تحميل رواية «شخوص متداخلة» PDF
بقلم .
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لم يكن مجرّد كابوس، بل شعرتُ أنّني كنت هناك حقًّا. في زاويةٍ منسية من جنوب المدينة، حيٌّ عجوز يتكئ على العتمة، شاحبٌ كأنّما مرّت عليه كلّ الحروب ولم يُكتب له أن يموت. كلّ شيء فيه يئن: الجدران المشققة، العمارات البالية، الأرصفة التي حفرتها أقدام الهاربين من مصيرٍ مجهول. وفي قلبه، منزلنا. المنزل الذي يُشبه أبي؛ مُنهك لكنّه واقف، يتلقى العواصف ولا يشتكي. اعتدتُ أن أقول لنفسي إن هذا المكان ينام، لكنه في الحقيقة لا ينام... بل يترقّب. النّاس هنا لا ينادون الشوارع بأسمائها الحقيقية، بل بألقاب ولدت من ا...
رواية شخوص متداخلة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم .
منذ الطفولة، كنت أتخيل اليوم الذي يأتي فيه فارسي الوسيم، ليعترف بحبه لي كما يفعل الأبطال، فارس مختلف، مميز، يحمل في قلبه حبًّا عظيمًا لي. كانت أحلامي وردية، بريئة للغاية، لكنها ما عادت تثير اهتمامي مع مرور الوقت. كبرت قليلًا، ثم شاء القدر أن تأتي ليلة جعلتني أكبر بثلاثة عقود في يومٍ واحد. نعم، انكسرت، خُذلت، وتهشمت. لكن إيماني بالله أعاد إليّ قوتي، فأعدت ترميم نفسي، ونهضت من جديد. زُرعت بداخلي قوة عظيمة، مكرّمة، لا يكاد الموت يرعبها. قوة، شجاعة، عزيمة، وإصرار... وُلدت "ماتيلدا" من جديد. ومضت أيام هادئة، حتى ظهر فارسي. دخل حياتي المظلمة دون سابق إنذار، وأضاف لها نورًا ساطعًا، نورًا تبِعه نور. بدأت بإعجاب، ثم صداقة نقية، زرعت في قلبي مشاعر دافئة، فانبثق من بين أنفاسي حبٌّ عظيم، كاد أن يُسمى عشقًا خالدًا، وشغفًا لا نهاية له. أحببته... وانغمست فيه. رأيت فيه تعويضًا إلهيًّا، أصبح حياتي كلّها، وأصبحتُ أنا ملكته. قدّم لي الحب، فوهبته روحي، وأحاسيسي، وكل جوارحي ومشاعري.
---
تركيا – إسطنبول – 2011
ترجّلت من سيارتي وأنا بكامل أناقتي، يتوشّح وجهي ابتسامة مريحة. وقعت عيناي على اللافتة الكبيرة التي تعلو واجهة المبنى، كان اسم الشركة يلوح بوضوح.
سرت بهدوء حتى دخلت. كان الموظفون منهمكين أمام حواسيبهم. توجّهت نحو المكتب المقابل لي، ثم دفعت الباب ودخلت.
كان واقفًا هناك، يحمل كوب قهوة في يده، ناظرًا من النافذة نحو الإطلالة. اقتربت منه بصمت، وضممته من الخلف.
التفت إليّ، ابتسم بلطف، وضع الكوب جانبًا، ثم استدار ناحيتي، وضمني إلى صدره بقوة.
إبراهيم: لو كنت أعلم متى ستتوقفين عن مفاجآتكِ هذه... كم مرة أخبرتكِ أن تخبريني حين تأتين؟
ماتيلدا: أحب أن آتي دون علمك، وأحضنك هكذا فجأة.
ضمّني من خصري وهو يبتسم:
إبراهيم: أحبك... وأعشق هذا الحضن الدافئ.
ماتيلدا: يا عمري...
إبراهيم: اشتقت إليكِ.
ضحكت:
ماتيلدا: ألم تكن بالأمس في شقتي؟
همس في أذني:
إبراهيم: صحيح، لكني أخبرتكِ أنني أشتاق لعينيكِ في كل دقيقة.
نظرت إليه بعينين لامعتين:
ماتيلدا: يا عمري... أهذا حقيقي؟ وهل من مزيد؟
إبراهيم: المزيد أن تبقي إلى جانبي أربعًا وعشرين ساعة.
ماتيلدا: أنا إلى جوارك طيلة العمر.
قال بصوتٍ مرتفع ممازحًا:
إبراهيم: يا إلهي! كم أحبكِ، ماتيلدا!
ماتيلدا: وأنت راحتي...
إبراهيم: أفدي عينيكِ... أحبكِ بلا حدود.
تمتمت بابتسامة:
ماتيلدا: كم؟
إبراهيم: هل رأيتِ سعة رحمة الله؟
ماتيلدا: نعم.
إبراهيم: أحبكِ بقدرها.
ابتسمت له، وضعت حقيبتي على الطاولة، وجلست، ثم عدّلت شعري. جلب كرسيًا، جلس أمامي، وأمسك بيدي.
ماتيلدا: أنا قوية، مصنوعة من القلق، لكن يمكنني أن أمسك يدك بلُطف.
إبراهيم: أفديكِ يا حبيبتي القوية.
ماتيلدا: كيف حالك؟
إبراهيم: بوجودك؟ بألف خير. فقط أمسك يدك، وأسرح في عينيكِ الجميلتين، فكيف لا أكون بخير؟ أحبكِ كثيرًا، يا "شرستي".
ماتيلدا: هل تعلم كم أحب أن تناديني بـ"شرستي"؟ كلما نطقت بها، شعرت بكمٍّ هائل من المشاعر. تمنيت لو تنسى اسمي وتناديني بها فقط.
ابتسم، ثم همس بصوت مرتجف:
إبراهيم: شرستي...
ماتيلدا: عينها، ونبضها، وروحها، وحياتها، وقلبها، وكيانها، وعقلها... يا عمرها أنت.
إبراهيم: يا لهناءِ قلبي بكِ!
اقترب، أغمضتُ عيني بتوتر، فطبع قبلة على جبيني وهو يبتسم.
إبراهيم: أتخجلين مني، يا روحي؟
ماتيلدا: لا، ليس كذلك...
إبراهيم: أحبكِ في كل حالاتكِ الخمس.
ماتيلدا: وما هي؟
إبراهيم: الحب، والخجل، والتوتر، والشغف، والقوة.
> "وأرفض من نار حبكِ أن أستقيلا
وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقيلا؟
وما همني إن خرجت من الحب حيًّا
وما همني إن خرجت قتيلا."
ماتيلدا: "أمات الحب عشقًا، وعشقك أنت أحياني
لو كان عشقي لك ذنبًا، فلن أتوب عن عصياني
ما أجمل أن أكون أسيرة في حبك، وأنت سجاني
ولو خيّروني في وطن، لقلت في هواك أوطاني."
إبراهيم: يا من تسكنين الروح...
قاطعنا صوت طرقات الباب، فتغيرت ملامحه، ودفع الكرسي بسرعة للخلف.
إبراهيم: Buyrun
ماتيلدا: تفضل؟
دخلت الموظفة تحمل بعض الأوراق، فقال لها:
إبراهيم: ضعيها على مكتبي.
فوضعتها ثم غادرت.
إبراهيم: أكره من يقاطعنا... ما رأيكِ أن نبدأ من جديد؟
ماتيلدا: بمعنى؟
إبراهيم: انظري إليّ بنفس النظرة، ودعي الصمت يتكلم، ونظراتكِ تحكي، وأنا أغازلك.
ضحكت:
ماتيلدا: ما رأيك أن نفتح موضوعًا؟ أو بالأحرى، أريد أن أتحدث، ثم نكمل رومانسيتك لاحقًا.
إبراهيم: أقنعتني، تفضلي، تكلّمي.
ماتيلدا: في الأشهر الخمسة الماضية، اشتريتَ لي سيارة كهدية، وكانت باهظة الثمن، وأنا لا أقبل هدايا كهذه، حتى ولو كانت منك. نفسي وضميري لم يتقبلا ذلك، ولهذا...
قاطعني بوضع إصبعه على شفتي:
إبراهيم: ششش... لا تُكملي، سأغضب منكِ، بحق دين محمد، هل تنوين إرجاع ثمنها؟
أبعدت يده بهدوء، وأجبت:
ماتيلدا: نعم.
إبراهيم: ماتيلدا! حقًا؟!
ماتيلدا: لا تسكت، لحظة فقط...
فتحت حقيبتي، وأخرجت ظرفًا مليئًا بالنقود، وقدمته له:
ماتيلدا: هذا راتب خمسة أشهر، جمعته مع ما تبقى من السنة الماضية. الحمد لله، اكتمل المبلغ. تفضل...
ظل ينظر إليّ دون أن يتكلم. صمت لدقائق، وجهه جامد.
ماتيلدا: لا تغضب، ولا تفسّر الأمر بطريقة خاطئة. أنا فقط لا أحب الهدايا المكلفة.
إبراهيم: أولًا، أنتِ لا تغلين عليّ. وثانيًا، خذي أموالكِ، هذا تعبكِ، ولا تكرري هذا التصرف مجددًا.
ماتيلدا: لكن، إبراهيم...
نهض، وابتعد، ووقف قرب النافذة، عند مكتبه، وضمّ ذراعيه إلى صدره.
عضضت شفتي بتفكير، وبدأت أطرق بأصابعي على الطاولة بحيرة، ثم نهضت وسرت بخطى مترددة نحوه...
لاحظتُ عروقه البارزة على يده التي كانت تمسك بكوب القهوة بشدة، فأمسكت بيده بقوة، وضممته من الخلف، ثم همست له بصوت خافت:
ماتيلدا: هل أنت غاضب مني؟ هل تغضب من "شرستك"؟
إبراهيم: ششش... اصمتي.
ماتيلدا (بصوت مكسور): حبيبي... إبراهيم...
أدار وجهه إليّ، صار وجهه مقابل وجهي، وأمسك بيدي بنبرة مشحونة بالغضب:
إبراهيم: هل أتيتِ لتثيري غضبي؟ أجيبي!
ماتيلدا: أولًا، لا أظن أن كلماتي تستحق كل هذه العصبية...
إبراهيم (بعصبية): مااااتيــــــلدااااا!
مدّ صوته بانفعال، فقابلته بابتسامة هادئة:
ماتيلدا: عيونها...
إبراهيم (بلهجة حادة): اخرجي الآن، أريد أن أنهي عملي. ولا تفتحي هذا الموضوع مرة أخرى، وأعيدي أموالكِ، قبل أن أقوم بتصرف قد لا يعجبكِ.
ماتيلدا (بهدوء): هل أرحل إذًا؟
إبراهيم: أريد أن أعمل.
ماتيلدا: قل "روحي"، ثم سأغادر.
نظر في عينيّ مطولًا، ثم ابتسم بخفة:
إبراهيم: يا روحي... أنتِ.
ضحكت، ثم جذبني إليه وعانقني.
ماتيلدا: العصبية لا تليق بك. وإن كان هذا الموضوع قد أزعجك، فليكن، اعتبره منتهيًا، وكأن شيئًا لم يكن. انسَ الأمر.
إبراهيم (بنبرة نادمة): لقد ضايقني الموضوع فعلًا... آسف، يا حبيبتي.
ماتيلدا: إذًا لا تُهدِني هدايا باهظة مرة أخرى. لأنني، حتى في أسوأ حالاتي النفسية، لا أستطيع تقبّلها. وسأُعيدها، كما فعلتُ الآن.
إبراهيم: أعلم... لقد ذكّرتني بحادثة دفن "عاصم" و"سوزان"... يومها أيضًا أعدتِ المال الذي دُفع للجنازة، كما فعلتِ اليوم تمامًا، أعدتِ المال بكل برود... مثل "شرستي".
توقفتُ فجأة، أنظر إليه بدهشة. تراجعت خطوة إلى الوراء، وعيناي تسألان بصمت. لاحظ توتري، فحاول أن يصرف النظر وأدار وجهه، وكأنه أدرك أنه أفشى أمرًا لم يكن ينبغي قوله.
ماتيلدا (بصوت مبحوح): إبراهــــيم...؟
إبراهيم (متماسكًا): ماذا هناك، ماتيلدا؟
ماتيلدا (بصوت متسائل): من أين عرفتَ اسم والدي ووالدتي؟ طوال علاقتنا لم أخبرك بهما... كيف علمتَ؟
نظر إليّ بثقة، لكن صوته كان يحمل رجفة قلق داخلي:
إبراهيم: من المنطقي أن تعرفي السبب... هل يعقل أن تسأليني هذا السؤال؟
ماتيلدا (بتصميم): أجبني... لا تهرب.
إبراهيم (بصوت جاد): ماتيلدا، هل نسيتِ أنني كنت حاضرًا يوم الجريمة؟ كنت هناك، نقلت الجثث، وكنت شاهدًا على كل شيء. حضرتُ مراسم الدفن، وكنت مع ضباط التحقيق... من الطبيعي أن أعرف أسمائهم. فكّري قليلاً!
استمعت إلى كلامه كاملًا، ثم شهقت بعمق، وضعت يدي على قلبي وركضت نحوه، عانقته بقوة وهمست:
ماتيلدا: آسفة... لكن لا أعلم ما هذا الإحساس الذي اجتاحني فجأة...
هو شعور مفاجئ، أيّ أمر غريب يثير في داخلي القلق والخوف، يجعلني أفقد توازني، عقلي لا يستوعب ما يجري، لا يربط بين الأحداث. فقط الكلمات هي من تصدمني، وأبقى على هذا الحال إلى أن يُوضّح لي مَن أمامي الأمر... حينها فقط أهدأ ويعود كل شيء إلى طبيعته.
ربت على ظهري وقال بتنهد:
إبراهيم: لكن هذا خطأ يا عمري... أخبريني، لو أنني يومًا قلت لكِ إنني لستُ إبراهيم... ماذا كنتِ ستفعلين؟
ابتعدت عنه، وتابع حديثه:
إبراهيم: هل ستكرهينني؟ كيف ستكون ردة فعلكِ؟
ماتيلدا (بقلق): ما بك؟ ما هذا الكلام الغريب؟!
تغيرت ملامحه فجأة، ثم اقترب وهمس في أذني:
إبراهيم: أنا لست إبراهيم... أنا...
ماتيلدا: أنت ماذا؟!
إبراهيم (بابتسامة ماكرة): أنا... حبيب ماتيلدا.
ضربته على صدره:
ماتيلدا (متوترة): كاد قلبي يسقط من مكانه، هل تدرك ذلك؟ ملامحك تغيّرت، ونبرة صوتك كانت مرعبة... أقسم بيسوع، لا تكرر هذا الموقف مجددًا.
إبراهيم (مازحًا): هل تخاف "شرستي"؟
ماتيلدا: إن تكرر هذا الموقف مرة أخرى، سيزرع الخوف والقلق في قلبي تجاهك...
إبراهيم: ألم تقولي إنكِ قوية؟
ماتيلدا: نعم، أنا قوية، ولا يمكن أن أضعف، لكن طبيعة الإنسان عندما يتعرّض لموقف مفاجئ وغريب، ينهار تلقائيًا. الخوف يتغلغل إلى قلبه، وتنهار ثقته بكل شيء...
إبراهيم: وهل تخافين من حبيبكِ؟
ماتيلدا: لا.
إبراهيم: إن رأيتكِ يومًا خائفة أو ضعيفة... سأكرهكِ.
رفعت حاجبيّ بدهشة وقلت:
ماتيلدا: ماذا تقصد بكلامك هذا؟
إبراهيم: لقد جذبتني قوتكِ وثقتكِ بنفسك، وشجاعتكِ. هذا ما أحببته فيكِ. وإن فقدتِ هذه الصفات، قد أتوقف عن حبكِ.
ماتيلدا: أقسم بربّ يسوع... هل أنتَ واعٍ لما تقوله؟!
إبراهيم: متى كذبتُ عليكِ؟
ماتيلدا: حسنًا... شكرًا.
إبراهيم: على ماذا؟
ماتيلدا: على حبك العظيم لي.
إبراهيم: هذا واجبي.
عضضتُ شفتي بصبر، والقهر يعلو ملامحي. التفتُّ، التقطت حقيبتي، واتجهت بسرعة نحو الباب.
سمعت ضحكته تنطلق خلفي، وفجأة ركض نحوي، أمسك بيدي، أغلق الباب، ووقف حاجزًا طريقي.
إبراهيم: إلى أين أنتِ ذاهبة؟
ماتيلدا: أولًا، أبعد يدك.
إبراهيم: لا تقولي إنكِ غضبتِ مني؟
ماتيلدا (بنفاد صبر): يدك... أبعدها.
إبراهيم (معتذرًا): حبيبتي، كنت أمازحك! لم أكن أعلم أنكِ تأخذين كلامي بجدية... واضحٌ أنه كان مجرد مزاح. آسف، أعتذر منكِ... هل تشكّين في حبّي لكِ؟
ماتيلدا (صارخة): ابعد ييييييييييدك!!!
إبراهيم (بغضب): صوتك لا يعلو على صوتي! أقسم بدين محمد، لا ترفعي صوتك!
ماتيلدا: تجرؤ على مدّ يدك نحوي؟ جرّب فقط، وستراها مقطوعة!
إبراهيم (متحديًا): هكذا إذًا؟ حسنًا...
ماتيلدا: أبعد يدك! دعني أخرج!
إبراهيم: ماتيلدا، كنت أمزح! بحق أبي، لماذا غضبتِ هكذا وكبّرتِ الموضوع؟!
ماتيلدا (بغضب): كفــــــــــــــــــى!
دفعتُه من صدره، فتحت الباب، ووجدت الموظفين واقفين قرب المكتب، يحدقون نحونا. لم أهتم. نظرت إليه وقلت:
ماتيلدا: ليكن بعلمك، يا إبراهيم... ستدفع ثمن كلامك هذا غاليًا.
إبراهيم (ساخرًا): إن كانت هذه ردة فعلك على مزحة، فماذا ستفعلين إن كان الأمر حقيقيًّا؟!
ماتيلدا: لا تُكمل... إن كان كلامك صادقًا، فأنا خارج حياتك تمامًا.
إبراهيم: بهذه السهولة... تتركيني؟
ماتيلدا: وأكثر! لا تستخفّ بي... قدّمت لك حبًّا صادقًا نقيًّا، وإن شككتَ فيه ولو بنسبة واحد بالمئة، فاعتبر ماتيلدا لم تكن يومًا... وستنتقم. من يلعب بمشاعري، أُبغضه، أُواري وجهي الآخر... وأنت تعرف جيدًا ما الذي أستطيع فعله. سأحمّلك ثمن كل لحظة حبّ منحتني إيّاها، وسأجعل من لقب "شرسة"... فعلًا حقيقيًا.
اشتدّت ملامحه غيظًا، فزمّ شفتيه وصرخ بانفعال:
– حديثكِ ثقيل جدًا! ما هذا الهراء؟! ضحك؟ لعب؟! أقسم بالله، ستُفقدينني صوابي! ألا تدركين كم أحبكِ؟! مستعد أن أضحي بكل شيء لأجلكِ!
ثم تراجع خطوة وهو يتنفس بغضب، وقال بنبرة حاسمة:
– حسنًا يا ماتيلدا، لقد فهمتُ رسالتك. الآن، اخرجي من شركتي، فورًا!
نظرت إليه بحدة وقالت:
– تطردني؟ حسنًا، احترامًا لسمعتك أمام الموظفين، سأغادر بصمت، لكن لا تحلم أن أعود، ولو تحولت هذه الشركة إلى ذهب! وداعًا.
ضرب الحائط بقبضته، ثم ركل الطاولة أمامه بكل قوته، فانقلبت وسقط كل ما عليها وتحطّم.
أمسكتُ حقيبتي بقوة وخرجتُ مسرعة، تغلي بداخلي براكين الغضب، وقلبي يخفق بعنف.
فتحتُ باب سيارتي ورميت الحقيبة بإهمال، ثم جلست خلف المقود. وضعتُ يدي على وجهي والأخرى راحت تضرب المقود بعصبية، حتى شعرت أن رأسي سينفجر.
أوقفتُ السيارة فجأة، ثم نزلت وجثوتُ على الرصيف.
بدأت أسترجع كل كلمة قلتها له... أمسكتُ رأسي بقهر. أنا دومًا متسرعة في أحكامي، حتى مع من أحب. إذا قال شيئًا لم يُعجبني، أتهور وأرد بكلمات جارحة...
لكنه كان يمزح، حديثه كان واضحًا... ضحك واعتذر، لماذا ضخّمتُ الأمر؟!
تمتمتُ بألم: "يا إلهي... رأسي سينفجر... الصداع ينهشني!"
نظرتُ إلى الشارع، صار كل شيء مزدوجًا في عينيّ... لا أستطيع القيادة، ولا يمكنني البقاء هنا.
حاولتُ الوقوف، لكن ساقيّ لم تقوَ على حملي، فتمدّد جسدي على الأرض كخيط واهن...
«يا رب، لا أفهم طرقك دومًا، لكنني أثق بك. أنظر إليّ برحمتك واملأ روحي بالسكينة في هذا الوقت من الألم، امنحني قوتك لأكمل، وأشعرني بأنك قربي...»
«لا تؤدبني بغضبك، ولا تعاتبني بغيظك. ارحمني يا رب، فأنا ضعيفة، جسدي يرتجف ونفسي تائهة... خلّصني من أجل رحمتك، ففي الموت لا يذكرك أحد، ومن في القبر لا يسبّحك. تعبتُ من أنيني.»
أردد الأدعية وأنا أجهش بالبكاء، والهاتف يهتز في يدي... أسمع رنينه، لكنني أعجز عن الحركة...
بصعوبة بالغة، ضغطت على زر الرد، وإذا بصوته يرتجف:
– كوني قوية، يا روحي... أين أنتِ؟ فقط أخبريني بمكان سيارتك، أي عنوان قريب، أرجوكِ!
نظرتُ إلى يميني، فوقع بصري على اسم مدرسة قريبة، لفظته بصوت خافت ثم صمتُّ.
سمعني إبراهيم، فأجاب فورًا:
– دقائق وأصل إليكِ، أنا قريب جدًا، لا تخافي! أرجوكِ، لا تنهاري... أنا في الطريق، لا تضعفي يا قوية!
أغلقتُ المكالمة بصمت، وأخذتُ أتنفس بصعوبة... شعرت وكأن أجلي قد اقترب. مع ذلك، ابتسمتُ بيأس وهمست:
«في الهاوية من يحمدك؟ لقد تعبتُ من تنهدي... خذني إليك يا رب»
---
لم تمضِ سوى دقائق، حتى لمحت سيارته قادمة بسرعة جنونية. أوقفها بقربي، ترجّل منها وركض نحوي، حملني بين ذراعيه دون تردد، وفتح باب سيارته ثم أجلسني على صدره.
أخرج قارورة ماء وغسل بها وجهي وبلل جبهتي، ثم فكّ شعري وربطه مجددًا، محاولًا تهدئتي بكل ما أوتي من حنان.
قبل أن أقول أي شيء، عانقني بقوة وضمّني إلى صدره.
مرّت ربع ساعة وأنا بين ذراعيه بصمت مطبق، حتى بدأت أشعر بالتحسّن، وبدت الكلمات تعود إليّ رويدًا...
قال إبراهيم وهو يهمس:
– الله وحده يعلم ما الذي أصابني بعد حديثكِ ذاك... كنت أعلم أنكِ ستنهارين، لذا لحقتكِ فورًا. ماذا فعلتِ بي، يا ماتيلدا؟ بعثرتِ كياني كلّه.
– شراستي، حبيبة قلبي، وروحي، وعشقي الأبدي... أنا آسف.
ابتعدتُ قليلًا، وضعتُ يدي على شفتيه وقلت:
– أنا من يجب أن يعتذر... هذا خطئي. أنا من انفعلت وتجاوزت الحدود، وأستحق هذا الألم.
– لا، شراستي، ما حدث قد حدث. لندع الأمر خلفنا. صدقيني، لم أغضب منكِ أبدًا، ولا أحمل في قلبي شيئًا... كلماتكِ شفاءٌ لجراحي، أحبكِ كثيرًا... أحب كل ما فيكِ، حتى ما تظنينه سلبيًا. هيا، عودي إلى حضني.
ابتسمتُ وحاولت أن أعانقه، لكن ألمًا مفاجئًا دوّى في رأسي، فدفعته بقوة وأنا أصرخ:
– رأسي... إبراهيم! رأسييي!!!
---
منزل إبراهيم – الساعة الثانية ظهرًا
فتحتُ عينيّ ببطء... ضوء الشمس تسلل عبر النافذة، والغرفة دافئة وغريبة عني، كأنني لم أزرها من قبل.
حاولتُ تذكّر ما حدث، لكن ذهني كان مشوشًا. آخر ما أتذكره أنني كنتُ في حضنه... ثم لا شيء! كيف وصلتُ إلى هنا؟ أين أنا؟!
نزعتُ الغطاء عن جسدي، ونهضتُ ببطء وأنا أمسك رأسي. خرجتُ من الغرفة بخطى مترددة، سمعت صوته من المطبخ، دخلتُ إليه فرأيتُه منشغلًا بإعداد الطعام.
شعر بي فالتفت وقال:
– آه، حبيبتي، استيقظتِ...
– إبراهيم... أنتَ؟! كيف أحضرتني إلى هنا؟!
– ششش، لا تفكّري الآن. حالتكِ لا تحتمل التفكير ولا النقاش. ارجعي واستريحي، ثم نتحدث لاحقًا.
– ماذا تطبخ؟
– شوربة خضروات، إن شاء الله تأكلينها وتستعيدين عافيتك.
هززتُ رأسي موافقة، ثم سألته:
– أين هاتفي؟
– في الصالة.
– حسنًا...
توجهتُ إلى الصالة، أخذتُ الهاتف وبدأتُ أفتشه لأتصل بكاردينيا، أطمئن عليها. لحقني وسحب الهاتف من يدي بلطف:
– ممنوع الآن.
– لماذا؟!
– اشربي الشوربة أولًا... لقد تعبتُ في إعدادها.
– حسنًا، سأشربها، لكن أريد الاتصال بأختي، لا بد أنها قلقت عليّ.
– اتصلتُ بها حين كنتِ نائمة، وأخبرتُها أنكِ ستعودين إلى المنزل بعد أن تستريحي.
– كم الساعة الآن؟
– حوالي الثانية ظهرًا.
– لقد نمتُ طويلًا!
– نوم العافية، يا عافيتي...
دخل المطبخ وأحضر صينية تحتوي على خضروات وفواكه متنوعة، وكأسًا من الشوربة مع بعض الخبز.
– "لا أشعر برغبة في الطعام... شهيتي مسدودة."
ابتسم مازحًا وقال:
– "هل أفتحها لكِ؟"
– "إبراهيم، كفّ عن هذه السخافات، رجاءً."
ضحك وقال بنبرة دافئة:
– "كنت أمازحك، يا ابنة الناس... المهم أن تأكلي، من أجل صحتكِ، افعلي ذلك لأجلي، إن كان لي مكان في قلبكِ."
أومأت برأسي موافقة، فأجلسني إلى جانبه وبدأ يُطعمني بنفسه، يناولني الشوربة بيديه، ويقدم لي قطع التفاح أو الخيار واحدة تلو الأخرى.
– "شبعت... هذا يكفي."
– "ألف صحة وهنا..."
– "شكرًا، إبراهيم."
قطب جبينه وقال بنبرة معاتبة:
– "شششش، كم مرة قلت لكِ أنني لا أحب سماع كلمة "شكرًا" منكِ؟ توقفي عن قولها. هذا واجبي، ولا أنتظر منكِ شكرًا عليه."
ابتسمت: "حسنًا..."
أخذ الصينية وعاد بها إلى المطبخ، بينما ذهبت لأغسل يدي، ثم عدت وجلست في الصالة، أحتضن وسادةً بين ذراعيّ.
دخل وجلس إلى جانبي، كان يرتدي بدلة رياضية رمادية، وذراعيه مكتفتان.
نظرت إليه وقلت:
– "برهم..."
– "عيني."
– "لم أقصد أن أجرحك بكلامي صباحًا... أنا آسفة إن كنت قاسية."
أخذ نفسًا عميقًا وقال بنبرة نادمة:
– "حبيبتي، أنا من عليه أن يعتذر... حاولت ممازحتك، لكنني رفعت صوتي وأزعجتك."
توسّلت إليه بنبرة مكسورة:
– "إبراهيم، ابقَ إلى جانبي دائمًا، لا تتركني... بدونك، أنا ضعيفة ومريضة. لا تكسرني يومًا."
ثم أكملت بصوت خافت:
– "أتعلم، ماتيلدا حين تُحب، تُحب بجنون؟ لست فقط أحبك... أنا أعشقك، لا أعرف كيف تمكن هذا الحب الكبير من التسلل إلى قلبي خلال عامٍ فقط! ومنذ أن اعترفنا لبعضنا، أصبحت أنتَ روحي، ونصيبي من هذه الدنيا."
– "وأنتِ عمري... الأيام القادمة ستُثبت لكِ كم أحبكِ."
– "أنا واثقة بك ثقةً عمياء، لكن، إبراهيم..."
سكتت لبرهة ثم قالت:
– "منذ جئت إلى تركيا، وأنا أعاني من حالة غريبة. لم أكن هكذا أبدًا... رأسي يؤلمني عندما أفكر أو أتخذ قرارًا. أشعر بدوار يفقدني توازني، وأبقى مستلقية على الأرض، بالكاد أستطيع الكلام!"
– "نعم، لقد لاحظت ذلك. حتى حين أمازحك، تأخذين الأمور بجدية وتغضبين بسهولة... أصبحتِ شديدة الحساسية."
– "أنا عازمة على زيارة طبيب."
– "ماذا؟ طبيب؟ لا... لا تذهبي."
– "لماذا لا؟"
– "لا تذهبي... لدي صديق طبيب، يعرف بهذه الأمور. سأتحدث إليه لعلّه يساعدنا في إيجاد حل."
– "حسنًا، إن كنت ترى ذلك مناسبًا..."
حلّ المساء، وحين قاربت الساعة الرابعة، نظرت إليه وقلت:
– "أريد العودة إلى شقتي. مكوثي هنا ليس مناسبًا، نحن وحدنا، والبيت خالٍ تمامًا."
ابتسم وقال: "تدللين." ارتدى قميصه، وأمسك بيدي بقوة وهو يقودني إلى شقتي، قبّل يدي ثم غادر.
---
ما إن دخلت حتى سمعت صوت الباب، كانت كاردينيا قد عادت. ركضت نحوها واحتضنتها، ثم جلسنا معًا في الغرفة.
قالت بقلق:
– "هل أنتِ بخير؟ لقد خفت عليكِ كثيرًا. لا تتركيني وحدي مرةً أخرى، لا تضيعي عني، أرجوكِ. أقسم أنني اشتقت إليكِ، حتى لو غبتِ لساعتين فقط. حين تذهبين إلى العمل، أُصبّر نفسي برؤيتك عند عودتك... أما أن تغيبين هكذا، فلا أتحمل."
– "عمري، أنا معكِ للأبد، والحمد لله أنا أفضل الآن. فقط شعرت ببعض التعب، وكان رأسي يؤلمني بشدة."
– "لماذا لا تذهبين للطبيب لمعرفة سبب هذا الصداع؟"
– "أنا فعلًا قررت الذهاب، لكنني طرحت الأمر على إبراهيم اليوم، وقال إن لديه صديقًا طبيبًا، وسيتكفل بالأمر."
– "ولماذا لا تذهبين بنفسكِ؟"
– "لا أعلم... قال لي ألا أذهب، وأنا في الحقيقة مرهقة ولا رغبة لي بالخروج، لذا رأيت كلامه مريحًا ومنطقيًا."
صمتت كاردينيا لبرهة، ثم قالت:
– "بما أننا ذكرنا إبراهيم... هل يمكنني سؤالك شيئًا؟"
– "بالطبع، تفضلي."
