تحميل رواية «سهم الهوى "امرأة الجاسر" سعاد محمد سلامة» PDF
بقلم غير معروف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" كاملة جميع الفصول من الفصل الاول حتى الفصل الاخير بقلم سعاد محمد سلامة عبر موقعنا كوكب الروايات....
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" سعاد محمد سلامة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم غير معروف
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" – الفصل الحادي والثلاثون
<?xml version='1.0' encoding='utf-8'?>
السهم الحادي والثلاثون🚀
السهم الحادي والثلاثون🚀
امراة الجاسر
السهم_الحادي_والثلاثون
❈-❈-❈
تنهدت تاج وهي تُنهي حديثها مع فراس ثم نهضت قائلة:
هروح أڜوف جاسر عاوز إيه، مامي زمانها على وصول، ولو خرجت من الباب قدامها هتعمل سيناريو.. درامي كالعادة… إنى المفروض أحافظ على صحتي وكفاية إرهاق الفترة اللى فاتت…ومش بحافظ على صحتي.
إبتسم فراس قائلًا:
بصراحة عندها حق،بس الظروف كانت بتحكم،دلوقتي خلاص متأكد إن الصعب إنتهى… ارتاحي.
أومأت له بتوافق مُغادرة،بينما هو إبتسم بخباثه وهو يفكر لتلك البلهاء الذي لا يعلم سبب واحد لإنشغاله بها منذ أول لقاء،ربما ذلك الكسل المُتملك منها هو ما جذبه،هي عكس شخصيته يعشق الحركة والنشاط،التضاد له مفعول خاص.
❈-❈-❈
خرجت تاج من المنزل تسير بخطوات مثقلة بالحزن نحو الكوج، خفقات قلبها تزداد مع كل خطوة، وكأن الهواء من حولها بات ثقيلًا… غصّ قلبها وهي تستعيد ملامح وجه جاسر، كلماته الأخيرة كانت كسهم أصاب عمق روحها…
نظرت نحو الكوخ، عيناها تغرورقان بالدموع التي حاولت عبثًا حبسها،لكن جففتها سريعًا، ثم أغلقت عينيها تحاول أن تهدأ، لكن هل الحنين أقوى من قدرتها على الصمود.
بينما
ازاح جاسر تلك الستارة سُرعان ما
خفق قلبه حين رأي إقتراب تاج من الكوخ، رغم غصة قلبه وهو يراها مازالت تتكئ على تلك العصا الطبية، تنهد بأسى وهو يتابع خطواتها البطيئة، عيناه تفيض بالشوق والحزن في آنٍ واحد، ثم همس لنفسه:
تاج… لسه الجرح سايب أثره، وأنا اللي كنت فاكرها أقوى من أي ألم.
تذكر ذكري مر عليها سنوات ذكري رسخت البُغض فى قلب هالة
[بالعودة قبل سنوات
ضحكات ثلاث صِبيه يلهون وحولهم الخيل بالمزرعة،يستمتعان بالطقس الربيعي ورائحة الزهور تنبعث من حولهم، بلا اضغان أو تعالي من إبنة صاحب المزرعة التى تتعامل معهما على أنهما الأقربين آليها، سواء جاسر القريب للقلب، وهالة الصديقة التى تتعامل معهما ببساطة ومحبة، لقرب أعمارهن،لا تهتم بتحذيرات عمتها المُتعالية انها أعلى من هما شآن، وقت مُمتع كأنهم برحلة خاصة بين أروقة المزرعة لهو وسعادة، تدليل جاسر لها وتعليمه لها كيفية إمتطاء الخيل وكيفية تطويعها لها، كذالك هالة التى كانت تخاف من مجرد إقتراب الخيل منها،ضحكات عالية صافية،لكن هبت رياح خماسينية فجأة
بسبب فضول هالة او بالأحق تقليدها الاعمى
لـ تاج
أرادة ان تُثبت ان تاج ليست أفضل منها بشئ،حتى بإمتطاء الخيول…
ذهبت نحو ذلك السياج وجذبت إحد المُهرات الغير مروضة دون معرفة منها بذلك وضعت عليها سرجً ثم صعدت عليها تظن طالما اللجام بيدها تستطيع التحكم بالمُهرة وتطويعها كما يفعل جاسر وتاج اللذان يمرحان باللهو وهما على ظهر الأحصنه،بالفعل فى البداية هاودتها المُهرة ظنت أنها بذلك ماهرة وان الأمر ليس صعبً،كما كانت تظن… هرولت بالمُهرة نحو ذلك المضمار القريب تقترب من جاسر وتاج،
تاج التى رأتها أولًا فذُهلت كذالك توجست بالخوف على هالة من تلك المُهرة إستدارت بحصانها نحو هالة التى بدأت المُهرة تعود لطبيعتها البربرية وبدأت تنتفض بالتدريج الى أن اصبحت شبة ثائرة، لاحظ جاسر ذلك بعدما نبهته تاج بالفعل هو الآخر إستدار بجواده خلف تاج التى إقتربت من هالة التى مازالت تجهل سبب غضب المُهرة، لكن إزداد غضبها بسبب عدم خبرة هالة فى التعامل مع عنفوان المُهرة وحاولت التشبث أكثر باللجام فى يديها، ظنًا بأن ذلك اللجام هو المُتحكم فقط، لكن إنتفضت المُهرة أقوي وأقوي مع إقتراب تاج، كذالك تسلُط الشمس مع الأتربة بالمكان زادا من إثارة المهرة، بدأت يدي هالة تضعفان مقابل قوة المهرة، بذلك الوقت إقتربت تاج منها، نظرت لها هالة بإرتياب، بينما تحدثت تاج بإرشاد:
هالة إيه اللى ركبك المُهرة دي عنيفة ومش متروضة… حاولي تتمسكي باللجام بقوتك،وكمان حاولي تهديها بصوتك قبل أي حاجة، متشدّيش اللجام مرة واحدة… ارفعي إيديك ببطء وخلي نفسك هادي عشان تحس بالأمان.
هالة كانت في حالة توتر شديد، لكن حاولت تنفيذ تعليمات تاج، ومع كل ثانية كانت المهرة تصدر صهيل غاضب … كذالك جاسر إقترب ورأي المهرة تقترب من تاج وأن اقترابها خطر على الإثنتين صرخ من بعيد قائلًا بتحذير:
تاج، خلي بالك، لو قربتي أكتر ممكن المُهرة توقع هالة من عليها.. إبعدي بحصانك بعيد عنها.
كادت تاج تبتعد عن هالة لكن هالة فقدت السيطرة على المُهرة التى توجهت نحو حصان تاج، التي حاولت أن تمسك أعصابها وهي ترا المهرة الثائرة تندفع ناحيتها، حصانها انتفض لكنه استجاب لحركة يدها بثبات.
جاسر صرخ:
هالة، خدّي بالك… لكن
المهرة كانت أقرب مما توقع، وفعلاً اصطدمت بجانب حصان تاج،جعلته يتراجع خطوة للخلف بعنف… تاج حاولت تهدي حصانها،وتدارك الموقف بصوت هادي وهي بتتكلم مع هاله ببعض الارشادات، لكن هالة فقدت توازنها تمامًا وسقطت من فوق ظهر المهرة على الأرض، تصرخ من الألم، فرت المهرة بعيد قليلًا لكن إقتراب تاج بحصانها جعل حصانها يترتبك حين اقتربت من هالة التى سقطت أرضًا وضرب هالة فى إحد ساقيها صرخت هالة وظنت تاج تعمدت ذلك،بنفس الوقت قفزت فورًا من على حصانها وركضت نحوها:
هالة، إنتِ كويسة ردي عليا.
هالة كانت تتنفس بتسارُع، لكن حركت رأسها بإشارة غضب من تاج…حتى أنها صرخت بـ تاج واتهمتها بتعمدها فعل ذلك،نظرت لها تاج بذهول لكن نفضت ذلك كي تحاول مساعدة هالة،بنفس الوقت وصل جاسر سريعًا، ترجل من فوق الجواد… عيناه مليئة بالقلق وهو ينظر لـ هالة، ثم لـ تاج التي تحدثت بقلق:
لازم تروح المستشفى فورًا… ممكن تكون رجلها اتكسرت.
صرخت عليها هالة وهي تتهمها بأنها السبب…إستغربت من ذلك،لكن ذهبت مع جاسر للمشفي،قاموا بعمل فحص لساق هالة،وقرر الطبيب تجبيرها،لكن كان الكسر مزدوج بساقها فالعظمة كانت مكسورة لإثنين،حتى بعد شفائها، تركت أثر عرجة واضحة بساقها، ربما زالت لحد كبير، لكن تركت أثرًا سبب عرجة خفيفة بساق هاله مازالت الى الآن… بسبب ذلك تحولت علاقة تاج وهالة من صداقة الى عداء]
فاق من تلك الذكري التي زرعت الحقد بقلب هالة، ظنت أنها انتقمت من تاج حين تسببت باصابة تاج…
زفر نفسه بآسف،وغصة فى قلبه وهو يرا إقتراب تاج يشعر
بلحظات ثقيلة تمُر وكأنها دهر من الزمن… ترك الستارة ونظر نحو باب الكوخ الذي إنفتح ودلفت تاج بخطواتها الواثقة رغم أثر التعب الواضح عليها… تطلع إليها بصمت، كأن الكلمات عالقة في حلقه، بينما هي وقفت تنظر إليه بعينين مليئتين بالأسئلة التي لا تحتاج إلى إجابات…
إقترب منها مع كل خطوة يشعر بثقل في صدره، وكأن ذكريات الماضي تتزاحم بداخله، تارة تلهب قلبه بالشوق، وتارة تعصره بالندم. عيناه لم تفارقا وجهها،
كذلك هي، ظلت واقفة في مكانها، عيناها تراقب تقدمه بصمت.. لم تهرب هذه المرة، لكن نظرتها حملت حذرًا وكبرياءً مجروحًا، وكأنها توازن بين رغبة في البقاء وقرار بالرحيل…والحفاظ على ما تبقي بقلبها لـ جاسر.
توقف أمامها لحظة تلاقت العيون التى لمعت بـما تحمله من بوح صامت.. شوقٌ كاد أن يتفجر، وعتاب عالق على أطراف اللسان تنفست بعمق محاولة السيطرة على ارتعاشة خفيفة، لكن نظراته اخترقت حصونها، لتصل إلى مكمن ضعفها.
مد يده سريعًا يجذبها الى حضنه يضمها بقوة، وكأنه يخشى أن تتلاشى من أمامه، وصوته أشبه بالهمس:
تاج…
تركت ذاك العكاز وعانقته هي الأخري بقوة تهمس من نبض قلبها بإسمه:
جاسر…
عناق يشد كل منهما على الآخر كأن رغبة جسديهم فى الالتصاق أقوي من أي
قرار بالفراق أو حذر يسكن القلوب…
كان العناق أشبه بعودة مُغترب عاد لحضن محبوبته الذي طال الغياب عنها، أنفاسهما تتلاحم، ونبضاتهما تتسابق كأن الزمن توقف ليمنحهما هذه اللحظة.
همست مجددًا وهي تغرق في حضنه، صوتها مزيج من شوق وحُب:
جاسر…
شدد ذراعيه حولها وكأنه يخشى أن تبتعد من بين يديه مرة أخرى، وقال بصوت مبحوح:
تاج الياسمين…. حبيبتي.
زادت خفقات قلبها ارتعشت عيناها لوهلة، لكنها تمالكت نفسها،
تعلقت بكلمته الأخيرة،عادت برأسها للخلف تنظر لوجهه، نظرته كانت مزيجً من الآسف والإعتذار، رفع إحد يديه يُزيح خُصلة شعرها عن جبينها، عيناه مُنصبة على شفاها اللتان إرتعشن بوضوح، إهتز قلبهُ،بلحظة كان يضم شفتيها يُقبلها بـعُمق يشبه اعترافً صامتً يُفرغ كل ما عجزت كلماته عن قوله، نبضاتهما تلاحمت، وكأن الوقت توقف عند هذه اللحظة، لم تقاوم، وإستسلمت لحرارة اللحظة، يتشبثان ببعضهما وكأنهما يخافان من لحظة الفراق… أو من واقع ينهي هذا الحلم المؤقت… تلاحمت أنفاسهما في عناقٍ أبعد من الكلمات، يُعيد تشكيل كل الحواجز التي ظنّا يومًا أنها لا تُكسر… ارتعشت أصابعها وهي تتشبث بقميصه، وكأنها تتوسل الوقت ألّا يتحرك، أن يبقى سجين هذه اللحظة التي تمنّت ألا تنتهي أبدًا…
عيونها مغلقة، تتنفس بعمق، تشعر بأن صدره صار وطنًا لها وحدها، وأن ذراعيه حصن لا يمكن اختراقه… همس اسمها بين أنفاسه، فارتجفت روحه قبل أن ترتجف هي، وكأن الكلمة كانت وعدًا غير منطوق…
فجأة، وكأن الحقيقة تذكرت أن تعود، تباعدت أنفاسهما قليلًا، فتحت عينيها ببطء لتلتقي بنظراته… كانت عينيه تروي قصصًا من الشوق، من الحنين، ومن الندم الذي اختفي خلف كل الكلمات التي لم تُقال.
ابتسم بخفوت وهو يمرر إبهامه على خدها بحنان، همس بصوتٍ أجش:
والله بحبك يا… “تاج الياسمين”
تصنمت تبحث عن الكلمات وسط فوضى مشاعرها… قلبها يخفق بعنف، ، وكأن كلماته أخذت كل قدرتها على التنفس… ارتجف قلبها بعنف، تردد صدى “تاج الياسمين” في أعماقها، يُعيد ذكريات دفنتها تحت ركام من الصمت…
شعرت بحرارة لمسته وهي تُشعل وجنتها، رمشت عدة مرات تحاول استيعاب ما قاله للتو… حاولت أن تتكلم، لكن صوتها خانها، لم تجد سوى نظرتها المرتبكة سبيلًا للرد.
اقترب أكثر، ، وهمس مرة أخرى:
تاج… أنا موافق…
توقف عن إسترسال بقية حديثه يبتلع ريقه ينظر لتلك الحِيرة التى إستجدت بعينيها…
وبصوتها الخافت إستفسرت:
موافق على إيه.
أجابها وهو يبتعد عنها خطوات يشعر كأن جسده إنسلخ، وجذب ذلك الملف الورقي، ثم وجه يده نحوها مُستطردًا حديثه بتفسير:
ده تنازل مني ليكِ عن أسهمي فى شركة العقارات.
وضح الذهول على ملامحها وهو يقف أمامها، تنفس بثقل، وكأنه يُخرج مع كل شهيق وزفير آخر ما تبقى من أنفاس الأمل داخله… قائلًا بصوت متحشرج لكنه ثابت:
من النهارده أسهمي الشركة بقت ملكك يا تاج… مفيش حاجة تاني تربطني بالشركة.
ارتجفت أصابعها وهي تأخذ الملف، وكأنها تبحث عن خدعة بين الأوراق… رفعت عينيها نحوه محاولة استيعاب ما قاله:
إنت بتهزر، صح؟! ده مستحيل… ليه تعمل كده؟
ابتسم ابتسامة باهتة أشبه بجرح مفتوح وقال:
لأن دي النهاية الوحيدة اللي ممكن أنقذك بيها…
توترت تاج سائلة بصوت مختنق، عقلها يرفض التصديق… نظرت في عينيه محاولة فك الشفرة التي يخبئها خلف هدوئه المصطنع:
تنقذني من إيه.
أجابها وهو يشيح بنظره بعيدًا عن ذلك الملف، ثم أكمل بصوت منخفض لكنه حاسم:
أنا كنت غلط من الأول… وجودي في حياتك سبب لينا إحنا الإتنين الوجع.
تسارعت خفقات قلبها كانها تخشي كلمة ينطقها تُفرق بينهما، الآن بداخلها تود أن تقول له لنبقي معًا حتى لو هزمنا الألم، كذالك جاسر، ود أن يقول لها أتحمل أقوى آلام السهام بصدري ولا تبتعدي عني، لكن لا…
تلك السهام مسمومة بقساوة الماضي تُهلكهما معًا،على أحدهما التضحية ، إلتقط نفسًا كأنه يقاوم الاختناق، ثم حاول التحدت بصوت هادئ يخفي عاصفةً داخله:
تاج… أوقات البقاء أصعب من الرحيل.
رمشت بعينيها كأنها لم تفهم مغزى كلماته، لكنها شعرت بوخزة في قلبها… حدقت في عينيه وكأنها تحاول التمسك به دون أن تتفوه بكلمة… لم يكن هناك مجال للضعف، كلاهما يعرف أن الماضي يلاحقهما كالظل، لكن فكرة الانفصال كانت موجعة كتلقي السهم الأخير.
ابتلع جاسر مرارة حلقه، ورفع وجهه ربما لا يرى ذلك الرجاء المختبئ في عينيها، وكأنها تقول بصمتها:
لا تبتعد…. لا تختار الغياب.
لكن بداخل الإثنين يعلمان أن ذلك الأفضل كي لا يصلا لاحقًا لمرحلة الكراهية، لكن قبل أن تتحدث تاج، قرأ ما فكرت فيه، فعاود الحديث:
نص المزرعة، للآسف يا تاج مش هقدر أتنازل لك عنه، مش عشان طمع… لكن عشان ده المكان الوحيد اللي لسه بحس فيه بالحياة، ومتقلقيش هكون مجرد ضيف.
حبست تاج أنفاسها للحظة، ثم قالت بصوت مرتعش:
وأنا ما طلبتش منك تتنازل عن اسهمك يا جاسر… كل اللي كنت عايزاه نلاقي حل من غير ما نقسّي على بعض.
ابتسم بسخرية مريرة وهو يهز رأسه:
الحلول السهلة مابتنفعش مع ناس زيّنا، يا تاج… إحنا زي السهم المطلوق فى الرياح، وكل مرة بنقرب، بتجي عاصفة قوية تبعدنا.
خفضت بصرها، تحاول كتم دموعها… أصبح
بينهما خيط مشدود على وشك الانقطاع، لكن جاسر أبى أن يتركه ينقطع بسهولة… جذبها يضمها مرة أخري، يشتد بعناقه لها وقُبلة على جانب عنقها، صحبها أنفاسه المُلتهبة وهو يحاول أن يتحدث، لكن شعرت تاج بإنهيار لو نطق تلك الكلمة قد تموت فى الحال، رفعت يدها وضعتها على فمه، تحشرحت نبرة صوتها المُختنق بالدموع وتفوهت بنهي تشعر بلوعة:
بلاش تنطقها يا جاسر قلبي مش هيتحمل يسمعها منك.
شعر بضياع ضمها إليه بقوة، وكأن هذا العناق هو الملاذ الأخير لهما…لحظات كل منهما غارق بحضن الآخر،حتى إنتهي ذلك العناق،وغادر جاسر مُسرعًا بلا نظر خلفه،كذالك تاج لم تنظر نحوه وإنهارت جالسة،تنظر بالكوخ وذكريات العشق قد لا تنتهي بلحظات.
