبر" ليه؟ أنا أهو، هاتي بس الواد دا أبوسه.
أخذ منها الصغير يلثم جبينه ثم داعبه ببنانه ومسح على رأسه حتى همهم الصغير مستمتعًا بمداعبة الآخر الذي لثمه من جديد ثم خرج من البناية فوجد "خديجة" تقترب منه تمسك الصغير وهي ترحب برؤيته وحينها وقف يبتسم بقلة حيلة ثم فتح أبواب سيارته مُشيرًا لهم جميعًا بالدخول.
_________________________________
في بيت الرشيد…
كالعادة الصوت المحبب للقلب والضجيج الذي لم تمل منه النفوس، والمشاجرات المُحببة للقلب وهي مشاجرات الصغار مع بعضهم وأصوات مشاغبتهم الذي ملأ البيت بأكملهِ وقد جلس "حسن" بين "طارق" و "وئام" يقومون بإكمال عملهم هنا بعدما أمر "محمود" بجلوسهم في البيت وعدم الذهاب إلى عملهم وبناءًا عليه تم لجوئهم إلى هذا المكان ينهون فيه المتبقي من عملهم المتراكم…
أثناء إندماجهم فيما يفعلون ركضت نحوهم "جاسمين" مهللةً مما جعل "حسن" يضرب وجهه بكلا كفيه حينما ركضت ابنته نحوها تهلل صارخةً باسمها وقد هتف متضرعًا بيأسٍ:
_يا رب العلاقة دي تتعدل أو تنتهي.
استمع له "طارق" وهو يكتم ضحكته وقد وصل "يزن" يركض نحو أخواله ومعه "نغم" التي ركضت نحو الفتيات الصغيرات وقد ركضا نحوهما "مازن" و "زياد" معًا لتبدأ رحلة المرح لدى الجميع…
بينما في الأسفل وكعادة أي بيتٍ يلتزم بعهد العزائم في شهر رمضان المبارك، هنا حيث وقوف النساء في المطبخ لتحضير الطعام وتجهيزه وحينها دلفت لهن "خديجة" تستمع للترحيبات الحارة بقدمها المُبكر عن الموعد المُحدد فيما جلست "خلود" على أقرب مقعد يقابلها وعلى ذراعها صغيرها وقد هتفت "هدير" بتهكمٍ حينما وقع بصرها عليها:
_هو أنتِ هتعيشي الدور؟ قومي يا سكر شوفي حاجة أعمليها، وهاتي الواد دا علشان بحبه أكتر منك بصراحة.
انتبهت لها "خلود" حينها رفعت رأسها بعيدًا عن صغيرها وهتفت بنبرةٍ ساخرة:
_لو بتحبيه حبي أمه وأبعدي عنها متفتحيش بوقك معاها لحد الفطار يا "هدير" وكدا يبقى كتر ألف خيرك.
في تلك اللحظة خرجت "سلمى" ركضًا من الداخل ترحب برفيقتها التي فتحت ذراعها وهي تستقبل ضمتها لها أكثر من مرحبة وقد آثرت "هدير" تركهما بمفردهما ودلفت من جديد نحو الداخل لتكمل معاونة الجميع..
في الأعلى جلست الفتيات مع بعضها بجوار "محمود" الذي حمل على فخذه "سيلينا" ابنة "وئام" الصغيرة ثم أخرج حافظة نقوده يقوم بتوزيع المال على الفتيات وهو يبتسم لهن وقد أقترب منه "فارس" يسأله بمشاكسةٍ:
_و الرجالة ملهاش نصيب يا حج "محمود"؟.
ضحك له "محمود" ثم مد كفه بالأموال له وحينها ركض له "علي" هو الآخر وخلفه بقية الصبية فرفع "طارق" صوته يمازح عمه بقوله:
_طب وإحنا يا عمي؟ دا إحنا حتى سمعنا الكلام أهو.
حينها هتف "محمود" يمازحه بقولهِ:
_ياض دا انتوا اللي المفروض تدوني، أومال أصحاب شركة بالاسم بس يعني؟ هات أنتَ منك ليه، مش كدا يا "حسن"؟.
وجه سؤاله الاخير لـ "حسن" الذي ابتسم له وهو يقول بخنوعٍ تام يدلي بترحيبه:
_أنا عيوني ليك يا عم "محمود" شوف تتمنى إيه؟.