– "في الواقع، هو ليس سؤالًا، بل فضول... أنتما تحبّان بعضكما، وقد مر على علاقتكما خمسة أشهر، وكل منكما اعترف للآخر، فلماذا لم يتقدّم لخطبتكِ بعد؟"
أجبتها بهدوء:
– "لأنني لا أريد الارتباط في هذه الفترة."
– "لماذا؟"
– "بصراحة، بعد عيد ميلاد إبراهيم، اتصل بي دانيال، وأخبرته بما جرى... كانت ردة فعله غريبة. قال لي: (ماتيلدا، لا توافقي على أي خطوة كبيرة كهذه قبل أن تُحققي ذاتكِ وتصبحي مستقلّة. لا تتسرعي، فقد تندمين.)
ثم أضاف وهو يقسم: (إن وافقتِ على خطبته، فانسي صديقكِ دانيال)."
– "غريب! هذه أول مرة أسمع دانيال يتحدث بهذه الطريقة! بل ويُخيّركِ بينه وبين إبراهيم؟!"
– "نعم، فوجئت جدًا بكلامه، لكنني أعلم أن دانيال لا يتكلم إلا بعد تفكير طويل. لذا، قررت تأجيل فكرة الخطوبة إلى أن أكون مستقلة تمامًا، ومستعدة لعلاقة وحياة جديدة... الزواج مسؤولية عظيمة. ورغم أنني أحب إبراهيم، إلا أن هناك أشياء كثيرة عنه ما زلت أجهلها، وأريد أن أفهمه أكثر، حتى لو استغرق الأمر عامًا... أريد أن أعرف إلى أين ستأخذنا علاقتنا."
– "إن شاء الله، حبكما صادق وقوي."
– "كاردينيا... لو أخبرتكِ كم أحبه، لما كفاني الكلام، حتى لو تحدثت لعامٍ كامل. حبي له كبير جدًا، ويزداد يومًا بعد يوم."
– "أسأل الله أن يجمع بينكما في سعادة وهناء، يا رب."
– "آمين، حبيبتي."
ثم خرجت كاردينيا، بينما تمددتُ على السرير، أستعيد ذكرى اليوم الذي اعترفتُ له فيه بمشاعري… وابتسمت.
عودة إلى الماضي – قبل خمسة أشهر – 9/8/2010
كنت جالسة في المكتب أعمل، لكن ذهني كان شاردًا في الليلة الماضية، أتأمل لحظة الاعتراف وأبتسم بفرح خفي.
طرق أحدهم الباب، فقلت:
– تفضل.
دخل إبراهيم، يده اليمنى في جيبه، وفي الأخرى يحمل كوب قهوة، وقدمه إليّ.
أخذته منه وقلت:
– شكرًا.
ابتسم نظرة عميقة وقال:
– لا أريد "شكرًا"، أريد أن أسمع كلمة أخرى.
– كلمة ماذا؟
– اعتراف… مثلًا؟
ابتسمتُ ولزمت الصمت.
قال برجاء:
– ماتيلدا، لا تبقي صامتة! أرجوكِ، أشتاق لسماعها منكِ!
– ماذا تحب أن تسمع؟
ضحك وقال:
– Seni seviyorum?
– "أحبك"؟
أجاب ممازحًا:
– نعم، هيا… ليس وقت المماطلة. اعترفي.
– لا أعرف…
اقترب مني بابتسامة خفيفة وقال:
– لن أخرج من المكتب، وأقسم باسم الرب، حتى أسمعها منكِ.
ابتسمت وقلت بصوت خافت:
– إبراهيم…
– نعم؟
رفعت نظري إلى عينيه وقلت بصدق:
– Seni çok seviyorum. Sen benim hayatımsın!
(أحبك كثيرًا، أنت حياتي).
اقترب مني وعانقني بشدة، فبادلته العناق والابتسامة تملأ وجهي. نظر إليّ وهمس بصوت ذائب:
– أحبك جدًا، يا شَرَستي.
بادلته النظرة وهمست:
– أحبك…
عودة إلى الحاضر
استيقظت من ذكرياتي وأنا أضحك على شكل اعترافي، وكيف كان رد فعله حين سمعني أقول له "أحبك". أراد أن يحملني ويدور بي وهو يقول: "أشعر أن الدنيا ابتسمت لي باعترافك".
لكن فجأة، قاطع تفكيري شعور غريب… رائحة احتراق! نظرت بدهشة، من أين تأتي هذه الرائحة؟ التفتُّ نحو باب الغرفة لأجد النار تشتعل فيه، وتنتشر حتى وصلت إلى السرير. نهضت بفزع أصرخ:
– كاردينيااا! تعالي!
النار أحاطت بي من كل الجهات، تلتهم كل شيء وتحوله إلى رماد. شعرت باللهيب يقترب من جسدي، فصرخت:
– كاردينيا! أين أنتِ؟ سأحترق! إبراهيم! باسم الرب يسوع، أنقذني! إبراهيم، هل تسمعني؟!
صرخت بأعلى صوتي:
– يا أمنا العذراء، لا أريد أن أموت! أرجوكِ أنقذيني!
بدأت أسعل بشدة، صدري ضاق، شعرت بالنار تحرق جسدي وأنا ألهث وأصرخ:
– أنقذوني بمحبة المسيح، لا أريد أن أموت! لاااا!
صرخت مرة أخرى:
– إبراهيم!
فزعت من النوم، ألهث وعطشى، والسعال يقطع أنفاسي، ويدي على رأسي. صرخت:
– ماء… أين أنتِ يا كاردينيا؟ أشعر أنني سأختنق!
دخلت كاردينيا مذعورة، وأسرعت بإحضار كوب ماء، شربت قليلاً حتى هدأت، وأدركت أن ما حدث كان مجرد كابوس.
خرجت من الغرفة إلى الحمام، أغلقت الباب، نظرت إلى المرآة بألم وهمست لنفسي:
– ماتيلدا… وإلى أين؟
غسلت وجهي بالماء مرارًا حتى استعدت هدوئي، ثم خرجت. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف مساءً، أخذت الساعة من الحائط وأعدتها بقوة.
قالت كاردينيا غاضبة:
– لماذا كسرتِها؟ هل جننتِ؟
– الأفضل هكذا… وثانيًا، أنا نائمة منذ أكثر من ست ساعات، لماذا لم توقظيني؟
– رأيتك متعبة، فلم أرغب بإزعاجك.
– حسنًا…
عدت إلى غرفتي، شعري مرفوع، وجلست على السرير. صارت الأحلام المرعبة أمرًا معتادًا عندي… ما رأيته من جرائم أمام عيني، وحريق بيتنا، جعلني إما أراها في الكوابيس أو أتخيلها في اليقظة. لكن الغريب… لماذا في هذا الكابوس كنت أنادي باسمه "إبراهيم"؟
تنهدت، أغمضت عيني وتمددت، متذكرة أحداثًا مضت منذ أربع سنوات…
2006
قتل، ذبح، اختطاف، موت، تهديد… F، لو تعلمين ما الذي أخطط له حتى أنتقم منكِ! سيكون انتقامي كبيرًا، سأجعلك تندمين على كل لحظة خوف جعلتِني أعيشها، ستتوسلين إليّ كما توسلتُ إليكِ كي لا تقتليها! كل دمعة سقطت مني سيكون ثمنها دمك.
بيدي سأقتلك، وسأرى نظرة الخوف في عينيكِ كما رأيتها من قبل، ولن يرفّ لي جفن.
ضحكت بصوت عالٍ، وصَفقت بيدي، ثم أخرجت هاتفي وتصفحت قليلًا، كانت الساعة الواحدة. ذهبت إلى المطبخ، أعددت لنفسي شطيرة جبن، أكلت وشربت عصيرًا، وشعرت بالراحة وكأن الحلم قد تلاشى من ذهني.
لكن أثناء تفكيري، خطر في بالي "دانيال". منذ أن اعترف لي إبراهيم بحبه، تغيّر دانيال كثيرًا، صار كلامه ثقيلًا ولا يتصل إلا إذا أنا بادرته، وحتى حين أتحدث معه لا يخبرني شيئًا عن حياته، فقط يقول: "الحمد للرب" ثم يصمت.
قررت أن أتصل به لأعرف السبب، حتى لو أدى الأمر إلى خلاف بيننا، المهم أن يوضح لي سبب تغيّره المفاجئ.
عدت إلى غرفتي واتصلت به، لكنه لم يرد. وبعد قليل، وجدت الخط مشغولًا، فاستغربت… من يتصل به في هذا الوقت؟
انتظرت ساعة كاملة والخط مشغول، حتى اتصل هو أخيرًا. أجبت بسرعة:
– ألو؟
جاء صوته متوترًا وخائفًا:
– ستجرحين من أقرب شخص إليكِ… الخمسة أشهر القادمة ستدفعين ثمنها نصف عمركِ يا ماتيلدا، كوني حذرة.
ثم انقطع الاتصال…
___
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم .
لم أنَمْ طوال الليل من شدّة التفكير المبعثر والحيرة، حتى دوّى جرسُ المنزل فجأة.
لا أُخفي أنّ التوتّر اجتاحني؛ أسرعتُ إلى المطبخ، تناولتُ سكينًا كبيرة، وتسلّلتُ نحو الباب أنظر من ثقبِه، فلم أرَ أحدًا!
تساءلتُ في نفسي: من الذي رنّ الجرس؟
كنتُ أريد العودة إلى غرفتي حين طُرِق الباب من جديد. تشبّثتُ بالسكين أكثر، أخفيتُها خلف ظهري، وأخذتُ نفسًا عميقًا ثم فتحتُ الباب.
فإذا بوجه «إبراهيم» أمامي.
تطلعتُ إليه بتوتر.
إبراهيم: صباح الخير.
لم أُجِب، وشعرتُ أنّ يدي ارتخت. لاحظ السكين في يدي فبدت على وجهه الدهشة، وقال بشك:
إبراهيم: ما الذي كنتِ تفعلين؟
-لا أفعل شيئًا.
إبراهيم (ساخرًا): من القتيلة يا ماتيلدا؟ اعترفي كم جريمة ارتكبتِ؟
-ما بالك؟ (تكلمت بدهشة من أمره)
ثمّ أطلق ضحكةً عالية وقال: أمزح.
-إن كنتَ تريد التحدث والجلوس في الصالة فانتظر حتى تستيقظ كاردينيا، لا أدعك تدخل ونبقى وحدنا.
-أصبحتِ صارمة!
-صحيح أنّنا نحب بعضنا، وأنّ خطوبتنا قريبة، لكنّي لا أسمح لك بتجاوز حدودك.
-وعلى ذِكر الخطوبة… أما زلتِ غير مقتنعة؟
-بماذا؟
-بخصوص استعجالي للخطبة، لا أتحمل، متى توافقين؟
-كُفَّ عن سخافاتك.
-أمزح، لكن صدقًا استعجلي؛ لقد صبرتُ خمسة أشهر بانتظار موافقتك، وأعطيتك كل راحتك.
-الذي يريد الجميل يصبر على مرّه.
-صدقتِ، ولك أن تأمري؛ لكن شرستي الوحيدة أنّي صرتُ أراكِ في كل حين، أنام وأصحو وأنتِ في بالي. أحبّك كثيرًا وأنتظرك، عساه لا يكون عُمري كلّه انتظارًا.
أجبته (مبتسمة): أحبّك يا برهمي.
-حسنًا، الآن صار فيها «برهمي»! أأدخل إذن؟
أومأتُ رأسي نافية وضحكت.
فرفع حاجبه وهزّ رأسه مبتسمًا:
-حسنًا… والعمل؟ هل ستداومين؟
-لا أدري، أفكّر.
-قد اعتذرتُ منكِ.
-أعلم، وأنا بدوري تماديتُ بالكلام. لكن لا تنسَ أنّك أنتَ طردتني.
-أنتِ أغضبتِني وأفقدتِني توازني فلم أتنبه إلى كلامي، ووالله لا أدري كيف طردتكِ، كانت لحظةَ عصبيةٍ فحسب.
-حسنًا.
-ما رأيك أن نخرج لنغيّر الجو ونتنزه؟
-إلى أين؟
-إلى المدينة أو أي مكان تختارينه، أريد الجواب الآن.
-موافقة، لكن أختي ترافقنا.
نظر إليّ نظرةً لم تُعجبه فضحكتُ وقلت: ها؟
إبراهيم (مستسلمًا): مُمكن… وهل أستطيع أن أعترضكِ؟ مَن أنا لأعاندكِ؟
-أكيد لا.
غادر وأغلقتُ الباب خلفه، ثمّ أعدتُ السكين إلى المطبخ براحة، وعدتُ إلى غرفتي مبتسمة. نسيتُ كلّ التفكير والضيق، فقد كان الحديث مع إبراهيم حقًا علاجًا لروحي.
تمدّدتُ على السرير ولم أُعِر كلام «دانيال» أي اهتمام. للمرّة الأولى أشعر أنّ كلّ شيء سيمرّ بسلام، وما كُتِب لي لا مهرب منه. لقد تعبتُ من الماضي، وأريد أن أفتح صفحةً جديدة مع حبيبي إبراهيم. ما دمتُ أمسك بيده فلستُ خائفة من شيء، فلستُ وحدي؛ إبراهيم معي.
وحين جاء العصر، تجهّزتُ وأخبرتُ كاردينيا أنّها سترافقني. ارتديتُ تنّورةً سوداء وبلوزةً صفراء اللون، رغبتُ في التغيير ولبس ألوان جديدة، ورفعتُ شعري إلى أعلى على هيئة كعكة، وأسدلْتُ خصلةً على خدّي.
وصلنا إلى مدينة الألعاب، فأوقف إبراهيم السيارة. التفتُّ إليه ضاحكة:
– أحقًا جئتَ بي إلى مدينة الألعاب؟ ألستَ تخطّط للهو بي؟
ابتسم قائلًا:
– سنستمتع، انزلي، سأريكِ المتعة على أصولها.
– هه! وماذا تقصد يا برهم؟
فتحتُ الباب وأنا أضحك، ونزلتُ مع كاردينيا.
قالت كاردينيا وهي تبتسم:
– ستظهر الطفلة التي بداخلنا!
سمعها إبراهيم فالتفت إليها مبتسمًا:
– سمعتكِ ها!
ضحكتْ وقالت:
– هيا بنا ندخل لنستمتع.
قال إبراهيم بثقة:
– أجواءٌ لا تُفوّت، ستشكرينني على هذه النزهة.
دخلنا، وحين اشترى التذاكر قال:
– سنركب القطار السريع.
قلتُ له فورًا:
– لا، لن أركب. اصعد أنتَ وكاردينيا.
إبراهيم: أأنتِ خائفة يا شرستي؟
- لا أحب هذا النوع من الألعاب.
- لكني دفعتُ ثمن التذكرة.
- أعدها إذن.
- لا يمكن.
- لن أركب.
- من أجلي؟
ثم هززتُ رأسي موافقة:
– حسنًا.
جلسنا ننتظر، وحين وصل دورنا صعدنا. كانت كاردينيا تبتسم. قلتُ لها:
– إذا كنتِ خائفة فانزلي.
كاردينيا: بالعكس، أنا متحمّسة.
جلستُ، وكان إبراهيم على مقعدٍ بجانبي وكاردينيا خلفنا. بدأت اللعبة بالدوران، فأمسك إبراهيم بيدي ولم يزل ينظر إليّ. صرختُ أطلب منه:
– إبراهيم، انتبه إلى الحزام، لا ينفتح!
أجابني وسط ضجيج الهواء وأقدامنا المعلّقة في الهواء والدوار يشتدّ:
– أحبّك.
فجأةً أفلت يدي ورفع يديه عاليًا، ففزعتُ؛ كانت حركته خطرًا، وأيّ لحظة قد ينفكّ الحزام. صرخ المسؤول عن اللعبة:
– ممنوع رفع الأيدي!
صرختُ به مذعورة:
– انتبه يا إبراهيم!
لكنه كان يضحك بصوت عالٍ، ودوّختي ازدادت. صرختُ برجاء:
– بحقّ يسوع، أوقفوا اللعبة! دوختُ يا إبراهيم!
لم يُجبني بل استمرّ يضحك، وكأنّ ضحكته تحمل شيئًا يقصده.
صرختُ ثانية:
– إبراهيم، أنزلني!
تحمّلتُ نفسي بصعوبة، صابرةً حتى انتهت اللعبة، خصوصًا حين ازدادت سرعتها وارتفع صراخ الركاب فزاد دواري. كانت دقائق كأنها ساعة.
ما إن توقفت اللعبة حتى فتحتُ القفل، نزلتُ بسرعة وتركتُهما. ركضتُ إلى الحمامات القريبة، ودخلتُ وتقيّأتُ. شعرتُ بالاختناق والدوار ودوخة الرأس.
وقف إبراهيم عند الباب ولم يدخل، لكن ملامح الخوف واضحة على وجهه:
– ما بكِ يا حبيبتي؟
غسلتُ وجهي وخرجتُ:
– لا شيء بي.
أمسك بكتفي وسرنا معًا وهو يقول:
– تعالي اجلسي، سأجلب لك ماءً تشربين. وجهكِ صار أصفر.
ذهبنا إلى مجموعة كراسٍ وجلسنا، ثم ذهب ليأتي بالماء. جاءت كاردينيا وجلست بجانبي تسألني عن حالي. بعد دقائق عاد إبراهيم يحمل زجاجة ماء لي وقدّم لأختي عصير برتقال، وجلس بجانبي:
– كيف أصبحتِ؟
– أفضل.
– لو كنتُ أعلم أنكِ ستتوعّكين لما أصعدتُكِ!
– أنت أجبرتني، قلتُ لك إنني لا أركب هذه الألعاب.
قال معتذرًا:
– حياتي، آسف وحقّك عليّ. ظننتُ أنكِ ستستمتعين، انظري حتى كاردينيا لم يحصل لها شيء، بل فرحت واستمتعت باللعبة.
ثم التفت إليها:
– أليس كذلك؟
هزّت رأسها موافقة:
– نعم.
قلتُ متذمرة:
– توبةٌ إذا جئتُ هنا ثانيةً وأخذتُ بكلامك!
ضحك وقال:
– هيا نرجع، ما دمنا أزعجناكِ فلن نبقى.
رجعنا إلى السيارة، وأمسكني مغص مع دوار رأس لم يذهب، فأخذتُ أشرب الماء كل دقيقة. وما إن تحرّكت السيارة وشممتُ رائحة البنزين حتى ازدادت حالتي سوءًا. أمسكتُ يده وهو يقود:
– أوقف السيارة.
أوقفها على الشارع العام وصفّها بجانب الرصيف. فتحتُ الباب وركضتُ لأتقيأ ثانيةً. وقف بجانبي وأنا أقول له:
– ابتعد عني، لماذا تحدّق بي؟
إبراهيم: وحقّ محمد، لو كنتُ أعلم أن هذه النزهة ستصير سمًّا علينا لما أخذتكِ. كان هناك محلّ قريب، قال لي:
– انتظريني.
ركض بسرعة إلى المحلّ وعاد وفي يده زجاجة ماء ومناديل ورقية. أعطاني إياها، مسحتُ وجهي وشربتُ.
قال:
– هيا، اركبي السيارة، سأخذكِ إلى المستشفى خشية أن يكون أصاب معدتكِ شيء. ماذا أكلتِ حتى تتقيئي مرتين؟
– برهم، لا شيء بي، لا تقلق.
– متأكدة؟
– نعم، لا أحتاج إلى طبيب، سأكون بخير الآن.
– حسنًا، لنذهب إذن إلى مطعم تأكلين فيه شيئًا، ربما معدتكِ فارغة فاختلّ توازنكِ.
– ربما.
ركبتُ وانطلقنا، وكان المطعم بعيدًا عن مدينة الألعاب نصف ساعة تقريبًا. وصلنا وأوقف السيارة أمام مطعم هادئ قليل الزوّار بسيط التصميم، ودخلنا وجلسنا على كراسٍ خشبية.
أسند إبراهيم كفّه إلى ذقنه، وأخذ يحدّق في عينيّ شارِدًا مبتسمًا لي. ابتسمتُ له وسألته:
– ما بك؟
قال بهدوءٍ عاطفي:
– أحبّكِ.
قاطعتنا كاردينيا مازحةً:
– نحن هنا!
ضحك إبراهيم ثم قال بصوت مرتفع كأنّه يعلن أمام العالم:
– يسمع العالَم أجمع، أنا عاشق ولهان بـ «ماتيلدا».
ثم أضاف وهو يقلّب قائمة الطعام:
– سأطلب «إسكندر كباب»؛ طعامٌ لذيذٌ جدًا، منذ جئتُ إلى تركيا وأنا مدمن عليه.
قلتُ له باستغراب:
– ولماذا سُمّي «إسكندر»؟ ما هذا الاسم الغريب؟
ابتسم موضحًا:
– إسكندر كباب من أشهر أطباق تركيا، خصوصًا في مدينة بورصا. سُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى إسكندر أفندي الذي عاش في القرن التاسع عشر، وصار تراثًا لأحفاده هناك.
– آه، جميل.
– نعم، هو أكلة شعبية لذيذة، وغير مكلفة كثيرًا، يتراوح سعرها بين 15 و30 ليرة تركية.
قالت كاردينيا بحماس:
– واضح أنّه لذيذ، لقد شجّعتني على تذوّقه.
ابتسم إبراهيم:
– حسنًا، وسأطلب أيضًا طبق «بوريك» و«الدونر شاورما» و«كِسر».
استغربت كاردينيا:
– وما «كِسر» هذا؟
إبراهيم: هو طبق جانبي من السلطات يتكوّن من البرغل وصلصة وخضروات، وأصلُه مدينة مرسين التركية.
ضحكت كاردينيا:
– لكن لنبقَ متّفقين؛ المطبخ العراقي هو الألذّ.
مرّ وقتٌ قصير ثم قال إبراهيم:
– سأصفّ السيارة في الكراج وأعود، فقد تركتها أمام الباب وهذا ممنوع.
– حسنًا، لا تتأخّر.
وبينما أنتظره أخرجتُ هاتفي أتصفّحه، ثم فتحتُ الكاميرا لأتفقد وجهي خشية أن يكون الكحل قد سال. وما إن قلّبتُ الكاميرا حتى وقعت عيني على رجلٍ يجلس قبالتي يرمقني بتركيزٍ مقيت، وابتسامةٍ مقزّزة لا تفارق وجهه، مركّزًا نظره على صدري. تجمّدتُ في مكاني: حتى في مكانٍ كهذا؟!
هممتُ بالنهوض والانقضاض عليه لتأديبه، لكن كاردينيا أمسكت بيدي وأعادتني إلى مقعدي. انتفضتُ بها:
– لِمَ تركتِني؟
قالت هامسة:
– ما بكِ يا ماتيلدا؟ إلى ماذا أنتِ ناوية؟
– دَعيني أُربّي هذا الوغد!
– حاشا الحيوان… اتركيه، دعينا نأكل ونخرج بلا فضائح أمام الناس.
– إن استمرّ في النظر سأشوّه وجهه، أقسم بالعذراء لأقلعنّ عينيه! انظري كيف يحدّق بجرأةٍ وكأنّه في ملهى، مطعم بلا أدب!
دخل إبراهيم في تلك اللحظة، يكفّ أرداناته ويضع المفاتيح وهاتفه على الطاولة، وقال:
– ألم يأتِ الطعام بعد؟
سكتُّ ولم أُجبه، فألقى عليّ نظرة شكّ:
– ما بكِ يا حبيبتي؟
سبقتني كاردينيا لتخفيف الموقف:
– لا شيء، لكن معدتها تألمها قليلًا وتريد العودة إلى البيت لترتاح.
قال إبراهيم بهدوء:
– حسنًا، نأكل ثم أُرجعكما.
بعد دقائق جاء النادل وقدّم الأطباق ورصّها على الطاولة ثم انصرف. أخذ إبراهيم يأكل وأنا أرتشف العصير فقط.
قال:
– لماذا لا تأكلين؟ ألم يُعجبكِ الطعام؟
– لا، لا أشتهي.
– حسنًا، أطلبي ما تشتهينه، أأطلب لكِ شيئًا آخر؟
سرقتُ نظرةً سريعة إلى الرجل فرأيته ما زال يرمقني مبتسمًا.
إبراهيم: – أنا أتحدث إليكِ يا عمري.
صرختُ بعصبية: – لا أريد شيئًا، لا تُلحّ!
ظلّ إبراهيم يحدّق فيّ متفاجئًا، وقبض يده بغيظ. ثم قال بصوتٍ منخفض:
– خذي وقتكِ إذا أحببتِ.
لم أُجب، وعيناي على ذلك الشاب. وفجأة قام بحركةٍ سخيفة بأصبعه. تلفّتُّ بعصبية، وانعكست ملامح التوتّر على وجهي. التقط إبراهيم الأمر فورًا، فالتفت نحو الشاب. أدرك ذلك الأخير فأنزل رأسه سريعًا.
قال إبراهيم بلهجةٍ حازمة:
– كاردينيا، خذي أختكِ واخرجا من المطعم فورًا.
– نصعد السيارة أم ننتظرك؟
– هذا المفتاح، خذيه واصعدا.
– حاضر.
همستُ لكاردينيا وأنا أُخرج حقيبتي:
– ما بكِ؟ ينقصكِ أن تبوحي له الآن؟! سأُسحلُه هنا!
قالت:
– امشي أمامي.
– سأغرد!
– اصعدي السيارة ثم غَرّدي كما تشائين.
أعطتني حقيبتي ودَفعتني للخروج. خرجتُ متردّدة:
– افتحي الباب واصعدي، أنا مستحيل أن أتركهما وأذهب، أريد أن أعرف ما سيحدث.
اقتنعتُ أخيرًا، ففتحت الباب وصعدت وأغلقته على نفسي. ثم عدتُ أركض إلى داخل المطعم أرقب المشهد.
قال إبراهيم بصوتٍ ساخرٍ وهو يقترب من الطاولة:
– الله بالخير يا صاحبي؟
أجابه الرجل بخوف:
– Hoşgeldin… أهلًا.
قال إبراهيم ببرودٍ قاطع:
– أين كانت عيناك؟ على حبيبتي؟
ارتبك الرجل وقال بالتركية:
– Ne dediğini anlamıyorum!
– Ne konuşuyorsun؟ (ماذا تقول؟)
ابتسم إبراهيم بهدوء، أمسك رأسه، وضغطه على الطاولة بقبضةٍ ثابتة.
تكرّرت حركةُ إبراهيم مرتين، ثم تلفّظ بألفاظٍ بذيئة جعلتني أرتجف من الدهشة؛ أهذا كلّه يخرج من إبراهيم؟!
نهضتُ سريعًا وصعدتُ إلى السيارة متفاجئةً، فالتفتت إليَّ كاردينيا تسأل:
– ما الذي جرى؟ حدّثيني.
– هوى برأسه على الطاولة.
– يا إلهي، هل تحطّم رأسه؟
– نعم، كأنّ الجمجمة انفلقت.
– بحقّ المسيح، أأنتِ جادّة؟
– نعم، ثمّ أخذ سكينًا من النادل وغرزها في بطنه.
– ومات؟!
– نعم.
شهقتْ كاردينيا: «أتقولين الصدق يا ماتيلدا؟!»
– نعم، أيمكن أن أكذب عليكِ؟
– هل سيسجنون إبراهيم؟
نظرتُ إليها بحدّة وقلت: «أأنتِ بريئة أم تتغابين؟ ما بكِ؟»
– إذن ماذا حدث؟
– لم يمت أحد، ولم يتأذَّ أحد. لقد أدّبه فقط، فهو يستحقّ التأديب.
– الحمد لله، لقد توقّف قلبي من الخوف.
– اسكتي الآن، يا عيني.
سكتنا ننتظر إبراهيم دقائق، ثم جاء وملامح الغضب باديةٌ عليه، وصعد إلى السيارة وأغلق الباب بقوةٍ وأدار المحرّك.
سألته: «ما الذي حدث؟»
أجاب دون أن ينظر إليَّ: «لا شيء».
– والشابّ؟
– تقصدين ذلك الحيوان؟ لقد لقّنته درسًا.
– ولم يسبّب لكِ أهل المطعم مشكلة؟
– كانت هناك كاميرا تشهد على نظراته وحركاته تجاهكِ، وقد اعتذر لي وخرج.
– آهٍ حسنًا.
سكتُّ وهو يقود.
طال الطريق صامتًا حتى وصلنا إلى الحيّ، نزلنا فصعدت كاردينيا إلى الشقّة، أمّا هو فأمسك بيدي وقال: «هيا بنا نتمشّى قليلاً في الشارع، ثمّ نعود».
هززتُ رأسي موافقة.
كانت الساعة التاسعة مساءً. سرنا وأشار إلى مقاعد عند نهاية الطريق تحيط بها الأشجار، فجلست وجلَس إلى جانبي وبيننا مسافة. رفع رأسه ينظر إلى القمر، وكنتُ أنا أنظر في عينيه.
كان القمر هادئًا، والنجوم باردة، والهواء عليلاً. نظرتُ إليه وهو يحمل في عينيه كلّ التعب، كأنّ الوقت يمضي ولا أقدر أن أحدّق فيه أكثر بعد هذا اللقاء.
قال لي بلطف:
– شَرِسَتي كم تحبّينني؟
– ما مناسبة هذا السؤال؟
– أريد أن أعرف.
– أحبّك كثيرًا، ولا يمكن أن أتركك. أنتَ روحي، والربّ يعلم كم أحمل في قلبي من حبٍّ كبيرٍ لك. أتتخيّل أني تلك القوية التي لا يعثرها شيء، ثم يأتي صوتك فيُضعفني؟
نظر إليَّ وابتسم بحبّ:
– أحبّكِ يا شَرِسَتي.
– أنتَ سبب فرحي دائمًا. خلف ابتسامتي لا دفءَ إلا بيديك، ولا بردَ إلا بغيابك. أحبّك لأنك تتحمّل مزاجي وعصبيتي وتسرّعي، ولأنك فزاعتي إن هبطت حولي الغربان السوداء.
– وأنتِ دوائي لجروحي! أتعلمين شيئًا؟
– ما هو؟
– كنتُ أحلم دائمًا بنجمتين؛ الأولى على كتفي والثانية في قلبي. والآن اكتشفتُ أنّهما أنتِ والوطن. كلاكما في دمي.
لمعت عيناي وقلت له: «يا بعدَ عمري».
– لقد خسرتُ عائلتي، وأنتِ أصبحتِ عائلتي الثانية، أمي وأبي وإخوتي وأصدقائي كلّهم أنتِ.
مدّ يده فأخذ يدي وضمّني إلى صدره وقال: «أحبّكِ كثيرًا».
ابتعدتُ عنه وقلت:
> يا ساكنَ القلب، ما في القلب متَّسعٌ
لغيرِ حبِّكَ أغلق بعدكَ البابا
ماذا تظنُّ بدارٍ أنتَ سيّدها؟
غدًا لكَ النبضُ والأنفاسُ حُجّابا
ابتسم وقرص خدّي: «أويلي كم أحبّكِ».
ثمّ همس:
– تعالي، أفرد لكِ قلبي وتفردين لي شعركِ، أحدّثكِ عن الحبّ وتلعبين بأصابعي، أنادي عينيكِ فتخجلين من فمي، أتحسّس يديكِ فيقشعر جلدكِ… تعالي نخرج من الزمن، نسير معًا إلى الأبديّة الكبرى، إلى الحبّ الأخير.
قلتُ له بصدق: «أنا لا أعيش إلا معك يا إبراهيم، وإلا فإنني سأموت فداءً لك».
انتهى حديثنا بابتسامة وقبلة على رأسي وكلمات حبٍّ دافئة.
رجعتُ إلى الشقّة، وفراشات تتراقص في قلبي، ونمتُ نومةً عميقة بلا أرق، بلا تفكير، بلا ألم، بلا قلق على المستقبل.
في الصباح، عند الساعة الثامنة، أعددتُ قهوتي وأنا أميل بخاصرتي مبتسمةً ومفعمةً بطاقةٍ إيجابية كبيرةٍ بفضل ليلة الأمس.
استيقظت كاردينيا، ولمّا رأتني سعيدةً مبتسمةً فرحت وقالت: «ربي يديم السعادة لقلبكِ دائمًا».
– ويديمكِ لي يا روحي.
