تحميل رواية «تعافيت بك الجزء الثالث» PDF
بقلم شمس بكري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت الجلسة مرحة و ممتعة و زادت أكثر في بهجتها بقدوم العروسين معًا، حيث التفت الفتيات الصغيرات حول "خلود" و كذلك الصبية حول "عمار" الذي جلس هادئًا كعادته يوزع الابتسامات البشوشة لكل من ينظر له، بينما "خلود" فكانت كلما يلتقي وجهها بوجهه، تشاكسه بملامحها و تعبيرات وجهها و تتصنع البراءة وسط الصغار، فيما يحاول هو جاهدًا كتم ضحكته عليها. اقتربت منها "فاطيما" تقول بضجرٍ لا يتناسب مع طفولتها: خالتو خلود، يزن و جاسمين فضلوا بغيظوني علشان أنتِ ساكنة معاهم، ليه مش ساكنة معايا أنا كمان ؟!" حملتها "خلود" عل...
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم شمس بكري
_أيقتلك الشوق في حين ما يأكلني أنا هو انتظارك؟.
___________________
_ أنا مش هروح بيتي، أنا هبات هنا.
هتفتها "خلود" بإصرارٍ بعدما أغلق "عمار" الهاتف في وجهها، فانتبه "وليد" لما تتفوه به، حينها التفت لها يقول بنبرةٍ جامدة:
_بطلي هبل شوية وروحي بيتك.
حدثته بنبرةٍ خافتة حتى لا تلفت الأنظار لها:
_يا "وليد" قفل السِكة في وشي وأنا متصلة اتطمن عليه؟ بعدين أنا بعتله رسالة أني هبات هنا طالما هو تعبان.
تنهد بضجرٍ ثم قرر تبديل طريقته معها حتى تفهم عليه باعتباره أكثر الناس درايةٍ بما تشعر هي به:
_أكيد مضغوط صح ؟؟ علشان كدا تعب، واحد كل حاجة بقت فوق دماغه بعد سفر صاحبه، واكيد برضه متشتت علشان كل واحد فيهم كان مسئول عن حاجة ودلوقتي "عبدالرحمن" سايب كل حاجة، والصيدلية ما شاء الله شغالة حلو صح ؟؟.
حركت رأسها موافقةً وهي تنصت له، فوضع ذراعه على كتفها وهو يقول بطريقةٍ بدت لها ساخرةً لكنه مُحقٌ فيما ينطقه:
_يبقى نروح بيتنا زي الناس العاقلة نعمل أكل ونتلم ونهدا من شغل الهبل دا علشان مبقيناش صغيرين، تمام ؟؟
حركت رأسها موافقةً بوجهٍ مبتسمٍ ثم هتفت بحماس:
_طب بص !! مش هقوله أني مروحة هعمل نفسي بايتة هنا و أروح البيت أحضر الأكل واستناه ولما ييجي يتفاجأ بيا ويفرح، إيه رأيك ؟؟.
قلب عينيه بتفكيرٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_حلو، بس كلميه برضه، مش كدا وخلاص.
فتحت هاتفها تحاول مهاتفته، فوصلتها رسالةٌ صوتية أن هاتفه ربما يكون مُغلقًا، تنهدت بثقلٍ ثم قالت بقلة حيلة:
_تليفونه مقفول، مش مهم هعمل اللي قولت عليه وخلاص.
حرك رأسه موافقًا، فحدثت هي شقيقتها بقولها:
_"خديجة" أنا هروح معاكي خلاص، مش هعرف أبات هنا.
انتبهت لها شقيقاتها فتحدثت بسخريةٍ:
_آاه..وياترى بقى خدتي رأي باقي الشخصيات ولا لسه؟؟
عقدت "خلود" مابين حاجبيها بتعجبٍ، فأضافت الأخرى موضحة ً أمام البقية:
_أقصد يعني باقي الشخصيات بتوعك، هل وافقوا كلهم ولا دي واحدة من ضمن شخصياتك هي اللي قررت ؟؟
نظرت لها "خلود" بتذبذبٍ ثم تنهدت مُطولًا بكتفين متهدلين ثم قالت بنبرةٍ ثابتة:
_لأ همشي خلاص، خدوني معاكم.
حرك "ياسين" رأسه موافقًا فتنهدت هي بعمقٍ وهي تفكر في رد فعله حينما يعود للبيت ويراها هناك بدلًا من المبيت في بيت أبيها، اعتلى الحماس وجهها و ارتسمت بسمة هادئة على ملامح وجهها تود الذهاب لبيتها حتى تلتقي به.
وصل "أحمد" بزوجته وابنته لهم وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، متجمعين عند النبي إن شاء الله صُحبة واحدة.
ردوا عليه التحية جميعهم، بينما "مرتضى" قرر مشاكسته بقوله:
_الواد دا نَضج نُضج غريب، ولا نُضج المحاشي في الشتا.
ارتفع صوت الضحكات على تشبيهه، فيما قال "أحمد" بضجرٍ:
_هو لو محدش هنا نكشني تتعبوا ؟؟ شكرًا يا عمي.
انتبهت "جاسمين" لما تمسكه "ليلى" الصغيرة في يدها فاقتربت من خالها تقول بنبرةٍ طفولية:
_خالو هي صغيرة متخليهاش تاكل شيبسي كتير.
انتبه لها فابتسم وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_حبيبة خالو الله يحرسك
ردت عليه بحماسٍ شديد:
_هاتلها اندومي أحسن بكتير.
تلاشت بسمته وردد بسخريةٍ:
_حبيبة خالو الله يكسفك.
ارتفع صوت الضحكات بينما هو مد يده بالحقيبة لـ "فارس" وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_امسك يابني بما إنك الكبير العاقل هنا وزع عليهم الشيبسي والحلويات دي، ولا نخليها اندومي أحسن ؟؟.
نظرت له "جاسمين" بتعالٍ ثم قلبت فمها باستياءٍ جعل النظرات تتبعها على رد فعلها.
تحدث "محمود" آنذاك يوجه حديثه لـ "وليد" بقوله:
_ "وليد" تعالى معايا عاوزك….لوحدك !!.
تحرك بؤبؤاه بحيرةٍ وهو ينظر للأخرين ثم أشار إلى نفسه مُستنكرًا وهو يقول:
_أنا !! لوحدي ؟؟
حرك "محمود" رأسه موافقًا فأخرج "وليد" زفيرًا قويًا وتحرك من موضعه و بمروره بجوار "ياسين" مال عليه يهتف هامسًا:
_لو اتأخرت عن ١٠ دقايق بلغ عن عمي.
كتم "ياسين" ضحكته ثم همس له هو الأخر بقوله:
_ بتهمة إيه إن شاء الله ؟؟
_خطف طفل بريء.
تفوه بها "وليد" مُدعيًا البراءة مما جعل "ياسين" يضحك على هيئته في حين تحرك الأخر من محله يلحق بعمه إلى الخارج.
ركض خلفهما "زياد" و "مازن" فالتفت لهما "وليد" يقول بتعجبٍ من ملاحقتهما له:
_خير جايين ليه ؟؟
_يعني نسيبك لوحدك ؟؟ جايين معاك.
هتفها الاثنان في آنٍ واحدٍ جعل "وليد" يقول بسخريةٍ:
_الكلام دا لما تكونوا ولاد رزق وابوكم داخل خناقة، روحوا يا حبايبي ربنا يهديكم مش عاوز هطل على المِسا.
ضحك كلاهما عليه، بينما هو انتظر حركتهما ثم التفت خلف عمه يقول بزهوٍ يعلن به فخره بأولاده:
_خلي بالك أنا عيالي في ضهري جامدين اوي، يعني اللي هيقرب مني الله يعينه بقى.
التفت له "محمود" يقول بسخريةٍ:
_بتهددني يابن مُرتضىٰ ؟؟
حرك كتفيه وهو يقول ببراءةٍ:
_لا عيشت ولا كنت، قولي بس عاوزني في إيه ؟؟
تنهد "محمود" ثم سأله بنبرةٍ غَلظة:
_بتقل أدبك على الجيران ليه يا "وليد" ؟؟ هو أنتَ من غير مشاكل متعرفش تعيش ؟؟ دماغك تاكلك يعني ؟؟
أشار نحو نفسه مستنكرًا ومُرددًا:
_أنا !! لا حول ولا قوة إلا بالله، عملت إيه بس؟؟
رفع "محمود" حاجبه وهو ينطق بتأكيدٍ:
_آه أنتَ، صاحب البيت اللي الست ساكنة فيه كلمني و اشتكالي علشان هي مش عاوزة تسكت، بتقول إنك شتمتها، حصل الكلام دا ؟؟.
حرك رأسه نفيًا ثم أضاف:
_محصلش، أنا شتمتها وشتمت أبوها كمان.
اتسعت عيناهُ وهو بدهشةٍ غلفت حديثه:
_يخربيت أبو قلة أدبك يا شيخ، أنتَ عينك مكشوفة يالا؟؟
سحب "وليد" نفسًا عميقًا ثم قال بثباتٍ كعادته:
_دي واحدة جاي تجر شكلي، العيال في بيتهم بيلعبوا فوق السطح عمرهم زعلوا حد ؟؟ محصلش بعدين هي مالها عددهم كبير ولا لأ، هو احنا هنحاسبها بالجُملة؟؟ مفيش ماشاء الله ؟؟ مفيش ربنا يحفظهم ؟؟ بعدين هي علشان صاحب البيت مانع عيالهم يدخلوا السطح هتقرفنا في عيشتنا؟؟.
انتبه له عمه فسأله باهتمامٍ:
_أنتَ عرفت منين إن صاحب العمارة ممانع دا ؟؟
ابتسم بثقةٍ وهو يقول:
_مفيش حاجة أنا عاوز أعرفها مبعرفهاش، لو كانت اتكلمت باحترام من الأول أنا كنت كلمتها باحترام إنما اللي يرفع مناخيره عليا أكسرهاله أحسن.
علم "محمود" أن الحديث معه لن يُفيد بشيءٍ لذلك آثر طريقة أخرى وهي اللين فقرر محادثته بقوله:
_بص يا "وليد" الإنسان مننا عايش بس على شوية الونس اللي حواليه، مكانكم هناك بعيد عن هنا، يعني لو حصل حاجة بعد الشر عنكم يعني، احنا هناخد وقت لحد ما نجيلكم هناك، إنما الجيران هما اللي هيلحقوكم، أبوس راسك يا شيخ بلاش مشاكل وحمقتك دي خفها شوية، ينفع ؟؟.
تنهد "وليد" مُطولًا ثم نطق بنبرةٍ هادئة:
_حاضر يا عمي بس ماوعدكش يعني، رغم إنها ست مستفزة بغباء، ودي مش اول مرة تعمل مشاكل.
سأله عمه بتعجبٍ:
_هي عملت مشاكل مع حد قبل كدا ؟؟
_يــوه مع طوب الأرض ذات نفسه، ماسكة كل يوم حد تعمله مشكلة وتمشي كلامها عليه، بس أنا مش كدا ومش أنا اللي حد يمشي كلامه عليه، كان لازم أسكتها ومع ذلك أنا برضه هحل الموضوع، مرضي كدا ؟؟.
رغم الشك الذي طَل من نظرات عمه إلا أنه آسفًا قرر الوثوق به لذلك حرك رأسه موافقًا وختم الحوار بقوله:
_طـيب….لما نشوف.
ابتسم له "وليد" ثم أشار له حتى يتقدمه فتحرك عمه وخلفه هو يتنهد بعمقٍ محاولًا بث الهدوء لنفسه.
_____________________
بعد انتهاء تلك الجلسة استعدت "خديجة" و معها شقيقتها للرحيل فنزل "زياد" ومعه "مازن" خلفهم فتحدث الأول بقوله:
_يا عمو "ياسين" ما تخليهم يباتوا معانا، عاوزين نقعد معاهم شوية.
تنهد "ياسين" بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_ما انتم كنتوا مع بعض وبعدين مين هيرجعهم تاني بليل، كلها كام يوم وتتقابلوا تاني.
تحدث "مازن" بلهفةٍ:
_بس أنا كنت عاوز "يزن" يبات معايا النهاردة
تدخلت "جاسمين" تقول بضجرٍ:
_وأنا كمان كنت عاوزاه يبات معاكم.
تحدث "يزن" بسخطٍ:
_يارب صبرني، أنتِ مالك.
تحدثت "خديجة" بنبرةٍ جامدة:
_لو مبطلتوش قلة ادب أنا هجرجركم من شعوركم.
تحدث "ياسين" بنبرةٍ ضاحكة:
_إن شاء الله أخر الاسبوع هجيبهم لحد عندكم هما التلاتة أهو يكونوا وحشوكم شوية بدل ما تزهقوا منهم، اتفقنا ؟؟
حرك الاثنان رأسهما بموافقةٍ فيما اقترب "زياد" من "نغم" يقول بلهفةٍ:
_أنا هجهز الحاجة اللي قولتلك عليها، وهخلي "مازن" يعملك الرسمة اللي طلبتيها، ماشي ؟؟.
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت:
_وأنا هجيب معايا الحاجة الحلوة اللي قولتلكم عليها.
نزلت في تلك اللحظة "هدير" تحمل ابنتها النائمة على يدها، وخلفها "حسن" يحمل "علي" النائم أيضًا.
تحدثت "خديجة" بتعجبٍ:
_هما لحقوا يناموا ؟؟ إيه العيال دي؟؟
ردت "هدير" بزهوٍ وفخرٍ:
_ظبطاهم على الساعة دول خدي بالك.
اقترب "ياسين" من "حسن" يحمل عنه الصغير وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_هاته عنك لحد ما تفتح العربية، هاته.
أعطاه له "حسن" ثم فتح باب السيارةِ فاقترب "ياسين" يضع الصغير على الأريكةِ ثم أخذ الصغيرة من "هدير" وهو يقول بنفس الهدوء:
_هاتيها متخافيش هنيمها جنب أخوها.
اعطتها له فوضعها "ياسين" بجوار أخيها ثم أغلق الباب ليستمع لقول "حسن" بمرحٍ:
_تُشكر يا ذوق .
ضحك "ياسين" ثم غمز له وهو يقول:
_متقولش كدا يا أبو علي، السمك صحاب مش طواجن.
رفع "حسن" رأسه وهو يهتف بشموخٍ:
_شوف الإنسان سُمعة برضه.
ودعهم "ياسين" حتى تحركت "سيارة" حسن من المكان.
تحدثت "خلود" بلهفةٍ:
_يلا طيب كدا هنتأخر الساعة بقت ١١ وشوية.
انتبه لها "ياسين" فأشار لصغاره بقوله:
_سلموا على أخواتكم علشان نمشي يلا.
قام صغاره بتوديع التوأم ثم توجهوا نحو السيارة وخلفهم "خلود" التي ودعت الصغار، بينما "وليد" وقف في انتظارهم وقبل أن تلج "خديجة" للسيارة أوقفها حينما أشار لها فاقتربت منه بتعجبٍ، لذا قال هو بنبرةٍ هادئة:
_بقولك إيه ؟؟ البت دي عبيطة عاوزة حد يفهمها بالهداوة ابقي اتكلمي معاها كدا بما إنك عاقلة يعني، لو اني أشك.
رفعت حاجبها ثم حدثته بسخطٍ:
_ولا ؟؟ هكلمها حاضر، على فكرة خلود طيبة اوي هي بس متهورة وفاكرة الدنيا كلها بتمشي على مزاجها.
تنهد "وليد" ثم حرك رأسه موافقًا وسألها:
_طيب، المهم أنتِ عاوزة حاجة ؟؟.
ابتسمت له وهي تحرك رأسها نفيًا، فابتسم هو لها ثم قبل رأسها وربت على كتفها واضاف بصوتٍ رخيم:
_يلا وخلي بالك من نفسك وعيالك والبت الهطلة دي.
حركت رأسها موافقةً فضغط "ياسين" على بوق السيارة وهو يطالعهما بغيظٍ، فقربها "وليد" منه يعانقها ويربت على ظهرها قاصدًا إثارة غيظه وهي تضحك رغمًا عنها ثم حركت رأسها بيأسٍ وتحركت من مكانها.
بينما "وليد" اتجه نحو جلوس "ياسين" يضرب بقبضته زجاج النافذة ففتحها "ياسين" في نفس الوقت الذي جلست به "خديجة" بجواره، فيما قال "وليد" بنبرةٍ باردة:
_هو أنتَ مش هتبطل حقد ؟؟ اكمنك يعني معندكش أخوات بنات ومجربتش الاحساس دا ؟؟ بس نقول إيه ؟ بكلمك بأمانة هتبطل امتى؟؟.
رد عليه "ياسين" بنبرةٍ جامدة زائفة:
_لما تبطل رخامة وتناحة يا بارد، أقولك خليك كدا بتشوفها صدف لحد ما اقطعها خالص عنك، هيرضيك كدا يعني ؟؟
مال عليه "وليد" يقبله من وجنته حتى ضحك "ياسين" بيأسٍ من تلك الحركة، فيما قال "وليد" بنبرةٍ ضاحكة:
_في رعاية يا مهلبية، خلي بالك من أخواتي.
تحرك "وليد" من مكانه بينما "ياسين" قاد السيارة وهو يضحك حتى أوشك على صدم "وليد" بسيارته، ثم عاد للخلف فضحك "وليد" ثم أطلق زفيرًا قويًا وتوجه نحو البيت من جديد.
_______________________
في الصيدلية جلس "عمار" بانهاكٍ يحرك عنقه ويدلكها بيده من فرط الألم الذي مر بجسده أخرج هاتفه من جيبه بعد رسالتها الاخيرة له، فوجد بطاريته نفذت تمامًا وفقد طاقته، ضرب وجهه بيأسٍ ثم وضعه في جيبه من جديد، نظر في ساعة معصمه ثم زفر مطولًا حتى دلف الطبيب المعاون له، فتنهد "عمار" براحةٍ ثم انتفض واقفًا وهو يقول بلهفةٍ:
_حمدًا لله على سلامتك، وصلت الخرطوم ؟؟.
رد عليه الشاب بنبرةٍ هادئة أوضحت خجله:
_والله العظيم، اتدبست مع العيلة في كام مشوار كدا معرفتش أهرب منهم، علشان كدا اتأخرت عليك، روح أنتَ بقى ريح وتعالى بكرة براحتك متقلقش.
حرك رأسه موافقًا ثم قال بقلة حيلة:
_تمام، أنا ظبطلك الحاجة اللي كانت متلغبطة زي ما "عبدالرحمن" كان عاملها، و كل الأدوية والحاجة وصلت النهاردة و أترصت كمان، يعني التقيل كله خلص، عاوز حاجة ؟؟
نفى الشاب وهو يشكره، بينما "عمار" تنهد بعمقٍ ثم سحب مفاتيحه ورحل من الصيدلية ليقف بجوار دراجته النارية، ظهر عليه التخبط والحيرة حينما تذكر أنها ستبيت في بيت والدها لذلك حسم أمره وقرر الذهاب إلى بيت والده هو الأخر حتى يشعر بالراحة خاصةً أنه يشعر بالتعب و الجوع معًا.
ركب دراجته ثم تحرك بها نحو بيت والده القريب من عمله دون أن يعلم أنها ستذهب للبيت تنتظر عودته.
________________________
على الطريق كان "حسن" يقود سيارته وأطفاله غافلين في الخلف بجوار بعضهما، و "هدير" تجلس بجواره تتابع الطريق من خلال النافذة، نظر له بطرف عينه ثم رفع صوته مُتشدقًا:
_جرى إيه يا حلوة الملامح ؟؟ مش سامعلك صوت يعني؟؟
انتبهت له فالتفتت له بوجهٍ مبتسمٍ وهي تقول:
_عادي يعني سرحت شوية مش أكتر، كنت بتقول حاجة؟؟
حرك رأسه نفيًا فتنهدت بعمقٍ ثم نظرت في وجهه وهي تبتسم له حتى سألها بسخريةٍ:
_ودي معاكسة ولا نظرة بريئة ولا جريئة ؟؟
ردت عليه بنبرة ضاحكة:
_سرحانة فيك على فكرة، مش لازم تفصلني، عمالة افتكر أيامنا الحلوة مع بعض.
اتسعت ابتسامته هو الأخر ثم تحدث بصوتٍ رخيم:
_طب ما تفكريني كدا أصل أنا نساي.
تنهدت بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ هائمة:
_افتكرت كل حاجة من اللحظة اللي حاولت انتحر فيها لحد النهاردة الصبح، سرحت أكتر وأنا بتخيل كان زماني عاملة إزاي من غيرك ؟؟ أكيد نهايتي كانت هتبقى صعب أوي لو ماكنتش مديت ليا إيدك، بغض النظر عن أي حاجة هيفضل جِميل عمري ما أنساه إنك كل مرة قررت تتغاضى عن حاجة فيا وتشوف الحلو اللي مقدرتش أشوفه في نفسي.
حرك رأسه نحوها ثم تحدث وهو يطالع وجهها بقوله:
_ مفيش حاجة اسمها جِميل، جايز الحكاية من الأول دا ترتيبها الصح، إنك تجيلي في وقت كنت فيه غريب عن نفسي حتى، وأنا أجيلك في وقت مش عارفة فيه تشوفي نفسك، أنا عرفت أشوف الحلو اللي فيكِ وأنتِ عرفتي تطلعيني من غُربتي وبقيتي ليا ونس، المعادلة موزونة صح، ولو فيه حد المفروض يشكر حد على وجوده يبقى أنا بصراحة اللي المفروض أشكرك.
عقدت ما بين حاجبيها وهي تسأله بتعجبٍ:
_أنا ؟؟ تشكرني على إيه هو أنا عملت حاجة؟؟.
ثبت أنظاره عليها وهو يقول بنفس النبرة الهادئة:
_آه…عملتي كتير أوي، كفاية إنك ادتيني حياة جديدة بدل البايظة اللي كانت معايا، كفاية اوي "علي" و "فاطيما" وأنهم حتة منك ومني مع بعض، واحد زيي آخر حاجة تخطر بباله أنه يعمل بيت وأسرة زي كل الناس كدا عادي، صحيح مش بهتم بكل التفاصيل وبنشغل كتير بس في النهاية مليش غيركم، وأنتِ بالذات واخدة مكان الكل عندي.
لمعت عيناها بوهجٍ يشبه وهج النجوم في السماء وهي تبتسم بسعادةٍ استطاع هو رؤيتها على وجهها، فغير وجهته حينما انعطف بسيارته مما أثار تعجبها وجعلها تسأله:
_رايح فين ؟؟ دا مش طريق البيت.
رد عليها موجزًا بقوله:
_ عارف وقبل ما تكملي عارف إن العيال نايمة.
نظرت له بعينين مُتسعتين خاصةً أنها كانت على وشك النطق بتلك الجُملة حقًا، فرفع هو رأسه بزهوٍ ثم ركز بصره على الطريق.
بعد مرور دقائق قليلة أوقف السيارة عند ذلك المكان الذي جمعهما عدة مراتٍ سويًا وهو مكانه المُفضل للجلوس بمفرده وقد انقلب الوضع بأكمله بعد ظهورها لتصبح هي شريكته في تلك الجلسة.
انتبهت "هدير" للمكان فالتفتت له تقول معاتبةً بنبرةٍ ضاحكة:
_طب بجد العيال نايمين، هنسيبهم ؟؟.
رد عليها بنبرةٍ هادئة:
_مش هنتأخر متخافيش، هنشرب حاجة ونقعد سوا تعالي بس، هقفل عليهم العربية متخافيش.
تحرك من السيارة وهي أيضًا، حتى وصلا لمكانهما المُفضل يجلسان بجوار بعضهما سامحين لتلك الذكريات المرور أمامهما فضحك "حسن" رغمًا عنه حينما وقع بصره على النافورة وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة بعدما لكزها في مرفقها:
_فاكرة النافورة ؟؟.
انتبهت حيث موضع إشارته ثم التفتت له تُقلد طريقته بقولها:
_هدير، النافورة هي اللي راقصة مش أنتِ، اظبطي يا ماما.
ارتفع صوت ضحكاته أكثر وهي أيضًا ضحكت معه، فتنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_طب الدونتس ؟؟ فكراه ؟؟
ردت عليه بسخريةٍ:
_حبيبي الله يحفظك، متربي عليه من وأنتَ عندك سنتين، في الأخر طلعت كلها قرص بالشيكولاتة عادي، أقول إيه بس.
كان هو يضحك رغمًا عنه وهو يتذكر حتى تنهدت بعمقٍ ثم لفت كفيها حول ذراعه وتنهدت بعمقٍ وهي تضع رأسها على كتفه، فأخفض عينيه يراقبها وتشدق بسخريةٍ يُقلد طريقتها:
_ طب بجد العيال نايمين، هنسيبهم ؟؟
سألته بتعجبٍ:
_عيال مين ؟؟.
ردد هو يستنكر بسخريةٍ:
_أصلًا ؟؟ أنتِ زي الفل اوعي تقلقي.
ما إن أدركت مقصده ضحكت بصوتٍ عالٍ وهي تقول:
_معلش أصلي اتحشرت في الذكريات سقطت اللي حصل بعد كدا، عديها يا أبو علي.
رفع ذراعه يضمها إليه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_نعديها علشانك أنتِ، بس أنا لو مكانهم ؟؟ هقيم عليكِ الحد
ضحكت له ثم تنفست بعمقٍ وأغمضت جفينها تتمتع بتلك اللحظة بجواره، حيث هو الوحيد الذي استطاع اخراج ما بها من مميزات ومحىٰ ما امتلكته من صفاتٍ سيئة.
______________________
عادت "خلود" لشقتها بعدما أوصلها "ياسين" وأطمئن عليها حينما لوحت لهما من شرفة الشقة، حينها توجه بأسرته لشقتهم.
دلفت بحماسٍ تقوم بتجهيز الطعام ظنًا منها أنه شارف على القدوم وقد اندمجت في ذلك وهي تستعد بمرحٍ لكي تفاجئه، حتى أنهت ما تفعله وجلست في انتظاره تنتظره بحماسٍ لم يقل بل يزداد مع مرور الوقت أكثر من السابق، وحينما شعرت بزيارة الملل لها، زفرت بقوةٍ ثم فتحت التلفاز تُلهي نفسها حتى تطأ قدماه الشقة.
وصل "عمار" شقة والده ونظرًا لوجود شقيقه و زوجته معه ضرب جرس الباب فتعجب "عامر" الذي جلس يحمل ابنته على ذراعه وبجواره زوجته فسألها بحيرةٍ:
_هو فيه حد هييجي دلوقتي ؟؟ "عمر" نام صح؟؟
اخفضت رأسها نحو صغيرها الذي غفى على قدمها ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
_آه نام من شوية، قوم افتح كدا يمكن حد من الجيران.
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك بصغيرته نحو الباب يفتحه فوجد شقيقه أمامه يقف بانهاكٍ، عقد ما بين حاجبيه وهو يسأله مُستنكرًا تواجده:
_"عمار" ؟؟ بتعمل إيه هنا ؟؟
تنهد بتعبٍ بلغ أشده وهو يقول بانهاكٍ:
_جاي أنام يا "عامر" دخلني وشوف كدا حد خالع راسه.
استمعت "سارة" لهما فوضعت الحجاب على رأسها ثم رفعت صوتها تقول:
_تعالى يا "عمار" إحنا صاحيين لسه.
أفسح له "عامر" المكان حتى يلج الشقة فيما اقترب هو من الصغيرة يقبلها ثم حملها منه وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
وحشتيني يا تيجو"
حركت الصغيرة كفيها وهي تتمسك به فسألته "سارة" بتعجبٍ هي الأخرى:
_أومال "خلود" فين يا "عمار" ؟؟ مجاتش معاك ليه.
تنهد هو بثقلٍ ثم قال:
_بايتة عند مامتها النهاردة علشان معرفتش أروح أخدها، قولت بدل ما أرَوح ، أجي هنا أنام علشان حد يصحيني بكرة، وبصراحة أنا جعان أوي أوي المحلات كلها قافلة وماكلتش.
تحدثت "سارة" بلهفةٍ:
_هسخنلك الأكل حاضر، ريح أنتَ.
شعر بالحرج منها لذلك قال بلهفةٍ:
_متتعبيش نفسك يا أم "عمر" أنا هسخن الأكل لنفسي.
ردت عليه بوجهٍ مبتسمٍ ترفع عنه الحرج:
_متقولش كدا أنتَ أخويا الصغير، عن اذنكم.
تحركت نحو الداخل فيما جلس "عمار" يهدهد الصغيرة على يده ثم مسد على ظهر "عُمر" النائم على الأريكة.
اقترب "عامر" يجلس مقابلًا له وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_هو أنتَ مزعل مراتك ؟؟ شكلك بيقول كدا.
رفع عينيه له وهو يقول بسخريةٍ:
_مكتوب على قورتي مزعل مراتي ؟؟.
رد عليه الأخر بتهكمٍ:
_لأ بس وشك مقلوب علينا، بدأتها بدري أوي يابن "فهمي".
تنهد "عمار" ثم قال بقلة حيلة:
_أنا ملحقتش يابني أعمل حاجة لقيت كل حاجة بتتعك، الشغل كان كله لغبطة حسابات و فواتير و زحمة غريبة اول مرة تحصل وأشوفها في حياتي وكل دا على حظي وأنا لوحدي، و في نفس الوقت "خلود" بتتصل ورا بعض ورا بعض، شوية تقولي هروح مع أختي وشوية اتصلت قالتلي هبات عند أمي، قفلت السكة علشان ضغطي، يمكن أكون اتعصبت عليها بس أكيد يعني مكانش قصدي، مش هنقف لبعض على الواحدة.
تنهد "عامر" ثم ربت على ركبته وهو يقول:
_قوم طيب غير هدومك كدا وخد دُش فوق نفسك لحد ما الأكل يجهز يلا وهات البت دي علشان لو مسكت فيك مش هتسيبك.
مد يده له بالصغيرة ثم دلف لداخل غرفته القديمة في بيت والده يأخذ ملابسه ثم توجه للمرحاض يتحمم لعله يُهديء من توتر عضلات جسده، وبعد مرور دقائق خرج بعدما ارتدى ثيابه وتوجه نحو غرفته يفرد سجادة الصلاة ليقوم بتأدية صلاة قيام الليل كعادته حتى لو ركعتين مع الشفع و الوتر، لكنه لم يتهاون أو يتركها منذ بداية شبابه.
جلس على سجادة الصلاة بعدما أنهى صلاته فوصله صوت طرقات الباب من قبل "سارة" التي قالت بنبرةٍ هادئة:
_"عمار" الأكل جهز يلا علشان تاكل.
خرج "عمار" من الغرفة يقول بأدبٍ:
_معلش بقى تعبتك معايا، ماكنتش اعرف إن ماما نامت.
ردت عليه بهدوء:
_شكلك مصمم بقى تعصبني وانا كفاية عليا "عمر" و "ريتاج" عن اذنك بقى.
تحركت من أمامه فأغلق هو غرفته ثم تحرك خلفها.
كانت "خلود" تنتظره وأوشكت على النوم مكانها ولاحظت أنه تخطى موعده بكثيرٍ فحاولت الاتصال به لكن النتيجة كانت واحدة وهي أن هاتفه مُغلقًا، تنهدت بضجرٍ ثم أخرجت رقم "عامر" ظنًا منها أنه ربما يكون هاتفه.
جلس "عامر" يداعب تلك الصغيرة التي استمرت في اللعب معه وهو يحملها على كتفيه مما جعل صوت ضحكاتها يرتفع عاليًا بقهقهاتٍ مُتقطعة جعلته يشعر بالسعادة حتى ضحك "عمار" عليهما فصدح صوت هاتف "عامر" في تلك اللحظة عاليًا حينها عَدل وضع الصغيرة على ذراعه ثم أخرج هاتفه يجاوب على المُتصل وعلى الرغم من تعجبه إلا أنه لم يُبدي ذلك أمامه فضغط على زر الإيجاب ورد بإيجازٍ:
_ألو، سلام عليكم.
ردت عليه هي بنبرةٍ مُحشرجة:
_وعليكم السلام معلش يا "عامر" اتصلت بيك في الوقت دا، بس عاوزة أسألك هو "عمار" كلمك ؟؟.
حرك عينيه نحو شقيقه الذي يتناول الطعام ثم سألها بهدوءٍ:
_لأ هو فيه حاجة ولا إيه ؟؟.
تنهدت بضجرٍ ثم قالت بقلة حيلة:
_أنا بقالي كتير مستنياه وهو تليفونه مقفول وأول مرة يتأخر كدا عليا، علشان كدا قولت يمكن كلمك.
تحرك "عامر" نحو شقيقه يمد يده له بالهاتف فأخذه منه "عمار" مُتعجبًا ثم وضعه على أذنه وهو يقول:
_ألو ؟؟.
انتبهت هي لصوته الذي تحفظه عن ظهر قلب لذلك سألته بنبرةٍ جامدة:
_"عمار" !! هو أنتَ فين ؟؟
رد عليها بتعجبٍ من طريقتها:
_عند أمي يا "خلود" مالك ؟؟ فيه إيه؟؟
ردت عليه بحزنٍ حينما علمت بمكانه:
_عند مامتك ؟؟ كل دا وفي الأخر طلعت عند مامتك ؟؟ يعني أنا هنا مستنياك بقالي ساعتين وفي الآخر أنتَ عند مامتك؟؟
عقد حاجبيه وهو يسألها بحيرةٍ:
_مستنياني فين أنا مش فاهم حاجة ؟؟ يا بنت الناس مش قولتيلي هتباتي عند أهلك ؟؟
سحبت نفسًا عميقًا ثم قالت وهي تحاول السيطرة على نفسها:
_أنا في الشقة يا "عمار" كنت مستنياك.
سألها بنبرةٍ جامدة:
_ومعرفتنيش ليه طيب ؟؟ زي ما عرفتيني إنك هتباتي.
ابتسمت بسخريةٍ وهي تنطق بتهكمٍ:
_بص على تليفونك كدا وشوف أنا عرفتك ولا لأ، تصبح على خير.
أغلقت الهاتف ثم دفعته على الطاولة وسحبت الوسادة العريضة تضع رأسها عليها بحزنٍ غلف نظراتها و كأن الخذلان أصابها وتحول حماسها في تفاجؤها بوجوده إلى خيبة أملٍ.
مد "عمار" يده بالهاتف لشقيقه ثم زفر مطولًا، فسأله "عامر" بتعجبٍ:
_مالكم يابني ؟؟ مش قولت إنها عند أهلها ؟؟.
تنهد بضجرٍ ثم رد عليه بتشوشٍ:
_أنا مبقيتش فاهم حاجة يا جدعان، هو فيه إيه ؟؟
تحدث "عامر" بثباتٍ:
_قوم روح لمراتك أكيد مش هتسيبها تبات لوحدها يعني؟.
انتبه له "عمار" فتحدث أخاه مؤكدًا:
_زي ما سمعت كدا، تروح لمراتك وتلم الدنيا بدري بدري، خليك فاكر إنها ست وأكيد هتحكم غلط على الأمور، يلا أنتَ هتنحلي ؟؟.
تحرك "عمار" من مكانه يأخذ هاتفه ومفاتيحه ثم تحرك بنفس ثياب التي يرتديها، وفتح الباب وغادر المكان على الفور حتى يذهب لزوجته.
لاحظت "سارة" تغيره فسألت زوجته بحيرةٍ:
_هو فيه بينهم حاجة؟؟ شكله متضايق.
زفر "عامر" بقوةٍ ثم قال بقلة حيلة:
_والله ماأنا عارف مين فيهم الغلطان ولا مين فيهم الصح، بس ربنا يهديهم أهم جوز مجانين جابوه لنفسهم حد قالهم يتجوزوا ؟؟.
رفعت "سارة" حاجبيها وهي تحرك رأسها للجهةِ الاخرى، فلاحظ "عامر" نظرتها نحوه لذلك تحدث يمازحها:
_اقصد يعني كانوا لازم ياخدونا قدوة، خصوصًا أنتِ يا عسلية.
ضحكت له ذهبت تجلس بجواره وهو يداعب ابنته على يده، حتى رفع ذراعه ثم ربت على كتفها هي الأخرى.
____________________
وصل "عمار" لشقته بعدما صارع مع نفسه والطريق حتى يذهب لها، حاول يفتح الباب بمفتاحه لكنها سبقت و وضعت مفتاحها خلف الباب حتى صَعُبَ عليه فتحه فرفع إصبعه يضغط على زر الجرس حتى استيقظت "خلود" من غفوتها تلك وانتبهت لوضعها، فاقتربت من الباب تفتحه، وهي تسأل بنبرةٍ مُحشرجة ظهر بها أثر النوم:
_مين ؟؟
رد عليها بلهفةٍ:
_أنا "عمار" يا "خلود" افتحي.
تنفست بعمقٍ ثم رفعت كفها تمسح على وجهها وفتحت له الباب وهي تطالعه بوجه جامدٍ يخلو من التعابير، فتنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_مش تعرفيني إنك هنا ؟؟ كل دا فاكر إنك عندك مامتك.
تنهدت هي بضيقٍ ثم سألته بنبرةٍ جامدة:
_خلصت ؟؟
حرك رأسه موافقًا، فأشارت له بقولها:
_طب ادخل واقفل الباب وراك.
دلف للداخل ثم وقف يغلق الباب واقترب منها يقف مقابلًا لها وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_اخرة لعب العيال دا إيه يا "خلود" ؟؟ بجد والله أخرته إيه؟
رفعت عينيها له بعدما جلست على الأريكة ثم تشدقت بضجرٍ:
_معرفش والله أخرته إيه، في الأخر طلعت أنا الغلطانة؟؟
رد عليها مؤكدًا بقوله:
_ماهو لو مش شايفة إنك غلطانة تبقى كارثة يا "خلود".
تنفست بعمقٍ وقبل أن تنطق ارتمت على الأريكة تجلس عليها حتى تهرب من تلك المناقشة بقولها:
_هتاكل يا "عمار" ؟؟
رفع حاجبيه مستنكرًا قولها المُنافي لقوله، فسألها بنبرةٍ جامدة:
_أنا بتكلم في إيه وأنتِ بتتكلمي في إيه أصلًا؟؟.
مسحت وجهها ثم قالت بثباتٍ زائفٍ:
_عرفت أني غلطانة أنا آسفة يا سيدي، حلو كدا ؟؟.
لم يرد عليها بل انصرف من أمامها حتى لا يتهور في حديثه و تزداد الأمور سوءًا فيما مددت هي جسدها على الأريكة و احتضنت الوسادة بضيقٍ بعدما تشتت كعادتها وظلت تجلس محلها بصراعٍ غريب لم يختلف عن شخصيتها المُعقدة غريبة الأنماط، شخصية اعتادت على التشتت وفي نفس الآن لا تحب الظلم، زفرت بقوةٍ ثم اعتدلت محلها ودلفت الغرفة له فوجدته ممدًا على الفراش يضع ذراعه على عينيه، تنهدت مُطولًا ثم دلفت بجواره في الفراش فمد هو ذراعه يغلق النور، بينما هي سألته بصوتٍ مُضطرب:
_"عمار" أنتَ زعلان ؟؟
زفر بقوةٍ ثم تحدث بنبرةٍ جامدة:
_نامي يا "خلود" أنا دماغي مش فيا ومش حِمل كلام.
ازداد شعورها بالذنب لذلك أولته ظهرها ثم وضعت كفيها أسفل وجنتها تُجبر جفونها على الإغلاق، فرفع هو جسده يراقبها ثم تحدث بنبرةٍ هامسة لم تسمعها:
_ماشي، صبرك عليا.
نام هو الأخر بعدما مدد جسده وكأن تلك اللحظة هي المُنتظرة منذ بداية اليوم وهي الخلود للراحة بصرف النظر عن أفعال "خلود" نفسها.
______________________
في شقة "ياسين" جلس أمام حاسوبه الخاص و "جاسمين" بجواره تراقب ما يفعله وهي تأكل من الحلويات في يدها و "يزن" يجلس بجواره يشاهد هاتفه، بينما تلك الهادئة الصغيرة جلست مقابلةً له تشاهد الكتاب الخاص بمغامرات الأميرات وهي غارقة في أدق تفاصيله وتبتسم بحماسٍ.
تحركت "جاسمين" للجهة الأخرى فصدمت "ياسين" في وجهه حتى زفر بقوةٍ وتحدث بنبرةٍ جامدة:
_يا بنتي دي سادس مرة خلاص وشي ورم، اتهدي.
تحدثت بنبرةٍ طفولية:
_خلاص آسفة، محصلش حاجة.
رمقها بسخطٍ ثم عاد لما يفعله يحاول الاندماج كما كان حتى قفز عليه "يزن" وهو يصرخ بمرحٍ قائلًا:
_كسبت !! كسبت يا بابا.
ابعده "ياسين" عنه وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_خلاص يعني كسبت كاس العالم، اقعد يالا.