ابتسم "محمود" له بتأثرٍ وهتف بنبرةٍ هادئة:
_والله يا بني ما كنت أتمنى غيرك لبنتي، ربنا يحفظكم لبعض ويفرحك بعيالك، يا أمير يا ابن الأُمرا.
في هذه اللحظة تدخل "وليد" يهتف ساخرًا:
_ومين السبب مش أنا؟ أدعيلي أنا كمان لو سمحت.
رفع "محمود" كفيه يتضرع بقلبه قبل لسانه أن يحفظ الله الصغار ويحميهم ويبارك في عمر آبائهم وقبل أن ينزل كفيه طارت كرة القدم لتضرب وجهه بعدما ركلها "زياد" وحينها هتف "مازن" ساخرًا يوجه الحديث لجده:
_أنتَ شكلك أتوصيت أوي في الدعا.
أرتفع صوت الضحكات وكذلك "محمود" أيضًا الذي ضحك هو الآخر بيأسٍ فيما حرك "وليد" رأسه نحو ابنه الذي ظهر الخوف على ملامح وجهه لكنه تلبس وشاح الشجاعة واقترب من جده يهتف بنبرةٍ هادئة آسفة:
_أنا آسف يا جدو متزعلش مني، مكانش قصدي والله.
مسح "محمود" على كتفه وهو يومئ له موافقًا كأنه يخبره لا عليك وقد أقترب منهم "وليد" يهتف بنبرةٍ جامدة بعض الشيء:
_مفيش كرة هتتلعب هنا يلا أنتَ وهو روحوا أقعدوا.
نظر الصبية لبعضهم بضجرٍ وقبل أن يترك "وليد" الكرة وجد زجاجة صغيرة تضربه في قدمه وحينها لم تكن سوى "سيلينا" ابنة شقيقه التي ابتسمت له وهي تلفت نظره نحوها لكي يحملها وقد ضحك رغمًا عنه وحملها بين ذراعيهِ فوجد "جاسمين" تهتف بضيقٍ:
_متشيلهاش، نزلها أحسنلك.
لثم الصغيرة عدة مرات يعاند بتلك الطريقة الأخرى التي ركضت نحوه وخلفها "فاطيما" وكلتاهما ترمقه بشررٍ جعل "حسن" يتشفى به قائلًا:
_أحسن، إلهي يا رب تفضل متدبس فيهم طول العمر كدا.
أما الآخر فدهائه هو المتحكم به لذا جمع كل الفتيات حوله وجلس على الأرض ثم هتف بنبرةٍ ضاحكة يمازحهن:
_بقولكم إيه؟ اللي هتقعد ساكتة الأول هسرح ليها شعرها.
ظهرت صرخاتهم المهللة بفرحٍ وقد بدأ هو بتنفيذ إقتراحه لكي يساهم في حالة هدوء لعلها تملأ البيت من بعد ضجيجٍ لم يكف لو ثوانٍ قليلة.
وقد انقسم البيت لعدة فئات، حيث فئة الصبية الصغار يلعبون سويًا بكرة القدم بعدما سمح لهم "وئام" والفئة الأخرى هي الفتيات في حلقة دائرية حول "وليد" الذي جلس في المنتصف يرتب خصلات "سيلينا" وقد أمر أن يسير الدور تصاعديًا من الأصغر حيث الأكبر والفئة التالية هي فئة الرجال الذين جلسوا ينهون عملهم..
_________________________________
بعد مرور عدة ساعات…
بدأ الغروب يظهر لترحل الشمس في نهاية اليوم وتبدأ مع رحيلها الدقائق المُحببة للقلب حيث النسايم اللطيفة التي تظهر في الأجواء، وصوت القُرآن في إذاعة القرآن الكريم بأقدم الأصوات التي عُرفت بها شوارع المحروسة، ومعه ركض الجميع وارتفاع الأصوات في ضجيجٍ مرتفعٍ لكي يذهب كل فردٍ إلى بيته ليلحق موعد الآذان، تزامنًا مع ظهور الشباب في الشوارع يعملون على توزيع التمرات الرطبة والعديد من العصائر والمشروبات السائلة قُبيل المغرب بلحظاتٍ…
في هذه اللحظة أوقف "ياسين" سيارته تزامنًا مع وقوف "عمار" بدراجته النارية أمام بعضهما تزامنًا مع جملة القاريء الذي أتى صوته من المسجد:
_"صدق الله العظيم".