رنّ جرس الباب وقرع أحدهم طرقاتٍ رقيقةً. ضحكتُ وعرفت أنّه إبراهيم؛ فله في طرقه لحنٌ موسيقيّ. تركتُ ما بيدي وركضتُ أفتح الباب.
كان يحمل باقة وردٍ أصفر. نظرتُ إليه مستغربةً وضحكت، أخذتها منه وقلتُ له: «حبيبي، ما المناسبة؟»
أجابني وهو يضحك ويغنّي:
– «عمي يا بياع الورد…»
(وأخذ يردّد أبياتًا شعبية يمازحني بها).
ضحكتُ، ووضعتُ يدي على كتفه وهو يواصل الغناء.
– تدري، صوتك جميل ويسحر العقل.
– وأنتِ أخذتِ عقلي وتفكيري وكلّ شيء، حتى صوتي صار ينادي باسمكِ ويغنّي لكِ.
– ممم، ما هذا الحبّ من الصباح؟
– وهل يلد الوردُ وردًا يشبهكِ؟
– ربما.
– أنتِ وردتي الوحيدة، المختلفة، المميّزة.
ابتسمتُ.
مرّت أيامٌ هادئة. أمّا دانيال فكلّما حاولتُ الاتصال به وجدتُ هاتفه مغلقًا. قالت أختي لعلّه غيّر رقمه، لكن لماذا؟ اختفى فجأةً بلا إنذار، وصرتُ مصدومةً من ذلك. انقطعت أخباره، حتى لورين لم أعد أعلم عنها شيئًا.
رجعتُ إلى الشركة، فاعتذر لي أمام الجميع – مع أنّ أحدًا لا يعلم أنّ خلافًا وقع بيننا – لكنه أصرّ على الاعتذار، وعدتُ إلى عملي.
أما كاردينيا فحالُها النفسي تحسّن وصارت أفضل، ومع ذلك واصلتُ تجديد علاجها كلّما انتهى.
كانت حياتي هادئة؛ ما بين الشركة والشقّة، واتصالات إبراهيم الليلية التي نتبادل فيها الأحاديث ونتعرّف أكثر إلى بعضنا.
لكنّه لم يتطرّق قطّ إلى حياته العائلية، ولا إلى كيفية وفاة والدَيه، ولم أُلحّ عليه بالسؤال، بل تركتُ له حريّة الحديث متى شاء.
وأنا بدوري لم أبوح له عن حياتي ولا عن المجرم ولا عمّا جرى قبل أربع سنوات؛ ذلك سرٌّ لا أريد كشفه، ولا يعرفه سوى لورين ودانيال.
••••••••••••
العراق – بغداد – الثانية مساءً
لورين
كنتُ واقفةً والعرق يتصبّب من جبيني من شدّة التعب، تنفّستُ بعمق وأطفأت النار، نزعت المئزر وتوجّهت لأغسل يديّ ووجهي. سمعتُ صوت المدير يدخل المطبخ قائلاً:
– استعجلوا، الزبائن بانتظار الطعام.
أومأتُ برأسي أنا وزملائي، وخرج هو. نظرتُ إلى الطلبية باستغراب؛ خرجتُ من المطبخ متوجّهةً إلى قاعة الطعام. رأيتُ جمعًا غير معتاد من الناس، مع أنّ المطعم في الأيام العاديّة شبه خالٍ لعدم شهرته.
لفت انتباهي كرسي رجلٍ أعطاني ظهره فلم أرَ وجهه، كانت أمامه فتاةٌ شابّةٌ جميلة تضحك وهو ممسكٌ بيدها التي تزيّنت بساعة بيضاء فاخرة ذات تصميم غريب.
تقدّمت أكثر بخطى متردّدة. كان لمعان شعره ونبرة صوته الحادّة وكلامه المرتفع يوحي بأنّه يأخذ راحته. استغربتُ أيُّ زبونٍ غريب هذا!
اقتربت من الطاولة وسعلتُ بلطف. رفع رأسه ونظر إليّ بابتسامةٍ غريبة.
– هل أنتَ صاحب الطلبية (البيتزا)؟
– نعم.
– عفوًا، كما تعلم، المطعم يقدّم المأكولات العراقية الشعبيّة فقط، ولا نُعدّ البيتزا.
– حضّري أي وجبة لشخصين.
رفعتُ حاجبي متعجّبة من أسلوبه، لكنّي ردَدت: «حسنًا».
رجعتُ أُحضّر الطعام مكرهة، لا أعلم لماذا لم أرتح له، أحسسته متقصّدًا.
جئتُ بالطعام أقدّمه على الطاولة، وإذا بالعصير ينسكب على بنطاله. وقف بعصبيّة:
– تَرى… عيناكِ خلقهما الله لتبصري بهما!
– أعتذر، لم يكن الأمر مقصودًا، والربّ شاهد.
– في المرّة القادمة انتبهي، بنطالي أثمن من راتبكِ!
تنفّستُ بحدّةٍ من ردّه وقلتُ:
– لو سمحت، قلتُ لك إنّه غير مقصود واعتذرتُ، فلماذا تصرخ؟ سأجلب مناديل مبلّلة لمسح العصير.
حملتُ الصينية الفارغة ورجعتُ إلى المطبخ منزعجةً؛ لقد استفزّ أعصابي. أخذتُ منديلًا نظيفًا وعدتُ إلى الطاولة لأتفاجأ بأنّه ليس هناك، لا هو ولا الفتاة التي كانت معه!
تجمّدتُ في مكاني، لماذا رحلا بهذه السرعة؟! رأى المدير وقوفي وصمتي فناداني:
– لورين، تعالي.
مشيتُ نحوه ووقفتُ عند المطبخ:
– نعم أستاذ؟
– لماذا واقفةً هنا؟ عودي إلى المطبخ ولا تضيّعي الوقت!
– حاضر أستاذ.
– هيا، الزبائن بانتظار.
– أستاذ، هل تسمح لي بسؤال؟
– تفضّلي.
– قبل قليل جاء رجل مع فتاة وطلب طعامًا ثم خرج بسرعة قبل أن يستلم الطلبية ولم يأكلا شيئًا!
– أين جلسا؟
أشرتُ إلى المكان. نظر إليَّ باستغراب وقال:
– لورين، ماذا تقولين؟! لم يجلس أحد على هذه الطاولة منذ البارحة!
يتبع…
___
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم .
استغربتُ من حديثه فقلتُ: أستاذ، لقد رأيته، بل وتحدثتُ معه!
ابتسم متعبًا قائلًا: تخيّلي من شدّة إرهاقكِ أنّكِ تظنين ذلك. اغسلي وجهكِ واخرجي إذا أنهيتِ عملكِ، واضح أنّكِ أرهقتِ اليوم كثيرًا.
أجبته بإصرار: لكنّي متأكّدة، لم أتخيّل!
- عودي إلى بيتكِ يا لورين.(بلهجة حازمة)
أطرقتُ ثم قلتُ: حسنًا...
غيّرتُ ملابسي، أخذتُ حقيبتي وغادرتُ المطعم. ركبتُ سيّارتي وأنا أسترجع حديث المدير: لماذا يُصرّ أنّي أتوهّم؟ أنا واثقة ممّا رأيتُه، بل تحدّثتُ معه وردّ عليّ! فكيف يكون وهْمًا؟
لكن من جهةٍ أخرى... لماذا اختفى؟ ومن يكون أصلًا؟
توقّفتُ عند متجرٍ صغير، اشتريتُ عصيرًا وقطعة كعكٍ وعدتُ إلى السيارة. أكلتُ قليلًا وشعرتُ ببعض الراحة. ثم تابعتُ الطريق، وهاتفي في يدي، أترقّب اتّصالًا منه. يا ربّ، لعلّه يتّصل!
مضى أسبوعان وهو غائب، لا يتّصل ولا يلتقيني، وأنا أعلم السبب ولكنّ الشوق ينهشني. اعتدتُ أن نذهب إلى العمل معًا، ونأكل معًا. تنهدتُ بضيق: آه يا دانيال، ما حالك الآن؟
بسبب ذلك الـ"F" تغيّر كل شيء. دمّر حياة صديقتي ماتيلدا، وها هو الآن يبدأ لعبته ليهدم حياتنا، ولم يكتفِ بعد.
ثبتّ نظري على النافذة الجانبية، وذكرياتي أعادتني إلى سنةٍ مضت، إلى اليوم المشؤوم...
العودة إلى الماضي - بغداد، 2009، الساعة السابعة مساءً
كنتُ جالسةً في حديقة البيت على الأرض، أحمل حاسوبي المحمول في حضني، وبجانبي طبقٌ من المكسرات المتنوّعة. كان الملل ينهشني. جاءت أمّي تحمل العشاء في صينيّة، أخذتُها منها وجلست هي بجانبي.
سألتُها:
- ها، لماذا أنتِ شاردة؟
أجابت بهدوء:
- لا شيء يا ابنتي، لكن نسيتُ أن أخبركِ؛ صباحًا جاءت سيارة شرطة وأنتِ نائمة.
- خيرًا إن شاء الله، بخصوص ماذا جاءوا؟
- قال الضابط إنّ لديهم بعض "الأغراض" في المركز. تلك الأغراض كانت في البيت بعد الجريمة التي قُتلت فيها عائلة ماتيلدا. قالوا: تعالوا واستلموها لأنّ صاحب البيت مختفٍ، ولا يعلمون أنّ صديقتكِ سافرت.
- أوه، ألم تسأليهم ما هذه الأغراض؟
- لا أعلم، لكن قالوا أشياء أخرجوها من البيت المحترق.
- حسنًا.
- كُلي الآن واعتني بصحّتكِ، حتى في تعبكِ تبقين جميلة.
ابتسمتُ:
- يحفظكِ الله يا أمي.
- حبيبتي...
أكلتُ قليلًا ثم فتحتُ الحاسوب واتّصلتُ بدانيال، فتح الكاميرا وكان يأكل.
ضحكتُ وسألته:
- ماذا تأكل؟
قال:
- معكرونة، أتحبّين أن أرسل لكِ بعضًا منها؟
- لا، أنا آكل دجاجًا.
- ألف عافية، أمّكِ طبخته، أليس كذلك؟
- نعم.
- كنتُ أعلم؛ لأنّكِ ضعيفة في الطبخ، لا تعرفين الملح من السكّر.
- ليس إلى هذه الدرجة!
- هههههه، أتذكرين حين وضعتِ ملحًا في القهوة بدل السكّر؟ ثم اختلقتِ عذرًا أنّكِ خلطتِ العلب!
- أووه، لِمَ لا أكذب إذًا؟
- احكيها على غيري، أنا أحفظكِ أكثر من نفسكِ.
- عِشتَ يا دنو.
ضحك، وضع يديه على عينيه وسكت.
- ها، ماذا بك؟ خوّفتني، هل تذكّرتَ شيئًا؟
ضحك ونظر إليّ:
- لا، فقط تذكّرتُ كاردينيا. كانت دائمًا تقول لي "دنو"، فأغضب أحيانًا وأعتبره دلعًا سخيفًا. والآن أتمنّى أن تقوله لي ألف مرة في اليوم مقابل أن أراها!
- الله كريم، سيأتي يوم ونلتقي.
- هذا اليوم بعيد، صار حلمًا أصلًا.
- لا تكن سلبيًا يا دانيال، تفاءل.
- إن شاء الله.
- صحيح، نسيت أن أخبرك: غدًا سأذهب إلى مركز الشرطة.
- لماذا؟ هل هناك جريمة جديدة وأنا لا أعلم؟
ضحكتُ بمرارة:
- لا، الله لا يقولها، دعنا نرتاح قليلًا من المصائب.
- إذن ماذا؟
- صباحًا جاءت سيارة شرطة، قالوا هناك أغراض من بيت ماتيلدا بقيت لديهم بعد أن أُغلقت القضية نهائيًا. طلبوا أن نستلمها.
- غريب، تذكّروها الآن؟
- نعم، فكّرتُ بالأمر لكن الله أعلم.
- حسنًا يا روحي، لو لم يكن عندي عمل غدًا لذهبتُ معكِ.
- لا بأس، أذهب وحدي، ليس أمرًا صعبًا، سيارتي موجودة.
- تمام، وأي شيء يحصل أخبريني به، ولا تتّصلي بماتيلدا.
- لماذا؟
- مسكينة، ستتذكّر الجريمة من جديد وتتأذى، وهي بالكاد بدأت تنسى.
- نعم، كنتُ مقرّرة ألّا أخبرها، أحسنتَ أنّك نبّهتني.
- الأغراض ستبقينها عندكِ؟
- نعم، لكن أوّلًا أريد أن أعرف ما هي.
- ربما ساعات أو شيء من هذا القبيل، حسنًا روحي، دعيني أكمل أكلي.
- أكمل يا صاحب البطن الكبير.
- هاهاها، عينكِ الأدبسز عليه.
- هههههه، لا عيني، هنيئًا ومريئًا.
- هههههه، يلا باي.
- أكيد، باي.
في صباح اليوم التالي
استيقظتُ بنشاط، تناولتُ الفطور مع أمّي ثم بدّلتُ ملابسي: بنطالٌ وقميصٌ قصير يصل إلى عظمة الصدر وفوقه جاكيت، أحبّ هذا الستايل. شعري القصير الكيرلي تركته منسدلًا على كتفيّ.
حين صارت الساعة الحادية عشرة أخبرتُ أمّي أنّي ذاهبة، كانت تصلّي، جاءت إليّ وهي تحمل مبخرة، بخّرتني برائحة طيّبة وقدّمت لي قلادة الصليب. أخذتها ولبستها حول عنقي:
- عجبًا، كيف نسيتُها أمس؟ بحثتُ عنها كثيرًا ولم أجدها، الحمد لله أنّكِ وجدتها يا أمي.
- حبيبتي، اذهبي وديري بالكِ على نفسكِ.
- لا تقلقي على ابنتكِ الذكيّة.
قبّلتُ يدَيها بعمق، فهزّت رأسها بحبّ وقالت:
- يرضى الله عليكِ.
وضعتُ الحقيبة حول خصري، خرجتُ من البيت، ركبتُ سيارتي وشغّلت دعاءً أسمعه وأردّده بلساني. كنتُ مبتسمة وهادئة طوال الطريق.
لكن عيني وقعت على المرآة الجانبية؛ سيارة سوداء حديثة تتبعني. استغربت، في محافظتنا لا يملك مثلها إلّا تاجرٌ كبير أو ضابط استخبارات أو ذو نفوذ حكومي. مستحيل أن يكون شخصًا عاديًا!
تجاهلتُ الأمر وأكملتُ طريقي، انعطفتُ في أزقّة، لكن السيارة ظلّت تتبعني. لا أنكر أنّ الخوف دبّ في قلبي. نظرتُ إلى السكين الذي وضعته أمامي للأوقات الصعبة، وإلى بخّاخ الفلفل الحار، أدواتٌ مهمّة لأدافع عن نفسي. وإذا اضطررتُ أستخدم لساني وذكائي، أو ركلةً في المنطقة الحسّاسة. ضحكتُ بصوتٍ عالٍ: يا لورين، في أيّ حال أنتِ!
ألقيتُ نظرةً أخرى في المرآة... السيارة اختفت! تعجّبتُ. هل وخز ضميره وخاف من الله؟
أكملتُ ضحكتي الساخرة وتجاهلتُ الأمر تمامًا.
وصلتُ إلى المركز، أوقفتُ سيارتي، قرأتُ اللوحة الأمامية: "مركز شرطة بغداد". سمّيتُ بالله ودخلتُ بخطواتٍ واثقة.
تحدّثتُ مع الضابط وقدّمتُ هويّتي:
- أنا لورين، التي طُلب منها استلام الأغراض.
هزّ رأسه وقال: "نعم"، وأدخلني إلى غرفة الرائد المحقّق في القضيّة.
طرق الباب، فجاء صوت الرائد: "تفضّل".
دخلنا وألقيتُ التحيّة.
قال الضابط:
- سيدي، هذه مدام لورين.
أجابه الرائد:
- لا حاجة للتعريف، أعرفها، يمكنك أن تذهب.
- حاضر سيدي.
ابتسمتُ باستغراب ولم أفهم قصده. خرج الضابط.
أشار إليّ الرائد قتيبة إلى الكرسي:
- تفضّلي يا لورين.
جلستُ بهدوء، نزعتُ حقيبتي ووضعتها على الطاولة، فلاحظتُ عينيه تتجهان إلى بطني عند منطقة السرّة. صُدمتُ، لكنّي تماسكتُ؛ أخذ ما أريد وأرحل، لستُ في مزاجٍ لمشكلة جديدة.
قال قتيبة:
- الأغراض كنتُ محتفظًا بها.
- ما السبب؟
- حين أطفأنا الحريق الذي حصل، كان هناك بعض الأثاث لم تلحقه النار، لكن مصيره كان إلى القمامة. غير أنّ هناك صورًا بإطارات، بعضها محترق، لكن بقيت ثلاث صور سليمة واضحة.
- صور ماذا؟
- صورة تخصّكِ، والثانية لعائلة المتوفَّين، والثالثة صورة تجسّد مريم العذراء عليها السلام وبها صليب.
- حسنًا، هل يمكن أن تعطيني الصور لأخذها؟
- نعم، لحظة.
فتح الدرج وأخرج ظرفًا وأعطانيه. أخذته وجلستُ وفتحته. شعرتُ بانقباضٍ في قلبي حين رأيتُ صورة صديقتي، وترحّمتُ على عمّها وخالتها في صورةٍ قديمة. أمّا صورة مريم العذراء فضممتُها إلى صدري مبتسمة.
ثم رأيتُ صورتي... كانت صورةً لي وأنا أرتدي بنطالًا وحمّالة صدر فقط، شعري منسدلٌ على السرير. تذكّرتُها جيّدًا؛ ماتيلدا التقطتها لي قبل ستّ سنوات. غضبتُ، بالتأكيد تفكيره وسخٌ واحتفظ بالصورة لغرضٍ قذر.
قلتُ له بحدّة:
- حسنًا، سأرحل الآن. شكرًا لك، حضرة الرائد المحترم الخلوق قتيبة.
قال مبتسمًا:
- لا والله لن تخرجي قبل أن تشربي قهوتكِ، هي موجودة دقيقة فقط.
لم أجب، فرفع جهاز اللاسلكي وقال:
- الضابط حسن، أحضر ما طلبته منك.
ثوانٍ ودُقّ الباب، دخل الضابط، قدّم التحية، وضع القهوة على الطاولة وخرج.
نظر إليّ قتيبة مبتسمًا:
- تفضّلي، اشربي.
عقدتُ حاجبي وقلتُ:
- لا داعي، أريد أن أخرج، اعتبر قهوتك مشروبة.
- اشربي دون اعتراض.
- عفوًا؟
- عندي موضوع مهم عن الجريمة سأخبركِ به، سيفيدكِ.
نظرتُ إليه متفاجئة:
- أيّ معلومة؟ ياريت تقولها!
- اشربي أوّلًا ثم أتكلم.
- لماذا؟
- أنا ضيّفتكِ ولا أحبّ من يردّني.
- حسنًا...
أخذتُ الكوب الورقي وشربتُ القهوة دفعة واحدة. هزّ رأسه غير راضٍ.
قلتُ له:
- إذا سمحتَ، تحدّث بسرعة، القهوة شربتها.
- حسنًا، اسمعي وركّزي بكلامي... القاتل أظنّ أنّكِ تعرفينه.
صرختُ مذهولة:
- ماذا؟!
- نعم، وأنا مستعدّ الآن أن أريكِ وجهه.
- إذن ماذا تنتظر؟ دعني أراه!
- لكن بشرط.
- اعتبر شرطك مُنفّذًا، بالله عليك أريد أن أعرف من هو القاتل والمجرم!
ابتسم بخبث:
- تمام، اتفقنا.
- تكلّم دون تأخير ومماطلة، أعصابي تلفّت!
- لا بأس... اسمعي، مضت أربع سنوات ونحن نبحث عن المجرم الذي ارتكب جرائم فظيعة، ضحاياه أناس طيّبون. وبعد تحقيق طويل، عرفنا أخيرًا صورته واسمه وكل معلوماته.
سكتُّ مذهولة. هل سأرى المجرم المجهول؟
قال قتيبة:
- هل تسمعينني يا لورين؟ أين شردتِ؟
هززتُ رأسي:
- نعم، هل يمكن أن أراه؟
- نعم، لكن لا تخبري أحدًا، ليكون سرًّا بيني وبينكِ يا لورين.
- حسنًا.
- عفية عليكِ.
نهض من كرسيه، سار خطوات إلى الخزانة، فتحها وأخرج ملفًا أسود وأقفلها بإحكام. تقدّم نحوي، فتح الصفحة الأولى. أخذتُ الملف منه بيدٍ مرتجفة، نظرتُ إلى صورته، قرأتُ اسمه ومعلوماته... صرختُ:
- لاااا! مستحيل!!
انتفض وقال:
- تعرفينه؟
- كيف لا أعرفه؟! مستحيل! لم أتوقّع أن يكون هو! بالله قل لي إنّي في حلم لا في حقيقة! ما الذي يحدث يا ربّ؟
أمسك كتفي وقال:
- اهدئي يا لورين، تعالي اجلسي في مكانكِ، ارتاحي، من حقكِ الصدمة.
هززتُ رأسي وجلستُ، يدي على عينيّ لا أستوعب. ماتيلدا لو عرفت ستجنّ!
بعد دقائق قال قتيبة:
- ها يا لورين، كيف حالكِ الآن؟
- نعم، بخير.
- للأسف، المجرم لا نعرف مكانه. هو ذكيّ، جعلنا أشهرًا نبحث عنه في شمال العراق بعد أن وصلنا خبر أنّه هناك، ثم تبيّن أنّه يعيش في بغداد في مكانٍ لم نفكّر به! قلبنا بغداد ولم نجد له أثرًا، حيرنا، لا ندري كيف يهرب والشرطة في كل مكان تبحث عنه واسمه في كل المراكز! صرنا نعتقد أنّ له مكانًا تحت الأرض، لا نستبعد شيئًا من مجرم خطير مثله.
تنهدتُ:
- وماذا الآن يا سيدي؟
- البحث مستمر، وإذا عرفنا معلومة جديدة سأتصل بكِ وأخبركِ أولًا بأول.
- حسنًا، شكرًا لك.
لبستُ حقيبتي وهممتُ بالخروج، فقال بصوتٍ مسموع:
- والشرط؟
تظاهرتُ بالنسيان:
- أيّ شرط؟
ضحك:
- يا بنت، أنا قتيبة، لا تتغابين عليّ.
- آه، تذكّرت، نعم تفضّل، ما شرطك لتنفّذه؟
ثبت عينيه على شفتيّ وقال ببرود:
- أريد قبلة.
يتبع..
__
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم .
سمعتُ طلبه المقزّز فألقيتُ عليه نظرة ممتلئة بالاشمئزاز، وقلتُ بحدّة:
– «إذن، إلى هذا الحدّ أنتَ مقرفٌ ومثيرٌ للاشمئزاز؟!»
رمقني بعينين متصلبتين وقال بنبرة آمرة:
– «نفّذي ما طلبتُه فورًا، هيا تعالي.»
قهقهتُ باستهزاء:
– «أحقًّا تتحدّث بجدّ؟!
أولًا، اخجل على نفسك؛ أنتَ في عمر أبي وتطلب أفعال المراهقين! ليحفظ الله عقلك.
ثمّ أقسمُ بأمن العذراء أني لو فتحتُ الباب لفضحتك أمام الناس، وجعلت الضباط في المركز يسخرون منك فضيحةً لم يشهدها العراق من قبل!
أتظنّ أنّ بإمكانك خداع (لورين) ببضع كلمات؟ ضربة واحدة في موضع حسّاس قد تُنهي نسلك. فاخرس وأبلع لسانك، فإني خارجة وكأن شيئًا لم يكن. مع السلامة، حضرة الرائد قتيبة الشريف.»
لم ينبس بكلمة، فحدّقتُ فيه لحظةً ثم فتحتُ الباب بعصبية. لكني فوجئتُ بوجه الضابط حسن يقف أمامي.
قال لي مستفسرًا:
– «لورين، ما الذي حدث في الغرفة؟»
رفعتُ حاجبيّ بتحدٍّ:
– «ومن أنتَ حتى تسألني؟!»
– «مجرد سؤال.»
– «اسأل سيّدك المحترم، هو مَن يجيبك. أمّا الآن فتَنحَّ عن طريقي.»
– «حسنًا، تفضّلي.»
خرجتُ من المركز مُنهكةَ النفس. في مثل هذا المكان لم يعد ثمّة أمان، وفقدتُ ثقتي بأي أحد مهما كان شأنه.
مشيتُ حتى سيارتي المركونة بعيدًا. وما إن أردتُ الانطلاق حتى انتبهتُ إلى وردةٍ حمراء وظرفٍ أسودَ ملصوق بزجاج السيارة. اضطررتُ إلى النزول لأعرف ما الأمر. تناولتُ الوردة، كنتُ على وشك شمّها لكنّي خفتُ أن يكون فيها شيء، فتركتها وفتحت الظرف. قرأتُ المكتوب فيه:
> «أحبّ جرأتكِ أيتها المثيرة… هل لي بقبلةٍ من شفتيكِ؟
F»
شهقتُ دهشةً، وعيناي تتسعان وهما تقرآن الرسالة. التفتُّ حولي أبحث بعينيّ، ثم ثبتّ نظري على المركز. الرائد قتيبة هو نفسه (F)!!!
لساني انعقد من الصدمة. رميتُ الورقة بسرعة، ركبتُ السيارة وانطلقتُ من المنطقة، ويدي على خدي أحاول أن أربط الأحداث. ضغطتُ على بوق السيارة مرارًا؛ رأسي يكاد ينفجر. كيف يكون (F) هو قتيبة؟! إذن مَن يكون الرجل الذي رأيته في الملف إذا لم يكن (F)؟ أيمكن أن يكون هناك مجرمان اثنان يلعبان بأعصابنا؟ وإذا لم يكن قتيبة هو (F) فكيف وصلت الرسالة إليه وعرف بما جرى في الغرفة؟ وإذا كان هو (F) فلماذا أرسل لي الرسالة وأراني صورة مجرم آخر؟
نظرتُ إلى الساعة، كانت الواحدة ظهرًا. توجهتُ إلى حديقة عامة، وجلستُ هناك حتى السادسة مساءً؛ ست ساعاتٍ متواصلة وأنا أفكّر وأحاول فهم ما يجري.
تنفستُ بعمق وأنا أراقب الأطفال يلعبون بالمراجيح من بعيد، وأطقطق بأصابعي عادةً لأخفّف من توتري. فجأةً سمعتُ رنين الهاتف ينبئ بوصول رسالة. لمستُ الشاشة وفتحتها؛ جسدي ارتعش وقشعر جلدي مما كُتب فيها:
(نصيحة مني لكِ: التفكير الزائد يسبّب القلق والاكتئاب والاضطرابات. كوني هادئة يا مثيرةF)
بعد دقيقتين جاءت رسالة أخرى:
(بالمناسبة… أعترف لكِ: أنتِ أجمل من صديقتكِ الساذجة. عيناكِ تفقداني الصواب حقًا.)
اللعنة! كيف عرف رقمي؟ هذا خامس رقم أغيّره بسببه. هممتُ بالرد لكني آثرتُ أن أرى إلى أين يريد الوصول. كنتُ مركّزةً على الشاشة حين لمعت مجددًا وجاءت رسالة ثالثة:
(نصيحة أخيرة: ابتعدي من ضجيج الأطفال فهو يزعجكِ. أنا مهتمّ بأمركِ ولا أقبل أن تُرهقي نفسكِ. عودي إلى البيت فورًا.)
شهقتُ من الصدمة؛ إنه هنا، يراني في الحديقة! تلفتُّ يمينًا ويسارًا ثم أسرعتُ إلى سيارتي، ركبتها وأقفلتُ الأبواب بخوف. مجرمٌ خطير مثله لا يُؤمَن؛ كل شيء متوقَّع منه. لكن كيف يتجوّل بهذه الحرية؟ يا ربّ، عقلي سيتفتت!
وقبل أن أشغّل السيارة وصلتني رسالة أخرى من رقم مختلف:
(أحبّ الأشخاص الذين يأخذون الكلام دون أن يُتعبوني.)
لم أترك شتيمة إلا وأطلقتها في داخلي. ما هذا النذل؟ إلى أين يريد أن يصل؟ قدتُ السيارة بلا نيّة للعودة إلى بيتي، وتجولتُ ساعةً كاملةً بين المناطق حتى أخذني الطريق إلى بيت (ماتيلدا).
أوقفتُ السيارة ونزلت عند السابعة مساءً. المنطقة شبه خالية، بنايات مهدّمة، لا بيوتَ سكن. هنا حدثت جرائم شتى قبل أربع سنوات. الآن تحاول الشرطة أن تتواجد بعد جريمة قتل أهل (ماتيلدا) لتمنع الجرائم. في هذا المكان تُقدَّم القرابين ويُمارَس السحر وتُباع المخدرات.
مشيتُ بحذر، هاتفي ومفتاح السيارة في يدي. وصلتُ إلى بيت عائلة (ماتيلدا). فتحتُ الباب الحديدي بكلتا يديّ ودخلت. ظهرت أمامي حديقة واسعة يتوسطها بيتٌ نصفه محترق ونصفه الآخر مهدّم؛ هيكل باقٍ وكراسٍ وأشياء مبعثرة على الأرض. المكان مرعبٌ مهجور.
قلبي كان شجاعًا؛ لم أتردد في المضيّ، بل جلستُ على الأرض وعيوني تتفحّص المكان وتدمع. كيف أصبح هذا البيت الجميل رمادًا؟! هنا عشتُ مع (ماتيلدا) سنتين بفرحنا وحزننا وخوفنا وتوترنا. تشاركنا كل الأحاسيس.
ظللتُ على الأرض أستعيد ذكرياتي المؤلمة، أتذكّر يوم قُتلت عائلة (ماتيلدا)؛ أصعب يوم مرّ علينا. تسع جرائم تلت ذلك. نحمل حقدًا وكراهيةً عميقة تجاه (F). أربع سنوات وهو يلهو ويقتل بدم بارد. إنسانٌ حقير مجرم يصعب وصفه. شعورٌ قاسٍ أن تفقد كل شيء وأن تكون حياتك مهددة في أي لحظة.
لكن اليوم أخيرًا عرفتكَ. اليوم ستُدمَّر. سأُخبر الجميع من أنت. ستنصدم (ماتيلدا) كما انصدمتُ أنا، لكنها ستنتقم منك انتقامًا لا تتصوره، وسأكون يدها اليمنى.
مسحتُ دموعي وتفحّصتُ هاتفي، فإذا الساعة العاشرة والنصف ليلًا. قفزتُ رعبًا: أربع ساعاتٍ جلستُ هنا! حتمًا أمي الآن قلقة عليّ. اتصلتُ بها سريعًا وأخبرتها أني في بيت صديقتي (ماتيلدا) وسأعود. قالت لي وهي تكاد تبكي:
(يا مجنونة! ذهبتِ إلى تلك المنطقة؟ بالله عليكِ احفظي نفسكِ وعودي سالمة. أرجوكِ عودي الآن.)
فأجبتها أهدئ من روعها:
– لا تبكي يا أمي ولا تخافي. ساعة وأكون عندكِ بإذن الرب.
– الرب يحفظكِ ويبعد عنكِ كل مكروه. قلبي سيتوقف. عودي سالمة، لا أريد إلا رجوعكِ.
– أمي، ادعي لي أصل بالسلامة، ولكل حادثٍ حديث.
نظرتُ إلى الهاتف، الشحن عشرة بالمئة. قلت لها:
– هاتفي سينطفئ في أي لحظة، سأغلق الاتصال قبل أن تنتهي البطارية.
– انتبهِي لنفسكِ وردّدي الأدعية، لا تستخفّي بالموقف.
– إن شاء الله يا أمي. مع السلامة.
أنهيتُ المكالمة ووضعته في جيب بنطالي. سرتُ نحو الباب لأخرج، لكنني حين دفعته لم ينفتح! استغربتُ. حاولتُ مرارًا دون جدوى؛ مقفول من الخارج! من أغلق الباب عليّ في هذه الساعة؟ دفعتُه بقوة بلا فائدة.