جلس "يزن" من جديد بهدوء فيما رفعت "نـغم" رأسها وهي تسأل بلهفةٍ:
_بابا ألاقي فين الغابة اللي بيخطفوا منها الأميرات لقصر الملك ؟؟؟
رفع رأسه نحوها يسألها بسخريةٍ:
_نعم ياما عاوزة إيه ؟؟
سألته ببراءةٍ وكأن سؤالها في غاية الطبيعة:
_الغابة اللي بيخطفوا منها الأميرات يودوهم قصر الملك، فين؟؟ تعرف مكانها ؟؟
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بطريقةٍ ساخرة:
_آه يا حبيبتي، اركبي من هنا لمحطة رمسيس وملكيش دعوة بالباقي ربك هيسهلها من عنده.
سألته بلهفةٍ:
_المكان دا قريب الغابة نفسها يا بابا؟؟
رد عليها بسخريةٍ:
_لأ يا روح بابا، طالما وصلتي محطة رمسيس أنتِ كدا في الغابة نفسها، ساعتين و هتتخطفي.
اقتربت منه تقول بتوسلٍ:
_طب ينفع توديني يا بابا ؟؟
_اوديكي فين لامؤاخذة ؟؟
_المكان اللي بتقول عليه دا علشان خاطري.
تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
_يا ولاد المجانين بطلوا هطل، يخربيت دماغكم، انتوا هُبل يا عيال ؟؟ بجد والله يعني دا إنتاج طبيعي يعني؟؟ ولا الخلل منين أنا مش فاهم، ماهي مش قريبتي علشان تطلعوا كدا.
دلفت "خديجة" في تلك اللحظة تقول بضجرٍ:
_أنا عاوزة أعرف حيوان مين دخل المطبخ عمل فيه البلاوي دي كلها ؟؟ بهدله و كركبه وطلع عين أبويا.
رد عليها "يزن" بخبثٍ:
_شوفي مين بياكل أكيد هو اللي عمل كدا.
نظرت نحو "جاسمين" تسألها بجمودٍ:
_أنتِ يابت ؟؟.
ردت عليه ببراءةٍ تفسر موقفها:
_بصي أنا جيبت كرسي وقفت عليه اجيب الشيبسي من المطبخ، وقع مني بقى كيس معرفش بتاع إيه معرفتش اشيله علشان بهدل الدنيا اكتر، سيبته وخدت الشيبسي وخرجت.
ردت عليها "خديجة" بتهكمٍ:
_وحياة أمك كدا بكل بساطة ؟؟ طب مقولتيش ليه؟؟
ردت بنفس البراءة تستجوبها بقولها:
_يعني أقولك علشان تزعقيلي و تتزر…تتنفر…يلهوي قول معايا كدا اسمها إيه يا بابا ؟؟
ضرب وجهه بيأسٍ ثم قال بقلة حيلة:
_تتنرفزي، اسمها تتزرف….يخربيتك عوجتي لساني.
تحدث بضجرٍ منها بينما هي نطقت بحماسٍ:
_أيوا صح هي دي برافو عليك شاطر، اللي بابا قالها دي أنتِ هتعمليها.
ردت "خديجة" عليها بسخريةٍ:
_يا سلام ؟؟ ومين قالك إني مش هتنرفز برضه عليكي دلوقتي ؟؟ دا أنا عاوزة ابلعك من مكانك.
تحدث "ياسين" بضجرٍ منهم:
_أنا بقول تروحوا تناموا علشان كدا كتير، يلا ورا بعض على أوضكم يلا، انصراف يا حبايبي.
تحرك الصغار خلف بعضهم بعدما ودعوهم بينما "خديجة" تنفست بعمقٍ ثم قالت بقلة حيلة:
_العيال دي مخها لاسع باين كدا، أو أكيد.
تحدث بسخريةٍ:
_أو مخهم مرجوج زي دماغ أمهم.
رمقته بسخطٍ وهي تسخر منه، بينما هو تجاهلها ثم عاد لما يفعله، فاقتربت منه تجلس بجواره تسأله باهتمامٍ:
_أنتَ بتعمل إيه ؟؟ مش المفروض إنك إجازة ؟؟
رد عليها مفسرًا وهو يشير لما يفعله:
_دا تصميم جديد شغال عليه علشان اسلمه ضمن خطة المشروعات الجديدة في الشركة.
سألته بلهفةٍ:
_يعني التصميم دا هما هينفذوه ؟؟
حرك رأسه موافقًا فتحدثت بلهفةٍ:
_أنا عندي ليك فكرة مشروع إنما إيه؟؟
قاطع حديثها قبل أن تسترسله بقوله ساخرًا:
_لأ متقوليش، المرة دي عاوزة بيت على شكل مكواة ؟؟ بحيث تنامي فيه في الشتا كل ما تكشي في نفسك يديكي ضربة بخار تتفردي علطول؟؟.
شهقت بحماسٍ وهي تقول:
_الله ؟؟ تصدق الفكرة دي حلوة ؟! جرب كدا تعملها ؟؟
رفع عينيه نحوها ثم حرك رأسه بيأسٍ منها، فسألته هي بضجرٍ:
_ياعم اتكلم معايا لاغيني كدا، الله مش جايلي نوم.
أغلق الحاسوب ثم انتبه لها فابتسمت بانتصارٍ وهي تقول بحماسٍ:
_شاطر يا مهلبية، جدع برافو عليك.
رفع ذراعه يقربه منه وهو يضحك عليها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_أنتِ تقريبًا العيال ضربت فيوزات مُخك خالص يعيني.
ابتعدت عنه تقول بطريقةٍ غريبة عليها كُليًا:
_والله ما حد مجنني غيرك أنتَ يا عسل.
تبدلت تعابيره وهو يقول بسخريةٍ:
_لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ودا من إيه دا ؟؟
ضحكت على طريقته فضحك هو الأخر ثم ضمها بذراعيه وهو يقول بقلة حيلة:
_اقطع دراعي إن ما كانوا العيال دول هطلوكي بجد.
ضحكت له ثم قالت بقلة حيلة:
_الحمد لله على وجودهم وجودك، بالدنيا كلها.
ربت على ظهرها وهو يبتسم لها وكأنه يؤكد صدق حديثها.
_______________________
في اليوم التالي نزل "عمار" من بيته صباحًا دون أن يوقظها من النوم ثم توجه لعمله، فيما استيقظت هي على عكس عادتها متأخرةً ثم بحثت عنه فوجدت الشقة فارغةً منه، زفرت بضجرٍ ثم قامت لتبدأ روتين يومها كعادتها في شقتها لعل ذلك يُغير من مشاعرها المُضطربة.
_________________________
في شقة "إيمان" جلست على الطاولة بجوار "ريهام" و كلتاهما تقوم باعداد الطعام، و بجوراهما "زينة" و "يُسر" كلٍ منهما تعاون بقدر استطاعتها.
وقف "يونس" بجوار "زين" يؤديان فرضهما فتابعتهما "إيمان" بوجهٍ مبتسمٍ ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
_بسم الله ما شاء الله ربنا يحفظهم، يا رب يفضلوا كدا.
تحدثت "ريهام" بنبرة هادئة:
_رغم أني حاطة أيدي على قلبي من السوسة ابني دا، بس ربنا يهديهم.
أنهيا صلاتهما، ثم اقترب منهن "يونس" يقول بسخريةٍ:
_سيرتي كانت بتتجاب ليه ؟؟ خير إن شاء الله ؟؟
ردت عليه عمته بتهكمٍ:
_أبدًا يا شيخ يونس، هو احنا نقدر ؟؟
رفع حاجبيه ببلاهةٍ فيما تحدثت "زينة" بلهفةٍ:
_ماما ما تتصلي كدا بطنط "خديجة" خليها تجيب "نغم" و "جاسمين" يقعدوا معانا شوية.
تحدث "زين" بلهفةٍ هو الأخر:
_و خليها تجيب "يزن" أنا بحبه أوي.
تحدثت "إيمان" بنبرةٍ هادئة:
_بقولكم إيه أنا مش هتصل بحد دلوقتي، أخلص الغدا واتصل بيهم كلهم علشان نعرف نقعد سوا، وهاتوا البت "خلود" معاكم بدل ما تقعد لوحدها، تمام كدا ؟؟
تحدث "يونس" بنبرةٍ هادئة:
_تمام كدا، خلاص هنسنتى لحد ما تخلصي وننزل نجيبهم كلهم يا عمتو، تؤمري بحاجة تاني ؟؟
ردت عليه والدته بسخريةٍ:
_اللي ماسك الشيفت دلوقتي المحترم، استني كمان شوية لو اشتغل ماتش كورة هتشوفي أحقر نسخة من ابني على الاطلاق، نسخة نفسي اوأدها مكانها كدا.
ارتفعت الضحكات عليه فيما قال هو بلباقةٍ:
_على فكرة بقى، بابا قالي الشطارة إنك تكون عارف كل حاجة و فيك كل الانواع بس تعرف امتى تدي كل نوع حقه، دا مش كلامي والله، اسألي بابا هيقولك كدا.
تحدثت "زينة" بنبرةٍ ضاحكة:
_اومال أنا نسخة واحدة ورخمة ليه ؟؟ مبعرفش أنوع.
ردت عليها "ريهام" بسخريةٍ:
_أسألي أمك وهي تقولك.
رفعت "إيمان" حاحبيها بشرٍ فابتسمت لها الأخرى باستفزازٍ حتى صدح صوت جرس الباب ودلف بعدها "خالد" و "ياسر" مع بعضهما، فتحدث الأول بضجرٍ:
_الأكل فين ؟؟ أنا جعان ؟؟
نظرت الفتيات لبعضهما، فتحدث "ياسر" بنبرةٍ ضاحكة:
_لأ طالما مراتي المسئولة عن الأكل يبقى لسه بدري، المهم اتصل قول لـ و "ياسين" و "عامر" ميتأخروش، "عمار" قال عنده شغل و هيتأخر مش هيعرف ييجي.
______________________
مع حلول الليل جلست "خلود" في شرفة شقتها بعدما انهت تنظيف الشقة و تجهيز الطعام، ثم جلست تنتظره في الشُرفة خاصةً أن هذا هو موعده الطبيعي لعودته من العمل، تنهدت ثم رفعت رأسها للسماء تأمل في محاولةٍ جديدة تُمكنها من فهم الأمور بعدما قررت التخلي عن معاندتها.
على الجهة الأخرى خرج "عمار" من عمله حتى يذهب لبيته مُقررًا اصلاح الأمور بينهما وشرح وجهة نظره فيما فعلته هي وكيف تصرف هو بناءًا على ما قررته هي، ركب دراجته ثم أخرج هاتفه يحاول التواصل معها خاصةً أنه لم يهاتفها طوال اليوم وكذلك هي الأخرى لم تكرر ما سبق وفعلته حتى لا يتكرر ما سبق وفعلته.
جلست "خلود" في الشرفة تتابع السماء الصافية بشرودٍ ثم أرجعت جسدها للخلف على المقعد تتثاءب لكنها حاولت قدر الإمكان الابقاء لحين موعد قدومه.
مرت ساعتان كاملتان على موعد عودته وخروجه من الصيدلية ولم يصل حتى الآن، أصابها الإحباط و الملل وظنت أنه تعمد ذلك حتى لا يتقابلان سويًا، أو تسبقه وتنام هي، فصدح صوت هاتفها برقمه.
نظرت للهاتف بلهفةٍ وما إن أبصرت رقمه حضر كبرياؤها لذلك تركت الهاتف يصدح حتى انتهت المكالمة، تكررت للمرةِ الثانية فزفرت بعمقٍ وضغطت على زر الإيجاب تقول باقتضابٍ:
_نعم…..ألو ؟؟
توقعت أن يرد عليها هو لكنها تفاجئت بصوتٍ أخر ينطق بأسفٍ:
_مساء الخير يا فندم، صاحب الرقم دا عمل حادثة على الطريق بالموتوسيكل وهو حاليًا في مُستشفىٰ *******
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم شمس بكري
_لطالما كنت "سُكر" بمفردي هل تقبل أن تكون "لوز" الخاص بي ؟؟
_أنا يا "سُكر" العُمر أشيلك العمر كله بين جفوني.
__________________
_مساء الخير يا فندم، صاحب الرقم دا عمل حادثة على الطريق بالموتوسيكل وهو حاليًا في مُستشفىٰ*******
لم تكن مجرد كلماتٍ عادية يتفوه بها أحدهم بل هي كما الصفعة لطمت وجهها وأخر ما علق بذهنها كلمة المشفىٰ لينقطع خط الاتصال بعدها فصرخت بنبرةٍ عالية:
_ألـــو !! ألــــو !!.
لم تستطع التواصل معه بعدما وصلها صوت انقطاع الخط، فنزلت دموعها وتعالت دقات قلبها بخوفٍ قطع انفاسها، لم تجد بُدًا من جلوسها فركضت تسحب أول ما طالته يدها من ملابسها ترتديها بحالةٍ تعهدها للمرةِ الأولىٰ في حياتها، توقف عقلها عن العمل وهي تركض في أنحاءٍ مختلفة غير متهادية، حتى أنهت ارتداء ملابسها أخيرًا ثم خطفت كل ما طالته يداها وركضت ودموعها تتسابق على وجهها وكل ما يتردد بذهنها فقط:
_"صاحب الرقم دا عمل حادثة"
تلك الجُملة التي ألجمت عقلها وجعلتها أسيرةً في عالمٍ أخر، ركضت من البناية وقد توقف عقلها عن الاستغاثة بأيٍ من الشباب أو حتى أفراد عائلتها وكأن كل ما تعرفهم فقط يتلخصون بوجوده هو "عمار".
خرجت من شارعها حتى وصلت للطريق العام فأوقفت أول سيارة أجرة قابلتها وهي تقول بنبرةٍ باكية كما أن خطواتها كانت أشبه بالركض:
_لو سمحت مستشفى *******.
لاحظ الرجل حالتها فوافق على الفور لذلك ركبت هي بلهفةٍ وحدثته بتوسلٍ باكيةً:
_لو سمحت…..بسرعة أبوس إيدك….بسرعة.
حرك الرجل رأسه موافقًا بينما هي أخرجت هاتفها تحاول التواصل مع رقمه وكأنها أصيبت بالعمى عن كل الأرقام عدا رقمه هو، حاولت الكثير والكثير حتى صرخت ببكاءٍ:
_رد بقى، رد قولي هو في إيه.
تحدث السائق يُشدد من أزرها بقوله:
_وحدي الله يا بنتي، إن شاء الله خير بإذن الله متخافيش.
انتبهت له فرفعت عينيها الباكيتين تقول بتضرعٍ:
_يا رب…..يارب طمني عليه ومش عاوزة حاجة تانية.
بعد مرور بعض الوقت مر كما الدهر بسالفه عليها حتى أوقف السائق السيارة أمام باب المشفىٰ الميدانية على الطريق، فأخرجت الورقة المالية تعطيها له دون أن تُكبد لنفسها عناء أخذ الباقي منه بل ركضت للداخل حتى أوقفها فرد الأمن يسألها بنبرةٍ جامدة:
_رايحة فين حضرتك ؟؟ داخلة إزاي كدا ؟؟
ردت عليه بلهفةٍ أخرجت حروفها متقطعة ناهيك عن البكاء الذي لازال مُستمرًا:
_جوزي، هو جوة….حد قالي إنه عمل حادثة بس مش عارفة أروح فين، أنا عاوزة أشوفه هو لوحده…. أروح فين؟؟
لهفتها ونبرتها المتقطعة في التحدث وعينيها المنتفختين من كثرة البكاء جعلته يطالعها بشفقةٍ وهو يقول:
_بس دا أكيد في قسم الطوارئ مش هنا.
حركت كتفيها وهي تردد ببكاءٍ:
_معرفوش…. أروح ازاي ؟؟
تحدث رفيقه حينما وجد الظلام يغطي الطريق وبالطبع قد يتسبب في خوفها:
_روح وصلها هناك الدنيا ضلمة ومش هتعرف توصل.
حرك رأسه موافقًا ثم أشار لها وقبل أن ينطق كانت هي تركض حيث إشارته بغير هوادة أو حتى تفكير والاخر يلحق بها حتى سبقها بخطواتٍ واسعة لتسير على خطاه، لأول مرة تختبر ذلك الشعور المقيت وهي على وشك فقد أعز ما أهدتها الأيام، ظل حديثه يتردد بعقلها وضحكته وكل شيءٍ جمعهما سويًا وأخر جملة ترددت على سمعها وكأنه يُلقيها أمامها من جديد:
_أنا يا سُـكر العمر أشيلك العـمر كله بين جفوني.
ازداد البكاء لتغطي تلك السحابة عينيها حتى سقطت على قدميها وكفيها معًا فالتفت لها عامل الأمن يسألها بشفقةٍ:
_بالراحة على نفسك وإن شاء الله نلحقه، متقلقيش، أنتِ كويسة؟؟ قومي معايا.
عاونها في الوقوف بحذرٍ فمسحت هي وجهها ثم سارت من جديد بنفس الخطوات الواسعة حتى أشار لها على باب القسم فتحركت نحو الداخل وكأنها تسير في متاهات، وصلت أمام مكتب الاستقبال تسأل الفتاة بنبرةٍ باكية:
_لو سمحتي جوزي حد كلمني وقالي عامل حادثة، هو فين؟؟ اروحله فين ؟؟
سألته الفتاةِ بثباتٍ اعتادت عليه من تلك الأحداث:
_جاي في حادثة إيه؟؟
ردت بلهفةٍ وهي تدلي بما زاد من خوفها:
_حادثة موتوسيكل.
ردت عليها بحيرةٍ:
_باينك دا لسه مخرجش الدكتور خده ودخل بيه العمليات.
وقفت مذعورة بعينين مُتسعتين تنهمر منهما الدموع بغير هوادة وكأنهما في سباق العِدو، ارتمت على المقعد الخلفي تبكي وقد لاحظت كفيها الذي غزاهما الاحمرار بعدما سقطت عليهما كما توسط كليهما إصابةٌ جعلتها غير قادرة على الضغط عليهما فلم تتمالك نفسها أكثر من ذلك فوجدت إمرأةً تقترب من طاولة الاستقبال تهتف بتبرمٍ:
_ياختي الدكتور ماله النهاردة، فضل يتعصب علينا لحد ما خرج من العمليات.
انتبهت لها "خلود" لذلك ركضت نحوها تسألها بلهفةٍ:
_هو الدكتور خرج من العمليات ؟؟ عمار.. عمار اللي كان في العمليات دا جوزي، هو كويس ؟؟
سألته المرأة بعفويةٍ:
_واحد شكله نضيف كدا وابن ناس وأمور ؟؟
حركت رأسها موافقةً وهي تبكي، فقالت الأخرى:
_آه يا حبيبتي خرج الحمد لله بس لوحده يعيني، هتلاقيه في أوضة خمسة، لسه منقول هناك.
ركضت بدون تعقل أو تمهل وكأن الروح عادت لها من جديد بعدما فارقتها في معركةٍ اوشكت فيها على لفظ أنفاسها الأخيرة، ركضت تبحث بعينيها عن رقم الغرف حتى وجدت مبتغاها كمن وجد الماء وسط الصحراء، ركضت للغرفة فوجدت بها فراشين أحدهما فارغًا والأخر يتوسطه "عمار".
اقتربت منه بخوفٍ فوجدته وجهه تُغطيه الكدمات وكفه الأيمن غلفه الشاش الطبي، والأيسر بعض الأصابع منه بدت عليها الجروح وبدا كفه متورمًا وقدمه موضوعة بالجبس و هناك لاصق طبي يستقر أعلى جبينه وجرحٌ كبير في كف قدمه.
ازدادت دموعها في الحال وركضت نحو الفراش تجلس على ركبتيها ملاصقةً للفراش ثم رفعت كفها تمسح على خصلاته السوادء وهي تقول بنبرةٍ باكية:
_عمار…قوم رد عليا، قوم طيب قول إنك كويس ونام تاني، سمعني صوتك وخلاص….. طب….طب قوم زعقلي طيب علشان أي حاجة، طب قوم قولي إنك مش زعلان مني وأني مش السبب في إنك…إنك تتعب كدا، قوم رد عليا علشان خاطري.
ازداد بكاؤها أكثر وهي تتوسله بالاستجابة لحديثها لكن لا حياةٍ لمن تنادي، ارتفع صوت نحيبها ونهيج صدرها وهي تضع رأسها بجوار رأسه وقد تفاخم شعور الذنب لديها بسبب رؤيته في تلك الحالة، فتذكرت حديثه معها لذلك رفعت رأسها تحدثه بلهفةٍ باكية:
_طب مش أنتَ قولتلي قبل كدا إنك هتفضل علطول، قوم علشان خاطري رد عليا، سمعني صوتك بس، بلاش تمشي علشان أنا بخاف من غيرك، وماليش غيرك، قــوم بقى.
توسلته بنبرةٍ عالية ثم وضعت كفها على رأسه ودموعها تنهمر كما هي ثم تذكرت أمر العائلة حينها أخرجت رقم "وليد" تحاول التواصل معها فوجدت هاتفه مُغلقًا، زفرت بيأسٍ ثم أخرجت رقم "أحمد" الذي جاوب في منتصف المكالمة لتقول هي بلهفةٍ باكية:
_"أحمد" تعالى ليا علشان خاطري.
انتبه لها الأخر فسألها بلهفةٍ اقتبسها منها:
_مالك يا "خلود" ؟؟ أنتِ فين وبتعيطي ليه ؟؟
ردت عليه بنبرةٍ باكية:
_"عمار" عمل حادثة وتعبان أوي، أنا لوحدي هنا.
انتفض من جلوسه يسألها بنبرةٍ عالية:
_مستشفى إيه طيب ؟؟
جاوبته باسم تلك المشفى ثم قالت بنفس البكاء:
_"وليد" مش بيرد عليا موبايله مقفول، هاته وتعالى أنا خايفة أوي ومش عارفة….مش عارفة اتصرف.
طمئنها بقوله:
_اهدي متخافيش، كلها دقايق وهنكون عندك، اوعي بس تتحركي من مكانك وخلي موبايلك مفتوح علطول، فاهمة؟؟
أغلق معها بينما هي مسحت وجهها ودموعها ثم ثبتت أنظارها عليه وهو ينام طريح الفراش تشعر وكأن تلك الكدمات في جسدها هي وكأنهما يتشاطران الوجع سويًا.
___________________
استمع "وليد" لهمس "أحمد" حتى لا تنقلب الأمور بالبيت، فرد عليه بلهفةٍ يستفسر منه عن حال أخته:
_طب وهي عاملة إيه ؟! كانت معاه ولا لأ؟؟
رد عليه بنبرةٍ منخفضة:
_ تعالى معايا بس وكلم الشباب كدا عرف "عامر"
حرك رأسه موافقًا ثم تحرك معه يسحبان نفسهما من المكان كعادتهما وكأنه أمرٌ في غاية الطبيعة.
كان "عامر" في الشارع يقوم بشراء عدة طلبات للبيت، فصدح صوت هاتفه برقم "وليد" فأخرج الهاتف ليرد عليه بمرحٍ:
_أيوا يا غالي، بتكلمني مصيبة ولا عادي؟؟
رد عليه الأخر بتوترٍ:
_"عامر" تعالى علشان عاوزك معانا في مشوار مهم، هقابلك أنا و"أحمد" بس حاول متتأخرش، ماشي ؟؟
لاحظ "عامر" طريقته المقتضبة في الحديث فسأله بريبةٍ:
_فيه حاجة ولا إيه، أنتم كويسين ؟
جاوبه "وليد" بنبرةٍ فاترة:
_آه متشغيلش بالك قابلنا على الطريق عند الميدان كدا تمام.
أغلق "عامر" معه ثم عاد من جديد تجاه الطريق على قدمه بدون سيارته لينتظر تلك المقابلة الغريبة الغير متوقعة.
تقريبًا بعد مرور نصف ساعة تقابل معهما "عامر" فسألهما بتعجبٍ:
_إيه يا عم منك ليه، يكونش الموضوع علشان عيد ميلاد "ياسين" وعاوزين تظبطوه ؟؟.
تحدث "وليد" بنبرةٍ ثابتة يحاول بها اخباره:
_بص "عمار" اخوك عمل حادثة بالموتوسيكل وهو في المستشفى و"خلود" معاه.
اتسعت مقلتاه فور الاستماع لاسم شقيقه، فتحدث "أحمد" بلهفةٍ:
_بس "خلود" معاه وهو خرج من العمليات، متخافش.
التفت له "عامر" يقول بنبرةٍ مُتعجلة أعربت عن خوفه واضطراب صوته:
_خدني عنده بسرعة لسه هتقف، أخويا عمل حادثة وأنا واقف هنا لسه، ودـينــي بـسـرعــة.
صرخ فيهما ثم فتح باب السيارة يركبها وقلبه ضرباته تتصارع مغ طبعا بعضها والدموع على الفور اجتمعت في عينيه لم يصدق مايصير حوله إلى أن يبصره هو بنفسه، ضرب نافذة السيارة ورفع صوته يقول بنبرةٍ جامدة:
_دوس شــويـــة يـــا "ولـــيـد".
ضغط "وليد" على سرعة السيارة يرفعها ليشق الطريق وسط التكدس المروري بينما "أحمد" أخرج هاتفه يتحدث مع "ياسين" حتى يكون معهم.
__________________
بدأ "عمار" في تفريق جفنيه عن بعضهما وتحرك بؤبؤاه بغير هُدى من أسفل جفنيه وكأن تلك الحركة البسيطة تؤلم جسده بالكامل، فتشوشت الرؤية وهو يهتف بنبرةٍ مُحشرجة:
_خلـ…ود…خلود.
انتبهت لصوته فرفعت رأسها على الفور بعينيها الدامعتين فكرر هو النداء لها بنفس الصوت لتقول بلهفةٍ بعدما هبت منتفضة:
_نعم….نعم أنا هنا معاك أهو.
حرك رأسه نحوها يطالعها بتشوشٍ فوجدها تنهار باكيةً أمامه فسألها بصوتٍ جافٍ أجش:
_بتعيطي ليه ؟؟ أنا أهو كويس.
اقتربت منه تمسك يده ثم قبلت كفه فيما حاول هو رفع جسده حتى نجح فى ذلك رغم الأنين المتأوه الذي أخرجه، فسألته بصوتٍ مختنقٍ من البكاء:
_بجد أنتَ كويس، طب….طب حاسس بإيه؟؟
فتح ذراعه له فاقتربت منه تبكي بصوتٍ عالٍ بين ذراعه وجذعه بينما هو على الرغم من الألم الساري بجسده إلا أنه حرك ذراعه يربت عليها وهو يقول بنبرةٍ رخيمة:
_أنتِ بتعيطي كدا ليه؟؟ أنا الحمد لله زي الفل قصادك.
تمسكت به أكثر وقد علا صوت شهقاتها فاستمر هو يربت على ظهرها وكأنها هي المُصابة وليس هو، فيما سألها هو بنبرةٍ هادئة:
_اهدي…أهدي خلاص أنا كويس، ولا أنتِ استحلتيها علشان حضني بقى ؟؟.
ابتعدت عنه تقول بنبرةٍ باكية:
_كنت هموت علشانك والله…أنا معرفش جيت هنا ازاي ولا حصل إيه لحد ما شوفتك قصادي، بس أنا….أنا بحبك اوي وخوفت يجرالك حاجة ساعتها أنا هيجرالي حاجة وراك، أنا آسفة لو زعلتك أو اللي حصل كان بسبـ….
قطع استرسال حديثها حينما قال بنبرةٍ هادئة:
_اللي حصل دا نصيب ومكتوب الحمد لله عليه، درس علشان نتعلم منه إن الدنيا دي ملهاش لازمة وإن حرام تضيع منها ساعة في الخصام، ملكيش ذنب وبلاش تشيلي نفسك الذنب في حاجة ملكيش دخل بيها، وحقك عليا ياستي أنا اللي مزعلك.
اقتربت منه تعانقه وهي تردد بلهفةٍ:
_الحمد لله يا رب، الحمد لله، ربنا يخليك ليا.
ربت على ظهرها مُبتسمًا ثم قال:
_ويخليكي ليا يا "سُكر"، متخافيش أنا معاكي.
ابتعدت عنه تبتسم له فأمسك هو كفها بيده الملفوفة فتفاجأ بتلك الإصابة التي توسطته وتورم كفها، فسألها بتعجبٍ:
_إيه دا ؟؟ كفك ماله ؟؟
سحبته منه وقالت بتوترٍ:
_كنت بجري علشان….علشان أعرف ادخل لقيت نفسي وقعت مرة واحدة، بس عادي متقلقش.
تابعها بعينيه ثم قربها منه من جديد يمسح على ظهرها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_الحمد لله إنك بخير، حقك عليا في كل دا، بس أنا علشان حاطط رقمك في الطوارئ على الموبايل اتصلوا بيكي أنتِ، أكيد ماكنتش عاوزك تتخضي كدا.
تنفست بعمقٍ ثم رفعت كفها تمسح على شعره وهي تقول بامتنانٍ:
_ بس الحمد لله إنك قصادي وكويس، مش مهم كل حاجة بس أنتَ أخرجلي من هنا بالسلامة وأنا مش هسيبك غير لما ترجع أحسن من الأول.
في تلك اللحظة وصلهما صوت "عامر" الملهوف فابتعدت على الفور عنه وتحركت من جواره بينما "عامر" ركض نحو يحتضنه وحرر أنفاسه المأسورة بين خلجات صدره وردد حينما احتضنه:
_ألف حمد وشكر ليك يا رب، الحمد لله إنك بخير يا حبيبي.
ركضت هي نحو "أحمد" فضمها إليه يربت عليها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_الحمد لله أنه بخير، الحمد لله إن كل حاجة عدت، أنا معاكي هنا متخافيش و "وليد" كمان برة وداخل، متخافيش.
تمسكت بشقيقها تحتمي به فيما تعلقت أنظار "عمار" وهي ترتجف بين ذراعي "أحمد" الذي استمر يربت على ظهرها.
دلف "وليد" لهم الغرفة يطمئن عليه وقد اقترب منه يسأله بلهفةٍ وخوفٍ:
_طمني عليك أنتَ كويس ؟؟
رد عليه "عمار" بنبرةٍ هادئة:
_متقلقش الحمد لله شوية حاجات في الصاج تترد على البارد كدا، جت سليمة، بس انتوا عرفتوا منين ؟؟
رد عليه "أحمد" بعدما تحرك نحوه:
_"خلود" لما وصلت هنا كلمتني.
تحدث "عامر" بنبرةٍ جامدة:
_يعني هي كانت هنا لما اتصلت بيكم وأنا معرفش ؟؟ طب مهانش عليكي تقوليلي ؟؟ دا أخويا على فكرة.
انتبهت له فَبُهِتَ وجهها وازدردت لُعابها فأضاف "عامر":
_كنتي هتعرفيني إمتى يعني ؟؟.
تدخل "وليد" يهدئه بقوله:
_خلاص يا "عامر" محصلش حاجة لكل دا، احنا وأنتَ واحد يعني، بعدين هي عقلها مكانش فيها من الخضة.
زفر "عامر" بضيقٍ ثم سأل شقيقه:
_طمني عليك أنتَ كويس ؟؟ تحب نروح المستشفى اللي "ياسر" فيها أحسن من دي ؟؟ إيه اللي يريحك ؟؟
رد عليه "عمار" بنبرةٍ هادئة:
_أنا اللي يريحني أنكم ترتاحوا انتوا ومحدش ليه دعوة بحاجة، وهاتولي مراتي تقعد جنبي، وحد يجيبلها حاجة تشربها علشان وشها الأصفر دا.
لاحظ "عامر" حديثه فرفع حاجبيه مُتعجبًا ثم أشار لها أن تقترب وهو يقول:
_اتفضلي اقعدي هنا، تعالي.
اقتربت منه بتوترٍ تشعر بالخجل والذنب معًا، جلست على المقعد بينما "عامر" ترك الغرفة بأكملها وخرج منها، فتحدث "وليد" بلامبالاةٍ:
_هعتبره مصدوم علشان محجزلوش أوضة جنب أخوه.
ضحك "عمار" له ثم حرك رأسه نحوها فوجدها تخفض رأسها للأسفل وكأنها تخشى التقاء نظراتهما فيما عاد "عامر" من جديد في يده حقيبة بلاستيكية ثم اقترب من "خلود" يمد يده لها وهو يقول:
_امسكي يا "خلود" اشربي العصير علشان عمالة تترعشي وخلي بالك من نفسك، علشان تعرفي تخدمي أخويا ولا اجوزه تاني بقى ؟؟
ابتسمت رغمًا عنها، فابتسم لها هو الأخر ثم مد يده لها بالحقيبة وأشار لـ"أحمد" بقوله:
_تعالى اتصرف معاها علشان هي بتهاودني، وأنا هشوف أخويا.
تحرك نحوها "أحمد" يجلس على ركبتيه ثم أخرج منديلًا ورقيًا يمسح به وجهها وهي تبتسم له مثل الطفلة الصغيرة، فمد يده لها بزجاجة العصير وهو يقول بصوتٍ رخيم:
_اشربي، يلا علشان "عمار" يشرب هو كمان.
حركت رأسها موافقةً بينما "وليد" انتظر لمدة دقائق فوجد الشباب يدخلون مع بعضهم بلهفةٍ حتى امتلئت الغرفة بهم، فاقترب "ياسين" يسأله بقلقٍ بالغٍ:
_اخبارك إيه دلوقتي؟؟ أنتَ كويس؟؟
طمئنهم بقوله وهو يبتسم لهم، فتحدث "خالد" مستفسرًا:
_إيه اللي حصل ؟؟ حد تاني جراله حاجة ؟؟
رد عليه بحيرةٍ:
_مش عارف والله يا "خالد" كل حاجة جت فجأة كدا لقيت نفسي باكل مطب وبطير من فوق الموتوسيكل اترمي على الطريق خدته كله دحرجة.
اقترب منه "ياسر" يتفحصه وكذلك جروحه ثم زفر بارتياحٍ وعقب بقوله:
_الحمد لله إنك بخير، دي كدمات وحاجات بسيطة عاوزة راحة وعلاج وكل حاجة هتكون بخير إن شاء الله، تحب تروح ولا تفضل هنا ؟؟
رد "عمار" بضجرٍ من المكان:
_وجودي هنا ملوش لازمة روحوني أحسن أو أروح عند أمي، كدا كدا كل حاجة عملوها خلاص.
انتبهت له "خلود" وعقدت مابين حاجبيها باستفهامٍ جليٍ لما يريد الذهاب عند والدته، بينما هو لاحظ نظرتها نحوه فتنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ ثابتة:
_حد فيكم يطلع يخلص الحاجة كدا وأنا همشي بس وصلوني على بيتي خلاص، ماشي، وبرة علشان الأوضة زحمة ومحدش ييجي يطردكم.
تحركوا الشباب خلف بعضهم تباعًا ليبقى هو معها بمفرده فقال بثباتٍ:
_خرجتهم علشانك أهو، مالك ؟؟
اقتربت منه بلهفةٍ وهي تقول:
_هو أنتَ زعلان مني علشان كدا عاوز تروح عند مامتك؟؟ مش عاوز تروح البيت معايا ؟؟
عقد مابين حاجبيه يسألها بتعجبٍ:
_ليه بتقولي كدا، أنا مش زعلان خلاص واللي حصل أنا نسيته من الأساس.
سألته بقلقٍ:
_طب مش عاوز تيجي معايا ليه ؟؟
رد عليها مُفسرًا:
_علشان أكيد محتاج حد يساعدني كتير في الفترة الجاية، هتقدري أنتِ يعني؟؟ أكيد حمل عليكي، لكن هناك بابا و وماما و "عامر" مش هيسيبني، مش عاوز اتعبك.
ردت عليه بسرعةٍ كبرى:
_مش هتعب والله، بالعكس أنا هرتاح وأنتَ قصادي وأنا أهتم بيك بنفسي، خلينا في بيتنا أحسن بلاش نتعب حد، مامتك أكيد هتتعب لما تشوفك كدا، أنا والله مستحيل أقصر معاك، لو قصرت امشي وروح عندهم ماشي ؟؟
حرك رأسه موافقًا باستسلامٍ فتنهدت هي بعمقٍ ثم ربت على كفه المُصاب وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
_ألف سلامة عليك يا حبيبي.
رفع حاجبيه مستنكرًا وهتف بعبثٍ:
_بداية مُشرقة بكل خير، لأ فعلًا لازم نكون في بيتنا.
ضحكت بخجلٍ على سخريته فيما رفع ذراعه يقربها منه حتى وضعت رأسها على صدره تتنفس الصعداء وهو يربت على كتفها.
____________________
وقفت "خديجة" أمام الفتيات تهاتف "ياسين" وهي تقول بقلقٍ بعدما نزل الشباب من أمامهم بخوفٍ:
_يعني هو كويس طيب دلوقتي؟؟
جاوبها بنبرةٍ دافئة يحاول طمئنتها:
_كويس والله متخافيش، و "خلود" كويسة أوي "احمد" و و"وليد" معاها وأنا والله، طمني اللي عندك وشوية ويرجع بيته تاني، وبابا هيجيب عمو وطنط وييجوا.
تنهدت بعمقٍ ثم رددت:
_الحمد لله يا رب، الحمد لله الله يطمن قلبك علطول.
أغلق معها الهاتف بينما هي التفتت للفتيات خلفها تطمئنهن بقولها:
_الحمد لله هو كويس وشوية وهيرجعوا بيه شقته هنا.
اقتربت "جاسمين" تقول بخوفٍ:
_يعني "عمار" كويس يا ماما ؟؟
حركت رأسها موافقةً فجلست "جاسمين" مرةً أخرى بحزنٍ حينما رفض والدها أن تذهب معه وكذلك البقية، فتحدثت "إيمان" تحاول توصيل الأمور لهم:
_مكانش ينفع حد منكم يروح، دي مستشفى يعني كلها ناس كبيرة تعبانة وهما مخضوضين، يعني صعب إن حد منكم يروح، لما ييجي هنا ابقوا روحوا اقعدوا معاه براحتكم بس هو يرجع بالسلامة إن شاء الله.
رد عليها "يونس" بقلة حيلة:
_يا عمتو "عمار" صاحبنا كلنا، علشان كدا زعلانين علشانه، و "عمر" عيط علشان كان عاوز يروح، فيها إيه يعني لو كان خدني أنا و "زين" و "عمر".
ردت "ريهام" بدلًا عن الأخرى بقولها:
_يا حبيبي مش هينفع، عرفنا انكم كبرتوا وبقيتوا رجالة ملو هدومكم بس الظروف بتحكم، لما يبيجي هو بنفسه هيزهق منكم ويطردكم.
____________________
توقفت السيارات أسفل بناية "عمار" بينما "ياسين" نزل من سيارته ومعه "عامر" وقد عاونه كلاهما في الخروج من السيارة هو يستند عليهما، و "خلود" تسير خلفه تمسك متعلقاته بعدما أعطتها لها إحدى الممرضات.
وقف بقية الشباب ينتظرون صعوده، فاقتربت سيارة "رياض" وركضت منها "سيدة" و زوجها و "عمر" الذي اتضح عليه الخوف، فصرخت والدته باسمه في مدخل البناية، التفت لها بلهفةٍ فركضت عليه تتفحص هيئته الممتلئة بالكدمات حتى نزلت دموعها وهي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
_طمني عليك يا حبيبي، أنتَ كويس؟؟
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها فركض نحوه "عمر" يحتضنه من عند بطنه بسبب قصر قامته وهو يقول بنبرةٍ باكية:
_سلامتك يا "عمار" يارب أنا وأنتَ لأ
ربت "عمار" علي شعره وهو يؤنبه بقوله:
_ بس يا حمار بعد الشر عليك، الحمد لله أنا بخير.
التفتت "سيدة" تؤنب "خلود" بقولها لائمةً:
_ينفع كدا ؟؟ متقوليش ليا ؟؟ جالك قلب.
لاحظت "خلود" لومها لها فسكتت عن الحديث ولم تجد ما تتفوه به وهي توزع نظراتها بينهم جميعًا وكأن الطير يحلق فوق رأسها ونظراتهم تلومها على شيءٍ لم ترتكبه.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم شمس بكري
_لم تَكن من الفراشات…لكنها أجملهن.
____________________
التفتت "سيدة" تؤنب "خلود" بقولها لائمةً:
_ينفع كدا ؟؟ متقوليش ليا ؟؟ جالك قلب.
لاحظت "خلود" لومها لها فسكتت عن الحديث ولم تجد ما تتفوه به وهي توزع نظراتها بينهم جميعًا وكأن الطير يحلق فوق رأسها ونظراتهم تلومها على شيءٍ لم ترتكبه، ارتجفت قبل أن تتحدث لينطق بدلًا عنها "عمار" حينما لاحظ توترها أمام والدته:
_خلاص يا جماعة حصل خير، كفاية الخضة اللي شافتها بسبي والصعب اللي عاشته لحد ما وصلتلي، بعدين هتكلمكم تخضكم زيها ؟؟.
ردت "سيدة" بلهفةٍ:
_علشان مبتبقاش لوحدها أديك قولت تعبت لحد ما وصلتلك بصعوبة، يعني بعد الشر عنها كان ممكن تتعب لوحدها.