❈-❈-
زفرت ميسون نفسها بغضب وهي تنتظر ذلك العميل بالمطعم، تعمد التأخير عليها، كي يتلاعب بها، وسيلة ضغط منه عليها، بالفعل كان ذكيًا حين جلس امامها يتنهد بتعب قائلًا:
بعتذر عالتأخير، كل ده بسبب تحضيرات فتح باب الحجز للمجموعة السكنية، إتقدم عدد كبير جدًا، تقريبًا الحجوزات قربت من نص وحدات المدينة، لو إستمر النظام على كده، أعتقد بقية وحدات المدينة هتخلص فى أقل من شهر أنا مكنتش متوقع الإقبال ده، المدينة فى مكان جديد، الناس شكلها زهقت من الزحمة وحابة مكان جديد بعيد عنها.
أومأت برأسها بتوافق قائلة:
فعلًا، فى ناس كتير بقت بتحب الخصوصية بعيد عن الزحمة.
أومأ برأسه قائلًا بتطميع:
الحمدلله، كده أرباح المشروع هتبقي أضعاف ما كنت متوقع…وهلاقي تمويل كبير للمرحلة التانية من المشروع.
لمعت عينيها بطمع قائلة:
مش محتاج شريك.
نظر لها بتلاعب:
أنا مش بحب الشراكة، بصراحة شغلي كده لوحدي راحة ليا، الشريك أوقات بيبقي له تحكُمات و…
قاطعته قائلة:
ده لما يكون شريك مش فاهم، لكن لما يكون الشريك مُتفاهم ومُتعاون أكيد المشروع هينجح والارباح هتضاعف.
فى البداية رفض قائلًا:
مش بحب حكاية الشراكه دي عشان كده بشتغل بمزاج،أخلص المشروع وأكسب منه وبأرباحه أفكر فى المشروع اللى بعده.
بالحاح منها قالت:
بس وجود شريك ممكن يكبر الشركه وكمان هيضخ أموال فبالتالي المشاريع هتزيد.
أوهمها بعدم إقتناعه،وهي لم تكف عن الالحاح،حتى وافق ظاهريًا..ثم تخابث قائلًا:
حتى لو وافقت بشريك معايا،هلاقي فين الشريك ده،المشروع الجاي بتاعي هيبقي أكبر ومحتاج أموال وشريك يبقى فاهم إن مش بين يوم وليلة أرباحه هتضاعف،لا…
قاطعته بتصميم:
عندي الشريك ده،وشريك متفاهم متقلقش.
لمعت عينيه قائلًا بصيغة تردُد:
أقعد معاه الاول قبل ما أقرر أوافق على شركاته.
أومأت له، تلمع عينيها وبداخلها تشعر بظفر وهي تظن أنها وجدت بديل أفضل من شراكتها بشركة تبغضهت كذالك الطمع أن تُصبح بوضع تنافس مع تلك الشركة لا مجرد شريكة بأسهم قليلة، إذن لا داعي للبقاء فى تلك الشراكه بشركة تاج سابقًا… لكن لن تخرج منها هباءًا، ستساوم بأعلى سعرًا.
❈-❈-❈
مساءًا
بأحد فنادق القاهرة الكبري
بجناح كبير.. أغلقت الهاتف،تشعر بإنشراح فى قلبها بعدما أخبرها جاسر أنه صاعد إليها، سريعًا نظرت الى ثيابها كانت ثياب نوم، مكشوفة تقريبًا… حازت على إعجابها فهي مناسبة للغاية، لكن تنهدت بـيأس تعلم أن ذلك لن يؤثر ذلك فى جاسر، لكن لما لا تحاول
إتجهت نحو المرآة، تنظر إلى انعكاسها بعينين لامعتين، ثم مررت أصابعها في خصلات شعرها المرتبة بعناية… تُعدل ثوبها الحريري الذي انساب برقة على جسدها… خفق قلبها بعنف، حين سمعت طرقً على باب الجناح… أخذت نفسًا عميقًا تحاول أن تتماسك، لكنها لم تستطع منع نفسها من الابتسام بشوق… تقدمت بخطوات واثقة، تفتح الباب ببطء لتجد جاسر أمامها، وسامته تزداد سحرًا رغم وجهه العابس بوضوح.
نظر لها سُرعان ما أخفض بصره، أو بالاصح كآنه لا يرا ذلك فعقله وقلبه ينشغل بأخرى تحدث بثبات:
روزالينا منزلتيش ليه نتقابل فى مطعم الفندق.
إدعت كذبً:
قولتلك أني أشعر ببعض التوعك،ربما بسبب السفر،فأنا كنت برحلة عمل قبل أن آتي الى هنا.
قبل أن يتحدث جاسر،تفاجئ بـ روزالينا..تجذبه لداخل الجناج وعانقته بقوة… لم يبادلها العناق، بل أبعدها عنه سريعًا، نظر لها بغضب بينما تغاضت روزالينا بدلال قائلة:
لقد إشتاقت اليك جاسر، لقد علمت بأمر إنفصالك أنت وتلك الـ….
توقفت قبل أن تذم فى تاج حتي لا تُثير ضجره، لن تذكره بها هذه الليلة، هذه الليلة ستفعل المستحيل كي تسترد جاسر، وبحالته هذه قد يقع مرة أخري فى براثنها.
❈-❈-❈
بمرسي مطروح
بالفندق
تمددت فايا فوق الفراش تحاول النوم،، لكن هباءًا رغم إرهاقها، ترفع رأسها الى سقف الغرفة لا تُركز بلا شيئ، لكن يطوف بخاطرها تلك القُبلة التى قبلها لها صهيب صباحً… بتلقائية وضعت يدها فوق شفاها، شعور لم تفهمه، بالصباح كانت مُتضايقة لكن الآن ذهب ذلك الضيق وشعور آخر يغزو عقلها وقلبها، لكن ذمت نفسها على هذا الشعور، وهي تشعر بالبرد وتتذكر ذلك الوغد وقوفها أمامه شبة عاريه، عقلها غير مستوعب ما قد كان سيحدث، ذلك سبب لها شعورًا بالإشمئزاز حين يقترب منها رجُلًا، لكن إقتراب صهيب لم تشعر منه بذلك منذ أول لقاء بينهم… بداخلها شعور جعلها تثق به
تنهدت بـحزن، وكأنها تحاول طرد أفكار متشابكة من عقلها. لم تكن تفهم نفسها، ولا ذلك الشعور الغريب الذي يسكن قلبها… شعرت بالضعف للحظة، لكنها سرعان ما انتفضت داخليًا، توبخ عقلها على هذا التراخي… همست لنفسها، كيف لها أن تعود وتثق بشخص لم تعرفه سوا منذ فترة قريبه….
تنهدت بحِيرة… عيناها تتجولان في الغرفة الشبة مظلمة…لكن طيف صهيب كان حاضرًا رغم كل شيء، يحاصر أفكارها دون استئذان…. فجأة، سحبت الغطاء فوق جسدها المرتعش من البرد ومن مشاعرها الملتبسة…. حاولت التماسك، لكن في عمقها كانت تعرف أن صهيب يختلف… مختلف بطريقة لا تستطيع تفسيرها، وجوده يمنحها إحساسًا بالأمان الذي ظنّت أنها فقدته للأبد.
على الجانب الآخر
كان صهيب مُمددًا فوق الفراش يضع رأسه فوف ساعديه، وللغرابة رغم إستهجان فايا عليه صباحً وضيقه من ذلك لكن الآن يشعر بشعور آخر وهو يضم شفتيها كانه يشعر بملمس شفتيها بين شفتيه، شعور مّميز لاول مرة يشعر به، تبسم وهو يستعيد ملامحها صباحً كم كانت خلابة وهي تنظر له بإستهجان وتذمه، كذالك قولها
-إنت اكيد مفكر إني سهلة، عشان أول مرة إتقابلنا فى كبارية، لكن حذاري يا صهيب تقرب مني مرة تانية، وإن كان على لعبة كتب الكتاب فهي لوقت مش أكتر، ولو مكنش غباء ميسون كان مستحيل يحصل.
نظر لها بإستهزاء قائلًا:
إيه اللى مستحيل يحصل… أنا سبق وقلتلك إن مفيش حاجة مستحيلة بالنسبة لي.
اتسعت عينيها بحدة، وتقدمت نحوه بخطوات واثقة رغم الغليان الذي يشتعل بداخلها:
فعلاً… طيب خليني أوضحلك إن اللي بينا اتفاق، مش أكتر، وإنك عمرك ما هتقدر تفرض عليّ حاجة.
ضحك بخفوت وهو يقترب منها عينيه تلمعان بتحدٍ:
فايا، المشكلة إنكِ مش فاهمة اللعبة كويس… أنا مش بفرض، أنا بكسب… وأي خطوة بعملها محسوبة، حتى وجودك في حياتي مش مجرد صدفة، ده قدر وقرار.
ازدادت أنفاسها اضطرابًا وهي تتراجع، لكن نبرتها بقيت متماسكة:
وجودي في حياتك كان غلط من البداية، لعبة ما تنفعش تكمل، وانا وأنت عارفين ده.
اقترب صهيب منها ببطء، صوته أصبح أكثر خفوتًا لكنه نافذ:
أوقات كتير الغلط بيكون أكتر حاجة صح بنحتاجها…. أنا هكلم طنط جنات وفراس إننا نعمل زفافنا فى أقرب وقت.
نظرت له برفض لكن هو نظر لها بتصميم جعلها تترك له المكان
عاد يبتسم وهو يراقب خطواتها الغاضبة تبتعد، ثم جلس على حافة تلك القطعة الخرسانية… واضعًا رأسه بين يديه، وكأن فكرة الزفاف أشعلت بداخله شيئًا جديدًا لم يخطط له من قبل… يعلم أن فايا شخصية مُتمردة لن تستسلم بسهولة، لكن التحدي معها هو ما يزيد رغبته في المضي قدمًا.
تمتم لنفسه بابتسامة واثقة وبتصميم :
فايا… هتشوفي إن المستحيل اللي بتتكلمي عنه ممكن يبقى حقيقة قريب جدًا.
في الوقت نفسه، كانت فايا تسير بعيدًا تشعر قلبها وعقلها يعصف بهما الأفكار، ترفض أن تكون مجرد جزء من لعبة هو من يضع قواعدها..تهمس بداخلها بغضب:
مش هسمح لحد يسيطر على حياتي.
تقلب صهيب فى الفراش ضاحكًا… مُقررًا فايا تُشبهه كثيرًا فى العناد والتردُد،لا ينفع معها سوا الإقتحام قسرًا.
«يتبع»
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" سعاد محمد سلامة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم غير معروف
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" – الفصل الثاني والثلاثون
<?xml version='1.0' encoding='utf-8'?>
السهم الثاني والثلاثون
السهم الثاني والثلاثون
امرأة الجاسر
السهم الثاني والثلاثون “الاخيرة”
❈-❈-❈
في المزرعة بداخل غرفة تاج…تمددت على الفراش تُغمض عينيها لحظات ثم عادت
تفتحهما ببطء، وشعور بالوحدة يثقل صدرها… أدارت وجهها نحو الجهة الأخرى، كان الفراش خاليًا كـالأيام الماضية… ليالٍ قليلة فقط شاركها جاسر هذا الفراش، ثم عاد الغياب ليغلف لياليها من جديد، تاركًا وراءه صدى ذكريات قصيرة لكنها مشبعة بالحنين والأسئلة التي لا تجد لها جوابًا..
أغمضت عينيها محاولة دفع تلك الذكريات بعيدًا، لكن كأن عبق وجوده ما زال عالقًا بالوسادة… بقايا حضوره الذي كان قصيرًا، لكنه هز كيانها… نهضت من الفراش ببطء، سحبت مئزرًا من على طرف المقعد وذهبت تقف خلف النافذة.. نظرت إلى مساحة المزرعة الممتدة أمامها، سمعت صهيل الخيول التى تتحرك بحرية بداخل الأستطبل، بينما شعرت هي بأن روحها أسيرة لهذا الغياب.
تنهدت تسأل حالها:
ليه يا جاسر؟ ليه كل مرة نقرب، نبعد تاني.
همست لنفسها، وكأن السؤال سيلقى جوابًا من صدى الرياح.. تذكرت نظراته الأخيرة قبل أن يغادر، ذلك التردد في عينيه، وكأن شيئًا يثقل خطاه ويمنعه من البقاء…
أفاقها من شرودها
طرقات خفيفة على الباب قطعت أفكارها. التفتت لتجد نجوى تدلف الى الغرفه ببسمة حنون قائلة:
تاج… شكلك مش جايلك نوم، جبت لكِ كوباية لبن دافيه هتساعدك عالنوم براحه
ابتسمت تاج ابتسامة باهتة قائلة:
تسلمي يا دادا… مامي مشيت ولا لسه.
اجابتها نجوي:
مشيت من شويه فراس إتصل وقال هيتأخر، وإنتِ بعد العشا قولتِ هنام وخليل بيه قال إنه مُرهق.
إبتسمت تاج، بينما تحدثت نجوي بحنان قائله:
تعالى إقعدي عالسرير، بلاش واققة على رجليكِ كتير، كمان حاسة إنك متغيرة كده، وجنات لاحظت كمان بس أنا قولت لها بيتهيألك، بس عشان عارفه إنها بتقلق جامد.
إبتسمت تاج وذهبت تجلس على الفراش، أخذت كوب الحليب من يد نجوى، التى نظرت لها بأن تبوح.
تنهدت تاج بغصة قائلة:
أنا إتفقت أنا وجاسر عالإنفصال.
فزعت نجوى قائلة:
ليه، أول مشكلة تقابلكم تنفصلوا، إزاي فين حُبكم لبعض، متأكدة إنه لسه موجود فى قلوبكم.
تنهدت تاج بأسي وآسف:
يمكن ده الأفضل بدل ما نستمر ونكره بعض.
نظرت لها نجوى بحزن وعتاب:
لأ يا بنتي، مفيش حاجة اسمها الأفضل إنكم تسيبوا بعض… الحب محتاج صبر وتفاهم، مش هروب أول ما الدنيا تضيق بيكم. فكري تاني قبل ما تخدي القرار ده.
نظرت تاج إلى الأرض بعينين مثقلتين بالدموع، بينما تابعت نجوى بصوت خافت:
لو كان لسه في نبض في قلبك ليه، ما تتخليش عنه بسهولة.
تراجعت تاج بظهرها تستند على خلفية وهي تمسح دمعة سريعًا، ثم قالت بصوت مرتعش:
أنا فكرت كتير، وحاولت أصلح… لكن كل مرة بنرجع لنفس النقطة، الخلافات بتزيد، وكل حاجة بتكسر جوانا.
اقتربت نجوى منها، وأمسكت بيديها بحنان:
الخلافات موجودة في حياة كل إتنين يا تاج، لكن الحب الحقيقي بيحتاج وقت وتضحية… يمكن أنتوا محتاجين تبعدوا شوية، تفكروا بهدوء، بدل ما تقرروا الانفصال فجأة.
أطرقت تاج برأسها، وهمست:
مش عارفة يا دادا… أنا خايفة من اللي جاي.
ابتسمت نجوى برفق:
لو الحب لسه موجود، هتلاقوا الطريق لبعض مهما بعدتوا. أهم حاجة ما تخليش لحظة غضب تهدم حُب سنين.
تأملت تاج كلماتها للحظة، وتساءلت في سرها: هل فعلاً الانفصال هو الحل، أم أن قلبي يرفض فكرة خسارته للأبد؟
والإجابة معلومة القلب يرفض الخسارة لكن يحتاج هدنة لبعض الوقت.
❈-❈-❈
بالفندق
أغلقت رزالينا باب الغرفة ثم عانقت جاسر الذي تفاجئ بذلك، وسُرعان ما إنتفض يدفعها لتبعد عنه للخلف
ارتدت للخلف تشعر بخيبة أمل وغيظ، تنظر إلى جاسر بنظرات مستفزة، ثم قالت بصوت مشحون بالغيظ:
ليه؟ ليه يا جاسر مش قادر تعترف أنا شايفة في عينيك إنك مش مبسوط مع تاج.. وأنا موجودة قدامك، بقدم لك كل حاجة.
تجهم جاسر، وعيناه تلمعان بالغضب:
رزالينا، فوقي اللي بيني وبينك انتهى من زمان، واللي بتعمليه ده مش هيغير مشاعري … تاج مراتي، وحب حياتي، ومافيش حد هيقدر ياخد مكانها.
تقدمت رزالينا نحوه بخطوة جريئة، ترفع حاجبها بتحدٍ مُستفز:
لو بتحبها كده، ليه علاقتكم متوترة ليه مش شايفه السعادة في وشك.
شد جاسر أنفاسه محاولًا ضبط أعصابه، وقال بصرامة:
مش شغلك… واللي عملتيه ده مرفوض تمامًا، وآخر مرة أحذرك تقربي مني بالطريقة دي… وأنا غلطان إنى جيتلك هنا…بس أنا عامل خاطر لوقوفك جنبي قبل كده،بلاش تطمحي فى مكانه فى حياتي أكتر من صديقة .
لمعت عيناها بخبث، وقالت بصوت ساخر:
هتشوف، جاسر… الحب اللي بتحاول تعيشه مع تاج هيدمرك… وأنا هفضل هنا، لحد ما ترجع لي.
لم يهتم جاسر وغادر الغرفة مُسرعًا ،مازالت كلمات روزالينا تتردد في ذهنه كرُمح مسموم… يشعر بتوتر وغصة تضرب بقوة في صدره… حاول تهدئة أنفاسه وهو يتجه نحو الخارج، لكن صدى كلمات رزالينا كان يلاحقه بإصرار، ليشعل داخله شعورًا مختلطًا بين الغضب والعصبية..
توقف للحظة في الممر، مسح وجهه بكفيه، ثم أكمل سيره.
في نفس الوقت ، وقفت روزالينا خلف باب شُرفة الجناح تتابع خطوات خروجه من الفندق وهي تبتسم بخبث، تمتمت بهدوء:
لسه اللعبة ما إنتهتش يا جاسر… لو مش ليا، مش هتبقى لتاج أبدًا.
في أثناء طريقه إلى منزل والدته، مرَّ من أمام المزرعة، فتوقف قليلًا بسيارته ينظر إلى الداخل نحو شرفة غرفة تاج… كان الظلام يلف المكان، إلا أن ضوءًا خافتًا تسلل من أحد اعمدة الانارة بداخل المزرعة، شعر بشيء غريب يجذبه للبقاء للحظات أطول، تساءل في نفسه:
هل هي مستيقظة؟ أم أن ما يشعر به فى قلبه مجرد وهج وأمنية وهمية.
تردد قبل أن يكمل طريقه، لكنه في النهاية ضغط على دواسة البنزين ومضى، تاركًا خلفه أسئلة بلا إجابات… توقف مرة أخري لكن عاود
فكرة وجودها مستيقظة في هذه اللحظة جعلته يتوقف مرة أخرى… أطفأ أضواء السيارة حتى لا يلفت الانتباه، ثم عاد بنظره إلى الشُرفة، وكأن عينيه تبحثان عنها بلا وعي.