حينها رفع "ياسين" رأسه للأعلى وهو يقول بسخريةٍ:
_يلا نطلع قبل ما ياكلوا نايبنا، أنا واقع.
رد عليه "عمار" ضاحكًا:
_طب يلا، لسه فيه ٣٢ إعلان يتمنوا فيهم إفطارًا شهيًا، متقلقش هنلحق.
ابتسم "ياسين" وقبل يولج البيت وجد "محمود" ينزل وخلفه الشباب والصبية الصغار وقد هتف بنبرةٍ هادئة:
_يلا هنروح نصلي ونرجع نفطر، بعدها نسلم.
ساروا خلف بعضهم يتجهون إلى المسجد أولًا لأداء صلاة المغرب قبل تناول الفطور بينما "ياسين" و "عمار" فقد تناول كلًا منهما تمرة واحدة رطبة ينهون به صيامهما وقد أنهوا فريضة الصلاة ثم توجهوا إلى البيت من جديد يتناولون الإفطار مع بعضهم يلتفون معًا حول مائدة الطعام في الطابق الأسفل وقد جلس كلًا منهم بجوار زوجته وأسرته وكأنها مائدة رحمن وسط الشارع وليست مجرد عزيمة عائلية…
وقد ابتسم "وليد" وهو يمازح "عمار" قائلًا:
_قاعد بتفطر مع دعوة رمضان وعيلتها كلها يا ابن المحظوظة، مين قدك يا دكتور "عمار"؟..
ضحك له "عمار" وهتف بأدبٍ كعادته:
_دا شرف ليا وربنا يطرح البركة في البيت ويجعله مفتوح دايمًا بوجودكم فيه، أنتوا عيلتي وربنا يعلم.
تدخل "مرتضى" يهتف بنبرةٍ ضاحكة وهو يوزع أنظاره في أوجه الشباب جميعًا وحينها هتف يمازحهم:
_هو الحقيقة يعني بنات العيلة دي واخدين نقاوة مش على حد، وش القفص بصحيح، ربنا يحرسكم يا عيال.
انتشرت الضحكات بينهم فيما حرك رأسه نحو "هدير" وهتف يشاكسها بقولهِ:
_صح يا "هدير"؟.
حركت رأسها موافقةً وهي تنظر لزوجها تبتسم بخجلٍ وحينها مال "حسن" على أذنها يهتف بسخريةٍ:
_مش لايق عليكِ الكسوف دا، بإمارة احضني يا "حسن".
كتمت ضحكتها وهي توكزه في كتفهِ وقد ضحك هو الآخر ثم حرك رأسه نحو ابنته التي غمزت له وهي تبتسم، وعلى الطرف الآخر وضعت "خديجة" الطعام أمام زوجها وهي بإهتمامٍ:
_شكلك تعبت النهاردة، لو محتاج ارتاح شوية هنا.
ربنا على كتفها قائلًا بامتنانٍ لها:
_متقلقيش، أنا بخير بعدين حد يسيب اللمة الحلوة دي وينام؟ دا عم مرتضي يفضحني، دا نسخة من حبيبك.
أشار بحديثه إلى والده وقد ابتسمت "خديجة" حينما فهمت ذلك ثم عادوا لتناول الطعام معًا من جديد لتمر دقائق أخرى على تناول الطعام ورفع الصحون من فوق الطاولة ونظرًا لكثرة العدد والأيدي العاملة تم ترتيب كل شيءٍ وتجهيز الشاي الذي تم وضعه أمام الرجال وحينها هتف "وليد" يسأل "عمار" بتكهنٍ وهو يشير إلى الصغار بقولهِ:
_ما تقولنا كدا يا "عمار" الناس اللي بتفضل تتحمس في أول رمضان وبعدها تبطل واحدة واحدة دول نعمل معاهم إيه؟ نحبسهم لحد العيد في البيت؟.