اقترب "عامر" من والدته يقول بنبرةٍ هادئة:
_مش وقته الكلام دا، الحمد لله إنه بخير وهي كويسة، يبقى نطلع فوق نتطمن على ابننا وبعدها نتكلم براحتنا، يلا يا جماعة.
حركت رأسها موافقةً ثم اقتربت من ابنها تحتضن وجهه بكفيها وقد اغرورقت عيناها بالدموع لذا لثمت جبينه ثم ربتت على وجنتيه، فابتسم هو لها يُطمئنها بذلك.
دلف المصعد مع أخويه و خلفه "خلود" التي عادت لوالدته تعرض عليها بتوترٍ:
_اتفضلي حضرتك اطلعي معاه متقفيش هنا، المفتاح أهو.
مدت يدها بمفتاح الشقة، فيما نظرت لها "سيدة" بحيرةٍ تلاشت حينما تدخل "وليد" يقول بنبرةٍ هادئة:
_اتفضلي حضرتك اطلعي معاهم واحنا هنطلع وراكم، أكيد الخضة بوظت اعصابك اتفضلي.
حركت رأسها موافقةً ثم دلفت المصعد مع ابنها فيما انتظرت "خلود" حتى أُغلِقَ بابه فأخرجت نفسًا عميقًا بينما "وليد" أمسك كفها المرتجف يسألها باهتمامٍ بالغٍ:
_أنتِ كويسة ؟؟ عمالة تترعشي كدا ليه ؟؟
ردت عليه بصوتٍ مهتز:
_مش عارفة بس الخضة كانت صعبة عليا شوية، وحاسة أعصابي متوترة وكل شوية حد يكلمني، أنا ممكن أكون غلطت أني معرفتش حد بس مجاش في بالي غيركم والله.
لاحظ اترجافة صوتها لذا ربت بكفيه على ذراعيها وهو يقول بنبرةٍ هادئة يدعم قلقها ذاك:
_متخافيش أنتِ معملتيش حاجة غلط، الكلام دا لو أنتِ كبرتي دماغك ولا حتى مروحتيش لابنهم من الأصل، لكن كفاية أوي اللي شوفتيه، واللي لسه هتعمليه لحد ما جوزك يقف تاني أحسن من الأول، "خلـود" !! أنا واثق فيكِ متكسفينيش.
حركت رأسها موافقةً وقد شعرت ببعض العزيمة تأتي إليها إثر حديثه المشجع، فيما قبل هو جبينها ثم نطق بنبرةٍ هادئة من جديد:
_يلا اطلعي وراهم أنتِ وأنا مستني "أحمد" راح يجيب حاجات وراجع، اطلعي.
حركت رأسها موافقةً وانسحبت من أمامه فيما وقف هو ينظر في أثرها بقلة حيلة ثم خرج يقف مع الشباب في الخارج حتى وجد "أحمد" يقترب منهم يمسك في يده حقائب بلاستيكية، فاقترب "وليد" يسأله بنبرةٍ خافتة:
_إيه دا ؟؟ جايب معاك إيه ؟؟
أردف الأخر مُفسرًا وهو يشير على الحقائب:
_دي حاجات علشات "عمار" و "خلود" و كمان روشتة العلاج خدتها منها علشان أجيبها، هطلع أديهالها وأنزل علشان "سلمى" عندها معاد علاج لسه هجيبه.
ابتسم له "وليد" وهو يقول بفخرٍ:
_ أنا مبسوط بيك أوي أوي، ربنا يكرمك ياض ومراتك تقوم بالسلامة وتفرح بابنك وتشوفه زيك كدا إن شاء الله، اطلع لأختك وأنا هاجي وراك.
تحرك "أحمد" نحو الأعلىٰ يتجه لشقيقته يطمئن عليها وعلى أحوال زوجها، لذا دلف الشقة بعدما فتح الباب له "ياسين" رحب كلاهما بالأخر، فاقتربت منهما "خلود " حينها انسحب "ياسين" قائلًا بلطفٍ:
_عن اذنكم هروح للعيال علشان "خديجة" تيجي تطمن عليكم هنا، عاوزة حاجة يا "خلود" ؟؟.
حركت رأسها نفيًا ثم شكرته ليتحرك هو نحو الخارج، فيما وقف "أحمد" ينتظر خروجه ثم مد يده لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_امسكي وخدي صُبي العصير علشان "عمار" وخلي بالك منه ماشي، والعلاج جيبته أهو أكيد بقى هو عارف الميعاد، عاوزة حاجة ؟؟
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم له، فقال هو يشاكسها بقوله:
_كبرتي يا بطة وبقيتي تشيلي مسئولية بيت وراجل، كانت مالها خدمتي في البيت، برضه كان بلقمتك هناك.
لكزته في مرفقه بغيظٍ منه، لترتفع ضحكاته ثم قربها منه يربت عليها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_ربنا يقدرك إن شاء الله وكدا كدا أنتِ شاطرة، المهم خلي بالك من جوزك ولو عوزتي حاجة كلميني طيب ؟؟
حركت رأسها موافقةً فيما أعطاها ما يمسكه ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_هروح أتطمن على "عمار" علشان أروح، ماشي ؟.
_______________________
وقف "ياسين" أسفل بناية "ياسر" ينتظر قدوم زوجته وأبنائه حتى ركضوا له جميعهم سويًا وأولهم "جاسمين" فحملها هو بيديه فيما سألته "خديجة" بلهفةٍ:
_طمني عليهم، "عمار" كويس دلوقتي ؟؟
حرك رأسه موافقًا ثم نطق بنبرةٍ هادئة:
_آه الحمد لله بخير متخافيش، روحي اتطمني عليهم وتعالي وأنا هسبقك واطلع علشان العيال دي.
تحدث "يزن" بلهفةٍ:
_مش هنروح نشوف "عمار" ؟؟
رد عليه بقلة حيلة متأسفًا:
_مش هينفع يا حبيبي، الشقة فوق زحمة، بكرة إن شاء الله كلكم تطلعوا سوا تطمنوا عليه، ماشي ؟؟
نطقت "خديجة" بلهفةٍ وعجالةٍ:
_طب أطلع بيهم الشقة وأنا مش هتأخر هشوف "خلود" وأجيلكم تاني، سلام.
تحركت من أمامهم فيما توجه هو بصغاره نحو شقته، اقتربت هي من بناية شقيقتها فوجدت "وليد" يقف أمام البناية لذا سألته بتعجبٍ:
_واقف كدا ليه ؟؟ مش هتطلع ؟؟
ابتسم بسخريةٍ وهو يقول:
_كنت عارف إنك جاية هنا علشان كدا وقفت استنى نطلع سوا، المهم عاوزك تسيبي "خلود" تعتمد على نفسها، بلاش تساعديها في حاجة، ممكن ؟؟
عقدت ما بين حاجبيها وبدا الجهل واضحًا على ملامح وجهها ليتحدث هو بنبرةٍ هادئة مُردفًا:
_يعني تسيبيها تخوض التجربة دي علشان تثق في نفسها، هي تساعد جوزها لوحدها وتقف مع أهله من غير مساعدة منك، "خلود" محتاجة تعتمد على نفسها أكتر من كدا، الدلع اللي كان في بيتنا دا لازم تنساه، تمام ؟؟
سألته بقلقٍ على شقيقتها الصغيرة:
_طب دي حاجة أول مرة هي تتعرض ليها، يعني أكيد محتاجة حد يوجهها بدل ما تتلخبط ومتعرفش تتصرف.
زفر "وليد" مُطولًا ثم قال بإصرارٍ:
_اسمعي مني، اللي خلاها تروح المستشفى لوحدها وتكون جنبه هناك وكان عندها استعداد تكون معاه لولا وجودنا أكيد هيخليها تتعلم الدرس صح، يبقى خليها بقى تجرب المسئولية دي عليها علشان تفرح بنفسها لما "عمار" يرجع تاني أحسن من الأول.
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة لكنها بدت غير مقتنعة بحديثه، فأضاف هو بعدما وضع كفه على كتفها:
_لو واثقة فيا اسمعي كلامي، ماشي ؟؟
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بقلة حيلة:
_واثقة فيك وعارفة إنك بتعمل الصح، يلا نطلع.
____________________
في الأعلى دلفت "خلود" تمسك العصير في يدها تقدمه الشباب ولوالدين "عمار" الذي جلس على الفراش، بينما "عمر" كان يجلس بجواره بحزنٍ لأجله، وقفت هي تسأل بتوترٍ:
_تحبوا حاجة معينة ؟؟ أجيب لحضرتك حاجة يا عمو؟؟
رد عليها "فهمي" بنبرةٍ هادئة:
_تسلمي يا حبيبتي، اقعدي أنتِ تعبتي معانا.
تحدثت "سيدة" بنبرةٍ غلفها الحزن لأجل ابنها:
_اقعدي يا "خلود" متتعبيش نفسك يا حبيبتي.
وقف "ياسر" ينطق مُعتذرًا:
_طب نستأذن احنا بقى، ألف سلامة يا بطل، شدة وتزول.
تحرك وخلفه "خالد" فيما ظل "أحمد" جالسًا في انتظار أخوته حتى صعد "وليد" و معه "خديجة" يطمئنان على "عمار".
اقترب "وليد" منه يسأل عنه فتحدث "عمار" يمازحه بقوله:
_أظن إنك شمتان فيا أوي، لو عاوز تاخد الخوخة بتاعتك خدها لحد بقى ما أقوم أقف على رجلي تاني، أفرح بقى.
أبتسم له "وليد" فيما اندفعت "خلود" تهتف بسرعةٍ:
_لأ طبعًا مش هينفع أسيبك، أنا معاك هنا لحد ما كل حاجة ترجع زي الأول وأحسن، قوملي بس بالسلامة.
تحدث "عامر" يشاكسها بقوله ويمازحها:
_يعني لو فاق وبقى تمام كدا هتسيبيه يعني ؟؟
انتبهت له لذلك حركت رأسها نفيًا وهي تنطق بخجلٍ:
_لأ طبعًا، أنا معاه علطول مش هسيبه لا دلوقتي ولا بعدين، هو بس يخلي باله من نفسه وأنا هنا معاه.
ابتسمت "سيدة" لهما وهتفت بخبثٍ مرح:
_خلاص همشي أنا بقى وكدا ابني في أيد أمينة، أنا واثقة فيكي، ماشي يا خوخة ؟؟
ابتسم "عمار" لها فيما نطقت هي بنبرةٍ خافتة:
_في عيوني يا طنط متقلقيش، ربنا يطمننا عليه.
تحدث "وليد" يستأذن منهم بقوله:
_طب هنزل أنا و "أحمد" بقى علشان نطمنهم في البيت محدش يعرف إننا نزلنا، سلامتك يا "عمار", يلا يا "خديجة" تعالي معانا.
حركت رأسها موافقةً ثم اعتدلت واقفةً وهي تقول بنبرةٍ هادئة تعتذر منهم:
_عن اذنكم بقى هروح علشان العيال زمانهم بهدلوا الدنيا، ألف سلامة عليه وبكرة هاجي إن شاء الله.
تحدث "عمار" بنبرةٍ هادئة:
_تسلموا يا جماعة ربنا يكرمكم، وصليهم يا "خلود".
حركت رأسها موافقةً ثم تحركت مع أخوتها، فزفر "عمار" بقوةٍ ثم التفت لأسرته يقول متوسلًا:
_بقولكم إيه ؟؟ محدش يعاتبها ولا يتكلم في اللي حصل، هي صعبانة عليا أصلًا وكفاية اللي حصلها واتخضت، ممكن ؟؟
رفعت "سيدة" حاجبها تسأله بشرٍ:
_أمـك ولا رحــاب يا طــه ؟؟
أبتسم لها وهو يقول بقلة حيلة:
_انتم الاتنين، بس بجد كله بيلومها وهي غصب عنها معرفتش تتصرف وأكيد الخضة كانت صعبة عليها، ممكن؟
تنهدت "سيدة" ثم ربتت على كفه وهي تقول:
_ربنا يخليكم لبعض يا رب، شد حيلك بس وخلي بالك من نفسك، وأنا همشي وهبقى أجي اتطمن عليك، علشان تكونوا براحتكم، ولا نفضل هنا ؟؟
تدخل "عامر" يقول بثباتٍ:
_لأ، نروح أحسن علشان يكونوا براحتهم سوا وعلشان مراته كمان متحسش إنها متكتفة، هما مش صغيرين، كل يوم هجيبك تطمني عليه وخلاص، ماشي يا ستي ؟؟
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بغلبٍ وهي تتابع وجه ابنها:
_ماشي، ربنا يلطف بيه ويقدرها إن شاء الله.
____________________
في الخارج وقفت "خلود" معهم تستمع لنصائحهم، فأضافت "خديجة" بنبرةٍ هادئة توصي شقيقتها:
_خلي بالك بقى وبلاش نوم، صحصحي وركزي مع الدوا والعلاج، ماشي ؟؟ لو احتاجتي حاجة كلميني تمام.
حركت رأسها موافقةً وهي تتابع تحرك أخوتها حتى نزلوا مع بعضهم، فالتفتت هي للخلف تعود للداخل وجدت حينها أسرته بالكامل تخرج من الغرفة فسألتهم بلهفةٍ:
_رايحين فين ؟؟ استنوا ناكل سوا طيب علشان "عمار".
تحدث "فهمي" بحنوٍ وبنبرةٍ ودودة قال:
_هنروح بقى علشان ترتاحوا شوية وخلي بالك من نفسك، لو احتاجتي حاجة كلمينا أو اطلبي من "عامر" ماشي ؟؟
حركت رأسها موافقةً فاقتربت "سيدة" تقول بنبرةٍ هادئة:
_أنا مش هوصيكي عليه علشان باين إنك بتحبيه أوي، بس هوصيكي على نفسك وأقولك خلي بالك لو احتاجتي حاجة أو تعبتي كلميني، ماشي ؟؟
أبتسمت لها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_شكرًا لحضرتك، وأنا أكيد لو احتاجت حاجة هقولك حضرتك زي ماما.
أبتسمت لها الأخرى وهي تقول بمزاحٍ:
_يادي الكسوف، قال وأنا كنت هخليه يطردك من هنا !!
نظرت لها "خلود" بدهشةٍ فيما ضحكت "سيدة" وقالت:
_يلا خليكي بقى أنتِ زي بنتي برضه.
تحرك "فهمي" وهو يقول بقلة حيلة:
_هي كدا بتقلب كل حاجة ضحك علشان متزعلش نفسها، بتهزر معاكي، خلوا بالكم نفسكم.
تحرك والداه من المكان ومعهما "عُمر" فيما انتظر "عامر" تحركهم ثم قال بنبرةٍ هادئة لطيفة:
_"خلود" مش عاوزك تزعلي بس أنا كنت مخضوض على أخويا، وهو خصوصًا غلاوته عندي كبيرة أوي، على عيني أني ماكنش معاه ولا معاكي علشان أكيد برضه تعبتي، فلو زعلانة قوليلي.
سألته بحذرٍ:
_طب لو قولتلك إني زعلانة هتعمل إيه؟؟
ارتسم الشر على ملامحه ببراعةٍ وهو يقول:
_الست اللي تزعل من أخو جوزها عندنا بتطلق في ساعتها.
ضحكت على مزاحه وهو أيضًا ضحك لها ثم تنهد بعمقٍ وقال بنبرةٍ هادئة يسألها:
_طب أنا همشي دلوقتي، عاوزة حاجة ؟؟ قولي بجد.
همت بالنطق رافضةً، فأضاف هو يقاطعها:
_بجد والله قولي علشان لو عاوزة حاجة أكيد مش هجيبها يعني وأصرف عليكم، اتنيلوا سوا أنا مالي.
ضحكت مرةً أخرى فيما استأذنها هو بقوله:
_طب عن اذنك أنا بقى، عاوزة حاجة؟؟
حركت رأسها نفيًا لتيحرك هو بخطواتٍ هادئة وهي تنظر في أثره بامتنانٍ لتقديره موقفها.
_____________________
وصلت "خديجة" شقتها فوجدت "ياسين" يجلس في انتظارها فجلست بجواره تسأله بتعجبٍ من الهدوء السائد:
_هما فين ؟؟ موتهم ولا إيه ؟؟
رد عليها بوجهٍ مبتسمٍ:
_نيمتهم، قولتلهم لو عاوزين تروحوا عند "عمار" ناموا، ثانية واحدة كانوا كلهم ناموا مع بعض في وقت واحد.
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة ثم قالت:
_ربنا يسترها إن شاء الله، زعلت علشانه اوي متوقعتش إنه تعبان للدرجة دي أنا قولت حاجة بسيطة، ربنا يتمم شفاه على خير يا رب.
رد عليها بتفهمٍ يوضح لها أكثر:
_الحادثة شكلها مكانتش سهلة، الموتوسيكل وقعته صعبة أوي أوي، جربتها قبل كدا واتكسرت.
سألته بغير تصديق وكأنها تتعجب مما يقوله:
_بجد ؟؟ وقعت إزاي منه ؟؟
جاوبها مفسرًا بنبرةٍ ضاحكة:
_كنا في إسكندرية وأجرته ومعايا الواد "ياسر" ومرة واحدة لقيناه بيفلت مننا ومشي لوحده وأنا و "ياسر" على الأرض، واحد دراعه اتفتح والتاني اللي هو أنا اتكسرت.
شهقت بقوةٍ فوضع يده على كتفها ينطق بعبثٍ:
_لا حبيبك كان شقي أوي، ميغركش الهدوء دا.
تحدثت بضجرٍ تسخر منه:
_أه مانا عارفة إنك مش محترم وقليل الأدب كمان.
سألها بسخريةٍ:
_يا سلام ؟؟ هو أنا يعني علشان بحبك ابقى قليل الأدب ؟؟
حركت رأسها نفيًا وهي تبتسم له، فابتسم هو الأخر ثم سألها بمرحٍ يريد إخراجها من توترها:
_بقولك إيه معندكيش فكرة مشروع جديد من مشاريعك الحلوة دي ؟؟ أهو ناخد منك أفكار كدا.
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
_للأسف مفيش، مخي عِطل.
لاحظ هو تهجم ملامحها فسألها باهتمامٍ:
_مالك يا "خديجة" ؟؟ حد زعلك؟؟
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ بعدما وجدت سبل الفرار موصودة أمامه هو تحديدًا:
_زعلانة علشان "خلود" أوي، عروسة جديدة والمفروض تعيش مع جوزها أيام حلوة في الفترة دي، بس شوفت بقى اللي حصل، غير كدا "خلود" باين عليها التوتر والخوف وأنا مش بحب أخواتي يزعلوا، مش عارفة بقى مكبرة الموضوع ولا دا عادي.
فهم هو ما تشعر به كعادتهما تلقي بمخاوفها أمامه بينما هو يحوله بطريقته ولطفه إلى طمأنينةٍ:
_ياستي متزعليش نفسك، بعدين دي حاجة عادية الحمد لله هتعدي على خير، شوفيها بعيون تانية غير دي، يعني أنهم مثلًا هيقعدوا الفترة دي سوا مع بعض، بدل ماهو نزل الشغل، يمكن يزيد قربهم من بعض، ممكن مثلًا "خلود" تستغل الفترة دي وتثبتله أنها كبرت فعلًا وتقدر تقف معاه، وهو يثبت ثقته فيها وأنه معتمد عليها، فترة صعبة ممكن، بس أثرها أكيد مفيد، إن شاء الله يعني، وبعدين فيه إيه يا كتكوتة، كن جميلًا ترى الوجود جميلًا.
ابتسمت بسعادةٍ وكأن حالها بتلك الكلمات تبدل كليًا حتى أمسكت وجهه تقبله على وجنته وهي تقول بصوتٍ مختنقٍ:
_والله العظيم أنتَ صح، فعلًا كانوا محتاجين الفترة دي سوا يفتحوا قلوبهم لبعض، وعلى رأيك دي فترة يكونوا فيها سوا، شكرًا بجد كلامك ريحني.
نظر لها بتفهمٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_أي خدمة يا ست الكل، إحنا عاوزين ننول الرضا بس.
ابتسمت له بدلالٍ و وضعت رأسها على صدره وهي تقول بشرودٍ مبتسمة الوجه:
_الرضا بس ؟؟ أنتَ تاخد عمري كله مش كتير عليك.
انتبه لما تفوهت به فابتسم باتساعٍ يردد ببلاهةٍ:
_دا بجد ؟؟ ولا اشتغالة ؟؟
ارتفعت تواجهه وهي تقول ببراءةٍ:
_والله بجد، شوف عاوز إيه علشان أعملهولك يخليك فرحان، أي حاجة يا مهلبية، ها الكتكوتة هتضحي.
اقترب منها يهمس بنبرةٍ خافتة ويدندن لها:
_كفاية تكون في أحضاني….عيونك تبقى ندهاني….أنا حابب حياتي معاك….ولا عاوز حبيب تاني.
تلاشت بسمتها وهي تسأله بنبرةٍ جامدة:
_حبيب تاني !! وقعتك سودا.
رد عليها بنبرةٍ جامدة يقلد طريقتها:
_نعم ياختي ؟؟ دا اللي فرق معاكي، غاوية نكد والله.
رمقته بغيظٍ فاقترب منها يقول بنبرةٍ هامسة:
_ خُلقت جَميلة تُشبه الفراشات، ينقصها فقط الجناحين لتتميز عن بقية الفتيات.
تحولت نظرتها إلى التبسم ليقول هو بنبرةٍ هامسة كعادته القديمة:
_خلاص يا ست الكل طالما سكتي يبقى كدا اتثبتي.
حركت رأسها موافقةً ثم وضعت رأسها على قدمه تقول بنبرةٍ خافتة وكأنها تحدث نفسها وهو يربت على رأسها:
_شكرًا تاني علشان بتطمني كل مرة أخاف فيها، وشكرًا علشان في وجودك الخوف بقى يخاف يقرب مني.
ابتسم هو ثم قال بمرحٍ:
_دا واجبي يا ست الكل لو تيجي في حضني نبقى خالصين.
_____________________
في شقة "عمار" قامت "خلود" بتجهيز الطعام و الدواء له ثم بدلت ثيابها بمنامة حريرية سوداء اللون، وقفت بجوار باب الغرفة تلتقط أنفاسها ثم فتحت الباب فوجدته يتحدث في الهاتف وهو يقول بقلة حيلة:
_خلاص يا "عبدالرحمن" قولتلك حاجة بسيطة متقلقش نفسك، أنا زي الفل والله أسأل "عامر" حتى، اتطمن.
حدثه الأخر حتى رد "عمار" بقلة حيلة:
_حاضر والله هاخد الدوا دا، ومش هتحرك من مكاني حاضر، وهجيب المرهم حاضر، خليك بقى في نفسك وشوف شهر العسل بتاعك، يلا سلام.
أغلق معه الهاتف فيما اقتربت منه "خلود" تجلس على طرف الفراش بقربٍ منه ثم سحبت الطاولة الخشبية تضع عليها الصينية وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_دلوقتي هنظبط الأكل والدوا مع بعض، تمام ؟؟
حرك رأسه موافقًا فاقتربت منه تمسك ورقة وقلم وهي تقول بلهفةٍ خرجت رغمًا عنها بدون قصد:
_طب اسم الدوا أهو، عرفني كل واحد ميعاده إمتى علشان منساش حاجة تمام، بس اكتب صح بلاش جو الدكاترة دا.
ابتسم وهو يسألها مُتعجبًا:
_دا بجد ؟؟ عاوزة تكتبي المواعيد في ورقة؟؟
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بتأكيدٍ:
_آه والله، معلش مش هتهاون في صحتك يعني.
اتسعت ابتسامته وقرر مشاكستها بقوله:
إيه خايفة عليا ولا خايفة يقولوا يعيني مراته فاشلة؟؟
تنهدت تُكظم غيظها ثم قالت بنبرةٍ خافتة:
_مش هعصب نفسي، بس أكيد خايفة عليك وعاوزاك تكون أحسن من الأول في أقرب وقت، وأكيد مش هستغل تعبك علشان أعمل إنجاز قدام حد، أنا اللي فارق معايا أنتَ.
سألها باهتمامٍ يريد منها التحدث:
_يا سلام ؟؟ طب وقبل كدا؟؟ على فكرة أنا ماكنتش قاصد أزعلك ولا كنت قاصد إن دا يحصل، بس حظك إنك كنتي بتكلميني في يوم صعب أوي، وأول مرة تكلميني كتير كدا، خصوصًا وأنتِ قاعدة مع عيلتك وأنا عارف إنك بتحبيهم.
لمعت العبرات في عينيها وهي تقول بقلة حيلة:
_معرفش أنا كنت بكلمك كتير ليه بس كان غصب عني.
سألها باهتمامٍ وهو يطالعها بتركيزٍ:
_ازاي ؟؟ اتكلمي يابنت الحلال وقولي مالك؟؟
تنفست بعمقٍ ثم قالت بصوتٍ مختنقٍ:
_معرفش يا "عمار" بس كنت عاوزاك معايا، ومتسألش ليه، بس أنا بقيت بتطمن هنا وخصوصًا وأنتَ هنا معايا، أنا كنت بكلمك علشان كنت عاوزاك معايا هناك، كانت أول مرة أحس أني لوحدي هناك كدا، فجأة لقيتك موجود معايا في كل حاجة، وأنا مصيبتي سودا معنديش وسط، يا أبيض يا أسود، علشان كدا هسألك لو زهقت عرفني ألحق اتصرف.
سألها بثباتٍ وهو يرى دموعها انذرت بالنزول:
_طب لو قولتلك إني زهقت بجد وخلاص فاض بيا هتعملي إيه بقى ؟؟
رفعت عينيها الباكيتين نحوه وهي تقول بصوتٍ مُحشرجٍ:
_حقك، علشان كدا همشي، ممكن أروح عند بابا بس بعد ما تخف طبعًا علشان مش هسيبك كدا، أكيد مش هفضل خنقاك كدا.
سألها بنبرةٍ جامدة وهو يتفرس ملامحها:
_يعني هيجيلك قلب تسيبيني وتمشي عادي حتى لو خفيت ؟؟
اخفضت رأسها للأسفل تهرب منه، فردد هو بنفس الجمود:
_خـــلـــود !!
بكت حينما ذكر اسمها، فزفر بقوةٍ ثم نطق بيأسٍ:
_بتعيطي ليه ياستي ؟؟ هو أنا جيت جنبك؟؟
جاوبته بنبرةٍ باكية:
_علشان أنا كنت خايفة عليك واتخضيت عليك، خوفت أخسرك وخوفت أكون سبب في كل دا وخوفت تكون زعلان مني، وخوفت من حاجات كتير، وأنا كنت جاحدة مبيفرقش معايا حاجة.
ابتسم رغمًا عنه وهو يسألها:
_طب وإيه اللي حصل ؟؟ الجحود اتبخر؟؟
حركت رأسها نفيًا وهي تقول بنفس الصوت المختنق:
_لأ، حبيتك…وأنتِ طيب أوي حرام تاخد واحدة قادرة زيي، علشان كدا بحاول علشانك والله.
ارتفع صوت ضحكاته اليائسة حتى ضحكت هي الأخرى ففتح لها ذراعه وهو يقول بقلة حيلة:
_تعالي يا "خلود".
اقتربت منه بتوترٍ فتنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_أنا لا زهقت ولا زعلت ولا حتى محملك ذنب حاجة، أنا مليش حد غيرك ياخد المكان دا في قلبي، ومينفعش بعد كل دا حد غيرك يكون معايا، يعني اتطمني، بعدين تروحي فين بعدما أخف ؟؟ خلي عندك دم واقعدي ياختي في بيتك، ولا أخف وأروح اتجوز عليكي بما إنك هتمشي ؟؟
حركت رأسها نفيًا ثم قالت بإصرارٍ:
_أنا كدابة ومش همشي أصلًا، عاوزة أفضل معاك علطول.
أخفض رأسه يسألها بخبثٍ:
_خلي بالك أنا بزهق بسرعة، يعني الفترة دي عاوز تجديدات كتير بقى، أنتِ حرة.
رفعت رأسها تسأله ببلاهةٍ:
_هعملك إيه يعني ؟؟ ارقصلك؟؟
_ياريت والله.
رد عليها بذلك بتلقائيةٍ جعلتها تشهق بخجلٍ، فأضاف هو بخبثٍ:
_يعني اعتبريني زي خالتك "ميمي" كدا ومحتاج حد يرطبها على قلبي، ولا إيه يا منعنع ؟؟
لم تستطع كتم ضحكتها فيما قال هو بنبرةٍ خافتة:
_تصدقي فعلًا الواحد صحته شكلها هتيجي على الحادثة دي ؟؟ مش عارف ليه متفائل بطريقة غريبة، شكل سقف طموحاتي دا هيقع فوق دماغ أهلي.
رفعت نفسها تقول بنبرةٍ هادئة:
_أنا معاك لحد ما تكون بخير ومش عاوزاك تقلق.
ارتسم الخبث على ملامحه بشقاوةٍ:
_ يا منعنع seni seviyorum
حركت رأسها نفيًا بيأسٍ ثم مسحت وجهها وهي تقول:
_يلا علشان في الأكل والعلاج ربنا يهديك.
______________________
في صباح اليوم التالي في شقة "ياسر" وقفت "إيمان" بجوار كلٍ من "زينة" و "يسر" وهي تقول بضجرٍ منهما:
_صدعتوني خلاص، الكيكة خلصت أهيه، و "ريهام" حطيتها في العلبة، بطلوا زن بقى !!
تحدثت "زينة" بلهفةٍ:
_علشان "عمار" يا ماما، عاوزين نروح نشوفه.
زفرت "إيمان" فيما اقتربت "ريهام" تعطيها لهما وهي تقول بقلة حيلة:
_اتفضلوا خلصت أهيه، يلا انزلوا "يونس" تحت مستني.
تحركت الفتيات فيما قالت "إيمان" بحقدٍ زائفٍ:
_شوف قلة الأصل إلا مافيهم واحدة جابتلي كيس بسكوت لوكس وأنا عيانة، هقول إيه ؟؟
_العرق دساس يا حبيبتي!!
تفوهت بها "ريهام" بتهكمٍ حتى ركضت خلفها "إيمان" وهي تقول بتوعدٍ:
_الغلط مش عليكي الغلط عليا علشان دلعتك.
كانت الآخرى تضحك بملء صوتها وهي تركض نحو المطبخ لتتبعها "إيمان" وهي تضحك رغمًا عنها تود الثأر لكرامتها.
نزلت الفتيات وكان "يونس" في انتظارهما فسألته "يسر":
_جيبتوا إيه ؟؟ إحنا جيبنا الكيكة.
قال "زين" مفسرًا:
_جيبنا عصير أنا و "يونس" ومستنين ولاد عمو "ياسين"
مرت بعض الثواني ونزلت "خديجة" بصغارها يركضون خلف بعضهم فرحبت بهم ثم توجهت نحو بناية "عمار".
في الأعلى تفحصته "سيدة" وهو يجلس على الفراش في غرفته ثم نطقت بحماسٍ:
_لا وشك رد النهاردة الحمد لله، امبارح يا حبة عيني كان مخطوف خالص، واضح إن "خلود" شايفة شغلها صح.
أبتسم "عمار" رغمًا عنه وكذلك البقية فيما مال "وليد" على اذن "عامر" يهتف بنبرةٍ خافتة:
_قول لأمك تخف على أختي بدل ما أجيبلها عمتي وتتصرف هي، سكت أمك أحسنلك بدل ما اتكلم أنا.
تحدث "عامر" يثير استفزازه بقوله:
_حماتها وهي حرة فيها، اخلع منها أنتَ.
رفع "وليد" حاجبه باستنكارٍ فيما صدح صوت جرس الباب فقالت "خلود" بلهفةٍ:
_هروح أفتح أنا، عن اذنكم.
تحركت للخارج تفتح الباب فوجدت الصغار مع بعضهم وخلفهم شقيقتها فقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_عاملين زي فيلم حاحا و تفاحة كدا ليه؟؟
ضحكت "خديجة" وهي تقول بقلة حيلة:
_بقالي ساعة بحاول ابعتهم ورا بعض علشان المنظر القذر دا، كنت متأكدة من شكلنا الزبالة.
أشارت لهم "خلود" بالدخول فركض الصغار خلف بعضهم وخلفهم هي وشقيقتها، وفي الداخل ضحك "عمار" تلقائيًا عند استماعه لصوتهم يقتربون من الغرفة، فدلف أولًا "يونس" يقدم له العصير وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_سلامتك يا "عمار" ربنا يتتم شفاك على خير.
أخذه منه "عمار" وهو يقول مبتسمًا:
_طول عمرك أبو الرجولة بس تعبت نفسك ليه؟؟
اقترب "زين" هو الأخر يقول بهدوءٍ:
_لا تعب ولا حاجة، قوم بس أنتَ بالسلامة.
أخذ منه العصير وهو يرد عليه، فاقتربت "زينة" ومعها "يسر" تقدمان له الكعك فقالت الاولى بحماسٍ:
_احنا خلينا ماما تعمل كيكة علشانك، يارب تعجبك.
اخذها منهم وهو يقول بمرحٍ لزوجته:
_مش قولتلك كنت محتاج الحادثة دي من بدري.
كتمت ضحكتها فاقتربت منه "نـغـم" تبتسم له ثم مدت يدها بزهورٍ زرقاء اللون وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_الورد دا زرعته أنا وماما في البلكونة، جيبته علشانك.
اتسعت ابتسامته وهو يقول بحماسٍ:
_الله !! ورد ؟؟ صحيح يعني هتجيبي إيه أنتِ؟؟.
ابتسمت له برقةٍ فاقترب "يزن" منه يعطيه حقيبة بلاستيكية وهو يقول ببراءةٍ:
_أنا خليت بابا يجيب بسكوت علشانك، بس كأنه ليا، ألف سلامة عليك يا "عمار".
أخذه منه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_تسلم يا حبيبي، ألف شكر.
تراجع "يزن" للخلف فاقتربت تلك المشاكسة تقفز على الفراش بحماسٍ فضحك الجميع عليها، بينما قالت هي بحماسٍ:
_أنا بقى جيبتلك حاجة حلوة أوي وأنا بحبها.
سألها بتعجبٍ:
_حاجة أنتِ بتحبيها ؟؟ مش أنا اللي بحبها!!
حركت رأسها موافقةً ثم أضافت بتأكيد وهي ترفع الحقيبة البلاستيكية نصب عينيه وقالت بحماسٍ:
_جـيــبتلـك انـدومـي !!
ارتفع صوت الضحكات على حديثها فيما تلاشت بسمة "عمار" وهو يقول مستفسرًا منها:
_اندومي !! أنا أعرف إن العيان دا بنجيبله فرختين ياكلهم، اتنين كيلو لحمة يتقاوت بيهم، عصير زي الرجالة المحترمة دي، ياستي فاكهة حتى.
فسرت هي ببراءةٍ تناسب فهمها:
_ما أنا جايباه بطعم الفراخ والله.
رد هو بطريقةٍ تمثيلية:
_بجد والله ؟؟ إذا كان كدا ماشي، ظلمتك، خديه يا "خلود" اعمليلي بشوربته لسان عصفور.
اقتربت "خلود" منها وهي تضحك لها، فحذرتها "جاسمين" بقولها وهي تشهر بسبابتها لها:
_دا بتاع "عمار" ، يعني هو اللي ياكله مش أنتِ
حركت رأسها موافقةً وهي تكتم ضحكتها، فصدح صوت جرس الباب عاليًا، حينها تحرك "يونس" وهو يقول:
_أنا هفتحه، خليكم أنتم.
تحرك نحو الخارج لمدة ثوانٍ ودلف مبتسمًا فسأله "عامر" بتعجبٍ:
_مين برة يا "يونس" ؟؟
دلف الضيف الغير متوقع تواجده في ذلك الوقت وهو يقول:
_أنا، هيكون مين يعني ؟؟.
تحدث "عمار" بلهفةٍ حينما رأه أمامه:
_"عبدالرحمن" !! أنتَ جيت بجد ؟؟
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم شمس بكري
لطيفة كما نسمة الهواء…لامعة مثل نجوم السماء".
___________________
تحرك "يونس" نحو الخارج لمدة ثوانٍ ودلف مبتسمًا فسأله "عامر" بتعجبٍ:
_مين برة يا "يونس" ؟؟
دلف الضيف الغير متوقع تواجده في ذلك الوقت وهو يقول:
_أنا، هيكون مين يعني ؟؟.
شعر وكأنه طيرٌ يحلق بجناحيه حينما وجد صديقه أمامه فتحدث "عمار" بلهفةٍ خالطتها الدهشة حينما رأه أمامه:
_"عبدالرحمن" !! أنتَ جيت بجد ؟؟
أبتسم له بحبٍ ثم دلف الغرفة يقترب من الفراش يهتف بتأثرٍ:
_آه وأجي من أخر الدنيا كلها مخصوص علشانك.
فتح "عمار" ذراعه له فاقترب منه "عبدالرحمن" يعانقه بحبٍ وهو يقول بنبرةٍ اتضح بها اضطرابه لأجل صديقه:
_معرفتش استنى لما عرفت اللي حصل، هو أنا يعني عندي غيرك علشان أجيله مخصوص، طمني أنتَ كويس ؟؟
ابتعد عنه "عمار" يقول بتأثرٍ:
_بقيت كويس علشان شوفتك، بس مكانش ينفع تقطع شهر العسل بتاعك علشاني، ليه كدا يا "عبدالرحمن" ؟؟
رد عليه مُبتسمًا بقلة حيلة:
_الفكرة إن هي بنت أصول ولما لقتني زعلان قالتلي نروح علشان أشوفك بس هعوضها هنا ونخرج سوا مع بعض، قولت أهم حاجة بس أني أشوفك.
اتسعت ابتسامة "عمار" أكثر وهو يقول:
_ربنا يديمك ليا، يا أخي مش عارف من غير دخلتك الغريبة عليا دي في المدرج علشان تتكلم معايا كان زماني جيبت صاحب تاني زيك منين؟؟
غمز له "عبدالرحمن" وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_كنت هاجيلك في أي يوم تاني هو أنا كنت هسيبك؟؟
تدخل "عامر" يقول بضجرٍ مصطنعٍ:
_خلاص يا حبيبي منك ليه أنا بغير، خلاص.
تحرك "عبدالرحمن" يرحب به و يرحب بـ "وليد" وكذلك الأطفال الصغار وهم يضحكون مع بعضهم، فقالت "سيدة" بامتنانٍ له:
_تسلم رجلك يا حبيبي، وربنا يسعدك إن شاء الله، ربنا يخليكم لبعض.
ابتسم لها قائلًا بلطفٍ:
_دا حقه عليا يا طنط، بعدين هو أخويا مش صاحبي، يقوم بس هو ويشد حيله علشان قعدته كدا غلط تطول.
ازاح "عمار" جسده قليلًا على الفراش وهو يهتف بحماسٍ:
_تعالى بقى أقعد جنبي هنا، دي "جاسمين" داخلة ومحملة والأكل على حسابها الليلة دي.
هتف "عبدالرحمن" بحماسٍ:
_بجد ؟؟ جايبة إيه
ردت عليه بوجهٍ مبتسمٍ وكأنها تخبره عن فوزها بإحدى المسابقات الأوليمبية:
_جيبتله أندومي بطعم الفراخ، بس مش هينفع حد ياكل منه غيره هو، علشان هو تعبان.
رد "عبدالرحمن" ببساطةٍ يجاريها في الحديث:
_طب الست مكلفة بالجامد أهو يا جماعة، كتر خيرها.
انتشرت الضحكات عليها، فسأله "يزن" بمرحٍ بعدما وقف أمامه:
_هو أنتَ مش هتسافر تاني؟؟ هتفضل قاعد هنا؟؟
حرك رأسه موافقًا بقلة حيلة وهو يقول:
_هعمل إيه يعني ؟؟ كله علشان خاطر كابتن "عمار"
تحدث "وليد" بتهكمٍ من مشاعر الصديقين لبعضهما:
_يا حبايبي…. أنا ليه معنديش حد زيكم في حياتي ؟؟
اندفع "عامر" يقول بضجرٍ في وجهه:
_أنتَ قليل الأصل يالا ؟؟ مش مرة عربيتك عطلت على الطريق ومحدش عبرك غيري ونزلت لحقتك على الطريق في نص الليل ؟؟ أنتَ واطي ليه؟؟
رد "وليد" بسخريةٍ:
_ يعني هو كان ببلاش ؟؟ مش عزمتك على كبدة بعدها ؟؟
هتف "عامر" بصوتٍ عالٍ يعرب عن انفعاله:
_نــعم ؟؟ والبيبسي بعدها كان على مين؟؟ والبنزين اللي دفتلك تمنه، إيه هننكر ؟؟
قبل أن يتحدث "وليد" يدافع عن نفسه، رفع "عـمار" صوته بضيقٍ منهما:
_خـلاص….خـلاص بقى منك ليه إيه قلة الأصل دي، روحي يا "خلود" هاتي حاجة يشربوها أحسن من الصداع دا.