ساعةً كاملةً وأنا أحاول بلا جدوى. ظهري يؤلمني، والظلام يشتدّ. هاتفي على وشك النفاد، ولا نور يُنير المكان، ولا أحد ينقذني. الساعة الآن الحادية عشرة والنصف ليلًا في منطقة تُلقَّب بالموت لكثرة الجرائم. موقف لا يُحسد عليه.
سمعتُ فجأةً صوتًا قريبًا من الباب؛ توسلات رجل بصوت خشن ونحيب. صُعقتُ. من هذا؟ ارتعدتُ وخفتُ. يا ربّ، ما هذا الموقف الصعب؟ خلّصني من هذه الليلة.
في لحظة ضعفٍ صرختُ بأعلى صوتي:
– «من في الداخل؟ بحقّ المسيح افتحوا الباب! أرجوكم!»
أعصابي تلفت وصوتي انقطع:
– «أكيــد تسمعونني! افتحوا الباب! أنا لم أؤذِ أحدًا! افتحوا!»
تحسّستُ الأرض حتى وجدتُ حجرًا صلبًا، ركلتُ به الباب عند القفل مرةً واثنتين وثلاثًا، ثم دفعتُه بكل قوتي حتى استجاب وانفتح. ابتسمتُ بنصر: يا ربّ رحمتك!
نفضتُ ملابسي من التراب وركضتُ نحو سيارتي البعيدة قليلًا. ركبتُها، مفتاحي وهاتفي في يدي، متجاهلةً كل شيء، المهم أن أخرج من هذه المنطقة. لكن قدمي اصطدمت بشيءٍ على الأرض. انحنيتُ بخوف وشغّلتُ ضوء الهاتف لأستكشف. فتحتُ عينيّ دهشةً وصرختُ بقوة؛ جسدي اقشعرّ، كياني اهتزّ من المنظر أمامي. ابتعدتُ سريعًا، أمسكتُ رأسي بكلتا يديّ، دموعي تنهمر بحرارة على خديّ. لم أستوعب ما أراه:
جثة قتيبة… يده مقطوعة، عيناه مقلوعتان، والدم يسيل من عنقه.
يتبع…
___
نمارق رحيم ✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم .
من الصعب أن يشاهد الإنسانُ الموتَ ماثلاً أمامه، خصوصاً حين يكون مشهداً وحشيّاً يفوق طاقة البشر على الاحتمال؛ جسدٌ غارق في الدماء، عيناه منزوعة، ويداه مبتورة. العقل يكاد ينفجر، والقلب يتوقف من هول ما يرى.
شهقتُ بقوة وتراجعتُ خطواتٍ عن سيارتي، وصوتي يختنق بالذعر:
– قتيبة… مَن قتلك؟ ولماذا في هذا الوقت؟ ولماذا تحت سيارتي؟
وضعتُ يديّ على وجهي وأنا أصرخ بحرقة:
– يا إلهي… رحمتك!
المنظر أمامي لا يُحتمل، ومن المستحيل أن يراه بشرٌ سويٌّ دون أن يفقد صوابه. جسدي كله يرتجف، وصوت أبواق سيارةٍ خلفي يزداد ضجيجاً. حاولت أن أنطق بكلمة واحدة فلم أستطع؛ لساني شُلّ، وحلقي انغلق. أخذت أضرب قدمي على الأرض بقوة وأنا أصرخ وسط الشارع، والجثة ما تزال أمامي والسيارة من خلفي تُطلق الأبواق بلا انقطاع.
تقدمتُ بارتباك إلى الخلف، أريد أن أصل إلى السيارة، فركضتُ نحوها بلا وعي. وفجأة توقف الصوت. توقفت السيارة عن إطلاق الأبواق، ووجدتني واقفةً أمامها بشجاعةٍ يائسة. طرقتُ زجاجها بإصرار حتى انخفض الزجاج بهدوء. في تلك اللحظة شددتُ قبضة يدي وأنا أرى وجه قاتل أبي… ذلك المجرم العاشق للدماء وقتل الأبرياء.
لم يظهر من ملامحه سوى عينين حمراوين لامعتين، حادتين بشكل غير بشري، يحيط بهما إرهاقٌ ومرضٌ وغموض؛ عينان كعيني صقرٍ يترقّب فريسته. كان وجهه مخفياً وراء قناعٍ أسود، وهو… هو الـ(F).
تراجعتُ خطوتين إلى الوراء مذعورةً مرتجفة. انفتح باب السيارة ونزل منها بكل جبروت. لمحتُ ساعةً سوداء تلمع على معصمه، وفي يده مسدس أسود. حاولتُ جمع قواي؛ هو ليس رجلاً عادياً بل قاتلٌ محترف. كنت أحاول أن أنسى جثة قتيبة لأفكر في مهربٍ من هذا الموقف المستحيل.
نظرتُ إلى سيارتي محاوِلةً تذكير نفسي بالهرب. وبمجرد أن خطوت خطوةً للأمام أطلق رصاصةً بجواري. فزعتُ، وانهمرت دموعي كردة فعلٍ تلقائية على صوت الطلقة. شعرت أن قلبي توقف. التفتُّ إليه فرأيته واقفاً، يستند إلى السيارة ويلعب بالمسدس حول إصبعه. نطقتُ بصوت متقطع وارتجاف واضح:
– دعني أذهب… لماذا تريد إيذائي؟
كان صوته الحقيقي يخرج لأول مرة حين أجابني ببرود:
– لا مفرّ، أيتها المثيرة.
ارتعش جسدي كله. نظرتُ إلى مسدسه وأنا أقول:
– صرتُ أعرفك… لا تحاول أن تخفي نفسك. رأيتُ صورتك وعرفتُ كل شيءٍ عنك… اسمك ومعلوماتك. انزع القناع.
ابتسم باستهزاء وقال ببرودٍ قاتل:
– ولهذا السبب سوف أقتلك.
صرختُ بحرقة:
– إلى أين تريد أن تصل؟ أما اكتفيت بما فعلته بي وبماتيلدا؟ كم قتلتَ من الأبرياء؟ أما شبعتَ دماً؟
أومأ برأسه بالنفي، وضحك ضحكةً عالية مرعبة جعلت جسدي كله يقشعر.
قلتُ وأنا أكاد أبكي:
– لماذا تفعل هذا؟ ما غايتك من قتل الناس وتدمير حياتهم؟ ما هذا الحقد الذي تحمله في قلبك؟ وما هذا البرود الذي يتيح لك أن تقتل بكل هذه السهولة؟
ابتسم ابتسامة شيطانية وقال:
– أحبّ الجريئات.
نظرتُ إليه بتحدٍّ رغم خوفي، وقلتُ بلهجة ثابتة:
– الرب عادل، وسيأتي يوم تموت فيه، وحينها ستندم على كل روح قتلتها بلا ذنب.
ابتسم وقال ببرود:
– لدي شغف كبير لذلك اليوم.
كنتُ أحاول إطالة الحديث علّني أجد فرصةً للهرب قبل أن يضغط على الزناد وينهي حياتي. قلتُ بارتباك وأنا أفرك يدي:
– لماذا ترتدي القناع؟
أجابني باستهزاء:
– أخجل منكِ.
أدرك أني أحاول جره للكلام، لكنه لم يبتلع الطُعم؛ عيناه لا تفارقانني، أي حركةٍ مني ستكون نهايتي.
لم أستطع الاحتمال أكثر، مسحت دموعي بيدي المرتجفة وناجيت السماء:
– يا أمنا العذراء، ساعديني… قلبي يوشك أن يتوقف.
الهدوء الذي يلفّه يثير الرعب؛ إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. أيقنت أني الليلة سأُقتل على يده، مثلما قَتَل أبي قبل أعوام.
تقدّمتُ خطوةً صغيرة، وما إن رفعت قدمي حتى دوى صوت طلقة أخرى بجانبي. شهقتُ وأمسكتُ صدري من شدة الرعب، دموعي تنهمر بلا توقف. رفعت يدي بعلامة التوسّل وقلتُ بصوتٍ مخنوق:
– أرجوك… كفى! ارحمني ودعني أذهب. ما ذنبي؟
نظر إليّ ببرودٍ لا إنساني وقال:
– اذهبي.
تجمدتُ في مكاني غير مصدّقة، وسألته:
– أحقاً… تسمح لي بالرحيل؟
رمى مسدسه داخل السيارة وقال:
– نعم.
بقيت مترددة، خائفة أن يغدر بي. ظللتُ واقفة في مكاني، فقال بنبرةٍ قاسية:
– ما الأمر؟ ألستِ من ترجّيتِ الرحيل؟ هيا، اذهبي.
سكتُّ لحظات، ثم قلت لنفسي:
– هذه فرصتكِ يا لورين… اهربي ما دمتِ قادرة.
أخذتُ نفساً عميقاً، ثم بدأت بالمشي بخطوات حذرة. فتح باب سيارته وجلس خلف المقود، وعيناه تراقبانني دون أن يطرف لهما جفن. كان هدوؤه أشد رعباً من تهديده.
سرتُ مسرعة، وابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهي ظنّاً أني نجوت. لكن ما هي إلا لحظات حتى دوّى صوت محرّك السيارة من خلفي، يقترب بسرعةٍ جنونية. التفتُّ فإذا بأضواءٍ ساطعة تملأ عينيّ، قبل أن يصطدم جسدي بالزجاج الأمامي بقوة.
سقطتُ أرضاً والدماء تنزف من رأسي، التراب يملأ فمي، وجسدي كله يتكسر من شدّة الألم. لم تمر سوى لحظات حتى غاب وعيي تماماً…
---
فتحتُ عينيّ بعد وقتٍ لا أعرف مداه، لأجد نفسي في المستشفى، و"دانيال" واقف إلى جواري، ملامح الخوف والقلق واضحة على وجهه. حاولت أن أتكلم فلم أستطع، وانفجرت في سعالٍ عنيف. دخل الطبيب بعدما ناداه دانيال على عجل. وبعد سلسلةٍ طويلة من الفحوصات أخبرني:
– للأسف… فقدتِ القدرة على الكلام، بسبب صدمةٍ نفسية بالغة.
تدفّق الغضب في داخلي، ازداد حقدي على ذلك المجرم، على "F" الغادر الذي لم يكتفِ بقتل والدي بل حطّم حياتي أيضاً. أقسمتُ أن يأتي اليوم الذي يندم فيه، يوم أنتقم منه أنا وماتيلدا، انتقاماً لا يُبقي له أثراً.
---
وصل الخبر إلى أمي، لكنها في الليلة ذاتها تعثرت وسقطت، فأصيب ظهرها بأذى. لم تستطع زيارتي في المستشفى، وإن كانت إصابتها طفيفة والحمد لله.
مكثتُ أسبوعين تحت الرعاية، جسدي بدأ يتعافى لكن صوتي لم يعد. وعندما عدتُ إلى البيت، عزمت على كشف الحقيقة لدانيال. كان جالساً في غرفتي يتحدث إلى الطبيب عبر الهاتف، يشكره على متابعته.
أشرتُ إليه بيدي إشارة القلم والكتابة، ففهم وأحضر ورقةً وقلم. كتبتُ بيدٍ مرتعشة:
– "دانيال… F هو سبب الحادث."
قرأ الورقة وقال بهدوء:
– أعلم.
نظرتُ إليه بدهشة وكتبتُ بسرعة:
– "كيف علمت؟"
أجابني:
– انظري إلى يدك.
رفعتُ رداء يدي، فإذا بالحرف "F" مرسوم عليها بخطٍ عريض أحمر، وقد تجمّد الدم على أثره. شهقتُ بذهول.
قال دانيال:
– منذ نقلتكِ إلى المستشفى رأيتُ هذا الحرف منقوشاً بدمك. عرفتُ أنه مخطّط لكل شيء، وأن هذه الليلة لم تكن صدفة. والأنكى أن الحادث وقع تماماً عند منتصف الليل، في الثانية عشرة. هناك سرٌّ في هذا الوقت بالذات.
كتبتُ له:
– "وكيف عرفت أني دُهست؟"
أجاب بعد صمت:
– والدتكِ اتصلت بي قبل الحادث بساعة، تبكي وتصرخ: "الحق لورين… هي في المنطقة المحترقة، عند بيت ماتيلدا!" تركتُ كل شيء وانطلقت. وعندما وصلت، وجدتكِ وحدكِ ممددة والدماء تغطي المكان. لم أرَ أحداً غيركِ، حتى هو لم يكن موجوداً. وعلى الحائط القريب منكِ كان مكتوباً: "هذا مجرد تسلية… F".
كتبتُ له بذهول:
– "ألم ترَ جثةً؟"
قال:
– أي جثة؟ كان المكان فارغاً تماماً.
سكتُّ، ولم أُرد أن أقول المزيد حتى يعود إليّ صوتي.
ابتسم دانيال وقال محاولاً التخفيف عني:
– أعرفكِ قوية… لا تحزني. بعد أشهر قليلة سيعود نطقك، وأعود أتحمّل ثرثرتكِ من جديد، فأنتِ لا تسكتين أبداً!
ضحكتُ بصعوبة، أدركتُ أنه يحاول انتشالي من كآبتي.
---
مرت الأشهر، وعدتُ أخيراً إلى النطق. كانت فرحتي يومها تشبه فرحة طفلٍ ينطق كلماته الأولى. لكن طوال تلك الفترة لم يظهر "F"، اختفى كما اعتاد أن يختفي، وظلّت قضية مقتل قتيبة بلا أثر ولا خبر.
حين استعاد صوتي، رويتُ لدانيال كل ما جرى، من الألف إلى الياء، حتى اسم "F" وحقيقته. كانت الصدمة بادية على وجهه، حتى ارتفع ضغطه للحظة، ثم جلس يستجمع أنفاسه وقال بجدية:
– ماتيلدا يجب أن تعرف.
اعترضتُ متوجسة:
– لكن… ربما تتأذى؟
أجاب بحزم:
– لا يمكننا السكوت. إن بقي الأمر سراً، قد تلقى حتفها كما لقي غيرها حتفهم. ضميرنا سيجلدنا إن لم نحذرها.
قلتُ بصوتٍ خافت:
– لكن… هو لن يرحمها.
قال بثقة:
– الرب لن يتركها، وربما إن عرفت استبقت الخطر.
قررنا الاتصال بها. لكن القدر كان أسرع…
---
خُطف دانيال على يد عصابةٍ تابعة لـ "F". عذبوه بوحشية، حتى انطبعت آثار القيود والضرب على جسده. أسبوعٌ كامل وهو يرزح تحت سياط الألم، قبل أن يفرجوا عنه بعد تهديدٍ صارم:
– إن نطقتَ بحرف، أو أفشيتَ سرّ رئيسنا، فاعتبر أمك صاعدة إلى السماء.
لم يكن كلامهم تهويلاً، فقد تعوّدنا أن ينفّذوا وعيدهم بلا تردد. ودانيال، المرتبط بأمه حدّ العبادة، لم يحتمل الفكرة. حين خرج أخبرني بكل شيء، لكنه قرر ألا يتصل بماتيلدا مؤقتاً.
قال:
– نصمت الآن، ثم نرى لاحقاً.
لكن ضميره لم يتركه، وظل يأنّ به يوماً بعد يوم، حتى انفجر أخيراً وقال:
– لا مزيد من الصبر. عليّ أن أخبرها!
---
خرجنا إلى الحديقة ليلاً. فتح هاتفه وأمسك برقمها. قلت له خائفة:
– دانيال… ماذا لو حدثت مصيبة؟
ابتسم بمرارة:
– أكبر من المصيبة التي هي فيها الآن؟
– لكن… ربما يقتلها؟
هزّ رأسه:
– لا أظن. ألم تلحظي؟ منذ عام 2006 يقتل كل من حولها، لكنه لا يقتلها. حتى حين قضى على عائلتها لم يمد يده إليها. لا بد أن له غاية… يريدها حية.
صمتُّ مذهولة:
– معك حق… لم أنتبه لذلك.
ضحك بمرارة:
– ديلا، كنت أظنكِ أذكى من ذلك.
ابتسمتُ بفتور:
– ألا يكفيك أني لاحظت الآن؟
قال ممازحاً:
– حسناً، اسكتي لأتصل.
اتصل بها بكلماتٍ مشفّرة وألغامٍ من الألغاز، ثم أغلق الخط. سألته:
– لماذا لم تصرح؟
قال بجدية:
– لأنها لو عرفت الحقيقة فجأة، قد تسيطر عليها عاطفتها، وتتصرف بتهور. أردتُ أن أجعلها تفكر قليلاً، تربط الأحداث، وتتعامل بعقلها لا بقلبها.
ابتسمتُ قائلة:
– معك حق.
فقال ضاحكاً:
– أرأيتِ؟ لستُ عديم الذكاء كما تظنين.
---
العودة إلى الحاضر – 2011
استفقتُ من ذكرياتي المشؤومة. قدتُ سيارتي عائدةً إلى البيت وأنا أفكر بالشخص الغامض الذي لمحته في المطعم. لم يبارح عقلي.
في صباح اليوم التالي، ذهبتُ إلى عملي في المطعم. دخلت عليّ "جيهان" قائلة:
– المدير لم يحضر اليوم.
نظرتُ إليها بدهشة، فهذا لم يحدث من قبل. تابعتْ:
– لقد تسمّم البارحة، وأُسعف إلى المستشفى. غُسلت معدته وهو الآن باقٍ هناك.
شهقتُ:
– تسمّم؟ مستحيل!
قالت:
– والنبي كل البنات في المطبخ علمن، كيف لم يصلك الخبر؟
أجبتها:
– وصلتُ متأخرة بسبب الزحام، ولم يخبرني أحد.
قالت بأسى:
– سندعو له بالشفاء. المطعم لا طعم له بغيابه؛ يبتسم لنا كل صباح، يعاملنا كأبٍ لبناته، يجلب لنا الطعام، يساعدنا في كل صغيرة وكبيرة… قلبه مليء بالحنان.
أطرقتُ برأسي وقلت:
– الرب يشفيه بحق العذراء.
ابتسمت لي ثم عادت لعملها، بينما غسلتُ يديّ وأنا أفكر.
---
لكن داخلي كان يغلي بالشك. دخلتُ غرفة الكاميرات أراجع تسجيلات الأمس، فوجدتها جميعاً مشوشة، صورة بلا ملامح، وصوت بلا معنى. ضربتُ الطاولة بيدي وصرخت:
– الآن فهمت… الأمر كله كان مدبّراً!
طمسوا الأدلة كي لا أملك حجةً ضدهم. المدير نفسه ربما أُجبر على التسمم ليتفوه بما قال. لا شك في أن "F" وراء هذا.
عدتُ إلى المطبخ أراقب الفتيات وهن يعملن. نظرتُ إلى جيهان فابتسمت ساخرة وقالت:
– ما بكِ تحدّقين هكذا؟
قلتُ بابتسامة خفيفة:
– لم أحتمل جمالكن، خصوصاً أنتِ.
ضحكت قائلة:
– هههههه من ذوقك.
لكن قلبي لم يضحك… داخلي يصرخ. أنا واثقة أن بينهن خائنة، تنقل الأخبار لذلك الوحش. كل شيء يُثبت أنه يحيط بي… والسؤال الذي يفتك بي:
لماذا أنا؟
ما الذي يريده مني "F"؟
ولماذا لم يقتلني بعد؟
تنهدتُ وأطفأت النار تحت القدر. أدركت أنني أسيرة لعبةٍ أكبر من قدرتي على الفهم.
---
كان المطعم يعج بالفتيات فقط، فقد قرر الأستاذ حازم منذ البداية أن يكون مشروعه خاصاً بالنساء. قال لي يوماً:
– لم أرزق بابنة، وأحب أن أفتح مطعماً تعمل فيه البنات، يعتمدن على أنفسهن. ليست الأعمال حكراً على الرجال.
ابتسمتُ لذلك يومها، لكن الآن كل شيء تغيّر.
اقتربتُ من جيهان وسألتها:
– من غاب اليوم عن العمل؟
قالت:
– جنات لم تحضر.
ابتسمتُ بهدوء وأنا أقبض على السكين بين يدي:
– آه… إذن هنا مربط الفرس.
يتبع..
•نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل السادس عشر 16 - بقلم .
ابتسمتُ لها، كانت في حالةٍ من الدهشة، فربّتُّ على ظهرها برفق ثم تركتُها. مسحتُ يديّ بالمنشفة، ونزعتُ صدريّتي وعلّقتُها بينما الأفكار تتزاحم في رأسي. خرجتُ من المطعم متوجّهةً إلى الحديقة الجانبيّة. هناك اتّصلتُ بـ"جَنّات"، كان هاتفها يرنّ دون أن تُجيب. انتظرتُ نحو ربع ساعة، واقفةً أترقّب ردّها، حتى أجابت أخيرًا. جاء صوتها مُضطربًا، مُرتجفًا، فزاد ذلك شكوكي.
جَنّات: لِمَ اتّصلتِ؟ هل حدث شيء؟
قلتُ: لا، لكن اليوم جاء شخص يسأل عنكِ.
جَنّات: مَن؟
قلتُ: ما بالكِ ارتبكتِ هكذا؟ أهو مُجرم يا عزيزتي؟ إنه رجل عادي، سأل عنكِ فقط.
جَنّات: لم أرتبك… فقط أسأل: مَن هو؟
قلتُ: لم أعرف اسمه، لكنه قال إنه F… صديقكِ.
جَنّات: هل كان يرتدي قناعًا أسود؟
قلتُ: نعم، صحيح. أتعرفينه؟
جَنّات: أعرفه… أعني… لا… مَن يكون؟ ماذا يريد منّي؟ لا تعلمين؟
كانت تتخبّط بكلماتها، فألححتُ عليها لأوقعها في الفخّ دون أن تمنح نفسها وقتًا للتفكير. صوتها يرتجف، وتوتّرها يفضحها.
جَنّات: لا أعرفه… أنا فقط أخذتُ المال وفعلتُ ما طلبه منّي…
كانت اعترافاتها صدمة. انقطعتْ كلماتُها فجأة، وكأنّها أدركت أنها أفشت ما لا ينبغي.
قلتُ لها بحدّة:
– أيُّ نوعٍ من البشر أنتِ؟ كنّا نظنّكِ صديقة، فإذا بكِ تخونين صداقتنا… وتخونين المدير! أنا أكره الكذب والخيانة. سترين يا سيّدة جَنّات ما سأفعله بكِ.
جَنّات: لقد أجبرني…
قلتُ: لم يُجبرك أحد! لا تكذبي. أنتِ أصلًا لستِ إنسانة صادقة… أنتِ سيّئة.
جَنّات: قال لي إنني إن لم أنفّذ أوامرَه سيقتلني… حتى إنّه كان يحمل مسدّسًا.
قلتُ: والمال؟
جَنّات: هو من أعطاني إياه… قال إنه مكافأة.
قلتُ: توقّفي عن الكذب!
جَنّات: أنا لستُ في المنزل الآن… وربّما هاتفي مُراقَب!
صرختُ فيها:
– المدير كان يقول لنا دائمًا: "بابا"، ويعدّنا بناته. كان يزيد رواتبنا ويشجّعنا بكلماتٍ صادقة. كلّ ذلك لم يقف في عينيكِ؟ وفي النهاية تنامين في المستشفى بسبب طمعكِ بالمال؟ ألم يردعكِ ذلك؟ ما أشدّ ما فيكِ من قسوةٍ ووقاحة!
جَنّات: أنا آسفة يا لورين… سامحيني…
قلتُ: بعض الاعتذارات يجب أن تُرفَض.
أغلقتُ الهاتف في وجهها. ناكرةٌ للجميل، لا يُؤمَن جانبها.
ذلك الموقف علّمني ألّا أهبَ ثقتي لأحد، وألّا أقدّم حبًّا لمن لا يستحقّه. كرهتُها… لأنّني أكره الخائنين.
ومع ذلك، لم أستطع اللجوء إلى الشرطة؛ فالبنت ستُقتل بسبب F، وستتفاقم المصيبة. كان يفعل كلّ شيءٍ عن قصد… عن خطّة.
أدهشني وجوده في بغداد! أصاب عقلي الذهول… إن كان هنا، فمَن يكون هناك إذًا؟
---
أخذتُ عنوان المستشفى من البنات، وأخبرتُ أمّي بنيّتي الذهاب، فوافقت. ركبتُ سيارتي، واشتريتُ باقة ورد جميلة، ثم توجّهتُ إلى المستشفى. دخلتُ وسألتُ عنه، ثم مضيتُ نحو غرفته. سلّمتُ عليه أوّلًا، ثم رويتُ له كلّ شيء، دون أن ألمّح إلى اسم F حفاظًا على حياته.
قلتُ له:
– هناك مَن تعمّد وضع شيءٍ في طعامك… وجَنّات ساعدته.
رأيتُ القهر في عينيه، ومدى الأذى الذي أصابه. قلتُ كلماتٍ تهوّن عليه، عساني أخفّف عنه بعضًا من الألم.
خرجتُ بعدها وعدتُ إلى البيت.
حدّثتُ أمّي بكلّ ما جرى. هكذا كنتُ منذ صغري؛ كلّ ما يحدث — صغيرًا كان أو كبيرًا — أُخبرها به. هي بئر أسراري، لا تخونني. صحيح أنّها تغضب أحيانًا، لكنّنا نجلس بعدها ونفكّر معًا، ونصل إلى القرار الصحيح.
عندما أخبرتها عن "جَنّات"، ارتعبت وقالت:
– لورين، لا تعودي إلى العمل في المطعم.
سألتُها: ولِمَ؟
قالت: ما حدث خطير، وقد يضع لكِ السمّ في المرّة القادمة. هذا القاتل يلعب لعبته بهدوء… ولا أحد يوقفه.
قلتُ: أريد أن أفضحه… لكن دانيال يمنعني.
قالت: دانيال مُحقّ. إن فضحتهِ، سنموت. دعي حياتنا هادئة، ولا تفتحي بابًا جديدًا للمشاكل. واتركي المطعم.
قلتُ: لكن… كيف سنعيش؟ ماذا سأعمل؟
قالت: حياتكِ أهم. كما وجدْتِ عملاً، ستجدين غيره.
قلتُ: والمدير؟ أأتركه في هذه الحال؟
قالت: بقاؤكِ خطر عليه. قد يهدّدكِ به… أو يقتله بدمٍ بارد كما قتل غيره. نبتعد عنه حفاظًا على حياته؛ فهو طيب ولم يؤذِنا يومًا.
قلتُ: كما تريدين…
قالت: يا ابنتي… إن حدث لكِ مكروه — لا سمح الله — فمن يبقى لي بعدها؟
ابتسمتُ، وقبّلتُ يدَيها.
– روحي فداءٌ لكِ يا أمّي.
صعدتُ إلى غرفتي، بدّلتُ ملابسي، وتوضّأت للصلاة.
وقلتُ في دعائي:
«واغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، كَمَا نَغْفِرُ لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا، وَلَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، وَلَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ، فَإِنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِين.»
فرغتُ من تسبيحاتي، ثم تمدّدتُ على سريري. وقعتْ عيناي على صورة والدي فوق الرفّ، مُزيّنةً بالورد.
ابتسمتُ بهمسٍ موجوع:
– يرحمك الربّ…
لقد تُوفي والدي عام 2007 في حادث سير، ولا نعلم إلى اليوم مَن الذي صدمه. الشرطة أغلقت القضيّة بعد الدفن، لعدم وجود أيّ دليل…
لكنّني أنا ودانيال وماتيلدا نؤمن يقينًا أنّ F هو السّبب.
•••••••••••••
تركيــا – إسطنبول
مــاتيلــدا
أجمل العلاقات تلك التي نتمكّن فيها من أن نكون عاشقين… وفي الوقت ذاته أقرب صديقين.
يومًا بعد يوم، كان حبّه يكبر في داخلي. صرتُ أتجاهل تصرّفاته الغريبة، ولم أعد أفرّق بين الصواب والخطأ. أو بالأحرى… كنتُ واثقةً به ثقةً عمياء، ثقةً غطّت بصري، وغلّفت بصيرتي.
كان قد منحني حبًّا واسعًا، صادقًا وعميقًا، حتى صرتُ في كلّ يومٍ أحمد الربّ لأنّه عوّضني في نهاية المطاف بـ"إبراهيم".
كان إبراهيم عِوَضي عن تلك الأيام المُرّة التي عشتُها… وعن انكساراتي كلّها.
الشركة – التاسعة صباحًا
جلستُ في مكتبي، أقبض على هاتفي بيدي، وقلبي يخفق بقوّة توجعني. كان يقلقني حدس داخلي يخبرني بأنّ مكروهًا أصاب دانيال… خطرٌ ما يلتفّ حوله.
آخر مكالمة بيننا انقطعت فجأة، ومن بعدها لم يتّصل. وكلّما حاولتُ الاتصال وجدته إمّا مغلقًا أو مشغولًا… لا يجيب أبدًا. وكذلك لورين.
طرق أحدهم الباب.
قلتُ: تفضّل.
دخل رجل بزيّه الأسود الرسمي، وقد نزع سترته، وفتح الأزرار الثلاثة الأولى من قميصه بعناية، وابتسامة هادئة تتوهّج على وجهه. قال وهو يقترب:
– حبيبتي… هل أنتِ مشغولة؟
ابتسمتُ له:
– لا، يا بَرهمي.
أغلق الباب خلفه وتقدّم نحوي. لمح الهاتف بين أصابعي، فسأل بنبرة امتزج فيها الفضول بالغيرة:
– هاا، حبيبتي… مع مَن كنتِ تتحدثين؟
صمتُّ لحظة، ثم تنفّستُ بعمق وقلت:
– مع صديقي… أنتظر اتّصالًا منه.
هزّ رأسه نصف هزّة وقال:
– صديقكِ؟ ومنذ متى؟
قلتُ: هو في العراق… لم أخبرك عنه. إنه صديقي منذ الطفولة.
ابتسم ابتسامة صغيرة، سحب الهاتف من يدي برفق وقال:
– انسَي أمر صديقكِ الآن… لا يهمّ.
مشتاقٌ إليكِ يا روحَه.
توردتُ خجلًا، واقترب منّي، فأحاط خصري بيده ببطء، ولامست يده الأخرى خدّي بنعومة حانية. ثم همس في أذني:
– أحبّكِ… شَرِسَتي، وبشدّة.
قلتُ: وأنا أيضًا… أموت عليك.
تبادلنا النظرات طويلًا، وانزلقت عيناه نحو شفتيّ. أدركتُ ما ينوي فعله، فتراجعتُ بسرعة، فضحك هو ضحكة عالية دافئة.
إبراهيم: دعيني أتذوّق… لا تكوني خبيثة.
قلتُ: لا، ممنوع!
إبراهيم: حبيبتي، لا أتحمّل أن تكوني قريبة منّي ولا أستطيع الاقتراب منكِ… متى يشعر قلبكِ ودين محمّد؟ أنا لا أصبر.
قلتُ: أفكّر…
إبراهيم: هذا الشهر تكون الخطوبة.
شهقتُ:
– ماذا؟! لا!
إبراهيم: ولماذا ترفضين؟
قلتُ: لنجعلها في الشهر الخامس.
ابتسم وقال:
– ولماذا ليس في الشهر الرابع؟
أبريـل.
ارتبكتُ:
– لااا، لا أحبّ هذا الشهر.
إبراهيم: ولماذا؟ أيوجد أجمل من الشهر الذي وُلدتِ فيه؟
قلتُ: برهم… رجاءً، لا تضغط عليّ بشيء لا أحبّه. لن أفعله مهما حدث.
إبراهيم: هذا هو حبيبي… لن أجبركِ.
قلتُ: فلنجعلها في الشهر الخامس.
إبراهيم: بعد أربعة أشهر إذن… هممم.
قلتُ: نعم.
إبراهيم: إذن، نبدأ من الآن.
قلتُ: على ماذا؟ لدينا وقت طويل.
إبراهيم: لا، حبيبتي… أريد كلّ شيء كاملًا، متقنًا. نختار القاعة والخواتم والذهب… كلّه من الأفضل.