تأرجحت الستائر بفعل نسمة ليلية باردة، وكأنها ترحب به أو تدعوه للانتظار… تملكه إحساس غريب، خليط من الحنين والقلق… للحظة، تخيلها تقف خلف زجاج الشُرفة، بشعرها المنسدل وعينيها الحادة اللتين طالما واجهته بشجاعة لا تخلو من التحدي.
حرك رأسه، محاولًا طرد تلك الأفكار يذم عقله قلبه:
مجرد وهم… أكيد نائمة.
همس لنفسه، ثم زفر بعمق … يعاود السير ينفض عن رأسه ذكريات تلاحقه، لكن قلبه كان له رأي آخر… كان يشتعل بالحنين، حنين لا يرحم ولن يهدأ طالما كان قريبً منها.
-❈-❈
بشقة والد ليان
منذ ان عادت من العمل وهي نائمة حتى أنها لم تُبدل ثيابها، لكن فجأة شعرت بالجوع، فتحاملت على كسلها ونهضت،خرجت من الغرفة تسير نحو المطبخ وهي تُمسك رأسها بين يديها تشعر بإرهاق قائلة بصوت مسموع:
منه لله المُستيد،خلاص هيطير عقلي بسبب التهيؤات اللى بيقولى عليها…أروح أكل وأرجع أنام…
قطعت كلامها تتثائب،لكن سُرعان ما جحظت عينيها حين توقفت بردهة الشقة ورأت ذلك الجالس برفقة والديها،في البداية ظنت أنه وهمً فتحدثت ببلاهة:
التهيؤات كمان فى شقتنا،أنا لازم أسيب الشغل ده فى أقرب وقت،كده هخسر عقلي.
فتحت عينيها مره، حين لكزتها والدتها في كتفها قائلة بـذم:
فوقي يا غبية، عندنا ضيف وإنتِ طالعه قدامه حافية شعرك منكوش شبة المجانين، روحي سرحي شعرك والبسي شوز.
-شوز..
-شوز ايه ده أكيد تهيؤات أو أنا لسه نايمة وبحلم بالمُستبد ده،ما اهو ناقص يطلعلي فى الكوابيس.
بلاهتها جعلت والدها وفراس يضحكان،نهض والدها وقف جوارها قائلًا:
تهيؤات إيه وكوابيس إيه،فراس إتصل عليا وطلب يشرفنا الليلة عالعشا، يلا روحي مع ماما جهزي العشا.
نظرت نحو والدها قائلة:
يعني أنا مش فى تهيؤات، إنت الوحيد اللى بثق فيك يا بابا، بلاش تنضم لـ القايمة بتاع المُستبدين.
ضحك قائلًا:
لاء يا حبيبة بابا، يلا روحي مع ماما، الضيف يقول علينا إيه.
ردت ببلاهة:
يقول اللى يقوله، ده مُستبد يا بابا وبيعاملني بتعسُف كمان وبيتلكك لى… وياريته يرفدني…
وبعدين إزاي توافق إنه يتعشى معانا، أكيد ماما هي اللى ضغطت عليك، شوفت يا بابا، بتستخسر فيا الاكل وعازمه المستبد ده عشان هو زيها، هما الاتنين إتفقوا عليا، وانا ضعيفة.
نبرة حديثها الشبه طفولى جعلت والدها لا يستطيع منه نفسه من الضحك قائلًا بحنان:
لاء يا حبيبتي ماما بتحبك، وبلاش رغي كتير يلا روحي مع ماما المطبخ.
إستسلمت وغادرت خلف والدتها…..
بعد وقت قليل بغرفة المعيشة، وضعت تلك الصنية وجلست جوار والدها، تبسم فراس قائلًا:
أنا لما طلبت أقابل حضرتك هنا فى الشقة الخاصة بحضرتك، كنت قولت لحضرتك إن فى موضوع مهم حابب أتكلم مع حضرتك فيه…
هدخل فى الموضوع مباشرةً… حضرتك عارف إني مدير الحسابات فى الشركة اللى بتشتغل فيها ليان، كمان الشركة من الأساس والدي كان من المساهمين فيها، والحمد لله أنا شخص مش بيحب يتسلي، يمكن دماغي عملية أكتر، عشان كده أنا بطلب إيد ليان.
جحظت عين ليان وببلاهة قالت:
أكيد تهيؤات.
ابتسم فراس، بينما ليان وكزتها والدتها ونظرت لها بغضب وتحذير،بينما تحدث والد ليان:
أكيد إنت عارف الأصول،إن أهلك هما اللى لازم يشرفونا ويحصل تعارف ويطلبوا ليان.
آبتسم فراس قائلًا:
عارف يا عمي،وده أكيد هيحصل،بس انا حابب أخد كلمة من حضرتك.
أومأ والد ليان رأسه كذالك لمعت عين والدتها بينما هي مازالت تشعر أنها بتهيؤات وذلك المُستبد سيقظها منها بتعسُفه الدائم.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة ايام
بالاستطبل الخاص بـ جاسر
نظر لـ جمال الذي إقترب منه يشعر ببعض من الخزي، لكن تحدث قائلًا:
صباح الخير يا جاسر، هتفضل واخد مني موقف لوقت كتير.
تنهد جاسر وهو يربت على عُنق الجواد قائلًا!
أنا مش واخد منك موقف يا جمال، أنا حاسس إني مش عاوز أتكلم مع حد، عاوز أبقي فى عُزلة بعيد.
تنهد جمال بآسف:
مش فاهم ليه، تقدر تتصالح إنت وتاج، إنت بتحبها وهي كمان، واللي حصل ممكن يتصلح بالتفاهم.
غص قلب جاسر وشد لجام الحصان بقوة وكأنه يحاول ترويض مشاعره الجامحة، ثم استدار نحو جمال بنظرة مثقلة بالوجع.
الحب مش دايمًا بيكفي يا جمال… أحيانًا لما الثقة بتتكسر، بيبقى صعب نرجع زي الأول.
اقترب جمال منه بخطوات واثقة، محاولًا كسر الجدار الذي يضعه جاسر حول نفسه:
اللي بينكم أكبر من كده، تاج مش أي حد في حياتك، ولا إنت أي حد في حياتها. افتكر كل اللي جمعكم قبل ما تيأس.
صمت جاسر لوهلة، يرفع عينيه نحو الأفق، وكأنه يبحث عن إجابة بين خيوط الشمس المتسللة عبر أشجار الاستطبل:
يمكن الفرصة ضاعت فعلًا يا جمال… أنا وتاج مش سهل نرجع لبعض بعد اللي حصل بينا الفترة الأخيرة، أنا كنت مُندفع.
تراجع جمال خطوة للوراء، ثم وضع يده على كتف جاسر بثبات:
الفرصة بتضيع لما إحنا نقرر نسيبها تضيع، لكن طول ما النبض شغال، مفيش حاجة اسمها مستحيل. افتح قلبك مرة كمان، يمكن تلاقيها لسه مستنياك.
انتعش قلب جاسر للحظة، وكأن كلمات جمال أيقظت بداخله صراعًا لم يرد مواجهته، لكنه لم يرد مباشرة… اكتفى بركوب الحصان، وانطلق به داخل مضمار الاستطبل دون أن يلتفت للخلف، تاركًا جمال يراقبه بابتسامة واثقة.
بعد دقائق قضاها بالجري بالجواد شعر كآنه بعض الإنزعاج الذي لديه قد زال، ترجل من على الحصان وأعطي اللجام لـ السائس موجهًا له بعض الارشادات الخاصة بالجواد، ثم ذهب نحو جمال الذي تبسم له فشبه تبدل حال جاسر، إقترب منه قائلًا:
السباق بتاع الخيل النهارده.
أومأ جاسر قائلًا:
أيوه أنا ريضت الحصان شوية وقولت للسايس يهتم بيه الكام ساعة الجايين، عشان ميبقاش مُجهد فى السباق.
إبتسم جمال قائلًا:
ان شاء الله المركز الأول كالعادة.
❈-❈-❈-❈-❈
أمام تلك الروضة التى تمتلكها أمينة
إبتسمت وهي تفتح باب سيارة آسر كي تترجل لكن هو جذب يدها قبل أن تنزل قائلًا:
أعتقد كفاية كده يا أمينة لازم تقولى قرارك.
خجلت من نظرته لها ثم قالت بتتويه:
إنت قولت إنك هتنشأ مجلة كاركاتير خاصة بالأطفال وكمان مواقف ساخرة وهتعمل لها موقع عالنت كمان… مقولتليش وصلت لفين.
علم أنها تراوغ فأجابها:
تقريبًا خلصت إجراءات انشاء المجلة، وفى مهندس اليكتروني شغال على إنشاء موقع خاص للمجلة عالنت، يعني خلال شهر بالكتير العدد الاول من المجلة هينزل كمان إتفقت مع شركة دعاية وتسويق.
إنشرح قلبها قائلة بتفاؤل:
متأكدة المجلة والموقع هيتشهروا فى فترة صغيرة، وهيبقى لهم مكانه كبيرة كمان.
أومأ لها مُبتسمً ثم عاود سؤاله الأول:
قرارك إيه يا أمينة فى موضوع جوازنا.
خجلت بإبتسامه وهي تقول:
موافقة، ولم تنتظر وترجلت من السيارة كآنها تتوارى عنه من شدة خجلها.
لكن لم يُمهلها آسر فرصة ترجل خلفها سريعًا، قبل أن تدخل الى روضة الاطفال جذبها من إحد يديها ينظر لها بسعادة قائلًا بحسم:
جوازنا هيبقى نفس يوم إفتتاح المجلة والموقع يعني فى خلال شهر.
شعرت بخجل وهى تسحب يدها من يده، تنظر حولها بتهرُب،قائلة:
باص الحضانة وصل.
إبتسم على خجلها ثم توجه نحو سيارته مره أخرى مُبتسمً.
❈-❈-❈
بـ مرسى مطروح
بالفندق
اغلقت الهاتف تضغط على أسنانها بقوة تكاد تسحقها بغضب، لم تنتظر وخرجت من الغرفة ذهبت نحو غرفة صهيب طرقت بقوة، فتح صهيب باب الغرفة ينظر لها بإستغراب حين دخلت بهوجاء أغلق باب الغرفه وإستدار لها سُرعان ما تحدثت بغضب أنساه أن الغرفة مُغلقة عليهما:
إنت إزاي تتفق مع ماما وأونكل خليل إنك تحدد ميعاد للزفاف، سبق وقولتلك دي لعبة مسألة وقت وهتنتهي.
إقترب منها بتسليه وهدوء وهي تزداد عصبيتها قائلًا ببرود:
سبق وقولتلك أنا مبدخلش فى لعبة، وأمر جوازنا قائم فعلًا ولو عاوز جوازنا يتم دلوقتي بدون زفاف مفيش حد هيمنعني لأننا متجوزين فعلًا وفى إشهار، فإهدي وبلاش عصبية ملهاش لازمه.
إقتربت منه بضجر تصفعه على صدره بغضب قائلة:
أنا مكنتش بفكر فى الجواز نهائي، واللى حصل كان خطأ غير مقصود فبلاش تنتهز فرصة مش هتكسب منها حاجه… أنا….
صمت وسُرعان ما شهقت حين ضمها بين يديه بقوة يُسيطر على عنفوانها بقُبلة جعلتها المفاجأة تستكين للحظات كآنها بغفوة ثم ارتجف جسدها للحظة بين ذراعيه، تحاول دفعه بعيدًا بضعف، لكن أنفاسه الحارّة وملمس يديه كانا كقيد يشل حركتها… تاهت للحظات وكأنها في غفوة، أفكارها تتلاطم كرؤوس السهام المتضاربة بين رفضها القاطع واستسلام جسدها غير المقصود….
تراجعت بأنفاس متسارعة، تضع يدها على صدرها المرتعش، تهتف بارتباك:
إنت اتجننت إزاي تعمل كده؟!
ابتسم بخبث، يراقب ارتباكها بعيون ثاقبة وهو يقترب منها خطوة أخرى:
مجنونة إنتِ اللي مفكرة إننا فى لعبة
تراجعت للخلف وهي تحاول استعادة تماسكها، تحذره بعيون يملؤها التحدي رغم الاضطراب الواضح:
ابعد… متفكرش إنك هتقدر تسيطر عليا بالحركات دي.
ضحك بخفوت، عيناه تلمعان بثقة غامضة:
مش بحاول أسيطر، بس بفكرك إننا دلوقتي بنلعب لعبة مالهاش رجوع، وإنتي جزء من اللعبة دي سواء برضاك أو غصب عنك.
صمتت للحظة، تحاول استيعاب كلماته، قبل أن تهتف بحسم وتحدي:
لو اللعبة دي نهايتها إني أخسر نفسي، صدقني مش هكمل فيها.
استدار عنها بخطوة بطيئة، يترك كلماتها تتردد في الفراغ، ثم قال دون أن ينظر إليها:
لسه مفيش خسارة… اللعبة لسه في أولها، فكرّي قبل ما تقرري… ميعاد جوازنا فى أقرب وقت.
نظرت له بغضب وتلجمت ثم حسمت ذلك بهروبها من نظراته وغادرت الغرفة تصفع خلفها الباب بقوة… جعلت صهيب يضحك، ثم تنهد بعمق، يمرر يده على شعره بنفاد صبر، وعيناه لا تزالان معلقتين بالباب المغلق خلفها.. ابتسم بسخرية، يهمس لنفسه:
عنيدة زي ما توقعت… بس هتفضلي تهربي لحد إمتى.
جلس على طرف الكرسي، ينقر بأصابعه على الطاولة، يفكر في خطواته القادمة. لم يكن ينوي الضغط عليها، لكن رؤيتها مرتبكة ومشتتة بهذا الشكل كانت كافية لتؤكد له أنها ليست بعيدة عن الاستسلام.
في تلك الأثناء، كانت هي في الممر الطويل، تحاول استعادة توازنها، أنفاسها تلهث وكأنها خرجت من مارثون.. تضع يدها على صدرها، تهمس بغيظ:
مغرور… بيتهيأله إنه هيقدر يسيطر عليا بسهولة… وهمتثل لقراره الغبي.
لكن الحقيقة كانت مختلفة… قلبها لم يتوقف عن الارتجاف منذ اللحظة التي اقترب منها. شعور غريب يجذبها إليه رغم رفضها المستميت.
همست لنفسها بتوعد:
لازم أبعد… لازم أوقف اللعبة دي قبل ما أتورط أكتر.
دلفت الى غرفتها، تحدق في الفراغ تحاول ترتيب أفكارها… لكنها لم تلاحظ أنها لم تغلق الباب،ولم تشعر بخطوات صهيب خلفها وهو يقترب ببطء، يقف بهدوء دون أن ينطق، ينتظر اللحظة المناسبة ليكسر الصمت من جديد…
حتى بدأت تهدأ لكن سُرعان ما إنتفضت حين سمعت صوته من خلفها يقول:
إتأخرنا عالموقع.
استدارت تنظر له تحاول التقاط أنفاسها بصعوبة إغتاظت من بسمة صهيب الذي لم يستطيع إخفائها، لحظات صمت ثم بغرور سارت أمامه فى صمت وهو تبعها ببسمة ظفر.
❈-❈-❈
بالشركة
تذمرت ميسون بضجر وهي تنظر نحو فراس قائلة بسؤال:
فين جاسر مش المفروض يحضر الإجتماع ده.
لمعت عيناه بخبث قائلًا:
المفروض هو عنده خبر معرفش ليه إتأخر عن الحضور حتى متصلش يعتذر.
تنهدت ميسون وهي تحاول ضبط أعصابها، ثم تحدثت ببرود:
غريب جدًا جاسر عمره ما اتأخر قبل كده.
رد فراس بابتسامة جانبية:
فعلًا… يمكن مشغول بحاجات تانية بعيد عن الشغل… مين عارف؟
رمقته ميسون بنظرة شك قبل أن تقول بنبرة حازمة:
لو عندك حاجة تقصدها، يا ريت توضح كلامك بدل اللف والدوران.
قهقه فراس بخفوت وهو يستند إلى الكرسي:
لا مفيش حاجة… بس بحاول أعطي عذر لتأخير جاسر.
ازدادت ملامح ميسون صلابة، وتوعدت في سرها بأنها لن تستمر كثيرًا بالبقاء فى الشركة لكن لابد أن تستقطب جاسر معها.
لحظات وإنفتح باب الغرفة… نظر فراس نحو الباب غمز بعينيه وإبتسم بمكر، ثم حاول التحكم في تعابير وجهه وهو يردد بنبرة خبيثة:
أخيرًا… شرفتِ الاجتماع.
تاففت ميسون بضجر قائلة بإستهجان:
ده إجتماع للمساهمين فى الشركة، ومدام تاج مش من ضمن الشركاء.
تقدّمت تاج بخطوات واثقة، تبتسم ببرود، وعيناها تجول بين ميسون وفراس وآسر…ثم جلست على المقعد المقابل لـ ميسون ،تستند بظهرها للخلف تنظر لها بتعالي قائلة بغرور:
آسفة على التأخير.
نظرت لها ميسون بتجهُم، بينما ابتسم فراس قائلًا:
بما إن كل الشركاء موجودين، فـ…
قاطعته ميسون بدون فهم ونبرة استقلال من تاج ودلال حين ذكرت جاسر :
مدام تاج مش من الشركاء ولازم ننتظر جاسر.
تبسمت تاج بإغاظة قائلة:
جاسر خلاص إنتهت علاقته بالشركة..جاسر تنازل عن كل الاسهم بتاعته ليا.
لم تنتظر لتستوعب كلماتها بل بادرت بابتسامة مصطنعة:
أكيد مستحيل.
تبسمت تاج بثقة، بينما بغضب تحدثت ميسون:
إزاي وليه إتنازل عن أسهمه ليكِ…
توقفت للحظات ثم تخابثت بشبه شماتة قائلة:
يمكن تعويض.
تسألت تاج بمراوغة رغم فهمها قصد ميسون:
تعويض عن إيه.
تفوهت ميسون بحقد:
يمكن إتفقتوا عالطلاق.
ضحكت تاج بهستريا قائلة:
طلاق… طلاق مين…
توقفت للحظات ولمعت عينيها ثم تحدثت بيقين:
أنا وجاسر مستحيل ننفصل يا ميسون عارفة ليه… لأن بينا حُب وذكريات مستحيل تتنسي أو تنتهي ، ونستسلم لتيار يفرقنا عن بعض، أنا بحب جاسر وهو كمان بيحبني وأكيد واحدة وصولية مُتسلقة زيك مش ممكن تعرف معني وقيمة المشاعر الحقيقية.
فراس، مستمتعًا بالموقف، أضاف بنبرة مليئة بالسخرية:
واضح إنكِ اتورطتِ مع الشخص الغلط يا ميسون… تاج لما بتقول حاجة بتنفذها… ويا ريت تفهمي إن مش كل حاجة بتتباع وتتشترى، خصوصًا الحُب… ثم مال بجسده قليلاً مستندًا على المكتب، مستكملاً بنبرة أكثر حدة:
يعني مهما حاولتي تلعبي لعبتك، النتيجة معروفة… خسارة محققة… دلوقتي آخر مره هعرض عليكِ هو تحديد تمن الأسهم بتاعتك في الشركة.