تحركت "خلود" ومعها الفتيات الصغيرات فيما جلس البقية مع "عمار".
______________________
في شقة "حسن المهدي"
ارتدى ثيابه لكي يخرج يطمئن على "عمار" فوجد "هدير" تركض نحوه بلهفةٍ وهي تقول بإلحاحٍ عليه:
_هاجي معاك، علشان خاطري.
رفع حاجبيه وردد ساخرًا:
_تيجي فين يا حلوة الملامح ؟؟ اقعدي مع عيالك ياختي.
ألحت عليه أكثر:
_خدنا بس على ضمانتي، هنروح نزوره وبعدها نرجع على هنا علطول، خلي عندك ثقة فيا، مش واثق فيا ؟؟
حرك رأسه نفيًا، فسألته هي بلهفةٍ:
_إيه ؟؟ مش واثق فيا ؟؟ خالص ؟؟
حرك رأسه موافقًا ثم أضاف بتهكمٍ:
_مش واثق فيكِ من هنا لحد باب اوضتنا دي، يعني مش مكمل حتى مقدار خطوتين، روحي يا حلوة اقعدي مع عيالك اللي أنا اقنعتهم بالعافية يقعدوا، اكبري بقى.
تنفست بعمقٍ وسألته بخبثٍ:
_يعني دا أخر كلام عندك ؟؟ خلاص كدا يا أبو علي؟؟
حرك رأسه موافقًا فقبلت هي وجنته ثم خرجت من الغرفة لينظر في أثرها بتعجبٍ وهو يُحملق بها وبعد مرور ثوانٍ معدودة خرج لهم من الغرفة فوجد "فاطيما" تركض نحوه وهي تقول بلومٍ:
_مش عاوز تاخدنا معاك يا بابا ؟؟ ليه ؟؟
رد عليها مُفسرًا:
_علشان "عمار" تعبان أوي وأكيد مش عاوزين دوشة جنبه، خليكم هنا مع ماما لحد ما أرجع تاني، تمام ؟؟
اقترب "علي" منه بعدما نظر لوالدته بارتباكِ لتحثه هي على الاستكمال، لذا قال بثباتٍ استطاع تصنعه:
_خلاص لما ترجع اتصل بينا و ننزل تخرجنا.
وزع "حسن" نظراته الخبيثة بينهما ثم هتف بعدما لاحظ نظرة زوجته:
_ما شاء الله هي جندتكم ؟؟ بس كل حاجة هنا بمزاجي وأنا اللي صاحب الكلمة هنا، علشان كدا موافق وبرضه بمزاجي.
قفز الصغيران بمرحٍ ثم ركضتا نحو الداخل فاقترب منها يقول بنبرةٍ خافتة:
_طب بما إن كل حاجة بمزاجي بقى مفيش واحدة احضني يا "حسن" قبل ما أنزل ؟؟ حاجة كدا تصبيرة؟؟
جاهدت لتكتم ضحكتها فاخفض هو نفسه نحوها يقبل وجنتها ثم اعتدل ليجدها تطالعه بوجهٍ مبتسمٍ، وبعد تحركه ورحيله من الغرفة قالت هي بنبرةٍ حماسية:
_ أقسم بالله عسل وهلفه في ساندويتش حلويات.
_____________________
وصل "حسن" شقة "عمار" وفي يده علبة حلويات فاخرة زهيدة الثمن فمال "وليد" على اذن"عامر" يقول بنبرةٍ هامسة:
_متجيبش سيرة أكياس الفاكهة اللي أنا داخل بيها علشان شكلي زفت أوي، الواد داخل بعلبة حلويات تأمن مستقبلي.
كتم "عامر" ضحكته فيما اقترب "حسن" من الفراش يقول بنبرةٍ هادئة و وجهٍ مبتسمٍ:
_سلامتك يا غالي، مش تخلي بالك، بس أنتَ قدها وقدود.
ابتسم له "عمار" وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
_يا عم الحمد لله جت على قد كدا، كويس علشان تيجي تنورني هنا، اقعد دا البيت نور بوجودك.
تحرك "حسن" يجلس وسط "عامر" و "وليد" فنطق الأول بتهكم:
_كان لازمتها إيه الفشخرة دي كلها، ما تجيب بسبوسة من سُكات هو حد هيحاسبك ؟؟
رمقهما "حسن" بلامبالاةٍ ثم نظر أمامه فاقتربت منه "جاسمين" تقول بضجرٍ:
_عمو "حسن" مجيبتش "فاطيما" ليه؟؟
رد عليها بوجهٍ مبتسمٍ:
_علشان "عمار" هنا تعبان، وأكيد مش عاوز حواليه دوشة بس وعد مني قريب هاجي ازوركم وأجيب العيال بأمهم، مرضية؟؟
سألته بحماسٍ:
_وتصورني ؟؟ علشان بحبك تصورني.
حرك رأسه موافقًا فصفقت بكفيها معًا واقتربت منه تقول بلهفةٍ:
_طب صورني معاك علشان "فاطيما" تشوفها ممكن ؟؟
حرك رأسه موافقًا فاقتربت هي منه تجلس بجواره وهو يتلط الصورة لهما سويًا ثم انتفضت تقول بحماسٍ:
_صورني بقى جنب "ليدو" علشان بحبه أوي.
حملها "وليد" يربت على خصلاتها ثم قبلها على وجنتها ثم أشار لبقية الصغار حتى يقفوا بجواره ومعهم في الصورة "عمار" و "عبدالرحمن" أيضًا.
________________________
بعد مرور العديد من الوقت توجه "وليد" إلى بيت عائلتهم فورًا توجه نحو سطح البيت بعدما وجد رسالةً من زوجته، كانت تجلس في انتظاره حتى دلف سطح البيت وقد أبتسم على الفور حينما وجدها تجلس بالطعام وأمامها الطاولة فاقترب منها بحماسٍ يسألها:
_دا عادي كدا ؟؟
حركت رأسها بوجهٍ مبتسمٍ وهي تقول:
_بصراحة وحشتني أيام خطوبتنا أوي وفترة كتب الكتاب وقولت أرجع حاجة منها، علشان وحشتني.
صفق بكفيه معًا يعلن عن حماسه وتتوقه لتلك الأيام والذكريات التي يراها أمامها، فيما حملت هي طبقها ثم جلست على الارجوحة أمامه وهي تقول:
_اقعد كل بقى وكل رأيك يا ليدو.
جلس مقابلًا لها ثم أخذ طبقه المفضل
مكرونة بالوايت صوص" لذا مسح شفته العُليا باشتهاءٍ وأخذ الملعقة الأولى منها وقال بإعجابٍ واضحٍ من مذاقها:
_يخربيت جمالك وجمال صاحبتك.
سألته بحماسٍ اقتبسته من تعابيره:
_بجد عجبتك ؟؟ عاملة إيه؟؟
اقترب منها يقول بنبرةٍ خافتة وهو يعمق نظره في تعابيرها المَليحةِ:
_عسل زي عيونك اللي هما حبايب عيوني.
جاهدت لتكتم ضحكتها فيما قال هو بنبرةٍ هامسة:
_طب والله عيونك الحلوين لسه بيشغلوني.
رفعت رأسها تسأله بحذرٍ ولازال وجهها مُبتسمًا:
_يعني بجد لسه بتحبهم ؟؟
فكر قليلًا ثم هتف بصدقٍ بعدما رفع إصبعه يتلمس وجنتها:
_لسه ماليش غيرهم، وللحق من بعدهم يعني عيون "زياد" و "مازن" علشان مكدبش يعني، بس برضه كفاية أنهم منك.
لا تدري لماذا تيبس فمها بعدما ابتسمت له، فيما قال هو بنبرةٍ ضاحكة يحاول وأدها أو التحكم بها:
_طب تصدقي وحشني أبوكي يطلع يقفشنا هنا، كانت أيام.
ضحكت بصوتٍ عالٍ وقبل أن يتحدث من جديد هتف من خلفهما "محمد" يقول بصوتٍ عالٍ أعرب عن ضجره:
_بتعمل عندك إيه ياض منك ليها ؟؟
اتسعت عيناها بدهشةٍ وفرغ فاهها فيما قال "وليد" بيأسٍ:
_يا أخي يارتني كنت جيبت سيرة مليون جنيه بدل الفقر اللي إحنا فيه دا.
اقترب "محمد" يقول بضجرٍ منهما:
_سايبين عيالكم وقاعدين تحبوا في بعض هنا ؟؟.
حرك رأسه موافقًا ورد بوقاحةٍ:
_آه بفكر ربنا يكرمني وأجيبلهم أخ ولا أخت ادعيلي.
كتمت "عبلة" ضحكتها فيما جلس "محمد" بجواره وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_طب اتنيل بس وربي اللي عندك بعدها هات تانيين ربيهم.
فرد "وليد" جسده وتحدث بشموخٍ يقول:
_حبايب أبوهم ربنا يحرسهم متربيين أوي، بس الفرق إن محدش يعرف يدوسلهم على طرف، خير ؟؟
حرك رأسه موافقًا ثم اعتدل واقفًا وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_أنا هنزل تحت ومش هخلي حد يطلعلكم، أي خدمة.
تحرك من المكان، وضحكت ابنته فيما قال "وليد" بمرحٍ:
_الدنيا دي مبتسيبش حد على حاله.
ردت عليه "عبلة" توافقه بقولها:
_فعلًا معاك حق.
غمز لها وهو يقول بمشاكسىةٍ:
_إلا مقامك عندي يا سوبيا، أصلها ثوابت، العين بالعين والسن بالسن و "عبلة الرشيد" ملهاش غير "وليد" وهاتي أخرك يا بنت "محمد" علشان "وليد الرشيد" ملهوش أخر يتجاب.
ارتفع صوت ضحكتها عاليًا حينما تذكرت تلك الجملة فيما تحرك هو يجاورها على الأرجوحة وهو يقول بنبرةٍ خافتة:
_ ممكن أحسبك أحسن هزيمة عرفت احولها انتصار؟؟
حركت رأسها موافقةً وهي تبتسم له فقبل جبينها ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_طب والله أنا حاسس أني صغرت تاني معاكي.
______________________
في شقة "عمار" كانت خلود تجلس أسفل قدمه تقوم بتنظيف الجرح وتعقيمه باهتمامٍ جليٍ جعله يمعن نظره له حتى تعمق فيما تفعله فسألها بنبرةٍ هادئة:
_بتعملي إيه ؟؟ هي عملية جراحية.؟؟
ردت عليه بلهفةٍ:
_بطهرها علشان رجلك ميجراش ليها حاجة، دي أول مرة اطهر جرح حد، أقسم بالله حاسة أني هعيط.
ابتسم هو ثم حرك رأسه للأمام يطالع قدمه ثم ابتسم وقال بمرحٍ يزيد من ثقتها بنفسها:
_جامد يا عم المنعنع، طلعت دكتور شاطر ياض.
انتفضت واقفةً تقول بحماسٍ تتأكد منها:
_بجد ؟؟ قول والله.
رد عليها مؤكدًا بحماسٍ ازداد له:
_آه والله، عملاها حلوة أوي وحاسس أني مرتاح أوي.
اتسعت ابتسامتها وبدا الحماس معتليًا لوجهها ثم جلست بجواره تقول بنبرةٍ هادئة:
_بفرح أوي لما أعمل حاجة تعجب حد، اللي هو إيه دا أنا شاطرة معقول ؟؟ فيه حد بيحب حاجة أنا بعملها ؟؟ لدرجة ممكن لما أعرف إن حد حب حاجة أنا عملتها اخليه يكرهها من كتر ما هزهقه منها.
رفع كفه الحُر يتلمس خصلات شعرها وهو يقول بنبرةٍ هادئة مُبديًا لطفه لها:
_والله كان نفسي أقولك إنك عملتي حاجة عجبتني، بس أنتِ كلك عجباني، و واضح كدا إن موضوع تعبي دا هيتعبك معايا علشان كدا لما أقف تاني كويس هعوضك.
ردت عليه بوجهٍ مبتسمٍ:
_مش عاوزاك تعوضني، بس عاوزاك تقف تاني زي ما كنت على رجلك وأنا هوريك "خلود" تانية خالص، واحدة ميعرفهاش غير عيلة الرشيد و معاهم "وليد".
اقترب من أذنها يهمس بقوله:
_أنا بقى هوريكي اللي عمرك ما شوفتيه.
ابتعدت عنه تطالعه بقلقٍ وهي تسأله بهلعٍ:
_ليه؟؟ أنا عملتلك إيه؟؟
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
_دا مجازًا عن أني هدلعك يعني، مالك قلقتي ليه.؟؟
رغم الشك الذي ساورها والخوف الذي سكن ملامح وجهها إلا أنها تنهدت بأريحيةٍ وهي تقول:
_افتكرتها كناية عن التربية، خضتني يا عموري.
ردد خلفها مستنكرًا:
_عمورك ؟؟ كدا أنا هاخد على كدا.
زادت ابتسامتها وهي تقول بموافقةٍ:
_وماله، أهو كله من اللي عليا، بعدين يعني لو معملتكش أنتَ معاملة خاصة غير الكل، هعامل مين ؟؟
وضع يده على كتفها يقربها منه وهو يقول بمرحٍ:
_حمدًا لله على السلامة يا منعنع، أيوا كدا ياعم.
ارتفع صوت ضحكتها فيما قال هو بحماسٍ:
_بقولك إيه ما تقومي تجيبي الاندومي بتاع البت "جاسمين" جرت ريقي عليه الله يسامحها.
هتفت بحماسٍ بعدما ابتعدت عنه:
_وأنا والله، هروح أعمل الكيسين لينا سوا من ساعة فرحنا ماكلتوش افتكرت نفسي نضجت.
جاهد ليكتم ضحكته وهو يقول:
_اقسم بالله كنت هموت وأكله من بدري، تصدقي فعلًا معاهم حق جوازتنا دي كانت لازم تطول شوية عن كدا ؟؟
ردت عليه تلومه بقولها:
_يعني العيشة هنا معايا مش عجباك؟؟
ابتسم لها وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_العيشة معاكي هنا دي أكتر حاجة كنت مستنيها، واكتر حاجة كنت بعمل كل اللي عليا علشانها، ولا أنتَ رأيك يا منعنع.
توسعت ضحكتها أكثر وهي تقول:
_أنتَ عيون المنعنع والله.
زاد من ضمته لها ثم قبل جبينها مُربتا بكفه على ذراعها وهي تضحك بسعادةٍ لم تدري سببها.
_______________________
وصل "حسن" أسفل شقته ينتظر أسرته حتى وجدهم أمامه، فابتسم لهم وهم يركبون السيارة وزوجته بجواره، فقال هو بنبرةٍ ضاحكة:
_الشوق هاففكم على فين يا حبايبي ؟؟ اؤمروني.
ردت عليه "فاطيما" بأدبٍ مصطنعٍ لم يكن لديها:
_اللي تشوفه يا "حسن" براحتك طبعًا.
رفع حاجبيه مستنكرًا وهو يقول:
_يا شيخة ؟؟ اتربيتي إمتى يعني ؟؟
ردت هي بسخطٍ منه:
_الله ؟؟ هو أنا يعني مش متربية؟؟ دا إيه دا؟؟
أشار عليها بقوله:
_اهو قلة تربيتك ظهرت ياختي، خلصوا هتروحوا فين ؟؟
ردت "هدير" ببراءةٍ:
_شبطانين يروحوا mac بقنعهم إنه مينفعش، بس هما مصممين والله.
رفع حاجبيه مستنكرًا وردد بتهكمٍ:
_دول هما برضه؟؟ ماشي لما أشوف اخرتها معاكم.
تحدثت "هدير" بتعالٍ:
_والله لو مش عجبك وديني بيت أبويا مفتوح لينا ويجيبلنا mac كله تحت البيت.
رد عليها هو بقلة حيلة يقول:
_عندي أنا أغلى منكم علشان اخليه يمشي ويسيبني ؟؟ على قلبي زي العسل بس يا رب نعجب بس.
اقتربت منه تقول بوقاحةٍ:
_اقسم بالله عسل وعاوز تتباس كدا يابن المهدي.
التفت لصغاره في الخلف يسألهما بنبرةٍ ضاحكة:
_قولولي عاوزين mac بس ولا تحبوا مكان تاني؟؟
ارتفعت الضحكات منهم جميعًا، فيما أدار هو سيارته وهو يقول بيأسٍ:
_أنا ليا الجنة والله على عمايلكم فيا وعلى حبي ليكم ولأمكم المرووشة دي.
مالت "هدير" تضع رأسها على كتفه وهي تضحك، ففعلت "فاطيما" المثل و وضعت رأسها على كتف أخيها ليقول "حسن" بسخريةٍ:
_معلش يا حبيبي، العيلة دي ناقصين اهتمام واحتواء، احتوي أختك يا حبيبي ربنا يكرمك باللي تحتويك شخصيًا.
احتضن "علي" أخته ثم فتح هاتفه وهي تجلس بجواره تبتسم له فقام "حسن" بتوزيع نظراته عليهم ثم نظر أمامه مبتسمًا بامتنانٍ وسعادةٍ.
_____________________
في شقة "ميمي" كان "ياسين" جالسًا بجواره يعطيها الدواء حتي هتفت هي بضجرٍ:
_هتوديني عند "عمار" امتى ؟؟ عاوزة أشوفه.
زفر بضيقٍ ثم قال بقلة حيلة:
_الدكتور قال مينفعش، رجلك هتورم لو نزلتي، هو يشد حيله شوية وأنا هخليه يجيلك لحد عندك، تمام كدا يا ستي ؟؟
زفرت هي بيأسٍ ثم حركت رأسها موافقةً تخضع لحديثه باذعانٍ وتدعي الموافقة على أوامره، فيما سألها هو بتعجبٍ من هدوء الشقة:
_هما العيال فين ؟؟ مشيوا كلهم وسابوني؟؟
ردت عليه بقلة حيلة:
_دول ولاد هُبل كلهم، واحد راح يجيب حاجات لمراته وواحد عند أمه وواحد عند أخوه باين، خليك قاعد معايا أنتَ.
حرك رأسه موافقًا بابتسامةٍ صافية فصدح صوت هاتفه برقم زوجته، أخرج الهانف يرد عليها بنبرةٍ هادئة:
_إيه يا ست الكل ؟؟ عاوزة حاجة؟؟
ردت عليه "خديجة" بنبرةٍ ضاحكة:
_لأ بس بتطمن أنتَ فين، هتتأخر؟.
جاوبها بقلة حيلة وهو يفرك خصلات رأسه:
_آه بصراحة، قاعد عند "ميمي" شوية وبعدها هروح اتطمن على ماما تعبت شوية، وبعدها هاجي، عاوزين حاجة؟؟
ردت عليه بنبرةٍ هادئة:
_لا تسلم يا رب، سلم على طنط وأنا لما هكلمها وهبقى اروح ليها بس لوحدي مش ناقصة يتعبوها أكتر.
ضحك بخفةٍ ثم ودعها واغلق معها المكالمة فسألته "ميمي" بنبرةٍ ضاحكة:
_يا سلام على الهدوء وأنتَ بتكلمها.
رد مفسرًا بنبرةٍ ضاحكة:
_والله متستاهلش غير كدا، أصل دي كتكوتة مينفعش أنها تتعامل بقسوة ولا حتى أعلي صوتي سيكا عليها، دي عاوزة الهدوء والرقة، وبعدين الراجل الناصح هو اللي يمشي حاله بالطريقة اللي تريح مراته.
ضحكت "ميمي" فوجدت الكهرباء تنقطع بالمكان، حينها زفر هو بقوةٍ ثم فتح مصباح هاتفه ليجد فجأةً صوت مشغل الموسيقى يصدح عاليًا في يد أحدهم والأخر يحمل قالب حلوى يعتليها شمعة بحرف "Y" والاخر معه مادة ثلجية ينثرها في الهواء وصدح صوتهم في آنٍ واحدٍ:
_كــل ســنة وأنــتَ طيـب يــا مــهـلبـية.
وقف هو بفاهٍ مفتوحٍ على وسعه فوجد أصدقاءه الثلاثة يقفون أمامه بعدما عادت الإضاءة من جديد، فيما ظل هو مدهوشًا برؤيتهم أمامه وماهي إلا ثوانٍ وجد صوت الصبية الصغار يصدح من عند باب الشقة وهم يغنون مع بعضهم:
_انزل يا جميل على الساحة، واتمختر كدا بالراحة.
ارتفع صوت ضحكته وكذلك "ميمي" فوقف هو بتأثرٍ بعدما نسى هو ذكرى مولده على عكسهم جميعًا وخاصةً حينما وجد صغاره الثلاثة معهم يقفون في مقدمتهم.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم شمس بكري
كنت لي فرجًا من بعد الكُربة…ونسًا من بعد الغُربة"
_____________________
ضحكت "ميمي" فوجدت الكهرباء تنقطع بالمكان، حينها زفر هو بقوةٍ ثم فتح مصباح هاتفه ليجد فجأةً صوت مشغل الموسيقى يصدح عاليًا في يد أحدهم والأخر يحمل قالب حلوى يعتليها شمعة بحرف "Y" والاخر معه مادة ثلجية ينثرها في الهواء وصدح صوتهم في آنٍ واحدٍ:
_كــل ســنة وأنــتَ طيـب يــا مــهـلبـية.
وقف هو بفاهٍ مفتوحٍ على وسعه فوجد أصدقاءه الثلاثة يقفون أمامه بعدما عادت الإضاءة من جديد، فيما ظل هو مدهوشًا برؤيتهم أمامه وماهي إلا ثوانٍ وجد صوت الصبية الصغار يصدح من عند باب الشقة وهم يغنون مع بعضهم:
_انزل يا جميل على الساحة، واتمختر كدا بالراحة.
ارتفع صوت ضحكته وكذلك "ميمي" فوقف هو بتأثرٍ بعدما نسى هو ذكرى مولده على عكسهم جميعًا وخاصةً حينما وجد صغاره الثلاثة معهم يقفون في مقدمتهم.
اتسعت ابتسامته حتى ركض له الثلاثة مع بعضهم فأخفض نفسه لهم يفتح ذراعيه على وسعهما ليصله صوت الثلاثة ينطقون في نفس اللحظة بصوتٍ غلفه المرح:
_ كل سنة وأنتَ طيب يا أحلى مهلبية في الدنيا كلها.
ضمهم بذراعيه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة يحاول بها إخفاء تأثره:
_كل سنة وانتوا أحلى حاجة في حياة المهلبية، طبعًا مش محتاج اسأل مين قال موضوع المهلبية دا.
ضحكت "جاسمين" وهي تقول بفخرٍ:
_أنا اللي قولتلهم، بس هما مش هقولوا لحد خالص.
حرك رأسه موافقًا بسخريةٍ ثم أضاف مؤكدًا:
_طبعًا على يدي أنا.
اعتدل واقفًا وهو يقول بعتابٍ طفيفٍ للشباب:
_ طب ولازمته إيه التعب دا ؟ هو احنا فيه بينا الكلام دا؟
اقترب منه "خالد" يضع يده على كفه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
_جرى إيه يا هندسة ؟؟ من إمتى حد فينا نسي التاني؟؟ كل سنة وأنتَ طيب ياض وربنا يفرحك بعيالك يا رب.
احتضنه "ياسين" وهو يقول بتأثرٍ:
_ويخليكم ليا يا رب، عشرة العمر كله.
اقترب "ياسر" منه و "عامر" أيضًا وكلاهما عانقه مُربتًا على ظهره، ثم بعدها الصغار بأكلمهم وكان معهم "يونس" الذي شاكسه بقوله:
_جايبلك هدية حلوة أهو علشان لما ييجي فرحي تجيبلي هدية حلوة، بابا قالي إن أهل العروسة بيجيبوا بيجامة العريس.
تلاشت بسمة "ياسين" وردد بتهكمٍ:
_بيجامة العريس ؟؟ هو أنتَ وأبوك وصلتوا لمرحلة بيجامة العريس ؟؟ وقعة أبوكم سودا يا صِيع.
دلف "وليد" في تلك اللحظة يقول مع صغار العائلة بمرحٍ:
_بس ياض، مسمعش صوتك، هو علشان عيد ميلادك هتزيط فيها؟؟ روح نام.
التفت له "ياسين" يسأله بضجرٍ:
_يابني جيت ليه ؟؟ هو حد هنا بيطيقك ؟؟
رد عليه "وليد" بتبجحٍ:
_ليه محسسني إنه كان بيت أبوك ؟؟ دا بيتنا كلنا يا تنح، خسارة في أشكالك الهدية اللي جييتها.
اقترب منه "ياسين" يعانقه وهو يقول بيأسٍ:
_يا أخي تربيتك دخلت في عيني، يخربيت طول لسانك.
ربت "وليد" على ظهره ثم هتف بنبرةٍ هادئة يقول بصدقٍ:
_طب والله العظيم مافي حاجة توفيك حقك ياض، كفاية إنك مخلي اللي ليا طايرة من الفرح علطول.
أبتسم "ياسين" ثم ابتعد عنه يقول بمعاندةٍ له حتى يثير استفزازه:
_ماهي دي قبولي الوحيد يا نجم، يعني مش اي حد برضه.
ضحك "وليد" واضاف يؤيده بقوله:
_معاك حق، هي فعلًا مش أي حد.
تحدثت "ميمي" من خلفهما تقول:
_تعالى يا واد علشان تاخد هديتك.
التفت لها على الفور ثم أقترب منها يضحك باتساعٍ فمدت يدها له بميدالية صغيرة بها مصحف صغير الحجم ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
_مصحف زيك زي أخواتك، ربنا يحفظكم ويبعد عنكم غدر الدنيا وشرها يا رب.
مال عليها يقبل رأسها ثم قال بتأثرٍ:
_ربنا يباركلنا كلنا في عمرك، هشيله معايا ذكرى ويارب يفضل علطول إن شاء الله.
هتف "عامر" بلهفةٍ بعدما نظر لساعة يده:
_طب يلا علشان نقطع التورتة قبل ما تتبهدل.
اقترب "ياسين" يقف وسطهم ثم سأل بتعجبٍ:
_اومال فين الباقي ؟؟ هنقطع التورتة من غيرهم؟.
رد عليه "وليد" بتفسيرٍ:
_آه…الباقي في الليلة الكبيرة إن شاء الله.
عقد ما بين حاجبيه فاقترب منه الصغار يقفون بجواره ليقول "زياد" مسرعًا بلهفةٍ:
_يلا بقى يا عمو "ياسين" علشان نحتفل بعيد ميلادك قبل ما "علي" يروح بيته.
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لهم ثم وقف في المنتصف بينهم وهم يلتفون حوله حتى ركض له "يزن" فوضعه "ياسين" على كتفيه فوصله صوت صغيره يقول بمرحٍ:
_كل سنة وأنتَ طيب يا بابا..بحبك أوي.
رد عليه "ياسين" بتأكيدٍ بعدما تأثر بحديث ابنه:
_أنا اللي بحبك أوي يا حبيب بابا، ربنا يخليكم ليا.
بعد مرور ثواني التفوا حول بعضهم وهو في المنتصف بصغاره وجاورتهم "ميمي" ثم قام هو وصغاره بتطفئة الشمع على قالب الحلوى وأخوته حوله ومعهم الصغار.
_____________________
كانت "فاطيما" تنام بين ذراعي والدتها على الأريكة في الغرفة الخاصة بجلوس الأسرة ففتح "حسن" الباب ليجد مظهرهما سويًا وهي تملس على خصلاتها، فابتسم لها ثم جلس بجوار زوجته يقول بنبرةٍ هادئة:
_دي علامة من علامات الساعة ؟؟ حاضنة بنتك عادي كدا، من غير ماحد فيكم يجيب شعر التاني؟؟ استر يارب.
ردت عليه بنبرةٍ هادئة أعربت عن قدر حبها:
_لأ طبعًا دي روح قلبي، مش واخد بالك إنها نسخة مني؟.
أمعن نظره في وجه صغيرته ليبتسم بصفاءٍ ثم مال على صغيرته يقبل جبينها ثم قال بصوتٍ رخيم:
_نسختين أحلى من بعض، يا بخت العيون اللي بتشوفكم وتتملى بالبصة في وشوشكم.
اتسعت ابتسامتها، فقال هو بنبرةٍ هادئة يهيم في وجهها:
_بقولك إيه صحيح مش ليا في حاجات الدلع دي، وبكره التعبير عن المشاعر الفياضة بس سمعت حاجة حلوة لشاعر على النت وحسيت إنها بتوصفك أو بمعنى أصح بتوصف حياتي معاكي، تسمعيها؟؟
انتبهت له وأمعنت النظر في وجهه بتساؤلٍ لم تنطقه لكنه فهمه واستدله من نظراتها، فابتسم وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_مساء الخير يا كل الخير
يا أمسى وشمسي وبلادي
يا أصفاهم
وأبدعهم
يا أحلاهم
وأجدعهم
يا مفردهم
يا أجمعهم
يا ميت واحدة ف روح واحدة
ما اقولش (معاها) أقول (معهم)
اتاري الدنيا فيها جميل
وحلوه عكس ما اتقاللي
وحظي الحلو مش ضايع
وكان جواكي متشاللي
وجيتلك بعد ما الأيام خدت مني وما ادتنيش
وكنت بعيش عشان كان لازم اني أعيش
وجايلك مستوي م الناس وم الأيام وعمايلها
لكن جوايا نقطة نور حايشها في القلب وشايلها
وقطعه من البازل ناقصه عشان ايدك تكملها
واديني قصاد جمال قلبك
لا مال ولا قوة ولا حاشيه
باداوي جرحي بحنانك
يارحمة ربنا الماشيه
وأملي وكل طلباتي
ايديكي تمر ف جراحي
انا تعبان
انا هلكان
انا قلقان بقالي زمان
وليا كام سنه صاحي
أرق وصداع ، قلق وصراع
وناس فاتت وناس عافرت
وناس ماتت وناس سافرت
ف جسمي بنات وعزف نايات
وجع ف ضلوعي مش متقال
ودمع ف عيني حنفيات
انا موجوع يابنت الناس
واكبر حلم دلوقتي اغمض عيني مش قلقان
يجمعنّي بعنيكي مكان
واعيط مره مش مكسوف
بحبك قبل ما الدنيا تجمعنا انا وانتي
وفتّحتي ف حياتي بيبان عاشت عمر مقفولة
برقة وردة خدتي القلب وروحتي وجيتي وسكنتي
وبالعشرة وبالأيام بقيتي السيدة الأولى
لمعت العبرات في عينيها لا تصدق ما يقوله، فتنهد هو بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ رخيمة:
_دي حقيقة والله، حسيت كدا خير اللهم اجعله خير إنها حياتي معاكي، وإني فعلًا استويت في الدنيا دي لحد ما جيتلك وإن الحلو اللي كان جواكي محدش شافه غيري.
رفعت نفسها حتى وصلت لوجنته ثم قبلته وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_احضني يا "حسن".
ضحك رغمًا عنه ثم قربها منه وهو يقول هادئة:
_سيبتي "علي" يعني يروح عيد ميلاد "ياسين" قولت هتعملي حصار على الواد مش هيخرج.
ردت عليه بقلة حيلة:
_هعمل إيه يعني، الواد شاف عيال العيلة كلها رايحة قولت بدل ما أكسر بخاطره يروح وخلاص، و "وليد" هيخلي باله منه مع عياله و "فارس"، بس وحشني يا "حسن".
تحدث هو بضجرٍ بعدما نفذ صبره:
_يا بت سيبي الواد يشم نفسه بدل ما أنتِ كابسة عليه.
لوت فمها بحنقٍ حتى ربت هو على ذراعها ثم قال بسخريةٍ:
_ربنا يكرمك ويهديكي يا رب يا حبيبتي، قولي أمين.
_أمــيـن.
قالتها بنبرةٍ خافتة ويأسٍ ثم ألقت رأسها على صغيرتها وهو يضلل عليهما بذراعه حتى هبت منتفضة تسأله بلهفةٍ:
_تفتكر هما اتأخروا ؟؟.
تهجم وجهه وظهر اليأس على ملامحه حتى ضحكت هي فضحك هو الأخر معها.
_______________________
في شقة "عمار"
هاتف "ياسين" بمناسبة ذكرى مولده واعتذر منه عن عدم حضوره بقوله:
_تتعوض بقى، وعلى فكرة كلهم رفضوا يعملوا عيد ميلاد علشاني، بس أنا اللي صممت أنهم يفرحوك، ربنا يخليك لينا وتفرح بعيالك يا رب.
رد عليه الأخر بقوله بنبرةٍ هادئة:
_تتعوض مرة تانية إن شاء الله، بس برضه هستناك تقف على رجلك جنبي كدا زي كل سنة، بدل شلة المجانين دول، دول عاوزين يضربوا شماريخ تحت البيت.
ضحك "عمار" رغمًا عنه ثم قال:
_متخافش "خالد" معاهم و هيظبطهم.
رد عليه "ياسين" بتهكمٍ:
_"خالد" مبقاش عاجبني يا أم "خالد"، صحته راحت على تربية الواد "يونس" معدوم الرباية دا.
أغلق "عمار" معه المكالمة بعدما مازحه هو الأخر، ثم انتبه لـ "خلود" وهي تركض له بخطى غير متمهلة تحمل في يدها صينية معدنية فنظر لها بتعجبٍ وسألها بحيرةٍ:
_أنتِ بتجري كدا ليه ؟؟ و إيه اللي في الصينية دا؟؟
ردت عليه بحماسٍ:
_دا الاندومي بتاع البت السوسة "جاسمين".
عقد ما بين حاجبيه وهو يقول بتعجبٍ:
_وليه سوسة ؟؟ البت مكلفة وصارفة بالجامد.
ردت عليه بغموضٍ بعدما ضيقت جفونها:
_علشان هي عارفة أني بحبه بالخضار وجابته بالفراخ، بس على مين بقى ؟؟ ظبطته علشان ناكله سوا.
رد عليها بنبرةٍ ضاحكة:
_بس للأسف أنا مش بحبه، عندي مشكلة معاه.
تلاشت بسمتها وقالت بنبرةٍ هادئة:
_لأ تلاقيك بتعمله غلط، دوقه مني هيعجبك.
لوى شفته بتفكيرٍ حتى مدت يدها له بالمعلقة تضعه في فمه ليتذوقه هو حتى ابتلع الطعام ثم قال مستحسنًا مذاقه:
_حلو أوي، أوي بجد، طب تصدقي البت دي بتفهم؟؟ والله العظيم طلع عندها ذوق، كنت باكله زمان بس بقالي كتير بطلت أكله.
ردت عليه "خلود" بفخرٍ:
_مش اتجوزتني ؟؟ يبقى هتاكله كتير وياسلام بقى لو نجرب الكوري سوا ؟؟ هتبقى حاجة سكر.
لوى فمه يمنةً ويسرى بتهكمٍ ثم نطق ساخرًا:
_يافرحة أمك بيكي، متجوزة علشان نجرب الاندومي ؟؟
حركت رأسها موافقةً ثم هتفت من جديد بنفس الحماس:
_آه عديها يا عموري بقى، زي ما أنتَ اتجوزتني علشان الشاورما كدا وناكلها سوا، محدش أحسن من حد.
كتم ضحكته وهو يقول بنبرةٍ متصنعة الجدية:
_مين اللي فتنلك؟؟ أنا فعلًا كان من ضمن اسبابي أني اتجوز علشان نجرب الشاورما أنا ومراتي سوا، بس دا مش مبرر يا سكر يخليني أكل اندومي، ارتقوا بقى.
لوحت له بذراعها وهي تمسك الطبق الخاص بها تتناول ما به بفمٍ متتليء جعله يضحك حتى أشارت له أن يفعل مثلها ثم قربت منه طبقه فأمسك الملعقة بيده السليمة يأكله، حتى هتفت بحماسٍ من جديد يشبه حماس الصغار:
_تيجي نعمل سباق ؟؟ نشوف مين هيخلص الأول ؟؟
قبل أن يوافق بدأت هي بحماسٍ شديد جعله يعاندها ثم بدأ معها في تناول الطعام حتى انتهيا سويًا ثم نظرا لبعضهما وضحكا كلاهما مع الأخر فهتف هو بفخرٍ:
_محسوبك عدم المؤاخذة شاطر يا خوخة.
حركت رأسها نفيًا وقالت بنبرةٍ مختلطة المشاعر:
_ألعب بعيد يا شاطر مش اشطر مني، بس هسمحلك علشان أنتَ تعبان وأنا زعلانة علشان تعبك أوي، حاسة أني عاوزة احضنك وأعيط.
تصنع التأثر وهو يقول بأسىٰ زائفٍ:
_وأنا نقطة ضعفي مراتي تحس بحاجة من غير ما انفذها ليها، تعالي يا سكر في حضني من سُكات.
ضحكت رغمًا عنها ثم وضعت رأسها على كتفه حتى رفع كفه يربت على خصلاتها السوداء حتى جذبه لمعة هذه الخصلات فسألها باهتمامٍ:
_ألا هو السواد دا طبيعي؟؟ ولا زيت فاتيكا؟؟
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
_لأ زيت زيتون يا "لوز"، بتطمن على البضاعة؟؟
حرك رأسه موافقًا ثم قال بتأكيدٍ:
_أكيد طبعًا، أومال اسيبكم تغشوني يا عيلة الرشيد ؟؟
سألته باهتمامٍ وهي تطالعه بنظراتٍ ثاقبة:
_ودلوقتي ؟؟ غشناك برضه يا دكتور؟؟
حرك رأسه موافقًا فشهقت هي ليضيف هو بنبرةٍ هادئة:
_واحلى مرة اتغشيت فيها، كفاية أني خدتك أنتِ.
أمسكت كتفه بحماسٍ تضغط عليه حتى صرخ هو متألمًا ونطق بنبرةٍ عالية:
_يا بنت المجانين أقسم بالله اتغشيت فيكي.
ضحكت رغمًا عنها وضحك هو الأخر ثم احتضنها وهو يقول بغلبٍ:
_ربنا يكرمك بشوية عقل يا رب، بيقولوا العقل زينة.
ردت عليه بلامبالاةٍ وهي تضع رأسها على صدره:
_مش مهم، كفاية أنتَ عاقل.
______________________
في بيت شباب آل الرشيد.
فوق سطح البيت جلسوا مع بعضهم فلاحظ "وئام" تذمر الفتيات الصغيرات فسأل بتعجبٍ:
_مالهم عيالك يا "طارق" ؟؟
رد عليه بقلة حيلة:
_البيه عمود البيت، قال قدامهم أنه رايح عيد ميلاد "ياسين" وخد الصبيان وسابهم في ارابيزي أنا، هعمل إيه ؟
اقترب منهن "وئام" يجلس بجوارهن ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_ماهو مش هينفع تروحوا علشان "وليد" هيرجع متأخر، بس لو عملوا عيد ميلاد كبير هنروح كلنا.
هتفت "رؤى" بضجرٍ:
_اشمعنا "علي" و "زياد" و "مازن" راحوا ؟؟ و "فارس" كمان؟؟ كان خدني معاه طيب.
ردت عليها "جميلة" بقلة حيلة:
_يا بنتي بقى ربنا يهديكي، هو واخد الولاد بس.
هتفت "روزي" هي الأخرى بنفس التذمر:
_بس أنا كنت عاوزة أروح أنا كمان، طب والله مش هاخده فرحي.
أرتفع صوت الضحكات على حديثها، فأضاف "طارق" بسخريةٍ:
_يا فرحتي وفخري وشرفي، أحيه عليا وعلى تربيتي.
أضافت "عبلة" من بين ضحكاتها:
_حد يتخيل إن دي تربية "جميلة"؟؟ البت دي خلي بالك شكلها هتبقى "خلود" الصغيرة.
هتفت "سلمى" بتذمرٍ:
_مالكيش دعوة بخوخة لو سمحت، هي مش هنا محدش يجيب سيرتها.
رفعت "عبلة" حاجبيها وسألتها بدهشةٍ:
_بتبيعي أختك علشان أخت جوزك يا بطيخة؟؟
عدلت على حديثها بقولها:
_صاحبتي، خلود صاحبتي، وبس بقى علشان هي منفضالي من ساعة ما "عمار" تعب ومش عارفة اكلمها، اللي عملته فيها لما اتجوزت بتطلعه عليا دلوقتي.
تدخل "أحمد" يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_أنا الراجل الوحيد اللي نفسي أختي ومراتي يقاطعوا بعض، والله هيبقى يوم المُنى، علاقة أنا فيها طرف تالت.
ردت عليه "سلمى" بضجرٍ:
_بس أنا اصلًا مش طايقاك، لو بتحبني بجد كنت جيبتها تقعد معايا هنا، ولا تبنيلها شقة جنبي.
لوى فمه يمنةً ويسرى بتهكمٍ ثم نطق بسخريةٍ:
_ياستي اتنيلي على عينك أنا مكفي نفسك ومكفيكم بالعافية، ولسه مصاريف ولادتك اللي مخلياني أكلم نفسي، اتوكسي.