قلتُ: حسنًا، لكن لماذا العجلة؟
إبراهيم: بالعكس… على مهلنا. كلّ نهاية أسبوع نشتري شيئًا أو نجهّز شيئًا… نبدأ من الشهر المقبل.
قلتُ: تمام، حسب راحتك… افعل ما تراه مناسبًا.
نظر إليّ مطوّلًا ثم قال:
– أشعر أنكِ لستِ سعيدة بما يكفي.
قلتُ: بالعكس، سعيدة… سأرتبط شرعًا وقانونًا بمن أحبّ. فقط… بالي مشغول بصديقي، لذلك أنا متوتّرة قليلًا.
إبراهيم: آه… صديقكِ؟ ما اسمه؟
قلتُ: دانيال.
إبراهيم: عاشت الأسماء… واضحٌ أنّكِ تخافين عليه كثيرًا. هل تحبّينه؟
قلتُ: إنّه أخي… وصديقي منذ الطفولة. طبيعي أنني أحبّه… نحن متعلّقان ببعض كثيرًا.
إبراهيم: وهل تحبّينه أكثر منّي؟
قلتُ: ما هذا السؤال؟!
إبراهيم: أجيبي.
قلتُ: برهم… أغلق الموضوع، لن أجيبك.
ضمّ ذراعيه إلى صدره وسأل بحدّة:
– دانيال أم إبراهيم؟
قلتُ: ما هذا الكلام؟! لا يمكنني الاختيار… لا تحاول.
إبراهيم: أريد أن أعرف مَن الأقرب… لو خيّروكِ بيني وبينه، مَن ستختارين؟
قلتُ: لم أتوقع أن يكون عقلك صغيرًا لهذه الدرجة… كيف تُخيّر حبيبتك بينك وبين شخص عزيز على قلبها؟
إبراهيم: لا تتهرّبين… هل الجواب صعب إلى هذا الحد؟
قلتُ: برهم، رجاءً لا تُحوّلها دراما. قلتُ لك: هو صديقي، وأنت حبيبي… لا تُقارن المحبّتين!
إبراهيم: حسنًا… هذا كلامكِ.
قلتُ: ما بك؟ كيف تفكّر؟
إبراهيم: سأذهب إلى مكتبي… لا تأتِ.
قلتُ: اذهب حيثما شئت… لن آتي.
إبراهيم: يا الله… هكذا أصبحت؟
هززت رأسي:
– نعم.
قبض يده بعصبيّة وقال:
– من أجل ألا أؤذي نفسي… لا أريد رؤية وجهكِ. لا تأتين.
قلتُ: ماذا؟ تؤذي نفسك؟ ماذا تقول؟
إبراهيم: لااا تأتين… لقد حذّرتك!
قلتُ: إبراهــــــــيم!
ووضع إصبعه على شفتيه وقال هامسًا:
– شششش…
قبل أن أنطق، خرج من المكتب وصفق الباب بقوّة.
دفعتُ الكرسي وقمتُ أركض خلفه. كان واضحًا من غضبه أنّه سيفعل شيئًا مؤذيًا بحقّ نفسه.
يا ربّ… قلبي لم يعد يحتمل.
طرقتُ باب مكتبه المغلق:
– إبراهيم، افتح الباب يا برهمي…
رفعتُ صوتي أكثر ليضطر لفتحه. الموظفون كانوا ينظرون إليّ بدهشة، متسائلين عن سبب طرقي العنيف وصوتي المرتفع.
طرقتُ الباب بقوّة، حتى فتحه أخيرًا… دون أن يرفع بصره نحوي، ويده خلف ظهره.
دخلتُ وأغلقتُ الباب.
قلتُ بحدة: أجننت يا إبراهيم؟! صار لي ساعة أناديك ولا تفتح الباب!
قال ببرودٍ متعب:
– آه…؟
قلتُ: ماذا فعلت بنفسك؟
– لا يهمّ…
قلتُ: بَرهمي، كفاك. أجبني.
– إن لم يكن لديكِ شيء تقوله… اخرجي من مكتبي وعودي لعملكِ. يلا.
قلتُ: إبراهيم! أحقًا تقول هذا؟ لن أخرج… والربّ لن أخرج.
قال بانكسار:
– لخاطر الله يا حبيبتي… اخرجي.
قلتُ: عمري أنت… مستحيل أخرج. ما بك؟ كلّمني!
– ماتيلدا… لا تعانديني.
صمتُّ فجأة… وانسحب بصري نحو يده المخفيّة خلف ظهره. تقدّمت بسرعة وسحبتها… فتجمّدت عيناي من الصدمة.
– برهم! جرحتَ يدك بالسكّين! يدك تنزف دمًا!
قال متعبًا: صدّقيني… الأمر غير مهم.
– لا! لا تختبرني بهذا الشكل! والربّ أفقد عقلي من منظر الدم! ابقَ هنا… لا تتحرّك.
قبضتُ على يده ونقلته إلى الكرسي. ثم أسرعتُ إلى المكتب، فتحتُ الدرج الأخير، وأخرجتُ علبة فيها القطن والمعقّم ولفافات الجروح البيضاء…
تقدّمتُ نحوه وجلستُ عند طرف طاولة الكتب، فيما كان هو جالسًا قبالتي على كرسيّه، حتى غدا وجهي قريبًا من وجهه. قلتُ له بهدوء قلق:
– إنّ يدك مصابة بجرح عميق، ويبدو أنّها تحتاج إلى تخييط.
ابتسم نصف ابتسامة وقال دون مبالاة:
– قبّليها وستُشفى.
رمقته بضيق:
– برهم!
– ماذا؟
تنفّستُ طويلاً واقتربت منه، ثم احتضنته بكلتا يديّ وأحطتُ عنقه بذراعيّ، وهمستُ منهكة:
– هل تعلم أنّي أحبّك؟ أنت الأوّل في حياتي، فلا تُقارن نفسك بأحد… أيًّا كان. ففي كلّ خيارٍ يُعرض عليّ… سأختارك أنت.
ابتسم برهم وردّ بخفوت:
– حقًا؟
– نعم.
– أنا أم دانيال؟
– أنت… أنت فقط.
– أحبّك يا شراسة قلبي.
رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه برجاء:
– عِدني ألّا تُعيد هذا الموقف مرّة أخرى… ولا تؤذي نفسك لأيّ سبب.
– حسنًا.
– لا، أريد وعدًا… لأطمئن.
– وعد.
– أحبّك كثيرًا.
– وأنا أحبّك… حبًّا لا يُوصف.
سحبني من يدي قليلًا، فقلت له:
– حبيبي… كيف جرحتَ يدك؟
– بالمقص.
اتسعت عيناي:
– أتقول الحقّ؟
– نعم، وأقسم بذلك.
هززت رأسي بحزم:
– يجب أن تذهب إلى المستشفى، فالجرح عميق ولا يُستهان به.
– دعيه… سيشفى وحده رغمًا عنه.
– من أجل خاطري… ألا تستجيب لي؟
ضحك بخفة وقال:
– لأجلكِ؟ اطلبيني روحي، أقدّمها لكِ بلا تفكير.
– إذن، اذهب…
– حاضر، لكن لديّ طلب.
– وما هو؟
ضحك وقال:
– قبلة.
ضحكتُ بخجل، فاقتربني إلى صدره. نظرتُ إلى الأرض وتمتمت:
– هيا… اذهب قبل أن يلتهب الجرح أكثر.
رفع ذقني بأصبعه، وأصبحت عيناه بعينيّ مباشرة، وهمس:
– والطلب؟
– عندما تعود.
– أتسايسينني؟
– نعم، أسايسك.
رفع حاجبه وقال بتمثيل الضيق:
– لن أذهب إذن.
– برهم…
– عيونكِ؟
– حسنًا… فقط اذهب.
غمز وقال بخفّة:
– طَلْقَة.
تجمّدتُ لحظة:
– ماذا؟!
ضحك:
– أقصد… سأذهب بسرعة كالطلقة، ممّ تخافين؟
تنفستُ وقلت:
– ظننتُ… لا بأس. سأتابع عملي الآن.
قال وهو يراقبني بحنان:
– روحي… يا بعد روحي أنتِ.
سألته وأنا أراقب يده:
– يا ربّ… كم من الدم نزف؟
– عزيزتي، هذا ليس صبغًا.
وأضاف وهو يقترب:
– كلّ كلمة غزل أقولها لكِ… هي حقيقة، لا مجرد كلام.
– أنا روحك؟
– نعم… حياتي وعمري.
– وهكذا… كم تحبني؟
رفع حاجبه وهز رأسه بطريقة طفولية، ثم حدّق في عينيّ وقال:
– كثيرًا… كثيرًا جدًا.
ابتسمت:
– يعني؟
– يا لكِ من مشاغبة…
اعتدل في جلسته وقال بجدّية دافئة:
– قلتُ لكِ سابقًا، وسأقولها مجددًا: أنتِ والوطن… كليكما في دمي. فقيسي حجم حبّي لكِ، فهو أكبر من الحدود. أنا مستعدّ لفعل أيّ شيء من أجلك… جرّبي واطلبي حياتي، وستجدينها تهون لأجلك.
شردتُ بابتسامة:
– يعجبني كلامك حين يكون اعترافًا بالحب… موجّهًا إليّ وحدي.
فقال بثقة:
– وحبّك أنتِ تجاوز حدود العشق… والله وحده يعلم مقدار ما يحمله قلبي لكِ. الكلام لا يكفي… لقد امتلكتِني. حياتي ملكٌ لكِ… وباسمك. تخيّلي حجم الفكرة.
ضحك ثم اقترب من شفتيّ همسًا:
– يا شراستي… دعيني أقبّل هذه الشفاه التي تقول كلامًا يحيي الروح.
– عدنا إلى موضوع القبلة؟ لا حيلة لك إلا بها!
– وهل هو ذنبٌ أن يكون حلمي؟
ضحكت:
– عندما نُخطب رسميًا… افعل ما تشاء.
– تقصدين أقبّلك وقت أشاء؟
– …سخيف. هيا، ارتدِ معطفك واذهب للمستشفى واتصل بي عندما تصل إلى البيت.
– حاضر… لكن ساعديني على ارتدائه، فأنا لا أستطيع استعمال يدي المصابة.
– بسبب جنونك طبعًا.
– الجنون نتيجة كلامك. هيا… دلالك عليّ مقبول.
– ألم أقل لك لا تؤذِ نفسك؟ كيف تفعل هذا؟!
– يا ربّي… ما إن قلتِ كلمة (مجنون) حتى ثار الدم في عروقي، كأنكِ تشتمينني!
ضحكتُ:
– حسنًا… أعتذر منك يا سيّدي.
ضحك وقال:
– هيا… هاتِ معطفي.
ذهبتُ إلى الأريكة لأحضره، فوجدتُ ورقة تسقط منه. التقطتُها وفتحتها… كان عنوانًا مكتوبًا:
"سينما أطلس – شارع الاستقلال رقم 131 – أطلس باساجي – باي أوغلو – إسطنبول."
عدتُ إليه وقلت باستغراب:
– برهم… ما هذا؟
– ما بها؟
تقدّمت وأنا ألوّح بالورقة:
– هذا عنوان سينما؟
رفع حاجبه بضيق خفيف:
– لقد أفسدتِ المفاجأة…
اتسعت عيناي:
– هل… كنتَ قد حجزتَ لنا؟
– نعم. يوجد فيلم سيُعرض للمرة الأولى، فقلتُ أحجز ونذهب سويًا، نُغيّر الأجواء.
سلمته المعطف فأخذه إلى صدره وقال:
– ألبسيني… ما بالكِ شاردة؟
– نسيت… لحظة.
ألبسته المعطف وقلت:
– معذرة، لم أقصد إفساد المفاجأة، لكن الورقة سقطت ووقعت بيدي… ففتحتها بدافع الفضول فقط.
ضحك بخفّة ومسح على يدي:
– كمّلي…
– ماذا أكمل؟
اقترب مني، أسند جبينه إلى ركبتي، ثم احتضنني وقال:
– هيا… أرضيني.
– دعني أذهب يا برهم.
هزّ رأسه بإصرار طفولي:
– لا… أرضيني.
حاولتُ إبعاده بعبث:
– ابتعد…
– يا لهذه الكلمة… كيف تهزّني بهذه الطريقة؟
– برهم، بالله عليك.
– وهل أدعك؟ أنتِ… تلك الشفاه التي تُذيب رجولتي.
– إلى متى ستظلّ تتغزل؟
– وهل تُلامين؟ أنتِ عسل… دعيني أتنعّم قليلاً.
وفجأة… قُرع الباب.
قبل أن يردّ برهم، دخَلت امرأة كبيرة لا أعرفها.
تجمّدت حال رؤيتها لنا وهو يحتضنني. حاولتُ إبعاده، لكنه لم يسمح، فدفعتُه برفق وهمست بانزعاج:
– برهم! ابتعد… ألا ترى أن امرأة واقفة عند الباب؟
– أبقي… يا حياتي.
– ابتعد!
– ششش…
قالت المرأة مترددة:
– عذرًا سيد إبراهيم… لم أعلم أنّ بصحبتك فتاة.
فأجابها بثبات حادّ:
– وهذه الفتاة لها اسم… ماتيلدا. وهي حبيبتي وخطيبتي. فلا تُحاولي التقليل منها، هل هذا واضح؟
التفتُّ إليه مذهولة:
– خطيبتك؟!
ثم نظرتُ إلى المرأة التي بدت عليها الصدمة.
ابتعدتُ عنه قليلًا، فأمسك بيدي، وتقدّمنا معًا نحوها، وهو يضغط على كفّي، بينما يده الأخرى المصابة يخبّئها في جيب بنطاله…
قال إبراهيم بنبرة رسمية حين التفت إلى الفتاة:
"نعم يا لمياء، ما الذي جاء بكِ؟"
أجابَت بثبات:
"لأمرٍ مهم. سألتُ الموظّفة في شركتك إن كان المدير موجودًا، فقلتُ لها إنني أريده، فأخبرتني بوجوده… ولم أعلم أنّ معك هذه الفتاة."
ابتسم ببرودٍ وكأنّه يقطع طُرق الشكّ، وقال:
"هذه… اسمها ماتيلدا."
التفتت إليّ لمياء وقد ارتفع حاجباها قليلًا، ثم قالت بنبرة مجاملة:
"مرحبًا آنسة ماتيلدا."
أجبتها بهدوء:
"أهلًا."
قالت لمياء وهي تُثبت الملف بين يديها:
"هل يمكن أن تتركينا وحدنا؟ لديّ موضوع مهم مع صديقي إبراهيم."
قلتُ بهدوء متصنّع:
"آه… حسنًا، كما تريدين."
لكن قلبي كان يغلي.
كيف أتركه معها؟ كيف أجلس جانبًا بينما هما يجتمعان وحدهما؟
ثم نظرت إليها… كانت جميلة جدًا؛ شعر أشقر طويل، عينان خضراوان، وتنّورة بيضاء قصيرة تكشف أكثر مما تستر. شعرت بالنفور من جرأة ملبسها، ومن ثقتها.
انتبه إبراهيم لتغيّر ملامحي، فابتسم ضاحكًا، ثم مال نحوي وقال بصوتٍ يسمعه الجميع:
"لا تغيظي قلبكِ… أنتِ أجمل الجمال، ومن تقف أمامكِ لا تُحرِّك شعرة من رأسي. اطمئني… عيني لا ترى غيرك، وقلبي مُسجَّل باسمك أنتِ وحدك."
شدّ على يدي، فبادلته ابتسامة هادئة.
ثم التفت إلى لمياء وقال بصرامة واضحة:
"ماتيلدا تبقى. إن كان لديكِ موضوع، فتحدّثي به أمامها. لا شيء عندي أُخفيه، ولا أمر يستحقّ أن يُخبّأ."
قالت لمياء:
"تمام… كما ترغب."
أشار لها بالجلوس، فجلست، وجلس هو على كرسي مكتبه، بينما وقفتُ خلفه بثبات.
التفت إليّ وهمس:
"لِمَ لم تجلسي؟"
قلت:
"ألا ترَين أنها جلست؟"
قال وهو يرفع حاجبه:
"أقف أنا، وتجلسين أنتِ."
قلت بإصرار:
"لا، لا داعي. أنا مرتاحةٌ في وقوفي. حدّثها بما تشاء."
ابتسم:
"كما تريدين يا حبيبتي."
ثم قال موجّهًا حديثه إلى لمياء:
"ماذا تشربين؟"
قالت:
"قهوة مُرّة."
"تمام."
جاءت الموظّفة بعد دقائق، وضعت الكوب، ثم خرجت وأغلقت الباب.
ارتشفت لمياء رشفة، ثم وضعت الكوب على الطاولة، وقالت:
"هذا ملف القضيّة… تفضّل."
تغيّر وجه إبراهيم فور أن قرأ العنوان، ثم قال بقلق:
"أيّة قضيّة؟"
قالت لمياء بثقة:
"اقرأ… وستعرف."
أخذ الملف من يدها، واقترب من النافذة يطالع الأوراق، ثم تغيّرت ملامحه تمامًا. عاد إليها بخطوات متوترة وقال:
"كيف عرفتِ؟!"
قالت:
"الضابط دُريد سلّمني هذا الملف، وقال لي: أعطيه لإبراهيم فورًا. وأعطاني رقمه، وقال إنه يريد الحديث معك بشكلٍ ضروري."
قال إبراهيم وهو يمدّ يده:
"أعطيني بطاقته بسرعة."
فتحت حقيبتها، أخرجت البطاقة، ناولته إياها، فوضعها في جيبه وقال:
"هل هو موجود في تركيا؟"
قالت لمياء:
"أغلب فريق المخابرة موجود هنا، لكن دُريد عاد إلى العراق صباح اليوم."
قال إبراهيم:
"حسنًا. شكرًا لكِ."
"لا شكر على واجب… هذا عملي. والآن أستأذن."
"أهلاً وسهلاً بكِ في أي وقت."
وقفت، أمسكت حقيبتها، وصافحته.
لكنني رأيت تلك النظرة… النظرة التي تُقال فيها كلمات لا تُنطق. لم أفهمها، لكنني شعرت أنها تحمل تاريخًا لم يخبرني به إبراهيم.
بعد خروجها، أغلقت الباب وجلست على الأريكة، بينما جلس هو بقربي.
قال بهدوء متعب:
"هل يمكنكِ أن تدلكي رأسي؟"
قلت:
"هل تشعر بالألم؟"
قال:
"كثيرًا…"
وضع رأسه في حضني، مدّ قدميه على الأريكة، فمرّرت أصابعي على وجهه ورقبته أدلّكه برفق.
قال وهو يُغمض عينيه:
"آه… عاشت يداكِ. أَرَحتِني."
قلت:
"سلامتك يا حبيبي."
ومضت ربع ساعة دون كلمة، ثم نهض فجأة وقال:
"يلا… سأذهب إلى الطبيب. شكرًا لكِ يا حبيبتي، أتعبتكِ."
قلت:
"أبدًا، لم تتعبني. وأنا أيضًا خارجة… انتهى دوامي، وسأعود إلى الشقّة."
قال:
"الله معكِ."
"وانتبه على نفسك."
"وأنتِ أيضًا."
وقفت لأخرج، فاستوقفني:
"لحظة يا شرستي."
التفتُّ إليه:
"نعم برهمي؟"
قال:
"لماذا لم تسأليني عن الملف؟ أو عن لمياء؟ لم تفتحي فمكِ بكلمة."
ابتسمت وقلت بهدوء بالغ:
"لا أحبّ التطفّل على عملك كضابط. ما يخصّك يخصّك. إن أردتَ أن تحدّثني، فستفعل دون أن أسأل."
قال بنبرة امتنان:
"ولهذا أنتِ مختلفة… ومميّزة بعيني. أحبّك."
"وأنا أيضًا."
خرجت من الشركة، ركبت السيارة، وعدت إلى الشقّة.
كانت كاردينيا تشعر بالملل الشديد، وهذا من حقّها… وأنا أيضًا بدأت أشعر بالضيق تجاه وضعها.
مع أنها بلغت الحادية والعشرين… إلا أنّها ستبقى في عيني طفلتي الصغيرة.
خلعت حقيبتي، أخذت حمّامًا سريعًا، صلّيت، ثم خرجت إلى المطبخ أبحث عن غداء، فابتسمت حين رأيت أنها طبخت "تبسي خضروات"… طبقي المفضّل.
بعد الطعام وغسل الصحون، جلست معها في الصالة، وهي تشاهد مسلسلًا أجنبيًا.
قلت لها مازحة:
"يعطيكِ العافية… الطبخة رائعة. صرتِ طباخة يا كاردينيا!"
ضحكت وقالت:
"ههههههه… شكرًا!"
"حقًا، مضبوطة جدًا."
قالت وهي تبتسم:
"إذن سأطبخ كل يوم."
"هذا من حسن حظّي، أن آكل من يدك الحلوة."
قالت:
"عُمري… دلّلي."
سألتها:
"كيف كان يومك؟"
قالت:
"الحمد لله، بخير. وأنتِ؟ كيف كان عملكِ؟"
"لا بأس… ليس مرهِقًا. وإبراهيم يساعدني كثيرًا."
قالت بخُبث:
"ما شاء الله… وكيف حال إبراهيم؟"
ضحكت:
"بخير. لماذا؟"
قالت:
"يعني… متى الخطوبة؟"
ضحكت أكثر:
"اليوم قرّرنا… والرب."
"حقًا؟ ومتى؟"
"شهر أربعة."
ابتسمت وقالت بدعاء جميل:
"حلو… شهر مناسب. يا رب يكون ارتباط صادق، وتتوّفقون، وتبدؤون حياة زوجية مليئة بالسعادة."
قال أمين بصوته المائل إلى القلق:
ــ أتدرين؟ بالي مشغولٌ عليكِ.
نظرتُ إليه باستغراب:
ــ لِمَ؟
ــ لا أعلم… فقط لا أستطيع تركك.
ــ لا تُفكّر هكذا. هذا بيت إبراهيم، وهو بجانب الشقّة، قريب جدًّا… نفس الشارع ونفس المنطقة.
ــ حتّى لو… كيف أتركك تعيشين وحدك في الشقّة؟
ضحكتُ قائلةً:
ــ إذًا زوّجني!
رفع حاجبيه وقال ممازحًا:
ــ يبدو أنّكِ مُتعَبة.
ــ هههه، دعابة! أنتَ فقط تُريد حلاً.
ــ الرّب كريم، نفكّر لاحقًا… المهم أنّي ذاهبة لأنام الآن. أيقظني قبل المغرب، أشعر بتعبٍ شديد ونعاس.
ــ حسنًا، بعيوني… نوم العافية.
ــ حبيبتي.
دخلتُ غرفتي، وتمدّدتُ على السرير.
رنَّ هاتفي، نظرتُ إلى الشاشة… "إبراهيم قلبي".
ابتسمتُ وأجبت:
ــ مرحبًا… حبيبي.
قال بصوته المليء بالدلال:
ــ هلا… يا مَن تعذّب حالتي.
ــ عمري، كيف حالك؟
ــ الحمد لله، وصلتُ البيت.
ــ ويدك؟
ــ عالجها الطبيب، قال الجرح بسيط.
ــ حقًّا؟
ــ نعم، وداعتِك.
ــ الحمد للرب على سلامتك.
ــ أنتِ سلامتي.
سكتُّ لحظة…
قال إبراهيم:
ــ ها؟ تريدين النوم يا حبيبتي؟
ــ نعم، والله نعسانة ومتعبة.
ــ سلامتكِ من التعب يا روحَه.
نامي الآن، ولا تنسي… الليلة آخذك إلى السينما. نازل فيلم جديد نشاهده سويًّا، ونتعشّى في المطعم.
ــ تمام، حبيبي.
ــ وحجزتُ ثلاث تذاكر… كاردينيا ستأتي معنا.
ضحكتُ وقلت:
ــ يفكّر بي دائمًا.
ــ طبعًا، وكيف لا؟
ــ بدأت أنعس كثيرًا.
ــ إلى اللقاء أذن.
نمتُ بضع ساعات، ثم استيقظتُ.
حلّ الليل، وأرسل لي رسالة: "هيا، استعدّي… ساعة وأصل" مع وجه يومض بعينه. ضحكتُ وأرسلتُ له وجهًا يضحك.
ارتديتُ بنطالًا أسود وبلوزة بسيطة، ومعطفًا جلديًّا أسود. رفعتُ شعري إلى أعلى على شكل كعكة، ووضعتُ أحمر شفاهٍ فقط.
قالت كاردينيا:
ــ أختي… أعترف لكِ بشيء؟
أجبتها وأنا أرشّ العطر:
ــ قولي.
ــ كما قال إبراهيم… أنتِ حقًّا (جميلة الجميلات)
استدرتُ نحوها:
ــ ممم… ومن أين عرفتِ هذا اللقب؟ هو دائمًا يقوله لي، كيف عرفتهِ؟
ــ في أحد الأيام كنّا جالستين، أخذتُ هاتفه بدافع الفضول… أردتُ أن أعرف ماذا يسجّل رقمكِ باسمه.
ــ وماذا كان مسجّلاً؟
ابتسمتْ:
ــ "شَرِسَتي" وبين قوسين (جميلة الجميلات)
ضحكتُ، رنّ هاتفي، وردّ إبراهيم:
ــ هيا، أنا بانتظاركما… انزلا.
نزلنا وأغلقتُ باب الشقّة. كان إبراهيم متكئًا على باب سيارته، يدير المفاتيح بين أصابعه. وحين رآني، اعتدل واقفًا وقال:
ــ أين كنتما؟ صار لي ساعة أنتظر!
ــ حبيبي، تأخّرنا عشر دقائق فقط.
ــ هيا… اركبوا.
جلست كاردينيا في الخلف، وجلستُ أنا إلى جانبه في الأمام.
وصلنا بعد وقت ليس بطويل، فميدان تقسيم لا يبعد كثيرًا عن منطقتنا مسلك، خاصّةً وإبراهيم ليس بطيئًا في القيادة.
نزلنا في أجمل شارع في تركيا… شارع الاستقلال.
دخلنا السينما، كانت كبيرة وجميلة، مختلفة عمّا اعتدتُ رؤيته.
اشترى إبراهيم الفشار وقدّم لكاردينيا مشروبًا غازيًّا، وقال:
ــ لنستمتع بهما ونحن نشاهد الفيلم.
جلسنا في المقاعد الوسطى، وبدأ الفيلم. ساعتان ونصف حتى انتهى.
خرجنا، وكان رأي كاردينيا واضحًا:
ــ لم يعجبني أبدًا!
وأيّدها إبراهيم:
ــ صحيح… لم يكن جيدًا.
قلتُ ضاحكةً:
ــ بالعكس، استمتعتُ كثيرًا! أنتما بلا ذوق، هههه.
تخصّرت كاردينيا وقالت:
ــ أنتِ تحبّين الأكشن، وأنا أحب الأفلام الكوميدية.
ثم سألت إبراهيم:
ــ وأنت؟ أيّ تصنيف تحب؟
أجاب وهو يغمز لي:
ــ أحبّ الرومانسي.
ضحكت كاردينيا:
ــ هلو هلو!
واصلنا السير، وهي واقفة تتأمّل اللوحات. اقتربَ إبراهيم منّي وهمس:
ــ أرأيتِ البطل حين قبّل البطلة؟
ــ نعم، ما به؟
ــ لِمَ لا نجرّب المشهد؟
رفعتُ حاجبيّ:
ــ أيعقل؟
ضحك وقرص خدّي:
ــ دعابة فقط… ولكن بدين محمّد، أتدرين كم عذّبتِني؟ أحمر شفاهك هذا جعلني أترك الفيلم وأحدّق بكِ فقط.
ــ أحبّ الأحمر.
ــ وأنا كذلك… انظري كيف تتشابه أذواقنا!
ــ صدّقت.
قال بخبثٍ طريف:
ــ ما رأيكِ… أتذوّقه؟
ــ عدنا من جديد؟
ــ فقط أردتُ معرفة طعمه.
قلتُ ساخرةً:
ــ بدأتَ تسخف.
ــ جديدة عليكِ؟
ــ أبدًا… منذ زمن.
ــ الله يخلق… وعبدُهُ يُبتلى.
فتح سلّة المهملات ليرمي العلبة، فانسكب قليل منها على بنطالي.
قال بسرعة:
ــ لم أنتبه… سامحيني.
ــ لا بأس، سأذهب إلى الحمّام أمسح المكان. لن يحدث شيء.
ــ حسنًا، ولكن لا تتأخّرين.
ــ أتريد هاتفي؟
ــ نعم، أعطيني إيّاه… كي لا يتبلّل أو ينكسر.
ناولته الهاتف، وضعه في جيبه، وقال:
ــ حبيبتي… أنا بانتظارك.
ــ حسنًا عزيزي، سأعود سريعًا.
ذهبتُ إلى الحمّام، مسحت البنطال حتى زال الأثر، وغسلتُ وجهي وعدّلتُ ملابسي.
خرجتُ… وعدت إلى المكان الذي كنّا فيه.
لم أجد إبراهيم… ولا كاردينيا.
يا ربّي… أين ذهبا؟ هل غادرا؟
خرجتُ إلى الشارع، أبحث يمينًا ويسارًا… لا أثر لهما. فكّرت: ربما ذهبا إلى موقف السيّارات.
توجّهتُ نحو الكراج… وبينما أمشي، شعرت بيدٍ تُلامس كتفي. التفتُّ بسرعة… رأيت رجلًا يرتدي قناعًا أسود وخوذة تخفي وجهه تمامًا، لا تُرى منه عيناه.تجمّدتُ من الصدمة، كان واقفٌ بصمت، يحدّق بي دون كلمة.
وخز قلبي… وشعرتُ بخوفٍ أعرفه.
همستُ بصوتٍ مرتجف:
ــ F…؟!!
ارتجفت أطرافي حين أجابني بصوت خافتٍ بارد:
ــ نَعَم.
ي
تبع...
____
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل السابع عشر 17 - بقلم .
كان يقف أمامي ذلك الرجل الذي حطّم حياتي قبل ستة أعوام؛ قاتل عائلتي وقاتلي أنا أيضًا، مجرم خائن ارتكب تسع جرائم، ويُسمي نفسه F. ذبح أرواحًا بريئة لا تحمل ذرة من الشر. أصبح مسدسه امتدادًا ليده، واعتادت عينيه أن تلمعا عند الثانية عشرة بعد منتصف الليل، وعشق شهر أبريل كما يعشق الوحش رائحة الدم. طعامه المفضل لحم البشر، وشرابه المفضل الدماء ممزوجة بالكحول. قلبه صلب حدّ أن الجنون أكل إنسانيته حتى لم يعد فيه سوى بقايا هوس قاتل.
******
تراجعتُ خطواتٍ إلى الوراء، محاولة السيطرة على رعشة جسدي. خوف، قلق، توتر، وماضٍ لا يتوقف عن مطاردتي.
همست لنفسي: اهدئي، لستِ وحدكِ. أنتِ في شارع عام، ومئات النّاس حولكِ، لن يستطيع إيذاءكِ، لستِ في العراق، المكان مختلف هذه المرّة.
قطع صوتُهُ أفكاري، ثابتًا في مكانه كأنّه سيلتقط أنفاسي قبل أن تهرب: مرحبًا يا ماتيلدا.
أجبته وأنا ألهث، غير مصدّقة وجوده أمامي: كيف عرفتَ مكاني؟!
قال بهدوء بارد: لِمَ أنتِ غاضبة؟ أردتُ فقط أن نتسلى قليلًا.
صرخت به: لستُ ماتيلدا القديمة! لن أخاف منك بعد الآن، ولعلمك، هناك أناس قريبون، وإن صرختُ سيأتون فورًا.
ابتسم ابتسامة ساخرة: يبدو أنّ الحبّ أضعفك كثيرًا، لم أتوقع أن ينبض قلبك لشخصٍ آخر، لكنّه وسيم بما يكفي لأعذركِ.
ارتجفت يداي غضبًا: إن حاولتَ إيذاء إبراهيم سأقتلك بيدي!