❈-❈-❈
بأحد النوادي الكبيرة والشهيرة
كان هنالك سباق للخيول
إمتطي جاسر الجواد الخاص به وتوقف ينتظر صافرة البداية، لكن كأن الجواد به شئ غريب حركة غير مُعتادة منها، لكن تحكم فيه جاسر حتى إنطلق السباق وهرولت الخيول، يتباهي كل فارس بالحركات الخِطرة ومهارته فى السيطرة على جواده، تقفز الخيول حواجز، وجاسر يتحكم فى الحصان الذي يجنح للقوة لحظات يسيطر عليه جاسر، حتى أستثار الحصان بقوة وأصبح يقفز ويهرول بسرعة غير معتادة، وجاسر رغم ذلك يستطيع لحد كبير السيطرة عليه، حتى وصل الحاجز القبل الأخيرة، رفع الحصان ساقيه الاماميتين عاليًا يستعد للفقز، وها هو يعلو بجسده فوق الحاجز
لكن قفز أعلى ثم إنتفض على الأرض بحركة غير متوقعة، إنتفض جسد جاسر من فوق الحصان وأصبح اللجام ينسحب من بين يديه والحصان يزداد عنفوان وجاسر شبة فقد السيطرة على اللجام، ولسرعة الحصان مع قفزاته
…فقد جاسر توازنه لوهلة، محاولًا التمسك باللجام بكل قوته، لكن حركة الحصان العنيفة جعلت جسده يميل للخلف، وكاد يسقط.. ارتفعت أصوات الجمهور بالذهول والقلق، وبدأ بعض الفرسان يلتفتون لمتابعة ما يحدث… الحصان يندفع كالإعصار، بينما جاسر يكافح ليستعيد السيطرة.
«يتبع»
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" سعاد محمد سلامة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم غير معروف
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" – الفصل الثالث والثلاثون
<?xml version='1.0' encoding='utf-8'?>
السهم الختامي الجزء الأول
السهم الختامي الجزء الأول
امراة الجاسر
السهم الثالث والثلاثون “الخاتمة 1”
❈-❈-❈
بالشركة
عيني ميسون تتبادل النظراتٍ الساحقة بين تاج وفراس، الذي ينظر إليها بثقة وتحدٍّ واضح… أدركت أنه يحاول الضغط عليها، يدفعها بصمته المُحكم نحو الزاوية لإجبارها على بيع أسهمها… ورغم محاولتها التماسك، لم تفلح في إخفاء التوتر الذي تسلل إلى نظراتها… أما تاج فكانت تراقب المشهد بصمت، تقرأ الصراع الخفي بينهما، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة تحمل من الإدراك أكثر مما تود ميسون أن تعترف به.
شعرت ميسون بأن الخناق يضيق حولها، لكنها لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة… رفعت ذقنها بشموخ، محاولة أن تبدو غير مبالية، ثم قالت بصوت ناعم لكنه مشحون بالتحدي:
إنتم مفكربن أنكم بكده تقدروا تضغطوا عليا عشان أبيع الأسهم بتاعتِ.
لم يرمش فراس، بل انحنى بصدره للأمام قليلًا، مسندًا مرفقه على الطاولة، وعيناه تزدادان ثباتًا قائلًا بيقين:
للآسف يا مدام ميسون إنتِ غلطانة فى كلامك، وأنا مش بضغط عليك لسبب واحد، لآن الشركة الإنجليزية للآسف وصلني منها عدم رغبتها فى شراء أسهُم جديدة من المساهمين فى الشركة،إكتفت بالأسهُم اللى بتمتلكها.
لوهلة إنصدمت وإرتجفت أناملها ، لكن ابتسامتها لم تتزحزح، بل زادتها حدة… أطلقت ضحكة قصيرة قبل أن تنقل بصرها بينه وبين تاج التي لم تفارقها ابتسامتها الغامضة..
الصدمه جعلتها تتسرع بالرد:
قصدك إيه، يعني لو عرضت أبيع الأسهم بتاعتِ محدش هيشتريها.
صمت الجميع… شعرت بغضب وغيظ من تاج التي قالت بإستبياع وغيظ لها:
عن نفسي مش بفكر أشتري أي أسهم كفاية عليا الأسهم اللى إتنازل عنها جاسر ليا، مش بفكر فى الإدارة الفترة الجاية هركز فى حياتي الشخصية أكتر.
نظرت نحو آسر الذي تغاضي عن النظر لها وهو يعبث بالقلم على تلك الورقة أمامه، إغتاظت بشدة لكن لن تُعطي فرصة للتشفي بها… أطلقت ضحكة غيظ، قبل أن تستقيم في جلستها، تنقل بصرها بينها وبين تاج التي لم تفارقها ابتسامتها الغامضة… تفوهت بحِدة وثقة واهية بوعيد:
واضح إن فى لعبة، هنشوف مين اللى يفوز باللعبة ويضحك فى الأخر.
قالت ذلك ونهضت، تسحب حقيبتها بحركة بطيئة متعمدة، وكأنها تمنح نفسها لحظة لالتقاط أنفاسها، قبل أن تخطو خارج المكتب، تجرّ خلفها ظل معركة تظن أنها لم تُحسم بعد.
بمجرد أن خرجت تبسمت تاج لـ فراس ثم نظرت نحو آسر قائلة بإمتنان:
شكرًا يا آسر لدعمك لينا قصاد ميسون.
لوهلة شعر آسر بالندم على أنه يومً إقترن بـ ميسون تلك المُتسلقة الطماعة، كان مُسير بلا قرار، لكن بداخله إنشرح أنه فاق قبل أن ينجرف بأحقاد قلب ميسون التي كانت واضحة من البداية لكن كان ضائعً بأحداث الماضي التي كانت صادمة له منذ صِباه صبي يرا والدته بحضن عمه بعد فترة قليلة من وفاة والدته، ليتها كانت أخبرته بمساومته لها كان إختار لها الكرامة والابتعاد عن ذلك الحقير،كذالك كانت الطامة الثانية زواج أمينه صاحبة أول دقة قلب،صديقته أو هكذا هي ظنت وقبلت زواج هي الاخرى ظنت أنها ستجد به ملجأ لأسرة لكن كان هشًا لم يتحمل وإنسحق من أول رياح أصابته،الإثنين كانا ضحية الإحتياج،حتى عادا وإلتقيا ليسترد هو ما تبقي من ضميره الذي رفض الإنصياع وراء أضغان ميسون،فإنقلبت عليه هو الآخر،لوهلة شعر بذم فى عقله الذي كان غافلًا بإرادته ثم تبسم لـ تاج التي تمنى يومً إكمال زواجهما ربما كانت إختلفت تلك الجلسة الآن،لكن تاج كانت ومازالت مُغرمة بالجاسر الأحق بها، تنهد قائلًا:
لما وافقتي على وصية عمي إننا نتجوز منكرش إني وقتها إتمنيت يكمل جوازنا ونستمر مع بعض، لكن واضح إن مشاعرك إتجاه جاسر عمرها ما إهتزت عشان كده إنتِ إختارتي أسهُم الشركة، عارف إنها من حقك اللى سلبهُ عمي،بس أنا كمان زيك يا تاج عمي سلب حق والدي اللى آمن له،يعني نصيبِ فى الشركة حقي ومش بقول كده عشان أبقي عقبة معاكم بالعكس أنا واثق فيكِ وفى إدارة الشركة وإنكم ترفعوا قيمتها،أنا صحيح درست إدارة الأعمال لكن عمري ما كانت أحلامي إدارة شركة عقارات،أنا بدأت فى مشروع تاني كان حلمي من وأنا صغير،كمان عندي موهبة وهستغلها فى الشئ اللى كان نفسي فيه،يعني مش هبقي منافس،بس مجرد شريك معاكم وتأكدي مش هتلاقوا مني أي عقبات زي قبل كده.
إبتسم فراس كذالك تاج التى قالت:
هنسى الماضي وهثق فيك
ومازال العرض قائم يا آسر وقت ما تحب تبيع أسهُمك… أنا جاهزة أشتري بالتمن اللى تقول عليه.
رغم فحوى كلامها انها تفترض به الثقه لديها الحق سابقًا كان مجرد واجهه يُنفذ لـ ميسون غرضها، تبسم قائلًا:
على فكرة يا تاج جاسر بعد آخر إجتماع طلب مني يشتري الأسهم بتاعتِ بإسمك…بتمني لكم السعادة.
لمعت عين تاج وأومأت ببسمة دافئة وهي تنظر إلى فراس ، ثم التفتت إلى آسر بنظرة ثقة وشُكر:
دا قرارك في النهاية يا آسر، بس أنا مش هغير كلامي… أي وقت تحب تبيع، هكون جاهزة.
بينما خفق قلب تاج عقلها يدور بسرعة، لم تكن تتوقع خطوة جاسر، لكنها لم تستغربها أيضًا، مازال يؤكد لها دعمه المُطلق لها.
بعد قليل غادر آسر وترك فراس وتاج التى تبسمت، وضع فراس يده فوق يدها بمؤازرة قائلًا:
إنتِ أقوى من ما بتتصوري يا تاج… وأهو الزمن بيأكد إن اللي ليكِ هيرجعلك، حتى لو حاولوا يبعدوه عنك.
نظرت إليه تاج بعينين تحملان مزيجًا من الامتنان واليقين.
…… ❈-❈-❈
بسيارتها
صفعت ميسون مقود السيارة عدة مرات بقوة غاضبة للغاية، تضغط على زامور السيارة بقوة تسب سائق تلك السيارة التى أمامها حتى تجنب سارعت بالمرور من جواره تقود السيارة بسرعة فائقة عقلها غير مستوعب لقد وضعت بخانة ضيقة وجب عليها الخروج منها قبل أن تضيق أكثر عليها، لكن الطمع بداخلها عليها الخروج بأعلى المكاسب لن تسمح بالخسارة والإنهزام أمام تلك الوضيعة تاج….فكرت وعقلها كآنه توقف لكن رنين هاتفها جعلها تفصل للحظات وهي تسحب هاتفها من الحقيبة،إبتسمت بشرر وفكرت تلك فرصة بالتأكيد ستضرب بها تاج.
نظرت إلى اسم المتصل، وضغطت على زر الرد بسرعة، متصنعة الهدوء:
ألو… كنت مستنياك تتصل.
جاءها صوت الطرف الآخر واثقًا لكن ميسون لم تكن في حالة تسمح لها بالصبر… شحذت كلماتها كرمح، وبنبرة تحمل مزيجًا من الحنق والخداع، قالت:
عندي ليك عرض ممتاز… لازم نتقابل مش هينفع الكلام عالموبايل.
سمعت ترددًا من الطرف الآخر، فتابعت بإلحاح:
صدقني، دي الفرصة اللي مش هتتعوض… ولو استنيت، ممكن يسبقك حد تاني.
بصعوبة وافق الطرف الآخر على اللقاء أغلقت المكالمة بعد أن اتفقت على مكان اللقاء بعد ساعة ونصف، ثم ألقت الهاتف بجانبها، وعينيها تضيئان بتلك النظرة المتوحشة التي لا تخطئها عين… وتحدثت بوعيد
لعبتِ بالنار يا تاج… وآن الأوان تدوقي ناري.
ضغطت على دواسة الوقود أكثر، وكأن سرعتها المجنونة تعكس العاصفة التي تدور بداخلها.
❈-❈-❈
بمنزل والدة جاسر
فتحت هالة الباب ودلفت دون شعور من والدتها التى كانت تجلس بغرفتها تتحدث عبر الهاتف، سارت بصمت نحو الغرفة، لتقف مُتصنمة تشعر بغيظ واجم، وهي تسمع حديث والدتها وذكرها لإسم تاج، إذن هي تتحدث معها لكن كيف تتحدث بتلك الطريقة اللطيفة معها…لكن تملُك الغيظ المحتدم في صدرها كان أقوى من أن تتجاهله… قبضت أصابعها بقوة، وشفتاها ارتجفتا بحنق وهي تسمع والدتها تضحك بلطف، تردد اسم تاج وكأنها صديقتها أو ابنتها المفضلة، تتحدث معها بصوت ممزوج بالود والاهتمام، وكأنها ليست هي نفسها المرأة التي لطالما تجاهلت حديثها عن تلك الفتاة بازدراء… ذُهل عقلها بسؤال:
كيف…. كيف تغيرت بهذه البساطة؟
شعرت هالة بوخزة غضب في صدرها، وكأن شيئًا ما يُسحب منها ببطء… كانت دومًا تعتقد أن والدتها تكره تاج مثلما تفعل هي، بل ربما أكثر! لكنها الآن تسمع نبرة لم تعهدها من قبل، نبرة تجعلها تشعر بأنها الخاسرة
حاولت الثبات بصمت، غليلها وغضبها يتصارعان داخلها، لكنها لم تستطع احتمال المزيد. …كادت تغادر لكن بسبب تحكُم الغيظ فيها صدمت منضدة بالردهة كان فوقها قطعة ديكور سقطت وإفتعلت صوت جعل والدتها تنهض وتخرج من الغرفة، وقفت في مكانها متجمدة، كأن جسدها فقد القدرة على الحركة، بينما هالة عيناها التقتا بعيني والدتها المندهشتين… للحظة، لم تنطق أي منهما بكلمة، وكأن الزمن توقف بينهما، لكن نظرة والدتها سرعان ما تحولت إلى صرامة مريبة، عابسة وهي تتفحص ملامح ابنتها التي لم تفلح في إخفاء اضطرابها.
-هالة؟ إنتِ هنا من إمتى.
سألتها والدتها بحدة، بينما اقتربت منها بخطوات حذرة، وكأنها تشك في أنها سمعت حديثها.
حاولت هالة أن تتدارك نفسها، أن تختلق أي عذر، لكن حلقها كان جافًا، وصدرها يعلو ويهبط بغضب مكتوم. لم تستطع منع الكلمات التي اندفعت منها فجأة:
إنتِ بتتكلمي مع تاج!
صمتت والدتها وقامت بإنهاء الحديث مع تاج بوعد بحديث لاحق،اغاظ ذلك هالة وإستطردت حديثها بهجوم:
إزاي بتكلمي تاج كده؟ من إمتى وبقيتي تحبيها.
انعقد حاجبا والدتها، وتغيرت ملامحها إلى برود غامض، قبل أن تقول بصوت متزن لكنه يحمل نبرة تحذير خفية:
وأنتِ مالك.
لم تتوقع هالة تلك الإجابة، توقعت إنكارًا أو تبريرًا، لكنها وجدت في رد والدتها نوعًا من الحسم جعلها تشعر بأنها أصبحت فجأة خارج الصورة… وكأنها لم تعد تتحكم في مسار الأمور كما اعتادت شعرت هالة بصفعة خفية خلف كلمات والدتها، وكأنها تخبرها بوضوح أنها ليست طرفًا في الأمر، وأن اعتراضها لا قيمة له… ازدردت ريقها بصعوبة، تحاول أن تستوعب هذا الجفاء المفاجئ، لكنها لم تستطع كبح إحساسها بالخذلان.
-إزاي ماليش دعوة.
صاحت باندفاع، غير قادرة على كبح غيظها…وأكملت بتذكير لوالدتها:
قبل فترة كنت بتقولي إنها مش مناسبة لـ جاسر… فجأةدلوقتي فجأة بقت حبيبتك المدللة.
تقدمت والدتها خطوة للأمام، ووضعت يديها على كتف هالة تنظر إليها نظرة ممزوجة بالحنان والحِدة جعلت هالة تشعر بانقباض في صدرها.. رغم نبرة والدتها الهادئة، لكنها حادة كالسكين، وهي تقول بعطف:
أنا دلوقتي كل اللى بفكر مصلحة .
تجمدت هالة، وكأن والدتها سحبت الأرض من تحت قدميها. لم يكن الغضب فقط ما اجتاحها، بل إحساس عميق بالخيانة، وكأنها كانت تعيش في وهم، تصدق كذبة لم تكن سوى لعبة في يد والدتها.
قبضت أصابعها حتى كادت أظافرها تنغرز في راحتيها، ثم تفوهت بغضب:
وإيه مصلحة جاسر عند تاج دي واحدة آنانية وإستغلالية دايمًا و…
قاطعتها والدتها بغضب قائلة بنهي:
كفاية يا هالة كذب على نفسك جاسر قالي حقيقة اللى حصل من زمان وأنا من وقتها صدقتك إنتِ وكرهت تاج واتحاملت عليها زيك وأكتر وجاسر إتحمل، لكن يوصل بيك الشر فى قلبك إنك…
قاطعتها هالة بشرر:
وإيه اللى إتغير دلوقتي وصدقتيه.
جاوبتها بأسي ومواجهه:
الحقيقة يا هالة،وصل بيك الشر تتسبي فى إجهاض مرات أخوكِ بعد ما أنقذت إبنك من الحصان..إمتى الشر ده كله إتمكن من قلبك.
إرتبكت هالة للحظات ثم تهكمت بإنكار قائله:
إيه التخاريف دي،كمان أنا مكنتش أعرف إنها حامل غير بعد ما….
قاطعتها والدتها:
ممكن مكنتش تعرفي إنها حامل،لكن إنت السبب إن الحصان لو كان إتمكن منها كان ممكن يقتلها، فين ضميرك.
إرتبكت بتوتر ومازالت تُصر على النفي والتهجم على تاج، الى أن صفعتها والدتها قائلة:
لسه مُصرة عالكدب،تسجيل كاميرا المزرعة وضح حقيقة اللى حصل، أنا شوفت الفيديو، وكمان جاسر… أخوكِ اللى حرقتي قلبه وبسببك ظلم مراته وصل بينهم الحال للطلاق إستريحتي كده يا هالة، بقيتِ مريضة نفسيه محتاجة علاج، فوقي أنا بسببك ساهمت فى تعب قلب أخوكِ لما كُنت دايمًا بتحامل معاكِ على تاج… ولما اكتشفت الحقيقة كان فات الأوان، حياته مع حبييته اتدمرت، ومراته اتظلمت ظلم كبير… جاسر عِرف ومقدرش يواجهك، قالي حياته إنتهت مع تاج، حتى لو واجهك بالكلام، تاج عمرها ما هتسامحه، عمرها ما هتنسي إزاي ظلمها، وإزاي سبها وهي مظلومة ومحتاجه لدعمه، وهو نفسه مش قادر يسامح نفسه…
شهقت هالة بانفعال، عيناها تبرقان بالغضب والألم معًا تُبرر:
أنا ما قصدتش… كنت عايزة أحميه منها.
لكن والدتها قاطعتها بحدة، صوتها يقطر حسرة ووجعًا:
وحميتيه…. دي الحماية اللي بتتكلمي عنها.. حماية مبنية على الكذب والافتراء.. دمّرتي بيته، خربتي حياته، وأذيتِ إنسانة ملهاش ذنب، إزاي هتغفري لنفسك.
انهارت هالة جالسة على الأرض، دموعها تتساقط بغزارة، لكنها هذه المرة لم تكن دموع العناد أو التبرير، بل دموع الانهيار التام وبداية الندم.