ابتسم "عمار" وقد فهم سبب السؤال وحينها عدل وضع صغيره على ذراعه يمسح عليه وهتف بنبرةٍ هادئة يوجه الحديث إليهم:
_المفروض إننا نحارب نفسنا طول الشهر، يعني حماس البدايات الأولى دا المفروض نجاهد بيه طول الشهر، رمضان شهر زي الهدية كدا للإنسان علشان يجاهد نفسه بحق، يحاول معاها مرة واتنين وتلاتة، الكسبان بجد هو اللي يخسر نفسه القديمة في رمضان، يعني دلوقتي أول عشر أيام عدوا، فيه اللي فضل زي ماهو وفيه اللي أتلهى وفيه اللي غير نظامه، يبقى الحل إنه يفوق لنفسه ويحاول، يعني نزحم وقتنا بطاعات أكبر، اقرأ القرآن بعد كل فرض، ممكن مثلًا أقسم بعد الخمس فروض ١٠ صفحات أقرأهم وأتدبر المعاني فيهم، ونقرأ أذكار الصباح والمساء، نحاول نبعد عن الموبايلات والتلفزيونات وأي حاجة تلهينا عن ترتيب نفسنا، مينفعش ربنا ينعم علينا بأيام معدودة وإحنا نهملها…
صمت الجميع ينظرون له فيما أضاف هو مُكملًا:
_ رمضان مش بس للصيام أو الصبر على الأكل والشرب، رمضان علشان تربي نفسك، لو عصبي وبتغضب، يبقى تصبر وتهذب نفسك، لو مهمل ومالكش نظام، يبقى ترتب وقتك وتحافظ عليه، زي ما بتصوم وأنتَ عارف إن المغرب هيأذن وصيامك هينتهي، لازم برضه تصبر على كل ابتلاء وكل حاجة تقيلة وأنتَ واثق إن ربنا سبحانه وتعالى هيكرمك، ولو محصلش اللي أنتَ عاوزه يبقى على الأقل هتتعلم درس يفيدك في اللي جاي، الصيام عن الأذى وعن الكلام المسيء والنميمة وعن كل حاجة تأخرك خطوة في شخصيتك، يبقى لو ضاع مننا وقت نلحق نعوض في اللي جاي، فاللهم إن كنا مقصرين فيما مضى، فأصلحنا وقربنا منك فيما هو قادم..
أنهى الحديث مبتسمًا ثم أضاف من جديد بنبرةٍ هادئة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ..يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَ".
وقال رسول الله ﷺ:
ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم".
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ:
من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
أنهى الحديث ثم أضاف من جديد مفسرًا:
_يعني نصوم عن الكلام الوحش وأذى الناس والنميمة والكلام الكذب وأي فتن للنفس أو كره لحد في قلوبنا، منجيبش سيرة حد ونسيب الناس في حالها أحسن، وياريت برضه لو تفضل نجاهد نفسنا وشيطاننا، وياريت نطلع من رمضان كسبانين نفسنا بقلوب جديدة بدل اللي باظت مننا دي، ومش عيب نعترف قدام نفسنا إننا مقصرين، العيب بجد إننا نعمل نفسنا مش دريانين، علشان كدا أبدأ من تاني وأجري في طريقك لربنا، بدل ما تجري في طريق الدنيا اللي هي أصلًا دنيا..
نظر له الصغار وكذلك الكبار وقد صوت آذان العشاء عاليًا يقطع الصمت الدائر بينهم وحينها هتف "ياسين" يوجه حديثه للصغار:
_ها يا رجالة، هنروح نصلي التراويح ولا نستنى رمضان الجاي نبدأ من الأول؟.
أنتشرت الضحكات عاليًا وتجهزوا جميعًا للذهاب إلى المسجد وخلفهم الرجال من الكبار حتى الصغار يركضون أمامهم نحو المسجد بفرحةٍ يتسابقون لدخول المسجد وقد وقف "وليد" مع "عمار" أمام باب المسجد يهتف بنبرةٍ هادئة يمتن له بقولهِ:
_شكرًا لكلامك، على فكرة أنا كنت محتاجه أكتر منهم، بس لزقتها فيهم، ربنا يكرمك، قولتلي أنتَ أخوك مين؟.
ضحك "عمار" له ودلف معه المسجد يقف الشباب في صف الصلاة بجوار بعضهم خلف الرجال وبجوارهم الصغار يكملون الصف وهاهم رجال المستقبل تبدأ خطواتهم الصحيحة من هنا، فخير النشأة هي نشأة رجال بداخل المساجد..
_ رمضان مبارك علينا جميعًا،
واللهم اجعلنا من العتقاء وتقبل منَّا إنك أنتَ التواب الرحيم، فاللهم إن كنا مقصرين فيما سبق أجعلنا من أوائل الطائعين فيما هو قادم، رمضان مبارك عليكم متنسوش الدعاء لأخواتنا في فلسطين والسودان وكل بقاع الأراضي العربية، وطلاب الثانوية العامة والفنية وكل الطلاب…
النهاية