قال ببرود أرعبني: وهل يكتفي مجرم مثلي بعددٍ محدود من الجرائم؟
أدرت وجهي محاولة الركض، لكنّه لحق بي فورًا، قبض على يدي بقوة كأن الحديد يلتصق بالمغناطيس، حاولتُ سحب يدي، بلا جدوى.
رفعت صوتي، لكنّه سبقني وهو يلمح المسدس عند خصره، ويحدّق بطفل ورجل يقفان قربنا: إن ارتفع صوتكِ، فحياتهم ستنتهي، وستكونين السبب.
شهقتُ: أنت بلا ضمير حقًا، دعني أذهب!
قال بأمرٍ لا يُحتمل: ستأتين معي.
عضضتُ على أسناني وقلتُ بحدّة: لن أذهب معك! اترُك يدي!
اقترب مني قائلًا: دقائق فقط، لن نتأخر.
صرخت: لن أذهب لأي مكان! ألا تسمع؟!
أمسك مسدسه: حسنًا.
اتسعت عيناي رعبًا، هذا مجرم، سيفعلها دون تردد، قلبي انقبض بقوّة ثمّ ززت رأسي موافقة، فضحك: اتبعيني.
أعاد مسدسه إلى بنطاله، وأمسك يدي يجرّني بينما أسأله أين يأخذني. قادني بهدوء إلى شارع خالٍ، ثمّ دفعني نحو زاوية ضيقة بين جدارين، محاصرًا إيّاي. أخرج سكينًا صغيرة وقال: اجرحي يدكِ.
تراجعت مصدومة: ماذا؟! هل جننت؟! بالتأكيد لن أفعل!
أخرج مسدسه مرّة أخرى، وصوّبه نحو طفلة كانت تجلس على كرسي صغير تلعب بمكعبات.
ـ إن أصابت الطلقة هذه الطفلة فذنبها على عاتقكِ، وليس لي علاقة.
استدرتُ بذهول نحو الطفلة: أنت بلا قلب، الطفلة لا ذنب لها! حتّى أنّني لن أجرح يدي، دعني وشأني!
فتح أصابعي بجسارة، ووضع السكين عليها، رفعتُ يدي المرتجفة وهو يرفع كمّ بلوزتي قائلًا بحزم قاسٍ: اجرحي.
صرخت:
ـ لن أفعل ما تريد!
ضغط على زناد المسدس قليلًا: هذه آخر مرّة. إن لم تنفذي طلبي سأقتلها، ودمها في رقبتكِ أيّتها الفتاة المتمردة.
ارتفع صوتي بالبكاء والتوسل: بحق العذراء لا تؤذِها! أرجوك دعني واتركني!
هز رأسه، وجّه المسدس نحو الطفلة، ضغط… كان سيدمرها.
صرختُ من أعماق قلبي:
ـ لااا!!
وغرستُ السكين في يدي.
سقطتُ أرضًا أصرخ من الألم، وهو يضحك بصوتٍ عالٍ مجنون، مستمتعًا بعذابي.
ترك يدي أخيرًا، صعد دراجته، عدّل خوذته، وأشار لي بحركته المعتادة: “إلى اللقاء”. ثم انطلق بسرعة جنونية.
*******
ركضتُ مباشرة نحو المرآب، أبحث عن إبراهيم بعينين دامعتين. التقطتُ أنفاسًا ثم لمعت عيناي عندما رأيته يقف قرب السيارة مع كاردينيا، يتحدث عبر الهاتف. صرخت باسمه، التفت فورًا، ناول هاتفه لكاردينيا، وركض نحوي.
أمسك يدي، جذبني إلى صدره بقوة، كان قلبه ينبض كطبول حرب، وأنفاسه متلاحقة، ملامحه مرعوبة.
إبراهيم:
ـ أين كنتِ؟! أقسم بدين محمد عقلي توقف… أين اختفيتِ؟!
لم أستطع قول جملة مفهومة. كنت أرتجف. كاردينيا احتضنتني تهدئني، بينما هو قبض على يدي وقال بقلق:
ـ هيا لنعد إلى الشقة… وجهك شاحب. سنتحدث هناك.
شددتُ على يده، لكن الألم دفعني للتأوه. سحب كم بلوزتي… واتسعت عيناه عندما رأى الدم يغطي يدي.
تفجر غضبه:
ـ حبيبتي، ماذا حدث؟! من الذي جرحكِ؟! لا تعذبيني… تكلّمي!
همستُ بصوتٍ منكسر:
ـ هو… كان السبب.
اقترب وجهه مني، وصوته يرتجف غضبًا:
ـ من هو؟
تشبثتُ بقميصه محاوِلةً النطق بما حدث، لكن الدنيا دارت بي بشكلٍ مفاجئ؛ رأيته يتضاعف أمامي كأن صورتين تنفصلان عن بعضهما. وضعتُ يدي على رأسي، أطلقتُ صرخة قصيرة، ثم انهار جسدي على الأرض.
انحنت كاردينيا تجاهي وهي تصرخ:
ـ أختي… حبيبتي! يا إبراهيم، أقسم بالله أن أختي ستفقد عقلها إن لم نُسعفها بسرعة!
قال إبراهيم بصوتٍ آمر:
ـ افتحي باب السيارة… الآن، دون أي كلام.
هزّت رأسها بسرعة:
ـ حاضر… حاضر.
حملني إبراهيم من الأرض إلى صدره، كان يحتضنني بقوة، وملامحه غارقة في الخوف والقلق على أختي. ركض بي إلى السيارة، وضعني على المقعد، وأسندتُ رأسي على كتف كاردينيا التي أخذت تمسح وجهي المرتجف.
شغّل إبراهيم المحرّك وهو يقول بلهجة متوترة:
ـ حاولي إبقاءها مستيقظة… اضربي خدّها بلطف إذا احتاج الأمر.
أومأت كاردينيا:
ـ حاضر.
وصلنا الشقة سريعًا. صفّ إبراهيم السيارة، حملني مرة أخرى، وسبقتْه كاردينيا لتفتح الباب، لحسن الحظ كانت تملك المفتاح.
مدّدني على السرير، ثم طلب منها:
ـ أحضري عطرًا وماء… بسرعة.
---
فتحتُ عيني بصعوبة، الرؤية ضبابية. كان جالسًا بقربي، وما إن لاحظ استيقاظي حتى ابتسم، وطبع قبلة سريعة على جبيني.
إبراهيم:
ـ الحمد لله على سلامتكِ يا روحِي.
قلتُ بصوت متعب والدوار يثقل رأسي:
ـ برهمي… ماذا حدث؟
جلس بقربي وقال بحدة يملؤها الخوف:
ـ هذا السؤال أنا من يجب أن يطرحه. فقدتِ وعيكِ في المرآب… حملتُكِ وعدتُ بكِ إلى الشقة. أخبريني، ماذا حدث لكِ؟ والله كدتُ أفقد عقلي… وجهكِ كان أصفر، ويدكِ كلّها دم. لم يحدث لكِ شيء كهذا سابقًا.
لم أجد في داخلي قوة للحكي. تمددت أكثر، وسحبت الغطاء حتى وصل إلى وجهي… كنت أريد الهروب من العالم كله.
قال بصوت مضطرب:
ـ لا تصمتي… صمتكِ يخنقني.
لم أُجب. نادى بسرعة:
ـ كاردينيا! أحضري معقمًا وقطعة قماش… أي شيء لأعالج يدها.
دخلت كاردينيا بعد لحظات وهي تحمل معقمًا وقطعة قماش حمراء.
قالت:
ـ لم أجد إلا هذا… للأسف لا توجد ضمادات ولا لاصق عندنا.
أخذها منها، وحين اقترب بقطعة القماش الحمراء صرختُ فجأة، وكأن اللون نفسه يجلد روحي:
ـ أبعدهُ عـنّي! أبعدهـ… لا أريده! أكره اللون الأحمر… أبعده!!
تجمد الاثنان مصدومين. اقترب إبراهيم ومدّ يده نحوي:
ـ ماتيلدا… ما بكِ؟ لماذا تخافين اللون؟
قالت كاردينيا بدهشة وقلق:
ـ حبيبتي، لم أكن أعلم أنكِ تكرهينه لهذه الدرجة.
دفعت يدها بقوة، وارتجفتُ وأنا أصرخ بكلمات غير مفهومة، ثم صرختُ بأعلى صوتي:
ـ اخرجوا… اخرجوا من الغرفة! أكره اللون الأحمر… كلّه بسببه… بسببه!
اقترب إبراهيم بسرعة، أمسك وجهي بيديه، ووضع أصابعه على شفتي مانعًا كلامي:
ـ ششش… اهدئي. أي شيء تريدينه سيتحقق. فقط… اطمئني.
رما قطعة القماش لكاردينيا:
ـ تخلّصي منها فورًا. أحضري أي شيء غيرها.
قالت كاردينيا بقلق:
ـ حسنًا… لكن دير بالك عليها.
غادرت، ثم عادت بعد دقائق تحمل قطعة قماش أخرى. عالج إبراهيم الجرح، طهّره، وربطه، ثم قال وهو ينهض:
ـ سأذهب إلى الصيدلية. لن أتأخر. أنتِ… لا تتحركي من مكانكِ، وممنوع أن تخرجي. مفهوم؟
ثم التفت إلى كاردينيا:
ـ انتبهي لها… لا تتركيها وحدها.
ابتسمت بثقة:
ـ بعينيّ الاثنتين.
خرج إبراهيم، فأغلقت كاردينيا باب الشقة وعادت إلى الغرفة، جلست بجواري تمسّد شعري بقلق.
همستُ لها بصوتٍ مرتعش:
ـ رأيتُه.
اتسعت عيناها:
ـ مَن؟
ـ هو… F.
صرخت بصدمة:
ـ مستحيل! كيف جاء إلى تركيا؟ أرجوكِ… قولي إنكِ تتوهمين.
أجبتها بمرارة:
ـ أقسم بربّ يسوع… لم أتوهم. رأيته… وهو من جرح يدي بالسكين.
حدقت بي صامتة، لم تستوعب ما سمعت. أمسكتُ يدها، وعدّلت جلستي، وضعت وسادة خلف ظهري وقلت:
ـ يجب أن نغادر تركيا.
قالت بدهشة:
ـ إلى أين نذهب؟ بعد كل هذا العناء وجدنا سكنًا وعملًا… هل نعود للتشرد من جديد؟
قلت بصوت مرتجف:
ـ وماذا نفعل؟ نبقى ننتظر المجرم ليقتلنا؟ رأيته اليوم… كلّمني… وجرح يدي. يعني أن اللقاء الثاني قريب… وقريب جدًا.
قالت وهي تتنفس بخوف:
ـ وكيف عرف أننا ذهبنا إلى السينما؟
ـ هذا طبيعي. ربما يراقبنا. إذا استطاع الوصول إلى تركيا، فيمكنه الوصول إلى مدينتنا… إلى شقتنا.
قالت فجأة:
ـ لدي حل.
نظرتُ إليها متسائلة:
ـ ما هو؟
ـ أخبري إبراهيم عمّا حدث.
شهقتُ غاضبة:
ـ مستحيل! هل جننتِ؟
قالت بحزم:
ـ لا تنسي أن إبراهيم ضابط مخابرات… هو الوحيد القادر على مساعدتنا. سيقبض على F، ويُنهي هذا الكابوس. أخبرِيه… لنرتاح. كل ليلة أنام وأنا قلقة بسببه.
هززت رأسي بقوة:
ـ لا… لا أريد أن يعرف.
قالت بعتاب:
ـ ولماذا تخفين عنه شيئًا كهذا؟ قد يغضب منكِ لاحقًا.
قلت بصوت مخنوق:
ـ أنا خائفة عليه… إن حاول تتبعه أو جمع معلومات عنه… سيقتله! كما قتل عائلتنا بدمٍ بارد.
انهمرت دمعة من عين كاردينيا، وقالت بصوت مكسور:
ـ ماتيلدا… اشتقتُ لأمي.
انقبض قلبي عليها، جذبتها إلى صدري بسرعة، وبدأت تبكي بصوتٍ مسموع، بينما أحاول تهدئتها بكلماتٍ أعرف أنها ضعيفة أمام ألمها.
ـ حبيبتي… أنا معكِ دائمًا. وبالنسبة لأمي… من الطبيعي أن نشتاق إليها. لكن العذراء معنا… ادعي وصلّي، ستشعرين بالراحة.
سألتني وهي تمسح دموعها:
ـ ومن سيأخذنا إلى الكنيسة؟
ـ أنا… غدًا. أعدك.
صمتت لحظات ثم همست بخوف:
ـ والمجرم؟
قلت بضيق واضعة يدي على قلبي: إن رأيته مرّةً أخرى، سأخبر إبراهيم… لقد سئمت هذا الوضع. إلى متى سيظل يهدّدنا ويقتل؟ لا أعرف ماذا يريد، ولا أفهم غاية جرائمه التي لا تُحصى.
وبينما كنّا نتحدث، دوّى صوت الجرس. سارعت كاردينيا إلى فتح الباب، فدخل إبراهيم وهو يحمل كيسًا من الأدوية وآخر مليئًا بالفاكهة. اقترب منّي، جلس إلى جانبي، وبدأ بتعقيم الجرح ولفّه بعناية. ثمّ قال بنبرة ممتلئة بالقلق: حبيبتي، حاذري من الماء… انتبهي ليدكِ ولنفسكِ. ما زلتِ شاحبة. هل آخُذكِ إلى الطبيب؟
هززتُ رأسي نافية: لا حاجة لذلك، أشعر بتحسّن.
ابتسم قائلًا: الحمد لله.
ثمّ التفت إلى كاردينيا وقال: أحضرتُ بعض الفاكهة، سأعدّ لها عصيرًا طبيعيًا. وجهها مصفر ومتعب، إنّها تُهمل نفسها كثيرًا.
أومأت كاردينيا وقالت: حسنًا، أعطني إياها لأُعدّ العصير. لكن إبراهيم نهض وقال بحزم لطيف: لا، سأعدّه بنفسي.
سألته كاردينيا: أأرافقك إلى المطبخ؟
فأجاب بلا تردد: لا داعي، ابقي إلى جانب أختكِ ربّما تحتاج شيئًا.
غادر نحو المطبخ، وبقيتُ صامتة لبرهة. بعد دقائق عاد يحمل كأس العصير، وقدّمه لي. أخذته منه وشربت… وما إن وصلت آخر رشفة إلى فمي حتى شعرت بنعاس ثقيل يُطبق على جفوني. أغمضت عينيّ، ثم فتحتهما ببطء.
قال إبراهيم وهو ينهض: نامي الآن، وعندما تستيقظين اتصلي بي.
سألته بصوت متعب: كم الساعة؟
-الحادية عشرة تقريبًا. إلى اللقاء.
تمتمتُ بنبرة مرهقة: الربّ يرافقك… يا حبيبي.
رحل، وأطفأت كاردينيا الضوء، ثمّ تمددت إلى جانبي ونامت سريعًا. أما أنا، فبقيت مستيقظة، أسترجع ذكرياتي والجرائم التي حدثت وأتساءل عن القدر الذي جمعني بإبراهيم وأوقعني في حبّه. التفتُّ نحو اليمين، فرأيت وجه كاردينيا قريبًا من وجهي. ابتسمتُ؛ فهي تشبهني كثيرًا، إلا أن تفكيرها مختلف تمامًا عني. كاردينيا تركت الدراسة بعد الصف السادس بسبب هروبنا من العراق ولجوئنا إلى تركيا. فاتحتُها أكثر من مرّة بموضوع الجامعة، لكنّها ما تزال ترفض. صار لنا عامان في تركيا، ولا تزال تخشى الالتحاق بالدراسة. وأنا أيضًا خائفة عليها… خاصّة بعد رؤيتي لـ "F" اليوم.
عمري الآن ستة وعشرون. تخرّجتُ في كلية الإدارة والاقتصاد عام 2007 حين كان عمري اثنين وعشرين سنة. في تلك السنة وقع حادث وفاة والد لورين… تركت لورين عملها، أما أنا فلم أعمل أصلًا بسبب "F". وعندما جئت إلى تركيا، كانت المرّة الأوّلى التي أعمل فيها… في شركة إبراهيم.
تنهدتُ طويلًا، أمسكت هاتفي، اتجهت إلى قائمة المكالمات، واتصلت بداينال. رنّ الهاتف… تمنّيت من أعماقي أن يجيب. رنّ… ورنّ… وقبل أن تنقطع المكالمة، فتح الخط.
لكن لم يصلني صوته… لم يقل "مرحبًا". صمت. لم أسمع سوى أنفاسه. شعرتُ بقلبي ينقبض بقوّة، وخرجت مني شهقة مكبوتة. عندها سمعتُه يسحب نفسًا طويلًا، ثمّ قال بصوت مختنق: مشتاقٌ إليكِ… أقسم بالربّ والكتاب المقدس… مشتاق.
كلماته اصطدمت بقلبي انسابت دموعي على خديّ. قلت له بخنق: كيف حالك؟
ارتفع صوته بقلق: هل تبكين؟
-كيف سمح لك قلبك أن تختفي أشهرًا طويلة؟ لا صوت، لا خبر!
قال بحزن مضطرب: الربّ وحده يعلم ما الذي جرى… كيف حالكِ أنتِ؟
-أحاول أن أكون بخير… وأنت؟
-طالما أنتِ بخير… فأنا بخير.
سكتنا طويلًا. كان الخط مفتوحًا، لكنّ الكلمات فقدت الطريق بيننا.
مسحت دموعي، ثم قلت: إبراهيم قرّر أن تتم خطوبتنا بعد أربعة أشهر.
صمت قليلًا، ثمّ قال بصوت خافت: أعرف أنّكِ قوية.
-ماذا تعني؟
- لا شيء، اعتني بنفسكِ، وليمنحكِ الربّ السعادة.
ثمّ انقطع الاتصال فجأة، دون أن يمهلني فرصة لأجيبه. بقيتُ مذهولة، أحدّق في الشاشة المُظلمة.
*********
العراق – بغداد
لورين
غادرتُ المنزل في أوّل يوم لي في الوظيفة الجديدة. ركبت سيارتي، وبعد دقائق مرّرت بمحل العصائر، طلبت كوكتيلًا، شربت نصفه، ثمّ خرجت وأنا أدندن بصوت خافت. عدت إلى السيارة، وما إن هممت بتشغيلها حتّى اهتزّت بصوت ارتطام خفيف عند مقدمتها. ترجلتُ فورًا ونظرت، فإذا بجسم رجل شامخ يقف أمام السيارة. بدا أطول من عمود الكهرباء بأضعاف. همست بدهشة: ارزقني طولك فقط.
رفعت بصري نحو وجهه، شعرت وكأنّي رأيته سابقًا!، ابتسم، وضيّق عينيه، وقال بلطف: صباح الخير يا آنسة.
- أهلًا، صباح النور.
سكت لحظةً، ثمّ فرك يديه بتوتر، وقال بصوت متقطع: لورين… أنا أُحبّكِ.
____
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم .
دفعتُ يده بعيدًا عني وقلتُ باستغراب:
"أأنتَ مخمور منذ الصباح؟"
ابتسم وقال: أُحبّكِ أنتِ، ولا أحد سواكِ.
فجأة التفت خلفه وتجمّد في مكانه، كأن شيئًا أفزعه. رأيتُ يده ترتجف وهو يفرك أصابعه بعصبية. دفعته جانبًا لأرى ما أثار رعبه، فصُدمت برجل يركض نحونا وهو يصرخ:"فعلتها يا كلب!"
قشعر بدني. وقفتُ مذهولة أحاول استيعاب ما يحدث. بدا أنني أعرف ذاك القادم… أو على الأقل رأيته من قبل. لم تمضِ ثوانٍ حتى وصل وهجم عليه بضربات متتالية، لكماتٌ قوية جعلت أنف حسن ينفجر دمًا. واحدة تلو الأخرى، دون توقف… وكأنّه يحمل ثأرًا دفينًا.
تراجعتُ خطوتين مبتعدة، ووقع العصير من يدي. وحين حاول حسن الهرب، أمسكه الرجل من قميصه وصاح: "ستموت على يدي كما مات قتيبة… يا حسن!"
اتسعت عيناي صدمة. هو الضابط حسن؟ الذي رأيته في مركز الشرطة! إذًا من يكون هذا الذي ينهال عليه ضربًا؟ ضيّقت عيني أحاول تذكّر ملامحه… ثم صفعتُ جبيني فجأة. إنه ذاك الغريب الذي رأيته في المطعم واختفى فجأة! لكن لماذا ظهر الآن؟ ولماذا يلاحقني؟ وما سرّ هذا العداء بينه وبين حسن؟ قاطعتُ دوامة أفكاري وهمست لنفسي: "لورين… اهربي الآن، هذه فرصتك."
سرتُ بخطوات متخفّية حتى أصبحتُ خلفهما. فتحتُ باب سيارتي، دخلت بسرعة، وأغلقت الباب بينما أنفاسي تتلاحق. شغّلت المحرك وانطلقت.
وضعتُ كفًّا على خدي والأخرى على المقود، عيناي على الطريق وذهني غارق بما حدث.
بحق المسيح… من أين خرج هذا الرجل؟ ماذا يريد؟
لم أؤذِ أحدًا في حياتي، ومع ذلك تتساقط المصائب فوق رأسي كأنها تتنافس في شدّتها.
أحدهم يعترف لي بحبّه وهو لا يعرفني إلا مرة واحدة، والثاني غريب الأطوار يهجم عليه كأنه يريد قتله، وحسن… لم يدافع عن نفسه! وقف يتلقى الضرب بلا مقاومة.
أعدتُ كلمات الرجل في رأسي:
"سأقتلك مثلما مات قتيبة."
ارتجفتُ.
يعرفني… ويعرف F… ولا يكذب.
إذًا… من قتل قتيبة؟
ضغطت على البوق بحدة. رأيت في المرآة أن عينَي صارتا حمراوين من الغضب والخوف. أخذت نفسًا عميقًا محاولَة تهدئة نفسي، وردّدت الآيات التي أتمتم بها كلما ضاق صدري:
"ليستجب لكَ الربّ في يوم الضيق…"
"لأنه يخبئني في مظلّته…"
"لا تخف لأني معك…"
"ادعُني في وقت الضيق…"
"إن كان الله معنا فمن علينا."
ظللتُ أكررها حتى هدأ نفسي قليلًا. شربتُ رشفة ماء ورطّبت شفتي، ثم واصلت القيادة مبتعدة عن المنطقة قدر ما استطعت.
كنتُ في حيرة:
أأذهب إلى العمل… أم أعود إلى البيت؟
وبعد تردد، اخترت العودة. ربما يعرفون موقع عملي… وقد يتبعونني إن ذهبت.
انعطفت إلى طريقٍ فارغ لأتمكن من التفكير.
إلى متى تبقى حياتنا لعبة بأيدي هؤلاء الأنذال؟
متى نحيا بسلام كبقية البشر؟
دوّى صوت أبواق خلفي. نظرت في المرآة، فإذا بسيارته خلفي… الشخص نفسه الذي رأيته في المطعم.
يا إلهي…
أي صباح أسود هذا؟
ماذا يريد مني؟ ولماذا يلاحقني؟
زاد سرعته، وأخذ يضغط على البوق بلا توقف. خفت أن يصدم سيارتي.
كل شيء متوقع… طالما أن F غدر بي سابقًا.
لكن فجأة سألت نفسي:
"مِمَّ أخاف؟ ليقترب… سأجعله يندم."
أوقفت السيارة جانبًا وصعدت بها فوق الرصيف قليلًا، ثم نظرت إليه من الزجاج الأمامي وهو يركن خلفي وينزل. وضعتُ ما أحتاجه لحماية نفسي في جيبي، وخرجت من سيارتي بعد أن أبقيت الباب مفتوحًا خلفي.
اقترب مني بخطوات ثابتة… وقفتُ أمامه بثبات، قلت:
"هل يمكن أن أعرف لماذا تلاحقني؟"
ابتسم وقال ببرود:
"لسواد عينيكِ."
ضربت جبهتي بغيظ.
"كم أنت مستفز. سألتك سؤالًا واضحًا، وأتمنى أن تجيب كإنسان طبيعي… هذا إن كنت إنسانًا أصلًا."
عقد حاجبيه، قبض يده، ثم مرّر كفّه على شاربه بخفة وقال مبتسمًا متحديًا غضبي:
"لورين… من أي شيء خُلِقتِ؟"
أجبته باقتضاب:
"من طين… مثلما خُلِقت أمّك وأختك يا عزيزي."
ابتسم، غير مكترث بإهانتي. ركّز فقط على آخر كلمة، ثم هز رأسه وقال واضعًا يده على صدره:
"يا لروعة ما قلتِ… يا عيون عزيزِك."
عقدتُ حاجبي:
"هل أنت مخبول حقًا؟"
— "نعم."
— "جميل… صريح على الأقل."
— "أنا في خدمتك."
— "اغرب عن وجهي قبل أن أنهي نسلك."
ضحك غير مبالٍ، وقال بصوت واثق:
"هههههه… وربّ المسيح، أفديكِ أنا."
التفتُّ بصمت لأصعد إلى سيارتي، لكنّه قبض على يدي وقال:
"لحظة يا لورين… لنتفاهم."
نظرتُ إلى يده الممسكة بي، ثم رفعتُ رأسي وحدّقت فيه بحدة:
"ارفع يدك."
— "لورين… أعطيني فرصة فقط."
— "ارفعها أولًا، وإلّا فقأتُ عينيك بيدي."
سحب يده مضطربًا وقال:
"حسنًا… سحبتها. فقط أريد أن أتحدث معك وأشرح لك—"
لم أمهله. ما إن أبعد يده حتى أخرجتُ بخاخ الفلفل من جيبي ورششته مباشرة في عينيه، ثم ركضت مبتعدة.
ارتفع صراخه يسبّ ويلعن:
"أيتها كلبة… آه عيناي…!"
ضحكت ودخلت سيارتي وأغلقت الباب بإحكام. قبّلت البخاخ قبلة مبالغًا فيها كأنه كنز، ووضعته بجانبي على المقعد، ثم ناديت من خلف الزجاج وهو يقف يفرك عينيه:
"في المرة القادمة، اسأل أختك الجميلة من أي طين خُلِقت… ولا تتدخل في حياة غيرك. وإن بقيت تراقبني، سأبلغ الشرطة بنفسي يا عزيزي."
صرخ وهو يتلوّى:
"سأجعلكِ تعرفين كيف أصل إليكِ… أقسم!"
أجبته بحدة:
"اصمت! كفّ عن الكلام… وإلّا سحقْتُ رأسك بالسيارة."
ولم أسمح له بإتمام جملته، شغّلتُ السيارة وانطلقت مسرعة تاركة إيّاه خلفي.
---
عُدتُ إلى المنزل ورويتُ لأمي كلّ ما حدث. شهقت وضربت على صدرها خوفًا:
"لا نعرف ما الذنب الذي اقترفناه لنُبتلى بهذا الشكل… يا رب رحمتك!"
— "أمي… ماذا نفعل الآن؟ أنا تائهة."
— "اتصلي بدايانل."
— "مستحيل. لن أتصل."
— "ولِمَ لا؟"
— "أمي… المسكين ابتُلي بنا أنا وماتيلدا بما فيه الكفاية. إن تدخّل الآن سيُنهي أولئك حياته."
صمتت والدتي لحظات، ثم قالت بثقة غريبة:
"اتصلي… وسأتكفّل أنا بالباقي."
— "وما الذي تنوين فعله يا أمي؟"
— "لديّ خطة."
— "خطة؟ أيّ خطة؟"
— "سأشرحها عندما يكون هنا."
— "حسنًا… كما تريدين."
---
تركيا – إسطنبول
ماتيلدا
في اليوم التالي بعد ما حدث، ذهبت إلى الشركة كعادتي. وقبل انتهاء الدوام بقليل شعرتُ بالغثيان يعود مجددًا، فأخذت إجازة عاجلة وعدتُ إلى الشقة. شربتُ مُسكّنًا وعصير ليمون ليهدئ معدتي، ثم شممتُ القليل من النعناع وغليته لاحقًا وشربت كوبًا منه، فشعرتُ أن جسدي يهدأ تدريجيًا.
لكن ما أثار دهشتي أنّ إبراهيم لم يتصل بي طوال اليوم… ولم يزر الشركة أصلًا.
فكرت أن أتصل به، ثم هززت رأسي: لا… الأفضل أن يتصل هو.
تمدّدت على السرير، وكانت كاردينيا تجلس بجانبي، تسأل كل دقيقة:
"هل أصنع لكِ شيئًا لتشربيه؟"
— "لا… لو احتجتُ شيئًا سأخبركِ، لستُ خجولة."
كاردينيا رمقتها بضيق:
"لماذا تهملين صحتك؟ عليكِ زيارة الطبيب. معدتك تؤلمك كل فترة، ورأسك يصدع يوميًا!"
— "لا شيء بي."
— "اسكتي… ثم تمرضين لاحقًا."
— "أطفئي الضوء فقط… دعيني أنام."
قالت بسخرية:
"وهل النوم حلّ لكل شيء؟"
— "بالضبط."
تنهدت وقالت:
"سأتصل بإبراهيم وأخبره."
صرخت:
"لا! ممنوع، لا أريده أن يعرف."
— "ولِمَ؟"
— "إن كان يفكر بي… فليتصل هو."
— "وإن لم يتصل؟"
هززت رأسي بتعب:
"لا أدري."
ابتسمت كاردينيا بحنان:
"الربّ كريم… حسناً نامي. سأكون في الصالة، نادي إن احتجتِ شيئًا."
— "حسنات في ميزانك."
— "ههههه… سأجمع حسنات على حسابك!"
— "يا ذيبة!"
— "وأنتِ الأصل."
ضحكت ثم خرجت وأطفأت الضوء.
لم أكَد أغفو حتى رنّ هاتفي. نظرتُ فكان إبراهيم. أجبت بنعاس:
"خير؟ حدث شيء؟"
إبراهيم، بنبرة عاتب:
"أولًا… السلام عليكم."
— "وعليكم السلام."
"يقولون خرجتِ من الشركة قبل انتهاء الدوام… دون إذن."
— "صحيح."
"والسبب؟"
صمتُّ بضيق؛ الآن فقط تذكّر أن يتصل ويسأل؟
نظرْت إلى الساعة: الثانية عشرة.
— "إبراهيم، أنا متعبة كثيرًا. سأتحدث معك لاحقًا، أريد النوم."
سمعته يتنهد:
"سلامتكِ من التعب… هذا هو الجواب الذي أريده. بالك على نفسك يا حبيبتي."
— "بإذن الرب."
— "مع السلامة."
— "الرب معك."
صلّيت أنا وكاردينيا، ثم نمت قليلًا واستيقظت الثالثة عصرًا. تناولتُ زبادي وتفاحًا، فلم أكن أشتهي الكثير، وشربت عصير البرتقال. أعدّت كاردينيا فطائر الجبن، فأخذتُ واحدة وقلت:
"عاشت يداكِ… طعمها رائع."
ضحكت وقالت:
"شيف فلويد كاردوز، أليس كذلك؟"
"بل أنتِ أفضل منه."
"الطريقة سرّ مهني… لا أسلّمها لأحد!"
ضحكنا معًا، ثم توضأت ودخلت غرفتي لأصلّي صلاة التاسعة الإنجيلية بخشوع، أتلو كلماتها بطمأنينة:
"فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ، وَبِاسْمِ الرَّبِّ أَدْعُو. أُوفِي نُذُورِي لِلرَّبِّ مُقَابِلَ شَعْبِهِ، فِي دِيَارِ بَيْتِ الرَّبِّ، فِي وَسَطِكِ يَا أُورُشَلِيمُ. هَلِّلُويَا"[56].
"هَلِّلُويَا. طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَّقِي الرَّبَّ، الْمَسْرُورِ جِدًّا بِوَصَايَاهُ. نَسْلُهُ يَكُونُ قَوِيًّا فِي الأَرْضِ. جِيلُ الْمُسْتَقِيمِينَ يُبَارَكُ. رَغْدٌ وَغِنًى فِي بَيْتِهِ، وَبِرُّهُ قَائِمٌ إِلَى الأَبَدِ. نُورٌ أَشْرَقَ فِي الظُّلْمَةِ لِلْمُسْتَقِيمِينَ. هُوَ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ وَصِدِّيقٌ"[57].
"مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا السَّاكِنِ فِي الأَعَالِي؟ النَّاظِرِ الأَسَافِلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ"[58]. ونصوص مثل: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا، مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ مِنْ أَجْلِ أَمَانَتِكَ. لِمَاذَا يَقُولُ الأُمَمُ: «أَيْنَ هُوَ إِلهُهُمْ؟ ». إِنَّ إِلهَنَا فِي السَّمَاءِ. كُلَّمَا شَاءَ صَنَعَ. أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا. يَا إِسْرَائِيلُ، اتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. يَا بَيْتَ هَارُونَ، اتَّكِلُوا عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. يَا مُتَّقِي الرَّبِّ، اتَّكِلُوا عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. الرَّبُّ قَدْ ذَكَرَنَا فَيُبَارِكُ. يُبَارِكُ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. يُبَارِكُ بَيْتَ هَارُونَ. يُبَارِكُ مُتَّقِي الرَّبِّ، الصِّغَارَ مَعَ الْكِبَارِ. لِيَزِدِ الرَّبُّ عَلَيْكُمْ، عَلَيْكُمْ وَعَلَى أَبْنَائِكُمْ. أَنْتُمْ مُبَارَكُونَ لِلرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. السَّمَاوَاتُ سَمَاوَاتٌ لِلرَّبِّ، أَمَّا الأَرْضُ فَأَعْطَاهَا لِبَنِي آدَمَ. لَيْسَ الأَمْوَاتُ يُسَبِّحُونَ الرَّبَّ، وَلاَ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى أَرْضِ السُّكُوتِ. أَمَّا نَحْنُ فَنُبَارِكُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ. هَلِّلُويَا"[59]. ولا يتسع المقام لكل النصوص، لذلك يمكن العودة لكتاب روحانية الصلاة الأجنبية[60].
*****
خرجتُ بالأوراق التي دوّنت فيها ما يجب عليّ إنجازه في عملي. وفي المساء اتّصل بي إبراهيم.
أجبتُه:
«مرحبًا…»
فقال بصوته الدافئ:
«حبيبتي… أنا بانتظاركِ في الحديقة، انزلي إليّ.»
سألته بدهشة: «هل حدث شيء؟»
قال: «لا… فقط اشتقتُ إليكِ.»
«هكذا فقط؟»
تنفّس وقال: «آه…»
صمتُّ لحظة متردّدة، ثم هززت رأسي موافقة وقلت: «حسنًا… دقائق وأنزل.»
أخبرتُ كاردينيا، وارتديت معطفي، وألقيت نظرة على الساعة: الثامنة مساءً. رتّبت شعري، وأغلقت باب الشقة خلفي وغادرت.
هبطت السلالم ومشيت في الشارع بهدوء. كالعادة، لم يكن هناك أحد، الجميع يلوذ ببيوته في هذا الوقت. لمحـتُ سيارة تمرّ بسرعة، ثم تابعت طريقي.
وجدته جالسًا على المصطبة. ما إن رآني حتى نهض وفتح ذراعيه كأنه يقول: تعالي لحضني.
كنتُ في شوقٍ شديد إليه، وفي حاجةٍ إلى هذا الحضن. ركضت نحوه وارتميت في ذراعيه.
بقينا متعانقَين دقائق طويلة، ثم أخذ بيدي وجلسنا على المقعد ذاته الذي اعتدنا أن نجلس فيه لنتحدّث ونبوح بما في داخلنا.
قال إبراهيم: «كيف حالكِ يا روحي؟»
هززت رأسي بصوت خافت: «بخير…» دون أن أنطق بكلمة أخرى.
أمسك يدي ونظر إليّ قائلًا: «أنا آسف.»
سألته: «وعلى ماذا؟»
قال: «أولًا… عمّا حدث أمس. وثانيًا… عمّا جرى اليوم. صدّقيني، كنتُ مشغولًا بصفقة مهمّة، ولم أستطع التحدّث إليكِ صباحًا في الشركة.»
قلت: «أمّا اعتذارك الثاني فمقبول… لكن الأول؟ على ماذا تعتذر؟ السبب ليس منك!»
تنهد وقال: «كان ينبغي ألا أترككِ وحدك.»
سألته: «أنت لا تعلم ما حدث، صحيح؟»
قال: «صحيح… لكن أختكِ أخبرتني بما يكفي.»
رفعت حاجبي وقلت: «وماذا قالت؟»
قال: «قالت إن رجلًا متطفّلًا تبِعكِ بعد خروجك من السينما، وجرح يدكِ، وسرق الساعة التي كنتِ ترتدينها، ثم هرب.»
قلت بخفوت: «آه… حسنًا.»
حمدتُ الله في سرّي… كاردينيا أنقذت الموقف وقدّمت له تفسيرًا مقنعًا.
لم أرغب أن أخبره بالحقيقة. لا أريد أن أغوص مجددًا في الماضي، ولا أن أجرّه إلى الخطر. أخشى عليه… أخشى أن يصيبه شيء بسبب المجرم.
وبينما كنت غارقة بين أفكاري، همس في أذني بصوتٍ جعل جسدي يقشعر:
«F؟»
ابتعدت بسرعة ونهضت، وقد غمرني الخوف والارتباك. نظرت إليه مصدومة: لماذا نطق هذا الحرف؟
تمتمتُ بصوت متقطّع: «ما بك يا إبراهيم؟»
نهض هو الآخر وقال: «ما بكِ أنتِ يا ماتيلدا؟ لقد نطقتُ حرفًا فقط… لم أقل يوم موتك!»
صرخت به: «إبراهيم، كفى… أرجوك اسكت!»
وضعت رأسي بين يديّ وأغمضت عينيّ.
اقترب مني وقال بقلق: «لماذا احمرّ وجهكِ هكذا؟»
لم أُجبه. بقيتُ صامتة.
«ماذا أخافكِ؟»
قلت بصوت مرتجف: «إبراهيم… من أين تعرف حرف F؟»
قال متعجبًا: «ماذا تقصدين؟ هل هو شخص؟»
صرخت: «ما الذي تعنيه؟»
قال وهو يشير أمامي: «قرأتُ الحرف على الجدار الذي أمامك.»
«ماذا؟!»
رفعتُ رأسي بسرعة ونظرتُ إلى الجدار…
ركضت نحوه، واتّسعت عيناي رعبًا.
كان مكتوبًا بخطٍ كبير، وباللون الأحمر: F
وتحته كلمة: الموت.
وضعتُ يديّ على رأسي، وصرت أتمتم بارتباكٍ يائس، ترتجف أعصابي حرقةً:
«لا… لا… لا!»
اقترب إبراهيم مني وقال بقلق:
«ما بكِ يا ماتيلدا؟ ماذا قرأتِ؟»
لم أجب، فتابع وهو يزداد اضطرابًا:
«ما بكِ يا عمري؟ ماذا حدث؟ إنه مجرّد حرف مكتوب على الجدار، لماذا اختنقتِ هكذا حين قرأتِه؟»
صمتُّ، ثم انهمرت دموعي على خديّ دون قدرة على كبحها. اتّسعت عيناه دهشة، واقترب بسرعة، ثم جذبني إلى حضنه بقوة وقال بصوتٍ مكسور:
«ماذا بأسك؟ لماذا تبكين؟»
همستُ وقلبي ينهار:
«إبراهيم… تعبت. تعبت كثيرًا. والرب يسوع يعلم أن قلبي على وشك أن يتوقّف. أصبحتُ ضعيفة… أنا التي كنتُ قوية، صرتُ هشّة، مُنهكة…»
شدّ عليّ بذراعيه وهو يقول بحدّة مؤلمة:
«من الذي قهركِ بهذا الشكل؟ من؟»
مسحت دموعي، وابتعدت عنه ببطء، أصلحت معطفي وقلت بصوتٍ خافت:
«انسَ الأمر… لا شيء.»
قال بإصرار:
«لماذا اختنقتِ؟ ولماذا بكيتِ؟»
قلت: «لأنني قرأت كلمة موت… وأنا أتحسّس من هذه الكلمة.»
نظر إليّ طويلًا ثم قال:
«من كلّ عقلكِ يا ماتيلدا؟ قولي الحقيقة.»
«ماذا أقول؟»
«ما الذي تخفينه؟»
«لا أخفي شيئًا.»
«متأكدة؟»
«نعم…»
تنهّد وقال:
«إذًا لماذا بكيتِ؟ لا بدّ أن هناك سببًا غير كلمة الموت.»
قلت: «كان… تفريغًا للطاقة. بكيت فقط.»
قال وهو غير مقتنع تمامًا:
«حسنًا… لن أضغط عليكِ. عودي الآن إلى الشقة وارتاحي. من عينيكِ المُحمَرَّتين يبدو أنكِ مرهقة. غدًا صباحًا نتحدث.»
«حسنًا… إن شاء الرب.»
«تصبحين على خير… واعتني بنفسكِ، واحذري.»
«وأنت أيضًا…»
عدتُ إلى الشقة، وتمددت فورًا على سريري. لم أجب كاردينيا حين سألتني عمّا حدث، اكتفيت بالصمت… ثم غرقت في النوم.
---
في اليوم التالي، وصلتُ إلى الشركة. طرقت طرقات خفيفة على باب مكتبي، فقلت:
«تفضل يا إبراهيم…»
دخل وهو يضحك وقال:
«وكيف عرفتِ أنه أنا؟»
ابتسمت: «أعرفك من طريقة طرقك للباب.»
غمز وقال: «جميل… جميل.»
قدّم لي كوب القهوة، جلست أمامه، ثم قال:
«والآن، قولي لي… ماذا بكِ؟»
قلت: «صدقني، لا شيء.»
«وماذا عن أمس؟»
«كانت لحظة ضعف.»
هز رأسه بعدم اقتناع: «لا أصدق.»
صمتُّ، فنهض وخرج ليباشر عمله.
انتهى الدوام عند الثانية عشرة ظهرًا. حملت حقيبتي وحين هممت بالمغادرة قال:
«أدعوكي للغداء.»
---
عدتُ إلى الشقة، اغتسلت، صلّيت، وأخبرت كاردينيا أن تبدّل ملابسها لتأتي معي.
ذهبنا إلى المطعم، طلب لنا الغداء، وتحدّثنا قليلًا. شعرت براحة… نسيت ما حدث، فقط لأنني سمعت كلماته ونبرة حبّه.
يومًا بعد يوم، كان حبّ إبراهيم يكبر داخلي. لا يمرّ يوم دون أن يتصل بي… أسمع صوته في الصباح أولًا، وأراه في المكتب أول الناس، وأختم يومي بكلماته وهمساته.
مرّت الأيام هادئة… شهر، ثم شهران، ثم ثلاثة. ودخلنا في الشهر الرابع.
*******
اليوم… يومي المشؤوم. أكثر الأيام التي أكرهها في السنة: يوم ولادتي.
أبريل.
أخبرني إبراهيم أنه سيقيم حفلة ميلاد لي، لكن قلبي لم يطمئن منذ عام 2006… لم يمرّ هذا اليوم بسلام. كلّ الجرائم الكبيرة تقع في هذا الشهر، خصوصًا في هذا اليوم تحديدًا… يوم ولادتي.
وهذا السؤال ينهشني: يا ترى ماذا سيحدث اليوم؟
يتبع...
____
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم .
العراق - بغداد
يناير \ 2011
********
استرجاع قصير
بعد أن أصرت أمي إصرارًا شديدًا على أن أتصل بدانيال، امتثلت لرغبتها أخيرًا. هاتفته وطلبت منه أن يأتي إلى منزلنا؛ إذ قالت إن لديها خطة وتريد أن يكون حاضرًا حين تشرحها.
لم يمضِ وقت طويل حتى وصل. جلس في الصالة وألقى عليّ نظرة متسائلة، وكأن عينيه تقولان: ما الأمر؟
اكتفيت بهز كتفيّ ورأسي علامة على جهلي بما تريد أمي قوله.
قالت أمي بهدوء: أخبري دانيال بما حدث معكِ اليوم، يا لورين.
تنهدت قليلًا ثم رويت له ما جرى بالتفصيل. ظل يحدق في وجهي طويلًا، وقد بدا الذهول واضحًا على ملامحه.
قال دانيال مستنكرًا: من أين ظهر هذا الفتى؟
أجبته: لا أعلم. في الحقيقة لا أعرف حتى اسمه.
أطرق دانيال لحظة ثم قال بمرارة: لقد أصبح الوضع يُرثى له. أتعلمين؟ كثيرًا ما يخطر في بالي أن أتصل بماتيلدا وأخبرها بكل شيء… لعل ضميري يرتاح.
ثم تنهد وأردف بصوت منخفض: لكن ما يمنعني هو أمي. أخشى عليها من ذلك الوغد. قد يقتلها بدم بارد. حتى لو هربنا وعشنا في مكان آخر، سيأتي ليلًا ويتسلل إلى البيت وينهي حياتها… أنا متأكد من ذلك. تمامًا كما فعل مع أبي موسى وزوجته حين قتلهما.
تمتمت بغضب: ليت الرب يأخذه.
قال دانيال: آمين. سنحتفل بموته أعوامًا طويلة.
ابتسمت بمرارة وقلت: سأقيم عرسًا كل يوم.
هز رأسه ساخرًا: هذا الرجل كالقطة ذات الأرواح السبع… لا يموت! أتذكرين حين أطلقت ماتيلدا القوية رصاصة في منتصف صدره؟ لا أحد يفهم كيف نجا.
قلت بامتعاض: ومنذ عام 2006 وهو يعبث بعقولنا. لم يترك فينا عقلًا سليمًا. يبدو أنه يستمتع بهذه اللعبة المقرفة.
**********
عودة إلى الماضي
ماتيلدا
بعد جريمة قتل صديقتي، صديقتي التي كانت قطعة من روحي، كان خبر موتها كالصاعقة التي حطمت قلبي. في ذلك اليوم فقدت صوابي، كدت أجنّ. أما المجرم، فقد بدأ يرسل إليّ رسائل قصيرة مليئة بالاستفزاز.
كتبت له غاضبة: إن كنت حقًا رجلًا، فواجهني يا حقير. لا ترتكب جرائمك متخفيًا ثم تهرب كالجبان.
جاءني رده سريعًا: حسنًا… أعلن أنوثتي إذن.
اشتعل الغضب في صدري وكتبت: لا تسخر بعينيك الوقحتين، أيها الوغد! ألا تخجل؟ أخبرني… ماذا تشعر وأنت تقتل روحًا لم تؤذك بشيء؟ قل لي: بماذا أساءت إليك لوجين حتى تقتلها؟ كانت صديقة عمري! أنهيت حياتها برصاصة! أقسم بالرب، إن كنت شجاعًا حقًا فتعال إلى البيت وسأقتلك بيدي.
لم يجبني. أنهى الاتصال واختفى أيامًا.
لكن كل يوم كنا نسمع خبرًا غريبًا، وكنا نكاد نجزم أن F هو وراءه؛ فلا أحد غيره قادر على تلك الأفعال. وفي إحدى الليالي، عند منتصف الليل تمامًا، سمعت حركة خفيفة في المطبخ.
ابتسمت ببرود وهمست: جاء أخيرًا.
فتحت الخزانة وأخرجت مسدس دانيال، وهو يعلم أنني أعرف مكانه. ارتديت معطفًا فوق ثياب نومي، ثم خرجت من الغرفة.
تظاهرت بأنني ذاهبة لأشرب ماء، خوفًا من أن يراني. أخفيت السلاح تحت المعطف ودخلت المطبخ. نظرت يمينًا ويسارًا… لكن المكان كان خاليًا.
أسرعت نحو الشرفة، فوجدت الباب مغلقًا.
صرخت باسمه… ولم يجب أحد.
أدركت حينها أنه اكتشف خطتي وغادر قبل أن أصل إليه.
مرت أيام بعد ذلك، وأنا أراقب الساعة كل ليلة حتى تدق الثانية عشرة، أمسك المسدس منتظرة ظهوره، لكنه اختفى تمامًا.
حتى تلك الليلة.
سمعت صوت حركة عند الباب الرئيسي. صفقت بيدي فرحًا، وأمسكت مسدسي بسرعة.
قلت في نفسي: هذه فرصتي… لن أفلتها.
وفجأة دوى ضحكه بصوت مرتفع.
اشتعل الغضب في داخلي. كنت أشعر باحتقار لا يوصف نحوه.
توقف قليلًا، ثم نظر إلى الباب، كأنه أدرك وجودي، فانطلق هاربًا.
ركضت خلفه دون تردد. كنت عازمة على قتله، بلا أي تراجع.
كان يركض بخطوات واثقة، كأن الأمر بالنسبة إليه مجرد لعبة مسلية.
أما أنا فكنت أركض خلفه بأقصى ما أملك من قوة.
كانت المنطقة شبه خالية. أدركت أن حياتي في خطر؛ فقد يستطيع قتلي بسهولة في هذا المكان الخالي. لكنه لم يفعل.
ظل يركض… وأنا ألاحقه وأصرخ: لقد قتلت عائلتي! قتلت أصدقائي وأحبائي! أخذت كل شيء جميل في حياتي! حطمت أحلامي ودفعتني إلى الغربة!
توقفت لحظة ألتقط أنفاسي، ثم تابعت بصوت تختلط فيه الكلمات بالبكاء: الليلة ستصعد روحك إلى السماء. أنت تستحق الموت! لا تستحق الحياة يا F. سأأخذ روحك كما أخذت أرواحهم. وأقسم بالكتاب المقدس… سيكون موتك على يد ماتيلدا!
توقف أخيرًا.
استدار نحوي، وعلى شفتيه ابتسامة غريبة، قال بهدوء: إنّها أسعد ليلة.
لم أتردد لحظة.
تجمعت في داخلي كل الذكريات السوداء، كل الألم، كل الجرائم التي ارتكبها.
صرخت بأعلى صوتي… وضغطت الزناد.
انطلقت الرصاصة واستقرت في صدره.
*********
العودة إلى الحاضر
قال دانيال: بعد ذلك اختفى ثلاثة أشهر. ظننا أنه مات. عادت حياتنا هادئة… وكدنا نصدق أننا تخلصنا منه للأبد.
ثم تنهد بمرارة وأضاف: لكن اتضح أن لديه سبع أرواح فعلًا.
وتابع: عندما اختُطف صديقي أنترانيك، عرفنا أن F هو الخاطف. توقعنا أن يقتله، لكن الشرطة لحقت به وأنقذته، بينما هرب F.
سألت بفضول: وأين يعيش أنترانيك الآن؟
قال دانيال: في السويد. غادر العراق بعد حادثة الخطف مباشرة. فقد تعرض لتعذيب شديد… بل واغتصبه ذلك الوحش. في اليوم التالي لعودته إلى المنزل، جمع أمتعته وسافر.
تنهدت بحزن: لا بد أنه تحطم تمامًا.
- ليحفظه الرب أينما كان.
ثم نظر إلى أمي وقال: يا عمتي، ألم تقولي إن لديك خطة؟ لماذا الصمت الآن؟
اعتدلت أمي في جلستها وقالت بهدوء: سنحرق سيارة لورين.
نظرنا إليها أنا ودانيال بدهشة، وصرخنا في وقت واحد: ماذا؟! لماذا؟
رفعت يدها قائلة: اهدآ أولًا، وسأشرح كل شيء.
قال دانيال: حسنًا، تفضلي.
قالت أمي: سنغادر المنزل ليلًا، ثم نحرق السيارة… وكأننا نحن الأربعة قد متنا: أنا، ولورين، وأنت، ووالدتك. سنفعل ذلك في منطقة يعرفنا أهلها حتى يشهدوا على الحادث. بعدها سنطلب من أبي إيثان، صديق زوجي رحمه الله، أن ينشر الخبر في كل مكان… حتى يصدق F أننا متنا.
ثم ختمت بلهجة حاسمة: وبعدها سنغادر العراق بلا شك.
تبادلنا أنا ودانيال النظرات بدهشة. لم تخطر هذه الفكرة في بال أي منا.
قال دانيال بعد تفكير: إن كانت هذه الخطة ستريحنا من F… فأنا مستعد لتنفيذها فورًا. لكن استخراج الجوازات وحجز الطيران سيستغرق وقتًا.
ثم أضاف: أستطيع الاتصال بأصدقائي في المطار. خلال ثلاثة أيام يمكننا إنهاء كل شيء.
سألته: ولكن إلى أين سنذهب؟
ابتسمت أمي وقالت: إلى تركيا، يا ابنتي.
لمعت عينا دانيال فورًا، وقال بفرح: أخيرًا سألتقي شمسي.
ضحكت وقلت: الحمد لله.
تنفسنا جميعًا بارتياح، وكأن شعاع أمل قد تسلل إلى قلوبنا.
قال دانيال بحماس: مجرد التفكير بأنني سأراها يجعل قلبي يطير. اشتقت إليها كثيرًا.
قلت مبتسمة: وأنا أكثر شوقًا… خاصة لكاردينيا.
ظل يردد بصوت خافت: لك الحمد يا رب… لك الحمد دائمًا وأبدًا.
همست له: كيف تتخيل اللقاء؟
ابتسم وقال: لقاء عظيم بكل معنى الكلمة. منذ عامين لم ألتقِ صديقة روحي… صديقة طفولتي.
قلت: لعل الرب يجمعنا ببركة العذراء مريم.
- آمين يا لورين.
غادر دانيال بعد ذلك. بقيت أتحدث مع أمي قليلًا، ثم حل الليل. استلقيت على سريري أفكر: هل ستنجح الخطة فعلًا؟ وهل سنغادر العراق بسهولة؟ أم ستظهر عقبات قبل سفرنا؟
تمتمت: يا رب، اجعلها تمر بسلام…
فجأة رن هاتفي. نظرت إلى الشاشة، كان الرقم مجهولًا. ترددت في الرد. خطر في بالي أن يكون F. ثم قلت لنفسي: لا، لم يتصل بنا يومًا. كان يكتفي بالرسائل فقط.
إذن لا بد أن المتصل شخص آخر.
ضغطت زر الإجابة وقلت: نعم، من المتحدث؟
جاءني صوت رجل يقول: اخرجوا من العراق يوم الأحد. F سيقتل والدة دانيال. وقد أعذر من أنذر… أردت فقط أن أحذرك.
انتفضت جالسة وقلت بحدة: من أنت؟
قال بهدوء: أنا مؤمل.
تذكرت فجأة وقلت: أنت الذي ضربت الضابط حسن صباحًا؟
- نعم. أنا المعروف بلقب المكبسل.
قلت بذهول: وأنت من جاء إلى المطعم حيث أعمل، ثم اختفيت فجأة؟
- هذا صحيح.
سألته بحدة: لماذا تفعل كل هذا؟ على الأقل أخبرني… بماذا أسأنا إليكم؟
ساد صمت قصير، ثم قال بصوت غامض: رُبّما ستعرفين السبب قريبًا، إن ترككم F أحياء.
يتبع ...
-
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل العشرون 20 - بقلم .
روايـة: شـخوص داخـلة
مُهـم: "لِا تنـسون التصويـت⚫.
" أحتاج لقائكِ دون إعدادٍ مُسبق
أو ترتيبات تهدئ روع شوقي إليكِ
كمفاجأة كلحظةِ مطرٍ في فصلِ الصيف
تسقطين على ظمأ صدري
فتتلاشين بي".
________
غلق الأتصال بدون ما ينتظر جواب مني رجعت أتصلت عليه طلع إلي مُغلق..
بعدها أتصلت مباشرةً علئ "دانيال" و سولفت الهُ كُل شيء..
دانـيال: شلون عِرف رقمچ ؟
لـورين: صُدگ تحچي ؟ يمعود صارت أسهل من شربة المي عدهم أرقامنا يعرفوها بنفس اليوم إلي نغير سيم كارت ونشتري جديد..
دانـيال: هممم هم صِح..
لـورين: شنو رحَ نسوي ؟
دانـيال: رح أبقى گاعد ومُسدسي بيدي وعيوني علئ أمي وأحِرص البيت للفجر بـَس تطلع الشمس أطلع أخذها وياي ونروح نسوي المعاملة والجوازات واحجز تذاكر وكُل شيء أجهزة إن شاء الرب
لـورين: اليوم خِميس بعد يومين علئ يوم الأحِد نلحگ نطلع من العراق ؟..
دانـيال: أي أكيد نلحگ إن شاء الرب..
لـورين: أمين يله تصبح علئ خير
دانـيال: و أنتِ من اهله يابة..
••••
اليوم الثاني راح دانيال حتئ يحجز طلعنا أني وأمي للكنيسة من الصبح الساعة بـ7 وصلنا بـ8 ونص لأن كُلش بعيدة عن بيتنا صلينا ودعينا . .
شغلت شمعة وتُحاضنّن يداي أبتسمتُ بيأس شديد وأغمضتُ عِيناي بألم . .
يا أمنه يا مريم العذراء أحنا حاليًا بوسط الخراب والدم وأنعدام الضمير للأسف والأحِساس . .
إن شاء الرب و بالدعاء نتوفق و نروح لتركيا بالسلامة وما تكون هُناك عراقيل
صِح صعبة فكرة إن نترك بيتنا وأصدقائنا ومدينتنا والأهم وطنا ، لكن !! فكرة إن بأي يوم وعلئ أي ساعة ننقتل ونمِوت علئ يد المُجرم أصعب ومُخيفة يا أمنة العذراء أرجوكي هِبي لي الصبر والقِوة العظمى لمواجهة مصارع الحياةِ..
صحِيح رح نطلع حتئ نتخلص من F لكِن قلبي ما مرتاح ولِا مطمئن لهذِه السفرة السريعة ومن جهة ثانية أحِنا رح نروح للموت برجلينا
لأنُ F ديلعب علئ أعصابنا وخلانا نشك من جهة أكد إلنا هو بتركيا ومن جهة ثانية صارت جريمة قتل قُتيبة وكثير أشياء غريبة سببها هو أكيد
بيوم مقتل قتيبة أني تكلمت معاهُ وشفته وهو إلي دعمني لهذا دخت ودخلت بمتاهة عميقة
إذا F موجود بالعراق شيء أكيد، لعد إلي بتركيا منو يكِون ؟
معقولة قُتيبة وارانه صورة شخص الغلط وكذب علية ؟ حتئ يشغل ذهنا وما نفكر بي ونُستبعدة ؟ ونفكر بشخصية مو شخصيتة ؟
تنهدِت بضيق طفيت الشمعة وطبعتُ قبلة علئ الصليب المُعلق . .
الأب كلاديوس قريب مني يقرأ ويرتل بالآنجيل صلوات القداس بصوت مسموع . .
أنتبه إلي وسكِت نهى قرأته وَ رجع الكتاب المُقدس بمكانه . .
باوعلي وأبتسم گال لي:- الرب ينور طريقچ يا بنتي
جاوبتة بأبتسامة: "شكرًا أبي..
أنتظرت أمي تخِلص الدعاء وصلاوتها خلصت وطلعنا رجعنا للبيت . .
مرت يومين بهدوء ، السبت الساعة 5 المغرب دانيال سواها فعلاً وحرق سيارتي بعدما أتفق ويا صديقي والدي المرحِوم ما أهتميت للسيارة بگد ما مهتمة إنُ نرتاح ودعينا يارب F ما تعبر عليه هذِه الخطة لأنُ هو ذكي بس بقائنا بالعراق وعدمة مسبب خطر بالنهاية حتئ بروحتنا لتركيا خايفين وما مطمئنين. .
صار الأحِد يوم الموعود الي تهددنا بي علئ أساس اليوم رح يقتل أم دانيال . .
طلعنا الصِبح لتركيا الساعة 6 ونص الموعد الحجز رحنا للمطار أنتظرنا وتالي قلعت الطيارة وصلنا بالسلامة بعد ساعـات قليلة لتركيا . .
حجز الفندق صار علئ دانيال حجز إلنا غرفتين وحدة هو وأمة والثاني أني و أمي
الغرفة بيها سريرين ريحنا أجسامنا وسبحنا وتمددنا نمنا نومة عميقة . .
وثاني يوم راح دانيال يدور علئ شقة سكن تكفينا أربعتنا . .
خابرت أمي أبو ايثان صديق والدي الرب يرحمة گالت إله شنو صار بغيابنا أمس ؟
جاوبها:- كلها تعرف بالحادث وعِممنا خبر وفاتكم لكن!! اجه شخِص غريب ولابس قناع أسود ملثم ما عرفت أسمة ولِا شفت وجهة
سئل علئ المُستشفى إلي علئ أساس نقلت جثثكم، بقيت ساكت اضطريت أنطي أسم عنوان أحدئ مُسستشفيات بغداد حتئ يقتنع وأبعد الشك عن تفكيرة
جاوبتة أمي بصوت متقاطع:- يعني كذبت عليه..
جاوبها:" أي لعد اخلي يشك بحقيقة وفاتكم ويكشف الخطة يا أم لورين ؟
- أخي فدووه لرب أنتبة علئ نفسِك هِذا F أكبر مُجررم
- صُدگ ؟ تِره ما چنت أدري بي هو! بـَس كان تعاملة حلو ما خطر علئ بالي أبدًا هو القاتل المجهول
- أبو ايثان حاول تأمن علئ نفسِك حياتك صارت بخطر أنطي خبر للشرطة؟!
- لِا قابل جبان وقابل هو شيسوي ؟
- كُل شيء بيده يسوي لِا تستهان بي
- گاعد بيتي ما مأذي أحِد مُجرد ساعدتكم بالسفرة لتركيا وخروجكم من العِراق
- وأحنا كذلك شنو سوينا ؟ لِا أذينا شخص ولا ذنبنا والجرائم صارت ما تنعد بحياتنا لكثرتها
هذا السؤال إلي ما لگينا اله جواب شنو أرتكبنا حتئ نتعاقب بالقتل والمِوت ؟
سكِت ما جاوب بـَس تنهد كملت كلامها أمي وگالت إله:- اليوم أحد أخي أنتبة فدوه أنتبة علئ نفسك أطلع من بغداد لِا تضل بليل لوحدك!
- يا أم لورين لِا توتريني إن شاء الرب ما يسويلي شيء لأنُ أنا ما عندي صلة قرابة بعائلتكم يعني بصورة أوضح لِا أولاد عم ولا أخوه علئ الأقل، فقط أصدقاء فما أعتقد يضرني لأنُ ما رح يستفاد شيء مشكلتة مو وياي . .
بعد حديث طويل أنتهِت المُكالمة نصحتة أمي يطلع خارج بغداد بـَس للأسف رافض الفكرة وگال ما يصير عليه مكروهِ أطمئنوا . .
طلعت أمي كتاب الإنجيل وكفت تقرأ وترتل الأيات ودموعِها الحارة تنزل علئ خدهِا الحِنين كالشلال بالنهاية طبعتِ قبلة دافية علئ الكتاب المُقدس . .
گعدت علئ السرير وگعدت أني بصفها وهمستُ لها . .
- ها يا أمي شنو صار ؟
لزمت قلبها وجاوبتني بضيق النفِس:- يمكن أستعجلنا بقدومنا الئ تركيا !!
- لِاا لِا تگولين هيچ بالعكس أحِسن شيء سواينا رغم العواقب القادمة . .
تِره إذا باقيين بالعراق العظيم رح ننقتل ومحِد يهتم وحقنا ضايع بالحالتين هو F منو يگدرله؟
علئ الأقل هنا بتركيا أكوو قانون أكوو دولة تحكم أكوو ناس طيبة وخيرهِ مُستحيل يگدر يأذينا أحنا مو بالعراق يا أمي الحبيبة . .
سكِتت بعدما أقتنعت بكلامي لكن بقى الخِوف يملك قلبها ويتولد بداخلها هي فقِط . .
مُر أسبوع و أحنا بتركيا مُستقرين هذِه الأيام يمكن أعتبرها أحلى أيام بالنسبة إلنا صدقًا
لأنْ نطلع وندخل وننام ونگعد ما متوترين ولا خايفين وقلقانين بسبَب F لأنُ أحنا مو بالعراق
گلت لـ "دانيال" أخابر علئ ماتيلدا حتئ نلتقي بيها بـَس! رفض، رفض قاطع
وگال ممنوع مو هسة ننطيها عِلم بقدومنا نشوف وضعها شنو ونگدر نلتقي بيها بأمان أو لِا ؟ ..