❈-❈-❈
بالسباق
بنفس اللحظة، الذي كاد ينفلت اللجام من بين يديه استجمع قواه، وقبض على اللجام بقوة أكبر، ثم ضغط بقدميه على جوانب الحصان ليعيد توجيهه… نجح في تهدئته تدريجيًا، ورغم أن الحاجز الأخير كان يقترب بسرعة، استطاع جعل الحصان يقفز فوقه بانسيابية، ليصل إلى خط النهاية وسط ذهول الجميع.
نزل جاسر عن الحصان، يتنفس بصعوبة، والعرق يتصبب من جبينه. نظرات الحاضرين تمزج بين الإعجاب والدهشة، لكن عينيه اتجهتا إلى جهة محددة في المدرجات… كانت تاج هناك، تتابعه بعينين لامعتين، تفيضان بمزيج من القلق والفخر… أغمض عيناه ثم فتحهما إكتشف أن حضور تاج كان مجرد أمنية تمناها .. لكنها ليست موجودة وها هو يُكرم بجائزة الفارس الأول وشعور آخر بلا لذة.
بينما كانت روزالينا بالمدرجات تشعر بالغضب من نجاة وفوز جاسر، تذكرت أن من أخبرتها بأن جاسر سيشارك بذلك السباق هي هالة، تلك الحمقاء التى تتلاعب على وتر كراهيتها لـ تاج،لكن قبضت على قبضتها بقوة، وشعرت بسخط يتصاعد في صدرها… لم يكن الأمر مجرد سباق بالنسبة لها، بل كان فرصة لترى جاسر يسقط، فرصة لتنتقم بطريقتها وهي تراه مهزوم علانية، لكنها فشلت… بل الأسوء من الفشل خسرت حتى مكانتها وشأنها، هالة أوهمتها أن تاج قد تكون نزوة بحياة جاسر لكن كانت مُخطئة وها هي اللحظة الحاسمة، جاسر لم يُهزم، بل فاز ويُهدي الفوز لتلك الغائبة الحاضرة فى قلبه بإستمرار
تنفست بعمق، وألقت نظرة حادة علي جاسر، وإبتسامته الواثقة أشعلت داخلها شعورًا أكثر مرارة… إن كانت هالة تلعب لعبتها الخاصة، بالتفريق بين جاسر وتاج … عليها أن تكون أكثر حذرًا… لا مجال لأن تتنازل عن مكانتها وتطارد السراب… عليها الإعتراف هي كانت نزوة مرت بحياة جاسر…وعليها الاعتراف بذلك بل الإنسحاب قبل أن يتمكن الحقد منها وتُصبح أسيرة لدوامة الانتقام… لم تكن من النساء اللاتي يتوسلن الحب، ولا ممن يقبلن الفتات العاطفي، لكنها كانت إنسانة، تملك قلبًا يأبى أن يُهان… ولكن، هل تملك الشجاعة الكافية للمغادرة بكرامتها؟ أم أن شيئًا خفيًا بداخلها لا يزال يأمل أن يكون الأمر أكثر من مجرد نزوة؟
والجواب معروف لابد من الاعتراف به… ومواجهة الحقيقة التي تحفر داخلها كخنجر بارد، كلما رأت نظراته تمر عبرها دون أن تتوقف، كأنها لم تكن يومًا جزءًا من عالمه.
لقد حسم الأمر دون أن ينطق بكلمة، ومع ذلك، قلبها ما زال يئن،أنها كانت مجرد عابر في قصة لم تُكتب لها نهاية سعيدة… وعليها أن تنسحب من معركة محسوم خسارتها.
❈-❈-❈
بعد عِدة أيام
بمرسى مطروح بالموقع
كانت تنظر حولها بترقب تنتظر أن ترا صهيب حتى إن كان كلامهما مُختصر على سير العمل، لكن اليوم تشعر بشئ غريب لقد تأخر الوقت وإقترب من الظهيرة وهو لم يظهر بعد، إستغربت ذلك شعرت بخفقان… وسألت عقلها عن سبب لتأخيره، لكن لم يُعطي سوا سبب واحد أيكون مريض.. أة حدث له شيء؟ تسللت إليها موجة من القلق غير المبرر، حاولت أن تطردها لكنها وجدت نفسها تحدق في هاتفها، تنتظر منه أي رسالة، أي إشارة تخبرها أنه بخير.
مرت الدقائق بطيئة، ثقيلة، وكلما نظرت حولها بالموقع شعرت بانقباض في صدرها، كأنها تترقب خبرًا لا تود سماعه… لم تكن معتادة على هذا الشعور، لكنها لم تستطع إنكاره… ترى، متى بدأ صهيب يشغل هذا الحيز من تفكيرها دون أن تدرك ذلك، مر الوقت والفِكر السيئ يشتعل برأسها غصبً ذهبت نحو رئيس العمال وبأسلوب غير مباشر سألت عن عدم وجوده بالموقع، فأخبرها:
البشمهندس صهيب سافر القاهرة النهاردة الفجر وقالى إنه مش هيغيب هناك، سفريه مهمة وراجع النهاردة المسا.
تجمدت ملامحها لوهلة، لم تكن تتوقع هذا الرد. شعرت بغصة لم تفهم سببها، لكنها سرعان ما تماسكت وأجبرت نفسها على إظهار اللامبالاة.
اكتفت بهز رأسها وكأن الأمر لا يعنيها، لكنها في داخلها لم تستطع منع ذلك التساؤل من التغلغل في عقلها… لماذا لم يخبرها؟ أليس من المفترض أن يكون بينهما تواصل، ولو في حدود العمل.
حاولت طرد تلك الأفكار وهي تعود إلى جمودها، لكن قلبها ظل معلقًا بسؤال واحد…
– ما سبب سفره المفاجئ.
والجواب لديه
ها هو يجلس مع فراس وجنات وخليل ومعهم والدته، يُخبرهم:
أنا عاوز اتمم زفافي أنا وفايا فى أقرب وقت.
ساد الصمت لثوانٍ، وكأن كلماته سقطت كحجر في بحيرة راكدة، قبل أن تتبادل العيون نظرات الدهشة… كانت جنات أول من استعاد توازنها، فتساءلت بنبرة هادئة لكن لم تخلُ من الفضول:
ليه الاستعجال يا صهيب.
ابتسم، لكن في عينيه كان بها إصرار لا يقبل الجدل.
يا طنط.. مفيش داعي للتأجيل أكتر، كل حاجة جاهزة تقريبًا، وفايا كُل ما أحاول افاتحها تأجل الموضوع بدون سبب، رأيي نحطها قدام الأمر الواقع.
تدخل فراس وهو يرمقه بنظرة متفحصة:
أنت متأكد يا صهيب الجواز مش مجرد خطوة وخلاص، لازم تكون مستعد لكل تفاصيله.
اجابه صهيب:
أنا مستعد يا فراس، وفايا مفيش عندها سبب مُقنع للتأجيل.
لكن والدته لم تبدو مقتنعة تمامًا، وضعت كوب الشاي أمامها بتأنٍ قبل أن تسأله بلهجة لم تخلُوا من الحذر:
صهيب، أنت متأكد إنك واخد القرار ده بعقلك مش بقلبك وبس،وفايا موافقة على كده .
نظر إليها بثبات وقال بحزم:
متأكد وده القرار اللى مش هرجع فيه ومحتاج منكم دعم…فايا بتأجل بدون سبب مُقنع لمجرد التأجيل مش أكتر.
تبادلت جنات وخليل نظرات ذات مغزى، بينما ظل فراس يدرس ملامح صهيب وكأنه يحاول سبر أغوار ما يخفيه خلف إصراره هذا… أما والدته، فتنهدت بعمق قبل أن تقول:
إحنا معاك يا ابني، بس كل شيء في وقته، والاستعجال ساعات مش بيكون فى المصلحة.
لكن صهيب لم يكن مستعدًا للتراجع عليه وضع فايا امام الامر الواقع ، فقال بإصرار:
ده مش استعجال، أنا عارف أنا بعمل إيه، واثق إن ده الصح.
سكت لحظة قبل أن يضيف بصوت أكثر هدوءًا:
كل اللي بطلبه منكم إنكم تكونوا جنبي، وتساعدوني أتمم الجواز بأسرع وقت.
تدخل خليل بابتسامته الحكيمة:
مدام واثق من قرارك، يبقى علينا ندعمك، بس برضه خلينا نتفق إننا نعمل كل حاجة بروية ومن غير استعجال، علشان نفرح بيكم على خير.
أومأ صهيب برأسه، لكنه ظل صامتًا للحظات، كأن هناك شيئًا آخر يريد قوله لكنه آثر كتمانه… كُل ما يريده الآن هو تحديد الزفاف بأقرب وقت والباقي لديه بقلبه يقين أنه قادر على كسر جمود فايا الواهي.
❈-❈-❈
بمنزل والدة جاسر
بعد مواجهة والدتها لها بمعرفة جاسر أنها السبب بإصابة وإجهاض تاج شعرت بالخزي من مقابلته، لم تعُد تستطع مواجهة انعكاسها في المرآة، فكيف ستواجهه هو؟ شعرت بثقل الذنب يجثم على صدرها، يخنق أنفاسها كلما تخيلت نظراته المليئة بالغضب أو الاشمئزاز والخذلان منها… لكن كانت تعلم أن المواجهة حتمية، لكنها لم تكن مستعدة لرؤية الكراهية في عينيه… كيف ستدافع عن نفسها؟ كيف ستبرر فعلتها؟ أم أنها ستقبل بحكمه بصمت، كما لو كانت تنتظر الإدانة المستحقة؟
ارتجفت ساقيها وهي تقف أمام الشقه ، ترددت للحظة قبل أن تقرر الدخول… وتواجه مصيرها معه، أم تظل مختبئة في ظل خطيئتها…
فكرت بالمُغادرة، لكن طفلها فضحها حين تحمس ودلف سريعًا للداخل، قابله جاسر بحماس وعانقه بسعادة، بينما دلفت هالة تنظر لـ جاسر بترقُب لرد فعل جاسر بعد أن رأها ظل يحمل الطفل بين ذراعيه، يتأمل ملامحه ببسمة، ثم رفع عينيه ببطء نحو هالة… لم يكن في نظرته الغضب الذي توقعته، ولا حتى الدهشة، بل شيء أعمق… مزيج من الحنين والخذلان المكتوم.
شعرت هالة بأنفاسها تتسارع، تنتظر منه كلمة، أي رد فعل. هل سيوبخها، أو يرفضها
لكن جاسر لم يقل شيئًا… فقط وضع صغيرها الذي ذهب نحوها وسخب يدها للداخل،بينما جاسر اماء برأسه لها كآنه يُرحب بها بفتور، ثم تحجج برنين هاتفه ودخل لغرفته تركها تدمع عينيها تستوعب فتور استقباله، كيف يمكن له أن يكون هادئًا إلى هذا الحد… هل فقدت مكانتها لديه كشقيقة لها مَعزَة خاصة… حاولت أن تمسح دموعها بسرعة قبل أن يراها طفلها، لكنها شعرت بأن قدميها لا تستطيعان حملها… جلست على أقرب مقعد، تحتضن نفسها وكأنها تواسي قلبها المُخطئ… تلتفت حولها وكأنها غريبة في هذا المكان … فاقت من عتمة ندمها على صوت صرخة مدوية… خرج جاسر على إثرها من غرفته وتوجه خلفها الى الخارج وهي تقف تكاد تفقد عقلها وهي ترا طفلها ينزلق على درجات السلم بعد أن تعثر على السلم… توقفت أنفاسها للحظة، وكأن الزمن تجمد عند المشهد المروع أمامها… طفلها يتدحرج على درجات السلم، جسده الصغير يتقلب مع كل درجة يسقط فوقها، وصرخاته تخترق قلبها كرؤوس سهام حادة… شعرت بأقدامها تثقل، وكأنها مُسمرة في الأرض، بينما عقلها يرفض استيعاب ما يحدث.
لكن جاسر لم يتوقف… اندفع كالصاعقة، قافزًا عبر الدرجات في محاولة للوصول إلى الطفل قبل أن يرتطم بالأرض… مدَّ يده، وأمسك به قبل أن ينزلق إلى النهاية، ليحتضنه بقوة بين ذراعيه… توقف الصغير عن الصراخ، صدره يعلو ويهبط بذعر، وعيناه الغارقتان بالدموع تتشبثان بوجه جاسر.
هرعت نحوهما، قلبها يكاد يقفز من صدرها… أخذت طفلها بين ذراعيها، تتفقده بعينين مذعورتين، تتحسس وجهه، يديه، جسده الصغير، تبحث عن أي علامة للأذى. بكت وهي تضمه إليها، تهمس باسمه، تدعو له بصوت مرتعش.
وقف جاسر أمامها، عيناه الداكنتان تحملان شيئًا لم تلحظه منذ زمن… قلق… خوف… شيء أشبه بإلقاء الذنب عليها لكنه لم يقل شيئًا، فقط أدار وجهه جانبًا وكأنه يحاول إخفاء اضطرابه، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد:
إزاي سبتيه لوحده.
رفعت رأسها نحوه، والدموع تلمع في عينيها، مزيج من الصدمة والإنهاك يجتاحها… أرادت أن تجيب، أن تبرر، لكن الكلمات خانتها… هل كان غضبه دليلًا على اهتمامه؟ أم أنه مجرد عتاب جاف آخر يضاف إلى جدار الجفاء بينهما… لكن أدركت أنه كان عتابُ ولوم صامت منه، وهي يتآكل قلبها من الندم، هي كانت على دراية بحمل تاج وساهمت بإجهاضها لأحقاد بقلبها…. وجاسر لم يُفكر للحظة وهرول مُنفذًا لطفلها قبل أن يتأذى أكتر…ندم وألم خنقها، واليوم تذوق طعم الندم بكل مرارته… جاسر لم يتوقف أمامها طويلًا، لم يواجهها بتلك الحقيقة التي تعرفها جيدًا، لكنه أيضًا لم يمنحها العذر أو الغفران… كان عتابه صامتًا، لكنه أثقل من أي صرخة بوجهها، وكان إنقاذه لطفلها دون تردد صفعة تُذكرها بأنه لم يكن يومًا مثلها، لم يكن يحمل ذلك الحقد في قلبه…. أحاطت طفلها بذراعيها، تحاول أن تستمد منه بعض الطمأنينة، لكنها لم تجد سوى فراغ يزداد اتساعًا في داخلها… لم يعد هناك مفر من الحقيقة، لم يعد هناك مجال للهروب من تأنيب ضميرها…. رفعت عينيها نحوه، تبحث عن أي شيء، نظرة، كلمة، حتى لو كانت قاسية، لكنها لم تجد سوى ظهره وهو يبتعد… يرحل عنها دون أن يمنحها حتى فرصة الاعتذار.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام أخرى
بالمطار
أعلن المذياع الداخلي عن قيام الرحلة المُتجهه الى أسبانيا
بألم نهض واقفً يتوجه الى مكان الطائرة كل خطوة يشعر بثقل غير معتاد في قدميه، وكأن الأرض تحاول أن تثنيه عن المضي قدمًا… ازدحمت الأفكار في رأسه، أصوات متداخلة بين الماضي والحاضر، ذكريات كانت أشبه بالظلال تطارده حيثما ذهب…
عند بوابة الصعود، وقف للحظات متردداً، يتأمل بطاقة السفر في يده… كان من المُفترض الغاء هذه الرحلة ببداية ثانية مع تاج، لكن الواقع أعطى نهاية أخرى…. بعمق تنهد، ثم شدّ قامته وأكمل سيره نحو الطائرة، غير مدرك أن القدر قد أعد له ما لم يكن في الحسبان…
حين دلف إلى الطائرة، كان ضجيج المسافرين وصوت المضيفات المألوف في أذنيه مجرد همسات بعيدة، وكأن عقله كان منفصلاً عن جسده… شق طريقه إلى مقعده بجوار النافذة، وجلس بثقل، محدقًا عبر الزجاج إلى مدرج الطائرات الذي بدا وكأنه خط فاصل بين حياته القديمة وما ينتظره في الجهة الأخرى.
«يتبع»
للحكاية بقية
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" سعاد محمد سلامة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم غير معروف
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" – الفصل الرابع والثلاثون
<?xml version='1.0' encoding='utf-8'?>
السهم الختامي 2
السهم الختامي 2
امراة الجاسر
السهم الرابع والثلاثون “الخاتمة 2”
❈-❈-❈
قبل ساعات
بـ مرسى مطروح صباح
بالفندق
صحوت فايا على صوت رنين هاتفها، فتحت عينيها بتكاسُل تشعر بخمول النوم فهي بالكاد غفت منذ ساعات قليلة، بسبب ذلك الآرق التي تشعر به بالفترة الأخيرة، بالكاد تحاول عدم اللجوء الى المنومات الدوائية، حتى لا تعود وتتعود عليها
لكن صوت الهاتف لم يمنحها فرصة للتردد، فتناولت الهاتف من على طاولة بجوار الفراش رمشت بعينيها عدة مرات محاولة تمييز اسم المتصل وسط ضوء الشاشة الساطع… كان الاسم واضحًا صهيب زفرت بضيق وهي تعتدل في جلستها، تمرر يدها على وجهها كأنها تحاول طرد آثار النوم .. بصوت مبحوح قليلًا من أثر النوم قائلة:
نعم، بتتصل عليا بدري كده ليه.
إبتسم قائلًا بمشاغبة:
الناس بتقول الأول صباح الخير، وبعدين بدري إيه إنتِ لسه نايمة.
تثائبت بضجر وأجابته بكسل، لكن شيئًا ما في نبرته جعلها تستقيم أكثر، تركز انتباهها:
أيوة لسه نايمة
في أوضتي، يعني هكون فين.. بدري كده.
إبتسم قائلًا بشغب:
أنا اللي ليا الشرف إني سمعت صوتك أول ما فتحتي عيونك..صوتك واضح إنك بتفكري
رفعت حاجبها ، ثم تأملت كلماته قبل أن ترد بنبرة نصف ناعسة نصف متشككة:
إنتَ بتتريق ولا بتعاكس.
ضحك بخفة قائلًا:
ينفع برضوا اتريق عليكِ أكيد طبعًا بعاكس
ضيقت عينيها ثمزفرت قائلة:
مش قادرة أفهم إنتَ عايز توصل لإيه بالضبط… بمعاكستك دي.
لمعت عيونه بالعبث، قبل أن يهمس:
اصبح يتجرأ فى الحديث مع فايا، كنوع من
التحدي الخفي، مستمتعًا بردود فعلها المتفاوتة بين الحذر والاستفزاز أحيانًا… كانت نبرته تحمل شيئًا من الاستفزاز المرح، لكنه لم يكن مجرد مزح عابر، بل محاولة لاختراق حدودها، لمعرفة إلى أي مدى يمكنه إرباكها أو استفزازها… وجعلها تتخلي عن التحفُظ معه، وهذا ما جعل علاقتهم تتقدم خطوات، يرغم فايا على الثقة به…. لكن أحيانًا تعود للتحفُظ حتى لو مكرًا هكذا حين تُدرك أنه يتلاعب بحبال الصبر لديها، يختبر ردود فعلها كما لو كان يمسك بخيط رفيع بين الجد والهزل… تعرف أنه لا يهدف فقط إلى التسلية، بل يريد أن يراها تتخلى عن حذرها طواعية، أن تعترف ولو دون كلمات بأنها لم تعد تتعامل معه كأي شخص عابر.