صعد "وليد" لهم يحمل في يده حقائب وفي تلك اللحظة دلف يقول بمرحٍ:
_أهلين وسهلين بالناس السالكين.
عقبه في الوصول الصبية الصغار، بينما هو جلس بجوار زوجته يقول بمرحٍ:
_وحشتيني يا سوبيا.
كتمت ضحكتها فيما قالت "رؤى" بضجرٍ:
_مخدتنيش معاك ليه؟؟ مش كنا نروح سوا كلنا؟؟
أشار لها حتى اقتربت منه ثم اجلسها على قدمه يقول بنبرةٍ هادئة:
_كنت هاخدك إزاي ؟؟ هما قالولي هات الولاد بس، جيبتهم، بس وعد مني مرة تانية هاخد البنات بس وأنتِ أولهم ومعاكم "فاطيما" تمام كدا ؟؟
حركت رأسها موافقةً بوجهٍ مبتسمٍ فقبلها في وجنتها ثم رفع يده يضع الحقائب على الطاولة وهو يقول بزهوٍ:
_بعدين عيب دا أنا صارف ومكلف وجايب ليكم حاجات حلوة علشان مزعلش حد في الأخر مقابلني بالبوز دا ؟؟.
مال "مازن" على أذن "زياد" يقول بنبرةٍ هامسة:
_هو أبوك من دلوقتي بيحجز؟؟ شايل هم البوز علشانك.
هتف "زياد" بسخريةٍ:
_حنين يا حبيبي شايل هم عياله.
استمع لهما "فارس" فقال بسخريةٍ مرحة هو الأخر:
_يا أخي نفسي حد يشيل همي أنا كمان؟؟
نظروا لبعضهم ثم ضحكوا سويًا بصوتٍ عالٍ لفت الأنظار لهم وخاصةً "وليد" الذي انشغل في اخراج الحلوى من المعلبات.
_______________________
وصل "ياسين" بصغاره الثلاثة لشقته، كانت "نغم" بين اليقظة والنوم و "يزن" نائمًا في ثباتٍ عميقٍ، بينما الدُمية الصغيرة عاندت النوم حتى تغلبت عليه وظلت كما هي واعية، حمل "ياسين" صغيريه ثم ادخلهما غرفتهم، وظلت "جاسمين" بجواره تبتسم ببلاهةٍ حتى سألها بضجرٍ:
_أنتِ صاحية ليه يا دُمية ؟؟ ما تنامي ياختي.
ردت عليه بلهفةٍ:
_عاوزة أسهر معاك ممكن؟؟
رد عليها بسخريةٍ:
_لأ مش ممكن، علشان الوقت اتأخر وعاوز أنام و ماما زمانها نامت طالما البيت كله هادي كدا، يلا يا بت روحي نامي.
ضربت الأرض بقدميها وهي تقول بصوتٍ عالٍ:
_دا ظلم والله، يارتني أكون عروسة لعبة أحسن.
رفع صوته يقول بضجرٍ:
_ياريت ياختي على الأقل كنت هجيبك من شعرك من غير خوف على مشاعرك، إذا كان فيه منها أصلًا.
التفتت له تقول بمعاندةٍ:
_طب والله العظيم لأقول لأبوك.
تشدق بنزقٍ يسخر منها:
_أبوك يا بيئة ؟؟ اسمها باباك يا عين أمك.
حركت رأسها تضيف بنفس الطريقة:
_برضه هقوله، وأصلًا بقى عاوزة هدية عيد ميلادي بدل اللي أنا مش جيبتها ليك.
عقد مابين حاجبيه وردد بحيرةٍ:
_يعني مين فينا كدا اللي مداين التاني ؟؟
حركت كتفيها وهي تردد:
_معرفش…بس هقول لباباك برضه.
تركته وتحركت نحو الفراش ترتمي عليه حتى زفر هو بقوةٍ ثم خرج من الغرفة بعدما تأكد من نومها فور ارتمائها على الوسادة.
دلف "ياسين" غرفته بعد ذلك بهدوء حتى لا يوقظ زوجته، لكنه تفاجأ بها تجلس في انتظاره ولكن بهيئةٍ مختلفة تمامًا عن كل مرةٍ يراها بها، كانت ترتدي فستانًا باللون الأحمر يتناسب مع جسدها، وفردت خصلاتها حول كتفيها، ثم وضعت بعض مساحيق التجميل في وجهها، وامامها طاولة قامت هي بترتيبها لأجله.
رمش عدة مراتٍ ببلاهةٍ ثم وقف أمامها يقول بصوتٍ رخيم:
_بسم الله الرحمن الرحيم اللهم بارك، إيه يا عم القمر دا؟؟
ردت عليه بنبرةٍ ضاحكة:
_مش عيد ميلادك ؟؟ لازم يعني يكون حاجة كدا مفيش منها ولا إيه ؟؟ قولت أغير الشكل شوية علشان أوريك الهدايا بتاعتي، يارب تعجبك.
ردد خلفها بتعجبٍ:
_هدايا ؟؟ ليه يا ست الكل، كفاية والله الطَلة دي، مش عاوز حاجة غير كدا خلاص يا كتكوتة.
هتفت بنبرةٍ ضاحكة:
_يعني اكروتك؟؟ هو أنتَ أي حد يا مهلبية؟؟ يلا بس تعالى.
اقترب يقف مجاورًا لها وهو يبتسم بسعادةٍ ولازالت عيناه مُثبتةً على وجهها يتطلع إلى تقاسيمه وخاصةً وهي تضحك له بسعادةٍ قرأها هو على مُحياها، فيما فتحت هي الصندوق الاسود الكبير ثم قامت بإخراج دفترًا باللون الأسود طُبع على غلافه صورته في صغر عمره بمختلف المراحل حتى كبره، وأسفل منها دونت بخط يدها باللون الأبيض:
_العُمر كله مُر…بس في وجودك بيمُر المُر.
أبتسم لها فور وقوع بصره على تلك الجملة، بينما هي تنهدت بعمقٍ ثم قالت بحماسٍ:
_بص دي هدية عمايل ايديا وحياة عينيا، جمعت ليك صور مع كل الناس اللي في حياتك من أول عمو وطنط لحد اطفال العيلة كلهم، وصفحة منهم ليا لوحدي ودا غرور في نفسي وصفحة لكل واحد من صحابك وصفحة "لميمي" يارب يعجبك.
امسكه في يده وكأنه حصل على كنزٍ ثمين بعد سنواتٍ عُجاف، بينما هي تنهدت بعمقٍ ثم قامت بإخراج ساعة معصم رجالية وهي تقول بأسفٍ زائفٍ:
_بدل اللي كسرتها لما كنت متعصبة، يارب متفتكرش وترجع تكشر تاني.
ضحك رغمًا عنه ثم قربها منه بذراعه يضمها إليه وهو يقول بقلة حيلة:
_فداكي كل حاجة، بس متحصلش تاني بدل ما أمد أيدي.
ضحكت هي الأخرى ثم البسته الساعة في معصمه وهي تقول بجديةٍ مُصطنعة:
_ياريت متقلعهاش وترميها لحد ما تتكسر، ساعات الناس مش لعبة يابن الحلال.
رفع حاجبيه مستنكرًا فغمزت له تعضعض شفتها حتى ضحك رغمًا عنه وضرب كفيه ببعضهما.
فيما اقتربت هي من الصندوق تخرج منه لوحًا زجاجيًا يحمل أول صورة تجمعهما سويًا وهي صورة خطبتهما، وأخر صورة لهما برفقة صغارهما، وفي المنتصف تقويم ميلادي ويوم مولده ميزته بالقلب الأحمر، وفي اخر اللوح المعدني شفرة الكترونية.
نظر للوح الزجاجي بتأثرٍ فيما أخرجت هي هاتفها تقول بصوتٍ مختنقٍ من فرط الحماس:
_دي بقى أكتر كلمات لأغنية تخليني أوصف كل حاجة معاك من أول يوم رجلك خطت فيه بيت الرشيد لحد لحظة وقوفي جنبك هنا، اعتبرني أنا اللي بقولهالك وكل كلمة هنا خارجة من قلبي ليك.
أمعن نظره في وجهها حتى قامت هي بتمرير الهاتف على الشاشة الإلكترونية فصدح صوت الكلمات:
_كان قلبي يومها ضايع
بيدور في الشوارع
نفسه يلاقي النور
عاجز وحقيقي حاسس
إنه مهزوم ويائس
طير بجناح مكسور
ونادتنى في عز همى
قوتني وشيلت عني
نسيتني طعم الخوف
قولتلي أنا لسه جنبك
إفتحلي بس قلبك
صدقني وإنت تشوف
ولقيتني بطير من تاني
أحلام لبعيد وخداني
ما بقاش في حدود منعاني
إحساسي بيك قواني
ولقيتني بطير من تاني
أحلام لبعيد وخداني
ما بقاش في حدود منعاني
إحساسي بيك قواني
أنا كنت ساعتها خايف
وخلاص مابقتش شايف
أي أمل موجود
مش قادر أقوم وأكمل
في متاهة ومهما بعمل
في ألف باب مسدود
لحظة ما بقيت معايا
إتغيرت الحكاية
ردتلي تاني الروح
مش مصدق عنيا
شايف في اللحظة ديا
باب السما مفتوح
ولقيتني بطير من تاني
أحلام لبعيد وخداني
ما بقاش في حدود منعانى
إحساسي بيك قواني
ولقيتني بطير من تاني
أحلام لبعيد وخداني
ما بقاش في حدود منعاني
إحساسي بيك قواني
ولقيتني بطير من تاني
أحلام لبعيد وخداني
مابقاش في حدود منعاني
إحساسي بيك قواني
ولقيتنى بطير من تاني
أحلام لبعيد وخداني
ما بقاش فى حدود منعاني
إحساسي بيك قواني.
أبتسم وهو يستمع للكلمات والعبارات وشعر حقًا أنها توصفه وكأن الكلمات كُتبت لأجلهما سويًا وقد أصابت الهدف في الاختيار، لذا فتح ذراعيه لها حتى ارتمت عليه تحاول إخفاء تأثرها الذي ازداد أضعافًا بقوله متأثرًا:
_فاكرة لما قولتيلي أني أحن حاجة جت في العمر ؟؟ عاوز أقولك أني بدأت أحسب العمر دا من أول وجودك فيه يا "خديجة".
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم شمس بكري
لَــكـنـه داري وخــيـر الــدار…. دار أمــان.
____________________
أبتسم وهو يستمع للكلمات والعبارات وشعر حقًا أنها توصفه وكأن الكلمات كُتبت لأجلهما سويًا وقد أصابت الهدف في الاختيار، لذا فتح ذراعيه لها حتى ارتمت عليه تحاول إخفاء تأثرها الذي ازداد أضعافًا بقوله متأثرًا:
_فاكرة لما قولتيلي أني أحن حاجة جت في العمر ؟؟ عاوز أقولك أني بدأت أحسب العمر دا من أول وجودك فيه يا "خديجة".
رفعت رأسها تطالعه بوجهٍ مبتسمٍ ظهرت اللمعة به لذا هتفت بمرحٍ وفرحةٍ كبرى:
_الدار في وجودك أمان يا مهلبية.
ضحك رغمًا عنه فوجدها تضيف من جديد بنفس الحماس:
_بقولك إيه مش كنت بقولك يا "مهلبية" ؟؟ أنتَ اترقيت وبقيت "مهلبية بالقشطة" أبسط يا عم.
ضحك هو الأخر ثم سألها بنبرةٍ بها أثر ضحكاته:
_طب وأخر الليلة دي إيه بقى ؟؟ يعني هدايا وشكلك زي القمر بصراحة تتاكلي من كتر حلاوتك، فيه إيه تاني بقى؟
تنهدت بعمقٍ وأشارت له بالتريث وهي تقول بمرحٍ:
_يابني أصبر على رزقك بس.
حرك رأسه موافقًا وهو يحاول كتم ضحكته، فوجدها تتحرك من الغرفة وهي تركض بلهفةٍ فنظر في أثرها بتعجبٍ حتى وجدها تعود له من جديد تمسك في يدها طبقًا صغير الحجم مستدير الهيئة ويتوسطه قالب كعك صغير الحجم من صنع يدها بنكهته المفضلة، اتسعت ابتسامة عينيه قبل فمه وظل مُحدقًا بها لتقترب هي منه بابتسامةٍ بشوشة وهتفت بفرحةٍ:
_قولت اعملك الكيك اللي بتحبه من ايدي، ب
علشان كل حاجة الليلة دي تبقى من أيدي أنا، إيه رأيك؟
تنهد "ياسين" بعمقٍ ثم هتف بمحبةٍ نطقتها نظراته قبل فمه:
_بصراحة يعني كتير أوي والله، كل حاجة كتير وباين إن فيه مجهود كبير علشاني، حتى لو من غير حاجة كفاية بس إنك هنا.
ابتسمت بسعادةٍ ثم مدت يدها بالطبق وهي تقول:
_طب يلا دوق بقى وقولي رأيك.
أمسك الطبق وأمسك قطعة الحلوى وقبل أن يتذوقها مد يده يطعمها حتى أكلتها هي بفرحةٍ وتناولها من بعدها ثم هتف بقولها المراوغ:
_بس إيه دا يا كتكوتة ؟؟ محدش هيعرف يكلمك بعد كدا، التطور اللي موجود دا مخلي الواحد راسه مرفوع لفوق بيكي، ربنا يباركلي في وجودك.
التفتت خلفها تمسك دفترًا صغيرًا ورافقه قلم وهي تقول بلهفةٍ:
_طب هنا بقى تكتب ليا عيب من عيوبي علشان أغيرهم، يعني حاجة زي لعبة كدا، أو ممكن مثلًا حاجة بقت موجودة فيا مش حاببها، تمام ؟؟
قلب عينيه قليلًا يفكر ثم هتف فجأةً:
_بس أنتِ معندكيش عيوب، ولو فيه أنا هكرفلها خالص.
ابتسمت بتعالٍ وقالت تمازحه:
_يابني هيتقال مكوسينها بقى.
قالت جملتها ثم خطفت الدفتر و القلم وألقتهما على الفراش وهي تقول بتأكيدٍ لحديثه حتى بدا حديثها مرحًا:
_أنا فعلًا معنديش عيوب، ولو فيه عيوب يعني دي لغيري تعتبر مميزات، تنكر ؟؟
حرك رأسه نفيًا في محاولةٍ منه لكتم ضحكته عليها، فتنهدت بعمقٍ ثم قالت من جديد بنفس الهدوء:
_طب فيه اغنية عاوزاك تغنيهالي لو سمحت، ها؟؟
حرك رأسه موافقًا، فذكرت اسم الأغنية ليبتسم هو ثم حمحم بخشونةٍ يُجلي حنجرته فوجدها تقول بضجرٍ من استعداده:
_خلص يا فنان أنتَ مش طالع مسرح ساقية الصاوي، أنجز.
رفع "ياسين" حاجبيه مستنكرًا وهتف بغير تصديق:
_أنتِ ملبوسة يا ست الكل ؟؟.
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ ليقول هو مؤكدًا عليها:
_بس تغني معايا ماشي ؟؟.
سحبت المقعد تجلس عليه وأشارت له يجلس مقابلًا لها ففعل ما أشارت هي به وبدأ معها الغناء بقوله:
_حبيت جميل ياريتني ظله…حبيت جميل ياريتني ظله…حبيت جميل ياريتني ظله….حبيت جميل ياريتني ظله….آه ياعيني…حاز الجمال والحسن دا كله….آه يا حلو يا مسليني ياللي بنار الهجر كاويني…آه يا حلو يا مسليني….ياللي بنار الهجر كاويني….املا المُدام يا حلو واسقيني…من كتر شوقي عليك مابنام.
كانت أمسيتهما سويًا رائعة ومميزة وكأنهما حقل زهورٍ تطوف حوله الفراشات وهي وسطهن أكبر فراشة، لتننهد بعمقٍ ثم قالت بنبرةٍ هادئة:
_أخر حاجة بقى علشان نختم الليلة دي، نفسك في إيه بس يكون في استطاعتي اعمله ليك من غير تعجيز..
اقترب منها يطالع قمسات وجهها وهو يقول بنبرةٍ هادئة أوضحت أنه هائمٌ في ملامحها:
_مش عاوز غير إنك أنتِ وولادي تفضلوا بخير قصاد عيوني، وعاوزك من هنا لحد ما أخر يوم في عمري تقولي إني مزعلتكيش ولا مرة، عاوزك تفضلي كويسة، كل حاجة هتكون كويسة وأنتِ بخير معايا.
اتضحت السعادة على ملامحها وهي تطالع وجهه ثم قالت باندفاعٍ مرحٍ:
_ينفع أقولك إنك مهلبية عاوزة تتلهط مش تتاكل بس.
أبتسم لها وحرك رأسه موافقًا وهو يقول يإبجازٍ:
_طبعًا ياست الكل ينفع.
_____________________
في اليوم التالي جلس "عمار" صباحًا في شرفة شقته بضجرٍ حتى وجد "خلود" تدلف له وهي تمسك في يدها صينية طعام وضعتها على الطاولة أمامه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_يلا أفطر بقى علشان الدوا، قربت أهو يا "عموري"
زفر بقوةٍ وهتف بقلة حيلة قائلًا:
_أنا زهقت من القعدة ومن أني مش عارف اتحرك كدا، عاوز انزل الشغل أهو اقعد في الصيدلية أحسن من قعدتي هنا.
ابتسمت له تقول بلطفٍ:
_أنا ممكن أخليك تتمشى تحت شوية نشم هوا نغير جو، لكن اسيبك تنزل بصراحة لأ، لسه جروحك مفتوحة و فيه رجل متجبسة مينفعش تعمل مجهود عليها، كل دا غلط عليك، قولي عاوز إيه وأنا عيوني ليك غير أني أخليك تنزل تروح الصيدلية دا.
تنهد "عمار" رغمًا عنه ثم قال مُستسلمًا لها:
_مش عاوز حاجة خليني معاكي هنا وخلاص، أهو بناخد بحس بعض بدل ما تزهقي من القعدة لوحدك.
اتسعت ابتسامتها وهي تقول بمرحٍ:
_طب والله قعدتك حلوة أوي، أنا بزهق لوحدي اساسًا.
صدح صوت الباب في هذه اللحظة فسألها هو بتعجبٍ:
_مين هييجي الصبح كدا ؟؟ ممكن يبقى "عامر" ؟؟
حركت كتفيها ثم تحركت تفتح الباب بعدما قالت:
_أنا هقوم أفتح الباب، خليك هنا واشرب الشاي.
ذهبت نحو الباب تفتحه بعدما وضعت الحجاب على رأسها ظنًا منها أنه ربما يكون غريبًا لكنها تفاجئت بـ "وليد" أمامها فشهقت بفرحةٍ وهي تقول:
_"ليدو" ؟؟ إيه المفاجأة العسل دي ؟؟
دلف معها وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
_بصراحة كنت رايح مشوار قريب من هنا تبع الشغل قولت أجي اتطمن عليكم، "عمار" صاحي ؟؟
حركت رأسها موافقةً وأشارت له ليدخل معها فدلف مبتسم الوجه وقال لزوجها بنبرةٍ مرحة:
_صباح الخير يا عموري، اخبارك إيه يا دكتور؟؟
حاول "عمار" أن ينهض أحترامًا له فردع "وليد" حركته تلك بقوله:
_ياعم صل على النبي بتعمل إيه؟؟ اقعد بس كدا أنا مقدر.
رد عليه "عمار" بوجهٍ مبتسمٍ:
_طب كويس إنك مقدر بقى، اقعد أفطر معانا.
جلس "وليد" و جلست "خلود" هى الأخرى وسطهما تضع أمامه الطعام فيما قال هو بنبرةٍ هادئة:
_لو وراك مشوار عند دكتور أو حاجة أنا موجود أهو، قولي علشان الشباب كلهم في الشغل استغلني بقى.
رد عليه "عمار" بلطفٍ كعادته يشكره:
_متشكر يا حبيبي تسلم، "خلود" هنا قايمة بالواجب ومش مخلية عليها أي حاجة، ربنا يقدرني بس وأرد جمايلها دي.
هتف "وليد" بثباتٍ يوضح له الأمر:
_أولًا دي تربيتي، ثانيًا مفيش جمايل بتبقى بين راجل ومراته يا "عمار" الاتنين في الأصل واحد كل واحد فيهم بيكمل التاني، وهي بتكملك، ثالثًا بقى ميغركش الوش الحنين دا منها علشان دي لو طلعت مبدأ واحد من مبادئها عليك هتزعلك.
سألهما "عمار" بوجهٍ مبتسمٍ:
_هو إيه سر القرب دا ما بينكم ؟؟ رغم إن الفرق بينكم كبير
رد عليه "وليد" بزهوٍ:
_الدماغ واحدة، أنا وهي شبه بعض، إنما "خديجة" دي كانت زي ملجأ أمان لينا بعد البلاوي اللي بنعملها، إنما "خلود" زيي في كل حاجة، مبتعرفش تسيب حقها ولا تعرف تدي حد أكبر من قيمته اللي يستاهلها، عكسك كدا.
سأله "عمار" باهتمامٍ بعدما لفت نظره الحديث:
_عكسي إزاي يعني؟؟
رد عليه "وليد" بنبرةٍ ضاحكة يقول:
_يعني طيب وقلبك أبيض وممكن تعتزل ما يؤذيك عادي بكل سهولة، على عكسي أنا والبت السوسة دي.
ابتسمت "خلود" بفخرٍ فيما أضاف "وليد" بلباقةٍ:
_ساوي وش ما يؤذيك بالأسفلت ونبقى نعتزله بعدين بقى في رواقة.
اتسعت عينان "عمار" بخوفٍ وهتف ببلاهةٍ:
_ياما !! احفظنا يا رب من قلبة عيلة المجانين دول.
ردت "خلود" بنبرةٍ ضاحكة تحاول طمأنته:
_لا متقلقش أنتَ ليك غلاوة خاصة عندنا، أمان.
تدخل "وليد" يضيف مؤكدًا:
_بالظبط كدا أمان، أوعى تقلق بس لو زعلت اختي أنا هخليك متفرقش عن الأسفلت يا عمورها.
خطفها "عمار" يقربها منه وقبل رأسها وهو يقول:
_في عيني وعلى راسي وجوة قلبي، هو أنا أقدر ازعلها؟؟
ابتسم "وليد" رغمًا عنه ثم هتف بحبٍ لهما:
_ربنا يخليكم لبعض ويقومك بالسلامة إن شاء الله.
هتف "عمار" بلهفةٍ وكأن الفكرة جالت بخاطره في هذه اللحظة:
_ممكن أطلب منك طلب ؟؟
نظر له "وليد" مستنكرًا ينتظر طلبه، وكذلك "خلود" التي تعجبت من لهفته في الحديث بهذه الطريقة.
________________________
في شقة "ميمي" وقف "يونس" يمسك المُصحف في يده وهو يقرأ منه ويراجع قبل الذهاب إلى المسجد، فاقترب منه "زين" يسأله بحيرةٍ:
_كل مرة أكون حافظ كويس وأجي عند التسميع أقف زي القطر العطلان، واللي بيكون ملقلق "عمر" بيسمع كويس، أنا مش عاوز أروح.
أغلق "يونس" المصحف وقال بنبرةٍ هادئة:
_علشان بتحط في دماغك إنك هتغلط، بس جرب كدا تثق في نفسك وسمع زي ما بتسمع هنا، والله هتلاقي نفسك حافظ كويس، اسأل "عمر" عمو "عامر" خلاه يحفظ إزاي.
اقترب "عمر" يقول بمرحٍ وزهوٍ في نفسه:
_احفظ كل أربع آيات لوحدهم وسمعهم لنفسك مرة صوت ومرة كتابة علشان كل حواسك تبقى واخدة على اللي بتحفظه، بعدها بقى سمع لنفسك وكل ما تحفظ هات من الأول، واعتبر إن الشيخ دا هو أنتَ علشان متتوترش، أنتَ مش بتعمل حاجة غلط يعني.
أبتسم "يونس" وأشار على صديقه قائلًا:
_شوفت بقى ؟؟ أهو دا كان أكتر واحد فينا مش بيحفظ آيتين على بعض، فاكر لما كان صغير وروحنا نسمع جزء عم ؟؟
ضحكوا جميعًا و كذلك "ميمي" التي قالت بقلة حيلة:
_ربنا يسامحه فضح أبوه في الجامع.
هتف "عمر" بحنقٍ يبريء نفسه:
_ماهو أنا كنت عيل صغير، أكيد مش قصدي أهزر في كلام ربنا يعني، الكلمة كانت صعبة عليا أوي.
هتف "زين" بضجرٍ منه:
_كلمة إيه اللي صعبة ؟؟ اسمها يوسوس في صدور الناس، حضرتك فضحتنا وقولت يوسوس في خدود الناس، الشيخ نفسه معرفش يعاقبك ولا يكمل عادي ولا يمسك نفسه من الضحك، أخرس خالص.
رد "يونس" بنبرةٍ ضاحكة حينما تذكر:
_أنا كل اللي بيضحكني الشيخ لما قاله دا ذنب عليا ولا ذنب عليك ولا مين فينا يا ابني اللي هيتحاسب.
تدخلت "ميمي" تقول بنبرةٍ ضاحكة:
_اهو ربنا يسامحه بقى كان عيل صغير، المهم أنه عرف أهمية كلام ربنا ومينفعش نهزر ولا نبدل الكلام بغيره طالما مش حافظينه، ربنا يسترها عليكم.
تحدث "زين" بلهفةٍ:
_هو "يزن" لسه مجاش كل دا ؟؟ هنتأخر.
تحدث "يونس" بثباتٍ:
_أنا هروح أجيبه وأجي علشان محدش هيعرف يجيبه.
تحرك "يونس" بعدما استأذن منهم وتحرك من المكان، وبعدها بمرور دقائق صدح صوت الباب فركض "عمر" يفتحه ليجد أمامه "وليد" و معه "عمار" و "خلود" فهتف بغير تصديق:
_"عــمار" ؟؟ جيت إزاي ؟؟
رد عليه "وليد" بنفاذ صبرٍ:
_ما شاء الله نسخة من اللي خلفك، هو أنا شفاف يالا؟؟
رد "عمر" بنبرةٍ ضاحكة:
_اقصد يعني جه هنا إزاي وهو تعبان، علشان رجله.
دلف "وليد" يسانده وهو يقول بغيظٍ منه:
_جاي بالهيلوكوبتر بتاعة الحج "فهمي" مش جدك برضه تاجر طيارات ؟؟
رد عليه "عمر" بسخريةٍ:
_لأ تاجر غواصات، بيتعامل تحت المياه.
هتف "وليد" يشاكسه بقوله:
_طب يلا يا سكر من هنا، بدل ما ارميك في نص البحر.
رد "عمر" بنبرةٍ ضاحكة لعوبة تعبر عن شقاوته:
_اللي شافني بغرق في نص البحر ومرماش ليا عوامة، أول ما أخرج على الشط هقوله مع السلامة.
ضحك الموجودون بأكملهم فيما تحرك "عمار" نحو "ميمي" الذي تعلقت عيناها به وهي تدمع من هيئته، فقال هو بنبرةٍ هادئة:
_بصراحة وحشتيني اوي ومقدرتش احوش نفسي عنك أكتر من كدا، علشان كدا ما صدقت الفرصة جاتلي أجيلك هنا.
رفعت كفها تمسح على رأسه بينما هو جلس بجوارها فوجدها تقول بحزنٍ:
_كنت هتجنن علشان أشوفك وهما محدش فيهم رضي يطاوعني ويجيبني ليك، بس برضه كنت هحاول أجيلك.
نطق هو بحبٍ بالغٍ لها:
_وأنا كان نفسي أشوفك برضه، ماصدقت لقيت "وليد" وعرض عليا المساعدة، لو عاوز ياخد أخته ويمشي مع السلامة بقى أنا هنا في آمن مكان في الدنيا.
ضحكت "خلود" لهما ثم اقتربت منها تقبل رأسها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_وحشتيني يا ماما، عاملة إيه؟؟
تأثرت "ميمي" من هذه الكلمة لذا احتضنتها تربت عليها وهي تقول بنبرةٍ باكية:
_كويسة يا قلب ماما، وبقيت كويسة لما شوفتكم سوا.
تحرك "وليد" نحوها يشاكسه بقوله:
_طب إيه بقى ؟؟ هخلع أنا ولا إيه؟؟
ردت عليه بوجهٍ مبتسمٍ:
_إزاي بقى ؟؟ دا أنتَ كبير الليلة دي، أقعد نورنا.
هتف "زين" بحماسٍ:
_اقعد "يونس" راح يجيب "يزن" علشان تسميع القرآن، إحنا كلنا كنا بايتين عند جداتنا، بس هو روح إمبارح.
_____________________
وصل "يونس" لشقة "ياسين" وقد فتحت له "جاسمين" الباب ترحب به قائلةً:
_ازيك يا "يونس".
رد عليه مبتسم الوجه وقال:
_كويس الحمد لله، أنتِ عاملة إيه؟؟
حركت رأسها موافقةً وصدح صوتها عاليًا:
_يا ماما…هاتي ابنك يلا.
ضحك "يونس" على طريقتها فخرجت "خديجة" تقول بسخريةٍ:
_ابنك ؟؟ على أساس إنك جاية من الشارع ؟؟ خشي جوة.
تحركت "جاسمين" نحو الداخل تغني بمرحٍ:
_من غيري الدنيا دوارة…من غيري تحس بخسارة.
حاولت "خديجة" الاتصاف بالصبر بينما "يونس" حاول جاهدًا كتم ضحكته ليجدها تقول بقلة حيلة:
_تعالى يا "يونس" ادخل يا حبيبي.
رد عليها بأدبٍ:
_ربنا يخليكي مرة تانية يكون عمو "ياسين" هنا، هاتي بس "يزن" علشان منتأخرش.
ابتسمت له بفخرٍ فاقترب "يزن" منهما ركضًا بحماسٍ حتى أمسك "يونس" كفه وقال يوعدها:
_هجيبه لحد عندك هنا زي ما أخدته، تمام ؟؟
حركت رأسها موافقةً وهتفت بصدقٍ:
_واثقة فيك، خلوا بالكم من نفسكم بس.
تحرك "يونس" بالصغير في يده، بينما هي تنهدت بعمقٍ وانتظرت نزولهما ثم دلفت الشقة لتجد "نَـغم" تقوم بملء زجاجات المياه، بينما الأخرى جلست أمام التلفاز تأكل الكعك المتبقي، لذا هتفت "خديجة" بيأسٍ منها:
_مفيش دم خالص ؟؟ نقوم كدا نعمل حاجة.
ردت عليها "جاسمين" ببراءةٍ:
_ما أنا باكل أهو هعمل إيه تاني؟.
تحدثت "خديجة" بسخريةٍ ترد عليها:
_يا سلام ؟؟ مجهود جبار ربنا يقويكي يا قلب ماما.
اقتربت "نَغم" من والدتها تقول بتعجبٍ:
_ماما هي مش دي ساعة بابا اللي محطوطة على السفرة وكانت مكسورة وهو زعل ؟؟ صلحتيها؟؟
ردت عليها بقلة حيلة:
_لأ…جيبت واحدة جديدة ليه أحسن، يلا إن شاء الله ماحد حوش.
سألتها "جاسمين" بسخريةٍ:
_وأنتِ تكسريها ليه أصلًا ؟؟.
شردت "خديجة" في هذا اليوم منذ عدة أشهر عديدة وياليتها ما تذكرته.
كانت تجلس مع صغارها الثلاثة في إحدى الليالي الشتوية الباردة ولسوء الحظ كان الثلاثة الصغار يشعرون بالتعب حتى ارتفعت حرارتهم وبدا الاعياء واضحًا عليهم، وهي بمفردها معهم لم تعرف كيف تتصرف وخاصةً أن الدواء نفذ من البيت فأصبح الأمر متعسرًا.
هاتفت "ياسين" على هاتفه مرارًا وتكرارًا حتى يأتي لهم بالدواء أو يتصرف لحين موعد عودته خاصةً أن الفتيات كلٍ منهن ذهبت لبيت والدتها، لذا كانت تشعر بالقلق على صغارها فحاولت من جديد الإتصال به لكن دون جدوى حتى هاتفت "أحمد" يسأل زوجته"سلمى" التي كانت لها خير المعين في ذلك الوقت واخبرتها باسم الدواء لترسله إلى الصيدلية حتى يأتي به العامل إلى بيتها.
مر بعد ذلك عدة ساعات أخرى ازداد فيها تعب "نَـغم" أكثر من أخوتها وارتفعت حرارتها أكثر حتى أتى"ياسين" في موعدٍ متأخر عن عمله بكثيرٍ وبمجرد ظهوره في الشقة اقتربت منه "خديجة" تسأله بنبرةٍ جامدة:
_أنتَ كنت فين كل دا ؟؟ ومش بترد عليا ليه؟؟
رد عليها بتعجبٍ من انفعالها الغير مبرر:
_في الشغل هكون فين يعني؟؟ مالك شايطة كدا ليه؟
ردت عليه بنبرةٍ عالية وقد تلفت أعصابها:
_شايطة من عمايلك فيا، معاك تليفون ليه مش فاهمة، والبهايم اللي هنا يولعوا يعني؟؟؟ طب اتصل أسأل يمكن فيه مصيبة ولا حاجة.
رد عليها بنبرةٍ جامدة هو الأخر:
_أنتِ بتزعقي ليه؟؟ اتكلمي بالراحة مبتعرفيش..؟؟ أهدي شوية على نفسك مش كدا.
اغتاظت أكثر من بروده فيما تحرك هو يضع حقيبته على الطاولة وخلع ساعة معصمه يضعها على الطاولة وقال بسخريةٍ:
_فيه أكل بقى ولا هناكل نكد النهاردة ؟؟.
اقتربت منه تقول بضيقٍ أكثر:
_أنا مش فيا دماغ لهزارك وبرودك والله، عيالك تعبانين هما التلاتة وكل شوية واحد فيهم يسخن أكتر ويرجع، وأنا هنا زي المضروبة على راسي وأنتَ عمال تتبارد ؟؟ قافل الزفت اللي معاك وفتحته بعدها اتصل حتى.
نظر لها بدهشةٍ وصمت من طريقتها الغريبة وعدائيتها المصدرة نحوه بينما هي زاد ضيقها من صمته وقد نفذت طاقتها بشكلٍ كامل لتمسك ساعته تضربها بالأرض وهي تهفت به بنبرةٍ عالية:
_مـــا ترد ؟؟ أنتَ هتسكت وتسيبني أكل في نفسي؟؟
أمسك يدها يضغط عليها وهو يقول محذرًا لها:
_أنا هعديهالك لحد ما أشوف عيالي مالهم، بس اللي بيحصل دا عبط مش بالسهل أعديه.
دفعها من أمامه وتحرك نحو غرفة صغاره يطمئن عليهم فدلفت خلفه تنطق بتهكمٍ:
_بعد إيه بقى ؟؟ لسه فاكر ؟؟
زفر بقوةٍ ثم التفت لها يقول بنفاذ صبرٍ:
_"خديجة" عدي ليلتك أنا جاي على أخري روحي يابنت الناس نامي وعدي الليلة بدل ما نزعل سوا..
اقتربت منه تحاول التحدث فأوقفها بإشارةٍ منه حتى زفرت هي في وجهه ثم تحركت من الغرفة تضرب الباب خلفها بعنفٍ جعله ينظر في دهشةٍ من تغيرها، بينما هي ارتمت في الخارج على الأريكة بأعصابٍ منهارة بعد القلق الذي عاشته في تعب صغارها والمرور بين الغرف تعاون كلٍ منهم في الذهاب للمرحاض، اطمئن "ياسين" على صغاره في الداخل ثم خرج يسألها بتهكمٍ:
_هتدخلي تنامي ولا تروحي على بيت أهلك؟؟
زفرت بقوةٍ فاقترب منها يقول بنبرةٍ جامدة:
_محسساني أني كنت بلعب، أنا والله العظيم كنت بشتغل والتليفون مكانش معايا والله، أكيد مش بايدي أني ماردش ولما لقط شبكة مركزتش أصلًا.
زفرت هي بقوةٍ ومسحت وجهها وقالت بنبرةٍ مختنقة:
_وأنا أول مرة اشوفهم تعبانين كدا، أعصابي باظت على تعب كل واحد فيهم، كل شوية أروح أوضة واحد فيهم الاقيه بيترعش وبيرجع، وسخن، وأنا أول مرة ملاقكش موجود، هما كويسين صح ؟؟
سألته بنبرةٍ أوشكت على البكاء ليحرك هو رأسه موافقًا فبكت هي بخوفٍ ولأول مرة تختبر تعب الصغار مع بعضهم، فتنهد هو بعمقٍ واحتضنها يقول بقلة حيلة:
_والله كويسين وبكرة الصبح هاخدهم لياسر المستشفى، أهم حاجة إنك تطمني أنهم بخير وأنك تكوني بخير أنتِ كمان.
خرجت من شرودها على صوت صغيراتها وكانت مبتسمة الوجه وهي تتذكر حنانه عليها حتى في أوقات غضبها وخطئها هي يحن عليها وكأنها لم تقترف الخطأ قط.
______________________
في شقة "حسن المهدي" لم يذهب لعمله بل أنهى عمله في البيت وكانت "فاطيما" تجلس بجواره تراقب ما يفعله حتى أغلق حاسوبه فظهرت صورته مع "هدير" بجوار الكعبة المشرفة فسألته هي بتعجبٍ:
_بابا هو ليه أنتَ مش عندك صورة فرح مع ماما ؟؟
أتت "هدير" من الداخل عند هذا السؤال وقالت بحزنٍ مصطنعٍ:
_كروتني ابن "المهدي".
رفع "حسن" أحد حاجييه ثم ابتسم لصغيرته وحملها على قدمه يقول بنبرةٍ هادئة:
_أنا قررت ياستي أننا منعملش فرح وقولنا نروح المكان دا أحسن بدل الفرح، علشان نرجع زي ما إحنا كدا، ماما لبسها حلو و واسع وأنا بصلي علطول، وبحاول احفظ زيكم القرآن، كان ممكن نعمل فرح بس تيتة كانت لسه ميتة، علشان كدا روحنا عملنا عمرة.
حركت رأسها موافقةً بتفهمٍ ثم هتفت بحماسٍ:
_طب ممكن توديني هناك؟؟ مش جدو "محمود" راح هناك وقال إنه هيروح عند سيدنا "محمد" ؟؟
حرك رأسه موافقًا لترد هي بنفس الحماس:
_عاوزة أروح أنا كمان هناك بس وأنا صغيرة.
أبتسم لها "حسن" وقال بمرحٍ:
_قولي يا رب ييسرها معايا شوية وأنا هوديكي وأنتِ صغيرة وناخد "علي" معانا.
سألته "فاطيما" بتعجبٍ:
_مش هتاخد معانا ماما؟؟.
رد عليها بسخريةٍ يمازحها:
_ماهي راحت قبل كدا من غيركم كانت خدت حد فيكم معاها؟
اقتربت منهما "هدير" تقول من بين أسنانها:
_دا أنا هروح فيكم في داهية أنتوا الجوز.
مال "حسن" على أذن ابنته يقول بسخريةٍ:
_مش أنا كنت بقولك إن السندريلا مرات أبوها تعباها؟؟ دي بقى أمنا الغولة اللي بتاكل بنتها.
ضحكت "فاطيما" باتساعٍ فكمم "حسن" فمها وقبل رأسها وهو ينظر لزوجته التي رفعت حاجبها وطرف فمها وهي تراقب الصغيرة بين ذراعي أبيها.
_________________________
في شركة الشباب جلسوا مع بعضهم الثلاثة فهتف "طارق" براحةٍ تخللت صوته:
_كدا هنبقى جاهزين نفتح الفرع التاني بس نخلص الورق ونتأكد أنه تمام هيكون تحت إدارة "أحمد" و "حسن " مع بعضهم.
هتف "أحمد" بنبرةٍ هادئة:
_بص "سلمى" تبدأ تخلص في الشهر التامن وأنا عيني ليكم، بس قبل كدا مش هعرف، علشان بس أكون فايقلك.
تدخل "وئام" يهتف بنبرةٍ مرحة:
_لأ في دي عندك حق، ربنا يكرمك والباشا ينور الدنيا بخير
رد عليه "طارق" بنبرةٍ ساخرة:
_ألا قولي صحيح، هتحتفل بعيد جوازك هنا ولا في اسكندرية لما نروح المصيف ؟؟
هتف "وئام" خلفه مستنكرًا:
_عيد جوازي ومصيف مع بعض ؟؟؟
نظر له الإثنان بتعجبٍ فيما عقد ما بين حاجبيه ثم شهق بلهفةٍ وهو يقول:
_أنا نسيت عيد جوازي ؟؟
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم شمس بكري
قيل ذات مرةٍ عن سحر العيون:
أنا هُنا واقع أسير لا أريد حرية ولا أريد أن أكون الأمير
_______________________
في شقة "مـيمي" كان "عمار" يجلس بجوارها وهي تطعمه في فمه طبق الحلو الذي عُرِفَت بمهارتها في صناعته وقد عاونتها "خلود" في هذا وهي تتعلمه منها، بينما "وليد" أنتظر لحظاتٍ حتى جلس معهم يأكل هو الأخر.