من الهدوء إلي صار تأكدنا إنُ F هو بأرض العراق مو بأراضي تركيا
بـَس نرجع ونشك من جديد بخصوص من أتذكر الصورة إلي شفتها أني، بالمركز الشرطة
قُتيبة كان عندِه معلومات ومن أنقتل مُستحيل نعرف بعد عن F معلومة
مر أسبوعين والوضع نفسة ما أتغير، ولِا صار شيء جديد مُجرد دانيال يبحث عن شغل إلنا أني وهو، لأنُ فلوسنا ما تكفي هواي أيام، وكذلك فلوس الإيجار الشقة . .
الأيام مرت بسرعة حسيت بسرعة زمنية هائلة، أم دانيال و أمي يخترعن أكلة جديدة لو يبتكرن شغلة يسونها وهنه گاعدات حتى ما يحسن بالملل لوحدهن
أما أني ودانيال بكُل ليلة نطلع من الشقة نگعد علئ رصيف شارع المنطقة ونخطط ونسولف، بدينا نرسم خطة إذا التقينا بـF نگدر نتدارك الموقِف بسهولة بذكائنا . .
أما بالنسبة لـ"ماتيـلدا" ما خِايفين عليها!
لسببين، الأول:- قوية تگدر تحمي نفسها وتحمي أختها وتعرف تتصرف طبعًا إذا شكت وحست بالخطر تگدر تواجة ما تخاف ولا تضعف وهذِه نقطة إلها
أما بالنسبة لسبَب الثاني:- وهو F لو يريد يقتل ماتيلدا كان نفذ مطلبة من زمان وقتلها بليلة مقتل عائلتها لكن هو ما حاول يقتلها
لأسباب أثنين:- لو يحبها من سنين ويريد تكون ملكة هو فقط..
لو:- يريدها تساعده بموضوع يخصه..
وأحنا علئ الأغلب شاكين أكثر شيء بالسبب الأول لأن مُوقع أكثر نوعًا ما . .
وبيوم گاعدين أني وأمي وأم دانيال ناكل تفاح أخضر حامض ونباوع علئ برنامج طالع علئ التلفزيون ومحِد يتكلم كان الهدوء سيد الموقف
رن الجرس گمت بخطوات هادئة فتحت باب الشقة صار أمامي دانيال بـَس مو طبيعي
عيونه حُمر دم بالمعنئ الكلمة، من عيونهُ الذابلة فسرت كُل شيء وجاوبتة بسرعة :- منو إلي أنقتل ؟؟!
جاوبني بصوت مخنوگ:- أبو ايثان..
شهگت وايدي علئ صدري فتحت عيوني بوسهم بصدمة ما لحگت اسئل واحچي كلمة سمعت مباشرةً صرخت أمي من الصالة !!
دخل للشقة وقفل الباب ركضنا بسرعة مغمي عليها بمكانها، أم دانيال تفرك بيدها وگالت:- لورين عمة بسرعة جيبي مي استعجليي
هزيت راسي برجفة وگلت إلها:- آي آي صاار..
انطيتها ورشت علئ وجها قطرات مي باردة دقايق قليلة أستجابت تالي فتحت عيونها غسلنا وجهة بالكامل
رفعت شعرها وشديته للأعلى وعدلت گعدتها خليت مخده وره ظهرها وهمست وأني أباوع إلها:- أمي حبيبتي فدواتچ گلبي خلصان مو بحمل مصائب وقهر أكثر وگفتي گلوبنا !!
بقت مُلتزمة وضع السكوت ما نطقت أي كلمة ولِا حرف بـَس تباوع إلنا بصدمة عرفنا صدمتها بسبب مقتل أبو ايثان . .
همست بضعِف:- الرب يرحمة !!
دانـيال: أنقتل علئ يد F يوم إلي اجينا بي لتركيا يصادف الأحد بليل لگو جثته بالمنطقة إلي بيها بيت ماتيلدا نفس مكان إلي لگيت لورين مدعومة ومرميه علئ الأرض ونفس المكان إلي أنقتل بي قتيبة . .
ضليت صافنة بوجهة متفاجئة جاوبتة:- شلون دريت بخبر قتلة ؟
دانـيال: صديقي إلي بمنطقتنا خابرني قبل كم ساعة وگالي علئ هذا الخبر
- اهِ!..
دانـيال: يا عالم رح أتخبل إذا F بالعراق وهذِه الجريمة تأكد هذا الشيء من باچر أتصل علئ ماتيلدا أروح إلها !!
جاوبتة أحاول أهدي من أنفعالة يحچي بصوت مخنوگ وبكلمات متقاطعة حسيته صدگ لأن يفقد الوعي . .
- دانيال بس فدوه علئ كيفك لِا تحچي بعد لِا تتعب ما داتشوف وجهك وعيونك الحمر شلون صايرة
گلت هيچ ولزم الكرسي گعد بالعكس عليه ولزم گلبه ركضت اله ودموعي صارن علئ خدي حچيت بخنگه:- ها دانيال عفية لخاطري لِاا تضعف F هو السبَب هوو المجرم هوو القاتل أحنا مظلومين ما إلنا ذنب يا ناس ما إلنا ذنب فدوووه امسك نفسك أروحلك فدوووه
دانـيال: لچ عُمررري يا قوووة تضل جاوبيني ؟ وأحنا كُل يوم نسمع بواحد من أحِبابنا ينقتل لو ذبح من الوريد للوريد لو رمي برصاصة بنص صدرة وراسه لو أعدام شنق من رگبته
عايشين أحِناا بغابة وبلعبة ومتاهة غامضة، F إذا ما يمووت حياتنا رح تنتهي قريبًا علئ ايده صدگيني!!
- شنو بيدنا نسوي ياروحي لحظة اجيب الك كلاص مي وجهك أحمرر لا ينغمي عليك بس انت ضليت إلنا لا تضعف برب يسوع بـَس أنت سندنا إذا تتعب وتضعف منو إلنا أحنا
سكِت ما جاوبني ركضت للمطبخ بسرعة ترست كلاص مي من الدولكة إلي بالثلاجة ورجعت للصالة لازمة الكلاص ما گدر ياخذه ايده ترجف شربته بيدي حالتة صارت يُرثى لها
أمي هدئت ومرت ساعتين وهي ساكتة حاولت اسرق من فمها حرف واحد علئ الأقل لكن ماكو نتيجة تمددت نامت بالصالة والقهر ياكل روحها جزء جزء
أم دانيال غلبها النعاس من شافت أمي نايمة بسابع نومة خلت مخدتها ونامت بصفها . .
ضلينا گاعدين وحدنا واحد صافن بالثاني وأمامنه أمهاتنه نايمات . .
گال:- لورينه ؟
- هاَا عيني ؟
- رح أخابر ماتيلدا مشتاق إلها يابة مشتاق حِييييييل
وبسبب هذا الخبر خفت لِا أخسرها وياكلني الندم لأن ما انطيتها علم بالي عرفنا عن F
- لِا تخاف علئ ماتيلدا قوية صدگني، صِحيح هسة هي بعلاقة حُب بـَس أبدًا من تعرف الحقيقة ما تحكمها مشاعرها
ورح تنتقم من إلي حاربنا وأرتكب كل الجرائم البشعة والرب يسوع أني واثقة
جر نفس وگال:- صليبي وينه ؟
- لحظة..
رحت فتحت الميز طلعت الصليب وتقربت منه لبسته برگبته ورجعت بمكاني گعدت . .
دانـيال: اگلچ يابة أمشي نطلع بره
هزيت راسي "أي" أخذت جاكيتي وطلعنا لازم أيدي گعدنا علئ الرصيف الوقت متأخر شوي، ومحِد من الناس طالعة فقط سيارات تعبر علئ الشارع العام نلمحها . .
طلع موبايلة من جيب بنطرونه راد يتصل علئ ماتيلدا وهي أتصلت !! بقئ صافن علئ الرنه مصدوم ما متوقع تتصل وعيونه صارت تلمع بحُب ما مصدگ..
ضحِكت وگلت إله:- القلوب علئ بعضها ؟
هز راسه وجاوبني:- أساسًا هي گلبي..
سكِتت أباوع بوجهة شلون فرحان وأحس فراشات تتراقص بقلبة ونسى الأتصال رح يفصل
تالي ركز وأنتبة وجاوبها . .
طول المُكالمة ساكتين تالي گال إلها مشتاقلچ حچاها بغصه وخنگه . .
ما گدرت احچي اختنگت وبسرعة ركضت أبتعدت من سمعت صوت شهگاتها وبچيها گلبي أنعصر وانمرد، مُستحيل إلي الموت بكبرة ما ينزل دمعة وحدة من عينها هيچ الحُب خلاها تنسئ شخصيتها القديمة ومن الأشتياق تبچي!
مُستحيل لعد شگد متغيرة! وين ماتيلدا القديمة؟ أحساس غريب وموقف أغرب، حسيت بالحُب والأشتياق والغرابة
رجعت لدانيال أمسح بدموعي شفته مخلي راسه بين ايديه وبس اجتافه تهتز
ركضت بسرعة سحبته لحضني أصبره ما حچه شيء أسمع بس صوت شهگته مسحت دموعة ودموعي نزلت :- لِا بالرب عليك اليسوع لِاا فداوي لك لاااا تبچي شوف حالتك شدايصير بيك احچيلي !!
تنهد وجر نفس طويل أبتعد عني فرك عيونه الذابلة وراسه عدل گعدته ودنگ علئ الأرض وگال بخنگه:- لو تدرين ماتيلدا شنو بالنسبة إلي هي روحِي هي مثل الكرامة التنقري بدمع الزلم
- ميخالف دانيال الزم روحك قوتك تلاشت أصبر إن شاء الرب نلتقي بيها وترجع إلنا ونرتاح من كُل قهر وألم عشناهُ وترجع حياتنا الطبيعية صدگني تهوون
- التعب واصل حدر عضمي واگول تهون
- صدگني تهون وتصير سوالف تعودنا أحنا علئ الحزن والقهر مو جديدة علينا
- لچ سمعت صوتها ورجعت لقبل سنتين من ودعتها وسفرتها بيدي ودعت روحِي لو أدري رح تتغير وتحُب وتنسئ شخصيتها وتضعف والحُب يعمى علئ عيونها ما أدزها هنا لچ اااخخ يابه
عظ أصبعة بقهر وزفر نفس وكمِل كلامة:"لچ شهگت وبچت نزلت دموعها ماتيلدا تبچي لچ من شوووكت رايد أفتهم ؟؟
- دانيال لاِ تنسئ سنتين وأكثر مُبتعدة عنة أكيد متغيرة مو نفسها القديمة
من أصعب المواقف إلي مرت بصداقتي لدانيال ما شايفته مقهور هلگد الا بهذهِ الليلة غير لدرجة رجعنا للشقة وما نمنا للأسف أسمع صوت حسراتة وأسكِت ما بيدي شيء أسويه گلت أخلي يطلع إلي بگلبة علئ راحتة وما أتدخل لأنُ لو يسكت رح يكتم البداخلة بالتالي رح ينفجر . .
مِر شهر و شهرين وثلاثة ودانيال ما خابر ولا أتصل علئ ماتيلدا ولاِ راح لمنطقتها علئ الرغم يندل مكان سكنها ومكان الشركة إلي تشتغل بيها لكن گال :"ننتظر إبريل هو إلي رح يكشف المضموم بدون ما نتعب نفسنا ونحچي..
أستغربت من بروده أخذت بكلامة وسكِتت هو أعرف وأدرى مني . .
دخلنا بشهر الرابع شهر المعروف بالنفاق والكذب "إبـريل" وصار موعد تاريخ عيد ميلادها السيء إلي من سنة 2006 أعتبرنا يوم مشؤوم بسبب الحدث القوي والجريمة إلي أرتكبت بهيچ تاريخ
وخسارة ماتيلدا بليلة عيد ميلادها وبهت فرحتها وأعلنت الحداد وبداية دخول السواد لحِياتها
••••••••••••••
تـركـيا - إسطنـبول - إبريـل 2011
ماتـيلدا ''
بداية يوم جديد گعدت الساعة السادسة صباحًا غسلت بشرتي بمي بارد أنتعشت
دخلت للمطبخ بمُا إن اليوم برهم قدملي أجازة هدية بمناسبة ميلادي وگال لِا أداومين فعاجبني أغير ما أشرب قهوة رغم أعتيادي عليها بكُل يوم أحتسيها
أخذت ليمون قطعتة بشكل شرائح خليت قطع ثلج والقليل من أوراق النعناع الإخضر بكوب مي دافي ، شغلت أغنية فيروز (أنا لحِبيبي) سويت بيض عيون طلعت خبز حميتة بالفرن وادندن بكلمات الأغنية وأتمايل مُبتسمة
انــآآ لحبيــبي وحبيــبي آلـي .. يــآآ عصفــورآآ بيضــآآ .. لآآ بـئ تســألي .. لآآ يعتــب حدآآ .. ولآآ يزعــل حــدآآ .. آنــآآ لحبيــبي وحبيــبي آلي
علئ نهاية الأغنية دخلت كاردينيا تفرك عيونها بنعاس رفعت شعرها للأعلئ وشدته وگالت بضحكة:" صباح الخير أختي
- صباح الحُب صباحچ أني..
كارديـنيا: اليوم گاعدة من وقت نشيطة وفيروز من الصِبح شعجب ؟
- مزاجي وردي حِبيت أغير ههههه
ضحِكت بادلتها بأبتسامة عريضة طلعت تغسل وجهة وتالي لمحتها دخلت للغرفة . .
حظرت الفطور وكملته خليتة علئ الطاولة بترتيب گعدت بهدوء علئ الكرسي باب المطبخ مفتوح گلت بصوت مسموع:" أختي تعالي يلة حظرت الأكل تعالي..
أجاني صوتها وهي تگول:" أجيت بـَس لحظة..
- يلة قبل لِا يبرد..
- أي صبري أجيت..
بلشت أكِل سميت بالرب ثواني قليلة وحِسيت علئ لمسات ايديها الدافية حاوطت عيوني همست بأذني:" كُل عِام وأنتِ قوتي وسندي"
كُل عِام و أنتِ الخير بحِياتي كُل عِام وأنتِ أكثر من كونچ أختي أنتِ صديقتي وأمي وروحِي الوحيدة وأختي القوية أحبچ هِوووواي..
أبتسمتُ ولزمت ايديها ورديت عليها:"عسى ما أنحِرم منچ ولِا من صوتچ الحلو الحِنين وكلامچ الجبر خاطر مثل البلسم والمي البارد ينزل علئ القلب كُل عاِم و أنتِ كُل عائلتي وحِياتي الوحيدة..
گمت من الكرسي وحضنتها ..
كارديـنيا: كُل عام وأنتِ بألف خير
- يا رب الأيام القادمة تكون خير مو مشؤومة ولِا سيئة ومُبتعدة كُل البعد عن الدم والقتل
كارديـنيا: اوووهِ لِا تتذكرين الماضي أنسي خلينا نفرح بهذا اليوم
- إن شاءالرب..
سكِتنا شويه صفنت علئ وجهي رئستًا نزلت دموعها علئ خدها وگالت:" لو أمنا ويانا كان أحتفلت بيچ مثل السنوات الماضية كان أبونا يهدي الچ هدية وهِو متلهف يريد رأيچ بيها
- كاردينيا مو گلتي ننسئ الماضي قبل شوي ؟ بالأخص بهذا اليوم لِا تفتحين جروح إذا مُمكن
هزت براسها "أي" سحبت أيدها حضنتها لصِدري مسحت علئ شعرها وهي حاضنتني من خصري همست بأذنها:- لِا تنقهرين حِبيبتي أدعي الرب يرحمهم وينتقم من كان سبب قتلهم، صار إلهم 6 سنوات متوفييّن أدعي إلهم بالمغفرة والرحمة أني مؤمنة إنُ هم عند الرب أحِسن من الدنيا بهوايه يا روحِي أنتِ . .
كارديـنيا: أمين ، تدرين شنو أتمنئ ؟
- شنو ؟
كارديـنيا: أشرب من دم F بكُل رغبة رايدة أعذبة وأندمة وأقتلة أخلي بالأول يتمنئ الموت مني يلا أقتلة بموته بشعة ما يتصورها عقلة أبدًا
- الرب كريم أني كنت أخطط لهذِا الشيء لكن مخططاتي أنهدمِت كُليًا بسبَب حُبي لإبراهيم وكذلك أختفاء صديقي دانيال الرب يعلم شنو صار وشلون حالتة ؟
كاردينـيا: أنتِ ليش ما تحاولين تعرفين وتلحين علية بالأسئلة ليش ساكتة عن الموضوع ؟
- لأنُ شاكة بالمجرم مهددة بشيء أَو لازم علية شغلة مُستحيل أختفاء دانيال فجأة يكون بدون سبَب لازم الموضوع مُتعلق تعِلق تام بـF وأني ساكتة لصالحة قابل شنو رايدة مني أسوي ؟
مثل ما تشوفين أتصل علية يطلع إلي مُغلق لو مشغول ومرات يرن بـَس ما يجاوب . .
أخر مرة سمعتُ صوتة قبل 3 أشهر بيوم إلي شفت بي F أتصلت علية لأنُ كنت صُدگ محتاجتة ومحتاجة أسولفله وأشكيله همي واگله علئ الرعب ألي عشته
لكن بـَس صوت أنفاسه أسمعها ما حچه أي كلمة متغير دانيال كُلش متغير بحيث شكيت أحِد گاعد يمة أو متهدد لذلك ما يگدر يحچي!
تالي گلتله علئ خطوبتي من إبراهيم بشهر الـ5 گال الرب يسعدچ ما لحگت أجاوبة واحچي وياهُ غلقة بوجهي . .
ماتيلدا القوية ضعفت يا أختي ما عندي أي قوة من بعد إلي صار بحياتي وبالأخص من أخر موقف شفت بي F أعترف ضعفت وقوتي تلاشت للأسف
أعترف كنتُ قوية جدًا صلبة لِا أهاب لشيء ومن ثم أقل قوة ومن ثم ضعيفة خافي مني إذا صرت أشد ضعف لأنُ بهذيچ الساعة ماتيلدا تموت وتنولد شخصية جديدة من بعد الضعِف قسوة اقسئ من الموت بل أشد
الشيء الوحيد إلي مصبرني لعدم أنهياري هو أنتِ و حُبي إبراهيم لو ما أنتو بحِياتي أني ميتة صدگيني لو أخسركم أني ما أعِيش ..
أبتعدت عني وگالت:" شششش لِا تفكرين سلبي وبالموت إن شاء الرب نكون سوية دائمًا والرب يديم حُب إبراهيم الچ وتبقون سوية
سكِتت هازه راسي بالقبول . .
گعدنا علئ طاوله ..
رددنا الدعاء قبل الأكل بصوت واحد . .
" باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد آمين.
ايها الملك السماوي المعزي، روح الحق الحاضر في كل مكان وصقع، والمالئ الكل، كنز الصالحات ورازق الحياة، هلم واسكن فينا، وطهرنا من كل دنس، وخلص ايها الصالح نفوسنا.
قدوس الله قدوس القوي قدوس الذي لا يموت ارحمنا
المجد للآب والابن والروح القدس، الان وكل اوان والى دهر الداهرين، آمين.
ايها الثالوث القدوس ارحمنا، يا رب اغفر خطايانا، يا سيد تجاوز عن سيئاتنا، يا قدوس اطلع واشف امراضنا من اجل اسمك. يا رب ارحم، يا رب ارحم، يا رب ارحم.
المجد للآب والابن والروح القدس، الان وكل اوان والى دهر الداهرين، آمين.
ابانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليات ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض، خبزنا الجوهري اعطنا اليوم، واترك لنا ما علينا كما نترك نحن لمن لنا عليه، ولا تدخلنا في تجربه، لكن نجنا من الشرير، آمين.
بصلوت أبائنا القديسين أيها الرب يسوع المسيح إلهنا إرحمنا وخلصنا، آمين.
أعين الكلّ إياك تترجى وأنت تعطيهم طعامهم في حينه، تفتح يدك فيمتلئ كلّ حي
سروراً.
ياكل البائسون ويشبعون ويسبحون الرب، والذين يلتمسونه تحيا قلوبهم الى الابد.
بصلوت أبائنا القديسين أيها الرب يسوع المسيح إلهنا إرحمنا وخلصنا، آمين".
أبتسمنا بعد الدعاء بلشت كاردينيا تاكل حِسيت بعد الكلام والحوار إلي صار بينه ما إلي نفس أكل نهائيًا
گاعدة أمامي تتريگ وأني صافنة ساكتة عقلي دا يفكر بشنو رح يصير اليوم يا ترى ؟
تنِهدت وگلت: " الحمد للرب دايمة ..
كارديـنيا: لكن أختي ما أكلتي شيء ؟
- بالعكس أكلت
كاردينـيا: شبيچ ضايجة مو گلنه ننسى ؟
- هههه نسيت نسيت
قبل ما اگوم رددت الدعاء بعد أنتهاء الأكل..
"المجد للآب والابن والروح القدس، الان وكل اوان والى دهر الداهرين، آمين، نشكرك ايها المسيح الهنا لانك اشبعتنا من خيراتك الارضية فلا تحرمنا من ملكوتك السماوي، بصلوت أبائنا القديسين أيها الرب يسوع المسيح إلهنا إرحمنا وخلصنا، آمين".
غسلنا المواعين نشفت ايديه ورحِت للغرفة اجتي وراي . .
گلت إلها:" أريد أروح للكنيسة حابة أبدي عمري الجديد الـ27 ببركات الأب الأب كلاديوس
كاردينـيا: تمام وهذِا أحسن شيء لعد نروح
- تمام بدلي..
لبست بنطرون وقميص بأعتبار الجو مو كُلش بارد بمدينتنا وأني بطبعي أتحمل البرد ما أهتم عكِس أختي لبست قمصلة . .
طلعنا من الشقة صعدنا بسيارتي وأنطلقت والتفكير ما خله من راسي والسؤال يتردد شنو رح يصير بهذا اليوم ؟
يا رب لِا تفجعني بشخِص . .
رن موبايلي طلعته كاردينيا من جنطتي وأنطته إلي شفت المتصل "برهم قلبي"
ضغطت رد وأني أسوق جاوبتة:" هلوو..
إبراهـيم: هلا حبيبتي صباح الخير
- عُمري صباح النور..
إبراهـيم: أنتِ وين حاليًا ؟
- طالعة من الشقة مُتجهة للكنيسة أني وأختي
إبراهـيم: مممم تمام لِا تتأخرين هناك
- أي تمام..
ضحِك وگال:" آآي..
رديت بضحِكة:" آآيي ؟
إبراهـيم: شلونچ ؟
- زينة و أنت ؟
إبراهـيم: إذا أنتِ زينة أنا زين وَ بخير
سكِتت عيني علئ الطريق ايدي تسوق وايدي الثانية لازمة الموبايل..
إبراهـيم: آآي ؟
- حبيبي شعندك متصل ؟
إبراهـيم: هيچ أسمع صوتچ وأنا أشتغل
- ما عندك سالفة يعني
إبراهـيم: ما عندي شيء صراحةً
- هههههههه مو اگُلك فارغ..
إبراهـيم: رايد أكتمل بيچ
- أووي..
إبراهـيم: جبر خاطر هاي تذوب كُل الرجولة إلي بية لچ يابة..
- أحبك..
إبراهـيم: مو بگدي شرسَـتي..
- خلي أوصل للكنيسة للدعاء، من أرجع للشقة أتصل أتفقنا ؟
إبراهـيم: هذا هو تمام أنتبهي علئ نفسچ
- و أنت هم يله عُمري باي..
- الله وياچ حِبيبتي..
غلقته منه رجعت الموبايل لجنطتي..
كارديـنيا: شعجب ما عايدچ ؟
- گال إلي رح أسوي حفلة بسيطة بليل وعشه بمطعم بمناسبة ميلادچ اليوم، فأعتقد أجل المعايدة لليل
كارديـني: مممم بس تعجبت..
- عِادي هي معايدة مو مهمة بالنسبة إلي
كملت طريقي وصلنا للكنيسة بعد ساعة كُلش بعيدة عن شقتنا وبالرجعة هم اتأخر..
دخلت قليل ناس موجودة شغلت شمعة طبعتُ قبلة علئ الصليب المُعلق كاردينيا واگفة يمي تدعي والأب يرتل الأنجيل المُقدس..
الساعة أمامي بـ9 صباحًا صار موعد صلاة الثالثة الإنجيلية..
بدينا نصلي الصلاة أني وأختي والناس الموجودة..
"أغْسِلُ يَدَيَّ فِي النَّقَاوَةِ، فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ، لأُسَمِّعَ بِصَوْتِ الْحَمْدِ، وَأُحَدِّثَ بِجَمِيعِ عَجَائِبِكَ. يَا رَبُّ، أَحْبَبْتُ مَحَلَّ بَيْتِكَ وَمَوْضِعَ مَسْكَنِ مَجْدِكَ"[46]. ويقرأ أيضا: "أَرْسِلْ نُورَكَ وَحَقَّكَ، هُمَا يَهْدِيَانِنِي وَيَأْتِيَانِ بِي إِلَى جَبَلِ قُدْسِكَ وَإِلَى مَسَاكِنِكَ. 4فَآتِي إِلَى مَذْبَحِ اللهِ، إِلَى اللهِ بَهْجَةِ فَرَحِي، وَأَحْمَدُكَ بِالْعُودِ يَا اَللهُ إِلهِي"[47].
"لِيَسْتَجِبْ لَكَ الرَّبُّ فِي يَوْمِ الضِّيقِ. لِيَرْفَعْكَ اسْمُ إِلهِ يَعْقُوبَ. لِيُرْسِلْ لَكَ عَوْنًا مِنْ قُدْسِهِ، وَمِنْ صِهْيَوْنَ لِيَعْضُدْكَ. لِيَذْكُرْ كُلَّ تَقْدِمَاتِكَ، وَيَسْتَسْمِنْ مُحْرَقَاتِكَ. سِلاَهْ. لِيُعْطِكَ حَسَبَ قَلْبِكَ، وَيُتَمِّمْ كُلَّ رَأْيِكَ. نَتَرَنَّمُ بِخَلاَصِكَ، وَبِاسْمِ إِلهِنَا نَرْفَعُ رَايَتَنَا. لِيُكَمِّلِ الرَّبُّ كُلَّ سُؤْلِكَ. اَلآنَ عَرَفْتُ أَنَّ الرَّبَّ مُخَلِّصُ مَسِيحِهِ، يَسْتَجِيبُهُ مِنْ سَمَاءِ قُدْسِهِ، بِجَبَرُوتِ خَلاَصِ يَمِينِهِ. هؤُلاَءِ بِالْمَرْكَبَاتِ وَهؤُلاَءِ بِالْخَيْلِ، أَمَّا نَحْنُ فَاسْمَ الرَّبِّ إِلهِنَا نَذْكُرُ. هُمْ جَثَوْا وَسَقَطُوا، أَمَّا نَحْنُ فَقُمْنَا وَانْتَصَبْنَا. يَا رَبُّ خَلِّصْ! لِيَسْتَجِبْ لَنَا الْمَلِكُ فِي يَوْمِ دُعَائِنَا!"[49]
خلصنا لزمت جنطتي وبست الصليب:" يا أمنة العذراء أرجوكي أمنحي لي القوة بعد ضعفي..
الأب كلاديوس قرأ الأدعية توقفنا نسمع..
بالنهاية حچيت..
أصبحت ثقتي بك إلهي لا تنتهي فإن أعطيتني فلك الحمد وإن منعتني فلك الحمد لك الحمد على النصيب والقدر والمكتوب لك الحمد وقت الفرح وَ وقت الأنكسار لك الحمد بلا سبب ولا طلب لك الحمد على ما مضى وما تبقى وما هو آتٍ
طلعنا من الكنيسة ركبنا السيارة توقفت يم محل فساتين سهرة أختارت كاردينيا فستان طويل شتوي بلون الوردي وأني كذلك بس بالون الأسود تصميمه كُلش حلو ومُميز عجبني دفعت الفلوس وطلعنا ..
رجعنا للشقة إبراهيم أتصل علية ورديت..
- ليش تأخرتي ؟
- أي لأن أشتريت فستان إلي ولأختي..
سولف شوي تالي گال: "جهزي نفسچ عُمري للساعة 8 أخذچ للمطعم..
جاوبتة: " أوكِ تمام..
غلقته وكاردينيا گعدت تحظر وتلبس وتقيس وتجرب بالمكياج وتسولف شنو تسوي وشلون نحتفل وكُلش فرحانة عكسي الفرحة باهته وگلبي مقبوض ما مرتاحة..
للحِل الصراع البداخلي طفيت الضوه ونمت كم ساعة گعدت بـ5 العصر شربت قهوة إذا ما أشربها راسي يأذيني ردت أعدل مزاجي بشرابها لأنُ راسي مصدع صداع قوي..
تالي مر وقت سبحنه ولبسنه الفساتين كانت بسيطة لكن مُميزة وحلوة خاصتًا باللبس وتحتها جوراب شفاف لأنُ باردة نوعًا ما، ما نگدر نطلع هكذا
كاردينيا مكيجتني مكياج هادئ وبسيط بس غمقت باللون الحمرة وسحبت عيني بالكحل وهي كذلك نفس الشيء لكن أختلاف اللوان
صارت الساعة 8 كملنا كُل شيء أتصل علية إبراهيم گال أنزلي منتظرچ جوه..
لبسنا جاكيتات لأنُ الجو بليل جدًا بارد نزلنا سوية كانت سيارة سودة كبيرة منتظرتنة استغربنه سيارة منو هذِه ..
أنرفعت الجامة وحرك ايده إلنا وصار وجة إبراهيم گال: " يله تعالو أصعدو الدنيا باردة..
مشينا بهدوء تقربنا من السيارة فتح الباب وصعدنا مذهولين من الوضع..
أباوعلة مُبتسمة كان لابس رسمي أسود..
بادلني النظرة وگال: "لچ بوية شطالعة كيكة أنتِ ؟ أرحميني بجمالچ
ضحِكتت وأكتفيت بالسكوت..
بعد طريق طويل مُدته نص ساعة تقريبًا، نزلنا أمام مطعم فاخر كبير
أيدي كانت حاضنه ايده وكاردينيا بصفي مشينه ودخلنا بالممر كان عبارة عن ورد أبيض ..
دخلنا حاجز إلنا غرفة كبيرة جدًا معزولة عن الكُل فتح الباب وصار أمامي طاولة بيضاء مُتزينة بالورد الأصفر اللون الأحب الئ قلبي وبالوسط كيكة كبيرة الحجم، حواليه المكسرات والببسي وباقة ورد كبيرة علئ الجانب كان كُل شيء عبارة عن جمال وترتيب..
گعدنا علئ الكراسي الذهبية اللون، دخل شخِص مُتفق وياه إبراهيم إنُ يعزف إلنا موسيقئ بيده
تقرب مني وهمس بأذني:"أحبچ حِييل شرسَتي
لزم ايدي وطبع قبلة رقيقة علئ ايدي..
طلب مني نوگف حتئ نرقص علئ الموسيقئ، خجلِت نوعًا ما أخجَل بهيچ مواقف خاصتًا إنُ أختي يمي..
هزيت راسي بقبول وگمنا تمايلنا لدقائق قصيرة همس بأذني: "كُل عام وأنتِ أجمل صدفة صارت بحياتي كُل عام وأنتِ أرق أنثئ شاهدتها عيني..
الساعـة 12:00 رن صوت عالي فجأة أنطفت الأضواء حِسيت بشخِص خلفي صرخت بأسم إبراهيم منديل علئ أنفي حبس أنفاسي دخت مباشرةً وگعت علئ الأرض
يتبـع . . .
ومن هُنا تبدأ حكايتنا لتنكشف الأسرار ويتوضح الغموض✞
⭐⭐⭐⭐⭐
رأيكم بالأحداث ؟
୪ تنسون التصويت
الكاتبـة #نمـارق