لكنها كانت أيضًا تعرف كيف تُعيد بناء جدرانها بسرعة، حتى لو كان ذلك مجرد تمثيل بارع… وهكذا، حين يُبالغ في استفزازها، ترد عليه بابتسامة خفيفة، تحمل في طياتها التحدي والمراوغة معًا، قبل أن تُلقي بكلماتها ببرودٍ محسوب:
إنت برغيك الكتير ده عالصبح هتسبب فى عطلة للشغل وأنا هنا عشان نشتغل ونخلص المشروع فى أقرب وقت من فضلك أنا هقفل الاتصال عشان أنا مش فاضية.
قبل أن يرد أغلقت الهاتف وهي تبتسم، تتكئ بظهرها على الفراش تشعر بإنتعاش خاص فى قلبها صفو ذهن أصبح يُسيطر عليها، عقلها أحيانًا يذمها لكن لابد من المُجازفة والخروج من شرنقة الماضي التي حبست روحها لابد أن تعود وتنطلق كما كانت مرحة كفراشة فى أرضها الواسعة.
بينما ضحك صهيب وهو يسمع صوت إغلاق الهاتف بعد إستفزاز فايا، هو على الطريق الصحيح، لكن ذلك لم يكن سوى جزء من اللعبة. فايا قد تبدو متحفظة، مترددة، وربما حتى منزعجة من استفزازه المتكرر، لكنه يعلم أن ردود فعلها ليست رفضًا حقيقيًا، بل مقاومة معتادة لمنع نفسها من الانجراف.
ابتسم صهيب وهو يلقي بالهاتف جانبًا، مستمتعًا بفكرة أنها اضطرت إلى إنهاء المكالمة بحدة، كأنها تحاول الهروب من تأثيره عليها… اصبح يدرك جيدًا أن هذا ليس هروبًا بقدر ما هو خطوة دفاعية منها، لكنه لن يسمح لها بالاحتفاظ بهذه المسافة طويلاً…
هو على الطريق الصحيح، يعرف أن هناك ماضيًا يجعلها تتوجس، يجبرها على البرود والاحتراس، لكنه لا يرى ذلك كعائق، بل كمفتاح يحتاج إلى الدوران في القفل الصحيح… سيواصل الضغط، الاستفزاز، والمراوغة، حتى تجد نفسها دون أن تدري قد تخلت عن حذرها… ووقعت في دائرته.
❈-❈-❈
بالشركة
بغرفة الإجتماعات ، كان اجتماعًا ثلاثيًا بين تاج وفراس وذلك الشخص الذي طالما حاول التواصل معهم سابقًا ، ها هو يحمل بباطنه عرضًا مغريًا
جلست تاج بظهر مستقيم، تختفي خلف ملامحها الجادة، بينما فراس بدا أكثر تحفظًا وهو يقلب القلم بين أصابعه… أما هو فكان مرتاحًا ، يضع ساقًا فوق الأخرى ويميل قليلاً للأمام، ابتسامته التي لا تُفسَّر تثير استفزاز من أمامه، لكن مع هذان الاثنان كان سخافة فى نظرهم لكن لابد من الهدوء
تحدث بصوت واثق، واضعًا ملفًا أمامهما:
الفرصة قدامكم
بفضول من تاج التقطت الملف، فتحت صفحاته ببطء، بينما عيناها تبحثان عن أي ثغرة، أي نقطة ضعف… أدارت الملف نحو فراس، تحلي بالهدوء،، شبك يديه أمامه وقال بلهجة حادة:
ﻤش فاهم قصدك إيه، وإزاي ده حصل
ضحك بخفة، ثم مال للأمام قائلاً بصوت يحمل نبرة ثقة:
إيه اللى مش مفهوم، أعتقد إن الملف واضح، إني بقيت شريك فى شركة مدين للعقارات بنسبة عشرة فى المية.
رفعت نظرها عن الملف، تلاقت عيناها بعينيه، تشعر أن شيئًا ما وراء كلماته… تفوهت بهدوء وثقة:
تمام ده الموجود بالملف، مش هسأل إزاي قدرت تقنع ميسون بالبيع، لكن أكيد فى هدف إنك تطلب إجتماع بينا إحنا التلاتة، رغم إنك أكيد عارف إن فى شريك رابع.
تذكر ذاك الشخص عرض ميسون عليه
[بالعودة إلى أيام قليلة مضت]
بعد مراوغة منه، وافق أخيرًا على مقابلتها، فالتقيا في أحد المطاعم الكبرى… نظراته تزن الأمور بحذر، بينما كانت هي تجيد لعبتها، تُلقي بالكلمات كما يُلقي الصياد طُعمه… لكنه لم يكن صيدًا سهلًا… كان صائدًا ذكيًا، يراقب فريسته قبل أن يُقرر إن كانت تستحق الوقوع في شِباكه أم لا.
ارتشفت ميسون قهوتها ببطء، وعيناها تراقب ملامحه المتزنة… لم يكن سهلاً كغيره، لم ينجذب بسرعة، ولم يبدُ مفتونًا بجرأتها المعتادة… بل على العكس، كان هادئًا، يدرس كلماتها وحركاتها كمن يحل شفرة معقدة.
تحدثت وهي تميل نحوه قليلاً، نبرتها مزيج من الإغراء والتحدي:
عندي لك عرض مُمتاز، صفقة مُربحة جدًا.
رفع حاجبه بخفة، ثم وضع كوبه برفق، وكأنه يمنحها لحظة انتظار متعمدة… ابتسم بزاوية فمه وسألها:
عرض إيه ده.
أجابته:
إيه رأيك تبقي شريك فى شركة مدين للعقارات بنسبة عشرة فى المية.
بداخله بدأ يشعر بالدهشة أولًا، ثم بتلك الغريزة الحذرة التي لا تفارقه أبدًا، لكنه لم يكن من النوع الذي يقفز على الفرص دون تفكير فيكفي ما تكبده من خساىر بمشروعه الأخير راح يتأمل ملامحها يبحث عن النوايا الخفية خلف ذلك العرض يُفكر…. هل هي فرصة حقيقية، أم فخ مغلف بواجهة براقة؟ قلبه ينبض بوتيرة أبطأ، بينما عقله بدأ يحسب المكاسب تفوه بهدوء ظاهري:
عشرة في المئة؟ العرض مغرٍ بلا شك، بس مش فاهم قصدك.
إبتسمت بخباثه وحاولت التلاعب هي الأخري:
صفقة، أو تقدر تقول مبادلة أو مُقايضة.
نظر لها مُندهشًا وتسأل بإستفسار
أنا مش النوعية اللى بتحب المُجازفة مش بقبل بأي عروض قبل ما أتأكد من المكاسب تجنبًا للخسائر.
ضحكت، ضحكة قصيرة لكنها حملت في طياتها نفاد صبر خفي:
أنا عارفة إنك رجُل أرقام، ولازم تحسب كل شيء.
إبتسم بثقة قائلًا:
أنا رجل يعرف قيمة كل شيء.
ومش بشتري كده عمياني زي ما بنقول بالبلدي”سمك فى ماية”.
ارتفع حاجباها للحظة، ثم مالت للخلف، تُخفي إعجابها ببرود مصطنع:
ومين قالك عرضي ميستحقش، وإنه سمك فى ماية.
أمال رأسه قليلاً، وكأنه يستمتع باللعبة، ثم قال بهدوء:
مش فاهم ياريت توضحي.
ساد الصمت بينهما للحظات، صمت ثقيل يحمل بين طياته معركة خفية بين صيادين، أحدهما يرمي طُعمه بمهارة، والآخر يقرر إن كان يستحق العضة أم لا.
ابتسمت ميسون ابتسامة واثقة، تضع ساقًا فوق الأخرى بينما تمسد طرف كوبها بأطراف أصابعها وكأنها تفكر في الخطوة التالية… لم تكن معتادة على هذا النوع من الرجال، أولئك الذين لا ينجذبون بسهولة ولا يُساقون خلف إغراءاتها المعتادة… كان أشبه بلوح شطرنج مُحكم، وكل حركة منها تحتاج إلى تخطيط دقيق.
تنهدت برقة، ثم قالت بنبرة وكأنها تُلقي بطُعم آخر:
انا عارفة إنك راجل اعمال مُمتاز، بدور دايمًا عن الربح الأكبر، الخطوة اللي ترفعك لفوق، وجود إسمك ضمن مساهمين فى شركة كبيرة زي شركة مدين،هيمنحك إمتيازات كتير.
تلاعب بالكوب أمامه قليلاً، ثم قال بثقة لا تخلو من تسلية:
أكيد ، بس لازم أعرف إيه المقابل؟ لأن أي استثمار ناجح لازم يكون له عائد يناسب قيمته.
ابتسمت بمكر، وهي تميل برأسها قليلاً وكأنها تزن كلماتها قبل أن تُلقي بها:
المقابل هو نفوذك في الشركة، وسُلطة تخليك تأخد قرارات مصيرية، ده غير إن وجودك مع مدين هيفتح لك أبواب جديدة في السوق.
ارتشف رشفة هادئة من قهوته، ثم رفع حاجبه بنظرة فاحصة:
وعشان أوصل لكل ده، إنتِ عايزة إيه بالظبط؟
ضحكت بخفوت، قبل أن ترد بسلاسة:
شراكة.. أو بالأحرى، تحالف يخدم مصالحنا سوا.
راقبها للحظات بصمت، قبل أن يميل للأمام قائلاً ببطء:
تحالف؟ ولا صفقة بمصالح غير مُعلنة؟
ضاقت عيناها قليلاً، وكأنها تُقيّمه من جديد، ثم تحدثت بإغراء :
قولتلك مُقايضة، أو مُبادلة.
ضحك بخفوت، ثم أسند مرفقه للطاولة، مُقتربًا بدوره، ليقول بصوت منخفض لكن ثابت:
ياريت بلاش ألغاز هاتي من الآخر.
لمعت عينيها قائله:
مُقايضة أو مُبادلة
بص، إنت عندك مدينة سكنية إنتهت وأصبحت خلاص للعرض على العملاء، وأنا عندي أسهم فى شركة مدين، إيه رأيك نبدل.
صمت الإثنان
يتبادلا نظرات طويلة، وكأن كلاهما يختبر الآخر، يزن خطواته قبل أن يقرر كيف يلعب. ث ارتشفت ميسون قهوتها مجددًا، وعادت تستند للخلف، قائلة بنبرة ثقة!
المدينة قصاد أسهمي فى الشركة،إيه رأيك.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه وهو يراقبها، يعلم جيدًا أن هذه اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت للتو… تلك الحمقاء أثبتت أنها طامعة لكن يبدوا أن سوء حظها ساقها إلى شخص لا يمنح شيئًا دون مقابل أكبر… أو لنقل، دون أن يكون هو الرابح الوخيد دائمًا.
عاد يتلاعب بالكوب بين أصابعه، وكأنه يمنحها لحظة لتعيد التفكير فيما طرحته.. ثم رفع عينيه نحوها بابتسامة جانبية:
المدينة قصاد أسهمك؟ عرض جريء. بس خليني أسألك سؤال… إنتِ واثقة إنك فاهمة قيمة المدينة السكنية الحقيقية.
لم تهتز ثقتها، بل زادت ابتسامتها اتساعًا وهي تضع الكوب جانبًا:
طبعًا… وعارفة إنك فاهم إن دي فرصة مش هتتعوض… ولازم تاخد قرارك بسرعة، لأن العرض مش هيستنى كتير.
ضحك بصوت خافت، قبل ان يتفوه بنبرة ثقة ولكنها تحمل نبرة تحدٍ خفي:
المشكلة مش في العرض، المشكلة في اللي بتقدمية، قيمة المدينة السكنية أعلى بكتير من قيمة الأسهم بتاعتك، كده أنا أبقي خسران.
تراقصت ابتسامة واثقة على شفتيها، قبل أن تميل نحوه قليلًا، وكأنها تود أن تهمس بسر خطير، لكنها نطقت بنبرة لا تخلو من مكر:
ومين قال إنك الخسران.
ضاقت عيناه قليلًا، وكأنها نجحت في استفزازه رغم هدوئه الظاهري، لكنه لم يمنحها متعة رؤيته مترددًا، فردّ بنبرة مشوبة بسخرية خفيفة:
أكيد خسران طبعًا… فرق كبير بملايين بين مكسب بيع الوحدات بالمدينة، وقيمة الأسهم.
ظل صامتًا للحظة، يراقبها بعينين تبحثان عن ثغرة في ثقتها، كذالك هي صمتت كآنها تُفكر فأمامها فرصة جيدة للربح وبيع أسهمها بسعر مُضاعف… تخلت قليلًا عن مكرها، وقالت بهدوء:
تمام ممكن نوصل لحل وسط بينا، يخلينا إحنا الإتنين كسبانين من الصفقة.
أومأ برأسه مُنتظرًا العرض الذي يدفعها هو بذكاء نحوه… فتفوهت بإستسلام:
أنا معايا رصيد فى البنك بمبلغ كبير، ممكن أدفع لك جزء من الفرق بين الأسهم، وبقية المبلغ أدفعه بعد ما أبيع الوحدات السكنية…وبكده محدش فينا يبقي خسران كمان سهل فى المستقبل يبقي بينا شراكة.
لمعت عيناه بظفر، لكن أخفي ذلك خلف البرود والتردُد المُصطنع منه،لكن ازدادت فى إلحاحها،وهو يدفعها نحو هدفه بسهولة وافقت طمعًا لا تدري أن ذلك الطمع قد يُكلفها خسارة مؤكدة لاحقًا.
على سؤال فراس عاد يبتسم وهو يستمع له:
واضح إن مدام ميسون باعت وكمان سجلت لك الأسهم في الشهر العقاري، يعني حضرتك بقيت شريك معانا فى الشركة دلوقتي وطبعًا….
قاطعه الآخر قائلًا:
لاء لازم توضيح بسيط،فعلًا مدام ميسون باعت وسجلت لى قيمة أسهمها،بس أنا مش فى دماغي أبقي شريك فى الشركة وإن كان ده له مُميزات كتير،لكن للآسف أنا قررت أنقل كل أعمالي الفترة الجاية خارج مصر،وعدم وجودي هنا فى مصر طبعًا هيبقي صعب اتابع الشغل هنا وأكيد هيبقى فى قرارات مهمة محتاجة موافقة مني…
رغم فهم تاج لتلميحاته المباشرة لكن تحدثت بسؤال مُختصر:
بمعنى..
اكمل سؤالها فراس الذي شبة جاوب بمكر:
بمعني إن حضرته بيعرض إننا نشتري الأسهم منه، ولا أنا فهمت غلط.
رمقه الاثنين بإنتظار لجوابه الذي لم يطول حين أومأ موافقًا براسه قبل أن ينطقها صريحة:
اللى أعرفه إن السيد فراس هو المسؤول عن حصة الشركة الانجليزية فى الشركة وأكيد لما تزود حصتها فى أسهم الشركة هيكون لها الصدارة طبعًا.
فهم فراس حديثه لكنه كان الأمكر حين قال:
والله الشركة الانجليزية لو عليها عاوزة تشتري أسهم الشركة كلها بس للآسف إنت ناسي قانون الاستثمار المصرى مُتعسف فى النقطة دي مع الإستثمار الخارجي ومحدد نسبة مقدرش أزود عنها، لكن ممكن مدام تاج تشتري الأسهم بإسمها طبعًا حسب سعر السوق المصري.
تنهد. الآخر للحظات شعر بأنه أمام إثنين مُحنكين ولن يستطيع استعمال دهاؤه معهما فتحدث بمراوغه كي يحصل على الثمن الاعلى
لكن هو أمام إثنين مُحنكين بل مُتفقين، فإضطر الى التراجع خطوة للخلف، محاولًا تعديل استراتيجيته، لكنه لم يجد منفذًا يناور منه… ابتلع ريقه وتسأل باستفسار:
يعني مدام تاج هي اللي هتشتري؟ بس طبعًا لازم السعر يكون مُرضي… أنتو عارفين إن الأسهم دي قيمتها عالية في السوق، والطلب عليها كبير، مش بس من الشركة الإنجليزية.
نظر إليه فراس بابتسامة جانبية، وكأنه يقرأ أفكاره قبل أن ينطق بها، ثم قال بهدوء محسوب:
أكيد… وعشان كده هنحدد السعر وفقًا لقيمة السهم الحالية في البورصة، مش وفقًا لرغبات شخصية.
ألقى الآخر نظرة سريعة بينهما، مستشعرًا أنه لا مجال للتلاعب أو المغالاة، فأدرك أن المناورة قد تنقلب ضده إن أصر… ابتسم ابتسامة باهتة، ثم قال باستسلامٍ محسوب:
تمام .. خلونا نتفق رسميًا، وكل شيء يكون واضح.
مد فراس يده إلى ملف كان قد أعدّه مسبقًا، ثم دفعه باتجاهه قائلاً:
تمام… العقد ده سبق تجهيزه لمدام ميسون، وطالما هي باعت لحضرتك… دي بنود الاتفاق، اطلع عليها براحتك… وبعدها اي بند مش عاجبك ممكن نتناقش فيه حسب مصلحة الطرفين.
بلا تردُد وافق على البيع فهي فرصة ذهبية له، بعد دقائق كان يمضي على عقد البيع ثم خلفه تاج.
تبسم فراس وهو يسحب ملف البيع نحوه قائلًا:
للآسف مدام تاج مسافرة النهاردة خارج مصر بس متقلقش أنا معايا توكيل مُسبق منها وإن شاء الله نتقابل بكرة فى الشهر العقاري نسجل عقد البيع والتنازل منك لها.
أومأ مُبتسمً، بعد قليل غادر وظل فراس مع تاج، نهضت قائلة:
يادوب ألحق أرجع للمزرعة، باقي الإجراءات دي بقي بتاعتك.
نهض هو الآخر وضمها قائلًا:
كده حق بابي رجع لينا من تاني.
اومأت راسها بدمعة تتلألأ بعينيها، بداخلهما تمنيا لو كان مازال حيًا لكنه القدر، والآن عاد لهما ما كان لهما من البداية، بقي نصف المزرعة وليست بيد شخص غريب عنهم بل قريب منهم لكن تحدث بحنانوهو
يُربت على كتفها برفق:
لسه باقي نص المزرعة، لكن مش مهم النص التاني في إيد حد غريب.