هتف "عمار" بلهفةٍ يوقف يد "ميمي" التي اقتربت منه بملعقةٍ كبرى تدخلها في فمه:
_خلاص والله مش قادر يا "ميمي"، دا تالت طبق أكله.
ردت عليه بوجهٍ مبتسمٍ:
_مليش دعوة خلص الطبق دا كمان، أنا قومت مخصوص علشانك، يلا يا ودا متتعبنيش بقى.
تنهد بثقلٍ وفتح فمه مُرغمًا على ذلك، فضحك "وليد" وهتف يشاكسه بقوله:
_مش فضلت تزن إنك عاوز تيجي هنا، ابلع يا حبيبي، ابلع.
حرك رأسه موافقًا بقلة حيلة ثم ابتلع الباقي، بينما "خلود" اقتربت منه تمد يدها بزجاجة المياه هاتفة بنبرةٍ هادئة:
_اشرب يا "عمار" وشك أحمر أوي.
حرك رأسه موافقًا فعاونته هي في تناول المياه حتى تنهد بعمقٍ وهتف بلهفةٍ:
_"ميمي" !! أبوس إيدك كفاية، خلاص مش قادر.
تركت الطبق من يدها به تقريبًا مقدار ملعقتين وهتفت بنزقٍ:
_خلاص أنتَ حر بقى، بكيفك.
وقف "وليد" يقول بنبرةٍ هادئة بعدما ترك طبقه:
_طب أنا مضطر أمشي، تسلم إيدك يا "ميمي" عاوزين حاجة بقى مني ؟؟ لو كدا ممكن أجي اروحك كمان شوية يا "عمار".
رد عليه الأخر بلطفٍ يعبر عن امتنانه:
_يا باشا كتر ألف خيرك لحد كدا، تسلم وأنا هكلم "عامر" ييجي يوصلني كفاية عليك كدا النهاردة بقى.
حرك رأسه موافقًا ثم قام بتوديعهم ورحل من المكان، فيما تحركت "ميمي" تستند على عصاها وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_طب هروح أنا بقى أصلي في الأوضة وأفرد رجلي شوية، خدوا راحتكم هنا لحد ما العيال يرجعوا من المسجد.
حركا رأسيْهما بموافقةٍ لها حتى اختفى أثرها تمامًا فحملت "خلود" الأطباق الفارغة ودلفت للداخل وهو يراقبها بوجهٍ مبتسمٍ لتعود له من جديد بعدما قامت بجليهم تتنهد بعمقٍ ثم خلعت حجابها وفردت خصلاتها حينما رفرفت برأسها لتنفرد خصلاتها حول وجهها حينها تنهدت بعمقٍ واقتربت تجلس بجواره ثم قالت بنبرةٍ هادئة وهو يتابعها بعينيه المُثبتة فوق وجهها:
_فيه علاج دلوقتي مضاد حيوي، تاخده ولا لما تاكل؟؟
حرك رأسه نفيًا وهتف بشرودٍ:
_والله ما عارف، أنتِ شايفة إيه ؟؟
كتمت ضحكتها واقتربت منه بدلالٍ يتنافى مع قولها:
_شايفة إننا نبطل دلع وتاخد علاجك أحسن.
حرك رأسه موافقًا بقلة حيلة بينما هي تحركت تفتح حقيبة ظهرها ثم أخرجت منها الدواء الخاص به و وضعته بين شفتيه ثم أعطته المياه يرتشف منها حتى ابتسمت له وهي تقول برقةٍ:
_ربنا يجعله بالشفا إن شاء الله.
رفع عينيه نحوها وابتسم لها قائلًا:
_تعرفي، وجودك مش محسسني أني تعبان ولا حتى حاسس إن فيه أي وجع، وكفاية إصرارك إن محدش يساعدك أو حتى يكون معاكي في المسئولية دي، كتر خيرك يا "خلود".
تنهدت بعمقٍ وهتفت بنبرةٍ هادئة تعاتبه بقولها:
_ماهو محدش بيشكر مراته برضه يا "عمار"، دا حقك عليا كزوج وبعدين هو أنا يعني بعمل حاجة ؟؟ المهم عندي أشوفك كويس وبخير، ومتكونش زعلان مني في أي حاجة.
جاوبها بلهفةٍ فور نطقها بحديثها الأخير:
_مستحيل….هزعل منك إزاي؟؟ لو زعلان فأنا زعلان علشانك أنتِ، وعلشان المجهود اللي بتعمليه، لو كنت بحبك قيراط فَـ حُبك اتضاعف في قلبي ٢٤ قيراط.
أبتسمت له بحماسٍ وحركت رأسها نحوه تقبل وجنتيه كل منهما على حِدة، فيما رفع عينيه نحوها فوجدها تبتسم وهي تقول بثقةٍ بثها لها حديثه:
_كلامك جه في وقته، شكرًا أوي أوي.
ابتسم لها وصمت عن الحديث ليجدها تعانقه بذراعيها تضمه إليها وقالت بنبرةٍ هادئة:
_أنا بحبك أوي أوي أوي.
تعجب هو من طريقتها _الغريبة من وجهة نظره_ لكنه رفع ذراعه الحُر الغير مصاب وربت على ظهرها يضمها إليه قائلًا بنبرةٍ رخيمة:
_لو كل حاجة القلب اختارها صح، أنتِ بقى الاختيار الأصح.
ارتفعت ضربات قلبها بصخبٍ وكأنها المرة الأولى التي يعبر بها لها عن مشاعره، مما أكسبها جُرأة جعلتها تقول بحماسٍ:
_"عمار" ينفع أحط راسي على كتفك وتلعب في شعري ؟؟ معلش عاوزة أجرب الإحساس دا دلوقتي.
عقد ما بين حاجبيه لكنه حرك رأسه مومئًا لها فوجدها تبتسم له وهي تقترب منه تضع رأسها على كتفه وأغمضت جفونها ليقوم هو برفع أنامله يُدلك رأسها ورفع ذراعه الأخر المُصاب يضمها به حتى أبتسم هو الأخر ووضع رأسه بجوار رأسها ولازالت أنامل كفه تتحرك في خصلاتها برقةٍ، أما هي فسكنت بجواره تمامًا وكأنها حصلت على استراحة المحارب بعد استيقاظها مُبكرًا تجهيزًا لطعامه ودوائه ومراعاة جروحه ومداواتها.
________________________________
في مقر عمل الشباب.
سألهما "وئام" بلهفةٍ حينما تذكر ذكرى زواجه:
_استنوا بس، هو المفروض أنه بكرة ؟؟ يا جماعة حد يفكرني، اتاريها عمالة تقولي لسه صغير على الزهايمر.
كتم "طارق" ضحكته رغمًا عنه وكذلك "أحمد" الذي قال بنبرةٍ ضاحكة:
_عادي أنا تاني سنة مراتي هي اللي فكرتني وقالتلي أجيب ليها هدية حلوة، عديها يا عم وأعمل نفسك مش واخد بالك.
دلف لهم "وليد" في هذه اللحظة يلقي عليهم التحية ثم جاور "أحمد" في جلسته وهتف بنبرةٍ هادئة:
_مالكم ؟؟ شكل فيه كارثة مش متطمن ليكم.
هتف "طارق" بسخريةٍ:
_لأ أبدًا أخوك نسي عيد جوازه اللي هو بكرة.
حرك كتفيه بلامبالاةٍ وهتف مُستخفًا بالأمر:
_طب وفيها إيه يعني ؟؟ ماهو عامل نفسه نسي علشان بيجهز ليها مفاجأة حلوة، مش كدا يا "وئام" ؟؟
نظر له أخوه بتعجبٍ و وزع نظراته بين البقية وهتف بحيرةٍ:
_أنا !! بقولك ناسي أصلًا اليوم، ماتفوق شوية.
أرجع ظهره للخلف وابتسم بخبثٍ لمعت به عيناه، ثم نطق بنبرةٍ ثابتة:
_ومين قالك إنك ناسي؟؟ بقولك كنت بتعمل مفاجأة ليها اللي هي هتحضر النهاردة بليل، تسمع كلام أخوك ولا تخرب بيتك؟
وزع "وئام" نظراته مُتسائلًا ثم هتف مُتلهفًا:
_لأ….نسمع كلامك أحسن، هتعمل إيه؟؟
تلاشت بسمته وتصنع الجمود ثم قال بلامبالاةٍ:
_ميخصكش، سلام.
ضرب أخوه كفيه ببعضهما وهتف بدهشةٍ من طريقته:
_هو مين فينا الكبير يا جدعان ؟؟.
______________________________
في شقة "ميمي"
كان السكون يُخيم على المكان بعد نومها وسكون "خلود" بين ذراعي "عمار" الذي سكنَ هو الأخر بقربها ويحاوطها بكلا ذراعيه، لكن الصمت لم يبقى طويلًا بل تلاشى تمامًا بدخول الصبية الصِغار للشقة يركضون خلف بعضهم بعد عودتهم من المسجد وضحكاتهم العالية تصدح في البيت لكن تلك الضحكات توقفت فور وقع بصرهم على "خلود" بين ذراعي زوجها تنام قريرة العين.
ابتسم "عُمر" بخبثٍ وأخرج هاتفه على الفور يلتقط لهما صورة سويًا بقرب بعضهما وهو يضحك ببلاهةٍ وكأنه يرى لقطة من فيلمٍ سينمائي، اقترب منه "يونس" يقول من بين أسنانه بغيظٍ:
_أنتِ قليل الأدب يالا ؟؟ بتصور عمك ومراته؟؟
حرك رأسه موافقًا وهتف مؤكدًا:
_آه….محدش رباني.
لكزه "يونس" في مرفقه، فيما فتح "يزن" الضوء وهو يقول بنبرةٍ طفولية أعربت عن مرحه:
_اصحى يا "عمار" وصحي خالتو يلا.
انتبه "عمار" لصوته ففتح عينيه رويدًا رويدًا وسرعان ما انتبه لـ "خلود" النائمة بين ذراعيه فاعتدل بلهفةٍ جعلتها تستيقظ هي الأخرى، فضحك "يونس" وقال بثباتٍ:
_اتطمن الدار أمان، هندخل المطبخ كأن مفيش حاجة حصلت، ثق فيا يا غالي.
تحرك بالصغار نحو الداخل، فتنهد "عمار" ثم مسح وجهه لتسأله "خلود" بلامبالاةٍ:
_مالك يا "عمار" ؟؟ دي عيال صغيرة.
نظر لها بدهشةٍ وهتف مستنكرًا:
_عيال صغيرة ؟؟ دي عيال معدومة الرباية، أنتِ مش مكسوفة ؟؟
حركت رأسها نفيًا ثم كتفيها وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_هو أنتَ غريب !! دا أنتَ عموري.
رفع حاجبيه فوجدها تغمز له تشاكسه حينها اقترب منها يُقبل وجنتها فخرج "يونس" يقول ساخرًا بنبرةٍ تهكمية:
_الله ؟؟ أنتَ استحليتها ولا إيه ؟؟.
شهقت "خلود" بقوةٍ فيما نظر لها "عمار" ساخرًا وهو يقول:
_مش قولتلك ؟؟ دي عيال سافلة.
بعد مرور دقائق جلسوا مع بعضهم بجوار "عمار" بينما "خلود" حملت "يزن" على قدميها تداعب خصلاتها، ليتحدث "يونس" بلهفةٍ يقول حينما تذكر:
_"عمار" !! فاكر لما قولتلنا هتكلمنا عن الوطن العربي ساعة لما طلبت منك البحث ؟؟ احكيلنا بقى كلنا هنا أهو.
حرك رأسه موافقًا ثم تنهد بعمقٍ وقال بنبرةٍ ثابتة:
_الوطن العربي كله كان زي البيت الواحد زمان، تجانس تام بين كل الدول وحب ومودة وأخوة، كنا بيتقال علينا الدولة الإسلامية من كتر ماكنا دولة واحدة في وش كل الدول، دولة قوية بدأت تخوف الكل، من أول الفتوحات الإسلامية اللي بدأت تتعمل، مع انتشار الإسلام وبدأت تظهر قوته، ساعتها بقى بدأت الحروب الفكرية واللي كان اختصارها كلمة "رجـعـية" بدأت الكلمة دي تظهر علشان تحارب انتشار الإسلام وقوة معتقداته.
سأله "زين" بتعجبٍ يقطع استرسال حديثه:
_رجعية ؟؟ يعني إيه ؟؟ دي شتيمة؟؟
حرك رأسه نفيًا ثم هتف مفسرًا:
_هي مش شتيمة بس وصف أطلقوه علينا كإهانة يعني، أي حد بيحارب علشان أفكاره ومعتقداته ودينه، بقى رجعي وهمجي ومتخلف، لحد ما بدأت التفرقة بين الدول العربية وبين العرب نفسهم، والفكر دا بقوته سلطته كانت أكبر من الحروب العسكرية، لأن هنا انتشر فكرهم زي السرطان بين كل العرب، خافوا من قوتهم فدسوا نفسهم وسطنا، ولحد دلوقتي لسه الحرب قايمة موقفتش، بس حرب على عقول الشباب والأطفال، الفكرة هنا أنهم فضلوا ورانا لحد ما بعدنا عن تعاليم الإسلام نفسه، يعني نجحوا، بعدنا عن التعاليم الإسلامية وبدأوا يعملوا بينا إحنا خلافات فرقت بين العرب عن طريق ثقافتهم.
توقف عن الحديث بتأثرٍ ثم نطق مُكملًا سالف حديثه حينما وجد الانصات باديًا عليهم:
_بعد كدا بدأوا وعملوا اتفاقيات ومواثيق دولية اللي بدأوا بيها يحتلوا قطع مختلفة من الوطن العربي، يعني دولة ورا التانية بحيث يكونوا قضوا على أي مراكز قوة، بس قبل ما يتحركوا كانوا اتعملوا مننا إزاي يعملوا زينا، اتعلموا من اتحادنا أنه قوة، فاتحدوا مع بعضهم على حسابنا بعدما فرقونا، عرفوا إن الشراكة بينا قوة فشاركوا بعض على حساب مجدنا وتاريخنا العريق، عملوا بينهم اتحادات سياسية عسكرية حربية اقتصادية، حتى العداوة ضد الأمة العربية وللأسف نجحوا في كل حاجة، بس دا مؤقتًا.
سأله "يونس" باهتمامٍ جليٍ:
_طب ليه إحنا ؟؟ يعني ليه إحنا كعرب ؟؟.
رد عليه يجاوبه بثقةٍ يزهو بنفسه بوطنه العربي:
_علشان قوتنا ومركزنا اللي بيحط على أي حد، وعلشان هما عرفوا مراكز القوة اللي نملكها ودا ظهر في احتلالهم لفلسطين اللي لسه ومازالت فلسطين مهما مر الوقت عليها، وبعدها سوريا اللي فهموا أهميتها كدولة عربية وسط كل الدول، بس مهما طال الزمن هنرجع، سواء إحنا أو غيرنا هنرجع تاني أقويا، فلسطين أو سوريا أو العراق، شملنا هيتلم تاني، اللي حصل في فلسطين كان غدر وخيانة منهم، واللي حصل في سوريا خيانة من واحد معندوش نخوة على أرضه، بس خليهم.
هتف تلك المرة "عمر" يسأله بحيرةٍ:
_طب مش ربنا يقدر يخليهم يمشوا ؟؟ ليه يخليهم يدخلوا أرضنا أو زي ما بتقول يعني يتجمعوا ويكونوا سوا ؟؟
نظر له "عمار" وهتف بثباتٍ يرسل لهم المغزى قائلًا:
_لو عندك كذا عدو منتشرين في كذا مكان ومخليينك تحتاس وملهمش مالكة، تجري وراهم في كل أرض شوية؟؟ ولا تستناهم يتجمعوا في مكان واحد لحد ما تقدر تحكم حصارك عليهم وهما وسطكم ؟؟
نظر الصغار لبعضهم البعض يفكرون في حديثه حتى خرجت منهم شهقة عالية حينما تأكدوا من مغزى الحديث وفهموا الغاية من وراء ذلك.
في تلك اللحظة طُرق الباب بواسطة "ياسين" ففتحه له "يونس" بحماسٍ شديد قائلًا:
_عمي وعم العالم …الغالي.
ابتسم له "ياسين" وهتف يمازحه:
_بعينك ياض، مش هريحك برضه.
تلاشت بسمة "يونس" وتنحى جانبًا ليترك له مساحة يدخل منها، فدلف "ياسين" بعدما تنحنح يُجلي حنجرته فأذن له "عمار" بذلك ليدخل المكان يقول بنبرةٍ هادئة:
_السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ازيكم.
ردوا عليه التحية فيما ركض نحوه "يزن" بلهفةٍ يقول:
_ يا بابا أنا سمعت صح، الشيخ قالي إني شاطر.
ابتسم له "ياسين" وأخفض نفسه لمستواه وقال بحماسٍ اقتبسه من حماس الصغير له:
_جدع يا عيون بابا، عقبال لما تختم القرآن كله، يعني هتكمل وتفضل تروح معاهم علطول ؟؟
حرك رأسه موافقًا بحماسٍ فحمله "ياسين" بين ذراعيه وقال لبقية الصغار:
_يلا يا رجالة معايا علشان نروح القهوة، تعالوا.
سأله "عمار" بتعجبٍ:
_القهوة ؟؟ رايحين ليه ؟؟
رد عليه "ياسين" بوجهٍ مبتسمٍ:
_الأساتذة عاوزين يقعدوا معانا على القهوة، قولنا ناخدهم كلهم طلعة واحدة كدا، يلا يدوبك نمشي علشان منتأخرش، سلام عليكم.
تحرك بالصغار وفرغت الشقة من جديد فهتف "عمار" بلهفةٍ حينما شعر بالجوع:
_نطلب شاورما بقى.
_ونزود تـومـيـة !!.
كان هذا قول "خلود" حينما هتفته بمرحٍ ليصلها الرد ابتسامة منه تؤكد قولها و "ميمي" تضحك عليهما.
__________________________________
وصل "وليد" بيته بعدما تجول قليلًا يقوم بتجهيز المفاجأة لأخيه، وقد طلب مساعدة الثلاثة الصغار معه حتى صعد بهما "فارس" شقته واقتربت منهم "عبلة" تسأله بحماسٍ غريب:
_ها !! هنعمل إيه؟؟ أنا بحب المفاجئات أوي.
نظر لها "وليد" بتعجبٍ وصمت عن الحديث فيما سأله "مازن" مُخمنًا:
_أكيد مش هنعمل مصيبة صح ؟؟ يعني دي حاجة بريئة أو حاجة نصلح بيها وضع.
تدخل "زياد" يهتف بشرٍ:
_ياعم ولو هنأذي حد، دي مرة من نفسنا.
تنهد "وليد" بضجرٍ وقال بنبرةٍ هادئة:
_بس يا حبيبي، بطل تربية السايكو والقتلة المُتسلسلين دول، لم نفسك بدل ما اشربك عصير برتقان من اللي بتحبه.
هتف "زياد" بحماسٍ:
_بتاع الحُفرة ؟؟ يبقى كتر خيرك والله.
هتفت "عبلة" تثير استفزازه بقولها:
_بس أنا كنت عاوزاه من أيد ياماش كوشوفالي.
التفت لها "وليد" يرفع حاجبه لتتنهد هي بحالمية جعلته يشير للصغار بقوله:
_طب اسبقوني على أوضة "زياد" و "مازن" كدا علشان عاوز مراتي في كلمتين.
سأله "فارس" بتعجبٍ:
_حصل حاجة ولا إيه ؟؟.
نظر له بشرٍ وهو يقول بنبرةٍ جامدة:
_هشرب مراتي عصير برتقان.
تحرك الصغار من أمامه فأمسك "وليد" فكها ينطق بنبرةٍ جامدة:
_عاوزة إيه يا سوبيا ؟؟ سمعيني.
ضحكت بألمٍ حتى ابعدت كفه عنها وقالت بنبرةٍ ضاحكة:
_بهزر يا واد، ياعم هات عصير البرتقان أنتَ منك أي حاجة زي العسل.
رمقها بسخطٍ وهو يسخر منها مُقلدًا طريقتها حتى ضحكت هي واقتربت منه تطوق عنقه تسأله بدلالٍ:
_خلاص بقى يا ليدو، ها ناوي تعمل إيه الحماس مموتني.
تنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ جامدة:
_هنعمل مفاجأة قبل ما الواد يتنكد عليه، ومطلوب منك تساعديني، هتتنازلي وتقدمي خدماتك؟؟
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ عاد لها من جديد فتحدث هو بخبثٍ:
_طب هاتي حضن كدا.
ارتفع صوت ضحكتها عاليًا فضحك هو الأخر معها ثم ضمها إليه يربت على خصلات شعرها ثم سألها حينما تذكر ماتفوهت به من قليل:
_لسه عاوزة عصير برتقان يا سوبيا ؟؟
حركت رأسها نفيًا ورفعت رأسها تقول بنبرةٍ ضاحكة:
_إن شاء الله أطفحه أبدًا، عيب عليك.
خرج من الغرفة وهي معه فتحدث هو للصغار يدلي بصوته ما يتوجب عليهم فعله قائلًا:
_بصوا، دلوقتي "عبلة" هتروح تجيب "هدى" تشغلها واحنا ننزل مكانها نجهز الحاجة لحد ما "وئام" يرجع ويظبط دنيته، وأنا كدا هوجب معاه بزيادة وخصوصًا لما أخد العيال دي اقعدهم عندي، عداني العيب يا رجالة ؟؟
تحدث "فارس" بضجرٍ:
_بس أنا عاوز اتفرج.
انتبه له "وليد" وسأله بتعجبٍ:
_تتفرج !! تتفرج على إيه يا أهطل؟؟
_على حفلة بابا وماما.
ضحكت "عبلة" وكذلك صغارها، فتنهد "وليد" وقال بنبرةٍ ضاحكة يواري خلفها خجله من الصغير:
_مش هينفع يا حبيبي، هما عاملينها على الضيق.
رد عليه "فارس" ببلاهةٍ:
_ضيق إيه ؟؟ قصدك كدا على العُنق.
التفتت "عبلة" تكتم ضحكتها ليضحك "وليد" رغمًا عنه ثم بعثر خصلات الصغير وهو يقول بيأسٍ:
_أما أنتَ دمك خفيف كدا، مش طالع مؤدب للي خلفوك ليه؟
أشار عليه "فارس" تزامنًا مع قوله:
_علشان بحبك أنتَ وعاوز أكون زيك.
هتفت "عبلة" بسخريةٍ:
_كلنا بنحبه وعاوزين نكون زيه، عندك أنا مثلًا كان نفسي في حاجتين، أتجوزه ويبقى عندي كيان وكرير.
سألها "فارس" بحماسٍ:
_وعملتي إيه ؟؟.
ردت عليه بإحباطٍ وهي تشير على صغارها التوأم:
_اتجوزته الحمد لله بس بقى عندي منه "كرم" و "كريم".
ضحك "وليد" لها وكذلك صغارها فيما بدأت هي في التنفيذ وتحركت من مكانها حتى تذهب لابنة عمها تأخذها معها لكي تتم خطتهم.
بعد مرور دقائق من صعود "هدى" نزل "وليد" بالصغار شقتها ثم سحب الطاولة المستديرة الموجودة بردهة الشقة و وضع عليها قالب كعك صغير الحجم وبجواره سوار من خامة الفضة و توسطه حروف اسم "هُـدى" وقف "مازن" يتابع المكان بعينيه وهتف فجأةً:
_ بابا، كيس البلالين اللي جيبناه لـ "سيلينا" أجيبه؟؟
حرك رأسه موافقًا فهتف "زياد" هو الأخر قائلًا:
_أقولك ؟؟ إحنا نجيب ورقة وبابا يكتب عليها اسمهم أحسن بخط حلو زي ما هو بيصمم، إيه رأيك؟؟
هتف "وليد" بضجرٍ:
_خلص منك ليه مش كتب كتاب أبوكم هو، انجزوا.
تحرك الصغيران بلهفةٍ يركضان خلف بعضهما، فيما انتظر "فارس" تحركهما، ثم دلف غرفته وأخرج قلبًا صغيرًا قماشي الخامة لونه أحمر ثم وضعه على الطاولة وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_كنت جايبه لماما ومستني أجيب واحد زيه لبابا، خليه هنا ليهم هما الاتنين بقى، حلو يا عمو ؟؟
حرك "وليد" رأسه موافقًا وهو يبستم له فوجد صغيريه يركضان لهما من جديد وكلٍ منهما يمسك في يده شيئًا مما سبق وأخبره عنه.
__________________________________
وصل "ياسين" إلى المقهى بالصبية الصغار معه ثم جلس بجوار الشباب الذين استغلوا جلوسهم في اللعب مع بعضهم، ليضحك "عامر" بصوتٍ عالٍ حينما ربح "ياسر" الذي زفر بقوةٍ وهتف مُحتجًا:
_بتخم ويمين بالله بتخم، بس أنا هسيبك لـ "خالد"
اقترب "ياسين" بالأولاد وجلس معهم فهتف "عامر" يحذرهم بقوله:
_شوفوا هتشربوا إيه بس محدش يزود عن ١٥ جنيه علشان منحرمهوش من الورث اللي إحنا مش لاقيينه.
نطق "ياسين" بسخريةٍ وهو يتابع المكان حوله:
_أنا توقعت إننا ننزل طبقة آه، بس إحنا كدا اترمينا من الطبقة اللي فوق، جدعان أنا الفترة الجاية عاوز قرض.
هتف "خالد" بسخريةٍ وهو يقوم بترتيب اوراق الكوتشينه بين كفيه:
_حضرتك أنا واحد كنت عامل حسابي أني طبقة متوسطة، ليه اصحى ألاقي نفسي طبقة متسفلتة ؟؟
انتشرت الضحكات على قوله، فهتف "ياسر" بقلة حيلة قائلًا:
_بس الحمد لله برضه أحسن من غيرنا، وبعدين الأرزاق على الله، نعمل اللي علينا وخلاص، وقفلوا على السيرة دي معانا عيال هتتعقد.
هتف "عمر" بشقاوةٍ كعادته:
_مش عيب تكونوا قاعدين كدا من غير شيشة ؟؟ إيه الترابيزة المحترمة دي ؟؟
هتف "عامر" يرد عليه بضجرٍ:
_يابني بس الله يهديك، أنتَ بتقول إيه ؟؟
تدخل "يونس" يسأل بنبرةٍ ضاحكة:
_ماهو معاه حق برضه، اسمكم قاعدين على قهوة كدا من غير حتى سيجارة ؟؟ محسوبة عليكم قاعدة وخلاص ؟؟
رفع "ياسين" صوته قائلًا بحنقٍ:
_إيه يا جدعان ؟؟ أنا جايب معايا شياطين ولا إيه ؟؟ أخرس يا بن***** أنتَ وهو.
سكت الصغار وهم يكتمون ضحكتهم، فانتبه هو لصغيره "يزن" وسأله بنبرةٍ هادئة:
_تشرب إيه يا حبيب بابا ؟؟
رد عليه الصغير ببراءةٍ:
_كوكتيل ….والشيشة اللي بيقولوا عليها دي.
تلاشت ضحكة "ياسين" وتهجم وجهه فارتفع صوت ضحكات البقية عليهما لينطق "ياسين" متحسرًا:
_ياريتك ما نطقت.
تحدث "عُمر" يسأل بضجرٍ:
_طب إيه أكتر حاجة عيب بتعملوها هنا ؟؟
رد عليه "ياسر" بسخريةٍ:
_تشرب شاي بالنعناع ؟؟
رد عليه "عُمر" بلهفةٍ قاطعة:
_لا مش للدرجة دي، إحنا بشر برضه.
عادت الضحكات ترتفع من جديد وسط جلسة الصغار مع أبائهم في جوٍ مرح تتوقت إليه أنفسهم لتجربته.
_________________________________
في شقة "حسن المهدي"
كان غافيًا في غرفته بعدما تخلص من صوت صغاره ومشاكسة زوجته لهما، حينها تحرك هو يرتاح قليلًا فشعر بكف أحدهم يفرك خصلات رأسه حينها فتح عينيه بتروٍ ليجد أمامه صغيرته تقول بنبرةٍ هادئة:
_اصحي يا "حسن"
تنهد مُطولًا وأغلق جفونه من جديد، فوجدها تحركه بكفيها معًا حتى زفر بقوةٍ من جديد واعتدل في جلسته ليجد أمامه "هدير" تقف ببراءةٍ ترسمها على ملامحها و بجوارها "علي" فسألهم هو بتعجبٍ:
_هتموتوني ولا إيه ؟؟ واقفين كدا ليه ؟؟
اقتربت منه بقالب الحلوى الذي قامت بصنعه وهتفت بحماسٍ:
_بص بما إننا نكدنا عليك يعني وقلينا أدبنا، قولنا نصالحك، قوم بقى علشان تيجي تقعد وسطنا، يلا.
رفرف بأهدابه عدة مراتٍ فوجدها توكزه في كتفه قائلة بدلالٍ أنثوي تمتاز في الاتصاف به:
_قوم بقى يا أبو علي، موحشتكش قعدتنا سوا ؟؟
تنهد بعمقٍ وقال بسخريةٍ:
_قعدتكم اللي بتفضحوا بعض فيها ؟؟ محسسني إنكم غجر.
رد عليه "علي" بضجرٍ:
_ماما هي اللي عصبية وكل شوية تتعصب، قوم بس دا أنتَ منورنا والله.
مسح وجهه بكفيه ثم فتح ذراعيه فاقترب منه صغاره يرتميان عليه فطوقهما بذراعيه يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_اهو أنا عندي حضنكم دا بالدنيا كلها، عاوزكم بس تسمعوا الكلام شوية ونبطل صوت عالي، أنا من يوم ما سكنت هنا كان بيعدي عليا أيام يفتكروني ميت، من يوم ما خلفت وأنا الجيران كلها عرفتني بعدما كنت اللهو الخفي هنا.
سألته "هدير" بحنقٍ بعدما تخصرت:
_وأنهي أحسن واحلى بقى يا سي "حسن" ؟؟
انتبه لها فابتسم بعينيه وأشار بأهدابه لها حتى اقتربت منه فقبل وجنتها وقال بنبرةٍ رخيمة:
_الحلو دايمًا في وجودك أنتِ وهما ولا إيه يا ونس العمر؟
كتمت ضحكتها وهي ترمقه بحبٍ، بينما هو قربها منه يحتضنها مع صغاره هاتفًا بعدما تنفس بعمقٍ يتشرب الأنس بوجودهم معه:
_ربنا يخليكم ليا ويهديكم يا ولاد المجانين، فضحتوني.
هتفت "فاطيما" بضيقٍ:
_والله ما حد معصبنا كلنا غير ماما.
اقتربت منها "هدير" تحاول الإمساك بها، فصرخت "فاطيما" وهي تحتضن أبيها الذي زفر بيأسٍ ونكس رأسه للأسفل قائلًا:
_الصبر من عندك يا رب.
__________________________________
كانت "خديجة" تقف في المطبخ بجوار "نغم" تقوم كلتاهما بتجهيز أطباق الحلويات الذي أعدتها هي، فدلفت لهما "جاسمين" تمسك هاتف والدتها وهي تقول بضجرٍ:
_بصي يا ماما ؟؟ بصي حركات بابا ؟؟
انتبهت لها "خديجة" فوجدتها تقول بنفس الضيق:
_خد "يزن" معاه القهوة ومتصورين سوا !! ينفع كدا ؟؟
ابتسمت لها "خديجة" تسألها بنبرةٍ هادئة:
_زعلانة علشان خد أخوكِ معاه القهوة ؟؟ عسل.
حركت رأسها موافقةً وأضافت:
_آه زعلانة، علشان كان المفروض ياخدني معاه، كدا هو ظالم وأنا مش مسحاه.
سألتها "خديجة" بتعجبٍ:
_مسحاه ؟؟ مسحاه منين ؟؟
عقدت "جاسمين" حاجبيها وهتفت تحاول تذكر الكلمة:
_استني، قولتها قبل كدا، اللي هي اسمها…إيه قولي معايا كدا اسمها إيه.
هتفت "خديجة" بسخريةٍ:
_للأسف اللي ولدك مدانيش كتالوج أعرف منه، يكونش قصدك إنك مش مسمحاه ولسه زعلانة منه ؟؟
حركت رأسها موافقةً بقوةٍ، فقالت "نَـغم" بنبرةٍ ضاحكة:
_بابا لو عرف هيموتك من الضحك، كلامك كله تايه كدا؟؟
رفعت نفسها تجلس على الحامل الرخامي وهي تقول:
_ماهو أنا مش بحب أفكر كتير، فبخليهم هما يقولوا وخلاص، بس أنا زعلانة أوي.
سألتها "نَـغم" بلهفةٍ:
_مين زعلك ؟؟.
أجابتها بحزنٍ وهي تنظر لها:
_كلكم، أنا عاوزة أروح عند خالو أحسن.
سألتها "خديجة" بحزنٍ:
_زعلانة مني أنا كمان ؟؟
حركت رأسها موافقةً تؤكد حديث والدتها، بينما الأخرى جلست أمامها بلهفةٍ تقول بصدقٍ:
_بس أنا عمري ما زعلتك ولا زعلت حد مني خالص، مش قولتلك لو فيه حاجة مزعلاكي قوليلي أحسن ؟؟ مالك بس؟؟
ابتسمت لها تقول بحماسٍ:
_كنت بعمل فيكي مقلب بس طلعتي طيبة.
تنهدت "خديجة" براحةٍ فاحتضنتها "جاسمين" وهي تقول بحبٍ من نبرتها الضاحكة:
_أنا بحبك اوي اوي اوي، علشان طيبة.
ضمتها "خديجة" وهتفت بشرودٍ:
_أنا اللي روحي كلها فيكم وفي حيطان البيت دا، أنتوا هنا داري وداري أمان بوجودكم فيها أنتوا وبابا.
_________________________________
وصل "وئام" شقته بعدما هاتفه "وليد" فتنهد بعمقٍ حينما وجد كل شيءٍ على مايرام، فحدثه أخوه بنبرةٍ هادئة قائلًا:
_كل حاجة عندك تمام وزيادة، الباقي عليك أنتَ وجيبتلك الاسورة اللي قولتلي عليها نفسها فيها، أكتر من كدا هحجزلكم في قاعة اللؤلؤة وترمموا الجوازة دي.
ضحك "وئام" له ثم احتضنه قائلًا:
_ربنا يخليك ليا وتفضل علطول معايا كدا في ضهري.
ربت "وليد" على ظهره هاتفًا له:
_ميجيش من بعد خيرك عليا، يلا وفر اللي جاي لمراتك.
ابتعد عن أخيه وضحك بخبثٍ وهو يغمز له ثم صعد شقته وبعد مرور دقائق قليلة نزلت "هدى" بتعجبٍ خاصةً بعدما أخذ منها "وليد" صغارها وتركها تنزل بمفردها؛ فدلفت الشقة بحيرةٍ لتجد زوجها واقفًا في انتظارها بجوار الطاولة، شهقت بقوةٍ وهي تقترب منه، فابتسم هو لها ثم اقترب منها يقول بنبرةٍ هادئة وابتسامة هادئة يقول:
_كل سنة وأنتِ طيبة ياستي عقبال العمر كله وأنتِ معايا.
لمعت العبرات في عينيها وسألته بنبرةٍ مختنقة:
_أنتَ فاكر ؟؟ افتكرت إنك هتنسى، كل دا علشاني؟؟
حرك رأسه موافقًا وهتف بنبرةٍ هادئة:
_محدش غيرك يستاهل كل دا، أنتِ الكل في الكل.
تنهدت بعمقٍ فأخرج هو السوار من علبته يضعه في يدها وهو يغلقه هتف بصدقٍ بعدما تعمق في نظراتها:
_لسه فاكر كل حاجة بينا كأنها إمبارح، أول قلم خدته علشانك وأول مرة لبستي فيها الحجاب وأول مرة اتكلمنا فيها عن حبنا أول مرة قولت أني هتقدملك، كل حاجة ليها علاقة بيكي محفورة عندي منستهاش، ولأجل الحق يعني أنا كنت هنسى عيد جوازنا، بس لحقوني، بس المهم إنك علطول معايا، وجودك مش محتاج يوم واحد احتفل بيه، علشان لو جينا للحق كل يوم بيعدي علينا بستر ربنا واحنا وعيالنا بخير ومحدش فينا قلبه شايل من التاني يستاهل احتفال، بس برضه وجودك أنتِ اللي بيحلي كل حاجة.
نزلت دموعها، فوجدته يتنهد بعمقٍ ثم ضمها إليه قائلًا بخبثٍ:
_سيبك من الهري اللي قولته كله دا، فاكرة أول حضن خطفته بعد كتب الكتاب؟؟ إلا هو صحيح كان حضن بس ؟؟
ضحكت بخجل حينما تذكرت، بينما هو تنهد بعمقٍ ثم نطق بنبرةٍ ضاحكة:
_شكلك نسيتي يا هدهد.
حركت رأسها نفيًا وهي تحاول كتم ضحكتها، ليقول هو بسخريةٍ مقلدًا عمه:
_من أولها هنقل أدبنا يابن "مرتضى" ؟؟ عمك "محمد" دا راجل قطاع أرزاق طول عمره والله.
ضحكت هي من جديد حينما تذكرت ذلك الموقف، بينما هو غمز لها وقال بنفس الخبث:
_هنا بقى !! مفيش عم محمد.
كتمت ضحكتها ليصدح صوت هاتفه برقم "طارق" فهتف هو بضجرٍ:
_فيه ابنه أرخم و ارخم بمراحل، بس على مين؟؟
ردت عليه "هدى" بنبرةٍ ضاحكة:
_لو هما عارفين، يبقى دي رخامة مش أكتر.
أغلق الهاتف تمامًا وعاد يسألها من جديد:
_فكك من عيلة المهابيش دول كنا بنقول إيه؟؟
_________________________________
وقف "ياسين" مع الشباب أسفل البناية يتحدث في هاتفه مع "وليد" الذي حدثه بضجرٍ:
_يعني إيه أختي مش هتيجي معايا المصيف ؟ هو حوار كل سنة دا لازم يحصل ؟؟.
رد عليه "ياسين" بقلة حيلة:
_مش إحنا متفقين إن سنة عندكم وسنة عندنا، المرة اللي فاتت جينا معاكم، المرة دي هروح مع أبويا وأمي ملهمش غيري، عامل قلق ليه بقى ؟؟
تنهد "وليد" بعمقٍ وهتف بنبرةٍ هادئة:
_اقصر الشر وهات أختي والعيال بدل ما أخطفهم.
جاوبه "ياسين" مُتشفيًا به:
_أقولك على الكبيرة بقى ؟؟ "خلود" هتيجي معانا علشان بقت مرات "عمار" بالشفا يا "ليدو"
اتسعت عينا "وليد" وهتف بنبرةٍ عالية:
_نـعم يا روح أمك ؟؟ دا أنا أروح فيكم في داهية.
أغلق "ياسين" في وجهه وهو يبتسم بشرٍ في انتظار الجولة المعتادة بينهما في كل عامٍ بهذا التوقيت.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم شمس بكري
كان في وجوده كل الخير والهنا، ومعه فقط وجدتني أنا.
______________________
_مشاكسةٌ دارت بينهما عبر الهاتف استطاع بها "ياسين" احراز نقطةً لصالحه باخباره أن شقيقتيه ستذهبان معه للمصيف، مما جعل الأخر يستشيط غضبًا خاصةً مع إغلاق "ياسين" في وجهه.
دلف "ياسين" شقته وفي يده صغيره "يزن" الذي ركض نحوه والدته بلهفةٍ وهو يقول بنبرةٍ عالية:
_ماما…. وحشتيني.
عانقته وهي تقول بمرحٍ اختلط بعاطفتها الأمومية وقد خالط الضحك نبرتها:
_حبيب روح ماما، عملت إيه على القهوة؟؟
رد عليها بحماسٍ شديد:
_كانت قعدة حلوة أوي، بس بابا مرضاش يجيبلي شيشة.
تلاشت بسمتها وتهجم وجهها وهي تسأله بسخريةٍ:
_بابا مرضاش يجيبلك إيه يا روح أمك؟؟
هتف بمرحٍ يجاوب استفسارها:
_شيشة، مرضاش يجيبلي.
رفعت رأسها بحدةٍ تطالع وجه "ياسين" الذي وقف ينظر لابنه بتوعدٍ فيما ضحكت الصغيرتان على الحديث، فقالت "خديجة" بتهكمٍ:
_أنتَ بتاخد الواد فين يا "ياسين" ؟؟
لوح لها وهو يقول بلامبالاةٍ:
_يا شيخة اقعدي بقى، محسساني أني بسرحه بمناديل، هو اللي بيسيب كل الكلام ويمسك في قلة الأدب.