هزت رأسها موافقة، لكنها لم تستطع منع نفسها من التساؤل بداخلها:
ماذا بعد؟ هل ستظل المزرعة كما كانت؟ أم أن الأيام تخبئ لها شيئًا آخر؟
❈-❈-
للحكاية بقية
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" سعاد محمد سلامة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم غير معروف
رواية سهم الهوى “امرأة الجاسر” – الفصل الخامس والثلاثون
السهم السادس والثلاثون” الخاتمة 3″
بمنزل والدة جاسر
أصعب شيء هو أن تهرب من مكان يحمل بين شِعابه ذكرياتك، لكن مجرد تواجدك به تشعر بـالاختناق، كأن الجدران تضيق عليك والمساحات التي كانت يومًا مأوى لأجمل لحظاتك أصبحت عبئًا ثقيلًا على روحك… وكأن الزمن توقف عند تلك الذكريات، لكنه أفرغها من الدفء، وترك لك صدى المشاعر التي كانت يومًا تملأ المكان، لتصبح مجرد ظلال باهتة تذكّرك بما فقدته… فتتحول الذكريات من ملجأ يحتضنك إلى قيود تربطك بالماضي، تعيدك قسرًا إلى لحظاتٍ ظننت أنك تجاوزتها، لكنها تعود بكل قوتها لتنهش قلبك، تهمس لك بأن بعض الأماكن لا تُنسى، بل تظل تسكنك مهما حاولت الهروب…
قد يصير الهروب الآن هو ملجأك الوحيد ليس لتنسي لكن لتمنح روحك فرصة للتنفس بعيدًا عن وطأة الذكريات، لتلملم شتاتك بعيدًا عن الجدران التي تحفظ همسات ماضيك، لتبحث عن مكان لا يذكرك بمن كنت، بل يساعدك على اكتشاف كيف يمكنك أن تكون…
بالرحلة الأولى كُنت تبحث عن ذاتك والآن تود الهروب من ذاتك.. وكأنك عالق بين نقيضين بين ذاتٍ تحاول العثور عليها وذاتٍ تحاول التخلّص منها… تسير في طرقاتٍ ليست جديدة مازالت تحمل داخلك كل ما تحاول الهروب منه، فتدرك أن الهروب ليس في المسافات، بل في القدرة على التصالح مع ما كان، والمضي قدمًا دون أن تكون أسيرًا لعذاب من تسكُن بين كل شُريان بجسده، كأنها سهمً مسموم نزعهُ أقسي من نزفه، وكأن الألم ليس في الفقد ذاته، بل في آثاره التي تسري بجسدك كندبة لا تندمل… تحاول انتزاعها، لكنك تدرك أن بعض الجروح حين تُفتح من جديد، لا تُغلق بسهولة، بل تترك خلفها فراغًا أقسي ألمً.
تنفس بقوة وهو يجذب تلك الحقيبة الصغيرة، هي نفسها تلك الحقيبة الذي سافر بها قبل سنوات، خرج من الغرفة، غص قلبه حين رأي والدته تجلس بالرُدهة تضع يدها فوق وجنتها عيناها كانتا تنظران نحو الأرض، شاردة، وكأنها تحمل ثقل العالم فوق كتفيها… توقف للحظة، راقبها بصمت، ثم زفر بقوة، محاولًا تهدئة ذلك الاضطراب العاصف داخله.
أرادت أن ترفع رأسها، أن تبتسم له كما تفعل دائمًا، لكنها لم تستطع. لم يكن الوداع الأول بينهما، لكنه كان الأكثر وجعًا.
تقدم نحوها، وضع الحقيبة أرضًا وجثا على ركبتيه أمامها، أمسك يدها بحنان، فارتعشت أصابعها بين يديه، همس بصوت مبحوح:
محتاج تدعيلي، زي كل مرة.
أغمضت عينيها بقوة، تخشى أن تنهار أمامه، ثم ضغطت على يده وهمست بصوت مرتعش:
دُعائي معك دايمًا… لكن، قول لي، امتى هترجع.
أطبق جفنيه للحظة، ثم فتحهما وهو يبتسم نصف ابتسامة، لكنه لم يُجب… فهو نفسه لا يعلم متي يستطيع العودة.
امتدت لحظات الصمت بينهما، ثقيلة كأنها دهر، بينما كان يحاول جاهدًا أن يحفظ ملامحها في ذاكرته، أن يملأ عينيه بصورة والدته قبل أن يبتلعه الغياب مرة أخرى.
ضغط على يدها، كأن لمسته وحدها تستطيع أن تزرع الطمأنينة في قلبها، لكنه كان يعلم أن القلق سيظل جاثمًا على صدرها حتى يعود.
قال أخيرًا، بصوت هادئ لكنه محمل بثقل مشاعره:
هترجعيني بدعواتك، زي كل قبل كده.
رفعت رأسها أخيرًا، التقت عيناها بعينيه، فابتسمت رغم الوجع، وكأنها تحاول تصديقه، تصديق أن دعواتها وحدها قادرة على إعادته إليها سالمًا… رغم يقنها أنه عاد سابقًا فقط من أجل تاج.
رفع يديها إلى شفتيه، قبلهما برفق، ثم وقف وسحب الحقيبة، استدار نحو الباب بخطوات بطيئة، وكأن كل خطوة تبعده عنها تمزق جزءًا من قلبه…. وحين وصل إلى العتبة، استدار مرة أخيرة، نظر إليها نظرة طويلة أخيرة، ثم غادر، تاركًا خلفه وعدًا غير منطوق… وأملًا لم يخذلها يومًا.
سريعًا نهضت خلفه، لكن توقفت على عتبة الشقة وهي ترا ذلك الموقف
هالة تقف على بداية الدرج وهو ينزل بخطوات ثقيلة، حاول إحادة النظر لها لكن صوتها المُختنق بالدموع وهي تتحدث بندم:
خوفت أوصل متأخر وتكون مشيت.. جيت عشان أقولك سامحني.
توقفت خطواته عند درجتين فقط منها لكنه لم ينظر لها… أصابعه قبضت على مقبض الحقيبة بقوة، وكأنها الشيء الوحيد الذي يبقيه ثابتًا.
ظلت هالة واقفة امامه، وجهها غارق في الدموع، نظراتها تتوسل إليه، تنتظر منه نظرة.. كلمة… إشارة، أي شيء يدل على أنه سمعها.
زفر ببطء، ثم قال بصوت هادئ لكنه خالٍ من أي مشاعر:
في حاجات، حتى لو سامحنا فيها مبتتنسيش.
بتلقائية منها صعدت الدرجتين ورفعت يديها عانقته وهي تبكي،لوهله حَن قلبه وكاد يحتضنها لكن تذكر أن آخر سهم إخترق كان منها… ربما لو ظل ذلك الجنين بأحشاء تاج كان إختفي ذلك الألم المُضني الذي يشعر به، برفق أبعد يديها عنه وغادر، بينما هالة
رفعت يدها إلى فمها، تخنق شهقة كادت تفلت منها، بينما كان هو يكمل طريقه، يختفي تدريجيًا عن نظرها، تاركًا خلفه قلبًا مثقلًا بالندم… وقلبًا آخر لا يريد أن يلتفت للماضي بعد الآن.
تراجعت هالة خطوة للخلف، كأن كلماته ضربتها في الصميم… لم تتوقع أن يكون بهذه القسوة، لكنها أدركت أن الألم الذي سببته له لم يكن شيئًا يمكن محوه ببساطة.
وقفت والدته عند الباب، تراقب المشهد بصمت، قلبها ينقبض لرؤية ابنها يرحل بهذا الثقل في صدره…. تعرف تفاصيل ما حدث بسبب هالة، لكنها رأت الألم في عينيه، ورأت الندم في عينيها.
هالة مسحت دموعها بسرعة، ثم همست بصوت ضعيف، سمعه بوضوح:
أنا مش عايزاك تنسى… لأني مستحقش تسامحني، جيت عشان أقولك آسفة بس عارفة ان الآسف مش كفاية.
وصله صوتها الباكي ونبرة الندم، لكن لم يُبالي ومضى في طريقه، دون أن ينظر خلفه.
عادت والدته إلى الداخل، أغلقت الباب بهدوء، بعدما دخلت هالة، استندت عليه للحظة، وكأنها تحاول استيعاب كل ما حدث… التفتت لهالة التي كانت لا تزال واقفة في مكانها، ثم قالت بحزن:
بتمشي الناس من حياتكِ بسهولة، بس الرجوع مش بنفس السهولة، يا بنتي.
لم ترد هالة، فقط أغمضت عينيها بقوة، تدرك أن الخسارة التي تجرعتها اليوم… أقسي خسارة بحياتها.
❈-❈-❈
بالطائرة
بينما كانت الطائرة تستعد للإقلاع، ظل جاسر يُحدق عبر النافذة، عينيه تائهتان في الأفق البعيد… ذلك الفناء الواسع الذي يراه أمامه لم يكن مجرد مدرج طيران، بل مساحة ممتدة من الأفكار المتشابكة والذكريات التي تطارده.
تنفس بعمق، محاولًا تهدئة نبضات قلبه التي تسارعت بلا سبب واضح… أغمض عينيه للحظات، مستسلمًا لثُقل الأفكار، قبل أن يُفتح حين سمع:
من فضلك ممكن نبدل فى الأماكن أنا بحب أقعد جنب شباك الطيارة، عشان بحب منظر السحاب و…
فتح جاسر عينيه ببطء كأن ذلك الصوت كان يتردد براسه ليس حقيقة يخشي أن يفتح عيناه على سراب، لكن إتسعت عيناه حين خفق قلبه بتسارع وهو يرا تلك البسمة على شفاه تلك الواقفه، وأستطردت حديثها بنبرة أخري نبرة عشق وهي تُخبره بـإشتياق:
وحشتني يا جاسر.
تجمد للحظة، وكأن العالم من حوله فقد صوته، لم يبقَ سوى صوتها يتردد في أذنيه… نظر إليها مطولًا، وكأنه غير مصدق لما يسمع ويرى…تاج تقف أمامه بابتسامتها التي لم تتغير، بعينيها اللتين طالما غرق فيهن، وبذلك الشوق الذي لم تستطع إخفاءه حتى وسط الزحام.
ازدرد ريقه، محاولًا استجماع كلماته، لكنه لم يجد سوى اسمها يخرج من بين شفتيه بصوت مبحوح:
“تاج الياسمين… حبيبتي”
ابتسمت أكثر، وكأنها كانت تنتظر سماع اسمها بصوته… ثم تدللت قائلة:
هتسيبنيي واقفه كده فى الممر الطيارة قربت… وقف سريعًا غير مُهتم بوجود أحد جذبها يضمها بقوة، بادلته العناق وهي مُبتسمه، ثم قالت بهمس:
جاسر إحنا فى الطيارة والرُكاب بداوا يبصوا علينا، بصعوبه ترك عناقها، أفسح لها المكان حتي جلست جلس بجانبها،إبتسم حين وضعت تلك الحقيبة الصغيرة على قدميها قبل أن تميل نحوه قليلًا وتهمس:
“مش قولتلك قبل كده إنك مش هتعرف تهرب مني”.
إبتسم وهو يضمها لصدره قبل رأسها يتذكر متي قالت تلك الجملة قائلًا:
مكنتيش وهم يا تاج إنتِ كنتِ جانبي ليلة ما كنت محموم.
إبتسمت برقة تومئ برأسها تتذكر تلك الليلة
[بالعودة لليلة المرض]
كانت تاج بحالة حزينه وهي تتذكر تنازل جاسر لها عن تلك الاسهم، تلوم قلبها على أنها مازالت تُحب جاسر، جاسر الذي إختصر حكايتهما فى قيمة تلك الأسهُم، هي لم تكُن تودها بل ودت أن يقول لها” أُحبك” لنعود ونبدأ من بداية قصتنا وننسي كل ذلك الفُراق كآنه لم يحدث، لكن هو ظن كعادته أنها تخلت عنه مقابل تلك الأشياء المادية… بوسط ذلك الضنين بقلبها صدح رنين هاتفها، جذبت الهاتف ونظرت له، تفاجئت بمن تتصل عليها همست بذهول:
مامة جاسر… أول مرة تتصل عليا من سنين.
بقلق تمكن من قلبها نحت التردُد والإندهاش وقامت بالرد عليها، لم يكُن هنالك مُقدمات بل تفوهت والدة جاسر بلهفة وقلق:
تاج جاسر مريض.
لم تنتظر وازاحت عنها الدثار ونهضت شغرت ببعض الألم فى جسدها الذي لم يُشفي بالكامل، فى ظرف دقائق كانت تطرق باب منزل والدة جاسر، التى فتحت لها تحدثت تاج بإندفاع جاسر.
أشارت لها بيدها نحو غرفته، دلفت مباشرة الى الغرفة وسط ذلك الضوء الخافت الغرفة، كان جسد جاسر يحترق بالحمى، يتلوى بين وعيٍ وهذيان… أنفاسه ثقيلة، وقطرات العرق تبلل جبينه… حاول أن يفتح عينيه، لكنه لم يستطع، كل شيء كان ضبابيًا، مختلطًا بأصوات مشوشة.
لكن بين تلك الفوضى، كان هناك شيء ثابت… لمسة باردة على جبينه، يد ناعمة تهدّئ ارتعاشه، وصوت همس بالكاد وصل إليه:
جاسر… أنا هنا.
حاول أن يستوعب، أن يميّز الصوت… كان مألوفًا، قريبًا، دافئًا بطريقة لم يكن يتوقعها… حاول أن ينطق اسمها، لكن صوته خانه، ولم يخرج سوى همهمة ضعيفة… شعر بحركة خفيفة بجانبه، ثم بقطعة قماش مبللة تُمسح على وجهه، تُطفئ لهيب الحمى قليلًا وصوت دافئ يقول:
هتكون كويس، بس لازم تهدى.
عقله يُخبره أنها تاج… لا مجال للشك.
حتى وسط الهذيان، حتى وهو يغرق في الحرارة التي تسلبه إدراكه، عرف أنها هي… لم تتركه، لم تتردد في البقاء بجانبه رغم كل شيء… قبل أن يغرق مجددًا في غيبوبة الحمى، لم يكن آخر شيء شعر به هو الألم… بل دفء لمسة يديها، وراحة وجودها قربه.
ظلت الى جواره حتى الصباح، دخلت والدة جاسر تنظر الى تاج التي وضعت يدها فوق جبين جاسر تنهدت براحة قائلة:
السخونية تقريبًا راحت ونام.
نظرت لها لاول مرة تشعر بالندم، رؤيتها لملامح تاج وقت دخولها واضحة، تاج تعشق جاسر مثلها وأكثر، لكن هي إستسلمت لضغائن هالة وعاملتها بإزدراء رغم ذلك تاج لم تُسئ لها، كل ما فعلته كانت تحاول تجنبها فقط، وهي تعتقد أن ذلك كان تعالي من تاج، لكن لحظة وضحت الحقيقة كانت تتعمد من زاوية واحدة،زاوية الغضب والحقد التى غرستها هالة إبنتها بقلبها، لكن هنالك حقيقة أخري واضخة بيانً أنامعا
تقدمت ببطء، ثم جلست على طؤف الفراش بالقرب منهما، مترددة للحظات قبل أن تقول بصوت خافت، لكنه محمل بالكثير:
سهرانه طول الليل.
رفعت تاج عينيها إليها، وكأنها تفكر في كيفية الرد وأختارت الصمت
تعمدت تأمل ملامح وجهها، لم يكن فيه غرور أو تعالٍ كما اعتقدت سابقًا، بل كان مليئًا بالقلق والحب الصادق… شعرت بأن جدارًا داخليًا بدأ في التصدع، لكنها لم تكن مستعدة للاعتراف بعد.
تحدثت بهدوء:
جاسر شكله مرتاح، يمكن عشان إنتي هنا.
قالتها، ثم مدت يدها لتعدل الغطاء فوق جسد جاسر، وكأنها تعترف، ولو بصمت، بأنها أخطأت.
تنهدت تاج وهي تنظر الى جاسر الغافي ونهضت غصبً حين صدح رنين هاتفها، جذبت حقيبتها من على الارض وأخرجت الهاتف، سُرعان ما نظرت اليه ثم نظرت الى والدة جاسر مُبررة:
ده فراس هطلع أكلمه بره عشان مقلقش جاسر.
أومأت لها برأسها، حتى أنها خرجت خلفها توقفت والدة جاسر في مكانها، تراقب تاج التي كانت تتحدث بجدية مع فراس، نبرتها حاسمة لا تحتمل جدالًا… لم تكن مضطرة للبقاء، لم يكن أحد سيحاسبها لو رحلت، لكنها اختارت البقاء بجانب جاسر، رغم كل شيء.
قطبت حاجبيها وهي تستمع إلى بقية حديثها:
مش مهم أي حاجة دلوقتي غير جاسر، مش هسيبه وهو تعبان، فـ بلاش تحاول تقنعني، قراري نهائي.
صمتت للحظات، ثم زفرت بضيق، وكأن فراس كان يصر على رأيه، لكنها ردت بحزم:
قولت اللي عندي، خليني أقفل دلوقتي.
أنهت المكالمة وأخفضت الهاتف، ثم وضعت يدها على جبهتها بإرهاق… كانت تبدو مرهقة، لكن عينيها تحملان عزيمة لا تنكسر.
لم تستطع والدة جاسر منع نفسها من التقدم نحوها، قائلة بنبرة أكثر لينًا هذه المرة:
هتسبتي سفرك عشانه.
رفعت تاج عينيها إليها، لثانية بدا وكأنها تفكر في إجابة دبلوماسية، لكنها في النهاية لم تحاول التهرب:
أيوه… مش هرتاح وأنا سايباها كده.
راقبتها بصمت، للحظات لأول مرة منذ زمن، لكت عاد رنين هاتف تاج، نظر الأثنين الى الهاتف… اغلقت تاج الهاتف، بينما تفوهت والدة جاسر:
واضح إن الأمر مهم، رُدي عليه يا تاج، وبلاش تترددي.
ردت تاج بتلقائية:
أنا مش مُترددة يا طنط اهم حاجه عندي صحة جاسر .. وأي حاجه تانية تتعوض أو إنشاله ما إتعوضت.
ندم أكبر يغزو قلب والدة جاسر، كيف لم ترا ذلك سابقًا، ساهمت بطريقة غير مباشرة بعذاب قلب جاسر مع تاج…
ظنًا أنها لا تُحبه وتخلت عنه وتركته وقبل ذلك تسببت فى الأذي لـ هالة.
تركتها تاح وعادت الى غرفة جاسر، جلست جواره فى صمت… بينما جلست والدة جاسر بالردهة تزم نفسها… دقائق وسمعت جرس المنزل، نهضت تفتح نظرت الى فراس الواقف أمامها، رحبت به وهو تقبل ذلك بود منها ثم دلف سائلًا:
تاج فين.
أجابته وهي تُشير نحو تلك الغرفة:
تاج مع جاسر جوه فى الاوضة.
توجه الى نحو الغرفه تنحنح نظرت له تاج بغضب واشارت له بالصمت،ونهضت تسحبه من يده الى ان خرجا من الغرفة نظرت له بغضب قائلة:
قولتلك اجل السفر.
تنهدت فراس بتصميم قائلًا:
تاج أنا جهزت كل حاجه فى لندن ولازم نسافر إنتِ عارفة النظام هناك صارم مش هنا.
تنهدت تاج بتأفف:
مش مهم…مش هسافر وجاسر…
فهمت والدة جاسر ان هنالك أمر هام ولابد من سفر تاج…تفهمت ذلك وأقتربت منهما قائلة:
انا آسفه مش تدخل مني،بس واضح الامر هام،جاسر بقي بخير يا تاج،سافري ومتقلقيش عليه.
-مستحيل.
قالتها تاج فإبتسمت والدة جاسر، وهي تُربت على كتفها وفراس يحاول إقناعها بالسفر طالما تحسنت حالة جاسر لكن تصميم تاج، بصعوبة أقنعتها والدة جاسر، تنهدت بموافقة مُرغمة قاىلة لـ والدة جاسر:
أرجوكِ يا طنط هتصل عليكِ إبقي ردي عليا وطمنيني على جاسر.
إبتسمت لها ولرجائها بالتأكيد ستظن أنها ستعود لجفائها القديم، لكن هي وعدتها وبالفعل سافرت تاج وعقلها وقلبها مع جاسر، وصدقت والدة جاسر وتبدلت معاملتها مع تاج أصبحت لطيفة.
عادت تاج تنظر إلى جاسر حين شعرب به يضمها كأنها كنزه الثمين الذي يخشى أن يفقده..د شعرت بحرارة أنفاسه تلامس جبينها، وذراعيه تحيطان بها بحماية كانت تفتقدها من قبل… لم تقل شيئًا، فقط أغمضت عينيها للحظة، متذوقة ذلك الشعور المُميز الذي يتسلل إلى قلبها، مزيج من الأمان الشوق والإحتواء.
همس جاسر بصوت خافت، لكنه كان كفيلًا بجعل قلبها يضطرب:
“تاج الياسمين”
رفعت رأسها لتنظر إليه، إلى عينيه اللتين تفيضان بوهجٍ دافئ، كأنهما مرآة لمشاعره التي لم يعد يحاول إخفاءها… في نظراته وعدٌ صامت، واعترافٌ غير منطوق، لكنه أكثر وقعًا من ألف كلمة.
حاولت تاج أن تحافظ على هدوئها، أن تتمسك بذلك الجدار الذي شيدته بينهما، لكنها شعرت به يتصدع أمام احتوائه لها…
مدّ يده يرفع خصلة من شعرها أبعدها عن وجهها، ثم همس من جديد، بصوتٍ خافت لكنه كان كالسحر الذي اخترق دفاعاتها:
ما تروحيش مني تاني، تاج.
تعلقت أنفاسها، وتعلقت عيناها بعينيه، لكن الكلمات ظلت عالقة بين شفتيهما…يكفي ذلك الدفئ بقلبيهما.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أيام
هُنالك بشر فُقدان المال لديهم أصعب من فقدان الأبناء
ها هي تسمع صافرة إنهاء تلك المُحادثة الهاتفية التى صدمتها بأن ذلك التى تبادلت معه بأسهمها بالشركة وليس هذا فقط بل أعطته ما كانت تمتلكه من أرصدة فى البنوك، أصبحت مُجردة من كل ذلك، فى مقابل خدعة، خدعها ذلك النصاب الذي نسج لها الفخ بإحكام، مدينة سكنية كاملة جاهزة على بيع الوحدات وجاهزة لتحقيق أرباح خيالية، لكن كل ذلك لم يكن سوى سراب… شعرت ببرودة تسري في أوصالها، وكأن الحياة انتزعت منها دفعة واحدة… لم تكن مجرد خسارة مالية، بل كانت ضربة في صميم كيانها، في قدرتها على قراءة الأشخاص، في ثقتها بنفسها…
كيف لم تلاحظ؟ كيف لم تشك للحظة أن هذا كله كان مجرد خدعة مُحكمة؟ كانت تُردد دائمًا أن المال لا يُعوض، لكنه اليوم ذهب مع كرامتها، مع سنوات من الجهد والتخطيط. ضغطت على هاتفها بعصبية، عيناها مسمرة على الشاشة وكأنها تأمل أن يظهر اسمه مجددًا، أن يرد عليها، أن يُبرر، أن يُعيد إليها شيئًا مما فقدته…
لكن الهاتف كان يرد بالصمت القاتل، ألقته على طول ذراعها فخبط بتلك المرآة التى تناثر زجاجها على ألارض
في كل مكان، تمامًا كما تناثرت أحلامها، كما تبعثر كل ما ظنت أنه ثابت في حياتها.. حدقت في شظايا المرآة الملقاة على الأرض، فرأت انعكاس وجهها المرتجف، وعينيها المتسعتين بصدمة لا تزال تعصف بها… شعرت بوخزة في كفها، نظرت لتجد قطرة دم تنزلق ببطء على بشرتها، لكن الألم الجسدي كان تافهًا أمام الطعنة التي تلقتها في كرامتها. جلست على الأرض وسط الفوضى، ويداها تتشابكان في شعرها كما لو كانت تحاول أن تستعيد توازنها المفقود… تلوم ذاتها بهذيان:
كيف سمحت لهذا أن يحدث؟ كيف كنتُ بهذه السذاجة…
تمتمت بصوت مبحوح، بينما عقلها يستعيد المشاهد الأخيرة معه، كلماته الناعمة، وعوده المُحكمة، الخطط التي بدت مثالية، وكيف سحبها إلى فخ لا مخرج منه.
لكن لا… لا يُمكن أن ينتهي الأمر هكذا. لن تكون ضحية سهلة. مسحت دموعها بعنف، نهضت ببطء، وألقت نظرة أخيرة على الشظايا المتناثرة حولها إلتقطت هاتفها قبل أن تخطو بحزم خارج الغرفة…نظرت الى هاتفها الذي تهشمت شاشته لكنه مازال، يعمل، قامت بإتصال على أمل ان تجد مخرجً…
بالفعل أتاها الرد، حدثته بطريقة هجومية:
إنت المحامي بتاعي، شوفلي حل في الكارثة اللي أنا فيها.
قالتها بصوت مرتجف لكنه مغطى بغلاف من الغضب، كأنها تحاول أن تتمسك بما تبقى لها من قوة.
جاءها صوته هادئًا لكنه متوجسًا:
للآسف زي ما قولتلك إنتِ وقعتي فى فخ كبير، أرض المدينة السكنيه، أرض مملوكة للحكومة والمجرم قام بالسطو عليها بوضع اليد وفكر برشوة بعض الموظفين إن كده بقت ملكه بشكل قانوني وبنى عليها المدينة السكنيه، بس يظهر إختلف مع بعض الموظفين فقام بتحريك الحكومة ودخله فى نزاع مع الحكومة وإتحولت القضية للمحاكم المُختصة وإتحكم فيها، وهو قدم أكتر من إستىناف، وكان واضح إنه هيخسر القضية والمدينة هترجع للدولة، وفى الفترة دي للآسف قدر يقنعك، ومعرفش إزاي قدر يخدعك بسهولة.
قبضت على الهاتف بقوة، وكأنها تحاول انتزاع إجابة مرضية، تفوهت بتعاسة:
يعنى اللي حصل إن كل حاجة راحت! الأسهم، الأرصدة، المدينة السكنية… كل حاجة كانت باسمي، كل حاجة وثقت فيها… كانت خدعة! أنا اتنصب عليا.
ساد صمت للحظات، ثم جاء صوته أكثر جدية: “للآسف ده اللى حصل.
مررت يدها على جبينها في إحباط، تبحث في ذاكرتها عن أي ثغرة، عن أي شيء قد ينقذها من هذا المستنقع، ثم تمتمت:
إزاي كل حاجة كانت قانونية على الورق… لكن الورق نفسه مزور، أنا متأكدة، بس ماعنديش دليل واضح! لازم تلاقيلي مخرج، لازم أرجع حقي.
أطلق المحامي زفرة طويلة قبل أن يقول بجدية:
إسمعيني… الموضوع ده مش سهل، بس في حلول. لازم تقابلي حد مختص في الجرائم المالية، ولازم نتحرك بسرعة قبل ما يختفي النصاب ده من على وش الأرض.”
ضغطت بأسنانها على شفتيها، إحساس المرارة يملأ حلقها:
أنا مش هستسلم… حتى لو كانت معركة طويلة، أنا اللي هكسبها.
والمحامي يخشي قول الحقيقه التي تحاول رفضها، أن الامل فى ذلك معدوم، وأنها فقدت كُل ما باعت من أجلهُ مبادئها وقبل من ذلك شرفها التي دنسته وفى النهايه ها هي الآن يصرخ عقلها وهي تشعر أنها إفتضح أمرها وأصبحت عارية على مرأى الجميع.
صرخ عقلها تهزي وهي تضم يديها حول جسدها كآنها تستر بهما وهي تلوم وتزم فى تاج، لكن فجأة ضحكت بهستريا كأنها فقدت عقلها
❈-❈-❈
بقاعة كبيرة وفخمة
أصبح الحِلم حقيقة، ها هو العدد الاول من تلك الجريدة الهزلية يصدُر، ويحظي بصدى واسع
كذالك نشاط كبير للموقع الاليكتروني الخاص بالجريدة ومشاهدات عالية، نجاح غير متوقع لـ آسر نفسه، تبسم لـ أمينة التى تُصفق له لمعت عيناه بوميض خاص
في تلك اللحظة، شعر بانتصار لم يذقه من قبل… وسط تصفيق أمينة، وتدافع التهاني من حوله، كان عقله يعيد شريط الأيام التي قضاها في التخطيط والعمل… لم يكن يتخيل أن هذا المشروع، الذي بدأ كفكرة ساخرة، سيتحول إلى صرخة مدوية تصل إلى هذا الجمهور الواسع… رمق أمينة بنظرة امتنان، عيناه تلمعان بذلك البريق الذي يسبق الإلهام، لكنه لم يسمح لنفسه بالغرق في لحظة النشوة… يُدرك أن النجاح الأول ليس سوى بداية، وأن الحفاظ عليه سيكون التحدي الحقيقي.
اقترب منها هامسًا وسط الضجيج:
بدأنا للتو..
ارتفع حاجباه بثقة، بينما كانت أمينة تواصل تصفيقها، تشاركه الشعور بالنصر، لكنها تعلم جيدًا أن مع كل نجاح، هناك بداية لخطوة أكبر.
❈-❈-❈
بـ إسبانيا… في أحد الفنادق الفخمة
فتح جاسر عينيه ببطء، شعر بضغط خفيف على ذراعه، فحول نظره إلى تلك التي تُعطيه ظهرها، ما زالت غافية فوق يده، أنفاسها منتظمة كنسيم هادئ.
لم يحرك ساكنًا، فقط تأمل خصلات شعرها المبعثرة على الوسادة، وكتفها العاري الذي تسلل الغطاء عنه قليلًا. للحظة، شعر بانبساط خ في صدره… وهو مُستلقيًا جوارها
حاول سحب يده ببطء حتى لا يوقظها، لكن مع أقل حركة، تمتمت بشيء غير مفهوم وهي تتشبث به أكثر، وكأنها تبحث عن الأمان بين ذراعيه حتى في غفوتها… تبسم بإستمتاع وإقترب منها أكثر يضمها بين يديه يُقربها لصدره واضعًا قُبلة رقيقة فوق كتفها العاري.
همهمت تاج مُستمتعة بذلك وبذلك الدفئ
إستمتع استجابتها الناعسة، تلك الهمهمة الرقيقة التي بدت وكأنها اعتراف ضمني بقبولها قربه.. شعر بارتعاشة خفيفة تحت شفتيه، فابتسم بخفوت، مستمتعًا بتلك اللحظة التي بدا وكأن الزمن توقف فيها، لا شيء موجود سوى دفء جسدها الذي ينسجم مع أنفاسه… حرك أصابعه ببطء، يمررها على ذراعها العاري، يتلذذ بملمس بشرتها المخملية. لم يكن يريد إيقاظها، لكنه أيضًا لم يكن قادرًا على منع نفسه من استغلال تلك الثواني التي يبدو فيها أنها ملكه تمامًا، بلا حواجز، بلا كلمات، فقط شعور رقيق يُلامس روحه قبل جسده.
أحكم ذراعيه حولها أكثر، يدفن وجهه في خصلاتها الناعمة، يغمض عينيه مستسلمًا لذلك الإحساس الذي يتدفق داخله… لم يكن يريد أكثر، فقط أن تبقى هنا، قريبة منه، حيث ينتمي قلبه حتى لو لم تعترف بذلك بعد.
شعرت تاج بذلك الاحتواء، فتنهدت بعمق، وكأنها تطمئن لوجوده، ثم تمتمت بكلمات غير واضحة، قبل أن تتحرك قليلًا بحثًا عن وضعية أكثر راحة بين ذراعيه.
ابتسم جاسر، متابعًا كل حركة صغيرة منها كأنها لغز يحاول فك شيفرته. مرر أنامله فوق ظهرها برقة، وكأنه يحاول طمأنتها أكثر دون أن يُفسد غفوتها… لكنها، رغم سباتها، كانت تستشعر لمسته الجريئة.. تسلل بعض الخدر اللذيذ في أوصالها جعلها تتململ قليلًا، قبل أن تفتح عينيها بتثاقل.
للحظات، لتستوعب موقفها، تشعر بالدفء تنهدت قائلة بتحذير :
جاسر
إبتسم جاسر هامسًا:
صباح الخير، “فارستي”.
همس بصوته الأجش بجانب أذنها، نغمة صوته المبحوحة من أثر النوم تسللت لعقلها كالتيار، فأغمضت عينيها للحظة قبل أن تهمس بتلعثم:
صباح الخير
لكن قبل أن تفكر في قول شيء آخر، شعرت به يُضيق ذراعيه حولها أكثر، لتجد نفسها محاصرة بينه وبين صدره الدافئ. وكأنها سجينة بينهما… إبتسمت بصفاء، وإستدارت بوجهها له، تنظر الى ملامحه
رفع جاسر رأسه قليلًا، وعيناه تجولان في ملامحها، وكأنه يحاول حفظ كل تفصيلة منها. مرّر أنامله ببطء على وجنتها، ثم وضع قُبلة على جانب شفتيها… وابتسم ابتسامة صغيرة قبل أن يهمس:
صباح تاج الياسمين.
حاولت تاج التظاهر بالتماسك، لكنها شعرت أن وجهها يُحترق، فعضت شفتها دون أن تجيبه حاولت الفكاك من حصار يديه… ضحك بخفوت، ثم اقترب أكثر حتى كاد أنفاسه تلامس شفتيها، وهمس بصوته المبحوح:
أنا مش ناوي أسيبك تفلتي، فبلاش تحاولي تهربي.
إبتسمت وهي ترل نظرة عيناه الصادقة تشدها إليه كأنها مغناطيس… ابتلعت ريقها وهمست بصوتٍ خفيض:
وأنا مستحيل أهرب منك.
رفع حاجبًا وكأنّه يختبر صدقها، ثم فجأة، وبحركة سريعة، انقلب بها ليجعلها تحته، مُحاصرًا إياها بجسده… شهقت تاج، رفعت يديها تُعانق بهما عُنقه، تحولت ابتسامته الماكرة، هامسً بشغف:
إنتِ متأكدة
لم تجد ما ترد به، فأغمضت عينيها للحظة تستجمع شتات نفسها، لكنها شعرت بأنفاسه تقترب أكثر، وكلماته تتسلل كهمس دافئ:
إنتِ فارستي… وسهم الهوى اللي صابني.
إبتسمت بدلال وهي تُمسد على عُنقه باناملها قائلة:
على فكرة لازم نرجع مصر فى أقرب وقت، خلاص فايا وصهيب زفافهم آخر الشهر، كمان خطوبة فِراس.
إبتسم لها وإدعي العبوس قائلًا:
بصراحة بفكر نفضل هنا بعيد لوحدنا.
ضحكت وهي تُمسد بخفة على صدره قائلة:
ـبطل دلع بقى، إحنا هنا شبة فى منفى لوحدنا.
ثقل عليها أكثر، يُحاصرها بجسده ، وعيناه تتأملان ملامحها العاشقة قبل أن يهمس بمكر:
ـ وإيه المشكلة منفى جميل؟! منفى أنا وإنتِ وبس.
تنهدت بتسليم، لكنها رفعت حاجبها بمكر مماثل:
ـ يعني إنت ناسي إن “تاج فريد مدين” عليها التزامات… المزرعة، الشركة، العيلة…
ضحك بخفوت وهو يلامس أنفها بأنفه:
ـ مش ناسي… بس بردو مش ناسي إن “تاج فريد مدين” مراتي، ولازم أكون أكتر شخص تهتم بيه وبس.
ابتسمت وهي تُمسد على وجنته، ثم همست برقة:
طيب نرجع مصر، وبعدها أشوف ههتم بيك إزاي.
تنهّد بعبث مستسلمًا، لكن تخابث بثُقل جسده فوقها، شدها أكثر تحت وطأة جسده، يراقب ملامحها التي توهجت بالاعتياد على لخظات جنونه، ثم همس بصوت أجش، يعبث بصبرها:
مش مستعجل، بس عايز أعرف.. هتهتمي بيا إزاي.
حاولت أن تتحرر قليلًا من حصاره، لكن يده كانت أسرع، تُحكم قبضتها على خصرها، لتستسلم، قائلة بمرح:
جاسر… كفايه دلع بقي.
ضحك بخفوت وهو يلامس طرف شفتيها بأنامله:
إنتِ مش فاهمة.. أنا مش بدلع، أنا بس بطالب بحقوقي، ولا نسيتِ إنك مراتي دلوقتي.
أغمضت عينيها للحظة، تتنفس بعمق قبل أن تفتحها وتغمز بمكر، تدفعه عنها برفق وهي تنهض:
مراتك اللي لازم تفكر معاها في تجهيزات فرح أختها، وخطوبة أخوها، بدل ما تفكر في حقوقك وبس.
ضحك بإستمتاع وصفو وهو يأثرها بغمرة مشاعرهُ التى تحررت وأجبرت مشاعرها هي الاخري على التحرُر، بعد وقت
فتحت عينيها ببطء، ووجدته يُحدّق بها بنظرة جعلت قلبها يغمره الدفئ… لم تستطع النطق، فقط اكتفت بالنظر إليه… تشعر بنبضات قلبه فوق قلبها الذي لم يعد لها وحدها مُنذ أن تعرفت على ذلك الصبي الذي علمها ليس فقط الفروسية بل مبادئ العشق.
الرواية لسه لها خاتمة مطولة بالأفراح.. يتبع.. (رواية سهم الهوى “امرأة الجاسر”) .
رواية سهم الهوى "امرأة الجاسر" سعاد محمد سلامة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم غير معروف
رواية سهم الهوى “امرأة الجاسر” – الفصل السادس والثلاثون 36 – الخاتمة الأخيرة
أغمضت عينيها للحظة، تتنفس بعمق قبل أن تفتحها وتغمز بمكر، تدفعه عنها برفق وهي تنهض:
مراتك اللي لازم تفكر معاها في تجهيزات فرح أختها، وخطوبة أخوها، بدل ما تفكر في حقوقك وبس.
ضحك بإستمتاع وصفو وهو يأثرها بغمرة مشاعرهُ التى تحررت وأجبرت مشاعرها هي الاخري على التحرُر، بعد وقت
فتحت عينيها ببطء، ووجدته يُحدّق بها بنظرة جعلت قلبها يغمره الدفئ… لم تستطع النطق، فقط اكتفت بالنظر إليه… تشعر بنبضات قلبه فوق قلبها الذي لم يعد لها وحدها مُنذ أن تعرفت على ذلك الصبي الذي علمها ليس فقط الفروسية بل مبادئ العشق.