رفعت حاجبيها بسخريةٍ فنطقت "نغم" بنبرةٍ ضاحكة:
_وهو حد برضه ياخد "يزن" معاه ؟؟
تنهد هو بقلة حيلة ثم نطق بنبرةٍ لامبالية:
_أنا عارف بقى ؟؟ أهو بدل ما يفضل هنا يصدعكم، بس بالوضع دا كدا خطر، الواد عرف حجر المعسل من دلوقتي، بكرة هلاقيه بيطلب مني حجر قَص.
انتشرت الضحكات على سخريته فيما تحرك هو من مكانه نحو الداخل، فاقتربت "جاسمين" تسألهم بنبرةٍ هامسة:
_هو إيه اللي بابا بيقول عليه دا ؟؟ دي حاجة حلوة؟
أمسكت "خديجة" ثيابها من الخلف تهزها في يدها وهي تقول بنفس همس ابنتها الحانق:
_أنتِ بالذات مينفعش تعرفي أي حاجة، تخرسي خالص مش بعيد بكرة الاقيكي طالبة على الغدا شيشة تفاح، اخرسي.
حركت "جاسمين" رأسها موافقةً وهي تضحك لها فيما هتفت "نَـغم" بنبرةٍ هامسة تسأل والدتها:
_ماما هو إحنا هنروح مع خالو "وليد" المصيف ؟؟
حركت كتفيها بحيرةٍ وهتفت بإيجازٍ:
_أنا عارفة هنعمل إيه؟؟ بصي ربك يسهل إن شاء الله، نشوف بابا بس ناوي على إيه وبعدها ربك يكرم.
__________________________________
جلس "وليد" يتحدث في الهاتف مع أفراد عائلته تباعًا وهو يزفر بضجرٍ بين الحين والأخر وعلى فخذه تجلس "سيلينا" ابنة أخيه "وئام" تلعب بأناملها الصغيرة في ذقنه حتى صرخ في وجهها يوقفها بقولها:
_بس يابنت الـ *** دقني باظت، اسكتي.
ضحكت الصغيرة ووضعت رأسها عند كتفه فزفر هو من جديد وعاد يهاتف زوجة عمه بقوله:
_إيه يا "زينب" ؟؟ أكيد مش هشتمك بأبوكي يعني دي بنت ال*** التاني.
شهقت هي بدهشةٍ وسألته في الهاتف بترقبٍ:
_ومين الكلب الأول يا حيوان أنتَ ؟؟
رفع صوته بنفاذ صبرٍ يرد عليها:
_ياستي أنا الكلب الأول، أنا اللي مترباش، عاوزة حاجة تاني مني ؟؟
ردت عليه بثباتٍ:
_آه عاوزاك تجيب "خديجة" والعيال معانا، طب "خلود" عروسة جديدة مش مهم، لكن "خديجة" بقى ؟؟.
رفع كفه يمسح وجهه وقال بقلة حيلة:
_حاضر، هحاول أكلم "ياسين" بالأدب بس مش واثق بصراحة، وقبلها هكلم "هدير" و "حسن"، "عمار" بقى ربنا يعينه كفاية عليه "خلود" تكشر في وشه هتخليه يلبس المايوه من دلوقتي.
ضحكت "زينب" على حديثه وقالت بلهفةٍ يخالطها الحماس:
_عارف لو دا حصل والله لأظبطك، بس هاتهم علشان المصيف يحلو، أنتَ هتقنعهم وبلاش اليوم بتاع كل سنة دا، خليهم يومين تلاتة كدا.
أمسك الصغيرة التي عادت للعب في وجهه وهتف بنبرةٍ ضاحكة:
_حاضر، تحبي أجي أخدلك الهدوم فومين؟؟ مش عاوزة التموين بالمرة ؟؟ بكلمك بجد والله، شكلك فكراني فانوس سحري، مكانتش رضاعة دي اللي هتذليني بيها.
أغلقت الهاتف في وجهه بدون أن تجاوبه مما جعله يرفرف بأهدابه وتحدث بتوعدٍ لها:
_ما أنتِ مرات مين يعني ؟؟ طبيعي يكرف عليكِ.
ترك الهاتف وحمل الصغيرة على ذراعه ووضع كفه خلف ظهرها يربت عليها وهتف يحذرها بقوله:
_عارفة لو عملتي اللي في بالي أنا هعمل فيكي إيه؟؟ هنشرك على حبل الغسيل لحد ما تنشفى.
غمغمت الصغيرة بحديث غير مفهوم جعله يضحك عليها ثم قبل وجنتها وشدد عناقه لها وهو يقول بحبٍ شديدٍ لها حينما بدل نبرته لأخرى لطيفة:
_حبيبة قلب "ليدو" وعيون "ليدو" من جوة.
عبر بها من جوار المطبخ الذي وقفت به زوجته تقوم بتنظيفه وترتيبه وتسوية الطعام كله في آنٍ واحدٍ جعله يقول بسخريةٍ:
_ما شاء الله اخطبوط واقف في المطبخ، تنين مُجنح يا أخواتي ؟؟.
التفت ترمقه بغيظٍ ثم عادت لما كانت تفعله فوجدته يقترب منها يسأل بنبرةٍ هادئة أعربت عن لُطفه في الحديث:
_محتاجة أي مساعدة؟؟ بما أني فاضي.
التفتت له تطالعه بعينين مُتسعتين ثم سألته باستنكارٍ:
_بجد ؟؟ أوعى تكون اشتغالة ؟؟!
حرك كتفيه يجاوبها بإيجازٍ:
_جربي وأنتِ تشوفي بنفسك كدا.
تنهدت مطولًا وهتفت بدهاء من تمسك بطرف الخيط:
_فهمتك !! عاوز تاخد مني الثواب ؟؟ يلا ياعم الله يسهلك.
حرك عينيه يُمنةً ويسرىٰ وظهرت الحيرة على ملامحه فقالت هي بتفسيرٍ ما إن رأت الحيرة باديةً على ملامحه:
_أصل "جميلة" بصراحة قالتلي إن الست اللي بتشتغل في البيت وبتاخد نوايا كتير ربنا بيكرمها وبتاخد أجر على كل دا، يعني بر الأهل وطاعة الزوج وأنضف لكم البيت علشان ربنا بيحب الجمال و الملايكة تفضل في البيت وهو نضيف، وعلشان تاكلوا ويكون عندكم صحة تقدروا تعبدوا ربنا بجسم سليم، حاجات كتير مش فاكرة منها غير حاجات بسيطة بس خلتني أعرف إن الدين بتاعنا دا جميل أوي وسبحان الله كرمنا بحاجات كتير أوي.
أبتسم هو الأخر لها ثم هتف بهدوءٍ:
_ربنا يكرمك إن شاء الله، طب يلا اعمليلي كوباية قهوة بالمرة وقبل ما ترفضي دا علشانك أنتِ مش علشاني أنا، يلا خدي ثواب طاعة الزوج يا سوبيا.
تحرك وتركها محلها بمفردها تَعض شفتها السُفلى ثم قالت بمعاندةٍ وغيظٍ منه:
_طب مش عاملة حاجة بقى أهو.
في الداخل دلف "وليد" غرفة ابنائه فوجد الثلاثة يجلسون مع بعضهم أمام التلفاز، فجلس بقربهم يقول بسخريةٍ:
_منورين يا رجالة، عاملين إيه؟؟.
ردوا عليه التحية فيما ألقى الصغيرة وسطهم وقال بانهاكٍ وهو يفرك ذراعه:
_امسكوا البت دي وجعتلي دراعي، ماكان ربنا تاب عليا من شيل العيال الصغيرة، دي جاية عقاب ليا أنا ولا إيه؟؟
ضحك "فارس" وحملها بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ مرحة:
_دي أحلى حاجة في الدنيا كلها لو تعرف إزاي أرجع تاني من غيرها في حياتي هبوسك والله.
ضحك "وليد" له فوجد الصغيرة تنسدل من بين ذراعي شقيقها ورفعت ذراعيها تشير لـ "وليد" الذي زفر بيأسٍ واقترب منها يحملها وهو يقول بتهكمٍ:
_ليها حق "جاسمين" تكرهك، ماسكة فيا زي الخفاش.
ضحكت فور حمله له بينما هو جلس مرةً أخرى وأخرج هاتفه يطلب رقم "حسن" الذي جاوبه على الفور قائلًا بقلقٍ مصطنعٍ:
_خير يا رب، متصل بيا ليه ؟؟ مش قولتلك اقطع علاقتك بيا
هتف "وليد" بضجرٍ من حديث الأخر:
_ياعم وحد الله بقى، متصل بيك أقولك على المصيف هتيجي معانا صح ؟؟ مش بناخد رأيك أبويا قال إنك جاي وعاوزك معانا.
تنهد "حسن" مُطولًا وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنا عن نفسي موافق وجاهز، ناقص بس "هدير" اسألها وأشوف العيال، من إمتى يعني مش هنيجي معاك؟؟ حتى لو قولت لأ هتيجي سيادتك تاخدنا غصب.
كان يسخر منه بحديثه حتى رد "وليد" يرفع صوته بحنقٍ منه استولى عليه:
_ياعم ما براحتنا، بطل حساسية كدا بينا، خلاص استناك؟
جاوبه "حسن" بخنوعٍ له:
_آه هنيجي مش حبًا فيك، حبًا في المصيف بتاعكم.
__________________________________
أغلق "حسن" مع "وليد" الهاتف وتحرك نحو صالة البيت يجلس بجوار "هدير" التي جلست على الأريكة تتابع التلفاز بمفردها وما إن جلس بجوارها سألته بتعجبٍ:
_كنت بتكلم مين؟؟.
جاوبها بنبرةٍ هادئة بين طياتها السخرية وهو يراقب ملامحها:
_دا المعلم بتاع العيلة، الحج الكبير وكله مندوب عنه علشان يجمع العيلة للمصيف، قولتي إيه؟؟
ظهر الحماس على ملامحها وهي تقول بفرحةٍ تشبه فرحة الصغار:
_بجد ؟؟ طب بقولك إيه؟؟ تيجي نسيب العيال ليهم ونروح إحنا بيتك في الساحل ؟؟
اخفض رأسه يطالعها مُستنكرًا ما تفوهت به فوجدها تقترب منه بدلالٍ وهي تسأله بطريقةٍ أنثوية:
_موحشكش بيت الساحل خالص ؟؟.
جاهد ليكتم ضحكته لكنه فشل أمامها وهي تراقص له حاجبيها حتى هتف بقلة حيلة ويأسٍ منها:
_وحشني والله، بس مش عاوز أزعلهم، خلينا نروح معاهم ياستي وخلينا نخلص، فكرك يعني "وليد" هيسيبنا ويسيب "فاطيما" أو هما هيسيبوه؟؟ دا "علي" يتعب فيها دي
سألته بملامح مقتضبة وقد بدا الحزن عليها وهي تقول:
_طب أنا كنت عاوزة اتدلع عليك في المصيف، هتدلع عليك إزاي قدامهم ؟؟.
سألها بتهكمٍ وقد رفع صوته عن السابق قائلًا:
_نعم ؟؟ فين دا ؟؟ من إمتى بيفرق معاكي يعني؟؟.
أمسكت جهاز التحكم ترفعه في وجهه وهي تقول بانفعالٍ:
_تصدق بالله أنتَ اللي زيك مش وش دلع، خليك كدا راجل فقري مش حِمل طاقة الدلع اللي جوايا، خليك كدا وش فقر.
قربها منه وهو يضحك ثم همس في أذنها بقوله:
_طب وهو أنا كانت هتقوملي قومة من غيرك؟؟ عيب في حقك بعدما خليتي ابن "المهدي" يقع فيكِ يا حلوة الملامح أنتِ.
ابتسمت بسعادةٍ وامسكت وجهه بين كفيها وهي تقول بسعادة غامرة تتراقص على فؤادها:
_واد يا حسن هات بوسة يا واد، يخربيت حلاوة أمك.
استسلم لها وهي تقبل وجهه ثم سألها بنبرةٍ هادئة:
_يعني خلاص نعتمد الموافقة؟؟ نجهز نفسنا ولا هترجعي تقوليلي أصل صوت قلبي غلب صوت عقلي وجو الصم والبكم بتاعك دا؟؟.
رفعت كفها تلوح به وهي تقول بمعاتبةٍ:
_ أخس عليك يا "حسن" والله مافيه صوت يعلى فوق صوتك يا جدع، شوف اللي أنتَ عاوزه وأنا معاك فيه.
سألها من جديد يتكيء على أحرفه:
_"هدير" ؟؟ بسألك أهو قبل ما نسافر صوت قلبك ولا صوت عقلك اللي شغال دلوقتي ؟؟.
أقتربت منه من جديد تتلمس ذقنه بأناملها وهي تقول:
_صوتك أنتَ يا أبو "علي" هيبقى ليا عين اتكلم؟؟.
ضحك لها وضرب كفيه ببعضهما فوجدها تسأله بهيامٍ وهي تتذكر أول دخولها هذا البيت:
_فاكر يا واد يا "حسن" أول ما اتجوزتني كنت ساكتة إزاي ؟؟ أكيد أنتَ حبيت سُكاتي دا، روحت مغفلاك ومتكلمة وشربت المقلب بألف هنا وشفا، زمانك بتضرب نفسك.
حرك رأسه نحوها وهتف بصدقٍ بعدما ابتسم لها:
_لأ على فكرة مش شرط، زي ما حبيت سكوتك وهدوئك حبيت شقاوتك وكل حاجة فيكِ، صحيح العقل بعافية شوية ومحتاج خبطتين على البارد بس تمام يعني، هتعامل أنا.
ضحكت له ثم وضعت رأسها على فخذه وهي تقول بنبرةٍ خافتة:
_ربنا يهديني يا رب ويصبرك على ما ابتلاك يا "حسن".
رفع كفه يُربت على خصلاتها وتنهد بعمقٍ حتى شعر بها تعتدل بلهفةٍ تواجهه وهي تقول بحماسٍ:
_"حسن" !! تيجي نجيب قرص بالشوكولاته ؟؟
نظر لها بدهشةٍ سرعان ما تحولت إلى الضحكات من كليهما على قولها الغريب وكأن الحال تبدل بينهما لتصبح هي من تتحدث بطريقته فأنهى هو الحديث مقلدًا طريقتها بقوله:
_حيث كدا بقى…احضني يا "حسن".
ارتمت عليه من جديد وهي تضحك باتساعٍ فيما لَثَم هو جبينها ثم ربت على ظهرها بحنانٍ كعادته.
__________________________________
في سيارة "عامر" جلس "عمار" في الخلف وبجواره "خلود" والأخر يقود السيارة بهما وبجواره "عُمر" الذي ظل يُثرثر بحماسٍ عن يومه بجوار أعمامه حتى هتف من جديد بلهفةٍ:
_"عمار" هتيجي معانا المصيف ؟؟
رد عليه "عمار" بسخريةٍ مُشيرًا إلى وضعه وجروحه:
_من أنهي زاوية يا حبيبي؟؟ دا أنا متدشمل خالص.
تدخل "عامر" يقول بنبرةٍ هادئة:
_ماهو أنتَ هتكون معانا ولسه فاضل حوالي أسبوع تكون رجلك لمت، أكيد مش هتتساب لوحدك هنا يعني ؟؟.
تحدث "عمار" بحيرةٍ يرد عليه:
_مش عارف والله يا "عامر" بس ممكن أجي، سيبها على ربنا وهو هيكرمنا إن شاء الله.
التفت "عمر" له يقول بخبثٍ وهو يطالع "خلود":
_خلاص خليك أنتَ هنا علشان أنتَ تعبان، وهناخد "خلود" تغير جو معانا، إيه رأيك؟؟
ضيق "عمار" جفنيه وهو يقول بتوعدٍ للصغير:
_آه يا واطي ؟؟ بس هقول إيه أدي البراد للي جابوه يطلع الواد نسخة من أبوه.
ضحك من بالسيارة على حديثه وسخريته، فيما هتف "عامر" بنبرةٍ ضاحكة:
_حلو المثل دا أبقى قوله لعمك "مرتضىٰ" هيفرح بيه أوي.
هتفت "خلود" بنبرةٍ ضاحكة:
_الوحيد عندنا في العيلة اللي طلع لباباه، وعياله طالعينله واضح إنها سلالة واحدة مكتوب ليها الزيادة والبركة.
التفت لها "عمر" من جديد وهو يقول بلهفةٍ:
_فكك من كل دا، هتيجي معانا المصيف حتى لو "عمار" مجاش صح ؟؟.
سألتهم هي بترددٍ وكأنها تخشى الجواب منهم:
_هي عيلتنا رايحة مصيف برضه وكنت بروح معاهم المفروض بقى نعمل إيه علشان أنا مش فاهمة؟؟.
رد عليها "عامر" بتفهمٍ لتخبطها وحيرتها:
_أنا فاهمك، هي حاجة جديدة عليكِ بس أنا مش هسيبك لعيلة "الرشيد" أنسي أنتَ معانا وفي رقبتنا كلنا.
حركت رأسها موافقةً بخنوعٍ فهمس لها "عمار" يسألها بنبرةٍ هادئة:
_أنتِ عاوزة تروحي مع عيلتك ؟؟.
رفعت عينيها له وجاوبته بنبرةٍ هادئة أقرب للهمس:
_أنا عاوزة أكون معاك أنتَ، مش مهم بقى فين.
ابتسم لها نتيجةً لجوابها الذي أسكن الراحة في صدره ثم هتف بنبرةٍ خافتة بعدما أمسك كفها وشبك أصابعهما سويًا:
_لما نروح إن شاء الله هنتكلم تاني ومتقلقيش اللي يفرحك هعمله علشانك دا أقل واجب بعد المدعكة اللي شوفتيها الفترة اللي فاتت.
بعد مرور بعض الوقت دلف "عمار" شقته بمساعدة شقيقه ومعه "خلود" حتى رحل أخوه من المكان وتركهما بمفردهما، فبدأت "خلود" تعاونه في خلع ملابسه حتى ارتدى أخرى بيتية مُريحة فهتفت هي تشاكسه بقولها:
_متتعودش على كدا كلها حاجات بسيطة وترجع تاني تعتمد على نفسك، مش كدا يا عموري ؟؟
حرك رأسه موافقًا وهو يبتسم لها فجلست هى بجواره على الفراش ثم سألته بترقبٍ:
_هنعمل إيه بقى ؟؟ هنروح معاهم المصيف ولا نخليها مرة تانية تكون اتحسنت أكتر علشان تكون واخد راحتك أكتر؟؟
تنهد مُطولًا وقال بنبرةٍ رخيمة يجاوبها:
_اللي يريحك بس أنتِ شكلك عاوزة تروحي مع عيلتك صح؟
حركت رأسها موافقةً بقلة حيلة وهتفت بلهفةٍ:
_بص مش أوي يعني بس أنا خدت على العيال بتوع العيلة وبحب المصيف معاهم، بس فيه حاجة أنا بقيت مراتك يعني أكيد مش هينفع اسيبك لوحدك ومش هينفع أفرض عليك تيجي معايا عافية، خليها تجربة جديدة نجربها معاكم وإن شاء الله هنفرح كلنا.
طالعها بغير تصديق سيطر عليه ورمش عدة مراتٍ ببلاهةٍ وأضاف بمرحٍ يقصده ساخرًا:
_دا إيه دا كله دا ؟؟ إيه النضج دا ؟؟ تسلم أيد الدنيا اللي علمتك كل دا يا خوخة.
ضحكت له ولكزته في كتفه وهي توقفه بقولها:
_خلاص بقى دا بدل ما تقولي فخور بيكي؟؟.
رفع ذراعه الحُر يلفه حول كتفها وقربها منه وهو يقول بنبرةٍ هادئة وقد ضحك بمراوغةٍ:
_كدا كدا فخور بيك يا منعنع، بصي لو "ياسين" هيروح معاهم هنروح معاهم لو مراحش هحاول أخلي "عامر" ياخدنا بعربيته يودينا ليهم هناك.
حركت رأسها موافقةً بحماسٍ جعله يحرك خصلاتها للخلف وهو يُمعن النظر في ملامحها الهادئة قائلًا بنبرةٍ رخيمة بعدما تذكر العديد من الذكريات التي مرت عليهما سويًا منذ وقوعه بحبها وقد تذكر قول بن "الفارض" حينما قاله لها بعد عقد قرانهما:
_قلبي يُحَدّثني بأَنّكَ مُتْلِفِي
روحي فِداكَ عرَفْتَ أمَ لم تَعْرِفِ
لم أَقْضِ حَقّ هَواكَ إن كُنتُ الذي
لم أقضِ فيِه أسىً ومِثليَ مَنْ يَفي
ما لي سِوَى روحي وباذِلُ نفسِهِ
في حُبّ مَن يَهْواهُ ليسَ بِمُسرِف.
رفعت عينيها له تطالعه بتأثرٍ جعل عينيها تلمع كما النجوم المتلألأة فهتف هو بنبرةٍ رخيمة حينما اقترب بوجهه منها يهمس في أذنها بقوله:
_فاكرة لما قولتلك "قلبي يُحَدّثني بأَنّكَ مُتْلِفِي وأنا طالبٌ من عينيكِ بالوعود أن تفي؟؟ عاوز أقولك إن عينك وفت وكفت كمان وعملت اللي عليها وزيادة.
ضحكت له بخجلٍ جعله يطالعها بخبثٍ وهو يقول:
_يا سلام ؟؟ أومال فين المنعنع بقى ؟؟
ضربته في كتفه بخجلٍ بعدما شعرت بارتفاع حرارة وجهها فيما خطفها هو بين ذراعيه وهو يقول بنبرةٍ ضاحكة:
_يا شيخة ارحمي اللي خلفوني بقى شقتيني معاكي بس راضي والله كفاية إنك معايا.
__________________________________
كان "يونس" جالسًا بجوار والده الذي كان يتحدث في الهاتف مع شقيقته حتى تحدث بنفاذ صبرٍ يقول:
_حاضر هاخد العيال ونجيب حاجات كتير حاضر، مش هنفاجئك يا ستي هي دي حاجة فيها مفاجئات ؟؟ دا مصيف
أغلق معها الهاتف فوجد "يسر" تركض له تسأله بحماسٍ:
_يعني نجهز المايوه ؟؟
هتف "يونس" بنبرةٍ جامدة ينهرها بقوله:
_مايوه إيه ؟؟ مفيش مايوهات البسي حاجة محترمة.
ردت عليه بمعاندةٍ:
_لأ هلبس مايوه، أنتَ مالك أصلًا.
وقف "يونس" يقول بضيقٍ أمامها وقد انفعل منها:
_مالي علشان أنا أخوكِ وأنا الراجل.
هتف "خالد" بنبرةٍ جامدة بها تهديد مبطن:
_يلا يا ولاد العربجي بدل ما أكسركم، وإيه ياض أنا الراجل دي ؟؟ دكر بط أنا هنا ؟؟.
هتف "يونس" يعتذر له بقوله:
_أنا أسف يا بابا مكانش قصدي.
وزع "خالد" نظراته بينهما فهتف بنبرةٍ هادئة:
_طب اقعدوا، سوا انتم الاتنين.
جلس "يونس" أولًا وشقيقته بجواره مقابل والدهما الذي هتف بنبرةٍ هادئة يحاول توصيل الأمر لهما:
_مفيش حاجة لو نسمع بعض من غير صوت عالي، أختك قالت حاجة يبقى تفهمها بالعقل وأنتِ أخوكِ قال حاجة يبقى تسمعي كلامه، مش علشان هو الراجل بس علشان هو كبير وليه أحترامه، أنا عمري ما فرقت بينكم، ياريت نتعامل باحترام لبعض شوية، إحنا أخوات، إيه مشكلتك يا "يونس"
رد عليه "يونس" بنبرةٍ هادئة:
_مشكلتي إنها بتلبس عريان وأنا بتضايق حتى لو هي صغيرة بس أكيد هتكبر يعني هتفضل واخدة على كدا ؟؟ بعدين هي هناك بتلعب معاهم كلهم علشان كدا بقولها بلاش وتلبس حاجة مقفولة أحسن، هي بتتعصب ليه؟؟
هتفت "يُسر" بضجرٍ منه:
_علشان كل حاجة تفضل تقول لأ، بابا بيوافق وأنتَ بترفض.
تحدث "يونس" بنفس الهدوء يخبرها بصدقٍ:
_علشان أنا خايف عليكِ أنتِ، أنا بكون معاكِ علطول مش زي بابا، ولما حد بيزعلك أنا اللي بشوفه مش بابا، وأنتِ مش بتسمعي كلامي وأنا أصلًا مش عاوز أضايقك بس خايف عليكِ.
ابتسمت له وكذلك "خالد" أيضًا الذي ترك زمام الأمور لابنه حتى وجده يجلس بجوارها أكثر وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_بيكون معانا ولاد وناس كتير السنة اللي فاتت صممتي وجسمك كان باين كله وسيبتك بس السنة دي هنجيب حاجة مقفولة إيه رأيك؟؟ مش عاوز حد يضايقك.
سألته بتهديدٍ أمام والدها:
_ولو طلع وحش وخنقني ؟؟ أعمل إيه ؟؟
أشار على نفسه مستنكرًا بقوله:
_أنا !! "يونس" حبيبك عمره خنقك اعتمدي عليا.
تنهدت بضجرٍ وحركت رأسها باستسلامٍ جعل "خالد" يكتم ضحكته حتى تحركت الفتاة نحو الداخل فتحدث هو بثباتٍ وحكمةٍ مع ابنه:
_بص يا "يونس" أنا لسه موجود معاكم والكلمة ليا، بس أنا سايبك علشان أعودها تسمع كلامك بس دا مش معناه أنك تتحكم فيها، دي طفلة لسه لو كبرت على الوضع دا يبقى هتتخنق من البيت ولو اتخنقت من البيت هنا الله أعلم هتعمل إيه برة البيت، بالهدوء والحنية كله هيتحل، فهمت يا بجم؟؟
حرك رأسه موافقًا بوجهٍ مبتسمٍ جعل والده يقول بسخريةٍ:
_ينفع أنا كمان أجيب مايوه ولا هتعترض ؟؟
نظر له بقلة حيلة وهتف مستسلمًا:
_لأ ياعم مقدرش، دا أنتَ الحج صاحب البيت برضه.
ضحك "خالد" وضرب كفيه ببعضهما ليجد "يونس" يجلس بجواره تزامنًا مع قوله الذي ازاد من دهشته:
_أقسم بالله باشا مصر كلها، حبيبي يا أبو "يونس".
_أقسم بالله أنتَ واد صايع، اتنيل يا "يونس".
هتف الأخر بخنوعٍ له:
_بس كدا ؟؟ نتنيل علشان خاطرك يا حج، جيت في جمل يعني ؟
_________________________________
جلس "ياسين" أمام الحاسوب الخاص به يتابع عمله فوجد "خديجة" تدخل له وخلفها الصغار الثلاثة بهدوءٍ جعله يرفع عينيه ويردد بسخريةٍ من مظهرهم خلف بعضهم:
_أهلًا أهلًا سرب البط البلدي، بيتكم ومطرحكم.
ضحكت "خديجة" واقتربت منه تجلس بجواره وهي تقول:
_والله التشبيه حلو محدش هيلومك، اقفل بس البتاع دا خلينا نتكلم.
أغلق حاسوبه فاقترب منهما الثلاثة يجلسون أمامهما على الفراش ونطقت "جاسمين" بنبرةٍ طفولية:
_ما تسمع يا مهلبية يلا متلطنـ….مطتعت..يلهوي عليا اسمها إيه قول معايا كدا ؟؟؟
انتشرت ضحكات البقية عداه هو قال بنفاذ صبرٍ:
_متعطلناش !! صح هي دي؟؟
شهقت بفرحةٍ وهي تقول بعدما رفعت سبابتها:
_أيوة صح هي دي برافو عليك شاطر يا مهلبية.
ضحك رغمًا عنه ثم حملها بكفيه يقربها منه وقبل وجنتها ثم أجلسها بين ذراعيه وسألهم بنبرةٍ ضاحكة:
_ها ؟؟ عاوزين إيه مني ومش عاوزني أعطلكم عنه
هتفت "نَـغم" وهي تضحك:
_عاوزين نروح المصيف مع خالو "وليد".
رفع حاجبيه بسخريةٍ فهتف "يزن" بحماسٍ:
_وعاوزين برضه نروح مع جدو "رياض".
بنفس التعابير المرسومة على ملامحه حرك رأسه موافقًا ثم سأل الصغيرة على ذراعه بنفس السخرية:
_وحضرتك يا آنسة "جاسمين" ؟؟ عاوزة تروحي مع مين
ردت عليه بمرحٍ وهي تشير عليه:
_شوف هتروح فين وأنا هاجي معاك.
حرك رأسه نحو "خديجة" يسألها بتهكمٍ:
_وكتكوتتنا ؟؟ ناوية تروحي فين إن شاء الله.
حركت كتفيها ببراءةٍ جعلته يقول بسخريةٍ:
_يا سلام على الرقة والبراءة يا ناس!! خلصوا عاوزين إيه؟
هتفت هي بنبرةٍ هادئة:
_بُص !! الكلام لازم يكون حضاري وكله تفاهم.
أبتسم رغمًا عنه وقال بقلة حيلة:
_والله يا ست الكل طول عمري حضاري فيه ناس هنا بتهب منهم ربنا يعينهم على حالهم.
فهمت أنه يتحدث عنها، فتنهدت بعمقٍ وقالت لصغارها:
_يلا يا حبايبي شطبنا بيتك بيتك يلا، تصبحوا على خير والليلة دي عندي أنا ألف شكر يا رجالة.
ضحك الصغار عليها فتحدث "ياسين" بنبرةٍ ضاحكة يسخر منها:
_يلا يا حبايبي أهيه طلعت روح الصنايعي اللي جواها، روحوا ناموا أنتم وأنا هروح أعملها خربوش شاي علشان تمحرلنا الكلام.
ضحكت هي تلك المرة فيما تحرك الصغار مع بعضهم نحو باب الغرفة وهتفت "جاسمين" من على أعتاب الباب بقولها:
_تصبح على خير يا عسل.
رد عليها "ياسين" بنفس طريقتها:
_وأنتِ من أهل الخير يا مربى.
التفت لزوجته بعد رحيل الصغار يسألها بسخريةٍ:
_ها تحبي أجيب أسمنت وننزل بالمونة ؟؟
تنهدت مطولًا وقالت بنبرةٍ هادئة وهي تبتسم بلطفٍ ينافي طريقتها السابقة:
_يا مهلبية اسمعني بس، دلوقتي أهلي عاوزني وأهلك عاوزني، إيه الحل ياترى ؟؟ يرضيك نزعل حد منهم ؟؟
حرك رأسه نفيًا بأسفٍ فقالت هي بحماسٍ فور رؤيتها هدوئه:
_طب أهو أديك قولت مش هتزعل حد علشان قلبك طيب.
حرك رأسه نفيًا وهتف معدلًا على حديثها:
_لأ علشان مش هروح في حتة خالص، هقعد في بيتي معزز مكرم وربك يكرمنا هنا.
عبثت بملامح وجهها فوجدته يقول بنبرةٍ هادئة:
_يا ست الكل أنا مطلوب مني أراضي أهلي وأراضيكي وأراضي عيلتك وأراضي عيالي، أنا مين يراضيني؟؟
أبتسمت له وهي تقول بتلقائيةٍ:
_أنا هراضيك والله، شوف إيه يرضيك وأنا هعمله بس حاول حتى علشان خاطري.
نظر لها بقلة حيلة وهتف بلامبالاةٍ:
_معرفش، بس أكيد مش هقطع نفسي يعني ؟؟.
اقتربت منه تقول باقتراحٍ لعلها تقنعه:
_طب بص أهلي هيروحوا قبل أهلك إيه رأيك نروح معاهم وبعدها نروح نقضي مع عيلتك ٣ أيام كدا ؟؟ وكدا نبقى راضينا كل الأطراف، ها موافق ؟؟
رفع إصبعه يقول بإصرار بعد مقترحها الذي ألقته عليه:
_الكلام دا على جثتي أنه يحصل، انسي يا "خديجة".
************************
بعد مرور عدة أيام كان "ياسين" يقود السيارة بملامح وجه مقتضبة وهو يُغمغم بعدة كلماتٍ غير مفهومة تعبر عن حنقه فوجد سيارة "وليد" تمر بجواره وهتف متشفيًا به وهو يقول:
_افرد وشك يا مهلبية، هتحمض مننا على الطريق.
ضحكت "خديجة" رغمًا عنها فنظر لها "ياسين" بحاجبٍ مرفوعٍ ليجدها تقلد طريقته بقولها:
_الكلام دا على جثتي أنه يحصل، انسي يا "خديجة".
زفر بحنقٍ وهو يقول بقلة حيلة:
_ دا غلطي علشان متربي يعني مش راضي أزعل حد أهي الدنيا كلها مزعلاني وجاية عليا، اسكتي ياختي.
رفعت كفها تداعب ذقنه وهي تقول بدلالٍ مصطنعٍ:
_مش مهم الدنيا تزعلك وحبيبتك تراضيك، دا إحنا عنينا ليك يا مهلبية هو فيه في غلاوتك عندنا.
نظر لها بطرف عينه وابتسم رغمًا عنه وقال بسخريةٍ:
_فين أيام حضرتك يا أستاذ "ياسين".
وضعت رأسها على كتفه بعدما تأكدت من نوم صغارها على الأريكة في الخلف:
_متفكرنيش بقى أيام ما كنت عبيطة.
نظر لها بطرف عينه يسألها بسخريةٍ:
_كنتِ ؟؟ ودلوقتي بقيتي إيه؟؟
ضحكت باتساعٍ وهتفت ببلاهةٍ:
_ست العُبط كلهم، بس فداك ياعم مش مهم، عاوزين ننول الرضا منك مش أكتر.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم شمس بكري
أنا هنا حيثُ أنتِ…أود أن أكون أينما كُنتِ
________________________
حكمت الظروف بجمعهم سويًا، كلٌ منهم يرى الموضوع غريبًا من وجهة نظره لكنه يراه في نفس الآن به الكثير من اللطف، رحلة جديدة تجمع العائلة مع بعضها، كان "ياسين" يفكر في إلحاح صغاره ونظرات "خديجة" وهي تتوسله بالموافقة ودلالها عليه حتى يقبل بهذا، أبتسم بسخريةٍ وهو يرى ابنائه وزوجته أيضًا ينامون في السيارة وهو يتولى مهمة القيادة المملة وسط السباقات السخيفة من "وليد" بين سيارته وسيارة العائلة وسيارة "حسن".
شعر "ياسين" بالملل من الصمت ونوم الصغار فتنهد مُطولًا وظهر الشر في نظراته وهو يتابع نومهم لذا قام بفتح الصوت في السيارة مما جعلهم ينتفضون بلهفةٍ وقد سألته "خديجة" بنبرةٍ عالية:
_أنتَ ياعم !! فيه حد يعمل كدا ؟؟.
حرك رأسه موافقًا وهتف مؤكدًا:
_آه فيه حد يعمل كدا عارفة ليه؟؟ علشان أنا بسوق ببهايم، نايمين وسايبني لوحدي لما خلاص جضيت منكم، واللي هلمح عينه بتقفل هنزله وازنقه في أي عربية تانية.
هتفت "جاسمين " بضجرٍ:
_ماهو دا ظلم كدا، فيه أب يعمل كدا يعني يرضيك ؟؟
_آه…يرضيني وبعدين اشمعنا أنتِ اللي بتتكلمي؟؟ ماهو أخواتك ساكتين أهو محدش فيهم فتح بوقه حتى، بتردي ليه
كان هذا رده عليها فوجدها تعود للخلف وهي تقول ببرودٍ تثير استفزازه به:
_خالو "وليد" قالي إني محبوسة من لساني.
لوى فمه بتهكمٍ ونطق بسخريةٍ:
_كل دا ومحبوسة من لسانك ؟؟ ماسمهاش كدا ياختي.
عقدت ما بين حاجبيها وسألته باهتمامٍ:
_اومال هي إيه ؟؟ أنا كنت فكراها، قول معايا كدا طيب.
رفع كفيه يمسح وجهه وهتف بضجرٍ:
_مسحوبة من لسانك الطويل اللي نفسي اقصه.
حركت كتفيها بلامبالاةٍ وهتفت بنفس البرود:
_أنا مجيبتش حاجة من عندي، أنتَ اللي بتقول.
قرر تجاهل تلك الدُمية المثرثرة ثم نظر للأخريْن فوجدهما يخلدا للنوم من جديد ابتسم لهما وقال بأسفٍ:
_ناموا لو عاوزين تناموا أنا كنت بهزر، كدا كدا قربنا أهو.
نام الصغيران فيما ظلت "جاسمين" مستيقظةً تطالع والدها حتى سألها بسخريةٍ:
_حضرتك بومة مش هتنامي يعني؟؟ نامي يابت.
أشارت له نفيًا ثم سحبت الحقيبة المجاورة لشقيقتها تأخذ منها الجهاز اللوحي "التابلت" ثم فتحته تشاهد به أحد أفلامها المفضلة فيما ضحكت "خديجة" عليها وحركت كتفيها تبريء نفسها من إتهام نظراته بقولها:
_اقسم بالله بنتنا سوى، أنا ماليش دعوة بأخلاقها.
ضحك رغمًا عنه على طريقتها ثم قال بنبرةٍ أعربت عن يأسه:
_ماهي الكارثة إنها بنتنا.
______________________________
بعد مرور ساعتين توقفت السيارات أمام بيت آلـ "رشيد" بمحافظة الاسكندرية في صفٍ طويلٍ خلف بعضهم وأولهم كانت سيارة "وليد" الذي أوقفها وخرج منها يقول بثباتٍ ومرحبًا بهم:
_اسكندرية وأرض إسكندرية نورت بيكم، وخصوصًا بيك يا "عمار".
هتف "عمار" يرد عليه بوجهٍ مبتسمٍ:
_اسكندرية منورة بأهلها دايمًا، ومنورة بيكم فيها.
نظر له "وليد" بسخريةٍ وهو يقول:
_ايه الإجابة المتربية دي ؟؟ أنا يوم ما قولت لأخوك كدا قالي دا غصب عنك، متأكد إنك أخو "عامر" ؟؟
انتشرت الضحكات الخافتة على قول "وليد" فاقترب منه "ياسين" يقول بنبرةٍ جامدة:
_ولا !! احنا جايين نروق على نفسنا هتتعبني هروقك.
هتف "وليد" مستهترًا بقوله:
_طز، أنا يوم ما اخاف هخاف من مهلبية؟؟.
رماه بغمزة عابثة جعلت "ياسين" يحاول كظم غيظه حتى اقتربت "خديجة" منه تقول بنبرةٍ هادئة بعدما ابتسمت له:
_دا "ليدو" بيحب يهزر متزعلش نفسك بس، يلا يا "وليد" اتحرك وافتح البيت يلا.
اقترب "وئام" منهم وفي يده المفاتيح وقال بنبرةٍ هادئة:
_أنا هفتحه المفاتيح معايا، جهزوا الشنط علشان نتحرك بيها.
بعد مرور بعض الوقت صعدوا جميعهم للبيت المكون من عدة طوابق وكل طابق ينقسم إلى شقتين، تم تقسيم الشقق عليهم جميعًا وكان القرار الأخير شقتين للرجال وشقتين للنساء وشقتين للفتيات وشقتين للشباب.
دلف "مرتضى" الشقة الخاصة بالرجال فوجد بها "حسان" و "محمود" ومعهما "محمد" فتحدث بتهكمٍ:
_هو أنا هفضل معاكم هنا ؟؟ إيه دا ؟؟
تحدث "محمود" بسخريةٍ منه:
_المفروض نعملك إيه يعني؟؟ روح الشقة التانية.
نظر خلفه فوجد "محمد" يأخذ حقيبته حينها أوقفه بقوله:
_أنتَ رايح فين ؟؟.
جاوبه الأخر بلامبالاةٍ:
_رايح الشقة التانية علشان مش هقعد هنا.
تحدث "مرتضى" بضجرٍ منه:
_لأ خليك هنا، أنا هروح أقعد مع "طه" وأجيب العيال معايا، هي ناقصة كبت، دلوقتي "محمود" يشغلك قناة الأخبار و "حسان" يقعد معاه يحلل مساحة الوطن العربي، وياكلوا على أبونا المساحة اللي هنفك بيها على نفسنا.
نظر له "محمد" بنفاذ صبرٍ وقال بانفعالٍ طفيفٍ:
_هو أنتَ مفيش حاجة بتعجبك ؟؟ عاوز الدنيا كلها مراجيح ؟؟ روح ياخويا ألعب مع العيال وشغل أغاني وافضحنا.
أكد "مرتضى" اقتراحه بقوله:
_هو إحنا جايين معرض الكتاب ؟؟ طب دا أنا محضرلكم أكلة رنجة وفسيخ أقسم بالله هتضرب في نفوخكم.
تقززت ملامحهم فيما سحب هو حقيبته ثم خرج من الشقة وتوجه للشقة الأخرى التي بقى بها "طه" ينتظر قدوم أحدهم، حتى دلف له "مرتضى" يقول بمرحٍ:
_واد يا "طه" ؟؟ أنتَ فين يالا ؟؟
خرج له يرتدي سترة قطنية "تي شيرت" وأسفله بنطال رياضي فتحدث "مرتضى" بسخريةٍ من هيئته:
_أنتَ لابس هدوم البحر من دلوقتي ليه؟؟ عندك معاد مع الحوت الأزرق ؟؟.
نظر له "طه" بملامح ترتسم عليها الضحكة وقال بنفس السخرية:
_لأ يا خفيف خارج مع سمكة قرش، أجيبلك صاحبتها؟؟.
وضع "مرتضى" حقيبته ثم تحدث بنبرةٍ خافتة:
_بقولك إيه أنا عاوزك تطول بالك معايا كدا ونضحك ونهزر وتحسسني أني جاي مصيف، الشقة اللي جنبنا دي لو شوفتك معتبها، أنا هقطع رجلك، فاهم ؟؟.
_____________________________
في الشقة الخاصة بالشباب جلس "عمار" بمفرده بعدما تحسن كثيرًا واقتصر الأمر على جروح طفيفة أثرها أوشك على الرحيل، كان يجلس بخجلٍ طفيفٍ بعدما اصروار على المجيء معهم وقد وجد "خلود" تأتي له هربًا من الجميع وفي يدها كوب عصير، أبتسم لها بتعجبٍ فوجدها تقترب أكثر وهي تقول بحماسٍ:
_دا عصير لحد ما الأكل يحضر، عاوز حاجة ؟؟
حرك رأسه نفيًا وسألها باهتمامٍ:
_أنتِ عاوزة حاجة ؟؟ يعني أنا لسه باخد على الجو.
ضحكت له وقالت بتفسيرٍ:
_هي في الأول بتبقى فيه رهبة بعد كدا هتلاقي جري ورا بعض و العيال كلهم يطلعوا فوق السطح و "طارق" هيجيب لنا حاجات حلوة، اتمنى يعني تنبسط.
اومأ لها بإيماءةٍ خافتة وهتف بنبرةٍ هادئة:
_مش أنتَ موجود يا "سُكر" ؟؟ يبقى كله تمام.
اقتربت منه تخطف قبلةً على وجنته ثم رحلت وهي ترفع صوتها قائلةً:
_البركة فيك يا "لوز".
اتسعت ضحكته شيئًا فشيءٍ وهو يتابع رحيلها بشقاوةٍ كعادة شخصيتها المتمسة بالمرح، فوجد "مازن" يقترب منه يقول بخبثٍ:
_ابعد عينك الله يعينك.
انتبه له "عمار" فتنحنح بجديةٍ ليجد "مازن" يغمز له بمشاكسىةٍ حينها قال "عمار" بصوتٍ خافتٍ يسخر من الوضع:
_لأ متيسرة إن شاء الله، واضح إنها رحلة سعيدة.
_______________________________
وضع "حسن" اشياءه وأشياء صغيره "علي" معه في نفس الخزانة ثم تحرك من الغرفة ليجد "ياسين" في الخارج يضع حاجته هو الأخر حينها ابتسم له وهو يسأله:
_أنتَ قبل ما تقعد معانا في الشقة دي سألت عن أخلاقنا؟؟
ضحك له "ياسين" وهو يقول بقلة حيلة:
_أكيد الشقة اللي فيها "حسن" و "وليد" و "أحمد" طبيعي تكون كباريه على الضيق، إنما اللي فيها "عمار" و "وئام" و "طارق" أظنها فصل مدرسي.
تحرك "حسن" من أمامه بعدما تحدث معه عدة أحاديثٍ قليلة ثم توجه إلى رواق الشقة الموجودة بها زوجته، وقف لبرهةٍ يتابع الاطفال وهم يتحركون بالأشياء والرجال خلفهم يرتبون الأوضاع والشباب يقومون بالتجهيزات، فوجد نفسه يبتسم بفرحةٍ غريبة وقلبه ينبض بحماسٍ.
الأجواء العائلية وضجيج البيت والأصوات المنتشرة والنداءات المتكررة الصاعدة من الشقق جعلت يشعر بأمانٍ قد يكون فقده لكنه يجده هنا بجوار عائلته، "مرتضى" يصدر الأمر وهو يوافق متصنعًا الضيق لكن في حقيقة الأمر هو ينتظر هذه المناسبة بفارغ الصبر كل عامٍ، يرى نفسه كما أبناء العائلة تمامًا، الدفء المتواجد بجوارهم يجعله يشعر بالحنين لكل شيءٍ هنا حتى وإن لم ينتمي لهم.
أتت "هدير" تحمل صغيرتها على يديها وما إن رأته ألقتها له وهي تقول بنفاذ صبرٍ وضجرٍ:
_أمسك البت دي علشان كلت دماغي، عاوزة تروح عند "جاسمين" و "جاسمين" لازقة في "وليد".
نزلت "فاطيما" على الأرض وهي تقول بمعاندةٍ:
_طب والله لأروح عند "وليد" أنا كمان.
ركضت من مكانها حتى ضحك "حسن" عليها فسألته زوجته بتأهبٍ:
_شوفت ؟؟ أقسم بالله هضربها.
رد عليها بنبرةٍ هادئة وطيبةٍ معهودة منه:
_سيبيها إحنا في مصيف متنكديش عليها، جايين نفرح.
ابتسمت له رغمًا عنها ونظرت له بإمعانٍ حتى وجدت نفسها تقرأ ملامحه بسهولةٍ ويسرٍ وقد فهمت ملامحه على الفور لذا ابتسمت هي الأخرى وقالت بحماسٍ اقتبسته من فرحته:
_شكلك فرحان إننا جينا صح؟؟ الحمد لله إننا مروحناش الساحل، وشك منور الله أكبر.
اقترب منها بخبثٍ يهمس في أذنها بقوله:
_شوفتي بقى لما بتسمعي كلام جوزك وشك بينور إزاي يا حلوة الملامح ؟؟ ربنا يكرمك بقى وتثبتي على كدا.
رفعت أحد حاجبيها بشرٍ أخمده حينما قبل وجنتها ثم ثم غمز لها وهو يقول بعبثٍ تحبه هي في شخصه:
_عن إذنك بقى يا ونس العمر هنروح نشوف الكلام على إيه
تحرك بعدما قال جملته فيما وقفت هي تنظر في أثره ثم ابتسمت بحماسٍ وهي تقول لنفسها:
_اسكندرية شكلها سرها باتع عليه الواد دا.
_____________________________
تحرك "ياسين" مع ابنه للخارج فقابلته "خديجة" ومعها "عبلة" التي قالت بمرحٍ:
_منورنا يا "ياسين" إن شاء الله تبقى رحلة سعيدة.
رد عليها هو بنبرةٍ ضاحكة:
_هحاول بقدر الإمكان أني مارملكيش، ادعيلي ربنا يثبتني
ضحكت له ثم تحركت من أمامهم بعدما استاذنت بالرحيل، فيما سألته "خديجة" باهتمامٍ:
_إيه الأخبار؟؟ لسه مش راضي؟؟
رفع رأسه وهو يقول بشموخٍ يعاندها:
_لو مش راضي ماكنتش جيت هنا بإرادتي، بس أنا جاي بمزاجي يا كتكوتة.
ضيقت جفونها وأشارت بسبابتها قائلةً بتحدٍ:
_طيب، خليك فاكر بقى إنك النهاردة هتبوس راسي.
سألها بسخريةٍ بحديثٍ يشبه حديث الماضي في أول لقائهم:
_وابوس راسك ليه هو أنتِ أمي ؟؟.
جاهدت لكتم ضحكتها ثم أمسكت كف صغيرها وهي تقول بقلة حيلة:
_يلا علشان منتأخرش على البحر.
هتف من خلفها ساخرًا:
_إيه خايفة مدير البحر يخصملك ولا إيه ؟؟.
اختفت من أمامه تجاهد لكتم ضحكتها وقد قابلها "وليد" في الطابق الأسفل وهو يسألها باهتمامٍ:
_طبق المهلبية بتاعك فرحان ولا احطله شوية كريم كراميل
حركت رأسها بقلة حيلة وهي تقول:
_أهو بس شوية وهيفك إن شاء الله، المهم ننزل إمتى؟؟.
رد عليها بخنوعٍ بعدما نظر في ساعة يده:
_كمان شوية هننزل نقعد على البحر، أنا قولتلهم يجهزوا.
______________________________
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا توجهت العائلة بأكملها على شاطيء البحر وقد جلس "وليد" وسط الصغار يلعب معهم في الرمال وكذلك "حسن" و"عمار".
كانت الجلسة على شاطيء البحر في مرحٍ وسعادةٍ اندمجوا فيها بسرعةٍ كبرى و "سلمى" التي جلست أمام البحر تبتسم بسعادةٍ وراحةٍ جعلت "مشيرة" تقول بنبرةٍ ضاحكة:
_بت يا "سلمى" أوعي تعمليها دلوقتي!!.
ردت عليها بسخريةٍ وهي تحاوط بطنها:
_لأ متخافيش يا عمتو، ممكن بكرة.
تحدث "زياد" بلهفةٍ:
_أهم حاجة مش النهاردة بليل، بابا عازمنا كلنا.
تحدثت "مروة" بتعجبٍ من الحديث:
_النهاردة ؟؟ هنروح فين سيبونا نرتاح النهاردة.
ردت عليها "خديجة" بلهفةٍ:
_لأ "وليد" عازمنا النهاردة على أكلة سمك "ياسين" بيحبها وكلم المطعم حجزه.
انتبه لها "ياسين" فعقد مابين حاجبيه وسأل "وليد" بتعجبٍ:
_مطعم ؟؟ ودا ليه يعني هو أنا عيل هتراضيني؟؟ والله ياعم فرحان أني جيت هنا، عامل قلق ليه بقى، ولا لازم تمشينا على مزاجك ؟؟.
تحدث "وليد" بطريقته المعتادة:
_أنتَ متقدرش تمشي الناس على مزاجك بس تقدر تمشي الناس بمزاجك، أفهمها زي ما تفهما يا مهلبية.
بعد مرور عدة ساعات ومع حلول المساء دلفت العائلة للمطعم ومعهم الصغار بعد عودتهم من البحر، كانوا مع بعضهم والمكان شبه فارغٍ، لاحظ "ياسين" هذا فسألهم متعجبًا:
_هو المكان فاضي ليه ؟؟ سمعته وحشة؟؟
تحدث "وليد" يشاكسه بقوله:
_ليه هو اسمه "ياسين" ولا إيه؟؟.
انتشرت الضحكات العالية على مزاحهما سويًا، فيما ركض "ياسين" حتى اقترب منه وأمسك رقبته بين يديه يتحدث بنفاذ صبرٍ وانفعالٍ قاتمٍ:
_ياض سيبني في حالي، ياض هو أنتَ ذنوب وبخلصها؟؟.
وصلهما صوتٌ من خلفهما يقول بسخريةٍ:
_أنا ربيتك على كدا يا مهلبية؟؟ إخس؟؟
التفت "ياسين" ينظر خلفه فوجد عائلته بالكامل يقفون في انتظاره اتسعت عيناه حينها بدهشةٍ ورفرف بأهدابه عدة مراتٍ يتأكد من تواجدهم، فوجد "وليد" ينطق بحبٍ:
_أبوك جاي علشان عيد ميلادك وصمم إننا نتجمع كلنا و "خديجة" اللي رتبت كل حاجة، كل سنة وأنتَ طيب.
لمعت العبرات في عيني"ياسين" من فرط الدهشة فوجدها تقترب منه وهي تقول بمرحٍ تشاكسه:
_قولتلك هتبوس راسي قدامهم، هو أنا أي حد ؟؟.
وقف حائرًا لم يقو على إبداء الرد في فعلهم، عائلته وكل أحبته هنا، هذا الحلم الذي تمناه ذات يومٍ أن يجمعهم سويًا، وسرده عليها أن يريد جمعهم مع بعضهم هي نفذته له وحققت مبتغاه، تلك التي وافق لأجلها أن يكون هنا، تواجد لأجلها ولأنها هي هُنا.
رواية تعافيت بك الجزء الثالث الفصل الثلاثون 30 - بقلم شمس بكري
_الهَنا هُنا لأنكِ هُنا معي أنا وأنتِ بجوار قلبي هُنا
____________________
لمعت العبرات في عيني"ياسين" من فرط الدهشة فوجدها تقترب منه وهي تقول بمرحٍ تشاكسه:
_قولتلك هتبوس راسي قدامهم، هو أنا أي حد ؟؟.
وقف حائرًا لم يقو على إبداء الرد في فعلهم، عائلته وكل أحبته هنا، هذا الحلم الذي تمناه ذات يومٍ أن يجمعهم سويًا، وسرده عليها أن يريد جمعهم مع بعضهم هي نفذته له وحققت مبتغاه، تلك التي وافق لأجلها أن يكون هنا، تواجد لأجلها ولأنها هي هُنا، تلاقت نظراتهما سويًا هي تبتسم له وهو يتمن بنظراته حتى اقتربت منه تسأله بلهفةٍ:
_طمني المفاجأة عجبتك؟؟ والله عمو هو اللي قالـ…
بترت حديثها حينما احتضنها هو أمام الجميع في حركةٍ مُفاجأة لها جعلتها ترفرف عدة مراتٍ ببلاهةٍ وسرعان ما سيطر عليها الخجل وهي ترى النظرات الموجهة نحوهما من الجميع، فيما ابتعد عنها هو وقال بنبرةٍ هادئة وهو يطالع عمق عينيها:
_شُكرًا….شكرًا علشان أنتِ هنا.
ابتسمت له ثم حدثته بنبرةٍ خافتة وهي تقول بمزاحٍ:
_مبوستش راسي برضه؟؟ بس هعديهالك.
ابتسم لها ثم تحرك نحو والده يحتضنه بحبٍ بالغٍ وهو يقول بتأثرٍ ظهر على صوته:
_مقولتش ليه إنك ناوي تعمل كدا ؟؟ كان لازم روح المحامي اللي جواك تخرج يعني، بس كدا كدا الدنيا كلها نورت بيك، ربنا يخليك ليا.
ابتعد عنه "رياض" وهو يطالعه بحبٍ وقال يشاكسه:
_ياولا أنتَ فاكرني زيك قلبي أبيض ؟؟ دا أنا قديم أوي بصراحة مراتك كتر خيرها تعبت معايا أوي في التنفيذ، بس بتحبك أوي ونفسها تفرحك بجد.
حرك رأسه نحوها فوجدها تبتسم له حينها قال هو بصدقٍ:
_وأنا كمان بحبها وأحب اللي يحبها.
تدخل الصغار يركضون نحوه وكذلك الشباب أيضًا وفي غضون ثوانٍ كان المكان امتلأ بهم جميعًا وبعد الترحاب بينهم وقف "ياسين" يتابع المكان بنظراته وقد لاحظ اختفاء "حسن" من المكان فسألهم بتأهبٍ:
_هو فين "حسن" ؟؟ مش كان هنا معاكم؟؟
في هذه اللحظة دلف "حسن" و "ميمي" تستند على كفه ففرغ فم "ياسين" بدهشةٍ من تواجدها واندفع نحوها يسألها بلهفةٍ:
_ أنتِ جيتي معاهم ؟؟ أنا كنت خايف تكوني لوحدك.
ابتسمت له وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
_حُكم القوي على الضعيف وأنا مقدرتش على زنهم، كفاية "عامر" اللي صدعني.
رفع "عامر" حاجبيه بسخريةٍ وتشدق قائلًا:
_أخرتها مصدعك؟؟ دا بدل ما تشكريني علشان جيبتك تشمي هوا نضيف بدل الحارة اللي صداعها، شكرًا يا ستي.
كان يحمل صغيرته على يده فمالت بجسدها تشير إلى "عمار" حتى اقترب منها يائسًا ثم حملها على يديه فوجدها تضحك بفرحةٍ.
بعد مرور دقائق من الأحاديث وصوت الصغار الذي أخذ يرتفع عاليًا دلف العاملون بالمكان يمسكون أطباق الطعام وهناك أخرون يمسكون طبقًا مستدير الشكل في داخله وجبة "الجمبري" ابتسم "ياسين" بسعادةٍ فتحدث "حسن" حينها يقول بزهوٍ:
_دي بقى بتاعتي أنا، اعتبرها هدية عيد ميلادك، أمسك الشمعة بتاعة حرفك علشان تطفيها.
ألقى له الشمعة فالتقطها "ياسين" بكفيه وهو يقول بمرح:
_طول عمرك رجولة وأبو الواجب يا أبو "علي".
تحدث "طارق" يقول بنبرةٍ هادئة:
_هتلاقي بيبسي نازل وسلطات وعيش دول من عندي.
ضحك "ياسين" له وهو يقول:
_يدوم العز يا غالي، طول عمرك صاحب واجب.
قال حديثه ثم نظر لـ "وئام" يستفسر منه فقال الأخر بسخريةٍ:
_معلش الظروف مزنقة معايا شوية فجيبت البابا غنوج.
ارتفع صوت ضحكاتهم، فقال "أحمد" بنفس السخرية:
_أنا بقى جايب اتقل حاجة هنا، البصل اللي اتعمل بيه الرز، فلوس مش عارف أوديها فين.
عادت السخرية من جديد والمرح وسط الصِغار برفقة الكبار معهم، فمالت "هدير" على أذن "حسن" تقول بتهديدٍ له:
_عارف لو في عيد ميلادي مجبتليش تورتة جمبري أنا هعمل فيك إيه ؟؟ أنا هحبسك في البيت مدى الحياة.
رفع حاجبيه ونظر حوله يراقب أحاديث الآخرين ثم نظر لها من جديد يهتف بسخريةٍ:
_طب وبعد ما تحبسيني ؟؟ اخرتها إيه بقى ؟؟
أقتربت منه تهمس له بقوله:
_هتدلع عليك بقى براحتي بدل ما تنزل وتسيبنا، دا حقي.
ضحك رغمًا عنه بيأسٍ منها وكذلك ضحكت له هي الأخرى، هي تحب هذا تحب مشاكسته التي تخرج ضحكته بهذا الشكل كما أنها تحب فرحته حين تنطق عيناه بها، كل شيءٍ جمعها به تشعر بالامتنان تجاهه، حتى صغيراها هي تُحب حتى حروف اسميهما، كل شيءٍ له علاقة به تحبه هي وتسعى لأجله كونه هو المستحق لطاقة الخير بداخلها.
تلاقت نظرات "ياسين" بـ "وليد" فتحرك من مكانه واقترب من الأخر يحتضنه وهو يقول ممتنًا له:
_معلش بقى كنت فاهمك غلط، ألف شكر.
ربت "وليد" على ظهره وهو يقول بنبرةٍ هادئة:
_طول عمرك فاهمني غلط، بس عادي واخد على كدا منك، عد الجمايل اللي مغرقاك من ساسك لراسك يا مهلبية.
ربت "ياسين" على ظهره فقط ونظر له بامتنانٍ التقطه الأخر فتحدث قائلًا بنبرةٍ رخيمة:
_بصراحة اللي عمل كل حاجة عمو و "خديجة" أنا بس كنت عنصر الاستفزاز في الموضوع مش أكتر.
ضحك "ياسين" رغمًا عنه ثم جلسوا حول الطاولة يتناولون الطعام معًا بعد إتمام وضعه على الطاولة، الجميع هنا بجوار بعضهم يجلسون سويًا يتناولوه طعامهم مع بعضهم، حياة شبه مثالية لكنها ليست هكذا، فقط الثقة باختيارات الله والتسليم لأمره هما ما يجعلان المرء في الشعور بالرضا، لايوجد منا فردٌ حياته تتسم بالمثالية، لكن هناك من يرونها هكذا وبالتالي يسعون لتكليل حياتهم بالفرح حتى لو للحظاتٍ عابرة لم تدم طويلًا.
__________________________________
عادوا من المطعم إلى البيت وكذلك عائلة "ياسين" ذهبوا إلى بيتهم إلى أن يتم اللقاء في الغد بين العائلتين على شاطيء البحر.
بعد مرور ساعتين من العودة كانت "جاسمين" مع "فاطيما" في الشقة التي تجلس بها "جميلة" وفتياتها الثلاثة بينما "نغم" بقيت بجوار والدتها ثم طلبت منها أن تنزل معها تجلس أمام البحر ليلًا ومع إصرارها لم تقو على الرفض بل وافقت واذعنت لها ثم نزلت معها تجلس أمام البحر ليلًا وقد لاحظت ارتخاء ملامح صغيرتها المُحبة للطبيعة فسألتها بهدوءٍ:
_بتحبي البحر يا "نَـغم" ؟؟.
حركت رأسها موافقةً ثم قالت بنبرةٍ ضاحكة:
_بحب ريحته، بحسه حلو بطلت أخاف منه علشان كدا بقيت بحبه.
ربتت "خديجة" على خصلاتها وقالت بقلة حيلة:
_عارفة !! أنا كنت بخاف من "ياسين" كدا برضه خايفة أقرب منه وخايفة أعرفه وخايفة يكون زي الكل الناس، بس طلع عامل زي البحر دا، يعرف إزاي يشدك.
استنكرت الصغيرة حديثها وسألتها بتعجبٍ:
_بابا !! حد يخاف من بابا ؟؟ دا طيب أوي.
ضحكت "خديجة" رغمًا عنها وهي تقول:
_وأنا كنت أعرف منين أنه طيب؟؟ بس بعدها عرفت أنه أحسن حاجة جت في العمر وأنه مستحيل يكون فيه زيه، أول ما اطمنتله لقيت نفسي بحبه، علشان كدا بفضل آكد عليكم إننا منزعلهوش.
ابتسمت "نغم" وسألتها بلهفةٍ:
_ماما هو أنا المفروض أعمل إيه علشان أكون زيك كدا هادية وطيبة وأي حد يقول إنه بيحبك، أنا مش عاوزة لما أكبر الاقي حد بيقول أنه بيكرهني، علشان أنا مش بكره حد.
رفعت كفها تمسح على رأسها وقالت بحنانٍ بالغٍ:
_طب ما أنتِ كدا بجد، وكل الناس بتحبك محدش بيزعل منك علشان أنتِ مبتزعليش حد، أنتِ عسولة وطيبة وحنينة ونور عيني كمان، أول حتة مني أمسكها بأيدي وكأني أول واحدة في الدنيا تمسك نجمة من السما بإيديها.
ابتسمت الصغيرة لها ثم اندفعت تعانقها تستشعر دفء عناقها ثم هتفت بنبرةٍ خافتة:
_طب أعمل إيه علشان أفضل كدا ومزعلش حد مني؟؟.
تنهدت الأخرى ثم مسحت على ظهرها وهي تقول:
_مرة زمان شوفت فيديو لشيخ أو لراجل حكيم كان وسط ناس كتير بس كان بيقول كلام أغنى من الدهب نفسه، غالبًا لخص الحياة كلها في كلامه، قال بالنص كدا
أنتَ هتفرز في الناس هتضيع عمرك أونطة، لكن حِب، اللي تقابله حبه، واللي متحبوش متكرهوش، واللي متثنيش عليه متغتابوش، واللي متنفعهوش متضرهوش، خليك ذوق…خليك مُحمدي، فاهمة يعني إيه؟؟.
حركت رأسها نفيًا وطفقت الحيرة تظهر على ملامح الصغيرة فقالت "خديجة" بتفسيرٍ:
_يعني منفضلش نختار في الناس، نحب الخير لكل الناس ونساعد الكل، واللي مقدرش أحبه يبقى اتجاهله أحسن بدل ما أكرهه وأدخل حياتي مشاعر سلبية، واللي مقولش في حقه كلام حلو أو أشكر فيه يبقى مجيبش سيرته بشر أو حتى اتكلم عنه، واللي مش هقدر اساعده وانفعه في حياته متضرهوش وأكون مؤذي ليه، خليك ذوق وخليك محمدي، يعني حاول تتصف بصفات سيدنا "محمد" هي دي سر الدنيا، لكن الشطارة والفهلوة بقى دول صفات مؤقتة طول ما القلب عمران بالخير استحالة قسوة الغير تأثر فيه.
احتضنتها "نغم" من جديد والأخرى تربت عليها حتى وجدت "مازن" و "زياد" يركضا نحوهما يجلسان برفقة "نغم" التي ضحكت لهما ثم ركضت لهما تلعب بالرمال.
نظرت لهما "خديجة" وهي ترى أن العمر مر في لمح البصر ألم تكن البداية بالأمس؟؟ البوم ترى فتاتها الكبرى بجوار ابناء أخيها يلعبون سويًا كما كانت تلعب هي مع أبيهم؟؟ شردت في مظهرهم فوجدت صوته يقول من خلفها بنبرةٍ جامدة:
_يا صيع ياولاد الصايع، مقولتوش ليه انكم نازلين يا حيوان منك ليه؟؟ سايبين "عبلة" قالبة الدنيا عليكم؟؟.
تحدث "زياد" بضجرٍ:
_هدي نفسك بس علشان الضغط وتعالى ألعب معانا.
رفع "وليد" حاجبيه فيما ضحكت "خديجة" والتفتت له تقول بسخريةٍ:
_ما شبه أباه فما ظلم، تعالى يا أخويا.
اقترب يجلس بجوارها ثم أخرج هاتفه يخبر زوجته بمكانهما قائلًا:
_لقيتهم مع "نغم" على البحر يا "عبلة" متقلقيش أنا معاهم أهو و"خديجة" هنا هطلع بيهم.
أغلق معها الهاتف ثم تنهد بعمقٍ فسألته "خديجة" بتعجبٍ:
_مالك ؟؟ حد مزعلك؟؟.
حرك رأسه نفيًا وهتف بنفاذ صبرٍ:
_عاوز أنام، بس مش عارف أنام، علشان مبعرفش أنام برة سريري، شوفتي المشاكل الصعبة ؟؟ أخوكِ بينهار.
رفعت كفيها تقول بقلة حيلة:
_يارب ديم علينا مشاكل من النوع دا.
لكزها في كتفها بكفه فضحكت هي له ثم أشارت له حتى اقترب منها برأسه فوجدها تضمه ثم ربتت على خصلاته حتى ابتسم هو واغمض جفونه بسلامٍ فوجدها تسأله بتعجبٍ:
_ولا !! أنتَ حاطط زيت جوز هند في شعرك ؟؟.
رفع عينيه يطالعها وهو يقول بسخريةٍ:
_لأ ياختي دي سوبيا، أصلي بحبها.
ضحكت على قوله ثم تحدثت بسخريةٍ:
_طبعًا كلنا عارفين أنهي سوبيا بس منقدرش نقول.
رفع رأسه يتنهد بعمقٍ ثم قال بنبرةٍ هادئة:
_هي السوبيا اللي أنتِ عرفاها، عارفة لما تحسي إن فيه ريحة كدا طول ماهي محوطاكي أنتِ متطمنة ؟؟ أهو نفس الحوار معايا الريحة دي بحس إنها دافية وبتطمني أوي، علشان كدا بحبها أوي فبخليها محوطاني، فاهمة كلامي؟؟.
حركت رأسها موافقةً وهي تبتسم له فاقترب "ياسين" يجلس بجوارهما ينطق بسخريةٍ:
_اتمنى مكونش مضايقكم بوجودي، يا بهايم الحركة دي بتضايقني، اقول عليكم إيه؟؟.
اعتدل "وليد" وهو يقول بضجرٍ منه:
_يا ستار عليك دا أنتَ عيل حقودي أوي.
ضحكت "خديجة" ولكزته في ذراعه تقول بنبرةٍ جامدة:
_متشتمش جوزي لو سمحت !!.
ضحك "ياسين" بتشفٍ به ثم ضمها إليه يراقص حاجبيه للأخر الذي نطق بسخريةٍ تهكمية:
_بلاش تكيد فيا علشان مترجعش تزعل تاني، خليني ساكت أنا راجل متربي ومحترم، قولت إيه يا مهلبية؟؟.
تحركت "خديجة" من مكانها وهي تقول بعجالةٍ:
_شكلكم غاويين هزار أنا مُضطرة أتحرك أطلع أشوف "جاسمين" و "يزن" علشان قلقانة بصراحة عن أذنكم.
تحركت من المكان ومعها الصغار الثلاثة فيما ظل الاثنان جالسيْن محلهما، فتحدث "وليد" بسخريةٍ وهو يطالع موج البحر:
_شكلك مبسوط ورايق أوي، ممكن أعرف السبب؟؟.
رد عليه الأخر مُفسرًا بصوتٍ تخلله الراحة:
_علشان فرحت بسببكم، بتمنى أي حد افرحه في يوم يبقى حس بنفس احساسي كدا أنه فرحان وبصراحة عاوز اشكرك أكيد كان ليك دور كبير في الليلة دي.
ابتسم "وليد" بخفةٍ وهتف بنبرةٍ هادئة:
_أنا بس حجزت المكان علشان "خديجة" قالت إنك بتحبه، بصراحة هي كان كل غرضها إنك تكون فرحان بجد كانت عاوزة تعمل أي حاجة تفرحك ولما سألتها قالتلي إنها بتحب تفرحك زي مابتحب تفرحني، تصدق أول مرة أخد بالي ؟؟.
نظر له "ياسين" بتساؤلٍ جعله يتحدث مفسرًا بقوله:
_إنك شبهي مع اختلاف وجهات النظر والأسلوب، يعني لو عليك ممكن تفرح أي حد في حياتك وأنا برضه عندي استعداد أدي لأي حد روحي، بس الطريقة تختلف وكذلك أسلوب التعامل، لكن المبدأ واحد، بس أنتَ بقى غاوي اهتمام بالناس أنا مش كدا خالص.
سأله "ياسين" بحيرةٍ من حديثه الأخير:
_يعني إيه ؟؟ أنا مش فاهم.
فسر الأخر القول بحديثه:
_يعني ممكن تكون بتهتم برأي الناس فيك بس أنا مش كدا، وممكن تكون بتبرر مواقفك أنا مش كدا، أنا ميهمنيش رأي حد طالما بنام مرتاح وأنا مش ضارر حد يبقى خلاص، اللي بيهتم بالناس بيخسر نفسه، ولو خسرت نفسك يبقى كدا أنتَ ضيعت، عارف لما جيت أتعلم السواقة مين اللي علمني؟؟.
حرك رأسه نفيًا ليضيف الأخر مفسرًا بقوله:
_"طارق" ابن عمي، ساعتها علمني درس عمري ماهنساه في حياتي، قالي لو عاوز تتعلم السواقة بصحيح على أصولها حط عينك على الطريق وسيبك من اللي على الطريق، متشوفش غير نفسك في السِكة، لو بصيت على طريقة كل واحد فيهم لازم تتلغبط، واللي عاوز يوصل معندهوش وقت للغبطة، لو عاوز توصل على طريق لازم تكون المنافس الوحيد ليك، لما قالي الكلام دا كنت فاكره لسواقة العربيات بس، لكن لما ركزت عرفت أنه ينطبق على كل حاجة في الدنيا، اللي بيسمع كلام الناس كسبان حبهم بس اللي بيسمع لنفسه كسبان حبها، فهمت؟؟.
حرك رأسه موافقًا فارتمى عليه "وليد" يقول بسخريةٍ:
_طب يلا اسمع كلامي بقى وحط إيدك في راسي علشان مش عارف أنام، يلا أنتَ هتمشي كلامي عليا أنا ولا إيه؟.
ضحك "ياسين" ثم رفع كفيه يربت على خصلات "وليد" وهو يضحك رغمًا عنه على هذا الرجل الذي يشبه الصغار في طريقتهم وفي حبه لمن حوله حتى طريقة التعامل.
_____________________________
في منطقة أخرى بمحافظة الاسكندرية..
لم يكن الوضع مشابهًا للوضع في بيت آل "رشيد" بل كان يختلف تمامًا حيث أن المنطقة بأكملها خاصة بالشقق المصيفية، وهذه الشقق تتسم بالطابع المرح حيث صوت الاغاني والسهر في الشُرفات الممتلئة بالسكان، خاصةً في الطابق الأول الخاص بشاليه "رياض" جلس في الشرفة مع "فهمي" بجوار "ميمي" والنساء يستمتعون بالهواء الممتزج برائحة البحر بنسماته.
على العكس في صالة الشاليه ارتفع صوت الموسيقى الصاخبة والصغار يرقصون مع بعضهم وبجوارهم الشباب حتى قام "عامر" بسحبهم ليتشاركون الرقص مع الصغار فقامت "إيمان" بالتقاط الصور لهم وحينما ازداد الحماس لديها أطلقت زغرودة عالية جعلت الضحكات ترتفع على فعلها الغريب.
بعد مرور دقائق خرج "رياض" وصديقه "فهمي" يقفون وسط الشباب وهم يصفقون بحماسٍ جعل "عمر" الصغير يفتح الهاتف ويوثق اللحظة ثم أرسلها إلى "ياسين" وكتب أسفل الفيديو القصير:
_مصاحبش الفرافير حتى لو راكبين فيراري، واخد بالك ياعمو؟؟.
ضحك "ياسين" ما إن رأى الفيديو ثم أرسل له بسخريةٍ:
_بس أنا معيش فيراري يابن الأهبل، أنا معايا مرسيدي سودا، ربنا يوعدنا إن شاء الله بالفيراري أنا وأبوك.
أغلق هاتفه يضعه في جيبه ثم انتبه لـ "وليد" الذي نام على قدمه فابتسم وتشدق بسخريةٍ:
_ويقولك معرفش أنام غير في سريري، والكداب نايم على الرملة.
استمرت السهرة عند "رياض" بمرح الصغار ومشاركة الكبار لهم يسرقون من الأيام لحظات سعيدة قبل أن يعودوا من جديد إلى الروتين المعتاد والحياة العملية التي شارفت على القدوم.
______________________________
في اليوم التالي عند عائلة الرشيد..
توقفت أسفل البيت الحافلة التي قام "عامر" بتأجيرها لكي يتحركون بها بدلًا من سياراتهم، ولأول مرة يتم الاتفاق على شيءٍ يفعله "عامر" من قبل الجميع.
تحدث بعدما أوقف الحافلة:
_يلا يا رجالة علشان ننزل، رحلة سعيدة.
اقترب منه "خالد" يتحدث بنبرةٍ ضاحكة قائلًا:
_يمين بالله مش قادر أشوفك غير الراجل بتاع أغنية كاظم الساهر اللي كان بيسوق بالعيال وهما عريانين، سامحني بس الصورة مش طالعة من دماغي.
التفت "عامر" ينظر خلفه وتفحص الحافلة بنظراته قائلًا بسخريةٍ:
_غريبة العيال كلها متربية ولابسة، مش شايف حد قليل رباية غيرك يا "خالد".
قبل أن يهجم عليه "خالد" تدخل "ياسر" يحول بينهما بعدما منعه وهو يقول بلهفةٍ:
_بس أقف عندك، افتكر أنه لو حصله حاجة هنتسوح بعدين أنتَ اللي روحت تستفزه ليه.
انتفض "عامر" يقول بضجرٍ:
_قوله البيه فاكر نفسه حاجة… وهو أقسم بالله كل حاجة.
قالها بخوفٍ من نظرة "خالد" الذي ضحك له ثم نزل من الحافلة يتابع نزول الصغار وقال لابنه بتحذيرٍ:
_ولا ؟؟ أقسم بالله يا "يونس" لو لقيتك عاملي فيها ابن البحار وقلبك ميت لأخليك ابن الرمال وادفنك فيها.
رد عليه "يونس" بنبرةٍ ضاحكة:
_تصدق معاك حق ؟؟ أنا فعلًا مينفعش أعمل كدا خصوصًا أني ابن أصول بقى.
بعد مرور دقائق اجتمعت العائلة بالعائلة الأخرى على شاطيء البحر إن لم يكن الشاطيء بأكمله تحت سطوة العائلتين، كان عددهم مهولًا لكن ما أعطاهم الحرية في الأمر أن الشاطئ خاص بالسكان لذا العدد القليل أعطاهم الكثير من الحرية في التحرك والتحدث وخصوصًا عند الآتي.
أخرجت النساء الطعام التي قمن بصنعه لكنه لم يكن مناسبًا لهذه الأوقات أو المكان نفسه، مما جعل "فارس" بن "وئام" يسأل بسخريةٍ:
_محشي ومومبار ولحمة ومخلل وسلطة على البحر؟؟
تدخل "وليد" يهتف بسخريةٍ:
_وزعلانين أوي لما بنقول السياحة مضروبة.
تحدث "حسن" بنبرةٍ ضاحكة وهو يتابع ملامح "عامر":
_السياحة في مصر اتضربت من يوم ما "عامر" مسكها باين، لامؤاخذة يا غالي بس أنا بقول الحق.
أيده "عامر" بقوله المرح:
_مليش وش أكدبك، أقسم بالله من أول أسبوع حصل سطو مسلح على أتوبيس سياحي وكلنا لبسنا الليلة والشركات خسرت كتير.
انتشرت الضحكات والسخرية والهمسات فيما تحدثت "مشيرة" تامر الأخريات بقولها:
_طلعوا بقى المحشي علشان "سلمى" طلبته علشان أنا مش مرتاحة وقلبي متوغوش أقسم بالله.
تحدث "أحمد" بقلقٍ هو الأخر:
_مش عارف قلقان ليه بس يارب ميحصلش، خصوصًا إنها صممت تجيب حاجتها وهي جاية إن شاء الله تبقى هلاوس.
ضحكت "سلمى" وقالت بنبرةٍ مرحة:
_ياعم فيها إيه ما أولد هنا علشان ابني يطلع عويم.
لوى فمه بسخريةٍ وسط الضحكات التي انتشرت عليها لتضيف "خلود" بحماسٍ:
_جماعة لو هي عملتها دلوقتي أنا هبقى فرحانة علشان كلنا سوا واللحظة دي هتبقى لحظة تاريخية، قولوا يارب بس.
نظر لها "عمار" وهو يجاهد لكتم ضحكته فوجدها تبتسم له ثم غمزت بشقاوةٍ جعتله يرفع حاجبيه بدهشةٍ ثم داعب الصغيرة "ريتاج" التي تجلس على قدمه.
بعد مرور بعض الوقت من تناول الطعام الغريب وقف "مرتضى" يعلنها صراحةً بنبرةٍ عالية:
_بصوا يا حبايبي خبط لزق كدا علشان الإنسان طاقته يدوبك، إحنا جايين هنا نفرح ونمرح ونقل أدبنا، أي حد عنده أخلاق أو كسوف أو خجل يتفضل يروح عند أمه علشان خلقي ضيق، أنا وجاي ورافع شعار مصيف سعيد برعاية عيلة الشيخ وعيلة الرشيد.
ركض "وليد" يقف مجاورًا له وهو يضحك بحماسٍ فتحدث "محمد" بتهكمٍ:
_أهو أول واحد قليل الأدب أهو، اللي بعده يلا.
ابتسم "طارق" بخبثٍ واقترب يقف بجوار "وليد" مما جعل الضحكات ترتفع عليه وعلى هيئة والده بسخريةٍ ومن بعدها "حسن" و"ياسين" وبقية الشباب وكذلك الصبية الصغار و "رياض" ومعه "فهمي" و "طه".
لم يبقى في الجهة الأخرى سوى "محمود" و "حسان" و "محمد" الذي قال مستسلمًا بقلة حيلة لأخيه الكبير:
_عن إذنك يا "حودة" هما اللي عاوزني والله.
ضحك الشباب عليه والصغار أيضًا ومن بعدها بدأ اللعب بالكرة والأغاني العالية يرتفع صوتها بجانبهم وقد، بينما الفتيات والنساء جلسن مع بعضهن بالفتيات يلعبن مع بعضهن بالأوراق الرقمية "كوتشينة".
أجواء مرحة مع رائحة البحر وصوت أمواجه العالية وبداية الغروب الذي بدا يعلن عن نفسه من خلال قرص الشمس الذهبي، رائحة الرمال المبتلة بفعل حركة الأمواج، الدفء المنبعث من حرارة الشمس تخالطه برودة غريبة من درجة حرارة المياه المُلطفة للأجواء، ساعات تختطف الأنفاس وسط المرح والضحكات من فريقٍ والتذمر والضجر من فريقٍ أخر لتشق صرخة "سلمى" هذه الأجواء حينما اشتد عليها الألم فجأةً وقد انتبه له "أحمد" و معه "طارق" ليركضا سويًا نحوها بقلقٍ وهي تصرخ بنبرةٍ عالية، جعلت "ميرفت" والدة "ياسر" تقول بلهفةٍ:
_قومي يا "عفاف" الحقي البت وشوفي شغلك، يلا.
انتفضت "عفاف" خلف "سهير" وبقية نساء العائلة نحو البيت وقد وقف "وليد" يسأل بتهكمٍ:
_ودا اسمه إيه بقى إن شاء الله ؟؟
تحدث الصغار في آنٍ واحدٍ مع بعضهم بسخريةٍ يجاوبون سؤاله:
_مصيف سعيد برعاية عيلة الشيخ وعيلة الرشيد